وَمَنْ جَنَى مَعْصِيَةً مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ آدَمِيِّ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ باجْتِهَادِهِ بقَدْرِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالْقَوْلِ
لما فرغ من الجنايات التي رتب الشارع عليها عقوبة معلومة أخذ فيما لم يرتب عليه عقوبة معلومة، ولهذا يقع في بعض النسخ (التعزير) على وجه الترجمة، وبيَّن أنه لا فرق في المعصية بين حق الله تعالى وحق الآدمي، ومعنى حق الله تعالى؛ أي الذي لا يتعلق به للآدمي حق كالأكل في رمضان، وحق الآدمي أن يتعلق به للآدمي كشتمه وضربه، وهو أيضًا لا يخلو عن حق الله تعالى؛ لأن من حقه تعالى على كل مكلف ترك أذاه، ولما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسمًا للأول، فإن الحاكم يعزره باجتهاده وإن عزر بجهل فهو أخف، ولا يسمى حق الله تعالى، وقد يعتبر أيضًا ما ينزجر به غيره من أن يقع في مثل ما وقع فيه هذا العاصي.
وقوله: (بحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالٌَْوْلِ) فيه قصور؛ لأنه لا يتناول إلا المعصية القولية.
فَيُخَفِّفُ وَيُتَجَافَى عَنِ الرَّفِيعِ وَذِي الْفَلْتَةِن وَيُثَقَّلُ عَلَى ذِي الشَّرِّ
هذا نظرًا إلى جانب القائل، وكذلك ينظر إلى جانب القول، وجانب المقول فيه، فإن كان القول عظيمًا من ذي الشرف المخاطب برفيع القدر بالغ في الأدب وخفف في العكس.
وقوله: (وَيُتَجَافَى) خاص بحقوق الآدميين، وأما في حق الله تعالى فنقل في البيان عن بعض العلماء: فيه التجافي، قال: ولم يره مالك.
وَيَكُونُ بالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَبالإِقَامَةِ وَبنَزْعِ الْعِمَامَةِ وَبغَيْرِ ذَلِكَ
لأن القصد الانزجار ولهذا لا يتخصص بسوط ولا يد جنس ولا غيره.
[ ٨ / ٣٣٦ ]
ابن رشد: ومن قال: لرجل يا كلب، إن كانا من ذوي الهيئة عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان بها ولا يبلغ به السجن، وإن كانا من غير ذي الهيئة عوقب القائل أشد عقوبة من الأولى يبلغ فيها السجن، وإن كان القائل من ذي الهيئة والمقول له عكسه عوقب بالتوبيخ، ولايبلغ به الإهانة ولا السجن وبالعكس عوقب بالضرب.
وَقَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ
هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم.
وقوله: (وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ) أي: لا يكون الأدب بالقتل، ويحتمل لا ينتهي في الأدب بالضرب إلى ما يخشى منه القتل، وقد قال مطرف: يضربه وإن أتى على النفس، وروي عن مالك في العتبية: أنه أمر بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط، وانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك، وقال ابن مسلمة: لا يتجاوز ثمانين، وقد روى القعنبي عن مالك: لا يجاوز خمسة وسبعين سوطًا، وروى أصبغ: أقصاها ما ينتهي إليه جرم الفساد مائتان، وقال مطرف في الواضحة: أقصاها ما يبلغ به الأدب في الجرم ثلاثمائة، لا يزاد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المؤدب على ثلاثة، وكذا قال سحنون: لا يزيد المدب أزيد من ثلاثة أسواط فإن اد عليها اقتص منه، واستشكله غير واحد، وحجة أشهب ما في الصحيح عن أبي بردة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى".
وَيُؤَدِّبُ الأَبُ وَالْمُعَلِّمُ بِإِذْنِهِ الصَّغِيرَ لا الْكَبيرَ
هكذا قال ابن شاس، وظاهر قول مالك في الذي شتمه خاله أو عمه أو جده: لا أرى عليه في ذلك شيئًا إذا كان على وجه الأدب ونحوه تأديب الكبير، وقد طعن أبو بكر
[ ٨ / ٣٣٧ ]
في خاصرة عائشة رض الله عنهما ورأٍه صلىلله عليه وسلم في حجرها، وكذلك في مخاطبته لعبد الرحمن في حديث الضيفان.
وَالسَّيِّدُ رَقِيقَهُ
أي: في حقه وحق الله تعالى بشرط ألا يكون مبرحًا.
وَالزَّوْجُ بمَا يَتَعَلَّقُ بمَنْعِ حَقِّهِ
أي: في النشوز للآية، ووقع لابن رشد أنه يؤدب زوجته في تركها الصلاة.
وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بشَرْطِ السَّلامَةِ، فَإِنْ سَرَى فَعَلى الْعَاقِلَةِ بخِلافِ الْحَدِّ
أي: شرط السلامة غالبًا في الذهن، وفي هذا الشرط نظر؛ لأنه مخالف لقول ابن الماجشون وغيره: وإن أتى على النفس. والظاهر الحكاية المنقولة عن مالك، ولكن الحاكم وغيره إذا جازت له العقوبة- يعني- ألا يكون عليه ضمان وتضمينهم مع أمرهم كتكليف ما لا يطاق.
وذكر في الإكمال: أنهم اختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإمام وعليه الكفارة، وقيل: علىبيت المال، وجمهور اللماء: ولا شيء عليه، وفي الموطأ في الرجل يضرب امرأته بالحبل والسوط فيصيبها من ضربه ما لم يرد ولم يتعمد فإنه يعقل ما أصابه منها على هذا الوجه، وفي المجموعة لمالك في معلم الكتَّاب والصنعة إن ضرب صبيًا ما يعلم أنه من الأدب فمات فلا يضمن، ظاهره خلاف الموطأ إلا أن يحمل ما في الموطأ أنه خطأ بالزيادة في الأدب، أو يريد بما في المجموعة: لا يضمنه في ماله بخلاف الحد؛ أي: فلا يضمن مما سرى منه ونقل في ذلك الإجماع، فإن علم أن التعزير لا يحصل به زجر فلا يفعل لكن سجن الكبير حتى تحقق توبته ولا يعرض للصغير، هذا أشار إلي ابن عبد السلام والشافعي وهو ظاهر.
[ ٨ / ٣٣٨ ]