٣٨٠٥ - ومن أودعته مالًا فدفعه إلى زوجته أو خادمه، لترفعه له في بيته، ومن شأنه أن ترفع له، لم يضمن ما هلك من ذلك، وهذا [ما] لا بد منه. وكذلك إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله، أو رفعه في صندوقه أو بيته ونحوه، لم يضمن، ويصدق أنه دفعه إلى أهله، أو أنه أودعه على هذه الوجوه التي ذكرنا أنه لا يضمن فيها، وإن لم تقم له بينة.
وإن أراد سفرًا أو خاف عورة منزله ولم يكن صاحبها حاضرًا، فيردها عليه، فليودعها ثقة ولا يُعرِّضها للتلف، ثم لا يضمن، وإن أودعها لغير هذا الذي يعذر به
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٧/٣)، والتاج والإكليل (٤/٢٤٩)، ومواهب الجليل (٥/٢٥٩)، والكافي (ص٤٠٣)، والمدونة الكبرى (١٥/١٤٤) .
[ ٤ / ٢٩٣ ]
ضمن، إلا أنه لا يصدق إن أراد سفرًا أو خاف عورة منزله فأودعها، إلا أن يعلم سفره وعورة منزله، فيصدق، وإن سافر فحمل الوديعة معه، ضمن.
وإن أودعت المسافر مالًا فأودعه في سفره فضاع، ضمن، [بخلاف الحاضر يسافر] .
٣٨٠٦ - قال مالك - ﵀ في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وَصِيُّها إلى ورثتها وهم بالمدينة، فلم يأته منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق، فهو لها ضامن حين خرج بها بغير أمر أربابها.
ومن أودعته دنانير ودراهم فخلطها بمثلها ثم ضاع المال كله، لم يضمن، وإن ضاع بعضه كان ما ضاع وما بقي بينكما، لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة دراهم كل واحد منه، ولا يغيرها الخلط.
وإن أودعته حنطة فخلطها بحنطة، فإن كانت مثلها وفعل ذلك بها على الإحراز لها والرفع، فهلك الجميع لم يضمن، وإن كانت مختلفة ضمن، وكذلك إن خلط حنطتك بشعير ثم ضاع الجميع، فهو ضامن، لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها.
وإن أودعته حنطة فخلطها صبي أجنبي بشعير للمودع، ضمن الصبي ذلك في ماله، وإن لم يكن له مال ففي ذمته، لهذا مثل حنطته ولهذا مثل شعيره، وإن اختارا
[ ٤ / ٢٩٤ ]
ترك الصبي ويكونان في المخلوطين شريكين بقدر طعام كل واحد بعد العلم بكيله فَعَلا، ولو أعطى أحدهما الآخر مثل طعامه على أن يدع له جميع المخلوط، لم يجز، [لأنه بيع]، إلا أن يكون هو المتعدي في خلطه، فيجوز ذلك، لأنه قضاء لما لزمه.
ومن أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن، فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها، لم يضمن إلا ما استهلك [أولًا] . ولو كان قد ردّ ما استهلك، لم يضمن شيئًا، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ، كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها. وكذلك إن تسلف جميعها ثم رد مثلها مكانها لبرئ، كان أخذه إياها على السلف أو على غيره، فلا شيء عليه إن هلكت بعد أن ردها. ولو كانت ثيابًا فلبسها حتى بليت، أو استهلكها ثم رد مثلها، لم تبرأ ذمته من قيمتها، لأنه إنما لزمته قيمتها.
٣٨٠٧ - ومن بيده وديعة أو قراض لرجل، فقال له: رددت ذلك إليك، فهو مصدق، إلا أن يكون قبض ذلك ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة، ولو قبضه ببينة فقال: ضاع مني أو سرق، صدق.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وإن دفعت إليه مالًا ليدفعه إلى رجل، فقال: دفعته إليه، وأنكر ذلك الرجل، فإن لم يأت الدافع إليه ببينة، ضمن، قبض [ذلك منه] ببينة أو بغير بينة.
ولو شرط الرسول أن يدفع المال إلى من أمرته بغير بينة، لم يضمن، وإن لم تقم له بينة بالدفع إذا ثبت هذا الشرط. وإن قال الرسول: لم أجد الرجل فرددت المال إليك صدق، إلا أن يكون قبضه ببينة [فلا يبرأ إلا ببينة] .
٣٨٠٨ - ولو قال في الوديعة والقراض: قد رددت ذلك إلى ربه مع رسولي، ضمن، إلا أن يكون رب المال أمره بذلك.
٣٨٠٩ - وإن بعثت بمال إلى رجل بلد فقدمها الرسول ثم مات بها، وزعم الرجل أن الرسول لم يدفع إليه شيئًا، فلا شيء لك في تركة الرسول ولك اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم لك شيئًا. ولو مات الرسول قبل أن يبلغ البلد فلم يوجد للمال أثر، فإنه يضمن ويؤخذ من تركته.
٣٨١٠ - ومن هلك وقبله قراض وودائع لم توجد ولم يوص بشيء، فذلك في ماله ويحاص
[ ٤ / ٢٩٦ ]
بذلك غرماؤه، وإن قال عند موته: هذا قراض [فلان] وهذه وديعة فلان، فإن لم يتهم صدق، وذلك للذي سمى له.
ومن بعثت معه بمال ليدفعه إلى رجل صدقة أو صلة أو سلفًا، أو من ثمن بيع، أو ليبتاع لك به سلعة، فقال: دفعته إليه وأكذبه الرجل، لم يبرأ الرسول إلا ببينة، وكذلك إن أمرته بصدقته على قوم معينين، فإن صدقه بعضهم وكذّبه بعضهم، ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقته على غير معينين صدق مع يمينه [و] إن لم يأت ببينة.
٣٨١١ - ومن أودع وديعة بيده لغير عذر، ثم استردها فهلكت عنده، لم يضمن، كرده لما تسلف منها.
[ومن أودعته] وديعة فجحدك إياها وأقمت عليه بينة، فإنه يضمن.
٣٨١٢ - ومن قال لرجل: أقرضتك كذا وكذا، وقال الرجل: بل أودعتنيه وتلف، صدق رب المال، ولو قال ربه: بل غصبتنيه وسرقته مني، فهو مدع، لأنه من معنى التلصص، فلا يصدق عليه، ولا يضمن له الرجل شيئًا.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
ومن أخذ من رجل مالًا فقال الدافع: إنما قضيتكه من دينك [الذي] لك عليّ، أو رددته [إليك] من القراض الذي لك عندي، وقال الآخر: بل أودعتنيه فضاع عندي، صدق الدافع مع يمينه.
٣٨١٣ - وإن كانت لك عند رجل ألف درهم قرضًا وألف درهم وديعة، فأعطاك ألفًا أو بعث بها إليك، ثم زعم أنها القرض وأن الوديعة قد تلفت، وقلت أنت: بل الذي قبضت الوديعة، فالقول قول المستودع كما يصدق في ذهاب الوديعة.
٣٨١٤ - ومن أودع صبيًا صغيرًا وديعة بإذن أهله أو بغير إذنهم فضاعت، لم يضمن.
ومن باع منه سلعة فأتلفها فليس له اتباعه بثمن ولا قيمة. (١)
ولو ابتاع من الصبي سلعة ودفع الثمن إليه فأتلفه، فالمبتاع ضامن للسلعة ولا شيء له قبل الصبي من الثمن.
_________________
(١) انظر: مختصر خليل (١/٢٢٧)، ومواهب الجليل (٥/٥٦٧)، والفواكه الدواني (٢/١١٦)، والتاج والإكليل (٥/٢٦٧)، وحاشية الدسوقي (٣/٢٩٦) .
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وإن أودعت عبدًا محجورًا عليه وديعة فأتلفها، فهي في ذمته إن عتق يومًا ما، إلا أن يفسخها عنه السيد في الرق، فذلك له، لأن ذلك يعيبه فيسقط ذلك عن العبد في رقه وبعد عتقه.
٣٨١٥ - وما أتلف المأذون [له] من وديعة بيده فذلك في ذمته لا في رقبته، لأن الذي أودعه متطوع بالإيداع، وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه. وكذلك ما أفسد العبد الصانع المأذون له في الصناعة مما دفع إليه ليعمله أو يبيعه فأتلفه. وكذلك من ائتمنه على شيء أو أسلفه فإن ذلك في ذمته، لا في رقبته ولا فيما في يديه من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه.
وما قبضه العبد والمكاتب وأم الولد والمدبر من وديعة بإذن ساداتهم فاستهلكوها، فذلك دين في ذممهم لا في رقابهم، بخلاف الصبي يقبض وديعة بإذن أبيه فيتلفها هذا، لا يلزمه شيء ولا ينبغي ذلك لأبيه.
ومن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير، فذلك في مال الابن، فإن لم يكن له مال فذلك في ذمته.
ومن أودعته وديعة فاستهلكها عبده فهي جناية في رقبته، فإما فداه بذلك أو أسلمه، ومن قتل عبدًا فقيمته في ماله حالّة ولا تحملها العاقلة.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
٣٨١٦ - ومن أودعته وديعة فادعى أنك أمرته أن يدفعها إلى فلان ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته، فهو ضامن، إلا أن تقوم له بينة أنك أمرته بذلك.
وإن بعثت إليه بمال فقال: [قد] تصدقت به [عليّ]، وصدقه الرسول وأنت منكر للصدقة، فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه ويكون المال صدقة عليه. قيل: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.
٣٨١٧ - وإن بعت من رجل ثوبًا وبعثت معه عبدك أو أجيرك ليقبض الثمن فقال: قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك ضمن بخلاف من دفعت إليه مالًا ليدفعه إلى رجل فقال: دفعته إليه بغير بينة، وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.
٣٨١٨ - ومن أودعته أمة فوطئها، فعليه الحد والولد عبد لك.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ومن أودعته وديعة فأتى رجل فزعم أنك أمرته بأخذها، فصدقه ودفعها إليه فضاعت، فالدافع ضامن، فإن ضمّنته كان له الرجوع على آخذها منه.
ومن أودع رجلين وديعة أو استبضعهما فليكن ذلك عند أعدلهما كالمال بيد الوصيين، وإذا لم يكن في الوصيين عدل خلعهما السلطان ووضع المال عند غيرهما.
[قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الوديعة والبضاعة شيئًا وأراه مثله] .
٣٨١٩ - ومن استودعك دابة وغاب فأنفقت عليها بغير أمر السلطان، فإنك إن أقمت بينة أنه أودعكها منذ وقت كذا فإن الإمام يبيعها ويقضيك ما ادعيت من النفقة وإن لم يشهدوا بها إذا لم تدع شططًا.
ومن أودعته بقرًا أو أًتنًا أو نوقًا فأنزى عليهن فحملن فمتن من الولادة
[ ٤ / ٣٠١ ]
أو كانت أمة فزوجها فحملت وماتت من الولادة، فهو ضامن. وكذلك لو عطبت تحت الفحل. (١)
وقد روي عن مالك - رحمة الله عليه - فيمن رهن جارية عند رجل فزوّجها المرتهن بغير أمر صاحبها، فحملت وماتت من النفاس، أن ضمانها من الراهن. وقال ابن القاسم: ضمانها من المرتهن.
٣٨٢٠ - ومن أودعته إبلًا فأكراها إلى مكة ورجعت بحالها إلا أنه حبسها
_________________
(١) انظر: التقييد (٦/٢١٢) .
[ ٤ / ٣٠٢ ]
عن أسواقها ومنافعك فيها فأنت مخير في تضمينه قيمتها يوم تعديه ولا كراء لك، أو [تأخذها] وتأخذ كراها، وكذلك المستعير يزيد في المسافة أو المكترى.
٣٨٢١ - ومن أودعته وديعة فقال: أنفقتها على أهلك وولدك وصدقوه في ذلك، فهو ضامن إلا أن يقيم بينة ويكون ما أنفق يشبه نفقتهم ولم تكن أنت تبعث إليهم بالنفقة، فيبرأ.
ومن أودعته أمة فزوجها بغير إذنك فهو ضامن لما نقصها التزويج، وإن ولدت وكان في الولد ما يجبر به نقص النكاح لم يغرم لنقص النكاح شيئًا، وربها مخير إن شاء أخذها وولدها وإن شاء ضمّنه قيمتها بلا ولد.
وقاله مالك - ﵀ - فيمن رد أمة ابتاعها بعيب وقد زوجها وولدت أنه يجبر نقص النكاح بالولد، كما يجبره بزيادة قيمتها، والنكاح ثابت، زوّجها من عبد أو من حر، لأنه زوجها وهي في ملكه كما لو أعتقها جاز عتقه، وإن أعتقها بعد علمه بالعيب لم يرجع بشيء، وإن لم يعلم رجع بحصته، ولو تسوق بها بعد علمه بالعيب لزمته ولم يردها.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
٣٨٢٢ - ومن أودعته مالًا فتجر فيه فالربح له، وليس عليه أن يتصدق بالربح.
[وتكره التجارة بالوديعة] ومن لك عليه مال من وديعة أو قراض أو بيع [فجحدك ثم صار بيدك مثله بإيداع أو بيع] أو غيره. قال مالك - ﵀ -: فلا يعجبني أن تجحده. (١)
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٧/٢٢)، وحاشية الدسوقي (٣/٤٢٥) .
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وقد روي: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". (١)
٣٨٢٣ - ومن أودعك وديعة ثم غاب فلم تدر أين موضعه، أحي هو أم ميت، ولا مَنْ ورثته، فإنك تستأني بها، فإن طال الزمان ويئست منه، فينبغي أن تتصدق بها عنه.
وإن أودعته وديعة فاستهلكها ثم ادعى أنك وهبتها له وأنكرت، فالقول قولك.
٣٨٢٤ - ومن أودعك عبدًا فبعثته في سفر أو في أمر يعطب في مثله فهلك، ضمنته.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣/٥٦٤)، (١٢٦٤)، وأبو داود (٣٥٣٥)، والدارمي (٢/٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/٤٦)، والدارقطني (٣/٣٥)، والبيهقي (١٠/٢٧٠، ٢٧١)، وانظر: كفاية الطالب (٢/٣٥٩)، وحاشية الدسوقي (٣/٤٣١)، والفواكه الدواني (٢/١٧٠)، والمدونة (١٥/١٦٠)، وحاشية العدوي (٢/٣٥٩)، والتمهيد (٢٠/١٥٩)، وشرح الزرقاني (٤/٤٠) .
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وأما إن بعثته لشراء بقل أو غيره من حاجة تقرب من منزلك، لم تضمن، لأن الغلام لو خرج في مثل هذا لم يمنع منه.
وإن أودعك عبد وديعة وهو مأذون أو غير مأذون ثم غاب فقام سيده ليأخذها، فله ذلك.
وقاله مالك - ﵀ - فيمن ادعى متاعًا بيد عبد غير مأذون وصدّقه العبد وقال رب العبد: بل المتاع لي، أو قال: لعبدي، فالقول قول السيد، ولو كان العبد مأذونًا كان القول قول العبد. وكذلك في إقراره بدين.
* * *
[ ٤ / ٣٠٦ ]