١٤ - حكم الحمار الوحشي إذا دجن (١) (٢).
" قال ابن القاسم: قال مالك في الحمار الوحشي إذا دجن وصار يـ (ـعمل) (٣) عليه كما يعمل على الأهلي أنه لا يؤكل.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسا". (٤)
قال أبو عبيد: معنى قول مالك ﵀ في الحمار الوحشي إذا دجن أنه لايؤكل على وجه التنزه لا على وجه التحريم، لأنه لما دجن فاستحال طبعه، وعدل به عن الأكل الذي هو اصـ () (٥) القنية والحمولة أشبه الحمار الأهلي خلقا وخلقا، فكره أكله على جهة التنز (هـ) (٦) عنـ (ـه) (٧) لا على التحريم له (٨).
وقد ورد النص بتحليل أشياء والتنزه عنها خير من استباحتها من ذلك: قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المومنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المومنات). ثم قال ﷿ (ذلك لمن خشي
_________________
(١) قال ابن عبد البر في الكافي (١٨٦): ولا يؤكل عند مالك الحمار الوحشي إذا استأنس وعمل عليه وركب، لأنه قد صار أهليا، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وهو عند مالك على أصله لا بأس بأكله، وكما لا يؤكل الإنسي لو توحش، فكذلك لا يمتنع من أكل الوحشي إذا تأنس.
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته اعتمادا على المدونة والسياق.
(٤) المدونة (٣/ ٦٤).
(٥) ما بين القوسين به بتر بمقدار كلمة.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٧) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٨) قال ابن المواق في التاج والإكليل (٣/ ٢٣٥): ابن يونس: وجه قول مالك: فلأنه لما تأنس وصار يعمل عليه فقد صار كالأهلي. ووجه قول ابن القاسم أنه صيد مباح أكله، فلا يخرجه عن ذلك التأنس كسائر الصيد.
[ ٦٠ ]
العنت منكم) (١) الآية.
فنص على تحليل نكاح الإيماء على الشرط الذي وصفه، ثم أخبر أن الصبر عنه خير من فعله (٢).
وقال عمر ﵁: " أيما (رجـ) ل (٣) نكح أمة فقد أرق نصفه (٤) ".
يريد بذلك الولد، لأن الحر إذا تزوج () (٥).
وقال ابن عباس: " ما ازلحف (٦) نكاح الأمة [ص٢٢] عن الزنا إلا قليل" (٧).
وقد ندب العلماء من صدر هذه (الآية) (٨) إلى التنزه عن نكاح اليهودية
_________________
(١) قال ابن جرير في تفسيره (٥/ ٢٤): والصواب من القول في قوله (ذلك لمن خشي العنت منكم): لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه.
(٢) قال ابن كثير (١/ ٤٧٩): إنما يباح نكاح الأمة لمن خاف على نفسه الوقوع بالزنا وشق عليه الصبر عن الجماع وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له، لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها. وانظر تفسير القرطبي (٥/ ١٣٧).
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) رواه الدارمي (٣١٣٥) وابن أبي شيبة (٣/ ٤٦٦) وعبد الرزاق (٧/ ٢٦٨) عن سعيد بن المسيب قال قال عمر. وسنده صحيح، لكن سعيدا لم يسمع من عمر، كما قال أبو حاتم وغيره من المتقدمين، كما في جامع التحصيل للعلائي (١٨٤). ورجح ابن حجر في التهذيب (٤/ ٧٧) والذهبي في التذكرة (١/ ٥٤) وابن القيم في تهذيب السنن (٩/ ١١١) (١٣/ ٢٤٣) أنه سمع منه. لكن رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمر مثله ينظر.
(٥) بتر بمقدار ٣ كلمات.
(٦) أي ما تنحى وما تباعد، كما في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٠٨).
(٧) رواه عبد الرزاق (٧/ ٢٦٨) عن ابن جريج قال حدثت عن سعيد بن جبير قال: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٦٦) عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٦٦) ثنا هشيم عن العوام عمن حدثه عن ابن عباس نحوه.
(٨) بتر في الأصل، وأتممته اعتمادا على السياق.
[ ٦١ ]
والنصرانية، وإن كان النص قد ورد بإباحة ذلك. (١)
ذكر وكيع عن الصلت بن بهرام عن أبى وائل أنه قال " تزوج حذيفة يهودية من أهل المدائن فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵄: أن طلقها. وكتب إليه حذيفة: حرام تراها؟ فقال: لا، ولكني خفت أن يعطل المسلمات" (٢).
وأكل الضب بحضرة النبي ﵇ فلم يأكل منه ونص على أنه حلال، وفي هذا دليل على إباحة التنزه عن فعل ما (جـ) ـعله (٣) مباحا (٤).
أما الحمار الوحشي فهو على أصل التحليل وإن دجن واستأنس، لا ينقلـ (ـه) (٥) استئناسه عن أصله، ولا يوجب له خلاف حكمه، كما لا ينقل الـ (حـ) مار (٦) الأهلي استيحاشه عن حكم التحريم إلى حكم التحليل، وإلى هذا المعنى ذهب ابن القاسم في اختياره، وهو القياس، وقول مالك في هذا مبني على الاستحباب، والله أعلم.
_________________
(١) قال الدردير في الشرح الكبير (٢/ ٢٦٧): وحرم الكافرة أي وطؤها بملك أو نكاح، إلا الحرة الكتابية فيجوز نكاحها للمسلم بكره عند الإمام مالك، وأجازه ابن القاسم بلا كراهة، وهو ظاهر الآية. انتهى. أجاز الجمهور نكاح اليهودية والنصرانية، وصرح كثير منهم بالكراهة، منهم مالك كما في المدونة (٢/ ٢١٥ - ٢١٦). وانظر: الكافي (٢٤٤) وتفسير القرطبي (٣/ ٦٧ - ٦٨) وبداية المجتهد (٢/ ٣٣) وحاشية الدسوقي (٢/ ٢٦٧) ومواهب الجليل (٣/ ٣٩٨) والقوانين الفقهية (١٣١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧٤) وعبد الرزاق (٧/ ١٧٧) والبيهقي (٧/ ١٧٢) من طريق الصلت بن بهرام قال سمعت أبا وائل يقوم: تزوج حذيفة يهودية، فذكره بنحوه. وسنده حسن. ورواه عبد الرزاق (٦/ ٧٨) عن معمر عن قتادة أن حذيفة. وقتادة مدلس.
(٣) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٤) في الأصل: مباح، وهو خطأ.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ٦٢ ]
١٥ - مسألة: حكم أكل طير قتل في غصن شجرة في الحل لكن أصلها في الحرم (١) (٢).
" قال ابن القاسم: سئل مالك عن الشجرة يكـ (ـو) ن أصلها في الحرم وبعض أغصانها في الحل، (٣) (وطـ) ـير (٤) على غصنها الذي في الحل فرماه رجل فقتله، أيحل أكله أم لا؟ فأبى أن يجيب فيها.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى بأكل ذلك بأسا". (٥)
قال أبو عبيد: لم يختلف قول مالك وابن القاسم فيما قتل من الصيد قريبـ (ـا) (٦) من الحرم أن فيه الجزاء، وأنه لا يؤكل (٧)، وكفى قربا بما بين أصل الشجرة وأقصى الغـ (ـصن) (٨) من أغصانها عن سمته.
ولا أعلم خلافا من علماء أهل المدينة في أن ما قتل من الطير على غصن شجرة أصلها في الحل، والغصن الذي قتل عليه الطير في الحرم أنه لا يؤكل، لأنه قتل في هواء الحرم (٩).
_________________
(١) قال الدردير في شرح خليل (٢/ ٧٧): ورميه أي: رمي الحلال صيدا على فرع في الحل، وأصله بالحرم فلا جزاء، ويؤكل نظرا إلى محله. ولا نزاع في وجوب الجزاء إذا كان الفرع في الحرم وأصله في الحل. وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٠٥).
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) هنا كلمة زائدة، وهي: فقال، وحذفتها لأن السياق لا يقتضيها.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) المدونة (٣/ ٧٥).
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٧) قال الدسوقي (٢/ ٣): وإن قتله بمقرب الحرم قبل أن يدخل فيه، فالمشهور أنه لا جزاء عليه، وهو قول مالك وابن القاسم والتونسي، ويؤكل حيث كان الصائد حلالا.
(٨) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٩) قال الدردير (٢/ ٧٥): ولا نزاع في وجوب الجزاء إذا كان الفرع في الحرام، وأصله في الحل.
[ ٦٣ ]
فالطير الذي قتل على غصن الشجرة التي أصلها في الحرم، والغصن الذي قتل عليه الطير [ص٢٣] () (١) يجزئ ولا يؤكل (لأ) نه (٢) قتل قائما على غصن أصله في الحرم، وحرمته في المنع من قطعه كحرمة أصله، مع اتفاقهم بأن ما قارب الحرم محكوم له بحكم الحرم.
وقياس هذه الجملة التي اتفق عليها مالك وابن القاسم يدل على أنه لا يؤكل، والنظر أيضا يوجب ذلك.
لأن ما حد حدود الحرم: الاجتهاد، وكل ما طريقه الاجتهاد فالغلط مجوز فيه، والسهو متوهم عليه، فوجب أن يحكم لما قارب الحرم بحكم الحرم لجواز أن يكون منه، إذ لا نص على حده، فحكم لما عداه بخلاف حكمه.
وقد حكم النبي ﵇ لما قارب الفأرة التي تقع في السمن فتموت فيه بحكمها في قوله: "إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه" (٣) (فحـ) ـكم (٤) بما حول الفأرة بحكم عينها في النجاسة، وتحريم
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر بمقدار كلمتين أو ثلاثة.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٣) رواه أبو داود (٣٨٤٢) وأحمد (٢/ ٢٣٢ - ٢٦٥ - ٤٩٠) وابن الجارود (٨٧١) وابن حبان (١٣٩٣ - ١٣٩٤) وأبو يعلى (٥٨٤١) وعبد الرزاق (١/ ٨٤) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة. لكن قال البخاري: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة، سنن الترمذي (٤/ ٢٥٦). قلت: يقصد البخاري أن الصحيح في الحديث هو عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فيه فقال: ألقوها وما حولها وكلوه. وهذا الذي رجحه أبو حاتم الرازي في العلل (٢/ ٩ - ١٢). وقد رواه من هذا الوجه: البخاري (٥٢١٨) ومالك (٢/ ٩٧١) وأبو داود (٣٨٤١) والنسائي (٤٢٥٨ - ٤٢٥٩) والترمذي (١٧٩٨) والبيهقي (٩/ ٣٥٣) وابن الجارود (٨٧٢) والدارمي (٧٣٨) والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٠) - (٢٤/ ١٥). وانظر علل الدارقطني (٧/ ٢٨٦).
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ٦٤ ]
الأكل من أجل المقاربة، وعين الفأرة متيقن نجاستها، وما حولها مشكوك فيه.
فإذا كان كذلك، فما قرب من الحرم الذي لا نص على حده أولى بأن يحكم له بحكمه. والله ولي التوفيق.
[ ٦٥ ]