٣٣ - حكم الشركة في الطعام (١) (٢)
" قال ابن القاسم: سألت مالكا عن الشركة بالحنطة يخرج هذا عشرة أرادب (٣) ويخرج هذا مثلها، ثم يشتركان والحنطتان في الجودة سواء فقال: لا أرى الشركة جائزة فيما بينهما.
قال ابن القاسم: وأنا أرى الشركة بالحنطة جائزة إذا اشتركا على الكيل، ولم يشتركا على القيمة وكانتا في الجودة سواء". (٤)
قال أبو عبيد: هذه مسألة قد كفانا القاضي (٥) إسماعيل (أبو) (٦) إسحاق رحمه
_________________
(١) قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٩٠): المسألة الثالثة وأما الشركة بالطعام من صنف واحد، فأجازها ابن القاسم قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب أو الفضة. ومنعها مالك في أحد قوليه، وهو المشهور بعدم المناجزة الذي يدخل فيه، إذ رأى أن الأصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالإجماع. وقد قيل إن وجه كراهية مالك لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة، والبيع يفتقر إلى الاستواء في الكيل، فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة والكيل، وذلك لا يكاد يوجد. فكره مالك ذلك. ونقل ابن المواق في التاج والإكليل (٥/ ١٢٥) قول مالك وابن القاسم. وانظر التمهيد (١٦/ ٣٤١ - ٣٤٢) والكافي (٣٩١) ومواهب الجليل (٤/ ٤٨٧).
(٢) هذا العنوان مني، وليس من المؤلف.
(٣) قال في القاموس (١/ ١٦٧): مكيال ضخم بمصر، أو يضم أربعة وعشرين صاعا (أو ست ويبات)، وانظر الصحاح (١/ ٢٠٥) واللسان (١/ ٤١٦).
(٤) المدونة (١٢/ ٥٨).
(٥) هو القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل أبو إسحاق (ت٢٨٢، أو ٢٨٤). انظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٢٧٦) والجرح والتعديل (٢/ ١٥٨) وتاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥) وشجرة النور (٦٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩) وغيرها كثير.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور المعنى فيه.
[ ١٢٦ ]
الله القول فيها، ونحن نورد كلامه في ذلك على نصه إن شاء الله.
قال إسماعيل في كتابه المبسوط: " إنما كره مالك ﵀ [ص٣٨] الشركة بالطعام وإن استويا في الكيل والجودة، ولم يصير () (١) مثل الدنانير ولا مثل الدراهم، لأن الدنانير والدراهم الجملة فيها مستوية، لا فضل لشيء منها على شيء، إلا أن يكون شيء منها له فضيلة يختص بها على ما سواه. فذلك الذي لا يجوز به الشركة إذا ضم إلى ما ليس مثله.
فأما جملة الدنانير والدراهم فإنما هي على الاستواء عند الناس.
يدلك على ذلك: أن الرجل يشتري الحنطة وغيرها بالدنانير والدراهم، فيسمي سلعته (٢) ولا يحتاج إلى أن يذكر صفتها، ولا أن تكون بأعيانها.
وليس الطعام بهذه المنزلة، لأنه لا يجوز أن يشتري طعاما فلا يبيعه إلا أن يكون طعاما (بعـ) ـينه (٣) أو على صفة موصوفة، فلما كان الطعام بهذه المنزلة، وكانت الشركة لا تجوز إلا على الاستواء في القيمة، كان الطعام ليس مما يجوز بعضه ببعض في البيع إلا على الاستواء في الكيل.
وإن اختلفت قيمته وكانت الشركة لا تجوز إلا على الاستواء في القيمة، احتيج في الطعام إلى أن يستوي أمره في الشركة في الكيل والقيمة، وكان الاستواء في ذلك لا يكاد أن يجتمع فيه فكرهه.
قال إسماعيل القاضي: "فإن احتج محتج بأن الرجل إذا أتلف طعاما لرجل كان عليه مثل مكيلته، كما يكون عليه في الد (نانيـ) ـر (٤) والدراهم إذا أتلفها.
قيل له: إن الشيء إذا تلف فقد فات، وصار التلف أمرا يستقبل، فلأن يشبه
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، بمقدار ٣ أحرف.
(٢) لا تظهر الكلمة جيدا، وربما تقرأ كما ذكرت.
(٣) سقط ما بين القوسين، وأصلح فوقه بخط مغاير.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور المعنى فيه.
[ ١٢٧ ]
بالبيوع المستقبلة أولى من أن يشبه بما قد فات".
قال أبو عبيد: وكان شيخنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري (١)
أيده الله يقول: " إن قول ابن القاسم في هذه المسألة أقيس" وكان يشبه الشركة بالبيع.
قال: " فكما جاز بيع الطعام بالطعام إذا استويا في الكيل، وإن اختلفا في القيمة، فكذلك تجوز الشركة فيـ (ـه) (٢) [ص٥٩] () (٣) إذا استوى كيل الطعامين.
وإذا اختلفا في القيمة يكون الكيل على المساواة والقيمة على التفاوت.
قال أبو عبيد: وتشبيهه الشركة بالبيع في هذا الموضع غلط.
لأن الشركة تقتضي لها المماثلة (مـ) ـن (٤) جميع جهاتها، من جهة الوزن ومن جهة القيمة.
ألا ترى أن الشركة بالـ (ـذ) هبين (٥) إذا كانت إحداهما أجود من صاحبتها أو أعلى قيمة، (لا) (٦) تجوز، وإن كان اسم الذهب (٧) واقعا عليهما ومعناه موجودا فيهما.
فكذلك الشركة بالطعامين لا تجوز وإن استويا في الكيل.
لأن المماثلة من جهة القيمة مفتقر إليها في الشركة.
_________________
(١) وهو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي الأبهري (ت ٣٧٥). انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٣٢) وطبقات الفقهاء للشيرازي (١٦٨) والشذرات (٢/ ٨) والديباج (١/ ٢٥٧) وتاريخ بغداد (٥/ ٤٦٢) وترتيب المدارك (٤/ ٤٦٦) وشجرة النور (٩١) وغيرها.
(٢) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور المعنى فيه.
(٣) بتر في الأصل بمقدار حرفين.
(٤) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٥) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
(٦) ما بين القوسين به بتر، وأتممته اعتمادا على السياق.
(٧) بهذه الكلمة بتر، لكن بقي ما يدل عليها.
[ ١٢٨ ]
والبيع فبخلاف ذلك، لأن بيع البر بالشعير وبالسلت جائز عند مالك وابن القاسم، والشركة بذلك عندهما لا تجوز.
فلولا أن القيمة معتبـ (ـرة) (١) في الأعيان المشترك فيها لكان لا فرق بين البر والسلت في تجويز الشركة بهما، كما لم يكن بينهما فرق في البيع.
فدل على فساد القول بتشبيه الشركة بالبيع، والله الموفق للصواب برحمته.
_________________
(١) ما بين القوسين به بتر، وأتممته لظهور معناه.
[ ١٢٩ ]