٣٥٣١ - ومن تعدى على صحفة، أو عصا لرجل [بعينه] فكسرها، أو خرّق ثوبًا، فإن أفسد ذلك فسادًا كثيرًا خير ربه في أخذ قيمة جميعه، أو أخذه بعينه، وأخذ ما نقصه من المتعدي، وإن كان الفساد يسيرًا فلا خيار لربه وإنما له ما نقصه بعد رفء المتعدي للثوب.
وقد كان مالك يقول: يغرم ما نقصه، ولا يفصل بين قليل ولا كثير، ثم قال هكذا.
[ ٤ / ٧٩ ]
وكذلك من تعدى على دابة رجل فقطع لها عضوًا، أو فعل بها ما أفسدها فسادًا يسيرًا أو كثيرًا، فهي كالثوب فيما وصفنا، وكذلك سائر الحيوان.
٣٥٣٢ - وأما من تعدى على عبد رجل ففقأ عينه، أو قطع له جارحة أو جارحتين، فما كان من ذلك فسادًا فاحشًا حتى لم يبق فيه كبير منفعة، فإنه يضمن قيمته ويعتق عليه، وكذلك الأمة.
٣٥٣٣ - ومن غصب أمة فزادت قيمتها عنده أو نقصت، ثم قتلها أو وهبها أو تصدق بها، ففاتت بعنده]، فإنما عليه قيمتها يوم الغصب فقط، ولو غصبها وقيمتها مائة، ثم باعها وقيمتها مائتان، بخمسين ومائة، ثم لم يعلم للأمة موضع، فإنما لربها على الغاصب إن شاء الثمن الذي قبض فيها أو قيمتها يوم الغصب، ولو قتلها عند الغاصب أجنبي وقيمتها يومئذ أكثر من قيمتها يوم الغصب، فلربها أخذ القاتل بقيمتها يوم القتل بخلاف الغاصب، فإن كانت قيمتها يومئذ أقل من قيمتها يوم الغصب، كان له الرجوع بتمام القيمة على الغاصب.
وما أصاب السلعة بيد الغاصب من عيب قل أو كثر بأمر من الله تعالى، فربها مخير في أخذها معيبة، أو يضمنه قيمتها يوم الغصب.
[ ٤ / ٨٠ ]
وإن كانت جارية فأصابها عنده عور، أو عمى، أو ذهاب يد [بأمر] من الله تعالى بغير سببه، فليس لربها أن يأخذها، وما نقصها عند الغاصب إنما له أخذها ناقصة، أو قيمتها يوم الغصب.
وليس للغاصب أن يلزم ربها أخذها، ويعطيه [قيمة] ما نقصها إذا اختار ربها أخذ قيمتها، ولو ماتت عند الغاصب ضمن قيمتها.
ولو كان الغاصب هو الذي قطع يدها، فلربها أن يأخذها وما نقصها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم الغصب.
ولو قطع يدها أجنبي، ثم ذهب فلم يقدر عليه، فليس لربها أخذ الغاصب بما نقصها، وله أن يضمنه قيمتها يوم الغصب، ثم للغاصب اتباع الجاني بما جنى عليها، وإن شاء ربها أخذها وأتبع الجاني بما نقصها دون الغاصب.
٣٥٣٤ - ومن غصب أمة شابة فهرمت عنده، فذلك فوت يوجب لربها قيمتها.
[قال:] وإن غصبها صغيرة وهي تساوي مائة، فكبرت عنده حتى نهدت فصارت تساوي ألفًا ثم ماتت، فإنما يضمن مائة، ولو ولدت عند الغاصب ثم مات
[ ٤ / ٨١ ]
الولد، لم يضمنهم، ولو قتلهم الغاصب ضمن قيمتهم، ولو باعها الغاصب من رجل لم يعلم بالغصب فماتت عند المبتاع، فلا شيء عليه، ولربها أخذ الغاصب بقيمتها يوم الغصب لا يوم البيع أو الثمن الذي أخذه فيها، [و] لو قتلت عند المبتاع فأخذ لها أرشًا ثم استحقت، فلربها إن شاء أخذ قيمتها يوم الغصب من الغاصب، وإن شاء أخذ منه الثمن وأجاز البيع، وإن شاء أخذ من المبتاع ما قبض فيها من القاتل، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن.
ولو كان المبتاع هو الذي قتلها، فلربها أخذه بقيمتها يوم القتل، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن.
قال ابن القاسم: وإنما ضمن المبتاع قيمتها، لأن مالكًا قال فيمن ابتاع طعامًا فأكله، أو ثيابًا فلبسها حتى أبلاها، ثم استحق ذلك [مستحق]: إن المستحق يأخذ من المبتاع مثل طعامه وقيمة الثياب، وإنما وضع عن المبتاع موت الجارية، لأنه من أمر الله تعالى [يعرف] . (١)
وكذلك ما عرف هلاكه من [أمر] الله تعالى من الثياب والطعام، فلا يضمنه المبتاع.
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٢٧٧، ٢٩٠) .
[ ٤ / ٨٢ ]
وكذلك إن قطع المبتاع يدها أو فقأ عينها، فلربها أخذها ويضمن المبتاع ما نقصها ويرجع المبتاع بالثمن على الغاصب، وإن شاء ربها أجاز البيع وأخذ الثمن من الغاصب، أو أغرمه القيمة يوم الغصب.
وكذلك من اشترى ثوبًا من غاصب ولم يعلم، فلبسه لبسًا ينقصه ثم استحق، فالجواب [فيه] كما ذكرنا في قطع المبتاع يد الأمة، ولو كان ذهاب عين الجارية، أو قطع يدها عند المبتاع بأمر من الله تعالى من غير سببه، لم يضمن المبتاع ذلك، والمغصوب منه مخير في أخذ جاريته ناقصة، ولا شيء له على المبتاع ولا على الغاصب، أو يأخذ من الغاصب الثمن أو القيمة يوم الغصب. ومن غصب عبدًا أو دابة فباعها ثم استحقها رجل وهي بحالها، فليس له تضمين الغاصب قيمتها وإن حالت الأسواق، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن من الغاصب، كما لو وجدها بيد الغاصب قد حال سوقها، فليس له تضمينه قيمتها إلا أن تتغير في بدنها، وإن أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب، فإن الغاصب يغرمه.
وليس الرضا ببيعه، يوجب له حكم الأمانة في الثمن.
٣٥٣٥ - وإذا باع الغاصب الأمة، فولدت عند المبتاع أو ماتت، ثم أجاز ربها البيع، فذلك جائز.
وإن أقمْت شاهدًا أن فلانًا غصبك هذه الأمة، وشاهدًا آخر على إقرار الغاصب
[ ٤ / ٨٣ ]
أنه غصبكها، تمت الشهادة، ولو شهد أحدهما أنها لك وشهد الآخر أنه غصبكها، فقد اجتمعا على إيجاب ملكك لها، فيقضى لك بها، ولم يجتمعا على إيجاب الغصب.
فإن دخل الجارية نقص، كان لك أن تحلف مع الشاهد بالغصب، ويضمن الغاصب القيمة.
٣٥٣٦ - ومن أقام شاهدًا أن هذه الأرض له، وشاهدًا آخر أنها [في] حيزه، قضي له بها، لأنهما قد اجتمعا على الشهادة، ومعنى حيزه كقولك: هذا حيز فلان، [وهذا حيز فلان] .
٣٥٣٧ - ومن غصب أمة بعينها بياض فباعها، ثم ذهب البياض عند المبتاع، فأجاز ربها البيع، ثم علم بذهاب البياض فقال: إنما أجزت ولم أعلم بذهابه وأما الآن فلا أجيزه، لم يلتفت إلى قوله ولزمه البيع.
وقد قال مالك في المكتري: يتعدى [في] المسافة، فتضل الدابة فيغرم قيمتها ثم توجد: فهي للمتعدي، ولا شيء لربها فيها، ولو شاء لم يَعْجَل.
[ ٤ / ٨٤ ]
ومن غصب أمة فباعها، فقام ربها وقد أعتقها المبتاع، فله أخذها ونقض العتق، نقصت أو زادت، وله أن يجيز البيع، فإن أجازه تم العتق بالعقد الأول، والعتق منعقد بظاهر الشراء، والبيع لم يزل جائزًا إلا أن للمستحق فيه الخيار.
٣٥٣٦ - ومن باع أمة ثم أقر أنه غصبها من فلان، لم يصدق على المبتاع، ويضمن لربها قيمتها يوم غصبها، إلا أن يشاء ربها أخذه بالثمن، فذلك له.
٣٥٣٧ - ومن ابتاع أمة من غاصب ولم يعلم [به]، ثم ابتاعها الغاصب من ربها، فليس للغاصب نقض ما باع، لأنه تحلل صنيعه وكأنه غرم القيمة له.
ولو باعها ربها من رجل غير الغاصب ممن رآها وعرفها، كان نقضًا لبيع الغاصب، وللمبتاع أخذها من الذي اشتراها من الغاصب.
٣٥٣٨ - وإن باع الغاصب ما غصب، ثم علم المبتاع بالغصب والمغصوب منه غائب، فللمبتاع رد البيع بحجة أنه يضمنه، ويصير ربه مخيرًا عليه إذا قدم. وليس للغاصب أن يقول: أنا أستأْني رأي صاحبها.
ولو حضر المغصوب منه فأجاز البيع، لم يكن للمبتاع رده، وكذلك من افتيت عليه في بيع سلعته في غيبة ربها أو حضوره.
[ ٤ / ٨٥ ]
وإن أقمت بينة على رجل أنه غصبك جارية لا يدرون قيمتها وقد هلكت، قيل لهم: صفوها! وتُقوّم تلك الصفة.
وإن شهدت البينة أنه غصبك ثوبًا أو جارية، لا يدرون لمن تلك الجارية أو الثوب، فذلك تمليك، ويقضى عليه برد ذلك إليك.
٣٥٣٩ - وإذا ادعى الغاصب هلاك ما غصب من أمة أو سلعة، واختلفا في صفتها، صدق الغاصب في الصفة مع يمينه، فإن جاء بما لا يشبه صدق المغصوب منه في الصفة مع يمينه، ولو قضينا بقول الغاصب في القيمة ثم ظهرت السلعة، أو الأمة عنده بعد الحكم، فإن علم أنه أخفاها، فلربها أخذها ورد ما أخذ، وإن لم يعلم ذلك لم يأخذها [ربها، قال ابن القاسم:] إلا أن يظهر أفضل من تلك الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها. (١)
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٢٩٩) .
[ ٤ / ٨٦ ]
٣٥٤٠ - ومن غصب أو انتهب صرة ببينة، ثم قال: كان فيها كذا، والمغصوب يدعي أكثر، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
٣٥٤١ - وإذا ولدت الأمة بيد الغاصب من وطئه، أو من زوج تزوجها علم أنها أمة ولم يعلم بالغصب، أو ولدت من زنًا، فلربها أخذها وأخذ الولد رقًا، ويحد الغاصب في وطئه إن أقر بالوطء، ولا يثبت نسب ولده، ويثبت نسب ولد الزوج ويكون رقًا، إلا أن يتزوجها أنها حرة، فيكون عليه لربها قيمة الولد ويكون حرًا.
٣٥٤٢ - ومن ابتاع أمة [من غاصب] فأعتقها، فليأخذها ربها، وينتقض العتق إن قامت له بينة أنها غُصبت منه أو سرقت، أو أنها له ولم تذكر البينة غير ذلك، وإذا ولدت من المبتاع فمذكور في كتاب الاستحقاق.
٣٥٤٣ - ومن ابتاع ثوبًا من غاصب ولم يعلم فلبسه حتى أبلاه ثم استحق، غرم المبتاع لربه قيمته يوم لبسه، وإن شاء ربه ضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، أو أجاز البيع وأخذ الثمن.
[ ٤ / ٨٧ ]
ولو تلف الثوب من عند المبتاع [بأمر من الله تعالى، لم يضمنه، ولو تلف عند الغاصب] بأمر من الله، ضمنه.
ومن غصب من رجل طعامًا أو إدامًا فاستهلكه، فعليه مثله بموضع غصبه، فإن لم يجد هناك مثلًا، لزمه أن يأتي بمثله، إلا أن يصطلحا على أمر جائز.
فإن لقيه ربه بغير البلد الذي غصبه فيه لم يقض عليه هناك بمثله ولا بقيمته، وإنما له عليه مثله بموضع غصبه فيه.
٣٥٤٤ - وأما العروض والرقيق والحيوان، فله قيمة ذلك ببلد الغصب يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلدان، نقصت القيمة في غير البلد أو زادت.
وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر، أو تناسل من الحيوان، أو جز من الصوف، أو حلب من اللبن، فإنه يرد ذلك كله مع ما اغتصب لمستحقه، وما أكل رد المثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا يقضى بمثله.
[ ٤ / ٨٨ ]
وليس له اتباع المستحق بما أنفق في ذلك، وسقى، وعالج، ورعى، ولكن له المقاصة بذلك فيما بيده من غلة، وإن عجزت الغلة عن ذلك، لم يرجع على المستحق بشيء، وإن ماتت الأمهات وبقي الولد، أو ما جز منها وحلب، خير ربها: فإما أخذ قيمة الأمهات ولا شيء له فيما بقي من ولد، أو صوف، أو لبن [ونحوه] ولا في ثمنه إن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان ولد، أو ثمن ما بيع من صوف، أو لبن ونحوه.
وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك، فعليه المثل فيما له المثل، والقيمة فيما يقوّم، ولا شيء عليه من قبل الأمهات، ألا ترى أن من غصب أمة ثم باعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت، فليس لربها أن يأخذ أولادها، وقيمة الأمة من الغاصب، وإنما له أخذ الثمن من الغاصب أو قيمتها يوم الغصب أو يأخذ الولد من المبتاع، ثم لا شيء له عليه [ولا على الغاصب] من قيمة الأم، ولكن للمبتاع الرجوع على الغاصب بالثمن. ولا يجتمع على الغاصب غرم ثمنها وقيمتها.
٣٥٤٥ - وكل ربع اغتصبه غاصب فسكنه أو اغتله، أو أرضًا فزرعها، فعليه كراء ما سكن أو زرع لنفسه، وغرم ما أكراها به من غيره ما لم يحاب، وإن لم يسكنها ولا انتفع بها ولا اغتلها، فلا شيء عليه. (١)
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٢٨) .
[ ٤ / ٨٩ ]
٣٥٤٦ - وما اغتصب أو سرق من دواب أو رقيق، فاستغلها شهورًا، أو طال مكثها بيده، أو أكراها وقبض كراها، فلا شيء عليه في ذلك، وله ما قبض من كرائها، وإنما لربها عين شيئه، وليس له أن يلزمه قيمتها إذا كانت على حالها لم تتغير في بدن، ولا ينظر إلى تغير سوق.
٣٥٤٧ - ولو استعمل الدابة حتى أعجفها أو أدبرها، فتغيرت في بدنها، فلربها أن يضمنه قيمتها يوم غصبها أو سرقها، وإلا أخذها ولا كراء له، ولم يكن على الغاصب أو السارق كراء ما ركب من الدواب، بخلاف ما سكن من الربع أو زرع، لأنه أنفق عيهم، وهو لو أنفق على الصغير من رقيق أو حيوان حتى كبر، كان لمستحقه أخذه بزيادته، ولم يكن له ما أنفق أو أعلف أو كسا، ولو كان ذلك ربعًا وأحدث فيه عملًا، كان له أخذ ما أحدث فيه، فهذه وجوه مفترقة.
وأما المكتري أو المستعير يتعدى المسافة تعديًا بعيدًا، أو يحبسها أيامًا كثيرة ولم يركبها ثم يردها بحالها، فربها مخير في أخذ قيمتها يوم التعدي،
[ ٤ / ٩٠ ]
أو يأخذها مع كراء حبسه إياها بعد المسافة، وله في الوجهين على المكتري الكراء الأول.
والغاصب أو السارق ليس عليه في مثل هذا قيمة ولا كراء إذا ردها بحالها.
ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على السارق كراء ركوبه [إياها]، وأضمنه قيمتها إذا حبسها عن أسواقها كالمكتري، ولكن آخذ فيها بقول مالك.
ولقد قال جُلّ الناس إن الغاصب والسارق والمكتري والمستعير، بمنزلة واحدة لا كراء عليهم، [وليس عليهم] إلا القيمة، أو يأخذ دابته.
قال ابن القاسم: وإذا زاد مكتري الدابة أو مستعيرها في المسافة ميلًا أو أكثر،
[ ٤ / ٩١ ]
فعطبت، ضمن وخيّر ربها، فإما ضمّنه قيمتها يوم التعدي ولا كراء له في الزيادة، وإما ضمّنه كراء الزيادة ولا شيء له من قيمتها، وله على المكتري الكراء الأول على كل حال.
ولو ردها بحالها والزيادة يسيرة، مثل البريد أو اليوم وشبهه، لم يلزمه قيمتها، ولا يضمن إلا كراء الزيادة فقط.
٣٥٤٨ - وما مات من الحيوان، أو انهدم من الربع بيد غاصبه بقرب الغصب، أو بغير قربه بغير سبب الغاصب، فإنه يضمن قيمة ذلك يوم الغصب.
٣٥٤٩ - ومن استعار دابة ليشيع عليها رجلًا إلى ذي الحليفة فبلغها، ثم تنحى قريبًا، فنزل ثم رجع، فهلكت في رجوعه، فإن كان الذي تنحى إليه مثل منازل الناس، لم يضمن، وإن جاوز منازلهم ضمن.
ولا تحمل العاقلة دم العبد، عمدًا كان قتله أو خطأ.
٣٥٥٠ - ومن وهب لرجل طعامًا، أو إدامًا فأكله، أو ثيابًا فلبسها حتى أبلاها، ثم استحق ذلك رجل، فليرجع بذلك على الواهب إن كان مليًا، فإن كان عديمًا أو لم يقدر عليه رجع بذلك على الموهوب، ثم لا يرجع الموهوب على الواهب بشيء. وكذلك لو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها
[ ٤ / ٩٢ ]
لبسًا ينقصها، فعلى ما ذكرنا، ثم لا يرجع المستعير بما يغرم من نقص الثوب على المعير، وأما إن كرى منه الثوب فلبسه لبسًا ينقصه، فلربه أن يأخذ ثوبه من اللابس ويضمّنه ما نقص اللبس، ثم للمكتري الرجوع على الغاصب بجميع الكراء ويصير كالمشتري.
٣٥٥١ - ومن ادعى على رجل غصبًا وهو ممن لا يتهم بهذا عوقب المدعي، وإن كان متهمًا بذلك نظر فيه الإمام وأحلفه، فإن [حلف برئ، وإن] نكل لم يقض عليه حتى ترد اليمين على المدعي كسائر الحقوق.
وفي كتاب الشهادات ذكر المرأة تدعي أن فلانًا استكرهها.
٣٥٥٢ - وإذا قال الغاصب: غصبت الثوب خَلِقاّ، وقال رب الثوب: بل كان جديدًا، صدق الغاصب مع يمينه، فإن حلف أدى قيمته خلقًا، فإن قامت بينة تشهد أنه غصبه جديدًا، فإن كان ربه عالمًا بالبينة فلا شيء له، وإن لم يكن عالمًا
[ ٤ / ٩٣ ]
رجع بتمام القيمة، وهذا في كل الحقوق، [و] حلف عند السلطان أو عند غيره.
٣٥٥٣ - ومن غصب ثوبًا فصبغه، خُيّر صاحبه في أن يأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه، أو يعطيه قيمة صبغه ويأخذ الثوب، [ولا يكونان شريكين في الغصب] .
٣٥٥٤ - ومن غصب حنطة فطحنها دقيقًا، فأحب ما فيه إلي أن يضمن مثل الحنطة.
ومن غصب لرجل سوارين من ذهب فاستهلكهما، فعليه قيمتهما مصوغين من الدراهم، وله أن يؤخره بتلك القيمة، وكذلك من غصب لرجل ثوبًا فحكم عليه بقيمته، فلا بأس أن يؤخره بها، وأما من كسر لرجل سوارين، فإنما عليه قيمة الصياغة، لأنه إنما أفسد له صنعة. (١)
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٥/٨٥) .
[ ٤ / ٩٤ ]
ومن بيده [سلعة] وديعة [أو عارية] أو بإجارة، وربها غائب، فادعاها رجل وأقام بينة أنها له، فليقض له بها، لأن الغائب يقضى عليه بعد الاستيناء، إلا أن يكون ربها بموضع قريب، فيتلوم له القاضي ويأمر أن يكتب إليه حتى يقدم.
٣٥٥٥ - ومن غصب لرجل قمحًا، ولآخر شعيرًا فخلطهما، فعليه لكل واحد مثل طعامه.
ومن غصب خشبة أو حجرًا فبنى عليها، فلربه أخذها وهدم البناء.
وكذلك إن غصب ثوبًا فجعله ظهارة لجبة، فلربه أن يأخذها أو يضمنه قيمة الثوب، ولو عمل الغاصب من الخشبة بابًا، أو غصب ترابًا فعمله بلاطًا، أو حنطة فزرعها فحصد منها [حبًا] كثيرًا، أو سويقًا فلته بسمن، أو غصب فضة فصاغها حليًا، أو ضربها دراهم، أو غصب حديدًا، أو نحاسًا، أو رصاصًا فعمل منه قدورًا أو سيوفًا، أو أتلفه، فعليه في ذلك كله مثل ما غصب في صفته ووزنه وكيله، أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن. (١)
وكذلك في السرقة، لأن من ابتاع ما يكال أو يوزن بيعًا حرامًا فأتلفه، فإنما عليه مثل صفته ووزنه أو كيله، فكذلك الغصب.
_________________
(١) انظر: المدونة (١٤/٣٦٣)، والتاج والإكليل (٥/٢٨٠) .
[ ٤ / ٩٥ ]
٣٥٥٦ - ومن غصب وديًا صغارًا من نخل، أو شجرًا صغارًا فقلعها وغرسها في أرض فصارت بواسق، فلربها أخذها، [كصغير من الحيوان يكبر، وإن غصب مسلم خمرًا من مسلم فخللها، فلربها أخذها] .
ومن ملك من المسلمين خمرًا فليهرقها، فإن اجترأ فخللها فليأكلها.
٣٥٥٧ - ومن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه - إن أتلفه - قيمته، كما لا يباع كلب ماشية أو زرع أو صيد، وعلى قاتله قيمته ما بلغت.
ولم يؤقت مالك أن في كلب الماشية شاة، وفي كلب الصيد
[ ٤ / ٩٦ ]
أربعين درهمًا، وفي كلب الزرع فرقًا من طعام، وإنما على قاتله قيمته.
وكره مالك بيع جلود الميتة والصلاة فيها أو عليها، دبغت أو لم تدبغ، ولكن إذا دبغت جاز الجلوس عليها، وتفرش وتمتهن للمنافع، ولا تلبس.
قيل لمالك: أيستقى بها؟ قال: أما أنا فأتقيها في خاصة نفسي، ولا أحب أن أضيق على الناس، وغيرها أعجب إلي منها.
وإذا ذكيت جلود السباع، جاز أن تلبس وتباع ويصلى عليها، دبغت أو لم تدبغ.
٣٥٥٨ - وليس كل غاصب محاربًا، لأن السلطان يغصب فلا يعد محاربًا.
[ ٤ / ٩٧ ]
والمحارب: القاطع للطريق، أو من دخل على رجل بيته فكابره على ماله، أو كابره عليه في طريق بعصًا أو بسيف أو بغير ذلك.
٣٥٥٩ - ومن غصب شيئًا ثم أودعه فهلك عند المودع، فليس لربه تضمين المودع إلا أن يتعدى.
٣٥٦٠ - قيل لمالك: يا أبا عبد الله! إنا نكن في ثغورنا بالإسكندرية، فيقال لنا: إن الإمام يقول: لا تحرسوا إلا بإذني، [قال مالك:] ويقول أيضًا: لا تصلوا إلا بإذني، فلا يلتفت إلى قوله وليحرس الناس.
٣٥٦١ - ومن أقر أنه غصبك هذا الخاتم، ثم قال: وفصه لي، أو أقر لك بجبة، ثم قال: وبطانتها لي، أو أقر [لك] بدار، ثم قال: وبناؤها لي، لم يصدق إلا أن يكون كلامه نسقًا.
ومن غصب أرضًا فغرس فيها غرسًا، أو بنى [بناءً] ثم استحقها رجل، قيل للغاصب: اقلع البناء والأصول، إن كان لك فيه منفعة، إلا أن يشاء رب الأرض أن يعطيه قيمة البناء والأصل مقلوعًا.
[ ٤ / ٩٨ ]
وكل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع كالجص والنقش، فلا شيء له فيه.
وكذلك [كل] ما حُفِر من بئر أو مطمر، فلا شيء له في ذلك.
ومن غصب لذمي خمرًا فأتلفها، فعليه قيمتها يقومها من يعرف القيمة من المسلمين.
٣٥٦١ - وإذا تظالم أهل الذمة في غصب الخمر أو فسادها، قضينا بينهم فيها، إذ هي من أموالهم، ولا أقضي بينهم في تظالمهم في الربا، وترك الحكم بينهم في الربا أحب إلي
[ ٤ / ٩٩ ]
لقول الله ﷿: ×فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ% [المائدة: ٤٢] .
٣٥٦٢ - وإذا دُفن رجل وامرأة في قبر، جعل الرجل مما يلي القبلة، قيل: فهل يجعل بينهما حاجز من الصعيد، أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا [إلا ما أخبرتك] .
وعصبة المرأة أولى بالصلاة عليها من زوجها، وزوجها أحق منهم بغسلها وإدخالها في قبرها، ويُدخلها [أيضًا] في قبرها ذوو محارمها، فإن اضطر إلى الأجنبيين، جاز أن يُدخلوها في قبرها. (١)
٣٥٦٣ - ومن اشترى أرضًا فحفر فيها مطامر أو آبارًا، أو بنى فيها، ثم استحقها رجل، قيل له: ادفع إلى المبتاع قيمة العمارة والبناء وخذ أرضك بما فيها، فإن أبى، قيل للمبتاع: اغرم له قيمة أرضه وخذها واتبع من اشتريت منه بالثمن، فإن أبى
_________________
(١) انظر: منح الخليل (٧/١٦٨) .
[ ٤ / ١٠٠ ]
كانا شريكين [فيها]، هذا بقيمة أرضه والمبتاع بقيمة ما أحدث، وكذلك من أحيا أرضًا وهو يظن أنها مواتًا ليست لأحد، ثم استحقها رجل، قيل له: ادفع قيمة العمارة، فإن أبى قيل لهذا: أعطه قيمة الأرض، فإن أبى كانا شريكين في الأرض والعمارة، هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة العمارة.
وقد اختلف في هذه المسألة، قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت.
٣٥٦٦ - وإن حفر المبتاع في الأرض بئرًا، أو عمرها بأصل جعله فيها، ثم استحق رجل نصف الأرض وأراد الأخذ بالشفعة، قيل له: ادفع إلى المبتاع قيمة نصف ما عمر وخذ نصف الأرض باستحقاقك، ولا شفعة لك في النصف الآخر حتى تدفع للمبتاع نصف قيمة ما عمر، فإن أبى من دفع ذلك فيما استحق واستشفع قيل للمبتاع: ادفع [إليه] نصف [قيمة] الأرض الذي استحق، وارجع على البائع بنصف الثمن، فإن أبى كانا شريكين في [ذلك] النصف، للمستحق فيه بقدر ما استحق
[ ٤ / ١٠١ ]
وللمبتاع بقدر ما عمر، ويكون للمبتاع النصف الآخر ونصف ما أحدث. قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت فيها.
٣٥٦٧ - ومن مات وعليه دين وترك دنانير أو دراهم، فشهد قوم أن الميت غصب هذه الدنانير أو هذه الدراهم بأعيانها من فلان، فإن عرفوها بأعيانها، فهو أحق بها من غرماء الميت.
* * *
[ ٤ / ١٠٢ ]