البيوع
أتى بجمع الكثرة لتعدد الأنواع. وحد المازري البيع بأنه: نقل الملك بعوض. وهذا يشمل الصحيح والفاسد، بناء على أن الفاسد ينقل الملك، قال: وإن قلنا أنه لا ينقل لم يشمله، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم صحيحة، لاعتقادهم أن الملك قد انتقل على حكمهم في الجاهلية وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
خليل: وإن أردت إخراجه بوجه صحيح لاشك فيه فتزيد بوجه جائز.
ابن راشد: ويرد عليه أسئلة.
الأول: أن البيع علة في نقل الملك، فنقول: انتقل الملك لمشتري الدار لأنه ابتاعها، والعلة مغايرة للمعلول فلا يمكن حد البيع بالنقل.
ثانيها: أن النقل حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني، والمجاز لا يستعمل في الحدود.
ثالثها: أن الملك مجهول، لأنا إن قلنا: هو التصرف انتفض لتصرف الوصي والوكيل، لأنهما غير مالكين وهما يتصرفان. وقد يوجد الملك ولا تصرف في المحجور عليه، وقد يوجدان معًا في ملك الرشيد. وإذا كانت حقيقة الملك مجهولة، فيكون عرف البيع بما هو أخفى منه. والأقرب ما قاله ابن عبد السلام: أن حقيقة البيع معروفة لكل أحد لا تحتاج إلى حد. وهذا الباب مما ينبغي أن يهتم به، لعموم البلوى.
وقول بعض الناس: يكفي ربع العبادات ليس بشيء، إذ لا يخلو مكلف غالبًا من بيع وشراء فيجب أن يعرف حكم الله في ذلك قبل التلبس به.
للبيع أركان: الأول: ما يدل على الرضا من قول أو فعل فتكفي المعاطاة. ويعني، فيقول: بعتك
اللام للاختصاص. والركن: جزء الشيء وهو داخل في الماهية، وذكر للبيع ثلاثة أركان: ما يدل على الرضا، والعاقد- والمراد به البائع والمشتري- والمعقود عليه. وسيأتي كل
[ ٥ / ١٩٠ ]
واحد منهما. وعلى هذا فقوله: (للبيع أركان) فيه حذف مضاف، أي: ثلاثة أركان. أو على حذف الصفة، أي: أركان ثلاثة. وإنما كان المتعاقدان من أركان البيع، لتوقف البيع عليهما.
وقوله: (الأول) أي: الركن الأول ما يدل على الرضى من قول، كقولك: بعت، وقول المشتري: قبلت. أو فعل كالمعطاة. وقول الشافعية: لا دلالة للأفعال بالوضع فلا ينعقد بها البيع ليس بظاهر، لأنه لا يلزم من نفي الدلالة الوضعية نفي مطلق الدلالة، لبقاء الدلالة العرفية على الرضا وهو المقصود، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منهما، لقوله تعالى ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وقدم هذا الركن، لأنه الموجود أولًا طبعًا فوجب تقديمه وضعًا، وتاليها السلعة. وقوله: (بعني) فيقول: بعتك، معطوف على المعاطاة، أي: ويكفي قول بعني من المشتري، فيقول البائع: بعتك بعد قوله بعني بقوله، لأنه دال على الرضا.
وفيها: لو وقفها للبيع، فقال: بكم؟ فقال: بمائة، فقال: أخذتها، فقال: لا أرضى، يحلف ما أراد البيع
ذكر هذه المسألة إثر الأولى لما بينهما من الارتباط، كما فعل ابن القاسم فيها. قال فيها: فإن قلت لرج: بعني سلعتك بعشرة، فقال: قد فعلت لا أرضى. فقال: قال مالك فيمن وقف سلة للسوم، فقال: بكم هي؟ فقال: بعشرة، فقلت قد رضيت، فقال: لا أرضى أنه يحلف ما أراد البيع، وإن لم يحلف لزمه. قال ابن القاسم: فكذلك مسألتك. وذكر صاحب البيان في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
الأول: نفي اللزوم للمدونة إذا حلف. الثاني لمالك في العتبية: اللزوم. الثالث للأبهري: أنه إن كان ذلك قيمة السلعة وكانت تباع بمثله، لزم البيع وإلا حلف ما أراد البيع ولم يلزمه. قال: وهذا الاختلاف إنما هو في السلعة الموقوفة للبيع، وأما إن لقي رجلٌ رجلًا في غير السوق، فقال له: بكم عبدك هذا، أو ثوبك هذا لشي لم يقفه؟ فقال: بكذا. فقال:
[ ٥ / ١٩١ ]
أخذته به، فقال: لا أرضى إنما كنت لاعبًا وشبه ذلك، فإنه يحلف على ذلك ولا يلزمه البيع باتفاق، إلا أن يتبين صدق قوله فلا يمين عليه باتفاق. وقد ذهب بعض الناس إلى أن الخلاف في ذلك إن لم تكن السلعة موقوفة للبيع.
خليل: وعلى هذا فيتحصل في المسالة أربعة أقوال: الثلاثة الأقوال المتقدمة، والرابع: الفرق بين أن تكون موقوفة للبيع أو لا.
قال في البيان: ومثل هذا المثال في الخلاف لو قال السائم: أنا آخذه بكذا، فقال البائع: قد بعتك، فقال السائم: لا آخذه بذلك.
ابن أبي زمنين: إذا قال البائع: قد بعتك بكذا أو أعطتيك بكذا، فرضي المشتري وأبى البائع، وقال: لم أرد البيع، لم ينفعه ولزمه [٤٣١/ا] البيع. وكذلك إذا قال المشتري: قد ابتعت منك بكذا فرضي البائع، لم يكن للمشتري أن يرجع. ولو قال البائع: أنا أعطيكها بكذا أو أبيعها بكذا فرضي المشتري، وقال البائع: لم أرد البيع فذلك له ويحلف. وكذلك لو قال المشتري: أنا أشتريها منك أو آخذها، فرضي البائع ورجع المشتري كان ذلك له ويحلف. قال: فافهم هذه الوجوه، فهي كلها مذهب ابن القاسم وطريقة فتياه.
وحاصله: التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي فيلزم، أو بالمضارع فيحلف. وإتيان المصنف﵀- بمسألة المساومة بعد، يعني: يحتمل الاستدلال ويكون المصنف رأي التساوي بينهما كما رآه ابن القاسم. ويحتمل أن يكون ذكره تنبيهًا على ضعف قياس ابن القاسم كما أشار إليه بعضهم، لأن دلالة اللفظ في الأولى على الرضا أقوى منه في الثانية، لأنه طلب بلفظ صريح في الطلب، وقد أمضى له البائع ذلك بقوله: قد فعلت، فكلامه الثاني لا أرضى يعد ندمًا فلا يقبل منه. وأما الثانية: فيتحمل أنه أوقفها ليعلم ما تساوي ولا يبيعها، أو ليعلم ما تساوي ثم يبيعها لآخر طلبها منه.
[ ٥ / ١٩٢ ]
وقول السائل: (بكَمْ) هو يحتمل أن يريد: بكم اشتريتها أو بكم تبيعها، فإذا قال له السائل: قد رضتيها، فلابد من جواب البائع، لكن لما كان كلامه الأول محتملًا حلفه مالكٌ لرفع الاحتمال، ولعل مالكًا لو سئل عن الأولى ما قبل فيها من المشتري يمينًا.
ولهذا الذي أشرنا إليه من أن اللزوم في بعني أقوى، ذكر صاحب البيان بعد أن ذكر الخلاف المتقدم في قوله: بكم، أنه اختلف إذا قال المشتري: بعني بكذا، فلما أراد البائع أن يلزمه ذلك أبى، أو قال البائع: خذها بكذا، فلما أراد المشتري أن يأخذها أبي، فقيل: إن ذلك كالمساومة، يدخل في ذلك الاختلاف المذكور، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، لأنه ساوى بينهما. وقيل: إن قول المشتري بعني، بمنزلة قوله: اشتريت. وأشتريها بكذا، بمنزلة قوله: قد بعت، يلزم ذلك كل واحد منهما إذا أجابه صاحبه بالقبول، وإلا مضى في المجلس قبل التفرق في بابه. والله أعلم.
ابن راشد: فرع: إذا تراخى القبول عن الإيجاب، فهل يفسد البيع أم لا؟ أشار ابن العربي في قبسه إلى الخلاف في ذلك، ثم قال: والمختار جواز تأخيره ما تأخر. وفي شرح الجلاب المنسوب بإفريقية للشار مساحي ما يدل على اعتبار القرب، قال فيه: وإذا نادى السمسار على السلعة فأعطى فيها تاجر ثمنًا لم يرض به البائع، ثم لم يزده أحد على ذلك، فإنها تلزمه بذلك الثمن إلا أن تطول غيبته.
وفي المقدمات: الذي يأتي على المذهب أن من أوجب البيع لصاحبه من المتبايعين إن أجابه صاحبه بالقبول في المجلس، لم يكن له أن يرجع. ومقتضى ذلك: أنه إن لم يجب في المجلس أنه لا يلزمه. والظاهر ما قاله ابن العربي، بدليل أن المحجور عليه إذا باع من ماله أن لوليه الإجازة، وإن طال الأمر ولم يحصل غير الإيجاب من المحجور مع قبول المبتاع،
[ ٥ / ١٩٣ ]
وإيجاب المحجور كالعدم. وكذلك بيع الفضولي، يقف القبول على ربه على المشهور، وإن طال. ويمكن أن يقال: حصل الإيجاب والقبول، ونظر الوصي والمالك أمر جرت إليه الأحكام. انتهى كلام ابن راشد.
الثاني: العاقد، وشرطه: التمييز. وقيل: إلا السكران
أي: الركن الثاني: العقاد، ويعني به: البائع والمشتري. وشرطه التمييز، أي: شرط صحة بيع العاقد وشرائه أن يكون مميزًا، فلا ينعقد بيع غير المميز ولا شراؤه لصغر، أو جنون، أو إغماء، أو سكر. ولا إشكال في الصبي، والمجنون، والمغمى عليه. وأما السكران، فهو مقتضى ما ذكره ابن شعبان وغيره، فإنه قال: ومن الغرر بيع السكران وابتياعه إذا كان سكره متيقنًا، ويحلف بالله مع ذلك مع عقل حين فعل، ثم لا يجوز ذلك عليه. وظاهره أنه لا ينعقد، لأنه جعله من الغرر، والذي ذكره صاحب البيان، وصاحب الإكمال: أن مذهب مالك وعامة أصحابه: أنه لا تلزمه عقوده، حتى تأول ابن رشد قول مالك في التعبية في نكاحه: لا أراه جائزًا، على أن معناه: لا أراه لازمًا لا أنه فاسد. وقال في موضع آخر: لا يقال في بيع السكران بيع فاسد، وأن مذهب مالك: أنه غير منعقد، وإنما يقال: أنه غير لازم. وإنما لم يصح بيع السكران أو يلزمه، لأنا لو فتحنا هذا الباب مع شدة حرص الناس على أخذ ما بيده وكثرة وقوع البيع، لأدى إلى أن لا يبقى له شيء، بخلاف طلاقه وقتله وغير ذلك مما يتعلق به الحق لغيره، فإنا لو لم نعتبره لتساكر الناس ليتلفوا أموال الناس وأرواحهم.
والشاذ لابن نافع: يلزم بيعه كطلاقه. قال في الجواهر: والجمهور على خلافه. وإليه أشار بقوله: (وقيل: إلا السكران) أي: وقيل يشترط التمييز، إلا أن يكون العاقد سكرانًا فلا يشترط فيه التمييز.
[ ٥ / ١٩٤ ]
وجعل المصنف الخلاف في السكران الذي لا يميز، وكذلك ذرك ابن شعبان والقاضي عياض، وعليه فلا خلاف في لزوم البيع لغير الطافح، وطريقة ابن رشد بالعكس. وقد تقدم في الطلاق. [٤٣١/ب].
والتكليف شرط اللزوم
يعني: شرط لزوم البيع أن يصدر من مكلف، وأما لو صدر من صبي فلوليه إمضاؤه ورده، ولا يلزم كل مكلف، إذ قد يقوم به مانع كالسفه وغيره ممن حجر عليه، هذا هو الظاهر هنا.
وقال ابن راشد: عبر بالتكليف عن الرشد والطوع، لأن السفيه لا يلزمه بل لوليه أن يفسخه، وكذلك من أجبر على البيع لا يلزمه البيع، أعني: إذا أجبر جبرًا حرامًا.
ابن سحنون: وأجمع أصحابنا على أن بيع المكره غير لازم، واحترزنا بقولنا: جبرًا حرامًا عن المجبر جبرًا شرعيًا، كجبر القاضي المديان على البيع للغرماء، وجبر العمال على بيع أموالهم، فإنه جائز ويلزمه البيع، سواء كان السلطان يرد المال على من كان أخذه منه أو يأخذه لنفسه، كالمضغوط في دين لزمه، لأن إغرام الوالي العمال ما أخذوه من الناس حقٌ فعله الوالي وعليه أن يرده إلى أهله، فإذا حبسه فهو ظالم في حبسه، نقله ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
خليل: وما ذكره من أن المكره غير مكلف صحيح، لأن أهل الأصول نصوا على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف. وأما السفيه فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس مكلفًا بالبيع، فإن قيل: لو كان مكلفًا به لزمه البيع، قيل: يحتمل. ولو قلنا: إنه مكلف بالبيع أن لا نقول بإمضائه للحجر عليه فتأمله.
ولا إشكال في عدم لزوم البيع لمن أجبر جبرًا حرامًا، فقد نص ابن القاسم على أن الذي يضغط في الخراج فيبيع متاعه، أنه يرد متاعه عليه بلا ثمن إذا كان بيعه إياه على عذاب، أو ما أشبه ذلك من الشدة، قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ.
[ ٥ / ١٩٥ ]
ابن راشد: وسئل اللخمي عن شاب مراهق أو بالغ نسب إليه أنه جنى جناية فسجنه السلطان وهو يتيم كفله بعض أقاربه، فكفله السلطان أن يغرم مالًا ويخرجه من السجن، فلم يقدر اليتيم على الخلاص من هذا المال بوجه، فباع شيئًا من رباعه بعد خروجه من السجن ليؤدي من ثمنه ذلك المال، وكان هذا الفعل على وجه النظر له، لأنه يبقى عليه لو لم يجب إلى غرم بعض ذلك المال أن ينفيه من البلد، أو يأخذ بعض رباعه فيه، أو يأخذه كلها، أو لا يخرجه من البلد وإنما يسجنه بالضرب والعذاب. فقال: إذا كان الأمر على ما وصفت فبيع ماض، ويغلب على ظني أني رأيت للسيوري نحو ذلك، وقال: المشتري من المضغوط مأجور، لأنه يخلصه من العذاب.
ابن رشد: والمذهب على خلاف ذلك، فقد تقدم قول ابن القاسم في ذلك.
وقال مطرف: سمعت مالكًا يقول: في أهل الذمة يضغطون فيما يعتدى عليهم في جزيتهم حتى يلجئوا إلى بيع متاعهم في ذلك لا يجوز عليهم، وهم أولى بما باعوه أن يأخذوه بلا ثمن ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم.
مطرف: وكذلك في بيع المسلم المضغوط، لأنه أعظم حرمة ولأنه بيع إكراه، والمكره لا يلزمه بيع ما أكره عليه.
ابن حبيب: وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقالا: هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
مطرف: وسواء دفع المبتاع الثمن للمضغوط ودفعه المضغوط إلى الظالم الذي يضغطه وقبضه الظالم من المبتاع، فللبائع أخذ متاعه إذا ظفر به بيد مبتاعه منه، أو بيد من ابتاعه منه، ويرجع به على من ابتاعه منه ويرجع هو على الظالم. قال: ولو قبضه منه وكيل الظالم فللمبتاع أن يرجع على الوكيل إن شاء، أو على الظالم إذا ثبت أنه أدى المال إليه، أو ثبت أنه أوصى الوكيل بقبضه، وكلاهما ضامن ما خرج به، ولو وجد المضغوط متاعه قد فات،
[ ٥ / ١٩٦ ]
فله الرجوع بقيمته أو بثمنه الذي بيع به إن كان الثمن أكثر، إن شاء على الوكيل، وإن شاء على الموكل. وقال ابن عبد الحكم، وأصبغ مثل ذلك.
مطرف: ولا قول للوكيل إن قال: كنت مكروهًا على القبض وخفت منه على نفسي إن لم أفعل، لقوله ﵊: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
ولو باع متاعه في مظلمة ثم لا يدري هل وصل ذلك الثمن إلى الظالم أم لا؟ نظر، فإن كان ظلمه له وعداه عليه وقهره له معلومًا حين باع متاعه، فيحمل على أن الثمن وصل للظالم حتى يتحقق أن المضغوط صرفه في مصالحه، فلا يصل حينئذ إلى أخذ متاعه إلا بدفع الثمن، وسواء علم المبتاع بأن ما اشتراه للمضغوط أو لم يعلم.
قيل لمطرف: إنهم يخرجون عندنا بغير كبل فيطوفون لبيع متاعهم، فإذا أمسوا ردوا إلى السجن، وقد وكل بهم حراس أو أخذ عليهم حميل والمشتري لا يعلم ذلك أو يعلم، ومنهم من هو في كبل أو عذاب، ومنهم هارب قد أخذ متاعه فباع أو قد أمر بعض أهله ببيعه. قال: كل ذلك سواء وهو إكراه، لأنه أسير مغلوب فلا يبالي بعلم المبتاع أو جهله إلا أن من علم مأثوم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: وسواء كان عنده عين فتركها وباع خشية أن يزاد عليه أو لم تكن.
مطرف: ومن كان عالمًا بحال المضغوط فاشترى شيئًا من متاعه فهو ضامن كالغاصب، وأما من لم يعلم فيشتري في السوق فلا يضمن الدور والحيوان ويضمن ما انتفع به بأكل أو لبس والغلة له، وأما العالم فلا غلة فيه وهو لها ضامن.
قال: وكل ما أحدث [٤٣٢/أ] المبتاع فيه من عتق أو تدبير فلا يلزم المضغوط، وله أخذ رقيقه من المبتاع سواء علم بحاله أو لم يعلم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. ولو أعطى المضغوط حميلًا فتغيب فأخذ المال من الحميل لم يرجع الحميل عليه بشيء، ولو
[ ٥ / ١٩٧ ]
أخذ ما أضغط به من رجل سلفًا، فقال أصبغ: يرجع عليه بما أسلفه، لأن السلف معروف. قال فضل بن سلمة: وعلى أصلها فيرجع الحميل، لأن الحمالة معروف. ولو باع ولد والمضغوط أو زوجته متاع نفسه برسم فدائه فالبيع لازم، لأن هؤلاء الناس لم يضغطوا، ولو لم يبيعوا متاعهم لم يطلبوا، قاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ.
حكى جميع ذلك ابن أبي زيد في نوادره ما عدا ما ذكرناه عن اللخمي والسيوري. انتهى كلام ابن راشد.
والإسلام: شرط المصحف والمسلم، وفيها: يصح، ويجبر على بيعه
في هذا الكلام حذف مضافين، أي: شرط جواز شراء المصحف والمسلم، وهذا متفق عليه، فليس الذي في المدونة خلافًا. ويحتمل أن يكون التقدير: شرط صحة شراء المصحف والمسلم، ويدل عليه مقابلته له بما في المدونة. ويكون المصنف قدم الأول، إما لأنه قول سحنون وأكثر أصحاب مالك، وإما لأصحيته بحسب الدليل. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] وهو في معنى النهي، والمذهب أن النهي يدل على الفساد.
والاحتمال الثاني أقرب إلى لفظه، ويرجح الأول: بأن الغالب أن المصنف لا يرجح غير في المدونة.
وصرح المازري: بمشهورية ما في المدونة، لأن الفساد يندفع ببيعه، والشاذ لمالك في الواضحة، قال: ويعاقبان، وينبغي أيضًا على مذهب المدونة أن يعاقب.
اللخمي: وأصل سحنون في كل بيع حرام أن البيع غير منعقد، وهو بعد القبض على ملك البائع. ووقع لمالك في مختصر ما ليس في المختصر مثل ما تقدم له في الواضحة، أنه يفسخ ولو باعه لمسلم وتداولته الأيدي ويترادون الأثمان، فإن هلك عند النصراني ولم يبعه كانت عليه القيمة.
[ ٥ / ١٩٨ ]
اللخمي: ومحمل قوله في رد البياعات أن ذلك عقوبة لئلا يعود لمثل ذلك، ولو كان البيع عنده لا ينعقد كما قال سحنون لم يضمن قيمته.
ورده ابن عبد السلام بأنه لا مانع من عدم انعقاده مع تعلق الضمان بمشتريه إذا قبضه، لأنه قبضه لحق نفسه قبضًا غير شرعي.
وقيد ابن رشد الخلاف بأن يكون البائع عالمًا بأن المشتري نصراني، قال: ولو باعه من نصراني وهو يظنه مسلمًا لبيع عليه ولم ينفسخ اتفاقًا.
وعورض مذهب المدونة هنا بما في كتاب المديان فيمن له دين على رجل فباعه من عدوه المديان أنه يفسخ، ولم يقل: يباع على مشتريه. والجامع انتقال الملك إلى العدو في المحلين. وأجيب: بأن الدين يتعذر بيعه غالبًا بخلاف المسلم والمصحف، ويلحق بالمسلم والمصحف بيع آلة الحرب للحربي، وبيع الدار لمن يتخذها كنيسة، والخشبة لمن يجعلها صليبًا، ونحو ذلك. والإسلام شرط مختص بالمشتري اتفاقًا دون البائع.
وله العتق والصدقة والهبة
وإذا قلنا بمذهب المدونة: أو أسلم العبد، فالغرض خروجه عن ملكه، فله أن يعتقه ويتصدق به ويهبه. وظاهره ولو كانت الهبة لمن يعتصر منه، كما لو وهبت النصرانية المسلم لولدها الصغير من زوج مسلم، وهو قول ابن الكاتب، وأبي بكر بن عبد الرحمن خلافًا لابن شاس.
المازري: بناء على أن من ملك أن يملك، هل يعد مالكًا أم لا، واختار ابن يونس الجواز، واحتج المانع بما في المدونة فيمن ملك أختين فوطئ إحداهما لا يحل له وطء الأخرى حتى يحرم الأولى، ولا تكفيه هبتها لولده الصغير، لقدرته على الاعتصار.
وأجاب ابن يونس: بأن مالك الأختين مسلم فجاز له الاعصتار، بخلاف النصرانية لا يجوز لها أن تعتصر العبد المسلم، كما لا يجوز لها أن تشتريه. قال: فإن وقع الاعتصار منها بيع عليها. ويجب على قول غير ابن القاسم أن ينقض اعتصارها.
[ ٥ / ١٩٩ ]
فرع: لو وهب النصراني العبد المسلم للثواب فلم يثبه فله أخذه ليباع عليه، فإن وهب مسلم أو نصراني عبدًا مسلمًا لنصراني أو تصدق به عليه، جاز ذلك وبيع عليه والثمن له.
بخلاف الرهن ويأتي برهن ثقة، وقيل: بل يعجل
أي: أن البعد المشتري على مذهب المدونة، وكذلك العبد إذا أسلم ليس للسيد الكافر رهنه لكونه باقيًا على ملكه، وحذف المعطوف عليه، أي: فيباع العبد ويأتي برهن ثقة. وحذف الشرط، أي: إن أراد الكافر أخذ الثمن، وإلا فلو عجله في الدين لكان له ذلك، وهذا هو مذهب المدونة. وقيده بعض القرويين بما إذا انعقد البيع على رهن مطلق، وأما إن رهنه هذا العبد بعينه ليبيع عليه وحل حقه ولم يكن له أن يأتي فرهن آخر. ابن يونس: وعاب عض أصحابنا هذا القول وهو جيد.
وقيل: بلي يعجل الثمن للمرتهن، وإن أتى الراهن برهن ثقة. ونسبه اللخمي، وابن شاس، وابن راشد لسحنون. وحكى ابن يونس عن سحنون أن ثمن العبد يبقى تحت يد المرتهن ولا يعجل له ولا يلزمه قبول رهن آخر، لأنه قد تحول أسواقه عند الأجل.
[٤٣٢/ب] وعورض قول ابن القاسم هنا: أنه لا يلزمه تعجيل الثمن، بقوله فيمن أعتق العبد الرهن أنه يعجل الثمن، وإنما يأتي على قول عبد الملك: إن له أن يأتي برهن آخر. وأجاب ابن محرز بأن المرتهن كان عالمًا بإسلام العبد فرهنه على ذلك فكان النصراني متعديًا في رهنه لحق العبد دون حق المرتهن، فلذلك كان له أن يأتي برهن آخر، بخلاف الراهن يعتق الرهن فإنه تعدى على المرتهن.
خليل: ولو قيل: إذا ارتهنه منه مسلم وهو عالم بإسلام العبد بطل الرهن لكان له وجه، لأنه دخل على رهن لا يجوز.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
وجعل اللخمي محل الخلاف إذا كان الإسلام قبل الرهن، وأما إن أسلم بعد الرهن لم يعجل ثمنه إذا أتى برهن مكانه.
وفي رده عليه بعيب أو الأرش قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه فسخ أو ابتداء
أي: وفي رد العبد المسلم على الكافر بسبب عيب كان في ملكه أو تعيين الأرش قولان. والمبنى الذي ذكره ظاهر، فإن قلنا أنه فسخ جاز رده وهو قول ابن القاسم، والقول الآخر لأشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب.
ولو كان الخيار لبائع مسلم ففي منع إمضائه قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه ابتداء أو تقرير
أي: لو باع مسلم عبدًا كافرًا لكافر على أن الخيار للبائع، ثم أسلم العبد في مدة الخيار فهل يمنع المسلم من إمضاء البيع أو لا؟ قولان، منشأهما هل بيع الخيار منحل فيمنع، لأنه كابتداء بيع، أو منبرم فيجوز؟ والظاهر: المنع، لأن المعروف من المذهب انحلاله، والظاهر المنع إن قلنا أنه منبرم، إذا لا فرف بين ما بيد المسلم ورفع تقريره، وبين ابتداء بيعه بجامع تملك الكافر للمسلم في الوجهين. وظاهره: أن القولين منصوصا، وإنما ذكرهما المازري تخريجًا على الخلاف في بيع الخيار.
وقوله: (لبائع) منون، و(مسلم) صفة له، ولا يجوز أن يقرأ بائع مسلم بالإضافة، لأنه يقتضي أن العبد مسلم ويبقى البائع أعم، وليس كذلك.
وتقييده الخيار بالبائع يقتضي أن الحكم بخلاف ذلك إذا كان الخيار للمشتري، كما لو باع النصراني عبدًا للنصراني على أن الخيار للمشتري فأسلم العبد، فإن كان المشتري نصراني استعجل استعلام ما عنده من رد أو إمضاء ولم يمهل إلى تمام مدة الخيار، لئلا يدوم ملك الكافر للمسلم. وإن كان المشتري مسلمًا.
[ ٥ / ٢٠١ ]
المازري: فظاهر المدونة أن المشتري يمهل إلى انقضاء أيام الخيار، لتعلق حقه بالتأخير وهو مسلم، ولا يبطله حق مسلم آخر، وهو العبد الذي أسلم. انتهى. أي: فإن رده بيع على ربه.
وفي ابن يونس عن بعض أصحابنا: إن كان المتبايعان كافرين والخيار إلى أجل تعجل، إذ لابد من بيع فلا فائدة في تركه إلى الأجل، وإن كان أحدهما مسلمًا لم يعجل الخيار، إذ قد يصير للمسلم منهما.
فرع: إذا أسلم العبد وسيده غائب وهو كافر، فإن كان بعيد الغيبة باعه السلطان، وإن كان قريب الغيبة كتب إليه، لئلا يكون قد أسلم قبله، قاله في المدونة.
فرع: قال المازري: وإذا أسلم عبد النصراني وجب بيعه عليه من مسلم ولا يؤخر إلا بحسب الإمكان. وهل يجوز له أن يبيعه على الخيار له؟ فيه نظر، لأن المبيع على الخيار على ملك البائع وخراجه له، أو يقال: قد يحتاج إلى إثبات الخيار للاستقصاء في الثمن، والعدول عن ذلك تضييق على الذمي، ولا يدفع ضرر بإثبات ضرر.
وفيها: الصغير كالمسلم، وقيل: لا
ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الصغير الكافر لا يباع إلا من مسلم، وأنه إن بيع من كافر أجبر على بيعه، هذا هو حقيقة التشبيه والذي في المدونة.
قال ابن نافع عن مالك في المجوس: إذا مُلِكوا أجبروا على الإسلام، ويمنع النصارى من شرائهم ومن شراء صغار الكتابيين، ولا يمنعون من كبار الكتابيين، فلم يتعرض إلا للمنع ابتداء، وأما إذا وقع فهل يجبر على بيعه؟ لم يتعرض له، ولهذا قال في الجوهر: لما نقل عن المدونة منع البيع قال في العتبية: فإن بيع منه فسخ البيع. قال الإمام: ويتخرج فيه على القول الآخر أنه يباع. فجعل فسخ البيع وصحته والجبر على البيع مفرعًا على ما في المدونة.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
قال في تهذيب الطالب: قال مالك: وإذا بيع من النصارى من يجبر على الإسلام بيع عليهم ما اشتروا، إلا أن يتدينوا بدينهم فيتركون، عبد الحق: يعني مثل المجوس.
وتأول صاحب التنبيهات ما في المدونة من بيع الصغار الذين لا آباء لهم، لأنهم إذا لم يكن لهم آباء فهم على دين من اشتراهم، فإذا اشتراهم مسلم لم ينبغ له أن يبيعهم من كافر، سواء وافق الصغير المشترى في الدين أو خالفه.
قال: وعلى هذا تأول المسألة بعض مشايخنا، وتأولها بعضهم على الصغار الذين ليسوا على دين مشتريهم، كصغار اليهود مع النصارى أو العكس، للعداوة التي بينهم، قال: وهو بعيد لتفريقه بين الصغار والكبار.
وقوله: (وقيل: لا). هو قول ابن المواز، قال: لأنا لسنا على يقين من قبوله الإسلام.
وقوله في المدونة: ولا يمنعون من كبارهم، قال في الجواهر: بشرط أن يسكن به في أرض الإسلام، وأما إن كان يخرج به منع، لما يخشى [٤٣٣/أ] من إطلاعه أهل الكفر على عورة المسلمين.
وفي اليهودي مع النصراني قولان
أي: وفي حكم اليهودي مع النصراني يباع أحدهما من الآخر قولان:
أحدهما: أن ذلك جائز، لأن المالك يشفق على ملكه وليس فيه حق لله تعالى، وإن أداه أمكن تدارك حقه بالمنع أو البيع.
والثاني: عدم الجواز لما بينهما من العداوة. والأول حكاه سحنون عن بعض أصحاب مالك، وهو ظاهر قول مالك من رواية ابن نافع عنه في المدونة، وقد تقدمت. ونسبه اللخمي، والمازري، وابن شاس لابن المواز. والثاني لابن وهب، وسحنون.
اللخمي: وهو أحسن، للعداوة التي بينهم.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
وفي الكتابي يشتري غيره، ثالثها: يمنع في الصغير، وخرجت على إجبارهم
يعني: أنه اختلف في جواز بيع المجوسي وغيره ممن لا كتاب لهم من كتاب على ثلاثة أقوال، وهكذا حكى المازري الثلاثة، الجواز مطلقًا: قال: وهو ظاهر المدونة، قال: وفيها ما علمته حرامًا وغيره أحسن. قال: وأطلق الجواب في الصغير والكبير. والمنع مطلقًا: وعزاه لابن عبد الحكم. والثالث: الفرق، الجواز في الكبار والمنع في الصغار، وعزاه للعتبية. وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بالمجوسي المسبي الذي لا بصيرة له في دينه، وأما الذي ثبت على دينه بين ظهراني المسلمين، فلا خلاف أنه لا يجبر على الإسلام.
وقوله: (وَخرجت) هذا التخريج للمازري، وهو تخريج توجيه، لأن الثلاثة منصوصة على ما تقدم، أي: فعلى القول بإجبارهم مطلقًا يمنع من بيعهم للكفار مطلقًا، وتصوره واضح.
وذكر صاحب البيان في باب الجنائز أنه لا خلاف في جبر الصغير من المجوس، وقد قدمنا كلامه في باب الجنائز، وهو يخالف ما ذكره المازري والمصنف من حكايتهما الخلاف مطلقًا، ويمكن أن يحمل كلام المازري على ما إذا كان مع الصغير أبوه، وكلام ابن رشد على ما إذا لم يكن فيتفق الكلامان. وفسر المازري واللخمي الإجبار هنا بالتهديد والضرب لابالقتل. المازري: لأنه لم يتدين بدين الإسلام ثم ارتد عنه.
الثالث: المعقود عليه طاهر منتفع به مقدور على تسليمه معلوم
أي: الركن الثالث: المعقود عليه، وهو الثمن والمثمون، وشرط فيه أربعة شروط واحترز بكل شرط عما يقابله، فاحترز بالطاهر من النجس، ولا يريد العموم في كل نجس بل ما نجاسته ذاتية أو كالذاتية، وأما إن كانت نجاسته عرضية فلا خلاف في عدم اعتبارها. ثم أخذ﵀- يتكلم على الأول منها فالأول، فقال:
[ ٥ / ٢٠٤ ]
وفيها: منع بيع العذرة، ورد ابن القاسم منع الزبل مخرجًا
هذا ما يتعلق بقوله (طاهر). وظاهر ما نسبة للمدونة التحريم كابن شاس. والذي فيها: وكره مالك بيع العذرة. قيل لابن القاسم: فما قول مالك في زبل الدواب؟ قال: لم أسمع منه فيه شيئًا إلا أنه عنده نجس، وإنما كره العذرة لأنها نجسة فكذلك الزبل أيضًا، ولا أرى أن ببيعه بأسًا. قال أشهب في زبل الدواب: والمبتاع أعذر من البائع. فانظر كيف عبر بالكراهة في موضعين، نعم عبر أبو عمران وعياض عن مالك بـ (لا يجوز) وهو موافق للمصنف، ولعل الذي حملهم على ذلك التعليل بالنجاسة.
ونقل اللخمي عن أشهب في تمام كلامه الذي في المدونة: وأما العذرة في خير فيها. ونقل عنه أيضًا أنه قال في الموازية: بيعها للاضطرار والعذر جائز والمشتري أعذرهما.
وقال محمد ابن عبد الحكم: وما عذر الله واحدًا منهما وأمرهما في الإثم واحد، ويجوز أن يبيع العذرة، قاله ابن الماجشون. وأجرى اللخمي قولًا لابن القاسم بجواز بيع العذرة من إجازته بيع الزبل، وأنكر ذلك عليه ابن بشير وزعم أنه تخريج في الأصول من الفروع، وهو عكس القواعد. وما قاله اللخمي هو الظاهر، لأنه لا مانع لبيع كل منهما غير النجاسة، وإذا سلم اتحاد العلة وجب وجود الحكم معها حيث وجدت. وما فرق به أبو عمران من أن نجاسة الزبل مختلف فيها ونجاسة العذرة متفق عليها، مبني على مراعاة الخلاف والأصل عدمه، وهذا القدر لا يوجب تخطئة الأئمة على أن هذا الفرق لا ينهض عند ابن القاسم، لأنه لو نهض عنده لما ألزم مالكًا منع بيع الزبل بالقياس على العذرة.
والزيت النجس يمنع في الأكثر، بناء على أنه لا يطهر، وفي وقوده في غير المسجد وعمله صابونًا قولان
قول الأكثر مبني على عدم تطهيره، وصرح المازري بمشهوريته، ومقابله رواية وقعت لمالك وبها كان يفتي ابن اللباد. وفيه قول ثالث بجواز البيع لغير المسلم، وهو
[ ٥ / ٢٠٥ ]
ضعيف، لأن المسلم لا يبيع ما لا يحل له، وقد تقدم هذا الفرع في باب الطهارة. والمشهور: أنه يستصبح به في غير المساجد ويعمل صابونًا، لكن تطهر الثياب بعد ذلك بالمطلق، ودل كلامه على منعه في المسجد اتفاقًا.
وعظام الميتة، ثالثها: يجوز في ناب الفيل
الخلاف مبني على الخلاف في الطهارة، والمشهور: أنه نجس فلا يباع. والثاني: لابن وهب، لأنه هو القائل بالطهارة. والثالث: نسبه في الجواهر لمطرف وانب المجاشون، ولا عندهما بين أن يغلى أو لا.
اللخمي: وناب الفيل كالقرن يجري ما في القرن فيه، قال: وهو قرن منعكس وليست بأنياب ولا في الفم، وأجرى الخلاف الذي في أطراف القرون في الظفر إذا [٤٣٣/ب] قطع من موضع لا يألم. وللأبهري قول رابع: بالكراهة. ولابن وهب خامس: بالجواز إذا غليت، والمنع إذا لم تغل.
فائدة: منع مالك في العتبية الخبز المخبوز بروث الحمير، ونصها: وسألته عن الطعام يوقد تحته بأرواث الحمير أيؤكل أم لا؟ فقال لي: أما الخبز الذي ينضج فيه فلا يؤكل، وأما ما طبخ في القدور فأكله خفيف وهو يكره بدءًا، وقال سحنون مثله. وعلل ذلك في البيان بأن ما في القدور لا يصل إليه من عين النجاسة شيء من أجل الحائل الذي بينه وبينه وإنما يكره من أجل دخان الروث، لما في ذلك من الشبهة من أجل من يقول: إن الدخان نجس وإن لم يكن عندنا نجس.
ابن القاسم: ولا أرى أن يوقد بعظام الميتة في الحمامات، ولا أرى به بأسًا أن يخلص بها الفضة، وقال في المدونة: لا يطبخ بعظام الميتة أو يسخن بها الماء لوضوء أو عجين، ولا بأس أن يوقد بها على طوب أو حجارة.
[ ٥ / ٢٠٦ ]
عياض: وظاهره جواز الانتفاع بعظام الميتة، بخلاف ما في الموازية أنه لا يحمل الميتة إلى كلابه. وقيل: لعله تكلم بعد الوقوع لا في الجواز ابتداءً. وقيل: لعله وجدها مجتمعة وأطلق النار فيها، فكانت كسوق الكلاب للميتة، وهو بعيد، لأن طبخ الجير لا يتصور إلا بترتيب وعمل، وظاهر المسألة استعمال الطوب والجير في كل شيء، لأنه وإن باشر النجاسة أو داخله من رطوبتها شيء فقد أذهبت النار عينها وأثرها. وكذلك ما طبخ من الفخار بها، بخلاف ما ينعكس فيه دخانه من الطعام، أو يلاقيه من رطوبة الشواء والخبز، وإن كان أبو جعفر الأبهري حكى عن مالك في الفخار يطبخ بالنجاسة: أنه لا يجوز استعماله وإن غسل، وهو قول القابسي وغيره. وقال ابن شبلون: لا تستعمل إلا بعد غسلها وتغلية الماء فيها كقدور المجوس وهو الصواب عندي، بل هي أخف، لأن الدهنية التي دخلت قدور المجوس باقية بخلافها هنا، لأن الدهنية قد أكلتها النار فلم يبق لها عين ولا أثر. انتهى بمعناه.
وقال شيخنا﵀-: ينبغي أن يرخص في الخبز بالزبل في زماننا بمصر، لعموم البلوى به، وأن يراعى فيه قول من رأى النار تطهر، وأن النجاسة إذا صارت رمادًا طهرت، ولنا قول بطهارة زبل الخيل، وقول بكراهته منها ومن البغال والحمير، فيخف الأمر مع مراعاة هذا الخلاف، وإلا فيتعذر على الناس أمر معيشتهم غالبًا، والحمد لله على خلاف العلماء فإنه رحمة للناس.
وفيها: منع جلود الميتة وإن دبغ، وقيل: يجوز. وفيها: جواز جلد السبع المذكى وإن لم يدبغ، وقيل: لا يجوز
القولان في جلد الميتة مبنيان على الطهارة وعدمها بالدباغ، ومقابل المشهور لابن وهب: جواز البيع بعد الدبغ بشرط البيان، وهو قول مالك في المختصر.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
ومقابل المشهور في جلد السبع لأشهب: مقيد بعدم الدبغ، وأما إذا دبغ فيجوز. كذا نقله ابن عبد البر عنه. وفرق ابن حبيب بين العادية فيمنع، وغير العادية كالهر والثعلب فيجوز بيعها والصلاة عليها، بناء على أن الذكاة تتبعض.
وفي كلب الصيد والسباع قولان
هذا راجع إلى القيد الثاني، وهو قوله: منتفع به، وكذا قال ابن راشد، أي: وفي منع بيع الكلب أو جوازه، والمشهور: المنع. قال في البيان: وهو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، والجواز لابن كنانة وابن نافع وسحنون.
سحنون: أبيعه وأحج بثمنه وشهره بعضهم. وعن مالك ثالث: بالكراهة. وعن ابن القاسم: أفتى بجواز اشترائه ومنع بيعه، حكاه ابن زرقون، وحكى عنه ابن رشد وغيره كراهة بيعه. ولمالك في المدونة: يجوز بيعه في الميراث والدين والمغانم، ويكره بيعه للرجل ابتداء. وهذا الخلاف إنما هو في مباح الاتخاذ، وأما غيره فلا خلاف في عدم جواز بيعه وأن ثمنه لا يحل، نقل ذلك في البيان. وعلى المشهور: فروى أشهب: يفسخ إلا أن يطول، وحكى ابن عبد الحكم: يفسخ وإن طال.
وقوله: (والسباع) قال بعض من تكلم على هذا الموضع: أي وفي الكلب الذي يحرس الماشية من السباع وفي معناه كلب الزرع، فإن اتخاذ الكلب لذلك جائز. واختلف في بيعه كما ذكره المصنف، ونقله الباجي وغيره.
وذكر المازري خلافًا في الكلب الذي يتخذ لحراسة الدور والقياصير والفنادق، وللمنع ذهب ابن القصار، وأجاز فيه شيخنا﵀- وجهًا آخر، وهو أن يريد بالسباع التي في معنى الكلب كالفهد ونحوه، وهو الذي اقتصر عليه ابن راشد، فقال: يعني السباع كالفهود ونحوها، بناء على وجود المنفعة فيها، أو كونها منفعة يسيرة فلا تقابل بالعوض.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ويجوز بيع الهر والسباع لتذكيتها لجلودها، فإذا ذكيت بيعت جلودها وصلي فيها وعليها بخلاف الكلب مطلقًا
هذا معنى ما في المدونة في كتاب الضحايا، وعلى القول: أن جلود السباع لا تعمل فيها الزكاة لا يجوز البيع هنا، واستشكل الجواز لوجهين.
أحدهما: لا يدري أيسلم الجلد أم لا؟ وأجيب بأنه يحتاط له من اللحم.
والثاني: لا يدرى أرقيق أم غليظ؟ وأجيب بأنه مما يعلم بالعادة لاسيما القصابون.
ويؤخذ من هذه المسألة جواز بيع الجلد وهو على [٤٣٤/أ] ظهره الحيوان، لأنه لما كان السبع لا يؤكل لحمه على المشهور، فإذا بيع لجلده فكأن البائع لم يبع إلا جلده فقط.
وحصل في البيان في بيع الجلد قبل الذبح ستة أقوال.
الأول: الجواز. والثاني: الكراهة ويمضي بالثمن. والثالث: الكراهة ويفسخ، إلا أن يذبح البائع الشاة فيمضي بالثمن. والرابع: الكراهة ويفسخ، إلا أن يقبضه المبتاع فيمضي بالثمن. والخامس: يفسخ، إلا أن يقبض المشتري الجلد ويفوت عنده فيمضي بالثمن. والسادس: إن شراءه لا يجوز ويفسخ، فإن فات عند المشتري صح بالقيمة.
وقوله: (بخلاف الكلب مطلقًا) ابن راشد: يعني أن الكلب غير المأذون في اتخاذه لا يجوز بيعه لمن يبقيه حيًا أو يذكيه لأخذ جلده، لوجود النهي عن بيعه وعن اتخاذه. خليل: ويدخل في قوله: (مطلقًا) المأذون في اتخاذه.
ولا يباع من في السياق
ابن عبد السلام: من هنا ابتدأ بالكلام على ما يتعلق بقوله: (منتفع به) وما تقدم أولى، لأن النافع إذا كانت ممنوعة شرعًا فهي كالمعدومة حسًا، وهو الذي في الجواهر، لأنه تكلم على مسألة الكلب وما بعدها لما تكلم على قوله: (منتفع به) ولأنه لو كان قال ابن
[ ٥ / ٢٠٩ ]
عبد السلام للزم أن يكون الكلام على الكلب داخلًا في مقابل قوله: (طاهر) وليس بجيد، لأن الكلب عندنا طاهر.
وما ذكره المصنف خاص بالرقيق وما لا يؤكل لحمه، لأنه من أكل المال بالباطل وأما مأكول اللحم فيباع ليذكى، فيجوز بيعه لحصول المنفعة به، قاله ابن عبد السلام.
ويجوز بيع المريض المخوف عليه والحامل المقرب على الأصح
إن كان الحيوان مما يؤكل لحمه فيجوز بيعه، لأن المنفعة به حاصلة في الحال، وإن كان مما لا يؤكل لحمه والمرض خفيف فيجوز أيضًا، وإن كان مخوفًا، أو الحامل مقربا من الولادة، فكذر المصنف أن الأصح الجواز وهو الأقرب، وأشار غيره إلى أن الأصح المنع، لأن الموت حينئذ كثير، بدليل منعه ما زاد على الثلث. ولعل الخلاف خلاف في حال.
ولا يباع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، ولا الآبق والشارد، والإبل المهملة لاستصعابها
هذا راجع إلى قوله: (مقدور على تسليمه) وتصوره ظاهر.
اللخمي: وبيع الآبق فاسد إن شرط أنه من المشتري، أو على أنه من البائع حتى يقبضه المشتري، أو على أن طلبه على المشتري، أو على البائع بشرط النقد، أو بغير النقد على أنه للمشتري بأي صفة وجد عليها، أو على أنه على صفة كذا ولا يدري متى يجده قريبًا أو بعيدًا وإن كان البيع بغير نقد، وعلى أن طلبه على البائع، فإن وجده على صفة كذا أو في وقت كذا أو ما يقارب ذلك جاز، لأنه لا يجوز فيما عقد على هذه الصفة.
وقد قال ابن القاسم فيمن قال: اعصر زيتونك فقد أخذت زيته كل رطل بدرهم وكان يختلف خروجه، لا خير فيه إلا أن يشترط إن خرج جيدًا، أو أنه بالخيار ولا ينقد وإن عرف مكانه وقبض عليه وسجن وعرف حاله بعد وجوده ولا خصومة فيه وقرب
[ ٥ / ٢١٠ ]
موضعه، جاز العقد والنقد، وإن بعد جاز العقد وحده، وإن لم تعلم صفته لم يجز عقده ولا غيره، إلا أن يقول: إن وجد على ما كنت أعرفه، أو على أنه إن كان الآن على صفة كذا فيجوز العقد، أو يكون بالخيار فيجوز وإن لم يذكر صفة،
وفي الاستذكار: تحصيل مذهب مالك في بيع الآبق أنه لا يجوز، إلا أن يدعي مشتريه معرفته فيشتريه ويتواضعان الثمن، فإن وجده على ما يعرفه قبضه، وإلا رد الثمن وضمانه من البائع، وإن كان الآبق عند المشتري فإن علم البائع حاله جاز البيع، لأنه قد يزيد وينقص.
مالك: وبيع العبد في إباقة فاسدة وضمانه من بائعه ويفسخ وإن قبض.
وكلام ابن عبد البر مخالف لكلام اللخمي، إذ مقتضاه أنه لا يجوز بيعه إذا كان طلبه على البائع بشرط أن يجده على صفة كذا، أو على أنه بالخيار. وقد صرح المازري وابن بشير: بأن ما قاله اللخمي اختيار له، وما ذكره المصنف في الإبل المهملة نحوه في العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم: أنه لا يجوز بيع الصعاب من الإبل وما لا يؤخذ إلا بالإزهاق ولا يعرف ما فيها من العيوب.
ابن القاسم: ولا يجوز بيع المهاري والفلاء الصغار بالبراءة ولا يعلم بها عيب أم لا.
قال أصبغ في العتبية: إن بيع الفلاء ونحوها بالبراءة جائز. قال في البيان: وقول أصبغ هو الصحيح. المازري: اختلف في تعليل المنع، فمنهم من أشار إلى لا يمكن قبض الإبل إلا بالإزهاق، ومنهم من أشار إلى كونها لا تعلم صفتها. ويمنع بيع طير الهواء وسمك الماء بشرط التعيين، وأما مطلق السمك والطير فيجوز.
والمغضوب إلا من غاضبه
هو معطوف على الطير. أي: ولا يباع المغصوب إلا من غاصبه، لأنه تحت يده. وجعل ابن رشد وغيره بيع المغصوب من غير غاصبه على ثلاثة أوجه، إن كان مقدورًا
[ ٥ / ٢١١ ]
عليه مقرًا بالغصب فهو جائز باتفاق. وإن كان ممتنعًا من دفعه وهو ممن لا تأخذه الأحكام مقرًا أو غيره لم يجز بيعه من غيره اتفاقًا. وإن كان منكرًا وهو ممن تأخذه الأحكام وعليه بالغصب بينة فقولان، بناء على القولين في اشتراء ما فيه خصومة.
ابن رشد: والمشهور منهما المنع، لأنه غرر، وأما من بيعه من غاصبه فجعله ابن رشد على ثلاثة أوجه: الأول: أن يعلم أنه عازم على رده. والثاني: أن يعلم أنه غير عازم على رده وإن طلبه ربه. والثالث: أن يشكل أمره. فالأول يجوز باتفاق، والثاني عكسه، والثالث فيه قولان. قال: وإلى هذا ترجع الروايات. انتهى.
وبالفساد قال مطرف ورواه عن مالك، [٤٣٤/ب] وبذلك حكم القاضي ابن بشير في جارية بقرطبة لم يتم السلطان شراءها حتى طحنت لصاحبها ستة أشهر بعد ردها إليه من الغاصب، لئلا يكون بيع المضغوط، والجواز هو ظاهر قول مالك في العتبية، ورواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب.
ابن عبد السلام: وأكثر نصوصهم أنه لا يجوز البيع للغاصب، إلا بعد أن يقبضه ربه ويبقى بيده مدة طويلة حدها بعضهم بستة أشهر فأكثر، ورأى أن بائعه إذا باعه على غير ذلك فهو مضغوط، أي: يبيعه ببخس مكرها استخلاصًا لبعض حقه، والذي في المدونة جواز ذلك.
خليل: وكذلك لا يجوز أيضًا أن يبيعه من غير الغاصب إذا كان المشتري يقدر على خلاصه بجاهه، لأنه يأخذه ببخس فيكون من أكل المال بالجاه.
تنبيه: قال في المدونة: ولو باعها ربها من رجل غير الغاصب ممن رآها وعرفها كان نقضًا لبيع الغاصب. أي: إذا اشتراها شخص من الغاصب غير عالم، وظاهره جواز بيعها من غير الغاصب، وهو خلاف ما ذكره المصنف، إلا أن يتأول على أن ربها لم يبعها من غير الغاصب إلا بعد تمكنه من أخذها، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن: إن الشيوخ يقولون إن معناها: إذا سلم من شراء ما فيه خصومة.
[ ٥ / ٢١٢ ]
وفيها: لو باعه الغاصب ثم ورثه فله نقضه، بخلاف ما لو اشتراه من ربه لتسببه، وقال ابن القاسم: البيع تام فيهما
أي: إذا باعها الغاصب ثم مات ربها وكان الغاصب وارثه، فله نقض ذلك البيع، لأنه لما باع باع ما لم يكن ملكًا له- وتصور كلامه واضح- كأنه نسب المسألة للمدونة لاستشكاله الفرق بين الإرث والبيع، إذ لا يبعد تخريج النقض في الشراء من الميراث، لأنه إما تمام فيهما أو منتقض فيهما، والتسبب وعدمه وصف طردي لا كبير مناسبة له، والضمير في (فيهما) عائد على مسألة الوارث والمشتري.
ابن عبد السلام: انظر لو اشترى الغاصب السلعة من ربها بأقل مما باعها به للأجنبي، هل يكون له ما بين الثمنين أو لا؟ وقد قال محمد فيمن تعدى على سلعة رجل فباعها بغير أمره، ثم اشتراها بأقل مما باعها للأجنبي ليس له ربح، لأنه ربح ما لم يضمن. أو يفرق بينهما بأن الغاصب هنا كان ضامنًا، ولم يكن المتعدي في مسألة محمد ضامنًا.
والمرهون يقف على رضا المرتهن
أي: وبيع الراهن الشيء المرهون يصح ويقف لزومه على رضا المرتهن، يعني: بعد القبض والحوز، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الرهن.
وملك الغير على مالكه، وقيل: لا يصح
وقع لفظ الغير- كما ترى- بـ (أل) وكذلك وقع في كلام جماعة من الأئمة، وأنكر ذلك بعض أئمة العربية، وقال: إنها لا تستعمل إلا مضافة في اللفظ، والتقدير: وبيع ملك غيره بغير إذنه ويقف لزومه على رضا مالكه، وهو مذهب أحد بن حنبل، وتعرف هذه المسألة ببيع الفضولي. ودليلنا: ما خرجه الترمذي عن أبي لبيد لما رواه عن عروة البارقي قال: دفع لي رسول الله ﷺ دينارًا لأشترى له شاة، فاشتريت له
[ ٥ / ٢١٣ ]
شاتين، فبعت أحداهما بدينار وجئت بالشاة والدينار إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما كان من أمره، فقال له: «بارك الله لك في صفقة يمينك» فكان يخرج بعد ذلك إلى الكوفة فيربح الربح العظيم، فكان من أكثر أهل الكوفة مالًا. عبد الحق: وأبو لبيد أثنى عليه أحمد ثناء حسنا، وخرجه البخاري عن شبيب. وظاهر كلامه: أن البيع يصح ولو علم المشتري أنه لغير البائع، وهو ظاهر المذهب. وقال أشهب: لا يصح إذا علم المشتري بالتعدي.
ابن عبد السلام: وبعضهم قيد الخلاف بما إذا لم يكن المشتري عالمًا بأنها ملك الغير، وأما إن كان عالمًا لم يصح البيع. ومنهم من يرى أن لا فرق. ومنهم من يقول: إنما يلزم هذا لبيع للمشتري إذا كان المالك حاضرًا أو قريب المكان، وأما إن كان بعيد المكان فلا يلزمه البيع، لما يلحقه بسبب الصبر من الضرر.
وقوله: (وقيل: لا يصح) أي: ولو أمضاه مالكه، وحكي عن مالك، وهو مذهب الشافعي. وإن قيل: لا يظهر لهذا الخلاف جدوى، لأن البيع على المشهور إنما يمضي برضا البائع، وحينئذ فلا نسلم استناد البيع إلى العقد الأول بل إلى رضا المالك، ولاسيما على المذهب في الاكتفاء بالمعاطاة، فجوابه: أنه لو رضي المالك ولم يرض المشتري للزم على المشهور، وهو واضح.
والعبد الجاني يقف على ذي الجناية فيأخذ الثمن أو العبد، وللسيد أو المبتاع دفع الأرش، وفي كونه عيبًا في الخطأ قولان
يعني: أن من باع عبده الجاني، فإن إمضاء بيعه يقف على رضا ذي الجناية، أي: المجني عليه، لتعلق حقه بعين الجاني فجاز له أن يأخذه، إلا أن يفتكه السيد، وكذلك له أن يقتص منه إن كان في الجناية القصاص.
[ ٥ / ٢١٤ ]
وقوله: (فيأخذ الثمن) أي: يأخذ المجني عليه إن شاء الثمن الذي باعه به سيده، وإن شاء فسخ البيع وأخذ العبد، وهذا إذا لم يدفع السيد ولا المبتاع أرش الجناية. وحذف المصنف هذا الشرط، للدلالة عليه بقوله: (وللسيد أو المبتاع دفع الأرش) فإن امتنع السيد من دفع الأرش وادعى عليه المجنى عليه أنه إنما باع لأنه رضي بحمل الجناية، حلف ما أراد حملها، فإن حلف خير المجني عليه بين إجازة البيع وأخذ الثمن، وبين رد البيع، قاله في المدونة. وحيث دفع المبتاع [٤٣٥/أ] الأرش، فإنه يرجع به على البائع، إلا أن يكون الثمن أقل منه فلا يرجع إلا به.
وقوله: (وفي كونه عيبًا) أي: إذا دفع السيد الأرش أو عفا المجني عليه، فهل يكون للمشتري مقال في رده بعيب الجناية؟ إن كان عمدا فله القيام اتفاقًا، وإن كان خطأ فقولان، سببهما: هل ذلك عذر أم لا؟ إذ لا تؤمن منه العودة، وهما في المدونة، ففيها: ولو افتكه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب، إلا أن يكون البائع بينه له فيلزمه البيع. قال غيره: هذا في العمد، وأما في الخطأ فلا وهو كعيب ذهب.
وحكاية المصنف القولين يدل على أن قول غيره ليس تقييدًا لقول ابن القاسم، وجعله في النكت تقييدًا، قال في قوله ابن القاسم: يريد به العمد كما قال غيره، فعلى هذا لا يختلف في الخطأ أنه ليس بعيب، ولا في العمد أنه عيب.
وفيها: قال ابن دينار: من حلف بحرية عبده فباعه نقض البيع وعتق
أجمل في هذه المسألة إذ لم يبين هل كانت يمينه على بر أو حنث، وابن دينار إنما قاله في الحنث، ولو كان على بر لم ينقض البيع.
وصورة المسألة: إذا حلف ليضربن أمته مثلًا ضربًا يجوز له. قال في المدونة: منع من البيع والوطء حتى يفعل، فإن باعها نقض البيع. والمشهور: يرد إلى ملكه، فإن مات قبل
[ ٥ / ٢١٥ ]
الضرب عتقت عليه في ثلثه. والشاذ لابن دينار: أنه ينقض البيع وتعتق عليه، قال: ولا أنقض صفقة مسلم إلا إلى عتق ناجز وضعف، فإنا ننقض البيع للكتابة والتدبير، وأدخل المصنف هذه المسألة هنا لما كان البائع لا قدرة له على تسليم العبد لأجل يمينه.
وفيها: بيع عمود عليه بناء للبائع وقيده المازري بانتفاء الإضاعة وبأمن الكسر
نسب هذه المسألة للمدونة لإشكالها، لكونه أطلق جواز البيع.
وقوله: (بيع عمود) أي: جواز بيع عمود عليه للبائع بناء. وتقييد المازري لابد منه، وقد سبقه اللخمي للتقيد بالقيدين المذكورين.
وقوله: (بانتفاء الإضاعة) أي: إضاعة المال، فإن إضاعته لا تجوز، كما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بهدم الغرفة التي فوقه، لأن ذلك من الفساد.
اللخمي: إلا أن يكون قد أضعف له في الثمن، أو تكون الغرفة تحتاج إلى النقض، أو كان عليه بناء يسير، ولم يذكر المصنف من عليه النقض، والمنصوص لمالك أنه على البائع. ذكر المازري عن بعض الأشياخ أنه استبعده، قال: ولا وجه لاستبعاده. وفي المدونة: ولا بأس بشراء صل سيف دون حليته وينقض البائع حليته.
ابن يونس: ولو اشترى الحلية دون النصل لكان على المشتري، كاشتراء الصوف على ظهور الغنم جزافا، واشتراه التمر في رءوس النخل جزافا.
وجعل اللخمي نقض الحلية على البائع إذا باعها كما في بيعه النصل، قال: لأن على كل بائع أن يمكن من المبيع، واختلف في هذا الأصل، فقيل: فيمن باع صوفا على ظهور الغنم، أو تمرًا في رءوس النخل على البائع، وقيل: على المشتري
وأشار المازري أيضا إلى هذا الإجراء، قال ولو باع شاة واستثنى جلدها، فظاهر المذهب أن الذبح على المشتري.
[ ٥ / ٢١٦ ]
اللخمي: وأرى أن يكون الذبح عليهما، لأن التذكية منفعة لهما، ثم يختلف هل تكون الأجرة عليهما على السواء، أو على قدر ما لكل واحد منهما ويكون السلخ على صاحب الجلد لأنه على صاحب الجلد لأنه على اللحم، فعلى من له الأعلى أن يزيله.
المازري: وعندي أنه يختلف في السلخ، فإن قلنا: أن المستثنى مشترى جرى على القولين في شراء صوف الغنم، وإن قلنا: أنه مبقى على ملك البائع فالسلخ على البائع.
وفيها: بيع هواء فوق هواء ويبني البائع الأسفل وقيده بوصف البناء
صورتها: أن يقولك له بعني عشرة أذرع فوق سطحك. فيقول: وأنا محتاج إيضًا إليها. فيقول له: فبعها لي فوق ما تبينه. فيشترط في جواز ذلك وصف البناء الأسفل والأعلى، وهل بآخر أو حجر إلى غير ذلك. وظاهرة: أن التقييد في هذه المسألة للمازري، وبه صرح ابن شاس. وهذا التقييد في المدونة في كتاب الغرر فلا حاجة إلى المازري، على أنه يمكن أن يعود الضمير في كلام المصنف على مالك كما مشاه ابن عبد السلام.
فائدة:
قال علماؤنا: من ملك أرضًا أو بناءً مالك هواها إلى أعلى ما يمكن، واختلفوا هل يملك باطنها أو لا؟ على قولين. ورجح بعضهم الملك، لقوله ﵊: (من غصب قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين». وفيه نظر. وقال القرافي: ظاهر المذهب عدم الملك.
فرع:
وفرش السقف بالألواح على من شرط عليه، وإن سكت عنه، فقيل: على المبتاع لأنها أرضه، وقيل: على البائع لأن السقف سقفه.
ابن القاسم: الموثق وهو الأصح، قال: ولا يجحوز للمبتاع بيع ما على سقفه إلا بإذن البائع، لأن الثقل على حائطه.
[ ٥ / ٢١٧ ]
وفيها: غرز جذع في حائط، فقال: إن ذكر مدة فإجارة تنفسخ بانهدامه، وإلا فمضمون
يعني: يجوز لك أن تشتري من غيرك قدر ما تضع عليه خشبة أو أكثر من جداره، فإن ذكرت مدة فهو إجارة تنفسخ بانهدام الجدار، لأنه قد هلك ما يستوفى منه المنفعة. وإن لم تتعين المدة فهو مضمون، فعليه أن يعيده لتستوفي منفعتك، كما على صاحب [٤٣٥/ب] السفل لصاحب العلو. وفاعل (قال) عائد على المازري، لأنه هو الذي قيد الكلام الذي نقله المنصف عن المدونة فلا يرد ما قاله ابن عبد السلام: إنه كلام حسن في إجرائه على المذهب، وأما نسبته إلى المدونة فليس بصحيح، لأنه فهم أن فاعل (قال) عائد على مالك.
والجهل بالثمن والمثمون جملة وتفصيلًا مبطل، كزنة حجر مجهول، وكتراب الصواغين
هذا راجع إلى قوله: (معلوم). وقوله: (والجهل بالثمن) يحتمل أن يريد بقدر الثمن، ويحتمل بشأنه، ليندرج قدره وصفته وعينه. ومراده بـ (الجملة) مجموعة، وبـ (التفصيل) أجزاؤه. والصور المقدرة بحسب الجهل بالثمن والمثمون والعلم بهما أو بأحدهما أربع: مجهولان، ومعلومان، وأحدهما مجهول، والآخر معلوم، ولا يجوز منها إلا صورة واحدة وهي المعلومان.
وقوله: (كزنة حجر مجهول) يحتمل في الثمن، ويحتمل في المثمون، ولا إشكال في هذا الحضر حيث لا تعدم الموازين.
ابن عبد السلام: وأما في البوادي، فقد يتخرج الجواز فيه على البيع بمكيال لا يعرف المشتري قدره. فإن قيل: الفرق أن الجهالة في الكيل هناك في جانب المشتري فقط، وهنا في
[ ٥ / ٢١٨ ]
جانب البائع والمشتري معًا. قيل: فلنا أن نفرض الجهالة هنا في جان المشتري وحده. (وكتراب الصواغين) لأنه لا يدري هل فيه شيء أم لا، كثير أم قليل.
فرعٌ مرتبٌ:
فإن وقع بيع التراب فسخ، وإن فات بذهاب عينه فقيمته يوم قبض على غرره إن كان على حاله، وإن خلصه المشتري رده على المشهور.
وقال ابن أبي زيد القيرواني: على المشتري قيمته على غرره، وعلى المشهور فله أجر تخلصيه.
وأجرى الأشياخ ذلك على الخلاف فيمن اشترى أشجارًا بوجه شبهة فسقى وعالج ثم ردت إلى ربها، أو اشترى أبقًا فأنفق على رده نفقة ثم فسخ البيع ورد إلى ربه، هل يرجع بالنفقة في جميع ذلك أم لا؟ وأصل ذلك: أن النفقة إن كان لها عين قائمة رجع بها بلا خلاف، وإن لم تكن لها عين قائمة، فقال ابن القاسم: يرجع. وقيل: لا.
وصرح ابن بشير بأن المشهور الرجوع بنفقة الآبق، حيث قلنا: إن المشتري يرجع بأجرة عمله فزادت الأجرة على قيمة الخارج، فهل يرجع بها، أو إنما يرجع بها ما لم تزد على أجرة الخارج؟ أجرى ذلك ابن محرز على القولين فيمن أنفق على الثمرة، هل يرجع بجميع النفقة، أو إنما يرجع بها ما لم تزد على قيمة الثمرة؟ واقتصر ابن يونس على أنه إنما يرجع بها بشرط ألا تزيد على الخارج. وعلى هذا فلا تكون له أجرة إذا لم يخرج شيئًا، وعلى الأول تكون الأجرة في ذمة البائع.
بخلاف معادن الفضة، وفي معادن الذهب قولان
أي: بخلاف تراب معادن الفضة فيجوز بيعه، لأنه يحزر ما فيه من الفضة لقلة ترابه، والمشهور في معادن الذهب قولان: الجواز نص عليه المازري. والشاذ لابن حمدون.
[ ٥ / ٢١٩ ]
ومنشأ الخلاف فيه خلاف في حال، هل يمكن حزره كالفضة أو لا؟ وروى ابن القاسم عن مالك: جواز قسمة تراب المعادن، ومنع ذلك يحيي بن عمر.
وكرطل من شاة قبل سلخها على الأشهر، بخلاف بيعها قبله
هذا معطوف على (كزنة حجر) وكلما عطف هنا بالكاف فهو ممنوع، إلا قوله: (وكذلك الدقيق) وكلما عطف بخلاف فهو جائز، يعني: أن بيع رطل لحم من شاة قبل سلخها لا يجوز على الأشهر، لأنه لا يدري على أي صفة يأخذه، وأما من أي موضع فلم يشترطوه في السلم.
وقوله: (بخلاف بيعها قبله) أي: فيجوز بيع جميعها قبل السلخ قياسًا على بيع الحي الذي لا يراد إلا للذبح، ولأنه لما لم يقصد شيئًا معينًا خف الغرر في الجميع ولم يخف في الرطل. قال في البيان: والأصل في هذا أن كل ما يدخل بالعقد في ضمان المشتري فليس من بيع اللحم المغيب كالشاة المذبوحة وما لا يدخل في العقد في ضمانه كالرطل فهو بيع اللحم المغيب.
قال شيخنا﵀-: وقد يعكس لكثرة الغرر في الجميع وخفته في الرطل. واعترض ابن عبد السلام كلام المصنف بوجهين، أحدهما: أن مقابل الأشهر قول أشهب بالكراهة لا الإباحة، كما هو ظاهر كلامه. وثانيهما: إن عنى بقبلية السلخ في الموضعين بعد الذبح فلا يصح، لأن أشهب نص على أن ذلك قبل الذبح. وإن عنى الأعم فيلزمه أن ينسب لابن القاسم جواز بيع لحم شاة وهي حية، لقوله بخلاف بيعها قبله، وهذا لا يوجد إلا في مسائل الاستثناء. وأجيب عنهما: بأن غير الأشهر حكاه ابن شعبان، فاقل: واختلف في بيع اللحم والبهيمية قائمة على الحبس أو بعد ذبحها أو نحرها وقبل الكشف عنها فكرهه أشهب في المدونة، وإن حبسها وعرفها وشرع في الذبح جاز. زاد أشهب في الموازية: وإن كان بعد يوم أو يومين فسخ.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
فظاهر ما حكاه ابن شعبان: الجواز من غير كراهة كما ذكر المصنف. وعن الثاني: بأن مراده بقبلية السلخ الأعم، أي: قبل الذبح وبعده، وقد ذكر ابن شعبان الخلاف مطلقًا. ولا يلزم أن يحمل مقابل الأشهر على قول أشهب، ولو سلم حمله عليه فلا فرق بين ما نص عليه وهو قبل الذبح، وبين ما سكت عنه وهو بعده وقبل السلخ.
وأما ما ألزمه أن ينسب لابن القاسم فهو مذهبه في العتبية من رواية عيسى عنه، قال: وما لا ينتفع به إلا اللحم، مثل الداجن كدجاجة لا تبيض، لا بأس أن تباع بما لا يستحيى من الطير على التحري.
واعترض على المصنف بأن قوله: (وكرطل) يقتضي أنه مثال للمجهول جملة وتفصيلًا لأنه عطف على ما قبله وليس كذلك بل هو معلوم الجملة، [٤٣٦/أ] وإنما الجهل حصل في صفة اللحم، قال: ويحتمل أن يكون إنما شبه في المنع خاصة.
وبخلاف بيع الحنطة في السنبل والتبن، والزيت في الزيتون على الكيل والوزن
أي: فيجوز لمعرفة الصفة بفرك بعض السنبل وتذرية بعض التبن عنه.
الباجي: ولا خلاف في الجواز، أعني: إذا كان على الكيل، وهذا ظاهر إن اشترى من المجموع كيلًا معلومًا. وأما إن اشترى الجميع على الكيل، فيخرج على قول من منع بيع جميع الصبرة على أن كل قفيز بكذا ها هنا المنع، بل أولى لعدم رؤية الجميع هنا. أبو الحسن، أي: تأخر تمام دراسه وليس يعني تأخير المزروع. وقد اختصره ابن يونس: وإن كان مكثه في حصاده ودراسه وذروه إلى عشرة أيام أو خمسة عشر فهذا قريب.
وشرط في المدونة في جواز الزيت أن يكون خروجه لا يختلف، قال فيها: وإن اختلف لم يجز إلا أن يكون مخيرًا فيه ولا ينقده، ويكون عصره قريبًا إلى عشرة أيام ونحوها.
[ ٥ / ٢٢١ ]
بعض الأندلسيين: وينبغي أن يشترط الخيار لهما معًا، وإلا لم يجز إذا كان يختلف وذهب اللخمي إلى أنه لا يلزم، وهو ظاهر ما اختصر عليه المختصرون. قال: فإن هذا من الباب الذي حكاه سحنون في كتاب الغرر عن جل أصحاب مالك في البيع على أنه بالخيار إذا رأى وهي المسألة بعينها، وعلى ما ذكر البغداديون أنه غير جائز.
وقوله: (على الكيل والوزن) أي: الكيل راجع إلى القمح، والوزن راجع إلى الزيت، ولا يصح جعلهما للقمح والزيت، فإنه نص في المدونة على منع بيع القمح بالوزن.
اللخمي: ويجوز فيه الوزن بمصر، لأن ذلك العادة عندهم في الدقيق يبيعونه وزنا، ويسلمون القمح للطحان بالوزن، وكذلك نص على جواز بيع الزيت بالكيل والوزن إذا كان العرف جاريًا بذلك. وعلى هذا فلا يبعد أن يعود قول المصنف على الكيل والوزن إلى كل واحد من القمح والزيت.
وكذلك الدقيق قبل الطحن على الأشهر
قال: (وكذلك) ولم يقل: وكالدقيق، لئلا يتوهم عطفه على (كزيت) فيكون الأشهر فيه المنع وليس كذلك، فإن الأشهر فيه الجواز. ثم له حالتان، تارة يقول: آخذ منك من دقيق هذا القمح صاعًا بكذا، فهو في ضمان البائع حتى يوفيه مطحونًا. وتارة يقول: أشتري منك هذا الصاع على أن تطحنه، فإذا وفاه إياه حبًا خرج من ضمانه، وهو بيع وإجارة.
والمصنف إنما أراد الأول، فوجه الأشهر أن الطحن متقارب، ورأي مقابله أنه مما يختلف ولا يدري كيف يخرج، هل هو فاخر أو لا؟
وبخلاف صاع، أو كل صاع بدرهم من صبرة معلومة الصيعان، أو مجهولتها فيهما
الضمير في فيهما عائد على الصورتين، أي: صورة صاع، وكل صاع. أما مسألة: صاع بكذا فلا إشكال فيها. وأما مسألة: كل صاع بكذا، فثلاثة أحوال، إن قال: أشتريها
[ ٥ / ٢٢٢ ]
كل صاع بكذا وهي معلومة الصيعان فلا إشكال أيضًا في جوازها. وإن كانت مجهولة الصيعان فالمذهب أيضًا الجواز، وحكى أبو عمران عن بعض أصحابنا الكراهة. ومنعها بعض الأئمة خارج المذهب.
وإن قال: أخذت منك منها كل صاع بكذا، فاختلف الشيوخ في ذلك- سواء كان عدد صيعان الصبرة معلومًا أو مجهولًا- فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه. واختار ابن عبد السلام المنع، قال: لأن (من) هنا لا شك أنها للتبعيض وهو يقل ويكثر. ومال أيضًا المازري إليه، بشرط أن يريد المتعاقدان بـ (من) التبعيض. وأما إن أرادا بيان الجنس، والقصد أن يقول: أبيعك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فلا.
وقال ابن راشد: إذا قال أبيعك من هذه الصرة حساب كل عشرة أقفزة بدينار ولم يبين ما باعه منها، فقال القاضي أبو محمد: ما علمنا فيها نصًا. وقال بعض المعاصرين: البيع فاسد، وهو قول الشافعي. القاضي: ويحتمل أن تكون (من) زائدة فيحمل على ذلك، وهو أولى من حمله على الفساد، ويحتمل أن يلزمه البيع في مقدار ما علق البيع عليه، وهو عشرة أقفزة على ما رواه عبد الملك فيمن قال: اكتريت منك هذه الدار حساب كل شهر بكذا، أن الإجازة تلزمه في شهر واحدٍ.
فإن جهل التفصيل، كعبدين لرجلي بثمن واحد، فقولان
لما ذكر المجهول جملة وتفصيلًا، والمجهول الجملة المعلوم التفصيل كالصبرة، أعقبه بالمجهول التفصيل المعلوم الجملة ومثله بالعبدين. وكلامه يصدق على ثلاثة صور، إذا كان لكل واحد منهما عبد. أو لأحدهما عبد لا شركة فيه والآخر مشترك. أو هما مشتركان بينهما على أجزاء متفاوتة. وأشهر قولي ابن القاسم المنع. قال في البيوع الفاسدة من المدونة: لأنه لا يدري بما باع، ثم قال: وأجازه أشهب وقد كان ابن القاسم يجيزه، فإن وقع على المشهور من قول ابن القاسم فسخ. وإن فات، ففي الموازية: يمضي بالثمن
[ ٥ / ٢٢٣ ]
مفضوضا على القيم. وفي غير الموازية: أنه يمضي بالقيمة كالبيع الفاسد. التونسي: وهو أشبه. فإن قلت: كلامه معترض لأنه يصدق على ما إذا كانا مشتركين بينهما [٤٣٦/ب] على السواء، وهي جائزة اتفاقًا. فالجواب: لا نسلم دخولها، لأنه جعل العبدين مثالًا لمجهول التفصيل، وإذا حصلت الشركة على السوية فالثمن معلوم التفصيل.
وقوله: (بثمن واحد) ظاهره لو سمى لكل واحد ثمنًا جاز، وكذا قال ابن لبابة، وأحسبهم يجيزون إن سميا لكل سلعة ثمنًا، كالمرأتين في النكاح. وأشار غيره إلى أنهما إذا قوما أو دخلا على المساواة فلا يختلف في الجواز.
ابن عبد السلام: إن كان دخلوهما على المساواة بعد التقويم فظاهر، وإن كان باتفاقهما فقط لا يفيد، لأن المذهب أن المتبايعين إذا سميا لكل سلعة ثمنًا ثم طرأ عيب أو استحقاق لا يلتفت إلى تلك التسمية.
وأشار التونسي إلى أن هذا الخلاف إنما هو إذا علم المشتري بذلك، وأما إذا لم يعلم وظهر أنهما شريكان في السلعتين جميعًا فإنه لا يفسخ البيع، لأن الفساد من جهة أحد المتبايعين لا من جهتهما.
وقال المازري: إذا لم يعلم المشتري يجري ذلك على الخلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد. ولو قال المصنف: كشيئين مكان عبدين لكان أصوب.
بخلاف سلة وخمر على الأصح
أي: إذا اشتمل على ما لا يجوز وما يجوز كما مثل به، فالأصح بطلان الجميع وهو مذهب المدونة، لأنه إذا بطل بعض الصفقة بطلت كلها. وأشعر كلام المصنف بأن الأصح البطلان لذكره الخمر، فإنه إنما يناسب الإبطال، ومقابل الأصح إبطال الحرام وإمضاء الحلال بما يقابله، ذكره ابن القصار تخريجًا.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
المازري: وتعلق فيه بقول ابن القاسم فيمن اشترى شاتين فوجد إحداهما غير ذكية وهما متكافئتان، يلزمه البيع في الذكية، وهو صحيح إن كان مراد ابن القاسم أن العقد وقع والمتعاقدان عالمان بغير الذكية، وأما إن لم يعلمها فهذا مما اضطرب فيه المذهب، هل يفسخ العقد أو يمضي الحلال ويفسخ الحرام، ويكون ما ظهر أنه حرام كالمستحق من الصفقة التي اعتقد أنها لبائعها ثم ظهر أن بعضها ليس له، وكمن تزوجت على عبد ثم ظهر أنه حر، وكمن باع خلاف ثم ظهر أنها خمر.
وخرج بعض المتأخرين الاختلاف من رواية ذكرها ابن عبد الرحمن بن زياد الأندلسي عن مالك أنه قال فيمن أسلم مائة دينار وقبض خمسين وتأخر خمسون: أنه يبطل السلم في مقدار ما تأخر وهذا أيضًا فيه نظر، فإن التأخير بغير شرط لا يفسد السلم على أحد القولين ولو تأخر جميع رأس المال، فيمكن أن يكون راعى هذا الاختلاف. انتهى.
وعلى الصحة يقسط الثمن فيهما
أي: إذا فرعنا على الصحة في هذا الفرع وفي الذي قبله، فيقسط الثمن في المسألة الأولى على السلعتين، ليأخذ كل بائع ما ينوب سلعته، وقسط الثمن في المسألة الثانية، فأخذ البائع منه ما قابل السلعة وبطل ما قابل الخمر.
فإن باع ملكه وملك غيره فرد وكان وجه الصفقة فللمشتري الخيار
يعني: لو باع سلعتين إحداهما له والأخرى لغيره، فهو في التي لغيره فضولي، فإن أمضى غيره البيع لزم ذلك المشتري ولا مقال له، وإن رد فكان المردود وجه الصفقة، فإن المشتري يخير في التمسك بالباقي بما يخصه من الثمن أو رده، وهذا قول ابن حبيب. والمشهور خلافه، أنه إذا رد وجه الصفقة الانتفاض في الجميع وليس له التمسك بالباقي.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
ويجوز بيع الشاة واستثناء أربعة أرطال فأدنى، وإليه رجع بد منعه ابن القاسم، وسنه أشهب، وقدر الثلث كالصبرة والثمرة باتفاق
هذا يشبه المعلوم جملة والمجهول تفصيلًا، لكن باعتبار الثمن، وقد تقدم أنه لا يجوز بيع رطل من شاة قبل سلخها على الأشهر، لكن أجاز مالك هذه على وجه الاستثناء بشرط اليسارة، وإلى هذا رجع مالك بعد أن كان يمنعه. ووجهه: أن المستثنى إما مشترى فلا يجوز، لأنه شراء لحم مغيب. وإما مبقى فيكون ما عداه مشترى وهو مغيب. ثم ذكر في حد اليسير ثلاثة أقوال.
ابن عبد السلام: والثلاثة أرطال رواها ابن المواز، والذي في المدونة أربعة أرطال.
خليل: قد جاء في المدونة الثلاثة على رواية ابن وضاح كما ذكره المصنف، وفي بعض الروايات جواز استثناء الثلث، والذي نقله ابن يونس عن الموازية: جواز الخمسة والستة لا الثلاثة كما نقله ابن عبد السلام.
ابن راشد: واتفق على أن ما زاد على الثلث كثير.
ابن عبد السلام: وقيد الاتفاق راجع إلى الثمرة، لأن الخلاف في الصبرة، فقد روى ابن الماجشون وقال به: أنه لا يجوز أن يستثني من الصبرة قليلًا ولا كثيرًا، كيلًا ولا جزءًا مشاعًا، لأن الجزاف إنما بيعه للضرورة، وهي مشقة الكيل والوزن، فإذا استثنى منها جزءًا فلابد من الكيل، فلم يقصد بالجزاف إلا المخاطرة، والثمرة لا يتأتى فيها الكيل فافترقا، وعلى هذا فالثمرة مبتدأ خبره محذوف، أي: يجوز فيها استثناء الثلث باتفاق، يريد: على رءوس الأشجار.
وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: بل هو راجع إليهما، والمقصود به الاستدلال على ابن القاسم بما اتفقا عليه. وقد حكى ابن المواز ذلك، فقال: واتفق ابن القاسم وأشهب على جواز الاستثناء من الصبرة والثمرة كيلًا قدر الثلث فأقل.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
[٤٣٧/أ] وفرق المازري لابن القاسم بأن الصبرة مرئية فخف الغرر، وعلى الجواز في الثمرة، فقال أشهب: يجوز، سواء كان ذلك تمرًا أو رطبًا أو بسرًا، وهو ظاهر على أن المستثنى مبقى، وفيه نظر على أنه مشترى، فإن كانت الثمرة أنواعًا فاستثنى من نوع منها أكثر من ثلثه إلا أنه أقل من ثلث الجميع، فاختلف فيه قول مالك بالإجازة والمنع، وأخذ ابن القاسم وأشهب بالمنع.
ويجيز على الذبح، وقيل: إن كانت معلولة
ما صدر به المصنف، قال المازري: وهو المعروف، لأن المشتري دخل على أن يدفع للبائع لحمًا ولا يتوصل إليه إلا بالذبح، وحكى بعضهم الاتفاق عليه.
وقوله: (وقيل: إن كانت معلولة) وقع في بعض النسخ: معلوفة بالفاء، وظاهره: أنها إذا كانت كذلك أجبر، وينبغي أن يقدر إن كانت معلولة لم يجبر على الذبح ليوافق المنقول. ففي الواضحة من رواية مطرف عن مالك: فيمن باع جزورًا واستثنى رأسها أو أرطالًا يسيرة من اللحم، فإن أخرها المبتاع حتى ماتت أو صحت وكانت مريضة، قال: إذا بيعت لمرض أو علة فخيف عليها الموت فبيعت لذلك بيسير الثمن ولولا ذلك لبيعت بدنانير كثيرة، فإن أخرها عامدًا فهو ضامن لما استثنى عليه منها، وإن صحت وذهب ما كان بها من مرض فعلى المبتاع شراء ما استثنى عليه البائع أو قيمته، ولا يجبر على نحرها، لأنه كان ضامنًا لما استثنى عليه. وإن كانت حين البيع صحيحة فتربص بها المبتاع الأسواق فزاد ثمنها أو سمنت فكره المبتاع نحرها، فالبائع شريك بقدر ما استثنى منها.
وانظر كيف لم يجعله في هذه الرواية شريكا إذا كانت مريضة وجعله شريكًا إذا لم تكن مريضة وزادت أسواقها، ولعل ذلك لأنها إذا كانت مريضة لا يكون لها كبير ثمن، فإذا صحت ارتفع ثمنها فصارت الرأس المبيعة وهي مريضة كأنها قد فاتت. والله أعلم.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
ولا يأخذ منه لحمًا على الأصح
أي: لو اتفقنا على أن يعطي المشتري البائع لحما عوضًا عن المستثنى، فالأصح وهو مذهب أشهب منعه. وصححه المصنف لما ذكره ابن المواز أنه يدخله بيع اللحم بالحي، ولذلك قال: بخلاف الجلد، أي: فيجوز. والجواز ظاهر قول مالك في رواية مطرف. وفي المدونة ما يقتضيه، وهو قوله: فيمن استثنى الجلد أو الرأس، أو أبى المشتري من الذبح أن عليه شراء جلده أو قيمته، فلم يجعله من بيع اللحم بالحيوان فاعلمه.
واختلف هل للبائع أن يبيع ما استثناه بناء على أنه مبقى، أو لا بناء على أنه مشترى فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، على قولين.
ولو استثنى جزءًا جاز، ولو كان على الذبح
كما لو باع شاة والمستثنى نصفها أو ثلثها أو غير ذلك من الأجزاء. المازري: ولا خلاف فيه. قوله: (ولو كان) مبالغة في الجواز، وهو ظاهر.
وفي جبر من أباه حينئذ قولان
قوله: (حينئذ) أي: حين باع على الذبح. ابن عبد السلام: والظاهر الجبر لدخوله على ذلك، والمؤمنون عند شروطهم.
وقال ابن يونس: الصواب عدمه، لأنهما قد صارا شريكين، فمن دعا إلى الذبح فذلك له، قال: فإن قيل قد قال ابن القاسم: يجبر على الذبح إذا استثنى أرطالًا فما الفرق؟ قيل: لأنه هنا إذا تشاحا بيعت عليهما ووقع لكل واحد منهما ثمن معلوم، بخلاف الأرطال. انتهى. واقتصر اللخمي على القول بعدم الجبر.
المازري: وهو الذي نص عليه الأشياخ.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
خليل: ويدل عليه قولهم: يجوز ولو كان على الذبح، إذ لو كان يجبر فإن فيه شراء اللحم المغيب. والله أعلم. وحكى بعضهم الأول ولم يعزه. وذكر ابن يونس والمارزي أن بعض الشيوخ توقف في الجبر وعدمه.
ولو استثنى الجلد والرأس، فثالثها: المشهور يجوز في السفر لا في الحصر
أي: لو باع شاة واستثنى جلدها أو رأسها، فثلاثة أقوال، الجواز في الحضر والسفر: حكاه فضل عن ابن وهب وعيسى. والمنع فيهما: حكاه الأبهري رواية عن مالك. والثالث المشهور: يجوز في السفر دون الحضر، ودليله ما رواه أبو داود في مراسله عن عروة بن الزبير: أن النبي﵊- حين خرج هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدين مرَّ براعي غنم اشترى منه شاة وشرط له سلبها. ولا يقاس الحضر عليه، لأنه إنما جاز في السفر لكونه لا قيمة له هناك فخف الغرر.
تنبيه:
جعل المصنف المشهور عدم الجواز في الحضر، والذي في المدونة: أجاز مالك استثناء الرأس والجلد في السفر إذ لا ثمن له هناك، وكرهه للحاضر إذ كأنه ابتاع اللحم، فظاهره الكراهة فقط، وبذلك فسرها أبو الحسن فاحتج بقول ابن حبيب: خفف مالك ذلك في السفر وكرهه في الحضر، إذ له هناك قيمة، ولا يفسخ إن نزل.
لكن أضاف المازري إلى المذهب المنع كما فهم المصنف، فقال: وأما استثناء جلد الشاة المبيعة في الحضر فمنعه في المذهب وأجازه ابن وهب، وأما في السفر فعن مالك روايتان: الجواز وهو المشهور، والمنع ذكره الأبهري وغيره.
وقال القاضي أبو محمد: إن المحققين من أصحابنا نزَّلوا هاتين الروايتين على اختلاف حالين، فالمنع في السفر إذا كان للجلد قيمة، والجواز إذا لم تكن له قيمة.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
وأشار ابن حبيب إلى منع هذا التأويل وأجاز استثناء الجلد والأكارع حيث تكون لها قيمة، واعتل بأنه شيء معين. وتردد الأبهري في الإجازة في السفر إذا كانت له قيمة، فقال: يحتمل أن لا يجوز ويحتمل أن يجوز، لأن الحكم للأغلب، والأغلب ألا قيمة له هناك، والاحتمال الثاني أوضح والأول أقيس.
ابن يونس: والصواب جوازه، لأن النبي ﷺ وأصحابه أجازوه ولم يعللوا لم جاز. قال: وأما استثناء الرأس والأكارع، فلا يكره في سفر ولا حضر، كمن باع شاة مقطوعة الأطراف [٤٣٧/ب] قبل السلخ.
ولا يجبر على الذبح على الأصح
أي: حيث قلنا بإجازته، فالمشهور- قال المصنف: وهو الأصح- عدم جبره على الذبح إذا أباه ارتكابًا لأخف الضررين، إذ أمر الجلد والرأس يسير وقيمته أو مثله تقوم مقامه، وفي إجبار المشتري على الذبح إفساد مال. ومقابل الأصح ليس منصوصًا، وإنما قال المازري: إنه التحقيق، لدخوله على ذلك اللحم.
وقد حكى عياض الاتفاق على الأول، فقال: لا يختلف في أن المشتري يخير أولًا في أن يذبح ويعطي الجلد، أو يمسك فيعطي مثله أو قيمته. انتهى.
وهذا الكلام مخالف أيضًا لما صححه المصنف من تحتم القيمة على القول الذي صححه بقوله:
وعليه القيمة لا المثل على الأصح
إذ معناه: أنا إذا فرعنا على عدم الجبر، فهل يقضى عليه بقيمة الجلد والرأس، أو بمثلهما؟ قولان، والأصح القضاء بالقيمة، لأنهما من المقومات. ولم ار من صرح بهذا القول الذي حكاه المصنف.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
والذي حكاه ابن يونس وغيره عن ابن القاسم بعد أن حكى عنه التخيير بين القيمة والمثل، والقيمة أعدل، ابن يونس وغيره، وقاله سحنون. وكذلك أيضًا ظاهر كلامه أن مقابل الأصح القضاء بالمثل فقط، وليس كذلك، بل التخيير بينهما، وهو مذهب المدونة.
واختلف الشيوخ فيمن له هذا التخيير، فقيل: للمشتري لأنه الذي جعل له الخيار أولًا بين أن يذبح ويعطي الجلد. وقيل: للبائع لأنه صاحب الحق. وقيل: للحاكم، وهو أضعفها.
فلو مات ما استثني منه معين، فثالثها: يضمن المشتري الجلد والرأس دون اللحم
مراده بالمعين: خلاف الجزء الشائع، كالثلث والربع فإنه لا ضمان عليه في ذلك.
وحاصل ما ذكره: أنه اختلف في مسألة الأرطال والجلد والرأس، فقيل: يضمن في الجميع بناء على أنه يجبر، أو يضمن في مسألة الجلد والرأس بناء على عدم جبره، دون مسالة الأرطال فإنه يجبر، ثلاثة أقوال، والثالث هو مذهب المدونة.
ونسب ابن يونس وغيره القولين في ضمان الجلد لابن القاسم، فعنه في العتبية: أنه لا ضمان عليه في الجلد. وروى عنه أصبغ أنه ضامن.
خليل: والرأس في معناه. وذكر صاحب البيان عن ابن دحون: أنه حمل القول بعدم الضمان على ما إذا لم يفرط، وأما إن تواني في الذبح فيضمن، وهو معنى الرواية بالضمان، وعلى هذا فلا خلاف في المسألة.
قال ابن دحون: إنما جعل المصيبة من المشتري، لأنه إنما جاز أن يشتري بهذا الاستثناء في السفر، لأنه لا قيمة للمستثنى في السفر، فكأنه اشترى الجميع.
[ ٥ / ٢٣١ ]
قال في البيان: وهو كلام غير صحيح، إذ لا معنى للتفرقة بين أن يفرط أو لا، وإن كان ابن حبيب نحا إلى هذا، ورواه أبو قرة عن مالك فيمن باع بهيمة واستثنى رأسها فلم يذبحها حتى ماتت، فعليه قيمة رأسها الذي فرط فيه، لأنه ترك ما اشتراها له من الذبح. وإن حسبها بإذن البائع حتى هلكت فلا شيء عليه. وإن صحت فأبى أن يذبحها فعليه قيمة رأسها، وإن استحياها بإذن شريكه فهو شريك معه، وهو استحسان على غير قياس، إذ لا يخلو أن يكون للبائع على المشتري حق توفيه أو لا. فإن كان فلا يسقط عنه ترك التفريط، وإن لم يكن فلا يجب عليه التفريط.
وأما قوله: (وقيل: إنما جعل المصيبة من المشتري) إلخ. فهو كلام متناقض، لأن كون الجلد لا قيمة له في السفر يقتضي أن البيع لم يقع عليه وأن المشتري لا يكون ضامنًا له. فالصحيح في المسألة: أن قولي ابن القاسم محمولان على الخلاف، وأن الخلاف في ذلك هل هو مبقى فلا يكون على المشتري ضمان، أو مشترى فيكون عليه الضمان فكأن البائع باع جميع الشاة بعشرة وبجلدها، فإذا كانت قيمته درهمين رجع عليه بسدس قيمة الشاة، كأنه بمنزلة من باع شاة بعشرة وعرض. انتهى.
وفي تهذيب الطالب، وابن يونس عن بعرض القرويين: إنه لم يختلف في مسألة استثناء الأرطال أنه لا ضمان على المشتري، ولا يدخل في ذلك الخلاف الذي في الجلد، لأنه لما لم يجبر في الجلد على الذبح كان الجلد في ذمته لا في معين، بخلاف مسألة الأرطال فإنه مجبور على الذبح. وهذا بخلاف ما حكاه المصنف من تعميم الخلاف في جعله الثالث تفصيلًاز
وفي اشتراء البائع مال العبد المبيع بماله، قولان لابن القاسم وأشهب
هذه المسالة مشكلة حكمًا ونقلًا. أما الحكم: فظاهر كلامه أن أحد القولين جواز اشترائه، وإن كان فيه طعام ونقد ودين بما شاء من الثمن، وفي ذلك من وجوه المنع ما لا خفاء فيه، حتى قال ابن عبد السلام: إنه لا يعلم خلافًا أن البائع فيها كالأجنبي.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
قال شيخنا﵀-: ويمكن لو ساعده النقل التفرقة بين البائع وغيره، فإن البائع عالم بمال عبده غالبًا بخلاف غيره، قياسًا على ما أجازوه للبائع أن يستثني أربع نخلات من حائطه. وأما النقل: فقد بحث ابن عبد السلام وغيره عن هذه المسالة في مظانها فلم يجدها. ثم اختلف الأشياخ، فمنهم من وهمه، ومنهم من حسن الظن به وتكلف له جوابًا، ثم لهم في ذلك وجوه:
أولها: أنها على ظاهرها، والشراء محمول على الإقالة، أي: أراد البائع أن يستقيل المشتري في مال العبد بما ينوبه من الثمن، فإن عددنا الإقالة حل بيع جاز، وإن عددناها [٤٣٨/أ] ابتداء بيع كان ما يخص مال العبد من ثمنه غير معلوم، إذ لا يعلم إلا بعد تقويم رقتبه على انفرادها وماله على انفراده، ويكون هذا كالثمن المعلوم جملة دون تفصيل، ويكون المصنف غير لفظ الإقالة بلفظ الشراء تنبيهًا على سبب القول بالمنع، لأنه لو عبر بالإقالة لم يفهم السبب المقتضي للمنع، وفيه نظر، لأن المعلوم جملة المجهول تفصيلًا منعه ابن القاسم وأجازه أشهب، عكس ما نسب المصنف، إلا أن يقدر: وفي منع، وهو تأويل ابن عبد السلام.
ثانيها: أن المسألة على ظاهرها، والخلاف فيها بالأحرى على قولي ابن القاسم وأشهب في العبد إذا باعه بدون ماله، ثم أراد المشتري أن يزيد البائع شيئًا ويلحق المال بالبيع، فروي عن مالك جوازه وبه أخذ ابن القاسم، وروي عنه منعه وبه أخذ أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم، ولابن القاسم ثالث بالجواز إذا كان بحضرة البيع.
قال في المبسوط: ومعنى القرب، أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص، بناء على أن الملحقات بالعقود، هل تقدر واقعة في أصل العقد فيجوز، أولا تقدر واقعة فيه فيمتنع في الصورتين. ونسب المصنف القولين لهما، بناء على أن لازم القول قول، وهو تأويل ابن راشد.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
ثالثها: أن اشتراء، مصدر وهو مضاف إلى المشترى منه. والفاعل محذوف، وهو المشتري، أي: وفي اشتراء المشتري من البائع مال العبد المبيع بماله، أي: بمال المشتري. والخلاف فيها منصوص لابن القاسم وأشهب، كما ذكره في الوجه الثاني، وفيه تعسف.
رابعها: أن البائع بمعنى المشتري، لأن كلام منهما بائع في المعنى، واشترى بمعنى باع، وضمير (ماله) يعود على المشتري، وفيه تعسف، وإن كان البائع يطلق في اللغة على المشتري لكن الفقهاء لا تستعمله، وإنما يستعمله من يريد الألغاز.
تنبيه:
ما تقدم من تمشية ابن راشد من خلاف ابن القاسم وأشهب، إنما ذلك إذا اشترى المال على وجه لو انفرد المال لم يجز، كما لو كان المال عينًا وعرضًا واشتراه بعين، وأما لو اشتراه على وجه لو انفرد جاز فلا خلاف في الجواز.
والمتعين ولا غرض في عدده، أو قل ثمنه يجوز جزافًا
لما ذكر أن من شرط البيع أن يكون معلومًا خشي أن يتوهم منع الجزاف، فذكره ليعلم أن حكمه الجواز. وأن الحزر أقيم فيه مقام العلم. وقوله: (والمتعين) أي: المشاهد المرئي، بذلك فسره ابن راشد، وتفسير ابن عبد السلام المتعين بالمقوم بعيد جدًا. وذكر علماؤنا لبيع الجزاف شروطًا:
أولها: أن يكون مرئيًا، فلا يجوز بيع غائب جزافًا، إذ لا يمكن حزره.
ثانيها: ألا تكون آحاده مقصودة، كالجوز واللوز والعصافير وصغار الحيتان، فلا يجوز بيع الرقيق والحيوان والثياب جزافًا، وإليه أشار بقوله: (ولا غرض في عدده).
وفي الواضحة: جواز بيع الأترج والبطيخ جزافًا وإن اختلفت آحاده في الكبر والصغر.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
المازري: وهو لا يأتي على ما أصلناه من المنع فيما يراد آحاده، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقدين بالصغر والكبر.
ثالثها: أن يكون مما يتأتى حزره، فإن كان من الكثرة بحيث لا يتأتى حزره لم يبع جزافًا، لكثرة الغرر، ذكره الباجي وغيره.
رابعها: جهل المتعاقدين بكميته. وسيأتي هذا الشرط من كلام المصنف.
خامسها: أن يكون عالمين بالحزر. اللخمي: فإن كان قوم لا يعتادون ذلك أو اعتاده أحدهما لم يجز، لأن الغرر يعظم.
سادسها: أن يكون في أرض مستوية، ذكره جماعة.
وقوله: (أو قل ثمنه) ظاهره ولو قصدت آحاده، وبذلك صرح ابن راشد، ومثل ذلك بالبيض والرمان والقثاء واللوز والأترج والبطيخ. وكذلك قال ابن عبد السلام، فإنه قال: الفقوس والبطيخ والرمان وشبهه من المعدود الذي تقصد آحاده ولا يتعلق الغرض بعدد عندهم يجوز بيعه جزافًا.
ابن عبد السلام: ويقع في بعض النسخ (أو قل عدده) موضع (ثمنه) وذكر الثمن هو الصواب، وأما قلة العدد فإنما تناسب المنع، لأنه لا كبير كلفة في عدده، إذ هو مما تقصد آحاده ويتعلق الغرض بعدده، فإن قل ثمنه قام ذلك مقام كونه لا تقصد آحاده. انتهى. وقد صرح ابن أبي زيد: بأن ما قل ويمكن عده بلا مشقة لا يجوز بيعه جزافًا. ومنع ابن القاسم في العتبية شراء الخشب الملقى بعضه على بعض جزافًا، لأنه تخف مؤنة عده بمنزلة الغنم. قال: ولا باس بشراء صغار الخشب جزافًا.
تنبيه:
ما قدمناه من بيع العصافير جزافًا نص عليه مالك، وأوله ابن القاسم على أن ذلك بعد الذبح، وأما قبله في الأقفاص فلا، لأن بعضها يدخل في بعض فلا يمكن حزره.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
وكذلك نص ابن حبيب على الجواز بعد الذبح وعلى عدمه قبله. وفي الموازية لا باس ببيع برج الحمام فيما فيه جزافًا.
وفي الطرر ذكر القاضي أبو الوليد في كتابه الكبير: أن بيع الطير في القفص جزافًا غير جائز باتفاق، وفي بيع الحمام في الأبراج قولان بالجواز والمنع، بناء على أن عدها ممكن أو لا.
وفرق بين ظرف مملوء، وملئه وهو فارغ ابتداء، أو بعد أن اشتراه جزافًا وفرغه
[٤٣٨/ب] أي: ولأجل اشتراطنا في الجزاف أن يكون مرئيًا، فرق بين ظرف مملوء فيجوز بيع ما فيه جزافًا. وبين ملئه وهو فارغ ابتداء، وبين ملئه ثانيًا بعد أن اشتراه أولًا جزافًا فلا يجوز فيهما لعدم الرؤية. وكذا نص عليه ابن القاسم وأصبغ ومحمد وغيرهم.
المازري: وقد يهجس في النفس أنه لا فرق بين ما أجازوه ومنعوه، إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو لمقدار ملئها زيتا. ولهذا اختار بان يونس جواز شراء ملء هذه القارورة، قال: ولو قاله قائل في الغرارة لما بعد وهو في القارورة أبين، لأن ملئها لا يختلف. ولا يقال: يرد على التفرقة التي ذكرها المصنف ما أجازه في العتبية من شراء سلة تين ثانيًا بعد أن اشتراها أولًا، لقوله: بخلاف غرارة القمح، ألا تراه لا يسلم في غرارة القمح ويسلم في سلتين تينا لأنه معروف. فإنه أشار في تعليل المسالة على أن السلة في التين مكيال له كالويبة بالنسبة إلى القمح، فصار كأنه إنما اشترى شيئًا معلومًا، وأكد ذلك بقوله: بخلاف غرارة القمح.
فرع:
واختلف أصحابنا إذا وقع التبايع بمكيال مجهول. قال أشهب: لا يفسخ وجعله بمنزلة الجزاف. ورأى غيره: أنه يفسخ، لأن العدول عن المعتاد له من المكيال إلى المجهول غرر.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
فأما الغائب ونحو القمح في التبن قولان
أي: ولا يجوز بيع الجزاف غائبًا. وعطفُ القمحِ في التبن على الغائب، إما من باب عطف الخاص على العام، وإما أنه ليس غائبًا حقيقة ولكنه في حكم الغائب. ولا خلاف فيما ذكره المصنف، قاله صاحب الإكمال.
بخلاف الزرع قائمًا، وكذلك المحصود على الأشهر
لا خلاف عندنا في جواز القائم، لما في الصحيح: أنه﵊- نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. والأشهر في المحصود الجواز قياسًا على القائم. وقيل بالمنع قياسًا على ما كان منه حال الدرس، وهو قول التونسي.
وظاهر كلامه: أن الجواز أعم من أن يكون حُزمًا أو لا. وينبغي أن يقيد بما إذا كان حُزمًا، فقد قال صاحب الإكمال: لا خلاف أنه لا يجوز بيعه إذا خلط في الأندر للدارس، أو كدس بعضه على بعض قيل تصفيته. واختلف عندنا إذا كان حُزمًا أو قطعًا يأخذها الحزر والتحري على قولين. ولو رأى المشتري ما في الأندر وهو قام قبل أن يحصد جاز، لأنه علم حزره وهو قائم.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون خلافًا في حال، فإن لم يختلط وبقي السنبل إلى جهة واحدة، فالنفس أميل إلى الجواز ولا يحاط به مع ذلك كما يحاط بالقائم، وإن كان على خلاف هذه الحال فلا شك في المنع.
خليل: وقد يمشي كلام المصنف على ظاهره، ويعتمد في ذلك ما نقله الباجي، فإنه قال: روى القاضي إسماعيل أنه يجوز بيعه في أندره وقبل درسه. وروى عن ابن نافع أنه لا
[ ٥ / ٢٣٧ ]
يجوز بيعه إلا إذا كان حُزَمًا يرى سنلة وينظر إليه. فعطفة قول ابن نافع على رواية القاضي دليل على أنه يجوز على وراية القاضي وإن لم يكن حُزَمًا.
والمسكوك، والتعامل بالوزن يجوز جزافًا، وبالعدد لا يجوز، وقيل: فيهما قولان
احتزر بالمسكوك من التبر والمصوغ ونحوهما، فيجوز جزافًا، المازري: ولو كان الحلي محشوًا، إذا عرف قدر الساتر للمحشو من الذهب والفضة بأن تعلم رقته من غلظة وأمكن حزره. وشمل قوله: (المسكوك) الفلوس، وهو صحيح نص مالك في الموازية عليه.
قوله: (والتعامل بالوزن) أي: كدراهم مصر، وهي المجموعة يجوز بيعها جزافًا. وإن كان التعامل بالعدد كدراهم المغرب فلا يجوز بيعها جزافًا.
وحكى ابن بشير، وابن شاس عن القاضي أبي الحسن الكراهة إذا كان التعامل بالعدد. واعلم أنه نص في المدونة على منع بيع الدراهم والدنانير جزافًا وأطلق، وحملها اللخمي على الإطلاق ولم يذكر في المنع خلافًا إذا كان التعامل بالعدد، وحكى عن ابن القصار الكراهة فيما إذا كان التعامل بالوزن. قال المازري: اختلف البغداديون في معنى المنع، فقال ابن القصار: إنه كرهه، وإليه أشار ابن عبد الحكم بقوله: لم أر أحدًا من أصحابنا يجترئ على فسخ بيع الدراهم والدنانير جزافًا. وذهب الأبهري وعبد الوهاب على أن المنع على التحريم. فمقتضى قول ابن القصار عدم الفسخ، لأنه مكروه. ومقتضى قول الأبهري وأبي محمد الفسخ إذا لم يراعيا الخلاف.
واختلف في علة المنع، فقال ابن مسلمة: لكثرة ثمن العين فيكثر الغرر وهو منقوض، لإجازتهم بيع الحلي جزافًا، واللؤلؤ إذا لم تقصد آحاده، وإن كان القاضي أبو محمد أطلق عدم جواز بيع الجواهر جزافًا، لكن التحقيق ما قلته.
وعلل الأبهري وأبو محمد المنع: بأن الغرر هنا من وجهين، من جهة الكمية، ومن جهة الآحاد، لأنه يرغب في كثرة آحاده ليسهل شراء السلع اليسيرة الثمن، بخلاف
[ ٥ / ٢٣٨ ]
غيره من المبيعات، فإن الغرر فيها إنما هو من جهة واحدة وهي جهة الكمية. انتهى كلام المازري.
وقول المصنف: وقيل فيهما قولان، أي: سواء كان التعامل بالوزن أو بالعدد، هذه طريقة الباجي، وبنى الخلاف في ذلك على الخلاف في الدنانير والدراهم، [٤٣٩/أ] هل تتعين بالعقد أول لا؟ فإن قلنا: إنها لا تتعين بالعقد لم يجز بيعها جزافًا، لأن العقد عليها يتناول الذمة والجزاف لا يصلح أن يثبت في الذمة. وإن قلنا: تتعين جاز بيعها كسائر الموزونات والمكيلات. وهذا فهم حسن من المصنف لكلام الباجي، وإن كان ابن بشير إنما نقل عن الباجي أنه قال: إن كان التعامل بالعدد لم يجز المجازفة باتفاق، وإن كان وزنًا فقولان. فإن كلام الباجي لا يؤخذ منه الاتفاق فيما إذا كان التعامل بالعدد، وتعليله بالتعيين وعدمه ينافيه.
خليل: ولكن في كلام الباجي نظر من جهة أخرى، وذلك أنه ينبغي إن قلنا: إن الدراهم والدنانير لا تتعين، فينبغي أن يتفق هنا على تعيينها لأنها جزاف، والجزاف مجهول والذمة لا يكون فيها مجهول. والله أعلم.
وشرط الجزاف استواؤهما في الجهل بقدره
أي: وشرط جواز بيع الجزاف استواء البائع والمبتاع في الجهل بقدر المبيع، لأنهما لو اشتركا في العلم بقدره لم يكن جزافًا، وإن انفرد أحدهما لم يجز العقد عليه، ولاسيما إن أعلمه بعلمه، لأنهما تعاقدا على مخاطرة وغرر، وهذا أولى من كلام ابن عبد السلام.
فرع:
لا إشكال فيما ذكره المصنف في المكيل والموزون والمعدود الذي لا تختلف مقاديره بالكبر والصغر. وأما المختلف كالقثاء والبطيخ، فقد روى ابن وهب عن مالك في
[ ٥ / ٢٣٩ ]
المبسوط: جواز بيعه ممن يعرف عدده جزافًا. وقال ابن المواز: إذا عرف أحد المتابعين العدد لم يجز بيعه جزافًا.
ووجه الباجي الرواية الأولى بأن الغرض في مبلغه دون عدده، فإذا انفر بمعرفة عدده فلم ينفرد بمعرفة المقدار المقصود منه، كما لو انفرد بمعرفة عدد القمح أو معرفة وزنه.
فإن علم المشتري بعلمه بعد العقد فله الخيار
فإن علم المشتري بعلم البائع بقدر المبيع جزافًا بعد العقد فللمشتري الخيار، كما لو اطلع على عيب دلس به البائع.
وحكى عبد الوهاب عن ابن القصار استشكال كون هذا عيبًا، لأن العيب إذا أعلم به البائع جاز للمشتري الرضا به، ولو أعلم البائع المشتري بأنه عالم به ورضي كان فاسدًان نص على الفساد في كتاب محمد. وحكي سحنون أن البيع جائز، واستبعده ابن عبد السلام.
خليل: ويمكن أن يجاب عما أورده ابن القصار، بأنه هنا إذا أخبره بأنه عالم بكيله ثم اشترى منه بعد ذلك، فقد خل معه على المغامرة والمخاطرة، بخلاف غيره من سائر العيوب.
وأجاب القاضي أبو محمد على الإشكال بأنه: لا ملازمة بين أن يكون الشيء يفسد به العقد إذا قارنه، ولا يفسد إذا اطلع عليه بعد ذلك، لدخوله في الأول على الغرر دون الثاني، كما قال سحنون فيمن باع أمة وشرط أنها مغنية أن البيع فاسد، ولو اطلع على ذلك لم يفسد وكان له الخيار.
خليل: وعلى هذا فلا يصح بيع المغنية مع التبيين بعد العقد، وإنا يجوز بيعها بشرط عدم التمييز ثم يبين بعد العقد، وفيه نظر. وينبغي أن يقيد ما قالوه: من أنه ذكر أنها مغنية لم يجز شراؤها بما إذا كان القصد من ذلك زيادة الثمن، وأما إن كان القصد التبري فيجوز.
[ ٥ / ٢٤٠ ]
وقوله: (فإن علم المشتري) يريد: وكذلك العكس، فقد ذكر المازري أن المعروف من المذهب مساواة البائع في ثبوت الخيار له إذا اطلع على علم المشتري كالعكس. قال: ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافًا، وأن البائع لا خيار له.
ابن رشد: فإن فات المبيع في مسالة الجزاف التي حكموا فيه بتخيير المشتري لزم فيه الأقل من الثمن أو قيمة الجزاف، وفي مسالة الجاف التي حكموا فيها بفساد البيع إن فاتت الصبرة ففيها القيمة ما بلغت. قال: وإن أراد المبتاع أن يصدق البائع في الكمية وردها له لا نبغى ألا يجوز على أصولهم في الاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا.
فرع:
وهل يجوز أن يجمع مع الجزاف غيره في عقدة واحدة؟ اعلم أولا أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلًا جزافًا كالحبوب. ومنها: ما يباع جزافًا ويجوز كيلًا كالأرضين والثياب. ومنها: عروض لا يجوز بيعها كيلًا ولا وزنًا كالعبيد والحيوان.
فالجزاف مما أصله أن يباع كيلًا كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه، ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافًا كالأرضين والثياب باتفاق.
والجزاف مما أصله أن يباع جزافًا لا يجوز أن يباع مع المكيل منه باتفاق أيضًا، واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلًا على قولين، أحدهما: الجواز، وإليه ذهب ابن زرب وأقامه من إجازته في السلم الأول من المدونة أن يسلم في ثياب وطعام صفقة واحدة. ولا خلاف في جواز بيع المكيلين صفقة واحدة وكذلك الجزافان، ويجوز بيع الجزاف مع العروض صفقة واحدة إلا عند ابن حبيب، فإنه ذهب إلى أن الجزاف مما أصله أن يباع كيلًا لا يجوز بيعه مع العروض في صفقة واحدة وهو بعيد، قاله صاحب المقدمات.
وقال المازري: لا إشكال في جواز بيع الجزافين من الحبوب. واختلف في جزاف ومكيل، فمن أجاز رأى أن الغرر لم يكثر بإضافته هذا [٤٣٩/ب] المكيل إلى الجزاف، ومن
[ ٥ / ٢٤١ ]
منع رأى أن المكيل معلوم مبلغه والجزاف مظنون، واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظون غررًا لم يكن فيه. وكذلك اختلف إذا ضم إلى المكيل ثوب أو عرض.
خليل: وحكاية المازري الخلاف في الفرع الأول خلاف ما في المقدمات. قال في المقدمات: أما بيع الجزاف على الكيل، فلا يضاف إليه شيء في البيع بحال على الصحيح من الأقوال، وهو مذهب ابن القاسم. وأما بيع الجزافين على الكيل، فإن كانا على صفة واحدة وكيل واحد جاز باتفاق، وإن اختلف الكيل والصفة جميعًا لم يجز باتفاق، وإن اتفق أحدهما واختلف الآخر جاز عند أشهب ولم يجز عند ابن القاسم.
ورؤية بعض المثلى كالقمح والشعير، والصوان كقشر الرمان والبيض كافية
يعني: ليس من شرط البيع عندنا أن يرى جميع المبيع، بل رؤية بعض المثلي كافية في جواز العقد على الجميع لتماثل آحاده كالقمح والشعير، ولا فرق في ذلك بين ما كان حاضرًا بالبلد أو غائبًا، وينبغي الاحتفاظ على المعين فيكون كالشاهد عند التنازع.
وقوله: (والصوان) أي: ورؤية ما له صوان كافية عن المصون. والصوان بكسر الصاد وضمها: الوعاء الذي يصونه ويحفظه، ونقل الجوهري ثالثة وهي صيان.
وتقييد المصنف بالمثلى يدل بمفهومه أنه لا يكفي ذلك في المقوم، وهو ظاهر المذهب، وهو مفهوم المدونة في بيع الخيار. وممن نص على عدم اللزوم في المقوم الشيخ أبو محمد، وابن شلبون، وعبد الحق وغيرهم من الشيوخ. الشيخ: ولو قال قائل أنه كالمثلى يلزم باقيه إذا كان على الصفة ما بعد.
خليل: وهو مقتضى ما في سماع ابن القاسم من العتيبة، قال: ومن باع أعدالًا من كتان أو بز ونظر إلى ثوب أو ثوبين، أو رطل أو رطلين، ثم وجد الباقي لا يشبه، فأما ما هو قريب مما رأى فلا رد له، وكذلك القمح والتمر في بيت يكون أوله خيرًا من داخله. وأما التغيير القريب فلا حجة له، وأما الأمر الفاسد فليرد. انتهى بمعناه.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
ابن رشد: وهي مسالة صحيحة مبينة لما في المدونة وغيرها.
قال في المدونة: وإن خرج آخر الحنطة مخالفًا لأولها، لم يلزم المشتري من ذلك شيء وله رد الجميع إن كان الاختلاف كثيرًا، وليس للمبتاع أن يقبل ما رضي بحصته من الثمن ويرد ما خرج مخالفًا إلا أن يرضى البائع، ولا البائع أن يلزمه ذلك إذا أبى المبتاع وكان الاختلاف كثيرًا، وكذلك في جميع ما يوزن أو يكال.
عبد الحق: وإنما يلزم الباقي إذا وافق، بشرط ألا يكون الأول معيبًان لأنه يقول: ظننت أن الباقي سليم فاغتفرت العيب فيما رأيت أولًا.
وقوله: (إن كان الاختلاف كثيرًا). أبو الحسن: اختلف في حد الكثير، فقال أبو محمد: النصف، وقال أبو إسحاق: الثالث، وقال ابن يونس: الربع.
وقد ذكر ابن رشد أن وجود العيب بالطعام على خمسة أوجه، وقد ذكرت كلامه عند قول المصنف: وتلف بعضه أو استحقاقه كرده بعيب، فانظره.
والرؤية تتقدم بمدة لا يتغير فيها كافية
أي: يجوز العقد على سلعة غائبة برؤية متقدمة إذا مضت مدة لا تتغير فيها إلى وقت العقد.
ومفهوم كلامه: أنه لو مضت مدة تتغير فيها لا يجوز العقد، وبذلك صرح ابن شاس، فقال: وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته ألا تطول مدة الرؤية طولًا يتوقع فيه تغير المبيع عادة. وكذلك يفهم من كلام بعضهم.
وفي ابن يونس: وأن رأى عبدًا منذ عشرين سنة ثم اشتراه على غير صفة. قال: إذا طال ذلك وتقادم ما يتغير العبد في مثله فالبيع فاسد إلا بصفة مستقبلة. وفي كتاب محمد: البيع جائز إذا علم البائع أن المشتري قد كان رآه، لأنه إنما باعه على تلك الصفة التي كان رآها. زاد أبو محمد: ولا ينقده. انتهى.
[ ٥ / ٢٤٣ ]
وفي اللخمي: وإن بعدت الرؤية بما يمكن أن تتغير فيه لم يجز بشرط النقد، وإن لم يشترط النقد جاز، وهو الذي يأتي على ما ينقله المصنف عن المدونة أنه يجوز الشراء من غير صفة.
والقول قول البائع في بقائه خلافًا لأشهب
أي: إذا حصل العقد برؤية متقدمة، فلما رأى المشتري المبيع عند القبض زعم أنه تغير عن حالته الأولى على ما هو دون، فقال ابن القاسم: القول للبائع. وقال أشهب: القول للمشتري، بناء على أن الأصل بقاء ما كان على حاله أو براءة ذمة المشتري من الثمن. أما لو تنازعا في عين السلعة، فالقول للمشتري بالاتفاق مع يمينه، لأنه لم يرد نقض بيع في سلعة اتفقا على البيع فيها.
وقيد اللخمي الخلاف بأن يكون ما مضى من المدة يشكل الأمر، هل يتغير فيه أم لا؟ أما إن قرب ما بين الرؤيتين بحيث لا يتغير في مثله، فالقول البائع اتفاقًا، وكذلك العكس إذا بعد ما بينهما مما يقال أن المبيع يتغير فالقول للمشتري.
قال: وتسقط اليمين علن البائع حيث يقطع بكذب المشتري، كما إذا اشترى زيتًا أو قمحًا بالأمس، ويقول: اليوم قد تغير الزيت واحْمَرَّ وتسوس القمح.
ويشترط في لزوم بيع الغائب وصفه بما يختلف الثمن به، وفيها صريح في الجواز من غير صفة، وللمشتري خاصة الخيار، وأنكره بعضهم
قوله: (ويشترط في لزوم) ظاهره أن الجواز لا يشترط فيه ذلك ويخير في أخذه وتركه، وهو معنى ما ذكره عن المدونة، فكان ينبغي أن يقول: ويشترط في جواز، ليكون ما في المدونة خلافًا. والقول الأول نسبه في المدونة لبعض كبار أصحاب مالك. وما في المدونة مقيد بما إذا انعقد البيع على أن [٤٤٠/أ] المشتري بالخيار، وأما إن انعقد على الإلزام أو سكتا عن شرط الخيار فالبيع فاسد.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
وكلام المصنف لا يقتضي أن ذلك من شرط الصحة، لاحتمال أن يكون قوله: (وللمشتري خاصة الخيار) من نتائج العقد لا أنه مشترط وليس كذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر ما في السلم من المدونة، أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع بالكلية. وأنكر الأبهري، وابن القصار، وعبد الوهاب ما وقع في المدونة، وزعم بعضهم أن هذه المسألة إنما هي من كلام الحنفية، لأن أسد بن الفرات سألهم أولًا ثم أخذ بمذهب مالك، وأن أسد بن الفرات أبقاها في المدونة وهو باطل، لأن نسبة الوهم بغير دليل إلى أسد وسحنون لا يجوز.
المازري: وما في المدونة هو المعروف، ونقله اللخمي عن جل الأصحاب. وقال في المقدمات: وفي المدونة في كتاب الغرر دليل على أنه لابد من الوصف، وهو الصحيح الذي يحتمله القياس.
وأن لا يكون بعيدًا جدًا كإفريقية من خراسان
هذا شرط ثان لبيع الغائب، وهو معطوف على وصفه، أي: ويشترط في جواز بيع الغائب كونه غير بعيد جدًا، لكثرة الغرر فيه.
ولا قريبًا جدًا تمكن رؤيته بلا مشقة على الأشهر
هذا شرط ثالث، وهو شرط في الجواز كالثاني، لأن عدولهما عن الرؤية مع إمكانها إلى الصفة ضرب من الغرر. وما ذكر أنه الأشهر هو مذهب الموازية، ومقابله مذهب العتبية، فقد أجاز فيها بيع ما في صندوق بين أيديهما على الصفة، وظاهر المدونة في خمسة مواضع.
ففي آخر السلم الثالث: وإن ابتعت من رجل رطل حديد بعينه في بيته ثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز ذلك.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
وفي الرد بالعيب: وإن ابتعت سلعة حاضرة بسلعة في بيتك أو بموضع قريب يجوز فيه النقد ووصفتها جاز ذلك.
وفي بيع الغرر: وإن استأجرت منه دارًا بثبوت في بيتك ووصفته ثم اشتريته منه وهو بيدك بعين أو بثوبين من صفته أو بسكنى دار لك فجائز.
وفي آخر الجعل: لما ذكر بيع الزرع على أن الدرس على البائع، قال: وليس ذلك كحنطة في بيتك، تلك لابد فيها من صفة أو عيان.
وفي أكربة الدور: وإن أكريته دارًا بعبد بعينه على أن تقبضه فمات بيد المكتري، فهو منك والكراء يلزمك كالبيع، وإن كان بثبوت بعينه في بيت المكتري وقد وصفه كان منه وانتقض الكراء.
فهذه المواضع تدل على أن الأشهر الجواز، لكن ذكر ابن شاس: أن الأصحاب نزلوا ما في المدونة من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة.
فإن كان بمشقة جاز على الأشهر
أي: فإن كان إمكان رؤية الغائب بمشقة جاز بيعه على الصفة على الأشهر، فهذا كبيع الأعدال على البرنامج وكبيع الغائب على مسافة يوم، والأشهر مذهب المدونة والموطأ، ومقابله في مختصر ابن شعبان منعهما.
وفيها: ويجوز بيع الأعدال على البرنامج، بخلاف الساج المدرج وشبهه، فرق بينهما عمل الماضين وأجازهما، وذا مسافة يوم مدة ومنعها مدة
ذكر مسألة المدونة استدلالًا على ما ادعاه من الأشهر. والبَرنامِج بفتح الباء وكسر الميم، وهي لفظة فارسية استعملتها العرب، والمراد بها الدفتر المكتوب فيه صفة ما في العدل.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
والساج المدرج: طيلسان مطوي. والمراد بشبه الساج، الثوب المدرج في طيه ولم يكن رفيعًا كما في الساج.
والضمير في: (أَجَازَ) عائد على مالك، والضمير في: (هُمَا) عائد على الساج المدرج والبرنامج. (وذَا) معطوف على مفعول أجاز، أي: وأجاز ذا مسافة يوم مرة، وهو قوله في الموازية، ومنع الجميع، وهو قوله في مختصر ابن شعبان.
وحاصل ما ذكره في البرنامج، والساج، وذا مسافة يوم، ثلاثة أقوال، يفرق في المشهور فيجوز في البرنامج، وما على مسافة يوم، ويمنع الساج وهو مذهب المدونة.
فرع: ولا يشترط في جواز البيع على الصفة أن يصفه غير البائع على ظاهر المذهب، وأخذه جماعة من المدونة. ابن العطار: وبه العمل. وفي الموازية والعتبية: اشترط ذلك لأن البائع لا يوثق بصفته، إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته. وذكر المتيطي أن الشيوخ اختلفوا في تأويل المدونة على القولين، وجعل اللخمي وصاحب المقدمات ذلك شرطًا في جواز النقد.
اللخمي: ويشترط في البيع على الصفة أن يكون المشتري ممن يعرف ما وصف له.
ثم إن صحت الصفة فلا خيار
أي: فإن اتفق المتبايعان، أو شهدت بينة عند اختلافهما أن المعقود عليه موافق للصفة التي وقع العقد عليها، لزم البيع ولا مقال لواحد منهما، ونبه به على خلاف أبي حنيفة، فإنه يرى الخيار للمشتري ولو وافقت الصفة.
والقول قول المشتري
أي: عند تنازعه مع البائع، هل صفة المبيع الآن هي التي وقع عليها التعاقد أم لا؟ والفرق بينه وبين ما تقدم من أنه إذا انعقد على رؤية متقدمة وتنازعا، فالقول قول البائع على الأشهر أن البيع في مسألة الرؤية معلق على بقاء صفة المبيع والأصل بقاؤها، فمن
[ ٥ / ٢٤٧ ]
ادعى الانتقال فهو مدع وهو المشتري، بخلاف البيع على الصفة فإن الأصل عدمها وهو موافق لقول المشتري.
ويرجع في كونه عليها لأهل المعرفة
أي: إذا اتفقا على أن البيع وقع [٤٤٠/ب] على الصفة واختلفا في المبيع، هل هو عليها أم لا؟ نظر أهل المعرفة، فإن قالوا: إنه عليها لزمه، وإلا فلا. وانظر هل يكتفي بواحد أو لابد من اثنين؟ وانظر إذا اختلف أهل المعرفة.
والأعمى يصح بيعه وشراؤه بالصفة، وقيل: إلا الأصلي
ذكر الأعمى في بيع الغائب، لكونه لما كان لا يبصر وإنما يشتري على الصفة شابه شراؤه شراء الشيء الغائب، والظاهر أن الصحة في الأعمى أظهر منها في بيع الغائب على الصفة، لأن الأعمى أعذر، إذ لا يمكن في حقه إلا ذلك. فإن قيل: يمكنه التوكيل، قيل: لا يمكنه ذلك في كثير من الصور.
وحاصل ما ذكره المصنف فيه: أنه إن تقدم منه إبصار صح بيعه وشراؤه اتفاقًا. وإن لم يتقدم، فقال عبد الوهاب: يصح بيعه وشراؤه، ومنع ذلك أبو جعفر الأبهري. هكذا نقل اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي معنى من لم يتقدم له إبصار من تقدم له إبصار في سن الصغر حتى لا يتخيل الألوان، قال: وينبغي أن يكون الخلاف في الصفات التي لا تدرك إلا بحاسة البصر، وأما ما يدرك بغير ذلك فلا مانع. والأصلي: هو الأكمة.
والنقد في الغائب بغير شرط جائز
أي: وبشرط لا يجوز، لأنه يؤدي إلى أن يكون تارة مبيعًا وتارة سلفًا، وهذه المسالة في منع النقد بشرط وجوازه بغيره. المبيعُ على عهدة الثلاث، والأمة المتواضعةُ والمبيعُ على
[ ٥ / ٢٤٨ ]
الخيار، والأرض المبيعة على المزارعة، ومسائل الجعل. وإذا اشترط في الأجير المعين والدابة المعينة أن تقبض منفعتها بعد شهر. وإنما جاز النقد مع عدم الاشتراط، لضعف التهمة، وظاهر كلام المصنف- وهو ظاهر المدونة- على ما نص عليه عياض: أن نقد الثمن في الغائب بغير شرط جائز في كل شيء. وذهب ابن محرز إلى أنه يجوز التطوع في المثلي من المكيل والموزون، لأن الغائب إن هلك أو وجد على غير الصفة وانحلت العقدة رد مثله فلم يكن على أحد ضرر، بخلاف السلع والرباع فإنها قد تتغير فيردها ناقصة فيضر ذلك بالبائع، أو تهلك فيغرم المشتري قيمتها، فكأن البائع يدفعها على أنه إن سلمت الصفقة كانت للمشتري وإن انحلت رد القيمة. قال: ولو دفع العروض على أن البيع إن انحل رد مثلها جاز، ولو كان الثمن سكني دار لم يجز نقدها بشر ولا طوع.
وقال اللخمي: إنما يجوز النقد إذا كان الثمن مما يصح فرضه، لأن تعجيل الثمن بغير شرط فرض، فإن كان الثمن دارًا أو جارية أو جزافًا فلا يصح تعجيله.
قال: وإن تطوع المشتري بالنقد في هذا لم يصح البيع ويرجع بمثل ما دفع لا بقيمته، لأنه قرض فاستوى فيه المكيل والموزون والعبيد والثياب، ولو عجل الثمن على أن يرجع بالقيمة إن لم يجد المبيع لم يجز، لأنه بيع على قيمة مجهولة. وإن لم يشترطا في حين التعجيل الرجوع بالقيمة ولا المثل وكانا يظنان أن الحكم الرجوع بالقيمة، حُمل على ذلك ويرجع بالقيمة- كالبيع الفاسد- إذا كان الثمن عبدًا أو ثوبًا. انتهى.
ابن راشد: وقوله: إذا تطوع المشتري بتعجيل ذلك فسد البيع، فيه نظر. وكيف يفسد البيع بشيء وقع منفكًا عنه، وإنما ينبغي أن يفسد القرض خاصة، فتأمله.
فإن شرط في العقار وشبهه جاز وإن بعد خلافًا لأشهب
يعني: وإن وقع البيع في العقار وشبهه، والمراد، بـ (وشبهه) الأشجار وعيون الماء، جاز شرط النقد ولو كان بعيد الغيبة.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
الباجي: وهو المشهور لغلبة الأمن فيها. ونقل الباجي عن أشهب ما نقله المصنف، من أنه منع اشتراط النقد مع البعد، وإنما يجوز اشتراط النقد على المذهب إذا لم يشترها بصفة صاحبها، كذا روى أشهب عن مالك.
ابن رشد: وهو تفسير لما في المدونة وغيرها. والعقار بفتح العين، الجوهري: الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا بيع العقار جزافًا، وأما إن بيع مذارعة فلا يصح النقد فيها، قاله أشهب في العتبية. وكذلك قال مالك: من اشترى دارًا غائبة مذارعة لم يجز النقد فيها، قاله أشهب في العتبية. وكذلك قال مالك: من اشترى دارًا غائبة مذارعة لم يجز النقد، وكذلك الحائط على عدد النخل، قال مالك في العتبية: وضمانها من بائعها.
وفيما قرب من الحيوان قولان
أي: وفي جواز شرط النقد فيه قولان، قال في المدونة: ومن باع عروضًا، أو حيوانًا، أو رقيقًا، أو ثيابًا بعينها خاصة حاضرة أو قريبة الغيبة مثل يوم أو يومين جاز ذلك، وجاز النقد فيه بشرط. والقول بالمنع لابن عبد الحكم.
وفي قربه خمسة أيام، ويومان، ونصف يوم، وبريد وبريدان
أي: وفي حد القريب. وكان ينبغي أن يقول: يوم ونحوه، فإنه كذلك روي عن مالك في المدونة، والقول باليومين مذهب المدونة كما تقدم. ونصف اليوم نقله ابن شاس ولم يعزه، ولعله راجع إلى البريد. والقول بالبريدين لمالك أيضًا- والبريد اثنى عشر ميلا- ونقل اللخمي عن ابن وهب: أنه كره النقد في الطعام وإن كان على نصف يوم، قال: لأنه يسرق ويفسد بالمطر إلا أن يكون قريبًا جدًا.
وفيما قرب من غيرهما الجواز باتفاق
أي: غير الحيوان والعقار. واتفقا هنا على جواز اشتراط النقد دون الحيوان، لأن الأمن في العروض أقوى منه في الحيوان.
[ ٥ / ٢٥٠ ]
ابن راشد: وما ذكره من الاتفاق لا يصح، فقد قال ابن راشد: وأما النقد في السلعة الغائبة بالشرط فلا يجوز في بعيد الغيبة، واختلف قول مالك في قريب الغيبة.
وفي ضمان الغائب بعد العقد، ثالثها: من البائع إلا أن يشترطه. ورابعها: إن كان عقارًا فمن المشتري
[٤٤١/أ] احترز بـ (بعد العقد) من ضمانه قبله فهو من البائع اتفاقًا، حكاه صاحب البيان والمقدمات. وظاهر كلامه أن الأول من الأربعة، الضمان من البائع ولو اشترطه على المشتري. والثاني: عكسه. والثالث: أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري. والرابع: الفرق، ففي العقار من المشتري ولو اشترطه، وفي غيره من البائع ولو اشترطه على المشتري.
ابن عبد السلام: ولا وجود للأولين في المذهب أصلًا. وتردد في الرابع، قال: والذي حكاه الناس أن مالكًا قال أولًا: إن الضمان من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، ثم رجع إلى العكس أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، وهو الذي في المدونة. ثم هل القولان في الرباع، أو الرباع من المشتري اتفاقًا؟ طريقان، والثانية لابن حبيب. وألحق بالعقار أيضًا ما قرب في أن ضمانه من المشتري باتفاق. والصواب أن له قولًا في الرباع بأن ضمانها من البائع. وقد يجاب بأن الأول، وهو أن الضمان من البائع مطلقًا قد أقامه اللخمي من العتبية، فقال: واختلف على القول بأن المصيبة من البائع هل يجوز أن يشترطها من المشتري؟ فأجازه في المدونة، وقال في العتبية: لا يجوز بيع الطعام على شرط إن أدركته الصفة، مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد ورآه بمنزلة من اشترى ما فيه عقد إجارة، لأن الإجارة تمنع من التصرف في الحاضر كمنع التصرف للغيبة.
وأما الثاني: على ظاهره من أنه من المشتري مطلقًا، فهو متعذر الوجود، لكن يمكن أن يقدر على أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، عكس الثالث. وأما الرابع: فهو
[ ٥ / ٢٥١ ]
لمالك في الموازية، ففيها وقال أيضًا: الديار والعقار من المشتري وما سوى ذلك من البائع، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام المصنف لا على ما زاده ابن عبد السلام فيه.
فرع:
واختلف إذا لم يشترط أحدهما على الآخر الضمان ثم أراد أن يشترطه على الآخر بعد العقد، فقولان: بالجواز والمنع.
واستشكل اشتراط نقل الضمان من أحدهما إلى الآخر، فإنه ضمان بجعل، لأن له حصة من الثمن. وأجيب: بأنه إنما اشترط كل واحد منهما على صاحبه ما يلزمه على قول، وحاصله: مراعاة الخلاف.
تنبيه:
وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يكن في المبيع حق توفيه، وأما إن بيعت الدار مذارعة فالضمان من البائع بلا إشكال.
وعلى تضمين المشتري لو تنازعا، فقولان لتعارض أصلي السلامة وانتفاء الضمان
أي: إذا فرعنا على تضمين المشتري فتنازعا في أن العقد صادفها باقية، أو هالكة، أو سالمة، أو معيبة، فقال ابن حبيب: ضمانها من المشتري. وذكر اللخمي: أنه مثل قول ابن القاسم في كتاب محمد، بناء على أن الأصل السلامة إلى حين العقد. وقال ابن القاسم في المدونة: ضمانها من البائع. ولو قال المشتري: لا أعلم متى ماتت، فلا يمين على المشتري، بناء على أن الأصل انتفاء الضمان عن المشتري فلا ينتقل إلى ضمانه إلا بأمر محقق. وهكذا كان شيخنا وغيره يمشون هذا المحل، وكذلك مشاه ابن راشد، وهو أولى مما قاله ابن عبد السلام.
ولو تنازعا في الثمن فطلب البائع تعجيله وطلب المشتري التأخير، فهل يكون القول قول البائع ويجبر له المشتري وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو لا وهو قول أبي عمران وابن محرز وابن القصار.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
وقد نبه ابن القصار على الخلاف في ذلك، وذكر أن الصحيح من مذهب مالك فيما اختاره أبو عمران إلا أن يشترط ذلك في العقد.
واستشكل ابن عبد السلام﵀- على ما فهمه منشأ الخلاف المذكور، واعترض عليه أيضًا بناء على ما فهمه بما حاصله: أن هذا الخلاف الذي بين أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران إنما هو في العقار، وأما في غيره فلا يلزم نقد الثمن باتفاق.
وقال المصنف: وعلى تضمين المشتري لأنا لو بنيا على تضمين البائع لكان الضمان منه بلا إشكال.
فرع:
ذكر اللخمي أن من اشترى غائبًا فعليه أن يخرج لقبضه ولا يكون على البائع أن يأتي به.
ويحرم الفضل والنساء فيما يتحد جنسه من النقود، ومن المطعومات الربوية، فلابد من المماثلة والمناجزة
لما قدم الكلام على أركان البيع أتبع ذلك بشروط وموانع ليست عامة في جميع المبيعات. والفضل: الزيادة. والنساء: ممدود مهموز التأخير، نقله الجوهري وغيره.
وحاصله: أنه إن اتحد الجنس من النقود أو المطعومات الربوية دخل ربا الفضل فلا يجوز شيء منها بأكثر منه، وربا النساء فلا يجوز شيء منها ولو بمثله نسيئة.
وقوله: (فلابد من المماثلة) أي: لينتفي ربا الفضل والمناجزة، لينتفي ربا النساء.
ويحرم النساء خاصة فيما يختلف من النقود ومن المطعومات كلها
أي: ويحرم التأخير فقط فيما اختلف نوعه من النقود كالذهب والفضة، وفيما يختلف من المطعومات كلها، أي: لا يختص ربا التأخير بالربوي، بل لا يجوز طعام بطعام إلى أجل، سواء كانا ربويين أو لا. ولابد من إثبات (من) في قوله: (ومن المطعومات) كما
[ ٥ / ٢٥٣ ]
فعله، لئلا يتوهم تحريم النساء بين النقود والمطعومات. والأصل فيه ما في مسلم عن عبادة بن الصامت، قال النبي ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضلة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف [٤٤١/ب] فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
النقود العلة غلبتها في الثمنية، وقيل: الثمنية وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره
نحوه في الجواهر. والمراد بالنقود: الذهب والفضة على أي صفة كانا، مسكوكين أو مصوغين أو لا. واختلف في العلة، فقيل: الثمنية. أي: مطلق الثمنية من غير تقييد بالغلبة. أي: مطلق التعامل من غير اعتبار الغلبة، وعليه فيدخل الربا في الفلوس. وقيل: الغلبة في الثمنية، أي: كونها أصول الأثمان غالبًا فلا تدخل الفلوس، وإلى هذا أشار بقوله: (وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره) أي: للتوسط بين الدليلين، وجعل قول مالك فيها الكراهة.
وما ذكره المصنف هنا من أن العلة هل هي الثمنية، أو الغلبة فيها أولى من قول من قال: إن القول بعدم جريان الربا في الفلوس مبنى على أن الربا في الذهب والفضة غير معلل، بل معلق بما يسمى ذهبا وفضة، لأن المازري أنكره ونقل اتفاق العلماء على تعليل الحكم هنا، وإنما اختلفوا في العلة.
والمفارقة اختيارًا تمنع المناجزة، وقيل: إلا القريبة
المشهور الأول. وقد قال مالك في المدونة في الذي يصرف دينارًا من صيرفي فيدخله تابوته ثم يخرج الدراهم: لا يعجبني. وإذا قال هذا في التأخير اليسير فما بالك بغيره.
وقوله: (وقيل: إلا القربية) ليس هذا القول على إطلاقه، بل مقيد بما إذا كانت المفارقة القريبة بسبب يعود بإصلاح العقد، كما لو فارقه الحانوث أو الحانوتين لتقليب ما
[ ٥ / ٢٥٤ ]
أخذه أو وزنه، وهو مذهب الموازية والعتبية. وحمله اللخمي على الخلاف كالمصنف. وتأوله صاحب البيان على الوفاق، فقال: وقد قيل إن ما في العتبية مخالف لما في المدونة وليس هو عندي خلافًا، لأنهما في مسألة المدونة قاما بعد عقد التصارف وقبل التقابض من مجلس إلى مجلس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. ومسألة العتبية إنما قاما فيها بعد التقابض للضرورة.
وفي الغلبة قولان
أي: وفي الفرقة الواقعة بين المتصارفين بسبب الغلبة من أحدهما أو من غيرهما قولان، أحدهما: أنها كالاختيار فيفسد. والثاني: أنها لا تفسد.
الباجي: والظاهر من المذهب فساد البيع إذا غلب أحدهما على الفرقة. والقول بعدم الفساد لمالك في العتبية والموازية، ففيهما: إذا اشترى قوم قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ فلم ينقدوا حتى فصلت القلادة وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، ثما أرادوا نقض البيع لتأخر النقد، ولم يرض بتأخيره، وإنما هو رجل مغلوب.
وتأول أبو بكر بن عبد الرحمن هذه الرواية على أن المذهب فيها يسير تابع للحجارة، وأما إن كانت الحجارة يسيرة والذهب كير فيفسخ البيع.
ابن يونس: وفيه نظر، لأنه لو كانت العلة ما ذكر لبينها مالك وابن القاسم، وإنما لم يبطله مالك، لأن البائع مغلوب- كما ذكر- واتهم المشتري على قصد البطلان فعوقب بنقيض قصده.
ابن عبد السلام: والنفس أميل إلى عدم الفساد.
وذكر اللخمي الخلاف في الغلبة، سواء غلبا معًا أو غلب أحدهما. وجعل ابن شاس ذلك خلافًا مركبًا، هل يصح إذا غلبا معًا أم لا؟ وعلى البطلان فيما إذا غلبا، فهل يبطل إذا غلب أحدهما، قولان. قال: والصحيح في الصورتين ما اختار أبو بكر.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
ولو وكل فقولان
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، أي: وكل على القبض وهو ظاهر، ولا إشكال في الجواز إذا وكله على العقد والقبض، كما لو تولاهما بنفسه. أما إذا تولى في أحدهما ووكل في الآخر ولم يغب، وليس فيها إلا أن العاقد غير القابض، فذكر المصنف قولين، وظاهرهما الجواز والمنع.
وأضاف المازري إلى ابن القاسم أنه قال: لا خير فيه. قال: وأمضاه أشهب إن وقع، وقال يفسخ إذا افترقنا قبل قبض الوكيل.
وقال ابن وهب: لا بأس به. قال: وبعض الشيوخ ينسب لابن القاسم أن من شرط صحة الصرف أن يكون العاقد هو القابض، وغيره إنما يشترط في صحته حصول القبض على الفور فقط من غير اعتبار كون العاقد هو القابض.
ولو وكل في القبض وغاب، فالمشهور المنع
يعني: ولو وكل أحدا لمتصارفين بعد انعقاد الصرف على قبض ما وجب له وغاب الموكل، فالمشهور المنع.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر الروايات ونص عليه أشهب. وحمل اللخمي ما وقع في المذهب من المنع على الكراهة، وإن كان ظاهرًا من جهة الدليل- لأن المناجزة المطلوبة قد حصلت ولم يقم دليل على اشتراط اتحاد العاقد والقابض- لكن ظاهر الروايات يأباه.
المازري: ولا خلاف في المذهب منصوص في النهي عن ذلك وفسخه إن وقع، لكن بعض أشياخي يحمل المنهي عن ذلك عن الكراهة، وعلى هذا فمقابل المشهور من كلام المصنف هو قول اللخمي. والله أعلم.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
وفي غيبة النقد، المشهور المنع
يمنكن حمله على مسألة التسلف، ويرد هذا الوجه أن هذه المسألة ستأتي. وحمله ابن عبد السلام على أن المجرور معطوف على المجرور في الكلام الأول، أي: ولو وكل في غيبة النقد، قال: ولكن ذكره للأولى مغن عن هذه، لأنه إذا امتنع الوكيل مع حضور النقد على المشهور فأحرى مع غيبته.
ابن عبد السلام: ولا يصح حملها على الوديعة، لأنه سيتكلم عليها بعد ذلك، وحمله بعضهم على أنه قاعدة لما بعدها من الفروع المشتملة على غيبة النقد.
ورد بأن الفروع التي بعده مختلفة في المشهور كما [٤٢٢/ا] سيأتي. والأقرب هنا ما قاله بعضهم من حمله هنا على ما إذا كان النقد غائبًا عن موضع العقد غيبة قريبة كداره وحانوته، وفيهما قولان- كما ذكر- مشهور هما المنع.
ورد بأن مذهب المدونة في هذا الكراهية، ففيها: وأكره للصيرفي أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه ثم يخرج الدراهم، ولكن يدعه حتى يزن الدراهم فيأخذ ويعطي. وقد يقال: البعد في الدار والحانوت أكثر من البعد في إدخال الصيرفي الدينار التابوت فلا يكون ما في المدونة مخالفا.
وفي المواعدة مشهورها المنع
أي: في المواعدة على الصرف ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والكراهة.
ابن راشد: والمنع ظاهر المذهب. ابن عبد السلام: وهو المشهور، لأن فيها: ولو قال له المبتاع اذهب بنا إلى السوق بدراهمك فإن كانت جيادًا أخذتها منك كذا وكذا درهمًا بدينار لم يجز، ولكن يسير معه على غير مواعدة.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
ابن راشد: وهو عندي نص في المنع. وكذا قال ابن بشير: الكراهة محمولة على المدونة وظاهرها المنع.
ونسب اللخمي الكراهة لمالك وابن القاسم، وصرح المازري بأنها المشهور من المذهب. والجواز لابن نافع وابن عبد الحكم، والمنع لأصبغ.
أصبغ: ويفسخ إن وقع، وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ. وقال في سماع يحيي: إن وقع لم يفسخ.
اللخمي: ورأى أصبغ أن الصرف فاسد، وقاسه على المواعدة في العدة، لأن كليهما مبايعة.
واستبعد ابن عبد السلام التحريم. واستحسن اللخمي الجواز، وفرق بين هذا والمعتدة، بأن المعتدة إنما منعت مواعدتها خيفة أن تكون حاملًا حفظًا للأنساب. وأجاز ابن شاس هنا التعريض، وهو صحيح، لأنه إذا جاز التعريض في النكاح فهو هنا أولى.
والتأخير كثيرًا كالمفارقة
يعني: أن طول المجلس بعد التعاقد وقبل التقابض مثل المفارقة، يعني: اختيارًا بالأبدان في إفساد الصرف، لقوله ﵊: «إلا هاء وهاء).
يعني: وفي الخيار، المشهور: المنع
أي: المشهور منع عقد الصرف على الخيار، والشاذ الإجازة وهو لمالك في الموازية، لأن فيها: في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال أرجو أن يكون هذا خفيفا. محمد وغيره: هذا من قول مالك.
الباجي: وتحتمل هذه الرواية أن يكون المراد بها المواعدة وتقرير الثمن دون عقد، ولذلك قال: إن رضيهما أهله رجع فاستوجبهما، فذكر أن الإيجاب لم يقع بعد وإنما كان ذلك على سبيل تقرير الثمن إن رضيهما أهله. المازري: وهذه الرواية وإن كان فيها احتمال، لكن ما
[ ٥ / ٢٥٨ ]
نقله ابن شعبان من اختلاف قول قول مالك بالإجازة والمنع عليه يعول في نقل الخلاف في المذهب. وصرح الباجي والمازري بالمشهورية كالمنصف، وبنى المازري الخلاف على الخلاف المعلوم في عقد الخيار هل هو منحل أو منبرم؟ وهكذا حكى ابن شاس هذا الخلاف، وقال في المقدمات: لا خلاف أن الصرف فاسد سواء كانا جميعًا بالخيار أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار.
والصرف في الذمة وصرف الدين الحال يصح خلافًا لأشهب
قال شيخنا﵀-: إن جعلنا قوله: (والصرف في الذمة) ترجمة كما في بعض النسخ فلا إشكال، وإن أثبتنا الواو فصرف ما في الذمة تطارح ما في الذمتين، وهو أن يكون لواحد على الآخر دنانير وللآخر عليه دراهم فيتصارفان بما في ذمتهما، وصرف الدين الحال إذا كان من جهة واحدة فالمعروف من المذهب جوازه. قال في الجواهر: وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال فيه.
ومقتضى كلام المصنف: أن أشهب﵀- يخالف في المسألتين، وبذلك صرح ابن راشد وهو ظاهر، لأنه إذا منع أشهب فيما إذا كان الدين من أحدهما فأحرى إذا كان من جهتهما.
وقد نقل في الإكمال عن مالك وأصحابه جواز المسالتين، أعني: إذا صرف ما في ذمتهما أو في ذمة أحدهما، وهكذا مشى ابن راشد وغيره هذا الموضع، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. وطول ابن عبد السلام ها هنا بما ليس فيه كبير فائدة للفقيه.
والمؤجل، المشهور: المنع
أي: وصرف الدين غير الحال يمتنع على المشهور، بناء على أن المعجل لما في الذمة يعد مسلفًا، وإذا حل الأجل يقتضي من نفسه فلم يحصل التناجز، وعلى الشاذ بالبراءة يجوز الصرف هنا.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
فإذا تسلفا أو أحدهما وطال بطل اتفاقًا، وإن لم يطل صح خلافًا لأشهب
هذه المسألة يلقبونها بالصرف على الذمة. قال في التهذيب: وإن اشتريت من رجل عشرين درهمًا بدينار وأنتما في مجلس، ثم استقرضت أنت دينارًا من رجل إلى جانبك واستقرض هو الدراهم من رجل إلى جانبه، فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم، فلا خير فيه. ولو كانت الدراهم معه واستقرضت أنت الدينار، فإن كان أمرًا قريبًا كحل الصرة ولا تبعث وراءه ولا تقوم لذلك جاز، ولم يجزه أشهب.
والحاصل منه: أنهما إن تسلفا، فاتفق ابن القاسم وأشهب على الفساد، لأن تسلفهما مظنة الطول فلا يجوز وإن لم يطل، لأن التعليل بالمظان لا يختلف الحكم فيه عند تخلف العلة كالقصر في الصلاة للمملوك.
ابن راشد: وإن تسلف أحدهما وطال فكذلك، وإن لم يطل فالخلاف. وعلى هذا ففي كلام المصنف مناقشة، لإيهامه أن خلاف أشهب جار [٤٢٢/ب] في تسلفهما معًا، إلا أن يجعل قوله: (وطال) قيد في تسلف أحدهما.
واختلف الشيوخ هل الخلاف في تسلف أحدهما مقيد بما إذا لم يعلم الذي عقد على ما عنده أن الآخر لم يعقد على ما ليس عنده، وأ/اإن علم ذلك فيتفق على البطلان أو الخلاف مطلقًا علم أو لم يعلم؟ على طريقين حكاهما المازري.
والمغضوب الغائب إن كان مصوغًا، فالمشهور: المنع
وجه المشهور: أنه متعين فيقع الصرف من غير قبض في الحال. ووجه الجواز: كونه في الذمة فأشبه الحاضر، هذا معنى كلام المصنف.
ابن عبد السلام، وقال غيره: إن علم وجود المغصوب حين التعاقد فالقولان، وهما جاريان على صرف الوديعة الغائبة عن موضع التعاقد، وإن لم يعلم وجوده حينئذ فلا تجوز
[ ٥ / ٢٦٠ ]
المصارفة عليه، لاحتمال أن كيون قد تلف فيلزم الغاصب القيمة والمصارفة بجنسها فيؤدي إلى التفاضل.
فإذا دهب فعلى خلاف صرف الدين، لأنه يضمن قيمته أو زنته
أي: فإن ذهب هذا المصوغ وجب ضمانه على الغاصب، جازت المصارف عليه حينئذ على المشهور في جواز صرف ما في الذمة، ثم ينظر فيما يتعلق بذمة الغاصب هل قيمته أو مثله، والمشهور القيمة، بناء على أن الشيء إذا كان مثليًا ثم دخلت فيه صنعة، هل يصير من المقومات أو المثليات كالغزل؟
قال شيخنا﵀-: وصرفه على القولين مشكل، لأنا إذا قلنا بالقيمة، فقد يكون وزنه خمسة دنانير ويساوي الآن مائة وعشرين لصنعته وصرف الدينار عشرين، فيأخذ ستة عن خمسة وهو ربا فضل ونساء.
وإن قلنا: يأخذ مثله كسوار مثلًا، فإنه يأخذ عن ذهب فضة أو بالعكس وذلك صرف مستأخر. ودليله: أنهم قالوا فيمن استهلك طعامًا فلا يأخذ عنه طعامًا من غير جنسه، إذ هو طعام بطعام إلى أجل فاعرفه.
فإن بقي على حال خيار أخذ العين أو التضمين، فعلى خلاف إحضار العين وخلاف صرف الدين
أي: فإن لم تذهب عينه بالكلية، ولكنه تعيب عيبًا يوجب لصاحبه الخيار في أخذه أو تضمينه الغاصب، وإن اختار أخذه فإن أحضره ثم صارفه عليه جاز اتفاقًا، وإن لم يحضره فالمشهور المنع، وإن اختار أخذ القيمة فهي دين له في ذمة الغاصب، فإن أراد مصارفته عليها جاز على المشهور.
وقال في الجواهر: والمشهور جار على أن من خير بين شيئين لا يعد منتقلًا، بل يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، وأما إن عددناه منتقلًا فلا يجوز صرف أحدهما.
[ ٥ / ٢٦١ ]
فإن كان مسكوكًا، فالمشهور: الجواز
هذا قسيم قوله: (مصوغًا) أي: وإن كان المغصوب مسكوكًا، فالمشهور جواز صرفه، وفي معناه ما لا يعرفه بعينه من المكسور والتبر.
قال الباجي: بناء على أن النقود لا تتعين
أي: أن الباجي أجرى القولين في إجازة الصرف ومنعه على القولين في أن الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ فمن رأى عدم التعيين أجاز، لأنها حينئذ تتعلق بذمته وإبراؤه منها قبض. وإن قلنا: تتعين امتنع كما في المصوغ.
ورده ابن بشير بأن المشهور: تتعين، وبالاتفاق في ذوي الشبهات
أي: رد ابن بشير كلام الباجي بوجهين، أحدهما: أن الدراهم والدنانير في الصرف تتعين على المشهور فكيف ينبني المشهور على الشاذ. والثاني: أنهم اتفقوا أنها تتعين بالنسبة إلى من كان ماله حرامًا أو كان في ماله شبهة، فإذا أراد من هو من أهل الخير أخذ عين دنانيره ودراهمه من الغاصب الذي ماله حرام أو فيه شبهة مكن من ذلك اتفاقًا، ويكون وجه الرد على الباجي من هذا الوجه: أنه بنى المشهور على وجه اتفق على عدمه. ونبه المصنف بالأدنى وهو ذو الشبهة، على الأعلى وهو من كان ماله حرامًا. وما حكاه المصنف عن ابن بشير تبع فيه ابن شاس وليس هو فيه تنبيهه، فلعلهما اطلعا على ذلك في غيره. وانظر الاتفاق الذي حكاه المصنف مع قول ابن الجلاب: ومن غصب دراهم فوجدها ربها بعينها فأراد أخذها وأبى الغاصب أن يردها وأراد رد مثلها، فذلك للغاصب دون ربها، قاله ابن القاسم.
فائدة: الدراهم والدنانير تتعين في ذوي الشبهات على المشهور، نقله ابن عبد السلام وتتعين في باب الصرف على المشهور حرصًا على المناجزة، نقله ابن بشير. وكذلك نقل
[ ٥ / ٢٦٢ ]
صاحب المقدمات، فقال: مذهب مالك وجمهور أصحابه في الصرف أنها إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنه تعين إما بالقبض أو المفارقة.
وحكى المازري الاتفاق على أنها تتعين بالمفارقة. وقال ابن القصار: الظاهر من المذهب أنها لا تتعين.
المازري: وفي كونه الأظهر نظر، لأن في المدونة ما يدل على اختلاف قول ابن القاسم في هذا، ففي السلم: أنها لا تتعين، لأن فيه: إذا أسلمت إليه في طعام أو غيره ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها، فذلك له وإن كنت اشترطت استرجاعها بعينها.
وفي كتاب كراء الرواحل: من اكترى بدنانير معينة ولم يشترط النقد ولا كانت العادة النقد، فإن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف.
وقال أشهب: لا يفتقر إلى هذا الشرط، والحكم يوجب الخلف. فهذا من ابن القاسم ذهاب إلى أنها تتعين، لأنه لم يلزم خلفها إذا ضاعت إلا بالاشتراط.
وبعض أشياخي يشير إلى أن المذهب على ثلاثة أقوال، التعيين، وعدمه، والثالث: يتعين في جانب [٤٣٣/أ] المشتري دون البائع. فالأوليان مبنيان على الخلاف في الوفاء باشتراط ما لايفيد، ورأى في الثالث أن المشتري إذا اشترط التعيين كان له غرض صحيح في اشتراط تعيينها، لأنه يمكن ألا يكون عنده سواها فيشترط تعيينها لئلا يكلف خلفها إن ضاعت، بخلاف البائع فإنه لا يظهر لاشتراطه فائدة. انتهى.
وعلله بأن الأصل تعلقها بالذمة ولا تعرف بعينها
لما رد ابن بشير توجيه الباجي ذكر هو توجيهًا حاصله: أنا وإن قلنا أنها تتعين، فهي مضمونة بوضع اليد عليها ولا تعرف بعينها، وإذا كانت لا تعرف شابهت الدين،
[ ٥ / ٢٦٣ ]
والمشهور جواز صرفه. ولا يريد ابن بشير أن كل واحد منهما علة مستقلة، وإلا لزم جواز صرف المصوغ لتعلقه بالذمة بوضع اليد.
والرهن، والعارية، والمستأجر، والوديعة إن كان مصوغًا فكالمغضوب، وإن كان مسكوكًا، فالمشهور: المنع
قوله: (فكالمغضوب) يعني: إما أن يبقى على حاله أو يتلف، أو يبقى على حال خيار كما في المغضوب، غير أن الوديعة لا ضمان فيها وكذلك المستأجر. فمعنى (فكالمغضوب) أنه إذا كان حاضرًا جاز، وإن كان غائبًا فالمشهور المنع، وإن وجبت القيمة جاز على المشهور.
قوله: (وإن كان) أي: الغائب مسكوكًا، فالمشهور: المنع. والفرق بين هذه المواضع والمغضوب، أنه في هذه غير متعلق بالذمة ولم يزل في ملك ربه، والمغضوب قد تعلق بذمة الغاصب بوضع يد العداء عليه، فلذلك تعاكس المشهور. وظاهر قوله: (وإن كان مسكوكًا) يقتضي أن المسكوك تتصور فيه الإجارة والعارية. وقد قال المصنف في الإجارة: المشهور منع إجارتها، وقيل: إن لازمها ربها صح. وقال في العارية: لا تصح إعارة الدنانير والدراهم وأن إعارتها قرض. ويجاب عنه: بأن هذا من باب صرف الكلام لما يصلح له وحذف ذلك للعلم به، ولما سيأتي، وشهرته عند طلبة العلم. وكلامه في الجواهر أحسن من كلام المصنف، لأنه لا يرد عليه هذا، لأنه قال بعد ذكر مسائل: المسالة الرابعة صرف المرهون، فإن كان مصوغًا ففيه قولان، المنع حتى يحضر، والجواز نظرًا إلى مكان التعلق بالذمة، وإن كان مسكوكًا فأجيز في رواية محمد ومنعه ابن القاسم. والجواز لاحدى علتين، حصول المناجزرة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة فأشبه المغصوب، إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة على تلفه، وقولان إن قامت، والمنع نظرًا إلى الحال وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
الخامسة: صرف الوديعة، وفي الكتاب المنع منه، وروى أشهب الجواز في المسكوك منها. واختلف في تعليله على طريقين، إحداهما: أنه مبني على أن يعقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله الباجي. قاله الباجي: ويجب على هذا ألا يجوز في الحلي باتفاق.
والطريق الثاني: النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ، وقد ظهر تعليل بما قدمناه في المرهون.
فرعان:
أحدهما: العارية وحكمها حكم الرهن، قاله الباجي. قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
الثاني: المستأجر وحكمه حكم الوديعة. انتهى كلامه في الجواهر.
والصرف على التصديق في الوزن والصفة ممتنع خلافًا لأشهب
أي: إذا تصارفا وصدق أحدهما أو كل منهما الآخر في الوزن أو الصفة، فالمشهور المنع، وعلل بمراعاة الطوارئ، إذ يحتمل أن يوجد على غير تلك الصفة فيصير العقد مترقبًا حله. وما عزاه المصنف لأشهب تبع فيه اللخمي والمازري، وعزا صاحب البيان إليه المنع.
ووجه الجواز: أن النفوس مجبولة على حب المال، فلا يصدق المخبر إلا إذا كان من أهل الدين أو قامت قرينة فلا يتهم على تضييع حق الله تعالى. ومن هذا تبادل الطعامين، فابن القاسم منعه على التصديق، وحكى عنه الإجازة في بدل الطعامين دون الصرف. وعلى جواز التصديق في الصرف يجوز في تبادل الطعامين بل هو أولى، ومنعه ابن نافع في تبادل الطعامين فأحرى في الصرف.
فائدة:
قال بعضهم: لا يصدق في الوزن والكيل في مسائل، المبادلة: فلا يصدق فيها في وزن ولا عدد لئلا يوجد نقص فيدخله التفاضل والتأخير. والطعام الربوي بجنسه أيضًا. والقرض:
[ ٥ / ٢٦٥ ]
لئلا يوجد نقص فيلتزمه المقترض عوضًا عن معروفه فيجر نفعًا. والطعام المبيع إلى أجل: لئلا يلتزم النقص لأجل تأخيره، ورأس مال السلم، والمعجل قبل أجله، والصرف.
ونقص المقدار بالحضرة إن رضي به أو بإتمامه ناجزًا صح
لما قدم الكلام على الافتراق أتبعه بما يطرأ على العقد من نقص أو استحقاق. والباء للظرفية، والمجرور في محل حال، وتقدير كلامه: إن رضي الأخذ بالنقص أو رضي الدافع بإتمامه، فحذف رضي من الثاني لدلالة الأول عليه، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.
وقوله: (ناجزًا) من تمام الثانية، ويدل على محذوف مثله في الأول.
وإن لم يرض وكان غير معين أجبر الممتنع، وفي المعين قولان
أي: وإن لم يرض الدافع بالإتمام ولا الأخذ بالنقص، فإن كان العقد وقع على دراهم أو دنانير غير معينة أجبر من امتنع منهما على إتمام ما دخلا عليه. واختلف: هل يجبر الممتنع إن دخلا على معين. ولعل سببهما الخلاف في الدراهم [٤٣٣/ب] والدنانير هل تتعين بالتعيين أو لا؟
وإن كان بعد المفارقة أو الطول، فإن قام به انتقض على المنصوص كتأخير البعض، وإن لم يقم، فثالثها: إن كان قليلًا صح
يعني: فإن وجد نقص المقدار بعد افتراقهما من المجلس أو بعد طوله، فإن أقام به وأخذ النقص بنقصه، فحكى الباجي والمازري: أنه لا خلاف في نقض الصرف. وأجرى ابن شاس فيه قولًا بالصحة من الشاذ في تأخير البعض بل هنا أولى، لعدم الدخول عليه. واعلم أن تأخير البعض له صور:
[ ٥ / ٢٦٦ ]
الأولى: أن يقع بشرط، ففي المقدمات: الاتفاق على بطلان الجميع. وخرج ابن القصار قولًا بإمضاء المتناجز فيه من أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا، وذكره اللخمي قولًا صريحًا.
الثانية: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخرا شيئًا، ففي المقدمات: ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، إن كان درهمًا انتقض صرف دينار ما بينه وبين أن يكون الذي فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينار آخر ثم كذلك.
واختلف فيما وقعت فيه المناجزة، فمذهب ابن القاسم في المدونة بطلانه، وهو قول محمد، ولابن القاسم في الموازية قول بصحته.
وخص المازري، وابن شاسن وابن بشير هذا الخلاف بما إذا كان المؤخر أقل الصفقة، وأما إن كان أكثر الصفقة فينتقض بالاتفاق، إلا ما خرجه ابن القصار، وجعل ابن بشير النصف كالكثير في الاتفاق عليه.
وقال المازري: علم من المذهب قلة النصف في العروض، وأما الطعام فالنصف فيه عند ابن القاسم في حكم الكثير، وقال أشهب: الطعام كالعروض.
وظاهر ما قاله في المدونة: إن النصف في الدراهم والدنانير في حكم القليل، لقوله فيمن صرف مائة دينار بألفي درهم فلم يجد إلا خمسين: إن الصرف ينتقض، بخلاف ما لو وجد الخمسين زيوفًا، فإنه إنما ينتقض بقدرها، لكون الزيوف لا يفسد الصرف بوجودها. انتهى.
الصورة الثالثة: أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان، أو غلط، أو سرقة من الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه، أو أحدهما، فيمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
ابن رشد: واختلف هل ينتقض فيما لم يحصل فيه التناجز إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه دينارًا بدراهم فيجد في الدراهم درهمًا ناقصًا، فيقول: أنا أتجاوزه، أو لا ينتقض من الصرف شيء، على قولين، أحدهما: أن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار، إلا أن يزيد النقص عليه فينتقض ديناران. والثاني: أن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان كالزائف إذا رضي به.
قوله: (وإن لم يقم) أي: فإن رضي الأخذ بالنقص ولم يقم به، فحكى المصنف تبعًا للمازري وابن شاس ثلاثة أقوال. المازري: وهو روايات:
الأولى: يفسخ جميع الصرف، لكون الفساد قد دخل بعضه فسرى إلى كله.
والرواية الثانية: أنه يمكن من ذلك ولا يفسخ ما تناجزا فيها، كما يمكن من الرضى بالزيوف.
والثالثة: تمكينه من ذلك إن كان النقص يسيرًا، والمنع منه إن كان كثيرًا.
ابن عبد السلام: وأكثرهم على أنه لا يفسخ.
خليل: والأقرب هو الثالث، لأنه الذي تسمح به النفوس، والمشهور: جواز الرضى مطلقًا، لكن بشرط أن يكون النقص في الوزن، وأما إن كان النقص في العدد فإنه لا يجوز الرضى على المشهور.
والقليل: ما تختلف به الموازين. وقيل: دانق في دينار، ودرهم في مائة
هذا فرع على القول الثالث، وجعل صاحب المقدمات اختلاف الموازين توفيقًا بين قولي ابن القاسم، فإنه روى اغتفار الدانق والدانقين مرة وعدم اغتفارهما مرة، وأنه رأى في الأولى: أن ذلك القدر مما تختلف به الموازين. وفي الثانية: أنه مما لا تختلف به، وأنه لا خلاف في اغتفار ما تختلف به الموازين.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
قال شيخنا- رحمه الله تعالى-: وليس المراد بالدانق في القول الثاني ما سيأتي وهو السدس، بل الدانق في اصطلاح الْحُسَّابِ: أن الدينار أربعة وعشرون قيراطًا وكل قيراط أربعة دوانق، فيكون الدانق جزءًا من ستة وتسعين جزءًا ليكون مناسبًا للدرهم في مائة.
قيل: وتبع في قوله: (ودرهم في مائة) ابن شاس، والمنقول إنما هو الدرهم في الألف. وروى أصبغ عن ابن القاسم في الموازية: إن نقصت الألف درهم مثل الدرهم فهو خفيف. والدانق بفتح النون وكسرها، الجوهري: وربما قالوا داناق.
ونقص الصفة إن كان كرصاص، فكالمقدار على الأظهر
لما كان النقص قسمين، نقص مقار، ونقص صفة. وتكلم على نقص المقدار اتبعه بالكلام على نقص الصفة. وإدخاله ما كان كالرصاص في نقص الصفة فيه تجوز والعلاقة المشابهة، فإنه شابه الزائف في وجوده حسًا، والقولان للمتأخرين، قاله ابن بشير.
وقوله: (كالمقدار) أي: إن رضي به أو بإتمامه إلخ. التفصيل: ووجه الأظهر أن وجوده كعدمه. ورأى مقابله أن هذا هنا مقبوض، وكونه لا قيمة له لا يضر كما في المشغوش.
وإن كان مغشوشًا فإن رضي به صح
كالمعاير بمصر، وتسميه المغاربة النحاس، وفي المدونة الستوق. الباجي، والمازري: ولا خلاف فيه، لأن القبض في المقدار المعقود عليه حصل، وإنما وقع النقص في صفته فله الرضى به كسائر العيوب.
وإن لم يرض وكان غير معين، فقولان: النقص، وجواز البدل. وفي المعين طريقان: جواز البدل، والقولان
[٤٤٤/أ] أي: وإن لم يرض قابض المغشوش به، فإن كان الصرف بينهما على دراهم ودنانير غير معينة، كما لو قال: بعني عشرة دنانير بمائتي درهم، فقولان، أحدهما: النقض.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
المازري: وهو المشهور. والثاني: جواز البدل لابن وهب. وحكى اللخمي هذين القولين فيما إذا وقع التعيين من جهة دون أخرى، ولم يحك في البطلان إذا لم يحصل التعيين خلافًا. وبنى المازري وغيره الخلاف على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فلا يجوز لعدم المناجزة، أو نقض له الآن وابتداء مبايعة فيجوز.
وإن كان الصرف بينهما على شيء معين، كما لو قال: بعني هذا الدينار بهذه العشرين درهمًا، فحكى المصنف طريقين، إحداهما للخمي، وأصلها لأبي بكر بن عبد الرحمن: أن المذهب كله على إجازة البدل، لأنهما لم يفترقا وفي ذمة أحدهما شيء، فلم يزل مقبوضًا إلى وقت البدل لأنهما لم يفترقا، بخلاف غير المعين فإنهما تفرقا وذمة أحدهما مشغولة.
والثانية، قال في الجواهر: هي لجل المتأخرين، وأصلها لابن الكاتب أن القولين في هذه كالتي قبلها، ولا فرق بين التعيين وعدمه، ولذلك أدخل المؤلف الألف واللام التي للعهد على القولين، وهذه الطريقة أشد، لتقدم الخلاف في الدنانير والدراهم، هل تتعين بالتعيين أم لا؟
ابن عبد السلام: ولم يتعرض المصنف في هذا الفصل للنقض، هل هو في القليل أو الكثير كما تعرض لذلك في الذي قبله، ومسائلهم تدل على تخصيص القليل.
وإذا قيل بالنقض للنقص مطلقًان فخمسة: فقيل ينقض الجميع مطلقًا، وقيل: إن لم يسم لكل دينار. وقيل: دينار. وقيل: أو كسر إن كان النقص مقابله أو أقل. وقيل: ما قابل النقص
أي: وإذا انتقض الصرف لأجل النقص مطلقًان أي: في المقدار، والصفة، والتعيين وعدمه، فخمسة أقوال- ولذلك أتى بالتاء-:
الأول: ينتقض الجميع، وعزاه اللخمي لابن القاسم في العتبية، لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطل كلها.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
والثاني: ينتقض الجميع إن لم يسم لكل دينار شيئًا، كما إذا قال: هذه العشرة دنانير بمائتي درهم. وأما إن سمي، كقوله: كل دينار بعشرة، فإنما ينتقض في دينار إن لم يقابل الزائف أكثر منه، وهو للقاضي إسماعيل، وابن الجلاب، وعبد الوهاب.
وزعم الباجي: أن الخلاف يرتفع إذا سمى لكل دينار وأنه لا ينتقض إلا دينار، وإنما الخلاف إذا لم يسم. ورد عليه المازري: بأن الروايات وقعت مطلقة وإنما فصل هذا التفصيل من تقدم ذكرهم.
والقول الثالث: إنما ينتقض دينار واحد سمي أو لا، المازري، وابن راشد، وابن عبد السلام وغيرهم، وهو المشهور.
والقول الرابع: أنه ينتقض صرف أصغر الدنانير. والفرق بينه وبين الثالث، أنه على الثالث ينتقض صرف دينار كامل ولا ينتقض على الرابع إلا صرف أصغر الدنانير، وتبع في هذا ابن شاس، وابن بشير. وفي نقلهم نظر، لأن المازري وغيره إنما ذكروا أربعة أقوال وجعلوا القول بنقض الدينار أو أقل منه قولًا واحدًا، ونحوه لابن يونس.
المازري: وإذا تقرر أن المذهب المشهور اختصاص الفسخ بدينار، فإنه يقتصر في ذلك على أقل ما يوجد في الدنانير. ونقله الباجي أيضًا عن ابن القاسم فقال، قال ابن القاسم: يرد منها أصغر قرض.
الخامس: على نقل المصنف ينتقض ما قابل النقص. اللخمي، والمازري: وهذا بناء على القول بجواز أن يصرف بعض دينار. وسبب الخلاف، هل المجموعة في مقابلة الأجزاء، أو الأجزاء في مقابلة الأجزاء، أو يفصل بين أن يسميا شيئًا أو لا، لأنهما إذا سميا لكل دينار شيئًا صارت كأنها عقود متفرقة.
[ ٥ / ٢٧١ ]
تنبيه:
جعل اللخيم محل هذا الخلاف إذا وقع الصرف على غير معين، وأما إن وقع على معين، فإن قابل الزائف دينار واحد أو وجد العيب بدينار واحد، ينتقض صرف دينار واحد بالاتفاق.
فرع:
ولو كان في الصرف سكك مختلفة، فقال أصبغ: يختص الفسخ بالدينار الأعلى والأطيب. وقال سحون بفسخ الجميع.
وشرط البدل: الجنسية، والتعجيل خلافًا لأشهب فيهما
قرره ابن راشد على ظاهره. وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: هذا الخلاف الذي ذكره لا يعرف في البدل، وكيف يكون في البدل ومذهب ابن القاسم وأشهب منعه، وإنما هو في الصلح عن القيام بالعيب، ولذلك قال ابن عبد السلام: إنما يعرف هذا الخلاف لابن القاسم وأشهب في مسألة الطوق المذكورة أول الصلح. وقد ذكرها المصنف في الصلح، وسيأتي الكلام عليها.
خليل: ولعل المصنف بنى على أن لازم القول قول، فنسب لابن القاسم وأشهب ما ذكره. وقد خرج اللخمي قولي ابن القاسم وأشهب من مسألة الطوق في هذه المسألة ونصه: وإن لم يرد، أي: الزائف، وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسالة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال، فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه إليه نقدًا ولا يرده إلى أجل. وأجازه أشهب نقدًا وإلى أجل. ومنعه سحنون إذا افترقا فيهما.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز وإن كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا لا نقدًا ولا إلى أجل، والجواز أحسن.
وفي ابن يونس: إذا باع طوق ذهب بألف درهم، ثم وجد بالطوق عيبًا فصالحه بائع الطوق على دنانير أو دراهم، فقال ابن القاسم: يجوز ذلك إن كانت الدراهم من نوع الدراهم [٤٤٤/ب] التي قبض منه، وإن كانت من غير سكة ما قبض منه لم يجز، وكذلك لو صالحة على نقرة، وقال أشهب: لا باس بذلك كله.
والمزيد بعد الصرف كجزئه، وقيل: كالهبة
أي: من صارف رجلًا دينارًا مثلًا بدراهم، ثم زاد أحدهما صاحبه زيادة لأجل الصرف، فإنه إذا فسخ الصرف لفساد في العقد، فإنه يرد جميع ما أخذ مع المزيد، وهذا معنى قوله: (كجزئه) وقيل: كالهبة، فلا يرد إلا المدفوع أولًا ولا يرد المزيد، ويحتمل أن يريد بقوله: (كجزئه) أنه اطلع على عيب في المزيد أن له القيام ونقض الجميع. (وقيل: كالهبة) فلا قيام له إن اطلع فيه على عيب.
ورأينا أن نأتي بالمسألة من المدونة ثم نذكر ما يتعلق بها ونبين ما هو الأليق بكلامه، قال فيها: وإن صرفت من رجل دينارًا ثم لقيته بعد أيام، فقلت له: قد استرخصت مني الدينار فزدني فزادك دراهم نقدًا أو إلى أجل، فجائز ولا ينتقض الصرف، وليس لك رد الزيادة لعيب فيها، وإن كان الدينار رديئًا فرددته أخذ منك الذي زادك مع دراهمه، لأنه للصرف زادك فترده برده. وكذلك الهبة بعد البيع للبائع إن رد السلعة بعيب أخذها.
ولأشهب عن مالك في الموازية: أنه يبدل المزيد الزائف. فحمله بعض الأشياخ على الخلاف، وبعضهم على الوفاق، ولهم في التأويل وجهان، أحدهما لابن القاسم وغيره: أن
[ ٥ / ٢٧٣ ]
ما في الموازية محمول على إيجاب الزيادة، لأنه قال فيها: لقيته، فقال: نقصتني من صرف الناس فزدني فزاده، أنه يفهم إذا زاده فقد ألحقه بصرف الناس وقد أوجب الزيادة.
والتأويل الثاني ذكره صاحب النكت عن بعض شيوخه: أن الخلاف مبني على تحقيق فرض المسألة، فإن قال له: أزيدك هذا الدرهم فوجده زائفًا فلا يرده، لأنه إنما رضي أن يهبه ذلك الدرهم على ما هو به فلا يلزم بغيره. وإن قال: أزيدك درهمًا فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهمًا فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهما جيدًا، وإليه ذهب اللخمي.
ورد المازري هذا التفصيل، لأن في المدونة ما يمنعه، لأنه قال فيها: فزاده درهمًا نقدًا أو إلى أجل، والذي إلى أجل هو في الذمة. وقد نص على أنه ليس عليه بدله. وفي كلام عبد الحق إشارة إلى الجواب، لأنه تأول قوله: إلى أجل. على أنه قال له: أنا أزيدك، أو قال: تأتني عند أجل كذا وكذا، ثم عند الأجل أتاه فأعطاه درهمًا فوجده زائفًا فليس عليه بدله، لأنه رضي بما دفعه غليه ولم يلزم غيره، بخلاف قوله: أزيدك درهمًا. فإنه يحمل على الجليد.
وقال القاضي إسماعيل: الزيادة كالجزء يبطل الصرف بتأخرها كما لو تأخر جزء من الصرف، ونص كلامه في المبسوط: إن كان الذي زاده بعد المصارفة إنما هو لإصلاح ما مضى ولمخالفة أن ينتقض ما بينهما، أو لمعنى من المعاني، فإن الزيادة تبطل الصرف. واستدل بقول عبد الملك في رجلين اشتريا شاة من رجل، ثم إن البائع وضع لأحدهما شيئًا من الثمن، فإن كان ذلك شيئًا يشبه إصلاح ذلك البيع فهو بينه الشريكين، وإن كان لا يشبه إصلاح ما مضى، مثل أن يحط عنه أقله أو أكثره فإنما هي هبة وليست من البيع. فإذا تقرر هذا فادعى بعض من تكلم على هذا المحل أن الحق هنا حمل كلام المصنف على الوجه الثاني، أي: هل ينتقض الصرف بتأخيرها؟ قال: وهو مذهب القاضي إسماعيل. أو لا ينتقض؟ قال: وهو مذهب المدونة.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
خليل: وفيه نظر، لأنه يلزم أن يكون المصنف قدم غير المشهور. وقال ابن عبد السلام: إن قوله في المدونة يوافق القول الأول على الاحتمال الأول، أي: إذا رد، رد الزيادة. قال: ويكون القول الثاني على الاحتمال الثاني من تمامه.
ولو استحق المسكوك بعد المفارقة أو الطول أو التعيين انتقض على المشهور، وإلا فالعكس
أي: إذا اصطرفا بمسكوك من الجانبين أو من جانب فاستحق المسكوك بعد المفارقة، أو بعد أن طال المجلس ولم يفترقا، أو كان المسكوك المعقود عليه معينًا وإن لم يحصل طول ولا مفارقة، فإن الصرف ينتقض على المشهور، إذ لا يلزمه غير ما عين، وإن لم يعين فقد تعينت بالقبض أو المفارقة على ما نقله ابن رشد كما تقدم. ورأى في الشاذ أنها لا تتعين، فيجبر على البذل في الثلاثة.
وقوله: (وإلا فالعكس) أي: فإن لم تكن مفارقة ولا طول ولا تعيين لم ينتقض. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: والمراد بالعكس عدم النقض فقط، لا باعتبار دخول الخلاف وانعكاس المشهور، لأنه إذا لم يكن طول ولا افتراق ولا تعيين أجبر على البدل إذا كان عنده غيرها اتفاقًا.
وكلام المصنف قريب من كلام صاحب الجواهر، وذكر أن المشهور مذهب المدونة، وعزا الشاذ لأشهب، وجعل هذا الخلاف إذا حصلت المفارقة أو الطول.
وقال ابن الكاتب: إنما اختلاف ابن القاسم وأشهب إذا حصل استحقاق بالحضرة، فعند ابن القاسم لا يلزمه الإتيان بمثلها سواء وقع الصرف على معين أم لا، وعند أشهب لا يلزمه ذلك إذا كانت الدراهم معينة، وأما إذا كانت غير معينة فينتقض.
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وذكر ابن عبد السلام أن القرويين اختلفوا في محل القولين اللذين في المدونة، هل هو عند الاقتران أو الطول، أو عند عدم كل واحد منهما. ولنذكر لفظه في المدونة ليتبين لك الفهمان، قال فيها: ومن اشترى إبريق فضة بدنانير أو دراهم، فاستحقت الدنانير أو الدراهم انتقض البيع لأنه صرف، ومن صرف دنانير بدراهم فاستحقت الدراهم [٤٤٥/أ] انتفض الصرف. وقال أشهب: لا ينتقض إلا أن تكون دراهم معينة يريه إياها، وإنا باعه بدراهم عنده أو من كيسه أو تابوته فعليه مثلها مكانه ما لم يفترقا.
ابن القاسم: ولو أنه إذا استحقت ساعة صارفه، قال: خذ مثلها مكانه قبل التفرق جاز، ولو طال أو تفرقا لم يجز.
فقوله في قول أشهب: مكانه ما لم يتفرقا. دليل على أنه إنما يخالف إذا كان بالحضرة. وقوله في المدونة في أول المسألة: ينتقض الصرف. يحمل على ما إذا لم يكن بالحضرة.
تنبيهان:
الأول: قيد ابن يونس قوله في المدونة: إنها إذا استحقت وقال له ساعة صارفه: خذ مثلها جاز بما إذا تراضيا، وكذلك قال ابن المواز. وغمز أبو بكر بن عبد الرحمن ما قاله ابن المواز من اشتراط التراضي، قال: لأنه لو كان مراده أن الخلف إنما يجوز بالتراضي لم يكن لتقييد هذا الجواب بقوله: ما لم يفترقا معنى، لأنهما إذا افترقا وتراضيا على خلف الدراهم المستحقة صار ذلك مستأنفًا لا يمنع منه ما تقدم من عقد بطل باستحقاق الدراهم.
المازري: وهذا قد يعتذر عنه بأنه قيد بقوله: ما لم يفترقا، لأنهما إذا افترقا وتراضيا ببدل الدراهم المستحقة صار ذلك تتميمًا للعقد المتقدم الذي كشف العيب أنهما لم يتناجزا فيه، وقد تتطرق التهمة لكون العاقدين أو أحدهما قصد إلى ذلك في أصل العقد.
التنبيه الثاني: ما تقدم في متن كلام المصنف والتعيين ثابت في كل النسخ التي رأيتها، وكذلك ثبت ذلك في نسخة ابن رشد وسقط من نسخة ابن عبد السلام. والإثبات
[ ٥ / ٢٧٦ ]
موافق لكلام المازري وابن شاس، فإنهما أشارا إلى أنه إن حصل التعيين انتقض الصرف ولو مع الحضرة على المشهور، لأنهما نص على أن هذه المسألة تجري على الخلاف في تعيين الدراهم بالتعيين، وقد صرح اللخمي بذلك، أعني: بالنقض إذا كانت الدراهم معينة، سواء استحق بالحضرة أم لا، لكنه مخالف لما تقدم من أن ابن القاسم يجيز البدل في الدراهم مطلقًا، سواء كانت معينة أو لا، وإنما يأتي الإثبات على قول أشهب فتأمله.
ولو استحق المصوغ انتقض مطلقًا
يعني: لو وقع العقد على مصوغ من الجهتين أو أحدهما فاستحق، انتقض الصرف سواء كان بحضرة العقد، أو الافتراق، أو الطول، وإليه أشار بقوله: مطلقًا، لأن المصوغ يراد لعينه.
ثم إن كان لم يخير المصطرف، فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي
أتى بـ (ثم) للتراخي: أي: إذا عقد الصرف بمصوغ ثم انتقض بسبب الاستحقاق، فإن أراد المستحق إجازة العقد فلا يخلو المصطرف- وهو المشتري لهذا-: إما أن المستحق مخبر بأن المصوغ ليس ملكًا للدافع أو لا، فإن لم يخبره فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، أي: في المصوغ والمسكوك، قاله بعضهم وهو الظاهر.
وقال ابن عبد السلام: وهو عائد على الصورتين المفهومتين من السياق، وهما: كون الاستحقاق بحضرة الصرف أو بعد ذلك. قال: ويحتمل أن يعود الضمير على صورتين منطوق بهما، وهما: كون الاستحقاق بعد الطول وقبل المفارقة، والثانية بعد المفارقة، ورجح هذا على الأول بأن عود الضمير على منطوق به أولى.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
وقوله: (على المشهور). أي: لأن خيار المستحق أدى إليه الحكم. والشاذ لأشهب: يمنع كخيار الشرط. ونظيرها ما إذا قال لوكيله: أبدل لي فولًا بقمح فأبدله بشعير، وكذلك فيما يطلب فيه التناجز.
وأطلق المصنف في المشهور، وهو مقيد بحضور المصوغ، نص عليه في التهذيب.
وناقض سحنون قول ابن القاسم هذا بحضور اشتراط الخلخالين، بقوله فيمن استودع قمحًا فباعه بطعام مخالف: إن للمستحق إجازة البيع، ولم يشترط حضور القمح. والفرق أن المودع ضمن القمح بتعديه بالبيع فوجب في ذمته مثله فأخذ عنه تمرًا، ذلك جائز، إذ لا معنى لاشتراط حضور ما بقي في الذمة، بخلاف الذي تولى الصرف في مسألة الخلخالين فإنه غير متعد فلم تتعلق بذمته، فأشبه صرفها صرف الوديعة، فلذلك اشترط الحضور.
وناقض اللخمي والمازري قول أشهب هنا بقوله: في العبد يتزوج حرة بغير إذن سيده ويدخل بها، ثم توجد هي تزني، أن رجمها موقوف على إجازة السيد النكاح، فإن أجازه كانت محصنة ورجمت، وإن لم يجزه لم ترجم وحدت حد البكر، وهو اعتراض ظاهر.
فلو أخبره، فهو كصرف الخيار
أي: فلو أخبره دافع المصوغ أنه ليس له وأنه تولى الصرف فيه بغير إذن ربه، فهو كصرف الخيار الشرطي، وقد تقدم أن المشهور منعه.
والصرف والبيع ممتنع، خلافًا لأشهب إلا في اليسير
أي: أنه لا يجوز أن يجتمع في العقد بيع وصرف إلا في اليسير، وجوزه أشهب في اليسير والكثير. والاستثناء يحتمل أن يرجع إلى قوله: (ممتنع) ويحتمل أن يرجع إلى (خِلاف) أي: إلا في اليسير، فإن أشهب لا يخالف في ذلك. ووجه المشهور بوجوه:
[ ٥ / ٢٧٨ ]
أحدهما: أن اجتماع البيع معه يؤدي إلى ترقب حله بوجود عيب في السلعة.
ثانيها: لأن الصفقة قد جمعت بين عقدين مختلفي الأحكام، لأن الصرف لا يجوز فيه التأخير والخيار بخلاف البيع.
ثالثها: لئلا يؤدي إلى صرف بنسيئة، من حيث أن السلعة قد تستحق فلا يعلم ما يصيب الصرف من الثمن إلا في ثاني حال. سند: وليس هذا من باب النسيئة، [٤٤٥/ب] وإنما هو من باب الجهالة. ورأى أشهب أن العقد قد اشتمل على جائزتين فلا منع. فإن وقع على المشهور، فقيل: هو كالعقود الفاسدة يفسخ ولو مع الفوات، وقيل: هو من البياعات المكروهة فيفسخ مع القيام لا مع الفوات. ابن رشد: وهو المذهب.
فائدة: قال القذافي: لا يجتمع مع البيع يجمعها قولك: (جص مشنق) فالجيم: للجعالة. والصاد: للصرف، والميم: للمساقاة. والشين: للشركة. والنون: للنكاح والقاف: للقراض، لتضاد أحكامها.
ونظمها بعضهم فقال:
عقود منعناها مع البيع ستة ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف المساقاة شركة نكاح قراض منع هذا محقق
فإن كان الجميع دينارًا فيسير، وقيل: مع كون أحدهما ثلثا فأدنى، وقيل: مع كونه كالدرهم يعجز
الأول: هو مذهب المدونة، ولا يشترط فيه أن يكون الصرف أو البيع تابعًا، بل كيفما كان فهو جائز، لأن الضرورة داعية إلى الوقوف في مثل هذا كثيرًا.
والقول الثاني: عدم الجواز إلا بشرط التبعية، إما بأن يكون البيع تابعًا للصرف أو العكس، والتابع هو الثلث فأقل.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
والقول الثالث: لا يجوز الصرف والبيع في دينار إلا أن يكون البيع يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضًا بقدره لتحقق الضرورة، وهو قول عبد الوهاب.
ولابن القاسم في الموازية رابع: جواز كون الصرف في الدينار الواحد تابعًا الثلث فأقل، ومنع عكسه وهو كون البيع تابعًاز
فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فاليسير أن يكون البيع بأقل من دينار، وقيل: أن يكون ثلثا فأدنى
أي: فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فلابد أن يكون البيع في أقل من دينار، أي: لابد من اشتراك البيع والصرف في دينار، كما لو صارفه عشرة دنانير بمائة وتسعين ونصف إردب قمحًا والصرف بعشرين، وكلامه ظاهر التصور.
ونسب في الجواهر القول الذي صدر به المصنف لابن مناس، وذكر أن القول الثاني نقله ابن محرز عن بعض الأشياخ.
وأما إذا كان البيع أكثر لم يجز اتفاقًا، إلا في صرف أقل من دينار
يعني: أن الخلاف المتقدم إنما هو إذا كان الصرف أكثر، وأما إذا كان البيع الأكثر، فالاتفاق على أنه لا يجوز إلا إذا كان الصرف في أقل من دينار كالقول الأول.
والمراد بالاتفاق: اتفاق القائلين بمنع اجتماع الصرف والبيع. وأما على قول أشهب الذي يجيزهما مطلقًا، فلا. ولا يقال ينتقض الاتفاق الذي حكاه المصنف بما حكاه بعضهم عن ابن حبيب من جواز دينار فأقل، لأن ابن يونس والمازري أنكراه.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الصرف أضيق من البيع، فإذا كان البيع تابعًا انسحب عليه حكم الصرف فكان أحوط، بخلاف العكس، واستشكل لأنهم يغلبون
[ ٥ / ٢٨٠ ]
حكم الصرف وإن كان قليلًا في وجوب تقديم السلعة على المعروف، خلافًا للسيوري في إبقاء كل من البيع والصرف على حكمهما على الانفراد، فأوجب تعجيل الصرف وأجاز تأخير السلعة.
وأما المستثنى اليسير، فروي أنه الدرهم، وروي الثلاثة، وروي قدر ثلث دينار، كسلعة بدينار إلا درهمًا
إن قلت: لم جوزا في مسألة الاستثناء ما لم يجوزوه في مسألة اجتماع البيع والصرف مع أنها راجعة إليها، إذ حاصل قوله: هذه السلعة بدينار إلا درهمًا. بعتك السلعة والدرهم بدينار، وهو بيع وصرف.
وإنما قلنا: إنهم أجازوا هنا ما لم يجيزوه هناك، لأنهم أجازوه هنا مع تأخير النقدين وتقدم السلعة.
فالجواب: أنه سؤال حسن، ولعلهم راعوا أن الاستثناء اصله أن يكون يسيرًان والضرورة تدعو إلى اليسير، والمتبايعان إنما بنيا كلامهما أولًا على البيع، فكان الصرف غير مقصود، بخلاف البيع والصرف، فإنهما لما أتيا أولًا بالصرف والبيع علم أنهما مقصودان.
وقوله: (فروي أنه الدرهم) مقتضاه: أنه لا يجوز في الدرهمين. والذي في المدونة وغيرها: أن الدرهمين في حكم الدرهم. ولم أر من اقتصر على الدرهم كما فعل المصنف، بل صرح المازري بالاتفاق على يسارة الدرهمين، والرواية بالثلاثة لابن عبد الحكم، والقول بأجازة الثلث للأبهري، هكذا نقله الباجي وابن شاس، ولم أر أحدًا صرح بأنه رواية ابن راشد.
وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع البيع وفيه التأجيل على ما سيأتي إن شاء الله، وأما مع الانتقاد فيجوز أكثر من ذلك.
[ ٥ / ٢٨١ ]
فإن كان نقدًا فجائز، وفي تأجيل الجميع ممتنع
أي: إذا كان الجميع السلعة والدينار والدرهم نقدًا فجائز.
ابن راشد: بلا خلاف. وإن تأجل الجميع فهو ممتنع، لأنه صرف مستأخر، ودين بدين إن كانت السلعة غير معينة، وبيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة.
وفي تأخير النقدين يجوز للتبعية
يعني: فإن تقدمت السلعة وتأخر النقدان جازت المسألة، وعلل ذلك بالتبعية، أي: أن السلعة لما قدمت وتأخر الدينار علم أنهما غير مقصودين فلا يكون صرفًا مستأخرًا. وذكر ابن المواز الاتفاق فيه، لكن ذكر المازري وابن شاس أن ابن عبد الحكم خالفه، فمنع لكونه دينًا بدين وصرفًا مستأخرًا. قال في الجواهر، قال بعض المتأخرين: وقول ابن عبد الكم هو القياس، لاسيما إذا راعينا الاتباع في أنفسنا.
وفيها: ويقضي بما سميا، وقيل: بدراهم ويتقاصان
[٤٤٦/أ] يعني: إذا وقعت هذه المسألة على الوجه الجائز فاختلف فيما يقع فيه القضاء، فحكي عن المدونة أن البائع يعطي الدرهم والدرهمين أو يأخذ الدينار أو الدينارين، وليس ما نسبه للمدونة صريحًا فيها، بل هو ظاهرها عند الأكثرين. وصرح المازري بمشهوريته. ومنهم من فهمها على القول الثاني، وهو أن البائع إذا حل الأجل إنما يأخذ صرف دينار ينقص درهمًا أو درهمين.
وتأجيل السلعة أو أحد النقدين ممتنع على المشهور
يعني: لو تقدم النقدان وتأخرت السلعة، أو تقدمت السلعة وأحد النقدين وتأخر النقد من أحدهما، المشهور فيها المنع، وهو مذهب المدونة. وقيل: المشهور فيما إذا تأجلت
[ ٥ / ٢٨٢ ]
السلعة مقيد في الموازية بما عدا التأخير اليسير، قال فيها: إلا أن يتأخر بمثل خياطته، أو حتى يبعث في أخذه وهو بعينه فلا بأس به. والشاذ: الجواز فيهما.
ونقل في المدونة الشاذ في مسألة تأجيل السلعة عن مالك من رواية أشهب.
ونقل صاحب الجواهر وغيره الشاذ في مسألة التأخير في أحد النقدين عن مالك من رواية ابن عبد الحكم. وقد يظهر ما رواه ابن عبد الحكيم ببادئ الرأي، لأنه إذا جاز تأخير النقدين معًا فلأن يجوز تأخير أحدهما أحرى.
والفرق للمشهور أن الاعتناء بالتقديم يدل على أنه المقصود عند المتباعين، فإذا تقدمت السلعة وتأخر النقدان دل تقديمها على أن البيع هو المقصود، بخلاف ما إذا تقدم أحدهما، فإنه يدل على أن الصرف مقصود ولم يحصل شرطه وهو المناجزة.
فإن استثنى دراهم من دنانير، فثالثها: يجوز في النقد.
مثال ذلك: لو باع مائة ثوب بمائة دينار ينقص كل دينار درهمًا، فمن أجاز رأى أن نسبة درهم إلى مائة دينار كنسبة الدرهم إلى الدينار، ويحتمل أن يكون مبنيًا على جواز الصرف والبيع مطلقًا. ومن منع نظر إلى كثرة، ولا خفى عليك توجيه الثالث. وتبع المصنف في حكاية هذه الأقوال ابن بشاس، وإطلاق الأقوال هكذا مشكل، ولاسيما الجواز مطلقًا والمنع مطلقًا.
والمقصود في الموازية: فيمن ابتاع مائة جلد كل جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم، وذلك كله نقله ابن عبد السلام أن هذا جائز، ثم تحاسبا بعد البيع فصارت أربعة عشر دينارًا، فلا خير في هذا البيع. محمد: تحاسبا أو لم يتحاسبا لكثرة الدراهم في المؤخل. مالك: ولو قطعوا صرف الدراهم قبل العقد ووعت الصفقة بدنانير معلومة جاز ذلك
[ ٥ / ٢٨٣ ]
نقدًا ومؤجلًا، مثل أن يقول: إن وقع بيننا بيع بدراهم فبيعها كذا وكذا بدينار فهذا الجائز، وإلا لم يجز نقدًا ولا إلى أجل، لأنه صرف وبيع إلا في دراهم يسيرة.
وقال مالك في التعبية: إذا كان ذلك قبل البيع. وقد حققها في البيان تحقيقًا شافيًا، فقال: إن وقع البيع بينهما على أن يتقاصا من الدنانير ما اجتمع من الدراهم المستثناة بسوم سمياه ولم يفضل من الدراهم شيء بعد المقاصة، مثل أن يبيع ستة عشر ثوبًا كل ثوب بدينار إلا درهمًا على أن يحسبا ستة عشر درهمًا بدينار، جاز البيع نقدًا أو إلى أجل، لأن البيع انعقد بخمسة عشر.
وكذلك أن فضل بعد المقاصة درهم أو درهمان، لأنه يجوز أن يبيع الرجل السلعة بدينار إلا درهمًا وإلا درهمين على أن يتعجل السعلة ويتأخر النقدان، فإن فضل بعد المحاسبة دراهم كثيرة فيجوز البيع إن كان نقدًا ولا يجوز إلى أجل. وإن لم يقع بينهما على شرط المحاسبة، فيجوز إن كانت الدراهم المستثناة الدراهم والدرهمين نقدًا أو إلى أجل، ويجوز إن كانت كثيرة دون صرف دينار إن كان نقدًا، ولا يجوز إلى أجل. وإن كانت أكثر من صرف دينار، فلا يجوز نقدًا ولا إلى أجل غير مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. ولا تنفع المحاسبة بعد البيع إذا لم يقع البيع بينهما على ذلك.
فإن استثنى جزءًا جاز مطلقًا، وقيل: كالدراهم، بناء على أن جزء الدينار ذهب إلى القضاء أو ورق
كما لو باع بدينار إلا سدسًا أو خمسًا ونحو ذلك، فالمشهور: أنه يجوز مطلقًا بالنقد والأجل، بناء على أن جزء الدينار ذهب فيقاصه.
والقول الثاني: لا يجوز في هذه الصورة إلا ما جاز في مسألة الدراهم، بناءً على أن جزء الدينار ورق، إذ لا يقضي القاضي عليه عند المناجزة إلا بالورق.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
المماثلة، ولطلب تحققها منع بيع دينار ودرهم أو غيره بدينار ودرهم أو غيره
لما فرغ من المناجزة أتبعها بالمماثلة، ولا شك في طلبها، ولأجل أنه لابد منها منع ما يوجب شكًا فيها، فلا يجوز أن يضاف إلى أحد النقدين جنس آخر كما مثل، خشية أن تكون الرغبة في أحد الدرهمين أكثر فيقابله من الجهة الأخرى أكثر من درهم، فيؤدي إلى التفاضل.
وقوله: (أو غيره) أي: ثوب أو غيره من الطعام ونحوه. [٤٤٦/ب].
فأما درهم بنصف فما دونه أو فلوس أو طعام، فجائز للضرورة، وبأكثر من نصف ممتنع. وقيل: لا يجوز إلا في أقل من نصف. وقيل: لا يجوز إلا في غير الفلوس. وقيل: لا يجوز بحال وإن قل ..
هذا مستثنى من القاعدة المذكورة، وعلل الجواز فيه بالضرورة. ومعنى المسألة: أن يعطي الإنسان درهمًا فيأخذ بنصفه فلوسًا أو طعامًا ويرد عليه النصف الآخر فضة. وذكر الشوشاي، وأبو الحسن وغيرهما لهذه المسالة ستة شروط:
أولهما: أن يكون في الدرهم الواحد، لأن الضرورة غالبًا إنما تدعو إليه، فلا يجوز في أكثر ولا في دينار، لقول مالك في كتاب محمد: فيمن اشترى بثلث دينار قمحًا فدفع دينارًا وأخذ قطعة ذهب منقوشة أكره ذلك، وعلله اللخمي باختلاف بيع الدينار وكسره، بخلاف الدرهم وكسره.
الثاني: أن يكون في بيع وما في معناه كالإجارة، احترز به من القرض، لأنه لا ضرورة تدعوهم في القرض.
الثالث: أن يكونا مسكوكين.
الرابع: أن يكونا المردود النصف فما دون، وأجاز أشهب ثلاثة أرباع.
الخامس: أن ينقد الجميع، وإن تأخر أحد العينين جرى على الخلاف في مسألة الدرهم والدرهمين إذا تأخر أحد العينين.
[ ٥ / ٢٨٥ ]
السادس: أن تكون السكة واحدة.
وزاد أبو الحسن سابعًا: وهو أن يكونا معروفي الوزن.
وثامنًا: أن يكون في بلد لا فلوس فيها ولا خراريب ولا أرباع. وقد حكى المصنف في هذا الأخير الخلاف.
قوله: (وبأكثر من نصف ممتنع) هكذا عبر المازري بالمنع، والذي في المدونة إنما هو الكراهة في رد الثلثين فضة، لكن كثيرًا ما يعبر مالك عن الممنوع بالمكروه.
وقوله: (وقيل: لا يجوز إلا في أقل من نصف) لتحقق التبعية. وهذا القول في الموازية لابن القاسم وأشهب. وقيل: لا يجوز إلا في غير الفلوس، أي: إلا في غير بلد الفلوس، وأما في بلدها فلا يجوز أن يأخذ بنصف طعامًا وبنصف فضة، لأن الضرورة زالت لوجود الفلوس، ونسبه اللخمي لأشهب.
وهكذا مشى هذا القول الثالث الشارحون، ويمكن أن يمشى على أنه لا يجوز أن يأخذ مع النصف الفضة فلوسًا، وإنما يأخذ طعامًا وما أشبهه، لأن الفلوس لما كانت تشبه النقد صارًا نقدين في مقابلة نقد، وهذا القول لمالك في التعبية، لكن إنما قال في العتبية: لا أحب أن يأخذ بنصفه فلوسًا ونصفه فضة، ولا بأس أن يأخذ بنصفه فضة ونصفه طعامًا، فعبر: بلا أحب، وكذلك عبر صاحب البيان بالكراهة. لكن كثر تعبيرهم عن الممنوع هنا بالكراهة، وقد نقله عياض بلفظ المنع عن الموازية، ولفظه: وأجاز في الموازية أن يأخذ بكسر الدرهم سلعة ويأخذ بباقية درهمًا صغيرًا، ومنع ذلك في نصفه فلوسًا ونصفه فضة، ورواه يحيي عن مالك، ووافقه عليه ابن القاسم في الموازية.
وأشار عياض وغيره إلى أن ما منعه أشهب- أعني: إذا كان في البلد فلوسًا- وما أجازه إذا كان في البلد دراهم صغار متناقض، قال: وهو خلاف من قوله، ولا فرق بينهما.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
وقيد ابن يونس المذهب بما إذا لم تكن الأنصاف والخراريب غالبة، وأما إن كانت غالبة فلا يجوز الرد بوجه.
قوله: (وقيل: لا يجوز بحال) هو لمالك في الموازية، واختاره ابن عبد السلام قال: لأن الضرورة لم يثبت أن الشرع اعتبرها.
وفي التبر يعطيه المسافر دار الضرب وأجرته ويأخذ وزونه قولان
هذا أيضًا مستثنى مما تقدم، يعني: أنه اختلف في المسافر يأتي دار الضرب بفضة أو ذهب يدفعها إليهم ويدفع أجرتها ويأخذ وزن ما دفع مسكوكًا، والقولان لمالك.
أجازه في سماع ابن القاسم، وابن وهب، وقال ابن القاسم: أراه جائزًا للمضطر وذا الحاجة.
مالك: وقد عملت به الناس زمان بني أميه ويفعله أهل الورع. وبالمنع قال الأكثرون، وذكر ابن حبيب أنه سأل عن ذلك من لقي من المدنيين والمصريين فلم يرخصوا فيه بحال، ولهذا قال في البيان: والصواب عدم الجواز إلا مع الخوف على النفس الذي يبيح أكل الميتة. ابن حبيب: وأما الصائغ فلا يجوز معه ذلك قولًا واحدًا.
واختلف قول مالك أيضًا في خلط ذهب الناس في الضرب بعد تصفيتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت أخذ بحسب ذهبه.
وكذلك الزيتون بالزيت
أي: وكذلك اختلف في الزيتون يعطيه لأهل المعصرة ويأخذ قدر ما يخرج، والمنع هنا أقوى لوجهين: أحدهما: أن الضرورة هنا أضعف من الضرورة في التبر لكثرة المعاصر. والثاني: أن خروج الزيت مما يختلف.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
وإذا بيع محلى مباح من أحد النقدين بصنفه، فإن كان الحلي تبعًا جاز معجلًا على المشهور، وفي المؤجل قولان
هو أيضًا مستثنى لأجل الضرورة الداعية إليه مع كونه جائز الاتخاذ، أي: إذا بيع شيء محلى بذهب أو فضة، وهو معنى قوله: (من أحد النقدين) كمصحف أو سيف بصنفه، أي: كان محلى بفضة وبيع بفضة، أو بذهب وبيع بذهب فيجوز على المشهور، خلافًا لابن عبد الحكم بثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الحلية تبعًا للمحلى، وإليه أشار بقوله: (تبعًا).
الثاني: أن تكون الحلية مباحة.
الثالث: أن تكون مسمرة على المحلى في نزعها ضرر، وإن لم يكن في نزعها ضرر فلا.
قال الباجي: كالفصوص [٤٧٧/أ] المصوغ عليها، أو حلية المصحف المسمرة عليه، وحلية السيف المسمرة في حمائله وجفنه. وأما القلائد التي لا تفسد عند نظمها، فظاهر المذهب أنه لا تأثيرها لها في الإباحة، وبه قال ابن حبيب. وهذا الشرط أيضًا يؤخذ من كلام المصنف، لأنه لا يقال: محلى مع الانفصال.
وذكر ابن رشد عن المتأخرين قولين، بالجواز، والمنع إذا كان يغرم ثمنًا في رد الحلية بعد فصلها.
وقال اللخمي: لم يختلفوا إذا كانت الحلية منقوشة وهي تبع له أنه لا يجوز أن يباع نصل السيف وحليته بجنسها نقدًا ولا إلى أجل. قال: وأرى إذا كانت قائمة بنفسها صيغت ثم ركبت وسمرت أن يكون لها حكم المنقوض، لأنه ليس في ذلك أكثر من أنها سمرت بمسامير.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
قوله: (وفي المؤجل قولان) المازري: المشهور المنع خلافًا لسحون وأشهب. وهذان القولان مفرعان على المشهور، وإلا فابن عبد الحكم الذي يمنع في النقد بمنع المؤجل أولى، وفي مسألة التأخير قول ثالث لمحمد بالكراهة. إن قيل: لم أجازوا هنا ما لم يجيزوه في البيع والصرف؟ قيل: للضرورة إلى استعماله وللمضرة الحاصلة في نزعه. والله أعلم.
المتيطي: فإن بيع بصفة إلى أجل فسخ ورد، إلا أن يفوت بتفصيل حليته فيمضي ولا يرد، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وقال أشهب: يكره ابتداءً، فإن وقع مضى ولا يرد.
وإن لم يكن تبعًا لم يجز
يعني: وإن لم تكن الحلية تبعًا لم يجز بيعه بصنف حليته نقدًا ولا إلى أجل، لعدم تحقق التماثل.
فإن بيع بغير صنفه، فإن كان تبعًا جاز معجلًا، وفي المؤجل قولان
كما لو كان محلًا بفضة وبيع بذهب، ولا خفاء في الجواز مع النقد إذا كان تبعًا، لأن الصرف غير مقصود، والمشهور من القولين في المؤجل: المنع خلافًا لسحنون.
فإن لم يكن تبعًا جاز معجلًا فقط
أي: وإن بيع بغير صنفه والحلية ليست تبعًا جاز معجلًا. وظاهر كلامه: أنه لم يختلف فيه كما في البيع والصرف، ولعله لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وظاهر كلام اللخمي: أنه يجري فيه ما جرى في البيع والصرف.
والتبع: الثالث. وقيل: دونه. وقيل: النصف
الأول: هو المذهب. والثاني: خرجه ابن بشير مما قيل في المذهب أن الثلث كثير. والقول بتبعية النصف مشكل، لأن النصف لا يكون تبعًا لنصف آخر، لكن استدل له
[ ٥ / ٢٨٩ ]
بقوله ﷾: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٣] وهذا القول حكاه الباجي عن بعض العراقيين، وخرجه الباجي أيضًا من إجارتهم الشراء بنصف درهم ورد نصف درهم.
ويعتبر بالقيمة. وقيل: بالوزن مع قيمة المحلى
سببهما، هل تعتبر الصياغة أم لا؟ ومعنى كلامه: أنا إذا بنينا على المشهور من أن التبع الثلث، أو على غيره من الأقوال، فهل يعتبر التبع بالقيمة أو بالوزن فقط؟ فإن كان وزن الحلية عشرين، ولصياغتها تساوي ثلاثين، وقيمة النصل أربعين، جاز على الثاني دون الأول. والقول باعتبار القيمة هو ظاهر الموطأ والموازية، قاله ابن يونس. والثاني: ذكر الباجي أنه ظاهر المذهب قياسًا على النصاب في السرقة والزكاة.
ورد ابن بشير: بأن من أصلنا التحريم بالأقل، وأما السرقة والزكاة فإنا رتب النصاب فيهما على الوزن. وما قلنا: من أنه تنسب قيمة الحلية مصوغة أو وزنها غير مصوغة إلى مجموع المبيع، فإن كانت ثلثه جاز، هو المذهب الذي قاله الناس كما في بياض المساقاة. ونسبها ابن بشير إلى قيمة المحلى، فإن كانت ثلث ذلك جاز وإلا امتنع، وليس كذلك، لأنه إذا نسبت إلى النصل والجفن مثلًا فكانت ثلثهما كانت ربع الجميع.
والثوب الذي لو بك خرج منه عين كالمحلي، وإن لم يخرج فقولان
يعني: والثوب الذي نسج فيه أو طرز بالذهب أو الفضة إن كان يخرج منه لو سبك عين فَأَجْرِهِ على ما تقدم في المحلى، وإن لم يخرج كالورقة فللأشياخ قولان بناءً على استهلاكه أو قيام صورته.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
والحلي من النقدين وحده، أو مع سلعة ممتنع بعين أحدهما اتفاقًا
أي: إذا كان المحلى مصوغًا من الذهب والفضة، سواء بيع وحده أو مع سلعة وليس أحدهما تبعًا. وحذف المصنف ذلك اكتفاء بذكر التبعية في قسيمه، فلا يجوز بيعه بواحدة من الصنفين اتفاقًا، لأنه إذا امتنع بيع سلعة وذهب بذهب فأحرى بيع فضة وذهب بذهب.
فإن كان أحدهما تبعًا لم يجز بصنف الأكثر، وفي صنف التبع قولان
أي: فإن كان الذهب تابعًا للفضة أو العكس لم يجز بيع ذلك بصنف المتبوع. واختلف في بيعه بصنف التابع، ومذهب المدونة: أنه لا يباع به. وفي الموازية: وما حلي بذهب وفضة، قال ابن القاسم عن مالك: فليبع بأقلهما إن كان الثالث فدون يدًا بيد، وإن تقاربا بيع بالعروض أو الفلوس. ثم رجع مالك، فقال: لا يباع بورق ولا بذهب على حال، وبهذا أخذ ابن القاسم. وبالجواز أخذ ابن زياد، وأشهب، وابن عبد الحكم.
وأورد ابن عبد السلام على المصنف: أنه ذكر إذا لم يكن أحدهما تابعًا للآخر الاتفاق على أنه لا يجوز بيعه بأحدهما. قال: وليس كذلك، لأن ابن حبيب أجاز بيعه بكل واحد من النقدين إذا كان مجموعهما تبعًا للسلعة، سواء كان أحدهما تبعًا للآخر أو لا إذا كان نقدًا، قاله في الواضحة. بل قال اللخمي: ولم يختلف في المحلى يكون فيه ذهب وفضة، ولؤلؤ وجوهر، والذهب والفضة الثلث فأقل، واللؤلؤ والجوهر الثلثان فأكثر، أنه يباع بأقل من ذلك كالسيف. وقال صاحب الإكمال: [٤٤٧/ب] فإن كان فيهما عرض وهما الأقل بيع بأقلهما قولًا واحدًا.
والتبعية بالقيمة، وقيل بالوزن
القولان كالقولين المتقدمين.
[ ٥ / ٢٩١ ]
والمغشوش: مقتضى الروايات جواز بيعه بصنفه الخالص وزنًا، لأنه كالعدم، وقيل: لا يجوز
والمغشوش: خلط جسم بجسم حتى لا يمكن التمييز بينهما. والظاهر أنه لا يريد بالروايات هنا أقوال مالك، وإن كان ذلك الاصطلاح، وإنما أراد منصوصات المذهب. ومعنى كلامه: أنه يؤخذ من روايات المذهب جواز إبدال المغشوش بالخالص وزنا. والجواز حكاه ابن شعبان. وحكى في البيان القولين صريحين، قال: والصحيح عدم الجواز لعدم التماثل. ولم يقم دليل على تقديرهم الغش في القول الأول كالعدم، لكن الأول هو الذي يؤخذ من كلام ابن القاسم في المدونة وكلام غيره، وذلك هو الذي أشار إليه المصنفات بالروايات، ولقول ابن القاسم: ولا يعجبني بيع الدرهم الرديء- وهو الذي عليه النحاس- بدرهم فضة وزنًا بوزن ولا عرض، لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش في أسواق المسلمين، لكن يقطعه ويجوز حينئذ بيعه إذا لم يكن يغر به ولم يكن يجري بينهم. فقول ابن القاسم: يقطعه وحينئذ يجوز بيعه. يقتضي جواز بيعه بصنفه الخالص، لأنه إنما منعه أولًا للغش وقد انتفى الغش. قال في المدونة، وقال أشهب: إن رد لغش فيه لم أر أن يباع بعرض ولا فضة حتى يكسر.
وإذا تقرر هذا علمت أنهم إنما تكلموا في المغشوش الذي لا يجرى بين الناس، ويؤخذ من كلامهم جواز بيع المغشوش بصنفه الخالص إذا كان يجري بين الناس كما بمصر عندنا، والأقرب حمل كلام المصنف على هذه الصورة لا على الأولى، وهو ما أراده المصنف بالروايات، ويجوز بدله على وجه الصرف بدراهم جياد وزنًا بوزن، وهو يشبه البدل.
وقال صاحب النكت، وابن يونس: وقول أشهب وفاق لقول ابن القاسم، ومراد أشهب بعد كسره، وظاهر قول أشهب جواز بدل المغشوش بالخالص ولو كثر مراطلة. وأبقاه ابن محرز وغيره على هذا الظاهر، وتأوله ابن الكاتب واللخمي على أنه إنما يجوز
[ ٥ / ٢٩٢ ]
عنده في القليل، الدرهمين والثلاثة، لقوله: كالبدل. ورد بأن قوله: وزنًا بوزن. ينافي ذلك، لأن المبادلة لا يراعى فيها القدر بالوزن وإنما الاعتبار بالعدد. وتردد أبو عمران في قول أشهب هل هو وفاق لقول ابن القاسم أم لا؟
وكذلك المغشوش بالمغشوش على الأصح
أي: وكذلك تجوز مراطلة المغشوش بمغشوش مثله. ابن عبد السلام: ولعل هذا مع تساوي الغش، وأما مع اختلافه فلا. انتهى.
وذكر صاحب البيان عن شيخه ابن رزق: أنه لا يجوز بدل المغشوش بالمغشوش، لأنه فضة أو ذهب ونحاس بذهب ونحاس. قال: ولا أقول به، بل أرى ذلك جائزًا، لأن الفضة التي مع هذه كالتي مع هذه والنحاس كالنحاس، فلا يتقى في هذا ما يتقى في ذهب وفضة منفصلين بذهب وفضة منفصلين.
ويكسر الزائف إن أفاد وإلا سبك
أي: إن أمن مع قطعة أن يغش به، وإن لم يؤمن فلابد من سبكه. قال في البيان: ولا يحل أن يغش بها أحدًا ولا أن يبيعها ممن يغش بها، ويكره أن يبيعها ممن لا يأمن أن يغش بها كالصيارفة. واختلف في بيعها ممن لا يدري ما يصنع بها، فأجازه ابن وهب وجماعة من السلف، وكرهه ابن القاسم ورواه عن مالك. ويجوز أن تباع ممن يكسرها أو ممن يعلم أنه لا يغش بها باتفاق. فإن باعها ممن يخشى أن يغش بها فليس عليه إلا الاستغفار. وإن باعها ممن يعلم أنه يغش بها وجب عليه أن يستردها، فإن لم يقدر فثلاثة أقوال:
أحداهما: أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع الثمن.
والثاني: أنه لا يجب عليه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمتها لو باعها ممن لا يغش بها.
والثالث: لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منها ولكنه مستحب.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
ويعتبر الربا بين السيد وعبده على المشهور
أي: لا يجوز بين السيد وعبده ربا الفضل ولا ربا النساء. والشاذ لابن وهب، إما لأن العبد لا يملك، أو لأن السيد قادر على الانتزاع. وينبغي أن يقيد هذا بمن له انتزاع ماله ليخرج المكاتب ونحوه، ولهذا قالوا: إن كان على العبد دين لم تجز مراباته اتفاقًا. بعض المتأخرين: إلا أن يلتزم السيد الدين فالخلاف، وليس هذا خاصًا بالربا، بل يجري في فسخ الدين، وضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك، وما أشهبه.
والمراطلة: لقب في بيع العين بمثله وزنا
اعلم أن العين إن بيع بعين مخالف سمي صرفًا، وإن بيع بمماثل سمي مماثلة، فإن كان وزنًا سمي مراطلة، وإن كان عددًا سمي مبادلة. والمراطلة: مفاعلة، ومعناها: موازنة ذهب بذهب حتى كأن أحدهما رطل وزن به الآخر.
والظرفية بـ (في) مجاز، أي: مستقرة في بيع العين بمثله وزنًا، ويحتمل أن يكون (في) بمعنى (على). واعترضه ابن عبد السلام بأن هذا الحد غير مانع لدخول ما ليس بمراطلة في اصطلاح الفقهاء فيه، وهو بيع الفضة بالذهب مثلًاز قال: ولا يصح أن يريد بالمثلية النوع، لأن (وزنًا) تمييز لتلك المثلية.
وقد يجاب عنه: بأن (وزنًا) حال، و(بمثله) صفة لمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي: بعين مثله حال كونه موازنة. والمراطلة جائزة في غير المسكوك بلا إشكال، وكذلك المسكوك على الصحيح، وهو قول أبي عمران، وأبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهما، وعليه حمل عياض المدونة، [٤٤٨/أ] ومنع ذلك القابسي إلا بعد معرفة وزنه، لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافًا، وإليه يرجع كلام الباجي.
ابن يونس: والأول هو الصواب، إذ لا غرر فيه، لأنه إنما يأخذ مثل ذهبه أو دراهمه.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
عياض: وعلى قول القابسي إذا كانت عددًا فلابد من معرفة عدد الدراهم من الجهتين أو الدنانير بخلاف الوزن، لأن معرفة وزن أحدهما معرفة لوزن الآخر، بخلاف معرفة العددي إلا في مثل القائمة وشبهها، المعروف اتفاق وزنها وعددها، فمعرفة ما في الكِفَّةِ الواحدة منها معرفة لما في الأخرى من وزن أو عدد.
فإن كانا سواء، أو أحدهما أجود جاز اتفاقًا، وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى، امتنع وفاقًا
أي: فإن كان الذهبان أو الفضتان متساويين في الجودة أو كان أحدهما أجود جاز اتفاقًا، لانحصار الفضل في جهة.
وقاعدة هذا ونحوه: أنه مهما تمحض الفضل من جانب جاز، لانتفاء قصد المكايسة، وإن دار الفضل من الجانبين امتنع اتفاقًا لقصد المكايسة كما قال.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى امتنع اتفاقًا، مثاله: لو كان لأحدهما درهم أسكندري ودرهم مغرب وللآخر درهمان مصريان، لأن صاحب المصريين إنما ترك جودة مصرية الواحد بالنسبة إلى الأسكندري لجودة درهم الآخر المغربي على جود المصري فيحصل التفاضل متقابلًا.
ابن المواز: وقد خفف مالك في القطعة من الذهب تجعل مع الجيد من المالين ليعتدل الميزان فيها ثمن أو سدس أو ثلث إذا لم يغتن بها فضل عيون التي معها.
وظاهره أنه قيد المنع بما إذا كان الرديء الذي مع الجيد كثيرًا، لكن قال محمد بإثراء هذا الكلام: ما لم تكن القطعة رديئة.
مالك: وإن كان فيها قدر الدينار لم يجز، إلا أن يكون مثل المفردة فأجود.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
فرع:
ابن يونس وغيره: ولا يجوز إذا رجح ذهب أحدهما أن يترك ذلك ولا أن يأخذ عنه شيئًا.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه مساو، جاز خلافًا لسحنون
مثاله: درهمان مغربيان في مقابلة درهم مغربي ودرهم مصري، فالمذهب الجواز لتمحض الفضل. ورأى سحنون أن الدنئ قد يقصد لشيء فيه، فيبقى قصد المكايسة. وثبت هنا في بعض النسخ ما نصه:
قاسها على مدي شعير بمد قمح ومد شعير، للذريعة
أي: أن سحنونًا قاس المنع في هذه الصورة على ما منعه مالك وابن القاسم في صورة الطعام، وإن كان ابن حبيب أجاز مدي قمح بمد قمح مد شعير. والجامع بينهما عند سحنون ما ذكره من الذريعة إلى التوسل للتفاضل، لأنهما لم يتبايعا على هذا الوجه إلا لغرض لهما في المكايسة، إذ لو كان الغرض المكارمة بالأجود لباعه بالأدنى ولم يخلط المساوي، فخلطهما دليل على قصد المبايعة. وفرق اللخمي بأن الذهب يساوي ما كان منه من سكة واحدة قطعًا، بخلاف الطعام فإن الأعراض تختلف فيه.
ابن عبد السلام: وبقي عليه إذا كان بعضه أردأ وبعضه مساوٍ، فأجازها أيضًا ابن القاسم ومنعها سحنون.
خليل: وفيه نظر، لأنه إذا كان بعضه أجود وبعضه مساو لزم ببديهة العقل أنه من الجانب الآخر، أحدهما أدنى والآخر مساو- وهو واضح- فليس هما صورتين بل صورة واحدة، والله أعلم. و(بعضه) يحتمل أن يكون مرفوعًا على الابتداء، و(أجود) خبره، ويحتمل أن يكون بدلًا من أحدهما فينصب أجود خبرًا لكان.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
والوزن بصنجة جائز، وقيل: في كفتين
الصنجة- بفتح الصاد-: لفظ عربي، قاله الجوهري. ابن السكيت: ولا يقال سنجة. الجوهري: وكل ما استدار سمي كِفة- بكسر الكاف- ككفة الميزان وكفة الصائد وهي حبالته. ويقال أيضًا: كَفة بالفتح.
وظاهر كلام المصنف: أن الخلاف في الجواز، وليس كذلك بل لا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في الأرجح. فقيل: الأول أرجح، وهو أن يزن أحدهما ثم يزن الآخر بالصنجة التي وزن بها الأول ليتحقق التماثل، سواء كان في الميزان عيب أو لا، وإليه ذهب صاحب البيان.
وقيل: الثاني أرجح، وهو أن يضع هذا ذهبه من ناحية والآخر ذهبه من الناحية الأخرى لسرعة التناجز.
وفي اعتبار زيادة السكة والصياغة كالجودة طريقان: الأولى ثالثها الصياغة خاصة
قد تقدم أن الجودة يدور بها الفضل من الجانبين ولا خلاف في ذلك. واختلف هل تعتبر السكة والصياغة كالجودة على طريقين.
الأولى: فيها ثلاثة أقوال، الأول: يعتبران، لأن الغرض يتعلق بهما كالجودة، كالعرضين مع التعيين، وهو الظاهر.
الثاني: لا يعتبران، لأن الشرع إنما طلب المساواة في القدر خاصة، وهو منقوص بالجودة، وهو قول القابسي، واختاره ابن يونس.
ابن عبد السلام: وفهم الأكثرون المدونة عليه، ومنهم من تأولها على الأول.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
الثالث: اعتبار الصياغة دون السكة، لأن الصياغة مقصودة لنفسها دون السكة، فإن المقصود فيها إنما هو العلامة.
الثانية: تقييد الأقوال باتحاد العوضين واعتبارهما إذا اختلف العوض
يعني: أن أصحاب الطريقة الثانية يرون أن الخلاف المذكور إنما هو إذا اتحد العوضان، وأما إن اختلفا حتى يقوى اختلاف الأغراض فيهما فيتفق على اعتبارهما إلحاقًا بالجودة. وهكذا نقله ابن شاس وعليه مشاه ابن راشد وغيره، وعكس ابن عبد السلام هذا التقييد [٤٤٨/ب] ولعله سهو.
المبادلة لقب في المسكوكين عددًا
أي: لقب في بيع المسكوكين عددًا بشرط اتحاد النوع.
وهي جائزة في العددي دون الوزني
يعني: فلا تجوز إلا في الدنانير والدراهم إذا كان التعامل بها عددًا، وهو مراده بالعددي. أما لو كان التعامل بها وزنًا لم يجز إلا بالوزن فتعود مراطلة، وكان الأصل منعها، إلا أنهم رأوا أنه لما كان التعامل بالعدد أن النقص يجري مجرى الرداءة والكمال يجري مجرى الجودة، ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار إبداله معروفًا، والمعروف يوسع فيه ما لم يوسع في غيره، وبخلاف التبر وشبهه. ولا يقال هذا تكرار مع الأول، لأن الأول أفاد أن المبادلة بيع مسكوك بمسكوك عددًا، وهو أعم من أن يكون التعامل في ذلك المسكوك وزنًا وعددًا، والثاني أفاد اشتراط أن يكون التعامل بينهم فيه بالعدد لا بالوزن.
واللخمي: ويشترط في الجواز أن تكون السكة واحدة.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
ويجوز إبدال القليل بأوزن منه يسيرًا للمعروف والتعامل بالعدد
أي: إذا كان التعامل بينهم بالعدد جاز بدل الناقص بالوازن، بشرط أن يكون ذلك في القليل وأن يكون دافع الأكثر قصد المعروف في حال كون التعامل بالعدد. ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض، ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع، فإذا كان على وجه القرض جاز.
واحترز بالقليل من الكثير فلا يعتبر ذلك، وبالوزن من الزيادة في العدد فلا يجوز، وباليسير مما لو كان أوزن منه كثيرًا، لأن اليسير هو الذي يسمح به في العادة غالبًا، فلذلك قصروا الجواز على الرجحان اليسير في العدد اليسير.
والثلاثة قليل، والسبعة كثير، وفيما بينهما قولان
أي: فلا يجوز بدل سبعة بأوزن منها، لزيادته على ضعف أقل الجمع، ويجوز ذلك في الثلاثة اتفاقًا لأنها أقل الجمع. ومذهب المدونة فيما بينهما على ما في الأمهات الجواز، فإنه أجاز له أن يبدله ستة تنقص سدسًا بستة وازنة على المعروف، والقول الآخر في الموازية. وأصلح سحنون المدونة عليه، وجعل موضع الستة الثلاث.
ومن شرط المبادلة أن تكون بلفظ المبادلة وأن تكون بغير مراطلة، وأن تكون واحدًا بواحد احترازًا من واحد باثنين.
واليسير: سدس في الدينار، وقيل: دانقان
الدانقان: الثلث. وفي الجواهر: الدانق: السدس.
والأنقص أجود ممتنع باتفاق
أي: لا يجوز أن يبدل الناقص الأجود بالأكمل الأردأ اتفاقًا، لدوران الفضل من الجهتين.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
وإلا فجائز باتفاق
أي: وإن لم يكن الأنقص أجود بل كان متساويا جاز، لتمحض الفضل من جهة واحدة.
وأورد ابن عبد السلام إذا كان الأوزن أجود فإن كلامه يدل على أنه متفق عليه، ونص الباجي على أنه مختلف فيه.
وأجيب بأنه لما لم يكن بين الأزيد والأجود سكة وبين الأزيد والأجود جوهرًا فرق اكتفى بذلك الخلاف.
والأزيد أجود سكة جائز عند ابن القاسم، ممتنع عند مالك وهو مشكل، وعلل بأن السكك يختلف نفاقها فيمتنع كما منع القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض
يعني: أن ابن القاسم أجاز بدل الأوزن الأجود سكة كضرب ملك الوقت لتمحض الفضل من جهة، ومنعه مالك وربيعة، واستشكل لانحصار الفضل من جهة.
وعلل أبو الطيب ابن خلدون قول الإمام بأن السكك تختلف فيها أغراض الناس بحسب البلدان والأزمان، فربما كان الأدنى في بلد أو في زمان أنفق فلا يتمحض الفضل.
وقاس المصنف ذلك على منع اقتضاء القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض وإن كان القمح أفضل، لأن الشعير قد يرغب فيه في وقت أو بلد. وعللها القابسي بأن الأصل منع التفاضل بين الذهبين. فخض الإجماع ببدل الناقص بالوازن من سكة واحدة وبقاء ما سواه على الأصل.
والقضاء بالمساوي، والأفضل صفة جائز
القضاء: أداء الدين، ثم لا يخلو أن يكون عن قرض أو عن ثمن مبيع. والكلام الآن على الأول، وأما الثاني فسيأتي، ولا شك في جواز التساوي.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وأما الأفضل صفة، فالأصل في جوازه ما في الصحيح: أنه ﵊ استسلف بكرًا فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرًا، فرجع إليه وقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء. ولهذا أجاز أصحابنا إذا كان التعامل بالعدد لمن استسلف عشرة دراهم ناقصة أو أنصافًا يقضيه عشرة دراهم كاملة بغير خلاف. فإن قيل: لا دلالة فيه لأنه ﵊ اقترضه للمساكين، وإلا فلو اقترضه لنفسه لما أعطاه من الصدقة لكونها لا تحل له، وعلم ﷺ أن المقرض مسكين فأعطاه الزيادة لفقره.
قيل: التعليل ينافيه، لكن قد يقال: ظاهر التعليل يقتضي جواز الزيادة في الوزن والعدد. فإن قلت: زيادته ﷺ رخصة والأصل عدمها، ولا يصح القياس على الرخص على الصحيح. قيل: لم نتمسك بالقياس وإنما تمسكنا بعموم النص. والله أعلم.
وبالأفضل مقدارًا، لا يجوز إلا في اليسير جدًا، وقال أشهب: مطلقًا
أي: فإن قضاه أجود قدرًا فلا يجوز إلا أن تكون الزيادة يسيرة جدًا، كما قال ابن المواز، مثل رجحان الموازين. [٤٤٩/أ] وقال أشهب: تجوز الزيادة اليسيرة، أي: مطلقًا، سواء كانت الزيادة اليسيرة مقيدة بحد أو لا.
وكذا نقل اللخمي: والمازري، وابن يونس، وابن شاس وغيرهم عن أشهب، وإنما نقلوا في الزيادة مطلقًا كثيرة كانت أو قليلة الجواز عن عيسى بن دينار وابن حبيب، وفسر أشهب في الموازية الزيادة اليسيرة بزيادة إردب أو إردبين في المائة، أو درهم أو درهمين فيها. وهذا تقييد زيادة في القول الأول كما ذكرناه.
[ ٥ / ٣٠١ ]
وقوله: (وبالأفضل مقدارًا) يريد في الوزن، وأما الأفضل عدًا فلا، وإن كان ظاهر لفظه يتناوله، لأن المشهور لا تجوز الزيادة في العدد. قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عددًا في مجلس القضاء، فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة إلى أن قال: فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه. وظاهره أنه يجوز عند أشهب مطلقًا، وقد يتمسك بهذا في أن أشهب يجيز زيادة القدر مطلقًا، لأنه إذا جاز في العدد فأحرى في الوزن. لكن نقل ابن زرقون قول أشهب وبين فيه أن أشهب إنما يجيز الزيادة اليسيرة في العدد.
وبالأقل صفة ومقدارًا جائز بعد الأجل ممتنع قبله
جاز بعد الأجل لأنه حسن اقتضاء، ومنع قبله لأنه ضع وتعجل.
فإن كل الفضل في الطرفين منع وفاقًا كالمراطلة
مثاله: لو اقتضى تسعة محمدية عن عشرة يزيدية، فإنه يمنع سواء كان بعد الأجل أو قبله، لأنه ترك فضل العدد لفضل المحمدية وهو ظاهر.
وثمن المبيع من النقود كالقرض
يعني: أن من باع سلعة بدنانير أو بدراهم أو بعين غير مسكوكة، فإنه يعتبر في قضاء ثمن تلك السلعة مما يجوز ويمتنع ما اعتبر في قضاء القرض إلا ما خصصه من جوازه بأكثر. واعترضه ابن عبد السلام بأن إطلاقه القضاء في القرض وتخصيصه في القرض وتخصيصه ثمن المبيع بالنقود لا يصح، لإيهامه عموم حكم القرض بالنسبة إلى العين والطعام وخصوص الثمن بالنقود، وليس كذلك، بل هما متساويان. ورد بأن تخصيص المصنف صواب، لأن قضاء الأفضل قبل الأجل في البيع ممتنع، سواء كان عرضًا أو طعامًا، لما فيه من حط الضمان وأزيدك قولًا واحدًا، بخلاف القرض فإنه جائز إلا أن يكون الفضل في
[ ٥ / ٣٠٢ ]
النوعية، كأخذ سمراء عن محمولة قبل الأجل فيه خلاف في المدونة وغيرها. فقد تبين الاختلاف في الطعام إذا كان ثمنًا وإذا كان قرضًا، فلهذا خصصه المصنف بالنقود كابن بشير وابن شاس.
ولم يختلف في جوازه بأكثر مقدارًا
لأنه حسن قضاء، وفي القرض سلف جر منفعة فافترقا.
والسكة والصياغة في القضاء كالجودة اتفاقًا
يعني: أن حكمها إذا كانا في مقابلة التبر والقراضة حكم الجودة بالاتفاق، فحيث يمتنع فيها يمتنع هنا. مثاله: لو كان عنده عشرة مسكوكة أو مصوغة فاقتضى عنها عشرة تبرًا أطيب.
ابن راشد: وإنما اتفقوا على اعتبارهما في القضاء واختلف فيهما في المراطلة، لأن المراطلة لم يجب لأحدهما قبل الآخر شيء فيتهم في ترك الفضل لأجل ما أخذ، وها هنا قد وجب له أخذ ذهب مسكوك أو مصوغ، فإذا أخذ عنه تبرًا أجود فيتهم أن يكون ترك فضل السكة أو الصياغة لفضل الجودة.
والاتفاق الذي حكاه المصنف إنما هو فيما بين المسكوك أو المصوغ والتبر لا فيما بين المصوغ والمسكوك، لأنه اختلف في جواز اقتضاء المسكوك من المصوغ على قولين حكاهما ابن عبد السلام وغيره.
وخرج اللخمي مما إذا باع أو أسلف قائمة وزنًا جاز أن يقضي مجموعة وزنها إلغاءهما، ورده ابن بشير بأن التعامل بالوزن يلي معه العدد
يعني: وخرج اللخمي إلغاء السكة والصياغة من مسألة المدونة، وهي: إذا باع قائمة بالوزن أو أسلف قائمة بالوزن جاز أن يأخذ مجموعة بوزنها، لأنه قد ألغى الجودة، إذ لو
[ ٥ / ٣٠٣ ]
اعتبرها لمنع اقتضاء المجموعة من القائمة، لأن القائمة فضلت المجموعة بالجودة، والمجموعة فضلتها بالعدد. و(إلغاءهما) مفعول خرج، و(قائمة) يتنازعه: باع وأسلف وأعمل فيه أسلف، و(وزنًا) حال.
واعترض ابن عبد السلام التخريج بأن دوران الفضل إنما يكون حيث يكون في كل منهما ما ليس في الآخر وليس هنا كذلك، إذ القائمة والمجموعة مشتركتان في السكة. ولئن سلم هذا التحريم في السكة فلِمَ قلت: إنه يلزم مثله في الصياغة، فإن الأمر فيها أشد عند بعضهم كما تقدم. ورد بوجهين.
الأول: بأن الجهتين هنا كما ذكرنا.
والثاني: بأنه إنما يرد لأجل أن المصنف لم يذكر الصورة التي خرج منها اللخمي إلغاء الصياغة، ولو ذكرها لم يأت. وهي: من أصدق زوجته مائة دينار ثم قضى وزونها من الحلي، فمنع ذلك في الموازية، قال فيها: ويفسخ إن قوع، لأن الدنانير لها فضل السكة وليس ذلك للحلي، وللحلي فضل الصياغة وليس ذلك للدنانير. وأجاز ذلك في مختصر ابن عبد الحكم، بناء على إلغاء الصياغة والسكة، وعلى ذلك خرج اللخمي.
ورد ابن بشير تخريج اللخمي بأن العدد يعتبر إذا كان التعامل به، وأما إذا كان التعامل بالوزن فلا، لأن العدد حينئذ مطرح، لأنه لما ترتبت في الذمة بالوزن فلم يدخل إلا عليه.
ابن عبد السلام: وهذا الرد ضعيف، لأنه عير محل النزاع، لأن كلام اللخمي إنما هو في السكة والصياغة لا في العدد. ورد بأن اللخمي استقرأ إلغاء السكة بناء على اعتبار العدد، لأن الفضل إنما يدور من جهتين إذا كان العدد معتبرًا، فرده ابن بشير بأن العدد هنا غير معتبر فلم يدر الفضل من جهتين. لكن صورة الموازية والمختصر لا يتصور [٤٩٩/ب] فيهما هذا الرد.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
ولو قطعت الفلوس، فالمشهور المثل
أي: لو باعه بفلوس أو أسلفه فلوسًا فقطع التعامل بها، فالمشهور أنه لا يلزمه إلا مثلها، لأنها من المثليات. وذكر ابن بشير أن الأشياخ حكوا عن كتاب ابن سحنون أنه يقضي بقيمتها، وظاهره بقيمة الفلوس. لكن حكى بعضهم عن كتاب ابن سحنون أنه يتبعه بقيمة السلعة، وعلى هذا فالشاذ في كلامه متنازع في معناه. لكن ذكر المازري عن شيخه عبد الحميد أنه أوجب قيمة الفلوس، لأنه أعطى شيئًا منتفعًا به لأخذ منتفع به فلا يظلم بأن يعطي ما لا منفعة فيه. وألزمه اللخمي عليه أن لمن أسلم في طعام ثم صار الطعام لا يساوي شيئًا له قدر أن يبطل السلم.
وأجاب المازري بأن الأصل في السلم ألا يجوز، لأنه بيع ما ليس عندك، ولكن رخص فيه لأجل الرفق، والارتفاق الذي هو سبب الرخصة إنما هو اختلاف الأسواق، ولهذا لم يجز مالك السلم الحال، فلو أثر اختلاف الأسواق في فسخه وهو السبب في جوازه وصحته لكان كالمتناقض بخلاف الدراهم والدنانير.
فلو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم
اعلم أن اجتماعهما لا يحصل إلا بالأخير منهما، وحاصله: إن كان الاستحقاق أولًا فليس له القيمة إلا في يوم العدم، وإن كان العدم أولًا فليس له القيمة إلا يوم الاستحقاق، وهذا كأقصى الأجلين في العدة.
وما ذكره المصنف من وجوب القيمة يوم اجتماع الاستحقاق والعدم هو اختيار اللخمي وغيره. وقال بعض الشيوخ: تؤخذ منه القيمة يوم التحاكم، لأنها لم تزل في ذمته إليه.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
وفيها: لا تقضي المجموعة من القائمة والفرادى، وتقضي القائمة منهما، وتقضى الفرادى من القائمة دون المجموعة
نسبها للمدونة لإشكالها لما سيذكره من قوله: (ومقتضى) إلخ. وإنما لم تقض المجموعة من القائمة والفرادى، لأن القائمة والفرادى أطيب والمجموعة أكثر عددًا، فدار الفضل وأجاز اقتضاء القائمة منهما، لأن القائمة أوزن منهما فجاز اقتضاؤها منهما لانفرادها بزيادة فيهما. وبأن اقتضاء الفرادى من القائمة لانفراد القائمة بفضيلة الوزن، ولم يجز اقتضاء الفرادى من المجموعة لدوران الفضل، إذ الفرادى أطيب والمجموعة أكثر عددًا.
اللخمي: وهذه الثلاثة في الاقتضاء على ثلاثة أوجه، فيجوز في القائمة والفرادى أن يقتضى بعضها م نبعض من غير مراعاة في الفرادى. ولا يجوز في الفرادى والمجموعة أن يقتضى بعضها من بعض على حال. ويجوز أن تقتضي القائمة من المجموعة ولا تقتضي المجموعة من القائمة.
هذا قوله في الكتاب، والصواب جواز اقتضاء المجموعة من القائمة كما يجوز أن تقتضي القائمة منها.
فالمجموعة: المجموع من ذهوب ومن وازن وناقص
أخذ يفسر معاني هذه الألفاظ. وقوله: (من ذهوب) أي: ذهوب مختلفة من جيد ورديء، وكذلك قال ابن شاس. ولم يذكر في المدونة ولا غيرها في تعريفهما إلا الاختلاف في الوزن. والذهوب: جمع ذهب، ويجمع على أذهاب، قاله الجوهري.
والقائمة: جيدة تزيد إذا جمعت
أي: هي نوع واحد جيد، كاملة في قدرها إذا جمعت منها المائة تزيد قدر الدينار، وهذا في المدونة.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
والفرادى: جيدة تنقص يسيرًا إذا جمعت
هي كالقائمة إلا أنها تنقص الدينار في المائة، وهي أجود من المجموعة وأردأ من القائمة، قاله المازري.
فللقائمة فضل الوزن والجودة
أي عليهما.
وللمجموعة فضل العدد
أي عليهما.
وللفرادى فضل الجودة والعدد
أي: لها فضل الجودة بالنسبة إلى المجموعة. أما العدد فليس كذلك، لأن عددها وعدد القائمة واحد، والمجموعة أفضل عددًا كما تقدم.
ومقتضى منع المجموعة من القائمة منع القائمة منها، وفرق بأن المجموعة لما ثبتت في الذمة والاعتبار فيها بالوزن ألغي العدد فصار الفضل في جهة
أي: ومقتضى منع اقتضاء المجموعة من القائمة منع اقتضاء القائمة منها، لأن للمجموعة فضل العدد وللقائمة فضل الوزن والجودة فدار الفضل. وقد قيل: يمتنع اقتضاء كل منهما عن الأخرى وقد ذكرنا أن اللخمي أجاز اقتضاء كل من الأخرى.
وفرق ابن أبي زيد بأن المجموعة إذا تقدم ترتبها في الذمة فإنما دخل صاحبها على الوزن فقط، لأنه لم يترتب له عدد معلوم، ولو أعطاه أقل ما يمكن من العدد ما كان له أن يمتنع ولا يدري ما يعطيه، بخلاف ما إذا تقدمت القائمة في الذمة فإنه قد ترتب له عدد، فإذا قضاه مجموعة فإن النفس إذ ذاك تتشوف إلى زيادة العدد فافترقا.
[ ٥ / ٣٠٧ ]
المطعومات: ما يعد طعامًا لا دواء
لما انقضى كلامه على النوع الأول من الربوي أتبعه بالكلام على النوع الثاني. وليس المارد بالمطعوم ما له طعم، بل الأخص وهو ما كان مقتاتًا مدخرًا في زمنه في سائر الأقطار. ولا خلاف بين العلماء أن الحكم ليس مقصورًا على الأربعة المذكورة في الحديث الصحيح، أعني: قوله ﵊: «البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يدًا بيد، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
واختلف في العلة، فقيل: المالية. فكل مالين من جنس واحد يحرم فيه التفاضل، فلا يباع ثوب [٤٥٠/أ] بثوبين، ونسبه بعضهم لابن الماجشون. المازري: وأنكر بعضهم هذا النقل وأضاف الغلط لناقله.
ومذهب الشافعي: أنها الطعم في الجنس الواحد. ومذهب أبي حنيفة: أنها الكيل مع الجنس. ومذهب ربيعة: أنها مالية الزكاة.
وليس الغرض هنا الحجاج مع الخصوم ولا التطويل بالتوجيه والفروع، بل ذكر ما لابد منه مما يتعلق بكلام المصنف.
العلة: الاقتيات، وفي معناه: إصلاحه. وقيل: الادخار. وقيل: غلبته. وقيل: الاقتيات والادخار، وعليه الأكثر. وقيل: أو التفكه والادخار، وأنكره اللخمي. وقال القاضيان: الاقتيات والادخار للعيش غالبًا، وأنكره اللخمي
انظر كيف قدم القول بالاقتيات وهو خلاف ما عليه الأكثرون، ولعله- والله أعلم- لما سيقوله أن لبن الإبل يقوي الاقتيات، يعني: أنه اختلف في العلة في مذهبنا. فقال القاضي إسماعيل، وابن بكير: العلة الاقتيات، خلاف ما عليه الأكثرون. وفي معنى الاقتيات إصلاحه ليدخل الملح والتوابل.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
والقول بالادخار لابن نافع، وبغلبته لمالك، هكذا قال الباجي وغيره.
ويظهر الفرق بين الادخار وغلبته في العنب الذي لا يزبب، والرطب الذي لا يثمر، فعلى الادخار يخرج وعلى غلبته يدخل. فما نسبه المصنف للأكثر عليه تأول ابن رشد مذهب الكتاب.
وقوله: (وقيل: أو التكفه) يعني: أن هذا القائل يرى أن العلة الادخار مع الاقتيات أو مع التفكه، وذكره الأبهري عن بعض الأصحاب، فقال: من أصحابنا من يعلل الأربعة التي في الحديث بثلاث علل: فالبر مدخر، فكل مقتات مدخر فهو مردود إليه. والتمر متفكه مصلح للقوت، فكل ما وجد فيه ذلك فهو مثله. والملح مؤتدم، فكل ما وجد فيه ذلك فهو مثله.
اللخمي: والقول بأن التمر متفكه غلط، لأنه كان بالمدينة أصلًا للعيش، وكذلك مدائن اليمن هو العمدة في أقواتهم، ويلزم القائل بأنه متفكه أن يسقط الزكاة منه أو يوجب الزكاة في الفواكه. والقاضيان ابن القصار، وعبد الوهاب. وتأول أبو جعفر القرطبي مذهب المدونة على مذهبهما. وأنكر اللخمي التعليل بكونه أصلًا للمعاش غالبًا، قال: وإنما يحسن أن يكون هذا تعليلًا لوجوب الزكاة، ولهذا لم تجب الزكاة في الجوز واللوز وما أشبه ذلك.
وفي الموطأ: أن الجوز ونحوه ربوي، وهو قول ابن حبيب. وفي المدونة ما يدل عليه، لأن فيها: وكل طعام أو إدام يدخر فلا يجوز التفاضل فيه إلا ما لا يدخر من رطب الفواكه، كالتفاح، والرمان، والخوخ، واللوز، والموز
ولبن الإبل يقوي الاقتيات، وأجيب بأن دوام وجوده كادخاره، وبالخلاف في الموز
يعني: أن اتفاق أهل المذهب على أن لبن الإبل ربوي دليل على أنه يكفي وصف الاقتيات فقط. وأجيب: بأنه وإن تخلف منه وصف الادخار لكن خلفه ما يقوم مقامه،
[ ٥ / ٣٠٩ ]
وهو دوام الوجود. وأجيب أيضًا: بأن الخلاف في الموز هل هو ربوي أو لا، وليس بمدخر إلا أن دوام وجوده يقوم مقام ادخاره. ومذهب المدونة والموطأ جواز التفاضل في الموز. قال في البيان: وهو الصحيح خلافًا لابن نافع.
فما اتفق فيه وجودها فربوي كالحنطة، والشعير، والسلت، والعلس، والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني، والتمر، والزبيب، واللحم، والملح، والزيتون، والخردل، والقرطم، وبذر الفجل لما يعتصر منها، والبصل، والثوم، وتردده في التين لأنه غير مقتات بالحجاز، وإلا فهو أظهر من الزبيب
ابن عبد السلام: الضمير المضاف إليه (وجود) عائد على الاقتيات والادخار. وكأ، هـ وقع في نسخته: (وجودهما) على التثنية، وفيه نظر، فإن الموجود فيما بأيدينا من النسخ: (وجودها) ولأن غرض المصنف أن يجعل الأقسام ثلاثة: قسم اتفق على أنه ربوي. ومقابله. والثالث مختلف فيه.
ولا يحصل الاتفاق بمجرد حصول الاقتيات والادخار، لأن من يشترط في الادخار أن يكون للعيش غالبًا لا يكتفي بمطلقه.
والذي يؤخذ من كلام ابن شاس أنه عائد على الثلاثة: الاقتيات والادخار والاتخاذ للعيش غالبًا، فإنه قال: وينقسم الطعام ثلاثة أقسام: قسم اتفق أهل المذهب على أنه ربوي، فهو ما اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة فكان مقتاحًا مدخرًا للعيش غالبًا.
خليل: ويمكن عوده على الستة، وعلى ذلك مشاه ابن راشد.
فإن قيل: المصنف مثل بأشياء لم يتفق وجودها في بعضها كالملح والزيتون وما بعده.
قيل: ينبغي أن يكون في الكلام حذف معطوف، أي: فما اتفق فيه وجودها أو كان مصلحًا للقوت.
[ ٥ / ٣١٠ ]
ابن رشد: ويرد على المصنف، وابن شاس قول ابن القاسم في المستخرجة: إن كل زريعة تؤكل ويخرج من حبها طعام فلا تباع حتى تستوفى ولا يباع منها اثنان بواحد، وكل زريعة لا تؤكل ويستخرج من حبها ما يؤكل فتباع قبل أن تستوفى ويباع منها اثنان بواحد ويباع بعضها ببعض إلى أجل. فعلى هذا يباع حب الفجل الأحمر بعضه ببعض إلى أجل وهو خلاف ما في الجواهر. انتهى.
والربوي- بكسر الراء- منسوب إلى الربا. والسلت: قال في المشارق: حب بين البر والشعير لا قشر له. الجوهري، والعلس: ضرب من الحنطة تكون حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء.
والقطاني: مفرده قطنية، عياض: بضم القاف وكسرها وتسهيل الياء. والفجل: بضم الفاء، الجوهري: هو معروف واحده فجلة. [٤٥٠/ب] وكذلك قال في الثوم: معروف. وذكر الجوهري في الأرز ست لغات: أَرُزٌّ تتبع الضمةُ الضمةُ. وأُرْزٌ، وأُرُزٌ، مثل: رُسْلٌ ورُسُلٌ. ورُزٌّ ورُنْزٌ.
والخردل: بالدال المهملة. ابن قتيبة: ويقال: قُرطم وقِرطم بالضم والكسر، وهو حب العصفر. والأظهر في التين أنه ربوي لما قاله المصنف أنه فيه أظهر من الزبيب، وقد ذكر صاحب التلقين فيه خلافًا.
وما لم يوجد فيه أحدها فغير ربوي، كالخس، والهندباء، والقضب، والفواكه التي لا تقتات ولا تدخر، وكذلك ما ليس بمطعوم كالصبر، والزعفران والشاهترج
الخَس- بالفتح- معلوم. والهندباء: يمد ويقصر يقال: هندبة وهندبات بفتح الدال وهو البقل. والقضب: هو الفصفصا وهي من العلف.
[ ٥ / ٣١١ ]
وقوله: (والْفوَاكِهِ) أي: كالبطيخ والقثاء والأترج.
الجوهري: والصِّبر: بكسر الباء هو الدواء المر، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر. ونقل ابن سحنون إجماع العلماء على أن الزعفران ليس بطعام، ويجوز بيعه قبل قبضه.
وما اختلف فيه قد يكون كذلك كاللوز، والفستق، والجوز، والبندق، والجراد، لأنه يدخر ولا يقتات، أو لا يدخر للاقتيات
الإشارة بذلك للخلاف في العلة، فإنه قد يوجد في الشيء أحد الأوصاف، فإن الجوز، واللوز، والبندق، والجراد يدخر ولا يقتات. المازري: المعروف من المذهب أن الجراد ليس بربوي خلافًا لسحنون.
وذكر سند أن ظاهر المذهب أنه ربوي، واختاره اللخمي. ونسب اللخمي القول بأنه ليس بربوي لأشهب.
وقوله: (لأنه يدخر ولا يقتات، أو لا يدخر للاقتيات) ابن راشد: والضمير في (لأنه) يحتمل أن يعود على الجراد لأنه أقرب مذكور، ويحتمل أن يعود على الجميع. وجوز فيه ابن عبد السلام وجهين:
أحدهما: أن يرجع قوله: (لأنه يدخر ولا يقتات) لما قبل الجراد، ويرجع قوله: (أو لا يدخر للاقتيات) للجراد خاصة، لأنه يقتات ولا يدخر، لذلك فتكون (أو) للتفصيل.
والثاني: أن تكون (أو) للإبهام ويكون القسمان راجعين إلى مجموع ما تقدم.
والُستَق: بضم الفاء وفتح التاء. والبُنُدق: بضم الباء والدال، وفيه لغة أخرى بالفاء عوض الباء.
[ ٥ / ٣١٢ ]
وكاللبن، لأنه يقتات ولا يدخر
أي: أن اللبن مما اختلف فيه، لأنه مما وجد فيه الاقتيات دون الادخار. فإن قيل: قد ذكر أولًا ما يقتضي أنه غير مختلف فيه، لأنه لو كان الاختلاف حاصلًا فيه لما تمت له التقوية. وقد تقدم أنهم جعلوا دوام وجودة يقوم مقام ادخاره، فكيف يعده من المختلف فيه؟ فجوابه أن فيه خلافًا ولكنه ضعيف، وسيذكره المصنف، وهو قوله: (والمعروف أن اللبن مطلقًا ربوي) وذلك أن وجود الخلاف لا ينافي التقوية، وهذا الخلاف إنما هو في اللبن المخيض، كما سيأتي، وأما الحليب، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، فيمتنع التفاضل في ذلك بالاتفاق، صرح به اللخمي.
وكالعنب الذي لا يزبب، والرطب الذي لا يتمر، لأنه يدخر غالبه ولا يدخر
هذا ظاهر مما تقدم، ولما كان غالبه يدخر لا يلتفت إلى نادره.
وكالرمان، والخوخ والكمثرى مما يدخر في قطر دون قطر، لأنه يدخر ولا يدخر غالبه، أو لا يقتات
القول بأنه ربوي لابن نافع، وأجاز مالك في الموطأ التفاضل في الخوخ والرمان، والمشهور- وهو مذهب الكتان- جواز التفاضل في الخوخ والرمان وشبهه، بناء على اعتبار الادخار الغالب، وأنه لا يلتفت إلى الادخار النادر.
والفرق بين هذين وبين العنب الذي لا يزبب: أن العنب غالبه يدخر وهذه على العكس، ولأن ذلك في المقتات وهذه في الفواكه.
والكمثرى: بفتح الميم المشددة، والثاء المثلثة، الجوهري: الواحدة كمثرات، وهي نوع من الإجاص.
[ ٥ / ٣١٣ ]
وقد يكون لتحقق العلة كالبيض، قيل: يدخر، وقيل: لا. وقيل: يقتات، وقيل: لا
هذا الذي يقول الفقهاء فيه: خلاف في شهادة، وخلاف في حال. والمشهور في البيض أنه ربوي.
وذكر ابن شعبان قولًا بجواز التفاضل فيه، واختار الباجي، وقال: إنه مقتات. وقال ابن بشير: ليس بمقتات. ونص المتيطي على أن القولين في علة البيض روايتان.
محمد: والبيض كله صنف، بيض ما يستحيي وبيض ما لا يستحيي، وما يطير وما لا يطير.
وكالسكر والعسل
يعني: أنه مما اختلف فيهما لتحقق العلة هل هما إدامان أو دواءان. والأقرب في العسل أنه ملحق بالإدام، لغلبة هذا المعنى فيه في أكثر البلاد دون السكر. وقد نص في المدونة على أن السكر ربوي.
وكالتوابل: كالفلفل، والكزبرة، والأنيسون، والشمار، والكمونين. قال ابن القاسم: مطعم مصلح للقوت مدخر، وقال أصبغ: دواء، بخلاف البصل والثوم
عياض: الفلفل بضم الفاءين. الجوهري: والكزبرة بضم الباء وقد تفتح، وأظنه معربًا.
وقال عياض: والكسبرة بضم الكاف والباء، ويقال بالزاي أيضًا. وكلامه ظاهر التصور.
ونسب المصنف لأصبغ أن الفلفل وما عطف عليه دواء. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: وليس كذلك، إنما حالف في الأنيسون والشمار والكمونين. ففي الموازية، قال ابن القاسم: والشمار والأنيسون صنف، وذلك كله من الطعام.
[ ٥ / ٣١٤ ]
وقال أصبغ ومحمد: هذه الأربعة ليست من الطعام هي من الأدوية، وإنما التي من الطعام: الفلفل، والكرويا، والكسبرة، والقرفة، والسنبل. قال: وإنما وهمه في ذلك ابن شاس، فإنه ذكر التوابل ولم يعرف، ونسب الخلاف فيها إلى ابن القاسم وأصبغ. انتهى.
وذكر المازري أنه اختلف في التوابل، قال: كالفلفل، والكمون، والكرويا هل هي من الربويات أم لا؟
وقوله: (بخلاف البصل الثوم) [٤٥١/أ] أي: أنهما لم يختلف في أنهما ربويان، لأنهما مصلحان للطعام، وهما جنسان مختلفان، حكاه ابن المواز عن مالك.
وكالحبة وفيها: طريقان، الأولى: ثالثها الخضراء مطعوم، واليابسة دواء. والثانية: الثالث
أي: ومما اختلف فيه لتحقق العلة الحلبة، وفيها طريقان، الأولى: وفيها ثلاثة أقوال: الأول لابن القاسم في الموازية: أنها طعام مطلقًا. الثاني لابن حبيب: أنها دواء مطلقًا. والثالث لأصبغ في الموازية: أن الخضراء طعام واليابسة دواء. ورأى بعض المتأخرين هذا التفصيل تفسيرًا، وأن المذهب على قولٍ واحد.
وعلى هذا فالخلاف في الحلبة إنما هل هي طعام أو دواء؟ لا في أنها ربوية أو لا، وكلام المصنف يوهم ذلك، لأنه إنما تكلم في الربوي. والله أعلم.
وكالطلع، والبلح الصغير، وقيل: والكبير، ولم يختلف في البسر أنه ربوي
اعلم أن الخلاف الذي في الطلع والبلح الصغير إنما هو هل هو طعام أو ليس بطعام؟ هكذا ذكر ابن شاس وغيره، ومذهب المدونة في البلح الصغير أنه علف، وإذا كان كذلك فالطلع أحرى.
[ ٥ / ٣١٥ ]
وفي الموازية: لا بأس بالطلع متفاضلًا أو بصغير البلح، وكذلك الجمار. والطلع: طعام فلا يصح بالطعام يدًا بيد، نقله ابن يونس. وكذا ذكر اللخمي الخلاف في البلح الصغير، فقال: اختلف فيه هل له حكم الطعام؟ فقال مالك: هو علف. وقال ابن القاسم: هو بمنزلة البقل. قال: وأرى أن ينظر للعادة فيه، فإن كانوا يريدونه للعلف واستعماله للأكل قليل فله حكم العروض، وإن كانوا يريدونه للأكل وغيره نادر وكان استعماله في كليهما كثيرًا فله حكم الطعام.
وأما البلح الكبير فليس الخلاف فيه هل هو طعام أو لا؟ وإنما الخلاف فيه هل هو طعام ربوي يحرم فيه التفاضل؟ ففي المدونة: لا يجوز إلا مثلًا بمثل وهو المشهور. وقال الشيخ أبو إسحاق: وليس هو بربوي، لأنه لا يدخر فأشبه الخضروات. اللخمي: وهو أحسن لأنه غير مدخر، فكذلك البلح الكبير بالبسر أو الثمر. قال مالك: لا خير فيه. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: تركه أحب إلي، وعسى أن يجوز. قال: وهذا أقيس، لأنه قد يدخر ما ليس بمدخر. وإذا تقرر ما ذكرناه فكان ينبغي للمصنف ألا يخلط البلح الكبير مع الصغير والطلع، لأن الخلاف فيهما متباين كما ذكرنا. وخلطه لهما ملزم لأحد أمرين، لأن ظاهر كلامه أن في البلح الكبير طريقين، وإن أراد أن الطريقين في أنه طعام أو لا؟ فليس كذلك، لأنه طعام اتفاقًا، وإنما الخلاف هل هو ربوي أو لا؟ وإن أراد أن الطريقين فيه في أنه ربوي أو لا؟ وعليه حمله بعضهم فيبقى كلامه يفيد أن في البلح الصغير قولًا بأنه ربوي، وليس بموجود.
والمعروف أن اللبن مطلقًا ربوي، وخرج اللخمي من المدونة من قوله: ويجوز سمن بلبن قد أخرج زبده، فقال: لو كان ربويا لكان من الرطب باليابس. ورده ابن بشير بأن السمن نقلته الصنعة والنار
مقابل المشهور للخمي، فإنه رأى جواز التفاضل بين المخيض والمضروب. فإن قلت: لِمَ لَمْ يجعل مقابل المعروف تخريجًا؟ قيل: لأنه لو أراد ذلك لقال على المنصوص، كما هو الأغلب في كلامه.
[ ٥ / ٣١٦ ]
فإن قلت: اللخمي إنما رأى ذلك اعتمادًا على ما فهمه من المدونة. قيل: لا بل ذكر أولًا التخريج ثم ذكر بعد ذلك رأيه فيه، وسيظهر لك ذلك من لفظه.
ومراد المصنف بالإطلاق، سواء كان لبن الإبل أو غيرها مضروبًا أو غيره.
ابن بشير: لم يختلف أهل المذهب في كون اللبن ربويًا على اختلاف أصنافه، وهو وإن كان لا يدخر على حالته فإنه يستخرج منه ما يدخر كالسمن والجبن.
وقال اللخمي: لم يختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضرب بالمضروب متفاضلًا، لأنهما لا يدخران، فمن منع التفاضل فيهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن، لأنه كالرطب باليابس، ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب، كان من الحليب أو غيره.
قال، وقال مالك في المدونة: لا بأس بالسمن باللبن الذي قد أخرج زبده. وهذا لا يصح إلا على القول أن التفاضل بينهما جائز لا أنه كرطب باليابس.
وأرى أن يجوز التفاضل بين المخيض والمضروب، لأنه مما لا يدخر. ومن منع ذلك. حمله على الأصل. انتهى.
ورد ما أشار إليه اللخمي من التخريج أنه إذا ثبت له أنه ربوي قبل إخراج زبده لكونه مقتاتًا وكون دوام وجوده كادخاره، فلا يزيل عنه إلا زوال ذلك الوصف. نعم لو ثبت له حكم الربوية، لأنه مشتمل على الزبد أمكن زوال الحكم بزوال الزبد.
قوله: (ورده ابن بشير) يعني: رد ابن بشير ما خرجه اللخمي من هذه المسألة أن السمن صار بالصنعة والنار كجنس آخر وسيأتي ذلك. وتبع المصنف في نسبة هذا لابن بشير ابن شاس، وليس هو في تنبيهه ولعله في غيره.
[ ٥ / ٣١٧ ]
ووهما فإن بعده فأما بلبن فيه زبد فلا
أي: وهم اللخمي في تخريجه، وابن بشير في رده، لأن بعد اللفظ الذي خرج منه اللخمي: (فأما بلبن فيه زبد فلا) فأما وهم ابن بشير فظاهر، لأن السمن لو نقلته الصنعة لجاز باللبن الذي فيه الزبد. وأما وهم اللخمي منه ففيه بعد، ولهذا وقع في بعض النسخ (ووهم) بالإفراد. ووجهه على (بعده) أن ترتيب المنع على وجود الزبد فيه، لقوله: (فيه زبد) دليل على أن المنع لأجل الزبد لما يؤدي إليه من المزابنة، وحينئذ يكون من باب الرطب باليابس، إذ لا يعلم [٤٥١/ب] مقدار الأجزاء التي فيه من الزبد لو تجمعت هل هي مساوية لأجزاء السمن المجموعة أم لا؟ وليس كذلك إذا لم يكن فيه زبد، لأنه ليس فيه ما يتقى منه المزابنة المقتضية للمنع مطلقًا، إلا أنه لا يجوز به متفاضلًا كما توهم اللخمي.
والمعروف أن الماء ليس بربوي
يجوز فيه التفاضل والنسيئة.
وخرجه عبد الوهاب على غير المشهور في منع بيع الماء بالطعام إلى أجل
يعني: أن المشهور جواز بيع الماء بالطعام إلى أجل، ومنعه ابن نافع، وخرج عبد الوهاب قولًا بمنع التفاضل فيه من قول ابن نافع، لأنه لما دخل فيه ربا النساء دخل فيه التفاضل.
ووهم بأن هذا حكم الطعام غير الربوي أيضًا
هذا التوهيم للمازري، ووجهه: أن ربا النساء أعم من ربا التفاضل فلا يلزم من وجود ربا النساء الذي هو الأعم وجود ربا الفضل الذي هو الأخص، ألا ترى أن الخس ونحوه يمتنع بعضه ببعض إلى أجل.
[ ٥ / ٣١٨ ]
واختلاف الجنسية يبيح التفاضل، والمعول في اتحادها على استواء المنافع وتقاربها
لقوله ﷺ: «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد». ثم ذكر ضابط الجنس الواحد والجنسين الواحد والجنسين، فإن كان الطعامان يستويان في المنفعة كأصناف الحنطة أو يتقاربان كالقمح والشعير كانا جنسًا، وإن تباينا كالتمر مع القمح كانا جنسين.
فمنه ما اتفق على جنسيته، كأنواع الحنطة وأنواع التمر وأصناف الزبيب
هذا ظاهر.
وكلحوم دواب الأربع مطلقًا
أي: إنسية كانت أو حشية، صغيرًا أو كبيرًا.
وكلحوم الطير
أي: أنها صنف واحدٌ إنسيتها ووحشيتها، لتقارب منافعها.
وكدواب الماء
أي: كذلك صنف واحد.
وكالجراد
أي: جنس مفرد على القول بأنه ربوي وقد تقدم، وقيل: إنه من جملة الطير.
وكالألبان مطلقًا، وإن لم تتساو في وجود الزبد والجبن
أي: فإنها جنس، والجبن: بسكون الباء وهي الفصحى، ذكرها صاحب الفصيح.
ويقال: جبن بضم الباء والنون مع تخفيفها وتشديدها.
[ ٥ / ٣١٩ ]
ومنه ما اتفق على اختلافها كبعض ما ذكر مع بعض
أي: كبعض ما ذكر أنه متحد مع غير جنسه ونوعه، كالتمر مع الزبيب.
ومنه ما اختلف فيه، كالقمح والشعير المنصوص الجنسية لتقارب منفعتهما في القوتية
مقابل المنصوص اختيار السيوري وتلميذه عبد الحميد أنهما جنسا، وهو مذهب الشافعي، لقوله ﵊: «فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم» ووجه المصنف المشهور بقوله: لتقارب منفعتهما في القوتية، ودليله ما في مسلم عن معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلامه بصاع من قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا. فذهب الغلام وأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا فأخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذ إلا مثلًا بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الطعام مثلًا بمثل» وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل: فإنه ليس مثله، قال: فأنا أخاف أن يضارع.
مالك في الموطأ بعد أن ذكر ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود، ومعيقيب الدوسي﵃- مثله: أنه الأمر عندنا.
ومثله السلت، وقيل: والعلس
أي: السلت ملحق بالقمح والشعير، ولعله إنما فصله عنهما لعدم تحقق قول السيوري فيه. والمشهور أن العلس لا يلحق بالثلاثة، وهو قول المصريين، وضمه المدنيون إليها.
بخلاف الأرز، والذرة، والدخن على المشهور
أي: أن المشهور أن الأرز وما ذكر معه لا يضم إلى القمح، والشاذ لابن وهب، وهو بعيد.
[ ٥ / ٣٢٠ ]
ثم في جنسيتها قولان
أي: إذا فرعنا على المشهور من أنها مباينة لما تقدم، فهل هذه الثلاثة جنس واحد أو أجناس؟ المازري، والمتيطي: والمشهور أنها أجناس. ونقل عن ابن وهب أنها جنس.
واختلف في القطاني، فقيل: جنس، وقيل: أجناس، وقيل: الحمص واللوبيا جنس، والبسيلة والجلبان جنس
الحمص: قال ثعلب: الاختيار فيه فتح الميم. وقال المبرد: هو بكسر الميم. وذكر المصنف ثلاثة أقوال: القول بأنها كلها جنس واحد، رواه ابن وهب. والقول بأنها أجناس، رواه ابن القاسم وهو المشهور. والقول الثالث في الجلاب، ونسب لابن القاسم وأشهب. وروى أشهب عن مالك: أن الحمص والعدس صنف واحد وسائر القطاني أصناف.
والكرسنة: قيل: من القطاني، وقيل: لا
القول بأنها منها لمالك في التعبية، والآخر لابن حبيب.
واختلف في الأمراق باللحوم المطبوخة المختلفة، والمشهور أنها جنس
لا شك أن المطبوخة صفة للحوم، والمختلفة الأحسن جعلها صفة للأمراق، ويكون بمعنى أنه اختلف في اللحوم إذا طبخت بأمراق مختلفة، والباء بمعنى مع، فالمشهور أن ذلك جنس. قال في المدونة: والمطبوخ كله صنف وإن اختلفت صفة طبخة كقلية بعسل وأخرى بخل أو لبن، يعني: وكذلك إذا اختلفت اللحوم.
ومقابل المشهور للخمي قال: القياس جواز التفاضل لتباين الأغراض. ويجوز أن تكون المختلفة صفة للحوم ويصير المعنى: أنه اختلف اللحمان من جنسين مختلفين كلحم الوحش ولحم الطير هل يصيبر بالطبخ جنسًا واحدًا أو لا؟
[ ٥ / ٣٢١ ]
وقلنا: الوجه الأول أحسن، لأن المسالة منقولة عنه في الدواوين عليه. وتكلم في الجواهر على الصورتين، [٤٥٢/أ] فقال: المذهب أن الأمراق واللحوم المطبوخة صنف، ولا يلتفت إلى اختلاف اللحوم ولا اختلاف ما يطبخ به. وتعقب هذا بعض المتأخرين ورأي أن الزبرباج يخالف الطباهجة، وكذلك ما يعمل من لحم الطير مخالف لما يعمل من لحم الغنم. واختار ابن يونس أن اللحمين المختلفي الجنس إذا طبخا لا يصيران جنسًا واحدًا. والباء في الأمراق للمصاحبة كما تقدم. باللحوم، أي: تعاوضا لحمين مع كل واحد منهما مرق. ولا ينبغي أن تكون سببية لإيهامه أن التعاوض في المرقتين وليس هو مراده، وكذلك لا يجوز أن تكون للعوض، لأنه يلزم أن يكون المعنى أنه اختلف في التعاوض بين اللحم وحده مع المرق وحده وليس هو مراده.
واعلم أن ظاهر المذهب جواز بيع المطبوخ وزنًا، وهو الذي يؤخذ من المدونة.
سند: وعلى قول ابن حبيب يمنع القديد بالقديد، والمشوي بالمشوي، لا يجوز المطبوخ بالمطبوخ لاختلاف تأثير النار. وعلى الجواز، فهل تراعى المثلية في الحال أو حال كون اللحم ينافيه، قولان، وإن راعينا المثلية في الحال. سند: وهو الظاهر.
فمذهب ابن أبي زيد القيرواني: أن الأمراق داخلة في حكم اللحم وأنها معها جنس واحد، فإنه قال: يتحرى اللحمان وما يتبعهما من المرق، لأن المرق من اللحم. قال: وكذلك الهريسة بالهريسة. وقال غيره: إنما يتحرى اللحم خاصة حيث كان نيئًا ولا يلتفت إليه بعد ذلك ولا إلى ما معه من المرق. وصححه عبد الحق وأيده بتحري الخبز بالخبز، والعجين بالعجين أنه يتحرى ما دخلها من الدقيق ولا يراعى تماثل الأعيان الآن. وأما ما يطبخ تبعًا مع اللحم فضربان: ضرب له بعد الطبخ عين قائمة، كاللفت والباذنجان، فابن أبي زيد يجعله تبعًا لحكم اللحم- وقد تقدم قوله في الهريسة- وغيره يقول: لا يباع مع اللحم ولا يتبعه، لأنه لحم وبقل بلحم وبقل.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
ويجوز بيع بعضه ببعض متماثلًا ومتفاضلًا إن كان من البقول غير المدخرة، وإن ادخر كالبصل والثوم فلا يباع منها متفاضلًا. وضرب ليس له عين قائمة، فمن أصحابنا من يعطيه حكم اللحم، ومنهم من يعطيه حكم الماء، لأنه في أصله جنس غير اللحم فلا يتغير بطبخه معه.
واختلف في التوابل أنها ربوية، والمشهور أنها أجناس، وقال ابن القاسم: الأنيسون والشمار جنس، والكمونان جنس وأنكره الباجي
التوابل: جمع تابل بفتح الباء. وتبع المصنف في تعيين المشهور ابن شاس، وهو مقتضى النقل، ففي ابن يونس أن ابن القاسم قال في الموازية: الفلفل، والقرفاء، والسنبل، والكسبرة، والقرنباد وهو الكرويا، والشونين وهو الكمون الأسود، والملح هذا كله طعام لا يباع إذا اشترى على الكيل والوزن حتى يستوفى، ولا يصلح منه اثنان بواحد إلا أن تختلف الأنواع. ابن المواز، قال ابن القاسم: ومثله الشمار، والأنيسون، والكمونان كلها صنف واحد وهو طعام. وقال أصبغ، ومحمد في هذه الأربعة أصناف: أنها ليست بطعام وهي من الأدوية. قال أشهب، قال مالك: كل واحد من ذلك صنف. انتهى.
فما رواه أشهب عن مالك مؤيد لما شهره المصنف أنها أجناس. ومقابل المشهور في كلامه يحتمل أن يريد به قول ابن القاسم، ويحتمل أن يريد به أنها كلها جنس.
وأنكره الباجي- أي: قول ابن القاسم- وفي بعض النسخ: (وكرهه) وهي بمعناها. وليس المراد الكراهة التي تقابل الإباحة. ولفظه في المنتقى بعد أن حكى قول ابن القاسم: والأظهر عندي أن تكون أجناسًا لاختلاف منافعها وتباين الأغراض فيها، وأنها لا تتمازج في منبت ولا محصد، ولا يجزئ بعضها عن بعض في شيء، وإنما يجمعها اسم الكمون، وليس بظاهر في الكمون الأسود، لأن اسم الشونين فيه أظهر لفظًا وأكثر استعمالًا.
قوله: (على أنها ربوية) أي: على قول ابن القاسم المتقدم.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
واختلف في الأخباز المختلفة الحبوب، وفي الخلول
أما الأخبار، ففيها ثلاثة أقوال، الأول: أنها كلها صنف. ابن رشد: وهو المشهور. الثاني: أنها تابعة لأصولها، وهو قول البرقي. والثالث: أن خبز القطاني صنف وخبر غيرها صنف، ونسب لان القاسم وأشهب.
والمعروف من المذهب أن الخلول صنف لاتحاد المنفعة، والمشهور: أن الأنبذة أيضًا جنس، خلافًا لأبي الفرج.
واختلف في الخبز والكعك بالأبزار، والمذهب أنهما جنسان
الأبزار راجعة إلى الكعك. وذكره الخلاف أولًا مع ذكر المذهب ثانيًا فيه إشارة على أن القول بأنهما جنس، إما اختيار أو تخريج، وهو كذلك. قال ابن شاس، قال بعض المتأخرين: وانظر هذا، أي: كونهما جنسين مع قولهم أن الألوان كلها صنف، ومقتضى هذا أن يجعل الكعك والخبز صنفًا واحدًا. ومفهوم كلامه أنه لو كان الكعك بغير أبزار لكان مع الخبز جنسًا واحدًا. وألحق اللخمي بالأبزار ما إذا كان يده، قال: لأن الزيت ينقل الطعم كما ينقل الأبزار.
خليل: والظاهر أن الكماج حكمه حكم الخبز، لأنه الكعك الذي لا أبزار فيه.
والصنعة متى كثرت أو طال الزمان نقلت على الأصح، لأن المصنوع يصير معدًا لغير الأصل كالتمر وخله، والزبيب وخله ..
لما ذكر أن الجنس [٤٥٢/ب] الواحد من الربوي لا يجوز فيه التفاضل، أتبعه بأن الصنعة إذا كثرت أو طال الزمان تنقل على الأصح، لأن المصنوع يصير معدًا لغير الأصل، ومثل المصنف ذلك بالتمر وخله.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وقد حكى الباجي واللخمي هذا الخلاف، وعزا الباجي الشاذ للمغيرة، وزاد عن ابن الماجشون ثالثًا بالجواز في اليسير دون الكثير للمزابنة.
واستبعد ابن عبد السلام وجود الخلاف، قال: ولا يلزم من وجود الخلاف في هذين المثالين وجوده في القاعدة لاحتمال أن يكون مبينًا على خلاف في شهادة. وقد يقال: هذا لا يلزم، لأنه تابع لابن شاس، وابن بشير في حكاية الخلاف. وعبر بالأصح عن المشهور، لكن لم يذكر الخلاف إلا في الطول، وعلى هذا فيكون الأصح راجعًا إلى الطول فقط، ويمكن أن يرجع لهما لما حكاه ابن زرقون عن ابن نافع: أنه لا يجوز القمح أو الدقيق بالخبز. وعن ابن عبد الحكم: أنه لا يجوز اللحم النيئ بالمطبوخ بحال، وإن طبخ بأبزار أو خل.
ومتى قلت بغير نار لم تنقل على الأصح، كالتمر ونبيذه، والزبيب ونبيذه
قال في المدونة: سألت مالكًا عن النبيذ بالتمر، قال: لا يصلح. والعصير مثله. وغيره: الأصح ليس نصًا بل أشار الباجي إلى أخذه من رواية أبي زيد عن ابن القاسم في الفقاع بالقمح أنه لا يجوز لتغيير الطعم.
وأجاب سند: بأن الفقاع قد انتقل بما فيه من كثرة الصنعة والتوابل.
والمشهور أن نبيذ التمر والزيت صنفان، والزيوت أصناف
هذه الجملة وقعت في بعض النسخ ونحوه لابن شاس، وهو وهم، بل مذهب المدونة وهو المشهور على ما قاله المازري: أنهما صنف واحد. ونقل الباجي، واللخمي، والمازري ما شهره المصنف عن أبي الفرج.
وما ذكره من أن الزيوت أصناف هو كذلك في المدونة، وعلله باختلاف منافعها، أي: لأن منافعها مختلفة وليست كالخلول واللحم.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
اللخمي: والعسول أصناف، قال: ويجوز التفاضل في زيت الكتان لأنه لا يراد للأكل غالبًا، ويجوز بيعه بزيت الزيتون نقدًا أو إلى أجل، ويجوز التفاضل في زيت اللوز لأنه لا يراد للأكل غالبًا، وإنما يراد للعلاج ويدخل في الأدوية، وكذلك الجوز.
والمذهب أن الطحن والعجن لا ينقل
قال سند: ذهب عامة الفقهاء إلى أن القمح بدقيقه جنس واحد، إلا أبا ثور فإنه جعلهما جنسين وجوز فيهما التفاضل، ووافقه المغيرة من أصحابنا واحتج باختلافهما في الاسم، وأنه لو حلف ألا يأكل دقيقًا لم يحنث بأكل القمح، وكذلك العكس. فلعل المصنف عبر المذهب عن المعروف، كما في قوله: والمذهب أنهما جنسان.
وإن كانت بنار لمجرد تجفيف لم تنقل، وإن كانت بزيادة أبازير كشي اللحم بها، أو تجفيفه بشمس بها، أو طبخه بماء أو غيره، أو خبز الخبز فناقل
قوله: وإن كانت- أي: الصنعة- بمجرد تجفيف- أي: كشي اللحم- بلا أبازير، فإن ذلك لا ينقل ليسارة الصنعة، وفيه إشكال، لأن المقصود منه حينئذ غير المقصود من غير المشوي. وإن كانت الصنعة بزيادة أبازير كشي اللحم بها- أي: بالأبزار- أو تجفيفه بشمس بها، أو طبخه بماء- أي: مع الأبازير- وغيره كالخل مثلًا مع الأبازير، وخبز الخبز، يعني: بتابل.
وقوله: (فناقل) راجع إلى جميع ما تقدم من قوله: (وإن كانت بزيادة أبازير) والضمير في (بها) في المواضع الثلاثة عائد على الأبازير. اللخمي، والمازري: وإن طبخ بالماء صرفًا والملح لم ينتقل. واستشكل شيخنا﵀- جواز الخبز بالعجين لأنه مزابنة، قال: ولو جعلوا السلق ناقلًا ولم يجعلوا الخبز ناقلًا للمزابنة لكان أقرب.
[ ٥ / ٣٢٦ ]
وفي قلي القمح وشبهه قولان
المشهور: النقل، لأنه يزيل المقصود من النقل غالبًا، وإذا كان مجرد القلي ناقلًا فمن باب أولى السويق بالقمح. اللخمي: ويجوز الدقيق بالمقلو بالاتفاق.
وفي السلق، ثالثها في الترمس ناقل، وفي الفول غير ناقل
الثلاثة للأشياخ، والأقرب النقل. والله أعلم. ورأى في الثالث أن السلق في الترمس ناقل، لأنه لا يمكن إلا بعد صنعة طويلة، بخلاف غيره مما لا يؤكل إلا مسلوقًا.
ونص ابن القاسم في العتبية على أنه لا يجوز بيع البيض المسلوق بالنيئ متفاضلًا.
وتعتبر المماثلة حال الكمال، فلا يباع رطب بتمر ونحوهما باتفاق، لتوقع الربا، ولأنه مزابنة
لما قدم أن المماثلة تطلب ذكر الوقت الذي تعتبر فيه، وذكر أنها تعتبر في حال كماله لأنه المقصود، ولهذا لم يجز بيع الرطب بالتمر، لأن الرطب إلى الآن لم يكمل، وقد صح عنه ﵊: أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟». فقالوا: نعم. فقال: «فلا إذًا». صححه الترمذي. واعترض عليه في لفظه التوقع، لأنها إنما تستعمل في المتوهم، والربا هنا متحقق.
وأجيب بأن التوقع بمعنى الوقوع، أو عبر بذلك اعتبارًا بالغالب في الأمور المستقبلية، ولأن بعض الرطب لا يتمر فلا يتحقق فيه النقص.
وظن اللخمي أنه كاللحم الطري باليابس
يعني: أن اللخمي خرج قولًا بجواز بيع الرطب بالتمر من أحد القولين اللذين يذكرهما بعد في جواز بيع اللحم الطري بغير الطري.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
ابن البشير: ليس كما ظن، لأن الرطب حالة كماله اليبس وله يُرادُ، واللحم حالة كماله الرطوبة فلا يطلب فيه شيء بعد ذلك كما يطلب في الرطب. وإلى هذا الرد أشار بقوله: (وظن) إذ هو مشعر به، وكأنه [٤٥٣/أ] اكتفى بما قدمه أولًا من أن المعتبر في المماثلة حال الكمال، ولأن قياس اللخمي فاسد الوضع لمقابلة النص.
والمشهور: جواز الرطب بالرطب
الشاذ لابن الماجشون، ومنشأ الخلاف هل يعتبر الحال فيجوز، أو المآل فيجوز؟ لاحتمال أن ينقص أحدهما من الآخر. الباجي: وانظر إن كان نصف التمر بسرًا ونصفها قد أرطب، فهل يجوز بيع بعضه ببعض أو قديمين.
فرع:
ويجوز بيع التمر بالتمر إذا كانا جديدين أو قديمين. اللخمي: واختلف في الجديد بالقديم، فأجازه مالك في الموازية، ومنعه عبد الملك وهو أحسن.
وفي الحليب بالحليب قولان
مذهب المدونة الجواز. ابن شاس: وهو المشهور. والمنع رواية أبي الفرج. ولعله- والله أعلم- لم يعين المشهور في هذه لقوة الشاذ هنا، لأن الحليب بالحليب قد يطلب منهما الزبد فتظهر المزابنة فيهما، وليس كذلك الرطب. والله أعلم.
ويجوز الزيتون بمثله اتفاقًا كاللحم باللحم، واختلف في رطبهما بيابسهما بتحري النقص
نقل ابن شاس الاتفاق في الزيتون، وابن بشير الاتفاق في اللحم. ووجهه اللخمي: بأنه يجوز بيع القمح بالقمح وإن كان الريع يختلف، فكذلك الالتفات إلى الزيت.
[ ٥ / ٣٢٨ ]
ابن عبد السلام: ولولا الاتفاق لكان الأنسب في الزيتون المنع، لأن المطلوب الزيت وهو غير معلوم التساوي بخلاف اللحم باللحم. وقيد اللخمي الجواز في اللحم بأن يكونا ذبحا في وقت واحد أو متقارب. ويريد: كل واحد من العوضين رطب، أو كل واحد منهما يابس بدليل ما سيقوله بعد.
وقوله: (كاللحم باللحم) تنظير في كل وجه. والقولان في جواز بيع رطبهما بيابسهما لمالك في المدونة. والذي رجع إليه وأخذ به ابن القاسم المنع، إذ لا يحاط بالتحري. ووجه الجواز: أن الرطوبة في الزيتون واللحم هي حالة الكمال، وهذا مقيد بأن لا يكون في القديد أبازير، وأما إن كان فيه أبازير فهو جنس آخر.
والمشهور: منع القمح المبلول بمثله، وجواز المشوي بالمشوي، والقديد بالقديد
مقابل المشهور في المبلول في الجلاب الجواز، بشرط كون البلل واحدًا. وتبع المصنفُ في حكايته القولين اللخميَّ، وقيد اللخمي الشاذ بما إذا كان البلل واحدًا كما ذكرنا. وزعم سند أن ما في الجلاب هو قول ابن القاسم الذي علل عنه المصنف بالمشهور. قال: لأن ابن القاسم علل باختلاف البلل، فإذا تحقق الاتحاد جاز. والشاذ في القديد بالقديد، والمشوي لابن حبيب. والفرق للمشهور: أن البلل في القمح يكثر فيه الاختلاف عادة، ولأن أسفله لا يساوي أعلاه، بخلاف الشيء فإنه لا يختلف في الغالب، وفيه نظر. وأجاز في المدونة بدل العفن بالعفن إذا اشتبها في العفن. ابن رشد: وأجاز سحنون بدل العفن بغيره.
ابن عبد السلام: يعني- والله أعلم- بالسالم، وعلى ذلك ساق المسالة التي ذكر فيها هذا القول، قال: ومنع بدل المأكول بغيره، يعني: بالمأكول المسوس. قال: ومنع أشهب بدلهما بغيرهما. وذكر عن مالك، وابن القاسم، وابن وهب إجازة ذلك في المأكول.
[ ٥ / ٣٢٩ ]
فإن لم يكن فبالعادة العامة، فإن اختلفت فبعادة محله
فإن لم يكن للشرع فيه معيار، فالمعتبر العادة العامة. الباجي: كاللحم الذي يعتبر بالوزن في كل بلد. وقوله: (فإن اختلفت) أي: العوائد، كالجوز، والرمان، وكالسمن، واللبن فبعادة محله.
فإن عسر الوزن، فثالثها: يتحرى في اليسير
خص العسر بالوزن، لأن الكيل لا يعسر، الباجي: ولو تغير المكيال المعهود. وذكر ابن شاس عن بعض المتأخرين جواز التحري مطلقًا من غير تقييد بوزن ولا يسارة.
وقال ابن عبد السلام: تقييد المصنف لهذه المسالة بعسر الوزن هو مذهب الأكثر، وظاهر المدونة عدم هذا الشرط، وأنه جار في القليل والكثير. انتهى.
وكذلك ذكر ابن رشد أن ظاهر المدونة جواز التحري وإن لم تدع إليه ضرورة. وذكر ذلك قولًا صريحًا لبعضهم، خلاف مفهوم قول المصنف عنه، فإنه يفهم منه عدم الجواز إذا لم يعسر.
وفي البيان: الاتفاق على أن ما يباع كيلًا لا وزنًا مما يحرم فيه التفاضل أصلًا أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض على التحري، ولا قسمة على التحري. وحكى المصنف ثلاثة أقوال، الجواز مطلقًا، وقيده ابن رشد بأن لا يكثر جدًا حتى لا يستطع على تحريه. الثاني: المنع مطلقًا، رواه ابن القصار وهو أقرب، لأن التساوي مطلوب وهو غير محقق. والقول الثالث لابن حبيب، وعزي لمالك. زاد ابن رشد رابعًا: لا يجوز عند عدم الميزان إلا في الطعام الذي يخشي فساده.
أما من وجب عليه طعام لا يجوز التفاضل فيه، فلا يجوز أن يأخذ عنه تحريًا إلا عند عدم الميزان، قاله سحنون.
[ ٥ / ٣٣٠ ]
فرع:
واختلف فيما يجوز فيه التفاضل، هل تجوز قسمته وبيع بعضه ببعض تحريًا؟ على ثلاثة أقوال، أحدهما: الجواز فيما يباع وزنًا أو جزافًا، والمنع فيما يباع كيلًا، وهو مذهب ابن القاسم، حكاه عنه ابن عبدوس.
والثاني: أن ذلك جائز فيما يبتاع كيلًا أو وزنًا أو عددًا، وهو مذهب [٤٥٣/ب] أشهب وابن حبيب، ونسب أيضًا لابن القاسم.
والثالث: أنه لا يجوز مطلقًا، وهو في آخر كتاب السلم الثالث من المدونة: أنه لا يجوز أن يقسم البقل حتى يجز.
وفي القمح بالدقيق طريقان، الأولى ثالثها: بالوزن لا بالكيل، والثانية: الثالث
يعني: أن الطريق الأولى في المذهب ثلاثة أقوال: يجوز بيع أحدهما بالآخر مطلقًا.
ابن عبد السلام: وهو المشهور. والثاني: المنع لمالك أيضًا، لاختلاف الريع. والثالث: يجوز موازنة ولا يجوز كيلًا، حكاه اللخمي عن ابن القصار، وعكسه غيره. ثم اختلف في القول الثالث، هل هو خلاف للقولين الأولين وهو قول أهل الطريقة الأولى، أو تفسير لهما وهو قول أهل الطريقة الثانية.
وحكى ابن الماجشون عن مالك قولًا آخر، وهو أنه يجوز في اليسير على وجه المعروف بين الرفقاء، فإذا كثر وخرج إلى حد المكايسة فلا يجوز.
ابن عبد السلام: والطريقة الثانية باطلة، لأن ابن القصار الذي هو أصل هذه الطريقة فسر قولي مالك بما نص مالك على خلافه، وذلك أن لمالك في كتاب الصرف من المدونة أنه لا يباع القمح بالقمح وزنًا، فإذا لم يجز بيعه بمثله وزنًا خشية الوقوع في التفاضل لو كيل بمكياله الشرعي، فكيف يجوز بيعه وزنًا بالدقيق. وقد تقدم أنه تعتبر المماثلة بمعيار الشرع.
[ ٥ / ٣٣١ ]
والمشهور إلغاء العظام، وقيل: تتحرى وتسقط
أي: إذا بيع اللحم باللحم وزنًا أو تحريًا فهل يباع بعظمه على ما هو عليه ويعد العظم كأنه لحم وهو المشهور، واحتجوا له ببيع التمر بالتمر من غير اعتبار بنواه.
والقول الثاني لابن شعبان: أنه يتحرى ما فيه من العظم ويسقط العظام معنى لا حسًا. فعلى المشهور إذا بيع تحريًا إنما يتحرى المجموع، وعلى قول ابن شعبان لابد فيه من تحريين، قاله ابن عبد السلام.
وقال شيخنا: إنما يحتاج إلى التحري في اللحم فقط، وأما العظم فيسقط. والله أعلم. وهو أظهر من جهة المعنى، لكن كلام ابن عبد السلام هو الذي يؤخذ من كلام المصنف. واستحسن سند قول ابن شعبان، وفرق بأن التمر يفسد بنزع النوى.
فرع:
فإذا بنينا على المشهور أن البيض ربوي وأجزنا بيع بعضه ببعض تحريًا، فإن كان فيه بيض نعام فاختلف هل لا يجوز بيعه إلا أن يستثني بائعه قشره، لأنه كسلعة مع ربوي، أو لا، لأنه غير مستقل إلا بالقشر ولا يمكن بقاؤه مفردًا، فهو من ضرورته فيعطى حكم العدم أو حكم ما هو حافظ له.
وكذلك جلد الشاتين المذبوحتين
أي: جلد الشاتين كالعظم، وذكره الخلاف في الجلد يقتضي جوازه ابتداء وهو المشهور. قال في المدونة: ولا خير في شاة مذبوحة بشاة مذبوحة إلا مثلًا بمثل تحريًا إن قدر على تحريهما. ومنعه أصبغ، لأنه لحم مغيب. ورده الباجي بأن ذلك لا يلزم إذا قلنا أن الجلد لحم. ورأى اللخمي المنع ولو استثنى الجلدين. وعلى الجواز، فظاهر المدونة دخول الجلد في البيع، وهو الذي يؤخذ من تشبيه المصنف.
[ ٥ / ٣٣٢ ]
وقال فضل بن أبي سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما، إلا أن يستثني كل واحد جلد شاته. وروى يحيي بن يحيي نحوه عن ابن القاسم، لأنه لحم وجلد بلحم وجلد. ورده الباجي بما تقدم، فإنه يؤكل كثيرًا مسموطًا. سند: وعلى قول الباجي الصوف فيفرق بين المجزورتين وغيرهما. ونقل بعضهم قولًا بجواز بيع الشاتين المذبوحتين في السفر لا في الحضر.
وأجيز بيع الخبر بالخبز تحريًا، وفي التحري، ثالثها: بالدقيق في خبز الصنفين، وبالرطوبة الواحد. قال الباجي: ينبغي الوزن وحده
يعني: أنه يجوز بيع الخبز بالخبز تحريًا، نص مالك على ذلك في الموطأ، وفي السلم الأول من المدونة. وحكى بعض الشيوخ عن مالك أن الخبز بالخبز يجوز فيه التفاضل، وهو مشكل.
وقوله: (وفي التحري) أي: إذا أجزنا بيع بعضه ببعض متماثلًا فاختلف في كيفية التحري على ثلاثة أقوال، الأول: يتحرى دقيقهما، وهو قول ابن القاسم في العتبية. الباجي: وهو مذهب جمهور أصحابنا. وقال في موضع آخر: هو ظاهر المذهب، لكن قيده بما إذا كان الخبزان من صنف واحد.
وذكر ابن راشد: لا خلاف أن المعتبر في الخبزين إذا كان أصلهما مختلفًا على مذهب من يرى أن الأخبار كلها صنف واحد، فليس هذا القول على عمومه كما قاله المصنف.
والثاني: أن المعتبر الوزن، وهو الذي أراده بقوله: (وبالرطوبة) أي: أنه تعتبر الرطوبة في الوزن فلا التفات إلى الدقيق. الرطوبة: ما يجعل في الدقيق من الماء والملح والخبز.
والثالث: أنه يتحرى الدقيق إن كانا من صنفين ويتحرى الوزن إن كانا من صنف واحد. وفي كلامه نظر من وجوه:
[ ٥ / ٣٣٣ ]
أولها: ما تقدم أن كلامه يقتضي أن الأول يعتبر الدقيق مطلقًا، وليس كذلك.
ثانيها: أن القول الثالث عكس فيه النقل، لأن المنقول أن الخبزين إن كان الأصل الذي خبزا منه لا يحل التفاضل فيه كقمح وشعير يوزن الدقيقان لا يوزن الخبزان. وإن كان ما خبزا منه يجوز فيه التفاضل كقمح وفول اعتبر تساويهما في الوزن، قاله بعض القرويين، هكذا نقله المازري، وابن يونس وغيرهما. [٤٥٤/أ].
ثالثها: أن هذا لا يكون ثالثًا إلا إذا كان القول الأول على عمومه، وقد تقدم ما فيه.
رابعها: يوهم ما نقله عن الباجي أنه قول رابع، وليس كذلك إذ هو الثاني.
والمذهب أن النهي يدل على الفساد إلا بدليل
هكذا حكاه عبد الوهاب، وهو المختار عند أهل الأصول، ومحل ذلك كتب الأصول، ويستدل لهذه القاعدة بالحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد».
فمنه بيع الحيوان باللحم، ومحمله عند مالك على الجنس الواحد للمزابنة، فيجوز بيع الطير بلحم الغنم وبالعكس
روى مالك في مراسله عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن الرسول ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم. والمحمل: اسم مصدر، أي: اسم للحمل. فقياسه على هذا: أن يكون مفتوح اليمين، لأن كل مضارع على يفعل كيضرب، ولم تكن فاؤه واوًا اسم مصدره على مفعل بفتح العين، وللزمان والمكان بكسرها، أي: ومحمل هذا النهي عند مالك﵀- على الجنس الواحد، لأن بيع اللحم بالحيوان بيع معلوم بمجهول، وهو معنى المزابنة. وفي كلامه إشارة إلى أنه لو كان هذا الحيوان غير مباح الأكل لجاز بيعه باللحم وهو كذلك، فيجوز بيع الخيل باللحم لعدم المزابنة حينئذ. وأشار بقوله: (عند مالك) إلى محمل الليث والشافعي، فإنهما حملاه على عمومه. وروي عن أشهب جواز بيع اللحم بالحيوان.
[ ٥ / ٣٣٤ ]
قوله: (فيجوز بيع ) إلى آخره. لأن المزابنة شرطها اتحاد الجنس.
وخصصه القاضيان بالحي الذي لا يراد إلا للذبح
أي: كالشاة المعلوفة والكبيرة، فهو تخصيص للنهي بعد تخصيص الإمام، وهو متجه لظهور القصد إلى المزابنة في هذا النوع وبعدها في الصحيح، وهو قول الأبهري وغيره من البغداديين. فلا يقال: يرد عليه ما أورده المازري وغيره على قول مالك من أن المزابنة تمتنع حيث لا تكثر في إحدى الجهتين كثرة بينة. ومالك منع مطلقًا فلم تطرد العلة، لأنا نقول: إذا ظهرت الزيادة فالمنع لأجل التفاضل عندهما- وإن شك- فالمنع عندهما للمزابنة والتفاضل. ولأجل أن مالكًا لم يطرد العلة وقال بالمنع وإن ظهر الفضل، مع كونه علل بالميزانية، أجرى اللخمي قولًا ثالثًا بالجواز في الجنس الواحد إذا تبين الفضل.
وما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه، إلا اللحم كاللحم خلافًا لأشهب، وهما روايتان
يعني: أن قول مالك اختلف فيما لا تطول حياته من الحيوان كطير الماء، وما لا منفعة فيه من الحيوان إلا اللحم.
ابن عبد السلام: كالخصي من المعز، هل هو كاللحم فلا يجوز بيعه بحيوان من جنسه وبه أخذ ابن القاسم، أولًا وبه أخذ أشهب، لأنه يصدق عليه أنه حيوان. ومنع ابن القاسم أيضًا بيع هذا الحيوان بلحم، لأنه حي إلا أن يجعله مع الحيوان لحمًا ومع اللحم حيوانًا احتياطيًا.
فإن طالبت أو كانت المنفعة يسيرة كالصوف في الخصي فقولان
يعني: إذا فرعنا على ما أخذ به ابن القاسم، فإن كان الحيوان تطول حياته كالشارف الذي لا يراد إلا للذبح، أو كانت منفعته يسيرة كصوف الخصي من الضأن، ففي كل نوع قولان. أما ما تطول حياته، فقال ابن المواز: كره مالك، وابن القاسم الشارف والمسكور
[ ٥ / ٣٣٥ ]
من الأنعام باللحم، ثم أجازه مالك، وخففه أصبغ. والمراد بالكراهة التحريم. وقد صرح اللخمي بذلك في تعليله.
وأما ما فيه منفعة يسيرة، فقال ابن القاسم: لا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل، إلا أن يكون مما يقتني لصوفه. قال: وأما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتني لصوفه إنما هو للذبح، وأجازه أصبغ وأشهب، كان فيه منافع أو لا.
وفهم من قوله: (المنفعة يسيرة) أنها لو كانت كثيرة- كما إذا كان لها صوف ولبن ويقصد منها الولادة- أنها ليست كاللحم. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك.
ومن ثم اختلف في بيعه بالطعام نسيئه
يعني: ولأجل الخلاف في كونه كاللحم أو كالحيوان اختلف المذهب في بيع هذا الحيوان بالطعام إلى أجل، فمن عده طعامًا منع، لأنه طعام بطعام إلى أجل، وهو قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم في العتبية: فلا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل إلا أن يكون كبشًا يقتني لصوفه. مالك:،اما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتنى لصوفه إنما هو للذبح.
ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ. مالك: وليس كل شارف سواء، وإنما ذلك في الذي قد شارف الموت، فأما ما كان يقبل ويدبر ويرتفع فلا.
وفي المطبوخ بالحيوان قولان
ظاهر كلامه: أن القولين بالإجازة والمنع، والذي حكاه ابن المواز أن ابن القاسم أجازه، وأشهب كرهه. وإذا كان اللحم ينتقل بالطبخ عن جنسه فلا يجوز بالحيوان من باب الأولى. ووجه الكراهة: الوقوف مع لفظ الحديث.
[ ٥ / ٣٣٦ ]
ومنه المزابنة، وهو بيع معلوم بمجهول ومجهول بمجهول من جنسه، فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه
أي: ومن المنهي عنه- وكذلك في كل ما يأتي- وصح من حديث ابن عمر﵄- قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة.
والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلًا. وضمير (هو) يعود على المضاف المحذوف، أي: بيع المزابنة. وتفسيرها الواقع في الحديث إنما هو في الربوي، لأن غير الربوي وإن لم يدخل تحت المزابنة فثم عمومات يدخل تحتها كالنهي عن الغرر.
وقوله: (فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه) لانتفاء المزابنة عنه إذ منعت من حلابها، ومنه الزبانية لدفعهم الكفرة، فكان كل واحد من المتابعين يدفع صاحبه عن مراده ويعتقد أنه الغالب، فإذا علم أن أحدهما أكثر انتفى هذا.
وعموم قوله: (جاز فيما لا ربا فيه) يشمل غير المطعومين والمطعومين غير الربويين، وهو مقتضى النظر، لكن ذكر ابن راشد في جواز بيع الرطب باليابس إذا كان غير ربويين ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل، وهو دليل ما في سماع عيسى وما في سماع أصبغ، لعموم النهي عن الرطب باليابس.
الثاني: أنه يجوز بشرط تحري المساواة، وهو أيضًا في سماع عيسى.
والثالث: التفصيل- كما أشار المصنف إليه- جائز إن لم يتبين الفضل، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد.
[ ٥ / ٣٣٧ ]
ابن عبد السلام: وهو الصحيح. وقد ذهب فضل إلى أن هذا ليس باختلاف، وأن القولين الأولين راجعان إليه.
ولو دخلته صنعة معتبرة جاز
أي: أن المصنوع يصير معدًا لغير الأصل كالخبز بالعجين.
وقوله: (جاز) يعني: البيع إن كان نقدًا أو إلى أجل، تقدم المصنوع أو تأخر زمنًا لا يُصنع في مثِلِه مثلُهُ، فإن تأخر قدر ما يصنع فيه منع لأنه مزابنة.
وفيها: منع بيع الفلوس بالنحاس نقدًا لأنه مزابنة، وجواز بيع النحاس بالتور النحاس نقدًا، واستشكله الأئمة، وفرق بقلة الصنعة في الفلوس
التور: بالتاء المثناة المفتوحة. الجوهري: إناء يشرب فيه. ونسب هذه للمدونة لإشكالها، لأنه جعل الصنعة في الفلوس غير معتبرة بخلاف التور. وما حكاه المصنف من التفرقة هو المشهور. ومسألة الفلوس في السلم من المدونة.
ابن عبد السلام: ومسألة التور ليست بجلية في المدونة، ولكن هو المشهور. وذكر في البيان: في تور النحاس ثلاثة أقوال:
أحدهما: جواز ذلك نقدًا وإلى أجل لأجل الصنعة، وهو قول مالك في إحدى روايتي ابن وهب.
الثاني: جوازه نقدًا وإن لم يتبين الفضل، ولا يجوز إلى أجل، وهو ظاهر المدونة لتشبيهه فيها ذلك بالكتان بثوب الكتان، وهي رواية ابن وهب الأخيرة.
والثالث: أن ذلك لا يجوز إلى أجل ويجوز في النقد إن تبين الفضل، وهو قول مالك في العتبية، وعليه تأول التونسي المدونة، وتأول غيره عليه عدم الجواز وإن تبين الفضل.
[ ٥ / ٣٣٨ ]
قال في البيان: ولا أعلم خلافًا في منع بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة. قال: وأما مصنوع بمصنوع من النحاس فلا خلاف في جوازه. واعترضه التونسي وقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بغير مصنوع أو مصنوع، لأن الصناعة إذا لم يكن لها تأثير في جهة فكذا في جهتين. انتهى.
واستشكل الأشياخ المنع في الفلوس، وقالوا: القياس جوازه، لأن الصنعة نقلته كما في التور. والفرق الذي ذكره المصنف لابن بشير، وفيه نظر.
ومنه بيع الكالئ بالكالئ
الكالئ: مهموز، مأخوذ من الكلاءة بكسر الكاف، وهي الحراسة والحفظ. فإن قيل: فالدين مكلوٌّ فكيف أطلق عليه كالئًا، فجوابه: يحتمل أن يكون مجازًا في المفرد، أطلق الكالئ على الدين المكلو مجازًا والعلاقة الملازمة.
وقد يرد اسم الفاعل بمعنى المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] أي: مدفوق. ويحتمل في الإسناد، أي: إسناد الفعل إلى ملابس له بتأويل، أي: كالئ صاحبه كعيشة راضية. ويكون في الحديث إضمار تقديره: نهى ﵊ عن بيع مال الكالئ بمال الكالئ، لأن كل واحد من المتابعين يكلأ صاحبه، أي: يحرسه لأجل ما له قِبَلَهُ، ولهذا وقع النهي عنه لأنه يفضي إلى كثرة المنازعة والمشاجرة. والنهي المشار إليه ذكره عبد الرازق، وقال: أخبرني الأسلمي، قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وضعفه دينار قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ، وهوالدين بالدين.
قال عبد الحق: الأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن يحيي وهو متروك، كان يرمى بالكذب. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: ووثقه الدارقطني، والشافعي، ومحمد بن سعيد الأصفهاني، وقد رواه الدارقطني من حديث موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار:
[ ٥ / ٣٣٩ ]
أنه ﵊ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. وموسى بن عقبة مولى آل الزبير ثقة روى له الجميع.
وحقيقته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر
اعلم أن هنا ثلاث حقائق:
الأولى: فسخ الدين في الدين، وهو أن تبيع الدين ممن هو عليه بشيء مؤخر من غير جنسه أو من جنسه، وهو أكثر، والمنع في هذه أشد من الأخيرتين، لأنها ربا الجاهلية أو من رباها فهي محرمة بالقرآن، بخلاف الأخيرتين فإن الآية لا تقتضيها، وإنما المنع فيهما بالحديث. ولا يجوز فيهما التأخير إلى مثل ذهابه إلى البيت، وأما أن يفارقه ثم يطلبه فلا يجوز إلا قدر ما لا يمكن القبض إلا به، فإن كان يسيرًا فبقدر ما يأتي بمن يحمله. فإن كان طعامًا كثيرًا جاز مع اتصال العمل ولو شهرًا، قاله أشهب. قال: وهذا إذا كان ما يأخذه منه حاضرًا أو في حكمه كالشيء [٤٥٥/أ] يكون في منزلة أو حانوته فيذهبان من فورهما إلى قبضه، وأما إن كان على ستة أميال، فقد كرهه مالك في الموازية حل الدين أو لم يحل.
الحقيقة الثانية: ابتداء الدين بالدين، وهو تأخير رأس مال السلم، وهذه المرتبة أخف المراتب، لأنهم أجازوا التأخير فيه بلا شرط ثلاثة أيام على المشهور.
الحقيقة الثالثة: بيع الدين بالدين، وهي كالواسطة بينهما.
اللخمي: واختلف في التأخير في بيع الدين، فمنع ذلك في المدونة إلا على المناجزة. وقال محمد: يجوز التأخير اليوم واليومين. قال: وهو أصوب، ولا فرق بين بيع الدين وابتداء الدين. وحكى ابن بشير في الصرف قولين: هل يلحق بيع الدين بابتداء الدين أو بفسخ الدين؟ ولابد في حقيقة بيع الدين أن تتقدم عمارة الذمتين أو أحدهما، كمن له دين على رجل ولثالث دين على رابع فباع كل واحد ما يملك من الدين بدين صاحبه. وكذلك لو
[ ٥ / ٣٤٠ ]
كان لرجل دين على رجل فباعه من لثالث بدين. وعلى هذا فلابد في حقيقة بيع الدين بالدين من ثلاثة أشخاص، بخلاف فسخ الدين في الدين فإنه لا زيادة فيه على اثنين، فقد اتضح الفرق بينهما وبين ابتداء الدين بالدين، لأن ابتداء بالدين إنما يعمر الذمتين عند المعاوضة بخلافهما.
إذ تقرر هذا فكلامه يشمل بيع الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين، لأن كلا منهما قد بيع فيه ما في الذمة بشيء مؤخر، ولا يشمل ابتداء الدين بالدين، لأنه لم يبع شيئًا قد تقرر في الذمة. وقد يقال: بل كلامه يشمل الثلاثة، لأن تقدير كلامه: بيع شيء كائن نفي الذمة بشيء مؤخر، والكائن في الذمة أعم من أن يكون تقرر قبل ذلك أولًا، وإنما يأتي الحمل الأول إذا جعلت (ما) موصولة، وأما إذا جعلت نكرة موصوفة فلا، على أنه يمكن أن يشمل كلامه الثلاثة ولو جعلناها موصولة. واعلم أن العقود التي تشترط فيها المناجزة ستة: الصرف، وبيع الطعام بالطعام، والإقالة من الطعام، والإقالة من العروض وفسخ الدين في الدين، وبيع الدين بالدين.
قال في المقدمات: وباب الصرف أضيق أبواب الربا.
ابن راشد: والإقالة من العروض دون الإقالة من الطعام في طلب المناجزة، لأن الإقالة من الطعام يحذر فيها من بيع الطعام قبل قبضه ومن فسخ الدين بالدين، والإقالة من العروض إنما يحذر فيها من فسخ الدين في الدين. وتقدم الخلاف في بيع الدين هل هو كابتداء الدين أو فسخه؟
وكذلك بيعه بمنافع، وقيل: إلا منافع عين
يعني: وكذلك يمتنع بيع الدين بمنافع مطلقًا، سواء كانت منافع معين أو منافع مضمونة.
[ ٥ / ٣٤١ ]
وقال أشهب: إنما يمتنع إذا كانت المنافع مضمونة، وأما منافع معين فيجوز، لأن المنفعة إذا استندت إلى معين أشبهت المعينات المقبوضة لأنه أسندت إلى معين، كأن يفسخ الدين في ركوب دابة معينة إلى بلد، أو في كراء مضمون إلى بلد، وسبب الخلاف هل قبض الأوائل كقبض الأواخر؟ ورأى ابن القاسم أن المنافع وإن كانت معينة كالدين لتأخر أجزائها، أي: لأنها لا تقبض ناجزًا، ولأن الضمان من مالك الرقبة. وسبب الخلاف في المعين هل النظر إلى التعيين، أو النظر إلى عدم القبض وتأخيره.
وكلام المصنف هنا إنما هو في بيع الدين من المدين، لأنه سيتكلم في بيعه من غيره.
وصحح المتأخرون قول أشهب، لأنه لو كانت منافع المعين كالدين يمتنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراء الدواب واستئجار العبد وشبهه بدين، والمذهب جوازه. وفرق بأن اللازم في محل المنع هو فسخ الدين، وفي محل الجواز ابتداء الدين بالدين، وهو أخف.
وفي بيعه بمعين يتأخر قبضه كالدار الغائبة والمواضعة، والمتأخر جذاذه، قولان
يعني: فلو باع الدين لمن هو عليه بدار غائبة أو أمة متواضعة أو ثمر بدا صلاحه ولا يجذ في الحال، فقولان: المشهور، وهو مذهب المدونة: المنع، لأنه قد تأخر القبض فأشبه الكالئ بالكالئ. والقول بالجواز لأشهب.
واستشكل الشيوخ المنع في الدار الغائبة، لأنه كالمقبوضة بنفس العقد على المشهور كما تقدم، بخلاف الأمة المتواضعة فإن ضمانها من بائعها، وكذلك المتأخر جذاذه فيه ضمان الجوائح. ولهذا قال جماعة: إن معنى المسألة أن الدار بيعت مدارعة فصار فيها حق توفيه.
فإن بيع من غير المدين اشترط حضوره وإقراره
يعني: فإن بيع الدين من غير من عليه الدين فيشترط حضور المديان وإقراره، أما حضوره فليعلم ملاؤه وعدمه، وأما إقراره فلئلا يكون من شراء ما فيه خصومة
[ ٥ / ٣٤٢ ]
وهو غرر. وإذا حصل هذا الشرطان جاز شراؤه اتفاقًا، وأما شراؤه وهو على ميت فمنعه في الموطأ.
ابن رشد: ولا خلاف فيه لأنه غرر، إذ قد يكون عليه أكثر من تركته فلا يكون له إلا ما نابه في الخصاص، وهو مجهول. وأما إن كان حيًا ولكنه غائب فإن لم تكن عليه بينة فنص مالك في غير موضع على المنع. وظاهر قول أصبغ في العتبية: جواز بيعه، وعلى ذلك فهمها ابن رشد، وتأوله في موضع آخر على أن الغيبة قريبة، وإن كانت عليه بينة فالمشهور: أنه لا يجوز، إذ لا يدري أهو حي أم ميت، مقر هو أم منكر؟
ابن رشد: وأجازه ابن القاسم في سماع موسى إذا كانت غيبته قريبة بحيث يعرف حاله، وقاله أصبغ في نوازله، ورواه ابن دينار عن مالك. وإن كان حاضرًا فهل يشترط إقراره؟ المشهور: اشتراطه.
ابن رشد: وتقوم إجازته [٤٥٥/ب] من إجازة ابن القاسم بيع الدار التي في خصومة على ما وقع في بعض روايات المدونة.
ومنه بيع الغرر، وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم
في مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وبيع الغرر. وهو يشتمل على ثلاثة أنواع، أحدها: هذا، والجهل بينه في قوله: (كزنة حجر مجهول، وكتراب الصواغين). الثاني: هو الخطر، وهو ما تردد بين السلامة والعطب، كبيع المريض في السياق، والآبق، والشارد، والثمار قبل بدو صلاحها على التبقية.
الثالث: تعذر التسليم نحو الطير في الهواء، والسمك في الماء، وقد يحتمل اثنان في محل واحد كالطير في الهواء، وكلامه ظاهر.
[ ٥ / ٣٤٣ ]
وبعضه معفو، قال الباجي: اليسير. وزاد المازري: غير مقصود للحاجة إليه
أي: وبعض الغرر مفعو، إذ لا يكاد يخلو بيع عنه. وقوله: (قال الباجي) هو تفسير للبعض المعفو عنه. و(اليسير): خبر مبتدأ محذوف.
وزاد المازري مع قيد اليسارة قيدين آخرين: أن يكون غير مقصود، وأن يكون محتاجًا إليه. وقرره في المعلم بأن العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر، كالأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء. وأجمعوا على صحة بعضها، كالجبة وإن كان حشوها مغيبًا، وكإجازة الدار مشاهرة مع كون الشهر ناقصًا وكاملًا، وكدخول الحمام والشرب من السقاء مع اختلاف الناس في الاستعمال والشرب من السقاء. واختلفوا في بعضها، فيجب أن يبحث عن الذي يعرف منهم اتفاقهم واختلافهم، ففهمنا عنهم أنهم إنما منعوا بيع الأجنة لعظم غررها وأن الغرر فيها مقصود، وأجازوا تلك المسائل لأن الغرر فيها يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه.
والخلاف في بعضها لتحققه، ففي بيع الإماء وغيرهن بشرط الحمل الظاهر، ثالثها: إن قصد البراءة منه صح وإلا فسد
يعني: والخلاف في بعض البياعات المشتملة على الغرر لتحقق ذلك القدر هل هو من اليسير فيعفى عنه أو من الكثير فلا يعفى عنه. وينبغي إذا شك في محل هل هو من اليسير أو من الكثير المنعُ، لأنه أسعد بظاهر الحديث. وقد يقال: بل الغرر مانع والشك فيه غير قادح، إذ الأصل الجواز.
وقوله: (ففي بيع الإماء) إلى آخره. يعني: أن المذهب اختلف في جواز بيع الأمة، والشاة، والناقة، والبقرة بشرط أنها حامل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائز، سواء قصد بشرط التبرؤ أو زيادة الثمن، لأنه تبرأ في الأول من عيب، وفي الثاني الغالب سلامته وولادته.
[ ٥ / ٣٤٤ ]
الثاني: أنه ممتنع وهو مذهب المدونة، وعلله بأنه كأنه أخذ لجنينها ثمنًا.
والثالث: لمالك في الموازية: إن قصد البراءة صح، وإن قصد الاستزادة لم يصح.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب، وبعضهم رد القولين الأولين عليه.
خليل: وفي كلام المصنف نظر، لأنه يقتضي أن القول الثاني أنه لا يصح وإن قصد البراءة، وهذا لا ينبغي أن يختلف في جوازه. وقد صرح ابن زرقون بذلك، وإنما الخلاف إذا قصد الاستزادة في الثمن والمشهور المنع ولفظ ابن زرقون: اختلف في بيع الجارية التي يزيد في ثمنها الحمل على أنها حامل والبقرة وغيرها، على ذلك فمنعه مالك في سماع ابن القاسم وإن كانت ظاهرة الحمل، وأجازه سحنون إذا ظهر الحمل، وأجازه أشهب وإن لم يظهر. فإذا قلنا بهذا القول فوجدها غير حامل، فقال أشهب: يردها. وقال ابن أبي حازم: إن باعها وهو يظن أنها حامل فإذا هي غير حامل فلا يردها، وإن علم أنها غير حامل بمعرفته أن الفحل ينزو عليها فله أن يردها، لأنه غره وأطمعه. وأما إن كانت الجارية رفيعة ينقصها الحمل فباعها على أنها حامل وهي ظاهرة الحمل، فلا خلاف في جوازه، لأن ذلك على معنى التبرؤ، وإنما لا يفسد البيع في الرمكة على أنها حامل في قول من أجازه إذا قال ذلك قولًا مطلقًا. ولو قال: إنها حامل من فرس أو من حمار لفسد البيع، لاحتمال أن يكون انفلت عليها غير الذي سماه.
وأما بشرط الخفي ففاسد إلا في البراءة
أي: فلا يجوز اشتراط الحمل الخفي إذا قصد به الاستزادة، قد تقدم قول أشهب أنه أجازه، سواء كانت ظاهرة الحمل أم لا. وما ذكره من جواز التبرؤ في الحمل الخفي إنما هو في الأمة الوخش، وأما الرائعة فلا يكون بيعها بشرط البراءة منه، لأن الحمل يضع من ثمنها كثيرًا ذلك غرر، نص عليه في المدونة وغيرها. قال: وهذا مع انتفاء السيد من
[ ٥ / ٣٤٥ ]
بيع الملامسة
بيع المنابذة
بيع الحصاة
وطئها، وأما إن أقر بوطئها لم يجز بيعها وإن كانت وخشًا، إذ لا خلاف أن البراءة لا تنفع من حمل يلزمه.
ومنه بيع المضامين والملاقح، وحل الحبلة، وفي الموطأ، المضامين: ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: ما في بطون الفحول. وعكس ابن حبيب، وفيه حبل الحبلة: بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة. وروى ابن حبيب: بيع نتاج نتاج الناقة
النهي في الموطأ، وكلامه ظاهر التصور.
ومنه بيع الملامسة: وهو أن يلمس الثوب فيجب البيع من غير تبيين. ومنه بيع المنابذة: وهو أن يتنابذا ثوبين فيجب البيع
في الصحيح: أنه﵇- نهى [٤٥٦/أ] عن بيعتين في بيعة، وعن بيع الملامسة، وبيع المنابذة. قال في البخاري، الملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه ولا يقبله. والمنابذة: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه وينظر إليه.
وفي مسلم، الملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ بالرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض به.
ومنه بيع الحصاة: وهو أن تسقط حصاة من يده فيجب البيع، وقيل: أن تسقط على ثوب فيتعين، واستشكلهما المازري
سبق اللخمي المازري إلى هذا الإشكال، ووجهه ظاهر، لأنه إذا جعل سقوط الحصاة أو رميها دليلًا على البيع، فإذا حصل بذلك فلا غرر لأنه رضى.
[ ٥ / ٣٤٦ ]
وكلام المازري الذي أشار إليه المصنف هو في المعلم، لأنه قال فيه: قيل في هذا الحديث تأويلات منها: أن يكون المراد أنه يبيع من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، ولا شك أن هذا مجهول لاختلاف الرمي. وقيل معناه: أيُّ ثوب وقعت عليه حصاتي فهو مبيع، هذا أيضًا مجهول كالأول. وقيل معناه: ارمِ بالحصاة فما خرج فلك بعدده دنانير أو دراهم، وهذا أيضًا مجهول. وهذه تأويلات تتقارب، وكلها يصح معه المنع. وقيل تأويل رابع، وخامس، فقيل معناه: أنه إذا أعجبه الثوب ترك عليه حصاة، وهذا إذا كان بمعنى الخيارة، وجعل رمي الحصاة علمًا على الاختيار لم يجب أن يمتنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضيفوا إلى ذلك أمورًا تفسد البيع، ويكون ذلك عندهم معروفًا ببيع الحصاة، مثل أن يكون متى ترك الحصاة ولو بعد عام وجب له البيع فإنه فاسد.
وقيل: إن كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة، فيقول: إذا سقطت من يدي فيجب البيع، وهو أيضًا كالذي قبله. انتهى.
ومنه بيعتان في بيعة ومحمله عند مالك: على سلعة بثمنين مختلفين، أو سلعتين مختلفتين بثمن واحد على اللزوم لهما أو لأحدهما وإلا جاز
روى الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. ومحمله عند مالك على صورتين، الأولى: أن يبيع الرجل سلعته بثمنين مختلفين، وسواء اختلفا في الجنس، أو القدر، أو الصفة على وجه يتردد نظر العاقل فيه، كما لو قال: بعشرة نقدًا، أو بعشرين إلى أجل. ولو عكس جاز، لأن كل عاقل لا يختار إلا الأقل في المقدار والأبعد في الأجل. وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وكأن المصنف أسقطه لنذوره.
والصورة الثانية: أن يبيع منه سلعتين مختلفتين بثمن احد. ونقل ابن عبد السلام عن ابن حبيب الجواز في الصورة الأولى. أعني: إذا كان الثمن عينًا من صفة واحدة واختلف الأجل.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وقوله: (على اللزوم) أي: وشرط منع النوعين معًا أن يكون المبيع لازمًا للمتبايعين أو لأحدهما، وإن لمن يكن على اللزوم لهما أو لأحدهما جاز.
ووجه الفساد مع اللزوم: الغرر، إذ لا يدري البائع بما باع ولا المشتري بما اشترى، ولأنه يلزم منه فسخ الدين في الدين، وقد يختار الأقل ثم يفسخه في الأكثر، وإن كان بذهب وفضة لزم منه أيضًا الصرف المستأجر. وأجمل المصنف في اختلاف السلعتين. وذكر بعضهم في المسألة أربعة أقوال، أولهما للمدونة: أن ذلك ممتنع فيما عدا الجودة والرداءة من صنفيه، أو صفة، أو رقوم. وأما إن اختلفا بالجودة والرداءة فقط فيجوز، وإن اختلفت القيمة وليس من بيعتين في بيعة.
ثانيها لابن المواز: إن اختلفا في الصنفية أو الصفة اختلافًا متباينًا يبيح سلم أحدهما في الآخر فلا يجوز. وإن اختلفا في الصفة ولم يتباينا يجوز سلم أحدهما في الآخر جاز.
وثالثها لأشهب وعبد الملك: يجوز وإن اختلفا بالصنفية أو الصفة اختلافًا يبيح سلم أحدهما في الآخر.
ورابعها لابن حبيب: لا يجوز إلا أن يكون صنفًا واحدًا أو صفة واحدة وقيمتها واحدة، ولو اختلفا بالجودة والرداءة وبالقيمة لم يجز.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب، لأن الإلزام مع اختلاف القيمة موجب للجهالة، وأشد منه إذا اختلفت صفاتها. ولو قيل: لا يجوز وإن تساوت قيمتها لكان له وجه.
وقوله: (وإلا جاز) أي: وإن لم يختلف الثمنان ولا المثمونان أو اختلفا وكان المتبايعان معًا بالخيار جاز.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
فلو قال: خذ بأيهما شئت. فروايتان، بناء على أنه التزام أو لا
يعني: لو قال البائع للمشتري: خذ هذا الثوب أو هذه الشاة بدينار، ولم يزد على ذلك. فعن مالك﵀- روايتان سببهما ما ذكره المصنف. والبطلان رواية لابن القاسم، وابن وهب. ابن المواز: وهي أصح، والصحة رواية لأشهب.
ولو اشترى على اللزوم ثوبا يختاره من ثوبين أو أكثر جاز، وكذلك العبيد، والبقر، والغنم، والشجر غير المثمر ما لم يكن طعامًا
قوله: (يختاره من ثوبين) ظاهره: ولو كانا مختلفي الثمن، وهو مذهب المدونة كما تقدم. وهذه المسألة مقيدة بما إذا كان الخيار للمشتري، وأما إن كان للبائع لم يجز كما بينه في النكاح من المدونة فيمن نكح امرأة على أحد عبديه.
وذكره المصنف في باب الصداق، فقال: ويجوز على عبد تختاره لا يختاره هو كالبيع. وقوله: (ما لم يكن) يعني: المشترى طعامًا، وسيأتي.
وإن اختلفت الأجناس لم يجز كحرير وصوف، أو بقر وغنم
هذا ظاهر، وهو حقيقة بيعتين في بيعة.
ولو اشترى نخلة مثمرة، أو ثمرة نخلة من نخلات لم يجز
لما ذكر أولًا قوله: (ما لم يكن طعاما) تكلم على ذلك، يعني: ولو فرضنا المسألة السابقة في طعام لم يجز، سواء كان مع عرض، وهو قوله: (نخلة مثمرة) أو لا عرض معه، [٤٥٩/ب] وهو قوله: (ثمرة نخلة) وسواء كان الطعام متفقًا كما مثل به، أو مختلفًا كثمرة وقمح. صرح بذلك في المدونة، وعلل بعلتين: التفاضل في بيع الطعام من صنف واحد، وبيعه قبل قبضه إن كان على الكيل، لاحتمال أن يدع واحدة بعد اختيارها ويأخذ أخرى.
[ ٥ / ٣٤٩ ]
واختلف إذا تساوى الطعام هل يجوز ذلك فيه أم لا؟ فقال فضل: يجوز. وفي كتاب أبي الفرح والواضحة: المنع في ذلك.
ابن حبيب: ويدخله بيع الطعام قبل استيفائه. وضعفوا هذا التعليل، وقالوا: بل يدخله طعام بطعام على خيار وليس يدخله بيعه قبل قبضه، لأنه لو أسلم في محمولة جاز أن يأخذ سمراء مثل الكيل بعد الأجل وهو بلد.
واختار اللخمي في ذلك الجواز، ويحال المشتري في ذلك على دينه، ويؤمر إذا اختار شيئًا ألا ينتقل عنه.
وروى ابن حبيب عن مالك فيمن قال: أبيع منك من هذه الصبرة عشرة آصع وإن شئت من هذه الصرة التي هي من جنسها بدينار وعقدا على ذلك، لم يجز. ابن الكاتب، ومعنى ذلك: إذا تأخر الاختيار عن وقت العقد.
وقال ابن محرز: إذا اشترى عشرة أقفزة يختارها من صبرتين من جنس واحد، توقف فيها الشيخ أبو الحسن، وأجازها من لقينا من الشيوخ.
فضل: وظاهر المدونة الجواز وفيه مغمز، لأن الطعام بالطعام لا يجوز فيه خيار ساعة.
ابن عبد السلام: لا أدري من أين أخذها من المدونة، وفي أواخر كتاب الخيار من المدونة خلافه فانظره.
بخلاف البائع يستثنى أربع نخلات أو خمسًا من حائطه إن كانت يسيرة يختارها، فإن مالكا أجازه بعد أن وقف أربعين ليلة، وكرهه ابن القاسم
أي: البائع يخالف المشتري في المسألة المتقدمة إذا كان الخيار له، فأجازه مالك إذا كان ما استثنى يسيرًا. ولم يكتف المصنف بالأربع عن التقييد باليسير، لأن الحائط قد تكون نخلاته كلها يسيرة.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
بيع عسيب النخل
ومراده بـ (اليسير) قدر الثلث فأدنى، كما تقدم. ونسب لابن القاسم الكراهة، الذي في الرواية، وقال ابن القاسم:: لا يعجبني ذلك، فإن وقع أمضيته لقول مالك فيه. قال: وما رأيت من أعجبه ولا أحب لأحد أن يدخل فيه. وقد أضاف الباجي إليه المنع. ونقل عنه ابن محرز أنه قال: لا خير فيه.
ابن عبد السلام: والمنع أقرب إلى لفظه.
أبو الحسن: ولو كان مراده الكراهة على بابها، لمضى على قوله ولم يحتج إلى التعليل بمراعاة قول مالك، وعلى هذا فنسبة الكراهة إليه ليست بجيدة. واختلف في الجواب عن توقف الإمام، فقال عبد الخالق: لأن البائع يعلم من حائطه جيده من رديئته، فلا يتوهم فيه أن يختار هذه ثم ينتقل، بخلاف المشتري. وقيل: لأن مالكًا يرى أن المستثنى عنده مبقى غير مشترى، ولو قال: إنه مبيع لمنع.
ومنه بيع عسيب الفحل، وحمل على استئجار الفحل على عقوق الأنثى، ولا يمكن تسليمه، فأما على أكوام أزمان فيجوز
روى البخاري عن ابن عمر قال: نهى رسول ﷺ عن عسيب الفحل. ويقال: عسب وعسيب بالياء ودونها. عياض في المشارق: وعسب الفحل المنهي عنه هو كراء ضرابه، العسيب هو نفسه الضراب، قاله أبو عبيدة.
وقال غيره: لا يكون العسيب إلا الضراب، والمراد: الكراء عليه، لكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: العسيب ماؤه. وفي الجوهري: العسيب الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل. ونهى عن عسب الفحل، تقول: عسب فحله يعسبه، أي: أكراه. وعسب الفحل أيضًا، ويقال: ماؤه.
[ ٥ / ٣٥١ ]
بيع وشرط
وحمل أهل المذهب ذلك على الإجارة المجهولة، وهو أن يستأجره حتى تحمل الأنثي، وهذا هو مراده بعقوق الأنثى، وهذا القدر مجهول، لأنه قد لا تحمل فيغبن صاحب الأنثى، أما إذا كانت الإجارة مضبوطة بأكوام أو زمان فهي جائزة.
عياض: والأكوام جمع كَوم بفتح الكاف، وهو الضراب والنزو. ويقال: كامها يكومها إذا فعل بها ذلك.
فلو سيما أكوامًا فعقت في الأولى انفسخت
أي: انفسخت الإجارة في بقية المرات، وسيأتي نظائرها في باب الإجارة إن شاء الله.
وصواب قوله: (عقت): أعقت. الجوهري: وأعقت الفرس، أي: حملت فهي عقوق، ولا يقال: معق إلا في لغة رديئة، والجمع: عقق كرسول ورسل.
ومنه بيع وشرط، وحمل على شرط يناقض مقصود العقد، مثل ألا يبيع ولا يهب غير تنجيز العتق للسنة
ذكر عبد الحق في أحكامه عن عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط. وحمله أهل المذهب على الشرط الذي لا يتم معه المقصود من البيع. ومثل ما يناقضه بأن لا يبيع ولا يهب، ثم استثنى من ذلك تنجيز العتق، فإنه وإن كان يناقض مقتضى العقد فهو جائز. وأشار بالسنة إلى حديث بريرة، واحترز بالتنجيز من تدبيره أو عتقه إلى أجل أو نحو ذلك، فإنه فاسد.
فرعان مرتبان:
الأول: إذا أجزنا البيع بشرط العتق فهل يجبر عليه وهو قول أشهب، وابن كنانة، أو لا وهو قول ابن القاسم، ثم اختلف [٤٥٧/أ] الأشياخ في محل الخلاف، فقيل: إن
[ ٥ / ٣٥٢ ]
المشترط عليه إن عقد الشراء على أنه بالخيار في إبقائه لم يجبر، وإن قصد أنه حر بنفس التزام الشراء ألزم ذلك، كذلك إن التزم ذلك، ويجبر عليه إن امتنع وإلا أعتقه عليه الحاكم، وإنما الخلاف فيما إذا وقع الشراء على الإطلاق، وإليه ذهب اللخمي. وقيل: الخلاف فيما إذا اشترط العتق على جهة الإيجاب.
الثاني: إذا قلنا بفساد البيع لأجل اشتراط التدبير ونحوه، وقلنا بفسخه، فلو أسقط البائع شرطه، فقال ابن القاسم: يمضي. وقال أشهب: لا يمضي.
أو يعود بخلل في الثمن، كشرط السلف من أحدهما
هذا قسيم قوله: (على شرط يناقض مقتضى العقد) أي: المنهي عنه قسمان، قسم: يناقض مقتضى العقد. وقسم: يعود بجهالة في الثمن، لأنه لما وقع البيع على السلف صار من جملة الثمن والانتفاع به مجهول. والذي علل به الكثير من علمائنا المنع بأنه يؤول إلى سلف جر منفعة. وعلى هذا فيدعي أن الحكم معلل بعلتين، وما علل به المصنف هو في ابن شاس، وعلل به صاحب الاستذكار.
فلو أسقط، فقولان
أي: لو أسقط مشترط السلف شرطه، فالمشهر صحة البيع إذا تبين أنه لا مقابل له. والشاذ لابن عبد الحكم: لا يصح، لأنهما دخلا على الفساد ابتداء. ورواه المدنين عن مالك. وعلى المشهور من تخيير المتسلف في إسقاط شرطه ويصح البيع، فهل يشترط في التخيير ألا يكون قبض السلف وغاب عليه؟ وأما إن غاب عليه فلا يخير ويرد السلعة وينقض البيع، إذ ثم الربا بينهما للذي اشترط ذلك، ذهب إلى ذلك سحنون وابن حبيب، قالا: وإن فاتت بيدي المشتري ففيها القيمة ما بلغت. وذكر أصبغ عن ابن القاسم أن الغيبة على السلف لا تمنع تخيير المشتري، فيرده إن كانت السلعة قائمة، وإن فاتت فعلى
[ ٥ / ٣٥٣ ]
المشتري الأكثر من الثمن أو القيمة. واختلف على ما تحمل عليه المدونة من القولين، والأكثرون حملها على قول ابن القاسم. وصرح ابن عبد السلام بمشهوريته. وذكر ابن راشد قول سحنون ثالثًا.
وظاهر إطلاقهم وإطلاق المصنف أنه لا فرق بين أن يكون الإسقاط قبل فوات السلعة أو بعد فواتها، لكن ذكر المازري أن ظاهر المذهب أنه لا يؤثر إسقاطه بعد فواتها في يد مشتريها، لأن القيمة حينئذ قد وجبت عليه فلا يؤثر الإسقاط بعده.
وذكر المازري أن بعض الأشياخ خرج قولًا بالصحة مع إسقاط الشرط ولو مع الفوات، واعترضه. وتركته خوف الإطالة.
ومفهوم قوله: (أسقط) أنه إن لم يسقط لم يختلف في فساده، وهو كذلك. فإن كانت السلعة قائمة ردت، وإن فاتت فثلاثة أقوال: روى يحيي عن ابن القاسم أن عليه القيمة ما بلغت، كان السلف من البائع أو من المبتاع، ويرد السلف.
الثاني مذهب المدونة- نص عليه في كتاب الآجال-: إن كان السلف من البائع فله الأقل من الثمن أو القيمة يوم القبض ويرد السلف وإن كان الثمن مائة والسلف خمسين وكان السلف من المشتري فعليه الأكثر، فإن كانت القيمة أكثر من مائة وخمسين أخذها البائع وإن كانت أقل من مائة وخمسين لم ينقص المشتري من ذلك، لأنه رضي بمائة ثمنًا ومعها خمسون يدفعها سلفًا، فإذا قبضنا من المائة وأسقطنا عنه الخمسين فقد أحسنا إليه، وإن كان السلف من البائع فله الأقل منهما، فإن كانت القيمة خمسين أو ستين أخذها، وإن كانت أكثر من مائة لم يزد عليها.
الثالث الأصبغ: قال كذلك إلا لأنه رأى أن القيمة إذا زادت على المائة التي هي الثمن والخمسين السلف لا يقضى للبائع بأكثر منها، لأنه يقال له: أنت رضيت بالمائة تملكها
[ ٥ / ٣٥٤ ]
وتتبعه بالخمسين، فإذا ملكناك السلف فقد أحسنا إليك. لكن اختلف هل هو وفاق لما في الكتاب أو خلاف، والظاهر هو الأول.
عياض: وظاهر الكتاب خلاف أصبغ. وأورد على المشهور لو باع سلعة وخمرًا بثمن فإن البيع لا يصح ولو أسقط الخمر. وفرق القاضي إسماعيل بأن مشترط السلف يخير في أخذه وتركه، وإنما تكون كالسلف لو قال: أبيعك على أني إن شئت أن تزيد في زق خمر زدتني وإن شئت تركته، فلو تركه جاز البيع.
ورده صاحب الاستذكار بأن مشترط الخمر لو شاء تركه كمشترط السلف سواء فلا فرق. وأجاب ابن زرقون: بأن مشترط السلف إذا تركه لم يجبر على أخذه، بخلاف مشترط الخمر، لأنه مشترى له، ومن اشترى شيئًا أجبر على قبضه.
وفرق أيضًا: بأن البيع والسلف أصلان لو انفرد كل واحد منهما لجاز، والخمر لو انفردت وحدها لم يجز، وبأن الفساد في مسألة راجع إلى ماهية المبيع، لفساد المعقود عليه، بخلاف البيع والسلف، فإن الفساد خارج عن الماهية.
فلو باعه المدين سلعة على ألا يقاصه، ففي منعه قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه شرط للتأخير أو لا
يعني: لو كان لرجل دين حال على آخر فباع المدين سلعة لرب الدين بثمن من جنس الدين وشرط في عقده البيع ألا يقاصه، فقال ابن القاسم: يمنع [٤٥٧/ب] لأن العرف في مثله يقتضي أن ذلك قرينة في تأخيره، ومن أخر ما عجل عد مسلفًا.
قال شيخنا: ولو علل أيضًا بأنه يسامحه فيكون هدية مديان لكان له وجه.
وروى أشهب أنه ليس في التزام عدم المقاصة ما يقتضي تأخيره، ولو شرط التأخير فسد اتفاقًا.
[ ٥ / ٣٥٥ ]
بيع العربان
بيع الكلب
فأما الرهن والكفيل والأجل فلا
أي: وأما البيع باشتراط هذه الأربعة فليس من المنهي عنه.
ومنه بيع العربان، وهو أن يعطي شيئًا على أنه إن كره البيع أو الإجارة لم يعد إليه
روى مالك، وأبو داود: أنه﵊- نهى عن بيع العربان. وكلامه ظاهر التصور. والعربان: العربون، وفيه ست لغات: عُربون وعَربون وعُربان، وبالهمزة موضع العين في الثلاثة.
فرع:
فلو وقع البيع والكراء على ذلك، فقال عيسى بن دينار: يفسخ، فإن فاتت مضت بالقيمة.
ومنه بيع الكلب، وفي المأذون الكراهة والتحريم. وأما من قتله فعليه قيمته، وأما غير المأذون فلا شيء على قاتله، لأنه مما يقتل
قد تقدم هذا في أول البيوع.
ومنه تفريق الأم من ولدها، قال مالك: ما لم يستغن عن أمه. فقيل: الإثغار. وقيل: سبع سنين. وقيل: البلوغ
لقوله ﵊: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة). حسنه الترمذي.
وما ذكره المصنف عن مالك من تفسير النهي بحالة عدم الاستغناء هو لمالك في المدونة، وفسر فيها الاستغناء بأن في أكله وشرابه ومنامه وقيامه.
واختلف هل النهي لحق الولد- وعليه ما في المختصر- إذا رضيت الأم بالتفرقة فلا بأس؟
[ ٥ / ٣٥٦ ]
واختار اللخمي، وابن يونس وغيرهما الأول. وقوله: (فقيل: الإثغار) هو كالتفسير للاستغناء. وظاهر كلامه: أن هذه الأقوال لأهل المذهب في تفسير الاستغناء الذي نص عليه مالك، وهو جيد لو لم يكن مالك نص على بعض هذه الأقوال.
وقد نص على الأول في المدونة، فقال: وحد ذلك الإثغار ما لم يجعل به جواريَ كنَّ أو غلمانًا.
والقول بسبع سنين لابن حبيب، والقول بالبلوغ رواه ابن غانم، وقال ابن وهب: حد ذلك عشر سنين.
المازري: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يفرق بينهما ما عاشا. ولأجل المنع من التفرقة قالوا: إذا اشتراهما شخص ثم اطلع على عيب بأحدهما فليس له إلا رد الجميع.
فإن فرقا، فقيل: يفسخ مطلقًا ويعاقبان، وقيل: إن لم يجمعاهما. وقيل: يباعان
يعني: فإن فرقا إما ببيع، أو إجارة، أو نكاح، أو نحو ذلك. والقول بفسخه- يعني مطلقًا سواء جمعاهما أو لا- ذكره ابن حبيب عن مالك وأصحابه. والقول بفسخه إن لم يجمعاهما- أي في ملك- هو مذهب المدونة. وكان ينبغي تقديمه لأنه المشهور، وقد صرح المازري بمشهوريته. والثالث لابن المواز، قال: وأما الفسخ فلا.
ومنشأ الخلاف هل منع التفرقة حق لله تعالى فيكون العقد على أحدهما فاسدًا فلابد من فسخه كالخمر، أو حق لآدم فيكفي اجتماعهما؟ ثم هل في الحوز أو في الملك؟
فإن فرقا بغير عوض، فقيل: يباعان إن لم يجمعاهما في ملك. وقيل: إن لم يجمعاهما في حوز
كما لو وهب الأم دون ولدها أو العكس، أو وهب كلًا منهما لشخص، لم يختلف أنه لابد من الجمع. واختلف قول مالك هل لا يكتفي إلا بالاجتماع في الملك كما لو فرقا
[ ٥ / ٣٥٧ ]
بعوض، أو يكتفى بالاجتماع في الحوز؟ لأن السيد لما ابتدأ فعله بالمعروف من الصدقة والهبة والغالب أنه لم يقصد الضرر فكان كالعتق.
وهذا الثاني هو ظاهر المدونة عند أبي زيد. وقال ابن المواز: أحب إلينا الاجتماع في الملك وإلى من لقينا، ولو جاز هذا الجاز في الوارثين. وقد قال مالك: لا يقتسمان وإن شرط ألا يفترقا في الحيازة.
وحكي عن ابن حبيب ثالث: وهو جواز الجمع في الحوز إذا كان الشمل واحدًا، مثل أن تتصدق المرأة على زوجها أو هو عليها، والأب على ابنه والابن على أبيه، لا إن لم يكن الشمل واحدًا، وتصح الهبة والصدقة ويؤمر بالمقاواة أو ببيعهما من واحد ويأخذ كل واحد ما ينوبه من الثمن.
تنبيه:
منع التفرقة خاص عندنا بالأم، وتجوز التفرقة في الأب والجد للأب أو للأم، قاله في المدونة وغيرها.
واختار اللخمي منع التفرقة في الأب. فإن قلت: يلزم هنا وفيما إذ فرقا بعوض وامتنعا من جمعهما في ملك جمع الرجلين سلعتهما في البيع كما أشار إليه بعضهم، قيل: يمكن أن يدفع ذلك بأن يقوَّم كل من الولد والأم قبل البيع ثم يفض الثمن عليهما فلا تقع جهالة، أو أجيز ذلك هنا للضرورة الداعية إلى ذلك بخلاف الاختيار. وأجاب بالأول غير واحد، وبالثاني أيضًا عياض.
[ ٥ / ٣٥٨ ]
البيع على البيع
ومنه أن يبيع على بيع أخيه، ومحمله إذا ركن البائع، وفي فسخه قولان كالنكاح
في الصحيح: قال ﷺ: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له». وعلى ظاهره من أن النهي للبائع أن يبيع على بيع أخيه إذا ركن المشتري إليه، حمله الباجي وعياض.
وقال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون البائع. وعدم الفسخ لمالك في الواضحة. ابن القاسم: ويستغفر الله ويعرضها على الأول بالثمن، زاد ابن القاسم ويؤدب.
الباجي: ولعله يريد من تكرر ذلك منه، ونقل بعضهم عن مالك: أنه يفسخ ما لم يفت.
وإذا قلنا: يعرضها على الأول، فإن كان الثاني أنفق نفقة [٤٥٨/أ] زادت بسببها أعطاه النفقة مع الثمن، وإن نقصت فإن شاء أخد المبيع ولا شيء عليه وإن شاء تركه، قاله مالك.
ابن عبد السلام: والمنصوص في المذهب أن البائع إذا ركن ليهودي فلا يزاد عليه.
ومنه: بيع النجش، وهو أن يزيد ليغر
في الصحيح، قال رسول الله ﷺ: «لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر».
قوله: (وهو أن يزيد ليغر) هو معنى تفسير مالك له في الموطأ. ولا يخلو إما أن يجعل بائعها من يزيد فيها، أو يفعل ذلك أحد من قبل نفسه ليفتدي به ويزيد عليه من يرغب فيها وليس مراده هو الشراء، فهذا إذا وقع وجب به الرد كما سيأتي.
والنجش في اللغة: هو الإثار والتحريك، لأنه يثير الصدق ويحركه، والناجش للبيع يثير للفساد.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
فإن وقع بدسه أو بعلمه، وقيل: أو بسببه كابنه وعبده ونحوهما، فقال ابن القاسم، وهو المشهود: له أن يرد، فإن فاتت فالقيمة ما لم تزد، وقال مالك: يفسخ كالنكاح في العدة
ضمير (دسه) وما بعده للبائع، يعني: أنه اتفق على وقوع النجش إن دس البائع من زاد في السلعة، أو زاد فيها أحد لا يريد شراءها وعلم البائع ولم ينكر. وقوله: (وقيلَ ) إلى آخره. هو قول ابن حبيب، لكنه لم يسقه على أنه خلاف بل على المذهب. وقد اعترضه بعض من تكلم على هذا الموضع بذلك، ثم ذكر المصنف في الحكم بعد الوقوع قولين، المشهور: أن البيع لا يفسخ. وكذلك صرح المازري بمشهوريته. والمبتاع بالخيار بين أن يتماسك بالمبيع على ثمنه في النجش أو يرد هذا في قيام السلعة، وأما في فواتها فعليه القيمة وكأنه أتلفها ما لم تزد على الثمن الذي رضي البائع وهو ثمن النجش وينبغي أن يتم هذا القول وما لم تنقص عن الثمن الذي كان قبل النجش، ونسب المصنف هذا القول لابن القاسم، ونسبه غيره لمالك. والشاذ: ذكره القزويني عن مالك، ووجهه: القياس على النكاح كما أشار إليه المصنف، وكون الأصلي في النهي أن يدل على فساد المنهي عنه.
خليل: وهذا التعليل الثاني أظهر، وأما القياس فالوصف الجامع غير ظاهر. واختار ابن العربي أن الناجش إذا بَلَّغ السلعة القيمة فهو مأجور، وفيه بعد، لأنه إن لم يرد الشراء فهو إتلاف لمال المشتري، وإن كان مع إرادة الشراء فليس بناجش. ونص ابن العربي على منعه من الزيادة على القيمة.
أشهب عن مالك: وإن أراد بيع سلعة وقال: أعطيت بها كذا وهو صادق، فلا بأس به إذا كان أعطى عن سوم، وأما النجش فلا، أو يكون عطاء قديمًا فيكتم قِدَمَه والمبتاع يظن أنه حديث.
فرعان:
الأول، لمالك في الموازية: فيمن قال لرجل ما أُعطِيتَ في سلعتك فلك زيادة دينار، فقال: أعطاني فلان مائة فزاده وأخذها، ثم قال فلان: لم أعطه إلا تسعين. قال مالك:
[ ٥ / ٣٦٠ ]
يلزمه البيع ولو شاء لتثبت، إلا أن تكون بينة حضرت عطاء فلان دون ذلك فيرد البيع إن شاء ذلك. مالك في العتبية: ولا يمين عليه.
ابن رشد: وإذا قامت البينة فاتت السلعة بما يفوت به البيع الفاسد، ففيها القيمة ما لم تزد على ما تبايعا عليه أو تنقص عما شهدت عليه البينة.
الثاني: عكس الزيادة في النجش سؤال المشتري لبعض أهل السوق الكف عن الزيادة ليشتري بدون القيمة، فإن سأل أهل السوق أو الكثير منهم لم يجز، وإن سأل الواحد، ففي الموازية عن مالك: لا بأس أن يقول المشتري لرجل حاضر كف عني ولا تزد علي، فأما الأمر العام فلا، وكره أن يقول: كف عني ولا تزد علي، فأما الأمر العام فلا، وكره أن يقول: كف عني ولك نصفها ويدخله الدلسة، ولا ينبغي أن تجتمع الباعة فيقولوا: لا تزيدوا على كذا.
ونقل في البيان عن ابن دحون، ووافقه عليه أنه لو قال: كف عني ولك دينار جاز ولزمه اشترى أو لم يشتر. قال: وإنما لم يجز قوله: ولك نصفها في الرواية إذا كان على طريق العطية، فكأنه أعطاه على أن يكف عنه ما لا يملك.
ولمالك في العتبية والواضحة: في عبدين ثلاثة، قال أحدهم لآخر: إذا تقاومناه فلا تزد ليقتدي بك صاحبنا والعبد بيني وبينك، ففعل وثبت ذلك ببينة أو إقرار أن البيع مردود.
قال ابن حبيب: ولم يأخذ به أصبغ ولم يره من النجش وبه أقول، لأن صاحبه لم يرد أن يقتدي بزيادته إنما أمسك عن الزيادة رأسًا ليرخصه على نفسه وعلى صاحبه فلا بأس بذلك.
ابن عبد السلام: الذي يظهر ببادئ الرأي قول أصبغ، لكن هؤلاء الثلاثة لما جلسوا للمقاواة صاروا كجميع أهل السوق، وقد قدم عدم الجواز في أهل السوق.
[ ٥ / ٣٦١ ]
بيع الحاضر للبادي
ومنه بيع الحاضر للبادي، وفي الموطأ: محمله على أهل العمود لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه، لقوله: ولا يبيع مدني لمصري ولا مصري لمدني
قد تقدم النهي، وما نسبه للموطأ تبع فيه ابن شاس، وليس في الموطأ ما ذكراه، ولعلهما اعتمدا في ذلك على ذكره الحديث وسكوته ففهما منه أنه أبقى الحديث على ظاهره، والبادي ظاهر في أهل العمود.
وذكر صاحب البيان في كتاب السلطان، في أهل القرى ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النهي إنما يتناول أهل العمود خاصة دون أهل القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها وهي رواية أبي موسى قرة بن [٤٥٨/ب] طارق عن مالك.
الثاني: أنه يتناول أهل العمود والقرى دون أهل المدن.
الثالث: أنه يتناول أهل العمود والقرى وأهل المدن.
ابن عبد السلام: وكل من القولين الأخيرين لمالك في العتبية والموازية.
(وقيل: بعمومه) أي: بعموم الهي لأهل العمود والقرى، هذا هو القول الثاني الذي حكاه ابن رشد. وقوله: (لقوله) أي: لقول مالك في الموازية: (ولا يبيع مدني لمصري ولا مصري لمدني).
فإن وقع ففي الفسخ قولان، قال مالك: لا يشار على البادي ولا يخير بالسعر
أي: فإن باع حاضر لباد ففي فسخ البيع قولان، والقولان لابن القاسم. والفسخ مروي عن مالك وبه قال أصبغ، وبعدم الفسخ قال ابن وهب وابن عبد الحكم.
وروى عيسى عن ابن القاسم: يفسخ، فإن فات فلا شيء عليه. وروى عنه هو وسحنون أنه يؤدب الحاضر البائع للبادي، زاد عيسى عنه: إذا كان معتادًا. وقال ابن وهب: يزجر ولا يؤدب وإن كان عالمًا بمكروهه، ولا يشار عليه، أي: باليد ولا بالعين.
[ ٥ / ٣٦٢ ]
البيع بعد نداء الجمعة
فرعان:
الأول: لو وجه البدوي متاعًا مع رسول إلى الحضري ليبيعه، فذكر القزويني عن الأبهري جواز بيعه له، وحكى الباجي عن مالك وابن القاسم فسخ البيع في هذه الصورة، وهو الأظهر. المازري: وهو المعروف من المذهب.
الثاني: أجاز مالك في الموازية والعتبية الشراء لهم. وقال ابن حبيب: الشراء كالبيع، وروي أيضًا عن مالك.
ومنه: البيع بعد نداء الجمعة الموجب للسعي على المتبايعين أو أحدهما، فإن وقع فالمشهور الفسخ، وثالثها في حق من اعتاد ذلك
النهي هو ما ورد في القرآن بصيغة الأمر بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. وقيد النداء بالموجب للسعي احترازًا من النداء الأول، وسواء كان المتبايعان ممن تجب الجمعة عليهما أو على أحدهما. والفسخ مذهب المدونة والمشهور، وعدم الفسخ لمالك في المجموعة، والثالث لعبد الملك.
ورجح الثاني بأن المنع هنا من جهة الزمان وحده والعقدة صحيحة في أركانها وشروطها.
واختلف أيضًا فيمن أخر صلاة حتى لم يبقَ من وقتها الضروري إلا مقدار ما يوقعها فيه فباع في ذلك الوقت، فقال القاضي إسماعيل: يفسخ بيعه، وهو اختيار الشيخ أبي عمران، لوجود العلة في صلاة الجمعة هنا.
وقال ابن سحنون: لا يفسخ. المازري: ويمكن أن يقال بعدم الفسخ هنا، بخلاف الجمعة فإن الجماعة شرط فيها، فمن المصلحة منع كل ما أدى إلى افتراق جمعهم والإخلال بشرط لا تصح الجمعة إلا به، بخلاف غيرها من الصلوات فإن الجماعة ليست شرطًا فيها.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
تلقي السلع
وألزم القائل بالإبطال أن يبطل بياعات الغاضب، لأنها واقعة في زمان كان يجب عليهم فيه التشاغل برد الغصوبات. وألحق الغرناطي بالبيع يوم الجمعة البيعَ وقت الفتنة، يريد في حق من طلب منه الخروج.
ابن رشد: ويحرم البيع في المكان المغصوب.
فإن فاتت فالقيمة، وقيل: الثمن
القول بالقيمة لابن القاسم وأشهب، والقول بالثمن للمغيرة، وعلله ابن عبدوس بأن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح يفسد من جهة عقده.
ويقوم وقت البيع بتقدير الحل، وقال أشهب: بعد الصلاة
هذا فرع على القول بوجوب القيمة، يعني: إذا ألزمناه القيمة، فقال ابن القاسم في الواضحة: تقوم وقت قبضها سائر البياعات الفاسدة، فإنها تقوم مضافة إلى زمان قبضها. وعبارة المصنف عنه بوقت البيع ليست بجيدة، لأنها أعم من وقت القبض.
وقال أشهب: الرجوع على القيمة إنما هو لتصحيح الفاسد، والفاسد في هذا البيع إنما هو من جهة زمانه، فلو أضفنا إليه القيمة لكان تصحيحًا للفاسد بالفاسد، وفيه نظر، لأن هذا إنما هو من باب التقدير، كما تقوم أم الولد وجلد الأضحية والكلب، وإن قلنا أنه لا يجوز بيعهم.
ابن عبد السلام: وحكى بعض المعاصرين عن أصبغ وجوب القيمة يوم التحاكم، ولعله لم يصح عنه فإني لم أقف عليه في شيء من كتب الفقه.
ومنه تلقي السلع، وروي في حده ثلاثة: الميل، والفرسخان، واليومان
قد تقدم النهي، واختلف العلماء هل النهي لحق الجالب وهو مذهب الشافعي، أو لحق أهل السوق وهو مذهب مالك. واختار ابن العربي أنه من حقهما. وظاهر المذهب أن
[ ٥ / ٣٦٤ ]
المنع من ذلك على التحريم. وقال ابن الجهم: كان النهي عن التلقي في أول الإسلام، لئلا ينفرد المتلقي بالرخص دون أهل السوق، وأما الآن فلا يقدم أحد إلا وهو على بصيرة بسعر ما يقدم به، فينبغي أن يكره ولا يحرم. والأقوال الثلاثة التي حكاها ظاهرة التصور.
وقال الباجي: يمنع التلقي قرب أو بعد، وهو ظاهر الحديث. وأما الغلات التي يَلحق أهلَ الأصولِ ضررٌ بتفريق بيعها كثمار الحوائط التي حول البلد، فاختلف هل يجوز لبعض أهل المدينة أن يخرج ليشتريها ثم يبيع هو لأهل المدينة؟ فروى ابن القاسم عن مالك: لا بأس بذلك. وقال في سماع أشهب: هو من التلقي، رواه عن مالك. ولو ورد خير السلعة فاشتراها شخص على الصفة، فقال مالك: هو من التلقي. وإن كان الأمر بالعكس فوصلت السلعة ولم يصل بائعها فتلقاه رجل فاشتراها منه، فقال [٤٥٩/أ] الباجي: لم أر فيه نصًا وهو عندي من التلقي.
ومن مرت به سلعة ومنزله بقرب المصر المجلوب إليه على نحو ستة أميال فله أن يشتري ما يحتاج إليه لنفسه لا للتجارة، ولو كانت داره بالبلد نفسها فمرت به السلعة فقولان، ولو لم يكن للسلعة سوق فإذا دخل بيوت الحاضرة والأزقة جاز شراؤه، قاله مالك وأصحابه. وإذا بلغت السلعة سوقها ثم انقلب بها، فلا بأس أن يشتريها من مرت به.
فإن وقع، فثالثها: يمضي ولطالبها الاشتراك
أي: فإن وقع شراء التلقي، ففي المسألة ثلاثة أقوال، الأول: يمضي ولا يفسخ. المازري: وهو المشهور، وهو قول مالك وغيره من الأصحاب. الثاني: لمحمد وابن حبيب: يفسخ. المازري: وعلى عدم فسخه فروى ابن القاسم أنه لا ينتزع من يد المتلقي، وبه قال ابن القاسم. وروى ابن وهب أنها تنزع من يده. انتهى. ورواية ابن وهب هي القول الثالث في كلام المصنف. ابن القاسم عن مالك: ويُنْهَى، فإن عاد أُدِّبَ.
[ ٥ / ٣٦٥ ]
بيوع الآجال
وفي الإكمال: المشهور عن مالك وأكثر أصحابه أن تعرض على أهل السوق، فإن لم يكن سوق فأهل المصر يشترك فيها من شاء منهم.
بيوع الآجال لقب لما يفسد بعض صوره منها، لتطرق التهمة، فإنها قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى باطل ممنوع حسما للذريعة
لما انقضى كلامه على البيوع التي نص الشرع على المنع منها عقبها ببيوع يتوصل بها إلى الممنوع، منعها أهل المذهب وغيرهم وسميت ببيوع الآجال، لأنها لا تنفك عن الأجل. وقوله: (لقب) أي: علم، ولعله عبر باللقب إشارة إلى الذم، لأن قوله: (لما يفسد) فيه إشارة إلى ذلك. ثم هل كلٌّ من لفظة البيوع والآجال باق على دلالته، أو سلبت دلالة كل واحد وصار المجموع اسمًا لما ذكره فيه احتمال، والثاني أظهر.
و(ما) في: (لما يفسد) يحتمل أن تكون موصولة أو موصوفة، وضمير: (صوره) عائد على (ما) لا على اللقب كما قال ابن راشد، لأن الفاسد بعض الملقب لا بعض اللقب. وقيل: الاسم للمسمى تكلف ويلزم عليه خلو الموصول من عائد، وضمير: (منها) عائد على بيوع الآجال. ولا يقال: يلزم الدور لأنه عرف الشيء بنفسه، لأن المراد شرح اللفظ لا الحد والرسم. و(لتطرق) متعلق بـ (يفسد) و(حسما) مفعول لأجله عامله محذوف، أي: فمنعه الشارع لأجل حسم الذريعة، والذريعة: بالذال المعجمة الوسيلة، وأصله عند العرب لما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان لتنضبط به فنقلت إلى البيع الجائز للتحيل به على ما لا يجوز فهو من مجاز المشابهة.
وأورد ابن عبد السلام دخول ما ليس من بيوع الآجال، كبيع فضة رديئة من شخص يذهب ثم يشتري به منه فضة طيبة دون الأولى وزنًا في مجلس أو مجلسين متقاربين،
[ ٥ / ٣٦٦ ]
وكاقتضاء طعام من ثمن طعام مخالف له وغير ذلك. وعلى ما تقدم من أن المراد: شرح اللفظ لا يرد هذا، ولو سلم أن المراد: الرسم، ففي صدر كلامه ما يخرجها، لأنه قال: لقب لما يفسد، أي: لقب لصور مخصوصة من البيوع الأجلية يفسد بعضها للتهمة. وتلك الصور المخصوصة مذكورة في الباب، وليست الصورتان وشبههما منها.
وأجمعت الأمة على المنع من بيع وسلف ولا معنى سواه
أتى بهذا حجة لسد الذرائع، يعني: أن كل واحد من البيع والسلف على انفراده جائز بإجماع الأمة، وأجمعت على المنع من اجتماعهما للذريعة، ولا سبب إلا التهمة على الزيادة في السلف. والأصل: عدم غيره، ولاسيما وقد يحث على غير ذلك فلم يوجد، ولا يقال: لم لا يجوز أن يكون تعبدًا لأنه خلاف الأصل، ولأن المتعقل أقرب إلى الانقياد فوجب الحمل عليه. وإذا ثبت هذا فتمنع كل صورة فيها تهمة للإجماع على المنع لأجلها.
وقد يعترض هذا الدليل بأن حكاية الإجماع ليست بجيدة، لأنه إما أن يكون ذلك إذا لم يكن السلف بشرط، أو إذا كان فالأول لا يصح، لأن الشافعي يجيزه، والثاني المنع فيه عند الشافعي إنما هو لأجل الشرط لا للتهمة، لكن الظاهر منع هذه البياعات، لأن إجازتها تستدعي الوقوع في المحرم البين كما هو مشاهد بالديار المصرية.
فإن كان مما يكثر القصد إليه كبيع وسلف، أو سلف جر منفعة منع وفاقًا
لما قرر المنع وكانت أسبابه مختلفة بالقوة والضعف أخذ يبين ذلك، والقوي: ما يكثر القصد إليه. وقوله: (فإن كان) أي: الباطل الممنوع، ومثل ما يكثر القصد إليه ببيع وسلف، وسلف جر نفعًا. وإنما كان مما يكثر القصد إليه لما فيه من الزيادة، والنفوس مجبولة على حبها فلذلك يتحيل عليها.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
مثال البيع والسلف: أن يبيع سعلتين بدينار إلى شهر ثم يشتري واحدة منهما بدينار نقدًا، وقاعدة مالك﵀- وأصحابه: عدُّ ما خرج من اليد وعاد إليها لغوا، وكأن البائع خرج من يده سلعة ودينار نقدًا يأخذ عنهما عند الأجل دينارين، أحدهما عوضٌ عن السلعة وهو بيع، والثاني [٤٥٩/ب] عوضٌ عن الدينار المنقود وهو سلف جر منفعة.
ومثال سلف جر منفعة- المسألة التي هي أصل هذا الباب-: أن يبيع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم يشتريه بثمانية نقدًا، فقد رجع إليه ثوبه وخرج من يده ثمانية يأخذ عنها عشرة.
وقوله: (منع) أي: البيع الموصل إلى هذا الممنوع. وأشار ابن راشد إلى أنه كان ينبغي أن يكتفي ببيع وسلف، لأن ذكر سلف جر منعفة يغني عنه، لأن البيع والسلف إنما منع لأدائه إلى سلف جر منفعة. وأجيب: بأنه وإن كان مؤديًا إليه إلا أنه تعليل بالمظنة فهو أضبط.
وإن كان مما يقل، كدفع الأكثر مما فيه الضمان وأخذ أقل منه إلى أجل، فقولان
(إلى أجل) متعلق بـ (دفع) أي: وإن كان الباطن الممنوع قليل الوقوع لقلة من يقصد إليه، لأن الغالب دفع الأقل لتحصيل الأكثر لا العكس، كما لو باع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشترى منه عند الأجل أو قبله ثوبًا منهما بالعشرة فآل أمره إلى أنه دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما بثوب إلى أجل. وظاهر المذهب من القولين الجواز لبعده.
ابن بشير، وابن شاس: والقولان مشهوران، ولا خلاف أن صريح ضمان بجعل ممنوع، لأن الشرع جعل الضمان والجاه والقرض لا يفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض عليه سحت.
وإن كان بعيدًا جدًا، كأسلفني وأسلفك، فالمشهورة: جوازه
(وأسلفك) منوصب بعد الواو على معنى الجمع، أي: ليجتمع سلف منك وسلف مني. والشاذ لابن الماشجون، ومثاله: لو باعه ثوبًا بدينار إلى شره ثم اشتراه بدينار نقدًا
[ ٥ / ٣٦٨ ]
وبدينار إلى شهرين، والسلعة قد رجعت إلى صاحبها ودفع الآن دينارًا يأخذ بعد شهر دينارين إلى شهرين أحدهما عوض عما كان أعطاه، والثاني كأنه أسلفه على أن يعطي عند مضي شهر آخر، واستبعد ابن عبد السلام أن يكون هذا أضعف مما قبله، لأن العادة طلب المكافأة على السلف بالسلف.
وأجيب: بأن المستبعد الدخول على أن يسلفه الآن ليسلفه بعد ذلك بشهر، إذ الناس يقصدون السلف عند الاضطرار.
ولو اعتبر البعيد لمنع بالمثل وبأكثر نقدًا، وبأقل إلى أبعد إذا كانت السلعة بيده متمكنًا من الانتفاع، وقد التزمه بعضهم
يعني: أنه لا ينبغي أن يعتبر الباطن إذا كان بعيدًا إذ لو اعتبر للزم المنع في ثلاث صور، وهي جائزة اتفاقًا، أولها: أن يبيعه سلعة بثمن إلى أجل فتقيم عند المشتري مدة يمكنه الانتفاع بها، ثم يشتريها بمثل ذلك الثمن نقدًا. ثانيها: كذلك ويشتريها بأكثر نقدًا. ثالثها: كذلك ويشتريها بأقل إلى أبعد، كما لو باعها أولًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بعد خمسة عشر يومًا بخمسة إلى شهرين.
ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا ابن بشير. وكلامه في هذا الفصل مختل، وإنما يصح المعنى الذي قصدوه في الصورة الثالثة، لأن البائع دفع عشرة يأخذ عنها خمسة بعد ذلك والانتفاع الذي حصل من السلعة، فيكون بيعًا وسلفًا، وإنما يجوز إذا رجع إليه المثل أو الأقل، فإن رجع إليه الأكثر فلا يجوز.
وأما الصورتان الأولتان، فابن القاسم وغيره يجيزهما ولا مانع فيهما محقق ولا متوهم. وقال شيخنا: بل المعنى كما قال المصنف، وهو أن المنع يترتب على كل ما لو نطقا به ابتداء لمنع، والمنع فيهما لأجل الضمان بجعل، لأنه إذا اشتراها بالمثل نقدًا فقد جعل
[ ٥ / ٣٦٩ ]
ذلك الانتفاع جعلًا على ضمانها في مدة الانتفاع والزيادة. وإذا تبين لك ذلك في المثل كان بيانه مع الزيادة أحرى، لكون الجعل حينئذ الانتفاع والزيادة.
فقول ابن عبد السلام: وكلام ابن بشير مختل ليس بظاهر، وقول المصنف: إذا قامت السلعة بيده، تنبيه على المعنى الموجب للتهمة.
وقوله: (التزمه بعضهم) عبر بالالتزام، وعبر ابن بشير بالإلزام، فقال: وألزم بعضهم على مراعاة التهم البعيدة أن يمنع، وذكر الثلاث صور كما ذكرها المصنف. ولم يعلل ابن بشير المنع في الثلاث بما علله به شيخنا، بل علل بالبيع والسلف، ويكون الثمن سلفًا والمنفعة مبيعة بالسلعة.
وبقي هنا شيء وهو: إن كان المراد ببعضهم غير ابن محرز فحسن، لكن لم أقف عليه، وإن كان هو المراد كما قيل ففيه نظر، لأن ابن محرز إنما تكلم على الصورة الثالثة، ويتبين لك ذلك بالوقوف على كلامه، فقال: إذا باع سلعة بمائة إلى شهر، ثم اشتراها بمائة نقدًا أو إلى الأجل، أو أبعد منه فذلك جائز، لأنه لا تهمة في ذلك من وجه، إلا أنه إذا اشتراها بمثل الثمن أو أقل منه إلى أبعد من الأجل كان بيعًا وسلفًا، فإن قدر ما يرجع إلى المشتري سلفًا وما زاد على ذلك ثمنًا للإجارة فيما انتفع بالسلعة فصار بيعًا وسلفًا.
وكذلك إن اشتراها بأقل من الثمن إلى أبعد من الأجل، لأنه يكون إجارة وسلفًا، ولم أر يذهب إلى هذا، وإنما يعتبرون بصورة الحال عند العقد الثاني، فإذا لم تكن فيه تهمة أجازوه. فعلى هذه الطريقة [٤٦٠/أ] لا يعتبرون ما تقدم من انتفاعه بالسلعة قبل العقدة الثانية، إلا أن أبا الفرج ذكر في كتابه عن ابن الماجشون أنه قال: لا يجوز أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها بذلك الثمن إلى أبعد من الأجل.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
ابن محرز: ولا أعلم له وجهًا إلا ما ذكرته من الانتفاع بالسلعة.
المازري: ولم أقف على ما نقله ابن محرز في الحاوي. قال: وإنما حكى أبو الفرج عن عبد الملك أنه يمتنع أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها وسلعة أخرى بذلك الثمن أو بأكثر منه إلى أبعد من ذلك الأجل.
خليل: وستأتي هذه المسألة في كلام المصنف في آخر الباب.
فمن باع سلعة تعرف بعينها إلى أجل ثم اشتراها، فاعتبر ما خرج وما رجع وألغ الوسط، فإن جاز وإلا بطل
هذا هو القانون لهذا الباب، واحترز بقوله: (تعرف بعينها) من المكيل والموزون، فإن له حكمًا يخصه سيأتي. وقوله: (إلى أجل) أي: بثمن إلى أجل، فاعتبر ما خرج من اليد، أي: السابقة بالعطاء، سواء كانت يد البائع أو المشتري، وما عاد إليها ثانيًا. (وألغ الوسط) وهي السلعة المبيعة. فإن جاز بأن الراجع مثل ما خرج منها أو أقل، وحذف جواب الشرط، أي: جاز البيع - وسيظهر لك ذلك - وإلا بطل، أي: وإن لم يكن ما رجع مثل الخارج أو أقل بطل، وقد تقدم.
فإن كانت الأولى نقدًا لم يتهم على المشهور إلا أهل العينة فيهما، وقيل: أو في أحدهما
أي: فإن كانت البيعة الأولى نقدًا. ومفهوم كلامه: أن الثانية إلى أجل، فالمشهور وهو مذهب ابن القاسم وأشهب: أنه لا يتهم في ذلك إلا أهل العينة. والشاذ: أنه يتهم في ذلك كل واحد، وهو لمالك في الموازية.
ابن عبد السلام: وأما إذا كانت معًا نقدًا فلا يتهم إلا أهل العينة باتفاق.
وقوله: (فيهما، وقيل: أو في أحدهما) أي: في المتبايعين، يعني: إذا لم يتهم إلا أهل العينة فلابد أن يكون المتبايعان من أهلها.
[ ٥ / ٣٧١ ]
وقيل: يكتفى بأحدهما وهو لمحمد. ووجهه: أنه قد يحمل صاحبه عليها.
اللخمي: يريد إلا أن يكون الآخر من أهل الدين والفضل، فلا يحمل على أنه عامله عليها.
فإن كان الثمنان عينًا على صفة واحدة فقد يكون الثاني نقدًا مساويًا، وأقل، وأكثر فهذه ثلاث، وقد يكون إلى أجل في الثلاث، ثم الأجل مساو، وأقل، وأكثر صارت اثنتي عشرة صورة، فإن تعجل منها الأقل امتنع، وهي ثلاث
قوله: (على صفة واحدة) أي: سكة واحدة ونوع واحد. وقوله: (فقد يكون الثاني نقدًا) أي: مع أن البيعة الأولى إلى أجل. وحاصله: أن للشراء أربعة أحوال، إما نقدًا، أو إلى أجل دون الأجل، أو إلى الأجل نفسه، أو إلى أبع منه.
ثم كل من هذه الأربعة: إما بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر. صارت اثنتي عشرة صورة يمنع منها ثلاث، أشار إليها بقوله: يمتنع منها ما تعجل فيه الأقل. وهي: بأقل منه نقدًا، وبأقل إلى دون الأجل، وبأكثر إلى أبعد من الأجل. وتجوز التسع البواقي، وضابطها أن تقول: إن تساوى الأجلان فاحكم بالجواز ولا تبالي باختلاف الثمنين. وإن تساوى الثمنان فاحكم بالجواز ولا تبالي باختلاف الأجلين. وإن اختلفا فانظر لليد السابقة بالعطاء، فإن رجع إليها مثل ما خرج منها أو أقل جاز، وإن رجع إليها أكثر امتنع.
بيانه: أنه باعه بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بثمانية نقدًا أو إلى أجل نصف شهر، فقد رجعت إليه سلعته وخرج منها ثمانية يأخذ عنها بعد ذلك عشرة. وكذلك إذا اشتريت باثني عشر إلى شهرين يعطي المشتري بعد شهر عشرة يأخذ بعد ذلك اثني عشر، وعاد المشتري في هذه الثالثة مسلفًا.
[ ٥ / ٣٧٢ ]
ويشكل منها بأكثر إلى أبعد
أي: يشكل من الثلاث الممنوعة الصورة الأخيرة، وهي: (بأكثر إلى أبعد).
ابن عبد السلام: ولا إشكال فيها، لا باعتبار نقلها فإنها منقولة في المدونة وغيرها، ولا باعتبار وجهها، ووجهها بما تقدم. وأجاب شيخنا - ﵀- بأن قال: بل وجه المنع فيها ضعيف، لأنه تقدم أن ظاهر المذهب الجواز فيما يبعد القصد إليه، وهذه أيضًا كذلك يبعد أن يدخل البائع مع المشتري على أن يسلفه المشتري عشرة بعد شهر ليأخذ عنها اثنى عشر مثلًا، لأن الغالب في أحوال الناس احتياجهم إلى السلف ناجزًا، والتحيل إنما يكون على ما يحتاج إليه غالبًا لا نادرًا.
ولو اشترى بأقل إلى أجله، أو أبعد ثم رضي بالتعجيل، فقولان للمتأخرين
يعني: لو وقع البيع على وجه جائز، كما لو باعه سلعة بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بثمانية إلى شهر أو إلى أبعد منه، ثم رضي البائع والمشتري بتعجيل الثمانية، فهل يجوز ذلك لأن البيع قد انعقد أولًا جائزًا، ولاسيما حيث يكون الثمن عينًا، فإن الأجل من حق من عليه الدين فلا تهمة أو يمتنع ذلك لاتهامها، والقولان للمتأخرين. وكذلك الخلاف إذا اشترى بأكثر إلى أجله ثم تراضيا بالتأخير. انتهى. وينبغي أن ينظر هنا إلى قرب الزمان فتقوى التهمة، وإن طال طولًا يخرجان به عن التهمة فيجوز، وهكذا قال: ينبغي في العكس إذا اشتراها بأكثر فلا يقبض إلا بعد الأجل.
فلو أفات البائع السلعة بما يوجب القيمة فكانت أقل، فقولان
[٤٦٠/ب] مثاله: لو باعه شاة بعشرة إلى شهر، ثم تعدى عليها فذبحها مثلًا فكانت القيمة ثمانية، فلا خف في تمكين المشتري من القيمة لينتفع بها. ثم هل يدفع للبائع عند
[ ٥ / ٣٧٣ ]
الأجل العشرة لبعد التهمة، وهو قول في المجموعة، أو إنما يدفع مثل ما أخذ منه فقط وهي ثمانية، إذ يتهمان على السلف بزيادة، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
وظاهر كلامه: أن القولين في تمكين المشتري من قبض تلك القيمة وليس كذلك، بل لا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف كما ذكرنا.
فإن التهمة فيها أبعد لو كانت الأولى نقدا، وفرق بقوة تهمة دين في دين
اختلف في تأويل هذا المحل، فقيل: هو إشارة منه إلى توجيه الشاذ الذي يتهم فيه أهل العينة وغيرهم فيما إذا كانت البيعة الأولى نقدًا، وكأنه يقول: التهمة على التحيل بإفاتة السلعة لتجب القيمة أبعد مما إذا كانت الأولى نقدًا والثانية إلى أجل، لأنهما وإن اشتركا في سلف بزيادة، إلا أن صورة الإتلاف يبعد القصد إليها، لأنه قد لا يحصل الغرض باختلاف الأسواق.
ثم أجاب: بأن المنع قوي في مسألة الفوات بأنه دين بدين، لأن البائع لما أفات السلعة وجبت عليه القيمة للمشتري وله في ذمة المشتري دين. وقيل: إن ضمير (فيها) عائد على الصورة التي استشكلها في قوله: (ويشكل منها بأكثر إلى أبعد) وأن هذا توجيه لذلك الإشكال، أي: أن التهمة فيما يباع بعشرة إلى شهر ثم يشتريه بعشرين إلى شهرين أبعد مما لو كانت البيعة الأولى نقدًا، كما لو باع بخمسة نقدًا ثم يشتريه بعشرة إلى شهر، فإن المشتري مسلف في الصورتين، لأن السلف في هذه حاصل ناجز، أو هو مقصود غالبًا، بخلاف الأولى فإن السلف فيها إنما يحصل بعد شهر، وهو مما يبعد القصد إليه. وإذا جاز في صورة النقد على المشهور مع قرب التهمة كان المنع المتفق عليه في صورة التأجيل مشكلًا لأنه أبعد، ثم فرق أن صورة التأجيل في البيعيتن ينضم فيها إلى السلف بالزيادة مانع آخر وهو تهمة دين بدين، وليس هو موجودًا إذا كانت الأولى نقدًا. ويؤيد
[ ٥ / ٣٧٤ ]
هذا الوجه وقوع هذا الكلام، أي: (فإن التهمة ) إلخ. في بعض النسخ بعد قوله: (ويشكل منها بأكثر إلى أبعد). وقال ابن راشد وغيره غير هاتين الوجهين. ولم أر من ذكر ذلك، والثاني أقرب، والأول هو الذي يؤخذ من كلام ابن عبد السلام. لكن على كلامه اعتراض، لأنه قال بعد أن قال: هذا توجيه منه للقول الشاذ في مسألة النقد كما تقدم، وكأن المصنف يقول: التهمة في مسألة الإفاتة منها في مسألة النقد، هكذا رأيته في نسخ وبعضها صحيح. وصوابه أن يقول عوض أقوى، أضعف. والله أعلم.
ولذلك فسد في تساوي الأجلين إذا اشترطا عدم المقاصة، وصح في أكثر إلى أبعد إذا اشترطا المقاصة
أي: ولأجل أن التهمة دائرة مع الدين بالدين منع ما أصله الجواز، وهو ما إذا تساوى الأجلان وشرطا عدم المقاصة لما فيه من عمارة الذمتين، وأجيز لذلك ما أصله المنع، وهو ما إذا اشتريت بأكثر إلى أبعد وشرطا المقاصة للسلامة من دفع قليل في كثير. لا يقال المنع في الأولى إنما نشأ من الشرط، بخلاف ما تقدم فإنما فيه التهمة فقط، لأنا نقول: المتهم عليه في هذا الباب كالمدخول عليه.
فإن اختلفا في الجودة والرداءة، أو في ذهب وفضة امتنع، لأنه صرف مستأجر
هذا قسيم قوله: (على صفة واحدة) ونوعه إلى قسمين، أحدهما: الاختلاف في الجودة والرداءة مع اتحاد النوع، كمحمدية ويزيدية. والثاني: الاختلاف بالنوع، كذهب وفضة. لما يؤدي إليه في الأول إن سلما من دفع قليل في كثير من ربا النساء وربا الفضل، والنساء إن لم يسلما، ولما يؤدي إليه في الثاني من صرف مستأخر. واكتفى بذكر علة الثاني لوجهين، أحدهما: لأنه تفهم منه علة الأول، ولأن ما ذكره من التفريع إنما هو في الصرف. ووجد في بعض النسخ: لأنه صرف أو بدل مستأخر، فذكر العلتين.
[ ٥ / ٣٧٥ ]
وفي بعض النسخ ما نصه: فإن اختلفا في الجودة والرداءة فأربع وعشرون صورة. فالجودة والرداءة كالقلة والكثرة، فإن عجل منها الأقل والأدنى امتنع، إلا أن المشهور المنع إن تساويا قدرًا وأجلًا وهو مشكل، أو في ذهب وفضة امتنع، لأنه صرف مستأخر، انتهى نص هذه النسخة. أي: لأنه قد يكون الجيد من عند البائع والرديء من عند المشتري وعكسه، وفي كل أثنتي عشرة صورة وجه الإشكال الذي ذكره: أن الغالب في التحيل إنما هو حينما تحصل المنفعة ولا منفعة مع التساوي.
خليل: وهذه النسخة أولى لاقتضاء الأولى المنع فيما إذا باعه عشرة يزيدية إلى شهر ثم اشتراه بعشرة محمدية نقدًا. والنسخة الأولى هي التي وقعت في كلام ابن عبد السلام وقررها على ظاهرها من المنع في المثال المفروض وليس بظاهر، لأن في الجواهر مقتضى المعروف من المذهب الجواز في المثال المذكور بخلاف عكسه، وهو الذي ذكره ابن يونس وعزاه لبعض الأصحاب، وقال: إنه بين، وهو مذهب ابن القاسم وعبد الملك [٤٦١/أ] في المجموعة، قالا: وإن باعها بعشرة هامشية إلى شهر ثم اشتراها بعشرة عتق نقدًا أو إلى أجل فجائز، ولا يجوز إلى أبعد من الأجل، لأن الهاشمية أدنى من العتق.
ابن القاسم: وإن كانت الهاشمية أكثر عددًا فإن كانت بزيادتها مثل العتق المؤخرة أو أكثر فلا بأس به، وإن لم تكن مثلها فلا خير فيه. قالا: وإن باعها بمائة عتق تنقص خروبة إلى شهر، ثم اشتراها بمائة هاشمية وازنة. ابن يونس: يريد نقدًا، فإن كان في زيادة وزنها ما يحمل جودة العتق فأكثر جاز، وإلا لم يجز.
إلا أن يكون المعجل أكثر من قيمة المتأخر جدًا، وقيل: ومثله
هذا استثناء من المنع، أي: أنه إذا كان الثمن الثاني أكثر جدًا مما باع به أولا جاز لخروج ذلك عن المعهود من أحوال المتهمين. وما صدر به المصنف هو مذهب المدونة،
[ ٥ / ٣٧٦ ]
قال فيها: وإن بعته بثلاثين درهمًا إلى شهر- يعني: الثوب- فلا تبتعه بدينار نقدًا فيصير صرفًا مؤخرًا، ولو ابتعته بعشرين دينارًا جاز لبعدهما من التهمة. قال: وإن بعته بأربعين درهمًا إلى شهر جاز أن تبتاعه بثلاثة دنانير نقدًا لبيان فظلها، ولا يعجبني بدينارين وإن ساوياها في الصرف. ومنع أشهب مطلقًا مبالغة في الاحتياط للصرف، ولأنه قد يكون لدافع الدنانير في الدراهم أو العكس غرض.
اللخمي: وتجوز بالمساوي على قول ابن القاسم وعبد الملك في المجموعة، وكذلك قال في الجواهر، واستقرأ اللخمي قولًا ثالثًا أنه يجوز بالمساوي، وهو أحسن.
ومراده: التساوي في القيمة، لأنه يخسر الصبر ولا يعود إلى يده أكثر مما خرج منها، وإلى هذا أشار بقوله: (وقيل: ومثله) ففيه مسامحة.
خليل: والظاهر أن الاستثناء عائد على مختلف النوع فقط، كما ذكرنا لقوله: (من قيمة المتأخر) إذ لا يقال ذلك في متفق النوع، لكن يبقى فيه نظر، وهو أنه يبقى مختلف الصفة باق على إطلاق المنع، فلا يجوز إن كان المعجل أكثر من قد المتأخر وليس كذلك، بل يجوز ذلك ويجوز إن كان قدره وكان المتأخر أردأ، كما نص عليه ابن القاسم في الهاشمية والعتق، كما تقدم.
والمشهور: المنع إذا تساويا قدرًا وأجلًا، لأنه دين بدين
ابن عبد السلام: يعني كما لو باعه ثوب بعشرين درهمًا إلى شهر ثم اشتراه بدينار إلى ذلك الشهر، قال المصنف: لأنه دين بدين، ولا شك أن ذلك مقتض للمنع. وأكثر ما يعللون به هنا الصرف المؤخر، لأنه أضيق. ثم قال: واستعمل المصنف في هذا الموضع التساوي في القدر في مختلفي الجنس، ومراده: التساوي في القيمة، لأن أحد الثمنين ذهب والآخر فضة.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
وحمله ابن راشد وغيره على ما إذا اتفق النوع واختلف الصفة كمحمدية ويزيدية، وهو ظاهر قوله: (تساويا قدرًا وأجلًا) وذكر أن المشهور المنع لأنه مذهب المدونة. قال فيها: وإن بعث ثوبًا بمائة درهم محمدية إل شهر فلا تبتعه بمائة يزيدية على ذلك الشهر لرجوع ثوبك إليك، وكأنك بعت يزيدية بمحمدية إلى أجل.
ابن يونس وغيره: ولا فرق بين أن تتقدم اليزيدية أو المحمدية، لأنه بيع يزيدية بمحمدية، أو محمدية بيزيدية إلى أجل، ونقله ابن محرز عن أكثر مذاكريه. ونقل عن بعضهم: إن كانت البيعة الأولى باليزيدية والثانية بالمحمدية ما لم يكن في ذلك تهمة جاز. ابن محرز: وهو مذهب ابن القاسم وعبد الملك، لأنهما قالا: لو كان الثمن الأول هاشمية ثم اشتراها بمائة عتق إلى الأجل أو أقرب منه كان جائزًا.
ولابن القاسم في المجموعة: إذا باع بمائة قائمة إلى شهر ثم ابتاع بمائة مجموعة نقدًا لم يجز، وأما إلى الأجل أو أبعد فجائز لنفي التهمة، وهو الشاذ الذي حكاه المصنف.
فإن كان الثمنان طعامًا نوعًا واحدًا على صفة واحدة فاثنتا عشرة صورة كالعين، إلا أنه اختلف إذا تعجل منها الأكثر، بناء على قرب ضمان بجعل أو بعده
لا إشكال في تصور الاثنتى عشرة صورة كالعين، إلا أنه اختلف هنا في صورتين هما جائزتان في العين اتفاقًا، إذا استردها بأكثر مقدار نقدًا، أو بأقل منه إلى أبعد من الأجل. وسببهما كما قال المصنف: هل الضمان بجعل يقصد غالبًا أم لا؟ واعترضه بعض من تكلم على هذا الموضع بأنه قدم أن الضمان بجعل بعيد لأنه مما يقل القصد إليه على القولين، فكيف بجعه هنا قريبًا.
فإن اختلفا في الجودة والرداءة أو كانا نوعين فكما تقدم
الجودة والرداءة كالسمراء والمحمولة، والنوع كالقمح والفول، فكما تقدم، أي: في العين.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
فإن كان الثمنان عرضا نوعا واحدا فكالطعام
إنما شبهها بالطعام لا بالعين لمشاركة العرض للطعام في الصورتين المختلف فيهما، لدخول الضمان بجعل فيهما ولا ضمان في العين على ما علم في غير هذا الموضع.
فإن كان نوعين جازت الصور كلها، إذ لا ربا في العروض
كما إذا باع شاة بثوب إلى أجل ثم اشتراها بفرس أو غيره مما هو مخالف للثوب. ومراده بالصور كلها: صور النقد الثلاثة. وأما صور [٤٦١/ب] الأجل التسع فممنوعة لأنه دين بدين. وكان المصنف أطلق في قوله: (لا ربا في العروض) ومراده: نفي ربا التفاضل لوضوحه، إذ لا يخفى على من له أدنى مشاركة أن ربا النساء يدخل في العروض، وهكذا كان شيخنا ﵀ يقول.
فإن كانت السلعة طعامًا أو مما يكال أو يوزن لا مثلها صفة ومقدارًا كعينها
يعني: ٍ فإن باع طعامًا أو غيره مما لا يعرف بعينه بثمن إلى أجل ثم اشترى مثل ذلك المبيع في صفته ومقداره، فإن ذلك المثل يكون كما لو اشترى منه عين مبيعة نسيئة، فيمتنع ما امتنع فيها، لأن ما لا يعرف بعينه يقوم المثل فيه مقام مثله في أكثر المسائل.
ويمتنع بأقل إلى الأجل
كما إذا باع إردبا بدينارين إلى شهر ثم اشترى مثله بدينار إلى ذلك الشهر. وأطلق في المنع، وهو مقيد بغيبة المشتري عليها، لأنهم يعدون الغيبة عليها سلفًا، فكأن البائع أسلف المشتري إردبًا على أن يعطيه دينارًا بعد شهر ويقاصه بدينار عند الأجل فآل إلى سلف جر منفعة.
[ ٥ / ٣٧٩ ]
وهذه المسألة مخصصة لعموم التشبيه في قوله: فمثلها صفة ومقدارًا كعينها، لأن ما يعرف بعينه تنتفي فيه علة المنع، وهي السلف بزيادة، لا يقال: إذا غالب على ما يعرف بعينه فقد انتفع به، والسلف لا يتعين فيه رد المثل، بل يجوز فيه رد العين والمثل فلم لا تعدوه سلفًا، لأنا نقلو: لما رجعت العين فكأنهما اشترطا ذلك فخرجا عن حقيقة السلف، وفيه نظر.
فإن قيل: يفهم من قوله: (ويمتنع بأقل إلى الأجل) أنه يجوز بأقل إلى أبعد من الأجل، والمنقول فيها المنع. ذكره صاحب المقدمات وعلله بسلف بزيادة.
فالجواب: لا يفهم ذلك منه، بل يفهم منه المنع مع التأمل للمساواة في العلة، وهي السلف بزيادة. وعلى هذا فالممتنع من الاثنتي عشرة مما لا يعرف بعينه خمس: فثلاث لقوله أولًا. فمثلها صفة ومقدارًا كعينها. ورابعة لقوله: ويمتنع بأقل إلى الأجل. وخامسة: وهي بأقل إلى أبعد لمساواتها لهذه، ويمتنع على قول ابن الماجشون. سادسة: وهي بمثل الثمن إلى أبعد، بناء على اعتبار أسلفني وأسلفك.
فإن اختلفا في المقدار وكان الراجع أقل، فكسلعتين ثم اشتريت إحداهما
وإن اختلفا، أي: المبيعان مما لا يعرف بعينه في المقدار فاسترد أقل، فكسلعتين بعتهما ثم اشتريت إحداهما. والتشبيه يعم التصور والحكم.
فأما التصور: فمتوجه من حيث الجملة، فلا خفاء في تصور الأثنتي عشرة صورة، ومن حيث التفصيل تتضاعف صور المشبه، وهو ما لا يعرف بعينه باعتبار الغيبة وعدمها، فيتصور اثنتا عشرة عينا. وأما التشبيه في الحكم: فيصح مع عدم الغيبة، لتساويهما في الممتنع والجائز.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
فالممتنع خمس وهي: أن يشتري الأقل بالأقل من الثمن نقدًا. أو إلى أجل دون الأجل. أو يشتريه إلى أبعد بمثل الثمن. أو أقل. أو أكثر.
والجائز: ما بقي. ولا يصح مع الغيبة لزيادة الصور الممتنعة، فتزيد مع الخمس صورة أخرى وهي: أن يشتريه بأقل من الثمن إلى مثل الأجل، مثل: أن يبيع إردبين بعشرة إلى شهر ثم يشتريه إردبًا بالخمسة إلى الأجل، فقد أسلف البائع إردبًا رجع إليه وخرج من يده إردب وله خمسة يقاص المشتري بها عند الأجل، ويخرج من يد المشتري خمسة مقابلة الإردب، وهي جائزة مع عدم الغيبة. واختلف في سابعه، وهي: أن يبتاع منه بمثل الثمنأقل من الطعام مقاصة، فإن قول مالك اختلف يها واضطرب فيها أيضًا المتأخرون، فقد تبين أن تشبيه المصنف لا يصح على إطلاقه.
ويقع في بعض النسخ عقب قوله: (في المقدار) ما نصه: (فاجعل الزيادة والنقص في المردود مثلهما في الثمن، ولكن على العكس) أي: اجعل الثمنين هنا متساويين لا يتغيران، والتغيير في المثمونين والأجل أيضا كما كانت السلعة في الصورة المتقدمة لا تتغير، وإنما كان يتغير الثمن والأجل. وانظر هذا أيضًا إن رجع إلى اليد السابقة بدفع الثمن أقل أو مساو جاز، وإن رجع إليها أكثر امتنع، وهو الذي أشار بقوله: (على العكس).
لكن في كلامه على هذا قصور، لأن الاثنتي عشرة صورة إنما تتصور مع اختلاف الأجل أيضًا. والله أعلم.
فإن كان أكثر فكسلعة، ثم اشتريت مع أخرى وسيأتيان
أي: فإن كان الراجع في المسالة بحالها أكثر مما خرج، فهو في التصور والحكم كمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشتراها مع سلعة أخرى، وستأتي. إلا أن صور المشبه تبلغ
[ ٥ / ٣٨١ ]
أربعًا وعشرين صورة باعتابر الغيبة وعدمها، كما قلنا في التي قبلها، بخلاف صور المشبه به فإنها اثنتا عشرة، إذ لا فرق بين الغيبة وعدمها فيما يعرف بعينه.
فالممتنع من المشبه به سبع، وهي: بمثل الثمن نقدًا، أو إلى أجل أقل، أو بأقل منه نقدًا، أو إلى أجل قبل الأجل، والعلة في الأربع: أو بأكثر من الثمن نقدًا، أو إلى أجل قبل الأجل، أو بعده، والعلة في الثلاث: بيع وسلف. وتبقى خمس جائزة. وأما مع الغيبة فيما لا يرعف بعينه فالجميع ممتنع، إما لسلف [٤٦٢/أ] جر منفعة إن اشترى بالمثل أو أقل، وإما بيع وسلف إن اشترى بأكثر. فتبين أن ما ذكره من التشبيه ليس على إطلاقه.
فإن إختلفا في الجودة والرداءة، فهما كالزيادة والنقص
يعني: فإن كان ما اشتراه ثانيًا أجود مما باع أولًا، فحكمه حكم ما إذا اشترى ما باعه مع زيادة، وإذا اشترى أراد فحكمه حكم ما إذا اشترى أقل مقدارًا، لأن الجودة زيادة والرداءة نقص.
فإن كان غير صنفه كالشعير، أو السلت مع القمح، أو المحمولة مع السمراء، فحكى عبد الحق جوازه
أي: فإن كان الطعام الثاني من جنس الأول لا من صنفه كالقمح مع الشعير، أو السلت أو المحمولة مع السمراء، فهل يكونا كسلعتين، كما لو باع منه ثوبًا إلى أجل ثم اشترى منه فرسًا، هكذا حكى عبد الحق في النكت عن بعض شيوخه القرويين.
ورأى ابن يونس أنه بالخيار على مذهب ابن القاسم، وأن المنع يأتي على مذهب سحنون ومحمد في العرض المردود مثله. وسيأتي.
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وكأن المصنف نسب المسألة لعبد الحق تبريًا، إذ المعروف من المذهب أن القمح والشعير جنس واحد فكان ينبغي المنع. ولعل ما ذكره عبد الحق جار على أحد القولين في تأويل مسالة السلم الثاني، وهي: ما إذا أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا وفسخ العقد بينهما ووجب للمسلم أخذ رأس ماله. قال في المدونة: فيجوز له أخذ ما شاء عن رأس ماله سوى الصنف الذي أسلم فيه، أي: لأنه إذا أخذ الصنف الذي أسلم فيه فقد تم العقد الفاسد.
فذهب فضل، وابن أبي زمنين إلى أنه يجوز أخذ المحمولة إن كان أسلم في سمراء وبالعكس، وهكذا قال غيرهما، وهو في الموازية والواضحة أيضًا. ومنعه ابن محرز، والأبياني، وقالا: لا يجوز أخذ السمراء عن المحمولة، ولا الشعير عن القمح. فما قاله عبد الحق جار على التأويل الأول.
ويعتبر في الطعام مطلقًا أن من باع طعامًا إلى أجل لم يجز أن يشتري بذلك الثمن ولا ببعضه طعامًا، وإن خالفه قبل الأجل، ولا بعده إلا أن يكون كيله وصفته، إن محمولة فمحمولة، وإن سمراء فسمراء
هذه المسألة نافعة للناظر في مذهب مالك، لدخول أشياء كثيرة تحتها، وهي ليست من بياعات الآجال، وإنما أتى بها- والله أعلم- لمناسبتها لإلغاء الوسط وسدًا للذريعة. والأليق بها كتاب السلم والصلح، ومعناها: أن من باع طعامًا مطلقًا ربويًا أو غيره بثمن إلى أجل، لم يجز له ولا للمحال عليه أن يأخذ بذلك الثمن ولا ببعض ما هو عليه طعامًا، وإن خالفه قبل الأجل أو بعده، إلا أن يكون مثل الطعام الذي خرج من يده صفة ومقدارًا لعدم التهمة حينئذ، ويعد حينئذ إقالة. وقوله: (بثمن) يريد: وكذلك بحال تأخر قبض الثمن حتى افترق المتبايعان. وليس هذا مخصوصًا في المذهب بالطعام، بل لا يجوز أخذ اللحم عن ثمن الحيوان ولا العكس، ولا أخذ طعام من أجرة كراء أرض للحرث، قاله في المدونة. ولا أخذ الثياب عن ثمن الغزل إذا مضى زمن يمكن أن ينسج فيه، لأنه
[ ٥ / ٣٨٣ ]
إجارة مجهولة، ولا أخذ القصيل عن ثمن الشعير بعد زمن يصير فيه قصيلا، ولا السيوف عن الحديد.
وضابطه: كل ما لا يجوز أن يباع أحدهما بالآخر نقدًا، فلا يجوز أن يقتضي أحدهما من ثمن الآخر، كاللحم عن الحيوان والعكس، والطعام عن ثمن الأرض. وكل ما لا يجوز أن يباع أحدهما بالآخر إلى أجل فلا يجوز أن يقتضى أحدهما من ثمن الآخر، كأخذ الطعام عن ثمن الطعام، وأخذ ثوب عن ثوبين أو العكس، وأخذ غزل عن ثمن كتان بعد مدة يمكن فيها النسج، وأخذ ثياب عن ثمن غزل في مدة يمكن فيها النسج، وأخذ قصيل عن شعير بعد مدة يمكن فيها نباته.
وجاء في منع أقل منه بمثل الثمن قولان لمالك وابن القاسم
هكذا وقع في بعض النسخ (منع) ولا حذف فيها. وفي نسخة: (بيع) وفيها حذف مضاف، أي: منع بيع أقل وجوازه.
فالمنع لمالك في المدونة، والجواز له في الموازية وهو الأشهر عن ابن القاسم. فنسب لكل منهما ما هو الأشهر عنه، ولم ينقل عن ابن القاسم قول صريح بالمنع، بل نقل عنه أنه قال مرة بالجواز، وقال مرة لا يعجبني. وليس مراده أن لكل منهما قولان، لأنه خلاف عادته، ولأن ابن القاسم لم يصرح بالمنع كما ذكرنا، ولأن هذه المسالة مستثناة من قوله: (إلا أن يكون ككيله وصفته) وأفردها لينبه على الخلاف فيها. والخلاف في المسألة مبني على الخلاف في قرب ضمان بجعل أو بعده.
والأردأ مثله
ظاهره أن القولين فيه كما في الأقل وليس كذلك، لأن مالكًا نص في المدونة على الجواز في الأردأ وعلى المنع في الأقل، فهما مفترقان عنده.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وإذا كانت السعلة عرضًا فمثله كمخالفه على الأصح، وقال ابن المواز: مثله كعينه، كمن أسلم ثيابًا ثم أقال في مثلها وزيادة
هذه المسالة مقابلة لقوله: (قيل: فإن كانت السلعة طعامًا أو مما يكال أو يوزن) أي: وإن كانت السلعة عرضًا يعرف بعينه كالثياب والحيوان فمثله كمخالفه. فإذا باع ثوبًا أو شاه بعشرة إلى شهر، ثم اشترى البائع من المشتري شاة أو ثوبًا بأقل نقدًا، فالأصح- وهو مذهب المدونة- الجواز، كما لو اشترى فرسًا أو غيره من مخالفة في الجنس.
واحتج ابن القاسم [٤٦٢/ب] بأن ذوات القيم لا يقوم المثل فيها مقام المثل، فوجب أن يكون المثل فيها كالمخالف. ومقابل الأصح لسحنون، وابن المواز وغيرهما: أن المثل كالعين، لا أن المثل يقوم في ذوات القيم مقام المثل، ولكن لمعنى آخر وهو السلف بزيادة بيانه من لو باع ثوبًا بعشرة إلى شهر ثم اشترى منه مثل ثوبه بخمسة نقدًا، فآل الأمر إلى أن مثل سلته قد رجعت إليه وخرج من يده خمسة يأخذ بعد شهر عشرة.
زاد ابن المواز: فشبه ما قرره من وجه المنع بمن أسلم ثوبًا في شاة أو باعه بدراهم ثم أقال من تلك العقدة على أن أخذ ثوبًا وزيادة. وفرق ابن المواز بأن المسألة الأولى المتنازع فيها لم يقصد المتبايعان نقض البيعة الأولى، بل أبقياها واستأنفا بيعة ثانية لا تعلق لها بالأولى، فوجب بقاء كل حالة منهما على حالها.
ومسألة الإقالة التي شبه بها قصَد المتبايعان نقضَ البيعة الأولى بالإقالة، فوجب من أجل ذلك النظر إلى ما خرج من اليد وعاد إليها، كما في بياعات الآجال بل أولى، فقصارى مسائل الآجال أن يتهما على القصد إلى نقص البيعة الأولى، وها هنا قد صرح بذلك.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
فلو تغيرت السلعة كثيرًا، فقيل: كعينها. وقيل: كغيرها
يعني: لو باعه سلعة من المقومات كدابة بعشرة إلى سنة فركبها، قال في الموازية: إلى مثل الحج وبعيد السفر، فتأتي وقد نقصها ذلك، فهل يمنع أن يشتريها بائعها بتسعة مثلًا. أجازه في رواية ابن القاسم، ومنعه في رواية أشهب وبه أخذ سحنون.
وذكر في رواية أشهب أنه قال: إذا أُحدث بها عور أو عرج أو قطع حتى يعلم أنهما لم يعملا على فسخ البيع، فلا يصلح هذا ولا يؤمن عليه أحد.
قال في النكت: والرواية الأولى أقيس، لأن السلعة إذا تغيرت تغيرًا شديدًا بعدت التهمة.
ابن رشد: اختلافهما هناك اختلافهما في الرواحل إذا استقال المكري الكري بزيادة بعد أن سار من الطريق ما له بال، أجازه ابن القاسم ورأى أن هذا السير يمنع التهمة، ومنعه أشهب.
فإن كان الثاني بعضه نقدًا وبعضه مؤجلًا- وهي تسع- فإن تعجل الأقل أو بعضه امتنع
يعني: فإن كان الثمن الثاني بعضه نقدًا وبعضه مؤجلًا، فالأجل: إما مساوٍ، أو أقل، أو أكثر. والثمن: إما مساوٍ، أو أقل، أو أكثر. فهذه تسع وإليه أشار بقوله: (وهي تسع) وإنما انتفت صور النقد الثلاث، لأن الفرض أن بعض الثمن مؤجل، وإذا كان مؤجلًا لا يصح أن يكون نقدًا
وبين الممتنع منها بقوله: (فإن تعجل الأقل أو بعضه امتنع) كما لو باع سلعة بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بتسعة فأقل، عجل منها خمسة مثلًا وأخر أربعة، وسواء أخرها إلى
[ ٥ / ٣٨٦ ]
أقل من الأجل، أو إلى الأجل، أو إلى أبعد، لأنه إذا باع ثوبًا بعشرة إلى شهر ثم اشتراه بثمانية، أربعة نقدًا وأربعة إلى نصفه، أو إلى الشهر أو إلى الشهرين، فإن ثوبه قد رجع إليه ودفع الآن أربعة وأربعة بعد نصف شهر يأخذ عنها عشرة عند تمام الشهر. وهذه الصورة قد تعجل فيها كل الأقل.
وكذلك إذا كانت الأربعة مؤخرة إلى الشهر، فإنه يسقط بسببها إلى أربعة من العشرة لأجل المقاصة، وآل الأمر إلى أن البائع دفع الآن أربعة يأخذ عنها عند حلول الشهر ستة، والتعليل كذلك في الشهرين.
وهاتان الصورتان تعجل فيهما بعض الأقل، وهما والأولى مندرجة تحت قوله: (فإن تعجل الأقل أو بعضه).
ويدخل في كلامه صورة رابعة مشاركة للأولى في تعجيل كل الأقل، وهي ما إذا اشتراها بأكثر وعجل بعضه وأخر بعضه إلى أجل أبعد من الأجل الأول، كما لو باعه بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه باثني عشر، خمسة نقدًا وسبعة إلى شهرين، فإن الثوب رجع لربه، ودفع الآن خمسة يأخذ عنها مثلها عند تمام الشهر، ويدفع له المشتري حينئذ خمسة يعطيه البائع عوضًا عنها بعد شهر آخر سبعة. فالعشرة أقل من الاثني عشر، فيصدق عليها قوله: (تعجل فيها الأقل). فعلى هذا، فـ (أو) من قوله: (فإن تعجل فيها الأقل أو بعضه) للتفصيل. فتعجل الأقل كله هو في الصورة الأولى والرابعة، وتعجل بعضه هو في الثانية والثالثة كما قررنا. وبه يندفع ما قاله ابن عبد السلام هنا، من أن كلامه لا يشمل الصورة الرابعة، وأن قوله: (تعجل الأقل) خارج عن فرض المسألة، إذ فرضها أن بعضه مؤجل، فلا يتعجل فيها جميع الأقل.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
ومنع ابن الماجشون المؤجل إذا كان مساويًا للباقي، بناء على اعتبار: أسلفني وأسلفك، وهو بعيد
يعني: أن ابن الماجشون منع الصور التسع صورةً أخرى هي جائزة على المشهور، وهي ما إذا كان المؤجل أبعد من أجل الثمن الأول وهو مساوٍ له، كما لو باعه بعشرة إلى شهر ثم استردها بخمسة نقدًا أو خمسة إلى شهرين.
وقد تقدم الكلام عنها أول الفصل حين أشار إليها المصنف بقوله: (وإن كان بعيدًا جدًا، كأسلفني وأسلفك).
ولو باع ثوبين بعشرة إلى سنة، ثم اشترى أحدهما نقدًا بتسعة لم يجز، لأن بيع وسلف
هذه إحدى المسألتين اللتين تقدمت الإحالة عليهما قبل هذا بقوله: (وسيأتيان). ومعناها: أن من باع ثوبين بعشرة إلى سنة مثلًا ثم اشترى أحدهما بأقل من الثمن الأول نقدًا كتسعة أو ثمانية أو أقل، فالثوب الراجع كأنه لم يقع فيه بيع وآل أمره إلى أنه دفع تسعة وثوبًا معجلين في عشرة إلى شهر، [٤٦٣/أ] فتسعة منها تقابل تسعة سلف، والثوب مبيع بالدينار العاشر، فقد اجتمع بيع وسلف.
ابن عبد السلام: قيل: إنما تظهر هذه التهمة إذا كان الثوب يساوي دينارًا أو نحوه، وأما لو كان يساوي خمسة ونحوها فالتهمة حينئذ بعيدة.
وينبغي على أصل ابن القاسم الجواز إذا اتضح ارتفاع التهمة، كما أجاز في الصرف إذا كانت قيمة المعجل أكثر من قيمة المتأخر جدًا، ألا ترى أن البيع والسلف يكثر القصد إليه بخلاف الصرف المستأخر.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
ولو اشتراه بعشرة فأكثر جاز، خلافًا لابن الماجشون، وهي اثنتا عشرة صورة يمتنع منها ما تعجل فيه الأقل
يعني: فلو اشترى أحد الثوبين بمثل الثمن الأول فأكثر جاز لانتفاء التهمة، لأن البائع دفع عشرة وثوبًا نقدًا يأخذ عنهما عشرة بعد سنة، ولا تهمة في ذلك.
وما نسبه لابن الماجشون ليس بنص، وإنا نصوا له على المنع فيمن باع ثوبًا بعشرة إلى شهر ثم اشتراه بثوب وعشرة، فقدر الثوب المردود مبيعًا بالثوب المدفوع والعشرة سلف بعشرة، وستأتي هذه المسألة. وألزمه التوني منها المنع في الصورة التي ذكرها المصنف، لأن البائع خرج من يده ثوب وهو الباقي بيد المشتري، ورجع له ثوب عوضًا عنه وهو الذي كان خرج من يده أولًا، وهذا بيع. وخرج من يده عشرة نقدًا يأخذ عشرة بعد شهر، وهذا سلف.
وكأن المصنف قوي عنده هذا الإلزام فجرى على أحد القولين في أن لازم القول قول فنسبه إليه. وحل المازري هذا الإلزام بأن ابن الماجشون قال في المسألة المنصوصة: ولاسيما إن كان الثوب المدفوع آخرًا أدنى من الثوب الأول. فأشار بقوله: (أدنى) إلى اتضاح التهمة برجوع ثوب آخر مخالف، إذ اختلاف الأعواض دليل على اختلاف الأغراض، وهذا بخلاف أن يعود إلى يده عين ما خرج منها، فلا تهمة لاتحاد العوض.
وقوله: (وهي اثنتا عشرة صورة) لأنه إذا باع ثوبين بعشرة ثم اشترى أحدهما، فإما: بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر. والبيع إما: نقدًا، أو دون الأجل، أو إلى الأجل، أو أبعد منه.
وقوله: (يمتنع منها ما تعجل فيه الأقل) ظاهر، وقد تقدم وهو: ما إذا اشترى أحدهما بتسعة. وظاهر كلامه أنه لا يمتنع إلا هذا، وليس كذلك، فإن الصور الثلاث التي بعد الأجل كلها ممتنعة، نص على ذلك المازري وهي: أن يشتري أحدهما ثانيًا بمثل الثمن أو أقل، أو أكثر، أو أبعد من الأجل.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
أما الأولى: فلتهمة سلف جر نفعًا، كما لو باعها بعشرة إلى شهر ثم اشترى أحدهما بعشرة إلى شهرين، لأنه البائع خرج من يده ثوب على أن يسلفه المشتري عشرة بعد شهر يأخذها منه بعد شهرين، والثوب عوض انتفاعه بالسلف.
وأما الثانية: وهي أن يشتريه بأقل إلى أبعد، فلأنه بيع وسلف، لأن البائع إذا اشتراه ثانيًا بخمسة إلى شهرين، فقد خرج من يده ثوب يعطيه المشتري عند حلول الأجل عشرة، خمسة منه عوض عن الثوب، وخمسة يسلفها له يأخذها منه بعد شهرين.
وأما الثالثة: وهي أن يشتريه بأكثر على أبعد، فهو سلف جر نفعًا، وتصوره ظاهر.
وقد يمكن أن تندرج هذه الصورة الثالثة- وهي أن يشتري بأكثر إلى أبعد- في قوله: (تعجل فيه الأقل) لأن ما يأخذه البائع بعد شهر أقل، ويتعجل بالنسبة إلى ما يأخذه بعد شهرين. وأما الأوليان فلا تندرجان في كلامه.
ولو اشترى أحدهما بغير صنف الثمن الأول، فقالوا: يمنع مطلقًا، وعندي في النقد المربي على جميع الثمن، الظاهر: الجواز
مراده بغير الصنف: أن يكون الثمن الأول ذهبًا والثاني فضة، أو يكون الأول محمدية والثاني يزيدية، فيئول الأمر إلى أن البائع رجع إليه أحد ثوبيه وخرج من يده ثوب وذهبٌ يأخذُ عند الأجل فضة، أو خرج من يده ثوب ومحمديةٌ يأخذ عند الأجل يزيدية.
وقوله: (فقالوا: يمنع مطلقًا) أي: سواء كان الثمن الثاني أقل، أو أكثر، أو مساويًا، نقدًا، أو إلى أجل دون الأجل، أو إلى الأجل نفسه أو أبعد.
ابن بشير: ولا خلاف في ذلك، وعلله بأن السلعة المردودة سلف، وما خرج من الثوب والذهب أو المحمدية مبيع بما في ذمة المشتري من الفضة أو اليزيدية مع ما فيه من الصرف المستأخر أو البدل المستأخر.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
وتبرأ المصنف من هذه بقوله: (قالوا) لإشكاله، لأن القياس على ما تقدم في البيع والصرف أن يجوز إذا كان المنقود أكثر من المؤجل جدًا، لانتفاء التهمة فيه كانتفائها فيما تقدم في قوله: (إلا أن يكون المتعجل أكثر من قيمة المتأخر جدًا) ولا فرق بين المسألتين.
ويدل على أن هذا الوجه هو المقتضي للتبرؤ ما وقع في بعض النسخ: (وعندي في النقد المربي على جميع الثمن، الظاهر، الظاهر: الجواز).
وقوله: (المربي) أي: الزائد على جميع الثمن. ولم يصرح بتعميم المنع في الصور كلها من غير خلاف إلا ابن بشير، وإنما أطلق غيره من غير خلاف إلا ابن بشير، وإنما أطلق غيره من المتقدمين. وعلى هذا ففي كلام ابن بشير نظر، لاحتمال أن يكونوا أطلقوا المنع اتكالًا على ما ذكروه في الصرف.
وقد صرح اللخمي به هنا، فقال: ينبغي الجواز حيث يكون الثمن المعجل أكثر من الثمن المؤجل بأمر بيِّن فأحرى، وهو نحو ما نسبه المصنف لنفسه.
ولو باعه بعشرة ثم اشتراه مع سلعة نقدًا بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر لم يجز، لأنه بيع وسلف
هذه المسألة الثانية المحال عليها أولًا، ومعناها: أنه إذا باع ثوبًا بعشرة إلى شهر ثم اشتراه مع ثوب آخر بعشرة لم يجز، لأنه قد آل أمره إلى أن ثوبه رجع إليه وخرج منه عشرة يأخذ [٤٦٣/ب] عنها بعد شهر عشرة وقد ازداد ثوبًا أولًا.
وإذا ظهر لك هذا في الشراء بمثل الثمن كان فيما إذا اشتراها بأكثر أوضح، وهي الصورة الثالثة من كلام المصنف.
أما إذا اشتراها بأقل كما لو اشتراها بثمانية نقدًا، فقد رجع إليه ثوبه وآل الأمر إلى أنه دفع ثمانية دنانير نقدًا أخذ عنها ثوبًا نقدًا وعشرة دنانير إلى أجل، لا خفاء في فساده لأنه بيع وسلف.
[ ٥ / ٣٩١ ]
وقد صرح المازري وابن عبد السلام: بأن المع في المثل وأقل لسلف جر نفعًا كما ذكرنا. فقول المصنف: (لأنه بيع وسلف) يحتمل أن يعود على صورة الأكثر وفيه بعد، ويحتمل أن يعود على الثلاث وهو ظاهر كلام ابن بشير. فكأنه وزع المنقود على السلعة المزيدة من جهة المشتري وعلى ما يقتضيه عند الأجل من ذمته، فيجتمع فيه البيع والسلف، وتقرير المازري أظهر. والله أعلم.
وكذلك بأكثر منه أو بمثله إلى أبعد، ويعد المشتري مسلفًا، بخلاف الأقل على الأصح
أي: ويلتحق بالصور الثلاث في المنع صورتان أيضًا، الأولى: أن يشتري ذلك الثوب مع سلعة أخرى بأكثر من الثمن الأول إلى أبعد من الأجل الأول، إلا أن البائع كان في المسألة السابقة مسلفًا وفي هذه المشتري هو المسلف.
مثاله: إذا باع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه مع ثوب آخر باثني عشر إلى شهرين، فقد رجع إليه ثوبه وآل أمرهما إلى أن المشتري يدفع للبائع عند تمام شهره عشرة، وقد كان أعطى مع الثوب المسترجع ثوبًا آخر يدفع له عن ذلك كله اثني عشر، والمشتري مسلف وبائع.
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان بمثل الثمن فلا مانع، وإنما تبع المصنف ابن بشير، فهو الذي ذكر المنع وحده ولا وجه له.
وقد نص ابن محرز والمازري على الجواز، وبيانه: أن البائع إذا اشترى الثوب الذي كان باعه مع ثوب آخر بمثل الثمن الأول إلى أبعد، فقد رجع إلى يد البائع ما خرج منها، وأخذ الآن ثوبًا مع عشرة يأخذها من المشتري عند حلول الأجل، فالمشتري وإن كان مسلفًا ولكنه سلف لم يجز نفعًا بل جر له خسارة.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
وإذا ظهر لك الجواز في المثل ففي أقل من باب أولى، فلا معنى للخلاف في قوله: (على الأصح) فإن المنع لا حظ له في الصحة فضلًا عن أن يكون صحيحًا مقابلًا للأصح. ولم يذكر المازري في هذه المسألة غير الجواز، نعم ذكر ابن بشير الخلاف وهو مشكل.
تنبيه: هذه المسالة تتصور فيها اثنتا عشرة صورة كما تقدم في غيرها، وتصورها واضح. وتعرض المصنف للحكم فيما إذا اشتراها بالنقود، والحكم فيما إذا اشترى إلى أجل أبعد وسكت عما إذا اشتراه لأقل من الأجل لأنه مساو للنقد، وعما إذا كان اشتراه إلى الأجل، لأن الحكم حينئذ الجواز.
ولو كان ثوبًا بعشرة، ثم اشتراه بخمسة وسلعة لم يجز، لما تقدم
هذه المسالة عكس التي قبلها، فإن زيادة السلعة كانت في الأولى من المشتري الأول وفي هذه من البائع الأول. ومعناها: أن من باع ثوبًا بعشرة إلى شهر مثلًا ثم اشتراه بخمسة وشاة. وصورها أيضًا اثنتا عشرة، لأن البيعة الثانية إما أن تكون بأقل من الثمن الأول، أو بمثله، أو أكثر نقدًا، أو إلى الأجل نفسه، أو إلى أقل منه، أو أبعد.
ولا يجوز منها إلا إذا كان البيع إلى الأجل نفسه. بيان ذلك: أن ثوبه قد رجع إليه فصار لغوًا وآل الأمر إلى أنه دفع خمسة وشاة نقدًا يأخذ عنها عشرة إلى شهر، وذلك بيع وسلف. وكذلك، إلا أن المشتري هنا هو المسلف.
وأما إذا كانت الخمسة تحل بحلول الأجل الأول فلا مانع، لوجوب المقاصة.
وحذف المصنف (إلى أجل) في قوله: (ولو كان ثوبًا بعشرة، ونقدًا) من قوله: (واشتراه بخمسة) اعتمادًا على ذكرهما في الصورة المتقدمة، لأنها مثلها في المعنى. ولهذا أشار إلى اشتراكهما في العلة في قوله: (لم يجز لما تقدم).
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ولو اشتراه بعشرة فأكثر جاز، خلافًا لابن الماجشون فإنه جعل السلعة مبيعة بالسلعة، والعشرة المؤجلة والعشرة النقد سلفًا، وهو وهم، وصحح البيع الأول
أي: لو باع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه بشاة وعشرة أو أكثر نقدًا، جاز عند ابن القاسم، لأن مآل أمر البائع أنه دفع شاة وعشرة دنانير أو أكثر نقدًا يأخذ عوضًا عن ذلك العشرة دنانير إلى شهر، ولا تهمة فيه.
ومنع ذلك ابن الماجشون، قال: ولاسيما إن كان الثوب المدفوع آخرًا أدنى من الأول. ومن هذه خرج التونسي المنع في المسألة المتقدمة كما تقدم. وبين المصنف سبب المنع بقوله: (فإنه جعل ) إلخ. أي: جعل السلعة العائدة إلى يد البائع- وهي التي خرجت من يده أولًا- مبيعة بالسلعة الخارجة من يده ثانيًا، وجعل العشرة النقد سلفًا في العشرة المؤجلة، فيكون بيعًا وسلفًا. وقال: وهو وهم، أي: والجعل المذكور وهم. وبين علة وهمه بقوله: (وصحح البيع الأول) أي: أن الثوب إنما يكون مبيعًا بالشاة في الفرض المذكور إذا قدرنا أنه انتقل إلى ملك المشتري، وإذا انتقل إلى ملك المشتري الأول في المعارضة الأولى [٤٦٤/أ] لزم أن تكون تلك المعاوضة صحيحة، وإذا صحت كانت العشرة قد تقررت في ذمة المشتري الأول من بيع صحيح، وذلك مانع، لأنه يعد قضاء عن سلف، إذ الشيء الواحد لا يكون ثمنًا وسلفًا.
وحاصله: أن تصحيح الأولى يستلزم صحة ما بعدها لعدم السلف وهو ظاهر، إن كان عبد الملك قد قال: (جعلت السلعة ) إلخ. وإن كان إنما قال بالمنع، وتأولوا عليه ذلك، فقد يعلل المنع بغير ما ذكر وهو الضمان، لأنه ضمنه السلعة بالشاة وتعجيل العشرة.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
وفيها مسألتا الحمار والفرس
وقع هنا نسختان: (منها)، و(فيها) والثانية أحسن، لأن الضمير في: (فيها) يعود على المدونة. والضمير في: (منها) ظاهره أنه عائد على بياعات الآجال وهما ليستا منها، ويحتمل أن يعود أيضًا على المدونة. وتسمى الأولى منها مسألة البرذون لفرضها فيه في أصل المدونة، وفرضها البرادعي في فرس. والثانية ذكرها ربيعة وهي موافقة لأصول المذهب، ولذلك أتى بها سحنون.
فالأولى: إذا أسلم فرسًا في عشرة أثواب، ثم استرده قبل الأجل مع خمسة لم يجز، لما فيه من بيع وسلف، وضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك
أي: فالمسألة الأولى، وتصورها ظاهر، ثم أخذ يتكلم على بيان العلل الثلاث، فقال:
فأما البيع والسلف، فمبني على المشهور من أن المعجل لما في الذمة مسلف، ثم يقتضيه من ذمته عند أجله لا أنه أداه وبرئ، وصوب المتأخرون الشاذ
أي: أن البيع والسلف ينبني على المشهور من أن المعجل لما في الذمة مسلف، ثم يقتضيه من ذمته عند أجله، لأنه لما ترتب له في ذمته عشرة أثواب إلى شهر ثم أعطاه خمسة الآن وفرسًا، فالخمسة سلف يقتضيها من نفسه عند تمام الشهر، والفرس مبيع بالخمسة الأخرى. وأما على الشاذ من أن المعجل لما في الذمة لا يعد مسلفًا ويبرأ، فيجوز كما لو كان حالًا، وهو قول البرقي. ولكن لا يدل هذا على أنه يجيز المسألة للعلتين الأخيرتين.
وقوله: (وصوب ) إلخ. فمن ذلك ما احتج به اللخمي من أنه لو كان مسلفًا لرب الدين للزم إذا أفلس المعجل أن يكون لغرمائه القيام على رب الدين ويأخذوا منه ما عجله له بمثابة من له دين وعليه دين، ثم قام الغرماء على أحدهما، فإن الآخر لا يكون أحق بما في ذمته.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
ورده المازري، وابن بشير بأن أدنى درجات الأثواب المعجلة في هذه الصورة أن تكون هنا بيد من عجلت له فيكون أولى بها.
وأجيب: بأن مشهور المذهب في الرجلين إذا كان لكل منهما دين على الآخر، أنه ليس لغير المفلس منهما التمسك بما في ذمته رهنًا، بل يحاص فيه الغرماء، خلافًا لأشهب في الاختصاص. ورد بأن المعجل في مسألة الأجل لأجل المؤجل فصار كالرهن به بخلاف الدينين ابتداء. وصوب ابن بشير الشاذ لعله أخرى، وهي: أنهما قصدا إلى براءة الذمة، فينبغي أن يمضيا على ما قصدا، وتعجيل السلف حتى يقتضي من الذمة بعيد.
والثاني على أن الفرس يساوي أقل
أي: والمانع الثاني- وهو: ضع وتعجل- يدخل المسألة بتقدير أن الفرس مساو لأقل من خمسة، كما لو ساوى أربعة تبقى ستة عجل له منها خمسة على أن وضع عنه السادس، والمعروف منع ضع وتعجل. وحكى بعضهم عن ابن القاسم جوازه. ابن زرقون: أراه عنه وهمًا.
والثالث على أنه يساوي أكثر
أي: ويدخل المانع الثالث على تقدير أن يكون الفرس يساوي أكثر، كما لو ساوى ستة فتبقى أربعة، فيحط عنه ضمانها على أن يزيده ثوبًا قال في المدونة: ويدخله تعجل حقك وأزيدك دخولًا ضعيفًا.
فائدة: شرط ضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك اتحاد الجنس. أشار إليه التونسي وغيره.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وقد نص مالك في الموازية على أنه لو أخذ عرضًا في دينه قبل أجله يساوي أقل ما له عليه مع تخالفهما أن ذلك جائز، وإن كان أقل من القيمة كثيرًا. ولم يخالف في ذلك إلا الليث. وكذلك نص ابن يونس على أن ضع وتعجل لا يدخل إلى الجنس الواحد، لكنه قال: وأما حط الضمان وأزيدك يدخل في الجنس والجنسين فيما لا يجب تعجيله. ولهذا أول صاحب النكت قول مالك في هذه المسألة أنه يدخلها ضع وتعجل، وقول ربيعة في الذي بعدها على أن المراد إنما هو خوف أن يقصدا بهذا الفعل ضع وتعجل.
وإذا تقرر هذا ظهر لك أنه لا ينبغي أن تعلل هذه المسألة بضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك، لاختلاف العوضين وهما الفرس والأثواب، ولهذا لم يعتمد الأشياخ إلا على المانع الأول، ولأنه عام ساوى خمسة، أو أقل، أو أكثر بخلافهما.
وقيل: تجوز
أي: وقيل تجوز هذه المسألة، لا يقال هذا تكرار، لأنه فهم من قوله أولًا. وصوب المتأخرون الشاذ، لأن ذلك خلاف في القاعدة وهذا خلاف في المسألة، ولا يلزم الخلاف في القاعدة بجواز هذه المسالة، لم تقدم أن هذا الشاذ لم يقع نصًا في عينها، وإنما وقع في نظيرها لابن القاسم في الموازية: فيمن أسلم ذهبًا في عبدين أو فرسين، فعوض عنهما قبل الأجل [٤٦٤/ب] عبدًا مثل شرطه وعرضًا معه، ذلك جائز مع أن أحد العبدين المعجل سلف وقد عوض عن الآخر بالعرض.
وهذا إذا كان المردود عين رأس المال أو غيره والمزيد معجلًا، فإن كان المزيد مؤخرًا منع، لأنه دين بدين، وبيع وسلف محقق
قوله: (عين رأس المال) أي: الفرس أو غيره. يعني: من غير جنسه، وأما إن كان غيره- وهو موافق- فسيأتي. وهذا هو صورة المسالة المتقدمة، وإنما ذكره ليواطئ، لقوله:
[ ٥ / ٣٩٧ ]
(فإن كان المزيد مؤخرًا ) إلخ. يعني: فإن كانت الأثواب التي مع الفرس ومؤخرة عن الأجل فهو فسخ دين في دين، وهو مراده بقوله: (لأنه دين بدين).
وقوله: (وبيع وسلف) أي: بيع الخمسة الأثواب بالفرس مع تأخير الدين عن أجله الذي وجب قضاؤه فيه، وذلك سلف بلا إشكال ولا خلاف، لأن الخلاف إنما هو فيمن عجل ما أجل هل يعد مسلفًا أم لا؟ أما من أخر ما عجل، فإنه يعد به مسلفًا اتفاقًا.
فإن قيل: من شرط فسخ الدين في الدين التي فسرت به كلامه أن يكون في الجنس على أكثر مما في الذمة، أو يكون في غير الجنس، وقد انتفى كل واحد منهما هنا.
فجوابه: لا نسلم الانتفاء، لجواز أن يكون الفرس يساوي ستة فتبقى أربعة فسخها في خمسة إلى أبعد، قال معناه ابن عبد السلام.
خليل: ويمكن أن يعلل المنع في تعليل الأثواب بعلة أخرى، وهي: السلف بزيادة والضمان بجعل، لأنه إذا أخر الخمسة كما ذكرنا يحتمل أن تكون الفرس لا تساوي الأربعة فيكون ضمانًا بجعل، ويحتمل أن يكون ستة فيكون قد أسلف أربعة بخمسة، فتأمله.
وإن كان إلى مثله جاز
أي: وإن كان المزيد إلى الأجل جاز، لأن الفرس حينئذ مبيع بخمسة، والخمسة الأخرى باقية إلى الأجل نفسه، ولا مانع منه. وأورد أن ظاهره يقتضي أنه وقعت زيادة ولم تقع، بل الخمسة باقية إلى الأجل نفسه، وكذلك أيضًا قوله: (إلى مثل الأجل) وإنما هو في نفس الأجل.
وأجيب بأنه مساها زيادة بالنسبة إلى المعاوضة الأولى، وأطلق المثل وأراد به النفس، وهو كأحد التأويلين في قوله تعال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس كذاته شيء، والتأويل الثاني أن الكاف زائدة.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
فإن كان المردود مثله منعت الصور كلها، لأنه سلف بزيادة
يعني: فإن كان المردود عن الفرس فرسًا آخر مثل الفرس، فقد آل أمرهما إلى أنه أسفله فرسًا رد إليه مثله، وكل ما يعطيه معه فهو زيادة لأجل السلف.
وقوله: (الصور كلها) أي: سواء كان المزيد منقودًا في الحال، أو إلى الأجل الأول، أو أبعد.
الثانية: إذا باع حمارًا بعشرة إلى أجل، ثم استرده ودينارًا نقدًا لم يجز، لأنه بيع وسلف، وضع وتعجل، وذهب وعرض بذهب متأخر
أي: المسألة الثانية، وتصورها ظاهر، وذكر لها ثلاثة موانع، الأولى: بيع وسلف، لأن المشتري تقررت في ذمته عشرة دنانير دفع عنها معجلًا الحمار الذي اشتراه مع دينار ليأخذ من نفسه عند حلول الأجل عشرة، تسعة عن الحمار ودينار عن الدينار المتقدم.
وقوله (وضع وتعجل) أي: على تقدير أن يكون الحمار يساوي ثمانية فأقل.
وقولهِ: (وذهب وعرض بذهب متأخر) ظاهر من الكلام الأول. ولا يدخل هنا حط الضمان وأزيدك، إذ لا ضمان في العين.
هذا إذا كان البيع نسيئة والمزيد عينًا معجلًا.
ليس غرضه بهذا الاحتراز عن شيء، وإنما هو الحكم المتقدم، ولكن ذكره ليرتب عليه ما بعده.
فإن كان مؤخرًا عنه، أو إلى مثله، أو دونه امتنع، لأنه دين بدين، إلا أنه في جنس الثمن إلى الأجل جائز، لأن حقيقته بيعه بالبعض
اسم (كان) عائد على المزيد، يعني: بشرط أن يكون من العين، سواء كان مماثلًا أو مخالفًا ويدلك على أن مراده العين. قوله بعد ذلك: (فإن كان المزيد غير عين) فإن
[ ٥ / ٣٩٩ ]
قيل: لم لا يعود الضمير في (كان) على العين المزيد مع الحمار سواء كان من جنس الثمن أو لا؟ قيل: لو أراد ذلك لقال: كانت، لتأنيث العين.
وقوله: (دين بدين) أي: فسخ دين في دين. وقوله: (إلى مثله) أي: إلى الأجل نفسه. وقوله: (إلا استثناء من الممتنع) أي: إلا أن يكون المزيد من جنس الثمن إلى الأجل وهو جائز، كما لو باعه حمارًا بعشرة إلى شهر، ثم استرده ودينارًا يأخذه عند تمام الشهر. وعلله بقوله: لأن حقيقته بيعه بالبعض. أي: لأن حقيقة الأمر فيه ومآله أنه اشترى الحمار بتسعة دنانير من العشرة، ولا محذور فيه.
خليل: وعلى هذا فالصور ستة، لأن المزيد له صورتان: موافق، ومخالف. وكل منهما إما: إلى دون الأجل، أو إلى نفس الأجل، أو أبعد منه. لا يجوز منها إلا صورة واحدة، وهي التي استثناها المصنف بقوله: (إلا أنه في جنس الثمن إلى الأجل).
وقد يعلل المنع بغير ما ذكره المصنف، فيعلل فيما إذا كان المزيد من غير جنس الثمن الأول بالصرف المؤخر، ويعلل فيما إذا كان المزيد من جنس الثمن الأول إلى أبعد من الأجل بالبيع والسلف. والله أعلم.
فإن كان المزيد غير عين معجلًا جاز، وإلا منع مطلقًا، لأنه فسخ دين في دين
هذا قسيم قوله: (والمزيد عينًا) أي: وإن كان المزيد مع الحمار عرضًا غير عين، فإن كان معجلًا جاز، لأنه باع عينًا في الذمة بعرض وحمار ولا مانع، وإلا- أي: وإن لم يكن العرض معجلًا [٤٦٥/أ] بل كان مؤخرًا، وسواء كان إلى الأجل، أو أبعد، أو أقل- منع، لأنه فسخ دين في دين. أي: لأنه انتقل من الدين الذي له في ذمة المشتري إلى حمار معجل وعرض مؤجل.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وإن كان البيع نقدًا لم يقبض والمزيد معجلًا، جاز كغيره من القضاء، وإلا منع مطلقًا، لأنه في النقد المثلي بيع وسلف محقق، وفي غيره فسخ دين في دين أو صرف مستأخر
مراده بالنقد المعجل لا النقد الذي هو مقابل العرض، يعني: فإن باع الحمار بعشرة دنانير مثلًا نقدًا ولم يقبضها البائع فأعطاه المشتري الحمار وزيادة عوضًا من تلك الدنانير، فإن عجل الزيادة التي مع الحمار جاز كغيرها من الصور، وهذا صحيح إن لم تكن الزيادة فضة، فإن كانت فضة فيدخله البيع والصرف، فأجره على ما تقدم. وأطلق المصنف اعتمادًا على ما تقدم وفي معنى هذه الصورة ما لو باعه بدراهم يزيدية ثم استردها مع زيادة محمدية، أو بالعكس.
قوله: (وإلا منع مطلقًا) أي: وإن لم يكن المزيد معجلًا بل تأخر امتنع مطلقًا، لأنه إن كان المزيد من جنس الثمن الأول فهو تأخير في بعض ذلك الثمن بشرط، وذلك سلف اقترن بالبيع. وهذا معنى قوله: (لأنه في النقد المثلي بيع وسلف محقق) وإن كان المزيد من غير جنسه، فإن كان عينًا فهو صرف مستأخر، وإن كان غير عين فهو فسخ دين في دين.
وظاهر كلامه أنه إذا كان البيع أولًا نقدًا لأنه لا يختص الممتنع منه يقوم دون قوم. وقيده ابن أبي زيد بأهل العينة، لأن البيعة الأولى نقدًا بخلاف القسم الذي قبله، فيتهم فيه أهل العينة وغيرهم وخالفه غيره وأبقاه على إطلاقه كالمصنف، لأن الفساد هنا أقوى، إذ الفساد في البيعة الثانية لا يتوقف على انضمامه إلى الأولى، بخلاف بيوع الآجال إنا يتم فيها الفساد بالبيعتين، وما يتصور فيه الفساد بنفسه أقوى مما يتوقف على غيره. وقيد ابن أبي زيد أيضا المنع فيها بأن المشتري لم ينقد العشرة أولًا، إذ لو نقد لجاز أن يشتري البائع منه معجلًا ومؤجلًا، لأنها بيعة ثانية، وهو ظاهر تقييد المصنف بقوله: (لم يقبض).
[ ٥ / ٤٠١ ]
وخالفه غيره ورأى أن المنع يتصور في المسألة وإن نقد، لأنه يقدر أنه اشترى الحمار بتسعة على أن أسلفه قابضها العاشر إلى الأجل.
فإن كانت الزيادة من البائع جاز مطلقًا
أي: وإن استرد البائع الحمار الذي باعه على أن دفع البائع للمشتري زيادة وأخذ الحمار جاز مطلقًا، سواء كانت البيعة الأولى نقدًا أو إلى أجل، كان المزيد من جنس الثمن أو لا.
إلا أن تكون مؤجلة من صنف المبيع فيمتنع، لأنه سلف بزيادة
أي: إلا أن تكون تلك الزيادة حمارًا مؤجلًا، وهو مراده بقوله: (من صنف المبيع فيمتنع) وعلل المنع بسلف بزيادة، أي: يعد المشتري كأنه أسلف البائع حمارًا يقضيه منه إلى أجل على أن أسقط البائع عنه العشرة التي له في ذمته، وهذا سلف بزيادة.
ويفسخ الثاني من بيوع الآجال باتفاق دون الأول على الأصح
يعني: إذا وقعت بياعات الآجال على الوجه الممنوع، كما لو باعها بعشرة إلى شهر ثم اشتراها بثمانية نقدًا، فقال المصنف، والمازري: يفسخ البيع الثاني باتفاق. أي: إذا كانت السلعة قائمة، كما يدل عليه كلامه بعد. فإن قيل: ففي الاتفاق نظر، لأن اللخمي حكى عن ابن عبدوس أنها لا تفسخ، ولكن لا يكون للمشتري الثاني- وهو البائع الأول- إذا حل الأجل الأول إلا ما خرج من يده. قيل: قد نازعه المازري في نقل هذا القول هكذا، وقال: الذي نقله غيره من هذا القول أنه يمنع من رد المبيع من يد مبتاعه الأخير بشرط أن يفوت، فيحتمل أن يقول كقوله بإمضاء البيعتين مع الفوات، كما سيأتي.
وقوله: (دون الأول على الأصح) هو قول ابن القاسم في المدونة، لأن الفساد إنما دار مع الثاني وجودًا وعدمًا، وبالقياس على اقتضاء الطعام من ثمن الطعام وشبهه.
[ ٥ / ٤٠٢ ]
ومقابله لابن الماجشون فسخ البيعتين، قال: إلا أن يصح أنهما لم يتعاملا على العينة، إنما وجدها تباع فابتاعها بأقل من الثمن، فتفسخ البيعة الثانية فقط.
ووجهه: أن الفساد إنما حصل من مجموع البيعتين، لاتهامهما أنهما قصدا دفع القليل في الكثير، ولأنه ظاهر قول عائشة﵂- فقد روى مالك عنها: أن محبة- أم ولد لزيد بن أرقم- ذكرت لعائشة﵂- أنها باعت من زيد عبدًا بثمانمائة إلى العطاء، ثم ابتاعته بستمائة نقدًا. فقالت عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أن قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. فقالت لها: أرأيت إن تركت المائتين وأخذت ستمائة؟ فقالت: نعم ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] وظاهره فسخ البيعتين. ورواه بعضهم: (بئس ما شريت، أو بئس ما اشتريت) على الشك من الرواي.
وفي هذا الخبر دليل على المنع فيما قلناه من هذه البياعات. أبو محمد: ولم تطلق عائشة ما قالت إلا وتحريم ذلك عندها مقرر.
ابن يونس: يريد أن ذلك لا يعلم قياسًا، وإنما يعلم من طريق التوقيف من النبي ﷺ. وقول من قال أصحابنا: لعلها إنما قالت ذلك لوقوع البيع إلى العطاء وهو مجهول ليس بظاهر، لأن المنقول عن عائشة﵂-[٤٦٥/ب] جواز البيع إلى العطاء، ولأن آخر الآثار ينافيه.
وضعف بعض الشيوخ هذا الخبر لما فيه من قولها: (أبطل جهاده) وظاهره إبطال الذنوب للأعمال، وهو خلاف كتاب الله، وحديث نبيه ﷺ، ومذهب جماعة أهل السنة.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
عياض: ووجه تأويل قولها عندي- على موضوع كلام العرب ومجاز لفظها- أنها رأت أن مقارفة هذا الذنب من مثله والاقتداء به فيه، واقتداء من يأتي بعده بفعله ويجعله حجة بين الله وبينه، مما يرجح مجموع هذا في الميزان على جهاده مع النبي ﷺ.
فإن فاتت في يد المشتري الثاني والقيمة أقل، فسخًا على الأصح
الفوات هنا يكون بحوالة السوق وغيرها كما في البيوع الفاسدة، ونص عليه سحنون هنا. وقيل: لا تفيتها حوالة سوق وإنما تفيتها العيوب المفسدة أو ذهاب عينها. ونقل أيضًا عن سحنون، وابن كنانة، وإليه ذهب التونسي وغيره. يعني: فإن فاتت بيد البائع الأول- وهو المشتري الثاني- وكانت قيمتها أقل من الثمن الأول- كما لو كانت قيمتها ثمانية والثمن الأول عشرة- فسخت البيعتان معًا، ويكون للبائع على المشتري الثمن الذي دفع إليه. وعبر بعضهم عن الأصح بالمشهور، ووجهه: أنا لو فسخنا الثانية خاصة لزم دفع القيمة معجلًا وهي أقل، ثم يأخذ عند الأجل أكثر، وهو عين الفساد الذي منعنا منه ابتداء، بخلاف ما إذا لم تفت كما تقدم، أو فاتت وكانت القيمة مساوية للثمن الأول أو أكثر، فإنا إذا فسخنا الثانية بقيت الأولى على حالها فلا يلزم محذور، وهذا الأصح من مذهب ابن كنانة وسحنون. وتأول ابن أبي زمنين مذهب ابن القاسم عليه.
والذي نقله اللخمي والمازري وغيرهما عن ابن القاسم فسخ البيعتين مع الفوات مطلقًا، لأن البيعتين لما ارتبطت إحداهما بالأخرى صارتا في معنى العقد الواحد.
وصرح ابن شاس بأنه المشهور. وعلى هذا ففي المسألة ثلاثة أقوال، ولابن مسلمة رابع بفسخ البيعة الثانية مع القيام، فإن فاتت السلعة مضت البيعتان، للخلاف في جواز هذه البيوع ابتداء. ويفهم من تقييده الفوات بأن تكون بيد المشتري أنها لو فاتت في يد المشتري الأول لفسخت الثانية خاصة، وهو اختيار الباجي، قال: ولم أره نصًا
[ ٥ / ٤٠٤ ]
بيع أهل العينة
لما فرغ من بيوع الآجال التي لا تخص أحدًا أعقبها ببيع أهل العينة، لاتهام بعض الناس فيها.
والعينة: بكسر العين، وهي فعيلة من العون، لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده. وقيل: من العناء وهو تجشم المشقة. وقال عياض: سميت بذلك لحصول العين وهو النقد لبائعها، وقد باعها بتأخير.
مثل: اشتر لي هذه وأربحك. فإن سمى الثمن وأوجب البيع إلى أجل فسلف جر منفعة
أي: فإن قال له: اشتر لي وأنا أربحك وسمى الثمن، كما لو قال: اشتريها لي بعشرة وأنا أشتريها باثني عشر إلى أجل فإنه لا يجوز، لأنه سلف جر منفعة. ولا فرق بين أن يقول: اشتر لي وأربحك، أو اشتر وأربحك في هذا. نعم بين الصيغتين فرق من وجه آخر سيأتي.
وإن كان نقدًا فقولان: يجوز بجعل المثل، ويمنع
أي: وإن كان الثمن الذي أوجباه به البيع نقدًا، مثل: اشتر لي سلعة كذا بعشرة وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدًا، ففيها قولان، أحدها: الجواز، ويكون للمأمور جعل المثل. والثاني: المنع، لأنه من بيع ما ليس عندك. وتبع المصنف في هذه المسألة ابن بشير، وابن شاس. والصواب جوازها إن كان النقد من الآمر، أو منم المأمور بغير شرط، لأنه لما قال له: اشترها لي ولك كذا، فقد استأجره بدينارين على اشتراء السلعة. وإن كان النقد من المأمور بشرط فإجارة فاسدة، لأنه استأجره بدينارين على أن يبتاع له السلعة ويسلفه ثمنها من عنده، هكذا نقله ابن رشد، وابن زرقون وغيرهما.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
وإن لم يسم، فجعل المثل
أي: وإن لم يسم الثمن ولم يوجب البيع، فعلى الآمر جعل المثل، ولم يصرح المصنف بأنها جائزة أو لا. ونص عياض على المنع إذا قال: [٤٦٦/أ] اشتر لي وأنا أربحك كذا وإن لم يسم ثمنًا، وأنه ربا ويفسخ. وأما إن قال له: اشتر سلعة كذا وأنا أربحك فيها وأشتريها منك من غير تسمية ربح ولا مراوضة، فنص ابن حبيب على الكراهة، قال: وإن وقع مضى. وذلك قال مالك: لا أبلغ به الفسخ.
عياض: وكذلك كرهوا له أن يقول له: لا يحل في أن يعطيك ثمانين بمائة، ولكن هذه السلعة قيمتها ثمانون خذها بمائة. وقد قسم ابن رشد وعياض العينة على ثلاثة أقسام: جائر، وممنوع، ومكروه.
فالجائز: أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة، فيقول له: هل عندك سلعة كذا أبتاعك منك؟ فيقول: لا. فينقلب من غير مراوضة ولا تسمية ربح ولا أي ولا عادة فيشتريها، ثم يلقاه بعد فيخبر أنه قد اشتراها، فيبيعها بما شاء منه نقدًا أو نسيئة.
والمكروه، أن يقول: اشتر لي سلعة كذا وأنا أربحك وأشتريها منك من غير مراوضة ولا تسمية ربح، ولا يصرح بذلك ويعرض، فهذا هو الذي قاله ابن حبيب يكره، فإن وقع مضى. وكذلك قال ابن نافع عن مالك كما تقدم.
والحرام: أن يراوضه على الربح ويسمي الثمن، أو يقول: أنا اشتريها على أن تربحني فيها كذا، أو العشرة من كذا، أو العشرة من كذا. ابن حبيب: فهذا حرام. قال: وكذلك لو قال اشترها لي وأنا أربحك وإن لم يسم ثمنًا. قال: وذلك كله ربا، وليس فيه إلا رأس المال.
وقسم ابن رشد هذا الممنوع على ستة أقسام: ثلاث في قوله: (اشتر لي) وثلاث في قوله: (اشتر) دون أن يقول: (لي).
[ ٥ / ٤٠٦ ]
فأما الثلاث الأول، فالأولى: أن يقول اشتر لي سلعة بعشرة نقدًا وأنا أشتريها باثني عشر نقدًا، وحكمها- كما تقدم-: إن كان النقد من عند الآمر أو المأمور بغير شرط فهي جائزة، وإن كان من عنده بشرط فهي إجارة فاسدة، لأنه أعطاه الجعل على أن يسلفه، فهي إجارة وسلف، وللمأمور الأقل من الدينارين أو جل مثله على مذهب ابن القاسم في السلف والبيع. وعلى قول ابن حبيب: إذا قبض السلف يكون له أجر مثله بالغًا ما بلغ. وقال ابن المسيب: لا أجر له. ابن رشد، وابن زرقون: وهو الأصح، لئلا يكون تتميمًا للفاسد.
الصورة الثانية: أن يقول اشترها لي بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثنى عشر إلى أجل. وهي الصورة التي ذكرها المصنف أولًا، فهي أيضًا غير جائزة، لأنه سلف بزيادة، وتلزم الآمر لأن الشراء كان له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة به ويسقط عنه ما أربى. واختلف فيما يكون له من الجعل على الأقوال الثلاثة.
الصورة الثالثة: أن يقول اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا اشتريها بعشرة نقدًا. فهي أيضًا غير جائزة حرام، لأنه استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير يدفعها إليه فينتفع بها إلى الأجل ثم يردها إليه، فيلزم السلعة باثنى عشر إلى أجل، ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، فإن كان قد دفعها إليه وصرفها عنه ولم تترك عنده إلى الأجل، كان له جعل مثله بالغًا ما بلغ في هذا الوجه باتفاق.
وأما الثلاث الأخر، فهي كهذه إلا في إسقاط (لي):
الأولى: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدًا، أو قال: أنا أربحك. فاختلف فيها قول مالك، فمرة أجازه إذا كانت البيعتان نقدًا وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
الخيار
والصورة الثانية: أن يقول اشتر سلعة كذا بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل، فهذا لا يجوز. ابن حبيب: ويفسخ البيع الثاني إن لم تفت، فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يوم قبضها الآمر، كما يصنع بالبيع الحرام، لأنه باع ما ليس عنده.
وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك: إذا وقع مضى ويلزم الآمر الاثنا عشر إلى أجلها، لأن المأمور كان ضامنًا لها، ولو شاء الآمر ألا يشتريها منه كان له ذلك، ويستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد.
الصورة الثالثة: أَنِ اشترها باثني عشر إلى أجل وأشتريها منك بعشرة نقدًا. فروى سحنون عن ابن القاسم أنه مكروه، ويمضي إن فات ولا يكون على الآمر إلا العشرة. وظاهر هذه الرواية: أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة. وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال، وإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم القبض.
تبنيه: ما تقدم من تقسيم المسألة لثلاثة أوجه قاله غير واحد، وزاد عياض وجهًا رابعًا مختلفًا فيه، وهو: ما اشتري ليباع بثمن بعضه معجل وبعضه مؤجل. وظاهر مسائل الكتاب والأمهات جوازه، وفي العتبية كراهته لأهل العينة.
الخيار ترو ونقيصة، فالتروي بالشرط لا بالمجلس كالفقهاء السبعة. ابن حبيب: وبالمجلس لحديث الموطأ
وسمي التروي من الرأي، لأنه يرى فيه رأيه وينظر هل هي غالية أو رخيصة؟ وهل فيها عيب أو لا؟ وخيار النقيصة ما كان من جهة المبيع. وجعل الخيار قسمين، لأن موجبه إما من جهة العاقد أو المعقود عليه. أو يقال: إما أن يكون موجبه مصاحبًا للعقد أو متقدمًا. والأول فيهما هو التروي، والثاني فيهما هو النقيصة.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
وخيار التروي مستثنى من بيع الغرر للتردد في العقد، لكن أجازه الشرع ليدخل من له الخيار على بصيرة من الثمن والمثمون، ولهذا قال الشافعي﵁-: لولا الخبر عن رسول الله ما جاز الخيار أصلًا لا في ثلاث ولا في غيرها.
وفرع الخيار فرع على البيع اللازم، لأن الغالب هو اللازم، ولأنه إنما يكون بالشرط وقوله: (فالتروي بالشرط لا بالمجلس) تنبيه على خلاف الشافعي في قوله بخيار المجلس ما لم يتفرقا. وحكى ابن شاس والمصنف وغيرهما أنه قال: كقولنا الفقهاء السبعة. وذكر المازري، وصاحب الإكمال أن سعيد بن المسيب لا يقول بخيار المجلس، وهو من الفقهاء السبعة بلا خلاف. وعلى هذا، ففي قوله: (كالفقهاء السبعة) نظر. وكأن المصنف- والله أعلم- أضاف الحديث للموطأ لينبه على أنه لا ينبغي أن يقال هنا أن مالكًا لم يعلم الحديث، بل علمه ورواه، ونبه على أنه إنما ترك ذلك لما هو راجح عنده، فقد قال﵀- في الموطأ بعقبه: وليس لهذا حد معروف ولا أمر معمول به فيه.
ابن العربي: يريد أن تفرقتهما ليس لها وقت معلوم. وقال: وهذه جهالة يقف البيع عليها، فيكون [٤٦٦/ب] كبيع الملامسة والمنابذة، أو كبيع على خيار إلى أجل مجهول، وما كان كذلك فهو فاسد.
وإلى هذا التأويل- أعني: أنه قصد أن الحديث مخالف لعمل أهل المدينة- ذهبت المغاربة وبعض البغداديين. وذهب ابن القصار وحذاق أئمتنا البغداديين أن كلام الإمام راجع إلى آخر الحديث: (إلا بيع الخيار) أي: ليس لبيع الخيار حد معروف، بل بحسب ما تختبر فيه السلعة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي أنه ثلاثة أيام في كل شيء. وقد أكثر أهل المذهب والحنفية من الأجوبة عن هذا الحديث، وقد أتى بأكثرها المازري في شرح التلقين، وابن دقيق العيد في شرح العمدة.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
وحده يختلف باختلاف السلع بقدر الحاجة، ففيها: في الدار الشهر ونحوه، وقيل: الشهران
تصوره واضح. وطول زمن الخيار في الدار، لأنه يحتاج إلى النظر في حيطانها وأساسها ومرافقتها، واختبار جيرانها ومكانها مع كونه مأمونة لا يسرع إليها التغيير.
وفي قوله: (بقدر الحاجة) إشارة إلى أنه يضرب من الأجل أقل ما يمكن تقليلا للغرر المذكور.
وما نسبه المصنف للمدونة، المتيطي: هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه. والقول بالشهرين في الموازية، وقاله ابن حبيب في الواضحة. ونقل عن ابن القاسم، وقال: الأرضون كلها كذلك.
ابن يونس وابن رشد: والربع مساو للدار، وجعلا ما في الموازية والواضحة من الشهرين تفسيرًا للمدونة لا خلافًا كما فعل المصنف.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يفترق حكم الدار من الأرض، لأن الحاجة إلى اختيار الدور أكثر. وفي الإكمال عن الداودي أن المدة في الدار الشهران والثلاثة. وحكى الخطابي عن مالك في الضيعة السنة.
فرع:
ولا يجوز على مذهب ابن القاسم أن يشترط في الخيار سكنى الدار مدة الخيار، لأن اختبار ذلك مما يعرف بالنظر إليها. وقال غير واحد من شيوخ المذهب: يجوز ذلك في الدار، لأنه بذلك يختبر جيرانها ويعرف الصالح من الطالح. قال القابسي، واللخمي: إن كان المشتري من أهل المحلة فلا يمكن من سكناها، لأنه عالم بالجيران، وإن لم يكن من المحلة جاز.
[ ٥ / ٤١٠ ]
وفيها: في الرقيق الجمعة ونحوها، وقيل: شهر لكتمانه عيوبه
نقل المدونة على المعنى تبعًا لابن شاس، لأنه إنما فيها الجارية لكن لا فرق فيها، والجارية مثل الخمسة الأيام والجمعة وشبه ذلك لاختبار حالها.
ابن المواز: وأجاز ابن القاسم الخيار في العبد إلى عشرة أيام.
محمد: وإن وقع في العبد أو الأمة إلى عشرة أيام لم أفسخه، وأفسخه في الشهر. والقول بالشهر رواه ابن وهب عن مالك.
ابن المواز: وأباه ابن القاسم وأشهب.
وقوله: (لكتمانه عيوبه) يحتمل أن يكون تعليلًا لرواية ابن وهب، ويحتمل أن يكون تعليلًا لطول المدة في الرقيق بالنسبة إلى ما يذكره في الدواب والثياب.
فإن قيل: التعليل بكتم العيوب ليس موجودًا في الصغير. قيل: التعليل بالمظنة وهو كونه رقيقًا، لأن الوقت الذي يكتم فيه عيوبه لا ينضبط كالمشقة في السفر.
وفيها: تركب الدابة اليوم وشبهه، ولا بأس أن يشترط البريدين، هذا في الركوب، وإلا فتجوز الثلاثة
أي: أمد الخيار في الدابة يختلف باختلاف ما يريده المشتري، فإن أراد اختبار حالها بالركوب، فنص ابن القاسم في المدونة على جواز اشتراط اليوم وشبهه والبريد.
الباجي: يحتمل أن يريد ركوب اليوم في المدينة على حسب ما يركب الناس في تصرفاتهم، والبريد والبريدان لمن خرج من المدينة يختبر سيرها، ونحوه للخمي قال: إن كان قصده معرفة حسن سيرها فاليوم وبعض اليوم يجزئ من ذلك حسن، وإن أراد سفرًا ليختبر سيرها وصلابتها فالبريدان في ذلك حسن.
[ ٥ / ٤١١ ]
قوله: (ولا بأس أن يشترط البريدين) هذا الكلام لأشهب في المدونة. واختلف الشيوخ في قول ابن القاسم: البريد. وقول أشهب: البريدين. فحمله بعضهم على البريد في الذهاب والرجوع، وكذلك البريدان.
وقال أبو عمر: البريد للذهاب خاصة وللرجوع مثله، وكذلك البريدان للذهاب وللرجوع مثلهما. وعل هذا يصح اشتراط سيرها يومين، إذ ليس كل دابة تمشي أربعة برد من يومها، وإنما تقطع ذلك الدابة القوية. وعلى هذين التأولين فابن القاسم، وأشهب مختلفان.
عياض: وقد يحتمل موافقة القولين بريد في الذهاب على قول ابن القاسم، وبريدان أحدهما في الذهب والآخر في الرجوع على قول أشهب.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن نقل المصنف لهذه المسألة ليس كما ينبغي، إذ لم يبين أن الكلام الأول لابن القاسم، ولا أن الثاني لأشهب، ولا هل هو خلاف أو وفاق، ولكن ظاهر كلامه الموافقة، لكون ساقهما مساقًا واحدًا.
واختلف: هل للمشتري أن يركب الدابة بمقتضى عقد الخيار ليختبر سيرها وحملها من غير أن يشترط ذلك وهو مذهب أبي بكر بن عبد الرحمن؟ عياض: وقول أبي بكر هو الصحيح.
قوله: (وإلا فتجوز الثلاثة) أي: وإن لم يقصد الركوب بل كان القصد تقليبها واختبار حالها، جاز أن يوسع في المدة، نص على ذلك ابن حبيب.
وفي الثوب الثلاثة ولا يشترط لباسه، بخلاف استخدام الرقيق
جعلوا الزمان في الثوب كالدابة، وإن كانت الدابة تفتقر في العرف [٤٦٧/أ] إلى زمان أطول من زمان الثوب، لأنه لا يحتاج فيه إلا إلى قياسه ومعرفة الثمن خاصة.
[ ٥ / ٤١٢ ]
الباجي: لأنه لا يسرع إليه التغير ولا يشترط لباسه. قال في المدونة: لأنه لا يختبر باللباس كما تختبر الدابة بالركوب والبعد بالاستخدام، لأنه إنما يحتاج إلى قياسه طوله وعرضه.
فرع:
فإن شرط لباسه، فقالوا: يفسد العقد. فإذا فسخ، لزمه الكراء لأجل اللبس.
ابن يونس: بلا خلاف. ولم يجعلوه كسائر البيوع الفاسدة إذا فسخت، فإنه لا يلزم المشتري رد الغلة. وذكر ابن يونس عن بعض الأصحاب أنه اختلف إذا فسد البيع باشتراط النقد، هل ضمانها من البائع، أو من المبتاع؟
ابن يونس: فعلى أن الضمان من المبتاع لا يكون عليه شيء في اللبس كسائر البيوع الفاسدة. وتأمل كلام ابن يونس فإن حكايته الخلاف ثانيًا يخالف ما حكاه أولًا من الاتفاق، وقاله أبو الحسن.
ولا يغاب عل ما لا يعرف بعينه، لأنه يصير تارة بيعًا، وتارة سلفًا
يعني: أنه يجوز شراء ما لا يعرف بعينه على الخيار كالمكيل والموزون، فإذا اشترى الخيار لم يجز على شرط غيبة المشتري عليه، لأنه إن مضى البيع فيه كان بيعًا، وإن لم يمض وجب رده، وقد يكون تصرف فيه ويرد مثله فيكون ذلك سلفًا.
ولم يذكر المصنف مدة الخيار كما في المدونة، قال: ومن اشترى شيئًا من رطب الفواكه والخضر على أنه بالخيار، فإن كان الناس يشاورون في هذه الأشياء غيرهم ويحتاجون فيها إلى رأيهم فلهم من الخيار في ذلك بقدر الحاجة مما لا يقع فيه تغيير ولا فساد.
وأطلق المصنف في قوله: (ولا يغاب) ومراده: الغيبة بالشرط، وإلا فلو تطوع البائع بإعطاء السلعة للمشتري جاز لأن التعليل يرشد إليه، لأنه إنما يكون تارة بيعًا وتارة سلفًا
[ ٥ / ٤١٣ ]
مع الاشتراط كما في الثمن. فإن قيل: هل يصدق قوله: (ولا يغاب) على البائع كالمشتري.
قيل: ظاهره كذلك.
وقد نص في الموازية على امتناع غيبة البائع أيضًا على ما لا يعرف بعينه. قال: ويخرج عنهم جميعًا.
والتعليل المذكور حاصل، ويقدر كأن المشتري التزمه وأسلفه، فيكون بيعًا إن لم يرده وسلفًا إن رده. وأجاز بعض الشيوخ أن يبقى عنده، قال: لأنه عين شيئه.
فرع:
ولا يجوز في شيء من السلع أن تكون مدة الخيار فيه مجهولة، فإن عقد على ذلك، كقولهما: إلى قدوم زيد ولا أمارة على قدومه، أو إلى أن يولد لفلان ولد ولا حمل عنده، أو إلى أن ينفق سوق السلعة ولا سلعة، أو يغلب على الظن عرفًا أنها تنفق فيه. إلى غير ذلك مما يرجع إلى الجهل بالمدة فالبيع فاسد.
لكن إن وقع العقد على أنه بالخيار ولم يعين مدة معلومة ولا مجهولة، فالعقد صحيح، ويحمل على خيار مثل السلعة كما تقدم، ولو زاد في مدة الخيار على ما هو أمد خيارها فسد البيع.
والنقد بغير شرط جائز، وفي فساد البيع باشتراطه قولان
قد تقدم نظائر هذه المسألة، والمعروف مع الاشتراط الفساد.
ابن محرز: ومن المذاكرين من يذهب في هذه المسألة مذهب البيع والسلف، ويقول: إذا أسقط البائع الشرط كان البيع جائزًا. وذكر في المقدمات أن هذا القول هكذا في كتاب سحنون.
[ ٥ / ٤١٤ ]
ولو طلب وقفه كالغائب والمواضعة على المشهور فيهما لم يلزم، لأنه لم ينبرم
يعني: لو طلب البائع وقف الثمن، أي: أخراجه من يدا المشتري ووضعه على يد أمين حتى يتبين مآل أمر البيع، هل يتم فيأخذه البائع أو لا فيرجع إلى يد المشتري؟
والمشهور راجع إلى الغائب والمواضعة لا إلى الخيار، لأن بعضهم حكى في بيع الاتفاق. وفرق بينه وبين الأمة المتواضعة وبيع الغائب بما ذكره المصنف، وهو أن البيع فيها قد انبرم وبيع الخيار لم ينبرم.
وحكى ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ: أنه جعل الاتفاق من حق البائع، وقاسه على الغائب والمواضعة.
ولو زاد على مدة الخيار انفسخ وإن أسقطه مشترطه
تصوره واضح، وقد تقدم.
ولو أسقط شرط النقد لم يصح، بخلاف مسقط السلف، وقيل: مثله
هكذا ثبت في نسخة صحيحة، وهو كالتكرار مع قوله: وفي فساد باشتراطه قولان. لكن ذكره لفوائد ليبين أن الفساد حاصل على القول به، ولو أسقط الشرط وإن عدم الفساد على القول به إنما هو مع إسقاط الشرط، ويشير على طلب الفرق بين هذه المسألة على المشهور، ومسألة البيع والسلف. والفرق على المشهور بينه وبين مسقط السلف: أن الفساد في اشتراط النقد واقع في الماهية، لأنه غرر في الثمن، إذ المقبوض لا يدرى هل هو ثمن أم لا؟ ومسألة شرط السلف الفساد خارج عن الماهية.
[ ٥ / ٤١٥ ]
وإذا اشترى أو باع على مشورة فلان، فله الاستبداد وإن لم يشاور، وقيل: إن كان بائعًا
يعني: أن من اشترى سلعة أو باعها على أن يشاور غيره، ثم أراد أن يبرم البيع أو الشراء دون مشورة، فإن كان بائعًا فله ذلك اتفاقًا، وكذلك له الاستبداد إن كان مشتريًا على المشهور، على ما حكاه المصنف، إذ لا يلزم من الاستشارة الموافقة ومن حجته أن يقول: هب أني اشتريته فلا مانع لي من مخالفته.
والتحقيق عندهم: التسوية بين البائع والمشتري في المشورة والرضا والخيار.
وحكى [٤٦٧/ب] عياض وابن رشد أنه لا خلاف منصوص أن لمشترط المشورة تركها، قالا: إلا ما تأول التونسي على الموازية أن المشورة كالخيار.
ونقل ابن أبي زيد أن ابن مزين حكى عن ابن نافع: أنه يرى لفظ المشاورة كلفظ الخيار والرضا.
المازري: وتعقب عليه هذا النقل بأن الذي ذكره ابن مزين ع ابن نافع، أنه إن باع على مشورة فلان على أن فلانًا إن أمضى البيع مضى بينهما. وهذا اللفظ يقتضي وقف البيع على اختيار فلان، بخلاف ما إذا كانت المشورة مطلقة، ونحوه للخمي.
وهكذا أيضًا رد صاحب المقدمات ما تأوله التونسي على الموازية، وقال: الذي في الموازية إنما هو في مشورة مقيدة. وكذلك قال عياض: إن ما تأوله التونسي غير صحيح. ولم أر القول الذي ذكره المصنف بالتفرقة بين البائع والمشتري، ولعله لاحظ أن البائع أقوى يدًا لتقدم ملكه. وفهم من كلام المصنف جواز الشراء على مشاورة فلان، وما في معناه وهو المشهور.
[ ٥ / ٤١٦ ]
وروى أصبغ عن ابن القاسم منعه، كمذهب أحمد بن حنبل. ورواه أيضًا سحنون عنه ثم رجع إلى الجواز، ولعله مبني على أنه رخصة فلا يتعدى المتعاقدين.
فإن كان على رضاه، فقيل: مثلها، وقيل: لا يستبد
أي: فإن اشترى أو باع على رضا فلان. وقوله: (مثلها) أي: في الخلاف. ويحتمل في القول الأول وهو الاستبداد. ويرجح هذا بوجهين، أولهما: أن ابن عبد السلام قال في الزكاة أن المصنف إذا شبه مسالة بأخرى وكان قدم في المشبه بها مشهورًا أو راجحًا، فإنه يشبه فيه فقط. وثانيهما: أن ما يذكره المصنف بعد هذا في الخيار ينفي أن يكون مراده بالتشبيه التشبيهَ في جميع ما تقدم، كما ستقف عليه.
والقول بأنه يستبد في الرضا، سواء كان بائعًا، أو مشتريًا نقله عبد الوهاب عن ابن القاسم، ونقل عنه قولًا آخر أن للبائع أن يخالف خيار من اشترط خياره أو رضاه دون المشتري.
ابن يونس: فلم يختلف قوله أن البائع له أن يخالف، وإنما اختلف في المشتري.
قوله: (وقيل: لا يستبد) ظاهره: كان بائعًا أو مشتريًا، وهذا القول هكذا تأول على المدونة. وعلى هذا فيتحصل في كل من الرضا والخيار ثلاثة أقوال، ثالثها: يستبد البائع دون المشتري. والفرق ظاهر المدونة، لأن فيها: إذا اشترى على رضا فلان أو خياره، فليس للمبتاع رد ولا إجازة دون خيار من اشترط رضاه. وقال في البائع: إذا اشترط رضا فلان فرضي فلان أو رضي البائع، فالبيع جائز.
ابن رشد: وحمل بن أبي زيد وغيره المدونة على هذا الظاهر، لقوة يد البائع وتقدم ملكه.
عياض: وذهب جماعة في تأويل المدونة إلى التسوية بينهما، وأنه ليس لواحد منهما خلاف، ورأوا أنه لما نص فيها على أن المشتري ليس له المخالفة يرد كلامه في البائع إلى ذلك، ويكون معنى قوله: أو رضا البائع. أي: مع رضا الآخر. وذهب آخرون إلى التسوية بينهما
[ ٥ / ٤١٧ ]
أيضًا، لكنهم يجعلون من له الرضا كالوكيل لهما، وأن لمشترط رضاه الرضا دونه، لكنهم يقولون: إن سبق من جعل هل الرضا أو الرد مضى فعله ولم يرد، كالوكيل مع موكله، اشترطا ذلك معًا أو أحدهما، ونحوه في الموازية وهو اختيار ابن محرز، وأشار إليه أبو إسحاق في البائع. ويلزمه ذلك في المبتاع، واستدلوا بقوله في المدونة: فإن رضي البائع أو رضي المبتاع، فهو جائز، وفيه نظر.
وقال آخرون: هو حق لهما جميعًا، حق للبائع إن أراد إمضاء البيع وأراد فلان الرد، وحق للمبتاع إن أراد فلان إمضاء البيع وأراد البائع الرد. ومثله إذا كان مشترطًا ذلك لفلان المبتاع وأراد الآخر الرد، فله ذلك وإن رد فلان، وكذلك إن أراد فلان الإجازة وأراد المبتاع الرد كان للبائع إلزامه البيع.
ففي اشتراط المبتاع على ما يلزم البائع رضا المبتاع، ويلزم المبتاع رضا فلان. وفي اشتراط البائع يلزم المبتاع رضا البائع، ويلزم البائع رضا فلان.
وتأول آخرون كلامه في المسألتين في الموضعين على اختلاف من قوله، لا أنهما اختلاف مسألتين. فعلى ظاهر قوله في البائع أولًا: له مخالفته. يلزم مثله في المبتاع، وعلى قوله في المبتاع آخرًا: ألا يخالفه. التفريق بين اشتراط البائع والمبتاع. وهذان القولان هما اللذان حكى عبد الوهاب.
ومنهم من تأول جوابه في المسألة أولًا أن البائع اشترط ذلك لنفسه خاصة، وجوابه آخرًا في المشتري أن الشرط لهما جميعًا. ونحوه لأبي محمد بن أبي زيد وغيره من القرويين. وهذا الأصل عند الحذاق، وهو نص ما في الواضحة، واختيار ابن لبابة.
ومنهم من قال: إن (أو) في قوله: (فإن رضي البائع، أو رضي فلان البيع) بمعنى الواو. ومنهم من تأولها على الفرق بين الرضا والخيار، فإن اشترط رضا فلان فله أن يخالفه، وإن اشترط خياره فليس له أن يخالفه.
[ ٥ / ٤١٨ ]
فإن كان على خياره، فقيل: مثل رضاه، وقيل: لا يستبد، وقيل: الجميع سواء
هذا مما يبين لك أنه لم يرد بالتشبيه التشبيهَ في جميع ما تقدم، لأنه لو أراد ذلك لاستغنى عن قوله: (وقيل: لا يستبد) وعلى هذا يكون المصنف إنما شبه بالمشورة في القول الأول وهو الاستبداد، لأنه أصل المذهب.
ثم حكى قولًا ثانيًا في الرضا بنفي الاستبداد، ثم شبه الخيار بالرضا في القول الأول وهو الاستبداد، ثم حكى قولًا ثانيًا وهو نفي الاستبداد، ثم قال: وقيل: الجميع سواء. فيستفاد منه قول ثالث في المشورة بنفي الاستبداد، ويستفاد فيها قول ثالث بالفرق بين [٤٦٨/أ] البائع والمشتري. هذا أنسب ما قيل، وفيه نظر، لأنه كان يمكنه أن يجمع الرضا والخيار والمشورة، ويذكر في الجميع ثلاثة أقوال. ونقل عن أبي على ناصر الدين أنه كان يعتذر عنه بأن ما ذكره طرق لا أقوال، وفيه نظر، لأنهم لم يذكروها طرقًا، ولا إشكال في وجود الثلاثة الأقوال في الخيار والرضا.
وأما المشورة: فقد ذكرنا أن ابن رشد وغيره حكى الاتفاق، وذكرنا أنا لم نطلع على القول الذي ذكره المصنف بالتفرقة فيها. نعم يتحصل فيها ثلاثة أقوال على ما نقله المصنف من التفرقة وعلى ما نقله ابن أبي عن ابن نافع، لكن قد قدمنا عليها الاعتراض في ذلك.
ابن عبد السلام: والصواب التسوية بين البائع والمشتري، والصواب التفرقة بين شرط المشورة والرضا، وأن الخيار كالرضا.
وفيها: الخيار بعد البت لأحدهما لازم، وقيد إن كان نقدًا، وإلا أدى إلى خيار بيع الدين وفي ضمانه حينئذ قولان
قال فيها: ومن اشترى سلعة م رجل ثم جعل أحدهما لصاحبه الخيار بعد تمام البيع، فذلك يلزمهما إذا كان يجوز في مثله الخيار. وهو بيع مؤتنف بمنزلة بيع المشتري لها
[ ٥ / ٤١٩ ]
من غير البائع. وقيدها أكثر الشيوخ بشرط أن يكون انتقد الثمن في سلعة وإلا لم يجز ذلك، لأن البائع حينئذ يكون أخذ عن دين وجب له سلعة بخيار وذلك لا يجوز، وإليه أشار بقوله: (وقيد إن كان نقدًا، وإلا أدى إلى خيار بيع الدين) أي: بيع الدين بخيار.
وأبقى اللخمي المدونة على ظاهرها من الجواز مطلقًا. فعلى هذا يكون هذا التقييد مخالفًا للمدونة.
ولهذا يقع في بعض النسخ: (وقيل) باللام على هذه الطريقة. والنسخة الأولى أحسن، لأنها على طريق الأكثر.
ووجه ما ذهب إليه اللخمي: أن القصد بهذا التخيير إنما هو تطييب نفس من جعل له، وليس المقصود منه حقيقة البيع حتى يلزم عليه هذا المانع المذكور، ولأن البيعة الأولى قد تمت، فإذ جعل المشتري لبائعها الخيار، فقد صار المشتري كبائع سلعة على الخيار، وكأنها شيء ثان لا تعلق له بالأول.
وقوله: (وفي ضمانه حينئذ قولان) أي: أنه اختلف في ضمان المبيع على خيار بعد بيعه على البت، ففي المدونة: هو من المشتري لأنه صار بائعًا.
ابن يونس، والمازري وغيرهما: وظاهرها سواء جعل البائع الخيار للمشتري أو العكس. قالا: وروي عن المخزومي أنه قال: إن جعله البائع للمشتري فالضمان منه، لأنه خيار ألحقه بعقده فكأنه فيه، وإن جعله المشتري للبائع، فالضمان منه لأنه صار بائعًا.
وعلى هذا، فإن جعله المشتري فالضمان منه اتفاقًا، وإن جعله البائع فقولان، بناء على أن اللاحقات بالعقود هل تقدر واقعة فيها أم لا؟ فقد أطلق المصنف في محل التقييد.
والملك للبائع، فالإمضاء نقل لا تقرير، وقيل: للمشتري بالعكس
يعني: أن المشهور أن بيع الخيار منحل والسلعة على ملك البائع، فإذا أمضى البيع كان ذلك نقلًا للسلعة إلى ملك المشتري. والشاذ: أنه منبرم، فالإمضاء تقرير لما انبرم أولًا.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
والغلة للبائع، إذ الخراج بالضمان
أي: ما يحدث في أيام الخيار من غلة، كلبن، وبيض، وثمرة ونحو ذلك، فهو للبائع، لما رواه الترمذي وصححه: أنه ﵊ قال: «الخراج بالضمان». والضمان من البائع اتفاقًا، ولا يقال: الاتفاق على الضمان يرد قول من قال: إن الملك قد انتقل، لأن الملك لم ينتقل المشتري انتقالًا تامًا، فيبقى الضمان مستصحبًا من البائع. قاله المازري. وهذا الحكم عام في أنواع الغلة، إلا في الصوف فإنه للمشتري، لكونه كان موجودًا يوم البيع، نص عليه اللخمي، وهو ظاهر. وقد أشار المصنف إليه بقوله:
ولو ولدت الأمة فأمضى، فقال ابن القاسم: يتبعها كالصوف. وقال أشهب: كالغلة فينفسخ. وقيل: أو يجمعا نفي ملك. وقيل: أو في حوز
يعني: لو باع أمة على خيار فولدت في أيام الخيار وأمضى من له الخيار البيع، فقال ابن القاسم: الولد للمشتري كصوف الغنم. وهو مقتضى كلامه أن أشهب يوافق على الصوف، وإلا لما حصل لاستشهاده به كبير فائدة، وهو مقتضى كلامه في الجواهر.
وعلل ذلك أن الصوف مشترى، لأنه إذا اشترى كبشًا وعليه صوف فكأنه اشتراهما. وقال أشهب: بل يكون للبائع كالغلة. فإن بنينا على قول ابن القاسم فلا تفريغ، وإن بنينا على قول أشهب، فهل يفسخ أو يجبران على الجمع بينهما؟ قولان، بناء على أن ما أوجبته الأحكام هل هو كالمدخول عليه أو لا. وعلى الثاني فهل يكفي الحوز وهو ظاهر كلام أشهب، أو لابد من الملك، قولان.
ابن محرز: والصحيح الملك. ابن بشير: هو الأصل.
وكان حق المصنف أن يؤخر القول بالفسخ ويقدم القولين بعد، لأنهما تأولا على أشهب، فهما من تمام قوله السابق. والقول بالفسخ لغيره، لكن ممن وافقه على أن الولد
[ ٥ / ٤٢١ ]
للبائع وتعقب فضل بن سلمة، وابن أبي زمنين، هذه المسألة من حيث أن الأمة ولدت في أيام الخيار، وذلك يستلزم بيعها بقرب الولادة، وبيع الحامل المقرب لا يجوز.
وأجاب فضل: بأن البائع لم يخير المشتري بحملها، فلم يدخلا على الفساد. ورده المازري: بأن حمل المرأة لا يكاد يخفي قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة. ورواه أيضًا ابن محرز وعياض: بأن المشهور أن علم أحد المتبايعين بالفساد يوجب فساد البيع.
[٤٦٨/ب] وأجاب ابن محرز، والمازري: بأن المرض عند ابن القاسم وأشهب- وإن بلغ الخوف على صاحبه- لا يمنع من صحة بيع المريض، وإنما يمنع إذا بلغ السياق. وحاصله أن بيع الأمة المقرب صحيح، وقد تقدم أن الأصح صحته.
وأجاب عياض: بأنه يمكن أن يكون باعها في آخر الشهر السادس وولدت في أول السابع، وفيه نظر، لحمل المعنى على معنى نادر.
وعارض الباجي قول ابن القاسم هنا، بأنه قال فيمن اشترى عشر جوار من مائة يختارهن، فلم يختر حتى وضعن، لم يكن له خيار في الأمهات، ويفسخ البيع للتفرقة. فجعل الولد للبائع هنا وفي الأولى للمشتري، وكلا العقدين مدخول فيه على خيار.
وأجيب: بأن مسألة المدونة وقع فيها العقد على معين، بخلاف الأخرى. وقيل في مسالة العشر الإماء: أنه لا يفسخ ويكون الولد للبائع، ويجمع بينهما في ملك أو يباعان.
وما يوهب للعبد البائع، وقيد في غير المستثنى ماله
يعني: إذا وهب للعبد المبيع بالخيار مال في مدة الخيار فهو للبائع، قاله في المدونة. وقيده ابن الكاتب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بأن يباع بغير ماله، وأما لو بيع بماله لتبعه هذا المال الموهوب كما تبعه ماله المشترط لأجل الشرط.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
وما يعد رضا من المشتري فهو رد من البائع. قال اللخمي: قد يؤجر البائع، لأن الغلات له ولا يعد ردًا
أجاب﵀- يتكلم على ما يدل على الرضا. ونقل ابن شاس هذا الضابط عن سحنون، قال: قال سحنون: وكل ما يعد من المشتري قبولًا فهو من البائع إذا كان له الخيار فسخ. فقوله: ما يعد من المشتري قبولًا. يريد: والخيار له.
اللخمي: ولا يجزئ ذلك مطلقًا، لأن الغلات للبائع، فإذا آجره أو أسلمه للصنعة، فإنما فعل ما هو له، فلا يكون ذلك رضا، بخلاف المشتري فإن الإجارة في حقه دليل على الرضا.
ابن بشير: وهذا الذي قاله اللخمي يختلف الأمر فيه، فإن طول الإجارة أو مدة التعليم يظهر مع هذا أنه قصد الرد.
وقوله: (وما يعد) يريد من الفعل، لأن القول لا يقال فيه يعد لدلالته وضعًا، فلا يرد عليه قول المشتري أمضيت المبيع ونحوه، فهو رضًا منه بالشراء، وكذلك هو أيضًا رضًا من البائع.
ويكون بترك وفعل، فالترك الإمساك عما يدل إلى انقضاء المدة
(يكون) أي: الرضا، أو يعود على (ما) في قوله: (وما يعد) فإن قلت، قوله: (ويكون بترك وفعل) ويدل على أن الترك يدل على الرضا. وقوله بعد ذلك: (فالترك الإمساك عما يدل) يقتضي أن الترك لا يدل على الرضا، فيلزم أن يكون الترك دليلًا على الرضا وغير دليل عليه. قيل: متعلق بدل محذوف للدلالة عليه، تقديره: أي: الإمساك عما يدل من قول أو فعل. وتقييد الدلالة بالقول أو الفعل أخص من مطلق الدلالة، فلم ينفِ عن الترك الدلالة مطلقًا. وقد صرح بذلك ابن شاس، فقال: وأما الترك فمثل إمساكه عن القول أو الفعل الدالين على تعيين أحد الوجهين إلى أن تنقضي مدة الخيار.
[ ٥ / ٤٢٣ ]
وهو اختيار لها ممن هي في يده، وإلا فالعكس
يعني: أن إمساك السلعة إلى انقضاء المدة اختيارٌ لها بالرد إن كانت بيد البائع، والخيار له وإمساكها إلى انقضاء المدة اختيار لأخذ السلعة إن كانت بيد المشتري والخيار له، وإلا فالعكس. أي: وإن لم تكن في يد من له الخيار وأمسك من له الخيار عما يدل إلى انقضاء المدة، فإذا كان الخيار للبائع والسلعة في يد المشتري وأسك عما يدل على الصفة المذكورة، كان ذلك اختيارًا لعوض السلعة فهو إمضاء، وإذا أمسك المشتري عما يدل على الصفة المذكورة والخيار له والسلعة في يد البائع فهو اختيار للثمن ورد للسلعة.
فلذلك كان اختيارًا منهما لمن هي في يده
أي: فلما قلناه من أن إمساك السلعة اختيار لها ممن هي بيده وبالعكس، كان الإمساك اختيارًا من كل واحد من المتبايعين إذا كان الخيار لهما لمن هي في يده. أي: فلأجل الطرد والعكس كان سكوتهما معًا يرد البيع، وإن كانت بيد المشتري فهو اختيار منهما.
والفرق بين هذا وبين ما تقدم، أن الأول أفاد الحكم إذا كان الخيار لأحدهما، والثاني أفاد الحكم إذا كان الخيار لهما.
وفي قربه برده قولان
أي: وفي رد المبيع بخيار بقرب انقضاء المدة، وعدم رده. والأول في المدونة، ففيها: وإن كان بعد غروب الشمس من آخر أيام الخيار، أو كالغد أو قرب ذلك فذلك له، واحتج بالتلوم للمكاتب. والقول بأنه ليس له ذلك بالقرب لأشهب وابن الماجشون، قالا: بغروب الشمس من آخر أيام الخيار ينقطع الخيار، لأن المؤمنين عند شروطهم.
وعلى المشهور، فإن شرط في بيع الخيار إن لم يأت بالسلعة قبل مغيب الشمس من آخر أيام الخيار لزم البيع، ففي المدونة لم يجز هذا البيع، أرأيت إن مرض المبتاع أو حبسه
[ ٥ / ٤٢٤ ]
سلطان. لكن عورض ذلك بقوله في المدونة في غير موضع: إذا اشترط البائع على المبتاع إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بيننا، أن العقد صحيح والشرط باطل.
فعارض الأشياخ إحدى هاتين المسألتين بالأخرى، وخرجوا من الثانية الخلاف في الأولى، وإن كان بعضهم فرق بينهما بفرق فليس بالقوى. والقول الثاني عند ابن عبد السلام أظهر، وهو الذي اقتضاه الشرط، وسببهما ما قرب من الشيء هل يعطي حكمه أم لا؟
والفعل: مثل العتق، والكتابة، والاستيلاء، وتزويج الأمة، والوطء، وقصد التلذذ
[٤٦٩/أ] لما فرغ من بيان الترك شرع في الفعل، ولا خفاء في دلالة العتق، والكتابة، وتزويج الأمة، والوطء على اختيار من له الخيار من المتبايعين. وفي معنى الكتابة، التدبير، والاستيلاء، والعتق إلى أجل.
وقوله: (وقصد التلذذ) أي: إذا أقر بذلك، ففيها: وإن كان الخيار للمبتاع فجردها في أيام الخيار ونظر إليها، فليس ذلك رضا إلا أن يقر أنه فعل ذلك قصد التلذذ. قال: ونظر المبتاع إلى فرج المرأة رضا، لأن الفرج لا يجرد في الشراء ولا ينظر إليه إلا النساء، أو من يحل له الفرج.
وكذلك رهن المبيع وإجارته وإسلامه للصنعة، وتزويج العبد، والسوم بالسلعة، خلافًا لأشهب في أنه يحلف ما كان ذلك رضا
الأفعال ثلاثة أقسام، الأول: متفق على أنه يعد رضًا، وهو ما تقدم. والثاني: لا يعد رضًا باتفاق، كاختيار العمل. والثالث: مختلف فيه، وهو الذي ذكره المصنف هنا.
أي: المشهور أن هذه الخمسة دالة على الرضا بإمضاء البيع إن كانت من المشتري، أو رده إن كانت من البائع، ولا يقبل قوله أنه لم يرد بذلك رضًا، قاله في المدونة.
[ ٥ / ٤٢٥ ]
وخالف أشهب فرأى أن ذلك لا يدل على الرضا بعد يمينه، لكن ذكر في المدونة يميه على ثلاثة منها فقط، قال فيها: ولم ير أشهب الإجارة، وتزويج العبد، والرهن، والسوم، والجناية، وإسلام العبد للصنعة، وتزويجه العبد رضًا بعد أن يحلف في الرهن، والإجارة، وتزويج العبد. لكن في الموازية عنه النص على اليمين في الجميع. ولا يخفى عليك الفرق بين تزويج الأمة والعبد على قوله، وقول أشهب ظاهر في السوم والإجارة والإسلام للصنعة إن كانت مدة ذلك تنقضي في مدة الخيار، وبعيد في الرهن والتزويج.
وأما بيع المشتري، فقيل: الربح للبائع. وقيل: يخير فيه وفي نقضه. وقيل: يصدق مع يمينه أنه بائع بعد اختار
أطلق الأفعال المتقدمة ولم يضفها لبائع ولا لمشترٍ، إشارةً إلى أن الحكم متحد فيه. وقيد مسألة البيع بالمشتري، لأن هذه الأقوال لا تتصور إلا فيه. ومعناه: أن المشتري لو باع والخيار له قبل أن يخير البائع باختياره أو يشهد على اختياره، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن الربح للبائع، نقله اللخمي عن ابن المواز. ثانيها: رواية ابن زياد في المدونة أن بيعه ليس باختيار ورب السلعة بالخيار، إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع. وطرح سحنون التخيير من هذا القول، وصوب ابن يونس طرح سحنون، قال: لأنه إنما يتهم أن يكون باع قبل أن يختار، فيقول له البائع: قد بعت ما في ضماني فالرح لي. وليس له نقض البيع، لأن بيع المبتاع لا يسقط خياره، فلو نقض البيع لكان له أخذ السلعة بمقتضى الخيار. وهذا التضعيف هو الذي أراده بقوله: وضعف. وإنما يتم هذا التضعيف إذا كانت أيام الخيار لم تنقضِ، وأما إن نقضت فالمشتري لا يمكنه أخذ السلعة بعد النقض.
ثالثها: حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وهو لابن القاسم في بعض روايات المدونة. وفي الموازية أنه يصدق مع يمينه إن كذبه صاحبه. وظاهر كلام المصنف- وهو
[ ٥ / ٤٢٦ ]
ظاهر الرواية- أنها يمين تهمة تتوجه على البائع وإن لم يحققها. وقال في النوادر: يريد بعلم يدعيه، ونحوه لابن يونس
وكان الشيخ﵀- رأى أن قوله في الراوية: إن كذبه صاحبه يناسب أنها دعوى محققة. زاد في هذا القول: وإن قال بعت قبل أن أختار فالربح لربه، لأنه في ضمانه. وصوبه اللخمي، لأن الغالب فيمن وجد ربحًا أنه لا يدفعه لغيره.
ولا يقبل أنه رد أو اختيار لفظًا إلا ببينة
أي: فإن ادعى من له الخيار بعد انقضاء المدة أنه كان قد رضي فلا يقبل ذلك إلا ببينة تشهد له بصحة دعواه، لأن ادعى شيئًا الأصل عدمه.
فإن طرأ مانع، ففي الموت ينتقل إلى وارثه، وليس لمن اختار التمسك إلا الجميع
أي: فإن طرأ على مشترط الخيار ما يمنعه منه، والمواقع ثلاثة. وبدأ بالموت، وانتقاله إلى الوارث ظاهر، لأن من مات عن حق فلورثته. المازري: فإن مات المشتري وترك وارثًا واحدًا يجوز ماله، فإنه يحل محله فيخير بين قبول المبيع بنصيبه من الثمن، ولا مقال هنا للمتلزم الشراء، لكونه قد وصل إلى غرضه واستكمل جميع حقه في الميراث. وإن لم يرض البائع التشقيص كلف من أجاز أن يرد ما في يده ليكمل جميع المبيع لبائعه. هذا القياس عند أشهب، والاستحسان عنده أن يمكن من أراد الإجازة من أخذ نصيب من رد ويدفع جميع الثمن للبائع لترتفع العلة التي شكلها من التبعيض، لكن القياس أن البائع لما رد عليه الممتنع عن الإجازة لنصيبه عاد إلى ملكه على ما كان، فلا يلزمه بيعه إلا ممن أحب. وهذا التفصيل يجري في موت المشتري والبائع. انتهى.
[ ٥ / ٤٢٧ ]
فقوله: (وليس لمن اختار التمسك إلا بالجميع) محتمل للقياس والاستحسان، لأن الجميع يحتمل أن يريد به جميع الورثة، والباء للمصاحبة، أي: ليس له التمسك إلا مع اختيار جميع الورثة وهو القياس. ويحتمل [٤٦٩/ب] أن يريد بالجميع جميع السلعة وهو الاستحسان. وهذا تقرير هذا المحل. ولا يقال: لعل المصنف أراد بقوله: (وليس لمن اختار ) إلخ. أن من اشترى سلعًا ثم أراد الإجازة، فليس له أن يتمسك إلا بجميعها، لأن السياق ينفيه.
واعلم بأنه إنما نص في المدونة على ما ذكرناه من القياس والاستحسان في ورثة المشتري. وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق في ذلك بين ورثة البائع والمشتري، ولعله بنى على كلام المازري المتقدم وهو أحد الطريقين، لأن الشيوخ اختلفوا هل يدخل القياس والاستحسان في ورثة البائع، فمنهم من قال يدخل وينزل الراد من ورثة البائع منزلة المجيز من ورثة المشتري فيدخله القياس، وهو أنه ليس له إلا نصيبه. والاستحسان: وهو أن له أن يأخذ نصيب أخيه المجيز، لأن الذي أراد الإجازة من ورثة البائع قد رضي بإخراج نصيبه من يده وأخذ الثمن فيه، فإذا قال للذي أراد إبطال البيع: أنا آخذ نصيبك وأعطيك الثمن الذي أردته ودعوت إليه، كان ذلك له، كما للمجيز من ورثة المشتري أن يأخذ نصيب أخيه الراد، وإلى هذا ذهب ابن أبي زيد في غير المختصر. وقال بعض القرويين: لا يدخله الاستحسان، وليس لمن رد أن يأ×ذ نصيب من أجاز، لأن من أجاز إنما أجاز للأجنبي لا لأخيه.
تنبيه:
أقام الشيخ أبو محمد صالح على ما نقله عنه أبو الحسن من قوله: أن الخيار يورث أن الثنيا تورث. أي: الجائزة. وهي إذا قال المشتري بعد تمام البيع: إن جئت بالثمن فسلعتك رد عليك، أعني: إذا مات المتطوع له بها.
[ ٥ / ٤٢٨ ]
واختلف إذا مات المشتري الذي تطوع بالثنيا، هل يلزمك ذلك ورثته وهو قول أبي إبراهيم، أو لا يلزم ورثته وهو قول أبي الفضل راشد، واختاره أو الحسن؟. واحتج أبو إبراهيم بما نقله ابن يونس عن الموازية في الذي قال لأمته: إن جئتني بألف درهم فأنت حرة فمات، أن العتق يلزم ورثته إن جاءتهم بالألف.
أبو الحسن: ولا حجة فيه، لأن هذه قطاعة وهي من ناحية الكتابة وهي لازمة. وفي المستخرجة عكسه: أن العتق لا يلزمهم.
وذكر ابن الهندي فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل على أن يبقى الدين إلى أجله فمات المطلوب، ثم مات الطالب بعده، أن ورثة الطالب لا يلزمهم التأخير، وهو يدل على أن الثنيا لا تلزم ورثة المشتري.
وفي الجنون: ينظر السلطان
أي: إذا جن من له الخيار من بائع أو مشتر، فإن الحاكم ينظر في ذلك فيفعل المصلحة من رد أو إمضاء، ولا خلاف فيه، قاله ابن عبد السلام.
وفي الإغماء: يوقف، فإن طال فسخ. وقال أشهب: كالجنون
تصوره واضح. وقوله: (فإن طال فسخ) أي: وليس له أن يجيز. وقول أشهب مقيد ببقاء أمد الخيار وإلا تعين الرد.
ووقع لابن القاسم في العرصة المعارة يريد هدمها المعار والمعير غائب، أن السلطان ينظر فإن رأى أخذ النقض لرب العرصة بقيمته ملقى فذلك له. فعارضها بعضهم بقوله هنا، وقال: يجب على قوله في العرصة أن يكون له هنا إجازة البيع كقول أشهب.
ابن يونس: ويمكن أن يفرق بينهما بأن الإغماء الغالب زواله عن قرب، والغائب قد تطول غيبته فكان كالمجنون والصبي.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
خيار النقيصة
خيار النقيصة: وهو نقص يخالف ما التزمه البائع شرطًا أو عرفًا في زمان ضمانه
هذا هو النوع الثاني، و(ما) موصولة، أو نكرة موصوفة.
وقوله: (شرطًا أو عرفًا) بيان لموجب الالتزام. والأولى أن يقول: ما ثبت بنقص، إذ النقص سبب للخيار لا نفس الخيار، فلا ينبغي أن يعرف الخيار بالنقص. فإن قيل: لعله عرف المضاف إليه وهو النقيصة، كأنه قال: والنقيصة التي توجب الخيار نقص، إلى آخره.
قيل: لو قصد ذلك لقال: وهي. وقد يقال: أعاد الضمير عليها باعتبار معناها، وفيه بعد. فإن قلت: هو تعريف غير جامع، لأن خيار النقيصة يكون أيضًا بتغرير فعلي، ولم يذكره.
وقد ذكره ابن شاس، فقال: ما ثبت بفوات أمر مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرطي، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي. قيل: هو راجع إلى الشرطي، ألا ترى قوله بعد ذلك: والتغرير الفعلي كالشرطي. لكن قد يقال: إنه غير جامع من وجه آخر، لأن عيوب الدار تخالف ما التزمه البائع ولا توجب خيارًا.
وأجيب: لا يرد هذا على القول بأنها توجب الخيار كغيرها، وعلى القول الأخير فهذا على خلاف القياس، وفيه نظر. وقوله: (في زمان ضمانه) أي: أن النقص المذكور لابد أن يكون حاصلًا في الزمان الذي يضمن فيه البائع المبيع للمبتاع.
فالشرطي: ما يؤثر في نقص الثمن كصانع، وكاتب، وتاجر
لما قسمه أولًا إلى قسمين تكلم على الأول، والظاهر أن الشرطي ما يشترطه المشتري. وفي البيان: إذا نادى الذي يبيع الجارية في الميراث أنها عذراء أو غير ذلك، ثم وجد خلافه كان له الرد. فنزلوا هذا منزلة الشرط.
[ ٥ / ٤٣٠ ]
فإن شرط ما لا غرض فيه ولا ماليه فيه، ألغي على المعروف
كما لو اشترط أنه أمي فيجده كاتبًا، أو جاهلًا فيجده عالمًا. ومقابل المعروف ذكره صاحب البيان وابن زرقون، فلا التفات إلى قول ابن بشير: لا أعلم فيه خلافًا. وقد [٤٧٠/أ] يجري الخلاف فيه على وجوب الوفاء بشرط ما لا يفيد.
وما فيه غرض ولا مالية فيه، فيه روايتان
هذا يتصور في حق بعض الناس، كما لو اشترى أمة على أنها نصرانية فوجدها مسلمة، وقال: أردت أن أزوجها غلامي النصراني، أو اشتراها على أنها ثيب فوجدها بكرًا، وقال: على يمين ألا أطأ الأبكار، أو اشترط جنسًا فوجدها من جنس آخر أرفع. وقد ذكر ابن بشير، وابن شاس القولين.
قال في البيان: والصحيح أن له الرد عملًا بالشرط. وحصل صاحب البيان، وابن زرقون فيه وفي الذي قبله ثلاثة أقوال، الأول لسحنون: أنه له الرد. والثاني: مخرج على رواية ابن نافع في مسلم غر نصرانية نكحته على أنه نصراني أنه لا خيار لها، فأحرى أن يقول ذلك في الأمة. والثالث في سماع عيسى: إن كان له وجه رد به وإلا فلا. ومثله في المدونة.
والعرفي: ما تقتضي العادة بأنه إنما يدخل على السلامة منه ما يؤثر في نقص الثمن، أو المبيع، أو في التصرف، أو خوفًا في العاقبة
(أل) في (العرفي) للعهد، أي: والنقص العرفي، و(من) في قوله: (منه) لبيان الجنس. ومعنى كلامه: والعيب الذي تقتضي العادة الدخول على السلامة منه. وقوله: (في نقص الثمن) أي: من غير نقص في المبيع، كما لو وجده آبقًا، أو سارقًا، أو في المبيع من غير نقص في الثمن، كالخصاء في العبد، أو نقص التصرف، كالعسر أو التخنيث في العبد، أو خوفًا في العاقبة، كجذام أحد الأبوين إذ يخشى عليه حينئذ الجذام.
[ ٥ / ٤٣١ ]
فالعمى، والعور، والقطع ونحوه متفق عليه
لما ذكر ضابطًا كليًا شرع في تعداد العيوب لتكون كالمثال لما ذكره، وهو ظاهر.
ابن عبد السلام: وهذا الاتفاق إنما يصح في بيع الغائب، وأما الحاضر فقد يدخل بعض هذا الخلاف من اختلافهم في البيع الظاهر، هل للمشتري القيام به أم لا؟ ويمكن أن يريد المصنف الاتفاق على كون هذه الأشياء وشبهها عيوبًا، لا على وجوب القيام بها.
والخصاء عيب
يعني: في العبيد، وهو ظاهر.
وسقوط ضرسين عيب، والواحد في العلي
تصوره ظاهر، وخص الأضراس تبعًا للباجي والمازري. ولعل ذلك على جهة المثال، لأن سقوط سِنَّيْنِ مطلقًا عيب. ففي الواضحة: وما زاد على السن الواحدة فهو عيب في كل العبيد ما كان في مقدم الفم أو مؤخره.
وفي قوله: (والواحد في العلي) نظر من وجهين، أحدهما: تخصيص الأضراس. والثاني: ظاهره أنه مطلق في الأمة والعبد، وهو خاص بالرائعة.
ابن عبد السلام: وأطلق المؤلف في العلي، وظاهره سواء نقص من الثمن أو لم ينقص، إلا أن يقال: كلامه هنا هو مثال لما ينقص الثمن.
قال في الموازية: ولا يرد العبد إذا وجدت سنه منزوعة إلا أن يكون ذلك في الجارية الرائعة وينقص ذلك من ثمنها. وفي الواضحة: السن الناقصة عيب في الرائعة في مقدم الفم أو مؤخره، وليست في الدنية ولا في العبد عيبًا إلا في مقدم الفم. فأنت تراه كيف لم يجعل السن الواحدة عيبًا في الذكر.
[ ٥ / ٤٣٢ ]
ابن حبيب: والسن الزائدة عيب في العبد والأمة رفيعين كانا أو وضيعين.
والوخش في الرقيق الخسيس مأخوذ من قولهم: وخشت الشيء أخشه وخشًا إذا خلطته، فكان الوخش لا يعرف لخساسته، إذ هو من أخلاط الرقيق، وأصله الحقير من كل شيء. والعلي: بفتح العين وكسر اللام مخففة وتشديد الياء صفة للجنس، أي: من الجنس العلي. الجوهري: وفلان من علية الناس وهو جمع عليٍّ، أي: شريف مثل صبي وصبية. وكذا ذكره عياض، قال: وقيل بكسر اللام وتشديدها، والأول أشهر.
وكالحمل فيهما، وقال أشهب: في العلي
حاصله: أنه اتفق على أن الحمل عيب في العلي، واختلف في الوخش. وما قدمه المصنف هو مذهب المدونة، قال: وقاله لنا مالك حين خالفنا ابن كنانة في الوخش. ولابن القاسم ثالث: أنه عيب في الوخش إن اشترى جارية ودها لا إن اشتراها في جملة رقيق. ولابن حبيب رابع: أنه عيب لأهل الحاضرة دون البادية.
وفيها: كونها زلاء ليس بعيب، وقيد باليسير
الزلاء بالمد: الصغيرة الإليتين، ولابد من التقييد باليسير، ولهذا قال في المدونة: إلا أن تكون ناقصة الخلق. وروى أشهب: الصغيرة القبل ليس بعيب إلا أن يتفاحش.
والشيب الكثير في العلي عيب، وفي القليل فيه والكثير في غيره قولان
أي: لا خلاف في الكثير أنه عيب في العلي، ولا في اليسير أنه ليس بعيب في الوخش، واختلف في القيل في العلي، فظاهر المدونة أنه عيب.
وقال ابن عبد الحكم: ليس بعيب. وكذلك في الواضحة عن مالك. وجوز الباجي أن يكون تقييدًا للمدونة.
[ ٥ / ٤٣٣ ]
وأما الكثير في غير العلي، فظاهر المدونة أنه ليس بعيب، قال فيها: ولا يرد به غير الرائعة إلا أن يكون عيبًا ينقص من ثمنها. وقيل: إن كان الشيب لا إن قل، إلا أن يكون بائعها قد علم بذلك فكتمه على تعمد، فيرد وإن كان قليلًا. ابن المواز: وذلك كله في الشابة.
والاستحاضة فيها عيب
أي: في العلي والوخش، وهذا ظاهر المذهب وهو الصواب، لأنه يضعف الجسم.
وعن ابن القاسم: يسال عن الدنية، فإن كان عيبًا ينقص من الثمن ردت به. قال: وهذا إذا ثبت استحاضتها عند البائع. وأما الموضوعة للاستبراء تحيض حيضة لا شك فيها، ثم تستمر مستحاضة فمن المشتري ولا ترد، وقاله أشهب، أي: لاحتمال أن يكون حدث بها. قال في الموازية: والاستحاضة التي ترد بها شهران.
وارتفاع [٤٧٠/ب] الحيض عيب في ذات سنه، قاله في المدونة. وعلله اللخمي: بأن ذلك صلاح لأجساد النساء، وهو يشمل العلي والوخش. وفي العلي وجه آخر وهو: منع الوطء. وأفتى ابن عتاب: بأنه عيب في الوخش. وعن ابن القاسم: أنه عيب في العلي فقط. قال في المدونة: وإن تأخر حيضها، قال في الأمهات: شهرين أو ثلاثة فذلك عيب، ولأشهب أنها لا ترد إلا فيما زاد على ثلاثة أشهر.
ولسحنون وغيره: أنها ترد بخمسة وأربعين يومًا. مالك: وللبائع أيضًا أن يفسخ البيع لأجل نفقته.
والبول في الفرش في الوقت المستنكر عيب
أي: في الذكور والإناث، قاله ابن حبيب عمن كاشف من أصحاب مالك. ومراده بالوقت المستنكر: الزمان الذي لا يبول فيه الصغير غالبًا، قال معناه ابن حبيب.
[ ٥ / ٤٣٤ ]
واحترز من البول في زمن الصغر، فإنه لا يستنكر فليس بعيب. ابن حبيب: ولا يثبت أنه عيب حتى يقيم المبتاع بينة أنها كانت تبول عند البائع، لأنه مما يحدث في ليلة وأكثر، فإن لم تكن بينة حلف البائع على علمه، ولا يحلف بدعوى المبتاع حتى توضع بيد امرأة أو رجل له زوجة فيذكران ذلك، ويقبل قول المرأة والرجل عن زوجته في ذلك، ويجب اليمين على البائع، وليس بمعنى الشهادة. ولو جاء المشتري بقوم ينظرون مرقدها بالغد مبلولًا، فلابد من رجلين، لأنه بمعنى الشهادة، ثم يحلف البائع.
وفيها: التخنيث في العبد، والفحولة في الأمة إن اشتهرت عيب، فقيل: التشبيه فيهما، وقيل: الفعل
التفسير الأول لابن أبي زيد، فقال: تشبيه الذكر بالأنثى بتكسير المعاطف، وتشبيه الأنثى بالذكر بفحولة الكلام.
والثاني لصاحب النكت، فقال، قوله: إذا وجد العبد مخنثًا- أي: يؤتى- والمرأة مذكرة- أي: فحلة كشرار النساء- فإذا اشتهرت بذلك فهو عيب.
وهكذا وقع لمالك في الواضحة، وصرح في الواضحة بأن التشبيه ليس بعيب. وجعل عبد الحق الواضحة مفسرة للمدونة، وهي على تفسير ابن أبي زيد خلاف.
واحتج أبو عمران للأول بأنه لو أراد الفعل لكان عيبًا ولو مرة واحدة، ولكان لا يحتاج إلى قيد الاشتهار في الأمة. أبو عمران: وإنما خص بهذا القيد الأمة ولم يجعل الرجل مشاركًا لها فيه، لأن التخنيث في العبد يضعفه عن العمل وينقص نشاطه، والتذكير في الأمة لا يمنع جميع الخصال التي في النساء ولا ينقصها ذلك، فإذا اشتهرت بذلك كان عيبًا، لأنها ملعونة في الحديث. وجعل في الواضحة هذا الاشتهار عائدًا على الأمة والعبد.
عياض: ورأيت بعض مختصري المدونة اختصرها على ذلك.
[ ٥ / ٤٣٥ ]
خليل: وينبغي أن يقيد كلام عبد الحق وما في الواضحة بالوخش، وأما الجارية المرتفعة فالتشبه فيها عيب، إذ المراد منها التأنيث، وقاله عياض.
والزعر عيب
الجوهري: الزعر: قلة الشعر. ونص المسألة في المدونة فيمن اشترى أمة فوجدها زعراء العانة فهو عيب. ابن سحنون: لأن الشعر يشد الفرج فإن لم يكن شعر استرخى الفرج. قال في الموازية: وكذلك إذا لم ينبت في غير العانة فهو عيب. ابن حبيب: وهو مما تتقى عاقبته من الداء السوء. وقال سحنون: ليس هو في غير العانة عيبًا.
وحمل بعضهم الأول على أنه تفسير للمدونة. بعض الموثقين: والذكر والأنثى فيه سواء.
والثيوبة ليست بعيب إلا فيمن لا يفتض مثلها
أي: إذا وجدها ثيبًا وهي في سن من توطأ، فقال سحنون في العتبية: ليس ذلك بعيب، كانت من أعلا الرقيق أو وخشه. وقال في البيان: لأنها محمولة حينئذ على أنها قد وطئت، وإن كانت في سن من لا توطأ فوجدها مفتضة فذلك عيب، لأنها محمولة في هذا السن على عدم الوطء.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق في ذلك بين الرائعة والوخش، وليس بظاهر، فإن الذي في المتيطية وغيرها ونص عليه ابن القاسم وسحنون: أن ذلك عيب في الرائعة فقط.
قال في البيان: لأن وطء الوخش لا ينقص من الثمن، إلا أن يشتريها على أنها غير مفتضة بشرط. قال: وهذا قائم من المدونة.
والعسر عيب
العسر: بفتح العين المهملة وفتح السين.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
الجوهري: وهو الذي يعمل بيساره.
ابن حبيب: هو عيب في العبد والأمة رفيعين أو وضيعين.
ابن المواز: كالعثار في الدابة.
والأضبط ليس بعيب
الجوهري: الأضبط هو الذي يعمل بكلتا يديه، تقول: منه ضبط الرجل يضبط والأنثى ضبطت. قال في موضع آخر: وأما الذي يعمل بكلتا يديه فهو أعسر يسرًا ولا يقال: أعسر أيسر. وكان عمر بن الخطاب أعسر يسرًا.
ابن حبيب: وليس بعيب إذا كانت اليمنى في قوتها والبطش بها، فإن نقصت فهو عيب.
والزنى، وشرب الخمر، والبخر عيب
قوله: (عيب) أي: مطلقًا في العلي والوخش. المتيطي: وسواء كان البخار في فم أو فرج. قال غيره: وهو في الفرج عيب في الرائعة فقط. وفي الموازية: في الأمة توطأ غصبًا أن ذلك عيب.
والوالدان والولد عيب، والإخوة والأجداد ليس بعيب
أي: أن أحد الوالدين عيب وأحرى اجتماعهما، والولد عيب صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًا أو رقيقًا، لأن وجود أحدهم مما يشغله عن خدمة سيده، وإنما لم تكن الإخوة والأخوات والأجداد عيبًا، لعدم الميل لهم كما فيمن تقدم.
المتيطي: وانفرد [٤٧١/أ] ابن العطار فرأى الأخ عيبًا. ونقل صاحب الجواهر، وابن راشد عن بعض أصحابنا المتأخرين أنه ألحق الجدة للأم بالوالدة دون الجدة للأب.
[ ٥ / ٤٣٧ ]
وجذام الأب عيب، بخلاف مس الجان
مراده بـ (الأب) الجنس فيدخل الجد، وصرح به في الموازية والعتبية والواضحة. ولفظ الواضحة: وإن كان أحد أبويهما أو جديهما مجذومًا فهو عيب في الجارية والعبد، والعلي والوخش، وهذا هو المشهور.
وقال ابن كنانة: ليس بعيب. ورواه داود بن جعفر عن مالك. وقال ابن دينار: لا يرد به إلا أن يقول أهل العلم: إنه مرض يعم الأقارب حتى لا يخطئ أحدًا منهم فيرد، وإن كان ربما أصاب أو لم يصب فلا يرد به. وأما مس الجان فظاهر، إذ لا يخشى منه ما يخشى من الجذام.
وفي سواد الأب في العلي قولان
مراده بـ (الأب) أيضًا الجنس، فيدخل الجد. ففي الموازية والعتبية: أنه ليس بعيب. وفي الواضحة: هو عيب لما يخاف من خروج ولدها أسود. والأولى لو قال: الرائعة كما في الرواية، لأن العلي يصدق على الذكر.
وكونهما من زنى في العلي عيب، وفي الوحش قولان
الضمير عائد من الأمة والعبد، والقول بأنه لا يرد في الوخش في الموازية، وبالرد لابن القاسم في المدونة وابن وهب. ولم يجعل صاحب البيان العلي محل اتفاق، بل جعل القول بالفرق ثالثًا.
ابن عبد السلام: وقيل في الوخش الفرق بين الذكر والأنثى هو ظاهر ما حكاه ابن حبيب عن مالك.
[ ٥ / ٤٣٨ ]
والقلف في الذكر والأنثى من المولودين، وطول الإقامة كذلك إلا الصغير
القلف: بفتح القاف واللام، الجوهري: رجل أقلف بيِّن القَلَفِ وهو الذي لم يختن. قال، ويقال: أغلف، بالعين المعجمة. واستعمل المصنف القلف في الذكر والأنثى، أي: أن متروك الختان ومتروكة الخفاض إذا ولدا في الإسلام أو في العجم ولكنهما طالت إقامتهما بين المسلمين كذلك، وأما إن لم تطل فليس بعيب لدخول المشتري على ذلك، بل نص ابن حبيب على أنه لو وجد المجلوبين مختتنين على أنه عيب، لما يخاف أن يكون أغار عليهما العدو أو أبق إليهم من رقيقنا، وقال به ابن القاسم. وروي عن ابن القاسم أيضًا أن ذلك ليس بعيب. قال في البيان: والأول أوضح في المعنى وأشبه في النظر.
واستثنى المصنف الصغير- كما ذكر ابن حبيب- لأنه لم يثبت ذلك فيه فلا يكون عيبًا، وكذلك لو كان والأمة نصرانيين، فإنهما لا يردان بترك الختان والخفاض، قاله ابن حبيب.
وقوله: (كذلك) أي: لكونهما من زنا، فيكون القلف عيبًا في العلي، وفي الوخش قولان. وذكر في البيان ثلاثة أقوال، أحدها: أنه يرد به الرفيع والوضيع من الغلمان والجواري، قاله ابن حبيب. الثاني: لا يرد بذلك إلا الرفيع منهما، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسي. الثالث: وهو الصحيح في القياس والنظر أنه لا يفرق في الختان بين رفيع ووضيع، بخلاف الجواري في الخفاض.
ولو قالت أنها مستولدة لم تحرم، ولكنه عيب يلزم المبتاع أن يبين إذا باع
يعني: لو اشترى أمة ثم قالت وهي بيد المبتاع أنها أم ولد للبائع، لم تحرم بذلك على المبتاع لأنها مدعية، وتتهم أيضًا على إرادة الرجوع إلى البائع، لكنه عيب يوجب لربه الرد على البائع، فإن رضي به ثم أراد بيعها لزمه البيان، لأن النفوس تكره الإقدام على مثل هذا.
[ ٥ / ٤٣٩ ]
قال في البيان: وكذلك له أن يردها إذا قالت ذلك في عهدة الثلاث أو الاستبراء، لقول مالك: إن ذلك عيب يجب عليه البيان إذا باعها، لأن ما حدث من العيوب في العهدة والاستبراء ضمانه من البائع. وبذلك أفتى ابن لبابة، وابن مزين، وعبد الله بن يحيي ونظراؤهم، ووقع ذلك في أحكام ابن زياد، خلاف ما روى المدنيون عن مالك أن ذلك ليس بعيب، إذ لا يقبل ذلك منها. وقد روى داود بن جعفر عن مالك نحوه إذا سرق العبد في عهدة الثلاث رد به، وإن أقر على نفسه بالسرقة لم يرد، لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده، إذا كانت سرقته التي أقر بها إنما لا يجب القطع فيها. انتهى.
وفيها: في الصدع في الجدار وشبهه إن كان يخاف على الدار أن تنهدم رد به، وإلا فلا
نسبها للمدونة لإشكالها، لتفرقته في الدار بين العيب اليسير والكثير. والضمير في (شبهه) يحتمل أن يعود على الصدع أو على الجدار.
وظاهر قوله: (إن كان يخاف على الدار) أنه لو خيف على حائط لم يرد، وبه صر اللخمي.
عياض: وهو ظاهر الكتاب. بخلاف ما ذهب إليه عبد الحق، وابن سهل وغيرهما، وقالوا: إنه إن خشي هدم الحائط من الصدع الذي يه أنه يجب الرد. وقد قيل: إنما يرد لخوف هدم الحائط إذا كان ينقص الدار كثيرًا. عياض: وهو صحيح المعنى، أرأيت لو كان الحائط الذي هو واجهة البيت، إذ لا يمكن سكنى الدار إلا بعد إصلاحه. واستدل من لم ير له الرد بهدم الحائط: بأن الحائط لو استحق لم يكن له رد فكيف إذا كان به صدع.
وفرق الآخرون: بأنه في الاستحقاق لا ضرر عليه، لأنه يأخذ قيمته بخلافه هنا، فإنه يضطر إلى بنائه والنفقة فيه.
[ ٥ / ٤٤٠ ]
عياض: ولم يختلفوا فيما قطع منفعة من منافعها كتهوير بئرها، أو غور مائها، أو فساد مطهرة مرحاضها، أو تعفن قواعد بئرها، أو وجد ماء بئرها مالحًا ف البلاد [٤٧١/ب] التي ماء آبارها حلوٌ وشبه ذلك، أنه يجب به الرد.
وتممه محمد، فقال: لا يرد، ولكن يرجع بقيمته إن كان يسيرًا. وصوبه الأئمة، وقيل: كغيره
أي: وتمم ابن المواز ما في المدونة، فقال: ولكن يرجع بما نقص من الثمن. وعدوه وفاقًا لا خلافًا، وأيده بما في قسم المدونة: أن أحد الشريكين إذا اطلع على عيب في نصيبه رجع بقيمته. ومذهب المدونة بتتميم.
محمد: أنه يفرق بين الدور وغيرها، وهو المشهور المعمول به.
وقيد قوله: (يرجع بقيمته) بما إذا لم يكن يسيرًا جدًا، فقد قال عبد الحق: عيوب الدار ثلاثة أقسام قسم لا ترد به الدار ويرجع بقيمته ليسارته، يريد كالشرفات. وقسم ترد من أجله، كخشية سقوطها. وقسم لا ترد به ويرجع بقيمته، كصدع في حائط ونحوه.
وقوله: (وقيل: كغيره) أي: ترد باليسير في الدور كغيرها. وحكاه الباجي عن بعض الأندلسيين. وفي المسألة قول ثالث: أن العروض كالدور لا يجب الرد فيها باليسير.
قال في المقدمات: وعلى هذا كان الفقيه ابن رزق يحمل الروايات حيثما وقعت، ويقول: لا فرق بين الأصول وغيرها. ويؤيد تأويله ما رواه ابن زياد عن مالك: فيمن ابتاع ثوبًا فاطلع فيه على خرق يسير، لا يرد ويوضع قدر العيب، ونحوه في المختصر الكبير، وهو خلاف ظاهرها وخلاف تأويل الجمهور عليها. والفرق هو المشهور، وفرق له بوجوه:
أولها: أن الدور تراد للقنية غالبًا، والسلعة للتجارة.
ثانيها: أن الدور لا تنفك عن عيب، فلو ردت باليسير لأضر بالبائع.
[ ٥ / ٤٤١ ]
ثالثها: أن عيوب الدار لا يحاط بها.
رابعها لابن يونس: أن الدور ليست لها أسوا فيضر بالمشتري ردها، إذ قد لا يجد ما يشتري، والبائع إذ قد لا يجد من يشتري.
خامسها: أن الدار كالأجزاء، فعيب اليسير منها كاستحقاقه فيرجع بنسبته.
سادسها: أن الدور مأمونة والعيب لا يفوت عينها، لأنها وإن انهدمت تبقى قاعتها ونقضها.
سابعها: أن عيب الدار يصلح ويزول بحيث لا يبقى منه شيء، وصوبه ابن محرز.
واختلف في حد اليسير: فمنهم من رد ذلك إلى العادة وهو الأصل. وقال ابن أبي زيد: ما ينقص معظم الثمن فهو كثير. ولاشك أن هذا كثير، ولكنه إن عني أنه لا يرد بما دون ذلك- وهو ظاهر ما فهموه عنه- فضعيف، لأن النصف ليس بمعظم الثمن.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما نقص عن الثلث وأما الثلث فكثير. وسئل ابن عتاب عن ربع الثمن، فقال: كثير. وقال ابن القطان: المثقالان يسير والعشرة كثير. ولم يبين من كم. وقال ابن رشد: والعشرة من المائة كثير. ولعل قوله تفسير لابن القطان.
والنقص الذي لا يطلع عليه إلا بتغيره كسوس الخشب بعد شقه لا يرد به على المشهور ولا قيمة، قال مالك: لأنه أمر دخلًا عليه
أي: إذا بيع شيء وفي باطنه عيب يجهله المتبايعان لا يطلع عليه إلا بعد الشق كالخشب، فلا قيام للمشتري به ولا شيء له على البائع. وعلله في الموازية، فقال: وهو أمر ثابت في هذه الأشياء معروف، يشتري عليه المشتري ويبيع عليه البائع وإليه أشار بقوله: (لأنه أمر دخلا عليه).
[ ٥ / ٤٤٢ ]
ومقابل المشهور رواه المدنيون عن مالك أنه يرد به كسائر العيوب، وذكرها ابن شاس وغيره. وفرق ابن حبيب فلم يثبت الخيار بما كان من أصله الخلقة وأثبته بما طرأ، كوضع الخشب في مكان ندي فيتعفن.
وحمله ابن يونس على الخلاف لمذهب المدونة، والمازري على الوفاق. وعن ابن الماجشون: أنه لا رد في اليسير بخلاف ما كثر، ولو شرط البائع البراءة منه لم يجز، لأنه خطر.
وأما الجوز والتين وشبهه، فقيل: مثله، وقيل: إن أمكن اختياره بكسر الجوزتين رد له
(وشبهه) الفقوس، والخيار، والبطيخ. وقوله: (مثله) يحتمل أن يكون للتشبيه في المشهور فقط، فإن المشهور فيه نفي الرد بما يظهر من أمر البطيخ ونحوه. نص عليه في المدونة. ويحتمل التشبيه في دخول القولين وهما أيضًا فيه. وقوله: (وقيل) هو في الموازية، يعني: أنه إن كان مما يمكن اختباره والاطلاع عليه حال العقد كالقثاءة والقثاءتين.
أشهب: بإدخال العود الرقيق فيها. وكالجوزة والجوزتين مما يتحيل عليه بشيء فيعرف حالهما قبل الكسر، فله الرد به. قال: وأما الأحمال الكثيرة فلا رد إلا أن يكون كله فاسدًا أو أكثره فيرد، إذ لا يخفي على البائع. قال: وأما اليسير من الكثير فلا يرد ويلزمه البيع.
ولم ينقل المصنف هذا القول بكماله وذكر الاختيار بالكسر، وفي الرواية: إنما هو بالتحيل قبل الكسر.
ابن عبد السلام: وما في الموازية أظهر عندي. وعن ابن الماجشون وأصبغ، أنهما قالا بإثر قول مالك: هذا في اليسير منه، فأما الكثير فيرد، ولو شرط البائع البراءة منه لم يجز. وهذا كأنه عكس ما في الموازية، هكذا فهمه بعض الشيوخ. وعندي أن معنى قولهما:
[ ٥ / ٤٤٣ ]
أنه إذا اشترى كثيرًا، أو ماله قدر فوجد منه الجوزة والجوزتين، فإنه لا قيام له بذلك، إذ لا يكاد يسلم منه، وعلى هذا لا يكون عكس ما في الموازية، ولأجل ذلك قال صاحب هذا القول: وهذا في معنى قول مالك، أي: غير خارج عنه.
خليل: وانظر إذا بنينا على المشهور من نفي الرد فاشترط المشتري أنه إن وجده مُرًا رده، وكذلك إذا اشترط الرد في [٤٧٢/أ] البطيخ إن وجده غير حلو، هل يوفى له بهذا الشرط أو لا؟ والأظهر أنه يوفى له بذلك، لأن الأصل إعمال الشروط ما لم يعارض ذلك كتاب أو سنة.
ونص في المدونة على أن البيض يرد لفساده ويرجع بالثمن. قال: لأنه مما يعلم ويظهر فساده قبل كسره، أي: إذا كان مدلسًا.
قال في الموازية: وإن كان غير مدلس وكسر المشتري البيض وأتلفه، فإنه يرجع بما بين القيمتين إن كانت له قيمة يوم باعه بعد الكسر، وإلا رجع بالثمن كله. ابن القاسم: وهذا إذا كسره بحضرة البائع، وإن كان بعد أيام لم يرد به، لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو المبتاع، وقاله مالك.
والتغرير الفعلي كالشرطي وهو فعل يظن منه كمال كتلطيخ الثوب بالمداد
يريد بالتغرير الفعلي: أن يفعل البائع في المبيع فعلًا يستر به عيبه فيظهر في صورة السالم وليس كذلك، كصبغ الثوب القديم فيوهم جدته، وكتلطيخ ثوب العبد بالمداد فيظن أنه كاتب ولا يوجد ذلك. وقوله: (كالشرطي) أي: الذي اشترطت سلامته لفظًا.
وأصله التصرية، فإنها كاشتراط غزارة اللبن
أي: وأصل اعتبار هذا السبب والرد به، ما صح من حديث التصرية، أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر».
[ ٥ / ٤٤٤ ]
والتصرية: جمع اللبن في الضرع يومًا أو يومين حتى يعظم ثديها، ليوهم مشتريها أنها تحلب كل يوم مثل ذلك. وهذا معنى قوله: (فإنها كاشتراط غزارة اللبن) أي: فيوجب الخيار لفقدها.
فلو ظن من غير تغرير لم ترد به ما لم تكن ذات لبن مقصودة له وكتمه مع علمه، وقال أشهب: وإن لم تكن ذات لبن، وقال محمد: إن زاد كذلك
أي: فلو ظن المشتري غزارة البن مع عدم تغرير البائع، كما لو كان الضرع لحمًا، فلا رد له إلا بثلاثة شروط: أن تكون ذات لبن، وعبر عنه في المدونة بأن يكون اشتراها في إبان الحلاب. وأن يكون مقصوده الحلاب، وهو كقوله في المدونة: أن تكون الرغبة فيها إنما هي اللبن. وأن يكون البائع قد علم قدر حلابها وكتمه عن المبتاع.
وقوله: (مع علمه) زيادة إيضاح، لأن الكتم لا يكون إلا مع العلم. وقال أشهب: للمبتاع ردها وإن لم يكن في إبان الحلاب، سواء علم البائع أم لا، لأنه عيب، والعلم إنما يظهره أثره في التدليس لا في مطلق الرد.
ونصه عند ابن يونس، وقال أشهب: إذا كان البائع يعرف حلابها، فللمبتاع ردها حلبت أو لم تحلب، إلا إذا كانت شاة لبن. وقال ابن المواز: أرى أن ينظر في ثمنها، فإن كان في كثرته ما يعلم أن ذلك لا لشحمها ولحمها ولا لرغبة في نتاج مثلها، وظهر أن الغالب من ذلك إنما هو اللبن، فليردها إذا كتمه البائع وثبت ذلك.
وجعل اللخمي محل الخلاف بين المذهب، وبين قول أشهب، وقول محمد إذا كان البيع في غير إبان الحلاب، وأنه يتفق على الرد إذا كان في إبانه.
وهذه المسألة ليست من التصرية، وإنما هي عندهم من الرد بالعيب، ولهذا قال يحيي بن عمر: اللبن هنا للمشتري ولا صاع عليه إذا رد لضمانه، بخلاف المصراة.
[ ٥ / ٤٤٥ ]
فإن حلبها ثالثة، ففيها: إن كان ما تقدم اختبارًا فهو رضا، وقال مالك: له ذلك
الضمير في (حلبها) عائد على المصراة، قال فيها: فإن حلبها ثالثة، فإن جاء من ذلك ما يعلم أنه إنما حلبها بعد أن تقدم له من حلابها ما فيه خبرة، فلا رد له ويعد حلابها بعد الاختبار رضا بها، ولا حجة عليه في الثانية، إذ بها يختبر الناس ذلك ولا يعرف بالأولى. وقد علمت أن الضمير في: (فهو رضا) عائد على الحلاب الثالث.
وقوله: (وقال مالك) هو في الموازية: له أن يحلبها ثالثة ولا يعد ذلك رضا وجعل المصنف هذا خلافًا للمدونة كاللخمي.
وقال عيسى بن دينار: إذا حلبها الثانية فنقص لبنها وظن أن ذلك من إنكار الموضع أو نحو هذا، ثم حلبها الثالثة فتبين له أنها مصراة فأراد رده، فيحلف بالله ما كان ذلك منه رضا. وقال محمد: إذا حلبها ثالثة فذلك رضا. ابن يونس: وقول محمد هذا، وقول عيسى راجعان لما في المدونة.
واختار اللخمي ما في الموازية، لما رواه البخاري، ومسلم، والترمذي وصححه، أنه ﵊ قال: «من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام». أما إن حلبها رابعة فهي رضا باتفاق، حكاه ابن راشد.
فإن ردها معها صاعًا من تمر ولو غلا، وقيل: من غالب قوت البلد
أي: فإن ردها بعيب التصرية رد معها صاعًا من تمر للحديث. قال في المدنة: ولا لأحد في هذا الحديث رأي. فقدم الخبر على القياس.
عياض: وهو مشهور مذهبه، خلاف ما يحكيه العراقيون عنه.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
وقدم في كتاب ابن عبد الحكم القياس، فقال: لا يرد معها شيئًا. ورواه أشهب في العتبية، وقال به ابن يونس. ولعل أشهب رأى أن حديث: (الخراج بالضمان) ناسخ له. وفيه نظر، لأن حديث: (الخراج بالضمان). عام، وحديث المصراة خاص ببعض ما اشتمل عليه الخراج بالضمان، والخاص يقضى به على العام.
وقوله: (ولو غلا) مبالغة. وهذا القول حكاه ابن يونس عن بعض الأصحاب. وقدمه المصنف لأنه ظاهر الحديث، وتبعًا لابن شاس، فإنه قال: ثم قدر الصاع معين، فلا يزاد عليه لكثرة [٤٧٢/ب] اللبن وغزارته، ولا ينقص منه لقلته ونزارته، ولا يلتفت إلى غلائه ورخصه، بل قال بعض المتأخرين: إ كانت قيمته تساوي قيمة الشاة أو تزيد، فظاهر المذهب أن عليه الإتيان به. ولكن مذهب المدونة هو الثاني، ففيها: وإن كان ذلك ببلد ليس عيشهم التمر أعطى الصاع من عيش ذلك البلد، وعيش أهل مصر الحنطة فليعطوا منها. وحملوا ذكر التمر في الحديث على أنه غالب قوت المدينة، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: «وصاعًا من طعام لا سمراء» فلم يذكر التمر بخصوصيته، وأخرج منه السمراء، لأنها ليست بطعام أهل الحجاز، وهو تنبيه على هذا المعنى أيضًا. فلو كلف التمر في كل بلد لزم أن يرد المشتري ما يساوي نصف قيمتها أو أكثر، وهو مانع من ردها الذي دل الحديث على ثبوته.
وروى زياد عن مالك: يرد مكيل ما حلب تمرًا أو قيمته. واستبعده في البيان لمخالفته الحديث.
تنبيه:
الرد بعيب التصرية مشروط بأن لا يعلم المشتري بذلك حين البيع وأما إن علم حين البيع أنها مصراة فلا مقال له، إلا أن يجدها قليلة اللبن دون المعتاد من مثلها.
[ ٥ / ٤٤٧ ]
ابن القاسم: ولو رد عين اللبن لم يصح ولو اتفقا، لأنه بيع الطعام قبل قبضه. وقال سحنون: إقالة
أي: لو أراد المشتري أن يرد المصراة وما حلبه منها لم يجز ذلك، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، فإن البائع وجب له صاع من طعام باعه قبل قبضه باللبن.
وقال سحنون: يجوز ذلك ويعد إقالة. وقاله ابن وضاح وقيده بما إذا لم يغب على اللبن، ذكره في البيان.
وحمل اللخمي المدونة: على أن الحلاب تأخر، أما لو كان بفور العقد رده بعينه ولا يلزم المشتري عوضه، لأن وجوب الصاع إنما كان مع التراضي لاختلاط ملك البائع بملك المشتري، لأن ما حدث في ضرعها بعد الشراء فهو للمشتري، وهذا منتف بفور العقد لتمحض ما في الضرع للبائع.
ورده المازري: بأن اللبن إذا حلب غيَّره الهواء، فكأنه هو الذي ليس في الضرع. ولا يصح أيضًا حمل المدونة على ما ذكره، لأنه قال فيها: لو تراضيا على رد اللبن بعينه لم يجز، ولو كان لأجل الاختلاط لكان الحق للمشتري، فإذا رضي جاز.
فإن تعددت، ففي الاكتفاء بصاع قولان
أي: فلو تعددت المصراة اثنان فأكثر، فهل يكتفي في الجميع بصاع وهو قول الأكثرين، أو لابد في كل واحدة من صاع وهو قول ابن الكاتب، واختاره اللخمي وابن يونس. واحتج أحمد بن خالد الأندلسي للأكثرين بأن غاية ما يفيده تعددها كثرة اللبن، وهذا لا يلتفت إليه، ألا ترى أن في لبن كل من الشاة والبقر والناقة صاعًا واحدًا.
وأجيب بأن هذه الألبان وإن اختلفت قدرًا فقد اختلفت في الطيب، فالأقل منها قدرًا أطيب، وإنما يلزم ما قاله ابن خالد لو اختلفت في القدر واستوت في الطيب. وفي
[ ٥ / ٤٤٨ ]
جامع البيوع من البيان قول ثالث، وهو: لا شيء عليه فيما احتلبه منها، بخلاف الشاة الواحدة، لقوله في الحديث: «من اشترى شاة مصراة».
فلو رد بعيب غيره، ففي الصاع قولان
أي: فلو رضي المشتري بعيب التصرية ثم اطلع على عيب آخر فرد به، فقال محمد: لا يرد الصاع لحلابها. واختاره التونسي. وعن أشهب: أنه يرد الصاع بناء على أنه لما رد بغير عيب التصرية كانت كأنها غير مصراة، أو يصدق عليه أنه رد مصراة.
وإذا اشترط البائع البراءة مما لم يعلم، فطريقان، الأولى ثالثها في الموطأ: تفيد في الحيوان مطلقًا. ورابعها في المدونة: تفيد في الرقيق خاصة. وخامسها: تفيد من السلطان. وسادسها: ومن الورثة لقضاء دين وشبهه
لما ذكر خيار النقيصة شرع في موانعه، وهي قسمان: مانع مطلقًا، ومانع على تقدير.
فالأول أربعة أنواع:
أولها: أن يشترط البائع البراءة من العيوب التي لا علم له بها. وذكر المصنف فيها طريقين، الأولى، المذهب على ستة أقوال:
الأول: أن شرط البراءة ينفع من كل بائع في كل مبيع، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب، وقيد بما عدا الحمل الخفي من الرائعة، إذ لا تصح البراءة منه لعظم الخطر. وقيدها الباجي والمازري أيضًا بما لا يشترط فيه التماثل، أما ما يشترط فيه كمد قمح بمد قمح، فلا يجوز اشتراط البراءة فيه، لما يؤدي إليه من التفاضل. قالا: وكذلك لا يجوز التبرؤ في عقد القرض، لأنه إذا أسلف عبدًا وتبرأ من عيوبه دخله سلف جر منفعة.
الثاني: أن البراءة لا تنفع مطلقًا، ذكره القاضي أبو محمد عن مالك، لأن البراءة توجب غررًا.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
الثالث: وقع في بعض روايات الموطأ، وفي الموازية، والواضحة أنها تنفع في الحيوان مطلقًا، ناطقًا أو غيره، ولا تصح في غيره.
الرابع، قال ابن عبد السلام: هو أشهر الأقاويل.
الباجي- وهو الظاهر من المذهب-: أنها تفيد في الرقيق فقط. ووجهه: أنه قد يكره بعض السادات ويرغب في بعض، فيظهر من العيوب ما ليس فيه ويكتم ما فيه، تحيلًا منه على انتقال الملك.
وتصور الخامس ظاهر، وهو مقيد بما باعه السلطان لغيره، وأما كان لنفسه فهو كسائر الناس.
وتصور السادس ظاهر، وشبه الدين الوصية.
وقد أقيمت من المدونة الستة الأقوال.
وزاد عياض:
سابعًا: [٤٧٣/أ] لابن القاسم في الموازية: أنها لا تنفع في الحيوان والثياب إلا في الشيء اليسير التافه غير المضر، وأما ما هو مضر فيرد به، ونحوه في العتبية.
وثامنًا: أنه لا يفيد إلا فيما طالت إقامته عند البائع واستغنى المصنف عن هذا بما سيذكره بقوله: فلو باع بحدثان ملكه، فالمشهور: لا يفيد.
وتاسعًا: أنها لا تنفع إلا من السلطان خاصة في البيع للدين، ونحوه في الرقيق خاصة، وهو نص الموازية
وعاشرًا لابن حبيب: إن كان البيع طوعًا فلا يفيد إلا في الرقيق خاصة، وأما ما باعه السلطان في فلس، أو موت، أو على الأصاغرة، فهو بيع براءة في الرقيق والحيوان والعروض وإن لم يشترط البراءة. وقاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ وغيرهم. وبهذا يظهر رجحان هذه الطريقة على الطريقة الثانية، لأن من حفظ مقدم.
[ ٥ / ٤٥٠ ]
الثانية: تفيد إن كان يسيرًا، أو من السلطان، وفي غيره قولان
هي لابن أبي زيد، وابن الكاتب، وابن محرز، قالوا: اتفق قول مالك على أن بيع السلطان بيع براءة، كان البيع يسيرًا أو كثيرًا، أو أن العيب اليسير تصح البراءة منه، كان البائع سلطانًا أو غيره.
ابن الكاتب: وإنما كان كذلك، لأنه حكم منه بالبيع. وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء، لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به. المازري: وفيه نظر، فإن السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وفاق، ولا قصد فيه إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة لينفذ حكمه، وإنما فعل ذلك لما أوجبه الشرع عليه.
ونسب للمغيرة أن اليسير الثلث فدونه، لكن لم أر له أن بيع السلطان بيع براءة.
قوله: (وفي غيره) أي: وفي غير ما ذكر، وهو الكثير من غير قول السلطان قولان.
فأما فيما علم فلا تفيد
أي: أن الأقوال المتقدمة في الطريقين إنما هي فيما لم يعلم البائع به، وأما ما علمه من العيوب فلا يفيد البراءة حينئذ اتفاقًا.
فلو باع بحدثان ملكه، فالمشهور: لا تفيد
قال في المدونة في التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامته عندهم، قال: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا لا تنفعهم البراءة. والشاذ لعبد الملك قياسًا على السلطان.
[ ٥ / ٤٥١ ]
وبيع السلطان على تفريع البراءة لا يحتاج إلى اشتراطها
يعني: حيث فرعنا على أن بيع السلطان بيع براءة، فالحكم يقتضيها ولا يحتاج في إثباتها إلى شرط. وظاهر كلامه: أن هذا مقصور على الحاكم، وحكى غيره هذا القول فزاد مع السلطان أهل الميراث، وزاد فيه أيضًا أن البراءة لا تنفع في غيرهما ولو اشترطت.
ولو ظن المشتري أنه غيره، فقولان: الخيار، واللزوم
أي: وإذا فرعنا على أن بيع الحاكم بيع براءة، فظن المشتري أن البائع غير القاضي، ففي المدونة: له الخيار بين أن يرد أو يحبس بلا عهدة. وقال ابن حبيب: يلزمه وإن لم يذكر متوليه أنه بيع ميراث أو فلس. وكأنه رأى أن بيع ذلك لا يخفى، فلا يقبل دعواه الجهل.
وإذا تبرأ من عيب لم ينفعه حتى يعلم بموضعه، وجنسه، ومقداره، وما في الدبرة من نقل وغيره، وكذلك لو أجمل كسرقة العبد أو إباقة، فيوجد ينقب، أو قد أبق من مصر إلى المدينة
لما تكلم على البراءة العامة في جميع العيوب أخذ يتكلم على البراءة من عيب معين، أو تقول: لما تكلم على البراءة مما لم يعلم تكلم فيما يعلم. ثم لا يخلو إما أن يتفاوت العيب في نفسه بالقلة والكثرة أو لا، فبراءة الثاني تسميته كقطع اليد مثلًا والعور. والأول لا ينفعه إلا بثلاثة شروط:
أولها: أن يقول هو به. ابن المواز: ولا ينفعه لو أفرده، فقال: أبيعك بالبراءة من كذا حتى يقول: إن ذلك به. ورأى ابن يونس العيب يبرأ إذا أفرده بالذكر، سواء قال ذلك العيب به أو لا.
ثانيها: أن يطلعه على ما يعلم من حاله بشهادة، أو خبر يقوم مقامها.
[ ٥ / ٤٥٢ ]
ثالثها: أن لا يحملها مع غيره، ففي المدونة وغيرها: وإن تبرأ إليه من عيوب بعضها فيه وبعضها ليست فيه لم تنفعه البراءة، وللمبتاع الرد بما اطلع عليه مما سمى له ولم يره إياه. وعلل ذلك بأنه لما ذكر له ما ليس فيه اعتقد المبتاع أن جميع ما ذكر كذلك، فكان بمنزلة من لم يتبرأ من عيب.
قوله: (حتى يعلم بموضعه) لأنه يغتفر بموضع دون آخر، (وجنسه) لأنه يختلف اختلافًا كثيرًا، ولو لم يبينه كان العقد فاسدًا، (ومقداره) لأن القدر يختلف. واختلف إذ باع ولم يبين قدره، فقال ابن القاسم عن مالك: البيع ثابت، فإن ظهر على الفاحش من ذلك فله الرد. وقال أشهب: يفسخ البيع، قاله في الدبرة، والكي، والقروح، والجراحات. وقول ابن القاسم أحب إلي، لأن أشهب وافق في مسالة الإباق أن البيع ثابت وله الرد.
وقوله: (وما في الدبرة من نقل). الجوهري: الدبرة بالتحريك واحدة الدبر والأدبار، مثل: شجرة وشجر وأشجار، يقول منه دبر بالكسر وأدبره القتب. قال: وبرئ الجرح، وفيه شيء من نقل بالتحريك أي فساد.
وعطف مسألة الدبرة على ما تقدم، والعطف يقتضي المغايرة، وكان ينبغي أن يجعلها مثالًا لما تقدم، لأنها راجعة إلى بيان القدر.
وإذا فات المبيع حسًا بتلف، أو حكمًا بعتق، أو استيلاد، أو كتابةـ، أو تدبير فاطلع على العيب الأرش، فيقوم سالمًا ومعيبًا، ويأخذ من الثمن نسبة ما بين القيمتين
[٤٧٣/ب] هذا هو المانع الثاني، وتصوره واضح. ومثال التقويم: لو كان العبد يساوي صحيحًا مائة ومعيبًا ثمانين، فيرجع عليه بخمس الثمن، لأن نسبة العشرين إلى المائة الخمس. فلو كان الثمن مائتين رجع عليه بأربعين، لأنه صار لكل عشرين من القيمة أربعون من الثمن. والأرش، قال ابن قتيبة وغيره: مأخوذ من قول العرب أرشت بين
[ ٥ / ٤٥٣ ]
الرجلين تأريشًا، إذا أغريت أحدهما على الآخر وأوقعت بينهما الخصومة. فسمى نقص السلعة أرشًا، لكونه سببًا للتأريش وهو الخصومة.
وإن كان بإجارة أو رهن، فقال ابن القاسم: إذا عاد إلى يده رده. وقال أشهب: إن خلصه عاجلًا
أي: فإن تعذر رد عين المبيع مع بقاء عين الملك فيه لتعلق حق آخر، كما لو أجرها أو رهنها ثم اطلع فيها على عيب وهي بيد المستأجر أو المرتهن، فقال ابن القاسم في المدونة: يبقى الأمر في العيب موقوفًا حتى يفتكها من الإجارة أو الرهن. فإن خرجت من الإجارة والرهن وهي على حالها ردها، وإن فاتت أو تغيرت حكم فيها بحسب ما يقتضيه المذهب في ذلك من القلة، والكثرة، والتوسط.
وقال أشهب أيضًا في المدونة: إن افتكه حين علم بالعيب فله رده، وإلا كان فوتًا فيرجع بالأرش.
ووقع في أكثر النسخ- وهي: نسخة ابن راشد، وابن عبد السلام-: فقال ابن القاسم: إذا عاد في نحو الشهر رده. واعترض ابن عبد السلام عليها من أجل أن ما ذكره عن ابن القاسم مخالف لما تقدم. وذكر الباجي عن ابن القاسم الفرق بين اليسير والكثير كما ذكره المصنف، لكنه لم يقيد بالشهر، وإنما قيده ابن حبيب، فقال: إن كل أجل ذلك قريبًا كالشهر ونحوه فليؤخر إلى انقضائه وهو على أمره، فإن بعد كالأشهر والسنة فهو كالفوت، ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكها معجلة.
أبو محمد: وهذا خلاف قولي ابن القاسم وأشهب.
فإن تعذر الرد لعقد آخر، فإن كان لغير معاوضة فالأرش
أي: كالهبة والصدقة، وهذا هو المشهور. وروى زياد عن مالك: أنه إذا تصدق به أو أعتقه أن ذلك فوت، ولا رجوع له بقيمة العيب، ولعله يقول مثل ذلك في الهبة. وعلى
[ ٥ / ٤٥٤ ]
المشهور، فقال سحنون، وعيسى في العتبية: يكون الأرش للمتصدق لا للمتصدق عليه. واختلف إذا وهبه لابن له صغير، فقال ابن حبيب: ذلك فوت. وقال ابن الكاتب: ليس بفوت، إذ له الإعتصار.
فإن كان بمعاوضة مع البائع بمثل الثمن الأول، فلا كلا م له
يعني: فإن اطلع المشتري على عيب في المبيع بعد أن أحدث فيه عقد معاوضة مع بائعه، فإن باعه بمثل الثمن الأول فلا كلام للمشتري على البائع، لأن ثمنه قد رجع إليه.
وإن كان بدونه استتم
كما لو اشتراه بمائة ثم باعه للبائع بثمانين ثم اطلع على العيب، فله أن يرجع بعشرين تمام الثمن الأول. وفي الرجوع إذا لم يكن البائع مدلسًا نظر، لإمكان أن يقال: إن المشتري إما أن يعلم بالعيب حين البيع أو لا، فإن علم فقد رضي، وإن لم يعلم فالنقص ما كان لأجل العيب وإنما كان بحوالة الأسواق. وهذه حجة ابن القاسم إذا باعه من أجنبي. وعلى هذا فلا يبعد أن يخرج في هذه المسالة الأقوال الآتية في البيع من أجنبي. والله أعلم.
وإن كان بأكثر، فإن كان مدلسًا فلا كلام له، وإن كان غير مدلس رد ثم رد عليه
أي: وإن كان المشتري قد باعه من بائعه بأكثر مما اشتراه به، فإن كان البائع أولًا مدلسًا فلا كلام له لأنه رضي. وإن كان غير مدلس رد علي المشتري، ثم للمشتري أن يتماسك أو يرد. مثاله: لو اشتراه بعشرة ثم باعه البائع بخمسة عشرة، فله أن يرد ويأخذ خمسة عشر.
[ ٥ / ٤٥٥ ]
وإن كان مع غير البائع ونقص، فثلاثة في الموطأ: يرجع بقيمة العيب، وروي: يرجع بالأقل من النقص وقيمة العيب إن كان نقص، وفيها: لا كلام له
أي: وإن كان العقد بمعاوضة مع غير البائع ونقص الثمن في هذه المعاوضة عما كان اشتراه، فثلاثة أقوال:
الأقوال: يرجع بقيمة العيب، قاله مالك في المختصر، واختاره محمد بن عبد الحكم وزعم أن هذا مذهب مالك في موطئه، لقوله فيه: إذا فات العبد بوجه من وجه الفوت فللمشتري الرجوع بقيمة العيب، قال محمد: والبيع فوت. قال في التلقين: وهذا هو الصحيح.
الثاني: رواه أشهب عن مالك: أنه يرجع بأقل الأمرين من نقص الثمن أو قيمة العيب، لأنه إن كانت قيمة العيب أقل فأخذها فلا مقال له، كما لو كان سليمًا. وإن كان الذي نقصه أقل فأخذه فلا مقال له، لأنه لو لم ينقص ثمنه لم يرجع بشيء، وهو قول أشهب، واختاره ابن حبيب، وروي أيضًا عن مالك. وقوله: (إن كان نقص) تكرار، لأن فرض المسألة مع النقص.
والقول الثالث في المدونة: لا يرجع بشيء إلا أن ترجع إليه السلعة فله ردها. واحتج بأن المشتري إن كان عالمًا بالعيب حال البيع فقد رضي، وإلا فالنقص إنما كان بحوالة السوق لا للعيب، واختاره ابن المواز، وقال: إلا أن يكون نقص من أجل العيب، مثل: أن يبيعه بالعيب وهو يظن أنه حدث عنده ولم يعلم أنه كان عند بائعه، أو يبيعه وكيل له ويظن [٤٧٤/أ] ذلك فيرجع عليه بالأقل، كقول أشهب.
وظاهر كلام ابن يونس: أن قول محمد تقييد لقول ابن القاسم، وبذلك صرح غيره ولم يذكر ابن الجلاب ذلك على أنه تقييد، بل قال: ولو باعه ثم ظهر بعد البيع على عيب لم
[ ٥ / ٤٥٦ ]
يرجع على البائع بشيء. وقيل: بيعه كموته وعتقه، ويرجع على البائع بأرشه. وقد قيل: إن كان قد نقص من ثمنه لأجل عيب وظن أن العيب حدث عنده، ثم علم أنه كان قديمًا عند بائعه، أن له أن يرجع بأرش العيب عليه.
وقيد المصنف المسألة بالنقص، لأن لو باع بمثل الثمن الأول فأكثر، فأحرى ألا مقال له على قول ابن القاسم، وكذلك لا مقال له على قول أشهب. وأما على ما نسب للموطأ فله قيمة العيب، لأنه جعل خروج المبيع من يد مشتريه بالبيع كخروجه بالهبة وشبهها.
فإن عاد إليه بالرد بالعيب، أو بملك مستأنف من بيع، أو هبة، أو إرث فله الرد. وقال أشهب في البيع: يخير في رده على البائع الأول أو رده على المشتري الثاني، فإن رده رده
أي: فإن عاد إلى البائع الثاني الذي هو مشتر أولًا، فإن رد عليه بعيب فله رده على البائع الأول، ولا يخالف أشهب في هذا الوجه. وأما إن رجع إليه بغير الرد بالعيب، بل بملك مستأنف من بيع، أو هبة، أو ميراث، فقال ابن القاسم في المدونة: له الرد بالعيب على البائع الأول.
وقال أشهب: إن رجع إليه ببيع خير بين ما قاله ابن القاسم وبين أن يرده على الذي اشتراه منه آخرًا، لأنه صار بائعًا، فإن رده على الأول أخذ منه الثمن الأول، وإن رده على المشتري الأخير أخذ منه الثمن، ثم يخير المشتري الأخير بين أن يتماسك به فيتم العمل، أو يرده على المشتري الأول، فإن رده عليه فله أن يرده على البائع الأول. وهذا معنى قوله: (فإن رده رده) أي: فإن رده المشتري الأول على المشتري الثاني رده المشتري الثاني على المشتري الأول إن شاء، ثم يرده على البائع الأول إن شاء.
وظاهر قول ابن القاسم في المدونة: أنه يرد على البائع، سواء قام عليه بالعيب قبل أن يرجع إليه المعيب أم لا.
[ ٥ / ٤٥٧ ]
وقال ابن حبيب: إن كان قام عليه قبل أن يرجع فحكم له بعدم الرجوع لخروجه من يده بمثل الثمن فأكثر فلا قيام له. أبو محمد: وهو بعيد من أصولهم. ابن يونس: لأنه إنما منع من القيام عليه لعلة وقد ارتفعت.
والسكوت من غير عذر والفعل الدال على الرضا كالقول
هذا هو المانع الثالث، وهو ظهور ما يدل على الرضا به من السكوت عن القيام به ولا مانع من خوف ونحوه، أو فعل دال على الرضا كما سيأتي.
وشبكه السكوت والفعل بالقول، لأنه أصرح منهما. وهذا لأن الرد بالعيب على الفور، ويبطل بالتأخير من غير عذر، إذ الأصل في البيع اللزوم، فإذا تمكن من الرد وتراخى عنه لزمه. قال في المدونة: إلا أن يكون كاليوم ونحوه بعد أن يحلف أنه ما كان منه رضا.
ابن عبد السلام: وما ذكره من أن السكوت يدل على الرضا هو ظاهر المذهب، وإن كان بعض الشيوخ يذكر اختلافًا في السكوت هل يتنزل منزلة النطق؟ والذي تدل عليه مسائل المذهب: أن: كل ما يدل على ما في نفس الإنسان من غير النطق، فإنه يقوم مقام النطق. نعم يقع الخلاف في المذهب في فروع، هل حصل فيها دلالة أم لا؟
فإن كان البائع غائبًا أشهد شاهدين، فإن عجز أعلم القاضي فتلوم ثم قضى عليه بعد أن يثبت العهدة
أي: فإن كان البائع حاضرًا معه في البلد رد عليه، وإن كان غائبًا أشهد شاهدين أنه لم يعجز يرض بالعيب، ورد عليه إن أمكن بأن تكون غيبته قريبة أو له وكيل حاضر. فإن عجز عن الرد لبعد الغيبة رفع إلى القاضي فيثبت عنده الشراء وصحته ملك البائع إلى حين البيع، وأنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته- أي: على حقه في العيب والاستحقاق- وليس مراده عهدة الثلاث أو السنة.
[ ٥ / ٤٥٨ ]
وهذا الشرط وقع في المدونة وقيده بما إذا لم يرد أن يحلف، لأن القول قول المشتري مع يمينه على في البراءة.
وفصل اللخمي، فقال: إن كانت العادة البيع على البراءة لم يحكم له بالرد إلا أن يثبت أنه ابتاع إلى العهدة، وإن كانت العادة العهدة أو لا عادة بواحد منهما، فهو على العهدة ويستظهر عليه باليمين.
ابن لبابة، وابن رشد وغيرهما: ويثبت يوم التبايع، لأن العيوب تقدم وتحدث.
وقوله: (فتلوم) أطلق في التلوم، وقيده في المدونة في كتاب العيوب بأن يكون بعيد الغيبة وطمع في قدومه.
ابن بطال: تلومًا يسيرًا. ولم يذكر في المدونة في باب التجارة لأرض الحرب وباب القسم تلومًا.
المتيطي: وحمل ذلك غير واحد من الشيوخ على الخلاف.
خليل: ولا يبعد على الوفاق، والذي اعتمد عليه أصحاب الوثائق التلوم. قال في المدونة: ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة.
واختلف الشيوخ إذ قالت البينة لا نعلم مكانه، هل يكون ذلك كشهادتهم ببعد الغيبة ويقضى عليه وهو قول ابن مالك القرطبي، أو ذلك بمنزلة الغيبة القريبة فلا يقضى عليه وهو قول ابن سهل؟ والأول أصوب، وهو الذي تدل عليه المدونة والمسائل، وساق مسائل تدل على ما ذكره [٤٧٤/ب] من أن مجهول الغيبة بمنزلة بعيدها. وما تقدم من أنه لابد من إثبات صحة الشراء كذلك هو في المدونة، وقيده بما إذا لم يرد أن يحلف. فضل: لأن وجوب اليمين في العهدة أكد منها في هذا، لأن البينة إذا شهدت بصحة العقد يكون وقوع الفساد بعيدًا بخلاف البراءة، لإمكان أن يكون أبرأه بعد. ويثبت أيضًا أنه نقد الثمن، وأنه كذا وكذا إن أراد أخذه، قاله في المدونة.
[ ٥ / ٤٥٩ ]
ابن رشد وغيره: إلا أن يكون قد مضى من المدة ما لو أنكر البائع القبض كان القول قوله مع يمينه أنه قد دفعه إليه، وذلك العام والعامان على ما ذهب إليه ابن حبيب، والعشرون عامًا ونحوها على ما ذهب إليه ابن القاسم.
ويثبت وجود العيب الذي يوجب الرد، وأنه أقدم من أمد التبايع، قالوا: ويحلف على أنه بيع صحيح وأنه لم يبرأ منه، وأنه ما اطلع عليه بعد البيع ورضيه، ولا استخدام العبد بعد اطلاعه على العيب.
وتصرف المضطر- كالمسافر على الدابة- ليس برضا، خلافًا لأشهب
لما قدم أن التصرفات الاختيارية تدل على الرضا تكلم على ما لا يدل على ذلك كالتصرف حال الاضطرار، ومثل ذلك بالمسافر يطلع على عيب في الدابة فيتمادى على ركوبها، وفي معناه الحمل عليها.
وقوله: (ليس برضا) هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في العتبية، وبه أخذ أصبغ وابن حبيب لأنه كالمكروه، قال في هذه الرواية: وليس عليه شيء في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكتري غيرها ويسوقها وليركب، فإن وصلت بحالها ردها، وإن عجفت ردها وما نقصها، أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب.
قال في البيان: ولا يجب عليه الرجوع بها إلا أن يكون قريبًا لا مؤنة عليه في الرجوع، ويستحب له أن يشهد أن ركوبه إياها ليس برضا منه بالعيب، فإن لم يفعل لم يضره ذلك، وقال أشهب في الموازية، ورواه عن مالك: أن حمله عليها رضا كالإقامة، وبه قال ابن عبد الحكم. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (خلافًا لأشهب).
ووقع في بعض النسخ بعد قوله: (ليس برضا)، (لأنه غلبة) وهو تعليل لا يحتاج إليه، لأن المضطر يغني عنه. ونقل في البيان عن ابن كنانة: إذا وجد العيب بالدابة في سفر
[ ٥ / ٤٦٠ ]
فليشهد عليه ويردها ولا يركبهرا في ردها، إلا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القريبة ليشهد. وعن ابن نافع: أنه لا يركبها ولا يحتمل عليها، إلا أن لا يجد من ركوبها والحمل عليها بدًا في السفر، فليشهد على ذلك ويركب أو يحمل إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها. يعني: حتى يجد حكمًا وبينة تشهد له بذلك الموضع بما يستوجب ردها، قال: فاعرف أنها ثلاثة أقوال. وعلى هذا فيتحصل فيها بقول أشهب أربعة أقوال.
وما لا ينقصه- كالدار- ليس برضا، لأنه غلة
أي: إذا اشترى دارًا فسكنها واطلع على عيب بها وبائعها غائب أو حاضر، فله التمادي على الكسنى من غير هدم.
المازري وغيره: ولا يلزمه إخلاؤها، بل يبقى على استعمالها وهو يخاصم، لأن ذلك غلة وخراج، والخراج بالضمان وضمانها منه. اللخمي: والغلة له حتى يحكم بالفسخ.
وقوله: (لأنه غلة) جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا يقول: فإذا لم يكن سكناه دليلًا على الرضا وهو قد سكن عالمًا بالعيب عازمًا على الرد، فينبغي أن يرد الكراء. فأجاب: أنها غلة والخراج بالضمان، وليس مراده تعليل تمادي السكنى بالغلة، لأن ذلك منقوض بالثوب والعبد ونحوهما.
ويحتمل أن تكون غلة موصوفًا حذفت صفته، والتقدير: أنه غلة غير منقصة، ودل على هذا المحذوف صدر المسألة وهو قوله: (وما لا ينقصه) وعلى هذا فتكون العلة في حصول الرضا الاستغلال المنقص.
بخلاف العبد والدابة على المشهور، فينزل عن الدابة ما لم يتعذر قودها
أي: أن الحكم في العبد والدابة ونحو ذلك كالثياب مخالف للدار، لأن العبد والدابة يغيرهما الاستعمال. ومراده في حق الحاضر، لجعله هذا قسيمًا للمسافر.
[ ٥ / ٤٦١ ]
والشاذ لابن حبيب: لا بأس أن يركب الدابة في مكانها بالمعروف إذا ألجأه البائع إلى الخصومة حتى يحكم له بردها، لأن عليه النفقة ومنه الضمان، وكذلك الجارية والعبد له أن يستخدمها بالمعروف. واتفق على أنه إن لبس الثوب أو وطأ الجارية أن ذلك رضًا، لأن اللبس ليس غلة وهو ينقص الثوب، والوطء لا يحل في أمة لا يختار إمساكها.
وقوله: (فينزل عن الدابة) تفريع على المشهور، وتبع المصنف في هذا ابن شاس، وهو مخالف لظاهر قوله في العتبية. وأما الحاضر فإن ركبها ركوب احتباس لها بعد أن علم بالعيب لزمه، وذلك رضًا. وأما إن ركبها ليرده وشبه ذلك، فلا شيء عليه.
وفي البيان: وأما الحاضر فليس له أن يركبها بعد وجود العيب ها إلا في ردها.
وفيما ذكره المصنف حرج، إذ نزول ذي الهيئة عن الدابة وقودها عليه من أعظم الحرج، والظاهر: أن له ركوبها إلى منزله، ويمكن حمل كلام المصنف عليه بأن يقال، قوله: (ما لم يتعذر قودها) معناه: سواء كان تعذر القود من جهتها أو من جهة المشتري، لأن المشتري إذا كان من ذوي الهيئات يتعذر عليه قودها.
وإذا زال العيب منع الرد، إلا فيما له علقة كالطلاق، واحتمال عود البول
هذا هو المانع الرابع، أي: إذا زال العيب قبل القيام به فلا رد له، لأن [٤٧٥/أ] العلة في تخيير المشتري في الرد وجود العيب، فإذا زال العيب على وجه تؤمن معه العودة فيزول التخيير. ثم استثنى ما له علقة كطلاق العبد، لبقاء التشوف بعد الطلاق للزوجة، وما لم تؤمن عودته كالبول في الفراش، وهكذا قال ابن القاسم. وقال أشهب: إن انقطع انقطاعًا بينًا كالسنين الكثيرة فليس بعيب، وإن كان اليسيرة فهو عيب.
وحمل اللخمي قول أشهب على الخلاف، وقال ابن محرز: إذا تحقق الانقطاع فابن القاسم يوافق أشهب، ورأى أن الخلاف بين ابن القاسم إنما هو للاختلاف في
[ ٥ / ٤٦٢ ]
الصورة. وقال الباجي: يحتمل أن يكون قول ابن القاسم وأشهب في ذلك واحدًا إذا انقطع عنها العشرة أعوام ونحوها. ولم يذكر المصنف في الطلاق خلافًا. وذكر فيه ابن رشد وفي الموت ثلاثة أقوال:
أحدها لمالك: أنه لا يذهب بذلك لاعتياده بالزوجة، وكذلك الأمة لاعتيادها بالزوج، والطلاق أشد لما يخشى من تعلق نفسه بها وتعلق نفسها به.
الثاني لابن حبيب، وأشهب: أن العيب يذهب بالموت دون الطلاق. ابن حبيب: إلا أن تكون الأمة رائعة، يعني: في الموت. ابن رشد: وهو أعدل الأقوال.
الثالث: أن العيب يذهب بالموت والطلاق، تأوله فضل على المدونة من قوله: إذا اشترى الأمة وهي في عدة من طلاق فلم يعلم بذلك حتى انقضت العدة، أنه لا رد له قال: وليس ببين، لاحتمال علمه بالزوجية دون العدة.
واختار التونسي أيضًا: أنه يرتفع بالموت والطلاق ليس من هذا الموضع، ولكن احتج عليه بأنه لو لم يكن كذلك لزم إذا وهبها لعبد يظأها ثم انتزعها أن عليه البيان. ابن رشد: ولعمري إن بينهما لفرقًا، لحق الزوجة في الوطء دون الأمة.
ابن عبد السلام: وهذا الفرق ليس ببين، لأن علة كون الزوجية عيبًا ليس هو وطء الزوج أو الزوجة، وإنما هو تأنس العبد والأمة بالوطء، وذلك لا يفترق فيه سيد من زوج.
وتغير المبيع اليسير كالعدم، والمخرج عن المقصد مفيت بالأرش، وما بينهما يخير المشتري في أخذ أرش القديم، وفي رده ودفع الحادث
لما تلكم على ما يمنع الرد مطلقًا شرع فيما يمنعه على وجه، وحاصله: أن العيب الحادث عند المشتري ثلاثة أقسام: إن كان يسيرًا، فلا أثر له ووجوده كعدمه، والحمل فيه على البائع أولى، لأنه إما مفرط بعدم بحثه عن المبيع فكان المدلس، وإما مدلس.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
واختلف في اليسير، فقيل: ما أثر نقصًا يسيرًا في الثمن- وإليه أشار في المدونة- وقيل: ما لا يؤثر فيه نقصًا أصلًا، وإليه ذهب الأبهري.
وإن كان كثيرًا يخرج المبيع بسببه عن المقصود، فيمنع من الرد، لأن ذهاب المنافع المقصودة منه تصيره كالعدم.
وإن كان متوسطًا خير المشتري كما ذكر، لأن البائع أدخله في أمرين عليه في كل منهما مشقة، فعليه في التزام المبيع مع كونه معيبًا تكرهه النفوس مشقة. وكذلك في إلزامه قيمة العيب الحادث إذا رد المبيع، كما لو اشتراه بمائة ثم اطلع على عيب كان فيه وحدث به آخر، فيقوم صحيحًا بمائة، ومعيبًا بالأول بثمانين وبالثاني بستين. فإما أن يرد ويعطي عشرين، أو يتماسك ويأخذ عشرين، فلو كان اشتراه بمائتين، لكان إما أن يرد أربعين أو يأخذ أربعين.
وبالجملة فاجعل القيمة كالميزان، ولا فرق على المشهور في العيب بين أن يكون بسبب المشتري أو من الله تعالى. وقال أبو الفرج: لا يرد لما حدث عنده إن كان حدث بأمر من الله تعالى، بخلاف ما حدث بسببه فيرد معه ما نقص. عياض: وهو خلاف أهل المذهب.
ما لم يقبله البائع بالحادث فيتعين على الأصح
يعني: أن تخيير المشتري بين ما ذكر مشروط بكون البائع أبا من قبول المبيع على حاله بلا أرش، فإن قبله البائع بالحادث من غير أرش ارتفع تخيير المشتري وتعين رد المعيب، إلا أن يتمسك به المشتري بغير أرش، هذا مذهب المدونة وهو الأصح، لأن العلة في تخيير المشتري إنما كانت لما يلزمه من الغرم للحادث، وقد ارتفع السبب وهو الغرم، فيرتفع مسببه وهو التخيير.
[ ٥ / ٤٦٤ ]
وقال ابن نافع، وعيسى بن دينار: التخيير باق للمشتري ولو ارتفع عنه الغرم عملًا بالاستصحاب، وهذا مقابل الأصح. وقال ابن كنانة: إن كان البائع مدلسًا فالتخير باق وإلا فلا. عياض: وهو جيد في الفقه.
هذا أصل المذهب، والمختلف فيه لتحققها
أي: ما ذكره من التقسيم هو الأصل في المذهب، وإن اختلف في شيء فإنما هو خلاف في تحقيق مناط، هل هو من هذا أو من هذا.
ففيها: الوعك، والرمد، والحمى من الأول. وروى أشهب: من الثالث
أي: من الأول. يريد: ولا شيء عليه. و(من الثالث) أي: يخير. وليس في المدونة الوعك. وتبع المصنف في نسبة الوعك للمدونة المازري وابن شاس، ولعلهما رأيا أنه في معنى الحمى. وألحق فيها الكي، والدماميل، والصداع، وذهاب الظفر. قال فيها: وأما زوال الأنملة ففي الوخش خاصة.
وحمل الباجي قول ابن القاسم في الحمى على الخفيفة دون ما أضعف ومنع التصرف.
واختار اللخمي أن يوقف في الرمد والحمى حتى ينظر مآل أمرهما، كقول ابن كنانة في مرض العبد الحادث عند المشتري: أنه يوقف حتى ينظر هل يصح أو يموت. وقال ابن القاسم: يرده إلا أن يكون مرضًا مخوفًا.
ابن عبد السلام: ولم أقف على ذكر [٤٧٥/ب] الرمد في رواية أشهب، وإنما نقل الباجي عنه الوعك والحمى ولم يذكر ذلك رواية، وإنما ذكره عن أشهب.
[ ٥ / ٤٦٥ ]
وفيها: العمى والشلل من الثالث. وقال ابن مسلمة: من الثاني
صرح المازري بمشهورية ما في المدونة، وقول ابن مسلمة أظهر، لأن العمى والشلل يبطلان المنفعة، وهذا هو تأويل الجمهور. وتأول عياض المدونة على الوفاق لقول ابن مسلمة، وقال: لا شك أن العمى فوت، وإنما ذكره أول الباب في العيوب المفسدة. خليل: وفيه بعد من جهة اللفظ، لكنه الظاهر من جهة المعنى.
وفيها: كبر الصغير من الثاني، وقيل: من الثالث
تصوره واضح، فرأى في المدونة أن كبر الصغير يصير نوعًا آخر، والقول الآخر لمالك في الموازية.
وعجف الدابة مثله، وهرم الرقيق مثله، وقيل من الأول
مقتضى كلامه أن المشهور في هرم الرقيق وعجف الدابة أنهما مفتيان، لأنه شبههما بكبر الصغير، وهو صحيح في الهرم، فإن المشهور- وهو مذهب المدونة- أنه فوت. وكذلك ذكر في الجواهر أيضًا في عجف الدابة، فقال: اختلف في عجف الدابة هرم العبد والأمة.
فالمشهور: أن ذلك من الضرب الثالث، ورآهما ابن مسلمة من الضرب الأول. والضرب الأول في كلامه هو الثاني في كلام المصنف، والأول في كلامه هو المفيت. وكذلك نص اللخمي على إلحاقه بالهرم، لكنه شرط فيه أن لا يرجى ذهابه، وفيه شيء، فقد قال أصبغ: لم يختلف قول مالك أن عجف الدابة مما يخير فيه المشتري.
وزاد المصنف في الهرم قولًا ثالثًا: بأنه من الأول، أي: فيرد ولا شيء عليه إن تمسك ولا شيء له. وهذا لم أقف عليه ولاحظ له في النظر. وكذلك قال ابن راشد: إنه لم يقف عليه.
[ ٥ / ٤٦٦ ]
فرع:
وما حد الهرم؟ ذرك أبو بكر الابهري عن مالك: أن ذلك إذا ضعف وذهبت قوته ومنفعته أو أكثرها. وقال عبد الوهاب: إذ هرم هرمًا لا منفعة فيه فإنه فوت.
الباجي: والصحيح عندي إذا ضعف عن منفعته المقصودة ولم يمكنه الإتيان بها، أن ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب.
ووطء الثيب من الأول، وقيل: من الثاني. وافتضاض البكر من الثالث
القول بان وطء الثيب من القسم الأول هو المشهور عن مالك وأصحابه، قاله المازري. والقول الثاني لابن وهب، وابن نافع، وأصبغ.
وأما وطء البكر: فهو عند مالك من الثالث. وقيده الباجي بالعلي، وأما الوخش فذلك لا ينقصها بل يزيدها. وهكذا نقل المازري عن بعض المتأخرين أنه قال: لا شيء عليه وطء الوخش.
وتزويج الأمة مشهورها من الثالث
أي: أن من اشترى أمة فزوجها ثم اطلع على عيب قديم، ففيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه من القسم الأول، فيرد ولا شيء عليه، أو يتمسك ولا شيء له. نقله المازري عن بعض المتأخرين، وأخذه أيضًا من قول ابن القاسم في العتبية: أنه إذا اشترى جارية ثم اطلع فيها على عيب بعد أن تزوجها وولدت، أنه إن اختار ردها بالعيب لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده. قال: إلا أن يقال: إنما قال ذلك لزيادة الولد، فيكون ولدها جبر عيب النكاح.
القول الثاني: أنه من المفيت. وهذا أجراه اللخمي على قول ابن مسلمة، فقال: وعلى قول ابن مسلمة في العبد إذا عمي أو ذهبت يده النكاح فوتًا ويرجع بقيمة العيب
[ ٥ / ٤٦٧ ]
ولا يرد، لأن النكاح يبطل الغرض منها إن كانت من جواري الوطء، وإن كانت من الوخش فمن أجل تردد الزوج إليها أو ترددها إليه، وإن شرط الزوج أن يتبوأ بيتًا فأبين.
والقول الثالث، وهو المشهور: أنه من القسم الثالث.
وفي جبره بولد قولان
يعني: إذا فرعنا على المشهور فولدت، فهل يجبر الولد عيب التزويج؟ قال ابن القاسم في المدونة: يجبره ويرد ولا شيء عليه. وقال مالك، وأشهب: لا يجبره. وأكثرهم يصوب قول مالك وأشهب، لأن قول ابن القاسم يشبه قول الشافعي: أو الود غلة. ورد ذلك اللخمي: بأنه لم يحكم بذلك، لأنه لا خلاف أن ولد الحرة من العبد حر، وولد الأمة من الحر عبد، وولد المعتق بعضها بمنزلتها، وولد المدبرة مدبر. ولو كان الولد غلة لبطل ذلك، وإنما رآه من باب: «لا ضرر ولا ضرار»، لأن الأم إذا عادت بالولد على مثل القيمة الأولى لم يكن عليه ضرر. وعلى الجبر، فالذي فهمه الأكثر وهو الصحيح: أنه إنما يجبر إذا كانت قيمة الولد تساوي قيمة عيب النكاح فأكثر، وأما إن كانت قيمة الولد أنقص، فلابد أن يرد مع الولد ما بقي. وفهم ابن المواز أن ابن القاسم يقول: إن الولد يجبر وإن كانت قيمته أنقص، وجعل ذلك سبب رجحان قول أشهب.
وحادث بيع التدليس إن كان من التدليس- كقطع يده من السرقة، وقتله من حرابة، وموته من حمى، أو كان سماويًا، أو بتصرف معتاد في مثله، وهو من الثالث فيهما- فهدر، وإلا فتخييره
يعني: أن من اشترى شيئًا رقيقًا أو غيره دلس له البائع بعيب فيه فحدث بسبب العيب في المبيع حادث، ومثله بثلاث صور، الأولى: أن يكون البائع دلس بعيب السرقة فسرق عند المشتري فقطعت يده. الثانية: أن يدلس بعيب الحرابة فيقتل بها. الثالثة: أن بالحمى فيموت بها.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
قوله: (أو كان سماويًا) اسم كان عائد على الحادث، أي: لم يحدث بسبب عيب التدليس، كما لو دلس بالإباق [٤٧٦/أ] فأبق فمات. وهذا مقيد بأن يكون الحادث في زمان عيب التدليس كما مثلنا. وما ذكره المصنف في السماوي: من أن المشتري يرجع بجميع الثمن، هو المشهور، لأن الإباق هو الذي حال بينه وبين منافعه.
وقال ابن دينار: يرج بأرش الإباق خاصة، بخلاف ما لو هلك بسبب الإباق، كما لو اقتحم نهرًا فهلك، أو تردى فهلك، أو دخل موضعًا فنهشته حية. ابن حبيب: وبالمشهور قال جميع أصحاب مالك.
قوله: (أو بتصرف معتاد) كما لو اشترى مقطعًا فقطعه قميصًا أو سراويلات، ولو قطعه قلانس لكان تصرفًا غير معتاد. وأطلق في التصرف المعتاد وهو مقيد بألا ينتفع به، وأما لو انتفع به، مثل: أن يشتري ثوبًا فيلبسه لبسًا ينقصه، فإنه يرد مع الثوب قيمة اللبس، لأنه صون به ماله. ولو اشترى أمة فافتضها، فالرواية أنها كاللبس. وقال ابن الكاتب: لا يلزمه قيمة الافتضاض كقطع الثوب.
قوله: (وهو) عائد على الحادث. وقوله: (فيهما) عائد على السماوي والتصرف المعتاد. وقوله: (فهدر) جواب للشرط، والجملة الشرطية جواب عن قوله: (وحادث بيع التدليس). والهدر: الذي لا شي فيه.
وحاصله: أن ما حصل بسبب التدليس لا يفصل فيه، وما حدث بسماوي أو بتصرف معتاد، فإن كان من الثالث فهدر، وإلا فكغير الحادث من التدليس، ويعمل فيه على ما تقدم.
وتبع المصنف في قوله: (وهو من الثالث) ابن شاس، وهو قيد ليس بظاهر، لأن السماوي سواء كان مفيتًا أو لا يرجع فيه بجميع الثمن على المشهور كما تقدم.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
وأما التصرف المعتاد: فإن لم يكن من الثالث بل من المفيت فليس بمعتاد. فالتقييد بالمعتاد يغني عن التقييد بكونه من الثالث. فإن قلت: هذا إنما يأتي إذا حملنا قوله: (أو كان سماويًا) على أن ذلك السماوي حدث في زمان الإباق كما ذكرنا. ولم لا حملت ذلك على ما إذا لم يكن في زمان الإباق. فالجواب: لا يصح حمله على ذلك، لأنه مخالف للمنقول، لأن في المدونة: وما حدث من غير سبب عيب التدليس فلا يرده إلا مع ما نقصه.
فروع:
الأول: لو ادعى المدلس أن المشتري علم بالعيب ورضيه، ففي المدونة: ليس له أن يحلف المبتاع إلا أن يدعي علم رضاه لمخبر أخبر، أو يقول: قد بينته له فرضيه. قال فيها: وكذلك إن قال له احلف أنك لم تر العيب عند الشراء، فلا يمين عليه حتى يدعي أنه أراه إياه فيحلفه.
ورأي أشهب: أنه ليس له أن يحلفه وإن ادعى علم رضاه لمخبر أخبره، لأنه قد يكذب ليتوصل إلى غرضه، وصوبه اللخمي.
ابن أبي زمنين: وعلى الأول فيحلف أولًا البائع لقد أخبره مخبر. بعض شيوخنا: ويزيد مخبر مصدق.
المازري: ولو ذكر المخبر وأحال على حاضر لاستغنى عن اليمين.
ابن يونس: وإن كان المخبر مسخوطًا.
الثاني: إذا أبق العبد عند المشتري بقرب الشراء، وقال المشتري للبائع: أخشى أنه لم يأبق بقرب البيع إلا وقد أبق عندك فاحلف لي. ففي المدونة: لا شيء عليه. وما جهل أمره، فهو على السلامة حتى يقوم ببينة.
اللخمي: والمسألة على ستة أوجه: إن قال: يمكن أن يكون سرق عندك أو أبق ولم يحصل ذلك عنده. أو يقول: أخبرت أنه سرق عندك أو أبق فاحلف أنه لم يثبت مثل ذلك عندك.
[ ٥ / ٤٧٠ ]
أو يقول: سرق عنيد أو أبق فاحلف أو أبق فاحلف أنه لم يحدث مثل ذلك عندك. أو يعلم أنه سرق عند المشتري أو أبق، فيقول: احلف أنه لم يكن مثل ذلك عندك. أو يقول: علمته أنه حدث مثل ذلك عندك فعليه اليمين في هذا القسم، لأنه اجتمع فيه الوجهان ثبوت السرقة أو الإباق، ودعوى العلم أنه فعل مثل ذلك عند البائع. ولا يمين في القسم الأول، ولا خلاف في هذين، واختلف فيما سوى ذلك.
الثالث: إذا أقر ببعض العيب وكتم بعضه، كما لو قال: أبق عندي شهرًا وكان قد أبق سنة وهلك في الإباق، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن هلك في المقدار الذي بينه فلا يكون كالمدلس، وإنما يرجع عليه بقيمة العيب، وإن هلك في المقدار الذي دلس به فيرجع بجميع الثمن، وكذلك إذا ذكر أقرب من المسافة التي أبق إليها.
ابن يونس: وقال غيره من أهل بلدنا، إذا قال: أبق عندي مرة وكان أبق مرتين، وأبق عند المشتري وهلك بسبب الإباق، فإنه يرجع بقدر ما كتمه، بخلاف التدليس بجميع الإباق. وقال غيره: إن بين له أكثر العيب الذي هلك بسببه، رجع المشتري بجميع الثمن.
فلو باعه المشتري فهلك بعيب التدليس، فقال ابن القاسم: يرجع الثالث على الأول بجميع الثمن، فإن زاد فللثاني، وإن نقص كمله الثاني
أي: فلو باع المشتري العبد الذي دلس به عليه البائع ولم يعلم بعيب التدليس وأبق عند المبتاع الثاني ومات، قال المازري، وابن شاس، والمصنف، فقال ابن القاسم: يأخذ الثالث الثمن من الأول، أعني: الذي كان أخذه من الثاني، فإن كان مساويًا للثمن الأول فلا إشكال، وإن كان أنقص منه كمله الثاني، وإن كان أكثر أخذ الثالث منه مقدار ثمنه وأخذ الثاني بقية ذلك. وصرح المازري، وابن شاس: بأن الثالث يأخذ جميع الثمن وإن زاد على ما دفعه الثالث للثاني.
[ ٥ / ٤٧١ ]
خليل: وفيه نظر، إذ ليس بوكيل للثاني على الزيادة وقد يبرئه منها.
ومن حجة المدلس أن يقول للثالث: معاملتي لم تكن معك ولو الثمن الذي [٤٧٦/ب] خرج من يدك لما كان لك علىَّ مقال فلا يكون لك غيره.
ووجه المازري هذا القول: بأن ابن القاسم قدر أنه وإن لم يدلس عليه من باشر البيع له فإن المدلس على من باع منه يقدر مدلسًا عليَّ فأنت سبب إتلاف الثمن علىَّ. وظاهر ما نقله المازري، وابن شاس، والمصنف: أن الثالث إنما يرجع ابتداء على الأول.
والذي نقله في الموازية من رواية أصبغ، ونقله ابن يونس وغيره: أنه إنما يرجع على الأول إذا كان الثاني عديمًا، وقاله سحنون وغيره. فلعل كلام المصنف والمازري مقيد بهذا، ولابن القاسم قولان.
وصرح المازري وابن شاس: بأنه إذا نقص عن ثمن الثاني أن الثاني يكمله. وهو خلاف ما في النوادر. وابن يونس عن ابن القاسم: أنه إذا أخذ من الأول الثمن فلم يكن فيه إلا أقل من الثمن الآخر، فليس له غيره ولا يرجع بتمامه على بائعه، إذا لم يدلس إلا أن يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثمن الثاني فليرجع على بائعه بتمام قيمة عيبه.
ابن عبد السلام: وإنما الذي يقرب من كلام المؤلف- وإن لم يكن هو- ما قاله سحنون: إذا أخذ الثمن من الأول في عدم الثاني فلم يكن فيه مثل رأس مال المشتري، فإنه يرجع على البائع الثاني بالأقل من تمام ثمنه أو قيمة العيب من ثمنه.
وقال أصبغ: يرجع على الأول بقيمة العيب ويأخذ الثاني بقية الثمن
يريد، وقال أصبغ: إذا كان الثاني عديمًا يؤخذ الثمن من الأول فيدفع إلى الثالث منه قيمة العيب التي يستحقها على الثاني لو انفرد به، وتسلم بقيته للأوسط. وهكذا نقل
[ ٥ / ٤٧٢ ]
المازري، وابن يونس، وابن شاس. وإلى دفع البقية للأوسط للأوسط أشار المصنف بقوله: (ويأخذ الثاني بقية الثمن).
ابن يونس: ووجهه أن الأول مدلس بعيب هلك العبد بسببه فوجب أن يرد الثمن على بائعه. أصله: لو أبق عند الثاني، وأما الثاني فلم يدلس في الثالث فلم يجب له إلا قيمة العيب من ثمنه، فإذا أخذه من بائعه الأول فلا كلام له. وليس هو قول أصبغ، وإنما رواه عن ابن القاسم. وهذا تقرير هذا المحل.
وما ذكره ابن راشد: أن مراد المصنف أن الثالث بعد أن يأخذ قيمة العيب من الأول يأخذ بقية الثمن من الثاني ليس بظاهر، ولعل ذلك لأن في نسخته: (بقية الثمن) والصواب: (بقية) كما ذكرنا.
وقال محمد: يرجع الثالث، إما على الثاني بالأرش فيكون على الأول للثاني الأقل مما غرم وكمال الثمن الأول. وإما على الأول بالأقل من الأرش وكمال الثمن الأول فلا يكون على الأول للثاني شيء
أي: يرجع الثالث على الثاني إن تأتي له الرجوع عليه بأرش عيب التدليس، ثم يكون على الأول لهذا الثاني الأقل من الأرش أو كماله ثمنه. مثاله: لو باعه الأول بمائة والثاني بمائة وعشرين، وكان الأرش خمسين، فيبقى بيد الثاني سبعون، فيرجع بثلاثين تمام مائته. ولو كان الأرش ثلاثين لرجع بعشرة تمام ثمنه، لأنه إن كان تمام الثمن الأقل فقصاراه أن يكون العبد هلك، ولو هلك عنده لما كان عليه إلا الثمن الذي أخذ منه، وإن كان ما غرمه أقل لم يرجع بغيره، لأنه لولا الغرم لما توجه له رجوع. وإن لم يتأتى للثالث على غريمه رجوع فيرجع على الأول، لأنه غريمه فيلزم أن يدفع له أقل الأمرين المذكورين، لأنه قصارى ما يلزم الأول للثاني.
[ ٥ / ٤٧٣ ]
وتحصيل هذا القول عند ابن يونس: أنه لا يغرم الأول للثالث إلا ما كان يرجع به على الثاني لو غرم الثاني للثالث قيمة العيب، وهو الأقل من قيمة العيب من ثمن الثالث أو من ثمن الثاني، أو تمام رأس مال الثاني. قال: وهو الذي أراد محمد.
خليل: وفي كون الثالث لا يرجع عليه إلا بأقل الأمرين نظر. والظاهر: أنه يرجع عليه بمجموع الثمن الذي أخذه لتدليسه. والله أعلم.
وإذا أحدثت زيادة كالصبغ أخذ الأرش أو رد وكان شريكًا بما زاد، لا بقيمته ولا بمساو، دلس أو لم يدلس
أي: أن من اشترى ثوبًا فصبغه فزادت به قيمته ثم اطلع على عيب، فإنه يكون مخيرًا بين أن يأخذ قيمة العيب ويتماسك بالثوب، أو يرده على بائعه ويكون شريكًا معه في الثوب بما زاده الصبغ، وسواء دلس البائع هنا أو لم يدلس.
مثاله: لو كانت قيمته بلا صبغ عشرة، وبالصبغ اثني عشر فيكون شريكًا بالمسدس.
واختلف الشيوخ هل تعتبر هذه الزيادة يوم البيع كما يعتبر النقص وهو اختبار ابن يونس، أو لا تعتبر إلا يوم الحكم وهو قول ابن المواز والقابسي.
وقوله: (كان شريكًا بما زاد) كذلك قال سحنون: فيمن ألقت الريح ثوبه في قصرية صباغ.
فرع:
فلو كان الصبغ منقصًا في مسألة البيع كان له ردها بغير غرم إن كان البائع مدلسًا، أو حبسها وأخذ الأرش، وإن كان غير مدلس كان كعيب حدث، وقد تقدم حكمه قاله في الجواهر.
والصبغ بكسر الصاد: هو ما يصبغ به وهو مراد المصنف، وأما بالفتح فهو المصدر.
[ ٥ / ٤٧٤ ]
وأشار بقوله: (لا بقيمته) إلى مخالفة هذا الاستحقاق، فإنه إذا اشترى ثوبًا فصبغه، ثم استحق من بيده فأبى البائع أن يعطي قيمة الصبغ وأبى المشتري أن يعطي قيمة الثوب، فالمشتري يكون شريكًا بقيمة الصبغ. وفرق بأنه في الاستحقاق أخذت من يده قهرًا فكان شريكًا بالقيمة، إذ قد لا يزيد الصبغ فيمضي [٤٧٧/أ] باطلًا، بخلاف العيب فإنه يخير فيه. وذكر المازري عن بعض الأشياخ: أنه جعل الرد بالعيب كالاستحقاق.
وقال أصبغ في العامل في القراض يصبغ الثوب من عنده فلم يعطه رب المال ما صبغه به، أنه يكون شريكًا بما أدى. وفرق بأن له حصة في السلعة وهو مأذون له في تنمية المال، فكأنه صبغه بإذن ربه. وقالوا فيمن دفع ثوبه إلى صباغ فأخطأ وصبغه بغير ما أمر به واعترف الصباغ بذلك: أن له أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبه، أو يضمنه قيمته يوم قبضه كالغاصب والسارق. وقالوا في الغاصب والسابق يصبغان الثوب: يخير ربه في إعطاء قيمة الصبغ أو يضمنها قيمة الثوب غير مصبوغ، ولا يكونان شريكين لتعديهما.
واعلم أن المصنف إنما نص على قوله: (دلس أو لم يدلس) تنبيهًا على أن التدليس لا فرق بينه وبين غيره هنا، وإن كان يفترق في مسائل أخرى.
قال جماعة: والمسائل التي يفترق فيها حكم المدلس من غيره خمس، الأولى: إذا صبغه صبغًا ينقص به، فإن كان البائع غير مدلس فذلك عيب حادث عند المشتري، فيخير إما أن يرد ويعطي أرش ما حدث عنده، أو يتماسك ويأخذ ارش القديم، وإن كان البائع مدلسًا لم يكن على المشتري للنقص شيء.
والثانية: أن يحصل عيب أو عطب من العيب الذي باعه به، مثل: أن يكون ابقًا فيأبق عند المشتري، أو سارقًا فيسرق وتقطع يده. فإن كان البائع مدلسًا كان ما أصابه عند المشتري منه، وإن لم يكن مدلسًا فالضمان في ذلك على المشتري.
[ ٥ / ٤٧٥ ]
والثالثة: أن يبيع الرجل سلعة وبها عيب، ثم يشتريها من المشتري بأكثر مما باعها به، فإن كان البائع مدلسًا لم يكن له رجوع على المبتاع، وإن كان غير مدلس رجع عليه بما زاده على الثمن.
والرابعة: إذا دلس بعيب في سلعة فردت عليه، لم يلزم السمسار أن يرد الجعل، بخلاف ما إذا لم يدلس.
والخامسة: من باع البراءة ما يجوز بيعه بالبراءة، فإنه يبرأ مما لم يعلم به، ولا يبرأ مما علم ودلس به. والله أعلم.
ويقوم القديم والحادث بتقويم المبيع يوم ضمنه المشتري
لما ذكر حكم النقص والزيادة تكلم في كيفية التقويم بهما وفي وقته.
وقوله: (بتقويم المبيع) أي: لا يقومان بانفرادهما، وإنما يقال: كم قيمة المبيع بالعيب القديم، وكم قيمته بالحادث. و(يوم ضمنه) معمول ليقوم، أي: يقوم بالعيبين إذا احتيج إلى قَيمتها معًا، وإلى قيمة القديم وحده يوم ضمن المشتري المبيع، لا يوم الحكم ولا يوم العقد، ولا يفصل فيقال: يقوم القديم يوم ضمان المشتري والحادث يوم الحكم، خلافًا لابن المعذل، وسيأتي.
فإن أمسك قوم صحيحًا والعيب القديم
أي: فإن اختار المشتري التمسك بالمبيع وأخذ قيمة القديم حيث يكون له التخيير، فإن المبيع يكفي فيه حينئذ تقويمان، يقوم صحيحًا، ثم معيبًا بالقديم. فمهما نقص أخذ نسبة النقص من الثمن.
الباجي: مثل أن تكون قيمتها سالمة عشرة وبالعيب ثمانية، فيعلم أن العيب خمس الثمن، فيرجع على البائع المشتري، فإن كان اشتراه بخمسة عشر رجع عليه بخمسها وهي ثلاثة.
[ ٥ / ٤٧٦ ]
وإن رد قوم ثالثًا بهما
أي: وإن اختار الرد قوم تقويمًا ثالثًا بالعيبين معًا- القديم والحادث- فما نقصته القيمة الثالثة عن القيمة الثانية حسب ذلك من القيمة الأول ورد المشتري على البائع تلك النسبة من الثمن. وهكذا قال الباجي، فإنه قال بعد الكلام الذي ذكرناه: فإن أراد الرد فإن القيمتين لابد منهما، فإذا تقدمتا جعلت قيمة السلعة بالعيب القديم أصلًا، ثم يقومها قيمة ثالثة بالعيبين القديم والحادث، فيرد من ثمن المبيع بقدر ذلك.
وذلك كما لو قيل في مسألتنا: إن قيمتها بالعيبين ستة. فيعلم أن العيب الحادث عند المشتري نقص من قيمة المبيع بعيبه الربع فيرجع من ثمنه بذلك، وقد علمنا أن الباقي بعد البيع الأول اثنا عشر فيرد مع العبد ربع ثمنه بالعيب القديم، وذلك ثلاثة. هذا معنى ما ذكره ابن القاسم في المدونة وغيرها. انتهى. وإن شئت قلت: يرد خمس الثمن.
ومثاله أيضًا: لو كان يساوي صحيحًا مائة، وبالعيب الأول ثمانين، وبالثاني ستين وكان الثمن مائتين، فإما أن يتمسك ويأخذ أربعين، وإما أن يرد ويعطي أربعين. وهكذا نص عليه ابن يونس، ومحمد، والمازري، وصاحب المقدمات.
فإن كانت زيادة قوم رابعًا بالجميع، وكان شريكًا بنسبة ما زاد عليها
كلام المصنف يقتضي أنه مع حدوث الزيادة لابد من أربع قيم، وفيه تفصيل، لأنه إن تمسك فلا يحتاج إلى تقويمين، يقوم صحيحًا، وبالعيب القديم ليرجع المشتري على البائع بما يقابله. ولم يتكلم المصنف على هذا لوضوحه، وإنما تكلم على الرد لأن قوله: (فإن حدثت زيادة) مفرع على قوله: (فإن رد قوم ثالثًا).
وما ذكره المصنف من الأربع قيم نحوه في المازري، فإنه قال بعد أن فرض أن الزيادة التي زادها المشتري خياطة، وإن كان العيب الذي حدث عند المشتري هو قطع الثوب،
[ ٥ / ٤٧٧ ]
أعني: إذا كان البائع غير مدلس أو كان مدلسًا لكنه قطعه غير القطع المعتاد كما قدمناه. ويقال: ما قيمة هذا الثوب لا عيب فيه؟ فإن قيل: وما قيمته وبه العيب الذي كان [٤٧٧/ب] عند البائع؟ فإن قيل: تسعون. قيل: وما قيمته مقطوعًا؟ قيل: ثمانون. قيل: وما قيمته مخيطًا؟ فإن قيل: تسعون. فقد علمت أن العشرة التي وجبت على المشتري لنقص القطع قد جبرها ما فعل من الخياطة، فلا يكون على المشتري قيمة نقص القطع. وإن قيل: قيمته مخيطًا خمسة وثمانون. فقد جبرت الخياطة نصف مقدار العيب، ويطالب بمقدار نصف عشر الثمن. وإن قيل: ثمنه مخيطًا خمسة وتسعون. فقد جبرت الخياطة قيمة النقص وزادت على ذلك خمسة دنانير وهي نصف العشر، فيكون المشتري شريكًا في الثوب بمقدار ذلك.
وقال ابن عبد السلام: فيما ذكره المصنف نظر. ولا احتياج على تقويمه صحيحًا، بل ذكر التقويم صحيحًا يوهم أن يكون البائع شريكًا بقيمته صحيحًا. ولا يصح لأنه إنما خرج من يده معيبًا، وكذلك أيضًا لا احتياج إلى تقويمه بالحادث، لأن الزيادة إنما تظهر بعد بجبره بالصنعة المزيدة. فلو شارك المشتري البائع بما زادته الصنعة على مجموع العيبين مع أن العيب الثاني إنما حدث في ملك المشتري، لكان في حيف على البائع. نعم يحتاج إلى ثلاث قيم إذا شك في الصبغ هل يجبر الحادث، أم لا؟ فالذي يوجبه النظر أن يقوم بالعيب القديم وحده، لأن ذلك هو الذي خرج من يد البائع، ثم يقوم بالصنعة الحادثة، فإن وقعت زيادة على ذلك في مثل تلك الزيادة تكون الشركة الواجبة للمشتري مع البائع.
خليل: وفيه نظر، لأنه لابد من تقويمه بالعيب الحادث ثم بالصنعة، ليعلم هل تلك الصنعة تجبر العيب الحادث أم لا، وقد سلم أنه يقوم بالعيب القديم، فهذه ثلاث تقويمات.
[ ٥ / ٤٧٨ ]
وقوله: نعم قد يحتاج إلى ثلاث قيم إذا شك. يقتضي أنه قد يستغنى عن بعض هذه الثلاث ولا يمكن ذلك، وحينئذ إنما ينتفي تقويمه صحيحًا.
وجوابه: أنه لا يعلم العيب القديم إلا بتقويمه صحيحًا، ولو كان كما قال، لزم فيما إذا لم يحدث زيادة ألا يقوم إذا أراد المشتري الرد إلا تقويمين، يقوم بالعيب القديم، إذا لم يحدث زيادة ألا يقوم إذا أراد المشتري الرد إلا تقويمين، يقوم بالعيب القديم، ثم بالحادث، ويرد نسبته لأنه لا احتياج إلى تقويمه صحيحًا، لأن السلعة لم تخرج من يد البائع إلا معيبة. ولا خفاء في عدم ذلك كما صرح به الباجي والمازري وغيرهما. والله أعلم.
وقيل: يقوم الحادث يوم الرد
هذا قول أحمد بن المعدل بناه على أن الرد بالعيب فسخ بيع.
وإذا تعدد البائع، جاز رد حصة أحدهما
يعني: إذا باع رجلان فأكثر سلعة أو سلعًا على الشركة فاطلع المشتري على عيب، فله أن يرد نصيب أحدهما دون الآخر، ولا مقال لمن رد عليه، لأن ملكه تبعض ابتداء.
وفي رد أحد المشتريين قولان
اختلف إذا تعدد المشتري واتحد البائع، هل لأحد المشتريين الرد دون الآخر قياسًا على تعدد البائع أو لا، لأن في التشقيص ضرر على البائع؟ ورجع مالك إلى الأول. ابن القاسم: وهو أبين، إذ لو فلس أحدهما لم يتبع إلا بنصف الثمن. وأخذ أشهب بالثاني، فقال: ليس لهما إلا أن يرد أو يحبسا. والقولان في المدونة. ومنشأ الخلاف: هل العقد يتعدد بتعدد المبتاع كما لو تعدد بتعدد البائع أو لا؟ وإذا فرعنا على الرواية التي اختارها أشهب ولم يرض البائع بتبعيض الصفقة، فقال ابن وهب: إذا أراد أحدهما الرد وأبى الآخر تقاوما، لأن البائع لا يقبله إلا كله. وقال ابن المواز: للمتمسك أخذ نصيب الرادَّ.
[ ٥ / ٤٧٩ ]
وحكى عبد الوهاب عن المذهب: إذا أبى أحد المتبايعين من الرد مع صاحبه لم يكن لصاحبه الرد، وكان له الرجوع بقيمة العيب.
الباجي: وهكذا يجب أن يكون الصحيح من المذهب مثل ما حكاه ابن القاسم عن مالك في الذي يشتري عبدًا فيبيع نصفه ثم يطلع على عيب فيريد الرد، فإنه يخير البائع إما أن يقبل النصف الباقي أو يدفع قيمة نصف العبد.
الباجي: وهذا مقتضى القياس. وعلى قول أشهب يحتمل أن يكون معنى قوله: إما أن يردا جميعًا أو يمسكا جميعًا، ولم يبين إذا رد أحدهما.
وإذا تعدد المبيع، فإن كان المعيب وجه الصفقة أو كأحد الخفين فكالمتحد
لما تكلم على تعدد البائع والمشتري تكلم على تعدد المبيع، أي: إذا وجد عيبًا في وجه الصفقة، أو بأحد الشيئين الذي لا يستغني أحدهما عن الآخر كأحد الخفين، وكذلك الأم مع ولدها، لأن الشرع منع من التفرقة بينهما فكالمتحد، فليس له إلا رد الجميع. ولهذا كان الصحيح فيمن استهلك أحد المزدوجين وجوب قيمتها.
واختلف فيمن استهلك سِفْرًا من ديوان أو سِفْرَين، فقال بعضهم: يرد السالم وما نقص. وظاهر كلام عبد الوهاب في شرح الرسالة عند ذكر النعلين: أنه يغرم الجميع.
وإلا فليس له رد المعيب بحصته يوم عقده
هذا ظاهر، ونص ابن المواز على أن وجه الصفقة ما زاد على النصف، وهو معنى ما في المدونة على ما نص عليه ابن يونس، وهذا إنما هو فيما عدا المثليات، وأما المثليات فلها حكم آخر سيأتي.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
فإن كان الثمن سلعة، فقيمة الحصة التي قابلت المردود لا جزءها على الأصح، لضرر الشركة
مثاله: لو اشترى ستة كتب بدار ثم اطلع على عيب في أحدها ورده، فإنه يرجع بنسبته من قيمة الدار لا في جزء الدار على الأصح. فلو [٤٧٨/أ] كانت الدار تساوي ستمائة وكل كتاب يساوي مائة فعلى الأصح يأخذ مائة، وهو مذهب المدونة والمشهور. وعلله المصنف بضرر الشركة، أي: على تقدير الرجوع في الدار. وعليه فهل تعتبر القيمة يوم البيع وهو ظاهر كلام المتقدمين، أو إنما تعتبر يوم الحكم وهو اختيار التونسي؟ ومعناه: إذا كانت قائمة يوم الحكم ولم تفت قبل ذلك، وعلى مقابله يرجع في سدس الدار وهو لأشهب في الموازية، وهو الأصل، ولاسيما إن كان المعيب النصف فإنه ينوبه من الثمن النصف، وليس تغليب حق البائع على المشتري أولى من العكس. وعلى هذا القول فهل ينقلب الخيار للبائع لما لحقه من ضرر الشركة؟ ذكر بعضهم في ذلك قولين.
وإذا تنازعا في العيب الخفي أو قدمه، فالقول قول البائع إلا أن تشهد العادة للمشتري فالقول قوله
قال في الجواهر: والنزاع في العيب في صورتين، الأولى: في وجوده، ولا يقبل دعوى المبتاع أن بالسلعة عيبًا دون أن يبينه بالمشاهدة إن كان مشاهدًا، أو بالبينة إن كان غير مشاهد.
الصورة الثانية: النزاع في قدمه وحدوثه لا يخلو إما أن يكون مما لا يحدث عند المشتري، أو مما يعلم أنه لم يكن عند البائع.
فالقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه، وأن يكون محتملًا فيثبته المبتاع بالبينة. ثم قال: فإن لم توجد البينة فالقول قول البائع مع يمينه، إذ الأصل لزوم العقد. وعلى هذا فقول المصنف في حدوث العيب إشارة إلى الصورة، أي: في وجود العيب الخفي. وأشار إلى الثانية بقوله: أو في قدمه.
[ ٥ / ٤٨١ ]
وحمل ابن عبد السلام كلامه هنا على صورة واحدة، وهي: إذا تنازعا في القدم والحدوث. ورد الحمل الذي قلناه بأنه لو حمل كلامه الأول- أعني قوله: إذا تنازعا في الخفي- على ما إذا تنازعا في وجود العيب وعدمه، لزم أن يكون كلامه على خلاف ما نص عليه أهل المذهب: أن القاضي لا يلزم البائع الجواب عن قدم العيب وحدوثه، ولا غير ذلك من أحكامه حتى يثبت المشتري وجود العيب، أو يوافقه البائع عليه.
خليل: وفيه نظر، لأن ما ذكره المصنف من أن القول قول البائع إذا تنازعا في وجود العيب وعدمه لا خلاف فيه. وما ذكره من أن القاضي لا يُلزم البائع الجواب يدل له لا على خلافه، نعم هو شرط لما قاله.
وقوله في الجواهر: فالقول قول من قوى سببه منهما مع يمينه. يريد: إذا رجحت البينة قول أحدهما فقط، وأما لو قطعت البينة بالقدم أو الحدوث فلا يمين، نص عليه محمد.
فرع:
فلو أقام المبتاع شاهدًا واحدًا بقدم العيب حلف معه على البت ورجع، قاله ابن المواز، وابن القاسم، وابن نافع، والمخزومي. وقال ابن كنانة: لا يحلف معه. ومنشأ الخلاف: هل يقبل الشاهد الواحد فيما ليس بمال إذا كان يؤدي إلى المال أم لا؟.
واعلم أنه إنما يكون القول قول البائع في العيب المشكوك فيه إذا لم يصاحبه عيب قديم، أما إن صاحبه عيب قديم، فالقول قول المشتري أنه ما حدث عنده مع يمينه، لأن البائع قد وجب عليه الرد بالعيب القديم فصار مدعيًا على المبتاع في الحادث، وبه أخذ ابن القاسم، وأشهب حسنه.
ومفهوم قوله في الخفي: أن الظاهر لا قيام للمشتري به لاطلاعه عليه، وهو قول ابن حبيب، وعليه يعتمد جماعة ممن صنف في الأحكام، ويعتمد عليه أصحاب الوثائق.
[ ٥ / ٤٨٢ ]
ومذهب المدونة عند جماعة: أنه لا يلزم المشتري سوى اليمين أنه لم يره وقت البيع ويحكم له بالرد، وهو الذي ذكره المتيطي، وقد أوجب في المدونة الرد في الزلاء والأقطع والأعور. وكثرة وقوع هذه المسائل وأشباهها يضعف تأويل من تأول على المدونة، لعل ذلك إنما كان في أمة أو عبد غائبين.
فرع:
وإذا تنازعا فادعى البائع أنه أخبره بالعيب أو أراه إياه وأنكر ذلك المبتاع، فإنه يلزم المبتاع اليمين، فإن حلف رد بالعيب، وإن نكل حلف البائع وبرئ منه، قاله الباجي.
وإن لم يوجد عدول قبل غيرهم للضرورة. قال الباجي: ولو كانوا غير مسلمين
أي: إذا احتيج إلى أرباب المعرفة في إثبات القدم والحدوث، فإن وجد عدول لم يعدل عنهم، وإلا فقال الباجي، والمازري وغيرهما: يقبل غيرهم ولو كانوا على غير الإسلام للضرورة.
وفي المتيطية: الواحد منهم أو من المسلمين كافٍ والاثنان أولى، إذ طريق ذلك الخبرُ لا الشهادةِ على المشهور المعمول به.
وقال محمد: لا يرد بعيب إلا ما اجتمع عليه عدلان من أهل النظر والمعرفة. ابن الماجشون: وإن كان العبد ميتًا أو غائبًا فلا يثبت إلا بعدلين باتفاق أصحاب مالك من أهل المعرفة.
وفي الطرر: إذا شهد شاهد بعيب أنه أقدم من أمد التبايع، وشهد آخر أنه أحدث من أمد التبايع، فقال في الاستغناء: شهادتهما لا توجب حكمًا بالرد إذا لم يتفقا على شيء واحد، وإن كان العيب لا يطلع عليه الرجال كالعيوب التي تكون في جسد الأمة أو في فرجها تثبت بشهادة امرأتين.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
وقال سحنون: ما كان بالجسد بُقِرَ عنه الثوب ونظر إليه الرجال، وما كان في أحد الفرجين شهد فيه النساء.
ويمينه: بعته وأقبضته وما به من عيب. بتا في الظاهر، ونفيا للعلم في الخفي. وقال أشهب: نفيا للعلم فيهما
أي: إذا كان القول قول البائع مع يمينه فصفة يمينه: أن احلف أني [٤٧٨/ب] بعته وما به عيب. ويزيد فيما فيه حق توفية: بعته وأقبضته. وعلى هذا فقوله: (بعته وأقبضته) للتفصيل، والواو بمعنى أو.
وقوله: (وما به من عيب) جارٍ فيهما، وبهذا صرح في الجواهر. وإنما قلنا: إن أقبضته خاص بما فيه حق توفية، لأن ما ليس فيه حق توفية ينتقل إلى ملك المشتري بالعقد فلا يحتاج إلى الحلف بأنه أقبضه سالمًا، فلا يكلف بما لا يلزمه.
وفي قوله: (وما به من عيب) نظر، إذ لا يلزمه أن يحلف إلا على ما ادعاه المشتري من العيب المخصوص. وكذا قال غيره: أنه يحلف ما باعه وهذا العيب به في علمه.
وقوله: (في الظاهر) أي: كالعرج، وضعف البصر، والخرق في الثوب. والخفي: كالزنا، والسرقة، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور.
وعن ابن القاسم، وابن نافع: أنه يحلف على البت فيهما، واحتج ابن نافع بأنه لو ثبت قدم العيب والبائع غير عالم لرد عليه ولم ينفعه عدم علمه، فلا ينفعه الحلف على عدم علمه. وأجاب المازري بأن البينة إذا أثبتت قدم العيب فقد ثبت السبب الموجب للرد ووجب حل البيع المنعقد، وإذا لم يثبت العيب وكان مشكوكًا فيه لم يجب حل المنعقد.
وقال أشهب: يحلف على نفي العلم فيهما. واحتج بأنه إن علم به فهو حانث، وإلا فلا يلزمه حتى يثبت قدمه فلا يحلف إلا على علمه. واختلف في يمين المشتري إذا نكل
[ ٥ / ٤٨٤ ]
البائع على ثلاثة أقوال، روى عيسى ابن القاسم: أنه يحلف على العلم في الظاهر والخفي، لأن التدليس يكون من جهة البائع دون المبتاع. وروى يحيي عنه: أنه كالبائع يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفي، لأن الأصل في اليمين أن تنقلب على نحو ما توجهت، واختاره ابن حبيب. وقال ابن نافع، وابن أبي حازم: يحلف المبتاع على البت. ولو ثبت العيب فاختلف البائع والمبتاع في تاريخ البيع، فادعى البائع تاريخًا قديمًا يكون العيب حادثًا بالنسبة إليه، وقال المشتري: إنما كان في تاريخ يكون ذلك العيب قديمًا بالنسبة إليه. فقال ابن القاسم، وسحنون: القول قول البائع والمشتري مدَّعٍ. وذكر ابن حبيب اختلافًا في هذا الأصل.
ابن عبد السلام، وقوله: يحلف البائع لقد بعته. لا معنى له، لأن القاضي لا ينظر في أمرهما في هذه المسألة إلا بعد إقرار المدعى عليه بحصول البيع منهما، أو بعد ثبوته بالبينة.
خليل: وفيه نظر، لأن اليمين هنا ليست في حصول البيع، وإنما هي على وقوع البيع في حال عقد البيع والقبض فيما فيه حق توفيه.
ويرد النتاج دون الاستغلال وقيمة الانتفاع
يعني: إذا رد المبيع لعيب رد معه النتاج، وسواء اشتراها حاملًا أو حملت عنده، لأن الولد ليس بغلة دون الاستعمال، لما صححه الترمذي: أن سيدنا رسول الله ﷺ قضى بأن الخراج بالضمان.
فائدة:
والمشتري لا يرد الغلة في خمسة مواضع: في الرد بالعيب، والبيع الفاسد، والاستحقاق، والشفعة، والتفليس.
[ ٥ / ٤٨٥ ]
وهذا إذا فارقت الثمرة الأصول، أما إن لم تفارق، فالمشهور: أنها لا ترد مع أصولها إذا أزهت ولم تجذ ولا يبست في الرد بالعيب وفي البيع الفاسد.
وأما الشفعة، والاستحقاق: فترد وإن أزهت ما لم تيبس، فإذا يبست لم يجب ردها. وفي التفليس: ترد ولو يبست ما لم يجذها.
وقيل في هذه المسائل: إن الإبار فوت. المازري: وكان بعض أشياخي يري أنه لا فريق بين هذه المسال، وأنه يخرج في كل واحدة ما هو منصوص في الأخرى.
وفي رد ثمرة ما اشتراه مأبورًا، أو صوف الغنم قولان
يعني: أن من اشترى نخلًا مؤبرًا واشتراطه، أو اشترى غنمًا عليها صوف تام، فجذ الثمرة وأخذ الصوف ثم اطلع على عيب، فقال ابن القاسم: يرد ما أخذه من ثمرة أو صوف، لأن لهما حصة من الثمن. وقال أشهب: لا يرد، لأنها غلة.
ابن المواز: واتفق ابن القاسم، وأشهب على عدم رد اللبن وإن كان في الضرع يوم البيع، وذلك خفيف. وعلى قول ابن القاسم، فيرد الثمرة إن كانت قائمة، وإن فاتت رد مكيلتها إن علمت، أو القيمة إن لم تعلم، وأمضاها ابن القاسم في الشفعة إذا لم تعلم بما ينوبها من الثمن. وعد ذلك سحنون اختلافًا من قوله. ونص ابن يونس في الصوف التام إذا لم يعلم وزنه أنه يرد الغنم بحصتها.
قال في المدونة: فإن ردت الثمرة كان لك أجر سقيك وعلاجك.
ابن يونس: يريد ما لم يجاوزه قيمة الثمرة.
الباجي: وعندي أنه لا يكون له من العمل إلا ما لولا الثمرة لم يعمله، لأنهم لم يذكروا في مسألة الغنم الرجوع بالرعي والسقي، وإنما يرجع بالجز عندي. قال: ولم أر فيه نصًا.
[ ٥ / ٤٨٦ ]
تنبيه:
وقع لابن القاسم أنه لو هلكت الثمرة المأبورة عند المشتري بأمر من الله تعالى لم يضمنها المشتري. فعارض هذا بعضهم بما قاله من أنه يرد الثمرة، لأن قوله: يرد الثمرة. يدل على أن لها حصة من الثمن. وقوله: أنه لا يضمنها. يدل على أنها غير مشتراة. واعتذر عن ذلك بأنه إنما لم يضمنها لكونها غير مقبوضة للمشتري، ولهذا منع أن تشترى النخل المؤبرة بطعام، لكون الثمرة يتأخر قبضها. وقال بعض المتأخرين: إنه يضمن الثمرة إذا اشتراها بعد الزهور وإن هلكت بأمر من الله سبحانه، قاله المازري.
ولو رده فتلف قبل إقباضه، ففي ضمانه قولان، بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فعلى البائع، أو بيع الآن أو نقض الآن فعلى المشتري
[٤٧٩/أ] أي: لو رد المشتري المعيب بحكم أو بغيره فتلف قبل قبض البائع له، فقيل: ضمانه من البائع، وقيل: من المشتري. ومنشأ الخلاف كما قال: هل الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فيكون ضمانه من البائع، أو هو نقض الآن فيكون من المشتري.
قال في البيان: واختلف فيما يدخل به المردود بالعيب في ضمان البائع على أربع أقوال، الأول لأصبغ: يدخل في ضمانه بإشهاد المبتاع على العيب، وأنه غير راض به وإن لم يرض البائع بقبضه.
والثاني: أنه لا يدخل في ضمانه حتى يرضى بالقبض، أو يثبت العيب عند السلطان وإن لم يحكم، وهو الذي يأتي على مذهب مالك في الموطأ وقول ابن القاسم في شهادات المدونة.
والثالث: أنها لا تدخل وإن رضي، حتى يمضي من المدة ما يمكنه القبض فيه، وهو معنى قول مال في العتبية.
[ ٥ / ٤٨٧ ]
والرابع: لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه، ولو مضى زمان يمكنه فيه القبض، وهو ظاهر العتبية أيضًا. قال: وهذا هو القياس على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع، وأن على البائع فيه حق توفية دخل عليه مع علمه بأن المبيع قد يرجع إليه.
وزاد القابسي، فقال: ولم يعلم السمسار بتدليسه، وأما إن علم فله أجر مثله.
وقال ابن يونس: أرى أن يكون له ما سمى من الجعل، كما يكون للبائع المدلس الثمن لا القيمة، إلا أن يتعاقد مع البائع على التدليس فحينئذ يكون له أجر مثله، لأن رب السلعة قال له دلس، فإن ثم البيع فلك كذا وإلا فلا شيء لك، وهو غرر.
وزاد ابن سحنون قيدًا آخر للمدونة، فقال: بشرط أن يكون الرد بقضاء قاض لا تبرعًا، ولو استحقت من يد المشتري رجع بالثمن ورجع بالجعل، وإن فاتت السلع بيد المشتري فوجب له الرجوع بقيمة العيب، رجع بتلك النسبة من الجعل.
وقال بعضهم على ما نقله ابن يونس متممًا لهذا: ولو اطلع المشتري على عيب بالمبيع عبد أن حدث به عيب يوجب له الخيار، فإن اختار التمسك والرجوع بأرش العيب القديم، فيرد السمسار من الجعل ما ينوب العيب، وإن رد المشتري السلعة وقيمة الحادث، فيرد السمسار الجعل إلا قدر ما ينوب العيب.
فرع:
إذا كان المبيع يحتاج إلى حمل ومؤنة، كالأزيار والخشب، فاستأجر المشتري على حملها، ففي المتيطية: إن ثبت أن البائع مدلس، لزمه أخذ المبيع حيث وجده ولم يكن على المبتاع رده حيث قبضه، وكذلك إذا ادعى المبتاع عليه التدليس فنكل عن اليمين.
وحكى اللخمي قولًا آخر: إن على المشتري أن يردها حيث قبضها منه، وصوب الأول. وإن كان البائع غير مدلس، بأن حمل المبيع إلى موضع قريب، لزمه رده إلى حيث أخذه، وإن نقله إلى موضع بعيد كان فوتًا يوجب له الرجوع بقيمة العيب بعد ثبوته.
[ ٥ / ٤٨٨ ]
وإذا صرح الوكيل أو علم، فالعهدة على الموكل
الأصل أن العهدة في الرد بالعيب والاستحقاق على متولي البيع إلا في الصورتين اللتين استثناهما المصنف، الأولى: أن يصرح بأنه وكيل. والثانية: أن يعلم كونه وكيلًا. هذا مذهب المدونة، لأن فيها: ومن باع لرجل سلعة بأمره من رجل فإن أعلمه في العقد أنها لفلان فالعهدة على ربها، فإن ردت بعيب فعلى ربها ترد وعليه الثمن لا على الوكيل. وإن لم يعلم أنها لفلان حلف الوكيل وإلا ردت السلعة عليه.
وما باعه الطوافون في المزايدة مثل النخاسين وغيرهم، أو من يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم في عيب ولا استحقاق.
وقال أصبغ: العهدة على المتولي إلا أن يشترط عند البيع ألا عهدة عليه. وهذا الخلاف في الوكيل غير المفوض، وأما المفوض عليه، لأنه أحل نفسه محل البائع، وكذلك المقارض والشريك المفاوض.
وأما القاضي والوصي، ففي المدونة: لا عهدة عليهما فيما وليا بيعه [٤٧٩/ب] والعهدة في مال اليتامى، فإن هلك مال الأيتام ثم استحقت السلعة فلا شيء على الأيتام.
وحمله اللخمي على ما يبيعه للإنفاق عليهم للضرورة، قال: وإن تجر الوصي لليتيم أتبعت ذمته كالوكيل المفوض.
وقال ابن المواز: الذي آخذ به في الوصي والوكيل المفوض أن عليهما اليمين، وإن ذكر أنه لغيرهما، إلا أن يشترط ذو الفضل منهما أن لا يمين عليه، فذلك له اتباعًا واستحسانًا لقول مالك.
فرع:
فإن علم المبتاع بعد البيع أن المبيع لغير المتولي، فخيره مالك في الرد، أو على أن عهدته على الآمر، إلا أن يرضى الرسول أن يكتبها على نفسه فلا حجة للمشتري.
[ ٥ / ٤٨٩ ]
ابن المواز: وكذلك إذا ثبت أنه لغيره. وعارضه ابن يونس: بأن المذهب في الغاصب إذا باع ما غصبه ثم قام المغصوب منه ورضي بالبيع لا خيار للمشتري، ولم يدخل على أن العهدة على المغصوب منه. وأجاب: بأن ذمة المغصوب منه خير من ذمة الغاصب.
ورَدَّ: بأن هذا الحكم ليس مقصورًا على الغصب، بل ولا مقال للمشتري في إجازة المستحق.
وأجيب: بأنه خلف ذلك علة أخرى، وهي أن الاستحقاق قائم في جميع البياعات أو أكثرها، فصار كالعيب الذي يجهله المتبايعان، وما هذا شأنه لا يقام به، بخلاف الوكالة فإن احتمالها ضعيف، إذ الغالب أن المتولي هو المالك.
وانظر ما ذكره من انتقال العهدة وقابله بما قاله عياض في الاستحقاق، لما ذكر عن المدونة في مكتري الأرض فتستحق منه فيجيز المستحق الكراء، أنه يمضي ولا يكون للمكتري ترك الكراء، ويقول: إنما كانت عهدتي على الأول فلا أرضى أن تكون عهدتي عليك أيها المستحق، فقال هو: هذا كلام غير محصل. وقد عابه سحنون، وقال: ليس بصواب، ولو رضي بذلك لم تكن عهدته عليه، لأن العهدة لا تنتقل، كما لو باعه الغاصب فاستحقه سيده، فالعهدة على الغاصب لا تنتقل عنه، قاله مالك. انتهى.
فرع:
فإن سئل السمسار عن رب السلعة، فقال: لا أعرفه. فقال ابن أبي زمنين: يحلف أنه ما يعرف. كذا رأيت لكثير من أشياخنا. قال: وينبغي على أصولهم إن نكل عن اليمين واسترابه السلطان أن يعاقبه بالسجن على قدر ما يراه، إن شاء الله.
[ ٥ / ٤٩٠ ]
وفي النقيصة التي لا يتغابن بمثلها طريقان، الأولى: قولان، الخيار مطلقًا، والخيار لغير العارف بها
هذا يسمى القيام بالغبن، سواء كان المغبون بائعًا بائعًا أو مشتريًا. والغبن: بفتح الغين وسكون الباء عبارة عن اشتراء السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله أو اشترائها كذلك، وأما ما جرت العادة به فلا يوجب ردًا اتفاقًا.
والطريق الأول عبد الوهاب في المعونة. وحاصله: أنه لا خلاف في ثبوت الخيار لغير العارف، وفي العارف قولان.
الثانية: إن كان استسلم وأخبره بجهلة فأوهمه فله الرد، وإن كان عالمًا غير غالط بالغبن فلا رد، وفي غيرهما قولان
هذه الطريقة للمازري، وحاصلها: إن استسلم، أي: أخبر أنه غير عارف بقيمتها، فقال له البائع: قيمتها كذا فله الرد، فإن كان عالمًا بالمبيع وبثمنه فلا رد له، ولا خلاف في هذين القسمين، وفيما عداهما قولان.
ابن عبد السلام: ومشهور المذهب عدم القيام بالغبن. ولصاحب المقدمات طريقة ثالثة: إن وقع البيع والشراء على وجه الاسترسال والاستمانة، فالقيام بالغبن واجب بإجماع، كما لو قال: اشتر مني سلعة مثل ما تشتري من الناس. وإن وقع على وجه المكايسة فلا قيام بالغبن اتفاقًا، ولا بالغلط على المشهور.
ومعنى الغلط: أن يبيع شيئًا ثم يظهر خلافه، كما لو باع حجرًا بالثمن اليسير فظهر أنه ياقوت أو بالعكس. والقول: بأنه يرجع بالغلط هو ظاهر ما في أقضية المدونة، والذي يشتري ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المشتري أن البيع يرد. وهذا الخلاف في الغلط إنما هو إذا سمى الشيء بجنسه، كما لو قال في الياقوتة: من يشتري هذا الحجر؟ لأن الياقوت
[ ٥ / ٤٩١ ]
يسمى حجرًا، وأما لو سماه بغير اسمه، كقوله: من يشتري مني هذه الزجاجة؟ فلا خلاف في وجوب الرد، قاله صاحب البيان وغيره.
والغبن، قيل: الثلث. وقيل: ما خرج عن المعتاد
أي: واختلف في الغبن الذي يقام به، وتصور كلامه ظاهر. وقال ابن القصار: إذا زاد على الثلث فيكون ثالثًا.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الغبن المتفق عليه والمختلف فيه، وظاهر كلام غيره أن الغبن المتفق على اعتباره لا يوصل فيه إلى الثلث ولا إلى ما قاربه، بل إذا خرج عن الثمن المعتاد في ذلك المبيع صح القيام به.
واختلف في عهدة الثلاث، وعهدة السنة، فروى المدنيون: يقضى بها في كل بلد. وروى المصريون: لا يقضى بها إلا بعادة أو بحمل السلطان عليها
العهدة خاصة بالرقيق، ومعناه: كون الرقيق المبيع في ضمان البائع بعد العقد، وهي عهدتان: قليلة الزمان كثيرة الضمان، وهي عهدة الثلاث، لأنه يضمن فيها كل شيء. وكثيرة الزمان قليلة الضمان، لأنه إنما يضمن ثلاثة أمراض: الجنون، والجذام، والبرص. واختلف في وجوب الحكم بها على القولين اللذين ذكرهما المصنف.
وفي البيان ثالث: [٤٨١/أ] لا يحكم بها وإن اشترطوها. قال: وهو قول ابن القاسم في الموازية. ومحمد بن عبد الحكم يرى عهدة السنة حرامًا لا يعمل بها. انتهى.
وعلى رواية المدنيين يجب حمل الناس عليها، وعلى رواية المصريين فهل يستحب أن يحمل غير بلاد العهدة عليها؟ روى ابن القاسم: وددت أن يحمل الناس عليها. وروى أشهب: لا يحمل أهل الآفاق عليها وليتركوا على حالهم.
[ ٥ / ٤٩٢ ]
فائدة:
قال المتيطي: إحدى وعشرون مسألة لا عهدة فيها على المشهور، الأمة والعبد اللذان ينكح عليهما، والرأس المخالع به، والمصالح به في دم، والمسلم فيه، والمسلم به، والقرض، والغائب يشتري على الصفة، والمقاطع به من الكتابة، والذي يبيعه السلطان على مفلس أو غيره، والمشتري للعتق بشرط، والمأخوذ من دين، والمردود بالعيب، ورقيق الميراث، والعبد المرهون والأمة يشتريها زوجها، والعبد الموصى بشرائه للعتق، والعبد المكاتب به، والعبد الموصى ببيعه من زيد، والموصى ببيعه ممن أحب، والذي يباع بيعًا فاسدًا. قال: وفي بعض ما ذكرنا تنازع بين مالك وأصحابه.
ففي الثلاث جميع الأدواء على البائع. والنفقة والكسوة بخلاف الغلة على المشهور
هذا ظاهر، وإنما كانت النفقة والكسوة عليه، لأن الضمان منه، ولذلك كان أرش الجناية له، قاله في المدونة.
ورأى ابن أبي زمنين أن البيع يفسخ هنا، لأن الحكم بالأرش موقوف على البرء، والبرء لا يعلم أمره، فلا يتأتى للمشتري انتفاع بالعبد من أجل وقفه للجناية.
قال: إلا أن يسقط البائع عن الجاني القيام بالجناية، فيزول المنع حينئذ لزوال الوقف.
قال: إلا أن تكون الجناية مهلكة فلا يجوز البيع، لأنه بيع مريض يخاف موته.
قال في المدونة في كتاب الخيار: وما وهب له في عهدة الثلاث من مال وتصدق به عليه فللبائع.
ابن حبيب: إلا أن يكون المشتري اشترط عليه ماله، فيكون ما وهب له أو تصدق به عليه للمشتري. ومقتضى هذا: أن تكون الغلة له، وجعل المصنف هذا غير المشهور، وهو قريب من كلامه في الجواهر. وفي نقلهما نظر، لأن في العتبية فيما ربح العبد في الثلاث، أو أوصى له به ولم يستثن المشتري ماله فهو للبائع.
[ ٥ / ٤٩٣ ]
المازري: والقاضي أبو محمد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلة وأنها للمشتري، قال: ولكن المنصوص هنا أن ذلك للبائع.
وفي السنة الجنون، والجذام، والبرص، ومستندهما عمل المدينة
أي: ودليلنا على العهدتين عمل أهل المدينة. وفي الموطأ: أن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاث حين يشتري العبد أو الوليدة وعهدة السنة. ونقل ابن عبد البر: أن عمر بن عبد العزيز قضي بها. وبها قال الفقهاء السبعة. ابن شهاب: والقضاة مما أدركنا يقضون بها. وخرج أبو داود عن الحسن عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام».
وذكر ابن أبي شيبة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاثة». قالوا: ولم يسمع الحسن من عقبة، واختلف في سماعه من سمرة. وفي البيان: ضعف بعضهم حديث عقبة.
وابتداؤهما أول النهار من المستقبل، وقال سحنون: من حين العقد
قد تقدمت هذه ونظائرها في باب العقيقة. وظاهر كلام المصنف أن قول سحنون نص هنا.
والذي في الباجي والمازري: أنه مخرج على قوله في الصلاة، وهذا إذا كان البيع بتًا، فإن كان بيع خيار فمن يوم إمضاء البيع.
وفي تداخلهما قولان
القولان لمالك، والأقرب عدم التداخل.
ابن بزيرة: وهو المشهور، لأن الضمان في كل منهما غير الآخر فصارا كأجنبيين.
[ ٥ / ٤٩٤ ]
وقال بالتداخل ابن الماجشون، وهو قول ابن القاسم، فإن اجتمع مع ذلك استبراء، فقال ابن القاسم: عهدة الثلاث داخلة في الاستبراء. وكذلك روى ابن القاسم عن أشهب في العتبية.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: يدخل في السنة الثلاث والاستبراء. وكذلك روى ابن حبيب عن مالك أن عهدة السنة من يوم البيع.
ابن يونس: ووجه رواية ابن القاسم أن الثلاث والاستبراء في البيع التام الضمان فيه من البائع من كل شيء، ولا يجوز النقد فيهما بشرط. فلما استويا دخل بعض ذلك في بعض، وعهدة السنة الضمان فيها من المبتاع من كل شيء، إلا من ثلاثة أدواء فوجب أن لا يدخل عليها.
ووجه قول ابن الماجشون: أن المراعى في عهدة السنة مرور الفصول الأربعة بذهاب السنة لبيان السلامة، فوجب أن يكون من يوم العقد. وفي الكافي قولٌ أن عهدة الثلاث لا تدخل في الاستبراء. وقال المشيخة السبعة: يبدأ بالاستبراء ثم بالثلاثة ثم بالسنة.
وما يطرأ واحتمل فيها وبعدها، فمن المشتري على الصحيح
يعني: أن ما حدث في زمان العهدة فإنه من البائع إذا علم أنه حدث فيها، وأما إن أشكل أمره هل طرأ في العهدة أو بعدها، فذكر المصنف أن الأصح أنه من المشتري- وهو قول ابن القاسم- لأنه قال في العبد يأبق في العهدة وقد [٤٨٠/ب] كان البائع قد تبرأ من إباقة فلم يعلم هلاكه أن ذلك من المشتري حتى يعلم أنه أصابه في العهدة، بناء على أن الأصل السلامة وانبرام العقد. والمنقول في اللخمي، والباجي وغيرهما عن مالك: أن ذلك من البائع.
وفي جعله مقابل الأصح نظر. وقد قال اللخمي: إن قول مالك أقيس، لأن الأصل أنه في ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث مشكوك فيه، فلا ينتقل عن ضمان الأول بشك.
[ ٥ / ٤٩٥ ]
وللمشتري إسقاطها بعد العقد
أي: إذا وقع العقد على العهدة فللمشتري إسقاطها، لأنه حق له.
وللبائع قبله كعيب غيره
هكذا وقع في بعض النسخ: (وللبائع) بلام الجر، وعليها تكلم ابن راشد، فقال: يعني وللبائع إسقاط العهدة قبل العقد، كما له أن يتبرأ من سائر عيوب الرقيق.
وفي بعض النسخ: والبائع قبله كعيب غيره، فيحتمل هذا ويحتمل غيره، وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أن البائع حكمه في العيب قبل الإسقاط كعيب غيره، أي: كالعيب مع عدم الإسقاط، كما لو اشترى عبدًا على عهدة الثلاث، قبضه فبقي يومًا أو يومين ثم أسقط حقه، ثم اطلع على عيب حدث في اليوم الأول أو في الثاني، فحكمه في ذلك حكم من اشترى عبدًا أو اطلع فيه على عيب قديم.
فإن حدث ما يمنع الرد كالعتق، فقيل: تسقط بقيتها. وقيل: تبقى ويرجع بالأرش. وقيل: تبقى ويرد العتق
أي: فلو اعتق المشتري العبد المبيع على العهدة، أو كاتبه، أو دبره، أو أولدها ونحو ذلك، ففي الموازية: تسقط بقية العهدة. وعليه فتقسط النفقة على البائع.
وقال أصبغ وسحنون: ينفذ العتق ويرجع بقيمة العيب. اللخمي: وهو أحسن.
وروى ابن حبيب عن ابن القاسم ثلاثةَ أقوال: اثنين كالمتقدمين، والثالث: يرد العتق. وذكر هذا القول في عهدة السنة.
الباجي: وهو في عهدة الثلاث أولى.
وألزم المازري على نقض العتق بما يحدث في العهدة نقضه أيضًا بعيب قديم ثم اطلع عليه، على طريق من قال: أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله.
[ ٥ / ٤٩٦ ]
وفيها: ولا ينقد في عهدة الثلاث بشرط بخلاف السنة
تقدمت هذه المسألة مع نظائرها، وفهم من قوله: (بشرط) أنه لو طاع بذلك الجاز. قالوا: ولو تطوع به ثم أراد استرجاعه ووضعه على يد أمين لم يكن له ذلك، وجاز الاشتراط في عهدة السنة، لأنها في عيوب يسيرةٍ الغالبُ السلامة منها، فيؤمن من الوقوع في: تارة بيعًا وتارة سلفًا.
ولعله نسب المسألة للمدونة لإشكالها، لأنه منع اشتراط النقد في الثلاث، وألزم النقد في بيع الثمار بعد الزهو بمجرد العقد وكلاهما في ضمان البائع. وفرقوا بغلبة الأمن في الثمار، ولأن ما يطرأ في الثمار يستوي فيه المتبايعان بخلاف الثلاث، لاحتمال تقدم علم البائع بالعيب.
فروع:
الأول: إن بنينا على عدم الجواز بشرط قبض، محمد: على أن يجوز في المواضعة وضع الثمن عنده مختومًا عليه.
بعض الموثقين: وعهدة الثلاث لا شك فيها.
الباجي: ويجيء على قول القاضي أبي محمد في مسألة بيع العربان أن ذلك جائز. بعض القرويين: وإنما لم يجز هنا للطبع عليه بخلاف الرهن، لأن الثمن في المواضعة عين الحق، بخلاف الرهن فإنه وضع توثقًا.
الثاني، قال محمد: ولو لم يتطوع أولًا به وتشاح هو والبائع في بقائه بيد ثقة إلى انقضاء العهدة أو الاستبراء، فهل يجب ذلك على المبتاع أم لا؟ فيه عن مالك روايتان: إحداهما في العتبية: أنه لا يلزمه ذلك، وقاله في المبسوط. والأخرى في الموازية: أن ذلك لازم له، وقاله ابن القاسم، وابن حبيب، وابن عبدوس.
[ ٥ / ٤٩٧ ]
الباجي في وثائقه: ودليل المدونة ما في العتبية، لأنه قال: وإذا اشترى الجارية وهي ممن يتواضع مثلها أيصلح أن يشترط مواضعة النقد على يد رجل؟ قال: نعم. فيدل على أنه لو لزمه لما احتاج البائع إلى الشرط.
الثالث: إن تلف هذا المال عند المودَع وخرج المبيع من العهدة سالمًا، فإن ضمان الثمن من البائع وأخذ المبتاع عبده دون شيء، وإن هلك المبيع فهو من البائع ومصيبة الثمن من المبتاع.
وإن ظهر بالمبيع عيب حدث في العهدة، أو كان به قبلها وأراد المبتاع الاستمساك به، فهل يكون له ذلك مع ضياع الثمن أم لا؟ فيه عن مالك روايتان، إحداهما: أن له ذلك. ابن القاسم: بالثمن التالف. والأخرى: أنه ليس له ذلك. قال ابن الماجشون: ويفسخ البيع بينهما، إلا أن يأخذ بثمن آخر فيكون ذلك له. وقال سحنون: إن تلف الثمن قبل حدوث العيب فلا يأخذه إلا بثمن آخر، وإن تلف بعد حدوثه وقبل رضا المبتاع به فله أخذ المبيع دون ثمن.
الجنون الذي يرد به في السنة: هو ما كان عن مس الجان، ومعناه الوسوسة. الباجي وغيره: وهو مذهب مالك، إلا ابن وهب فإنه رأى الجنون مطلقًا موجبًا للرد ولو كان بضربة أو غيرها.
الرابع: لو ظهر أحد الأدواء الثلاث ثم ذهب قبل الرد، فقال مالك وسحنون: يرد بالجنون إذ لا تؤمن عودته. وأما الجذام والبرص، فقال ابن حبيب: هو كالجنون. وقال ابن القاسم: لا رد له إلا أن يقول أهل المعرفة أن عودته لا تؤمن. وعلى هذا فالخلاف خلاف [٤٨١/أ] في حال.
وأما ما ذهب من العيون الحادثة في الثلاث قبل الرد، فإن كانت مما تؤمن عودته فلا رد، كذهاب البياض من العين، وأما ما يتقى عوده كالحمى، فقال سحنون: له الرد. وقال أشهب بالتوقف حتى ينظر، فإن لم يتبين ذهابها فلا رد، وإن عادت بالقرب رد.
[ ٥ / ٤٩٨ ]
وينتقل الضمان على المشتري بالعقد الصحيح، إلا فيما فيه حق توفيه من كيل، أو عدد، أو وزن
لما فرغ من الكلام في لزوم العقد وجوازه شرع في بيان حكمه قبل القبض وبعده، وتكلم في أمور ثلاثة: في انتقال الضمان، وفي صورة القبض، وفي وجوبه. ثم إن البيع قسمان: صحيح، وفاسد.
وبدأ بالصحيح، والدليل على انتقال الضمان بالعقد- إلا فيما استثناه المصنف- قوله ﷺ في الصحيح: «لخراج بالضمان». والإجماع أن الخراج للمشتري بالعقد.
وفي الثمار قبل كمال الطيب، وفي المحبوسة بالثمن عند ابن القاسم خاصة
هذا معطوف على ما فه حق توفية، أي: أن هذين لا ينتقل فيهما الضمان بالعقد، أما الثمار فلبقاء ضمان الحوائج فيها، وأما المحبوسة، أي: سلعة بيعت وليست من الثمار قبل الطيب ولا فيها حق توفية وحبسها البائع لأجل ثمنها، فضمانها من بائعها، وهذه إحدى الروايتين عن مالك. والثانية: أن الضمان من المشتري.
ابن المواز: وإنما اختلف قول مالك في هذا إذا لم ينقد، والمشهور من قول ابن القاسم أنها تضم كالرهان، إلا أن يكون المشتري هو التارك لها فكالوديعة.
ولهذا قال سحنون في نوازله، جميع أصحاب مالك: أن المحبوسة بالثمن ضمانها من المبتاع، إلا ابن القاسم فإنه رأى حكمها كالرهن.
قال في البيان: وهو المشهور من قوله. قال: ويتحصل في تلفها إن قامت بينة عليه قولان، أحدهما: أن مصيبتها من البائع ويفسخ البيع. والثاني: أن مصيبتها من المبتاع ويلزمه الثمن. وإن لم تقم بينة على تلفها أربعة أقوال:
[ ٥ / ٤٩٩ ]
أحدها: أن البائع يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها، كانت قيمتها مثل الثمن أو أقل أو أكثر، وينفسخ البيع، وهو قول سحنون.
الثاني: أنه يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها ويفسخ البيع، إلا أن تكون قيمتها أكثر من الثمن فلا يصدق إلا أن يصدقه المبتاع، وهو بالخيار بين أن يصدقه فيفسخ البيع، أو يضمنه القيمة ويثبت البيع، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وهذا القولان على قياس القول بأن المصيبة من البائع، وينفسخ البيع إذا قامت البينة على التلف.
الثالث: أن البائع يصدق مع يمينه فتلزمه قيمتها إذا كانت أقل من الثمن أو أكثر ويثبت البيع، وهو الذي يأتي على المشهور من قول ابن القاسم أن المحبوسة بالثمن حكمها حكم الرهن.
الرابع: أن البائع مصدق مع يمينه في تلفها وتلزمه قيمتها، إلا أن تكون أقل من الثمن فلا يصدق، لأنه يتهم أن يدفع إليه القيمة ويأخذ الثمن وهو الأكثر، إلا أن يصدقه المبتاع فتكون بالخيار أن يصدقه فيأخذ القيمة ويدفع إليه الثمن، وإن كان أكثر أو لا يصدقه وينقض البيع.
وهذا القولان على قياس القول بأن مصيبة المحبوسة بالثمن مصيبتها من المبتاع إذا قامت البينة على تلفها كالرهن. انتهى.
ونقل غيره عن مالك قولًا بالتفصيل، لأنه قال في مختصر ما ليس في المختصر: إن كان المشتري من أهل البلد وهو موسر فالمصيبة من البائع، وإن كان غريبًا أو ليس بموسر فالمصيبة من المشتري.
وقوله: (خاصة) عائد على ابن القاسم، أي: أن ابن القاسم انفرد به دون أصحاب مالك كما قاله سحنون. وجعله ابن عبد السلام عائدًا على المحبوسة لا إلى ابن القاسم،
[ ٥ / ٥٠٠ ]
قال: لأن ابن القاسم لم ينفرد به، بل هو أحد قولي مالك في المدونة. قال: وكذلك المحتبسة لأجل الإشهاد عند المتأخرين.
فرع:
إذا بقيت السلعة بيد البائع على سبيل المساكنة فاختلف المتأخرون، هل تلحق بالمحبوسة بالمثمن، أو بالوديعة؟ على قولين، بناء على وجوب التسليم بمجرد العقد حتى يتبين قصد احتباسها. والأصل: بقاؤها على ملكه، وإنما يرضى بتسليمها إذا قبض ثمنها.
وقيل: يشترط مضي زمن يتسع للقبض. وقيل: بشرط تمكين البائع. وقيل: لا ينتقل إلا بالقبض كالشيء الغائب والمواضعة
هذه الأقوال راجعة لصدر المسألة. أي: المشهور أن الضمان ينتقل بالعقد، وقيل: إنما ينتقل بالعقد بشرط مضي زمن يتسع فيه للقبض، حكاه المازري عن بعض الأشياخ. وقيل: بشرط تمكين البائع من القبض، وليس أخص من الذي قبله، لأنه قد يوجد تمكين البائع للمشتري من القبض إثر البيع قبل تمام الزمان الذي يتسع للقبض.
وتصور الثالث ظاهر، وعزاه ابن رشد لأشهب، وحكاه أيضًا المازري عن بعض الأشياخ، وأنكره ابن دحون، ورد عليه ابن رشد بوجوده.
وقوله: (كالشيء الغائب) أي: كما أن الشيء الغائب والمواضعة لا ينتقل ضمانها إلا بالقبض فكذلك هذا. وفي بعض النسخ: كالمستثنى والغائب، فيكون مراده بالمستثنى ما استثنى أولًا بقوله: (إلا فيما فيه حق توفية ) إلى آخره. وليس ذكر المواضعة بينًا، لأن ضمان البائع فيها ينتهي بخروج الأمة من الحيض. بل الذي نقله الباجي أن الضمان ينتهي برؤية الدم، قال: لأن ابن القاسم [٤٨١/ب] في المدونة أجاز للمشتري برؤية الدم الاستمتاع.
[ ٥ / ٥٠١ ]
وما ذكره المصنف من أنها في ضمان البائع إلى قبض المشتري، ابن عبد السلام: قد أنكر وجوده في المذهب بعض كبار الشيوخ وحفاظهم. وبنى على هذا الإنكار تخطئة ما يثبته الموثقون وغيرهم من الحكم على البائع بإنزال المشتري في الربع المبيع بطواف الشهود عليه. وقال: لو كان هذا لازمًا للبائع لكان ذلك حق توفية، فيكون ضمان الدار المبيعة من بائعها حتى يقبضها المشتري. وأثبت بعضهم هذا القول في المذهب، ورأى أن القول بإنزال المشتري مبني عليه. وبالجملة فهو قول مختلف في ثبوته بين الشيوخ وأصول المذهب تأباه.
والقبض في المكيل بالكيل، وفي المؤزون بالوزن، وفي المعدود بالعدد
هذا هو القسم الثاني في صورة القبض وهو ظاهر.
فرع:
وهل أجرة الكيل على البائع أو على المشتري؟ في الموازية قولان: ابن شعبان: أجرة الكيل والوزن في المبيع على البائع، وفي الثمن على المشتري.
عياض: وهذا موافق للقول أنه على البائع، إذ كل واحد منهما بائع لشيئه من صاحبه، وهو الأقرب.
وفي اعتبار قدر المناولة قولان
أي: إذا وزن أو كال فهل ينتقل بمجرد ذلك، بحيث لو أتلف حينئذ كان ضمانه من المشتري، أو لابد من اعتبار قدر المناولة؟ وأطلق الخلاف تبعًا للمازري وابن شاس. وزاد المازري ثالثًا: إن كان المشتري هو المتولي الكيل لنفسه فالضمان منه. وتبع ابن راشد، وابن عبد السلام هذه الطريقة. وقال في البيان: إن تولى البائع أو أجيره الكيل ثم سقط المكيال من يد البائع وقبل أن يصبه في وعاء المشتري، فلا خلاف أن ضمانه من البائع، وإنما الخلاف إذا تولى ذلك المشتري أو أجيره، فروى يحيي عن ابن القاسم أن مصيبته من
[ ٥ / ٥٠٢ ]
البائع، ورواه أشهب عن مالك. وقال سحنون في نوازله: إن مصيبته من المبتاع، وسواء كان المكيال من البائع أو المبتاع، إلا أن يكون المكيال هو الذي ينصرف به المبتاع إلى منزله ليس له إناء غيره، فيكون ضمانه ما فيه منه إذا امتلأ، كان له أو للبائع واستعاره منه المبتاع، قاله ابن وهب في رواية أبي جعفر عنه.
وفي العقار التخلية
أي: والقبض في العقار بالتخلية، أي: يخلي البائع بينه وبين المشتري ويمكنه التصرف فيه بتسليم المفتاح، وشرط الشافعية فيه تفريغة من أمتعة البائع. وبه فسر ابن راشد كلام المصنف وليس بظاهر، لأن المصنف إنما قاله: التخلية. وإنما يأتي ما قالاه لو قال: الإخلاء، بل يكتفي بالتسليم وإن لم يحصل الإخلاء، لأن مقتضى كلام اللخمي: أنه يكتفي في الدور بمجرد التسليم، قال: إلا في دار السكنى فلابد من إخلائها من الشواغل. وقد نص المصنف في الرهن على أن قبضه كقبض المبيع.
وفي غيرهما العرف
أي: والقبض في غير المثلي والعقار ما يعد في العرف قبضًا، كاختبار الثوب وإعطائه رسن الدابة.
وإذا اختلفا في البداية أجبر المشتري، وقيل: يخليان، فمن سلم أجبر له الآخر
هذا هو القسم الثالث وهو الإجبار عليه. ولا شك أن كلًا من المتبايعين يجب عليه تسليم العوض، فإن اختلفا، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض. وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض.
[ ٥ / ٥٠٣ ]
المازري: ولا أعرف فيها نصًا لمالك ولا للمتقدمين.
ابن القصار: والذي يقوى في نفسي على المذهب أحد أمرين، جبر المشتري وهو مذهب أبي حنيفة، أو إعراض الحاكم عنهما، ومن تطوع منهما أجبر له الآخر، قال: وأن يجبر المبتاع أقوى. فأنت ترى كيف لم يجزم بشيء، والمصنف قد حكى الاحتمالين قولين وليس بجيد.
وخرج عبد الحميد قولين، أحدهما: جبر المشتري من جبر الزوج على دفع الصداق قبل الدخول، لأن الزوج مشتر والمرأة بائعة.
والثاني: تبدئة البائع من اختلاف المكتري وصاحب الدابة، فإنه قال في الأكرية من المدونة: يبدأ صاحب الدابة بالدفع، فكلما مضى يوم أخذ حصته من الكراء.
ونقل بعض من تكلم على هذا المحل عن شيخه الزواوي: أنه كان يتعجب من احتياجهم إلى مثل هذا الاستقراء على ضعفه وفي المدونة ما هو نص أو كالنص على تبدئة المشتري، ففي كتاب العيوب منها: ومن اشترى عبدًا فللبائع أن يمنعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن.
وكذا قال ابن عبد السلام وزاد موضعًا آخر كهذا، وهو أنه قال في هبة الثواب: فأما هبة الثواب فللواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع.
وقال القاضي إسماعيل: يدفع الثمن والمثمون إلى رجل فيدفع الرجل إلى كلًّ منهما ما يستحقه.
وصحح المازري أن المتبايعين يخرج كل واحد منهما ما عنده ويمد يده إلى صاحبه، وإن تعذر هذا انتقلا إلى القرعة.
[ ٥ / ٥٠٤ ]
قال ابن القاسم: لا ضمان في الفاسد إلا بالقبض. وقال أشهب: أو بالتمكين، أو بنقد الثمن
لما قدم ما ينتقل به الضمان في البيع الصحيح أخذ فيما ينتقل به الضمان في البيع الفاسد. وتصور كلام ابن القاسم ظاهر. وزاد أشهب شيئين آخرين للضمان، وهما: تمكين المشتري من السلعة، وإعطاء الثمن للبائع. وقال سحنون: إنما يضمن بعد العقد ضمان الرهان. [٤٨٢/أ] والأظهر قول ابن القاسم، لأن المشتري إنما قبضه لحق نفسه على نحو ما يقبض المالك، ولم يقبضه للانتفاع بالمثمن كالرهن، ولا للانتفاع به مع بائقه كالعواري، ولا دخل به على احتمال رده كالخيار.
ويقوم وقت ضمانه لا وقت العقد
أي: أن المبيع فاسدًا إذا فات ووجب ضمانه فيقوم في أول أزمته ضمانه، وهو يوم القبض عند الجميع، أو يوم التمكين، أو دفع الثمن عند أشهب.
ابن راشد: وما ذكره المصنف هو المشهور. وقيل: يقوَّم يوم العقد. وقيل: يوم الفوت.
واستعماله مطرح، إذ الخراج بالضمان
أي: ما استغله المشتري من المبيع بيعًا فاسدًا فهو له، ولو فسخ البيع ورد المبيع، وعلله بما ذكره.
ولا ينتقل الملك فيه إلا بالقبض والفوات
يعني: أنَّا وإن قلنا: الضمان في المبيع بيعًا فاسدًا ينتقل بالقبض، فالملك لا ينتقل بذلك، بل لابد من ضميمة الفوات. وفي بعض النسخ: على المعروف، إشارة إلى ما ذهب إليه سحنون: أن الملك لا ينتقل بوجه في الحرام البين. وذهب ابن مسلمة إلى أن الفسخ بعد القبض استحسان، وظاهره أن العقد الفاسد إذا اتصل به القبض نقل الملك.
[ ٥ / ٥٠٥ ]
قال ابن القاسم في الحرام البين: المثل في المثلى والقيمة فيما سواه، وما كرهه الناس يمضي بالثمن، وقيل: بتعميم الأول
نسب هذا لابن القاسم لاختصاصه به، أي: أن ابن القاسم فرق في الفاسد بين أن يكون حرامًا صريحًا ثبت تحريمه بنص أو إجماع وشبه ذلك، وبين أن يكون مدركُ تحريمه قياسًا وعمومًا بعيدًا، فالأول تلزم فيه القيمة في المقوم والمثل في المثلى، والثاني يمضي بالثمن، أي: يمضي بالثمن بعد الفوات، نص عليه في الجواهر.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنه يمضي بالعقد الأول ولا يرد، وليس بظاهر، لأن كلام المصنف ليس فيه ما يعطيه أنه يمضي بالعقد. وباشتراطه الفوات علم أنه لم يرد المكروه الذي هو مقابل المندوب، وإنما أراد ما جرت به عادة المتقدمين من إطلاق المكروه على نوع من الحرام. ولهذا أكد الحرام بالبين في القسم الأول.
ومثل ابن القاسم المكروه بمن أسلم في حائط بعينه قد أزهى ويشترط أخذ ثمره، فإنه يفوت بالقبض.
وقوله: (وقيل: بتعميم الأول) الذي هو الحرام البين، فيفسخ مطلقًا، فإن فات وجبت فيه القيمة إن كان مقومًا والمثل إن كان مثليًا، وهو قول ابن نافع وسحنون.
وحكى اللخمي في المختلف فيه أربعة أقوال: قيل: يمضي بالعقد. وقيل: بالقبض. وقيل: بالفوات فيمضي بالثمن. وقيل: بالقيمة كسائر البياعات الفاسدة، وهو قول من لم يراعِ الخلافَ.
فإن كان درهمان وسلعة تساوي عشرة بثوب فاستحقت السلعة وفات الثوب: فله قيمة الثوب بكماله على الأصح، ويرد الدرهمين لا قيمة نصفه وثلثه
يعني: فلو كان التعاوض بأن دفع رجل درهمين وسلعة تساوي عشرة دراهم وأخذ ثوبًا فاستحقت السلعة من يد من أخذها، فحقه أن يرد الدرهمين ويرجع فيأخذ ثوبه،
[ ٥ / ٥٠٦ ]
لأنه لما استحق جل ما بيده انتقضت الصفقة كلها. لكن المصنف فرض فوات الثوب، وفواته بحوالة السوق فأعلى.
وقوله: (فله) أي: مع الفوات قيمة الثوب كاملًا ويرد الدرهمين لصاحب السلعة، بناءً على أن الصفقة إذا استحقت جلها انفسخت كلها به، وهذا هو المشهور.
وقيل: إنما له قيمة خمسة أسداسه في المثال المذكور، بناءً على صحة البيع فيما قابل الدرهمين لعدم استحقاقهما، لأنك قد علمت أن قيمة السلعة عشرة دراهم، فإذا أضفت إليها الدرهمين كانت نسبتهما من الجميع السدس، فيمضي البيع في سدس الثوب، فلو كانت قيمته خمسة عشر مثلًا قاصه بدرهمين ويرجع بثلاثة عشر على المشهور، وعلى مقابله باثني عشر ونصف.
فلو كانت قيمته تسعة رجع على المشهور بسبعة وقاصه بدرهمين، وعلى مقابله بسبعة ونصف.
أما لو كانت قيمته اثني عشر كعوضه، رجع بعشرة اتفاقًا ويقاص بدرهمين على المشهور ويملكها على مقابله بغير مقاصة.
وزعم ابن عبد السلام أن قوله: (لا قيمة نصفه وثلثه) لا يريد به خصوصية هذه المسألة، لاستحالة أن تكون السلعة ثلثًا ونصفًا، وإنما مراده: لا قيمة ثلثه إن كانت السلعة ثلث الصفقة كما لو كانت تساوي درهمًا واحدًا، ولا قيمة نصفه كما لو كانت تساوي درهمين وهذا ليس بظاهر، لما ذكرناه.
والفوات بتغيير الذات، وتغيير السوق، والخروج عن اليد بالبيع الصحيح، وتعلق حق الغير بها كرهنها أو إجارتها
لما ذكر أن الملك ينتقل بالفوات ذكر له أربعة أسباب، الأول: تغيير الذات. الثاني: تغيير السوق. الثالث: الخروج عن اليد ببيع أو هبة أو صدقة أو عتق. وليس تخصيص المصنف البيع بظاهر. والرابع: تعلق حق الغير بها كما ذكرنا.
[ ٥ / ٥٠٧ ]
وظاهر كلامه يقتضي أن تغير الذات يفيت المثلي، وقاله ابن شاس. والذي في اللخمي والمازري وابن بشير: أنه لا يفوت، لأن المثل يقوم مقامه.
ويعتبر فوات الغرض المقصود فتفوت الدار بالهدم والبناء
أي: ويعتبر في التغيير الموجب للفوات أن يكون ذلك التغيير مفيتًا للمقصود، ولا شك أن التغيير على هذا الوجه مفيت، ومفهومه: أن العيب الذي لا يفيت الغرض ليس [٤٨٢/ب] بفوت، وظاهر النقول خلافه، ففي المدونة: ومن اشترى أمة بيعًا فاسدًا فولدت عنده ثم مات الولد فذلك فوت. وقال اللخمي: تغيير المبيع في نفسه بزيادة أو نقص مفيت وأطلق.
وقوله: (فتفوت الدار بالهدم) قال في البيان في باب جامع البيوع: إن الحائط في البيع الفاسد لا يفوت بالبناء اليسير. قال في العتبية: ويكون على ربِّ الحائطِ إذا رُدَّ إليه ما أنفق في بينان جدار أو حفر بئر. وقيل: قيمة ما أنفق.
والأرض بالغرس وقلعه
قال في الجواهر: وكذلك حفر الآبار وشق العيون، ولا شك أن هذا مفيت. وقسمها أصبغ في العتبية على ثلاثة أقسام: فقال فيمن اشترى أرضًا بيضاء شراء فاسدًا فقبضها فغرس حولها شجرًا حتى أحاط بالأرض وعظمت في ذلك المئونة وبقي أكثرها بياضًا: أنه فوت لجميعها، وإن كان إنما غرس ناحية من الأرض فاتت تلك الناحية. وإن كان إنما غرس يسيرًا لا بال له رد جميعها وكان على البائع للغارس قيمة غرسه.
ابن محرز والمازري: والصواب أن يكون له قيمتها قائمة، لأنه غرسها بشبهة. وخرج بعضهم قولًا بأنه يأخذ ما أنفق، وجعل في البيان الناحية التي تفوت بالغرس أن تكون قيمتها ثلث المجموع أو ربعه. وعلى هذا فيكون اليسير الذي لا يفوت به ما دون الربع يسقط.
[ ٥ / ٥٠٨ ]
ونقل في البيان قولًا آخر في الغرس في الناحية: أن البيع يفسخ في الأرض كلها، فيبطل عن المبتاع جميع الثمن إن كان لم يدفعه، ويرد إليه جميعه إن كان دفعه، وعليه قيمة الناحية التي فوت بالغرس بالغة ما بلغت، وهذا القول قائم من الدمياطية لابن القاسم، واحترز بالغرس من الزرع فلا يكون فوتًا، قاله ابن القاسم.
قال ابن المواز: فإن فسخ في إبان الزراعة لم يقلع وعليه كراء المثل، وإن فسخ بعد الإبان فلا كراء عليه.
فلو باعه قبل قبضه فقولان
أي: فلو باع المشتري المبيع بيعًا فاسدًا بيعا صحيحًا، فإن كان البيع بعد قبض المبيع فات، وإن كان قبله فهل يفوت؟ قولان لمالك في الموازية.
عياض: واختلفوا في حمل المدونة عليها، لا يختلفوا أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصدًا للتفويت أن بيعه غير ماض.
وقوله: (باعه) ثانيًا أي: بيعًا صحيحًا، وأما الفاسد فلا أثر له.
ابن عبد السلام: وما قاله عياض إنما يتم إذا كان المشتري منه واطأه على قصد التفويت، وأما إن لم يقصده فلا يبعد أن يختلف فيه على أن بعضهم أشار إلى وجود الخلاف فيه نصًا.
ووقع في الرواية: أن المشتري إذا قصد إلى تفويته بالبيع من غيره، فإنه لا يفوت بذلك إلا العتق. انتهى.
وفي اللخمي: البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد وإن قصد بذلك التفويت. فانظره مع كلام عياض.
[ ٥ / ٥٠٩ ]
وتغير السوق يعمل في الحيوان والعروض دون العقار، وذوات الأمثال من المكيل والموزون من المعدود، وقيل: في الأربعة كغيره
يعني: أن تغير السوق بزيادة أو غيره أو نقص يعمل، أي: يفيت الحيوان والعروض باتفاق، ولا يعمل في العقار وذوات الأمثال على المشهور.
وقال ابن وهب: يعمل أيضًا فيهما، وإليه أشار بقوله: وقيل في الأربعة كغيره، لأنه أراد بالأربعة العقار، وثلاثة أنواع: المثلى المكيل، والموزون، والمعدود. وفرق للمشهور بأن غالب شراء العقار للغنية، فلا يطلب فيه كثرة الثمن وقلته بخلاف غيره، وبأن الأصل في ذوات الأمثال القضاء بالمثل والقيمة كالفرع، فلا يعدل إليها مع إمكان الأصل.
وفي بيعه قبل قبضه قولان
أي: وفي بيع المذكور وهو العقار وذوات الأمثال، وهما القولان المتقدمان. وكرره، لأنه لما لم يعمل فيها تغيير السوق فلا يتوهم لأجل ذلك لا ملك يعمل فيه تغير، فلا يخاف أن يتهم أنه يعمل فيها غيره من المفوتات، على أن الظاهر أن مراده بهذا خلا ف الأول، ويتضح لك ذلك بما قاله في الجواهر، فلو باع ما اشتراه شراء فاسدًا فقد رأى المتأخرون في نفوذ المتأخرون في نفوذ البيع له وهو في يد بائعه قولين، قالوا: وكذلك عكسه، وهو أن يبيع البائع ما باعه بيعًا فاسدًا بعد قبض من اشتراه الشراء الفاسد. وجعلوا سب الخلاف كون البيع الفاسد هل ينقل شبهة الملك أم لا؟ انتهى.
فيحمل كلامه في هذا الفرع على الفرع الثاني الذي في ابن شاس، وقد حكى ابن بشير هذا الخلاف أيضًا.
وفي طول الزمان في الحيوان قولان
أي: وفي مجرد الطول فقط. والقول بأنه يفيت مذهب المدونة، القول الآخر ذكره ابن شاس. وعلى المشهور فذكر فيها في العيوب أن مرور الشهر فوت، وذكر في السلم أن
[ ٥ / ٥١٠ ]
الشهرين لا يكون فوتًا، وحمله اللخمي على الخلاف، ورأى المازري أنه ليس بخلاف وإنما هو اختلاف شهادة.
تنبيه: سكت المصنف عن الطول في غير الحيوان، أما العقار، فقال في البيان: واختلف قول ابن القاسم في طول الزمان هل هو فوت في الأرضين والدور أم لا؟ والقولان في كتاب الشفعة من المدونة نص في موضع منها أن طول الزمان فوت، وفي موضع آخر أن الستين والثلاث ليس بفوت، فدل أن طول الزمان فوت.
ونص اللخمي والمازري أن مالكًا وابن القاسم قالا: لا يفيتها الطول. قالا، وقال أصبغ: [٤٨٣/أ] إلا أن يكون الطول عشرين سنة، فإن هذا لابد أن يدخله التغيير في بعض الوجوه والبلاد.
وأشار المازري إلى أن ما ذكر أصبغ لا يخالف فيه، والرواية المذكور فيها: أن مجرد الطول لا يفيت، إنما أطلقت على أن طول الزمان لم يغير عينها.
وأما العروض، ففي المدونة: لا يفيتها الطول، إذ لم تتغير في نفسها ولا حال سوقها. وذكر ابن راشد أن طول الزمان في العروض مفيت، قال: لسرعة التغيير فيها.
ونقل العروض والمثلي من بلد إلى بلد بتكلف أو إجارة، ووطء الأمة كتغير السوق
أي: فيفيت غير المثلي ولا يفيت المثلى على المشهور، وهذا ظاهر كلامه وفيه نظر، لأن الذي نقله المازري وغيره: أن نقل العروض والمثلي مفيت، ولم أر خلافه. وتقييده بتكلف وإجارة يخرج الحيوان الذي ينتقل بنفسه فلا يكون نقله فوتًا. قال المتأخرون: إلا في خوف الطريق وأخذ مكترٍ عليه، فلذلك فوت لما فيه من الضرر. ونبه بقوله: (بتكلف أو إجارة) على وجه إلحاقه بتغير السوق، وهو ما يلحق من زيادة فيها.
[ ٥ / ٥١١ ]
وما ذكره المصنف من وطء الأمة هو في الموازية لابن القاسم، ووجهه: أنه يفتقر إلى إيقافها إلى الاستبراء، ويمنه السيد من التصرف فيها بالبيع والوطء وغيره، فيلحق البائع الأول الضرر.
اللخمي: ولم يجعل ابن القاسم الغيبة عليها فوتًا ولا يعلم الوطء إلا بذلك، فإن قال: وطئتها، صدق. فإن قال: لم أصبها وصدقه البائع، ردت ووقفت للاستبراء، وإن كذبه وكانت من العلي لم ترد، وإن كانت من الوخش فالقول قوله: أنه لم يصب، وردت ولم توقف.
ولو ارتفع السبب قبل الحكم بالفوات، فإن كان بتغير سوق ثم عاد لم يرتفع، وفي ارتفاعه بالبيع ثم يرجع، وبالعتق والتدبير ثم يرده الغريم، وبالإجارة والرهن والعيب ثم يزول قولان لابن القاسم وأشهب
أي: إذا وقع البيع فاسدًا وحصل هنالك مفيت من الأنواع المفيتة، ثم ارتفع ذلك المفيت قبل أن يحكم القاضي بعدم الرد، وأما لو حكم لمضى اتفاقًا. فإن كان المفيت تغير سوق ثم زال، فإنه يقدر كأن التغيير حاصل، وإليه أشار بقوله: (لم يرتفع) إلى الفوات. وإن كان غيره- كما ذكر المصنف- فقال ابن القاسم: يرتفع الفوات ويكون له الرد. وقال أشهب: لا يرتفع كحوالة الأسواق.
وفرق لابن القاسم بوجوه، أولها: أن السوق الثانية غير الأولى بخلاف البيع، فإن البيع إذا رجع فهو الأول بعينه قطعًا. ورده المازري بأن المعتبر وقوع السبب وهو البيع لا السوق، فلا فرق بين سوق تغيرت ثم عادت، أو سلعة بيعت ثم عادت.
ثانيها لأبي عمران: أن حوالة الأسواق تغير في عين السلعة، لأن المقصود ثمنها. وأما خروج السلعة من يد المشتري فليس بتغير، وإنما هو لأجل أن يد المشتري فيه حائلة، فإذا زالت انتقض. المازري: وهو قريب من الأول.
[ ٥ / ٥١٢ ]
ثالثها: لصاحب النكت وابن يونس: بأن تغير السوق ليس من سببه فلا يتهم بخلاف غيره. ورده المازري: بأنه فرض المسألة في المدونة فيما إذا عادت بميراث، ولا تهمة فيه مع أنه ساوى بينه وبين ما إذا عادت بشراء.
وتلف المبيع البت بسماوي وقت ضمان البائع يفسخ العقد
لما تكلم على الضمان في الصحيح والفاسد تكلم فيما يتعلق به من تلف أو استحقاق، أي: من اشترى شيئًا فهلك بسماوي، أي: تلف بأمر من الله لا صنع لآدمي فيه وقت ضمانه من بائعه، فإن البيع ينفسخ وإلا لم يكن لضمانه فائدة. واحترز بالبت من الخيار، وسيأتي.
ودخل في قوله: (وقت ضمان البائع) المحتبسة للثمن، والإشهاد، والبيع المحتاج إلى توفية، والثمار المشتراة بعد بدو صلاحها. ولا يقال: يرد عليه تلف المبيع بخرجه، لأن البيع في السلم ليس هذا هو، وإنما هو الضمان في الذمة.
وتعييبه يثبت الخيار
يصح أن يقرأ بالغين المعجمة، أي: إذا غيبه البائع، وقال: هلك، يثبت للمشتري الخيار في فسخ البيع عن نفسه، لأنه لم يتمكن من المبيع. والفرض أن ضمانه من بائعه وفي التماسك به، ويطلب البائع بمثله إن كان مثليًا أو قيمته، وذلك بعد يمين البائع أنه هلك، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد السلام.
ويحتمل أن يقرأ بالعين المهملة وهو ظاهر، وهو الذي قاله ابن راشد وغيره ممن تكلم على هذا الموضع، والمعنيان صحيحان.
وتلف بعضه أو استحقاقه كرده بعيب، إلا أنه لا يلزمه باقي جله بحصته على المشهور للجهل بالثمن
أي: وتلف بعض المبيع واستحقاقه، يريد: والبعض المستحق معين، لأن الشائع له حكم سيأتي، كرد البعض بعيب فينظر في الباقي بعد التلف والاستحقاق، فإن كان وجه
[ ٥ / ٥١٣ ]
الصفقة- أي: أكثر من الصنف- لزمه الباقي بنسبته من الثمن، وإن كان التالف أو المستحق هو الجل، فقال المصنف: لا يلزمه باقي جلِّه على المشهور، أي: لا يجوز له التمسك بالباقي خلافًا لابن [٤٨٣/ب] حبيب.
هكذا الخلاف لا ما هو ظاهر كلام المصنف، ولهذا اعترض عليه ابن راشد، ولعل المصنف اكتفى بقوله: (للجهل بالثمن) لأنها علة تقتضي المنع، فرأى في المشهور أن البيع قد انحل بتلف جله أو استحقاقه، فتمسك المشتري بباقية كإنشاء عقدة بثمن مجهول، إذ لا تعلم نسبة الجزء الباقي إلا بعد تقويم أجزاء المبيع على الانفراد ونسبة كل واحد من تلك الأجزاء المعينة من مجموع الصفقة.
ورأى ابن حبيب أن هذه جهالة طرأت بعد تمام العقد فصارت بمنزلة الجهالة الطارئة إذا اطلع على عيب بالمبيع، وبناه على أحد قولي ابن القاسم في جواز جمع الرجلين سلعتهما في البيع. والذي علل به ابن حبيب هو الأول، وقال: يجوز له أن يتمسك بباقي الصفقة، لأنه بيع قديم، ثم قال: بخلاف من باع عبدًا أو جارية- وهي الصفقة- فهلكت في المواضعة، فلا يجوز التمسك بالعبد، لأنه بيع لم يتم.
بخلاف المثلي فيهما، فإنه يلزم بحصته إلا أن يكون جله فللمشتري الخيار
أي: في التلف والاستحقاق، فإنه إن كان التالف أو المستحق نصف الصفقة فأقل، لزمه الباقي بما يخصه من الثمن. ولا مخالفة للمثلي في هذا الوجه للمقوم، وإنما يخالفه في قوله: (إلا أن يكون جله فللمشتري الخيار) أي: في التمسك بالباقي بحصته، أو فسخ العقد عن نفسه ولا يكون كالمقوم.
والفرق بينهما: أن ما ينوب المثلي من الثمن معلوم بخلاف المقوم. واعترضه ابن عبد السلام بأن كلامه يقتضي أن لا خيار له في المثلي باستحقاق النصف وليس كذلك،
[ ٥ / ٥١٤ ]
بل قال ابن القاسم: يخيره في الثلث فأكثر. وأشهب: لا يخيره فيه ولا في الجل، فإنه لا يرى الخيار في المثلي بالجل ولا ما دونه، ويلزمه الباقي بما ينوبه من الثمن.
خليل: وقيل إنما يخير في الطعام بالنصف. وفي ابن يونس: يخير فيه بالربع، فقال: جعلوه مخيرًا إذا وجد ربع الطعام معيبًا كالكثير من العروض، فإذا وجد ربع الطعام معيبًا، لم يكن للمبتاع إذا وجد ربع الطعام معيبًا كالكثير من العروض، فإذا وجد ربع الطعام معيبًا، لم يكن للمبتاع رد المعيب وأخذ السالم إلا برضى البائع، لكمال حاجة الناس إلى الطعام فجعل له مزية، كما ضمنه الحمالون ونهى عن بيعه قبل قبضه، بخلاف العروض.
وفي البيان: وجود العيب بالطعام على خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون العيب مما لا ينفك عنه الطعام كقيعان الأهراء.
الثاني: أن يكون العيب مما ينفك عنه إلا أنه يسير لا خطب له.
الثالث: أن يكون ذلك كالربع والخمس.
الرابع: أن يكون ذلك كالثلث والنصف.
الخامس: أن يكون أكثر من الصف.
فأما إن كان العيب مما لا ينفك عنه كقيعان الأهراء، فإنه يلزم المشتري ولا يوضع عنه لذلك شيء من الثمن، وإن كان مما لا ينفك عنه إلا أن يسير لا خطب له، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن فذلك له بلا خلاف. وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك على ما في المدونة، وكذلك على رواية يحيي عن ابن القاسم، وأما إن كان ذلك كالربع والخمس، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن فذلك له بلا خلاف.
وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك.
[ ٥ / ٥١٥ ]
وأما إن كان ذلك والنصف، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري ذلك بحصته من الثمن، فليس له ذلك على قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وله ذلك على قول أشهب واختاره سحنون، وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك بلا خلاف.
وأما إن كان ذلك أكثر من النصف، فليس للبائع أن يلزمه للمشتري السالم بحصته من الثمن، ولا المشتري أن يلتزمه إلا برضاهما.
انظر ما حكاه في الربع من الاتفاق على أن للبائع أن يلزم المشتري السالم بحصته، فإنه خلاف ما حكاه ابن يونس، وقاله أبو الحسن.
خليل: وروى ابن يونس قوله في المدونة في باب القسم: ومن اشترى مائة إردب قمحًا فاستُحق منها خمسون خير المبتاع بين أخذ ما بقي بحصته من الثمن أو رده، فإن أصاب بخمسين إردبًا منها عيبًا أو بثلث الطعام أو بربعه، فإن له أخذ الجميع أو رده.
فائدة: لهم ثلاث مسائل: مسألة: لا يجوز التمسك فيها بباقي الجل، وهي المسألة التي خالف فيها ابن حبيب. ومسألة: يلزم التمسك فيها بباقي الجل، وهي ما في الجائحة. ومسألة: يخير فيها، وهي باقي العيب.
والجزء المشاع يستحق فإنه يخير مطلقًا
يعني: وأما إذا استُحق جزء شائع فإنه يخير مطلقًا، سواء كان الجزء يسيرًا أو كثيرًا، لضرر الشركة.
وكل ثوب ونحوه بدرهم لغو، فالقيمة
أي: لو وقع العقد على سلع متعددة وسميا لكل سلعة جزءًا من الثمن، كمن اشترى ثمانية أبواب بثمانية دنانير وسميا لكل ثوب دينارًا ثم استُحق واحد منهما، فالتسمية لغو ولابد من الرجوع إلى القيمة، لأنه قد يكون أحدهما أردأ.
[ ٥ / ٥١٦ ]
وقسم في البيان في الأكرية هذه المسائل على ثلاثة أقسام، فقال: إن خالفت التسمية القيمة وشرط الرجوع بها لا بالقيمة عند الاستحقاق ونحوه، فلا خلاف أن البيع فاسد. وإن شرطا الرجوع إلى القيمة فلا خلاف أن البيع جائز. وإن دخلا على السكوت، فقال ابن القاسم ورواه عن مالك: التسمية لغو والبيع [٤٨٤/أ] صحيح.
وقاله سحنون، وأصبغ، وروى ابن القاسم أيضًا: أن مراعاة التسمية فاسد.
وإتلاف المشتري قبض
هذا قسيم ما تلف بسماوي، أي: إذا أتلف المشتري ما اشتراه وهو في ضمان البائع فهو كقبضه له فيلزمه الثمن. وحكى ابن عبد السلام الاتفاق على ذلك، سواء علم أنه المبيع أم لا، سلطه البائع عليه أو لا.
وإتلاف البائع والأجنبي يوجب الغرم
أي: من باع سلعة ثم أتلفها هو أو أجنبي قبل قبض المشتري لها، فإن ذلك الإتلاف يوجب الغرم، ولم يبين المصنف ما يغرم، وصرح في الجواهر: يغرم القيمة في حق البائع والأجنبي. وفي اللخمي في كتاب العيوب تفصيل، فقال: إن هلكت خطأً فسخ البيع ولا شيء للمشتري ولو كانت القيمة أكثر من الثمن، وإن هلكت عمدًا أو كانت القيمة أكثر غرم البائع فضل القيمة عن الثمن.
فإن اختلف الثمن والقيمة في الجنس كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يدع الثمن الذي اشترى به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول بأن المصيبة من المشتري يكون العمد والخطأ سواء، وعلى المشتري الثمن وله القيمة، فمن كان له فضل أخذه. قال: وإن أهلكه أجنبي خطأً أو عمدًا فعليه الأكثر من القيمة أو الثمن، لأنه أبطل على البائع الثمن الذي له في ذمة المشتري، هذا على القول
[ ٥ / ٥١٧ ]
بأن الضمان من البائع، وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الجاني وعليه الثمن للبائع. خليل: وهذا إنما هو في المحتبسة.
وكذلك تعييبه
أي: تعييب المبيع كإتلافه، فيفضل فيه بين البائع والمشتري والأجنبي كما تقدم.
وإتلاف المشتري والأجنبي الطعام المجهول كيله يوجب القيمة لا المثل
أي: من اشترى طعاما على الكيل فأتلفه المشتري أو الأجنبي قبل معرفة كيله فالواجب فيه القيمة، وتبع في هذا ابن بشير، وفصل المازري فجعل هذا في الأجنبي فقط، وأما المشتري، فقالوا: يعد بإتلافه قابضًا لما يتحرى فيه من المكيلة.
وفي المدونة: وإن ابتعتها على كيلٍ كلُّ فقيزٍ بكذا فهلكت قبل الكيل بأمر من الله تعالى، كانت من البائع وانتقض البيع. وإن هلكت بتعدي البائع أو أفاتها بيع فعليه أن يأتي بمثلها تحريًا يوفيها على الكيل، ولا خيار لك في أخذ ثمنه أو الطعام. ولو أهلكها أجنبي غرم مكيلتها إن عرفت وقبضت على ما اشتريت، وإن لم يعرف كيلها أغرمناه للبائع قيمتها عينًا، ثم ابتعنا بالقيمة طعامًا مثله ووفيناكه على الكيل. قيل: وإنما ألزم البائع مثلها تحريًا والأجنبي قيمتها، لأنه لو ألزم الأجنبي المثل لما أمن من التفاضل بين الطعامين، وقيل: لأن الغالب في البائع علم المكيلة، فلو التزم القيمة لكان البائع قد يربح.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: فإذا رغم الأجنبي تلك الصبرة فاشترى مثلها، فإن فضلت فضلة لرخص حدث فالفضلة للبائع، لأن القيمة له إن غرمت، ألا ترى أن المتعدي لو أعدم أو ذهب فلم يوجد كانت المصيبة من البائع، فلما كان عليه التوابع كان له النماء. والمشتري إذا أخذ مثل صبرته التي اشترى لم يظلم، وإن لم توجد بالقيمة إلا أقل كان ما نقص كالاستحقاق، فإن كان كثيرًا فللمشتري فسخ البيع، وإن كان يسيرًا أسقط عنه حصته.
[ ٥ / ٥١٨ ]
ابن أبي زمنين: والذي يدل عليه لفظ الكتاب أن البائع هو الذي تولى الشراء بالقيمة، وقيل: إن المتولي هو الأجنبي المتعدي. وحكى ابن بشير أنه على المشتري.
قوله: (لا المثل) أي: ليس عليهما غرم المثل، إذ الجزاف مقوم لا خصوصية للطعام، بل كذلك كل جزاف بيع على الكيل.
ولا ينفسخ على الأصح
ظاهر كلامه أن القولين في الصورتين، أي: سواء كان التلف من المشتري أو الأجنبي، والخلاف إنما هو في الأجنبي، ففي المدونة: يفسخ كما تقدم. وقال أشهب: لا يفسخ.
وأما إن كان المشتري هو المتلف فقد يحمله على إتلافها قبل الكيل استغلاؤها فيستهلكها لتلزمه القيمة ويسقط عنه الثمن، فلا يمكن من الفسخ لذلك.
والضمان في الخيار من البائع فيما لا يغاب عليه، ومن المشتري إذا كان بيده ما يغاب عليه، ويصدق المشتري مع يمينه ما لم يظهر كذبه
قد تقدمت هذه المسألة مع نظائرها، أي: سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما، أو لأجنبي. هذا راجع إلى قوله: (وتلف المبيع البت بسماوي).
قوله: (ويصدق المشتري) أي: فيما لا يغاب عليه إذا ادعى هلاكه مع يمينه.
واختلف هل يحلف المتهم وغيره، أو المتهم فقط ما لم يظهر كذبه، كدعواه موت العبد والدابة في حاضرة وله جيران لا يعلمون ذلك، فإنه يصدق ولا يحلف، لأنَّا إنا نحلفه إذا لم يضمن.
إلا أن يقبض المشتري ما يغاب عليه إلا أن تقوم له بينة
الاستثناء الأول منفصل، لأن ما تقدم فيما لا يغاب عليه، وهو مخالف لما يغاب عليه. ويحتمل الاتصال، لأن قوله: (ويصدق المشتري مع يمينه) عام أخرج منه ما يغاب
[ ٥ / ٥١٩ ]
عليه، أي: أن المشتري يصدق مع يمينه إلا في قبض ما يغاب عليه، فلا يصدق فيه مع يمينه، وهذا هو المشهور.
وقال ابن نافع: إذا كان الخيار للبائع فضمان المبيع منه مطلقًا.
وفي المازري: إذا كانت في يدي البائع فضمانها منه مطلقًا كان الخيار له أو للمشتري أو لهما [٤٨٤/ب] معًا، وإن كانت بيد المبتاع والخيار له، فإن المذهب: يضمن ما يغاب عليه إلا ببينة.
ابن راشد: إن كانت في يده والخيار للبائع، فالمشهور أن المبتاع ضامن. وذهب ابن كنانة إلى أن الضمان هنا من البائع أشهر. ونقل اللخمي عنه أن الضمان من مشترط الخيار.
وأما الاستثناء الثاني وهو قوله: (إلا أن تقوم له بينة) فمتصل بلا شك، أي: أنه لا يصدق إلا إذا قامت له بينة.
ابن عبد السلام: انظر هل يدخل خلاف أشهب المذكور الذي في الرهن والعارية وأنه لا يبرأ وإن قامت بينة؟
خليل: أشار اللخمي وابن راشد وغيرهما إلى تخريج قوله هنا.
فإذا غاب عليه المشتري والخيار للبائع، ضمن الأكثر، إلا أن يحلف فيضمن الثمن، وقال أشهب: الأكثر
فإن غاب المشتري على ألا يغاب عليه والخيار للبائع، فقال ابن القاسم: يضمن المشتري الأكثر من الثمن والقيمة، لأنه إن كان الثمن أكثر مضى البيع، وإن كانت القيمة أكثر رد، إلا أن يحلق المشتري أنه لم يتلف المبيع ولقد هلك بغير سببه، فيلزمه الثمن.
وقال أشهب: يضمن الأكثر مطلقًا، ولم يقبل اليمين وهو الأظهر.
[ ٥ / ٥٢٠ ]
وإن كان الخيار للمشتري ضمن الثمن، وقال أشهب: الأقل ويحلف
أي: فإن كان الخيار للمشتري والمسالة بحالها، فقال ابن القاسم: يضمن المشتري الثمن، لأنه يعد راضيًا بتعييب المبيع. وقال أشهب: هذا إذا كان الثمن أقل، وإن كان أكثر ولم يحلف على ضياع المبيع فكذلك، وإن حلق على ضياعه وأنه لم يرض بالشراء فليس عليه إلا القيمة.
تنبيه: وقع في بعض النسخ: أو الأقل بإثبات أو وليست بجيدة، لأن الأقل هو الأقل من الثمن أو القيمة، وكيف يعطف الأقل على الثمن.
وإذا غاب عليه البائع والخيار للمشتري ضمن الثمن. وقال أشهب: أو الأقل ويحلف
أي: إذا لم يقبض المشتري المبيع وهو مما يغاب عليه، أو قبضه ورده للبائع والخيار للمشتري فادعى البائع تلفه، فإنه يضمن للمشتري الثمن ويصير كمن استهلك سلعة وقفت على ثمن.
وقال أشهب: إذا حلف البائع أنه لم يتلف المبيع فيضمن الأقل. هكذا قال المصنف، وصوابه أن يقول، وقال أشهب: الأكثر، وهكذا قال اللخمي.
ابن راشد: هو فساد في الأصل ووجهه ظاهر، لأنه إذا كان الثمن أكثر فالبائع قد أتلف ما يقابله، وإن كانت القيمة أكثر فالبائع يتهم في إتلافها لاسترخاصها.
والخيار للبائع واضح
أي: إذا صار بيد البائع والخيار له فغاية الأمر أنه تصرف فيه اختيارًا، وذلك رد للبيع.
[ ٥ / ٥٢١ ]
فلو اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار أحدهما والخيار له: فأحدهما مبيع وهو في الآخر أمين، وقيل: إلا أن يكون سأل في إقباضهما. وقال أشهب: ليس بأمين
أي: إذا اشترى ثوبًا من ثوبين وقبضهما ليختار واحدًا منهما إن شاء، وإن شاء ردهما فليس له أن يتمسك إلا بواحد منهما، فيضمن أحدهما بالاتفاق، لأنه بيع على خيار، واختلف في الآخر على ثلاثة أقوال، مذهب ابن القاسم وهو المشهور: أنه فيه أمين، لأنه مقبوض على أن يرد على صاحبه.
والثاني له أيضًا في الموازية: وإن لم يسال في الإقباض فكالأول، وإن سأل البائع ضمنهما، واختار محمد الأول.
والثالث لأشهب في الموازية، وقال: ضامن لهما، لأن كل واحد منهما يمكن أن مبيعًا.
فإن ادعى ضياعهما، فعلى المشتري ضمان واحد بالثمن لا غير، وقال أشهب: يضمنهما أحدهما بالثمن أو الأقل، والآخر بالقيمة
هذا تفريع الأقوال، وبدأ بالتفريع على الأول لأنه المشهور، أي: فعليه أن يضمن واحدًا بالثمن كما تقدم، ولا ضمان عليه في الثاني لأمانته فيه. وعلى قول أهب يضمنها، أحدهما: بالقيمة لكونه غير مبيع، ويضمن الآخر بالأقل من الثمن أو القيمة، لأنه إذا كان الخيار له قادر على أن يلزمه بالثمن أو يريده، فيضمنه بالقيمة بعد حلفه.
وقوله: (بالثمن أو الأقل) يريد بالثمن إن كان أقل، أو بالقيمة إن كانت أقل، ولو أسقط بالثمن واكتفى بالأقل لكان أحسن.
ولم يفرع المصنف على القول بالتفرقة لوضوحه، لأنه إن سأل فكقول أشهب وإلا فكالمشهور.
[ ٥ / ٥٢٢ ]
وإذا ادعى ضياع أحدهما، فعلى المشهور: يضمن نصف ثمن التالف، وله أن يختار كل الباقي. وقال محمد: لا يختار إلا نصفه. وعلى قول أشهب: إن أخذ الباقي أخذه بالثمن والتالف بالقيمة، وإن رده فعليه للتالف الأقل من الثمن أو القيمة
أي: فإذا كانت المسألة بحالها ولكن ادعى المشتري ضياع أحدهما لا جميعهما، فعلى المشهور: يكون الضياع نصفه مبيعًا ونصفه الآخر هو فيه أمين، فيلزمه نصف الثمن الضائع، واتفق ابن القاسم ومحمد على هذا، ثم اختلفا، فقال ابن القاسم: له أن يختار جميع الثوب الباقي لضرر الشركة. وقال ابن المواز: ليس له أن يختار إلا نصف الباقي، إلا أن يرضى البائع. قال: لأنه لم يبعه ثوبًا ونصفًا وإنما باعه ثوبًا واحدًا، ونسب المصنف هذا القول لمحمد. والذي في ابن يونس عن الموازية: أن السالم بينهما والعيب بينهما وعليه نصف ثمن كل منهما. وعلى قول أشهب: إن أخذ الباقي كان عليه بالثمن، والتالف بالقيمة، لأن البيع لم يتم فيه، وإن رده فعليه التالف بالأقل من الثمن أو القيمة على ما [٤٨٥/أ] تقدم فوق هذا.
ولو اشتراهما والخيار له فيهما أو في أحدهما، فكلاهما مبيع
أي: اشترى الثوبين معًا على أنه بالخيار فيهما بين أن يردهما أو يمسكهما معًا، أو اختار أحدهما دون الآخر، فجميع الثوبين مبيع. فإن ادعى ضياعهما والخيار له فيهما فيلزمه ثمنهما عند ابن القاسم ويلزمه الأقل عند أشهب، وإن كان الخيار في أحدهما والثاني لازم وادعى ضياعهما معًا، لزمه قيمتهما عند ابن القاسم وثمن أحدهما، والأقل في الآخر عن أشهب كما تقدم.
واقتصرنا على هذا القدر في هذه المسالة قصدًا لحل كلام المصنف، وإلا فالمسالة في كتاب الأصحاب أوسع من هذا.
[ ٥ / ٥٢٣ ]
وإن جنى البائع والخيار له عمدًا، فرد. وقال أشهب: كالخطأ
يعني: من باع عبدًا أو غيره على خيار فجنى عليه البائع عمدًا ولم تتلفه الجناية، فقال ابن القاسم: ذلك رد للبيع كسائر الأفعال الدالة على الفسخ. وقال أشهب: لا تكون جنايته عمدًا دليلًا على الرد، لأن البائع إذا كان الخيار له قادر على الرد مع السلامة، فرده المبيع بواسطة العيب لا يقدر من عاقل وهو الظاهر، وهذا المعنى هو الذي أراد المصنف بقوله: (كالخطأ).
وإن تلفت انفسخ
أي: تلفت السلعة بالجناية انفسخ العقد على القولين، لذهاب عين المعقود عليه.
وإن جنى البائع خطأ، فللمشتري خيار العيب
أي: ولو كانت المسالة بحالها إلا أن جناية البائع خطأ، فللبائع أن يمضي البيع بحكم خيار التروي، لأن جناية البائع خطأً لا يكون ردًا للمبيع، لأن الخطأ مناف لقصد الفسخ، فإن أراد البائع إمضاء البيع كان للمشتري الخيار بعيب النقيصة، لأن ما حدث من العيوب في زمن الخيار كالعيب القديم.
وإن تلفت انفسخ
هو ظاهر.
وإن جنى البائع والخيار للمشتري عمدًا، فله أخذ الجناية أو الرد
واعلم أن المصنف﵀- تكلم على صور هذه المسألة كلها، وهي ست عشرة مسألة، في جناية البائع ثمان، وفي جناية المشتري ثمان، لأنه إذا جنى البائع فإما أن يكون خطأً، أو عمدًا، والجناية إما متلفة، أم لا. فهذه أربع، وكل من الأربع تارة يكون الخيار للمشتري وتارة يكون للبائع، وكذلك الكلام في جناية المشتري.
[ ٥ / ٥٢٤ ]
ولما تكلم المصنف على الأربع شرع فيما بعدها، أي: إن جنى البائع على المبيع بالخيار والخيار للمشتري وكانت الجناية عمدًا ولم تتلف المبيع، فالمشتري مخير بين أن يختار الإمضاء ويأخذ أرش الجناية أو يرده، لأن الخيار بيده.
وقوله: (فله أخذ الجناية) فيه حذف مضاف، أي: فله أخذ أرش الجناية، وهو أعم من أن يكون عيبًا أم لا، ولكن فيها أرش مسمى كالموضحة والمنقلة فيأخذه وإن برئت على غير شين.
خليل: وفي هذه المسألة نظر، والقياس أن المشتري لا يكون له أخذ الأرش، لأن البائع إنما جنى على سلعته، إذ بيع الخيار منحل على المعروف، وأكثر هذه المسائل على الاستحسان، والله أعلم.
فإن تلف ضمن الأكثر
أي: وإن كانت الصورة بحالها، لأن جناية العمد إن أتلفت المبيع، فإن البائع يضمن للمشتري الأكثر من الثمن أو القيمة. فإن كان الثمن أكثر، فللمشتري الفسخ عن نفسه. وإن كانت القيمة أكثر، فمن حق المشتري أن يجيز البيع، فيدفع الثمن ويطالب البائع بقيمة المبيع، فيقاصان في الثمن ويأخذ الزائد.
وإن جنى خطأ فله أخذه ناقصًا أو رده
أي: وإن جنى البائع خطأً والخيار للمشتري ولم يتلف المبيع، فالمشتري مخير بين أن يأخذه معيبًا ولا شيء له، أو يرده.
وإن تلف انفسخ
تصوره ظاهر.
[ ٥ / ٥٢٥ ]
وإن جنى المشتري والخيار له عمدًا، فالقولان في أنه رضا
لما فرغ من صور البائع شرع في صور المشتري. و"أل" في القولين للعهد، أي: قولي ابن القاسم في الصورة الأولى.
فإن تلف ضمن الثمن
وفي بعض النسخ، وقال سحنون: القيمة. أي: فإن جنى المشتري والخيار له عمدًا وتلفت السلعة بجنائية، ضمن المشتري الثمن، وهو ظاهر قول ابن القاسم، لأن جناية العمد دالة على الرضا، وقول سحنون يجري على أنها لا تدل على الرضا، وسقط قوله في كثير من النسخ.
إن جنى خطأ، فله رده وما نقص
أي: فإن جنى المشتري جناية خطأً ولم تتلفه والخيار له، فللمشتري رد ذلك المعيب بحكم الخيار، لكن بقيمة العيب، وله أن يتمسك به معيبًا ولا شيء عليه، لأنه تبين له أنه جنى على ملكه، والقياس أن يغرم للبائع الأرش، لأنه في ضمانه.
وإن تلفت ضمن الثمن كله، وقال سحنون: القيمة
أي: فإن تلفت السلعة بجناية المشتري خطأً والخيار له، ضمن الثمن كله، قاله ابن القاسم في المدونة. وقال سحنون: القيمة. فقيل: وفاق. ثم قيل: مراد ابن القاسم بالثمن القيمة.
المازري: وهو خلاف ظاهر اللفظ. وقيل: مراد ابن القاسم إذا ثبت أن المشتري اختار قبل أن يجني. المازري: وهو تعسف. وقال ابن محرز: خلاف. والقولان مبنيان على الخلاف فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، فهل يضمن الثمن الذي وقفت عليه، أو القيمة؟ وأنكر اللخمي بناء الخلاف على هذا، لأن ذلك الخلاف إنما هو في سلعة كثر فيها العطاء، وتواطأ جماعة من الناس عليه حتى صار كالحاصل.
[ ٥ / ٥٢٦ ]
وأجاب المازري بأن أصله في تضمين الثمن المسمى كون المشتري يعد بإتلافه السلعة كالمتلف لثمنها، فكان للبائع أن يلزمه إياه فيدخله الخلاف كالسلعة الموقوفة.
وإن جنى المشتري والخيار للبائع عمدا أو خطأ، فله أخذ الجناية أو الثمن، فإن تلف ضمن الأكثر
يعني: إذا كانت الجناية من المشتري على المبيع ولم يتلفه، وجمع بين العمد والخطأ لاتحادهما في الحكم، فللبائع أن يرد البيع ويأخذ [٤٨٥/ب] ارش الجناية من المشتري، وله أن يمضي البيع ويأخذ منه الثمن. وفي إمضائه البيع نظر، لأن الضمان منه فيكون للمشتري خيار العيب. أما إن تلفت ضمن المشتري للبائع الأكثر من الثمن، إذ له أن يمضي البيع أو القيمة، إذ له أن يرده.
وإن جنى أجنبي فالأرش للبائع، وقيل: إن أمضي البيع فللمشتري
لما فرغ من جناية البائع والمشتري شرع في جناية الأجنبي. والمشهور أن الأرش للبائع، سواء كان الخيار له أو للمشتري أو لغيرهما، لأن المبيع على ملك بائعه.
وقال ابن حبيب: إن أمضى البيع فللمشتري الأرش، ولعله مبني على أن بيع الخيار منعقد.
وبيع المشتري قبل القبض جائز إلا في الطعام مطلقًا
يصح في المشتري كسر الراء من إضافة المصدر إلى الفاعل ويكون المفعول محذوفًا، أي: ما اشتراه. ويحتمل أن يفتح قوله: (مطلقًا) أي: ربويًا كان أو غيره، لما في الموطأ والبخاري ومسلم عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله».
[ ٥ / ٥٢٧ ]
وهل المنع من بيع الطعام قبل قبضه تعبد، أو معقول المعنى؟ قولان. وعلى الثاني فقيل: إنما نهى عن ذلك لأن أهل العينة كانوا يتوصلون إلى الفساد ببيع الطعام قبل قبضه، فنهى عن ذلك سدًاّ للذريعة والفساد. وقيل: لأن للشرع غرضًا في ظهوره، فإنا لو جوزنا بيعه قبل قبضه لباعه أهل الأموال بعضهم من بعض من غير ظهور، بخلاف ما إذا منعنا ذلك، فإنه حينئذ ينتفع به الكيال والحمال، ويظهر للفقراء وتتقوى نفوس الناس به، والله أعلم.
بشرط كونه معاوضة فيما فيه حق توفية من كيل أو شبهه، بخلاف الهبة، والقرض، والصدقة، وكذلك الجزاف على الأصح
هذا الشرط راجع إلى المستثنى، أي: بشرط كون الطعام وجب عن معاوضة وكونه فيه توفية، فاحترز بمعاوضة من القرض والهبة والصدقة، أي: فإنه يجوز بيعه في هذه الوجوه قبل قبضه.
قال بعض من تكلم على هذا الموضع: وفي اشتراطه المعاوضة نظر، لأن الاستثناء دل على منع بيع الطعام المشتري.
فإما أن يريد بالمعاوضة نفس الشراء أو أعم، فالأول يلزم منه اتحاد الشرط والمشروط، ويلزم عليه أيضًا جواز بيع الطعام إذا لم يكن من شراء، كما لو كان عن منافع، أو نكاح، أو خلع، أو صداق، أو مثلًا لمتلف، أو أرش جناية، وذلك لا يجوز.
وإما أن يريد ما هو أعم فلا يصح، لأن الشرط مقيد لمشروطه فلا يكون أعم. وهذا إنما يأتي إذا كان كلام المصنف يشتمل على شرطين، أما إن جعل شرطًا واحدًا مشتملًا على جزءين فلا.
تنبيه: جعل في الواضحة ما يأخذه القضاة والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام من باب المعاوضة، فمنع من بيعه قبل قبضه.
[ ٥ / ٥٢٨ ]
وحكى ابن بشير فيما يأخذه المستحقون من بيت المال قولين: الجواز، والمنع بناءً على أنه عن فعل غير معين فأشبه العطية، أو مستحق على أمر واجب فأشبه المأخوذ في الإجارة.
وأجاز في المدونة بيع ما على المكاتب من الكتابة بعرض أو عين خاصة قبل الأجل، فلا يجوز بيع ذلك من الأجنبي حتى يقبضه.
ابن حبيب: إلا أن يكون يسيرًا تافهًا. قاله مالك في المدونة.
ولا يجوز أن يبيع من المكاتب نجمًا قبل قبضه، وإنما يجوز أن يبيع جميع ما عليه ويعجل لحرمة العتق، وقاله سحنون: وقيل: يجوز وإن لم يتعجل العتق، لأن الكتابة ليست بدين ثابت. واختلف الشيوخ على مذهب ابن القاسم على أن القولين يحمل.
ابن بشير: ولو ثبت الطعام في الذمة عن تعد أو غصب، ففي بيعه قبل قبضه قولان.
واقتصر في البيان على منح البيع قبل القبض في أرزاق القضاة وولاة السوق والمؤذنين والكتاب والأعوان والجند الذين يرزقون من الأطعمة، أما إن كان الطعام رفقًا وصلة على غير عمل، أو إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل، فيجوز البيع قبل القبض، قاله في البيان. قال: ويجوز بيع الأرزاق والعطايا السنة والسنتين إذا كان مأمونًا، قال: ولا يجوز بيع أصل العطاء، لأنه يبطل مئونته، قال ذلك أشهب، وابن وهب، وجماعة من التابعين ﵃.
واحترز المصنف بكونه مما فيه حق توفية من الجزاف، لأنه مقبوض بنفس العقد وليس فيه حق توفية. وذكر المصنف في الجزاف قولًا بالمنع، وهو مروي عن مالك رواه الوقار. فوجه الأصح ما في أبي داود من حديث ابن عمر﵄-: أنه ﵊ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه.
ومفهومة يقتضي جواز الجزاف، لأنه لم يشتر بكيل. ووجه مقابله في مسلم عن ابن عمر﵁- أنه ﵊ قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى
[ ٥ / ٥٢٩ ]
يستوفيه». قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. ولعله أظهر، لأنه كالنص في الباب.
فرع: وعلى المشهور في جواز بيع الجزاف قبل القبض، فاختلف إذا كان ضمان الجزاف من البائع، مثل: أن يشتري لبن غنم بأعيانها، فهل يجوز بيعه قبل قبضه نظرًا على كونه جزافًا [٤٨٦/أ] وهو قول أشهب، أو لا نظرًا لكونه في ضمان البائع وهو قول ابن القاسم؟ ووقع لمالك في العتبية فيمن اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها، فقال: ليس له بيعها حتى يستوفيه.
ابن القاسم: ثم سألناه عنه، فقال: بيعه قبل استيفائه جائز. ولو باع أشجارًا واستثنى ثمرتها، فهل يمنع من بيع ما استثناه قبل قبضه، أو لا؟ لمالك قولان، واختار ابن عبد الحكم والأبهري الجواز. ولا ضمان هنا على المشتري، وإنما الخلاف هنا مبني على الخلاف في المستثنى هل هو مشترى، أو مبقى؟
فمن ابتاع طعامًا جاز له إقراضه أو وفاؤه عن قرض، ومن اقترضه جاز له بيعه منه ومن غيره
اعلم أن الممتنع من بيع الطعام ما توالى فيه بيعان لا يتخللهما قبض، فلذلك جاز لمن ابتاع طعامًا مكيلًا أن يقرضه أو يوفيه عن دين ترتب عليه، وكذلك جاز لمن اقترضه أن يبيعه قبل قبضه.
ابن عبد السلام: فإن قيل قوله: (ومن اقترضه) تكرار لما قدمه المؤلف من قوله: (بخلاف القرض) فالجواب: لا، لأن الأول محمول على من أقرض طعامًا فله أن يبيعه قبل قبضه، والثاني محمول على من اقترض- أي: تسلف- فله بيعه قبل قبضه من مسلفه.
[ ٥ / ٥٣٠ ]
وليس لمن صار إليه منهما بيعه قبل قبضه
الضمير في (منهما) عائد على المقرض الذي دل عليه إقراضه وعلى المقترض الذي دل عليه وفاؤه، أي: من اقترض ممن ابتاع طعامًا ولم يكن المشتري قبضه من بائعه، فلا يجوز له بيعه قبل القبض، وكذلك لا يجوز للمقرض البيع قبل القبض إذا أوفاه له المبتاع ولم يكن المبتاع قبضه، لأن المقترض في الصورة الأولى والمقرض القابض لدينه في الثانية كما كان تنزلًا منزلة المشتري.
فكما لا يجوز للمشتري فيهما بيعه قبل القبض، فكذلك هما لأنهما حلا محله. ويجوز لهذا المقترض أن يقبضه لآخر قبل قبضه كما كان ذلك للمشتري، ويمتنع المقترض من المقرض من بيعه قبل قبضه من بائعه، فهذا هو الحكم.
ولو كثر المسلفون والمستسلفون، وكذلك من أحاله المشتري على طعام البيع بسبب طعام كان عليه من سلف، فلا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه.
قال في السلم في البيان: من صار إليه الطعام بأي وجه كان، من هبة، أو صدقة، أو قرض، أو اقتضاء من قرض أو ميراث يحل محل المشتري الذي صار إليه الطعام، فلا يجوز له بيعه قبل استيفائه على معنى ما في المدونة وغيرها.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك أنه خفف ذلك في الهبة والصدقة، قال: ولا اختلاف أن الوارث يحل محل موروثه في أنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه، وكذلك من اقترضه أو اقتضاه من قرض كان له. قال: ويحتمل أن يدخل ذلك من الاختلاف ما دخل فيمن وهب له أو تصدق به عليه على ما حكاه ابن حبيب عن مالك.
وقيل: يمنع في الربويات خاصة. وقيل: فيما فيه حق توفيه مطلقًا
هذا راجع إلى صدر المسألة، يعني: أن المشهور منع بيع الطعام مطلقًا. وفي المذهب قولان آخران، أحدهما رواه ابن وهب: جواز بيع الطعام غير الربوي قبل قبضه، لأن
[ ٥ / ٥٣١ ]
المتداول بينهم الربوي فيخص النهي عن بيع الطعام، لكن هذا إنما يجري على التخصيص بالعادة، والصحيح أنه لا يختص به كما تقرر في محله.
والقول بالمنع: في كل ما فيه حق توفية سواء كان طعامًا أم لا، لابن حبيب.
ولا يقبض بنفسه لنفسه إلا من يتولى طرفي العقد كالأب في ولديه، والوصي في يتيميه
فيهما تفسيران، أولهما: لا يجوز لمن وكل على شراء طعام أو بيعه أن يبيعه من نفسه ولا أن يقبض لنفسه، ولو أذن له في ذلك الموكل، لأنه يقبض لنفسه من نفسه.
قال في المدونة: وإن أعطاك بعد الأجل عينًا أو عرضًا، فقال لك: اشتر به طعامًا وكله ثم اقبض حقك لم يجز، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، إلا أن يكون رأس مالك ذهبًا أو ورِقًا فيجوز بمعنى الإقالة.
الثاني وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أنه لو كان عنده طعام وديعة وشبهها فاشتراه من ماله، فإنه لا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء، لأن القبض السابق لم يكن قبضًا تامًا، بدليل أن رب الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه من التصرف لكان له ذلك، إلا أن يكون ذلك القبض قويًا كما في حق الوالد لولديه الصغيرين، فإنه إذا باع طعامًا لأحدهما من الآخر وتولى البيع والشراء عليهما كان له أن يبيع ذلك الطعام على من اشتراه قبل أن يقبضه قبضًا ثانيًا، وكذلك الوصي في يتيميه.
وتبع المصنف في استثنائه من يتولى طرفي العقد ابن شاس ولم آره لأصحابنا، وفي النفس شيء من جواز هذه المسألة، ولاسيما والصحيح عند أهل المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه متعبد به.
[ ٥ / ٥٣٢ ]
وأرخص في الإقالة والتولية والشركة، وقيل: دون الشركة
وروى سحنون في المدونة عن ابن القاسم عن سليمان بن القاسم عن ربيعة عن ابن المسيب أنه قال: من ابتاع طعامًا فلا يبيعه قبل أن يستوفيه، إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة. ورواه أبو داود، وقال: هذا قول أهل المدينة، ولأن هذه الثلاث باب معروف فكانت كالقرض.
والإقالة: أن يقيل البائع المشتري أو العكس. والتولية: أن يولي ما اشتراه لآخر. والشركة: أن يشرك غيره في بعض المبيع.
والقول باستثناء الشركة رواه أبو الفرج عن مالك، لأن المعروف إنما يظهر في الجميع، ورأى في المشهور أنها تولية في البعض.
فرع: [٤٨٦/ب] وهل أجرة الكيل في الإقالة والتولية والشركة على المقيل والمولي والمشرك كما أن العهدة عليه كالبيع، أو لا كالقرض بجامع المعروف، ولأنه لو هلك الطعام المشرك فيه قبل الكيل لكانت مصيبته منهما، وذلك يدل على أنه ليس على الذي أشركه أن يكيله.
ابن يونس: وهو أبين من الأول، والقولان للقرويين.
فينزل المشتري الثاني منزلة المشتري الأول بشرط استواء العقدين في المقدار والأجل وغيرهما سلما كان أو غيره
الثاني: هو المقال والمولى والمشرك منزلة المشتري، وهو المقيل والمولي والمشرك. قوله: (بشرط استواء العقدين في المقدار) اعلم أنه إن كان رأس المال عينًا جازت الإقالة عليه وعلى مثله. وإن كان عرضًا مقومًا جازت الإقالة عليه إذا لم يتعين بنفسه ولم تجز على مثله. وإن كان مثليًا، فهل تجوز الإقالة على مثله؟ المشهور: المنع خلافًا لأشهب.
[ ٥ / ٥٣٣ ]
وأما التولية والشركة فلا يمكن فيهما رد عين رأس المال، فإن كان رأس المال عرضًا منع، ويجوز إذا كان عينًا.
ابن يونس: وإن كان مكيلًا أو موزونًا فهو كالعين على قول أشهب، وأما ابن القاسم فإنه نص في الموازية على أنه لا يجوز التولية على مثله.
اللخمي: وأجازه في المجموعة وهو أحسن، وإن كان المثل مما يختلف الأغراض فيه كالنحاس.
قوله: (والأجل) لا ينافي المساواة فيه إلا أن يكون العقد الثاني بإثر الأول، وإلا فالمعتبر بقية الأجل.
وقوله: (وغيرهما) أي: من الصفة والكيل والرهن. وقوله: (سلما كان أو غيره) نبه به لئلا يتوهم اختصاص التساوي في الأجل بالسلم.
وظاهر قوله: (نزل الثاني منزلة الأول) أن عهدة المولي والمشرك على من كانت عهدة المشتري عليه. ونقل المتيطي ذلك عن مالك. ونقل في البيان قولًا ثانيًا: إذا كانت الشركة والتولية في حضرة البيع، أنها على الذي أشركه أو أولاده، إلا أن يشترط أنها على البائع الأول.
وذكر في جواز اشتراطها على البائع الأول بعد الافتراق أو الطول ثلاثة أقوال: المشهور: المنع، إلا برضاه فيكون من باب الحمالة. والثاني: الجواز. والثالث: لأصبغ: بجواز اشتراطها على البائع وإن افترقا ما لم يطل.
وكذلك نقل أيضًا فيما اشترى شيئًا ثم باعه، هل يجوز له أن يشترط العهدة على البائع الأول طال أو لم يطل، أو لا يجوز فيهما، أو يجوز في الحضرة دون الطول؟ ثلاثة أقوال.
[ ٥ / ٥٣٤ ]
فإن لم يستويا فبيع كغيره
أي: فإن لم يستو العقدان في جميع الشروط بطلت الرخصة ويصير بيعًا، إن قبض المشتري ما اشتراه فصحيح، وإن لم يقبض ففاسد، ونبه على هذا لئلا يتوهم أنه إذا انتفت الإقالة والتولية والشركة المرخص فيها فيبطل العقد.
وإذا أقلت من السلم تعجل الثمن
يحتمل أيها المشتري أو أيها البائع عجل الثمن، أي: يجب تعجيل رأس المال لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين.
مالك: ولا يجوز له أن يفارقه ساعة ولا يفارقه حتى يقبض من الذي وليته أو أقلته، وكذلك الصرف.
اللخمي: والمعروف من المذهب أن الإقالة أوسع من الصرف، وأنه تجوز المفارقة في الإقالة ليأتي بالثمن من البيت أو ما قارب ذلك، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة، لأنه لا يجوز له تأخير الإقالة اليومين والثلاثة بشرط بغير خلاف، واختلف هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين؟ انتهى. بخلاف تأخير رأس المال، فإنه يجوز تأخيره اليوم واليومين ولو بالشرط.
والفرق بينهما: أن اللازم في الأول فسخ دين في دين، وفي الثاني ابتداء الدين وهو أخف، فلذلك وسع فيه، وما ذكره المصنف هو المشهور.
اللخمي: واختلف في الإقالة إذا وقع التراخي فيها بغير عذر شرط على ثلاثة أقوال، منعه في المدونة. وقال مالك في الموازية: بل يتبعه بالدينار ولا يرجع في الطعام. قيل له: إن المشتري يقول له: إن الإقالة لا تصلح إلا بمناجزة فأنا أرجع في طعامي. قال: ليس له ذلك. وقال أشهب: إذا كانا من أهل العينة فسخت الإقالة، وإن لم يكونا كذلك ولا
[ ٥ / ٥٣٥ ]
عملًا عليها رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ، وهو تفسير لقول مالك: إن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن قام دليل على عدم التهمة كان هو موضع الخلاف المتقدم.
ابن محرز: وأضيق الأبواب الصرف، ثم الإقالة في الطعام، ثم التولية فيه، ثم الإقالة في العروض، وفسخ الدين في الدين، ثم بيع الدين المستقر في الذمة.
وعند ابن المواز: في بيع الدين أنه لا بأس أن يؤخر ثمنه اليوم واليومين كرأس مال السلم، ثم تأخير رأس مال السلم.
***
[ ٥ / ٥٣٦ ]
المرابحة: والبيع مرابحة جائز
معناه أن يخير البائع المشتري بما اشترى السلعة به ثم يزيده شيئًا، وهو يحتاج إلي صدق مبين وإلا أكل الحرام فيه بسرعة، لكثرة شروطه ونزوع النفوس فيه إلى الكذب.
ولهذا قال ابن عبد السلام: كان بعض من لقيناه يكره للعامة الإكثار من بيع المرابحة، لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان.
فلو قال بربح العشرة أحد عشر، فزيادة عشر الأصل
مدلولها عرفا ما ذكره المصنف، وإلا فمدلولها لغة أن يربح لكل عشرة أحد عشر.
قوله: (بربح العشرة) يحتمل أن يقرأ بالإضافة، ويحتمل أن ينون ويرفع العشرة على أنه مبتدأ وخبره أحد عشر. والجملة مفسرة [٤٨٧/أ] لقوله: (بربح) فذكر هنا ألفاظًا اصطلح عليها التجار على كيفية بيع المرابحة.
وبوضعية العشرة أحد عشر فينقص جزء من أحد عشر من الأصل على الأصح
أي: بتصيير الأحد عشر عشرةً، أي: بخسران درهم في كل عشرة، وهذا مما يبين لك عدم صحة هذا الكلام على مدلوله اللغوي، لأن إسقاط أحد عشر من عشرة غير معقول، والأصح أنه يقسم الثمن الذي اشترى به المشتري على أحد جزءًا، كمائة وعشرة مثلًا فينقص عنه جزء من أحد عشر، وهي العشرة الزائدة على المائة، ومقابله: يقسم على عشرة أحد عشر جزءًا ويحط جزءًا، وتبع المصنف في هذين القولين ابن شاس، وعبر عنهما ابن بشير بطريقين، وفي كلامه نظر، ولا ينبغي أن يعد هذا خلافًا، لأنه راجع إلى الأول بعد طول ولا فرق بينهما في المعنى، وإنما قلنا: إن مقابل الأصح ما ذكرنا، لأن بناء كتابه في الغالب على متابعة ابن شاس وابن بشير، ولم يذكرا غير ما ذكرناه.
[ ٥ / ٥٣٧ ]
وقد ذكر ابن محرز قولًا أن يكون مقابل الأصح، ونصه: فقال عن ابن اللباد قال لي أحمد بن داود: وإذا باع بوضعية العشرة خمسة، فإنه ينظر كم خمسة من خمسة عشر، فيأخذ الثلث فيوضع عنه من رأس المال ثلثه، وكذلك للعشرة عشرة تضاف العشرة إلى عشرة، ثم يقال: كم هي منها، وللعشرة أحد عشر، فيقال: كم أحد عشر من أحد وعشرين.
لكن قوله بعد هذا: (أو العشرة عشرون باتفاق) يرد هذا، لأنا إذا ضممنا عشرين إلى عشرة فنسبة العشرين من المجموع ثلثاها، فيحط عنه من كل عشرة ثلثاها، وتصور كلامه ظاهر.
فما له عين قائمة من أجرة طرز وصبغ وقصارة وخياطة بحسب ثمنه وربحه
ألحق في المدونة بهذه الأربعة الكمْدَ، وزاد صاحب النكت وصاحب المقدمات الفتل، وزاد المتيطي التطرية.
وما يزيد في الثمن من حمولة وإنفاق يحسب ثمنه لا ربحه
قوله: (من حمولة) قيده اللخمي بأن يكو ن في البلد المنقول إليه أغلى، وأما إن كان سعرهما سواء فلا يحسبه، ولو كان أرخص لم يبع حتى يبين، وإن أسقط الكراء.
واستحسن المازري كلامه إذا حمل البائع المبتاع إلى ذلك البلد وهو عالم أنه لا يربح فيه.
قوله: (وإنفاق) أي: على الرقيق ونحوه. وقيده اللخمي بألا تكون له غلة، فإن كانت أقل حسب ما بقي، وإن كانت أكثر فله ولا يحسب.
المازري: وإن أنفق على سقي النخل وعلاجه أو العقار، فإن ساوت الغلة الإنفاق أو زادت فله البيع مرابحة، وإن قصرت الغلة عن النفقة التي بها حيي النخل حسب ما فضل من النفقة عن الغلة، فلا ربح كالنفقة على الرقيق. ولا يؤثر في بيع المرابحة ما اغتله من لبن احتلبه.
[ ٥ / ٥٣٨ ]
فإن قلت: لا إشكال أن البائع لو بين الحمولة ونحوها واشترط على ذلك الربح أنه جائز، وإن لم يبين فهو غير جائز، فما صورة هذه المسألة؟ قيل: مفروضة فيما إذا قال البائع: هي علي بكذا رأس، مالها بكذا وصبغها بكذا وحمولتها بكذا، وباع بربح العشرة أحد عشر، فإنه حينئذٍ يحسب الربح كما ذكرنا أن له الربح ولا يحسب الحمولة ونحوها.
المازري: ويستعمل في ربح بيع المرابحة أحد أربعة ألفاظ: إما أن يقول: اشتريتها بمائة والربح كذا، أو أربح في كل عشرة كذا، أو يقول: رأس مالي فيها كذا، أو يقول: قامت عليَّ بكذا وهي بكذا.
فإن كان أنفق فيها نفقة مما يحسب له فإنه يُسقَط من هذه العبارتان الأوليان، وهما: اشتريتها بكذا، أو رأس مالي فيها كذا، لأن هاتين العبارتين عبارة عما دفع فيها للبائع، لكنه يقول: هي عليَّ بكذا، أو قامت عليَّ بكذا.
وأما إن كان تولى عملها بنفسه- كالصبغ وغيره- فإنه لا يجوز له أن يعين عن ذلك شيئًا من هذه العبارات، لأنه لم يخرج ثمن ذلك، وغاية ذلك أن يقِّوم عمله، والبيع على التقويم لا يجوز. والله أعلم.
وإلا لم يحسب فيها كالطي، والشد، وكراء البيت
أي: وإن لم يكن مما عين قائمة، ولا مما له تأثير في الثمن لم يحسب فيهما، أي: لا في الثمن ولا ربحه.
وقوله: (كالطي، والشد) هذا مقيد بما إذا لم يعلم المشتري أنه يحتاج في ذلك إلى نفقة، وأما إن علم أنه يحتاج إلى النفقة يحسب ثمنها كالحمل. وقيد التونسي والباجي وابن رشد كراء البيت بما إذا أكراه لنفسه فيكون المتاع تبعًا، وأما إن أكراه للمتاع خاصة فيحسب ثمنه بغير ربح. وكذلك نص عليه محمد.
[ ٥ / ٥٣٩ ]
وما أخذه السمسار فكالثمن على الأصح، وقيل: من الثاني، وقيل: من الثالث
المراد بالسمسار هو الجلاس، لا الذي يتولى الشراء للمشتري كما تفعله سمسارة الإسكندرية، وليس مرادهم متولي البيع فإن أجرة هذا على البائع، وهي من الثمن بلا شك فيه.
وقوله: (فكالثمن) أي: يحسب، ويحسب ربحه، وهذا قول عبد الوهاب واختاره ابن محرز، لأنه مما لا يحصل ملك المشتري إلا به فيكون كالثمن. والقول الثاني لأبي محمد وابن رشد، لأنه ليست له عين قائمة.
والقول الثالث هو مذهب المدونة والموطأ، ووجهه: أنه ليس له عين قائمة ولا يزيد في الثمن وكثير من الناس يتولى الشراء بنفسه، ولهذا [٤٨٧/ب] قال محمد: إلا أن يكون المبتاع مما جرت العادة أنه لا يشترى مثله إلا بواسطة سمسار، فيحسب حينئذٍ أجرته في الثمن دون الربح.
ولابد من علم المشتري بجميعه قبل العقد
هذا خاص بالقسمين الأولين، وأما الثالث فهو غير محسوب فلا حاجة إلى بيانه. وما ذكره المصنف هو مذهب سحنون، وقيل: وهو قياس ابن القاسم.
سحنون: وإن لم يبين فيرد السلعة إن كانت قائمة إلا أن يرضى المشتري أخذها بذلك، فإن فاتت مضت بذلك ولم ترد إلى القيمة. وقال محمد وابن حبيب: لا يلزمه البيان. واختاره التونسي قياسًا على ما إذا اشترى سلعتين وباعهما مرابحة.
عياض: وظاهر الموطأ كقول سحنون.
وقال اللخمي: يختلف إذا باع ولم يبين. وأصل ابن القاسم أنها مسألة غش فلا يلزم المشتري وإن حط ذلك القدر. وعلى مذهب سحنون هي مسألة كذب فإن حط ذلك القدر لزمه.
[ ٥ / ٥٤٠ ]
وفي المقدمات: إذا قال: قامت علي بكذا، أو أبيعها بربح العشرة أحد عشر، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد فاسد، لأن المشتري لا يدري كم رأس المال وكم أضيف إليه.
وقال في الموازية: أنه يعمل في ذلك على ما ذكرناه مما يحسب ويحسب ربحه، وما لا يحسب ولا يحسب ربحه. وهو ظاهر قول سحنون في العتبية في نوازله. وهو بعيد، والصواب ما قدمناه.
ونص ابن بشير على أن العقد لا يفسد بعدم التبيين.
فرع:
قال في المدونة: وإن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك، وقد فات المبتاع بغير سوق أو بدن، حسب ذلك في الثمن ولم يحسب له ربح، وإن لم تفت رد البيع إلا أن يتراضيا على نحو ما يجوز. وقوله: "إلا أن يتراضيا" جعل ذلك كاستئناف بيع.
واختلف الشيوخ بعد الفوات: هل هي مسألة غش أو كذب؟ فقيل: إنها مسألة غش، لأنه لم يكذب فيما ذكر من ثمنه ولكنه أبهم فيسقط عنه ما يجب إسقاطه، ورأس المال ما بقي فات أو لم يفت، ولا ينظر إلى القيمة. وهو تأويل أبي عمران على الكتاب، وإليه نحا التونسي والباجي وابن محرز وأنكره ابن لبابة.
وقيل: هو من باب الكذب، لزيادته في الثمن ما لا يحسب فيه وحمله الربح على ما لا يحسب حمله عليه، فيقال للبائع: أسقط ما يجب إسقاطه من نفقة وربح، فإن فعل لزم المشتري ما بقي وربحه، وإن أبى فسخ إلا أن يحب المشتري التماسك، فإن فاتت فهي كالكذب.
وإن لم يضع البائع ما ذكرنا لزمت المبتاع بالقيمة ما لم تكن أكثر من جميع الثمن بغير طرح شيء فلا يزاد له، أو يكون أقل من الثمن الصحيح بعد طرح كل ما يجب طرحه فلا
[ ٥ / ٥٤١ ]
ينقص، وهو قول سحنون في كتاب ابنه وقول ابن عبدوس، وفسر به بعضهم مذهب الكتاب، قالوا: وإنما لم يذكر في الكتاب القيمة، لأن ذلك عنده أقل مما بقي بعد الطرح. وإليه مال أبو عمران وعبد الحق وابن لبابة.
ويجب ذكر ما لو علم المشتري به قلت رغبته
هذا لا يختص ببيع المرابحة، وإنما يختص ببيع المرابحة بذكر الثمن وحاله من تعجيل وتأجيل، وما أشبه ذلك.
فيذكر التأجيل
أي: يجب في المرابحة عليه أنه إذا اشترى إلى أجل أن يبيِّن ذلك للمشتري، لأن الأجل له حصة من الثمن، ويختلف الثمن أيضًا بقرب الأجل وبعده، فإن لم يبيِّن وباعها بالنقد فقال في المدونة: البيع مردود. فقيل: أراد إذا اختار المشتري الرد. وقيل: يفسخ وإن رضي المشتري بالنقد. واستبعد لأنه حق لمخلوق.
وفي طول الزمان قولان
أي: هل يجب بيانه أو لا؟ ومذهب المدونة وغيرها التبيين، قال فيها: إلا أن يطول الزمان أو تحول الأسواق فليبيِّن ذلك. هذا نص التهذيب وفي العتبية نحوه. والذي في أصل المدونة: أحب إليَّ أن يبين. وعلل ذلك في المدونة بأن الناس أرغب في الطري من القديم، والقول بعدم البيان للخمي، قال: وهذا إذا لم يكن بان عليه، وأما إذا بان فإنه يبيِّن.
وما نقده عن الثمن: النقد إن كان عينًا وجب، وفي ذكر الأول قولان، فإن كان عرضًا ففي ذكر الثاني قولان، فإن كان طعامًا فقولان كالأول وكالثاني
حاصله أنه إذا اشترى بنقد- أي: ذهب أو فضة- ثم نقد غير ما عقد عليه، فإذا باع مرابحة فله ثلاثة أقسام:
[ ٥ / ٥٤٢ ]
الأول: أن يشتريها بذهب وينقد عنه فضة أو بالعكس، فإذا باع مرابحة على ما عقد وجب عليه بيان ما نقد. قاله اللخمي وغيره، ونص عليه في الواضحة.
المازري: وحكى ابن المواز عن أشهب جواز ذلك إذا لم يزده على صرف الناس. وإن باع مرابحة على ما نقد ففي ذكر الثمن الذي عقد عليه قولان، والقول بوجوب التبيين في الواضحة، وهو ظاهر المدونة.
المازري: وهو ظاهر المذهب. والقول بعدم الوجوب لمالك في الموازية.
والقولان خلاف في حال هل هو مما تكرهه النفوس أم لا؟
القسم الثاني: أن ينقد عن العين التي اشتراها عرضًا مقَّومًا. اللخمي: ولا يبيع على ما نقد حتى يبيِّن، وإن باع على ما عقد فمذهب المدونة أنه يبيِّن ما نقده من العرض، لأن ما عقد عليه لم يستقر ثمنًا.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. وقال ابن المواز: يجوز وإن لم يبيِّن.
القسم الثالث: أن ينقد عن العين طعامًا- يريد: أو مثليًا- وخصصه بالذكر [٤٨٨/أ] إما على طريق التمثيل، وإما لأنه الواقع في المدونة. اللخمي وعياض وغيرهما: وظاهر المدونة وجوب التبيين.
وفي الموازية: يجوز له أن يبيع على ما نقد وإن لم يبيِّن في الدنانير والدراهم والمكيل والموزون وسائر العروض، وتأوَّل فضل المدونة عليه. وعلى هذا فقوله: كالأول وكالثاني تفسير للقولين، والقول بأنه كالأول هو مذهب المدونة كما تقدم.
وقوله: (وكالثاني) هو مذهب الموازية. ولا يمكن أن يريد بقوله: (كالأول) أنه يجب ذكر الطعام، ويختلف في ذكر العين. وبقوله: (وكالثاني) بيان للعين عليه. ويختلف في بيان العرض، وإن كان ابن عبد السلام قال ذلك، لأن الحمل على ذلك يستلزم الطرق لا الأقوال، على أن النقل لا يساعده.
[ ٥ / ٥٤٣ ]
فإن كان الثمن عرضًا غير مثلي ففي جواز البيع مرابحة قولان، بخلاف المثلي
أي: فلو اشترى سلعة بعرض غير مثلي فهل يجوز بيعها مرابحة؟ أجازه ابن القاسم ومنعه أشهب وسحنون، لأنه بيع ما ليس عندك، أي: لأن المشتري دخل على الحلول وكان كالسلم الحالِّ. وحمل اللخمي قول ابن القاسم على ظاهره، وتأول النهي عن بيع ما ليس عندك على بيع معين في ملك غيره.
وإلى هذا أشار ابن يونس، لأنه قال: ليس هذا من باب بيع ما ليس عندك، لأنه لم يقصد ذلك، بدليل اتفاقهم في الشِّقص المبيع بشيء مما يكال أو يوزن أن للشفيع أن يأخذه بمثل ذلك وإن لم يكن عنده، والأخذ بالشفعة كبيع ثانٍ. انتهى. ورده عياض بأن الشفعة لا يقدر فيها إلا على ذلك، بخلاف هنا فإنهما قادران على البيع مساومة.
واستقرأ بعضهم من قول ابن القاسم في هذه المسألة جواز السلم الحال، وحمل القاضي قول ابن القاسم على أن العرض حاضر عند المشتري، فيتفق القولان على جواز بيعه مرابحة، لأن ذوات الأمثال توجد غالبًا. ونحوه لابن بشير، وهو وهم، لأن أشهب نص في المدونة على المنع في الجميع، بل لو لم ينص عليه لكان لازمًا له، لأن السلم الحال ممتنع فيهما. وقاله ابن راشد وابن عبد السلام.
ولو أتم بعض المبيع بالشراء من شريكه فالرواية كالأجنبي، وفيه نظر
يعني: إذا اشترى جزءًا من سلعة ثم أتم بقتيها من شريكه الشراء فإن له بيع الجميع مرابحة من غير بيان. كما أن للأجنبي إذا اشترى الجزء الباقي أن يبيع هو والمشتري الأول جميع السلعة من غير بيان. وأشار بالنظر إلى الفرق بينهما، لأن من اشترى بقيتها قد يزيد فيه ليكمل له الملك والمشتري يكرهه. فينبغي أن يقال بوجوب التبيين، بخلاف الأجنبي فإنه قد دخل ابتداء على الشركة، وذلك مما ينقص الثمن، وهذا لا يكرهه المشتري في بيع المرابحة.
[ ٥ / ٥٤٤ ]
وقد أشار ابن بشير إلى هذا النظر، وقيد اللخمي الجواز بأن الزيادة لصلاحية السلعة كذلك، أو بغلاء السوق، وأما إن كانت لدفع ضرر الشركة فيجب البيان.
ولو كان متعددًا مختلف الصفات فقومه وجب بيانه
كما لو اشترى ثيابًا أو غيرهما في صفقة واحدة، ثم جعل لكل سلعة من الثمن قسطًا، فلا يجوز أن يبيع إحداهما على ذلك إلا بعد التبيين، لأنه قد يخطئ في التوصيف وقد لا يخطئ، ولكن زاد لرغبته في الجملة أو في سلعة منها.
وإن كان متفق الصفات كثوبين مثلًا فثالثها: إن كانا عن سلم جاز
أي: وإن اشترى متعددًا متفق الصفات كثوبين متفقين. وحذف الصفة للعلم بها. وقوله: (مثلًا) حشو، لأن الكاف يفيده. والجواز لابن نافع، لأن اتفاق الصفات يبعد معه الخطأ في التقويم. والمنع لسحنون، لأنه قد يرغب في الجملة والتفصيل، وهو مذهب المدونة.
(إن كانا عن سلم جاز) وإن كانا معينين لم يجز، لأنه قد يقصد أحدهما بخلاف السلم، لأنه إنما انعقد على الصفة، والفرق أنها مستوية، وقيد فيها الجواز في السلم بألا يكون تجاوز عنه في الصفة، أي: أخذ أدنى مما في الذمة.
وقيده اللخمي أيضًا بألا يكون أحدهما أجود مما وصف، فإن كان أجود وصف الزائد عليه وعلى ثوب المرابحة، لأن الزيادة كهبة لأجل البيع فيجب توصيفها. واختلف إذا وجب عليه البيان ولم يبين: هل هي مسألة غش أو مسألة كذب؟
وأما في المثلي فجائز
أي: وأما لو باع ما اشتراه من المثلي مرابحة فله ألا يبيِّن. وهكذا نص عليه في المدونة.
وتعقبه المتأخرون بأن شراء الجملة يرغب فيه، فيكون ثمن بعضه منفردًا أقل منه بانضمامه إلى الجملة، ولاسيما على ما تقدم أن استحقاق الثلث مقتض لرد جميعه.
[ ٥ / ٥٤٥ ]
ولو أقال مشتريه منه وجب بيانه.
أي: ولو أقال المشتري من البيع فلا يجوز له أن يبيعه حتى يبيِّن، لأن ذلك مما تكرهه النفوس.
وقوله: (أقال) أي: على مثل الثمن الأول، لقوله بعد هذا: (فإن كل بزيادة إلخ). والظاهر أن وجوب التبيين عام على قول من يرى أن الإقامة حل بيع أو ابتداء بيع، لما ذكرناه من كراهة النفوس.
فائدة:
الإقالة عندنا بيع من البيوع إلا في ثلاث مسائل: الإقالة في المرابحة، والإقالة في الطعام، والإقالة في الشفعة.
فلو كانت بزيادة أو نقص فالمشهور الجواز
[٤٨٨/ب] أي: وإن كان التقايل على زيادة أو نقص فالمشهور- وهو مذهب المدونة- جواز بيعه على الثمن الذي تقايلاه من غير بيان، لأن الخلاف في الإقالة: هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؟ إنما هو إذا كانت على مثل الأول، وأما إن كانت بأزيد أو بأنقص فهو بيع حقيقة.
والشاذ لابن حبيب بالمنع ولو استقال بنقص. واستشكل قوله: مع النقص، لأنه خير للمشتري.
وتأول اللخمي قوله بما يمنع هذا الإشكال، فقال: إنه إنما يمنع إذا استقال بنقص بشرط أن يكون الثمن الذي استردها به أكثر مما اشتراها به أو المثل، مثل أن يكون اشتراها أولًا بعشرة، ثم باعها بخمسة عشر، ثم أقال على اثني عشر، فيتهم على أن البيع صورة، ليتوصل إلى بيعها باثني عشر.
[ ٥ / ٥٤٦ ]
والأكثر على أن قول ابن حبيب خلاف. وذهب فضل إلى أن المذهب قول ابن حبيب، وتأول مذهب المدونة على أنه اشتراها من غير من باعها منه.
فلو كان شراء ثانيًا منه ففي جعله كالإقالة قولان
المحققون من الشيوخ يرون أن لا فرق بين هذه والتي قبلها في المعنى، لأن شراءه ثانيًا إن كان بمثل الثمن فهو إقالة، وإن كان بأقل أو بأكثر فالمشهور الجواز.
وإنما افترقنا في اللفظ فقط، ففي الأولى رجعت بلفظ الإقالة، والثانية بلفظ الشراء، والمعول عليه المعنى دون اللفظ.
ولو باعا مرابحة- والثمن مختلف- ففي قسم الثمن والربح قولان، أحدهما: كالانفراد والثاني: كالمساومة
أي: ولو اشترى رجلان سلعة في عقدين بثمنين مختلفين، كما لو اشترى أحدهما نصفها بمائة والآخر نصفها بخمسين، ثم باعاها معًا صفقة واحدة بربح مائة، فاختلف المذهب في كيفية قسمهما الثمن والربح.
فقال ابن القاسم وهو المشهور: يقسمان ذلك أثلاثًا بينهما. وإليه أشار بقوله: (كالانفراد) أي: كما لو باع كل واحد منهما نصفه منفردًا.
وقال أشهب: يقسم الثمن والربح نصفين. كما لو باعا مساومة بمائتين وخمسين، لأن المشتري دخل على ذلك.
ابن عبد السلام: وكذلك يرجع عليهما في العيب والاستحقاق. ومنشأ الخلاف: هل ينظر إلى الأثمان أو الحصص؟
[ ٥ / ٥٤٧ ]
ولو باعا بوضيعة فالمشهور كالانفراد
ومنشأ الخلاف المشهور كالمشهور، والشاذ أجراه الأشياخ على قول أشهب.
ولا يجب بيان غلة الربع والحيوان
خص الرَّبع والحيوان، لأنهما لا يتغيران بالاستعمال، بخلاف الثياب وشبهها.
والرَّبع يشمل الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، وهو مقيد بألا تكون ثمرة الشجرة مأبورة يوم العقد فيجب عليه بيانه. وكذلك الصوف، قال في المدونة: لأنه إن كان يوم البيع تامًّا فقد صار له حصة من الثمن، وإن لم يكن تامًّا فلم يثبت إلا بعد مدة يتغير فيها. وأما الأولاد ليست غلة فلا تندرج في كلامه، قال في المدونة: وإن توالدت الغنم لم تبع مرابحة حتى يبيَّن وإن باعها بأولادها.
إذا كذب في الثمن- والسلعة قائمة- فله ردها إلا أن يحط الكذب وربحه، وقيل: ولو حط لخبث مكسبه
كما لو اشتراها بعشرة وقال: باثني عشر، وسواء كذب عمدًا أو خطأً، قاله ابن حبيب وهو صريح الكذب. وألحق به سحنون تقدير الكذب وهو ما له تأثير في زيادة الثمن، مثل: أن يشتري بثمن مؤجل فيبيع نقدًا، أو يشتري ثوبين صفقة فيبيع أحدهما بما ينوبه. وهو خلاف مذهب ابن القاسم، قاله ابن رشد.
قوله: (فله ردها) لا شك أن له أن يتمسك بها وله أن يردها، إلا أن يسقط البائع الكذب وربحه فلا مقال للمشتري حينئذٍ، لأن الخيار كان له بسبب الزيادة وقد سقطت. هذا هو المشهور.
وقال عبد الملك: للمشتري الخيار ولو أسقط البائع، لأن البائع قد تبين خبث مكسبه.
[ ٥ / ٥٤٨ ]
وأشار المازري واللخمي إلى أنه وفاق، وحملا قول مالك على أن المشتري قام بالكذب وحده، ولو قام بخبث المكسب لكان ذلك له، كقول عبد الملك.
ابن عبد السلام: وفيه نظر، لأنه لو كان هذا يدل على خبث المكسب للزم أن يكون الخيار لمن اشترى منه غيرها مساومة.
ونقل ابن بشير عن المتأخرين أنه إن ظهر على كذب البائع من غير أن ينفصل منه فللمشتري الخيار لخبث المكسب، أي: لحرام المكسب، وإن أتى البائع منفصلًا من كذبه نادمًا على ما صدر منه فكالمشهور.
فإن فاتت فالبائع مخير بين أخذ الصحيح وربحه أو قيمتها ما لم تزد على الكذب وربحه، وقيل: يتعين الصحيح وربحه
أي: فإن فاتت السلعة المكذوب في ثمنها فالمشهور يخير البائع بين أن يأخذ الصحيح وربحه، وبين أن يرجع إلى القيمة بشرط ألا تزيد على الكذب وربحه، لأنه قد رضي بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، يريد: ما لم ينقص عن الثمن الصحيح وربحه.
المازري: وهذا على المشهور، وأما على قول عبد الملك فإن الواجب فيها مع الفوات تفصيل منه: وينظر إلى من يستحق قيمة هذه السلعة أو ثمنها، أو يمكن البائع من المطالبة بما باعه من مال حرام في يديه أم لا. والقول بتعيين الصحيح وربحه لمالك في الموازية ورجع عنه.
وفي المسألة قول ثالث: إن على المبتاع قيمتها يوم قبضها، إلا أن يكون ذلك أكثر من الثمن بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، أو يكون [٤٨٩/أ] أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
وفي الفوات بحوالة الأسواق قولان
لما كان الحكم يختلف بقيامها وفواتها احتاج إلى بيان العيب، وذكر المختلف فيه وهو حوالة الأسواق، وسكت عما فوقه لاتفاقهم عليه.
[ ٥ / ٥٤٩ ]
ابن رشد: ورواية ابن القاسم أنها مفيتة. وروى ابن زياد عن مالك في المدونة أن السلعة إذا فاتت بنماء أو نقص وجبت فيها القيمة.
الشيخ أبو محمد وغيره: هذه الرواية مخالفة لرواية ابن القاسم في أن حوالة الأسواق لا تفيت على هذه. وقال جماعة: يحتمل أن يكون مراده في هذه المسألة حكم هذا البيع مع الفوت، لا بيان حكم ما يفيت هذا البيع. وتكون الروايتان متفقتين، وعلى طريقة ابن أبي زيد مشى المصنف.
وكذلك اختلف في فهم رواية ابن القاسم أن القيمة في هذه السلعة المكذوب في ثمنها يوم القبض، ورواية ابن زياد أنها يوم البيع: هل ذلك خلاف على ظاهر الكلام، أو هما راجعان إلى شيء واحد؟ والمعنى يوم البيع، ومعنى رواية ابن القاسم أن القبض كان يوم البيع.
واختلف في هذه المسألة المكذوب في ثمنها إذا هلكت بيد البائع: هل يكون ضمانها من البائع، وإليه ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، أو من المشتري وهو مذهب أبي عمران؟
وما يكال أو يوزن كالقائم يرد مثله في موضع القيمة
يعني أن ما تقدم من التفرقة بين القيام والفوات خاص بالمقوَّم، وأما المثلي فإن فوات عينه كلا فوات، لقيام المثل فيه مقام العين.
وقوله: (يرد مثله في موضع القيمة) أي: في الموضع الذي كانت تجب فيه القيمة في المقوم.
ولو نقص غالطًا، وصدقه في الثمن، أو قامت بينة فعليه ما صدقه وربحه، أو يردها
أي: لو غلط على نفسه فباعها بأقل مما اشتراها به، كما لو اشتراها بمائة وأخبر أنه اشتراها بتسعين فلا يصدق بمجرد دعواه، بل حتى يصدقه المشتري أو تقوم له بينة. قال
[ ٥ / ٥٥٠ ]
في كتاب القسم من المدونة: أو يأتي من رقم الثوب بما يستدل به على الغلط، فيحلف البائع ويصدق. وزاد الباجي: أو يرى من حال الثوب ما يدل على صدقه.
وقوله: (فعليه إلخ) أي: أن المشتري مخير بين أن يدفع الثمن الذي شهدت به البينة وربحه، وبين أن يرد السلعة.
فإن فاتت فالمشتري مخير بين إعطاء الصحيح وربحه، أو قيمتها ما لم تنقص عن الغلط وربحه
أي: فإن فاتت بنماء أو نقصان. ولم يجعل في المدونة تغير السوق مفيتًا كما في الزيادة، لأنه غلط على نفسه. وحاصله أن له القيمة ما لم ينقص عن الثمن المغلوط به وربحه، ما لم يزد على الثمن الذي تبين وربحه. وعارض ابن الكاتب هذه المسألة بمسألة تضمين الصناع إذا باع ثوبًا فغلط فدفع غيره فقطعه المبتاع، فإنه قال: يرده ولا شيء عليه في القطع. ولم يجعل القطع فوتًا كما جعل ابن القاسم في بيع المرابحة هنا.
وفرَّق هو بأن ثوب الكذب في المرابحة لو هلك بعد القبض ببينة لكان هلاكه من المشتري، وثوب الغلط لو هلك ببينة لكان هلاكه من البائع.
وهو يرجع في المعنى لما فرق به غيره: أن المسألة تضمين الصناع لم يجز فيها بيع، والبائع سلط المبتاع فلم يكن عليه شيء، بخلاف القطع في بيع المرابحة فإنه وقع في بعض ما وقع العقد عليه، وانتقل الملك فيه إلى المشتري.
وتقويمها يوم قبضها، وقيل: يوم البيع
الضمير في: (وتقويمها) يحتمل أن يعود على السلعة المغلوط فيها. والقول بتقويمها يوم القبض مذهب الموطأ، وتقويمها يوم البيع مذهب المدونة، لأنه صحيح على ما تقدم ويحتمل أن يعود على التي زاد فيها أو نقص فيعم الصورتين.
[ ٥ / ٥٥١ ]
ابن عبد السلام: وأشار غير المصنف إلى أن الخلاف في مسألة الغلط مخرج من مسألة الكذب، لأنه منصوص.
ولفظ الأرض يشمل الأشجار والديار ونحوها ولفظها يشملهما
يعني: أنه إذا باع شخص أرضًا بكذا ولم يزد فإنه يتناول ما اتصل بها من بناء وشجر، وكذلك لو باع البناء والشجر اندرجت في العقد للعرف، ونحو الديار الآبار والعيون والمطامير.
ولا يندرج المأبور والمنعقد إلا بشرط
يقال: أبرت النخل بفتح الباء مخففة، آبر بضم الباء أبرًا وإبارًا مخفف فهي مأبورة. وأبَّرتها مشدد الباء أؤبرها تأبيرًا مشددة فهي مؤبرة، وتأبرت النخل وائتبرت. واختلف في معناه: ففي الإكمال: هو تعليق طلع الذكر في الأنثى، لئلا يسقط ثمرها وهو اللقاح. ونحوه في الجواهر، قال: يقال: أبر فلان نخله، أي: لقحه وأصلحه. ثم قال: وتأبير النخل تلقيحه. وقال ابن حبيب: الإبار: شق الطلع عن الأنثى.
وقوله: (ولا يندرج المأبور) يريد: إذا اشترى النخل، وكذلك لو اشترى الأرض والنخل فإنه لا يندرج في ذلك الثمرة المأبورة والمنعقدة، وقاله ابن الجلاب.
وأفتى ابن الفخار وابن عتاب باندراج الثمرة وإن أبرت وطابت، قالا: لأن الشجر أنفسها تندرج وإن لم تشترط، وإذا أدخلت الأصول فالفروع أولى. وما قالاه هو القياس، لكن المنصوص لمالك خلافه، ودليله ما في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄: «من ابتاع نخلًا قد أبرت فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع».
والتأبير خاص بالنخل، [٤٨٩/ب] وما له زهر ثم ينعقد بانعقاده كإبار النخل، ولذلك عطف المصنف المنعقد على المأبور. وما لا زهر له يعتبر فيه أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها وتتميز عن أصلها، فهو بمنزلة التأبير فيها.
[ ٥ / ٥٥٢ ]
وفهم من كلامه أن الثمرة غير المأبورة تابعة، واختلف إذا اشترطها البائع لنفسه قبل الإبار، فقيل: لا يجوز ذلك. وقيل: يجوز.
اللخمي: وهو الصحيح من المذهب بناء على أنه مبقى على ملكه.
فإن تأبر الشطر فله حكمه
أي: ما أَبَّر للبائع وما لم يؤبر فللمبتاع. وألحق في الواضحة والموازية ما قارب الشطر به.
وقال محمد بن دينار: ما أبر تبع لما لم يؤبر، فالكل للمبتاع. وقال ابن القاسم: يقال للبائع: إما أن تسلم جميع الثمرة، وإلا فسخ البيع ولو رضي المبتاع بالنصف. هكذا حكى الباجي هذه الأقوال.
قال: وهذا إذا كانت الثمرة المأبورة متميزة، بعضها أبر وبعضها لم يؤبر، وأما إن كانت الثمرة حين تأبيرها وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فرأى ابن حبيب أن ذلك للبائع، ورأى ظهور بعضها كظهور جميعه أصله الإزهاء.
وروى ابن المواز أن ذلك لا يجوز، إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، ورأى أنه لما لم تؤبر لا يجوز أن يشترط البائع ما لم يؤبر، فلم يبق إلا أن يشترط المبتاع نصيب البائع.
وحملها ابن رشد على خلاف هذا فقال: الأقل تباع للأكثر شائعًا أو غير شائع، فإن لم يكن أحدهما تبعًا وكانا متناصفين أو متقاربين، فإن كان ما أُبِّر على حدة وما لم يؤبَّر على حدة فللبائع ما أُبِّر وللمبتاع ما لم يؤبَّر، على ما قاله المخزومي، وإن كان ذلك شائعًا في كل نخله فأربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع، إما أن يسلم الحائط بثمرته للمبتاع، وإلا انفسخ البيع. وهو قول ابن القاسم.
الثاني: أن البيع يفسخ على كل حال، إلا أن يكون وقع بشرط أن تكون الثمرة للمبتاع. وهو قول ابن القاسم وسحنون فيما حكى الفضل.
[ ٥ / ٥٥٣ ]
الثالث: أنه كله للمشتري. وهو قول ابن دينار.
والرابع: أنه كله للبائع. وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وذكرها ابن زرقون على نحو ما ذكره ابن رشد، وذكر أن الباجي لم يحسن تحصيل هذه المسألة. وذكر ابن القطان أن الذي به القضاء أن البيع لا يجوز إلا برضا البائع بتسليمه الجميع للمبتاع.
ابن العطار: أو يرضى المبتاع بتسليمه للبائع.
وإن تأبر الأكثر حكم بحكمه للجميع
هذا قول مالك الذي عليه أكثر أهل المذهب، وروي عنه أنه مثل ما لو تَأَبَّر الشطر.
ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر
قال ابن راشد وشيخنا وغيرهما: يعني البائع والمشتري، أي: حيث يحكم بالثمرة للبائع بانعقادها أو بإبارها فله السقي ما لم يضر بالمشتري، ولمشتري الأصول سقيها ما لم يضر بثمرة البائع.
وقال ابن عبد السلام: كل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد السقي ما لم يضر ذلك بالمشتري. ومعناه: إلى الوقت الذي جرت العادة أن تجد الثمرة فيه. وانظر لو تقابل الضرران فإني لم أر لأصحابنا فيها شيئًا، وللشافعية فيها ثلاثة أقوال: هل يقدم البائع أو المشتري، لأن البائع قد التزم سلامة الأشجار له، أو يتساويان فيفسخ العقد لتعذر التسليم إن لم يصطلحا.
نعم تكلم علماؤنا فيمن يلزمه السقي، فقال مالك في الموازية: هو على البائع حتى يسلم الأصل لمشتريه، وقال المخزومي في بائع النخل دون الثمرة أن السقي على مشتري الأصول.
[ ٥ / ٥٥٤ ]
فرع:
فإن اشترط المبتاع بعض ما أبر أو بعض ما خرج من الزرع لم يجز على المشهور، لأنه قصد بيع الثمار قبل بدو صلاحها، بخلاف اشتراط بعض ما أزهى وبعض ما يبس من الزرع. وقال أشهب: يجوز اشتراط بعض ذلك كاشتراط الجميع. ولو كان المبيع فدانين واشترط زرع أحدهما لم يجز عند ابن القاسم، وقيل بالجواز على مذهبه، لأنه لو أفرد كل فدان بالبيع واشترط زرعه جاز، حكاه في الطرر.
ولا تشمل الأرض الزرع الظاهر. وفي الباطن روايتان
اختلف في إبان الزرع، فروى أشهب أنه ظهوره من الأرض، ورواه ابن القاسم، وروى عنه ابن القاسم أيضًا هو أن يفرك، وروي عن مالك في الأسدية أنه خروجه من يد باذره.
ولا الحجارة المدفونة على الأصح
يعني: أنه إذا باع أرضًا فوجد حجرًا أو رخامًا أو أعمدة، فالمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه لا حق في ذلك للمبتاع وهو البائع.
وذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار إلى أنها للمبتاع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية. وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بالمجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد في الأرض مغيبًا من متاع البائع، أو من متاع من ورثه عنه، فلا خلاف أنه له.
وكذلك إن علم أن ما وجده أحد الورثة في حصته أنه لموروثهم، فهو بينهم بلا خلاف. وكذلك إذا ثبت أن البيت أو الجب الموجود تحت الأرض كان البائع عمله ونسيه فلا خلاف أن للبائع أن ينقض البيع، ولمن لم يوجد ذلك في حظه أن ينقض القسمة.
[ ٥ / ٥٥٥ ]
والدار تشمل الثوابت كالأبواب، والرفوف، والسلم المسمر
أي: إذا باع دارًا فإنها تشمل الأشياء الثوابت، فالثوابت جمع ثابت كالأبواب والرفوف وهو ما تعلق عليه الأثواب، [٤٩٠/أ] وكذلك الطاقات.
واشتراطه في السُّلَّم أن يكون مسمرًا يقتضي أنه لو كان غير مسمر لكان للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وهو قول ابن عتاب. وألحقه ابن العطار وابن زرب بالمسمر، واحتج له ابن سهل بقول ابن القاسم فيمن اكترى من رجل منازل سنة وفيها علو وليس لها سلم، فقال المكتري لصاحب المنزل: اجعل لي سلمًا، فتوانى حتى انقضت السنة، فقال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلو من الكراء فيطرح.
ورده صاحب البيان بأن الكراء يتضمن التمكين من الانتفاع، ولا يتوصل إليه إلا بسلم، فإذا لم يجعل له سلمًا لم يحصل التمكين، وأما الشراء فيتضمن التمكين من ذات المبيع وقد حصل. وليس شرط التمكين من الذات دفع السلم، وإلا وجب على البائع أن يأتي بسلم إن لم يكن. وهذا لم يقله ابن العطار.
واحترز المصنف بالثوابت مما ينتقل كالحبل والدلو فإن ذلك خارج. ابن عتاب: وتندرج المطحنة المبينة. وقال ابن العطار: السفلية فقط.
فرع:
ولو كان في الدار جرار ونحوها فأراد البائع إخراجها ولم يسعها الباب، أو كان فيها بعير صغير فكبر ولم يخرج من الباب، فقال ابن عبد الحكم: ليس على المبتاع قلع الباب، ويذبح هذا بعيره ويكسر جراره. ونزلت بإشبيلية وكتب بها إلى القيروان، فقال أبو عمران: الاستحسان أن يهدم الباب ويبينه البائع إن لم يبق بعد البناء عيب، وإن بقي بعده عيب ينقص الدار قيل للمبتاع: ادفع قيمة الجرار، فإن أبى قيل للبائع: أنزله وأعطِ قيمة العيب، فإن أبى تُرِكا حتى يصطلحا.
[ ٥ / ٥٥٦ ]
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن علم المبتاع بها ووقع الشراء على أنه للبائع لزمه إخراجها، وإن لم يعلم وكان الذي يهدم لها يسيرًا هدمه وأصلحه.
والعبد يشمل ثياب المهنة التي عليه دون ماله إلا باشتراطه
يعني: أن إطلاق لفظ العبد يشمل الثياب التي يمتهنها في خدمته بحكم العرف، وكذلك الأمة، بخلاف الرفيعة.
فرع:
واختلف إذا اشترط البائع ثياب المهنة: هل يوفى له بالشرط، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، وصححه ابن رشد وذكر أن به مضت الفتوى، أو يبطل شرطه، وهو رواية أشهب عن مالك؟ ابن مغيث في وثائقه: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ.
فائدة:
ذكر المتيطي وغيره ست مسائل قال مالك فيها بصحة البيع وبطلان الشرط:
الأولى: هذه على ما ذكر ابن مغيث.
الثانية: من اكترى أرضًا بزرع أخضر على أن الزكاة على البائع.
الثالثة: البيع على ألا مواضعة على البائع.
الرابعة: ألا عهدة عليه.
الخامسة: على أن المبتاع إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا، وإلا فلا بيع بيننا.
السادسة: إذا اشترى الثمرة على ألا قيام له بجائحة، خلافًا لما في السليمانية أنه يوفى بالشرط. هكذا نقل ابن عبد السلام. ونقل اللخمي عن السليمانية أن البيع فاسد قال: وقال ابن شهاب: البيع جائز والشرط جائز.
خليل: ويزاد على هذا إذا اشترط المشتري ما لا غرض فيه ولا مالية فإنه يلغى كما تقدم. وذكر ابن لبابة عن مالك في: "إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا" ثلاثة أقوال:
[ ٥ / ٥٥٧ ]
أحدها: ما تقدم.
والثاني: صحة البيع والشرط.
والثالث: فسخ البيع.
وفرق في الدمياطية بين: إن جئتني، وبين: إن لم تأتني. وإن قال: "أبيعك على إن جئتني بالثمن فالبيع بيني وبينك" فالثمن حال كأنه رآه بيعًا ثانيًا، وإنما يريد فسخه بتأخير النقد. وإن قال: "إن لم تأتني بالثمن" فكأنه لم ينعقد بينهما بيع، إلا أن يأتيه فلا يجبر على النقد إلا إلى الأجل.
وقوله: (دون ماله إلا باشتراطه) لما صح عنه ﵊ من حديث ابن عمر ﵁: «من باع عبدًا فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
وبيع الثمار ونحوها قبل بدو صلاحها على القطع يصح
قوله: (ونحوها) أي: من الزرع، والمقاتي، والمباطيخ، النوار كالورد.
وقوله: (على القطع) أي: في الحال أو قريبًا منه، ولا يؤخرها إلى زمان تزيد فيه. وقيده اللخمي بثلاثة شروط:
الأول: أن ينتفع به، لنهيه ﵊ عن إضاعة المال.
ثانيها: أن تدعو إلى ذلك حاجة، وإلا كان من الفساد.
وثالثها: ألا يتمالأ أهل البلد على ذلك، لئلا يعظم الفساد.
وعلى التبقية يبطل
وبيعها على شرط التبقية باطل، لما في الموطأ: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل له: يا رسول الله وما تزهي؟ فقال: «حتى تحمر أو تصفر».
[ ٥ / ٥٥٨ ]
وفي الصحيح: أنه ﵊ نهى عن بيع النخل حتى تزهي، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
فإن أطلق فظاهر المدونة يصح، وقال العراقيون: يبطل
أي: لم يشترط القطع ولا التبقية، فظاهر المدونة: يصح، لقوله في البيوع الفاسدة: ومن اشترى ثمرًا فجذه قبل إزهائه فا فالبيع جائز إذا لم يشترط تركه إلى إزهائه.
ووقف مع هذا الظاهر ابن محرز وعبد الحميد واللخمي وغيرهم من المتأخرين، ورجحوه بأن مقتضى العقد المناجزة في الثمن والمثمون، والتأخير فيهما أو في أحدهما لا يكون إلا بشرط أو عادة. ومذهب العراقيين البطلان، [٤٩٠/ب] وهو المذهب عندهم.
الباجي والمتيطي: وهو المشهور عن مالك، وتأول ابن أبي زيد المدونة على ذلك، لأنه تأولها على أنه اشترط الجذ. واختار اللخمي أن يستدل على الجذاذ والتبقية بقلة الثمن وذكرته، إذ ثمن ما على القطع أقل.
فرع:
إذا وقع العقد على التبقية فسخ، والثمرة من ضمان البائع ما دامت في رؤوس النخل، فإن جذها المبتاع رطبًا رد قيمتها، وإن جذها ثمرًا رده بعينه، وإلا رد مثلها. وكذلك يفسخ إذا بيع على الإطلاق، وقلنا أن ذلك يقتضي التبقية.
وبيعها لمشتري الشجر يصح على الأصح
يعني: أنه اختلف فيمن اشترى نخلًا مأبورة، وقلنا: إن الثمرة للبائع، هل يجوز للمشتري أن يشتري الثمرة؟ الأصح وهو المشهور: الجواز، كبيع الخلفة بعد شراء الأصل، وكاشتراء الأرض فيها زرع لم يبد صلاحه مجردة من الزرع، ثم اشتراه، وكبيع مال العبد في عقد ثان بناء على أن اللاحق للعقد واقع فيه أم لا. وحكى بعضهم في مسألة المصنف وفي مال
[ ٥ / ٥٥٩ ]
العبد أربعة أقوال: هذين القولين، والثالث: الجواز في الثمرة دون مال العبد. ورواه أشهب أيضًا وقال به. والرابع: يجوز ذلك بحدثان العقد، رواه أصبغ عن ابن القاسم.
يحيي: وحد العبد في ذلك عشرون يومًا. قال بعض الشيوخ: ولو جذ الأصل ثم اشترى الخلفة فلا يجوز اتفاقًا، لأنه يشتريها غير مستندة إلى شيء، وهذا يأتي في العبد إذا اشتراه فمات أو أعتقه أو باعه، ثم أراد بعد ذلك أن يشتري ماله، فلا يجوز باتفاق، وكذلك النخل والأرض إذا باعها على الإطلاق، ثم أراد أن يشتري زرع الأرض أو ثمرة النخل. فاعلمه.
وبعد بدو الصلاح يصح ما لم يستتر نحو البزر من الكتان
أي: ويجوز بيع الثمار بعد بدو الصلاح منضمة إلى الأصل ومفردة على القطع أو التبقية، لكن بشرط ألا تستتر في أكمامها كبزر الكتان مجردًا عن أصله، وكالحنطة مجردة عن سنبلها، والجوز واللوز مجردًا عن قشرة على الجزاف.
الباجي: ولا خلاف فيه وهو ظاهر، لأنه بيع مغيب. وفي بعض النسخ: (ما لم يستثن) أي: ما كان من الحبوب مستترًا، وعليه تكلم ابن عبد السلام فقال: قوله: (ما لم يستثن) يظهر منعه على القول بأن المستثني مشترى لانتفائه عن ملك البائع، ويجوز على القول بأن المستثنى مبقى. والنسخة الأولى أصوب، وهي التي تكلم عليها ابن راشد وغيره. ويلزم من الثانية مخالفة المشهور فقد قال المتيطي: ويجوز لبائع الثمرة أن يستثني جزءًا شائعًا منها قليلًا كان أو كثيرًا، لأن البيع لم يتناول الجزء المستثني، هذا هو المشهور من المذهب. وقال عبد الملك: لا يجوز استثناء الأكثر، ويجوز في النصف فأقل.
وبدو الصلاح في بعض حائط كاف وفي المجاورة في الجنس الواحد إذا كان طيبه متلاحقًا، وقيل: في حوائط البلد
أي: لا يشترط عموم بدو الصلاح في كله، بل يكتفي أن يكون في بعضه، أو في بعض حائط مجاور له، ولو كانت شجرة واحدة بشرط ألا تكون باكورة.
[ ٥ / ٥٦٠ ]
ولذلك قال: (إذا كان طيبه متلاحقًا). واحترز بقوله: (في الجنس الواحد) من الجنسين فلا يباع جنس بطيب آخر. فإن كان الجنس الذي لم يطب تبعًا لما طاب، فقيل: يجوز. ومنعه سحنون، لعدم الضرر في تأخيره.
والقول بأنه يجوز بيع جميع حوائط البلد ببدو الصلاح في حائط منها لابن القصار، وإن لم تكن مجاورة. وزاد ابن رشد قولًا آخر: أنه لا يجوز بيع الحائط حتى يعمه الزهو. قال: وما استعجل زهوه من الثمار لعارض وسبب من مرض في الثمرة وما أشبه ذلك، فلا اختلاف أنه لا يبيح له بيع ذلك الحائط.
وصلاحها: زهوها وظهور الحلاوة فيها
لما في الصحيح: أنه ﵊ سئل عن الزهو فقال: «أن تحمر أو تصفر». فإن قلت: الزهو يغني عن الحلاوة، لأنها لازمة له، قيل: إن الواو في كلامه للتنويع، أي: الزهو خاص بالثمرة، وظهور الحلاوة عام به وبغيره. وفي كلام المصنف نظر، لأن قوله: (وظهور الحلاوة) لا يعم، لأن بعضها قد لا تظهر فيه الحلاوة كالموز فإنه يباع في شجره.
قال ابن المواز: لا يباع حتى ينزع.
الباجي: يريد إذا بلغ مبلغًا إذا نزع عن أصله تهيأ للنضج. قال: وبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه. وكذلك بدو الصلاح في العنب الأسود أن ينحو إلى السواد، وفي الأبيض أن ينجو إلى البياض مع النضج. والهاء في (صلاحها) للثمرة.
وفي البقول وشبهها بإطعامها
أي: وبدو الصلاح في البقول بإطعامها، أن ينتفع بها في الحال.
[ ٥ / ٥٦١ ]
الباجي: وأما الجزر واللفت والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استرق ورقه وتم وانتفع بها، ولم يكن في قلعه فساد. وقصب السكر إذا طاب سكره. والبر والفول والجلبان والحمص إذا يبس ذلك. قال: وعلى هذا عندي حكم اللوز والجوز والفستق.
وأما الورد والياسمين فبأن تنفتح أكمامه ويظهر نوره. والقصيل والقضب والقرط إذا بلغ أن يرعى دون فساد. وفي الزيتون أن ينحو إلى السواد. وفي القِثَّاء والفقوس أن ينعقد ويوجد له طعم. واختلف في البطيخ، فقال ابن حبيب: صلاحه إذا نحا ناحية الاصفرار، لأنه الغرض المقصود منه. وقال أشهب: أن يكون فقوسًا، وأما الاصفرار فلا. أصبغ: فقوسًا [٤٩١/أ] قد تهيأ للتبطخ، وأما الصغير فلا.
فرع:
فإن بيع الفول والحنطة أو العدس أو الحمص بعد أن أفرك وقبل يبسه، ولم يُشترط قطعه ولا إبقاؤه، فقال ابن عبد الحكم: يفسخ كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وقال ابن القاسم: يفوت باليبس ويمضي. وفي المدونة: أكرهه، فإذا وقع فات فالأولى أن يفسخ. الشيح أبو محمد: معناه يفوت بالقبض. وفي الموازية: إن نزل لم أفسخه. وظاهره أنه يمضي بمجرد العقد.
وما يخلف كالياسمين فللمشتري
لا إشكال أن ما لا يخلف إذا بيع يتناول جميعه، ولهذا لم يتعرض المصنف له.
وأما ما يخلف فإن تميزت بطونه فلا تدخل الخلفة إلا بشرط.
ابن حبيب: ولا يجوز اشتراطها إلا في الأرض المأمونة، أرض النيل وشبهه، وأما المطر فلا يجوز اشتراط خلفتها، إذ قد لا تمطر فلا يكون له خلفة. وإن لم يتميز بطونها كالياسمين والخس والبطيخ والمقاتي، وله آخر، فأجاز مالك بيعه للمشتري في جميع تلك الغلة إلى آخرها.
[ ٥ / ٥٦٢ ]
قال في المدونة: ولا يجوز اشتراء ما تطعم المقاتي شهرًا، لاختلاف الحمل فيه في قلة الحر وكثرته.
فإن استمر كالموز فلابد من الأجل
أي: إن كان ما يخلف ليس له إبان ينتهي إليه- كالموز- فلا يجوز بيعه إلا بضرب الأجل، وهو غاية ما يمكن. قال مالك: ويجوز اشتراط خلفته السنتين، وقال ابن نافع: لا يجوز إلا السنة ونحوها.
تنبيه:
وقع في نسخة ابن راشد هنا زيادة مسألة نصها: ولو كانت الأشجار تطعم بطنين ففي بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول قولان، مشهورهما المنع بناء على أن البطن الثاني تبع للأول فيجوز بيعه بصلاح الأول، أو مستقل فلا يجوز. وكذلك قال الباجي: المنع ظاهر المذهب.
[ ٥ / ٥٦٣ ]
العرايا
العرايا: وبيع العرايا مستثنى من الربا، والمزابنة، وبيع الطعام نسيئة
(العرايا) جمع عرية كعطية وعطايا، وسميت بذلك، لأن نخيلها معراة عن المساومة عند البيع، وفعله رباعي أشار غليه صاحب العين، وقيل: لأن الثمرة معراة عن السوم عند البيع، وقيل: هي اسم للثمرة المطلوبة من عروت الرجل أعروه، أي: طلبته، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما دخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة، وقيل: سميت بذلك لأن الذي عريها يختلف إليها ويحل بأهلها لاجتناء ثمرتها، وهو قريب مما قبله، وقيل: سميت بذلك لتخلي مالكها عنها من بين ماله كأنها عرية من جملة النخل، فهي على هذا بمعنى فاعلة، وقيل: هي عرية من تحريم المزابنة، وخلت من ذلك، ويرد على هذا تسميتها قبل ورود الشرع المحلل والمحرم، وفي الصحيح أنه ﵊ نهى عن يع التمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا والمزابنة»، إلا أنه أرخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت بخرصهما تمرًا ليأكلوها رطبًا.
وذكر المصنف أنها مستثناة من الربا- أي: ربا التفاضل وربا النساء- ومن المزابنة، لأنه بيع معلوم بمجهول من جنسه، وهي أيضًا مستثناة من رجوع الإنسان في هبته.
وهي ثمرة نخل أو شجر مما ييبس ويدخر كالتين والزيتون واللوز يهبه من حائطه
هذا تعريف العرية المرخص في جواز بيعها بخرصها، وإلا فالعرية حيث هي جائزة في كل شيء.
[ ٥ / ٥٦٤ ]
فيجوز شراء المعري أو من يتنزل منزلته ببيع أو ميراث أو هبة من المعري أو من يتنزل منزلته بعد صلاحها بخرصها من نوعها يدفعه عند الجذاذ لا قبله في ذمته لا في معين، فقيل: لدفع الضرر، وقيل: بقصد المعروف، وعلل مالك وابن القاسم بهما، فعلى الأول لا يشتري بعضها ولا جميعها إن كانت كل الحائط، ولا من شريط حصته. وشرطه: خمسة أوسق فأدنى، وقيل: أدنى
اعلم أنه لا يجوز شراء العرية بخرصها إلا بشروط:
الأول: وهو متفق عليه، أن يكون مشتريها هو معريها أو من يتنزل منزلته، إما ببيع أو هبة أو ميراث من المعرى، أو من يتنزل منزلته.
الثاني: وهو متفق عليه أيضًا، أن يبدو صلاحها للنهي عن بيع الثمرة قبل ذلك قصرًا للرخصة على محلها.
الثالث: عياض: وهو متفق عليه أيضًا، أن يشتريها بخرصها بكسر الخاء، أي: بكيلها، وأما بفتحها فهو اسم للفعل، لما في الصحيح: أنه ﵊ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق. فشك الراوي في ذلك، وفيه نظر، فإنه روي عن مالك جواز شرائها بغير حرصها.
الرابع: وهو متفق عليه أن يشتريها بنوعها، إن صيحانيًّا فصيحاني وإن عجوة فعجوة، وأجاز القابسي أن يتراضيا عند الأجل على ثمر من غير صنفها، وشبهه بالقرض بجامع المعروف، وألزم على شبهه أن يجوز بيعه قبل القبض كما في المشبه به، وأجيب بأن جواز البدل بغير الصنف لا يلزم منه جواز بيعه قبل قبضه كالسلم، ورد بأن الإلزام للتشبيه بالقرض لا على وجه البدل، وأجراها ابن يونس في البدل مجرى السلم، وبالجملة فقد اختلف الأشياخ في إجراء العرية مجرى البيع أو القرض.
[ ٥ / ٥٦٥ ]
الخامس: يشترط أن يكون العوض مؤخرًا إلى الجذاذ، ولا يجوز بشرط التعجيل، وحكى عياض الاتفاق عليه، وحكى ابن يونس عن مالك أنه لا يجوز شراء العرية بخرصها وإن [٤٩١/ب] جذها مكانه.
أصبغ: ويفسخ إن نزل حتى يبقى فيها ما يحل بيعه، فإن فاتت رطبًا رد مثلها إن وجد وإلا قيمتها، قال أصبغ: وإن اشترى ما أعرى من رطب الفواكه التي لا تيبس، وقد أزهت بخرصها يدفعه من غيرها نقدًا أو إلى تناهيها لم يصح ذلك، فإن لم يفت ذلك رد وإن فات أنفذ ولم يرد، وكذلك في كل عرية ما كانت يدخلها رخصة العرية ورفقها. قال: ولو أجيزت للرب من غير كراهة هي لم تكن لأجنبي، ولو أجيز هذا ابتداء لم يكن خطأ، لأن النقد أبلغ في المعروف.
وفي بعض النسخ: (يوفيه في يده). ولا حاجة إلى هذه الزيادة، قال في الواضحة: وإن تطوع له بتعجيل قبل الجذاذ من غير شرط جاز له، وهل يجبر الموهوب على جذها؟ أشار ابن يونس إلى أنه يتخرج على القولين في أنها هل هي كالقرض أو كالبيع؟
السادس: أن يكون العوض في ذمة المعري لا في حائط معين إتباعًا للرخصة، فإن وقع التعيين، فقال المازري: الأظهر على المذهب الفسخ لكونه بيعًا فاسدًا. وفي المبسوط يبطل شرط التعيين ويكون في الذمة.
السابع: أن يشتري جملة العرية لا بعضها، ولما أراد المصنف الكلام على هذا الشرط قدم قبل ذلك ما هو مرتب عليه، فقال: (فقيل: لدفع الضرر إلخ) يعني أنه اختلف في علة الجواز بالشروط المتقدمة على ثلاثة أقوال:
أحدها لابن الماجشون: أنها دفع الضرر عن المعري بسبب دخول المعري عليه في حائطه واطلاعه على أهله وشبه ذلك.
[ ٥ / ٥٦٦ ]
الثاني: أنها قصد المعروف.
الثالث: لمالك وابن القاسم التعليل بهما، أي: على طريق البدل لا على الجمع، ثم فرع على هذه فقال: (فعلى الأول إلخ) وتصوره واضح.
ومعنى قوله: (ولا من شريك حصته) أنه لو أعرى جماعة رجلًا بعض حائطهم فلا يجوز لأحدهم على التعليل بالضرر شراء حصته لبقاء الضرر بسبب دخول المعرى لما بقي له.
الثامن: أن يكون خمسة أوسق فأقل، وهو المشهور، وروى أبو الفرج عن مالك: لا تجوز في أقل من خمسة أوسق وهو أظهر، لأنه المحقق والخامس مشكوك فيه، ولما في أبي داود قال: وحديث جابر إلى أربعة أوسق.
التاسع: أن يكون مما ييبس، وهو مأخوذ من كلام المصنف أولًا، وليس ذلك خاصًا بالتمر والعنب على المشهور، وكلام المصنف يدل عليه تشبيهه باللوز، ولمالك في الموَّازيَّة: لا يشتري بخرصه إلا التمر والعنب، ثم رجع إلى ما في المدونة.
العاشر: أن يكون بلفظ العرية على المشهور، ولو أعطاه بلفظ الهبة والمنحة لم يجز له الشراء اتباعًا للفظ الحديث، خلافًا لابن حبيب وغيره، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف، إلا أن يقال: قوله: (المعري) يدل على أن هذا لا يجوز إلا للمعري.
ولو أعراه عرايا من حوائط ففي شراء أكثر من عريته ثالثها: إن كانت بلفظ واحد منع
يعني: فإن اتحد المعري والمعرى لكنه أعراه عرايا في حوائط متعددة في مرة أو أكثر في كل خمسة أوسق فأقل، ثم أراد شراء عشرة أوسق من حائطين فقال ابن القاسم يجوز في الوجهين، أعني: سواء كان في مرة أو مرات: وقال يحيي بن عمر وابن أبي زيد
[ ٥ / ٥٦٧ ]
وغيرهما: لا يجوز فيهما بناء على أن العقد هل يتعدد بتعدد المعقول عليه أم لا؟ وتأول المدونة على نحو قوله، وفرق ابن الكاتب فمنع في الأول وأجاز في الثاني، ورجحه ابن يونس لقول مالك فيمن اشترى حوائط فأصابتها جائحة أنها إن كانت في صفقة واحدة اعتبر ثلث الجميع، وإن كانت في صفقات اعتبر ثلث كل واحد.
وبيعها على مقتضى الشرع للمعري وغيره قليلة أو كثيرة جائز
أي: أن ما تقدم من الشروط إنما هو في بيعها بخرصها، وأما بيعها بغير خرصها فهو جائز على مقتضى البيوع لرب الحائط وغيره، فيجوز شراؤها بالدنانير والدراهم وبطعام يخالفها إذا حصلت المناجزة في الطعام، وهكذا قال في المدونة وغيرها، وفي الإكمال: المشهور من قول مالك قصر جواز بيعها من ربها بخرصها تمرًا إلى الجذاذ، وذلك بعد صلاح العرية، وروي عنه لا يجوز بحرصها ويجوز بغيره، وعنه أنه يجوز بخرصها وبغيره وبالعروض وبالطعام، ويريد على الجذاذ، وروي عنه أنه لا يجوز شراؤها إلا بخرصها ولا يجوز بغير ذلك من دنانير أو دراهم أو غير ذلك، لأنه من باب العود في الهبة وبالخرص رخصة لا تتعدى، قال: واختلاف قوله في ذلك على اختلاف أهل الأصول في تقديم خبر الواحد على القياس، أو تقديمه عليه، وعلى أن الرخص لا تتعدى بها مواضعها، ثم قال: وأما مشهور فإنه لا يجوز إلا بخرصها عند الجذاذ، فلم ير تعدي الرخصة عن وجهها، وهو أظهر. انتهى. فانظره مع ما في المدونة.
وتبطل العرية بموت المعري قبل حوزها
لأنها عطية كسائر العطايا، ولا خلاف فيه في المذهب.
[ ٥ / ٥٦٨ ]
وحوزها أن تكون فيها ثمرة وأن يقبضها، وقال أشهب: بالإبار أو تسليم الرقبة، والزكاة على المعري كالسقي بخلاف الواهب، وقال أشهب: على المعري كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو، وعلى الأول: إذا كانت العرية كل الحائط أخرج منه، وعلى الثاني من غيره، ولو كانت دون خمسة أوسق كملت
لما كان الحوز شرطًا في تمامها فسره وذكر فيه قولين.
الأول: لابن حبيب قال: وحيازة العرية بوجهين: قبض الأصول [٤٩٢/أ] وأن يطلع فيه ثمر قبل موت المعري، وإن قبضها ولم يطلع فيها ثمر حتى مات المعري بطلت، وإن طلع الثمر ولم يقبض الشجر حتى مات المعري بطلت، قال مالك، وهو مذهب المدونة عند ابن العطار، وفضلٌ، وجماعة، ثم اختلف هؤلاء في وجه موافقتها لقول ابن حبيب، فقال ابن العطار: العرية والهبة والصدقة سواءٌ لا يتم حوزها إلا بأمرين، وقال ابن زرقون: إنما يوافقه في العرية لا في الصدقة والهبة، وذهب بعضهم إلى أن مذهب المدونة والاكتفاء بحوز الأصل وحده، وإليه ذهب أبو عمران وابن مالك.
والقول الثاني لأشهب الاكتفاء بأحد الأمرين إما ظهور الثمرة بالإبار، وإما بحصول رقاب الثمرة بيد المعْرَى دون رب الحائط، وهذا القول هو الصواب عند ابن يونس، وإن كان لم يصرح بتأويل على أحد التأويلين المتقدمين.
واستدل لهما في كتاب الهبات لابن القاسم إذا وهب ما تلد أمته أو ثمرة نخله عشرين سنة جاز ذلك إذا حاز الأصل والأمة أو حاز له أجنبي، فهذا يدل على خلاف ما قاله ابن حبيب، لأن ثمرة عشرين سنة لم تأت بعد.
(والزكاة على المعري كالسقي بخلاف الواهب، وقال أشهب: على المعرى كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو إلخ) يعني أن العرية والهبة إما أن يكونا بعد الزهو أو
[ ٥ / ٥٦٩ ]
قبله، فإن كانتا بعد الزهو فعلى المعري والواهب، وإليه اشار بقوله: (إلا أن يعريه بعد الزهو)، وإن كان قبل الزهو ففي المسألة أربعة أقوال.
ووقع في نسخة ابن راشد ما نصه: (وفي كون الزكاة على المعطي أو المعطى ثالثها لابن القاسم: في العرية على المعري وفي الهبة على الموهوب له، ورابعها لسحنون: على من كانت الأصول بيده) ومنشأ الخلاف: هل العرية والهبة يقتضيان عرفًا التزام الزكاة أم لا؟ ولفظ العرية يشعر بذلك بخلاف الهبة، وذكر ابن المواز أنهم لم يختلفوا في السقي أنه على رب الحائط، وعلى الأول، أي أنها على المعري لو كانت جميع الحائط للزم رب الحائط أن يخرج من غيرها ويأخذها كلها المعرى، وإن كان دون خمسة أوسق كلمت، أي: ضمها رب الحائط إلى ما بيده، انظر لو أعسر المعري فهل تؤخذ من المعرى ولها نظائر.
الجوائح: والثمار من ضمان البائع في الجوائح
لما في مسلم من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح. وفيه أيضًا قال: «لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق». والحديثان وإن كان ظاهرهما إسقاط الجائحة مطلقًا، لكن من المعلوم أن المشتري دخل على أنه لابد أن يرمي الهواء بعضه وتأكل الطير منه ونحو ذلك، فقد دخل على اليسير، واليسير المحقق ما دون الثلث، والثلث وإن كان في كثير من أبواب الفقه فقد جعل هنا كثيرًا، ولأنه روي من حديث أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أصيب ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة».
وعن ربيعة عنه ﷺ: (أنه أمر بوضع الجوائح إذا بلغت ثلث الثمرة فصاعدًا) لكن فيهما ضعف. والجوائح جمع جائحة، وهي المصيبة المهلكة.
[ ٥ / ٥٧٠ ]
وقال ابن القاسم: إذا كان بقاؤها لينتهي طيبها، فلو انتهت كالعنب يطيب والبقول والقصيل فلا جائحة كالثمر على النخل، وقال سحنون: فيه الجائحة
قسم المصنف على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الثمرة محتاجة إلى إبقائها في أصولها ليكمل طيبها، ولا خلاف في ثبوت الجائحة فيه، قاله ابن شاس، ونسبة الجائحة لابن القاسم وحده ليست بجيدة.
الثاني: أن ينتهي طيبها، ولكن يحتاج إلى التأخير لبقاء رطوبة كالعنب المشترى بعد بدو صلاحه. وحكى لمصنف فيه قولين.
الباجي: ومقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة، وإنما يراعى كمال الصلاح، قال: ويجب أن يُجرى هذا المجرى كل من كان هذا حكمه كالقصيل والقصب والبقول والقَرَظ، فلا توضع جائحة في شيء من ذلك، قال: ومقتضى رواية سحنون أن توضع الجائحة من جميعه.
الثالث: ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه ولنضارته كالثمر اليابس والزرع، فلا جائحة فيه.
وإليه أشار بقوله: كالتمر على النخل، إذ الكاف هنا للقياس والاستدلال. وأما الأولى فهي في كلامه للتمثيل، وما حكاه عن سحنون حكاه غيره، وحكى ابن يونس عن سحنون: إذا تناهى العنب المشتري وحان قطافه حتى لا يكون تأخيره إلا لسوق يرجوها أو لشغل يعرض له فلا جائحة فيه.
ابن عبد السلام: وهذا مخالف لما حكاه المؤلف وغيره عنه، وأشار بعض الأندلسيين إلى إجراء هذين القولين فيما بيع قبل بدو صلاحه أو بعده على أن يجده مشتريه، وهو ظاهر. انتهى.
[ ٥ / ٥٧١ ]
وفي حمل كلام سحنون على الخلاف بحيث لا يخفي، ونص في المدونة على أنه لو اشترى ثمرة على الجذاذ فيها الجائحة إذا بلغت الثلث، كالثمار لا كالبقول، وسأل ابن عبد الحكم سحنونًا فقال: لم جعل فيها الجائحة ولا سقي على البائع؟ فقال: لأن معناه أن المشتري يأخذ ذلك شيئًا بعد شيء على قدر الجائحة، ولو دعاه البائع أن يأخذه في يومه لم يكن له ذلك، بل يمهل في ذلك، وهو وجه الشأن.
ويشترط أن يكون مفردًا عن أصله في بيع محض بخلاف المهر، وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة
[٤٩٢/ب] أي: يشترط في وضع الجائحة شرطان:
الأول: أن يكون البيع على الثمرة بانفرادها، وأما إن اشتراها على أصولها فلا جائحة فيها، اشتريت قبل بدون الصلاح أو بعده، أما المشتراة قبل فبالاتفاق، وأما المشتراة بعد فهو المشهور، وقال أصبغ: أما ما عظم خطره من الثمرة ففيه الجائحة، ويقبض الثمن على الثمرة وعلى الأصل، لأن المشتري زاد لها في الثمن، واحتج في المدونة للأول بأنه وإن أوجبه الاشتراط فكان كمن ابتاع عبدًا ثم استثنى ماله فهلك ماله ثم رد العبد بعيب أو استحق فإنه يرجع بجميع الثمن، ولا يحط بمال العبد منه شيء. وظاهر كلامه أنه لو اشترى الثمرة مفردة عن أصلها أن فيها الجائحة، وإن اشتراها مع غيرها ولو كانت تبعًا كمكتري دار فيها ثمر دون الثلث فقد نص في المدونة على أنها لا جائحة فيها لكونها تبعًا للكراء، واختلف إذا كانت قد أزهت، فقيل: فيها الجائحة، لقوله في المدونة "ولم يطب"، وعلى هذا اختصر ابن يونس المدونة، وقيل: لا جائحة فيها، لأنه قال: ومن اكترى أرضًا فيها سواد قدر الثلث فأدنى فاشترطه جاز ذلك ولا جائحة في ثمره فأطلق، وكلام اللخمي يأتي على الأول، لأنه قال: وإن اكترى دارًا فيها ثمرة فاشترطها فإن كانت لم تطب وهي الثلث فأقل فلا جائحة فيها إن سقطت، وإن طابت فأكلها ثم انهدمت الدار
[ ٥ / ٥٧٢ ]
غرم ما ينوبها، وإن كانت الثمرة قد طابت فاستثناها وهي الثلث فأكثر كانت فيها الجائحة، وإن أصيب ثلثها رجع بما ينوبه، واختلف إذا كان جميع الثمرة أقل من الثلث فأصيب جميعها أو الثلث فأكثر، فقيل: فيها الجائحة كالأولى، وقيل: لا جائحة فيها، لأنها تبع، والأول أحسن، لأنها مشتراة وليست ملغاة.
ابن يونس: جعل في الدار التبع دون الثلث وهو لمالك، وجعل في الأرض التبع الثلث، وهو لابن القاسم، وهو أصل اختلف فيه قول مالك في كراء الأرض، قال بعد ذلك: وأخذ ابن القاسم بالقول أنه الثلث فأدنى، وأخذ ابن حبيب وابن المواز بما دون الثلث.
الشرط الثاني: أن تكون الثمرة المفردة في بيع محض فلا ترجع الزوجة على زوجها إذا أصدقها ثمرة وأجيحت، لأنه مبني على المكارمة، واختار ابن يونس وغيره قول ابن الماجشون لأنا نمنع بيع المهر إذا كان طعامًا قبل قبضه أو رد بعيب إلى غير ذلك من أحكام البيوع. ويؤيده قول ابن القاسم بإيجاب الجائحة في العرية مع أنها ليست بيعًا محضًا.
قال ابن القاسم: الجائحة: ما لا يستطاع دفعه لو علم به، فالسرقة ليست بجائحة، وفيها: لو أن سارقًا سرقها فجائحة. ابن الماجشون: الجائحة: الآفة السماوية دون صنع الآدمي. وفيها: الجيش جائحة
ما لا يستطاع دفعه عادة ليدخل فيه الجيش، إذ لا يستطاع دفعه بخلاف السارق، لأنه لو علم به لدفع، فإنه إنما يأخذه على وجه الخفية، فالعلم مانع له من السرقة.
وتبع المصنف الباجي في نسبة هذا القول لابن القاسم، قال: هو في الموَّازيَّة. ونقل ابن أبي زيد أن السارق جائحة، واستشكل بأن السابق لو كان جائحة لكان حفظ الثمرة على بائعها كما يكون عليه سقيها. وعلى القول الأول في كلام المصنف الأكثر، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه المشهور. وعلى أن السارق جائحة فالجيش أولى، ولذلك كان الأحسن
[ ٥ / ٥٧٣ ]
بطريقة المصنف في الاختصار أن يقول: وفيها الجيش جائحة. وعلى قول ابن الماجشون لا يكون جائحة. قال الشيخان وغير واحد: وإنما يكون السارق عند ابن القاسم جائحة إذا لم يعرف، وأما إن عرف فيتبعه المشتري مليًّا أو معدمًا.
فرع:
فلو لم تهلك الثمرة بل تعيبت كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبها فينقص قيمتها، ففي البيان: المشهور أن ذلك جائحة ينظر إلى ما نقص هل الثلث أم لا؟
وقال ابن شعبان: وهو أحد قولي ابن الماجشون. والقول الثاني: ليس ذلك جائحة، وإنما هو عيب، والمبتاع بالخيار بين أن يتماسك أو يرد.
فإن كانت من العطش وضعت كلها
هذا لأن السقي على البائع، فأشهب ما فيه حق توفية، وكذلك لو كانت بعلا، قال في المدونة: لأنه باعها على حياتها من الماء.
وظاهر قوله: (وضعت كلها) ولو كان ما نقص لا خطب له، وهو ظاهر المدونة في كتاب الحوائج، لأنه قال: يوضع عنه قليل ما هلك بسببه وكثيره، ولكن لابن القاسم في كتاب الشفعة ما يوهم خلاف ذلك، لأنه قال: ولا بأس بشراء شرب يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يسقي به زرعه في أرضه دون شراء أصل العين.
مالك: فإن غار أصل الماء فنفد أو نقص بقدر ثلث الشرب الذي ابتاع وضعه عنه كجوائح الثمار.
ابن القاسم: وأنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل السماء فوضع عنه إن نقص شربه ما عليه فيه ضرر بيِّن، وإن كان أقل من الثلث إلا ما قل مما لا خطب له فلا يوضع لذلك شيء.
فانظر قوله: "إلا ما قل مما لا خطب له" هل مقصور على المشبه وحده أو عليه وعلى المشبه به؟ انتهى كلام ابن عبد السلام.
[ ٥ / ٥٧٤ ]
وجعل ابن راشد هذا فرعًا آخر، وذلك أنه لما ذكر جائحة العطش وأنه توضع مطلقًا قال: تنبيه: ومن اشترى شِرْبًا معلومًا، ففي المدونة: لا بأس، ثم ذكر الكلام السابق.
ومن غيره وضع الثلث فما فوقه
أي: من غير العطش، وتصوره واضح، ثم إن وافقه المشتري على أن التالف الثلث فلا إشكال، وإلا فلابد من [٤٩٣/أ] إثبات ذلك بأن يحضر عدلان في وقت الشراء بحضرة المتبايعين، ثم ينظران بعد الجائحة، ويشهدان أن ما تلف الثلث فأكثر.
وفي البقول ثالثها كالثمار
هي روايات، والمشهور أنها توضع جائحة البقول وإن قلت، لأن إتلافها من العطش. وروى علي بن زياد وابن أشرس عن مالك أن جائحتها لا توضع حتى تبلغ الثلث، وفي الجلاب: لا جائحة فيها قلت أو كثرت.
واختلف في الأصول المغيبة، مثل الجزر واللفت والبصل والإسفنارية، هل هي كالبقول أم لا؟ ومذهب المدونة أنها كالبقول، وألحق ابن القاسم وابن المواز وابن حبيب الموزَ والمقاتي بالثمار، وألحق أشهب المقاتي بالبقول، فيوضع القليل والكثير.
اللخمي: ولا خلاف أن الجوائح توضع في المقاتي.
ابن رشد: وروي عن مالك أن جائحة الموز توضع مطلقًا، وألحقوا الزعفران والريحان والقَرَط والقضب بالبقول، وفي قصب السكر ثلاثة أقوال كالبقول، ومذهب المدونة فيه عدم القيام بالجائحة، وعلله فيها بأنه إنما يباع بعد أن يطيب، واختلف في ورق التوت، فقال ابن حبيب: هو كالثمار. وقال ابن القاسم في العتبية: هو كالبقول. وهذا إذا كانت الآفة فيه، وأما إذا كانت الآفة من غيره كما لو مات دود الحرير، فقال ابن القاسم: الأشبه أنه جائحة. وشبهه بمن اكترى حَّمامًا أو فندقًا فجلا ذلك البلد ولم يجد من يسكنه، فقال المتقدمون: له أن ينحل عن الكراء.
[ ٥ / ٥٧٥ ]
ابن يونس: وكذلك عندي من اشترى ثمرة في بلد ثم انجلى أهله لفتنة أو نحوها، فإن مصيبة ذلك من البائع، لأن المشتري إنما اشتراه لمن يبيعه منه.
ويعتبر ثلث المكيلة لا ثلث القيمة مطلقًا عند ابن القاسم، فيحط من الثمن قدر قيمته من قيمة باقيه كانت أقل من الثلث أو أكثر. وقال أشهب: المعتبر ثلث القيمة، فإن كان مما يحبس أوله على آخره كالعنب والرطب فالمكيلة باتفاق
لما كانت الجائحة إنما توضع بشرط أن تبلغ الثلث بيَّنه وقسمه قسمين: قسم لا يحبس أوله على آخره، وقسم يحبس أوله على آخره. وذكر في الأول قولين: الأول لابن القاسم: المعتبر ثلث المكيلة لا ثلث القيمة، لأن الجائحة في الثمرة إنما هي في نقص الثمرة لا في نقص ثمنها، لأن الثمرة لو مرضت من غير جائحة لم يكن للمشتري قيام، فلو كان ثلث المكيلة يساوي عشر الثمن وضع، ولو كان دون ثلث المكيلة- وهو يساوي تسعة أعشار الثمن- لم يوضع، كما قال في المدونة فيمن اشترى مقتاتا بمائة درهم فأجيج منها بطن ثم جنى بطنين فانتقصت، فإن كان المجاح قدر ثلث النبات في زمانه، فإن قيل: قيمته ثلاثون لغلاء أوله، والبطن الثاني عشرون، والثالث عشرة لرخص آخره رجع بنصف الثمن.
إلا أنهم اختلفوا في قوت تقويمه على قول ابن القاسم، فقال سحنون وابن أبي زمنين: يقوم يوم البيع بقدر قيمة كل بطن في زمانه لا يوم نزول الجائحة. وقال آخرون: يقوم التالف يوم الجائحة. ثم اختلف هؤلاء: هل يتعجل التقويم فيما بقي من البطون الآن على ما جرى من عرف عادتها، أم يُستأنى حتى يجني جميع بطونها، فتقوم على يقين لا على تخمين، واختاره صاحب النكات؟
وقوله: (مطلقًا) يحتمل كان يطعم بطنًا أو بطونًا كالمقاتي والورد والياسمين، ويحتمل بلغ ثلث القيمة أم لا، والقول الثاني لأشهب: أن المعتبر ثلث القيمة، وإن كان
[ ٥ / ٥٧٦ ]
عشر المكيلة. ثم ذكر القسم الثاني أن المعتبر فيه المكيلة، لأنه إذا يحبس أول الثمرة على آخرها فأجزاؤها متشابهة، فلا وجه لاعتبار القيمة.
وحكى جماعة أيضًا هذا الاتفاق، لكنه مقيد بأن يكون صنفًا واحدًا، ولو كان أصنافًا كالبرني والصيحاني لجرى على الخلاف.
فإن كانت أجناسًا في عقد واحد، فقيل: يعتبر كل جنس على حدة، وقيل: يعتبر ثلث الجميع. وقال ابن القاسم: يعتبر نصاب الجنس بالمكيلة وينسب إلى الجميع بالقيمة فإن فقد أحدهما فلا جائحة
يعني: فإن اشتملت الصفقة على أصناف كتمر وتين وعنب وأجيح جنس منها، فقال مالك في رواية ابن حبيب: يعتبر كل جنس منها على حدته بما ينوبه من الثمن بناء على أن العقد يتعدد بتعدد المعقود عليه، فكأن عقد على كل جنس عقدًا مفردًا.
والقول الثاني أن المعتبر ثلث الجميع، فإن بلغ ما أجيح ثلث الثمرة وُضع من غير اعتبار بقدر الجائحة من الثمن. هكذا ذكر صاحب البيان هذا القول وعزاه لأشهب، وهو مبني على أن العقد لا يتعدد بتعدد المعقول عليه. وقال ابن القاسم: إن المجاح من الجنس إنما يوضع بشرطين:
أحدهما: أن تكون قيمة ذلك الجنس الثلث بالنسبة إلى قيمة جميع الأجناس.
الثاني: أن يكون أجيح منه ثلث مكيلته، فإن فقد أحدهما فلا يوضع، ونسبه المصنف لابن القاسم كالباجي، ونسبه ابن يونس لابن المواز قال: وهو كقول ابن القاسم أكترى دارًا وفيها ثمر طابت فاشتراها المكتري، وهي أكثر من الثلث فذلك جائز، فإن أصيب منها أقل من ثلث الثمرة في عين المسألة، وقد [٤٩٣/ب] ذكر ابن يونس أنه طالع الأمهات في هذه المسألة وعول عليها.
[ ٥ / ٥٧٧ ]
والضمير في ينسب عائد على الجنس لا على المصاب منه، قال في البيان: أما لو اشترى حوائط في صفقة واحد فحكمها في الجائحة حكم الحائط الواحد إن بلغ المجاح ثلث ثمرة الجميع وضع عن المبتاع ثلث الثمن، كان الذي أجيح بعض حائط أو من كل حائط، هذا إن كان الثمر من صنف واحد متساويًا في الطيب أو قريبًا بعضه من بعض، واختلف إذا كان بعضه أفضل أو أطيب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قيمة في ذلك، وإنما يعتبر ثلث الثمر، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: إن بلغ المجاح ثلث الثمر أو أكثر وضع عن المشتري ما ينوب ذلك من الثمن، وإن أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه شيء وإن كان ذلك من الثمن أكثر من الثلث، وهو قول أصبغ.
والثالث: إن أجيح ما قيمته من ذلك الثلث فصاعدًا وضع، وإن كان عشر الثمرة، وإن كان قيمة الذي أجيح أقل من الثلث لم يوضع، وإن كان تسعة أعشار الثمرة، وهو قول أشهب.
ويلزم المشتري ما بقي وإن قل بخلاف ما استحق من الطعام لدخوله عليها
يعني: إذا بقي بعد الجائحة شيء يلزم المشتري بما ينوبه من الثمن ولو قل، بخلاف ما إذا استحق بعض المبيع على ما تقدم. وفرق المصنف بينهما بأن الجوائح متكررة، والمشتري قد دخل عليها فيلزم ما بقي لدخوله عليها، بخلاف الاستحقاق فإنه لندوره مما لم يدخل عليه.
ومن اشترى عريته ففيها الجائحة، خلافًا لأشهب
هذه أحسن مما في بعض النسخ- عرية بغير إضافة- فإن الخلاف إنما هو إذا اشتراها المعري أو من يتنزل منزلته، فوجه المشهور أنه مشترٍ، ووجه قول أشهب أنه معروف، وأطلق الخلاف وهو مقيد بوجهين:
[ ٥ / ٥٧٨ ]
أولهما: أن يكون اشتراها بخرصها، إذ لو اشتراها بغيره لكانت كسائر البيوعات.
ثانيهما: أن يكون على ثمر نخلة معينة، ذكره الباجي، إذ لو كانت أوسقًا من حائط فلم يبقَ إلا مقدار تلك المكيلة لزم المبتاع أداؤها، بمنزلة من أوصى بثمرة حائطه يعطي إنسانًا، ولآخر منه بخمسة أوسق فتلفت الثمرة إلا خمسة أوسق فإن جميعها له دون من أوصى له بسائر الثمرة. قاله في المبسوط.
ومن استثنى من الثمرة مكيلًا معلومًا فأجيحت بما يعتبر وضع من المستثنى بقدره، وروي: لا يوضع شيء
قوله: (مكيلًا معلومًا) أي: الثلث فأدنى- كما تقدم- مثاله: لو استثنى عشرة أرادب من ثلاثين فأجيح ثلث الثمرة، فلا خلاف أنه يحط عن المشتري مقابل المجاح من الثمن. واختلف: هل يحط ثلث العشرة؟ في ذلك روايتان.
الأولى: أنه يحط. قال في البيان: وهي رواية ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم وأصبغ، وهذا على القول بأن المستثنى بمنزلة المشتري، لأنه إذا باع حائطًا واستثنى منه عشرة أرادب، فكأنه في التمثيل على هذا القول قد باع جميع الثمرة، وفيها ثلاثون إردبًا بعشرة دنانير، وبعشرة أرادب التي استثنى، فإن أجيح من ثمر الحائط نصفه سقط عن المشتري نصف الثمن، وهو نصف العشرة دنانير، ونصف العشرة أرادب المستثناة، لأنها من ثمرة الحائط، وكذلك على هذا القياس.
والثانية: رواية ابن وهب: لا يوضع من العشرة أرادب شيء. وقال في البيان: لأن المستثنى مبقى، لأنه على هذا القول إنما باع من حائطه ما بقي بعد ما استثنى، لأن الذي استثناه أبقاه على ملكه لنفسه ولم يبعه.
وقوله: (فأجيحت بما يعتبر) احترز به مما دون الثلث، إذ لا يوضع حينئذٍ من المستثنى بقدره، ويأخذ البائع جميع ما استثنى.
[ ٥ / ٥٧٩ ]
فإن اشترى الثمرة مع الأصل فلا جائحة
هذا ظاهر، وهو مفهوم مما تقدم من قوله: (ويشترط أن يكون مفردًا عن أصله)، ولعله أعاده ليرتب عليه ما بعده.
ولو اشترى الثمرة بعد صلاحها ثم الأصل ففيها الجائحة
أي: لوجوبها بشراء الأصل، ويمكن أن يجرى فيها قول بسقوطها من أحد القولين في أن اللاحقات للعقود تقدر واقعة فيها. أما لو اشتراها أولًا قبل بدو الصلاح على القطع ثم اشترى الأصل فله إبقاؤها ولا جائحة.
ابن يونس: وتحصيل المسألة أنه إن اشترى الأصل والثمرة وهي مزهية فاشتراها بعد الأصل قولان، أو غير مزهية تبعًا أو غير تبع فلا جائحة في الثمرة. وإن اشتراها بعضها بعد بعض وهي غير مزهية فكذلك لا جائحة فيها، وإن كانت مزهية فاشتراها بعد الأصل فقولان.
فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد صلاحها فقولان
هذه عكس التي قبلها، وهي أن يشتري الأصل أولًا ثم الثمرة، فإن اشتراها قبل بدو صلاحها فاختلف في جواز شرائها على قولين، فإذا فرعنا على الجواز فلا جائحة فيها. انتهى.
وعن هذه الصورة احترز المصنف بقوله: (بعد بدو صلاحها). وهذه المسألة يتصور إذا استثنى البائع الثمرة قبل زهوها. خليل: وهي تأتي على المشهور أن المستثنى مبقى، وأما على القول بأنه مشترى فلا يجوز للبائع الاستثناء. والقولان اللذان حكاهما المصنف إذا اشتراها بعد بدو صلاحها لابن القاسم، ومذهب المدونة سقوط الجائحة كما لو اشتراها مع الأصل بعد بدو الصلاح. والقول بثبوتها لابن القاسم في الأَسْدِيَّة والموَّازيَّة.
ابن يونس: كأنه يقول: السقي على البائع فحق التوفية باقٍ عليه.
[ ٥ / ٥٨٠ ]
وإذا اختلف المتبايعان في جنس الثمن تحالفا وتفاسخا اتفاقًا
يدخل تحت لفظ [٤٩٤/أ] المتبايعين كل متبايعين نقدًا أو نسيئة، سلمًا أو غيره، والأصل فيه ما رواه مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّما بَيِّعين تبايعًا فالقول ما قال البائع أو يترادان».
وذكر أبو عمر أنه مشهور عند العلماء تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرًا من الفروع، فقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغنى بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: «لا وصية لوارث». وليس في الحديث ذكر التحالف، إلا أن أهل العلم تأولوه على ذلك.
وحكى المصنف وغيره الاتفاق على التحالف والتفاسخ، يعني أنه ليس قول أحدهما أولى من قول الآخر، ولم يقر البائع بإخراج سلعته بما قال المشتري جملة ولا تفصيلًا.
وحكى ابن حبيب وغيره عن ابن القاسم في الكراء أن القول قول الساكن إن خرج، فُيخرَّج عليه قول في البيع أن يكون القول قول المشتري إن فات المبيع. وخرج عبد الحميد قولًا بأن يكون القول للبائع مما في المدونة فيمن صبغ الثوب أسود فادعى ربه أنه عقد معه على أن يصبغه أحمر أن القول قول الصباغ مع اختلافهما في الجنس، لأن الصباغ يدعي أنه باعه سوادًا، ورب الثوب يدعي أنه اشترى معصفرًا. وفرق المازري بأن صاحب الثوب لما دفع ثوبه إليه فكأنه ائتمنه عليه، وبأن صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديًا يوجب عليه تعمير ذمته بقيمة الثوب، والأصل عدمه.
وفي نوعه كذلك، وقيل: كمقدار الثمن
أي: وإذا اختلفا في نوع الثمن فقال البائع: بعتك بقمح، ويقول الآخر: بشعير، فالمشهور أنهما يتحالفان ويتفاسخان. قال في الجواهر: قيل: يجري الاختلاف في قدر الثمن. وهذا هو القول الثاني في كلام المصنف.
[ ٥ / ٥٨١ ]
اللخمي: وذهب ابن الماجشون إلى أنهما لا يتحالفان، قال: لأنهما اتفقا على جنس واحد، واختلفا في جودته.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد المصنف ما لو ادعى أحدهما سمراء والآخر محمولة، فقال ابن حبيب: هو كما لو ادعى أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، وكما لو اختلفا في القدر. وذهب فضل بن مسلمة أن التحالف والتفاسخ، فحمله بعضهم على أنهما عنده كالجنسين، وبعضهم على أنهما كالجنس الواحد. إلا أنه على القول بالتحالف والتفاسخ مطلقًا. ولو كان السلم والبيع بالنقد بالخيار، فقال أحدهما: إنا عقدنا على ذكران. وقال الآخر: على إناث. فرده المازري للاختلاف في الجنس لتباين الأغراض، فإن الإناث تراد للنسل. قال: بخلاف ما لو كان الاختلاف في ذكران البغال أو إناثها، فإن ذلك راجع إلى الاختلاف في الصفة، لأن إناث البغال لا تراد للنسل.
وإذا اختلفا في مقدار الثمن فأربع: ابن وهب: يتحالفان ويتفاسخان ما لم يقبض المشتري السلعة فيصدق مع يمينه لليد. ابن وهب أيضًا: ما لم يبن بها للبينونة. المدونة: ما لم تفت في يد المشتري للفوات. أشهب: مطلقًا، وإن فاتت فالقيمة. واختاره المازري
أي: فأربع روايات، ولذلك أسقط التاء. وتصور الأولى واضح، و(اليد) يريد بها الحوز. وتبع المصنف في نسبتها لمالك ابن شاس. ابن عبد السلام: وقد حكى ذلك غير واحد، وهو خلاف ما ذكره ابن أبي والباجي وسند عن ابن المواز أن مالكًا لم يختلف قوله قبل التفرق أنهما يتحالفان ويترادان.
وقوله: (فيصدق مع يمينه)، قال في الموازية: إلا أن يدعي ما لا يشبه. وكذلك تصور الثانية ظاهر.
[ ٥ / ٥٨٢ ]
وارتفع ابن وهب إما بفعل مضمر، أي: وروى ابن وهب، أو على حذف مضاف على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الثانية رواية ابن وهب. وما في المدونة هو المشهور، وسيأتي تفسير الفوات. زاد في المدونة: إذا أتى المشتري بما يشبه من الثمن، قال: وفي تضمين الصناع منها: وثبت مالك على هذا. زاد في الواضحة: وما عملت أن أحدًا اختلف قوله فيها من أصحابه المدنيين.
ابن عبد السلام: الرواية الرابعة للمازري: وبها كان يفتي شيخنا، وأنا أفتي، وهو معنى قوله: (واختاره المازري) لعموم الحديث في قوله: (يتحالفان ويتفاسخان).
ابن بشير: وحكى بعضهم عن كتاب ابن حبيب قولًا خامسًا أن القول قول المشتري ولم يوجد فيه، وتقييده في المدونة الفوات بيد المشتري، مفهومه أنه لو فاتت في يد البائع لم يكن القول قوله. ووقع لابن القصار ما يقتضي أن القول قول المشتري ولم يوجد فيه، فإنه سوى بين فواتها بيد المشتري أو بيد البائع في أن ضمانها منه.
وللقاضي إسماعيل ما يقتضي أنهما يتحالفان. المازري: وخرج الأصحاب ما إذا فاتت بيد البائع على اختلاف قول مالك في المحبوسة في الثمن، فإن قلنا ضمانها من البائع لا يكون القول قول المشتري، إذ لا غرامة عليه. وإن قلنا ضمانها من المشتري ترجح قوله كما لو كانت في يده. قال: ويعرض هنا بحث آخر، وهو أن المشتري الذي صار راهنًا لا في مبلغ الدين إذا ادعى أقل من قيمة الرهن، والمرتهن لا يعمر ذمة الراهن بما لم يقر أنه رهن به، وإنما له حبس السلعة، والرهن شاهد على نفسه لا على الذمة على مشهور المذهب، فإن كان المبيع جارية وحدث بها في أيام احتباسها عور- وهو ربع قيمتها- صار هذا الربع قد فات بيد المشتري، فيصدق في [٤٩٤/ب] مقدار ثمنها كما يصدق في ثمن السلعة جميعها في يده، ويتحالفان في ثلاثة أرباع الجارية التي بقيت منها، ويقع فيها التفاسخ، فيحلف المشتري لينفي عن ذمته ما يطلب البائع منه، ويحلف البائع لئلا يؤخذ
[ ٥ / ٥٨٣ ]
من يده الرهن بما لم يقر به مما هو مصدق في كون الرهن ليس برهن فيما هو أقل منه. وإلى تصديق المشتري في ثمن ما فات والتحالف في ما لم يفت ذهب ابن عبدوس.
ويدل على اعتباره ما رواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع».
ومفهومه: إن لم تكن قائمة لم يترادَّا فينبغي التحالف.
ويعتبر الأشبه عند الفوات اتفاقًا، ولا يعتبر وهي قائمة وهي قائمة على المشهور. وفي الفوات بحوالة الأسواق قولان
إذا ادعى أحدهما ما يقرب من الصدق وادعى الآخر ما لا يشبه فإن كانت السلعة فاتت فالقول قول من ادعى الأشبه اتفاقًا، لأنه أتى بشاهد العرف على بطلان دعوى صاحبه، فيحلف معه، كما لو قام له شاهد واحد، فإن كانت قائمة فهل يترجح مدعي الأشبه كالفوات؟ وهو قول مطرف وابن الماجشون، وصوبه الأشياخ أولًا لقيام السلعة، وهو المشهور، والقولان لمالك.
ابن بشير: وهذا ينبغي أن يكون خلافًا في حال، فإن ادعى أحدهما الأشبه، فينبغي ألا يُختلف أن القول قول من ادعى الأشبه، وإن ادعى الآخر ما هو ممكن ويتغابن الناس بمثله، فلا يلتفت إلى الأشبه.
وحيث قلنا: إن القول قول مدعي الأشبه عند الفوات فالفوات يكون بذهاب العين أو بتغيُّر الذات. وهل يكون بحوالة الأسواق وهو مذهب المدونة حتى في المكيل والموزون، أو لا وهو قول أشهب وعبد الملك؟ والأقرب مذهب المدونة، لأن سكوت البائع عن طلب الثمن وعن بيان مقداره حتى تتغير سوقها دليل على الكذب.
[ ٥ / ٥٨٤ ]
وفي البداية ثالثها بالقرعة، والمشهور تقدمة البائع
تصور كلامه ظاهر، فوجه المشهور وهو قوله في المدونة: قوله ﵊: «القول ما قال البائع»، لأن الأصل استصحاب ملكه، والمشتري يدعي أخراجه بغير ما رضي به.
والثاني: رواه يحيي عن ابن القاسم في العتبية، ووجه مقابله أن البائع مقر بالبيع ونَقْل الملك للمشتري، ومدعٍ لزيادة والأصل عدمها.
والثالث: ابن عبد السلام: للأشياخ ولبعضهم أن الحاكم مخير في تعيين المبدأ منهما.
فإن قلت: فهل قوله في المدونة في تضمين الصناع إذا جهل ورثة البائع والمشتري الثمن فيبدأ بورثة المشتري مخالف للمشهور؟
فالجواب: لا، لأن الجهل عندهم يتنزل منزلة الفوات. قال في البيان: ولو اتفق المتبايعان على مقدار الثمن واختلفا في مقدار المثمون لبدِئ بالمشتري، لأنه بائع للثمن. ومثله في العتبية، وحكى عن شيوخه خلاف ذلك.
وفي كونه أولى أو واجبًا قولان
أي: في كون تقدمة البائع على جهة الأولوية أو الوجوب قولان، والأقرب الوجوب، لأن الحاكم يحكم بتقدمة البائع ولا يحكم بالمندوبات. وهذا القولان ذكرهما ابن بشير وابن شاس ولم أقف عليهما، ولعلهما أخذا القولين من الخلاف المذكور في تناكلهما.
ولو تناكلا فقال ابن القاسم: يفسخ كما إذا تحالفا. وقال ابن حبيب: بما قال البائع بناء على أن تقديمه أولى أو واجب
أي: إذا نكل كل واحد منهما عن اليمين فقال ابن القاسم في المدونة: ينتقض البيع كما ينتقض إذا تحالفا لاستوائهما، وذكره في المدونة عن شريح قاضي علي بن أبي طال ﵄. وقال ابن حبيب: يمضي البيع بما ادَّعاه البائع.
[ ٥ / ٥٨٥ ]
ابن يونس: ووجهه أن البائع أقوى، لأنه المبدأ باليمين، والأصل في كل من كان القول قوله فنكل عن اليمين أن يحلف الآخر، ويكون الأمر على ما قال، فإن نكل كان الأمر على ما قاله الأول. انتهى.
وفرق بأن يمين المدعى عليه تُسقط دعوى المدعي، ونكوله عنها يوجب يمين المدعي. وإذا نكل المدعي ترجح قول المدعى عليه، ولا يحتاج إلى يمين، لأنه قد نكل عنها أولًا، بخلاف يمين البائع فإنها تُسقط دعوى المشتري، بل يبقى مطلوبًا باليمن مثلما كان البائع مطلوبًا، فلا يلزم من نكوله بعد نكول البائع أن تترجح دعوى البائع عليه. وذكر عبد الوهاب قولًا آخر أن القول إذا تناكلا قول المشتري بناء على أنه مقدم باليمن. وبنى المصنف تبعًا لابن بشير وابن شاس قول ابن القاسم على أن تقديم البائع أولى، وقول ابن حبيب على أنه واجب، وفيه نظر، فإن نمنع استلزم الوجوب لقبول قول البائع، ونمنع استلزام الأولوية للفسخ.
وفي تحليفه على دعواه قولان
هذا تفريع على قول ابن حبيب، أي: إذا قلنا: البيع يمضي بما قاله البائع. فقال أكثر الشيوخ: يقضى للبائع بغير يمين. وهو مقتضى إلحاقه بسائر الدعاوى كما تقدم. وقال الباجي: لابد من اليمين الأولى لا يستحق بها ما ادعاه، لأن للمبتاع إسقاطها بيمينه، فلما نكل عنها ثم نكل المشتري لم يكن بد من يمين آخرى. قال في البيان: وهو الصواب.
وإذا حلفا افتقر على الفسخ خلافًا لسحنون
[٤٩٥/أ] قال في المدونة: وإذا تحالفا ولم يحكم بالفسخ فللمشتري قبولها. وقال سحنون: بل بنفس التحالف ينفسخ العقد كاللعان. وذكر بعضهم ثالثًا: وهو بقاء العقد بينهما إلا أن يفسخاه بتراضيهما
[ ٥ / ٥٨٦ ]
ابن عبد السلام: ولا ينبغي أن يعد ثالثًا، ولا ينبغي أن يختلف فيه، وإذا تراضيا فهو كحكم الحاكم أو أشد، وهو ظاهر من كتاب الإجارات. وقيل: إن كان تحالفهما بأمر الحاكم لم يفسخ حتى يفسخه الحاكم، وإن كان بتراضيهما وقع الفسخ بمجرد أيمانهما. وقيل بعكس هذه التفرقة. ورفع عبد الحميد الخلاف بين الأولين، فحمل الأول على أن يمينهما كانت لنفي الريبة عن أنفسهما وصدقهما في دعواهما، والثاني على أن يمينهما كانت لينفسخ البيع بينهما.
وثمرته أن يرضى أحدهما بقول الآخر
أي: وثمرة الخلاف. وتصوره ظاهر.
وذكر الباجي ثالثًا أن للمبتاع أن يلزم البائع بما قال دون العكس، وحمل المدونة عليه لقوله فيها: إلا أن يشاء المبتاع.
وينفسخ ظاهرًا وباطنًا على الأصح
أي: إذا قلنا بالفسخ بالحكم أو بالتحالف فاختلف: هل ينفسخ العقد في الظاهر والباطن ويأثم الظالم منهما، أو في الظاهر خاصة؟ وهو في نفس الأمر منعقد على ما ادعاه المحق. وما صححه المصنف ذكر سند أنه ظاهر المذهب، ورجح الثاني بأن أصل المذهب أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا، وسيأتي بيان ذلك في الأقضية. وأجيب بأن مسألة البيع قد أوجب النبي ﷺ فيها رد البيع، ورد المبيع يوجب انتقاضه، وفيه نظر، لأن النبي ﷺ إنما ردها في الظاهر.
فرع:
إذا بنينا على أنه إنما يفسخ في الظاهر فمن حجة البائع أن يبيع السلعة، لأنه يقول: لي في ذمة المشتري دين منعني منه، وقد عثرت على سلعة له، ولا يمكن أخذها من ديني إلا بعد بيعها، فإن ساوت مثل الثمن فلا كلام، وإن ساوت أقل بقي باقي الثمن دينًا لي عليه،
[ ٥ / ٥٨٧ ]
وإن ساوت أكثر رد الفضلة. وبين أصحاب الشافعي اختلاف: هل يبيع ذلك لنفسه لأجل تعذر الرفع إلى الحاكم في مثل هذا أو يتولى الحاكم البيع؟ والأشبه بظاهر مذهبنا رفعه إلى الحاكم ليتولى البيع عليه، قاله المازري. ابن عبد السلام: والذي أفهم أنا من قواعد مذهبنا أنه لا يلزمه ذلك، بل له أن يتولى البيع بنفسه.
وثمرته حل الوطء وغيره
أي: فعلى الأصح يحل للبائع الانتفاع بالمبيع وطأً وغيره، ولا يحل ذلك على القول الآخر، لأنه على ملك المشتري، إما بما ادعاه هو أو بما ادعاه البائع، وإنما بقي له دين في ذمة المشتري.
ويحلف على نفي دعوى خصمه، وقيل: مع تحقيق دعواه، فإن نكل فلابد من الثاني، ولهذا قال اللخمي: له أن يجمعهما
مثاله: لو ادعى البائع أنه باع بعشرة وادعى المشتري أنه اشتراها بثمانية، فيحلف على نفي دعوى خصمه، فيقول البائع: والله ما بعته بثمانية. إذا المقصود نفي دعوى الخصم، وهذا القول حكاه اللخمي، واقتصر عليه صاحب البيان، وأنكره المازري، والمشهور هو القول الثاني، وهو أن كل واحد منهما يحلف في يمين واحدة على نفي دعوى خصمه وإثبات دعواه، فيحلف البائع ما بعته بثمانية ولقد بعته بعشرة. نص عليه فيها في تضمين الصناع، وعلى هذا ففي تقديم المصنف للأول نظر.
وقوله: (فإن نكل الثاني) وهو المشتري على المشهور (فلا بد من الثاني) أي: أن يحلف البائع على إثبات دعواه، إذ لا يلزم من نفي البيع بثمانية أن يكون حصل بعشرة لجواز أن يكون وقع بتسعة. وكذلك إذا بنينا على تبدية المشتري، فإذا حلف المشتري ما اشتريت بعشرة، ونكل البائع أن يكون باعها بثمانية، فلا بد للمشتري بعد ذلك أن يقول:
[ ٥ / ٥٨٨ ]
ولقد اشتريتها بثمانية. ولما كان في كل من القولين راجحية من وجه ومرجوحية من آخر، فأما راجحية الأول فلأنه لم يلزم الحالف إلا بالقدر المضطر إليه، وأما مرجوحيته فلكونه ألزمه اليمين مرتين. وأما راجحية الثاني فلكونه ألزمه اليمين مرة واحدة، وأما مرجوحيته فلأنه ألزمه أولًا بنفي ما لم يلزمه. قال اللخمي: الخيرة في ذلك للحالف، فإن شاء قلل الأيمان على نفسه فجيمعها أولًا، وإن شاء التزم تكرار اليمين فيحلف أولًا على النفي ويؤخر يمين الإثبات حتى ينكل صاحبه.
والاختلاف في الرهن والحميل كذلك
أي: كالمقدار. فتجئ الأربعة الأقوال وما يتعلق بذلك من الفروع، لأن الثمن يزيد بعدمهما ويقل بوجودهما، وهذا هو الظاهر. وإن كان وقع في المذهب ما يدل على أن الرهن لا حصة له من الثمن، كما سيأتي في باب الرهن.
وإذا اختلفا في تعجيله وتأجيله حكم بالعرف، فإن لم يكن فكذلك، وقيل: القول قول البائع. وقيل في البعيد والقريب كذلك
أي: قال البائع بعته بنقد، وقال المشتري: بل بنسيئة، فالقول قول من ادعى العرف مع يمينه إن كان عرف، وإن لم يكن عرف فكذلك، أي: يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت، هكذا نقل ابن بشير هذا القول، وقال: إنه الأصل. وعلى هذا فكلامه يشتمل على ثلاثة أقوال. ويحتمل [٤٩٥/ب] أن يريد بقوله: وإن لم يكن عرف فكذلك، أي: كالاختلاف في الثمن فتأتي الأربعة الأقوال.
وعلى هذا الوجه اقتصر ابن عبد السلام، ويكون قوله: (وقيل) قولًا خامسًا.
ويترجح هذا بأن الغالب من كلام المصنف إذا قال كذلك أنه يريد الاختلاف في قدر الثمن، ويرجح الأول موافقة ابن بشير، وأيضًا فلأن قوله في القول الآخر، وقيل: في
[ ٥ / ٥٨٩ ]
البعيد والقريب كذلك، إنما يمكن فهمه على أن المراد يتحالفان ويتفاسخان، ولا يمكن أن يريد فتأتي الأربعة الأقوال، لأنه يقال: إن في قوله تفصيلًا مشتملًا على أربعة أقوال.
وقوله: (وقيل: القول قول البائع). ابن عبد السلام: ظاهره سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة، وسواء كان فيها عرف أو لم يكن، وهذا يشبه قول ابن القاسم في كتاب الرهن. انتهى. وهو منصوص لمالك في الواضحة من رواية مطرف أن البائع مصدق مع يمينه فاتت السلعة أو لم يفت.
قوله: (وقيل في البعيد) أي: وقيل: إن القول قول البائع في الأجل البعيد، وأما القريب فكذلك، أي: فيتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت كالاختلاف في قدر الثمن، هكذا نقل ابن بشير وصاحب الجواهر هذا القول.
تنبيه:
مقتضى كلام ابن بشير وابن شاس أن القول الثاني ليس خلافًا للأول، لأنهما لما قالا: وقيل: القول قول البائع. وهو بناء على أن العادة التعجيل.
واعلم أن مسائل الأجل ثلاثة:
الأولى: أن يختلفا في أصل الأجل، وهي هذه المسألة.
الثانية: أن يتفقا عليه ويختلفا في انقضائه، وهي الآتية، أعني قوله: (وإذا اختلفا في انتهائه).
والثالثة: أن يختلفا في مقداره، كما لو قال: بعتك إلى شهر. وقال المشتري: بل إلى شهرين.
المازري: فيجري فيه الخلاف الذي في مقدار الثمن. قال: ولم يختلف المذهب في هذا، وحصل في البيان المسألة على غير هذه الطريقة، وجمع في المسائل الثلاث ثمانية أقوال:
[ ٥ / ٥٩٠ ]
أحدها: رواية ابن وهب أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما كانت السلعة بيد البائع، فإن دفعها إلى المبتاع كان القول قوله سواء أقر بأجل أو لم يقر به، وهو اختيار سحنون.
الثاني: يتحالفان ويتفاسخان ما كانت السلعة بيد البائع، فإن دفعها إلى المبتاع كان القول قول البائع إن لم يقر بأجل، والقول قول المبتاع إن أقر به.
الثالث: يتحالفان ويتفاسخان، وإن قبض المبتاع السلعة ما لم تفت، فإن فاتت كان القول قول البائع إن لم يقر بأجل، وقول المبتاع إن تقاررا على الأجل أو اختلفا فيه، وهذا أحد قولي مالك وابن القاسم، وهو المشهور عنه.
الرابع: يتحالفان ويتفاسخان، وإن قبض المبتاع السلعة ما لم تفت، فإن فاتت فالقول قول المشتري وإن لم يقر المبتاع بالأجل، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
الخامس: أن القول قول المشتري إذا ادعى من الأجل ما يشبه- كانت السلعة قائمة أو فائتة- وروى هذا عن ابن القاسم.
السادس: أن البائع إن لم يقر بأجل كان القول قوله ما لم يدفع السلعة، فإن دفعها كان القول قول المشتري.
السابع: أن البائع إذا لم يقر بأجل فالقول قوله، وإن دفع السلعة ما كانت قائمة فإن فاتت كان القول قول المشتري، وروى أيضًا هذا القول عن ابن القاسم، وهو قول العراقيين.
الثامن: أن القول قول البائع إن لم يقر بأجل كانت السلعة قائمة أو فائتة، وإن أقر بأجل كان القول قول المشتري كانت السلعة أيضًا قائمة أو فائتة فلا يتحالفان ولا يتفاسخان في شيء، وهو قول مالك في رواية مطرف عنه.
[ ٥ / ٥٩١ ]
وإذا اختلفا في انتهائه فقط فالقول قول منكر التقضي
أي: إذا اتفقا على الأجل واختلفا هل انقضى أم لا؟ كما لو اتفقا أن البيع وقع إلى شهر واختلفا هل انقضى أم لا؟ وذلك مستلزم لاختلافهما في أوله، وكان القول قول منكر التقضي، لأن الأصل ألا معاملة بينهما إلا بعد الثبوت. وفي تضمين الصناع: وإن تصادقا على أن الأجل شهران وادعى البائع حلوله وأنكر المبتاع حلف المبتاع وصدق. زاد في الواضحة عن ابن القاسم: وكذلك إن اختلفا في مقداره.
واعلم أن قول المصنف: (منكر التقضي) أعم فائدة من قول غيره "قول المبتاع"، لأن المبتاع كما ينكر التقضي كذلك أيضًا قد ينكر المسلم التقضي، فيكون القول قوله، وكذلك يتصور فيما فيه ضمان.
وإذا اختلفا في قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما، ويحكم بالعرف في بعضها كاللحم والبقل إذا بان به، وكغيرها إذا طال الزمان طولًا يقضي العرف بخلافه، ويرجع إلى العوائد
يعني: إذا اختلف المتبايعان في قبض الثمن بأن يقول البائع: ما قبضته، ويقول المشتري: بل أقبضتكه، أو السلعة بأن يقول المشتري: لم أقبض السلعة، ويقول البائع: أقبضتها لك- فالأصل بقاؤهما، أي: بقاء الثمن في ذمة المشتري وبقاء السلعة في يد البائع، لأن الأصل عدم خروج الثمن من ذمة المشتري إلا ببينة أو إقرار، وكذلك المثمون الأصل بقاؤه بيد البائع، ثم ذكر أن العرف أن العرف يقدم على الأصل في مثل اللحم والبقل، وشبه هذه الأشياء في المدونة بالعرف، إذ العرف في مثل هذه الأشياء إعطاء الثمن قبل التفرق.
وحكى المازري الاتفاق على اعتبار العادة هنا، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في هذه الأشياء [٤٩٦/أ] بين أن تكثر أو تقل، وهو قول ابن أبي زمنين، ونقله عن ابن القاسم، وأنكر ذلك يحيي بن عمر فيما كثر، وجعله كسائر السلع القول فيه قول البائع.
[ ٥ / ٥٩٢ ]
وقيد المصنف كون القول قول المشتري بالبينونة كالمدونة لاتفاق المذهب على رجحان قول المشتري حينئذٍ، ومفهومه أنه لا يقيد قبلها، وفيه تفصيل إذا قال: دفعته إليه بعد قبض الرطب، فالقول قول الرطَّاب باتفاق، وإن قال: دفعته قبل قبض الرطب فثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول البائع، وهو ظاهر قول مالك في العتبية.
والثاني: أن القول قول المبتاع، رواه ابن القاسم في الموَّازيَّة.
الثالث: أن القول قول المشتري في كل ما الشأن فيه قبض ثمنه قبل قبض المثمون، وهو قول ابن القاسم في الموَّازيَّة، حكاه ابن رشد. وحكى غيره في المسألتين قولين سواء قال: دفعته قبل قبض الرطب أو بعده، أما إن لم يقبض المشتري المثمَّن وادعى أنه دفع الثمن فلا خلاف أنه لا يعتبر قوله:
وقوله: (وكغيرهما) أي: وكذلك القول قول المشتري في غير البقل واللحم كالدور والعروض مما لم يجر العرف فيه بالقبض، بشرط الطول لشهادة العرف حينئذٍ، لأن البائع لا يصبر إلى مثل هذا الزمان، وهذا هو الأصل أنه يرجع إلى العرف، ووقع في الرواية التحديد بالزمان، فمن ذلك ما قاله ابن حبيب: أما الرقيق والدور والدواب والرباع وشبه ذلك مما لا يباع على الدين ولا على التقاضي، فالقول قول البائع في عدم القبض ما لم يمض لذلك السنة والسنتان، فالقول قول المبتاع ويحلف.
وأما التجارات مما يباع على التقاضي والأجل فالقول قول البائع، ما لم يمض لذلك عشر سنين أو أقل من ذلك مما لا يباع ذلك إليه، فيصدق المبتاع ويحلف. وروى ذلك مطرف وقال به. وساوى ابن القاسم بين البز والربع وغيره مما عدا الحنطة والزيت، وجعل القول قول البائع في ذلك كله وإن بعد عشرين سنة حتى يجاوز الوقت الذي يجوز البيع إليه.
[ ٥ / ٥٩٣ ]
ابن محرز وابن يونس وغيرهما: والأصل في هذا أن يحمل على العرف في تلك السلعة ويقضي به، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (ويرجع إلى العوائد). وكذلك قال ابن بشير: إن حظ الفقيه أن يحيل على العوائد.
والمثمون كذلك
يحتمل أن يريد: وإن اختلفا في قبض المثمون فكذلك، أي: الأصل بقاؤه. لكنه تكرار لقوله في صدر المسألة: (أو السلعة).
والظاهر أنه يريد: والاختلاف في قدر المثمون كذلك، أي: ففيه الأربعة الأقوال، وهكذا نص عليه المازري. ويؤيده أن الإشارة في كلامه بـ (ذلك) غالبًا إنما هي في الخلاف. ويؤيده أيضًا قوله بعد هذا: والاختلاف في قدر المسلم فيه كالاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع. فشبه بقدر المبيع، ولم يتقدم له ذكر إلا في هذا الموضوع على هذا الحمل. ولا يقال: التشبيه في كلامه لإفادة الحكم، لأنه قد يفعل ذلك لأنا نقول: التشبيه على ما تقدم هو الأغلب فهو أولى، والله أعلم.
وإشهاد المشتري بالثمن مقتض لقبض المثمون عرفًا على المشهور
أي: إذا أشهد المشتري على نفسه بتقرر الثمن في ذمته فذلك موجب لقبض السلعة لشهادة العرف بذلك، فإذا ادعى بعد ذلك أنه لم يقبض السلعة فالقول قول البائع على المشهور، وهل يحلف؟ قال أشهب في العتبية: يحلف إن كان بحضرة البيع والإشهاد.
قال: وأما إن كف حتى حل الأجل، فقال: لم أكن قبضت السلعة، فلا قول له ولا يمين، والشاذ لابن عبد الحكم أن القول قول المبتاع في عدم القبض.
فرع:
يشبه هذا في ترجيح الفرق إذا أشهد البائع على نفسه بقبض الثمن. ثم قام يطلبه وقال: إنما أشهدت على نفسي ثقة مني بالمشتري. فهل يحلف المشتري له؟ فقال ابن المواز:
[ ٥ / ٥٩٤ ]
يحلف، وأطلق. وروى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أنه لا يحلف. وقال ابن حبيب: إلا أن يأتي بسبب يدل على ما ادعاه أو يتهم فيحلف.
والأكثرون على أن البائع إن قام على المشتري بقرب البيع حلف، وإلا فلا، إلا أن يكون بين المتبايعين قرابة أو صداقة تشبه معها دعوى البائع، فيحلف له المشتري، وإلا لم يحلف.
خليل: وانظر هل يتخرج قول ابن عبد الحكم هنا، أو تتخرج الأقوال التي هنا في اليمين في المسألة السابقة أم لا؟
وإذا اختلفا في الخيار فثلاثة: البت المشهور، والخيار، وكالثمن
أي: إذا ادعى أحدهما أنه وقع على البت والآخر على الخيار فثلاثة أقوال:
المشهور: أن القول قول من ادعى البت، لأنه الغالب من بيوع الناس.
الثاني لأشهب: أن القول قول مدعي الخيار، لأن الأصل عدم انتقال الملك. ابن بشير: وبه كان يفتي من حقق النظر من أشياخي.
والثالث لبعض الشيوخ: أن ذلك كاختلاف المتبايعين في مقدار الثمن، لأن الثمن يختلف بالكثرة والقلة لاختلاف أحوال البيع من بت وخيار.
وإذا اختلفا في الصحة، ففيها: القول قول مدعيها، وقيل: إن غلب الفساد فالقول قول مدعيه، وكذلك قال سحنون في المغارسة: القول قول مدعي الفساد
إذا اختلفا في الصحة والفساد فالمشهور وهو مذهب المدونة أن القول قول مدعي الصحة مطلقًا، وقيده ابن أبي زيد وغيره بأن يكون اختلافهما في ذلك لا يؤدي إلى الاختلاف في مقدار الثمن، كقول أحدهم: البيع وقع [٤٩٦/ب] يوم الجمعة، والآخر ينكره، وأما إذا أدى إلى الاختلاف فيه فيجري على حكم الاختلاف في الثمن.
[ ٥ / ٥٩٥ ]
وفي ابن بشير: إن لم يؤد إلى الاختلاف في مقدار الثمن فالقول قول مدعي الصحة. وإن عده بالاختلاف في مقدار الثمن فطريقان:
إحداهما: أنه يعطى حكم الاختلاف في الثمن.
والثانية: حكم الاختلاف في الصحة والفساد.
وإذا قلنا أنه كالاختلاف في الثمن فهل يتحالفان أو يحلف أحدهما؟ قولان: ظاهر ما في الموَّازيَّة أنهما يتحالفان كالاختلاف في قدر الثمن. وقال المتأخرون: بل تقال الأيمان. وإذا قلنا بهذا فهل يبدأ بيمين مدعي الصحة رجاء أن ينكل فيفسخ البيع، أو يبدأ بيمين مدعي الفساد فإن نكل تم البيع من غير يمين؟ لهم في ذلك طريقان. وغرض الجميع تقليل الأيمان. انتهى.
وكان القول لمدعي الصحة، لأنها الغالبة في التعامل بين المسلمين، أو لأن البيع الصحيح هو الحقيقة. وعلى الأول فينبغي أن يكون القول الثاني تقييدًا للأول ليس بخلاف، وهو قول عبد الحميد. واحتج بقول سحنون في المغارسة: القول قول مدعي الفساد فيها، لأن الغالب فسادها في زمانه. وبقول ابن القاسم في المدونة في الزوجة إذا أرخى الستر وادعت أنه وطئها فالقول قولها، ولو كان ذلك في نهار رمضان الذي لا يحل الوطء فيه، لأن الغالب مبادرة الزوج حينئذٍ إلى الوطء. ولأن ابن القاسم وافق على مسألة المغارسة في رواية حسين وأبي زيد، ولم ينقله في الجواهر على أنه خلاف كما فعل المصنف، والله أعلم.
تنبيه:
اعلم أن في اختلاف المتبايعين طريقين:
الأولى: للمتأخرين، وهي ما حكاه المصنف.
[ ٥ / ٥٩٦ ]
والثانية: لابن القصار سوى فيها بين اختلافها في مقدار الثمن والمثمون وبين الاختلاف في الأجل والرهن والكفيل والبت، وذكر في الجميع ثلاث روايات، وأسقط من الأربعة المتقدمة رواية ابن وهب الثانية اعتبار البينونة مع القبض، ورواها الطرطوشي.
والاختلاف في السلم كذلك إلا أن المسلم إليه في قبض رأس المال إن كان عرضًا كالمشتري في النقد في قبض السلعة وفي فواتها
يحتمل أن يشير بذلك إلى اختلافهما في الصحة والفساد، أو اختلافهما في مقدار الثمن، أو إلى جميع ما تقدم، وعلى هذا فيحلف إذا اختلفا في القدر ويتحالفان ويتفاسخان إذا اختلفا في الجنس، وقد صرح في المدونة بذلك، وعلى هذا فلا بد من تخصيص كلامه بما عدا الاختلاف في مقدار المسلم فيه، فإن المصنف سيذكره، وهذا هو الظاهر. ولما كان التشبيه يقتضي أن المسلم هو المشتري وأن المسلم إليه هو البائع، بين أن الأمر هنا على العكس، فبين أن المسلم إليه هنا كالمشتري والمسلم كالبائع.
وإنما قلنا: إنه جعل المسلم إليه هنا كالمشتري، لأنه ذكر أنه يترجح قوله بالقبض، ثم شرط في قبض رأس المال المرجح لقول المسلم إليه أن يكون عرضًا، ثم بين ما يلحق فيه، فقال: (في قبض السلعة وفواتها). وفي اقتصاره على هذين القولين نظر، بل ينبغي أن يقول: فتأتي الأربعة الأقوال، وفيه أيضًا نظر آخر، لأن تقييده بالعرض يوهم أن العين ليس كذلك، فعلى هذا لو قبض المسلم إليه رأس المال وهو عين لاتفق على أنه لا يكون القول قوله وليس كذلك، بل القول قوله على رواية ابن وهب في الترجيح بالقبض، وتأتي بقية الأقوال وقد نص على ذلك المازري وسند، ولا خلاف بين العرض وغيره إلا فيما يقع به الفوات، ففي العرض بحوالة الأسواق فأعلى، وفي العين خلاف نبه عليه بقوله:
[ ٥ / ٥٩٧ ]
وإن كان عينًا ففي وقت فواته ثلاثة: طول الزمان الكثير، أو طول ما أو غيبته عليه
الأول من الثلاثة هو المشهور، والثاني ذكره ابن رشد، والثالث للتونسي، قال: والأشبه أنه لا فرق في الدنانير والدراهم بين كثير الطول وغيره، لأن الغيبة عليها تُفِيت عينها.
والاختلاف في قدر المسلم فيه كالاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع
أي: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه في قدر المسلم فيه مع اتفاقهما في جنسه وصفته فذلك جار على الاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع، فإن كان قبل قبض رأس المال تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد قبضه فالأربعة الأقوال، وفي المدونة: القول قول المسلم إليه عند حلول الأجل إذا ادعى ما يشبه، وإلا فللمشتري إن ادعى ما يشبه، فإن ادعيا ما لا يشبه فقال ابن القاسم في المَّوازيَّة: يحملان على الوسط من سلم الناس يوم تعاقدا.
المازري: وهو المشهور. وقال في الأَسْدِيَّة مرة بهذا مرة بهذا وأخرى بأنهما يتحالفان ويتفاسخان.
تنبيه:
وقوله في المدونة القول قول المسلم إليه عند حلول الأجل، قال ابن المواز: وأما إن اختلفا بقرب مبايعتهما فيتحالفان ويتفاسخان.
وقال ابن حبيب: إذا اختلفا قبل الأجل في كيل الطعام صدق البائع إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق المبتاع وإلا حمل على الوسط.
ابن يونس: ظاهر هذا خلاف قول محمد، إذ قد يكون اختلافهما بقرب مبايعتهما وقد لا يكون، وابن حبيب لم يفصل وابن أبي زيد حمله على الوفاق.
[ ٥ / ٥٩٨ ]
وإذا اختلفا في الموضوع صدق مدعي موضع العقد، وإلا فالبائع لأنه كالأجل، فإن تباعدا ولم يشبه واحد منها تحالفا
[٤٩٧/أ] أي: فإن اختلفا في الموضع الذي يقبض فيه السلم، فإن ادعى أحدهما موضع العقد فالقول مع يمينه مطلقًا على المشهور، وهو مذهب المدونة، وقال سحنون: القول للبائع، ولو ادعى خلافه لأنه غارم. وقال أبو الفرج: يتحالفان ويتفاسخان إذا ادعيا ما يشبه، ولو ادعى أحدهما موضع التعاقد. وهذا إنما إذا كان اختلافهما بعد فوات رأس المال، وإلا تخافا وتفاسخا، نص على ذلك المازري وغيره وقد أهمله المصنف.
وما هو الفوات؟ فسره المازري بطول الزمان، فقال: فإن وقع الفوت بطول الزمان وفسره سند بالقبض، وهو ظاهر المدونة في هذه المسألة، ونصها: قلت أرأيت إن اختلف المسلم إليه ورب السلم في الموضع الذي يقبض الطعام فيه فقال المسلم إليه: إنما قبضت منك دراهمك على أن أعطيك الطعام في الفسطاط، وقال الذي له السلم: إنما دفعت إليه على أن أقبض منك في الإسكندرية، فالقول قول البائع، لأن الموضع كالآجال. وظاهره اعتبار القبض.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم يدَّع منهما واحد موضع العقد فالقول للبائع، هو المسلم إليه، لأنه غارم كما أن القول قوله إذا اختلفا في الأجل، لأن اختلاف البلدان كاختلاف الآجال خلافًا لأبي الفرج، وإنما يكون القول قول البائع إذا أشبه قوله فقط أو أشبه ما قال كل واحد منهما، وأما إن لم يشبه إلا قول المشتري وحده فيعمل على قوله، وأما إن ادعيا معًا ما لا يشبه فقد نبه عليه بقوله: (فإن تباعدا) ولم يشبه قول واحد منهما، أي: وإن تباعدا في دعواهما فإن ادعى كل واحد منهما موضعًا بعيدًا تحالفًا وتفاسخا. قاله في المدونة والموَّازيَّة والواضحة، لأنه وإن كان الأصل أن يعمل على قول المسلم إليه إلا أن العرف كذبه.
[ ٥ / ٥٩٩ ]
تنبيه:
ما ذكره من قوله: (وإلا فالبائع) لأنه كالأجل صحيح، وقد نص عليه في المدونة كما ذكرنا، لكن يبقى في كلام المصنف نظر، لأنه لم يقدم في الأجل أن القول قول البائع إلا على القول الشاذ فلا تصح الإحالة عليه.
انتهى المجلد الخامس
من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد السادس وأوله
كتاب السلم
[ ٥ / ٦٠٠ ]
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
أستاذ الحديث النبوي وعلومه
في كلية الدراسات الإسلايمة بسراييفو والأكاديمية الإسلامية بزينيتسا
ومدرس العلوم الشرعية في معهد قطر الديني سابقًا
المجلد السادس
[ ٦ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٦ / ٢ ]
السلم
السَّلَمُ لَهُ شُرُوطٌ: الأَوَّلُ: تَسْلِيمُ جَمِيعِ الثَّمَنِ خَوْفَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ
في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم».
واحترز بقوله: (جَمِيعِ الثَّمَنِ) مما لو نقد البعض فإنه لا يجوز، ونص على ذلك في المدونة، وبه قال محمد وغيره.
ابن راشد: وهو المعروف، وذكر ابن القصار قولًا بإمضاء ما تناجزا فيه، وهو مبني على أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا، ولأشهب قول ثالث: يجوز أن يتأخر اليسير لا النصف؛ لأن اليسير تبع فيعطى حكم متبوعه، وأشار سند إلى تخريج قول بإجازة تأخير الثلث مما أجازه مالك في الموَّازيَّة في الكراء المضمون إذا نقد الثلثين وتأخر الثلث.
وفرق غيره بأن مالكًا إنما أجاز ذلك في الكراء المضمون للضرورة؛ إذ الأكرياء يقتطعون أموال الناس، ولا ضرورة في السلم وأجرى اللخمي قولًا بالفرق بين أن يسمى لكل قفيز - مثلًا - ثمنًا فيصح ما يقابل المقبوض، أولا فيبطل الجميع مما تقدم في الصرف من التفصيل لذلك، وفي تغليل المصنف بخوف الدين بالدين نظر من وجهين:
أحدهما: أن الخوف إنما يستعمل في المتوقع لا في الواقع، وإن اشترط التأخير فالمحذور واقع، ولا يقال: قوله: (خَوْفَ الدَّيْنِ) تعليل لتسليم جميع الثمن؛ لأن الخوف مع التسليم منتفٍ.
الثاني: أن العلة غير منعكسة؛ لأن الدين قد ينتفي، والمنع باق فيما إذا كان رأس المال سلعة معينة، وأخرت بشرط لعلة أخرى؛ لأنه بيع معين يتأخر قبضه.
[ ٦ / ٣ ]
وَجُوِّزَ الْيَوْمَ والْيَوْمَيْنِ بِالشَّرْطِ، وَفِيهَا: وثَلاثَةٌ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ
يجوز في (جُوِّزَ) أن يُبنى للفاعل ويكون مالك ﵁، وأن يبنى لما لم يسم فاعله، وعليه تكلم ابن عبد السلام وقال: إنما أتى به مبنيًا لما يم يُسَم فاعله؛ لأنه لم يستحسن ذلك لدخوله تحت الدين بالدين.
وما نسبه للمدونة من الثلاثة هو في كتاب الخيار منها، والقول بأنه لا يجوز تأخيره بشَرْطٍ يومًا ولا يومين لابن سحنون، واختاره ابن الكاتب وعبد الحق وصاحب الكافي؛ لأنه ظاهر النهي عن الكالئ بالكالئ.
الباجي: وإنما يجوز التأخير إلى اليومين والثلاثة على المشهور، وأما من يجوز السلم إلى هذه المدة فلا يجوز التأخير عنده إلى هذه المدة؛ لأنه عين الكالئ بالكالئ، ويجب أن يقبض عند هذا القائل في المجلس أو بالقرب منه.
فَإِنْ أَخَّرَ أَكْثَرَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَقَوْلانِ
أي: أكثر من ثلاثة أيام؛ يريد: والثمن من النقدين لما سيذكره، والقولان لمالك، وبالفساد قال ابن وهب، قيل: وهو الصواب، وهو ظاهر المدونة في السلم.
الثاني: إذا ادعى أحدهما الفساد [٤٩٧/ب] فقال: تأخر شهرًا، وفي السلم الثالث ما ظاهره مخالفة هذا، فقال: إن تأخر رأس المال أكثر من ثلاثة أيام من غير شرط فيجوز ما لم يَحِل الأجل فلا يجوز، والجواز قول أشهب ورجع إليه ابن القاسم في الموَّازَّية، ولابن وهب قول ثالث: إن تعمد أحدهما تأخيره لم يفسد، وإلا فسد، ولابن الماجشون وابن حبيب رابع: إذا مطل المبتاع للبائع رأس المال أو بعضه حتى حل الأجل، فالبائع مخير إن شاء أخذ منه رأس المال أو أعطاه طعامه أو يعطيه حصة ما نقده خاصة، وإن كان التأخير بسبب البائع لزمه الطعام كله.
[ ٦ / ٤ ]
ابن عبد السلام: والأقرب الفساد؛ لأنه دين بدين، وفي معنى تأخيره تأخير النصف فأكثر، وقيل: يحلف في اليسير بناء على إعطاء اليسير حكم نفسه أو حكم الكثير، فإن حصل قبض رأس المال حسًا ولم يحصى معنىً، كما لو اطلع المسلم إليه على أن بعض الدراهم ناقص أو زائف ففي مختصر ابن شعبان: أنه إذا جاء بدرهم ناقص فاعترف الآخر أنه ينتقص من السلم بقدره، ولا شك أن هذه الباب أخف من الصرف، فكل ما جاز في الصرف يجوز هنا من باب أولى.
والمشهور وهو مذهب المدونة: جواز البدل وتأخيره اليومين والثلاثة. قال أشهب: إلا أن يكونا دخلًا على ذلك ليجيزا بينهما الكالئ بالكالئ، وهو تقييد بعض الموثقين، وهذا عندي لا يعرف إلا ببينة تشهد على أصل تعاقدهما في الشراء أو بإقرارهما معًا.
المتيطي: وفسر سحنون ما في المدونة بأن الدراهم مكروهة أو زيوفًا، ولو كانت نحاسًا أو رصاصًا ما حل أخذها، ولا التبايع بها.
أبو عمران: وهو ظاهر المدونة.
وقال في مختصر ابن شعبان: إذا جاء بدرهم ناقص واعترف الآخر به ينتقص من السلم بقدره، ولا شك أن هذا الباب أوسع من الصرف، قيل: ويجوز التأخير اليوم واليومين على قول ابن سحنون المتقدم أيضًا.
أشهب: يجوز تأخير البدل أكثر من ثلاثة أيام بشرط أن يبقى من الأجل اليوم واليومين، فإن أخره بشرط أمد بعيد، فإن عثر على ذلك بعد يوم أو يومين أبطل تراخيهما وأمر بالتناجز والبدل، وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد أيام كثيرة فالعقد فاسد.
[ ٦ / ٥ ]
أبو بكر بن عبد الرحمن: العقدة كلها فاسدة؛ خوفًا من دخولهما على ذلك ابتداءً، ولم يفسد أبو عمران إلا قدر ما تأخر ويصح ما عده، ورأى غيرهما الصحة في الجميع، لصحة العقد أولًا.
ويَجُوزُ الْخِيَارُ إِلَى مَا يِجُوزُ التَّاخِيرُ إِلَيْهِ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ نَقْدٍ، فلو نَقَدَ - ولَو تَطَوُّعًَا - فَسَدَ؛ لأَنَّهُ إِنْ تَمَّ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ
لما بين لزوم حكم العقد في السلم ذكر حكم الخيار فيه، وذكر أنه يجوز الخيار في السلم بشرطين:
أولهما: أن يكون إلى ثلاثة أيام فأقل؛ إذ هو الذي يجوز تأخير النقد إليه.
الثاني: لا ينقد ولو تطوعًا، ولو نقد فسد؛ لأن المسلم إذا نقد وتم العقد كان المسلم إليه قد أعطى سلعة موصوفة إلى أجل عن ثمن تقرر في ذمته، وذلك فسخ دين في دين، وعلى هذا فيجوز التطوع بما يعرف بعينه؛ لأنه لتعيينه ليس دينًا بدين.
فائدة: تشارك هذه المسألة في عدم النقد ولو تطوعًا مسائل: إذا بيعت الأمة على خيار وفيها مواضعة لهذه العلة؛ لأن الثمن دين على البائع فإذا تم البيع بانقضاء مدة الخيار صار المشتري قد اقتضى من ذلك الذي دفعه جارية فيها مواضعة، وبيع الشيء الغائب بخيار والكراء على خيار والأرض غير المأمونة قبل الري.
وأَمَّا غَيْرُ النَّقْدِ فَيَجُوزُ تَاخِيرُهُ لِتَعَيُّنِهِ، وَلَيْسَ دَيْنًا بِدَيْنٍ لَكِنَّهُ كُرِهَ فِيِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالطَّعَامِ والثَّوْبِ، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يُكَلِ الطَّعَامُ ولَمْ يُحْضَرِ الثوْبُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ؛ إِذْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَقُّ تَوفِيَةً
هذا مستثنى من قوله: (جَمِيعِ الثَّمَنِ) أي: إنما يجب تسليم الجميع إذا كان نقدًا، وأما غير النقد فيجوز تأخيره؛ لأنه لتعينه لا يكون دينًا، ثم ذكر أن مالكًا في المدونة كره
[ ٦ / ٦ ]
تأخير الثوب والطعام؛ يريد: إذا كان التأخير بغير شرط، وأما إن كان بشرط فإنه يفسد. نص عليه في المدونة، وحمل ابن محرز وغيره الكراهة على إطلاقها، ومنهم من قيدها بما إذا لم يكل الطعام الذي هو رأس المال ولم يحضر الثوب محل العقد، أما إذا كيل الطعام وأحضر الثوب فقد انتقل ضمانهما إلى المسلم إليه وصار كالحيوان، فلا معنى للكراهة.
وإليه الإشارة بقوله: (وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يُكَلِ إلخ) ولم يذكر المصنف الحيوان، ولعله رآه كالعرض كما قال بعضهم، وقد ذهب فضل بن سلمة وبعض القرويين إلى أنه لا فرق بين العرض والطعام إذا أخره، ولم يذكر المعين بغير شرط حل الأجل أم لا، وأنه جائز ماض، وأنه إنما أطلق الجواز في المدونة في مسألة الحيوان؛ لأنه سئل عن أمر وقع وكرهه في الأخرى ابتداءً، كما يكرهه في الأولى، وإليه نحا أبو عمران أيضًا، وذهب ابن أبي زمنين وجماعة من الشارحين إلى أن مذهب الكتاب أن تأخير رأس مال السلم بغير شرط المدة الكثيرة على ثلاثة أقسام؛ ففي العين يفسخ، وفي العرض والطعام يكره فيهما ذلك ولا يفسخ، وفي الحيوان لا يكره ذلك فيه ولا يفسخ، لأن الحيوان مما لا يغاب عليه، وقال أبو محمد اللؤلؤي: الطعام أشد؛ إذ لا يعرف بعينه، وفرق [٤٩٨/أ] بين العروض والحيوان لأنهما مما يغاب عليهما، وهذا على القول بأن مصيبة الحيوان من مشتريه، وأما على القول بأن مصيبته من البائع فلا فرق بينه وبين العرض.
خليل: وينبغي أن تحمل كراهة الإمام في الطعام على التحريم؛ لأنه إذا لم يكل لم يكن بينه وبين العين فرق، وينبغي إذا أحضر الثوب أن يجوز؛ لأنه بحضوره يتعين، فلا يكون دينًا بدين، والله أعلم.
ويَجُزُ بِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ اتِّفَاقًا
أي: ويجوز أن يكون رأس المال منفعة معين كدار معينة ونحو ذلك.
[ ٦ / ٧ ]
واحترز بالمنفعة المعينة من المنافع المضمونة فلا يجوز أن تكون رأس المال؛ لأنه الكالئ بالكالئ، وحكى المصنف الاتفاق تبعًا لابن بشير، لكن ذكر المازري أن الشيخ أبو الحسن أشار إلى أن في الموَّازيَّة ما يدل على منع شراء المنافع بدين.
فإن قيل: لِمْ أجازوا هنا أن يكون رأس المال منافع معين ومنع ابن القاسم أخذها عن دين؟ قيل: لأن اللازم في محل المنع فسخ دين في دين، وهو أشد من ابتداء الدين بالدين.
والْمُجَازَفَةُ فِي الثَّمَنِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ اتِّفَاقًا
يجوز في الثمن؛ أي: رأس المال أن يكون جزافًا في غير المعين.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام القاضي أبي محمد منع كون رأس المال جزافًا لما يتوقع من طرو ما يبطل الثمن فيفضي إلى التنازع.
ابن بشير في نوازله: والمذهب كله على خلافه.
وقوله: (كَالْبَيْعِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قصد الاستدلال على من منع في السلم أن يكون رأس المال جزافًا؛ إذ هو بيع كسائر البيوع.
والثاني: أن يكون قصد الإحالة على ما تقدم من شروط الجزاف، وما فيه من الخلاف.
والثَّانِي: أَلاَّ يَكُونَا طَعَامَيْنِ ولا نَقْدَيْنِ؛ لِلنَّسَاءِ والتَّفَاضُلِ، وَلا شَيْءَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ، وَلا فِي أَقَلَّ مِنْهُ، لأَنَّهُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ
الضمير في (يَكُونَا) عائد على العوضين، وتصور كلامه ظاهر، واختلف في سلم النخيل في الطعام؛ فمنعه ابن القاسم، وأجازه سحنون، وقال ابن سلمة: إن هو أزهى مُنِعَ، وإلا جاز.
[ ٦ / ٨ ]
قوله: (لِلنَّسَاءِ والتَّفَاضُلِ) النساء يدخل في الجنس والجنسين، والتفاضل خاص بالجنس الواحد.
قوله: (وَلا شَيْءَ فِي أَكُثَرَ مِنْهُ) أي: ولو كان من غير الطعام والنقدين.
ومفهوم قوله: (فِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَلا فِي أَقَلَّ) جواز سلم الشيء فيما يساويه، وفيه قولان: قول بالمنع مطلقًا وهو في الموَّازيَّية، وعزي أيضًا لأبي بكر الوقار، ومذهب المدونة الجواز بقيد ألا يقصد المسلم منفعة لنفسه، ففيها: فإن ابتغيت به نفع نفسك لم يجز؛ يريد: وكذلك إذا ابتغى به نفعهما جميعًا.
وكَذَلِكَ فِي أَجْوَدَ وأَرْدَأَ عَلَى الأَصَحِّ
أي: وكذلك يمتنع سلم الشيء في أجود منه وأردأ على الأصح تنزيلًا للجودة منزلة الكثرة، والرداءة منزلة القلة، ورأى مقابل الأصح أن اختلاف الصفة يصير الجنس كالجنسين.
إِلا أَنْ تَخْتَلِفَ مَنَافِعُهُمَا كَجَذَعٍ طَوِيلٍ أَو غَلِيظٍ فِي جَذَعٍ يُخَالِفُهُ
هذا استثناء من قوله: (الأَصَحِّ) الذي يمتنع في سلم الأجود في الأردأ أو بالعكس، فقال: إلا أن تكون منفعة الأجود والأردأ مختلفة فيجوز حينئذٍ سلم أحدهما في الآخر، وما ذكره المصنف قريب مما قاله في المدونة من أن الخشب لا يسلم فيها جذع في جذعين حتى يتبين اختلافهما كجذع نخل غليظ كبير غلظه وطوله، كذلك في جذوع قصار لا تقاربه فيجوز، ومنعه ابن حبيب، وصوبه فضل؛ لأن الكبير يصنع منه صغار، فيؤدي إلى سلم الشيء فيما يخرج منه، وأجيب بأوجه:
أولها: حمل ما في المدونة على أن الكبير لا يصلح أن يجعل فيما يجعل فيه الصغار أو أنه لا يخرج منه الصغار إلا بفساد لا يقصده الناس.
[ ٦ / ٩ ]
ثانيها: أن الكبير من نوع الصغيرز
ثالثها: لعياض: المراد بالجذع الصغير المخلوق لا المنجور؛ لأن المنجور يسمى جائزة لا جذعًا. وعلى هذا فالكبير لا يخرج مه جذوع بل جوائز، فلا يلزم عليه سلم الشيء فيما يخرج منه، لكن قول المصنف: (كَجَذَعٍ طَوِيلٍ أَو غَلِيظٍ) يقتضي أنه يجوز إذا كان طويلًا فقط، وهو لا يتأتى فيه الجواب الثالث.
تنبيه:
الجواب الثاني: إنما يصح إذا بنينا على أن الخشب أصناف، وهو ظاهر كلام ابن أبي زمنين، فإنه قال: قوله في المدونة: "يمتنع سلم جذع في نصف جذع" لو كان الجذع من نوع واحد مثل الصنوبر، ويكون نصف الجذع من نخل أو نوع آخر غير الصنوبر لم يكن به بأس على أصل ابن القاسم. وفي الواضحة: الخشب صنف وإن اختلفت أصوله، إلا أن تختلف المنافع والمصارف مثل الألواح والجوائز وشبهها. وتردد بعضهم في كلام ابن حبيب هذا هل هو موافق لما قاله ابن أبي زمنين أو مخالف؟ لأن ظاهر كلام ابن أبي زمنين الاكتفاء في المخالفة باختلاف الجنسين، وابن حبيب لم يعتبر إلا المنافع، لكن لا يبعد أن يريد ابن أبي زمنين أن مطلق اختلاف الجنس لا بد معه من قيد اختلاف المنفعة فيتفق قولان:
وَكَالحِمَارِ الْفَارِهِ فِي الأَعْرَابيِّ
هذا معطوف على الجائز فهو جائز، والفراهة عبارة عن سرعة السير، وضابط هذا أن اختلاف المنفعة تصير الجنس الواحد جنسين، ولابن القاسم في الموازية قولان آخران:
أحدهما: أن حُمُرَ مصر كلها صنف رفيعها ووضيعها، وإن كان بعضها أَسْيَرُ مِنْ بَعْضٍ وأحمل.
[ ٦ / ١٠ ]
عياض: وهو مذهب المدونة، وقال، وتأول فضل على [٤٩٨/ب] المدونة خلافه.
خليل: والظاهر ما تأوله فضل فإن بين الحمر عندنا بمصر اختلافًا كثيرًا قل أن يوجد ذلك ببلد.
الثاني: أن الحُمُرَ كلها صنف، والمشهور أن البغال والحمير جنس، وهو مذهب المدونة، خلافًا لابن حبيب أنهما جنسان إلا أن يقرب ما بينهما، هكذا حكى القولين جماعة.
ورأى فضل أن ذلك ليس بخلاف، وأن كل واحد تكلم على عادة بلده وأن بينهما بالأندلس اختلافًا بَيِّنًَا، وفي مصر الأمر بخلافه.
وليس بظاهر؛ فإن الاختلاف فيها بمصر أظهر، وعورض مذهب المدونة هنا بمنعه في القسمة جمع البغال والحمير في قسم القرعة، ولولا أنهما عنده جنسان لأجاز الجمع بينهما وأجاب ابن يونس وغيره بأنه احتياط في البابين.
ابن عبد السلام: وهو جواب ضعيف؛ لأنه جمع في القسم بين الثياب التي لا شك في أن أجناسها مختلفة وأن منافعها متباينة كثياب الحرير والقطن والصوف والكتان، فأي احتياط هنا؟! فإنه يجوز سلم الحرير في الصوف.
واختلف في سرعة السير، فلم ير محمد ذلك شيئًا. وقال عبد الملك: إذا اختلفا في سيرهما كاختلاف الخيل جاز سلم أحدهما في الآخر، قال: لأن فضل السير هو الذي يراد في البغال والحمير.
اللخمي: وهو أحسن؛ لإنه زيادة فضل يزاد في الثمن لأجله.
وكَالْجَوَادِ فِي حَوَاشِي الْخَيْلِ
الجواد هو السابق، قال في الموَّازيَّة: وليس الفرس الجميل السمين العربي صنفًا حتى حتى يكون جوادًا سابقًا.
[ ٦ / ١١ ]
وقال ابن حبيب: ليس السمن في الخيل يوجب الاختلاف؛ لأن المبتغى منه السبق والجودة، إلا البراذين العراض التي لا جري لها ولا سبق، بل تراد لما يراد لها البغال من الحمل والسير، فلا بأس أن يسلم الواحد منها في اثنين من خلافه، وجعل اللخمي الجمال مما تختلف به الخيل بشرط أن يقابله العدد، فيجوز سلم حميل في اثنين دونه؛ لأنه بمعنى المبايعة، وأما حميل في دونه فلا، وهو الأظهر.
وَكَذَلِكَ الإِبلُ
أي: يسلم النجيب في غيره.
ابن عبد السلام: المعتبر عندهم الحمل خاصة، وليس السبق بمعتبر.
خليل: فسر التونسي النجابة بالجري فقال: النجيبة منها صنف، وهو ما بان بالجري، والجمال صنف، والدنيء صنف، وينبغي اعتبار كل من الحمل والسبق والسير، وهو الذي قاله اللخمي.
والْبَقَرُ وَالْمَعَزُ
قال المازري: تعتبر النجابة في ذكور البقر بالقوة على الحرث، وأما إناثها فمذهب ابن القاسم أنها كالذكور إنما تختلف بقوة العمل، وذهب ابن حبيب إلى أن الإناث إنما يعتبر فيها اللبن.
عياض: وما في الأسدية يرد عليه، وهو المعروف من مذهب ابن القاسم أن الحرث يراعى فيها:
تنبيه:
الجواز على مذهب ابن القاسم إنما هو إذا كان في معنى المبايعة، بأن تسلم البقرة القوية في البقرتين أو أكثر، أما سلم بقرة قوية في بقرة ليست كذلك فنص بعضهم على
[ ٦ / ١٢ ]
المنع، وهو ظاهر؛ لأنه ضمان بجعل، وعكسه سلف بزيادة، لكن نص في الموازية على خلافه، فإنه أجاز فيها سلم الفرسين السابقين في فرسين ليسا كذلك.
قوله: (وَالْمَعَزُ) أي: فيعتبر فيه الاختلاف بغزارة اللبن، حكى المازري على ذلك الاتفاق.
خليل: وانظر كيف اعتبروا غزارة اللبن في المعز ولم يعتبرها ابن القاسم في البقر، ولعل ذلك لأن المعز لا يمكن فيه غير ذلك. وفيه نظر.
بخِلافِ الضَّانِ عَلَى الأَصَحِّ
فلا يعتبر الاختلاف باللبن في الضأن على الأصح، وحكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه وقال به، قال: ولا يُعْرَفُ مِنْ غَزَرِ اللبنِ في الضأن ما يوجب ذلك، وغير الأصح اعتبار غزارة اللبن في الضأن كالمعز، وعزاه اللخمي لابن الماجشون.
ابن يونس: وهو ظاهر المدونة، ولا سيما وقد جعل في المدونة الضأن والمعز كالجنس الواحد، قال فيها: ولا تسلم صغار الغنم في كبارها ولا معزاها في ضأنها، ولا ضأنها في معزاها؛ لأنها كلها منفعتها اللحم لا الحمولة، إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم فأطلق. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: الضأن والمعز صنفان.
وكَذَلِكَ كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ، وصَغِيرٌ فِي كَبِيرٍ عَلَى الأَصَحِّ بِشَرْطِ أَلا تَكُونَ الْمُدَّةُ تُفْضِي إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِيهِ، بِخِلافِ صَغِيرِ الآدَمِيِّ عَلَى الأَصَحِّ
لما ذكر أن الجنس يختلف بالمنفعة شرع فيما يقع به الاختلاف من الصغير والكبير؛ أي: وكالاختلاف بالمنافع الاختلاف بالكبر والصغر.
[ ٦ / ١٣ ]
قوله: (كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ) يحتمل أن يريد الجنس فيصدق على كبير في صغير وعكسه، وعلى كبيرين في صغيرين، وعلى كبير في صغيرين وعكسه، وعلى صغير في كبيرين وعكسه.
ويحتمل أن يريد الواحد، ويكون التعدد مأخوذًا منه من باب الأولى؛ لأن كل من أجاز مع الواحدة أجاز مع التعدد، والأصح ظاهر المدونة؛ لأن فيها: وتسلم كبار الخيل في صغارها، وكذلك الإبل والبقر، وعليه حملها ابن لبابة وأبو محمد وغيرهما واختاره الباجي، وغير الأصح: لا يجوز سلم أحدهما في الآخر مطلقًا، سواء اتحد أو تعدد.
وفهم بعضهم المدونة عليه، وهو في الموازية، ففيها: لا خير في قارح في حولين، ولا حولي في قارح، ولا صغير في كبيرين، وهذا من الزيادة في السلف.
سند: فجعلهما جنسًا واحدًا حتى تختلف المقاصد فيكون العدد من أحد الجنسين، والكبير من الجهة الأخرى ككبير في صغير. قال جماعة: ولا خلاف في جواز هاتين الصورتين.
وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر؛ [٤٩٩/أ] لأنه لم يستثنهما، وهذا إنما يأتي على الاحتمال الأول، وهو إرادة الجنس، أما على إرادة الواحد فيصير مفهومه الجواز مع التعدد، وهو مذهب العتبية، فإن عياضًا وغيره نقلوا عنها منع سلم صغير في كبير، وعلله بأنه زيادة في السلف، وجواز سلم صغيرين في كبيرين وعكسه، وجعل اختلاف العدد مقصودًا، واستشكله ابن يونس فقال: جعل صغيرين في كبيرين بمعنى البيع وصغير في كبير بمعنى السلف، ووهم المازري في حمل المدونة على هذا، قال: وسبب الوهم أنه ذكر أولًا منع صغير في كبير وعكسه، ثم قال: والذي يشبه التبايع سلم كبير في صغيرين وعكسه، قال: وكذلك صغيرين في كبيرين وعكسه، وفهم عنه أن يفرق بين الواحد والاثنين، وهو السابق إلى فهم قارئه، ويمكن أن يوجد بينهما فرق، قال: وقد يحتمل ما قاله في الاثنين أنه عطف على أول كلامه بالمنع، وظاهر كلام المصنف جواز سلم صغير
[ ٦ / ١٤ ]
الغنم في كبيرها لتعميمه، وهو مذهب ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر، ولذلك جاز سلم كبش في خروفين، ومذهب المدونة خلافه، ففيها: لا تسلم صغارها في كبارها. وسئل ابن القسم: لِمَ كره مالك ذلك؟ فقال: ليس بين الصغير والكبير تفاوت إلا اللحم ولا أرى ذلك شيئًا.
سند: وهذا هو المعروف في المذهب فكان ينبغي للمصنف أن يذكره مع صغير الآدمي؛ لاتحاد المشهور فيهما، ولهذا قال ابن القاسم: الصغار والكبار من سائر الحيوان مختلفان إلا في جنسين خفيفين: الغنم وبني آدم. قال في الموازية: والحولي صغير، والقارح والربع كبير، وقال ابن حبيب: صغار الحمر ما لم تبلغ الحمل والركوب، وقال في الإبل: الصغار فيها التي لا حمل لها.
وقال الباجي في البقر: حد الكبير في الذكور أن يبلغ حد الحرث، ومثله في الإناث على قول ابن القاسم، وعلى قول ابن حبيب أن تبلغ سن الوضع واللبن.
وقوله: (بِشَرْطِ إلخ) إذا قلت: بجواز سلم الكبير في الصغير وعكسه فهو مشروط بأن لا يكون بينهما من المدة ما يؤدي إلى معنى المزابنة، فلا يسلم كبير في صغير إلى أجل ينتج فيه الكبير صغيرًا، ولا يسلم الصغير في الكبير إلى أجل يصير فيه الصغير كبيرًا، ومعنى المزابنة فيهما الخطر والقمار؛ لأنه إذا أعطاه الصغير في الكبير إلى أجل يكبر فيه فكأنه قال: اضمن لي هذا إلى أجل كذا فإن مات ففي ذمتك، وإن سلم عاد إلي وكانت منفعته لك، وإذا أعطاه الكبير في الصغير فكأنه أخذ هذا الكبير على صغير يخرج منه؛ أي: تلده الكبيرة فصار كمن أسلم شيئًا فيما يخرج منه والمزابنة في تقديم الصغير في الكبير؛ لأنه أعطاه الصغيرة في الكبيرة إلى أجل يبكر فيه الصغير.
ابن بشير: لأنه كمن أخذ صغيرًا مشفع ويضمنه حتى يكبر، والبغال لا تنتج فسلمت من هذا التقدير.
[ ٦ / ١٥ ]
قوله: (بِخِلافِ صَغِيرِ الآدَمِيِّ) أي: إن صغير الآدمي صنف واحد مع كبيره؛ فلا يسلم كبير في صغير وعكسه، وسواء اتحد العدد أو اختلف، والأصح حكى المازري الاتفاق عليه، ومقابله اختيار اللخمي، قال: القياس عندي أن يكون صغير الرقيق جنسًا مخالفًا لكبيره، واحتج بخلاف المنافع.
ابن عبد السلام: واختياره هو الصواب عندي.
وبخِلافِ طَيْرِ الأَكْلِ باتِّفَاقٍ
يعني: أن طير الأكل لا يجوز سلم صغيرها في كبيرها ولا كبيرها في صغيرها باتفاق، ولكنه مقيد بالصنف الواحد.
ففي الواضحة الديكة والدجاج صنف واحد صغارها وكبارها، والإوز صنف، والحمام صنف لا يفترق في ذلك ذكر ولا أنثى، ولا صغار ولا كبار، وأخرج بطير الأكل طير التعليم، فإنه يختلف بسببه، وهل يختلف بالبيض؟ قال ابن القاسم: لا، وقال أصبغ: يختلف؛ فيجوز على قوله: أن تُسْلَمَ الدجاجة البَيُوَضُ في اثنين أو أكثر غير بيوض.
والذُّكُورِةُ والأُنُوثَةُ فِي الآدَمِيِّ مُلْغَاةٌ عَلَى الأَشْهَرِ كَغَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ
يعني: أن الذكورة والأنوثة لا يختلف بها غير الآدمي من الحيوان باتفاق، وهل يختلف فيها الآدمي؟ الأشهر أنه لا يختلف كغيره، قاله مالك في المدونة والعتبية. وأكثر المتأخرين على مقابله، لاختلاف المنفعة، فإن منفعة الذكور المنفعة الظاهرة ومنفعة الأناث المنفعة الباطنة. وحكى المازري أن بعضهم خَرَّجَهُ مِنَ الاختلاف فيمن أسلم دجاجة بيوضة في ديكين.
وفيه نظر؛ لأن الحيوان إنما قيل به للبيض لا للذكورة والأنوثة فقط، وأن اللخمي خرجه من الاختلاف فيمن حلف بحرية من يملك من الذكور أو الإناث هل تلزمه هذه
[ ٦ / ١٦ ]
اليمين أم لا؟ فمن ألزمه بنى على أنها جنس فيكون كمن حلف بعتق بعض الجنس، ومن لم يلزمه بنى على أنهما جنسان، فلما حلف بعتق الذكور كان كمن لم يعم الجنس، وهذا مذهب المدونة في العتق الأول، وهو خلاف ما نص عليه في السلم أنهما جنس واحد.
وفيه نظر؛ لأن غاية ما يستفاد من مسألة الحالف اختلاف الجنسية، واختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنفعة أو اتحادها، والحاصل مما تقدم من قوله: (الْجَوَادِ) إلى هنا أن الجيد لا يسلم في الرديء لما تقدم أن الجودة والرداءة لا ينقل جنسها على الأصح عن أصله إلا إذا كان معها معارًا آخر، ولذلك يسلم البعير المعروف بالنجابة في حواشيها كالخيل والبقر القوية على الحرث والعمل في حواشيها، والشاة الغزيرة اللبن في حواشي الغنم، والصغير والكبير مختلفان في سائر الحيوان إلا الغنم وبني آدم؛ لأن المراد من الغنم الغالب في اللحم، ومن بني آدم الخدمة في الحال والمآل، وأما غيرهما فمنافعها شتى كالقوة على الحمل، والنجابة في الجري.
أبو الظاهر: الحيوان ناطق، وغيره؛ فالناطق نصوص المتقدمين: لا يختلف [٤٩٩/ب] بالكبر والصغر. وغير الناطق مأكول وغيره؛ وغير المأكول اختلف فيها المذهب كالخيل والبغال والحمير، وهو خلاف في شهادة. والمأكول ثلاثة: صنف فيه القوة على الحمل والعمل كالإبل والبقر فلا خلاف أن الصغير بخلاف الكبير، وصنف ليس فيه منفعة مقصودة ولا قوة على الحمل والعمل كالطير الذي للأكل لا للولادة لا خلاف في تسوية الكبير والصغير؛ لأن المقصود منهما معًا مجرد اللحم، وصنف لا قوة فيه على الحمل والعمل وفيه منفعة مقصودة وهي الذرية والنسل كالغنم ففيه قولان وهما خلاف في شهادة.
والصَّنَائِعُ النَّادِرَةُ فِي الآدَمِيِّ كَالتَّجْرِ والْحِسَابِ وَشِبْهِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِاتِّفَاقٍ
كلامه ظاهر التصور، ولا يريد بـ (النَّادِرَةُ) أن تكون الصنعة قليلة الوجود جدًا على ما يتبادر إلى الذهن من هذا اللفظ، وإنما مراده ما يوجد في بعض الأشخاص دون بعض.
[ ٦ / ١٧ ]
المازري: والتجارة أيضًا تتنوع، فيجوز أن يسلم تاجر البز في تاجر القطن.
ولعل مراده الاختلاف بمجموع التجارة والحساب فيصح له الاتفاق، فإن اللخمي وغيره حكى قولًا بأن الحساب لا يختلف به الجنس، وهو المنقول عن ابن القاسم، فإنه نقل عنه أنه لا يرى الحساب والكتابة والقراءة توجب الاختلاف.
قوله: (وَشِبْهِهِ) أي: كالخياطة والبناية، ولا يريد بـ (شِبْهِهِ) الكتابة، فإن ابن زرقون حكى فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: لمالك وابن القاسم عدم اعتبارها في الذكور والإناث.
الثاني: لأصبغ وابن حبيب أنها معتبرة فيهما.
الثالث: لعيسى عن ابن القاسم أنها معتبرة في الذكور دون الإناث، وكان ينبغي أن يقول: شبههما؛ لأن العطف بالواو يوجب مطلق التشريك إلا أن يريد: مجموعهما.
بِخِلافِ الْغَزْلِ والطَّبْخِ إِلا مَا بَلَغَ النِّهَايَةَ
لأن الغزل والطبخ أمر عام، وإذا علمته الجارية من يومها علمته إلا ما بلغ النهاية، فإن بعضهن تبيع الغزل بوزنه فضة وبعضهن يطبخ أنواعًا فائقة، ونص ابن القاسم وغيره على أن الطبخ والغزل والخبز كصنعة واحدة، فلا خير في طباخة بخبازتين. وفيه نظر. وجعل في الموَّازَّية الطبخ والخبز مما تختلف بهما الجواري، ولم يجعل الغزل وعمل الطيب ناقلًا، واستشكله التونسي في عمل الطيب ورآه ناقلًا، وتأوله على علم عمل صنعة الطيب.
وفِي الْجَمَالِ الْفَائِقِ قَوْلانِ
هذا الخلاف إنما هو منقول في الإماء، والقول بأنه لا ينقل لابن القاسم في الموَّازيَّة، والقول بالنقل لأصبغ.
[ ٦ / ١٨ ]
محمد: وهو استحسان، والقول ما قال ابن القاسم وهو القياس. وقال المازري: الأصح قول أصبغ، واختاره التونسي وابن يونس وغيرهما.
ابن عبد السلام: وهو الأصح؛ لأن المراد من الجميلة غير المراد من غيرها، إلا أن أصبغ تارة يطلق الكلام في الجمال، وتارة يقيده بالفائق، فإن قيد كلامه بعضه ببعض - وهو الأظهر - كان في الجمال الفائق قولان كما ذكره المصنف، وغلا ففيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين الفائق وغيره بخلاف النقد، والفائق الشاهي.
وأَمَّا الْمَصْنُوعُ لا يَعُودُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ وهَانَتِ الصَّنْعَةُ كَالْغَزْلِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الأَشْهَرِ بخِلافِ النَّقْدِ
لما تكلم ﵀ على ما يختلف به الجنس من المنفعة والخلقة والصنائع المتعلقة بالآدمي شرع في الصنائع المتعلقة بالجمادات، ثم إن المصنف تكلم على جميع أقسام المسألة، لأنه إما أن يسلم مصنوع في غيره أو العكس، أو مصنوع في مصنوع أو عكسه، وبدأ بالمصنوع إذا أسلمه في غير المصنوع.
واحترز بـ (مَا لا يَعُودُ) مما يعود إلى أصله مع بقاء ذاته كقدور النحاس وشبهها، وسيأتي ذلك.
ومثل المصنف الصنعة الهينة بالغزل.
و(الأَشْهَرِ) المازري: وهو المشهور، وغير الأشهر أنها صنفان، فيجوز سلم الغزل في أصله، وأشار بعض المتأخرين إلى أنه القياس، واختاره ابن يونس، وحمل سند اتحاد الجنسين على غليظ الغزل، بخلاف رقيقه لشدة تباين الغزل الرقيق مع أصله.
خليل: ويؤيده ما نص عليه في الموَّازيَّة أن الغزل الرقيق صنف، والغزل الغليط صنف.
[ ٦ / ١٩ ]
قوله: (بخِلافِ النَّقْدِ) أي: فيجوز بيع الغزل بالكتان نقدًا، لكن بشرط أن يكونا معلومين، فإن كانا جزافًا أو أحدهما لم يجز إلا أن يتبين الفضل بينهما. قاله في الموَّازيَّة، وهو مبني على أنهما جنس واحد فيؤدي إلى المزابنة.
وإِنْ كَثُرَتْ كِالنَّسْجِ جَازَ
هذا قسيم قوله: (وَهَانَتِ الصَّنْعَةُ).
وقوله: (كِالنَّسْجِ) أي: يجوز سلم الثوب في الغزل؛ لاختلاف الأغراض وتباين المنافع، قال في المدونة: لا بأس أن يسلم ثوب كتان أو ثوب صوف في صوف.
أبو محمد: إلا ثياب الخز؛ لأنها تنفيش، وهذا هو المشهور؛ لانتفاء توهم المزابنة.
وفي الموَّازيَّة: لا يجوز بيع الصوف بالصوف إلا يدًا بيد إلا أن يتبين الفضل بينهما. وهو يدل على أن المنسوج أصله جنس واحد، وتأوله أبو إسحاق على ما يعود صوفًا إذا نقض، واستبعده سند؛ لأن التهمة لا ينظر لصورتها، وإنما ينظر لقوتها، ويبعد في المنسوج أن يقصد إلى التعامل على نقض نسجه وغزله، قال: والمذهب الجواز مطلقًا، وذكر ابن يونس والمازري عن أشهب: أن النسج ليس بصنعة في الغزل، وأنه لا يجيز الثوب بالغزل إلى أجل ولا يدًا بيد؛ للمزابنة، إلا أن يتبين الفضل بينهما، وقد جاء لمالك في النسج ما يقوي قول أشهب؛ لأنه قال فيمن اشترى غزلًا فنسجه ثم فلس المبتاع: إن النسج ليس يفوت [٥٠٠/أ] به الغزل.
وَإِنْ قَدَّمَ أَصْلَهُ اعتْبِرَ الأَجَلُ
أي: وإن أسلم غير المصنوع فيما يصنع منه نظر إلى الأجل الذي ضربه المتبايعان، فإن أمكن أن يجعل فيه من غير المصنوع مثل ذلك المصنوع منع؛ لأنه مزابنة؛ إذ حاصله الإجارة بما يفضل مثلًا من الكتان عن الثوب، وهو مجهول، وإن لم يمكن أن يصنع جاز؛
[ ٦ / ٢٠ ]
لانتفاء المانع، وعدل المصنف عن أن يقول: وإن قدم غير المصنوع إلى قوله: (وَإِنْ قَدَّمَ أَصْلَهُ) لكونها أشمل؛ إذ هي تشمل سلم الغزل في الثوب، وفي كلامه إطلاق؛ لأن مقتضاه أن الأصل إذا قدم اعتبر فيه الأجل سواء هانت الصنعة أم لا، ولا يصح؛ لأن ما هانت الصنعة فيه يمتنع سواء قدم أصله عليه أو العكس، طال الأجل أم لا، وكأنه استغنى بما تقدم.
والْمَصْنُوعَ يَعُودُ مُعْتَبَرٌ فِيهِمَا
أي: إذا كانت الصنعة يمكن زوالها حتى يعود المصنوع إلى حاله قبل الصنعة كالرصاص والنحاس، فلا بد من اعتبار الأجل.
وقوله: (مُعْتَبَرٌ) أي: الأجل المتقدم.
وقوله: (فِيهِمَا) أي: في صورتي المصنوع في أصله، وتقديم الأصل فيه، أما اشتراط الأجل فيهما إذا قدم غير المصنوع فظاهر، وأما إذا قدم المصنوع في غير المصنوع فلا معنى لاشتراط الأجل فيه؛ إذ يبعد أن يفسد المصنوع، ويزيد عليه من عنده ثم يدفعه للمسلم، إلا أن يحمل على صورة نادرة، وهو أن يكون المصنوع قليل الثمن لقدمه أو لغيره ذلك، فإذا زالت صنعته ظهرت له صورة. وفيه بُعْدٌ.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون حكم هذه الصورة حكم سلم غير المصنوع في غير المصنوع؛ أي: فلا يجوز في أكثر؛ لأنه سلف بزيادة ولا في أقل؛ لأنه ضمان بجعل.
فَإِنْ كَانَا مَصْنُوعَيْنِ يَعُودَانِ نَظَرْتَ إِلَى الْمَنْفَعَةِ
يعني: فإن كان رأس مال السلم والمسلم فيه مصنوعين من جنس واحد والصنعة مع ذلك يمكن زوالها؛ أي: يمكن إعادة المصنوع إلى أصله اعتبرت المنفعة؛ أي: فإن تقاربت منفعتهما منع سلم أحدهما في الآخر، وإن تباعدت جاز. مثاله أن يسلم
[ ٦ / ٢١ ]
مسامير في سيف أو منارة في إبريق. وإن تقاربت جدًا منع؛ لأنه مزابنة كإبريق من نحاس في مثله. انتهى.
وفي المدونة: الحديد كله صنف حتى يعمل سيوفًا أو سكاكين، فيجوز سلم المرتفع منها في غير المرتفع، قال فيها: قلت: فما منع من الحديد حتى يكون سيوفًا وسكاكين ومرآة وغير ذلك، قال: إذا صنع الحديد افترق وصار أصنافًا مختلفة باختلاف المنافع، وكذلك النحاس وأصنافه كله صنف واحد حتى يعمل فيصير أصنافًا، وكذلك غير ذلك من الأشياء إذا عملت واختلفت منافعها.
وتقييده بالعودة يوهم أنهما لو كانا يعودان لا ينظر إلى المنفعة، وليس كذلك بل لا فرق بين ما يعود وما لا يعود، ولهذا لم يجز سلم الرقيق من الثياب في الرقيق منها إذا اتحد الجنس بخلاف الرقيق في الغليظ؛ لتباين المنفعة.
وفِي السَّيْفِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ قَوْلانِ
ذكر هذه المسألة إثر التي قبلها؛ لأنها داخلة تحت: (الْمَصْنُوعَيْنِ يَعُودَانِ).
ابن عبد السلام: ومذهب المدونة الجواز، ومذهب سحنون المنع.
خليل: لم يجعل في المدونة مطلق الجودة والدناءة مقتضيًا للجواز، بل فيها المنع إلا أن يَبْعُدَ ما بينهم في الجوهر والقطع كتباعد الرقيق والثياب؛ فيجوز أن يسلم سيف قاطع في سيفين ليس مثله.
ابن يونس: ولم يجزه سحنون، والصواب الجواز؛ لتباين المنفعة.
فرع:
منع في المدونة سلم السيوف في حديد لا يخرج منه السيوف، وقال: لأن الحديد نوع واحد، قال: ولو أجزنا السيوف في الحديد لأجزت حديد السيوف في الحديد الذي لا يخرج منه سيوف، ولأجزت الكتان الغليظ في الكتان الرقيق.
[ ٦ / ٢٢ ]
أبو الحسن: والمسألة على أربعة أوجه:
أحدها: سلم السيوف في حديد يخرج منه السيوف.
والثاني: سلم السيوف في حديد لا يخرج منه السيوف.
والثالث: سلم حديد لا يخرج منه السيوف في سيوف.
والرابع: سلم حديد يخرج منه السيوف في سيوف. وكلها عند ابن القاسم ممنوعة.
وقال سحنون: لا بأس أن يسلم الحديد الذي لا يخرج منه السيوف في سيوف.
ابن عبد السلام: قال عبد الحق: وهو موافق للمدونة.
فانظر ما قاله ابن يونس عن ابن القاسم، لكن قال ابن بشير: إن ما تأوله عبد الحق غير صحيح وقد نص في الكتاب على خلافه، وأجاز يحيى بن عمر والبرقي سلم السيوف في حديد لا يخرج منه السيوف، وَنَظَّر ذلك يحيى بثوب الكتان، وأنكر فضل تنظيره؛ لأن الثوب لا يعود كتانًا بخلاف السيوف، واختار اللخمي قول البرقي، قال: وليس إعادة السيوف حديدًا مما يفعله العقلاء، وقوله في المدونة: ولو أجزت السيوف مع الحديد لأجزت الكتان الغليظ إلخ.
أبو الحسن: يعني بالكتان هنا: الشعر لا الغزل.
سؤال: قد تقرر في المذهب أن اختلاف المنفعة يصير الجنس الواحد جنسين وهو منخرم بما ذكرناه هنا عن المدونة.
المازري: فاختلفت طريقة الأشياخ في الاعتذار؛ فرأى بعضهم أن الدنئ مِنْ هذين النوعين قد يبالغ في عمله بلطافة الصنعة حتى يصير يعمل منه ما يعمل من الآخر، ورأى بعضهم أن هذا خلاف ظاهر المدونة؛ لأنه قال: يعمل من أحدهما ما لا يعمل من الآخر، وأشار إلى أن العذر كون الاختلاف في هذه الصفات المشار إليها ربما وقع فيها الغلط
[ ٦ / ٢٣ ]
[٥٠٠/ب] وبناء على الاجتهاد والحرص بحمية الأربعة لئلا يعقد السلم على نوع لا تفاوت فيه، ويقول العاقد بل فيه تفاوت.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وتَقَارَبَتِ الْمَنْفَعَةُ كَالْبِغَالِ والْحَمِيرِ وثَوْبَيِ الْقُطْنِ والْكَتَّانِ فَقَوْلانِ
تصوره واضح، وقد تقدمت مسألة البغال مع الحمير، ومذهب ابن القاسم في المدونة جواز سلم رفيع القطن في الكتان، والمنع لأشهب.
واختلف شارحو المدونة هل يؤخذ من هذه المسألة الخلاف من هذه القاعدة أولا؟ وإنما سبب الخلاف هنا خلاف في حال.
وفِي نَحْوِ جَمَلٍ فِي جَمَلَيْنِ - مِثْلِهِ -أَحَدُهُمَا مُعَجَّلٌ قَوْلانِ
أي: اختلاف في جواز سلم جمل في جملين كل منهما مماثل له، وهو معنى قوله: (مِثْلِهِ). و(مِثْلِهِ) مجرور؛ صفة لجملين.
و(أَحَدُهُمَا مُعَجَّلٌ) أي: والآخر مؤجل، والمشهور المنع؛ لأن المؤخر عوض عنه والمعجل زيادة، ورأي في الشاذ أن المعجل بالمعجل والمؤخر محض زيادة، والقولان لمالك.
ابن عبد السلام: وأقربهما جريًا على قواعد المذهب هو المشهور؛ لأن في هذه المسألة تقدير المنع وتقدير الجواز، والأصل في مثله تغليب المنع.
وقال المصنف: (فِي نَحْوِ) إشارة إلى أن هذا جار في الثياب ومثلها، وقيد الجملين بالمثلية تحرزًا من أن يكون المعجل مخالفًا لِلجَمَلِ المنفرد فيمتنع؛ لأنه تختلف الأغراض فيها حينئذ فيتعلق الغرض بهما أو بالمتعجل، فإن تعلق بالمتأجل كان سلفًا، وكان المتعجل منهما زيادة، وإن تعلق بها جميعًا كان جزءً مِنَ المنفرد متعلقًا بالمتعجل، وبقيته مع بقية المتأجل زيادة في السلف.
[ ٦ / ٢٤ ]
وأما لو كان عوض أحد الجملين دراهم أو دنانير فقال في المدونة: إن عجل الجملان جاز، تأخر النقد أم لا، وإن تأخر أحد الجملين امتنع، تعجل النقد أم لا؛ لأنه ربًا.
وَأَلْزَمَ أَشْهَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ دِينَارًا لِدِينَارَيْنِ كَذَلِك فَالْتَزَمَهُ وَلا يَلْزَمُهُ
يحتمل أن أشهب هو المُلْزِمُ للمغيرة، وكذلك ذكره ابن بشير في كتاب الصرف، ويحتمل أن يكون أشهب مفعولًا مقدمًا، والمغيرة هو الفاعل، وكذاك ذكره ابن بشير في السلم الثالث، وهو الذي ذكره المازري وغيره، وهو الصواب.
ويقع في بعض النسخ تقديم المغيرة، وهو واضح في هذا المعنى، ووجه الإلزام أن الزائد إن كان المقصود به المعروف جاز فيهما، وإلا منع فيهما، ورد عبد الحق الإلزام بأن الربا في العين أضيق؛ لأن الزيادة في العروض نقدًا جائزة، وإلى أجل فيه خلاف.
وقد أجازه الشافعي وغيره بخلاف النقد فإنه أجمع على منع الربا فيه، إلا ما نقل عن ابن عباس بأنه أجازه فيه، ويقال: إنه رجع عنه، وإليه أشار بقوله: (وَلا يَلْزَمُهُ).
واختلف الشيوخ بناءً على صحة الإلزام، هل يلزم المغيرة أن يقوله في دينارين معجلين للمعروف أم لا؟ لأن كل منها صالح للعوضية، وليس أحدهما أولى بخلاف مسألة المعجل أحدهما.
ابْنُ الْقَاسِمِ: ومَنِ اسْتَصْنَعَ طَسْتًا أَوْ سَرْجًا فَسَلَمٌ، فَيُقَدَّمُ الثَّمَنُ ويُضْرَبُ الأَجَلُ، وَيَفْسُدُ بِتَعْيينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ وَالصَّانِعِ؛ لأَنَّهُ غَرَرٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَجُوزُ إِنْ شَرَعَ بِغَيْرِ أَجَلٍ
لا شك في الجواز إذا لم يعين الصانع ولا المصنوع منه، وأنه سلم يجري على أحكام السلم من تقديم الثمن أو تأخيره اليومين والثلاثة، وضرب الأجل ووصف العمل.
و(سَلَمٌ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فاستصناعه سلم.
[ ٦ / ٢٥ ]
(ويَفْسُدُ إلخ) هو مذهب ابن القاسم في المدونة، وما علل به المصنف من الغرر هو في المدونة؛ لأنه اشترى موصوفًا معينًا يخرج من هذا المعين، فقد يخرج وقد لا يخرج، وذكر ابن المواز عن أشهب الجواز من غير أجل إذا شرع في العمل، وفي حكم الشروع عنده أن يتأخر إلى ثلاثة أيام، وكلام المصنف يقتضي أن قول أشهب خلاف للأول. وقاله غير واحد، وذهب بعضهم إلى أنهما متفقان، وأن ابن القاسم منع إذا كان خروجه يختلف، وأن أشهب أجاز إذا كان خروجه لا يختلف، والطست بفتح الطاء وكسرها.
وفي المقدمات: السلم في الصناعات إلى أربعة أقسام: إما ألا يعين الصانع والمعمول منه، وإما أن يعينهما، وإما ألا يعين الصانع ويعين المعمول منه، وعكسه.
فأما الأول: فهو سلم لا يجوز إلا بضرب الأجل ووصف العمل وتعجيل رأس المال.
وأما الثاني: وهو أن يشترط عمله ويعين ما يعمل منه - فليس بسلم، وإنما هو من باب البيع والإجارة في الشيء المبيع، فإن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل أو تمكن إعادته للعمل فيجوز على أن يشرع في العمل، وعلى أن يؤخر الشروع فيه بشرط ما بينه وبين ثلاثة أيام ونحو ذلك، فإن كان على أن يشرع في العمل جاز بشرط تعجيل النقد وتأخيره، وإن كان على أن يتأخر الشروع في العمل إلى ثلاثة أيام ونحوها لم يجز تعجيل النقد بشرط حتى يشرع في العمل.
وأما الوجه الثالث: وهو ألا يشترط عمله بعينه ويعين المعمول منه، فهو أيضًا من باب البيع والإجارة في المبيع، إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام بتعجيل النقد وتأخيره.
وأما الوجه الرابع: وهو أن يشترط عمله دون المعمول منه، فلا يجوز على حال؛ لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: أحدهما النقد لكون مع يعمل منه مضمونًا، وامتناعه لاشتراط عمل العامل بعينه، وبالله التوفيق.
[ ٦ / ٢٦ ]
وأَمَّا لَوِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ واسْتَاجَرَهُ عَلَيْهِ جَازَ
فارقت هذه المسألة التي قبلها بأن التي قبلها لم يدخل المبيع في ملك البائع، وهذه دخل في ملكه أولًا ثم آجره على عملها.
وقوله: (جَازَ) هذا على المشهور من جواز البيع والإجارة خلافًا لسحنون في منعه البيع والإجارة إذا كان محل الإجارة في [٥٠١/أ] نفس المبيع كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والجواز مقيد بما إذا كان خروجه معلومًا، وأما إن اختلف مثل أن يبيعه ثوبًا على أن على البائع صبغه أو نسجه أو يبيعه خشبة على أن يعملها تابوتًا فهو ممنوع.
وذكر ابن حارث في كتابه الاتفاق عليه، إلا أنهم فصلوا فيه بين ما يمكن عوده فيجوز إذا اشترط إعادته حتى يخرج على الوجه المشترط كحديد على أن يضربه سيوفًا لانتفاء الجهالة وبين ألا يمكن عوده فلا يجوز، كغزل على أن ينسجه للجهل بخروجه.
وإلى هذا أشار بقوله:
وفُرِّقَ بَيْنَ ثَوْبٍ وتَوْرٍ يُكَمِّلُهُمَا؛ لأَنَّ التَّوْرَ مُمْكِن الإِعَادَةِ
يجوز بناء (فُرِّقَ) للمفعول وللفاعل، ويكون عائدًا على مالك؛ لأنه وقع له هذا في الموَّازيَّة.
ووقع في بعض النسخ (يُكَمِّلُهُمَا) وفي بعض النسخ (يَعْمَلُهُمَا) والمسألة إنما هي في الموَّازيَّة على (يُكَمِّلُهُمَا) وقال ابن عبد السلام: (ويُكَمِّلُهُمَا) أقرب إلى النصوص، قال في الموَّازيَّة والواضحة المنع من شراء ثوب نسج البائع أكثره وبقي أيسره على أن على البائع نسج باقيه". وزاد في الواضحة ألا يكون الباقي منه يسيرًا جدًا.
ابن عبد السلام: نقلت كلام ابن حبيب هذا من حفظي ولا إشكال في صحة معناه.
خليل: ولأن نسخه (يَعْمَلُهُمَا) راجعة إلى المسألة التي قبلها.
[ ٦ / ٢٧ ]
واعلم أن ما ذكره من عدم الجواز إذا لم تمكن الإعادة مقيد باليسير، وأما الكثير فلا؛ لأنه إن فسد عمل له من بقيته كاللبن غير المطبوخ، نص عليه ابن محرز، وقال: ولا بد من الشروع في العمل لئلا يكون معينًا يضمن إلى أجل، قال: وأما الممكن الإعادة كالرصاص فيجوز وإن كان يسيرًا إلى أنه إن لم يأت على ما شرط أمكنه كسره وإعادته، قال: ولذلك رأوا ضمانه إن هلك من مشتريه؛ لأنه قد ملكه بالشراء، وإنما شرط على بائعه صنعة، فيه فيضمنه ضمان الصناع.
وأَمَّا نَحْوُ الْقَصَّابِ والْخَبَّازِ الدَّائِمِ الْعَمَلِ فَقَدْ أُجِيزَ الشِّرَاءُ مِنْهُ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى النَّقْدِ، واسْتَقْرَأَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُ السَّلَمَ الْحَالَّ
هذا مقابل القسم الذي قبله؛ لأن الأول الصانع فيه غير معين والمصنوع معين، وهذا الصانع معين والمصنوع غير معين، ثم هو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون الصانع دائم العمل.
والثاني: ألا يكون دائمه.
وذكر المصنف أنهم أجازوا الشراء من الصانع الدائم العمل كل يوم بكذا، وهذا هو المشهور، وروي عن مالك المنع. وعلى المشهور يشترط أن يكون ذلك موجودًا عنده، وأن يشرع في الأخذ ولا يشترط فيه ضرب الأجل، بل يجوز أن يكون مؤجلًا كغيره، ويجوز أن يكون حالًا، وسواء قدم النقد في ذلك أو أخره. وفي العتيبة عن مالك عن سالم بن عبد الله ﵁ قال: كنا نتبايع اللحم من الجزارين بسعر معلوم نأخذ كل يوم رطلين أو ثلاثة بشرط أن ندفع الثمن إلى العطاء.
مالك: ولا أرى به بأسًا إذا كان العطاء معروفًا.
ابن رشد: ولاشتهارها سميت بيعة المدينة.
[ ٦ / ٢٨ ]
وقوله: (إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى النَّقْدِ) يحتمل معنيين:
أحدهما - وهو الأقرب -: أنهم جعلوا المسلم فيه هنا كالحال، ولهذا أجازوا فيه تأخير رأس المال، وأبطلوا بقيته بموت المسلم إليه.
ابن القاسم: ولو كان سلمًا لأخذ من تركته.
والثاني: أنه لما كان الغالب من الصانع الذي هذا شأنه تحصيل ما أسلم إليه، ولا يعوزه وجوده كما لا يعوز غيره، صار وجوده عنده كالنقد بالنسبة إلى جميع الناس، فكما يجوز البيع بالعين على الحلول كذلك، فلفظ النقد على الثاني مستعمل في الدنانير والدراهم، وفي الأول مستعمل في مقابلة الأجل، وروي عن مالك أنه لا يجوز تأخير رأس المال في هذه المسألة، ورآه من باب الدين بالدين، واختلف لو نقد أكثر هل للمشتري مقال في الفسخ كاستحقاق الأكثر أولا مقال له في رد القليل المقبوض كالجائحة؟ وعلى أنه لازم في المقبوض وحده فاختلف هل تقع المحاسبة فيما قبض على مقدار ما لم يقبض من غير نظر إلى الزمان، أو إنما ينظر إلى قيمة ما شرط قبضه باعتبار زمانه؟ فقد يكون الربع المقبوض أولًا مساويًا لقيمة النصف، وهو الأظهر، والله أعلم.
وذكر المصنف أن اللخمي استقرأ من هذه الصور جواز السلم الحال، وقد تقدم ما يرد هذا الاستقراء؛ لأنه إنما أجيز هذا لتيسيره عليهم بخلاف غيرهم.
تنبيه:
وأما القسم الثاني وهو ألا يكون مستديم العمل فقال ابن بشير: قد أعطوه حكم السلم وأجازوه للضرورة، وقال: يشترط أن يكون أصل المسلم فيه يبقى إلى أجل السلم فأبعد، ويقدم رأس المال، فإن تعذر شيء من المسلم فيه تعلق بالذمة.
[ ٦ / ٢٩ ]
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ لِئَلاَّ يِكُونَ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ إِلَى أَجَلٍ
وحقيقة الذمة أمر تقديري يفرضه الذهن وليس بذات ولا صفة لها، فيقدر المبيع وما في معناه كأنه في وعاء عند من هو مطلوب به، فالذمة هي الأمر التقديري الذي يجري ذلك المبيع أو عوضه مجراه، أي ولا يجوز بيع معين يتأخر قبضه؛ لأنه إن لم يكون في ملك البائع، فالغرر ظاهر، وإن كان في ملكه فبقاؤه على تلك الصفة غير معلوم؛ لأنه يلزم منه الضمان بجعل؛ لأن المسلم يزيد في الثمن ليضمنه له المسلم إليه، ولأنه إن لم ينقد الثمن اختل شرط السلم، وإن نقده كان دائرًا بين الثمن إن لم يهلك والسلف إن هلك.
فإن قيل: من البياعات ما يجوز بيعه على أن يقبضه المشتري بعد شهر فلم لا أجيز هنا كذلك؟ قيل: هذا إنما هو في [٥٠١/ب] البيع، وكلامنا في السلم.
فإن قيل: قد أجاز ابن القاسم كراء الدابة المعينة تقبض بعد شهرين، ويلزم عليه جواز السلم في معين إلى أجل.
قيل: الفرق أن الدابة المعينة ضمانها من المبتاع بالعقد أو التمكن، فإذا اشترط تأخيرها كان ضمانها من البائع، فيلزم ضمان بجعل، بخلاف منافع العين فإن ضمانها من ربها، فلم يشترط إلى ما وجب عليه.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَحْصِيلِهِ غَالِبًا وَقْتَ حُلُولِهِ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ تَارَةً سَلَفًا وَتَارَةً ثَمَنًا
قوله: (غَالِبًا) أي: فلا يعتبر عدمه نادرًا؛ لأن الغالب في الشرع كالمحقق.
وقوله: (وَقْتَ حُلُولِهِ) إشارة إلى أنه لا يشترط وجوده قبل ذلك، وعلى هذا فيجوز السلم فيما له إبار، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد خلافًا لأبي حنيفة ﵁ في اشتراط وجوده من حين أسلم فيه إلى حسن وجوده؛ لاحتمال الموت والفلس، ولم يعتبر
[ ٦ / ٣٠ ]
أصحابنا ذلك؛ لأنه من الأمور النادرة، والظاهر أن العلة التي ذكرها من كون الثمن تارة يكون ثمنًا وتارةً سلفًا جارية فيما يعرف بعينه وفيما لا يعرف بعينه، وإن كان ابن عبد السلام يقول: السلف لا يمكن فيما لا يعرف بعينه.
ومعنى: (تَارَةً سَلَفًا) إن لم يقدر على تحصيله (وَتَارَةً ثَمَنًا) إن قدر على تحصيله.
فَلا يَجُوزُ فِي نَسْلِ حَيَوَانً بعَيْنِهِ
أي: من أجل كون اشتراط المسلم فيه مقدورًا على تحصيله عند حلول الأجل امتنع السلم في نسل حيوان معين لفقد الشرط المذكور، وأجاز اللخمي السلم في نسل حيوان بعينه على صفة معلومة إن وجدت، بشرط أن ينقد الثمن، وبشرط قرب الوضع، قال: ويختلف إذا كان الموضع بعيدًا لموضع التحجير، فيجوز على أصل ابن القاسم، ويمتنع على أصل غيره.
سند: وما قاله لا يحتمله المذهب ولا غيره؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه عند الأجل ولا تعرف له صفة يُعْرَفُ بِهَا يمتنع بيعه، سواء وصف أم لا، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع ما في الأرحام من غير تقييد، ولا يعرف فيه خلاف.
وَلا حَائِطٍ بِعَيْنِهِ إِلا أَنْ يُزْهِيَ فَيَكُونُ بَيْعًَا لا سَلَمًا
قال في المدونة: ومحمل هذا عند مالك محمل البيع لا محمل السلم، ولم يذكر شروطه، كما ذكر ابن شاس وكما ذكر في المدونة؛ لأنه ليس من باب السلم، وعلى أن بعضها قد يؤخذ بالقوة.
الأول: أن يُزْهِي ويصير بُسْرًَا؛ لأن بيعه قبل الإزهار غير جائز؛ للنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
الثاني: أن يذكر القدر من كيل أو وزن أو عدد.
[ ٦ / ٣١ ]
الثالث: أن يكون المشتري مما يسعه الحائط.
الرابع: أن يبقى زهوه أو رطبه إلى أجل لا يثمر فيه.
الخامس: أن يكون مؤجلًا.
السادس: أن يذكر ما يأخذ كل يوم، وهل الأيام متوالية أو متفرقة، ولا يجوز على أن يأخذ كل يوم ما شاء، ولو شرط أخذ الجميع في يوم لجاز.
السابع: أن يسلم إلى مالكه؛ لأن السلم فيه إلى غيره غرر؛ إذ قد لا يبيعه المالك.
الثامن: أن يشرع في الأخذ حين الشراء أو بعد أيام يسيرة، قال في المدونة: والخمسة عشر يومًا قريب، وقيل: العشرون قريب، وقيل: لا يجوز التأخير أصلًا، وإنما جاز أن يشترط أخذه بسرًا أو رطبًا لا تمرًا؛ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ البُسْرِ والرطب والتتمير، فيدخله الحظر بخلاف العقد على ما في الحائط جزافًا فله تركه إلى أن يتمر؛ لأن الجزاف قد تناوله العقد على ما هو عليه، وقد تسلمه المبتاع بدليل أنه إذا أراد بيعه لم يمنع ولم يبق على البائع فيه ضمان إلا ضمان الجوائح، وهو خلاف الأصل، وفي السلم لا يتناوله على ما هو عليه، وإنما يتناوله على صفة الجوائح، وهو خلاف الأصل، وفي السلم لا يتناوله على ما هو عليه، وإنما يتناوله على صفة غير موجودة فكان غررًا، وهذه التفرقة هكذا هي الصواب، وفي ابن بشير العكس، وهو خطأ على المذهب لا شك فيه، قاله ابن عبد السلام.
بعض القرويين: وهذه الشروط إنما تلزم إن سموه سلمًا، وأما إن سموه بيعًا فلا يلزم ويكون على الفور؛ إذ بعقد البيع يجب له قبض الجميع.
فرع:
فإن وقع البيع بشرط البقاء إلى التتمير نُظِرَ فإن وقع البيع عليه وهو رطب وقبضه تمرًا قبل أن يطلع على فساده مضى بلا خلاف.
[ ٦ / ٣٢ ]
ابن القاسم: وكذلك يمضي إذا غفل عن الاطلاع عليه حتى يتمر، فإن وقع وهو زهو فتأول ابن شبلون وغيره أنه يفسخ مطلقًا، وإنما يفوت بما يفوت به البيع الفاسد، وعلى هذا فيكون المنع على التحريم، وقال ابن أبي زيد: يمضي إذا نزل، وعليه أول المدونة، وفسر الفوات الذي في المدونة بالقبض، ومثله في الواضحة، وفسر غيره الفوات بالعقد، ومثله في الموَّازيَّة، وعلى هذين فالمنع على الكراهة، وصوب عبد الحق وابن يونس تأويل ابن أبي زيد، وأكثر الشيوخ على تأويل المدونة على مافي الواضحة يفسخ ما لم يقبض ولو انقطعت ثمرته قبل الاستيفاء رجع بحصة ما بقي اتفاقًا، قاله ابن يونس وغيره، وهو خلاف الثمن المضمون ينطقع بعدما أخذ بعض سلمه، فهذا فيه اختلاف وسيأتي.
قال عيسى بن دينار: رجوعه على حسب المكيلة، وقال القابسي وابن شبلون وَجُلُّ الأشياخ: بل على القيمة؛ لأنه دخل على أن يأخذ شيئًا فشيئًا، إلا أن يشترط عليه أن يجده في يومه أو يوم واحد فعلى المكيلة، وهو ظاهر، وإذا رجع بالحصة ففي المدونة يجوز أن يأخذ بتلك الحصة ما يشاء من السلع معجلًا، فإن تأخر لم يجز؛ أي: لأنه فسخ دين في دين.
ابن أبي زمنين: وذكر بعض الرواة عن ابن القاسم أنه قال: له أن يأخذ بها من شاء من السلع معجلًا، [٥٠٢/أ] إلا ما كان من صنف الثمرة التي أسلم فيها فلا يجوز أن يأخذ منه إلا مثل ما بقي من الكيل؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملًا على التاخير ليأخذ منه أكثر من كيله.
بعض القرويين: ويجب على هذا ألا يأخذ بما بقي له من رأس ماله ذهبًا عن وَرِقٍ أو بالعكس؛ لما يخشى أن يكونا عملا على صرف يتأخر. قال بعضهم: وإن ذهبت الثمرة بأمر من الله تعالى فينبغي أن يجوز ذلك كله، وقد يعترض على من قاس هذا على ما قاله ابن القاسم في الصرف المستأخر، فإن التهمة في فسخ الدين أقوى؛ لأن فيها دفع قليل في كثير بخلاف الصرف.
[ ٦ / ٣٣ ]
بِخِلافِ غَنَمٍ كَثِيرَةٍ، لا يَتَعَذَّرُ الشِّرَاءُ مِنْ نَسْلِهَا، أَو مِصْرٍ لا يَتَعَذَّرُ الشِّرَاءُ مِنْ ثَمَرَهِ
أي: فيجوز السلم فيهما؛ أي: لأن غنما ً كثيرةً، أو مصرًا من الأمصار العظام سلم في الذمة حقيقة، ولو أراد المسلم إليه أن يعطي من غير نسل تلك الأنعام أو من غير ثمرة ذلك الحائط المشترطة فأجراه بعضهم على الخلاف في شرط ما لا يفيده هل يلزم أم لا؟
ولا يَضُرُّ الانْقِطَاعُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ
أي: قبل حلوله ولا بعده كالأشياء التي لها إبار، وقد تقدم هذا.
بعض القرويين: ولو مات المسلم إليه قبل الإبار فلتوقف تركته إليه، ولا يقسم ماله حتى يأخذ المسلم حقه، ولو كان عليه دين يغترق تركته تحاصوا في تركته، وضرب للمسلم بقيمة شيئه في وقته على ما يعرف في أغلب الأحوال من غلاء أو رخص، قيل: فيوقف ما صار له ثم يشتري له ما أسلم فيه، فإن نقص اتبع بالباقي ذمة الميت إن طرأ له مال وإن زاد لم يشتر له إلا قدر حقه، وترد البقية إلى من يستحق ذلك من وارث أو مديان، ولو هلك الموقوف لكان من المسلم إليه؛ لأن له نماؤه فعليه ثواؤه، ولم يجروا في هذه المسألة ما وقف للغرماء من مال المفلس؛ لأن مسألة السلم لم يحل الأجل فيها لكون الإبار لم يأت، ولو حل لجرى فيها حكم ما وقف الغرماء.
فَلَو أَخَّرَهُ حَتَّى انْقَطَعَ فَالمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْفَسْخِ والإِبْقَاءِ
فلو أخر المسلم إليه المسلم فيه حتى انقطع وخرج إباره فالمشتري - وهو المسلم - مخير بين فسخ العقد ويأخذ رأس ماله، وبين إبقاء العقد إلى قابل؛ لأن الحق للمبتاع، ولم يذكر المصنف إلا هذا القول، وخرج سند الأقوال المذكورة في تأخير البعض، وكلام المصنف ظاهر في أن المسلم إليه هو المؤخر، وينبغي ألا يكون للمسلم تخيير إذا كان
[ ٦ / ٣٤ ]
التأخير من جهته؛ لأنه ظلمه بالتأخير فتخييره بعد ذلك زيادة في ذلك الظلم، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام.
ويشبه هذه المسألة إذا أسلم في أضحية فلم يأت بها البائع حتى فات زمن الأضحية، وإذا هرب البائع في السلم ممتنعًا من قبض رأس المال، وفيها في المذهب اضطراب.
فَلَو قَبَضَ الْبَعضَ فَسِتَّةٌ؛ يَجِبُ التَّأخِيرُ إِلا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِالْمُحَاسَبَةِ، وقَالَ أَصْبًغُ بِعَكْسِهِ، وقَالَ سُحْنُونٌ: يَجِبُ التَّاخِيرُ، وقَالَ أَشْهَبُ: تَجِبُ الْمُحَاسَبَةُ، وقِيلً: الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وقِيلً: إِنْ قَبَضَ الأَكْثَرَ جَازَ التَّاخِيرُ، وإِلا وَجَبَتِ الْمُحَاسَبَةُ
أي: إذا قبض بعض المسلم فيه وتأخر بعضه لفقده وذلك في صورتين:
الأولى: أن يسلم فيما له إبار ثم ينقطع، وهي التي في المدونة وغيرها.
والثانةي: أن يسلم في ثمرة قرية مأمونة فتصيب ثمرتها جائحة، وهي التي ذكر اللخمي فيها الخلاف، وأما القرية غير المأمونة فحكى عياض وغيره فيها قولين:
أحدهما: وجوب المحاسبة ولا يجوز البقاء لقابل.
والثاني: الجواز، وصوبه ابن محرز.
عياض: وأما لو أجيحت فيلزمه البقاء اتفاقًا، وأما الحائط المعين فيفسخ فيما بقي اتفاقًا، نقله اللخمي وابن يونس وغيرهما.
وقوله: (فَسِتَّةٌ) أي: أقوال:
الأول: أن الحكم وجوب التأخير، ومن دعا إليه منهما كان القول قوله إلا أن يتراضيا بالمحاسبة، وهو قول مالك الذي رجع إليه في المدونة، وقول ابن القاسم وسحنون، وصوبه التونسي؛ لأن السلم يتعلق بالذمة، فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين ولا يتهمان على قصد البيع والسلف؛ لأن انقطاعه إنما هو من الله تعالى، وكذلك لو كان هو رب
[ ٦ / ٣٥ ]
أحدهما، فإن التهمة أيضًا منتفية بخلاف ما لو سكت المشتري عن طلب البائع حتى يذهب الإبار فلا يجوز تراضيهما على المحاسبة؛ لأنهما يتهمان على البيع والسلف، وهل من شرط تراضيهما بالمحاسبة ألا يكون رأس المال مقومًا؟
لم يشترط ذلك ابن القاسم واشترطه سحنون؛ ليأمنا من الخطأ في التقويم؛ لأنه إذا كان مقومًا جاز أن يكون مخالفًا بالقلة والكثرة فيكون إقالة في البعض على غير رأس المال إلا أن يكون المردود من الأثواب جزءً شائعًا فيكون المشتري شريكًا للبائع في رأس المال، وإذا تراضيا على المحاسبة فلا يجوز أن يأخذ بقية رأس ماله عوضًا ولا غيره؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن والتونسي، ولم يعتبروا تهمة البيع والسلف للضرر الداخل عليهما بالتأخير.
القول الثاني: لأصبغ عكس الأول تجب المحاسبة إلا أن يتراضيا بالتأخير، وَضُعِّفَ؛ لأنه إذا وجبت المحاسبة فليس للمشتري على البائع سوى بقية رأس المال، فإذا اجتمعا على التأخير لزم فسخ دين في دين، وأجاب المازري بأن فسخ دين في دين هنا ليس متفقًا عليه؛ لأنه قد قيل بوجوب التأخير ابتداء.
القول الثالث: [٥٠٢/ب] وهو قول مالك الأول في المدونة، ونقل عن سحنون أيضًا يجب التأخير، وليس لهما أن يتراضيا بالمحاسبة، ووجه ما ذكره التونسي في توجيه الأول.
القول الرابع لأشهب في الموَّازيَّة: تجب المحاسبة، ولا يجوز لهما أن يتراضيا على التأخير؛ لأن الأجل مقصود فيفسخ بفواته، ولا يجوز لهما أن يتراضيا على التأخير؛ لأنه كفسخ دين في دين، ويجوز على هذا أخذ عوض عن بقية الثمن ناجزًا كالحائط المعين.
الخامس: لابن القاسم في الموَّازيَّة: الخيار للمشتري في الفسخ والإبقاء؛ لأن الحق له.
السادس: أن المسلم إذا قبض أكثره جاز التأخير والمحاسبة، وإن قبض أقله وجبت المحاسبة، وعزاه ابن يونس لمالك، وابن بشير لابن القاسم.
[ ٦ / ٣٦ ]
لكن استشكل نقل المصنف له؛ لأن من نقله إنما نقله في الأقل والأكثر، وقول المصنف وألا يدخل فيه الأقل والمساوي.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا لِئَلاَّ يَكُونَ بَيعَ ما لَيْسَ عِنْدَكَ إِلَى مُدَّةٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا الأَسْوَاقُ عُرْفًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمَاُ، وقِيلَ: إِلَى يَوْمَيْنِ، وقِيلَ: إِلَى يَوْمٍ
الشرط الخامس أن يكون المسلم فيه إلى أجل؛ فلا يجوز الحال، خلافًا للشافعي لما في الصحيح أنه ﷺ قدخم المدينة فوجدهم يسلمون الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
وقد تجاذبه كل من المذهبين:
فالأول: رأي أن الشرط مركب من الأجل والمعلومية.
والثاني: رأى أن المقصود من الشرط المذكور إنما هو كونه مضبوطًا إلا أنه لا بد من أجل، وإلا لزم ذلك في الكيل والوزن ولا قائل به.
وقوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ إلخ) روى الترمذي وصححه أنه ﵇ نهى عن بيع ما ليس عندك، ورواه أبو داود والنسائي أيضًا.
وقوله: (إِلَى مُدَّةٍ) بيان للأجل المشترط، وذلك أن أصحابنا لما اشترطوا الأجل قالوا: إن علة ذلك تحصيل مصلحتين:
إحداهما: في حق البائع وهي دفع القليل ليأخذ ما هو أكثر منه.
والثانية: في حق المشتري وهو الانتفاع بالثمن، وقد يحصله بذلك الثمن ثم إن مالكًا اكتفى بهذا القيد في الرواية المشهورة عنه، قال في المدونة: ولم يحد مالك في ذلك حدًا، وهو عين الفقه، وذكر صاحب المعونة عنه رواية أخرى بالاكتفاء بمطلق الأجل. وروى ابن القاسم تحديد أقل هذه المدة بخمسة عشر يومًا، وجعل ذلك مظنة اختلاف الأسواق
[ ٦ / ٣٧ ]
غالبًا، وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر؛ لأنه اكتفى بقول ابن القاسم عن قول مالك، وجعل الخمسة عشر يومًا مثالًا للمدة الموصوفة، وليس الأمر عند مالك على هذا، والقول بجواز السلم إلى يوم لمالك في الموَّازيَّة، وباليومين لابن عبد الحكم.
أصبغ: قال: فإن وقع إلى يومين لم يفسخ؛ لأنه ليس بحرام بَيِّنٌ ولا مكروه بَيِّنٌ، واختاره ابن حبيب، وقال ابن المواز: فسخه أحب إليَّ، وهو ظاهر المدونة عند ابن رشد.
ومِنْ ثَمَّ قِيلَ: يَجُوزُ السَّلَمُ الْحَالُّ
أي: وَمِنْ إجازة السلم إلى اليوم واليومين خَرَّجَ بعضهم - وهو التونسي - قولًا بجواز السلم الحال؛ لأن هذه المدة لا تتغير فيها الأسواق غالبًا، وقال غيره: لا يلزم من قال هذا إجازة السلم الحال؛ لأن قائله اشترط ضرب الأجل، ولعله اعتقد أن الأسواق تتغير فيه، ولا يخرج الإنسان قولًا من مسألة نص فيها على ما يناقضه، ونقل المتيطي أن أبا تمام روى عن مالك إجازة السلم الحال، فذكر الباجي عن عبد الوهاب أنه قال: "اختلف أصحابنا في تحرير المذهب، فمنهم من حكى رواية بجواز السلم الحال، ومنهم من قال: الأجل شرطٌ روايةً واحدة، وإنما اختلفت الرواية عنه في مقدار الأجل.
إِلا أَنْ يُعَيِّنَ الْقَبْضَ بِبَلَدٍ أخَرَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأَجَلُ الْمَسَافَةَ ولَو يَوْمًا
هذا مستثنى من قوله: (أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا إِلَى مُدَّةٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا الأَسْوَاقُ) أي: إلا أن يكون المسلم اشترط قبضه ببلد آخر فلا يشترط فيها الأجل البعيد، ويكتفى بأن يكون الأجل مقدار المسافة ولو كانت يومًا، وتبع في اليوم ابن بشير.
وفي السلم الثالث من المدونة: فإن أسلمت إلى رجل في طعام ببلد على أن تأخذه ببلد آخر مسافة ثلاثة أيام أجاز ذلك.
[ ٦ / ٣٨ ]
ابن المواز: أو اليومين، ومفهومهما يخالف ابن بشير والمصنف، إلا أن يكون خرج على سؤال فلا مفهوم له.
وإنما أجازوا مع اختلاف البلدين وإن كان الأجل قريبًا لأنه يحصل مع اختلافهما من اختلاف الأسواق ما يحصل في البلد الواحد مع الأجل البعيد، وقيد ابن أبي زمنين التأجيل بالمسافة بالخروج بالحال والسير في البر أو البحر بغير ريح، وإلا فلا بد من ضرب الأجل.
اللخمي: واختلف إذا اشترط القبض ببلد ولم يذكر أجلًا ولم تكن عادة فقيل: إن ذلك جائز؛ لأن تلك المسافة بين البلدين كالأجل، فيجبر المسلم إليه على الخروج بفور العقد أو التوكيل على الوفاء، فإذا وصل أجبر على القضاء واستحق القبض حينئذ، وقيل: السلم فاسد، وهو أحسن؛ لأن السلم يتضمن موضعًا يقبض فيه ومدة يقبض إليها، فذكر الموضع لا يفهم منه الأجل، وقال غيره: ليس هذا بخلاف ولكن للمسألة صورتان:
إحداهما: أن يكون السلم يحل بالوصول إلى البلد الثاني.
الثانية: أن يطول زمان مقدار الحلول؛ فلا بد مع هذا من ضرب الأجل، وإذا وكل من يخرج لإقباض المبيع.
ابن عبد السلام: فهل من شرط الوكالة في هذه المسألة أن يلزم الموكل ألا يعزل ذلك الوكيل حتى يقبض حق المشتري، أولا يحتاج إلى ذكر هذا الشرط؛ لأن الحكم يقتضيه بسبب حق المشتري، فلو عزله لم ينعزل كما لا ينعزل وكيل الخصومة [٥٠٣/أ] إذا أشرف على ظهور الحق أو قاعده خصمه ثلاثًا؟ وقيل: في مسألة المسلم قول ثالث أن للموكيل عزل الوكيل لا مطلقًا، ولكن إلى بدل. وفيه نظر؛ إذ يتعلق حق المشتري بعين الوكيل الأول؛ لأنه أسهل قضاءً وشبه ذلك. انتهى.
[ ٦ / ٣٩ ]
وحكى الباجي عن بعض المتأخرين أن التوكيل لا يجزئ إلا أن يضمن الوكيل المسلم فيه؛ لجواز أن يعزله المسلم إليه فيبطل سفر المسلم.
الباجي: ويجوز عندي إلا يكون له عزله كالوكيل على بيع الرهن، أما الدنانير والدراهم في الذمة على أن يقبض ببلد آخر فلا بد من ضرب الأجل فيها، ولا تكفي المسافة وإلا كان فاسدًا.
والفرق أن العين يتفق فيها الأسعار؛ فَذِكْرُ البلد لغو، ولهذا يأخذه بها حيث وجده، أما لو كانت العين معينة ببلد آخر فالمسافة كافية كالعروض، ولا بد من شرط الخلف وإن لم يشترط ففي صحة البيع قولان.
وَيجُوزُ تَعْيينُ الأَجَلِ بِالْحَصَادِ والدِّرَاسِ وقُدُومِ الْحَاجِّ، والْمُعْتَبَرُ مِيقَاتُ مُعْظَمِهِ لا الْفِعْلُ، وَكَخُرُوجِ الْعَطَاءِ، والْمُعْتَبَرُ الزَّمَانُ
أي: ويجوز أن يكون أجل السلم إلى الحصاد والدراس وقدم الحاج؛ يعني: بالشام ومصر، وكذلك سائر البيوع؛ لأنه وقت يعرف بالعادة لا يتفاوت، والمعتبر زمان معظم الحصاد والجذاذ سواء كان ذلك الطعام حصادًا أو جذاذًا أولا.
وإليه أشار بقوله: (لا الْفِعْلُ) أي: لا أوله.
(وِكَخُرُوجِ الْعَطَاءِ) معطوف على قوله: (بِالْحَصَادِ). والعطاء: الرواية من بيت المال، والمعتبر أيضًا زمانه لا نفسه، وإلا امتنع؛ لجواز ألا يكون العطاء في ذلك العام أو يتقدم أو يتأخر.
وإِلَى ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ يُكَمَّلُ الشَّهْرُ الْمُنْكسِرُ ثَلاثِينَ
أي: وإذا وقع البيع إلى ثلاثة أشهر فإن كان في أول شهر فلا إشكال أنها تكون ثلاثة بالأهلة، وإن كان في بعض شهر كمل شهر الابتداء ثلاثين من الرابع.
[ ٦ / ٤٠ ]
وقد اختلف المذهب في العدد والأيمان هل يحكم بهذا الذي ذكره المصنف أو يكمل كل شهر ثلاثين يومًا من الذي يليه؟
وإِلَى رَمَضَانَ يَحِلُّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ
أي: إذا كان أجل السلم إلى رمضان حل بأول جزء منه، فيحل باستهلاله، وفي عبارة بعضهم: يحل بأول ليلة من الشهر، وذلك أوسع من الزمان الذي يعطيه كلام المصنف.
المازري: وإن قال: إلى يوم السبت حمل على طلوع فجره.
وفِي رَمَضَانَ بِآخِرِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ أَجَلٌ يُغْتَفَرُ مَعَهُ الشَّهْرُ، وإِلا نُقِضَ
ما صَدَّرَ به المصنف من أنه إذا عقد المسلم على أنه يأخذ في رمضان أنه يحل في آخره تبع فيها ابن شاس، وهو قول ابن العطار، ولكنه كره ذلك ابتداءً وقال: فإن وقع لم يفسخ، ويؤيده ما في المدونة فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه في شهر كذا فقضاه في آخره أنه لا يحنث، وجوابه أن الأجل في الأيمان لا تنافي التوسعة بخلاف البيوع، ألا ترى أن الحالف لو صرح فقال: "لأقضينك حقك في هذا العام في أي وقت" لكان له ذلك، وقيل: إذا مضى معظم الشهر وجب القضاء، والمنقول عن مالك في المبسوط أنه يدفع في وسط الشهر، وقاله ابن القاسم في العتبية وفضل، وقال ابن لبابة: هو أَجَلٌ مجهول حتى يسمي أي وقت في الشهر، أي: فيفسد البيع، وأنكره ابن زرب وغيره.
ابن راشد: وصحح المازري الفساد لتردده بين أول الشهر ووسطه وآخره، وضعف قول ابن العطار لكراهته ابتداء؛ لأنه إن كان معلومًا فلا وجه للكراهة، وإلا فسد، ثم وجه الكراهة باختلاف العلماء.
ابن راشد: وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ أَجَلًا) هو قول الباجي، وهو إن كان هذا القدر نسب إلى جملة الأجل، زاد الثمن أو نقص بأوله وآخره فإنه يفسخ، وإن كان الأجل بعيدًا
[ ٦ / ٤١ ]
بحيث تكون نسبة الشهر لا تزيد ولا تنقص لم يفسخ، واختلف إذا قال: لصدر شهر كذا؛ فقال ابن القصار: هو ثلثاه أو النصف، واحتج بما رواه ابن القاسم في القائل لغرمائه: "إن لم تقضني صدرًا من حقي يوم كذا فعليَّ المشي إلى بيت الله إن لم ألزمك بحقي كله" فقال مالك: الثلثان أحب إليَّ، ولو قيل: النصف لكان قولًا، إلا أن تكون له نية فذهب مالك إلى أن الصدر أقل من ذلك، واختاره ابن سهل وَحَدَّهُ بالثلث، لما رواه ابن حبيب عن مالك وابن القاسم وغيره من أصحاب مالك في الحالف ليقضين غريمه إلى أجل سماه، فلما حل الأجل قضاه من حقه صدرًا مثل الثلث فما فوق، فإنه يبرئه.
ابن حبيب: ولا أعلمهم يختلفون فيه، ونص ابن نافع أيضًا على أن الصدر الثلث، وعلى أن الجل الثلثان، واختاره ابن رشد.
السَّادِسُ: أَنْ يِكُونَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ بِعَادَتِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَو عَدَدٍ أَو ذَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ
قوله: (بَعَادَتِهِ) أي: فما كانت فيه العادة الكيل فلا ينتقل إلى الوزن كالحنطة، وكذلك العكس كالصوف.
قال جماعة: ويجب أن يقدر في السلم بعرف بلده؛ فإن غيره مجهول فيه.
قوله: (أَوْ عَدَدٍ) كالبيض. قال في المدونة: ولا بأس بالسلم في البيض عددًا.
الباجي: وصغير الفاكهة يتصور فيه الكيل والوزن والعدد، ويحمل على عرف بلد السلم، وما ييبس منها ويدخل كاللوز والبندق وقلوب الصنوبر لا يسلم فيه إلا كيلًا.
قال ابن حبيب: ولا يسلم فيه عددًا.
الباجي: وما قاله بَيِّنٌ؛ لأن المشقة تلحق في عدده، ثم أشار إلى حمل ذلك على عرفه، أما الرمان والسفرجل والجوز فروى ابن القاسم عن مالك أنه يباع عددًا [٥٠٣/ب].
[ ٦ / ٤٢ ]
ابن القاسم: وإن كان الكيل فيها مَعْرُوْفًَا فلا بأس به. وقال ابن حبيب: يسلم فيه كيلًا وعددًا لا وزنًا، وقيل: أما ما عَظُمَ فالعدد فيه أظهر، ولا ينبغي أن يعد هذا خلافًا، ويحمل على أن كل واحد تكلم على ما يعرفه من العادة.
وقوله: (أَوْ غَيْرِهِ) كالأحمال والحزم والجزر، وهي القبض، وذلك في البقول والقصيل والقرط والقضب، نص عليه في المدونة، قيل: وذلك أن يقاس ذلك بحبل فيقال: أسلم لك فيما يسع هذا ويجعلانه عند أمين.
الباجي: ولا يجوز أن يقدر بذرع الأرض، وجوز ذلك أشهب، لا يقال: قد أجاز مالك في السلم الأول السلم في اللحم تحريًا، وليس بمقدار معلوم؛ لأنه قال: إذا كان لذلك قدر عرفوه فهو راجع إلى قدر معلوم. واختلف في صفة ضبطه؛ فقال ابن أبي زمنين: إنما يجوز فيما قل، وصفة ضبطه أن يقول: أسلفك في لحم يكون قدره عشرة أرطال مثلًا، وكذلك الخبز. وقال ابن زرب: هو أن يعرض عليك قدر ما يقول مثل هذا كل يوم، ويشهد على المثال، ولا يجوز على شيء يتحراه، وفي السلم الثاني من المدونة: ومن أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه إلى أجل جاز ذلك إذا أراه الذراع وليأخذا قياس الذراع عندهما كما جاز شراء ويبة وحفنة بدراهم إن أراه الحفنة؛ لأنها تختلف.
واختلف في مسألة الويبة فقيل: ذلك حيث لا مكيال، كما قال في القصعة.
محمد: وقيل: هو جائز كالذراع، واختلفوا إذا كثرت الويبات والحفنات، وأكثرهم على المنع، ونص عليه سحنون.
أبو عمران: وظاهر المدونة رؤية ذراع الرجل المعير خلاف ما في الموَّازيَّة أن السلم جائز وإن لم يره الذراع، وفي الطرر: إن كان القاضي نصب للناس ذراعًا لم يجز اشترط ذراع رجل بعينه، كما لا يجوز ترك المكيال المعروف والعدول إلى المجهول، فإن لم يكن للناس ذراع
[ ٦ / ٤٣ ]
منصوب فلا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، وإنما يجوز على ذراع وسط مطلقًا، ويحملان على الوسط.
فرع:
واختلف في جواز السلم على مثال يريه إياه على قولين حكاهما ابن بشير، قال: ولا ينبغي أن يعد خلافًا، وإنما هو خلاف في حال إن قصد بالمثال المشابهة في كل الصفات لم يجز، وإن قصد الصفات العامة جاز.
وَالْمَعْدُودُ كَالْبَيْضِ والْبَاذِنْجَانِ والرُّمَّانِ والْجَوْزِ واللَّوْزِ
هو ظاهر، وقد تقدم، وشرط في المدونة أن يصفا قدر الرمانة والسفرجلة ونحوهما إن كان يحاط بمعرفته.
وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا مَجْهُولًا فَسَدَ، وإِنْ عُلِمَتْ نِسْبَتُهُ كَانَ لَغْوًا
تصوره واضح.
وقوله: (فَسَدَ) يقتضي فسخه إن وقع، وهو المشهور، وكرهه أشهب في الطعام ابتداءً، ولا يفسخ عنده إن نزل. وخفف في المدونة في شراء العلف والتين والخبط من الأعراب في السفر بمكيال لا تعرف نسبته من المكيال الجاري بين الناس للضرورة. واختلف فيما أجازه مالك من ذلك في القصعة للأعراب وحيث يعدم الكيل، ففي كتاب محمد أن ذلك جائز في اليسير، وعن أبي عمران: أنه يجوز هنالك في الكثير إن احتيج إليه كاليسير.
السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ اخْتِلافًا لا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي السَّلَمِ
الشرط السابع: ذكر الأوصاف التي تختلف بها قيمة المسلم فيه اختلافًا لا يتغابن المتبايعان بمثله، وظاهره أن الصفة إذا كانت لا تختلف القيمة بسببها أنه لا يجب بيانها في
[ ٦ / ٤٤ ]
السلم. وعبارة غيره أقرب؛ لأنهم يقولون: يبين في السلم جميع الأوصاف التي تختلف الأغراض بسببها، واختلاف الأغراض لا يلزم منه اختلاف القيمة؛ لجواز أن يكون ما تعلق به الغرض صفة يسيرة عند التجار، وتخلفها صفة أخرى.
وقوله: (فِي السَّلَمِ) مفهومه أن السلم يغتفر فيه من الإضراب عن بعض الأوصاف ما يغتفر مثله في بيع النقد ولا ينعكس؛ لأن السلم مستثنى من بيع الغرر، بل ربما كان التعرض للصفات الخاصة في السلم مبطلة له لقوة الغرر. قاله ابن عبد السلام.
ويشترط أن تكون الصفات معلومة لغير المتعاقدين؛ لأنه متى اختصم المتعاقدان بعلمهما دل ذلك على ندورهما، والندور يقتضي عزة الوجود، وأيضًا فاختصاصها بها يؤدي إلى التنازل بينهما.
وَيُرْجَعُ فِيهَا إِلى الْعَوَائِدِ، فَقَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْبِلادِ
أي: يرجع في تعيين تلك الأوصاف التي تختلف بها القيمة إلى العوائد، فرب صفة تتعين في نوع دون غيره، وفي بلد دون آخر، واستغنى المصنف بهذا الضابط عن مسائل ذكرها أهل المذهب لاندراجها فيما ذكره، وهذا الضابط ذكره المازري، قال: يحتاج في الثمن إلى ذكر النوع والجودة والرداءة. قال: وزاد بعض العلماء: البلد واللون وكبر الثمرة وصغرها، وكونه جديدًا أو قديمًا، ويحتاج في القمح إلى هذه الصفات أيضًا.
واشترط بعض العلماء في القمح وصفًا سابعًا، وهو كون القمح ضامرًا أو ممتلئًا، ورأى أن الثمن يختلف باختلافه، ورأى أن الضامر يقل ريعه، لكن الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن حمل المذهب على أنه لا يلزم اشتراط القدم والجودة في القمح، واحتج بالرواية الواقعة في السلم أنه إذا أسلم في قمح فأتاه بقمح قديم أنه يجبر على قبوله. زاد ابن يونس عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: لا يختلف العتيق من الجديد عندنا بإفريقية.
[ ٦ / ٤٥ ]
ابن يونس: وهو يختلف عندنا بصقلية؛ فلا يجوز حتى يشترط قديم من جديد، وهل يجب أن يبين السمراء من المحمولة؟ إن كان بمحل ينبتان فيه، ولا غالب وجب بيانه وإلا فسد، وإن كان ما يجلبان إليه فرأى ابن حبيب أن تركه لا يفسد، ورأى الباجي أن مقتضى الروايات خلاف قوله [٥٠٤/أ].
ابن بشير: ولا ينبغي أن يُعَدَّ خلافًا، بل إن اختلاف الثمن بهما وجب ذكره وإلا فلا، أما إن لم يكن إلا واحدًا فلا يجب البيان.
واختلف في مثل مصر فقيل: لا يفتقر إلى الجنس؛ لأن قمح مصر جنس واحد في الغالب، وهو المحمولة.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا بد أن يسمي الجنس وإلا فسخ البيع.
والأول مذهب المدونة، ففيها: ويقضي بمصر بالمحمولة، وبالشام بالسمراء، قال: وإن أسلم بالحجاز حيث يجتمع المحمولة والسمراء ولم يسم جنسًا فالسلم فاسد.
فرع:
قال ابن عبد الغفور: وإذا سمى قمحًا طيبًا ولم يقل جيدًا فالسلم تام، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن لبابة: لا بد أن يقول جيدًا، وإلا لم يجز على مذهب المدونة، نقله ابن راشد.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَتُرَابِ الْمَعَادِنِ، والدُّورِ، والأَرْضِينَ لَمْ يَجُزْ بِخِلافِ غَيْرِهَا
أي: فإن لم يكن ذكر تلك الأوصاف لم يجز السلم فيه، وَمَثَّلَهُ بشيئين:
أولهما: تراب المعادن. قال في المدونة: لأن صفته غير معروفة.
ثانيهما: الدور والأرضون. وفي التمثيل بهما نظر؛ لأنه مما يمكن صفتهما، وإنما امتنع السلم فيهما؛ لأن وصفهما بما تختلف الأغراض به يستلزم تعيينهما فيؤدي إلى السلم في
[ ٦ / ٤٦ ]
معين. وذكر المازري عن بعض الأشياخ أنه خرج قولًا بجواز السلم في العقار مما قاله أشهب أنه يسلم في البقول فدادين؛ لأنه إن لم تصرف الفدادين لم يجز السلم، وإذا وصف بمكانه صار معينًا.
قال صاحب المقدمات: أربعة أشياء لا يصح السلم فيها. فذكر الإثنين اللذين ذكرهما المصنف، وألحق بتراب المعادن الجزاف فيما لا يصح بيعه جزافًا.
قال: والثالث: ما يتعذر وجوده من الصفة.
والرابع: ما لا يجوز بيعه بحال كتراب الصواغين وجلود الميتة.
فَيَذْكُرُ فِي الْحَيَوَانِ النَّوْعَ وَاللَّوْنَ وَالذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ وَالسِّنَّ، وَيُزَادُ فِي الرَّقِيقِ الْقَدُّ، وَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالإِبِلُ وشِبْهُهُمَا
مذهبنا جواز السلم في الحيوان، ومنع جماعة من الشيوخ السلم في الآدمي، ولا سيما جواز الوطء، وعلى هذا قصر بعضهم المنع اعتقادًا منهم أن الصفات في ذلك لا تضبطه، وذكر المصنف في الحيوان خمسة أوصاف:
أحدها: (النَّوْعَ) فيحتمل أن يريد به النوع حقيقة كنوع الإنسان والإبل، ويحتمل أن يريد الصنف كالرومي والتركي، فلا بد من ذكرهما.
الثاني: (اللَّوْنَ) وجعله المصنف معتبرًا في جميع الحيوان، وقد نص في الجواهر على اعتباره في الإبل والخيل ولم يذكره في الطير.
وعلم أن ذِكْرَ الجنس يغني عن اللون في الرقيق، فجنس النوبة السواد، والروم البياض، والحبش السمرة، لكن يحتاج هذا إلى بعض عرضيات النوع كالدهمي والأحمر والبياض الشديد، وذكر سند أن اللون لا يعتبر عندنا في غير الرقيق، ولعله اعتمد على المازري، فإنه لم يذكر اللون في غيره. وليس بظاهر؛ فإن الثمن يختلف به، وقد ذكره بعضهم في الخيل وغيره من الحيوان.
[ ٦ / ٤٧ ]
ابن بشير وغيره: وحظ الفقيه المفتي في هذا أن يحيل على العارفين بالعوائد، فما حكموا أن الأثمان والأعراض تختلف به يجب ذكره.
الثالث: (وَالذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ) وهما معتبران في جميع الحيوان؛ لاختلاف الثمن بهما.
الرابع: (السِّنَّ) وهو أيضًا مطلوب في الجميع.
الخامس: يختص بالرقيق وهو (القَدُّ).
وفي بعض النسخ (القَدْرُ) والمعنى واحد، فيقال: طويل أو قصير أو متوسط.
قوله: (وَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالإِبِلُ) ظاهره أنه يشترط فيهما، وما أشبههما ذكر القد، وذكر سند أنه لا يشترط ذلك فيما عدا الإنسان؛ فانظر ذلك.
وبقي عليه من شروط الحيوان الجودة والدناءة، وإن كانت أنثى الثيوبة والبكارة، ذكرهما المازري، على أنه قال في الثيوبة والبكارة إن كان الثمن يختلف بذلك، وقيده سند بالعليات.
ولا يُشْتَرَطُ فِي اللَّحْمِ فَخِذٌ ولا جَنْبٌ، وَلا يُؤْخَذُ مِنَ الْبَطْنِ إِلا بِعَادَةٍ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَيَكُونُ لَحْمٌ بِلا بَطْنٍ، قِيلَ: فَمَا مِقْدَارُهُ؟ قَالَ: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) لأَنَّهَا كَانَتْ عَادَتَهُمْ
للسلم في اللحم شروط:
أولها: الجنس من إبل أو بقر أو ضأن أو معز.
ثانيها: السن من صغر أو كبر.
اللخمي والمازري: فيقال: ثني أو رباع أو جذع.
ثالثها: السمن والهزال ويقضي في مطلقها بالعرف، قاله في الموَّازيَّة والواضحة، ويختلف فيه كما في مطلق الجودة والطعام هل يقضي فيها بالعرف الغالب أو ما يتناوله الاسم فقط.
[ ٦ / ٤٨ ]
رابعها: الراعي والمعلوف. قاله المازري.
الباجي: ولم أر لأصحابنا تفريقًا بين الذكورة والأنوثة. فإن كان مؤثرًا في الثمن لزم ذكره، ونحوه لعبد الوهاب وغيره، وشرط أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى.
المازري: والخصي والفحل.
وقال الباجي: ولم أر لأصحابنا تفريقًا فيه.
سند: وعندي ذكره حسن.
ابن حبيب وابن المواز: ليس عليه ذكر موضع اللحم.
ابن حبيب: وإن ذكر فحسن.
ابن القاسم: وإنما يشترطه أهل العراق، وهو معنى قول المصنف: (وَلا يُشْتَرَطُ فَخِذٌ وَلا جَنْبٌ).
وقال عبد الوهاب: إن اختلفت الأغراض بموضعه من الشاة ذكره. قال: ولا يؤخذ من البطن إلا بعادة.
وقال ابن القاسم: لا يخالفه، لأن العادة كانت جارية عندهم بأخذها.
وفسر في المدونة قوله: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) بأن ذلك على قدر البطن من قدر الشاة.
خليل: والعادة الآن جارية بمصر أن البطن لا يخلط مع اللحم، ولذلك وإن كان البطن لحمًا وجزءًا من الشاة [٥٠٤/ب] فإن المتبادر إلى الذهن من اللحم عند إطلاق اللفظ ما عد البطن، فلا يلزم المسلم أن يأخذ من البطن إلا بشرط لفظي أو عادي، والمراد بالبطن ما احتوت عليه من كرش أو مصارين وغيره.
[ ٦ / ٤٩ ]
ويَذْكُرُ فِي الثِّيَابِ النَّوْعَ، والرِّقَّةَ والْغِلَظَ، والطُّولَ، والْعَرْضَ
النوع؛ أي: من قطن أو كتان والرقة وما بعده ظاهر.
والغلظ والطول والعرض، زاد المازري: والصفاقة والخفة؛ والبلد؛ لاختلاف الثمن باختلاف البلد.
وكأن المصنف استغنى عن ذكر هاتين الصفتين اكتفاءً بما قدمه حيث قال: معرفة الأوصاف التي تختلف بها القيمة، وليس عليه أن يذكر وزنه ولا جيدًا. قاله ابن القاسم في المدونة.
سند: وروي أن الجودة تدخل تحت غيرها من الأوصاف.
وَلَوِ اشْتَرَطَ فِي الْجَمِيعِ الْجَوْدَةَ وَالدَّنَاءَةَ جَازَ، وحُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْوَسَطُ
مراده والله أعلم بالجميع جميع أنواع المسلم فيه، ويحتمل ما تقدم له من الثياب والحيوان، وأما الطعام فقد ذكروا أنه إذا ذكر صنفه فلا بد أن يصفه بالجودة والدناءة والوسط؛ لأن الصنف الواحد يختلف بذلك. انتهى.
وقد تقدم من كلام المازري أنه يشترط في الحيوان ذكر الجودة والدناءة، وأما اللحم فلم ينصوا عليها فيه. قال في المدونة: وإن لم يذكر في الطعام الجودة والدناءة فالسلم فاسد.
التونسي: اجتزى في صفة الطعام أن يقول جيدًا ولم يجتزِ في صفة الحيوان بفاره ولا من الثياب بجيد، والفرق بينهما أن الطعام يعرف الجيد منه فلا يختلف الجيد منه اختلافًا متباينًا؛ فيكون له وسط الجيد والفاره من الحيوان، والجيد من الثياب يختلف اختلافًا متباينًا لا متقاربًا، ثم هل يكفي ذكر الجودة فيما هي فيه شرطه وهو المذهب، أو لا بد أن يقول غاية الجودة، وإلا بطل السلم، قاله ابن العطار؟ وزيفه الباجي بأن الغاية غير
[ ٦ / ٥٠ ]
محصورة، وبأنه لا يلزم ذلك في سائر الأوصاف كالطول والقصر والبياض والسواد، ثم إذا اشترطت الجودة، فقال ابن حبيب وابن المواز: يقضي بالغالب من الجيد، وإليه أشار بقوله: (حُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ) وإن لم يكن غالب فقال الباجي: يحمل على ما يقع عليه اسم الجيد.
سند: ورأى غيره أن العرف يقتضي في الإطلاق الوسط من الجيد كما في النكاح على غنم موصوفة. وعلى هذا الأخير اقتصر المصنف.
وَأَدَاؤُهُ بِجِنْسِهِ بَعْدَ أَجَلِهِ بِأَرْدَأَ أَو بِنَوعٍ آخَرَ يَجُوزُ، وَبِأَجْوَدَ يَجِبُ
أي: أداء المسلم فيه. ومراده بهذا الفصل الكلام على حكم اقتضاء المسلم فيه جوازًا أو منعًا.
ابن عبد السلام: والباء للمصاحبة في الثالث، والأول والثالث مجاز؛ لأن الشيء لا يفارق جنسه ولا نوعه، والباء الثانية حقيقة؛ لأن صفتي الجودة والدناءة يعتذران على الماهية. انتهى.
وقال بعضهم: الأولى بمعنى عن، و(أَدَاؤُهُ) خبر مبتدأ على حذف مضاف؛ أي: هذا باب أدائه كسائر التراجم.
وقوله: (بِجِنْسِهِ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إثباته بجنسه.
و(بِأَرْدَأَ): بدل من جنسه. ولا يقال: فيه إبدال مشتق من جامد؛ لأنا نقول هو غير ممتنع، وإنما هو قليل، وهذا هو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.
وتكلم المصنف على الأردأ والأجود ولم يتكلم على المساوي لوضوحه. واحترز بالجنس من غيره وسيأتي، ويبعد أجله من قبله كما سيأتي.
وقوله: (بِأَرْدَأَ) يريد: سواء كان من نوعه أو من نوع آخر كمحمولة عن سمراء؛ لأنه جنس اقتضاء.
ونبه بقوله: (يَجُوزُ) على أنه لا يجب القبول، وكلام المصنف عام بالنسبة إلى الطعام وغيره.
[ ٦ / ٥١ ]
ابن عبد السلام: وفي الطعام إشكال؛ لأن المخالفة في الصفة والنوع إن كان غير ما في الذمة وجب قبوله، وإن لم يكن هو الحق فلا يجوز قبوله وإن اتفقا عليه؛ لأن قبوله بيع ثان فيدخل تحت عموم النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
لا يقال: مقتضى إطلاق المصنف جواز اقتضاء الأردأ وإن كان أقل كيلًا، وقد منعه ابن القاسم في السلم الثالث كمن أخذ خمسين محمولة من مائة سمراء إذا كانت بمعنى الصلح والتبايع، وأما إن كان على الإبراء فجائز كمن أخذ خمسين عن خمسين وبقيت له خمسون ثم أبرأه منها بعد ذلك فيجوز.
لأنا نقول: إنما تكلم على الأردأ المساوي في الكيل، وقد نص سند على أنه لا يجوز أن يقتضي أدنى النوعين عن الآخر إذا خالف في القدر، وأنه لو نقص كف واحد لم يجز.
فرع:
منع مالك اقتضاء دقيق من قمح وبالعكس مراعاة لمن قال: إنهما جنسان، فيؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه.
قوله: (وَبِأَجْوَدَ يَجِبُ) هو معطوف على قوله (بِأَرْدَأَ) ومعناه إذا قضاه جنس ما في الذمة ونوعه لكنه أجود صفة فإنه يجب قبوله؛ لأنه حصل المقصود وزيادة، وتبع في وجوب القبول ابن شاس.
ابن عبد السلام: وهو قول غير واحد من المتأخرين.
خليل: والمذهب خلافه؛ لأن الجودة هبة لا يجب قبولها. وفي الصرف من المدونة: ومن اقترضته دراهم خلافه؛ لأن الجودة هبة لا يجب قبولها. وفي الصرف من المدونة: ومن أقرضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية أو قضاك دنانير عتقى عن هاشمية، أو قضاك سمراء عن محمولة أو شعير لم يجبر على أخذها، حل الأجل أو لم يحل.
[ ٦ / ٥٢ ]
ابن القاسم: وإن قبلها جاز في العين من بيع أو قرض قبل الأجل أو بعده، والمحمولة والعتق والسمراء أفضل.
وقَبْلَهُ بِصِفَتِهِ يَجُوزُ
أي: قضاؤه قبل الأجل من نوع ما في الذمة، وصفته جائز، وإن أبى من الأخذ لم يلزمه؛ لأن الأجل في السلم من حق كل من المتبايعين، وتحرز بصفته من الأجود منه أو الأردأ فلا يجوز؛ لأنه في أخذ الأجود: حُطَّ الضمانَ [٥٠٥/أ] وَأَزِيْدُكَ، وفي الأردأ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
فَإِنْ زَادَهُ قَبْلَ الأَجَلِ دَرَاهِمَ عَلَى ثَوْبٍ أَعْرَضَ أَو أَطْوَلَ جَازَ إِنْ عَجَّلَهَا، وَفِيهَا: لأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ كَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ ثُمَّ زِدْتَهُ لِيَزِيدَ طُولًا، وقَالَ سُحْنُونٌ: دَيْنٌ بِدَيْنٍ بِخِلافِ الإِجَارَةِ؛ لأَنَّهُ مُعَيَّنٌ
أي: وإن زاد المسلم للمسلم إليه في ثوب موصوف دراهم على أن يأخذ ثوبًا أطول من ثوبه. زاد في المدونة من الصفة أو من غير الصفة جاز بشرط تعجيلها؛ أي: الدراهم لا الثوب الطويل، هذا ظاهر قوله، وهو الذي قاله ابن عبد السلام.
واعترضت هذه المسألة بأن الثوب الأطول إما أن يكون معينًا أو في الذمة؛ فالمعين حاضر لا معنى لاشتراط تعجيل الدراهم؛ لأن الثوب الطويل حينئذ يكون بعضه مأخوذًا عن الثوب القصير الذي في الذمة وبعضه مبيع بالدراهم، ويصح بيع ذلك البعض بنقد وبنسيئة، وإن كان في الذمة لم يجز، وهو ظاهر ما فهمه سحنون؛ لأنه إذا اشترط تعجيل الثوب الأطول يلزم المسلم الحال، وإن لم يشترط فهو فسخ دين في دين، وقال بعض من تكلم هنا: إن ضمير (عَجَّلَهَا) عائد على الزيادة؛ أي: يجوز بشرط تعجيل الزيادة؛ لأنه إن تأخرت وكانت في صفقة فهو بيع وسلف تأخير بما عليه سلف وزيادة
[ ٦ / ٥٣ ]
بيع بالدراهم، وإن كان على غير صفقة فهو دين بدين، وأما ثمن الزيادة فيجوز تأخيرها، قال في كتاب الصرف من المدونة فيمن لك عليه لحم حيتان وأقضيته فوجدت فيه فضلًا عن وزنك فجائز شراؤك تلك الزيادة نقدًا أو إلى أجل إن كان الأجل قد حل.
خليل: وفي نظر، والظاهر ما قاله ابن عبد السلام، وما ذكره من مسألة الحيتان ليس فيها دليل؛ لأنه لما أتى بما عليه وفضلت فضلة واشتراها كان ذلك شراءً محضًا ليس من السلم في شيء، ثم لا يصح على هذا إلى أن يحمل قوله: (عَجَّلَهَا) أي: عند الأجل مع الأصل، وليس بظاهر؛ إذ المسألة مفروضة قبل الأجل، فإن ابن يونس وغيره إنما نقلوا قول سحنون قبل الأجل، وعلى هذا فليعتمد في كلام المصنف على فسخه قبل الأجل، وإن كان الواقع في أكثر النسخ: (بَعْدَ الأَجَلِ) وقد ذكر سند الإجماع على الجواز بعد الأجل إذا كان المزيد فيه على الصفة؛ يعني: بشرط أن يعجل الجميع.
قال في المدونة: وإن أسلمت في ثوب موصوف فزدته عند الأجل دراهم على أن يعطيك ثوبًا أطول منه في صفة من صنفه أو من غير صنفه جاز إذا تعجلت ذلك؛ أي: وإما إن لم يتعجل فلا يجوز؛ لأنه بيع للزيادة وسلف لتأخير الثوب الأول.
ابن يونس: فإن قيل: لِمَ منع التأخير بعده لعلة البيع والسلف وأجاز ذلك قبل الأجل، ولم يعجله ثوبًا مؤجلًا ودراهم نقدًا بثوب مؤجل أطول منه فيكون دينًا بدين كما قال سحنون؟ قيل: الفرق أنه قبل الأجل لم يملك المسلم تعجيل الثوب حتى يعد تأخيره به سلفًا، وأما بعده فقد ملك تعجيل الثوب فيكون تأخيره به سلفًا، والزيادة بيع، فيدخله البيع والسلف.
وقوله: (وَفِيهَا: لأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ) استدل به في المدونة على الجواز في جواب السائل لما قال له: لِمَ أجزته وقد صارت صفقة فيها دراهم نقدًا ودراهم إلى أجل بثوب إلى أجل؟ قال: ليس هي صفقة واحدة، ولكنها صفقتان وللتحقيق أنها صفقتان إنما يجوز ذلك
[ ٦ / ٥٤ ]
بشرط أن يبقى من الأجل مثل أجل اسلم؛ لأنها صفقة ثانية، وعلى هذا فيلزم تقديم الثمن. وقيد عبد الحق ما في المدونة فقال: يريد: أنه لو اشترط عليه في أصل العقد أنه يزيده بعد مدة كذا وكذا لم يجز، ولو قال: أسلمته إليك في كذا على أني إن زدتك في الثمن زدت في الطول لم يجز أيضًا؛ لأنها صفقة واحدة عقدت على غرر.
وقوله: (كَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ) استدلال من ابن القاسم لقول مالك في النسج، ونصه: قال لي مالك: لا بأس به في النسج إذا دفع الرجل الغزل إلى النساج على أن ينسج له ثوبًا ستة في ثلاثة، فزاده درهمًا وزاده غزلًا على أن يجعله سبعة في أربعة، فقال السائل: مسألتي بيع وهذه إجارة فكيف يكون مثله؟ قال: الإجارة عند مالك بيع من البيوع؛ أي: أن الإجارة والبيع كلاهما عقد معاوضة مالية، ويمتنع فيها الغرر ويقعان على مضمون ومعين، فما يمتنع في أحدهما يمتنع في الآخر.
قوله: (وَقَالَ سُحْنُونٌ: دَيْنٌ فِي دَيْنٍ) أي: لأن الزيادة في طول الثوب تغيير للصفقة الأولى كالزيادة في صفاقته وخفته.
قوله: (بِخِلافِ الإِجَارَةِ؛ لأَنَّهُ مُعَيَّنٌ) أي: أن سحنون فرق بين السلم والإجارة بأن في السلم نقله من مضمون إلى مضمون، وذلك فسخ دين في دين، والإجارة والمستأجر عليه معين؛ فهو في حكم البيع للمعين، ولهذا يجوز فيها تأخير العوض، ولولا أنها في حكم المعين ما جاز تأخير العوض فيها؛ لأنه يكون دين بدين.
قال في النكت: وفي قول سحنون نظر؛ لأن الإجارة أيضًا في ذمته، ألا ترى أنه لو مات لم تنفسخ الإجارة، ويستأجر من ماله من يتم العمل، فصار كل منهما دينًا عليه.
تنبيه:
إنما وقعت المسألة في المدونة في ثوب أطول والمصنف قال: (أَطْوَلَ أَوْ أَعْرَضَ) وفيه نظر.
[ ٦ / ٥٥ ]
ومقتضى كلام اللخمي أن الأعرض يتفق فيه على المنع؛ لأنه قال: إن زاده دراهم قبل الأجل ليأخذ إذا حل الأجل أصفق أو أرق أو أعرض لم يجز، وهو فسخ دين في دين، ويجوز ذلك إذا حل الأجل إذا كان يقبض العوض الثاني قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول، وهو على الصفة في الجودة جاز ذلك عند ابن القاسم، وقال سحنون: هو فسخ دين في دين. والأول أصوب، وهو مقتضى كلام ابن يونس.
وبِغَيْرِ جِنْسِهِ بَعْدَ أَجَلِهِ يِجُوزُ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيُخْرِجُ الطَّعَامَ
أي: وإن كان قضاء المسلم [٥٠٥/ب] فيه بجنس مخالف لجنسه، وذلك بعد أن حل أجل السلم فإنه يجوز بثلاثة شروط:
أحدها: (أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ) تحرز به مما إذا كان المسلم فيه طعامًا فلا يجوز أن يقتضي عنه من غير جنسه، كما لو اقتضى فولًا أو عدسًا عن قمح، وأجازوا إذا أسلم في سمراء أن يأخذ عنها محمولة وبالعكس، وكذلك القمح والشعير، وكان ينبغي أن يحتاطوا بالمنع؛ لأنه قيل: إنهما جنسان كما احتاطوا بالمنع في القمح والدقيق كذلك.
وَأَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضى مِمَّا يُسْلَمُ فِيهِ رَاسُ الْمَالِ فَيَخْرُجُ أَخْذُ الطَّعَامِ ورِاسُ الْمَالِ طَعَامٌ، والذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وعَكْسُهُ، والْعُرُوضُ بِصِنْفِهَا
هذا ثاني الشروط؛ وهو: أن يكون المقتضى؛ أي: المأخوذ عوضًا عما في الذمة مما يصح أن يسلم فيه رأس المال، وذكر أنه احترز بهذا الشرط من ثلاث مسائل، وتصورها واضح، ومنعت سدًا للذريعة.
ويستثنى من الأول إذا كان الطعام المأخوذ مساويًا لرأس المال فإنه يجوز ويعد إقالة، ومن الثانية ما إذا زاد أحد العوضين على الآخر زيادة كثيرة لِبُعْدِ التُّهْمَةِ حينئذ عن الصرف المستأخر، ومن الثالثة ما إذا كانت العروض المأخوذة مثل رأس المال.
[ ٦ / ٥٦ ]
وَأَنْ يِكُونَ الْمُقْتَضَى مَمَّا يُبَاعُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ، فَيَخْرُجُ أَخْذُ اللَّحْمِ عَنِ الْحَيَوَانِ، وعِكْسُهُ
هذا ثالث الشروط، وتصوره واضح.
وقَبْلَ أَجَلِهِ يُزَادُ: أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضَى مِمَّا يُبَاعُ بِالْمُسْلِمِ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ فَيَخْرُجُ صِنْفُ الْمُسْلِمِ فِيهِ الأَعْلَى والأَدْنَى
هذا قسيم قوله: (بَعْدَ أَجَلِهِ) يعني: وإن وداه بغير جنسه قبل أجله اعتبرت الشروط الثلاثة.
وزيد رابع؛ وهو: أن يكون المقتضى مما يصح سلمه فيما يثبت في الذمة إلى أجل، فلا يجوز أخذ أعلى أو أدنى؛ لأنه في الأعلى يلزم حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيْدُكَ، وفي الأدنى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، والظاهر أن مراده بالأعلى والأدنى في الصفة؛ لأنه غالب اصطلاح الفقهاء، ويكون سكت عن الأكثر والأقل في القدر؛ لأنه مساو له، وإن كان ابن عبد السلام قال: الأقرب أن المصنف أراد في القدر؛ لأنه مساوٍ له. وإن كان ابن عبد السلام قال: الأقرب أن المصنف أراد بالأعلى والأدنى في الصفة والمقدار.
وَفِي اشْتِرَاطِ زَمَانَيْ سَلَمٍ لِتَوَسُّطِ الْمُقْتَضَى قَوْلانِ
يعني: أنه اختلاف هل يضم إلى الشروط السابقة شرط آخر، وهو أن يكون قد مضى من يوم عقد السلم إلى زمان الاقتضاء أَجْلُ السلم، وأن يكون قد بقي فيما بين الاقتضاء وحلول الأجل الأول مقدار أجل السلم على قولين حكاهما ابن بشير، وذلك أنا لما اشترطنا صحة سلم رأس المال في هذا المقتضى واعتبرنا أيضًا أن يكون المقتضى مما يجوز سلمه في السلم فيه استلزم ذلك عقدتي سلم. وقيل: لا يشترط ذلك في الصورتين؛ لأن اشتراط الأجل في السلم ليس بالقوي؛ فلا يتحرز منه بخلاف ما تقدم من الشرط.
[ ٦ / ٥٧ ]
وبنى ابن بشير القولين على أن المأخوذ عما في الذمة سلف فلا يشترط الأجل أو بيع فيشترط.
وذكر بعضهم أن هذا الخلاف إنما يحسن إذا كان المقتضى مخالفًا في الجنس، وأما إن كان موافقًا فلا يشترط الأجل؛ لأنه في معنى القرض، والقرض يجوز حالًا ومؤجلًا؛ نعم يشترط فيه ما يشترط في القرض، وصورة ما ذكر أن يسلم دينارًا في قنطار حناء إلى شهر فقضى له فيه غير الجنس وهو قنطار من كتان مثلًا عند تمام خمسة عشر يومًا فهو رأس المال هنا، لأنه يقتضي من ذمته.
وصورته أيضًا أن يسلم دينارًا في ثوب ثم اقتضى فيه حمارًا، فإن لم يكن أجل السلم بين عقد السلم والاقتضاء كان سلمًا حالًا؛ لأن المعتبر أفعالهما كأنهما عقدا سلمًا على الحمار المقتضى، وذكر الثوب وشبهه لغو، ووجه اشتراط مدة السلم بعد الاقتضاء أنه إن لم يكن أدى ذلك إلى السلم الحال أيضًا، ثم إن المسلم إليه ثبت في ذمته ثوب يأخذ الحمار.
الزَّمَانُ: ولا يَلْزَمُ قَبُولُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَهُ بِالْكَثِيرِ، وبِالْيَوْمَيْنِ يَلْزَمُ
لما فرغ من شروط السلم وآدابه شرع في زمانه ومكانه، ولما كان الأجل في السلم من حقهما لم يكن للمسلم ولا المسلم إليه التعجيل إلا برضاهما، وهذا هو القياس، لكن استحسن جماعة من المتأخرين ما رواه أشهب عن مالك أنه إذا قدم المسلم إليه باليوم أو باليومين لزم المسلم قبوله، وعلى هذا اقتصر المصنف؛ لأن التأخير إنما كان من حق المسلم لاختلاف الأسواق، واليومان لا تختلف فيهما الأسواق غالبًا، ولهذا قيد بعضهم هذا بما إذا كانت قيمة السلعة الآن مساوية لقيمتها بعد يومين، وظاهر المدونة خلافه لقوله: وإن كان لك على رجل طعام فأتاك به لم تجبر على أخذه، وإن كان من قرض جبرت على أخذه. لكن ذكر ابن محرز عن الأشياخ أنهم فهموا الكتاب على ما رواه أشهب.
[ ٦ / ٥٨ ]
ابن راشد: ولو حل الأجل فكان رب السلم غائبًا، ورفع المسلم إليه إلى القاضي وقال: "لا أرضى ببقائه في ذمتي واقتضه للغائب أيها القاضي" فحكى التونسي أنه يلزم القاضي أخذه وإيقافه للغائب.
ومثله في المدونة في باب المفقود، وظاهر ما في العيوب خلافه.
والْمَكَانُ: مَا يُشْتَرَطُ وَإِلاَّ فَمَكَانُ الْعَقْدِ
تصوره واضح، وما ذكره من الصحة إذا لم يشترط المكان هو المشهور، وفي كتاب ابن حارث إذا لم يذكر موضع القضاء فسد السلم.
فَلَو عَيَّنَ الْفُسْطَاطَ جَازَ، فَلَو تَشَاحَّا فَسُوقُهَا
أي: إذا اشترط التسليم بالفسطاط جاز، وهو مأخوذ مما تقدم، وإنما مراده به التوصل إلى ما بعده من التشاح، فإذا تشاح في جهاته قضى بالتسليم في سوق تلك السلعة؛ لأنه أخص بقاع [٥٠٦/أ] البلد، وهذا هو المشهور. وقال سحنون في الموَّازيَّة: على المسلم إليه أن يوصله إلى دار المسلم.
التونسي: وهو المحكوم به اليوم؛ لأن الناس اعتادوا ذلك، هكذا أشار إليه اللخمي أن الاعتبار بالعادة.
فرعان:
الأول: إن لم يكن للسلعة سوق فالمشهور أنه يلزمه القبول حيثما قضاه. وقال سحنون: بدار المسلم. وقال ابن القاسم في سماع عيسى: بالموضع الذي قبض فيه رأس المال.
ابن بشير: وهذا ليس بخلاف، وإنما يرجع إلى العوائد.
[ ٦ / ٥٩ ]
الثاني: إذا اختلفا في الموضع الذي شرط القبض فيه فقال ابن القاسم: القول قول من ادعى موضع العقد وإلا القول قول المسلم إليه إن أتى بما يشبه، وإلا فقول المسلم إن أتى بما يشبه، وإن تباعدا تحالفا.
وقال سحنون: القول قول المسلم إن ادعى الآخر موضع العقد؛ لأنه صاحب الحق.
وقال أبو الفرج: إن لم يدع واحد منهما موضع العقد تحالفا وتفاسخا؛ لتساويهما.
فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِهِ وكَانَ فِي الْحَمْلِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَلْزَمْ، وَإِلاَّ فَقَوْلانِ
يحتمل: فإن ظفر من عليه الدين بالطالب وأراد المديان التعجيل فامتنع الطالب، ويحتمل عكسه؛ فعلى الأول فقال ابن بشير وغيره: المسألة على ثلاثة أقسام:
إن كان الدين عينًا وجب قبوله، قال في نوازله: إلا أن يتفق أن للطالب فائدة في التأخير كما لو حصل في الزمان خوف أو فيما بين البلدين.
وإن كان الدين عروضًا لها حملٌ أو طعامًا فلا يجبر على قبوله، وإن لم يكن لها حمل كالجواهر فقولان: المشهور أنهما كالعروض، وقيل: كالعين. قال: وهما خلاف في شهادة إن كان الأمن في الطريق فكالعين وإلا فلا. قال: وهذا إذا كان من بيع.
وأما القرض فيجبر على قبوله مطلقًا، وعلى الثاني فنص محمد وغيره أنه ليس للطالب جبر المطلوب مطلقًا.
اللخمي: ولأشهب عند محمد ما يؤخذ منه أنه إذا كان سعر البلدين سواء، وهو في البلد الذي لقيه فيه أرخص أنه يجبر المسلم إليه على القضاء في البلد الذي لقيه فيه، وحمل ابن عبد السلام المسألة على هذا الثاني، وقد يقال: هو الأقرب إلى لفظه، ولعل الأول هو المتعين؛ لأن ذكر مؤنة الحمل إنما يناسب إرادة المطلوب بالتعجيل، ولأنه كذلك منقول.
[ ٦ / ٦٠ ]
ويفهم من قوله: (لا يلزم) أنهما لو اتفقا على ذلك جاز في العروض سواء حل الأجل ألم يحل، وأما الطعام فيجوز إن حل الأجل، بل وإن لم يحل لم يجز، قاله في الموازية والواضحة، واعترض ذلك ابن الكاتب والتونسي وابن محرز، وقالوا: لا فرق بين حلول الأجل أو عدم حلوله لأن القضاء لا يلزمه هناك فأشبه عدم الحلول؛ لأن مسافه البلدين يفتقر فيها إلى كراء الحمولة، فكأنه وجب عليه كراء الحموله فعجل له الطعام بشرط أن يسقطها فيدخله ضع وتعجل.
ابن بشير: ونقل اللخمي عن الموازية المنع سواء حل ذلك الأجل ألم يحل.
والذى في الموازية التفرقة بين حلول الأجل وعدمه كما تقدم.
ولا يَجُوزُ أَخْذُهُ ودَفْعُ الْكِرَاءِ؛ لأَنَّهُمَا كَالأَجَلَيْنِ
أى: فإن لقيه في غير المكان الذى يتعين فيه القبض فتراضيا على أخذ المسلم ودفع كراء ما بين المسافتين لم يجز، قال في المدونة: لأن البلدين بمنزلة الآجال، ثم هذا المنع عام في الطعام وغيره، لكن تزيد العلل المقتضية للفساد في الطعام؛ إذ فيه بيعه قبل قبضه، والنسيئة لأنه أخره في الطعام الذى يجب له ليستوفيه من نفسه في بلد الشرط، والتفاضل بين الطعامين، ويدخل في الطعام وغيره سلف جر منفعة إذا كان ما أخذ المسلم من الكراء من جنس رأس المال. وبيع وسلف وحط الضمان وأزيدك إذا كان في موضع الاشتراط أرخص.
ومفهوم قوله هو مفهوم المدونة: أنه لو لم يأخذ كراء المسافة لجاز، ولا إشكال فيه في العروض، وأما الطعام فقد تقدم أنه قوله في الموازية والواضحة، وأن ابن الكاتب وغيره اعترضوا ذلك، وقال: ينبغي عدم جوازه.
[ ٦ / ٦١ ]
القرض
الْقَرْضُ: يَجُوزُ قَرْضُ مَا يَثْبُتُ سَلَمًا إِلا الْجَوَارِيَ، وَقُيِّدَ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَالنِّسَاءِ، وَالصَّغِيرِ يَقْتَرِضُ لَهُ وَلِيُّهُ، وَالصَّغِيرَةِ الَّتِى لا تُشْتَهَى
القرض في اللغه هو القطع، ومنه قوله: قرض الفار الثوب.
وحقيقة القرض معلومة للعامة فضلا عن الفقهاء، وكذلك كونه مندوبا، وصح أنه ﵇ اقترض.
وذكر أنه يجوز قرض كل ما يصح السلم فيه كالعروض والحيوان، ويفهم أن كل ما لا يصح سلمه لا يصح قرضه؛ فلا يجوز قرض الأرضين والأشجار وتراب المعادن والجواهر النفيسة، ثم استثنى من هذا القاعدة الجوارى، فإنه يجوز السلم فيهن، ولا يجوز قرضهن؛ لأن المستقرض لما كان متمكنا من رد المثل والعين صار في معنى إعارة الفرج وهو ممنوع، وأجاز ابن عبد الحكم في الحمديسية قرضهن؛ إذ شرط عليه ألا يرد عينها وإنما مثلها، ونقل بعضهم هذا القول فقال: وقال ابن عبد الحكم: يجوز قرض الجوارى، وعليه رد المثل، ولا يرد ما استقرض.
ابن عبد السلام: وهذا هو خلاف. وعلى الأول-وهو نقل الموثوق بهم-لا يبعد موافقته للمشهور، والظاهر أن الكلية التى ذكرها المصنف هنا مطردة منعكسة، فأعطى كلامه أن كل ما يصح أن يسلم فيه إلا الجوارىيصح أن يقرض، وكل ما يصح أن يقرض يصح أن يسلم فيه، غير أن هذا العكس لا يحتاج معه إلا استثناء شيء. ومن قال بعدم (٥٠٦/ب) عكس هذه الكلية زعم أن جلد الميتة المدبوغ يصح قرضه، ولا يصح أن يسلم فيه غير صحيح بكل اعتبا، والله أعلم.
واعترض بعضهم قول ابن عبد الحكم بأن الشرط لا ينفع؛ لأنها على مثل الدين صفة ومقدارا، ومن أتى بذلك جبر ربه على قبوله، لجواز استثناء هذه الصورة لئلا يؤدى إلى عارية الفروج.
[ ٦ / ٦٢ ]
وقوله: (وقيد) وقع في بعض النسخ بالدال فيكون تقيدا، وهو أحسن، وفي بعضها باللام فيكون خلافا لابن بشير، وأكثر الشيوخ أنه غير خلاف، وهو يشعر أن بعضهم عدةه خلافا.
وقوله: (والصغير يقترض له وليه) و(الصغير) مخفوض بالعطف على المحرم؛ أى: قرضهن لهؤلاء جاز.
فائدة:
تقرر ما ذكرناه أن كل شىء يجوز قرضه إلا أربعة أشياء:
- ما لا يمكن الوفاء بمثله كالدور والأرضين والجواهر النفيسة.
- وما لا تحصره الصفة كتراب المعادن وتراب الصواغين.
- والجوارى إلا على ما ذكره.
- والجزاف إلا ما قل كرغيف برغيف ونحوه.
فَإِنْ أَقْرَضَهَا ولَمْ يَطَا رُدَّتْ
أى: فإن أقرض جارية على الوجه المنهي عنه فسخ هذا القرض وردت إلى دافعها، وليست غيبته عليها بمفتية للرد وليست كغيبتة الغاصب عند من جعل غيبتة الغاصب تفيت كالوطء؛ لأنه متعد، ولا كغيبتة من أحلت له إنما غاب عليها الوطء.
وإِنْ وَطِىءَ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وقِيلَ: المِثْلُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى الْفَاسِدَ يُرَدُّ إِلَى صَحِيحِ أَصْلِهِ أَو صَحِيحِهِ
يعنى: وإن وطىء المقترض الجارية؛ يريد: أو فاتت بما تفوت به في البيع الفاسد-هكذا هو المنصوص- وجبت القيمة على المنصوص كالبيع الفاسد إذا فات المبيع وهو
[ ٦ / ٦٣ ]
مقوم؛ بناء على أن القرض الفاسد يرد إلى أصله وهو البيع، وقيل: المثل ردا له إلى صحيحه وهو القرض.
ابن يونس: وأظنه قول الأبهري، ولهذا نظائر كالمساقاة الفاسدة والقرائض ونحوهما، والصواب لو قال: إلى صحيح نفسه؛ لأن الواجب في صحيح أصله الثمن لا القيمة، وهذا الذى ذكره المصنف عام في كل قرض فاسد، سواء كان فساده من الجهتين أو من جهه المقترض بذلك.
وأراد ابن محرز على أبى بكر بن عبد الرحمن فقال: كيف يلزم المقترض القيمة وهو لم يدخل عليها، وإنما دخل على المثل فقال: هذا بمثل ما قاله فيمن تزوج امرأة فأدخلوا عليه مكانها أمة لهم فقد عدها مالك كالمحللة وألزم الزوج القيمة، وإن كان لم يدخل عليها، وأشار ابن محرز إلى أن الحكم في مسألتي القرض والأمة ليس بصحيح، قال: ولا يصرف عيب المسألة وجود أخرى في مثلها بذلك العيب، والصواب عندى ألا يؤخذ المقترض إلا بما دخل عليه فيغرم المثل ثم يباع للمقترض ويعطاه إن كان مساويا للقيمة أو ناقصا عنها وليس له سواه، وإن زاد وقف الزائد رجاء أن يرجع المقرض عن دعواه في فساد القرض، فإن طال توقفه تصدق به على من هوله، وماله المازرى إلى ما اختاره ابن محرز، قال: لولا ما ينظر فيه من يتولى البيع، وعلى من تكون العهدة، وهذا يفتقر إلى نظر آخر.
وشَرْطُهُ أَلا يَجُرَّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ
أى: سواء تمحضت المنفعة للمقرض أو اشتركت فيها مع المقترض؛ أعنى: أن تكون المنفعة لهما على السواء أو منفعة المقرض أكثر، وأما إن كانت منفعة المقترض أكثر فسيتكلم عليها المصنف، ولا أعلم فيما ذكره المصنف خلافًا.
[ ٦ / ٦٤ ]
والسَّفَاتِجُ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ
يقال: السفاتج والسفتجات على جمع السلامة، وواحدة سفتجة، والسفتجة بفتح السين المهملة وسكون الفاء وفتح التاء المثناة من فوق وبالجيم، وهى كتاب صاحب المال لوكيله في بلد آخر ليدفع إلى حامله بدل ما قبضه منه، والمشهور مذهب المدونة؛ لأن شرط القرض ألا يجر منفعة، وقد انتفع هذا بأمر غرر الطريق. وقيده عبد الوهاب واللخمي بما إذا لم يكن قطع الطريق غالبا، فإن غلب استحب؛ صيانة للأموال، واستدلا بقول مالك في الكراء المضمون بتأخر النقد فيه؛ لكون الأكرياء قد اقتطعوا أموال الناس، ويدفع ثلثي الكراء، ثم أجازه إذا قدم اليسير كالدينار ونحوه، وهذا هو الدين بالدين، وقد أجازه مالك؛ لئلا تهلك أموال الناس، والشاذ لمحمد بن عبد الحكم بالجواز، ونقل ابن الجلاب عن مالك الكراهة، قال: وأجازه غيره من أصحابنا، فإن لم تتأول الكراهة على المنع كان ثالثا، وكذلك إن لم يجعل كلام القاضي تقييدا لقول مالك كان رابعا.
وفِي سَلَمِ السَّائِسِ بِالسَّالِمِ فِي زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ، والدَّقِيقِ والْكَعْكِ لِلْحَاجِّ بِدَقِيقٍ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ قَوْلانِ، وفيها: يُسَلِّفُ ولا يَشْتَرِطُ
السائس هو المُسوَّس، وتصور كلامه ظاهر، والمشهور المنع في المسألتين، والشاذ لسحنون، وقيد اللخمي المشهور بما إذا لم يقم دليل على إرادة نفع المستسلف فقط، وأما إن قام ذلك فيجوز، ونص ابن حبيب على عدم الجواز وإن كان النفع للمستسلف وحده، ونقل أبو محمد صالح عن أبي موسى المومناني أن قول اللخمي تفسير للمذهب، وأن قول ابن حبيب خلاف، ويدل على أن قول اللخمي (٥٠٧/أ) تفسير قوله
في المدونة:" ومن له إلى جانبك زرع فاستقرضته منه على أن تقتضيه من زرع لك ببلد لم يجز، وإن أقرضك فدانا من زرع تحصده وتدرسه لحاجتك وترد عليه مثل كيل ما فيه؛ فإن فعل
[ ٦ / ٦٥ ]
ذلك رفقا ونفعا لك دونه جاز إن كان ليس فيما كفيته منه كبير مؤنة في كثرة زرعه، ولو اعتزى بذلك نفع نفسه بكفايتك إياه لم يجز".
وخص الحاج بالذكر لأنه يقصد إليها غالبا، وإلا فكل من كان مثله فكذلك.
وهَدِيَّتُهُ لا تَجُوزُ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا قَبْلُ، أَوْ حَدَثَ مُوجِبٌ، فَإِنْ وَقَعَتْ رُدَّتْ، فَإِنْ فَاتَتْ فَكَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ
أى: وهدية المديان لا تجوز؛ لأنها تؤول إلى السلف بزيادة.
ابن بطال فب شرح البخاري: وكذلك هدية ذي الجاه، وقاله الغزالي.
وألحق المتأخرون بهدية المديان هدية رب المال لعامه في الأقراض؛ لأنه يقصد بذلك أن يستديم العامل العمل فيصير سلفا جر منفعة، وأما هدية العامل لرب المال فإن لم يشغل المال منع بالاتفاق، وإن أشغله فللمتأخرين قولان؛ بناء على اعتبار الحال والمآل، واختار ابن يونس المنع مطلقا.
قوله: (ما لم يكن مثلها قبل) فتجوز بمثل تلك الهدية، وأما لو زادت لم يجز. وحدوث الموجب كالمصاهرة ونحوها، وفي العتبية عن مالك في مبتاع الزيت بثمن إلى أجل ويبقى له من وزن الزيت رطلان يتركهما للبائع؟ فأجازه في اليسير وقال: لا يعجبنى في الكثير، وقال في البيان: كرهه مالك في الكثير؛ خوفا من هدية المبتاع.
وقوله: (فإن وقعت ردت، فإن فاتت فكالبيع الفاسد) فيرد المثل في المثلي، والقيمة في المقوم.
وفِي مُبَايَعَتِهِ بِالْمُسَامَحَةِ الْجَوَازُ والْكَرَاهَةُ
يعني: أنه اختلف في مبايعة المديان لرب الدين وبمسامحة من المديان له، ومفهوم كلامه الجواز إذا لم تكن مسامحة، ومقتضى ما حكاه المازري وابن بشير وغيرهما العكس،
[ ٦ / ٦٦ ]
وهو الظاهر إن كانت مسامحة منع وفافا، وإلا فقولان، وقيد اللخميالخلاف بما قبل الأجل، وأما بعده فلم يحك إلاالكراهه وصرح المازري بعدم الجواز بعد الأجل فقال: وكذلك إن كانت المبايعة بعد حلول الدين فلا يجوز ذلك، وهو آكد في التهمة؛ لأن الدين قد وجب على من عليه قضاؤه.
ويَمْلِكُ الْقَرْضَ، ولا يَلْزَمُ رَدُّهُ إِلا بَعْدَ مُدَّةِ الشَّرْطِ أَوِ الْعَادَةِ، ولَهُ رَدُّ الْمِثْلِ أَوِ الْعَيْنِ مِا لِمْ يَتَغَيَّرْ
أى: يملك المقترض الشىء المقرض، ولا يلزم رده إلا بعد المدة المشروطة بلا خلاف، وإن لم يشترطا مدة رجعا إلى التحديد بالعادة، وليس له رجوع قبلها. قال الخضراوي في وثائقه: إلا أن يعسر، وأجراه على عارية الجدار المبهمة. ويأتى على قول مطرف وابن الماجشون في الجدار أنه ليس له أن يرجع وإن احتاج، وما ذكره المصنف من الرجوع إلى العادة عند الإطلاق.
ابن محرز وغيره: هو ظاهر المذهب.
وحكى جماعه فبه إذا اتفقا على أن العقد وقع على الإطلاق ثم طلب رد القرض أخذه ثلاث أقوال:
قال أبو عمران: ذلك جائز ويقضى بالحلول.
وقال ابن أبى زيد: يقضى بالأجل.
وقال ابن القاسم: لا يجوز وإن لم يتفقا على أن العقد وقع على الإطلاق؛ وقال المقلض على الحلول، وخالفه المقترض فقال الشيخان: القول قول المقترض. وقال ابن أخى هشام: القول قول المقرض. وفي المدونة القول قول المقترض. فرأى الشيخان أن الراء مكسورة، ورأى ابن أخى هشام أنها مفتوحة.
[ ٦ / ٦٧ ]
المقاصة
وقوله: (أو العين) أى: وله رد العين المقترض ما لم يتغير بنقص أو زيادة إلا أن يتراضيا؛ لأن حينئذ في النقص حسن اقتضاء، وقال في الزيادة حسن قضاء.
الْمُقَاصَّةُ إِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ عَيْنًا مِنْ بَيْعٍ وتَسَاوَيَا صِفَةً وحُلُولًا ومِقْدَارًَا جَازَ اتِّفَاقًا
المقاصة عند الفقهاء مستثناة من بيع الدين بالدين، وقسم المصنف الدينين فجعلهما مرة من بيع ومرة من قرض ومرة من بيع وقرض، وذكر أنهما إذا كان من بيع؛ يعني: وهما من العين وتساويا صفة وحلولا ومقدارا جاز باتفاق، وسيأتى ما احترز منه بالقيود المذكورة.
والجواز هنا بمعنى الإذن، وإلا فقد اختلف هل يجب أن يعمل على قول من دعامنهما إليها وهو المشهور، أو القول قول من دعا منهما إليها وهو المشهور، أو القول قول من دعا منهما إلى عدمها، رواه ابن زياد عن مالك؟ وأخذ من المدونة في الصرف والسلم الثاني والنكاح الثاني القولان. ووأشار بعض المتأخرين إلى دخول الخلاف في المقاصة هنا من الخلاف في صرف الزمة. وفيه بعد؛ لأن ذلك الخلاف إنما هو اختلاف الدينين في أمر ما، وذلك يوجب اختلاف الأغراض التي يقصد معها المبايعة، بخلاف هذه المسألة.
فَإِنِ اخْتَلَفَ الْوَزْنُ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا
فإن اختلف الدينان في القيد الآخر خاصة من القيود المذكورة امتنعت المقاصة باتفاق؛ لأنها مبادلة وأحد العينين أكثر؛ فهو تفاضل، واعترض كلام المصنف بأن ابن حبيب قال: إذا كان أحد الذهبين وازنة والأخرى ناقصة لم تجز المقاصة حتى تحل الوازنة، فمقتضاه جواز المقاصة إذا حلا.
وقال ابن بشير: إذا اختلفنا في المقدار والصفة فلا تجوز المقاصة إلا أن يحل الأجلان.
قال: وهذا إذا كانا من بيع.
[ ٦ / ٦٨ ]
وقال ابن المواز في الإختلاف في العدد: إذا كانا من بيع وكان أولهما حلولا أكثرهما أن ذلك جائز، قال: وكذلك إذا كان أحدهما من قرض، وهو أكثر وأول حلولا. واستظهرنا عليه بالزيادة في العدد لإطلاقهم الجواز مع الحلول، (٥٠٧/ ب) ولم يقيدوا باتفاق الوزن لعدم الفارق بين الزيادة في الوزن والعدد.
وإِنْ لَمْ يَحِلاَّ أَو حَلَّ أَحَدُهُمَا جَازَ عَنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لأَنَّ لَهُ التَّعْجِيلَ لِتَسَاوِيهِمَا، ولا ضَمَانَ فِي الْعَيْنِ، ورَوَى أَشْهَبُ الْمَنْعَ إِذَا اخْتَلَفَ الأَجَلُ، وَوَقَفَ إِذَا اتَّفَقَ
أى: وإن لم يحل الدينان، اتفق أجلهما أو اختلف أو حل أحدهما فقط، فمذهب ابن القاسم جواز المقاصة؛ لأن لمن عليه الدين تعجيله؛ لأنه عين، ولا ضمان فيه فيكون في حكم الحال.
قوله: (لتساويهما) أى: في غير الأجل، ومع التساوي تبعد التهمة في البدل المستأخر، فكأنه قيل: ولم جاز؟ فقال لتساوي الدينين في القدر والصفة المؤجلين في حكم الحالين، فيحصل التساوي في الثلاثة، فتعود إلى ما قبلها فلا يتهمان على سلف بزيادة، ولا حط الضمان، ولا ضع وتعجل، فينتفي قصد المعاوضة، ويتضح قصد المبادرة والمتاركة. وروى أشهب عن مالك منع المقاصة إذا اختلف الأجل، والوقف إذا اتفق، فمنع مع الاختاف؛ لأن المكايسة تختلف فيه باختلاف الأجل، ووقف إذا اتفق؛ للتردد في قصد المعاوضة فيمتنع؛ لأته دين بدين، أو قصد المتاركة لتساوي الأجل فيجوز.
وفي قوله: (ووقف) إيهام أن الواقف أشهب، فالأولى أن يقول: "بالوقف" ليكون معطوفا على المنع. ولابن نافع ثالث بالجواز إذا حلا أو حل أحدهما، وبالمنع إذا لم يحلا كان الأجل متفقا أو مختلفا، وحكى ابن بشير رواية أشهب ما يقرب نت العكس، وإن لم ينسبها لأشهب فقال: أجاز إذا حل الأجلان، ووقف إن لم يحلا.
[ ٦ / ٦٩ ]
ابن عبد السلام: والاقرب أنه وهم.
وجعل ابن عبد السلام ما إذا تساوى أجلاهما يرجع إلى القسم الأول الذى حكى فيه المصنف الاتفاق، وجعل وقف أشهب مانعا للاتفاق لما تبين في الاجماع السكوتي سواء عددنا وقف الحيرة قولا أو لا، وإن كان الأصح ألا يعد قولا، لكن تقابل الاتفاق، والاختلاف تقابل الضدين، وعلى ما قررنا لا يأتي هذا.
وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصِّفَةُ، والنَّوْعُ وَاحِدٌ أَو مُخْتَلِفٌ، فَإِنْ حَلاَّ جَازَ عَلَى صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وإِنْ لِمْ يَحِلاَّ مُنِعَ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأَنَّهُ صَرْفٌ أَو بَدَلٌ مُسْتَاخِرٌ، وقَالَ اللَّخْمِيُّ: إِنْ كَانَ الأَجْوَدُ حَالًاّ أَو أَقْرَبَ حُلُولًا جَازَ
يعني: اذا اختلف صفة العينين مع اتحادهما في النوع كمحمدية ويزيدية أو كان النوع مختلفا؛ فإن كان على أحدهما ذهب والآخر فضة فإن حل الأجلان جازت المقاصة؛ لأنها مبادلة في الوجة الأول وصرف ما في الذمة في الثاني، وعلى الشاذ أنه يمتنع صرف ما في الذمة يمتنع هنا، وقد نص ابن وهب وابن لبابة على منع المقاصة بين الذهب والفضة، واقتصر المصنف بتوجيه الصرف عن توجيه جواز البدل، لأنه في معناه.
وان لم يحل الدينان إما بأن لم يحلا معا أو حل أحدهما فالمشهور المنع؛ لأنه في المختلف النوع صرف مستأخر، وفي المتفق بدل مستأخر، وهذا معنى قوله: (لأنه صرف أو بدل مستأخر) ف (أو) في قوله: (أو بدل) للتفصيل.
قوله: (وقال اللخمي٠٠٠إلخ) جعله اللخمي من باب المراطلة، فإن تقدم الأجود فقد أحسن إليه من وجهين بأن يأخذ اليزيدية المؤخرة فيالمحمدية المعجلة فلا يتهم، بخلاف العكس؛ لأنه كأنه يقول: ضع عني زيادة المحمدية لأعجل لك اليزيدية.
[ ٦ / ٧٠ ]
وانظر هل قول اللخمي ثالث أو هو مقابل المشهور؟ وهو الأظهر؛ لأن لنا قولا بجواز صرف ما في الذمة إن لم يحلا.
وكام اللخمي ظاهر في المعنى، وينبغى أن يقيد المشهور بما إذا لم يضح بعد التهمة، وأما إذا كان أحدهما أكثر من الآخر كثرة بينة فينبغي أن يجوز لبعدهما حينئذ عن التهمة على الصرف المؤخر على ما تقدم في بياعات الآجال.
والْقَرْضُ كَذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ
أى: وإن كان الدينان مع كونهما من العين من قرض- وفي معناه أن يكون أحدهما من قرض- فكالدينين، أما إذا كانا من بيع فإن تساويا صفة وحلولا ومقدارا جاز، وإن لم يحلا وهما متساويان في الصفة والمقدار جاز عند ابن القاسم، وأما ان اختلفا في الصفة وفي المقدار فقد أشار إلى حكم ذلك بالاستثناء في قوله: (إلا أنه تجوز الزيادة على تفصيل تقدم) في قوله: (والقضاء بالأصل صفة٠٠٠إلخ).
فَإِنْ كَانَا طَعَامًَا مِنْ قَرْضٍ فَكَذَلِكَ
أى: وإن كان الدينان طعاما من قرض فكالدينين إذا كانا عينا من قرض فيجوز في الطعامين ما يجوز في العينين، ويمتنع في الطعامين ما يمتنع في العينين، ولا فرق في الطعامين هنا بين أن يتساوى أجلاهما أم لا؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولهذا قال المازري: خرج بعضهم هنا الثلاثة الأقوال المتقدمة في العينين المتساويين صفة حلولا؛ أعني: المتقدمة في قوله: (فإن لم يحلا أو حل أحدهما) لأن الذهب يجوز بيعه قبل قبضه وطعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه. انتهى.
وحكى بعضهم الثلاثة الأقوال نصا صريحا، وهذه الأقوال إنما هي إذا اتفقت الصفة والمقدار، وأما إن اختلفت الصفة كمحمولة وسمراء فلا يجوز إلا أن يحلا؛ لأنه حينئذ
[ ٦ / ٧١ ]
بدل، وأما إن لم يحلا أو لم يحل أحدهما لم يجز، قاله في المدونة. قال: لأنه لا يجوز قضاء سمراء من بيضاء، ولا بيضاء من سمراء قبل الأجل من بيع أو قرض. قال فيها: ولابن القاسم قول آخر في أخذ السمراء عن المحمولة قبل الأجل إذا كان ذلك من قرض.
سحنون: وهو أحسن.
وإِنْ كَانَا مِنْ بَيْعٍ فَإِنِ اخْتَلفَا أَو رُؤُوسُ الأَمْوَالِ أَو الأَجَلُ امْتَنَعَ، فَإِنِ اتَّفَقَ الأَجَلُ مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَ أَشْهَبُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً أَو قَبْلَ قَبْضَهَ، أَو عَلَى أَنَّهُ كَالإِقَالَةِ
أى: وإن كان الطعامان (٥٠٨/أ) من بيع فإن اختلفا في الجنس والصفة والكيل والأجل امتنع التقاص.
و(أو رؤوس الأموال) معطوف على الضمير في اختلف، وفيه العطف على الضمير المرفوع بالفصل، ولا يجوز عند البصريين إلا في الضرورة، ومنع ٠لأنه بيع الطعام قبل قبضه فتحقق القصد إلى البيع بسبب الاختلاف.
وما ذكره المصنف من أنه إذا اختلف الأجل يمتنع التقاص هو جار على المشهور أن المعجل لما في الذمة يعد مسلفا. قال في الجواهر: وأما على ما قاله القاضي أبو اسحاق في اسقاط التأجيل فيجوز. فإن اتفق الأجلان بخلاف رؤوس الأموال والطعامان فقولان:
أولهما لابن القاسم: المنع من المقاصة؛ لأنه طعام بطعام نسيئة، ولأنه بيع الطعام قبل قبضة. زاد المازري: ولأنه دين بدين.
ثانيهما لأشهب: الجواز؛ لأنه كالإقالة، وهي جائزة. وشبة بالإقالة ولم يقل إقالة لأنهما لم يصرحا بها، وقد اتضح لك أن قوله: (بناء على أن طعام بطعام نسيئة أو قبل قبضة) تعليل لقول ابن القاسم وأن (أو) للتفضيل، وأن قوله: (كالإقاله) تعليل لقول أشهب.
[ ٦ / ٧٢ ]
وفي كلامه نظر؛ لأن الواقع فيما رأيته من النسخ: (فإن اتفق الأجل منع ابن القاسم) وليس بظاهر، وصوابه (الكل) كما ذكر ابن شاس إلا أن يقال: لعله اكتفى بالتعليل بالإقالة، فإنه يشعر بالتساوي في ذلك؛ لأنه شرط.
فَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ وَبَيْعٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنْ حَلاَّ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَحِلاَّ أَو حَلَّ أَحَدُهُمَا مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَ أَشْهَبُ، وَثَالِثُهَا: إِنْ حَلَّ السَّلَمُ جَازَ
يعني: فإن كان أحد الطعامين سلما والآخر قرضا غير مختلفين في النوع والصفة والأجل فإنحلا جازت المقاصة وكان الذى له السلم اقتضى من نفسه طعام القرض الذى عليه ولا تهمة؛ لإتفاق الطعامين.
قوله: (وإن لم يحلا) أى: وإن لم يحل الطعامان، والمسألة بحالها: أولم يحل أحدهما وحل الآخر فثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه واضح. والثالث نقله المازري عن أشهب أيضا الجواز إذا حلا جميعا أوحل أحدهما، ونقل المازري عن ابن حبيب أنه أجاز المقاصة إذا اتفق الأجلان. وإن لم يحلا فرأى ابن القايم أن مع اختلاف الأجل تختلف الأغراض؛ فيصح تقديم الطعام قبل قبضة، وغلب في الثاني حكم المعروف كما لو حلا معا، وهو الذى راعى في الثالث إلا أنه أحسن؛ لإشتراطه حلول السلم وحده؛ لأن الغرض وإن لم يحل فالأجل من حق من عليه الطعام فله التعجيل فيصير الكل في معني الحال، وغلب ابن حبيب المعروف فأجاز ذلك وإن لم يحلا إذا اتفقت الآجال؛ لتفاوت الأغراض في ذلك مع تساوي الآجال.
وإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ عَرْضًا فَمَا حَلَّ أَو كَانَ أَقْرَبَ حُلُولًا فَمَقْبُوضٌ عَنِ الآخَرِ، فَإِنْ أَوْقَعَ فِي:"ضَعْ وَتَعَجَّلْ، أَو حُطَّ الضَّمَانَ وَأزِيدُك" امْتَنَعَ وإِلا جَازَ
قال المازري: إن اتفق العرضان في الجنس والصفة فالمقاصة بينهما جائزة مطلقا من غير التفات إلى تماثل الأجلين واختلافهما أو تساوي الأسباب واختلافها، وإن اختلف
[ ٦ / ٧٣ ]
جنسهما ككساء ورداء؛ فإن اتفق الأجل جازت المقاصة لأن اتفاق الأجل يرفع القصد إلى المكايسة كما رفعها تساوي العرضين في الصفات، وإن لم يتفق الأجل منعت المقاصة إلا بشرط أن يحلا معا، واختلف إذا حل أحدهما؛ ففي المدونة الجواز لانتفاء قصد المكايسة بحلول أحدهما. وفي الموازية: لا يجوز لاختلاف الآجال.
ابن محرز: وهو الأصح عندي، وان اتحد جنس العرضين ولم يحلا معا- سواء اختلفت الصفة أو اتفقت- فإن اتفق الأجل جاز التقاص، وهذا القسم الآخير هو الذي تعرض المصنف لبيانه وأعطى فيه ضابطا؛ وهو: أن ما حل أو كان أقرب حلولا فهو مقبوض عما لم يحل أو عما هو أبعد حلولا، فإن أدى اقتضاءه عنه إلى:" ضع وتعجل، أو حط الضمان وأزيدك" امتنع، وإن لم يؤد إلى واحد منهما جاز، فإن كانا من بيع أو كان الحال أو الأقرب حلولا أكثر أو أجود امتنع؛ لأنه حط الضمان وأزيدك. وإن كان أدنى أو أقل امتنع؛ لأنه ضع وتعجل، وهذا إذا كان من بيع. فإن كانا من قرض والحال أو الأقرب أدنى أو أقل امتنع؛ لأنه ضع وتعجل، وإن كان أجود جاز؛ إذ لا ضمان في القرض. وإن كان أكثر عددا امتنع؛ لأنه زيادة في القرض، وهو مكروه فيالمجلس، قاله في النكت، ويدخل فيه الخلاف المتقدم فيمن رد في القرض أكثر عددا، وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع فأجره على القسمين السابقين؛ أجازه من أجاز المقاصة في القرض برؤوس تلك العروض وكذلك غيره، ويسلك بعض الشيوخ طريقة أخرى فلا يجوز، وإنما قلنا أن كلام المصنف خاص بالجنس الواحد؛ لأن: " حط الضمان وأزيدك، وضع وتعجل" خاص، وظاهر كلام المصنف أنه لا يعتبر فيهما، وإن اتفق أجلاهما فذلك جائز سواء كان من بيع أو قرض أو من بيع وقرض أو كان رأس المال دنانير والآخر دراهم، وتراخى ما بين المداينين التقاص لئلا يخله صرف مستأخر.
[ ٦ / ٧٤ ]
المازري: واستدل هنا بها في السلم من المدونة فيمن أسلم دنانير في عروض، وأخذ رهنا بالسلم فضاع الرهن مما يصلح بيعه برأس المال إلى أجل. انتهى بمعناه.
ولَيْسَ فِي الْقَرْضِ حُطَّ الضَّمَانَ وأَزِيدُكَ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ قَبُولُهُ بِخِلافِ السَّلَمِ، وضَعْ وَتَعَجَّلْ يُدْخِلُ الْبَابَيْنِ
المراد بالبابين القرض والسلم، وكلامه ظاهر مما تقدم.
* * *
[ ٦ / ٧٥ ]
الرَّهْنُ: إِعْطَاءُ أَمْرٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ
الرهن لغه (٥٠٨/ب) هو: اللزوم والحبس، وكل شىء ملزوم فهو رهن، يقال: هذا رهن لك، أى محبوس دائم لك، قال تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) (المدثر: ٣٨) أى محبوسة، والراهن دافع الرهن، والمرتهن بكسر الهاء آخذه، ويقال للرهن: مرتهن بفتح الهاء، وقد يطلق على آخذه؛ لأنه وضع عنده الرهن، وعلى الراهن؛ لأنه يسأل الرهن.
الجوهري، والنووي: يقال رهنت الشىء وأرهنته.
وقال عياض: لا يقال أرهنه. وجمع الرهن: رهان ورهون ورهن.
الأخفش: ورهن قبيحة؛ لأنه لا يجمع فعل على فعل إلا قليلا شاذا. قال: وذكر أنهم يقولون: سقف وسقف. وقد يكون الرهن جمع الرهان؛ أى: فيكون جمع الجمع.
وحده المصنف اصطلاحا بقوله: (إعطاء٠٠٠إلخ). (إعطاء) أمر كالجنس.
ابن عبد السلام: وأتى بلفظ (أمر) ليشمل الذوات والمنافع، فإنه يصح رهنا.
قال ابن راشد: (إعطاء) مصدر، وهو يضاف للفاعل والمفعول، فإن أضفته هنا إلى الفاعل فامرؤ مهموز، والمعنى: إعطاء رجل وثيقه بحق. والأول أصح؛ لأن إضافة المصدر إلى الفاعل أكثر.
ونبه بقوله: (إعطاء) على الإقباض؛ لأن الرهن لا يتم بمجرد القبض حتى يكون المالك هو الذى أقبضه إياهوأذن له في قبضه، فلو تولى المرتهن قبضه دون اقباض مالكه وإذنه لم يكن رهنا، بخلاف الهبة والصدقة؛ لأنه تعالى وصف"الرهان" بكونها "مقبوضة" ولفظ:"مقبوضة" يقتضي قابضا ومقبوضا منه؛ فلابد من المقبوض منه، وإلا
[ ٦ / ٧٦ ]
لم يصح وصفه بكونه مقبوضا، ولما لم يقل ذلك في الهبة والصدقة صح قبض الموهوب له والمتصدق والمتصدق عليه دون إقباض من الواهب أو المتصدق. انتهى.
ويمكن أن يدعى أنه من إضافة المصدر إلى المفعول، ولو قرئ امرئ بالهمز، وكلام ابن عبد السلام يأتى على أنه إضافة للمفعول، ويرجع أيضا كونه مضافا للفاعل أنه لو أضافه للمفعول لقال: إعطاء شئ؛ لأن ذلك أقرب للفهم، ولأن الأمر حقيقة في القول المخصوص على المختار عند أئمة الأصول.
وقوله: (وثيقة بحق) يخرج ما يعطى لا على سبيل التوثق، بل على سبيل الملك كالبيع، أو الإنتفاع كالمستأجر والعار.
قيل: وهو غير مانع لدخول الحميل فيه لا سيما- على المشهور- أنه لا يطالب إلا بعد تعذر الأخذ من المضمون، ولدخول اليمين فيما إذا أحلف رب الدين على الوفاء، ولدخول وثيقة الدين، فإن ما ثبت من الدين معطى لرب الدين على وجه التوثق.
وأجيب: بأن لفظة (إعطاء) تقتضى حقيقتها دفع الشئ للمرتهن، ولا يصدق ذلك على اليمين والحميل حقيقة، والوثيقة المكتوبة وإن صح دفعها لرب الدين؛ لأن قوله) وثيقة بحق) يقتضي رد ذلك الشئ إلى يد دافعه، والوثيقة المكتوبة لا يلزم ردها بعد استيفاء الحق.
واعترض أيضا أن الرهن مصدر، والأغلب في استعمال الفقهاء إطلاقه على المرهون، فينبغي أن يقول عوض قوله: (إعطاء) (معطى).
ومذهبنا ومذهب الجمهور صحة الرهن حضرا وسفرا خلافا لمجاهد أنه لا يصح إلا في السفر.
[ ٦ / ٧٧ ]
وَأَمْرُ الصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ
يعني: فيكفي في التوثق كل فعل أو قول دل عليه، فتكفي المعاطاة، هكذا قرر ابن راشد وابن عبد السلام هذا المحل، وهو ظاهر لفظه، والذى نسبه ابن رشد لابن القاسم أن الرهن يفتقر إلى التصريح بلفظه، خلافا لأشهب. وذكر أن اخنلافهمما قائم من مسألة النفقة على الرهن التى في المدونة؛ لأن عند ابن القاسم: المرتهن لا يكون أحق بما أنفق حتى يقول له الراهن: والرهن بما أنقترهنا. وعند أشهب يكون أحق به إذا قال: أنفق على أن نفقتك فيه. وإن لم يقل رهنا.
خليل: وهذا أخذ ظاهر، غير أنه مبني على ظاهره المدونة، فإن المسألة تنقسم ثلاثة أقسام كما ذهب إليه ابن شبلون، لا على ما ذهب إليه ابن يونس وغيره أنه لا فرق بين أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهن. وبين أن يقول: أنفق على أن نفقتك في الرهن. وسيأتي.
خليل: ويؤخذ مما في وكالة المدونة أن الرهن لا يفتقر إلى التصريح بلفظة الرهن؛ لقوله: وإن قال له: انقد عني واحبسه حتى أدفع لك الثمن. فهو بمنزلة الرهن، وقال بعضهم.
وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ أَنْ يُصِحَّ مِنْهُ اسْتِيفَاءٌ؛ فَلا يَجُوزُ خَمْرٌ ولا خِنْزِيرٌ مِنْ ذِمِّيٍّ وَغَيْرِهِ
ابن عبد السلام: ينبغى أن تكون (من) سببية؛ كقوله تعالى: (مما خطيئتهم أغرقوا) (نوح:٢٥) أو لابتداء الغاية، ولا يصح أن تكون للتبعيض؛ لأن رهن مثل الدين فيه اضطراب في المذهب. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه سيأتي أنه يصح رهن ما لا يعرف بعينه إذا كان عند أمين أو مختوما عليه.
واشترط في الرهن: أن يصح منه الاستيفاء؛ لأن فائدة الرهن بيعه عند الوفاء، والخمر ونحوه لا يجوز بيععه. (فلا يجوز خمر ولا خنزير) أتى بالفاء المؤذنة بالسببيه؛ أى: فبسبب اشتراطنا في الرهن ما ذكر لا يجوز لمسلم رهن خمر ولا خنزير لمسلم ولا
[ ٦ / ٧٨ ]
ذمي، ويحتمل أن يقدر كلامه: فلا يجوز للمسلم ارتهان خمر ولا خنزير من ذمي ولا غيره. وهكذا قال في المدونة: لا يجوز لمسلم أن يرتهن من ذمي خمرا ولا خنزيرا. والاحتمال الأول أظهر، لكن الكلام في المرهون.
فرع مرتب:
فعلى الاحتمال الأول: إذا رهن المسلم الخمر ونحوه من ذمي؛ أريقت عليه، ولم يكن عليه أن يأتي برهن آخر. وعلى الثاني: إذا ارتهن المسلم (٥٠٦/أ) خمرا لذمي، فقال أشهب: إذا قبضها ثم فلس الذمي، فلا رهن للمرتهن والغرماء فيه أسوة، لأن رهنه لم يكن جائزا في الأصل.
سحنون: إلا أن يتخلل فهو أحق به. قال: وإن باع المسلم سلعه من الذمي وارتهن منه خمرا؛ فلا يفسد البيع ويرد الخمر إلى الذمي، ولو أراد المسلم وقفها بيد ذمي إلى أجل دينه لما يخاف من عدم ربها لم يكن له كذلك.
فرع:
قال في المدونة: ومن ارتهن عصيرا فصار خمرا؛ فليرفعها إلى الإمام لتراق بأمره، وكذلك الوصي يجد خمرا في التركه خوفا من أن يتعقب بأمر.
اللخمي وابن يونس وغيرهما: وإنما تراق إذا كان الراهن مسلما، وأما إذا كان ذميا فلترد إليه.
اللخمي: وقوله: فليرفعها إلى السلطان. يريد: إذا كان حاكم الموضع يحكم ببقائها أو يخللها، وإلا فليس ذلك عليه.
وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ كَبَيْعِهِ
أى: رهن جلد الميتة يختلف فيه كما يختلف في بيعه. ومذهب المدونة: عدم جواز بيعه ورهنه. وعلى قول ابن وهب: يجوز رهنه بغد الدباغ؛ لطهارته حينئذ عنده.
المازري: ويجري في رهن الكلاب وجلود السباع ما في بيعها.
[ ٦ / ٧٩ ]
وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّيْنِ مِنَ الْمِدْيَانِ وَغَيْرِهِ
يجوز رهن الدين ممن عليه الدين، وهو مراده ب (المديان)، ومن غيره، وهو ظاهر. ويشترط في جواز رهنه من المديان: أن يكون أجل الدين المرهون مؤجلا بمثل أجل الدين الذى هو رهن به أو أبعد لا أقرب؛ لأن بقائه بعد محله كالسلف فصار في البيع بيعا وسلفا، إلا أن يجعل بيد أمين إلى محل أجل الدين الذى رهن به البائع.
الباجي: وهذا تفسير قول مالك في العتبية وغيرها. وسيأتي كيفيي قبض الدين إذا كان على غير المدين من كلام المصنف.
وَلا يُشْتَرَطُ الإِقُرَارُ
هذا وقع في كثير من النسخ بقاف وراءين، وعليها تكلم ابن راشد؛ أى: لا يشترط إقرار المدين بالدين؛ لأن رهن المجهول جائز بخلاف البيع، وكأن المرتهن دخل على أنه إن أقربه وإلا استوفاه من الأصل، لم يصح ذلك في البيع لهذه الجهالة.
ابن عبد السلام: والصواب ضبط اللفظ بالفاء وراء بعدها وزاي بينهما ألف؛ فتقول: الإفراز. هكذا هي في كلام ابن شاس والغزالي، الذي قصد ابن شاس نحوه، تنبيها من الجميع على مخالفة أبي حنيفة في منعه رهن المشاع.
خليل: وقد يقال: بل الأولى أحسن لمساعدة ما قبلها لها، ولأن المصتف سيتكلم على المشاع. والإفراز: هو القسمة.
وَيَجُوزُ رَهْنُ غَلَّةِ الدُّورِ وَالْعَبْدِ
تصوره ظاهر، وجوز ذلك حوز رقبتهما، وتوضع الغلة على يد أمين أو يختم عليها إن كانت مما لا يعرف بعينه.
[ ٦ / ٨٠ ]
وَرَهْنُ الآبِقِ والْبَعِيرِ الشَّارِدِ إِنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبهِ أو فَلَسِهِ
أى: يجوز رهن الآبق والبعير الشارد، ولم يحك المازري وغيره فى ذلك خلافا إذا لم يقارن عقد البيع، وخرج بعضهم قولا بالمنع من الجنين، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى؛ لأنه باعتبار وجوده وعدمه، بخلاف الآبق ونحوه؛ فإنه باعتبار وصفه.
المازري: وأما إن اشترط في عقد البيع؛ فقولان بالجواز وعدمه.
ابن رشد: والمشهور الجواز؛ بناء على أنه لا صحه له في الثمن، أو له حصه. وظاهر المذهب: أن الرهن لا حصة له من الثمن.
قال في البيان: والقولان في ذلك قائمان من المدونة. انتهى.
وأما القول بأنه لا حصه له؛ فمن قوله في باب الرهن: فيمنوكل رجلا على بيع سلعه فباعها وأخذ بالثمن رهنا؛ أن الخيار للموكل في قبول الرهن، فلم يرجع له خيارا في رد البيع وامضائه. ولو كان له حصة من الثمن لكان الوكيل متعديا في بيعه بأقل من ثمن المثل.
ابن عبد السلام: وأما القول بأن حصة من الثمن، فمن قوله:" وإن بعت منه سلعة بثمن إلى أجل على أن تأخذ منه رهنا ثقة من حقك فلم تجد عنده رهنا؛ فلك نقض البيع وأخذ سلعتك، أو تركه بلا رهن.
وقد يقال: إنما جعل في المدونة نقض البيع لمخالفة الشرط لا لنقص الثمن، فانظره.
فرع:
وإذا بنينا على القول بمنع اشتراطه في عقدة البيع، فهل يفسخ العقد باشتراطه أولا؟ فيه قولان.
المازري: وهما جاريان على الخلاف في الشروط الفاسدة المقارنة للبيع.
[ ٦ / ٨١ ]
وقوله: (إِنْ قُبضَ قَبْلَ مَوْتِ صاَحِبهِ أو فَلَسِهِ) ليس بظاهر؛ لأن رهن الآبق والشارد صحيح وإن لم يقبضا قبل موت صاحبهما، وإنما القبض قبل موت صاحبهما شرط في صحة الاختصاص.
وفِي رَهْنِ الْجَنِينِ قَوْلانِ
المشهور أنه لا يصح، خلافا لأحمد بن ميسر فإنه أجازه قياسا على غيره من الغرر، ورد بأن الغرر في الجنين أقوى كما تقدم.
اللخمي: وهذا إذا كان في أصل عقد البيع.
وَرَهْنُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا أَوْ بَعْدَهُ
معطوف على قوله: (ويجوز رهن غلة الدور) أى: ويجوز رهن الثماروالزرع، ولا خلاف في ذلك إن بدا صلاحها، ولهذا كان قوله: (أو بعده) لا يحتاج إليه، وأما قبل بدو الصلاح فالمشهور ما ذكره المصنف، وروي عن مالك عدم الجواز.
وقوله: (قبله) يريد: وقد خلقت الثمرة.
المازري: وأما إن لم تخلق فذلك كرهن الجنين.
فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ انْتَظَرَ بُدُوَّ الصَّلاحِ
أى: فإن مات راهن الثمرة التي لم يبد صلاحها ولم يكن له مال غيرها؛ انتظر بالثمرة بدو الصلاح لتباع، وإنما انتظر بها بدو الصلاح لأن بيعها قبل ذلك لا يجوز.
واحترز بقوله: (ولا مال له) مما إذا كان له مال؛ فإنه يأخذ منه، لأن حق رب الدين في ذمة المديان.
[ ٦ / ٨٢ ]
فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَهُ مَالٌ لا يَفِي بِهَا؛ فَإِنَّهُ يُحَاصُّ فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ بِجُمْلَةِ دَيْنِهِ، فَإِذَا بَدَا صَلاحُهَا بِيعَتْ، فَإِنْ وَفَّتْ رّدَّ مَا أَخَذَهُ، وَإِلاَّ قُدِّرَ مُحَاصًّا [٥٠٩/ب] لِلْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ، فَمَا زَادَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ
مثال المسألة: لو كان عليه ثلاثمائة دينار لثلاثة رجال لكل واحد مائة ورهن عند أحدهم تمرا أو زرعا قبل بدوالصلاح، ثم فلس الراهن أو مات ووجد للغريم مائة وخمسين دينارا؛ فإن الثلاثة يتحاصون فيها، فيكون لكل واحد خمسون نصف دينه، وإنما دخل المرتهن معهم لأن دينه متعلق بذمه الراهن، والثمرة لا يمكن بيعها؛ لآنه قد تطرأ عليها آفة الآن فتهلك، فإذا حل بيعها بيعت واختص بالمرتهن، فإن بيعت بمائة رد الخمسين التي كان أخذها أولا؛ لأنه قد تبين أنه لا يستحقها. هذا معنى قوله: (فإن وفت رد ما أخذه). وإن لم تف كما لو بيعت بخمسين اختص بها، ثم يقال له: قد تبين أنك إنما يجب لك الحصاص بخمسين؛ لا يكون لك إلا ثلاثون بثلاثة أخماسها؛ لأن لك خمسين، ولكل واحد منا مائة، فالمجموع مائتان وخمسون، والموجود مائة وخمسون، ونسبتها إلى المائة والخمسين ثلاثة أخماس، فيمسك بيده من الخمسين ثلاثين مع الخمسين ثمن الثمرة فيكون بيده ثمانون، ويرد العشرين الفاضلة فيكون لكل واحد منهما عشرة مع الخمسين الأولى، فيكون بيد كل واحد ستون.
وهذا معنى قوله: (وإلا قدر محاصا للغرماء بما بقي، فما زاد رده عليهم) وهذا الذي ذكره المصنف في كيفية العمل هو قول ابن القاسم، وخالف في هذه الكيفية يحيي ابن عمر، ووافق على المعنى، فقال: بل ينظر، فإن كان بيد كل غريم نصف حقه أو ثلثه؛ فليجلس هذا مما بيده قدر نصف أو ثلث ما نقص من ثمن الزرع عن دينه؛ لأنه به كان يجب الحصاص ويرد ما بقي، فيتحاصص هو وهم بقدر ما بقى لكل واحد. فعلى قوله: يسقط من يد المرتهن خمسون ثمن الزرع، يبقى له من دينه خمسون، وقد كان أخذ كل
[ ٦ / ٨٣ ]
واحد من الغارمين اللذين لا رهن بيدهما خمسين نصف دينه؛ فيأخذ هذا من الخمسين خمسة وعشرين، فتبقى خمسة وعشرون ويتحاصان هما والمرتهن فيما بقي، وقد علمت أن الباقي للمرتهن خمسة وعشرون، ولكل واحد منهما خمسون؛ فمجموع ذلك مائة وخمسة وعشرون، ونسبة الخمسة والعشرين المردودة من يد المرتهن إليها خمس، فيأخذ كل واحد خمس دينه، فيأخذ المرتهن منها خمسة يضيفها إلى الخمسين ثمن الزرع، وإلى الخمسة والعشرين التي وجبت له بالحصاص؛ فذلك كله ثمانون، ويحصل لكل من الغريمين الباقيين عشرة مضافة إلى الخمسين الحاصلة له أولا؛ فذلك ستون.
ولعل المصنف لما رأى أن هذا الخلاف لا يجري معنى تركه لذلك، ولما كان قول ابن القاسم أخصر في العمل اقتصر عليه، والله أعلم.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسَاقَى والْمُشَاعِ والْمُسْتَاجَرِ لِلْمُسْتَأجِرِ وغَيْرِهِ
يعني: إذا دفع رجل حائطا مساقاه لرجل، فإنه يجوز أن يرهن ذلك الحائط، وكذلك يصح رهن المشاع خلافا للحنفية، وحكاه ابن عبد السلام رواية في المذهب، وذكر المازري عن أبي الطيب عبد المنعم أنه خرج قولا كمذهب الحنفية من قول من قال من أصحابنا: إن هبة المشاع لا تصح.
المازري: وهذا النقل الذى نقله والتخريج الذى خرجه لم أسمعه من أحد من أشياخي.
وقوله: (والمستأجر) أى: ويصح رهن الشئ المستأجر لمن هو في إجارته وغيره، وقد اتضح لك أن (المساقى) اسم مفعول، والستأجر الأول كذلك، بخلاف المستأجر الثاني نإنه اسم فاعل.
فرع مرتب:
إذا صح رهن المساقي فإما أن يرهن الحائط للعامل فيه أو لا؛ فإن رهن للعامل فسيتكلم المصنف على حيازته، وإن رهن لغيره؛ ففي الموازية: يجعل المرتهن مع المساقى
[ ٦ / ٨٤ ]
رجلًا، أو يجعلانه على يد رجل يرضيان به. وقال مالك: لا يصح الرهن إذا كان المساقي أو أجير له في الحائط، وإنما يصح إذا جعلاه بيد غير من في الحائط، وبه يصح حوز المستأجر كما قاله ابن القاسم في المياطية فيمن ارتهن بعيرا وهو في الكراء: إن كان المرتهن يعرفه ويقوم به فهو حوز.
ويَجُوزُ رَهْنُ الأُمِّ دُوْنَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ الْوَلَدِ دُوْنَ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وتَكُونُ مَعَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ
تصوره ظاهر. وقوله: (على المشهور) ظاهره عوده على المسألتين؛ أى: رهنها دون ولدها والعكس، وظاهره أيضا أن مقابل المشهور المنع، وعلى هذا مشاه ابن عبد السلام، ووجه المشهور: بأنه لا مانع له. ووجه الشاذ: بأن ذلك يؤدى إلى التفرقة عند الحاجة إلىبيع الرهن.
وفيه نظر؛ لأنا نحكم ببيع المرهون منهما مع الآخر ويكون المرتهن أحق بالرهن فقط، ويحتمل أن يعود على الثانية وهو رهن الولد؛ لأنه في الجواهر إنما حكى الخلاف فيها، ولأني لم أقف في الأولى على القول بالمنع، وإنما حكى ابن رشد فيها الجواز والكراهة، وفي الموازية: ويجوز رهن الأم دون ولدها، وقد ذكر بعض أصحابنا أن المذهب في هذا على قولين تعلقا بما في المستخرجة عن مالك كراهة ذلك.
يحيى بن عمر: فسألت ابن وهب عن ذلك، فقال: لا بأس به. وعندي أن هذا الخلاف إن ثبت فإنما يحسن إذا لم تفرق بين الولد وبين أمه تفرقة يلحقه الضرر الشديد منها، ويلحقها من تعلق نفسها به إذا حيل بينها وبينه. انتهى.
وتاظاهر من جهة المعنى: أنه لا فرق بين رهن الولد دون أمه وبين العكس، وكلام المصنف مقيد بقيدين:
[ ٦ / ٨٥ ]
أولهما: أن يكونا في ملك واحد، فإن كانا في ملكين؛ فلا شك في جواز رهن كل منهما دون الآخر.
ثانيهما: ألا يبلغ الولد حد التفرقة. وفي البيان: رهن العبد الصغير دون أمه على ثلاثة أوجه: إن رهنه بشرط أن يحوزه دون أمه؛ فهو رهن فاسد لا يجوز ويفسخ.
وإن رهنه على أنه يحوزه مع أمه فهو رهن، (٥١٠/أ) واختلف هل يكره ذلك ابتداء وهو قول مالك، أولا يكره وهو قول ابن وهب، وهو الأظهر؛ لأنه لم يفرق بينهما في ملك ولا في حوز، وكرهه مالك لوجهين ضعيفين: أحدهما: أنه رأى المرتهن كأنه ملكه لما كان أحق به. والثاني: لما كان لا يباع مفردا صار في معنى جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.
والوجه الثالث: إن رهنه دون شرط فيجبر على أن يحوز أمه معه. وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، ويتخرج على معنى ما في المدونة من كتاب التجارة إلى أرض الحرب إذا أبى الراهن أن يحوز الأم وأبى المرتهن إلا أن يحوز رهنه؛ أن يباعا جميعا من رجل واحد، فيكون للمرتهن ما ناب الرهن من الثمن رهنا، وهذا كله إذا كان معها في البلد، وأما إن رهن الصبي ببلد وأراد أن يخرج بأمه إلى بلد آخر، فقال مالك: لا خير فيه؛ إذ لا كلام في أنه لا يجوز أن يفرق بين الوالدة وولدها في الحواز وإن جمعهما الملك.
وَمَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إِنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ أَوْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ امْتَنَعَ مُطْلَقًا، وقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ نَقْدًا؛ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ
يعني: أن الرهن إن كان مما يعرف بعينه كالحيوان والثياب والكتب، قال في المدونة والحلي: جاز أن يوضع تحت يد المرتهن وغيره، وإن كان مما لا يعرف بعينه؛ فالمشهور أنه ممتنع إلا أن يطبع عليه أو يوضع تحت يد أمين.
[ ٦ / ٨٦ ]
المازري: وإنما امتنع إذل لم يطبع عليه، أولم يوضع تحت يد أمين حمايه للذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدا إلى أن يقبض على جهة السلف، وسيما ذلك القبض رهنا، واشترط السلف في المداينة والمبايعة ممنوع، والتطوع بة كهبة المديان.
وقوله: (مُطْلَقًا) أى: كان نقدا أو طعاما مكيلا أو موزونا. وقال أشهب: إنما يمنع في النقد. وهكذا نقل المازري، ولفظه بعد أن ذكر أنه يمتنع رهن الدنانير والدراهم: إلا أن يطبع عليها، وإن كان مما لا يعرف بعينه ليس من الأثمان التي هي الدنانير والدراهم والفلوس؛ كالمكيل والموزون، فإن في ذلك قولين، المشهور منهما إلحاق ذلك بالدنانير والدراهم. وأجاز أشهب ذلك؛ لأن الصرف في الدنانير والدراهم ممن وضع يده عليها مستخف، ويبعد استخفاف ذلك في المكيل والموزون بغير إذن مالكها، وظاهره وظاهر كلام المصنف أن أشهب يوافق على المنع في الدراهم والدنانير، والذي نقل عنه الباجي وابن يونس وابن شاس- واللفظ لهم جميعا- أنه قال: لا أحب ارتهان الدنانير والدراهم والفلوس إلا مطبوعا عليها؛ للتهمة في سلفها، فإن لم يطبع عليها لم يفسد الرهن ولا البيع، ويستقبل طبعها إن عثر على ذلك. وظاهر هذا أن الطبع عنده في النقد مستحب. وقول ابن عبد السلام: أن نقل المصنف قول أشهب قريب من نقل لفظ الباجي عنه بعيد من كلام ابن يونس ليس بظاهر؛ لأن لفظهما سواء.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ خَرَاجِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِسًا
المدبر لا يباع، فلذلك لا يستوفى من خدمته، فإذا مات سيده مفلسا بيع وقضى المرتهن من ثمنه.
فالضميرفي: (خراجه) و(ثمنه) عائد على (المدبر). والضمير في: (موته) عائد على السيد.
[ ٦ / ٨٧ ]
وقوله: (مُفْلِسًا) حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف وهو (الموت) مصدر، وهو مسألة اختلاف في العربية.
اللخمي: ورهن منافع المدبر ورقبتة مفترق؛ فإن رهن خدمته مدة معلومة يجوز بيعها ليؤاجر المرتهن تلك المدة؛ جاز في عقد البيع وبعده. وإن رهن جميع خدمته جاز بعد العقد. ويختلف إذا كان في العقد، وإن رهن رقبته على أنه مات الراهن ولا مال له بيع المدبر وكان في أصل العقد؛ جرى على الخلاف في رهن الغرر؛ لأنه لا يباع له الآن، ولا يدرى متى يموت السيد. انتهى. وهذه الصورة الثالثة هي التي ذكرها المصنف.
اللخمي والمازري: وأما إن رهن رقبته ليباع له الآن فلا يجوز. واختلف هل يعود الرهن في الخدمة وتباع له وقتا بعد وقت حسبما يجوز من بيعها؛ كمن ارتهن دارا فثبت أنها محبسة على من رهنها، فقيل: لا يعود حقه إلى المنفعة، لأنه إنما رهنه الرقبة. وقيل: الرهن يتعلق بمنفعتها وكرائها، لأن المنفعة كجزء منها يجوز بيعه ورهنه، فلا يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخذ منه.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُكَاتَبِ، وِيُسْتَوْفَى مِنْ كِتَابَتِهِ أَو مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ
يعنى: ويجوز رهن المكاتب ويستوفي المرتهن من كتابته، فإن عجز استوفى من ثمنه، وانظر هل يجري على رهن الغرر بهذا المعنى أم لا؛ لأن بيع الكتابة جائز مع أن هذا الغرر حاصل في البيع، وكل ما جاز في البيع جاز في الرهن من غير عكس، وهذا هو الظاهر.
قال أبو عمران الشوشاوي: الرهن كلها على خمسة أقسام:
- ما يجوز ملكه وبيعه في الحال والمآل؛ فلا إشكال في جواز رهنه.
- وما لا يجوز ملكه وبيعه؛ فلا إشكال في منع رهنه كالخمر والمسمومات.
-
[ ٦ / ٨٨ ]
وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه كأم الولد؛ لا ترهن قولا واحدا؛ إذ فائدة الرهن بيعه عند العجز عن الوفاء.
- وما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه في الحال ويجوز في ثاني حال؛ كالمكاتب يجري على الخلاف في رهن الغرر، وهي على وجهين: إما مشترط في أصل العقد أو بعده، فإن كان بعد العقد جاز؛ لأن العقد صحيح، وأما إن كان في أصل العقد؛ إما من بيع، أو من أو من قرض. فمن قرض لا يجوز؛ لأن المعروف يقبل الغرر. ومن بيع يختلف؛ لأنه قال في الثمار والزرع قبل بدو الصلاح: يجوز، وقال في الجنين: لا يجوز.
- الخامس: ما يجوز ملكه واختلف (٥١٠/ب) في بيعه؛ كجلود الميتة بعد الدباغ، وجلود السباع قبل الدباغ. وكلاب الماشية والزرع والصيد هل يجوز رهنها أم لا؟ انتهى. والله أعلم.
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ لِلرَّاهِنِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ وَيَاخُذُ الْفَضْلَ
- يعني: ليس من شرط الرهن أن يكون مملوكا للراهن، بل يجوز له أن يرهن ما استعار، فإن أدى الراهن ما عليه من الدين رجع المستعار إلى معيرة، وإن فلس الراهن بيع الرهن وقبض المرتهن ثمنه.
- واختلف بماذا يرجع المعير على المستعير، فاختصر أبو محمد المدونة على أنه يرجع بقيمته، وكذلك روى المدونة يحيى بن عمر وغيره، واختصرها البراذغي على أن المعير يرجع على المستعير بما أدى من ثمنها عنه، وكذا وقع في بعض روايات يحيى، وهذه أصوب من الأولى، وقاله أشهب؛ أى: لأنه بإعارته كمسلف ثمنه؛ لأنه لذلك أعاره كما قالوا في الضامن يتوجه عليه غرم سلعته بسبب ضمانه: أنه يرجع بثمنها لا بقيمتها؛ لأن
[ ٦ / ٨٩ ]
كفالته بهذه السلعة تستلزم تسلف الثمن إن احتيج إليه، ولسحنون ثالث؛ لأنه قال: إن شاء ضمنه بقيمته يوم رهنه؛ ففهم منه التخيير.
وقول المصنف: (ويأخذ الفضل) هو من تتمة قول أشهب، وذلك أنا إذا قلنا: يرجع عليه بقيمة السلعة ويقدر أن المعير أسلف السلعة للمستعير؛ فالسلعة مبيعة على ملك المستعير، فإن بيعت بزيادة على الدين لا يختص بها المعير. وعلى قول أشهب يختص المعير بالزيادة؛ لأنه عده مسلفا لمقدار دينه من ثمن السلعة، والزيادة على ذلك لم يلتزم فيها سلفا فتبقى على ملك المعير، ولهذا قال أشهب: ولو فضلت بعد الدين فضلة بعد قضاء السلطان بالبيع والوفاء فوقفها فضاعت؛ فذلك من ربها، وليس على المستعير إلا ما قضى عنه، وكان ينبغي على قاعدة أشهب أن يضمن قيمته؛ إذ الضمان عنده ضمان أصالة، فقد تعلقت القيمة بذمة المستعير يوم قبض العارية بخلاف ما قاله هنا؛ لأنه يضمن ما أدى من الثمن.
وَإِنْ هَلَكَ اتَّبَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ، واتَّبَعَ الْمُسْتَعِيرُ الْمُرْتَهِنَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
يعني: إذا هلكت السلعة عند المرتهن، كما كان في كل عارية ورهن؛ فيتبع المعير المستعير بقيمتها يوم قبض العارية.
ابن عبد السلام: ويتبع المستعير- وهو الراهن- المرتهن بقيمتها يوم القبض، أو يوم الهلاك، أو يوم الرهن كما سيأتي.
وفي البيان عن أشهب: أن المستعير يغرم للمعير قيمته يوم طلبه بها. قال: وفيه نظر. وإذا اتبع المستعير المرتهن فإنه يقاصه، ومن فضلت له فضلة أخذها، وإن كانت السلعة مما يغاب عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما كما في سائر العواري والرهان.
[ ٦ / ٩٠ ]
ولَو رَهَنَهُ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ ضَمِنَهُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يَكُونُ رَهْنًا فِيمَا أَذِنَ فِيهَ
يعني: إذا أذن له أن يرهنه في شيء فرهنه في غيره. وفرضها في المدونة فيمن أَعَرْتَهُ سلعة ليرهنا في دراهم مسماة فرهنها في طعام، فقال: أراه ضامنًا لمخالفته، وذلك تَعدٍّ، ونقلها أبو محمد: ومن أعرته عبدًا ليرهنه في دراهم فرهنه في طعام فهو ضامن؛ لتعديه. قال، وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد، ويكون رهنًا في عدد الدراهم التي رضي بها السيد. وجعل المصنف قول أشهب مخالفًا تبعًا لابن زيد وغيره، وجعل ابن يونس القولين متفقين، فحمل قول ابن القاسم على ما أذا أقر المستعير للمعير بذلك، وخالفهم المرتهن ولم يشأ المعير أن يحلف، فلذلك لم يقبل اتفاق المستعير والمعير على المرتهن حتى يحلف المعير على ما ادعاه.
ابن يونس: وإذا حلف كان رهنه رهنًا فيما أقر به في الدراهم، فإذا لم يحلف كان له تضمين المستعير بالتعدي.
وحمل قول أشهب على ما إذا حلف أو أقر له المرتهن بذلك، قال: فيتفق القولان.
والْغَلَّةُ لِلرَّاهِنِ
أي: أن غلة الرهن للراهن؛ لأنه على ملكه. ويسلم للراهن الغلة على المشهور، وفي المبسوط لمالك: من استرهن دارًا أو عبدًا قبضه أو لم يقبضه؛ فإن إجارة العبد والدار تجمع لا تصل إلى الراهن ولا إلى المرتهن حتى يفتك الرهن فيكون تبعًا للرهن، فإن كان في الدار كفاف الحق؛ كانت الإجارة للراهن. قال في البيان: وهذه الرواية شاذة ولا تعرف في المذهب.
ودليل الأول: ما رواه مالك مرسلًا وغيره مسندًا أنه ﷺ قال: «لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه».
[ ٦ / ٩١ ]
وَإذَا اشْتَرَطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً؛ جَازَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْقَرْضِ لأَنَّهُ إِجَارَةٌ
لما ذكر أن الغلة للراهن ذكر أنه يجوز للمرتهن أن يشترط منفعة المرهون مدة معينة بشرط أن يكون ذلك في بيع، فلو كان في قرض لم يجز.
واحترز بـ (الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من غيرها، فيمتنع للجهالة.
وقوله: (لأَنَّهُ إِجَارَةٌ) يحتمل أن يكون تعليلًا لجواز الاشتراط في البيع، أو لمنفعة في القرض.
أما بيان الأول؛ فلأن استثناء المنفعة مدة معينة يرجع إلى الإجارة فصار بائعًا لسلعته بثمن سماه، وبعمل الدابة مثلًا فلذلك جاز، لأن المشهور جواز اجتماع البيع والإجارة.
وأما بيان الثاني؛ فلأنه إذا كان إجارة، [٥١١/أ] يلزم السلف بزيادة الإجارة.
والأقرب إلى لفظه الأول، ولأنه كذلك في الجواهر وغيرها.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، وهو اختيار ابن القاسم. وفي المدونة قال مالك - ﵀ -: وإذا اشترط المرتهن منفعة الرهن؛ فإن كان الدين من قرض لم يجز، لأنه سلف جر منفعة، وإن كان من بيع وشرط منفعة الرهن زمانًا مسمّى فلا بأس به في الدور والأرضين، وكرهه مالك في الثياب والحيوان؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه. وقال ابن القاسم: لا بأس به في الحيوان والثياب وغيرها؛ لأن ذلك إجارة.
وعن مالك أيضًا كقول ابن القاسم، وبه قال أشهب وأصبغ.
التونسي: ويأتي على قول مالك في هذه المسألة، أنه لا يجوز رهن الغرر في أصل البيع، خلاف ظاهر الروايات في المدونة وغيرها. قال في البيان: وكره مالك ذلك ولم يقل ما الحكم فيه إذا وقع، ويتخرج في ذلك أربعة أقوال:
[ ٦ / ٩٢ ]
الأول: أنه يفسد البيع والرهن فلا يكون أحق به من الغرماء.
والثاني: فساد البيع وصحة الرهن فيكون رهنًا بالأقل من الثمن أو القيمة.
والثالث: أنه لا يفسد البيع ولا يبطل الرهن، إنما يكره ذلك ابتداءً، قال: وهو ظاهر المدونة.
والرابع: أنه يصح البيع ويبطل الرهن، فلا يكون أحق به من الغرماء.
القابسي: إنما يكره ذلك في الثياب؛ لأنها تضمن في الرهن ولا تضمن في الإجارة، فكره اجتماعهما للشك في الحكم إذا أتلفها، قال: وأما الحيوان فقد اختلف قول مالك في وجوب ضمانه على المرتهن.
وقوله في هذه المسألة يدل على قوله: إن المرتهن ضامن للحيوان. ورده في البيان بأن هذا لا يصح؛ لأن مالكًا قد بين أنه إنما يكره ذلك؛ لأنه لا يدري كيف ترجع إليه الدابة والثوب. وانظر قوله في المدونة: كرهه مالك في الثياب هل أراد التحريم، أو الكراهة على بابها؟ والذي نقل اللخمي عنه المنع.
فروع:
الأول: اختلف المتأخرون إذا ضاع الرهن المشترط منفعته وهو مما يغاب عليه؛ فقيل: يضمنه لأنه رهن. وقيل: لا يضمنه كسائر المستأجرات. وقال التونسي: ينظر إلى القدر الذي يذهب منه في الإجارة، فإن كان الثوب مثلًا ينقص باستعماله المدة المشترطة الربع، فيكون ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر، وثلاثة أرباعه مضمون؛ لأنه مرتهن إن لم تقم بينة. واعترضه صاحب البيان بأنه إنما ارتهن جميعه، فإما أن يحكم له بحكم الرهن أو الإجارة، ولم يرهن بعضه ويسقط بعضه حتى يسقط عليهما، قال: والصواب أنه يغلب عليه حكم الرهن.
[ ٦ / ٩٣ ]
الثاني: الكلام المتقدم إنما هو إذا اشترط المنفعة في عقد البيع، وأما إن أباح له الانتفاع بعد؛ فلا يجوز في بيع ولا قرض؛ لأنه إن كان بغير عوض هدية مديان، كذا نص ابن راشد وغيره على المنع. وإن كان بعوض جرى على الكلام في مبايعة المديان، قال اللخمي.
الثالث: إذا شرط أن يأخذ الغلة من دينه؛ جاز في القرض ولا يجوز في عقد البيع، وأما بعد عقد البيع فجائز؛ إذ لا يدري أي مقدار يكثر، نص على ذلك في حريم البئر.
الرابع: حيث أجزنا اشتراط المنفعة فإنما نجيزه فيما يصح كراؤه، فلا يجوز اشتراط منفعة الأشجار؛ إذ لا يجوز كراؤها لأخذ ثمارها، إلا أن تكون ثمرتها قد طابت فيجوز اشتراطها في ذلك العام فقط.
الخامس: إذا رهنه وأذن له في الكراء وأن يقبضه من دينه ففرط في كراء ذلك حتى حل أجل الدين؛ فإن كان رب الرهن حاضرًا وقد علم أنه لم يكرها ولم ينكر؛ فلا شيء على المرتهن، وإلا ففي تغريمه كراء المثل قولان لابن الماجشون وأصبغ.
فضل: وقول ابن الماجشون بالتغريم هو أصل ابن القاسم، هكذا حكى ابن راشد. وقال الباجي: إذا ترك المرتهن كراء الدار حتى حل الأجل؛ فإن كانت من الدور التي لها قدر كدور مكة ودور مصر، أو كان العبد نبيلًا؛ ارتفع ثمنه لخراجه فلم يكره فهو ضامن لأجر مثله، وإن لم يكن كبير كراء، ومثله يكري أو لا يكري لم يضمن، قاله ابن حبيب عن ابن الماجشون. وقال أصبغ: لا يضمن في الوجهين، وكذلك الوكيل على الأكرياء يترك ذلك فلا يضمن.
وَرَهْنُ فَضْلَةِ الرَّهْنِ بِرِضَا الأَوَّلِ جَائِزٌ، وحَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ إِذَا عَلِمَ لِيَحْصُلَ الْحَوْزُ
يعني: إذا رهنت رهنًا في دين وكانت قيمته أكثر من الدين؛ جاز لك أن ترهن الفضلة، ثم إن رهنتها من المرتهن الأول فلا إشكال، وذلك لم يتعرض له المصنف، وإن
[ ٦ / ٩٤ ]
كان لغيره فيشترط علم الأول، وهل يشترط رضاه بذلك؟ اشترطه في المدونة. قال في البيان: وهو المشهور. ولم يشترطه أصبغ. قال: إذ لا مضرة على الأول؛ لأنه مبدَّى قبل غيره. واختار ابن حبيب الأول؛ لأنه إنما اشترط علمه ليكون حائزًا للثاني، وكيف يكون حائزًا للثاني وهو لم يرض بذلك. ولمالك في الموَّازيَّة قول ثالث: أنه لا يجوز رهن فضلة الرهن لثانٍ إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، إلا أن يخرج الرهن من يد الأول؛ لأنه إنما يقبضها لنفسه. وحكى في البيان رابعًا: وهو أن الفضلة تكون رهنًا ولو لم يعلم الأول، وهو قول ابن القاسم في المبسوط، وقول أشهب في الواضحة. ونقل المصنف قول أصبغ فيما إذا كان الرهن بيد المرتهن الأول، وكذا نقله صاحب [٥١١/ب] البيان، ولم ينقله اللخمي وابن يونس إلا فيما إذا كان الرهن بيد عدل، ولذلك احتاج اللخمي أن يُخَرِّجَ قولًا بعدم اشتراط رضا المرتهن الأول إذا علم وكان الرهن تحت يده؛ مما قال مالك في المخْدِم يهب صاحبه رقبته لغير المخْدَم: أنه يجوز وإن لم يرض المخْدَم ولم يعلم.
تنبيه:
إنما يشترط رضا الأول إذا كان الرهن على يده. قال في البيان: وأما إن كان الرهن موضوعًا على يد عدل؛ فالاعتبار في ذلك إنما هو بعلمه دون علم المرتهن.
فرع:
إذا كان الرهن بيد المرتهن وهو مما يغاب عليه ورهن فضلته من غيره ثم هلك الرهن؛ ففي المدونة يضمن المرتهن مبلغ دينه وهو في الباقي أمين، ويرجع المرتهن الثاني بدينه - لأنه فضلة الرهن - على يد عدل. وقال أشهب في الموَّازيَّة: ضمانه كله من الأول، قال: ولو كان بيد الثاني لم يكن عليه ضمان؛ لأنه رهن للأول، وإنما لهذا الفضلة لو كانت.
اللخمي: وعلى أصل ابن القاسم يضمن الثاني الفضل.
[ ٦ / ٩٥ ]
ابن يونس: وإنما يصح ألا يضمن الأول إلا مبلغ دينه على قوله في المدونة: إذا كان أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني فضلته أو علم بالبينة أنه قائم عنده، وإلا كان ضمان الجميع منه؛ إذ قد يكون تلف الثوب قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه. وقاله بعض أصحابنا.
فَإِنْ كَانَ بِرِضَاهُ وَسَبَقَ أَجَلُ الثَّانِي قُسِمَ إِنْ أَمْكَنَ، وإِلاَّ بِيعَ وَقُضِيَا
فَرَّعَ على القول باشتراط الرضى لأنه المشهور؛ أي: فإن كان ارتهان الثاني برضا الأول وسبق أجل دين الثاني (قُسِمَ) أي: الرهن إن أمكن، وإن لم يمكن قسمه (بِيعَ) أي: الرهن (وَقُضِيَا) أي: المرتهن الأول والثاني؛ لأن الثاني إنما له الفضلة عن دين الأول، ولا إشكال إذا كان أجل الثاني مساويًا أو أبعد، ولذلك لم يتعرف المصنف له.
وقوله: (بِيعَ) أي: إذا كان فيه فضل.
ابن القاسم في العتبية: وإن لم تكن فيه فضلة لم تبع حتى يحل الأول. ولمالك من رواية أشهب في العتبية والموَّازيَّة فيمن رهن رهنًا في دين إلى ستة أشهر ثم ابتاع سلعة من رجل آخر بثمن إلى ستة أشهر ورهنه فضلة الأول على أن الأول مبدَّى عليه فحل أجل الآخر، فقال مالك: أَعَلِمَ الآخرُ أن دين الأول إلى ستة أشهر؟ قيل: لا، قال: أرى أن يباع الرهن فيجعل للأول حقه كله قبل محله ويعطى الثاني من دينه ما فضل.
ابن المواز: وقاله أشهب. وقال: هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله وحق الأول مثله، وأما إن بيع بعرض؛ فإن كان مثل الذي عليه، أو بيع بدنانير وله عليه دراهم، أو بيع بطعام مخالف لما عليه؛ فإنه يوضع له رهن إلى حلول حقه. وقال سحنون في المجموعة: سواء علم الأول أن حق الثاني يحل قبله أو لم يعلم، فإنه إن بيع بمثل دينه فليعجل له. وقال في موضع آخر: إلا أن يكون حقه من طعام فيأبى أن يعجله فذلك له.
[ ٦ / ٩٦ ]
التونسي: وقول مالك: "أَعَلِمَ" يحتمل لو علم لم يجز البيع؛ لأنه باع من الثاني على أن يعجل للأول حقه فيصير بيعًا وسلفًا؛ لأنه لما رهنه فضلة الرهن والأول إلى ستة أشهر، لم يقدر على بيع الرهن إلا أن يتعجل دين الأول.
واستشكل قول أشهب هذا إذا بيع بعين أو بما يقضي بمثله، فإن ظاهره أن الدين الأول كان من بيع ولم يكن من قرض، ألا ترى إلى قوله بعد هذا: (فَإِنْ بِيعَ بِعَرْضٍ) فهذا دليل على أن ذلك الدين مما يقضى بمثله وكان دينه من بيع، وأنه جعل له تعجيله، وهذا قول غير معروف. ثم قال: وفي بيع الرهن بالطعام والعروض اعتراض، وكيف يصح أن يباع بعروض أو طعام، ويجب أن ينقض إذا بيع بخلاف العين. فقال: فهذه مسألة جرت كلها على أمر مشكل.
وِلِوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ مَعَ الْقَدِيمِ فَسَدَ وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا إِلا فِي الْجَدِيدِ
مثاله: لو أسلف أولًا مائة بلا رهن ثم أسلف مائة أخرى وأعطاه بها وبالأخرى رهنًا، وفي معناه أن تكون المائة الأولى من بيع.
وقوله: (الْقَدِيمِ) ظاهره القرض القديم؛ فلا يصدق إلا على الصورة الأولى، ويحتمل الدين القديم فيعم.
قوله: (فَسَدَ) أي: الرهن في الدين القديم، هذا ظاهر لفظه، ويحتمل فساد القرض وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ومقتضى كلامه في الجواهر: أنه لو اطلعنا على ذلك قبل قيام الغرماء لرددنا الرهن. ولا يؤخذ ذلك من كلام المصنف.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا إِلا فِي الْجَدِيدِ) هو مذهب المدونة، وحكى ابن المواز قولًا آخر: أنه يبطل نصف الرهن ويبقى نصفه رهنًا بالمائة الأخرى، ووجه ابن المواز الأول: بأنه بمنزلة رهن سلعتين فاستحقت إحداهما، فإن الثانية رهن بالجميع، وكالمرأة تأخذ
[ ٦ / ٩٧ ]
رهنًا بالصداق ثم تطلق قبل البناء؛ فجميعه رهن بنصفه. وظاهر كلامه: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الأول رهنًا أو لا، وهو مذهب المدونة. ونقل اللخمي عن مالك أنه قال: لا خير فيه. وقيد محمد ما أجازه مالك بما إذا كان فيه وفاء، وأما إذا لم يكون فيه وفاء؛ فلا يجوز.
وألحق بعضهم بذلك إذا كان الأول يفسد بيعه، أو لم يكن مأمونًا في عدم الجواز.
اللخمي: والأول أحسن؛ لأن الطالب لا يزيد قرضًا ليزيده رهنًا إلا لأمر يتخوفه. وقيد [٥١٢/أ] ابن المواز المدونة: بأن يكون الأول مؤجلًا، قال: وأما إن كان الأول حالًا؛ فذلك جائز، إلا أن يكون الأول عديمًا.
ابن المواز: ويجوز عندي وإن كان عديمًا إذا كان الرهن له ما لم يكون عليه دين أحاط به؛ لأنه إذا كان الأول حالًاّ فالتأخير به كسلف ثانٍ، فيصير تأخيره الأول وإنشاء الثاني كسلف واحد نشأ الآن، إلا أن يكون عديمًا؛ أي: لأنه حينئذ لا يتمكن رب الدين من قبض فلا يكون تأخيره حينئذٍ كابتداء سلف؛ لأن الحكم يوجب تأخيره، فإن كان الرهن له فهو كالملي، وإن كان عليه دين أحاط به؛ فإنه حينئذٍ يخشى قيام الغرماء عليه فيحاصونه، فإذا رهنه ذلك اختص هو بدينه فجعلت له المنفعة بسبب السلف.
وَلا تَنْدَرِجُ الثِّمَارُ مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً إِلا بالشَّرْطِ
يعني: إذا رهنه الراهن وأطلق؛ فإن ثمرته لا تدخل في الرهن، سواء كانت موجودة حين الرهن أم لا، وهذا هو المشهور، وعن مالك أنها لم تدخل، فإن اشترطت دخلت اتفاقًا إذا كان الدين من بيع، وكذلك القرض على المشهور. وروى ابن نافع: أنه لا يجوز اشتراط اندراجها فيه.
واختلف المتأخرون هل تدخل الثمرة إذا تناهت ويبست قياسًا على ما قاله ابن القاسم في الصوف المستجز وإليه ذهب بعض القرويين، أو لا تدخل؟ والفرق بينهما: أن
[ ٦ / ٩٨ ]
الثمرة تترك لتزداد طيبًا فهي غلة لم يرهنها، والصوف لا فائدة في بقائه فكان سكوته عنه دليلًا على إدخاله في الرهن. ونص ابن القاسم على أن الثمرة لا تدخل وإن أزهت، وإن ارتهن نحلًا فالعسل للراهن مثل الثمرة.
أبو محمد: يريد ولا يكون رهنًا.
وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ وَخَرَاجُهُ
أي: فلا يدخل ماله إلا بشرط، وحكى في الاستذكار أن ذلك لا يدخل في الرهن عند الجميع. وقال في المقدمات: وروي عن مالك أن الغلة سواء كانت متولدة عنه كثمرة المخلة ولبن الغنم وصوفها، أو غير متولدة عنه ككراء الدور وخراج العبد؛ داخلة في الرهن. قال مالك في العتبية والمجموعة: ويجوز رهن ماله مفردًا، معلومًا كان أو مجهولًا؛ أي: لأن رهن الغرر جائز.
قال في المدونة: ولا يكون ما وهب للعبد رهنًا.
أشهب في المجموعة: ولو كان ماله مشترطًا، بخلاف ما ربح في ماله المشترط؛ فإن رهن كالأصل، كما أن من أوصى بوصايا فلا تدخل فيما لم يعلم من ماله، وتدخل فيما علم به، وفي أرباح ما علم.
ابن يونس: يريد ربح فيه قبل موته أو بعده.
وقال بعضهم: الأشبه في المستثنى ماله أن يكون ما وهب له يدخل في الرهن كالمبيع بخيار يشترط المشتري ماله.
مالك: وأرش جراح العبد للمرتهن.
وَتَنْدَرِجُ الأَجِنَّةُ
قال في الجلال: وكذلك فراخ النخل والشجر.
[ ٦ / ٩٩ ]
مالك في الموَّازيَّة: ولو اشترط أن الأمة رهن دون ما تلده لم يجز.
ابن شعبان: ومن ارتهن عبدًا فولد العبد من أمته رُهِنَ مع أبيه دون أمه، وكذلك تندرج الزيادة غير المتميزة؛ كسمن الدابة والجارية، وكبر الصغير بالإجماع، وعلى هذا فتندرج الزيادة إن لم تتميز وأشبهت الأصل كالولد، ولا تندرج إن لم تكن كذلك.
وَفِي الصُّوفِ الْمُسْتَجَزِّ قَوْلانِ
يعني: أن الصوف إن لم يتم يوم عقد الرهن فهو للراهن كاللبن وغيره من الغلات، وإن كان تامًا، وهو مراده بـ (الْمُسْتَجَزِّ) فقال ابن القاسم في المدونة: تدخل كالبيع. وقال أشهب: لا تدخل؛ لأن الصوف التام غلة لا يرده المشتري في الرد بالعيب.
وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ: أَنْ يِكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لازِمًا أَوْ صَائِرًا إِلَى اللُّزُومِ ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ
يعني: شرط المرهون به أن يكون مركبًا من أربعة أجزاء:
أولها: أن يكون دينًا، احترز به من الأمانة، فلا يجوز أن يدفع قراضًا ويأخذ به رهنًا.
ثانيها: أن يكون في الذمة. احترز به من المعينات أو منفعتها فإنها ليست في الذمة؛ لأن الذمة لا تقبل الأشياء المعينة.
ثالثها: أن يكون لازمًا أو صائرًا إلى اللزوم، واحترز باللزوم من دين الكتابة، فإنه غير لازم؛ لأنه إذا عجز المكاتب يرجع رقيقًا. وقال: (أَوْ صَائِرًا إِلَى اللُّزُومِ) ليدخل الجعل؛ فإنه عقد غير لازم، ولكنه يلزم بالشروع في العمل.
رابعها: أن يمكن استيفاؤها من الرهن، احترز به مما يتعذر استيفاؤه من الرهن؛ لكونه لا يحل بيعه كمنافع المعينات.
ابن راشد وابن عبد السلام: الظاهر أن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قدم ما يغني عنه في شرط الرهن.
[ ٦ / ١٠٠ ]
فَلا رَهْنَ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ
أدخل الفاء لكونها كالنتيجة عما قبله، وما ذكره المصنف من عدم الرهن في نجوم الكتابة نحوه في ابن شاس، وهو محمول على ما إذا أعطي أجنبي رهنًا بكتابة مكاتب فإن ذلك لا يجوز، قاله في المدونة وغيرها؛ لأن دفع الأجنبي الرهن إنما يتصور إذا تحمل الأجنبي الكتابة، والحمالة بها لا تصح كما سيتبين لك إن شاء الله في محله. وإن كان المكتاب رهن رهنًا في كتابته فإن ذلك جائز، نص عليه في المدونة.
وَلا فِي عَيْنٍ وَلا فِي مَنَافِعِ عَيْنٍ
يعني: ولا رهن في عين، وهو ظاهر في ذلك؛ لأن المقصود من الرهن التوثق ليستوفي منه ما يطلب به، ولا يمكن أن يستوفي المعين أو منفعته من الرهن أو ثمنه.
وَالرَّهْنُ فِي الْعَارِيَةِ لِضَمَانِ الْقِيمَةِ لا لِلْعَيْنِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَ مِا يُغَابُ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ
هذا جواب عن سؤال مقدر، لأنه لما قال: لا يصح في معين؛ كأن قائلًا قال: هذا لا يصح؛ لأنه يجوز لمن أعار معينًا أن يأخذ عنه رهنًا، فأجاب بأن الرهن المأخوذ في العارية إنما هو لقيمته على تقدير هلاكه، ولأجل أن الرهن إنما هو للقيمة لم يصح دفع [٥١٢/ب] الرهن إلا فيما يغاب عليه؛ لأنه هو الذي يضمن في العواري، لا فيما لا يغاب عليه؛ لأنه لا تلزمه قيمته إذا تلف.
وَيَجُوزُ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ أَو يَبِيعَهُ أَوْ يَعْمَلَ لَهْ، وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْنًا
يعني: ليس من شرط الرهن أن يصادف دينًا سابقًا، بل يصح قبضه مع الدين وقبله، ففي المدونة: وإذا دفعت إلى رجل رهنًا بكل ما اقترض فلان جاز ذلك. قال في النكت:
[ ٦ / ١٠١ ]
ويكون رهنًا بما داينه من قليل وكثير ما لم يجاوز قيمة الرهن، ولا يراعي ما يشبه، بخلاف مسألة كتاب الحمالة إذا قال: دَايِنْهُ وَأَنَا ضَامِنٌ؛ لأن الأول قد يبين بالرهن ما يقرضه.
ابن عبد السلام: فأشاء إلى أن الحميل في الحمالة يلزمه كل ما وقعت به المداينة، سواء كانت تشبه أو لا. وقال غيره: إن قول غير ابن القاسم فيها مُقَيِّدٌ لقول مالك، وأنها كمسألة الرهن لا يلزم الحميل إلا ما يشبه من المداينة.
وقوله: (أَوْ يَعْمَلَ لَهْ) يعني: هو أو من يكريه ليكون المال متعلقًا بالذمة، لا هو بخصوصيته؛ لِمَا تقدم أنه لا يصح الرهن في منافع معين، ويصح حمل كلامه على المعنى أيضًا، بمعنى أن المكري يأخذ الرهن بالأجرة التي دفع إلى المعير على تقدير موت الأجير ومرضه.
قوله: (وَيَكُونُ بِقَبْضِهِ الأَوَّلِ رَهْنًا) يعني: إذا دفع الرهن قبل الدين كان الرهن بقبضه الأول رهنًا، ولا يحتاج إلى تجديد قبض بعد أخذ الدين.
فرع:
قال في الجواهر: ولو شرط رهنًا في بيع فاسد فظن لزوم القضاء به ورهن فله الرجوع فيه، وكما لو ظن أن عليه دينًا فأداه ثم تبين أنه لا دين عليه فإنه يسترده.
فَإِن شَرَطَ رَهْنَ السِّلْعَةِ فِي ثَمَنِهَا الْمُؤَجَّلِ ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وشِبْهِهِ جَازَ
المازري: ان اشترط وضع المبيع على يد أجنبي غير البائع؛ جاز في المشهور عندنا. وقال ابن المواز: لا يجوز ذلك، وظاهره الكراهة. ومنعه ابن الجلاب في الحيوان خاصة ولم يقيد اشتراط ذلك بيد البائع أو بيد أمين. وإن اشترط بقاءه رهنًا في يد البائع فثلاثة أقوال: منعه مالك في الموَّازيَّة مطلقًا، وأجازه ابن القصار مطلقًا، وأجازه أصبغ في العقار وما يؤمن عليه ومنعه في الحيوان.
[ ٦ / ١٠٢ ]
المازري: وقيد بعض الأشياخ الخلاف بما إذا لم يشترط فيه أجل بعيد، وأما إذا اشترط فيه أجل بعيد فإنه يمتنع اتفاقًا. وبعض الأشياخ أطلق الخلاف من غير تعرض لذكر قرب أجل الرهن وبعده. انتهى.
فقول المصنف: (ولَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ) يأتي على ما في الجلاب، ولعل المصنف يريد بـ (شِبْهِهِ) الطعام؛ لأنه يسرع إليه التغير. فانظر هل توجد لفظة (وَشِبْهِهِ) في الرواية.
ابن عبد السلام: وإذا لم يُمَكِّن البائعُ المشتري من قبض السلعة وَحَبَسَها في ثمنها؛ ففي انتقال ضمانها إلى المشتري ثلاثة أقوال، والمشهور أنها تضمن ضمان الرهان.
وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ
يعني: من باع سلعة بثمن مؤجل على شرط أن يأخذ رهنًا به، فإن كان الرهن المشترط غير معين وأبى المشتري من دفعه؛ خُيِّرَ البائع وشبهه من وارث وموهوب له في فسخ البيع وإمضائه بلا رهن، وهكذا قال ابن الجلاب مقتصرًا عليه، والذي نقله ابن المواز عن أشهب ونقله اللخمي وابن راشد وغيرهم: أنه يجبر على دفع رهن يكون فيه النقد باعتبار الدين.
ابن عبد السلام: وهو المذهب، واختلف المتأخرون هل يسجن أم لا؟ والصواب أنه يسجن.
اللخمي: وعلى المشهور فإن يعطى الصنف المعتاد، والعادة في الحواضر أن يرهن ما يغاب عليه من الثياب والحلي وما لا يغاب عليه كالديار وشبهها، فليس العادة العبيد والدواب، وليس على المرتهن قبول ذلك وإن كان أخف عليه؛ لتصديقه في تقله؛ لأن في حفظه كلفة ومشقة، وإن أحب أن يعطي ثيابًا وامتنع المرتهن لأنه مما يضمنه، أو أحب الراهن أن يعطي دارًا وامتنع المرتهن وأحب ما ينفصل به ويكون تحت غلقه فالقول قول الراهن؛ لأن كل ذلك رهن. ويحمل كلام المصنف على أن المبتاع لم يجد شيئًا، وأما إن وجد فيجبر على ما جرت العادة بدفعه.
[ ٦ / ١٠٣ ]
وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه
يعني: يصح الرهن ويلزم بالقول، لكن لا يختص المرتهن به على الغرماء إلا بقبضه، وهذا معنى قوله: (وَلا يَتِمُّ إِلا بِه). ونقل المازري عن أبي حنيفة والشافعي: أنه لا يلزم إلا بالقبض، ودليلنا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: ١] وقوله ﷺ: «المسلمون عند شروطهم». وتنازع الجميع في فهم قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣] هل المراد المقبوضة بعد عقد الرهن وهو قول مالك، ويعضده أنه أثبت لها حكم الرهان قبل القبض، أو المراد أن الرهن هو المقبوض وهو قول أبي حنيفة والشافعي؟
وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا
هذا قسيم قوله: (وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ وَشِبْهُهُ فِي الْفَسْخِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) أي: فإن كان معينًا، كما لو قال: أرهنك هذا الثوب. والأحسن بطريق المصنف تقديم هذه المسألة على قوله: (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلا يَتِمُّ إِلا بِه).
فَإِنْ تَرَاخَى الْقَبْضُ إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ بَطَلَ اتِّفَاقًا، ولَوْ كَانَ مُجِدًاّ عَلَى الأَشْهَرِ
أي: فإن تأخر القبض، وكذا وقع القبض ملفوظًا به في بعض النسخ.
قوله: (إِلَى الْفَلَسِ أَوِ الْمَوْتِ) فإن كان ذلك بتراخ من المرتهن ولو شاء أخذه قبل ذلك؛ بطل الرهن بالاتفاق.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يكون مجمعًا عليه وإن لم يتراخ، بل كان جادًّا في الطلب حتى فلس الراهن أو مات؛ ففي الجواهر: ظاهر الكتاب [٥١٣/أ] أنه لا يكون أحق؛ لقوله: إذا لم يقبض المرتهن حتى مات الراهن أو فلس كان أسوة الغرماء. فأطلق الجواب فيه.
[ ٦ / ١٠٤ ]
وقال القاضي أبو محمد: حقه ثابت؛ لأنه لم يفرط.
ابن راشد: وفي كلامه في الجواهر نظر؛ لأنه لم يتعرض لكونه مجدًّا، ويحتمل أن لو سئل عن ذلك لأجاب بالصحة. وشهر المصنف البطلان لكونه ظاهر المدونة كما قال ابن شاس، وحكى اللخمي والمازري القولين إذا كان جادًّا ولم يعينا مشهورًا.
فإن قلت: ما الفرق على ما شهره المصنف هنا وبين الهبة إذا مات الواهب والموهوب له جاد في الطلب وفي تزكية الشهود؛ أن ذلك حوز عند ابن القاسم خلافًا ِلأشهب؟
قيل: لأن الرهن لما كان لم يخرج من ملك راهنه لم يكتف بالجد في الطلب، بخلاف الموهوب فإنه خرج عن ملك راهنه، والله أعلم.
وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ
لما ذكر أنه لا يتم إلا بالقبض بيَّن أن القبض هنا كما قدمه في قبض المبيع، أي: فقبض المكيل بالكيل والموزون بالوزن والمعدود بالعدد، وفي اعتبار مقدار المناولة قولان، وفي العقار التخلية وفي غيرهما العرف.
ويحتمل أن يريد بقوله: (وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ) خصوصية المكيل والموزون والمعدود، وعلى كلا الاحتمالين ففي كلامه نظر؛ أما على الثاني فلأن كلامه حينئذ يكون تعرض لكيفية القبض في العقار والعروض ولا ينبغي إهمال ذلك، وأما على الأول فإن ظاهر كلامه مساواة القبض فيه للبيع، والذي يؤخذ من كلامهم أنه لا بد هنا من زيادة على قبض المبيع، فقد قال ابن عبد السلام: إِنَّ تخلي الراهن عن العقار لا يكون رهنًا كافيًا، بل لا بد مع ذلك من شيء آخر وهو غلق المرتهن على ما يكون ذلك فيه. وقال المازري: إن كان الرهن ما ينتقل كالثوب والعبد فَقَبْضُهُ بنقله من حيازة الراهن ومكانه إلى مكان المرتهن، وهذا لا يشترط في البيع. ونص اللخمي وغيره على أن قبض الرهن إذا كان
[ ٦ / ١٠٥ ]
عقارًا بالتسليم والإشهاد، إلا دَارَ سكناه فيشترط فيه في الرهن خروجه وإخلاؤه من شواغله. قال: وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين التصرف فيه جاز. وقال المازري: إن كان الرهن مما لا ينتقل كالدار فالقبض فيه رفع يد الراهن وتفريغ ذلك من شواغل الراهن، وإن كان مغلقًا خاليًا كان مفتاح ما يعلق به بيد المرتهن، وإن كان أرضًا لا تقفل ولا شَاغِلَ فيها للراهن كفى فيها الإشهاد والذب عنها إلى المرتهن.
فإن قلت: كلام المازري يدل على أنه لا بد من إزالة الشواغل. قيل: يحمل كلامه على دار سكناه ليوافق كلام اللخمي، فإن كان في كراء بغير وجيبة فحوزه أن يجمع بينه وبين المرتهن ويقبض الكراء المرتهن أو من يرضيان به.
واختلف إذا كان الكراء وجيبة؛ فحوزه أن يجمع بينه به، وقد قبض كراءه أو لم يقبض، هل يصح فيه حوز أو لا، وإن كان فيه طعام مختزن فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين جاز. انتهى.
وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ
لما قدم المصنف أنه يصح رهن الدين تكلم هنا على حوزه، ولم يتعرض المصنف للوثيقة التي فيها ذكر الحق، وكأنه إنما تكلم على ما لا بد منه، لأن الوثيقة قد لا تكون. قال في الجواهر: وأما الدين فبتسليم ذكر الحق، والإشهاد والجمع بين الغريمين إن كان على غير المرتهن، ويكفي الاقتصار على الجمع بينهما والإشهاد إن لم يكن ذكر حق، ويتقدم إليه بحضرة البينة ألا يقبضه إياه حتى يصل إلى حقه. وكذلك قال اللخمي: حيازة الدين أن يأخذ المرتهن ذكر الحق، أو يجمع بينه وبين الغريم ويتقدم إليه بحضرة البينة، ألا يقضيه أياه حتى يصل إلى حقه، فإن فعل ذلك متعديًا أغرم الدين ثانيًا، لأنه أتلفه على المرتهن إلا أن يكون حقه أقل، فإن كان الغريم غائبًا ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ،
[ ٦ / ١٠٦ ]
وفيه خلاف. وظاهر كلامهما: أنه لا بد من حيازة الدين في هذه الثلاثة، وقول اللخمي: وإن كان الغريم غائبًا ولا وثيقة فالإشهاد يجزئ، وفيه خلاف. لعله يشير بذلك إلى ما حكاه الباجي أنه قال، قال مالك: إن كان للدين وثيقة فحيازته أن تدفع الوثيقة إليه ويكون أحق في الفلس والموت، وإن لم يكن للدين ذكر حق، فقال ابن القاسم أيضًا: لا يجوز إلا أن يجمع بينهما، وهو ظاهر قول مالك في الموَّازيَّة. انتهى.
اللخمي: وليس على الراهن أن يدفع ذكر الحق للمرتهن إذا كان الدين عليه، لأنه يخشى أن يجحده فيتلف حقه، لأن قبض المرتهن للكتاب إنما هو ليقبض به، والمرتهن مستغن عن ذلك.
وَقَبْضُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ وَالْبَاقِي لِغَيْرِ الرَّاهِنِ إِنْ كَانَ عَقَارًا جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ لا بِمَا فِيهِ لِلرَّاهِنِ حَقٌّ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
يعني: إذا كان للراهن جزء مشاع في شيء وباقي ذلك الشيء لغيره، فإذا قبض المرتهن ذلك الجزء وحل محل الراهن؛ فإن كان المرهون عقارًا صح الرهن وتم باتفاق، وقد تقدم أول هذا التقييد أنه قد استقرئ من كلام المصنف إذا حكى الاتفاق، فإنما يريد اتفاق أهل المذهب بخلاف الإجماع.
ابن عبد السلام: حكى المصنف الاتفاق لكونه لم يطلع على الرواية التي في المذهب بمنع رهن المشاع.
خليل: وقد يقال: هذا لا يرد؛ لأن كلام المصنف إنما هو في كيفية القبض، وذلك مستلزم لصحة الرهن ابتداء، فكأنه يقول: اتفق القائلون برهن المشاع على هذا، والله أعلم.
وإن كان غير عقار؛ حيوانًا أو عروضًا، فقال ابن القاسم في المدونة: هو كالعقار. وقال أشهب وعبد الملك: لا بد من قبض المرتهن الجميع أو جعله بيد الشريك أو بيد غيرهما، هكذا نقل اللخمي وابن يونس قول أشهب، فوجه قول ابن القاسم القياس على العقار.
[ ٦ / ١٠٧ ]
المازري: ووجه قول أشهب وعبد الملك أن الحوز إنما صح في الرباع لأن نقلها لا يمكن، فصار المقدور عليه في قدرة الخلق رفع يد الراهن عن نصيبه، وكون يد المرتهن يحل محله، وأما ما ينقل ويزال؛ فإنه يمكن فيه أن ينقله عن مكان إلى [٥١٣/ب] مكان، وهكذا المعتاد فيه وفي قبضه فطلب في الحوز أعلى درجاته، وهي نقله من مكان إلى مكان ينفرد به المرتهن.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن.
ابن عبد السلام: والظاهر أنه لا فرق بين العقار وغيره.
والضميران المجروران في كلام المصنف بغير والباء عائدان على العقار وذلك واضح.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يِسْتَاذِنُ الشَّرِيكُ ولَهُ أَنْ يَقْسِمَ ويَبِيعَ ويُسَلِّمَ، وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ فَيَتَأَخَّرُ التَّسْلِيمُ قَوْلانِ
أي: وعلى قول المشهور، أي: قول ابن القاسم؛ كمن له نصف ثوب أو حيوان رهنه، ولا يستأذن الشريك الذي لم يرهن؛ لأن الشريط يتصرف مع المرتهن، وله -أي: للشريك الذي لم يرهن -أن يقسم الشرك إن كان مما يقبل القسمة، وله بيع ما نابه ويسلمه للشريك، ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك، لأن الرهن لا يتعلق بحصته، وعلى قول أشهب لا يكون أحد الشريكين أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، لأن المرتهن على قوله يحتاج إلى حيازة الجميع، ولهذا قال في الموَّازيَّة: من كان له نصف عبد أو دابة أو ما ينقل كالثوب والسيف؛ لم يجز أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه، وكذلك ما لا ينقسم، لأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فإن لم يأذن له انتقض الرهن.
خليل: وينبغي أن يستأذنه أيضًا على قول ابن القاسم؛ لأن الشريك الذي لم يرهن نصيبه قد يدعو إلى بيع الجميع لأجل ما عليه في بيع نصيبه مفردًا من الجنس، فإذا دعا إلى ذلك
[ ٦ / ١٠٨ ]
مُكِّنَ منه لكونه من حقه، فيؤدي إلى بيع النصيب المرتهن فينقل حكم المرتهن من الرهن إلى حكم آخر، ومن حق المرتهن أن يتوثق في الرهن حتى لا يكون لأحد فيه حق في إزالة يده عن الرهن إلا بعد قضاء الدين الذي هو رهن به، فإذا استؤذن الشريك الذي لم يرهن لم يكن له أن يدعو إلى المفاصلة وبيع الجميع حتى يحل أجل الدين ويقبض المرتهن حقه.
ثم فرع المصنف على قول أشهب بقوله: (وَعَلَى الآخَرِ: فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ إلخ).
أي: إذا أذن على قوله أشهب، وقلنا: إنه يمنع من دعوى المفاصلة، فلو أراد بيع نصيبه على أن يقبض إلى أجل الدين وهو أجل بعيد لا يجوز بيع المعينات على أن يقبض إليه على قولين المنسوب لأشهب الجواز.
المازري: وهو أشهرهما. وقال ابن ميسر بالمنع قياسًا على بيع الغائب، ورأى أشهب أنه لما كان للمشتري هنا الانتفاع في أكثر الأشيء وإنما منع من دعواه إلى بيع الجميع، فقد ناسب أن يقال هنا بالجواز دون المعين الذي يتأخر قبضه، فإنه إنما يدخل في قبض المشتري بعد ذلك الأجل المشترط وهو غرر؛ إذ لا يدري هل يبقى إلى ذلك الأجل أم لا، ولهذا الذي أشرنا إليه قال أشهب: ضمان هذا المبيع في هذه المسألة من المشتري دون الغائب كالمواضعة. وهكذا قال التونسي في كلامه على الموَّازيَّة. التونسي والمازري وابن زرقون: وإذا وجب الضمان على المشتري فيجب عليه أن ينقد الثمن للبائع، واعترض الباجي قول أشهب بأن ذلك يمنع صاحبه بيع نصيبه، فقال: هذا عندي لا يمنع ما ذكر؛ لأن ذلك لا يمنع من بيع نصيبه إن شاء أن يفرده بالبيع أو يدعو الراهن إلى البيع معه، فإن باعه بغير جنس الدين كان الثمن رهنًا، وإن كان بجنسه قضى منه الدين إن لم يأت برهن بدلًا منه.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام أشهب أنه لا يحتاج إلى إذن الشريك في الربع، وإن كان مما تمكن قسمته. وهذا معنى كلامه، والصواب عندي ما قاله الباجي.
[ ٦ / ١٠٩ ]
وَإِذَا كَانَ الْبَاقِي لِلرَّاهِنِ فَيُقْبَضُ الْجَمِيعُ. وَقِيلَ: إِلا فِي الْعَقَارِ فَكَالأَجْنَبِيِّ
أي: وإن رهن نصف ثوب أو دار ونحو ذلك وكان النصف الآخر للراهن؛ لم يصح حوز ذلك إلا أن يحوز المرتهن جميع ذلك، سواء كان عقارًا أو غيره على المشهور، والقول بأنه يكفي في العقار حوز البعض في الموَّازيَّة.
ابن عبد السلام: والقولان منسوبان للمدونة، وليس فيها عندي بيان لهما، والظاهر لا فرق بين العقار وغيره، والمذهب في الهبة أن الموهوب له يحل في الجزء الموهوب محل الواهب، سواء كان الباقي للواهب أو لغيره، وبذلك استدل للقول بأنه حيازة، وفرق للأول بأن الحيازة في الرهن أشد منها في الهبة؛ لما تقدمت الإشارة إليه من قوة ملك الراهن دون الواهب.
ابن راشد: ألا ترى أن الهبة إذا رجعت إلى يد الواهب بعد طول المدة لم تبطل بخلاف الرهن.
تنبيهان:
الأول: قوله: (وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ) ظاهره أن جميع الباقي للراهن، وليس ذلك بشرط في المسألة، بل وكذلك إذا كان له حصة أخرى لم يرهنها، والله أعلم.
الثاني: خصص المصنف الخلاف بما إذا كان جميعه للراهن بالعقار، وهي طريق أكثر الشيوخ، ولم يحكوا في غير العقار خلافًا أنه لا بد من حوز الجميع، وحكى اللخمي الخلاف في غير العقار أيضًا.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لا يُمَكَّنُ مَنْ قَبَضَ فِي اسْتِئْجَارِ جُزْءٍ غَيْرِهِ، ويَقْسِمُ أَو يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ
يعني: وعلى المشهور وهو قول ابن القاسم أنه لا يشترط في غير العقار أن يحوز المرتهن الجميع، بل يكفي أن يحل محل الراهن، فلا يمكن الراهن إذا استأجر نصيب شريكه من قبض أجرة ذلك النصيب لأجل أنه تجول يده فيما اكتراه وفيما رهنه، فيبطل
[ ٦ / ١١٠ ]
حق المرتهن، فإذا استأجره صحت الإجارة وقسم بينهما أو يقبض له المرتهن، وفهم من كلامه صحة الإجارة، ونص في المدونة وغيرها على أنه لا يمنع من الإجارة ابتداء. وقال: على المشهور؛ لأنه على قول أشهب لا يتأتى هذا.
تنبيهان:
الأول: يفهم من كلام المصنف أنه لا يمكن في العقار من قبض في استئجار جزء غيره على قول ابن القاسم وأشهب، ولعل المصنف لما رأى أن [٥١٤/أ] نصه على غير العقار يستلزم معرفته في العقار بخلاف العكس؛ فإنه لا يفهم من ذلك إلا بتأمل اقتصر على بيان الحكم في غير العقار.
الثاني: لا فرق بين قسمة الرقاب والمنافع في تصحيح الرهن، قاله اللخمي.
ولَوْ كَانَ الشَّرِيكُ أَمِينَهُمَا ثُمَّ رَهَنَ حِصَّتَهُ وَجَعَلا الأَوَّلَ أَمِينَهُمَا بَطَلَ حَوْزُ الْحِصَّتَيْنِ
يعني: إذا كانت دار أو غيرها شركة بين اثنين، فرهن أحدهما حصة من شخص وجعل الراهن والمرتهن الشريك أمينهما، ثم رهن أيضًا الأمين حصته لمرتهن الحصة الأولى وجعل الراهن الأول أمينهما؛ بطل حوز الحصتين، لأن الرهن صار بيد الراهن الأول والثاني.
وما ذكره المصنف ذكر ابن المواز أنه سمعه من أصحاب مالك. محمد: ولو جعلا نصيب الثاني على يد أجنبي أو يد المرتهن بطلت حصة الثاني فقط، يريد لأنه حائز لنصيب الراهن الأول، فيبقى ذلك في يده وهو مشاع، فيبطل ما ارتهنه.
التونسي والمازري وغيرهما: وهذا إنما ينبني على أحد القولين فيمن رهن نصف داره من رجل وبقي الراهن يحوز مع المرتهن؛ أن ذلك يمنع من صحة حوز الرهن، وأما على
[ ٦ / ١١١ ]
القول بصحة هذا الحوز؛ فلا يبطل رهن الباقي، وإن كانت يد الراهن باقية على نصيب شريكه، وهو تخريج ظاهر؛ لأن قصارى أمره أن يكون بمنزلة ما لو كان الجميع له، ولا إشكال في صحة الرهن الأول، لأنه لا نظر له في شيء من الدار.
وَالْحَوْزُ الْمُتَقَدِّمُ لِغَيْرِ الرَّهْنِ كَالْمُتَأَخِّرِ لا يَكُونُ حَوْزًا عَلَى الأَصَحِّ
قد تقدم أنه يصح رهن المساقي والمستأجر، وتكلم المصنف هنا على حوز ذلك، والأصح لابن القاسم؛ ففي المجموعة: مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرهن ما هو بيده بإجارة أو مساقاة ويكون ذلك حوزًا للمرتهن، مثل الذي يخدم العبد ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك، فيكون حوز المخدم حوزًا للمتصدق عليه، ومقابله لمالك في الموَّازيَّة: أن من اكترى عبدًا أو دارًا سنة أو أخذ حائطًا مساقاة ثم ارتهن شيئًا من ذلك قبل فراغ أجله، فلا يكون حوزًا للرهن؛ لأنه محوز قبل ذلك بوجه آخر. قيل له: ما الفرق بين هذا وفضلة الرهن وقد تقدم فيه حوز الأول؟ قال: هذا محوز عن صاحبه والأول هو باسم صاحبه في المساقاة والكراء.
ابن المواز: هذا محوز له والرهن محوز عنه، فهما وجهان.
ابن عبد السلام: وهو فرق جلي يظهر صوابه إثر تصوره، وإن كان ابن يونس لم يرتضه.
وقال: إنهما سواء. ولابن الماجشون نحو ما في الموَّازيَّة، وتصحيح المصنف موافق لاختيار ابن يونس.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مُكَاتَبَ الرَّاهِنِ فِي قَبْضِهِ، بِخِلافِ عَبْدِهِ ومُسْتَوْلَدَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ
يعني: ويجوز للمرتهن أن يوكل مكاتب الراهن في قبض الرهن، لأنه قد أحرز نفسه وماله، بخلاف العبد والمستولدة، فإن للسيد انتزاع مالهما، فما تحت أيديهما بمنزلة ما هو تحت يده، وكذلك له النظر التام في مال ولده الصغير، وفي معناه الكبير السفيه، ولا
[ ٦ / ١١٢ ]
خلاف في ذلك، واختلاف في الابن المالك لأمره البائن عن أبيه. فقال ابن القاسم: لا ينبغي ذلك ويفسخ. وقال سحنون: ذلك جائز. وقاله ابن الماجشون في البنت والابن، وأما وضعه بيد زوجة الراهن؛ فقال ابن القاسم في المجموعة وغيرها: لا يجوز ذلك. وقال أصبغ: إن حيز ذلك عن راهنه حتى لا يلي عليه ولا يقضي فيه جاز. وأما وضعه على يد أخ الراهن؛ فقال ابن القاسم في الموَّازيَّة والعتبية: لا ينبغي ذلك، وضعفه، وقال في المجموعة: ذلك رهن تام، وهو أصح. انتهى.
عبد الملك: ولو كان ليتيم وليان فأخذ اليتيم دينًا ورهن به رهنًا ووضع على يد أحدهما لم يتم بذلك الحوز؛ لأن الولاية لهما ولا يجوز الرد على نفسه.
المازري: وأما حوز القيم بأمور الراهن المتصرف في ماله وشئونه؛ فقد وقع في الرواية أنه إن حاز جميع الرهن كدارٍ رهن الراهن جميعها فحازها القائم بشئون الراهن للمرتهن بإذنه؛ فذلك حوز لا يبطل الرهن، وإن كان إنما رهن الراهن نصفها وأبقى النصف الآخر على ملكه وتصرفه، فإن قبض القائم بشئون الراهن لا يصح؛ لكون الجزء الآخر الذي لم يرتهن بحوز هذا القائم بنيابة عن الراهن، وهو غير مميز من الجزء المرتهن؛ فكان يد المرتهن على جميع الرهن. انتهى.
وقاله ابن الماجشون، وزاد إلا أن يكون عبدًا فلا يجوز بيعه، يعني: وإن رهن الجميع؛ لأن حوز العبد حوز لسيده، كان مأذونًا له أو لا.
وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَدْلٍ فَهُوِ لَهُ
أي: إذا وقع الشرط على أن يكون بيد المرتهن أو عدل عمل عليه، وإلا فنص ابن القاسم في العتبية على ما ذكره المصنف: أن القول قول من دعا إلى وضعه بيد العدل، أما الراهن فلأنه قد يكره حيازة المرتهن خوف أن يدعي ضياعه، وأما المرتهن فليدفع عن
[ ٦ / ١١٣ ]
نفسه حفظه، والضمان على تقدير هلاكه إن كان مما يغاب عليه، ونص اللخمي على أنه إذا كانت العادة تسليم الرهن للمرتهن؛ أنه يقضي له بذلك كالشرط.
فَإِنْ أَسْلَمَهُ دُونَ إِذْنِهِمَا ضَمِنَ
أي: فإن أسلم العدل الرهن دون إذن الراهن والمرتهن ضمن، ولم يبين المصنف ما الذي يضمن، وكذلك لم يبين هل الرهن مما يغاب عليه أم لا.
وفي المدونة: وإن تعدى العدل في رهن على يده فدفعه إلى الراهن أو المرتهن فضاع وهو مما يغاب عليه؛ فإن دفعه إلى الراهن ضمنه للمرتهن.
ابن يونس وغيره: يريد أنه يضمن له الأقل من قيمته أو من الدين، لأنه إن كانت قيمته أقل فهو الذي أتلفه عليه، وإن كان الدين أقل لم تكن له المطالبة بغيره. قال في المدونة: وإن دفعه للمرتهن ضمنه الراهن، فإن كان الرهن كفاف [٥١٤/ب] الدين؛ سقط دين المرتهن لهلاكه بيده، وإن كان فيه فضل ضمن العدل فضله للراهن.
ابن يونس: يريد ويرجع به على الراهن.
اللخمي وابن عبد السلام: وهذا إذا كان بعد الأجل أو قبله ولم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فأما إن علم بذلك قبل الأجل؛ كان للراهن أن يغرم القيمة أيهما شاء؛ لأنهما متعديان عليه، هذا في دفعه، وهذا في أخذه، وتوقف القيمة على يد عدل غير الأول خيفة أن يتعدى عليه ثانية، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ويأخذ القيمة.
أبو الحسن: وانظر قوله في المدونة: وهو مما يغاب عليه؛ مفهومه أن ما لا يغاب عليه ليس كذلك، وهذا إنما يضمنه بالعداء، وما يضمن بالعداء لا يفصل فيه بين ما يغاب عليه أو لا، ولعله إنما ذكر ما يغاب عليه لأجل المرتهن الذي يضمن القيمة. ولكن قوله: (مِا يُغَابُ عَلَيْهِ) إنما هو في السؤال فلا يعمل بمفهومه، ولا فرق بين ما يغاب
[ ٦ / ١١٤ ]
عليه، وما لا يغاب عليه؛ لأن العدل والمرتهن متعديان، وهو الذي يظهر من كلام اللخمي المتقدم. انتهى.
ومن أحب الزيادة على هذا أو الاطلاع على مسألة محمد والكلام عليها فلينظر ابن يونس.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي عَدْلَيْنِ؛ فَقِيلَ: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ. وقِيلَ: عَدْلُ الرَّاهِنِ
يعني: فإن أحب الراهن عدلًا وأحب المرتهن غيره، فقال محمد بن عبد الحكم: ينظر الحاكم في ذلك. والقول بأن ذلك للراهن للخمي، قال: وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به.
ابن عبد السلام: ويظهر الأول فيما إذا ادعى كل واحد منهما العدالة في شخص ونازعه الآخر، ويظهر الثاني فيما إذا اتفقا على عدالته، لكن المسألة مفروضة عند الشيوخ فيما هو أعم من كل واحدة من الصورتين. قال في المدونة: وإن مات العدل وبيده رهن فليس له أن يوصي عند موته بوضعه عند غيره، والأمر في ذلك للمتراهنين.
وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ الْقَبْضِ
أي: يشترط دوام القبض في الاختصاص بالرهن، والمراد بدوام القبض أن يكون الرهن بيد المرتهنين أو بيد العدل لا بيد الراهن وقت الحاجة إليه، خلافًا للحنيفة في قولهم: إن رجوعه إلى يد الراهن بالعارية أو بالإيداع لا يبطل بخلاف الإجارة.
واستدل أهل المذهب بقوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣] وقالوا: هذه الصفة مطلوبة في الرهن لقصد التوثق، والمطلوب من التوثق أن يكون الرهن محوزًا عن الراهن.
فَلَوْ عَادَ اخْتِيَارًا فَلِلمُرْتَهِنِ طَلَبُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِعِتْقٍ أَوْ تَحْبِيسٍ أَو قِيَامِ الْغُرِمِاءِ
يعني: فلو عاد الرهن إلى الراهن اختيارًا من المرتهن أو بوديعة أو إجارة؛ فللمرتهن طلب الرهن، قاله ابن القاسم وأشهب.
[ ٦ / ١١٥ ]
اللخمي: وإنما يرجع في الإجارة إذا انقضت مدتها، وإن قام قبل ذلك وقال: جهلت أن ذلك نقض لرهني وأشبه ما قال؛ حلف ورده ما لم يقم الغرماء.
فإن قلت: كيف تتصور الإجارة والغلة إنما هي للراهن، وكيف يتصور أن يستأجر من نفسه؟ قيل: يحمل ذلك على ما إذا كان المرتهن اكتراه ثم أكراه للرهن.
وقوله: (إِلا أَنْ يَفُوتَ بِعِتْقٍ إلخ) أي: له الطلب إلا في وجهين:
الأول: أن يقوم الغرماء. والثاني: أن يفوت بتحبيس أو عتق.
ابن القاسم وأشهب: أو بتدبيره ونحوه. وفي الفوت بالتدبير نظر، لأنه لا يمنع ابتداء الرهن فكيف يمنع استصحابه، إلا أن يكون معنى قولهما أنه لا يمكن المرتهن من بيع المدبر الآن، ولكن يرد إليه ليحوزه على نحو ما يحوز المدبر في الارتهان، فقد أشار بعضهم إلى هذا.
وقال: (اخْتِيَارًا) لأنه لو عاد بغير الاختيار فله القيام مطلقًا، سواء قام الغرماء أو لم يقوموا، فوته بما ذكر أو لا.
وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَجَّلَةُ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّدِّ فَلَهُ ذَلِكَ
أي: إذا أعاره على الرد؛ سواء أجله بموت أم لا كذلك له الطلب، ولو قال: والعارية على الرد لأجاد، لأن قوله: (الْمُؤَجَّلَةُ) إنما يتبادر الذهن منه إلى غير المؤجلة بمدة معنية.
ووقع في بعض النسخ: (وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَجَّلَةُ أَوْ عَلَى الرَّدِّ كَذَلِكَ) وهي أحسن من الأولى لأخذ المسألة؛ لكن فيها أيضا نظر من وجه آخر، وهو أن قوله: (الْمُؤَجَّلَةُ) مستغنى عنه؛ لأن قوله: (عَلَى الرَّدِّ) يشمل الصورتين كما ذكرنا.
وقوله: (كَذَلِكَ) أي: لا يبطل الرهن فله ذلك، أي: الطلب ما لم يفت أو تقم الغرماء، ولو اقتصر على قوله (كَذَلِكَ) لكفى.
[ ٦ / ١١٦ ]
وَفِي سُقُوطِ طَلَبِهِ بِالْعَارِيَةِ مُطْلَقًا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ
هذا كله مع عود الرهن بالاختيار. وحاصله: أن ابن القاسم جعل له الطلب في الإجارة والوديعة والعارية على الرد وأبطل الرهن إذا أعاره إعارة مطلقة من غير تقييد برده، وسوى أشهب بين الجميع.
اللخمي وغيره: وقوله أبين. وقال: فإن كانت العارية إلى أجل ارتجعها إذا انقضى ذلك الأجل، ويختلف إذا لم يكن ضرب أجلًا؛ لأن العارية لا أمد لها، وقد قيل في هذا الأصل: إنها تبقى إلى مدة يرى أن يعير إلى مثلها. خليل: وقد قيل لا يلزم هنا التأخير إلى مدة يمكن الانتفاع بها، ويفرق بين العارية وغيرها بأن يقال: الرهن بيد الراهن يضعف حيازة المرتهن، والله أعلم.
ولا فرق على القولين بين أن يكون المستعير هو الراهن أو غيره، فقد حكى المازري القولين إذا أعاره لرجل أجنبي، وذكر عن ابن حارث ثالثًا بالتفصيل إن كان الراهن هو الراغب للمرتهن في أن يمكن المستعير من الرهن فمكنه، فإن ذلك كتمكين الراهن من الرهن، وإن كان الراغب فيه هو المرتهن؛ فإن ذلك لا يبطل الحوز، قال: ويرد هذا التفصيل في الإجارة.
ونسب اللخمي القول الذي نسبه المصنف لابن القاسم لمالك، وأشار إلى أنه يمكن حمله على أنه استردها قبل أن تمضي مدة تعار إلى مثلها لا على أنه سقط طلبها بالكيلة. ابن راشد: وإذا فرعنا على قول ابن القاسم [٥١٥/أ] بالبطلان، فلو رده الراهن باختياره، فهل يكون رهنًا على حاله الأول أم لا؟ قولان لابن القاسم وغيره حكاهما في المتيطية وبناهما على الخلاف في افتقار الرهن إلى التصريح به أم لا.
[ ٦ / ١١٧ ]
ولَوْ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءٍ بَطَلَ الرَّهْنُ، وكَذَلِكَ فِي إِسْكَانٍ أِو إِجَارَةٍ
مقتضاه: أن مجرد الإذن كافٍ في البطلان وهو نص المدونة في حريم البئر، ففيها: لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري؛ فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن ولم يكرِ. وقال أشهب: بل حتى يكريها. وظاهر كلام غير واحد أن قول أشهب خلاف، وصرح بذلك المازري. وقال ابن حارث: معنى قول ابن القاسم أن الرهن كان على يد أمين، ومعنى قول أشهب: أن الرهن كان على يد المرتهن. وهكذا نقل ابن راشد قول ابن حارث، وذكره المازري على أنه قول ثالث في المسألة، فقال: فقد رأى ابن القاسم أن مجرد الإذن كالترجيح بإسقاط حق المرتهن، وكما أن عقد الرهن يلزم بالقول فكذلك يسقط وهو الأشبه بأصل المذهب، واستصحب أشهب الحوز.
تنبيه:
وقع في المدونة في الرهن فيمن ارتهن رهنًا فقبضه ثم أودعه للراهن أو أجاره أو أعاره إياه أو رده إليه بأي وجه كان حتى يكون الراهن هو الحائز له؛ فقد خرج من الرهن. وجعله ابن عبد السلام مخالفًا لما في كتاب حريم البئر، وكذلك قال أبو الحسن، وظاهر هذا: أن مجرد الإذن لا يبطل، وفيه نظر؛ لأنه لا منافاة بين البابين، لأنه نص في باب الرهن على وجه متفق عليه، وبين ما في حريم البئر أن الرهن يبطل بمجرد الإذن، وقد حمل ابن يونس وغيره ما في حريم البئر على أنه تقييد لما في الرهن، ولم ينقل المازري عن ابن القاسم إلا ما في حريم البئر، والله أعلم.
وَلَكِنْ يَتَوَلاَّهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ
ضمير (يَتَوَلاَّهُ) عائد على ما فهم من إجارة وإسكان، يعني: ولكن إن أراد الجمع بين صحة الإجارة وتمام الرهن فليتول المرتهن الكراء بإذن الراهن له في ذلك. وظاهر
[ ٦ / ١١٨ ]
كلامه: أنه لو لم يأذن له لم يكن له ذلك، وهو قول ابن القاسم وأشهب، زاد أشهب: إلا إذا اشترط أن كراءه رهن مع رقبته؛ فله أن يكريه حينئذ بغير إذنه. وقال ابن عبد الحكم: للمرتهن أن يكري الرهن دون إذن الراهن. ونقل بعضهم عن ابن الماجشون: أن المرتهن إذا ترك كراء الدار ولكرائها خطب وقدر؛ أنه ضامن يوم ارتهانها، لأنه تعمد إبطالها ما لم يكن الراهن عالمًا بذلك، فحينئذٍ لا يكون على المرتهن ضمان، لأن رد بينته وسكوته رضى. وحكى بعضهم عنه أنه يستحب لمرتهن الدار أن يكري الدار بؤامرة ربها إن كان حاضرًا، وإن ترك ذلك جاز ومضى إذا اجتهد، ولا منافاة بينه وبين ما حكى الأول فتأمله.
وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الْفَلَسِ لا يَثْبُتُ بِهَا الْحَوْزُ وَإِنِ اتَّفَقَا، إِلا بِبَيِّنَةٍ بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلُ
يعني: إذا وجد بيد من له دين على شخص سلعة للمدين بعد موته أو فلسه وادعى أنها رهن عنده؛ لم يصدق في ذلك ولو وافقه المرتهن؛ خشية أن يتقارر الإسقاط حق الغرماء.
عبد الملك: وفي الموَّازيَّة والمجموعة: ولا ينفعه ذلك حتى يعلم أنه حازها قبل الموت والفلس. محمد: صوابه لا ينفعه إلا بمعاينة الحوز، وهو الذي ذكر اللخمي أنه لا بد من معاينة البينة لقبض المرتهن، وذكر ابن يونس أول كتاب الرهن قولين؛ أعني: هي يكفي معاينة الحوز أو التحويز؟ واختار الباجي الحوز. قال: ولعله قول محمد، ولكن ظاهر لفظه خلافه.
وذكر ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين: أن الذي جرى عليه العمل عندهم أنه إذا وجد الرهن بيد المرتهن وقد حازه كان رهنًا، وإن لم يحضر الحيازة. وفي المقدمات: ولو وجد الرهن بيد المرتهن فادعى أنه قبضه قبل التفليس وجحد ذلك الغرماء؛ جرى الأمر فيه على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق عليه بعد موت المتصدق فيدعي قبضها في صحته. وفي المدونة دليل على القولين جميعًا، ولو لم يتعلق بذلك حق الغرماء لوجب
[ ٦ / ١١٩ ]
أن يصدق المرتهن. ويقبل إقراره أنه قد حاز الرهن فيكون إقراره له كشاهد على حقه إلى مبلغ قيمته.
ابن عبد السلام: ولو شهد شاهدان بالحيازة وآخران بعمدهما عمل بشهادة الحيازة لزيادتها.
وقول المصنف: (بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ) يحتمل كلًاّ من القولين، لكن المفهوم من المعاينة أنه لا بد من الشهادة على الحوز.
وَكَذَلِكَ يَدُ الأَمِينِ
يعني: فلا يقبل قوله أنه حازه إلا بالبينة، وهكذا نقل الباجي عن ابن الماجشون، واقتصر عليه اللخمي ولم يعزه، وبه قال ابن عتاب، قال: شهادة الأمين في ذلك ضعيفة. وقال سحنون: تقبل شهادة العدل الموضوع على يده الرهن في الدين.
وَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ نَفَذَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ
يعني: فلو باع الراهن الرهن قبل أن يقبضه المرتهن نفذ البيع وإن كن لا يجوز له ذلك ابتداء، ولزم الراهن أن يأتي برهن آخر مكان المبيع يوضع إلى أجله. وهذه إحدى روايتي الموَّازيَّة، ونقله محمد عن ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.
والرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإتيان برهن، ونقله أيضًا عن ابن القاسم، ونص ابن عبد السلام على أن هاتين الروايتين فيما إذا لم يفرط في الطلب، ونقل عن بعضهم أنه جعل للمرتهن نقض البيع ورد الرهن على ما وقع عليه الشرط أولًا، فإن فات بيد مشتريه كان الثمن رهنًا، وظاهر المدونة كالثانية خلاف ما ذكره المصنف، ولفظها: وإن بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميمونًا ففارقته قبل قبضه؛ لم يبطل الرهن ولك أخذه منه ما لم تقم الغرماء فتكون أسوتهم، وإن باعه قبل أن يقبض منه مضى البيع، وليس لك أخذه برهن غيره؛ لأن تركك إياه حتى باعه كتسليمك إياه. فظاهر احتجاجه بقوله: "لأن
[ ٦ / ١٢٠ ]
تركك إياه إلخ" راجع إلى سقوط طلب المرتهن لرهن آخر لا إلى نقض البيع. وتأول ابن القصار وغيره المدونة على أن المرتهن فرط في قبض الرهن وتوانى، لقوله: "لأن تركك إياه .. إلخ" ولو لم يكن من المرتهن تفريط ولا توان لكان له مقال في رد البيع، فإن [٥١٥/ب] فات بيد مشتريه كان الثمن رهنًا، وكذلك تأولها الشيخ أبو محمد على أنه تراخى في القبض، فإن لم يتراخَ في القبض فبادر الراهن البيع لم يبطل الرهن ومضى البيع وكان الثمن رهنًا، وعلى هذا فيتلخص أن البيع يمضي إن كان المرتهن فرط، وإن لم يفرط فقولان، ونص عبد الملك في المجموعة على إمضاء البيع وإن لم يفرط. عياض: وأشار بعض شيوخنا إلى أن هذا فيما كان من الرهن شرطًا في أصل العقد فباعه الراهن بعد التراخي، وأما ما كان بيعه مبادرة لإخراجه من الرهن فينتقض فيه البيع، فإن فات في يد مشتريه بقي الثمن رهنًا، وأما ما تطوع به من الرهن بعد العقد فحكمه في بيعه قبل قبضه كحكم بيع الهبة قبل قبضها. ونقله ابن عبد السلام عن غير واحد، وقيد ابن المواز وغيره ما تقدم من إمضاء بيع الرهن ولا طلب له برهن آخر بما إذا أسلم البائع السلعة، ولو بقيت بيده لم يلزمه تسليمها فرط أو لا حتى يأتي برهن.
وَبَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ رَدُّهُ فإِنْ أَجَازَهُ تَعَجَّلَ حَقَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ فَأَكْثَرَ مَضَى وتَعَجَّلَ، وإِلا فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ أَو يَرُدَّ
وإن باع الراهن الرهن بعد قبض المرتهن له بغير إذنه؛ فمذهب المدونة: له إجازته ورده، فإن أجاز تعجل حقه. (وَرُوِيَ إلخ) هو لمالك في الموَّازيَّة. وأول صاحب البيان المدونة على وجه تتفق فيه مع الموَّازيَّة، لأنه قال: معنى المدونة أن له رد البيع إذا باعه بأقل من حقه، أو كان الدين عرضًا أنه لا يلزمه قبض العرض قبل حلوله إلا أن يكون من قرض، ونحوه للخمي، ولعل المصنف لهذا لم يصرح بمخالفة الرواية الثانية للأولى، وإلا
[ ٦ / ١٢١ ]
فكان يمكنه أن يقول: فإن بيع بأقل من الدين أو بغير جنسه خير المرتهن، وإلا ففي تخييره قولان لابن القاسم ومالك ليكون أخصر.
وقوله في المدونة: وإن أجاز تعجل حقه. قال فيها: شاء الراهن أو أبى، وهو مقيد بأن يحلف أنه إنما أجاز لذلك. صرح بذلك في التلقين، وقوله في الموَّازيَّة: بمثل الدين. أي: في الجنس والصفة والقدر. ابن راشد: وقوله: وإلا يدخل فيه ثلاث صور، وهي واضحة. ونص هذه الرواية عند ابن يونس: وإن باعه بعد الحوز وهو بيد المرتهن أو بيد أمين؛ فإن باعه بمثل الحق فإنه يجعل للمرتهن حقه، وإن لم يحل الأجل وينفذ البيع، ولا حاجة للمرتهن في حقه لأنه مضار إلا أن يباع بأقل من حقه فله أن يرده أو يمضيه ويتعجل الثمن ويطلبه بما بقي.
ابن المواز: وكذلك إن باعه بثمن يخالف حق المرتهن فله نقض البيع. محمد: وقد كان من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه إذا باعه بعد الحوز فلا بيع له ويرد والأولى أحب إلي وعليه أصحابه أنه ينفذ بيعه ويتعجل حقه إن بيع بمثل دينه. أشهب: وإن استهلك ثمن الرهن قبل أن يدفعه إلى المرتهن؛ فإن كان عنده وفاء وداه وتم البيع وإلا فللمرتهن رد البيع، وانظر كيف جعل قوله: (إِنْ بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ) في الرواية، وإنما هو من قول ابن المواز، وقيد اللخمي ما ذكره في الموَّازيَّة من أن للمرتهن رد البيع إذا بيع بأقل من الدين بما إذا لم يكن ذلك الوقت وقت نفاذ بيعه. قال: وإلا فلا رد له، وإن لم يوف بالدين، لأن المنع ضرر على الراهن من غير منفعة للمرتهن. وعن أشهب: إن لم يجز المرتهن بيعه وفي ثمن الرهن وفاء وللراهن مال؛ فلا يلتفت إليه ويمضي البيع وإلا نقض، وإن أجاز بيعه بغير إذنه إلى أجله ووقف له الثمن رهنًا، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة يشبه الذي باع. وقال سحنون: وإن لم يأت برهن يشبه الذي باع عجل له الثمن، إذ لا فائدة في إيقافه، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك.
[ ٦ / ١٢٢ ]
فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ولَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَالً: أَذِنْتُ لأَتَعَجَّلَ؛ حَلَفَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ بَطَلَ رَهْنُهُ
يعني: فإن كان بيع الراهن الرهن بإذن المرتهن فإن لم يسلمه للراهن وأبقاه تحت يده، وقال: إنما أذنت له في البيع لإحياء الرهن؛ بأن يكون الثمن رهنًا أو يأتي برهن ثقة لا ليأخذ الراهن الثمن؛ حلف المرتهن على ذلك وأتى الراهن برهن ثقة.
قال في المدونة: يشبه الرهن الذي بيع وتكون قيمته كقيمة الرهن الأول فلك أخذ الثمن، وإلا بقي الثمن رهنًا إلى الأجل ولم يعجل للمرتهن حقه، ولأشهب في المجموعة إذا باعه الراهن بإذن المرتهن فلا أرى الثمن له رهنًا إلا أن يكون المرتهن اشترط ذلك، وإن اشترط عند الإذن أن يقبض حقه؛ فإن ذلك لا يصح وأراه إلى أجله، لأن اشتراط تعجيل الثمن في البيع سلف جر منفعة، وأما إن أسلم المرتهن الرهن للراهن فقد بطل الرهن، لأن دفعه الرهن للراهن دليل على إسقاط المرتهن حقه منه، وهذا مذهب المدونة. وقيل: لا يبطل، بل يحلف المرتهن ويوقف الثمن. وفي الموَّازيَّة: إذا أوصل المرتهن الرهن للراهن حتى باعه فبيعه جائز، ولا يعجل الحق كما لو باعه قبل الحوز، وإن قال المرتهن: إنما أوصلت إليك لتعجل لي حقي وأنكر الراهن، فقال أشهب: يحلف المرتهن والقول قوله، ولا يضره قيام الغرماء إن كان ذلك بقرب دفعه إليه، وإن كان ليس بقرب دفعه فقام الغرماء فهم أحق بالثمن.
عياض: وقوله في المدونة: وتكون قيمته كالأول. يدل على أنه إنما يريد مثل الرهن الأول وإن كان زائدًا على الدين؛ لأنه قد رضي الأخذ بذلك وعليه عقد عقده، ولهذه الزيادة فائدة، إذ قد تنخفض في الأسواق في الأجل، وقيل: معناه أن يكون الرهن حيوانًا أو ما لا يغاب عليه مما لا ضمان على المرتهن فيه فيأتيه بخلافه فيلزمه.
[ ٦ / ١٢٣ ]
خليل: وظاهر المدونة هو ظاهر من جهة المعنى أنه لا بد من المعنيين، لأن قوله فيها يشبه الرهن الذي بيع، أي: في كونه مما لا يغاب عليه.
وقوله: وتكون قيمته كقيمته. ظاهر في اشتراط مساواة القيمة، والله أعلم.
فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ [٥١٦/أ] أَوْ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَو بَعْدَهُ فَكَالْبَيْعِ قَبْلَهُ، وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ بَعْدَهُ وَلا يَلْزَمُ قَبُولُ رَهْنٍ
أي: فإن كان الرهن عبدًا فأعتقه الراهن أو كاتبه أو دبره قبل القبض، ولا يريد أنه يجوز له ذلك ابتداء، فإن ذلك لا يجوز، نص عليه في المدونة وغيرها، وإنما مراده لو فعل.
وظاهر قوله: (كَالْبَيْعِ قَبْلَهُ) أنه يمضي ما فعله ويأتي برهن ثقة، ويحتمل أن يريد بقوله: (فكالبيع) أي: في لزوم فعله وتعجيل الحق، ويكون قوله بعد هذا: (وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ إلخ). بيانًا لذلك، وهذا الوجه وإن كان بعيدًا من لفظه إلا أنه ينبغي أن يعتمد عليه هنا، لأن النقل لا يصحح الوجه الأول، وسيظهر لك ذلك.
وقوله: (أَو بَعْدَهُ) يحتمل بعد القبض وهو ظهر لفظه، ويحتمل بعد ما فعله من عتق أو كتابة أو تدبير، وهذا الثاني أقرب لما في المدونة؛ لأنه لم يذكر فيها قبضًا، ففيها: ومن رهن عبدًا ثم كاتبه أو عتقه جاز ذلك إن كان مليًا وعجل الدين. زاد في رواية ابن عتاب: أن يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء الدين فتجوز الكتابة. ثم قال فيها: وإن دبره بقي رهنًا، لأن للرجل رهن مدبره. وروى ابن وهب عن مالك: التدبير مثل العتق، ويعجل له دينه، وعلى هذا ففي نقل المصنف لمذهب المدونة نظر، لأنه ترك رواية ابن القاسم.
فإن قلت: لعله اختار رواية أشهب كما اختارها سحنون وغيره، لأن ما رواه ابن القاسم فيه احتمال إبطال التدبير لإعسار السيد بالثمن عند الأجل، قيل: ولو اختارها لكان ينبغي أن ينبه على رواية ابن القاسم.
[ ٦ / ١٢٤ ]
فإن قلت: فلم عجل الدين في العتق والكتابة؟ قيل: لأنهم عدوه بقوله راضيًا بتعجيل الدين، لأن الرجوع في الرهن لا يجوز والرد في الرق لا يجوز، فلم يبق إلا تعجيل الدين. وقلنا: النقل لا يصحح الوجه الأول؛ لأن كلام المصنف يشتمل على ست مسائل، إذ كل من العتق والكتابة والتدبير صورتان؛ إحداهما قبل قبض المرتهن. والثانية بعده.
وإذا حملنا كلامه على ظاهره يلزمه أن يكون الحكم في الستة أنه يمضي فعله ويأتي برهن ثقة. ولنذكر ما في ذلك قبل القبض وبعده، أما قبل القبض فلم يصرح أحد فيما رأيت بالإتيان برهن، بل نص أشهب على أنه لا يلزم الإتيان برهن، وظاهر المدونة: أنه يعجل الحق في الكتابة دون التدبير كما تقدم، إذ لم يفرق فيها بين قبل القبض ولا بعده، وصرح ابن القاسم بذلك في العتبية، خلافًا لرواية ابن وهب أنه يجعل فيها كما تقدم، ونقل اللخمي في العتق والكتابة والإيلاد والتدبير قبل الحوز قولين:
أولهما لابن القاسم في العتبية: أن بيعه قبل الحوز أو عتقه أو وطئه أو هبته أو صدقته جائزة، ويؤخذ ما عليه من الدين ويقضي صاحبه، وإن لم يكن موسرًا لم يجز شيء إلا أن يولد أو يبيع.
والثاني: أن ذلك لا يعد رضى ولا يعجل الدين، قال: ويختلف على القول بأن ذلك ليس برضى في البيع، هل يعجل الثمن الذي بيع به، أو يأخذه الراهن ولا شيء للمرتهن فيه. انتهى.
اللخمي: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير؛ فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزًا وهو مكاتب أو مدبر وتكون الكتابة رهنًا ولا تكون خدمة المدبر رهنًا، وقد قال محمد: والكتابة مثل الخدمة. اللخمي: يريد ويأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرًّا ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهنًا. ويصح كلام المصنف في العتق على ما تقدم عن ابن المواز؛ لأنه قال: تعدي الراهن في العتق كتعديه في البيع عند مالك قبل
[ ٦ / ١٢٥ ]
القبض أو بعده، وقد تقدم أن في إحدى الروايتين أنه لا يلزمه أن يأتي برهن آخر، وأما بعد القبض فقد تقدم ما في المدونة، ولم أر من قال بالإتيان برهن آخر إلا الأبهري، فإنه قال بذلك في العتق خاصة، وهكذا قال ابن راشد، وألزمه اللخمي أن يكون في الإيلاد كذلك، وقال أشهب مثل ما قدمناه عنه، ونص قوله في ابن يونس: وقال أشهب: هما - أي الكتابة والتدبير - مثل العتق؛ إن كان مليًا أخذ منه الحق معجلًا إن كان ذلك بعد الحيازة، وإن لم يكن مليًا بقي ذلك بيد المرتهن بحاله، فإن أدى الدين نفذ ما صنع الراهن، وإن لم يؤده بطل صنعه وبيع ذلك، وإن كان في بعض ثمنه وفاء؛ بيع في العتق بقدر الدين وعتق الباقي. أشهب: وأما في الكتابة والتدبير والولادة فيباع ذلك كله ويكون قبض ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم ولد ولا بعض مكاتب ولا مدبر. ابن يونس: وقال ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهنًا بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع وإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا قدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة، وكذلك المدبر إذا حل الأجل بيع كله ولا يجوز بيع شيء منه على أنه مدبر على حاله لا على أن يقاويه فيه، وأما إذا أولد الراهن الأمة فيجوز بيع بعضها ويبقى باقيها بحساب أم الولد، وكذلك يباع بعض المدبر على أنه رقيق للمبتاع ويبقى باقيه مدبرًا؛ لجواز تدبير أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه، ولا يجوز ذلك في الكتابة.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَيَسْتَوْفِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وقَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ
ظاهره أن أشهب يخيره، فإن شاء تعجل حقه، وإن شاء تمسك بالمكاتب والمدبر ويستوفي من كتابته، يعني: بخلاف خدمة المدبر فإنها لا تكون رهنًا كما تقدم. وحكى ابن يونس عن بعضهم أنه اتفق ابن القاسم وأشهب على أنه إذا كاتب العبد وهو موسر أنه يؤدي الدين وتتم الكتابة، وهو يناقض ما حكاه المصنف عن أشهب، لكن قد [٥١٦/ب]
[ ٦ / ١٢٦ ]
تقدم عن أشهب من كلام اللخمي مثل ما حكاه المصنف، وهو قوله: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزًا وهو مكاتب ومدبر وتكون الكتابة رهنًا، لكن إنما قال أشهب هذا قبل القبض، وأما بعده فقال: يعجل الحق إن كان مليًا، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف.
اللخمي: وقال محمد: والكتابة مثل الخدمة، يريد فيأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرًّا ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهنًا. انتهى.
وهذا الذي حكاه المصنف عن محمد بقوله: وقال محمد: من ثمنه إن عجز، أي: وقال محمد يستوفي من ثمنه إن عجز ولا شيء له من نفس الكتابة.
اللخمي: وعلى قول أشهب كلما حل نجم أخذه المرتهن من دينه؛ إذ لا فائدة في وقفه، فإن وفى أو عجل الكتابة كان حرًا وإن كان الدين أكثر من الكتابة، وإن عجز كان رهنًا في الباقي. انتهى.
وقيد ابن يونس قول محمد بما إذا لم يوف ثمن الكتابة بالدين، قال عنه ابن يونس. ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهنًا بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع، فإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت، وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا بقدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة. انتهى.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ رِهْنًا، ومَتَى أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ نَفَذَ
أي: فإن كان الراهن معسرًا. ودل كلامه هذا على أن كلامه السابق مقيد باليسير. قال في المدونة: وإن أعتق وهو عديم بقي العبد رهنًا، فإن أفاد ربه قبل الأجل مالًا أخذ منه الدين ونفذ العتق. وقال بعد هذا: وإذا أعتق المديان عبده وأراد الغرماء رده رد العتق وبيع، إلا أن يقول لهم العبد: خذوا دينكم، أو يتبرع لهم بذلك أجنبي فإنه ينفذ العتق،
[ ٦ / ١٢٧ ]
فالضمير في (مِنْهُ) عائد على الراهن وهو ظاهر، ولا إشكال في هذا إذا أعطى العبد ذلك على ألا يرجع به على السيد، وأما إن أداه ليرجع به عليه؛ فنقل ابن يونس عن بعضهم أنه قال: ينبغي أن يكون ذلك للعبد؛ لأن الغرماء لو شاءوا أن يصبروا بدَيْنِهم ويجيزوا عتقه كان ذلك لهم، إلا أن يقال: إن عتقه في العبد لم يكن عتقًا يتم إلا بقضاء الدين، فصار كأنه أدى الدين، وهو في ملك سيده، وفي هذا نظر؛ لأن السيد لو أعتقه وللعبد على سيده دين ولم يكن استثنى ماله لوجب أن يجوز عتقه وبقي دينه في ذمة سيده، وليس له أن يرد عتق نفسه لأجل مال على سيده؛ إذ لو رده لكان للسيد أخذ ماله ولا تكون له فائدة في ذلك، كما قال: إذا زوج أمته لعبده وقبض صداقها واستهلكه ثم أعتقها قبل البناء؛ لأنه لا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يسقطه. انتهى باختصار.
ونقل بعض من تكلم على هذا الموضع قولين؛ أحدهما: أنه لا يرجع على السيد. والثاني لابن رشد، قال: والصواب أنه يرجع؛ لأنه الراهن لما تعدى فقد رضي ببقاء الدين في ذمته.
فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بَعْدَ الأَجَلِ بَيعَ جَمِيعُهُ، وَمَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ مِلْكٌ
يعني: إذا أعتق وهو معسر وبقي العبد رهنًا إلى الأجل؛ فإنه يباع منه عند الأجل بقدر الدين إن وجد من يشتري ذلك وأعتق ما بقي. قال أشهب: وإن لم يجد بيع كله وقضى الدين وكان لربه ما بقي يصنع به ما يشاء، لأن الحكم لما أوجب بيع جميعه صار ثمنه كله للراهن، ولو قيل بجعله في جزء حرية ما بعد، كما قالوا فيمن أعتق تطوعًا أو أهدى أو أخذ أرشًا. قال أشهب: وإنما يباع بقدر الدين في العتق، وأما في الولادة والتدبير والكتابة؛ فيباع كله ويكون فضل ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم الولد ولا بعض مكاتب ولا بعض مدبر.
[ ٦ / ١٢٨ ]
وَمُعِيرُ الرَّهْنِ إِذَا أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ
يعني: أن من أعار عبدًا لمن يرهنه فرهنه المستعير ثم أعتقه المعير؛ فإن كان المعير مليًا نفذ العتق، وقيل له: عجل الدين لربه إذ أفسدت عليه رهنه. قال في المدونة: إلا أن تكون قيمة العبد أقل من الدين فلا يلزمه إلا قيمته ويرجع المعير على المستعير بما أدى بعد محل الدين لا قبله، وخالف أشهب في هذا ولم يره كمن أعتق عبده بعد أن رهنه ورآه مثل الذي أعتق عبده بعد أن جنى، فيحلف المعير ما أعتقه ليؤدي الدين ويبقى رهنًا حتى يقضيه حقه من ثمنه إن بيع، أو يفدى فينفذ فيه العتق، فإن نكل غرم الأقل من قيمته أو الدين ونفذ عتق العبد، ورجح محمد الأول بأن الجناية أخرجت العبد من ملك ربه إلا أن يفديه بخلاف المعير، فإن العبد لم يخرج من ملكه، وإلى أن المعير لم يكن له أن يطالب المستعير بما أدى إلا بعد أجل الدين. أشار المصنف بقوله:
وَإِذَا عَجَّلَ الْمُعِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ الأَجَلِ
لأن المستعير إنما التزم أداء الدين بعد أجل الدين بعد حلول الأجل ولم يفعل شيئًا يوجب عليه التعجيل.
وَيُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ، فَإِنْ فَعَلَ فَحَمَلَتْ فَالْوَلَدُ يُنْسَبُ مُطْلَقًا، ثُمَّ إِنْ كَانَ غَصْبًا فَكَالْعِتْقِ
يعني: ويمنع الراهن من وطء الأمة المرهونة؛ لأن وطأه لها تصرف في الرهن مبطل للحيازة، فإن وطئ فحملت فالولد ينسب؛ أي: الابن له مطلقًا، أي: سواء كان غصبًا أم لا، كانت تخرج أم لا.
ثم إن كان غصبًا فكالعتق؛ أي: فيلزمه تعجيل الدين أو قيمة الأمة إن كانت أقل إن كان مليًا، وإن كان معسرًا بيعت الجارية بعد الوضع. ابن يونس: وحلول الأجل، ولا
[ ٦ / ١٢٩ ]
يباع ولدها لما تقدم أنه حر ينسب. ابن عبد السلام: ولم يقولوا إذا نقص ثمنها عن الدين أن الراهن يغرم الأقل من قيمة الولد أو بقية الدين مع أن الولد الحادث بعد الرهن داخل في حكم الرهن، ولو قيل به لما بعد. وفي مسائل الأمة المستحقة والمعارة وما يلاحظه.
أشهب: وإن وجد من يبتاع منها بقدر الدين؛ فعلت وأعتقت ما بقي، [٥١٧/أ] وإن لم يوجد استُؤْنِي إلى الأجل، فإن وجد أيضًا ذلك، وإلا بيعت وقضي الدين، وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء، وهذا مأخوذ من قول المصنف فكالعتق.
فائدة: تباع أم الولد هنا، وفي خمس مسائل:
الأولى: الأمة الجانية إذا وطئها السيد بعد علمه بالجناية وهو عديم، فإنها تسلم للمجني عليه.
الثانية: الابن يطأ أمة من تركة أبيه وعلى الأب دين يغترق التركة والابن عديم وهو عالم بالدين حالة الوطء.
الثالثة: أمة المفلس إذا وقفت للبيع ووطئها وحملت.
الرابعة: أمة الشريكين يطأها أحدهما وهو معسر.
الخامسة: إذا وطئ العامل أمة القراض فحملت وكان معسرًا. ويمكن أن تجعل هذه المسألة فائدة من وجه آخر، بأن يقال: توجد أمة حامل بحر في ست مسائل، فإن قلت: هل يتصور عكس هذا؛ بأن يكون العبد في بطن الحرة؟ قيل: نعم، وذلك إذا وطئ العبد جارية له وحملت وأعتقها ولم يعلم السيد بعتقه لها حتى أعتقه، فإن عتق العبد أمته ماضٍ وتكون حرة والولد الذي في بطنها عبد؛ لأنه للسيد. قال في الجلاب: فلو أعتقها بعد عتقه لم تعتق حتى تضع حملها، والله أعلم.
[ ٦ / ١٣٠ ]
وَإِنْ كَانَتْ مُخَلاَّةً تَذْهَبُ وتَجِيءُ؛ فَقِيلَ: يُنْتَقَضُ، وَقِيلَ: كَالْغَاصِبِ
هذا قسيم قوله: (إِنْ كَانَ غَصْبًا) يعني: وإن لم تكن موطوءة على وجه الغصب بل كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن فوطئها الراهن بغير إذنه؛ فالمشهور: أنه ينتقض الرهن، وجعلوا كونها مخلاة كالإذن في الوطء. وقيل: كالغصب وهو قول مالك في المدونة. فتباع دون الولد، يريد: تباع بعد الأجل والوضع، إلا أن يكون له مال، وبه قال سحنون واختاره اللخمي؛ لأن الراهن في كلا الحالتين ممنوع من الوطء.
وَيُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا
يعني: أن السيد إذا رهن عبدًا في دين وللعبد أمة أدخلها سيد العبد في الرهن لم يكن للعبد أن يطأ أمته؛ لأن ذلك يشبه الانتزاع، لأنه عرض كل واحد من العبد والأمة للبيع وقد يباعان مجتمعين ومنفردين. وقلنا: يشبه الانتزاع؛ لأنه ليس انتزاعًا حقيقة، لأن المشهور إذا فكهما السيد من الرهن فللعبد أن يطأ بالملك السابق، ولو كان انتزاعًا حقيقة لافتقر إلى تمليك ثان، كما قاله ابن المواز، وإذا منع العبد من وطء أمته المرهون هو معها فمن باب أولى أن يمتنع إذا رهنه السيد فقط، وأما إذا رهنه فقط؛ فأجاز له في الموَّازيَّة أن يطأ أمته وأم ولده إذ لم يكن المرتهن اشترط أن يكون ما له معه رهنًا، وأما إن اشترط ذلك فلا. وقال بعضهم: إذا ارتهن عبدًا وشرط أن ما له معه رهن معه وللعبد جارية أن للعبد أن يطأها، بخلاف ما لو رهنه هو وجاريته. ابن يونس: وهو خلاف ما في المدونة.
وقول المصنف: (الْمَرْهُونِ) يجوز أن يكون صفة للأمة، ويكون حينئذ صفة جرت على غير من هي له، ولذلك أبرز الضمير في قوله: (الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا) ويجوز أن يرفع صفة للعبد ولا يحتاج على هذا إلى إبراز الضمير، والله أعلم.
[ ٦ / ١٣١ ]
وَإِذَا زَنَى الْمُرْتَهِنُ بِهَا حُدَّ وَلا يَنْفَعُهُ دَعْوَى الْجَهْلِ
لأن المرتهن لا ملك له فيها، والمرتهن والأجنبي فيها سواء، ولا يعذر بشبهة الارتهان. قال في المدونة: لا يلحق بالمرتهن الولد ويكون مع الأم رهنًا، وعليه ما نقصها العبد، بكرًا كانت أو ثيبًا إذا أكرهها، وكذلك إذا طاوعته وهي بكر؛ يعني: بخلاف الثيب. وقال أشهب: لا شيء عليه في المطاوعة، وإن كانت بكرًا كالحرة.
وفرق لابن القاسم: بأن الوطء هنا جارٍ على ملك السيد، وصوبه ابن يونس وغيره أن عليه ما نقصها في الوطء، وإن كانت ثيبًا؛ لأنه إذا كان عليه ما نقصها في الإكراه مع كونها لا تعد زانية، فالطوع الذي تعد فيه زانية أولى.
واحتجوا لذلك بما في كتاب المكاتب أن على الأجنبي ما نقصها على كل حال، والمرتهن أجنبي، وقد حكى ابن رشد وغيره هذه الأقوال الثلاثة، ولا خلاف أن عليه في الإكراه ما نقصها.
فرع:
قال في المدونة: ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه الولد؛ لأنه لم يثبت نسبه منه.
وَإِنْ كَانَ بِإذْنِهِ لَمْ يُحَدَّ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا حَمَلَتْ أَوْ لا، دُونَ قِيمَةِ الْوَلَدِ
يعني: فإذا كان وطء المرتهن للجارية بإذن الراهن لم يحد، وكان القياس أن يحد إلا أنهم راعوا خلاف عطاء بن أبي رباح، فإنه كان يجيز التحليل ابتداء.
وقوله: (وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا) إنما لزمته لتتم له الشبهة، والله أعلم.
[ ٦ / ١٣٢ ]
وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ عَنِ الْغُرَمَاءِ
هذه هي فائدة الرهن، ولو لم يختص المرتهن بالرهن لكان وجود الرهن كعدمه، والاختصاص مقيد بما إذا لم يكن هناك أحق منه، كما إذا اكترى أرضًا ورهن زرعها ثم انهارت بئرها وأصلحها أجنبي وأحيا الزرع؛ فإنه أحق من المرتهن كما سيأتي.
وَلا يَسْتَقِلُّ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ
يعني: أن اختصاص المرتهن بالرهن لا يوجب له التصرف فيه، ولا بيعه بعد أجل الدين إلا أن يأذن له في ذلك بعد أجل الدين. ابن راشد: ولا خلاف في ذلك، وإنما لم يكن للمرتهن البيع؛ لأن الأصل ألا يباع ملك الإنسان إلا بعد سبب يوجب بيعه.
وقوله: (وَلا يَسْتَقِلُّ) أي: لا ينفرد، بل يرفع إلى الحكام ليطالب الراهن أو يكلفه البيع، فإن امتنع باع عليه.
واعترض قول المصنف: (إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ) لأنه لو أذن بعد عقد الرهن وقبل الأجل جاز له بذلك البيع كبعد الأجل، قاله صاحب البيان وابن زرقون، [٥١٧/ب] ولكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه، لأنه هدية المديان.
وِلا يَضُرُّ اتِّحَادُ الْقَابِضِ والْمُقْبِضِ
لما ذكر أنه يجوز أن يبيعه المرتهن بالإذن بعد الأجل، ذكر هذا كالجواب عن سؤال مقدر؛ كأن قائلًا قال: كيف يصح أن يوكل مع كونه يبقى قابضًا مقبضًا؟ فأجاب بأن ذلك لا يمنع الصحة؛ لأنه قابضٌ باعتبارٍ مقبضٌ باعتبارٍ، فكان ذلك بمنزله شخصين، لأن الراهن لما وكله على البيع كان وكيلًا على قبض الثمن ثم يقبضه لنفسه، فكونه مقبضًا عن الراهن سابق على كونه قابضًا لنفسه، إلا أن قبضه للراهن حسيٌّ وقبضه لنفسه حكمي بنية خاصة.
[ ٦ / ١٣٣ ]
ابن عبد السلام: وهل هذه السبقية خاصة بالزمان أو بالعلة؟ فيه نظر. وعلى الأول يجب بسقوط الثمن عن المرتهن إذا شهدت البينة بهلاكه إثر قبضه بخلاف الثاني، ولم أرها لهم.
فَإِنْ أَذِنَ قَبْلَهُ فَبَاعَ رُدَّ مَا لَمْ يَفُتْ، وقِيلَ: يَمْضِي، وقِيلَ: فِي التَّافِهِ، وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ
قوله: (قَبْلَهُ) يريد: قبل عقد الرهن، وأما بعده وقبل الأجل فهو ماض لبعد الأجل.
وحكاية المصنف الخلاف في الإمضاء يدل على منع الوكالة ابتداء.
وقد اختلف في جوازها في عقد الرهن بعد الوقوع على ثلاثة أقوال:
الجواز وهو قول القاضي إسماعيل، وابن القصار، وعبد الوهاب. والمنع هو قول ابن نافع، وأشهب وغيرهما. والكراهة لابن زرقون، وهو قوله في المدونة وغيرها، ولم يصرح بالكراهة في المدونة لكن فهم من إمضاء البيع بمجرد العقد، وكذلك فهم اللخمي، ورده المازري لجواز أن يكون إنما أمضاه بالعقد مراعاة لخلاف أبي حنيفة، فإنه يجيز ذلك، وقد وقع في البيوع ما يمنع ابتداء، فإذا وقع مضى.
ومنشأ الخلاف: هل يقال: إن عدم بيع الرهن إنما هو من حق الراهن، فإذا أذن في البيع جاز، أو يقال: الوكالة على البيع إذا كانت للمرتهن تشتمل على معنيين متضادين؛ لأن الراهن يحرص على الاستقصاء في بيع الرهن والمطاولة في الاجتهاد فيه والنداء عليه، والمرتهن يحرص على ضد ذلك من سرعة بيعه ليأخذ حقه، فلما اشتملت على متضادين بطلت من أصلها، ومن كره توسط بين الدليلين.
تفريع:
لا إشكال على الجواز في إمضاء بيعه، وأما على الكراهة والتحريم؛ فقال ابن زرقون: أما ما لا بال له أو ما يخشى فساده؛ فيمضي بيعه بالاتفاق، وكذلك حكى المازري وابن
[ ٦ / ١٣٤ ]
يونس الاتفاق على الإمضاء فيما لا بال له، وهو يخالف ما حكاه المصنف، لأنه عمم الخلاف؛ لأنه لما ذكر القول الثالث بالتفصيل بين التافه وغيره علم أن غيره من الأقوال مطلقًا، ولم يجعل ابن يونس الإمضاء فيما يخشى فساده متفقًا عليه، وتبع المصنف ابن شاس، فإنه حكى الأربعة الأقوال التي ذكرها المصنف، وتصورها من كلام المصنف بيِّن.
وحكى جماعة فيما له بال ثلاثة أقوال:
الأول: مذهب المدونة الإمضاء، وهو مذهب مالك في العتبية، وبه قال أصبغ. قال مالك في العتبية: وسواء فات أو لم يفت، لأنه بيع بإذن ربه.
الثاني لمالك أيضًا في العتبية: أنه يمضي ما لم يفت، هكذا حكى ابن زرقون هذا القول، وتأوله صاحب البيان على أنه يمضي في العروض ويرد في الأصول إلا أن يفوت، واستبعد ابن زرقون هذا الفهم، قالا: والمراد بقوله: إلا أن يفوت. أي: بما يفوت به البيع الفاسد.
الثالث: أنه يرد مطلقًا، وإن فات عند المشتري لزم المرتهن الأكثر من القيمة أو ما باعه به، وهو مذهب الموَّازيَّة. وحكى في البيان عن أشهب رابعًا: بالإمضاء في العروض والرد في الأصول، فات أو لم يفت.
قال في البيان: وكل من قال بالإمضاء فإنما قال بذلك إذا أصاب وجه البيع، وأما إذا باع بأقل من القيمة فله أخذه من المشتري، وإن تداولته الأملاك فله أن يأخذه بأي الأثمان شاء كالشفيع. وهذا الخلاف كله مقيد بألا يفوض إليه في بيع الرهن، وأما لو فوض لمضى بيعه اتفاقًا، قاله المتيطي. وإن جعل الراهن للمرتهن بيع الرهن دون مؤامرة الحاكم، وأنه أحله في ذلك محل نفسه ومحل الوكيل المفوض، وأنه ليس له عزله؛ أن له البيع بذلك، قاله في الوثائق المجموعة بعشرة شروط: خمسة تلقى من إقرار الراهن، وهي: إقراره بالدين، وبالوكالة،
[ ٦ / ١٣٥ ]
والتفويض، وأنه مصدق في الثمن، وفي الاقتضاء بغير يمين. وخمسة تثبت بالبينة: ملك الراهن، واستمرار ملكه إلى حين القبض، وحوزه من يده بالقبض، والصلاح، والسداد في الثمن. وقال ابن راشد: اختلف هي عليه إثبات ملك الراهن للرهن على قولين.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ) هذا لأشهب، ونصه على ما نقله جماعة، وأما ببلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يعسر تناوله فبيعه جائز إذا كان بيعه صحيحًا. أشهب: وإن كان الرهن مما يسرع إليه الفساد مقتاتًا أو تمرًا أو قصبًا باعه من غير أمر السلطان؛ لأن حسبها فساد، وجعله المصنف خلافًا، والذي يؤخذ من كلام اللخمي والمازري وغيرهما: أنه وفاق، وأنه إذا أعسر الوصول إلى الحاكم باع بحضرة العدول. ونص المازري على أن إحضار العدول من باب الأولى، ونص في البيان على أن قول أشهب تفسير، نعم نقل عن غيره أنه خلاف، وعليه يأتي كلام المصنف ونصه: وقال أشهب: إذا كان الرهن مقتاتًا أو تمرًا أو قصبًا يُجْنَى شيئًا بعد شيء فيخشى عليه الفساد فبيع المرتهن له جائز دون مؤامرة سلطان ولا ملأ ولا جماعة.
وقوله: (عِنْدِي) مفسر، وحمله بعضهم على أنه خلاف مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة وغيرها.
وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ فِيهِ إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الأَجَلِ وَبَعْدَهُ
حاصل [٥١٨/أ] كلامه: أن الأمين ليس كالمرتهن، بل له أن يبيع من غير مؤامرة الحاكم قبل الأجل وبعده. وعلى هذا فالمساواة بينهما حاصلة إذا كان الإذن بعد الأجل ويختلفان إذا كان الإذن قبله، وهكذا ذكر ابن شاس والمازري، وهذا لبعد التهمة في الأمين.
فإن قلت: مقتضى كلام المازري المساواة؛ لأنه بعد أن ذكر الجواز في الأمين قال والخلاف جار في الأمين كما في المرتهن، وكذلك هو ظاهر كلام اللخمي، فالجواب: أن كلًاّ منهما محمول على ما إذا وكل المرتهن أن يبيع ما تحت يد الأمين، وذلك ظاهر من كلامهما.
[ ٦ / ١٣٦ ]
فرعان:
الأول: إذا وكل وكيلًا على بيع الرهن، فهل يكون للراهن عزله أم لا؟
عندنا قولان، واقتصر ابن الجلاب على أنه لا يعزله إلا بإذن المرتهن. قال في البيان: وهو ظاهر المذهب. وأشار اللخمي إلى أن من يجيز الوكالة ابتداء يمنعه من العزل، وفيه نظر. ألا ترى أن القاضي إسماعيل يجيز الوكالة، وقد اختلف قوله في جواز العزل، فحكى الباجي والمتيطي وصاحب البيان عنه جواز العزل، وحكى اللخمي والمازري منعه منه، والله أعلم.
الثاني: قال في المدونة: إذا أمر السلطان رجلًا ببيع الرهن ليقضي المرتهن حقه، فباعه ثم ضاع الثمن من يده؛ لم يضمنه المأمور وصدق في ضياعه، فإن اتهم حلف، وكان الثمن من الذي له الدين. قال بعض القرويين: إنما يكون ضياع الثمن من الذي له الدين على قول ابن القاسم إذا ثبت المأمور للرهن ببينة، وإن لم يثبت بيعه إلا بقوله؛ فإن الراهن لا يبرأ من الدين؛ لأن صاحب الدين لم يأتمنه على البيع، وخالفه غيره وقال: ذلك سواء، وضمان الرهن من المرتهن.
ابن يونس: وهذا هو الصواب، وعليه يدل ظاهر الكتاب، ولأنه جعل السلطان أمينًا لهما على بيعه فوجب سقوط ضمانه وقبول قوله، ولو ضاع الرهن قبل بيعه لكان على قول ابن القاسم من ربه، وعلى قول ابن الماجشون من الذي له الدين، وهذا كاختلافهم في مال المفلس الموقوف للغرماء.
مَا لَمْ يِكُنْ فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ
لم يثبت هذا في كل النسخ، وهو راجع إلى قوله: (وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ) أي: ويستقل إلا أن يكون ذلك شرطًا في العقد، ومراده بذلك ما قاله صاحب الجواهر، لكن عبارته لا تفي بذلك. قال: ولو أذن الراهن للعدل وقت الرهن في البيع عند الأجل جاز، فلو قال
[ ٦ / ١٣٧ ]
الراهن لمن على يده الرهن من مرتهن أو عدل: إن لم آت إلى أجل كذا فأنت مسلط على بيع الرهن؛ فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، فإن باعه بغير أمره نفذ. انتهى. ونحوه في المدونة، ونصها: ومن ارتهن رهنًا وجعلاه على يد عدل أو على يد المرتهن إلى أجل كذا واشترطا إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل، وإلا فلمن على يده الرهن بيعه، فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، وإن شرط ذلك فإن بيع نفذ بيعه ولم يرد، وإنما لم يجز البيع هنا للأمين إلا بإذن السلطان؛ لأنه قيد البيع بإن لم يأتِ، ومن الجائز أن يكون أتى أو حاضرًا معه في البلد، فلذلك لا بد من نظر السلطان بخلاف الأولى، فإنه قد أذن فيها إذنًا مطلقًا.
وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ بَاعَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ
وإذا رفع المرتهن الأمر إلى الحاكم أمره بالوفاء، فإن لم يكن عنده شيء، قال صاحب البيان: إن ألدَّ أو غاب باع الحاكم عليه الرهن بعد أن يثبت المرتهن عنده الدين والرهن. قال في البيان: واختلف هل عليه أن يثبت ملك الراهن له على قولين يتخرجان على المذهب، وذلك عندي إذا أشبه أن يكون له، وأما إن لم يشبه كرهن الرجل حليًَّا أو ثوبًا لا يشبه لباسه، وكرهن المرأة سلاحًا فلا يبيعه السلطان إلا بعد إثبات الملك، وإن لم يكن سلطان باعه بحضرة العدول ونفذ البيع. هذا في العروض، وأما العقار يبيعه بحضرة العدول بغير أمر السلطان؛ فله أن يأخذه من يد المشتري، وأن يبيع بالقيمة. انتهى.
ونحوه في المتيطية، وظاهر ما تقدم من كلام اللخمي والمازري: أنه إذا لم يكن سلطان وعسر اطلاعه؛ أن يمضي البيع بحضرة العدول في العقار وغيره، وهكذا قال ابن راشد: أن اللخمي لم يفرق بين عقار وغيره.
فرعان:
الأول: قال ابن عبدوس: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فاليسير يباع في مجلس وفي الكثير الأيام، وما كان أكثر منه ففي أكثر من ذلك، وأما الجارية الفارهة والدار والثوب الرفيع فيبقى ذلك حتى يشتهر، وربما نؤدي على السلعة الشهرين والثلاثة، وكل شيء بقدره.
[ ٦ / ١٣٨ ]
الثاني: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فبيع بغير العين، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجوز ذلك. وقال أشهب: إن باعه بمثل ما عليه وإن لم يكن فيه فضل جاز، وإن كان فيه فضل لم يجز بيع ذلك الفضل، والمشتري بالخيار فيما بقي إن شاء رد الشركة، وإن باعه بغير ما عليه لم يجز.
وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِنَفَقَةِ الرَّهْنِ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ
تصور المسألة ظاهر، ووجهها: أنها لما كانت الغلة للراهن وجب أن تكون النفقة عليه.
المازري: واختلف الأشياخ إذا كان الرهن عبدًا وأبق وطلبه من عادته طلب الإباق، هل يأخذ الجعل من الراهن وهو الأصل، أو من المرتهن لأن المنفعة إنما هي عائدة عليه؟ على قولين، والأول قول سحنون. وكذلك اختلف في الجعل على البيع إذا كان الراهن غائبًا؛ فروى أبو زيد وعيسى عن ابن القاسم: أنه على المرتهن لأنه طالب البيع، وقال أصبغ [٥١٨/ب] وعيسى: بل على الراهن. وخالفا ما رواه أشهب، وليس للراهن أن يمنع المرتهن أن ينفق على الرهن؛ لأنه يهلك إن كان حيوانًا ويخرب إن كان رباعًا.
وقوله: (أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ) يريد لأنه قام عنده بواجب.
واعلم أن النفقة تتعلق بذمة الراهن إذا أذن باتفاق، واختلف إذا لم يأذن؛ فقال ابن القاسم: وهو كما لو أذن. وقال أشهب: إنما تتعلق بعين الرهن قياسًا على من أنفق على ضالة فإن الإنفاق يكون في عينها وتباع فيه، وإن قصر ثمنها عن الإنفاق لم يتبع صاحبها بالزائد. وفرق ابن القاسم بينهما بأن الرهن لما دفعه صاحبه للمرتهن وقد علم أنه لا بد له من نفقة صار كالإذن. واختلف في قول ابن القاسم إذا كان الراهن غائبًا هل يتبع بالنفقة ولو زادت على ثمن الرهن أو لا؟ لأن النظر في حق الغائب بيع الرهن، وكان الراهن إنما أذن في الإنفاق ما لم يجاوز قيمته، فللأشياخ قولان حكاهما المازري، وحكى ابن يونس
[ ٦ / ١٣٩ ]
الأول عن بعض القرويين، وقال: القياس عندي ألا يتبع بالزائد؛ لأنه لم يأذن في النفقة، ومن حجته أن يقول: كان ينبغي لك أذا بلغت النفقة مقدار ثمنه أن ترفعه إلى الإمام فيبيعه ولا تخلد في ذمتي دينًا لم آذن لك فيه.
وَلا يَكُونُ رَهْنًا بِهِ خِلافًا لأَشْهَبَ
أي: ولا يكون الرهن رهنًا بالنفقة خلافًا لأشهب، وأطلق المصنف في خلاف أشهب، وهو مقيد بما إذا لم يأذن، وقاسها أشهب على الضالة، فإن الضالة رهن بما أنفقه عليها، وفرق ابن القاسم في المدونة والمجموعة بينهما: بأن الضالة لا تباع على صاحبها، ولا بد من النفقة عليها، والرهن ليست نفقته على المرتهن، ولو شاء طالبه بنفقته، وإن غاب رفع ذلك إلى الإمام.
ابن يونس: بناء على هذا فإن قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك فيه؛ كان أحق به من الغرماء حتى يستوفي نفقته ودينه. واختلف الشيوخ إذا قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك في الرهن، ويتبين لك ذلك بذكر لفظ المدونة أولًا، ولفظها: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق على الراهن.
ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه، لأن ذلك سلف إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، فإن قال ذلك رأيتها في الرهن وله حبسه بما أنفق وبما رهنه به، إلا أن تقوم الغرماء على الراهن، ولا يكون المرتهن أحق منهم بفضلة الرهن عن دينه لأجل نفقته - أذن في ذلك أو لم يأذن - إلا أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهنًا.
قال ابن شبلون: الحكم على ظاهر المدونة في تقسيمه على ثلاثة أقسام. قال غيره: لا فرق بين قوله: أنفق على أن نفقتك في الرهن، وبين أن يقول: والرهن بما أنفقت رهنًا، ولا يكون للمسألة عند هؤلاء إلا قسمان.
[ ٦ / ١٤٠ ]
المازري: وحمل هؤلاء المدونة على أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، قال: وظاهر الكتاب التفرقة كما قال ابن شبلون. وبالتسوية قال ابن يونس، ونقله عن القرويين، واحتج ابن يونس بأن المسألة وقعت في المجموعة والموَّازيَّة كذلك، ولفظها في الكتابين، قال ابن القاسم: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره فهو سلف، ولا يكون في الرهن إلا أن يشترط أنه رهن بالنفقة الآن فله حبسها بما أنفق وبدينه، إلا أن يكون على الراهن دين فلا يكون أولى بما يفضل عن دينه، إلا أن يشترط أن ذلك في النفقة. ابن عبد السلام: وليس في هذا دليل عن ابن شبلون، ولا يبعد تأويله، وحمله على ما في المدونة.
فَإِنْ كَانَ شَجَرًا وَشِبْهَهُ فَانْهَارَتِ الْبِئْرُ وَخِيفَ التَّلَفُ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلانِ
أي: فإن كان الرهن شجرًا وشبهه؛ أي: زرعًا فانهارت البئر وخيف على الشجر أو الزرع التلف بقلة الماء؛ ففي إجبار الراهن على إصلاح البئر وعدم إجباره قولان، والقول بالجبر هو المنصوص لابن القاسم في المختصر والموَّازيَّة إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيرًا له نظر ما يصلح به البئر، وإن تطوع المرتهن بالنفقة في إصلاحها، فإن رأى أن ذلك خير لرب الرهن، قيل للمرتَهَن: أنفق وتكون أولى بالنخل حتى تأخذ ما أنفقت، ولا ينظر إلى قيمة النفقة ولا قيمة ما وضع من حجر وغيره، ولكن يحسب له ما أنفق كالسلف، والقول بعدم الجبر تأول على المدونة؛ لأن فيها: إذا أبى الراهن من إصلاحها فأصلحها المرتهن خوف هلاك النخل والزرع؛ فلا رجوع له بما أنفق على الراهن، ولكن يكون له ذلك في الزرع وفي رقاب النخل يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه.
فقوله: "أبى من إصلاحها" يقتضي أنه لا يجبر، وقد يقال: لا نسلم أن هذا يؤخذ منه عدم الجبر؛ لجواز أن يحمل المدونة على ما إذا تعذر الرفع إلى الإمام أو نحو ذلك، على أن
[ ٦ / ١٤١ ]
الضمان
ابن يونس جمع بين القولين فحمل الأول على أن الرهن في عقد البيع أو القرض، وما في المدونة على أنه تطوع به.
ابن عبد السلام: ولم يعدوا نفقة المرتهن هنا سلفًا جر منفعة، ولعل ذلك لشدة ما يلحقه من الضرر في تركه بهلاك الرهن إذا ترك النفقة.
وَإِذَا لَمْ يِجْبَرْ فَأَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ فَفِي الشَّجَرِ وَشِبْهِهِ يَبْدَأُ بِنَفَقَتِهِ وَيَتْبَعُهُ بِدَيْنِهِ أَوْ بِمَا بَقِيَ
يعني: إذا لم يجبر الراهن على النفقة فأنفق المرتهن. ولو أسقط قوله: (فَفِي الشَّجَرِ) لكان أحسن؛ لأن ذلك مفهوم مما سبق؛ لأن قوله: (فَفِي الشَّجَرِ) يفهم أن الزرع ليس كذلك، وقد قدمنا عن المدونة التسوية بينهما [٥١٩/أ].
ومعنى ما قاله أن ما أنفقه يكون في الثمرة، فإن ساوت الثمرة النفقة أخذها المرتهن، وإن لم تساو لم يتبع الراهن بفاضل النفقة.
وقوله: (وَيَتْبَعُهُ بِدَيْنِهِ أَوْ بِمَا بَقِيَ) أي: ويتبع المرتهن الراهن بدينه إن لم تساو الثمرة إلا قدر النفقة أو أقل، ويتبعه بالباقي من الدين إن زاد ثمن الثمرة على مقدار النفقة بما لم يوف الدين، أما إن زاد بمقدار الدين؛ فإنه يأخذ ذلك ولا كلام له.
الضَّمَانُ إِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهَ؛ كَالْحَيَوَانِ، والْعَقَارِ؛ فَمِنَ الرَّاهِنِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ الدَّابَّةِ بِبَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحُدٌ
هذه إحدى المسائل التي فرق أصحابنا فيها بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه، وقد تقدمت.
وقوله: (كَالْحَيَوَانِ) أي: على اختلاف أنواعه، مأكولًا أو غيره، طائرًا أو غيره، آدميًا أو غيره، وهذا هو المنصوص. وأخذ مما رواه أبو الفرج عن ابن القاسم فيمن ارتهن
[ ٦ / ١٤٢ ]
نصف عبد وقبضه كله: أنه لا يضمن إلا نفقة ضمان ما لا يغاب عليه. اللخمي: وأرى أن يضمن كل ما يستخف ذبحه وأكله. وحكى ابن بزيزة فيه ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان مما يسرع إليه الأكل كالغنم ضمن، وإلا فلا.
وقوله: (والْعَقَارِ) أي: الأرض وما يتصل بها من بناء وشجر.
وقوله: (مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ إلخ). هو جارٍ مجرى الاستثناء؛ أي: لا ضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه، إلا أن يتبين كذبه. ثم بين ما يتبين به الكذب بقوله: (كَدَعْوَاهُ مَوْتَ الدَّابَّةِ بِبَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحُدٌ) وكذلك أيضًا إذا كان في رفقة. المازري: وإذا كان بموضع عمارة أو جماعة سئلوا ببلد فإن صدقوه تأكد عليه الظن بصدقهم عدولًا أو غيرهم، وإن كذبوه وكانوا عدولًا غلب على الظن كذبه فلم يصدق، وإن كانوا غير عدول لم ينتقل الحكم عن تصديقهم إلى تكذيبه بقوم ليسوا بعدول لتطرق التهمة إليهم بأنهم كتموا ما علموه من موت الدابة لما طلبت منهم الشهادة، ويكتفي في خبر الحضور وتصديقهم بأنهم رأوا دابة ميتة، وإن لم يعلموا أنها الدابةُ الرهنُ، هكذا وقع في المجموعة، وهذا صحيح إذا كانت هذه الشهادة على صفة يغلب على الظن أن الدابة ليست هي عين الدابة التي بيد المرتهن، أو يكون الأمر مشكلًا فيستصحب الحكم في أن ما لا يغاب عليه لا يضمن. انتهى.
وما ذكره من عدم ضمانه إذا كذبه جماعة وكانوا غير عدول، نص عليه أشهب فيما إذا ادعى إباق العبد بحضرة جماعة وكذبوه.
الباجي: يريد لأنه لم يثبت كذبه. وما نقله المازري عن المجموعة نحوه في الباجي، وزاد أنه يحلف أنها هي، وكلام المازري صحيح في أنه يقبل في تصديقه غير العدول. وقول ابن عبد السلام: "ظاهر كلامهم، بل هو نص أنه لا يقبل إلا العدول" ليس بظاهر.
[ ٦ / ١٤٣ ]
تنبيه:
ألحق اللخمي بما لا يغاب عليه ما دخل المرتهن والراهن على بقائه بموضعه؛ كالثمار في رؤوس النخل، والزرع القائم، وما في الجرين والأندر، وكالسفن على ساحل البحر وآلتها إذا دخل على بقائها بالساحل، وكالأعدل إذا خُلِّيَ في قاعة الفندق، وكالطعام والزيت المخزن في دار الراهن مطبوعًا عليه ومفتاحه بيد المرتهن، وإن كان مختزنًا في دار غيره أو في بيت الفندق لم يضمنه، فإن علم أنه كان يتكرر له ويفتحه، وأشبه أن يكون أخذ ذلك في تكرره منه ضمنه، أما إن كان في حوز المرتهن لم يصدق في ضياعه.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ؛ كَالْحُلِيِّ والثِّيَابِ عِنْدَ مُرْتَهِنٍ فَكَالأَوَّلِ، وبِيَدِهِ يَضْمَنُ
(فَكَالأَوَّلِ) أي: فالضمان من الراهن، وبيد المرتهن يضمن، ودليلنا على هذه التفرقة في ضمان ما يغاب عليه دون غيره: العمل الذي لا اختلاف فيه، نقله مالك في الموطأ، ولأن الرهن لم يؤخذ لمنفعة ربه فقط فيكون ضمانه من ربه كالوديعة، ولم يكن لمنفعة الآخذ فقط كالقرض فيكون من الآخذ، بل أخذ شبهًا منهما فتوسط وجعل ضمان ما لا يغاب عليه من الراهن لعدم تهمة المرتهن، وضمان ما يغاب عليه من المرتهن لتهمته على ذلك.
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ فَفِي نَفْيِ الضَّمَانِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ لِلتُّهْمَةِ، أَوْ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ
أي: فإن أقام المرتهن البينة على هلاك ما بيده مما يغاب عليه، فروى ابن القاسم: أنه يسقط عنه الضمان، وبه قال ابن القاسم وأصبغ وعبد الملك؛ بناء على أن الضمان إنما كان للتهمة وقد زالت بقيام البينة. وروى أشهب: أنه لا يسقط عنه الضمان، وبما قال أشهب قال جماعة، لأن الضمان على هذا القول ضمان أصالة، لأن هذا القسم مقابل لما لا يغاب عليه، وحكم أحد المتقابلين ثابت بالأصالة فيكون مقابله كذلك.
[ ٦ / ١٤٤ ]
وقال المصنف تبعًا لابن شاس: (لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ) والعلة الأولى أحسن؛ لأن المرتهن هنا لا يكون عنده علم بحكم المسألة، أو يذهب فيها إلى قول ابن القاسم، فلا يقال: إنه دخل على الضمان.
فروع:
الأول: إذا قلنا بعدم الضمان فيما لا يغاب عليه، فهل تتوجه اليمين على المرتهن أنه لم يفرط متهمًا كان أو غيره، أو لا تتوجه، أو تتوجه على المتهم دون غيره؟ ثلاثة أقوال، وروى صاحب النكت: أنها تتوجه هنا، وفي العارية، والمبيع بالخيار، والمستأجر. وإن قلنا: إن الأمر عند ابن القاسم أو تتوجه في غير هذا الموضع؛ لأن المرتهن ونحوه قبض لحق نفسه. وأجاب عما قاله المتقدمون: أنه لا يمين على عامل القراض يدعي التلف، إلا أن يكون متهمًا مع أنه قبض لمنفعة نفسه بأن منفعة القراض [٥١٩/ب] ليست متيقنة؛ إذ قد لا يربح فيه. قيل: ويحلف غير المتهم: ما فرطت ولا ضيعت. ويزيد المتهم: ولقد ضاع.
الثاني: إذا وجب ضمان ما يغاب عليه، فقال جماعة من متقدمي الأشياخ، وهو في العتبية، وعليه حمل بعضهم المدونة، وبه أفتى إسحاق بن إبراهيم: يحلف لقد ضاع بلا دلسة دلستها فيه، ولا يعلم له موضعًا. ووجه يمينه مع ضمانه: تهمته على الرغبة في عينه. وقال العتبي: لا يمين عليه. قال: وكيف يحلف ويضمن، ونحوه لمالك في هذا الأصل. قال العتبي: إلا أن يقول الراهن: أخبرني مخبر صدق على كذبه، وأنه رأى الرهن عنده قائمًا؛ فيحلف على ذلك حينئذ. وإلى هذا ذهب ابن لبابة الأكبر، واعترضه بعضهم وقال: يمين توجب يمينًا. وأجيب بأن اليمين قد توجب اليمين وذلك في كتاب الله ﷿ في اللعان.
الثالث: إذا أتى بالثوب وقد احترق بعضه وادعى أنه احترق لم يصدق، غلا أن يُعْلَم سبب ذلك من احتراق منزله أو حانوته. زاد ابن المواز: ويشترط أن يعلم أن النار من غير سببه. واختلف هل قول محمد تفسير للمذهب أو خلاف.
[ ٦ / ١٤٥ ]
الباجي: وإذا ثبت الاحتراق؛ فإن ثبت أن ذلك الثوب فيما احترق صدق، أتى ببعضه محروقًا أم لا، وإن لم يثبت ذلك؛ فإن أتى ببعضه محروقًا صدق أنه كان في حانوته الذي احترق، وإن لم يأت بشيء وادعى احتراق جميعه؛ فظاهر المدونة أنه غير مصدق.
وقال الباجي: وعندي أنه إن كان مما جرت العادة برفعه في الحوانيت حتى يكون متعديًا بنقله عنه، كأهل الحوانيت والتجار الذين تلك عادتهم لا يكادون ينقلون شيئًا من ذلك من حوانيتهم؛ فأرى أن يصدق فيما عرف من احتراق حانوته، وبذلك أفتيت في طرطوشة عند احتراق أسواقها وكثرت الخصومات في ذلك، وظني أن بعض الطلبة أظهر لي رواية عن ابن أيمن بمثل ذلك، وذكر المازري أنه نزل عندهم سنة ثمانين وأربعمائة لما فتح الروم رومة والمهدية ونهبوا الأموال وكثرت الخصومات مع المرتهنين والصناع وفي البلد مشايخ من أهل العلم متوافرون؛ فأفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده قد أخذه الروم وأفتيت بتصديقهم، قال: وكان القاضي يعتمد حينئذٍ فتواي فتوقفت لكثرة من خالفني حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم علينا كتاب المنتقى للباجي فذكر فيه في الاحتراق مثل ما أفتيت به، وذكر كلام الباجي المتقدم.
الرابع: ولو سقط الدين إما بهبة الدين أو إعطاء الحق؛ فالضمان مستصحب إلا أن يمكن المرتهن الراهنَ من الرهن ويتركه عنده، فحينئذ هو كالوديعة.
وقد بعدنا عن كلام المؤلف فلنرجع إليه.
وَعَلَيْهِمَا لَوْ شَرَطَ أَلاَّ يَضْمَنَ وَلَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ انْعَكَسَ الْقَوْلانِ
أي: وعلى قول ابن القاسم وأشهب لو شرط المرتهن ألا يضمن ما يغاب عليه انعكس القولان، يعني: في الصورة الظاهرة، وإلا فكل من الإمامين باق على أصله،
[ ٦ / ١٤٦ ]
ومعنى العكس ثبوت الضمان عند ابن القاسم؛ لأن التهمة المقتضية للضمان حاصلة، وعند أشهب لا يضمن لأنه لم يدخل عليه.
فإن قلت: ولعل المصنف وابن شاس إنما عللا قول أشهب بالدخول على الضمان لهذا الفرع؛ إذ لا يتأتى فيه ما عللوا به من الأصالة؟ قيل: وكل منهما نقض أصله، أما ابن القاسم فلأن الضمان عنده إنما هو للتهمة، فمن حق المرتهن أن يقول: لم يبطل حقي حكما شرطيًا وأنت قد أسقطت حقك الذي هو الضمان. وأما أشهب فالضمان عنده ضمان أصالة، فكان ينبغي له ألا يوفي بشرطه، لأنه مبطل بحكم شرعي. وقد اختلف المذهب في البائع بثمن إلى أجل يَشترطُ في عقد البيع أنه مُصَدَّقٌ في عدمِ قبضِ الثَّمن هل يُوَفَّى له أم لا؟ أو يوفى للمتورعين عن الأيمان دون غيرهم؟ على ثلاثة أقوال، وعلى أنه يوفى له، فهل يجوز مثله في الغرر؟ قال بعضهم: لا؛ لأنه سلف جر منفعة، والصحيح الجواز؛ لأنه شرط ينشأ عن التوثق، فكان كالرهن والحميل.
المازري: وقول ابن القاسم وأشهب يحسن إذا كان الرهن في عقد بيع أو سلف؛ لأن الرهن هناك يكون له حصة من الثمن في البيع وها هنا في السلف، وأما لو كان هذا الاشتراط في رهن تطوع به الراهن بعد عقد البيع أو السلف من غير شرط؛ فإنه ها هنا لا يحسن الخلاف، لأن التطوع هنا بالرهن كالهبة، فإذا أضاف إلى هذا التطوع إسقاط الضمان فهو إحسان على إحسان، فلا وجه للمنع فيه. ويؤيد هذا: أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه يوفي له بالشرط في العارية، وما ذلك إلا لأن العارية لا عوض فيها، وإنما هي هبة ومعروف. انتهى. ونحوه للخمي.
فرع:
وأما عكس هذا، وهو اشتراط الضمان فيما لا يغاب عليه؛ ففي المدونة والموَّازيَّة: لا يلزمه وضمانه من ربه. وقال أشهب: إن اشترط ذلك لخوف طريق ونحوه فهلكت الدابة بسبب ذلك التخوف فإنه ضامن.
[ ٦ / ١٤٧ ]
اللخمي: ويجري فيها قول آخر أنه ضامن؛ لأنه الحيوان مختلف في ضمانه، فيوفي له بالشرط؛ لأن المؤمنين عند شروطهم، ومراعاة لقول أبي حنيفة: إن الضمان من المرتهن مطلقًا. وعلى المشهور: فلا كراء عليه على حكم العارية، وعن أشهب: أنه كراء فاسد وعليه أجرة المثل في ركوبه، وإن عثر عليه قبل استعمالها ردَّ، نص عليه اللخمي في العارية، وحمل ابن رشد قول أشهب على التفسير الأول.
فَإنْ كَانَ الرَّهْنُ نِصْفَهُ وَقَبَضَ الْجَمِيعَ لِمْ يَضْمَنْ إِلا نِصْفَهُ، كَمُعْطِيكَ دِينَارًا لِتَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نِصْفَهُ دَيْنًا، وكَذَلِكَ لو تَرَكَ [٥٢٠/أ] الْمُسْتَحِقُّ الْحِصَّةَ الْمُسْتَحَقَّةَ بِيَدِهِ
فإن كان الرهن نصف ما يغاب عليه كثوب مثلًا رهن نصفه، فإنه إن ضاع لا يضمن إلا نصفه؛ لأن الرهن إنما هو النصف والنصف الآخر إنما هو فيه أمين، ونظره بمسألتين:
الأولى: إذا أعطاه دينارًا ليستوفي نصفه؛ فإنه لا ضمان عليه في النصف الزائد، لأنه إنما قبضه على الأمانة، ولأنه لما قبضه صار شريكًا لمعطيه فهلاكه عليهما، قال في التهذيب: ولا يمين عليه إلا أن يتهم فيحلف.
الثانية: إذا استحق شخص بعض الرهن الذي يغاب عليه ثم تركه بيد المرتهن وضع؛ فإنه لا يضمن الحصة المستحقة، لأنه تحت يده على الأمانة، لا يقال: لم لا يستصحب الضمان في الحصة المستحقة كما استصحب فيما إذا أعطى المرتهن دينه كما تقدم، لأنا نقول: المستحق لما يتقدم له على المرتهن ضمان فيستصحب.
فَإِذَا فَاتَ بِجِنَايَةً فَأَخَذَ الْقِيمَةَ، فَإِنْ جَاءَ بِرَهْنٍ مَكَانَهُ أَخَذَهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ تَعَجَّلَهَا، وَإِلا كَانَتْ رَهْنًَا
يعني: إن جنى أجنبي على الرهن وأفاته وأخذت قيمته، ففي المدونة ما قاله المصنف، ولفظها: إذا غرم المتعدي القيمة فأحب ما فيه إلى أن يأتي الراهن برهن ثقة مكان ذلك،
[ ٦ / ١٤٨ ]
ويأخذ القيمة وإلا جعلت القيمة رهنًا. ابن يونس: ويطبع عليها. وانظر قول مالك: أحب إلي: فإن ظاهره عدم الجزم بهذا الحكم، إلا أن يكون المراد أحب بما سمعت. أبو الحسن: وقوله: "برهن ثقة" معناه: تكون قيمته كهذه القيمة. وقال ابن المواز: إن كانت القيمة من جنس الدين وصفته تعجلها؛ إذ لا فائدة في وقفها ولا منفعة في ذلك للراهن، فإن لم يكن من جنسه بقيت رهنًا، ومراده بجنس حقه أن يوافق في كونه دنانير أو دراهم، هكذا نص عليه محمد، ولعل المصنف سكت عنه، لأن التقويم إنما يكون بعين، والأول أظهر؛ لأن حق المرتهن في الرهن الأول قد بطل بتلفه وبقي حقه في مطلق التوثق، فإذا أتى الراهن برهن آخر لم يبق للمرتهن حجة.
وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن أن يحمل قول محمد على الوفاق بأن يحمل الأول على ما إذا لم تكن القيمة من جنس الدين.
وَإِذَا جَنَى الرَّهْنَ وَاعْتَرَفَ الرَّاهِنُ وَحْدَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لِمْ يُصَدَّقْ، وإِنْ كَانَ مَليًَّا فَإِنْ فَدَاهُ بَقِيَ رَهْنًا وِإِلا أَسْلَمَهُ بَعْدَ الأَجَلِ وَدَفَعَ الدَّيْنَ
يعني: فإن جنى العبد الرهن جناية على أحد أو استهلك مالًا، فإن لم تثبت الجناية ببينة ولكن اعترف الراهن بها فقط - أي: أقر بها - فإن كان معدمًا لم يلتفت لقوله؛ لأنه إقرار على المرتهن، وإن كان مليًا خير الراهن بين أن يفديه أو يسلمه للجناية، فإن فداه بأن دفع أرش الجناية بقي العبد على حاله، وإن أسلمه لم يدفع للمجني عليه، ويبقى تحت يد المرتهن، لأن وثيقته متقدمة على المجني عليه، وهكذا في المدونة، وقيده ابن يونس بما إذا لم يقر أنه جنى قبل الرهن، فأما إن أقر أنه جنى قبل رهنه، فإن لم يفده ولم يرض بحمل الجناية وحلف أنه ما رضي أن يتحملها؛ فإنه يجبر على إسلامه وتعجيل الدين، كمن أعتق وأقر أنه لغيره إن كان الدين مما له تعجيله، ولو كان الدين عروضًا من بيع ولم يرض من هي له أن يتعجلها ما جاز إقراره على المرتهن، كما لو كان معسرًا والدين مما له تعجيله،
[ ٦ / ١٤٩ ]
ويكون المجني عليه مخيرًا، فإن شاء غرمه قيمته يوم رهنه لأنه متعدٍّ عليه، وإن شاء صبر عليه حتى يحل الأجل فيباع ويتبعه بثمنه.
وَإِنْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ أَو اعْتَرَافٍ وِاخْتَارَ إِسْلامَهُ؛ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا، فَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ لِذِي الْجِنَايَةِ بِمَالِهِ وَأُتْبِعَ الرَّاهِنُ
فإن كانت الجناية تثبت ببينة، وفي معناها: أن يعترف الراهن والمرتهن بالجناية فقد يعلق به ثلاثة حقوق؛ حق للسيد، وحق للمرتهن، وحق للمجني عليه. فيخير السيد أولًا - لأنه المالك -بين أن يفديه أويسلمه، فإن فداه بقي على حاله، ولوضوح هذا تركه المصنف.
وإن أسلمه خير المرتهن أيضًا لتقدم حقه على حق المجني عليه، فإن أسلمه المرتهن أخذه المجني عليه ملكًا له. قال في المدونة: ويكون ماله للمجني عليه قل أو كثر. ابن يونس: وليس للمرتهن أن يؤدي من مال العبد الجناية، ويبقى رهنًا إلا أن يشاء سيده. زاد صاحب النكت: وسواء كان مال العبد مشترطًا إدخاله في الرهن أم لا؛ لأن المال إذا قبضه أهل الجناية فقد يستحق، فيتعلق على السيد غرم مثله، لأن رضاه بدفعه إليهم كدفعه ذلك من ماله، فأما إن أراد الراهن ذلك وأبى المرتهن، فإن كان لم يشترط المرتهن إدخال المال في الرهن فلا كلام له، وإن اشترط إدخاله في الرهن فإن ادعى المرتهن أن يفديه كان ذلك له، وإن أسلم العبد كان ذلك للراهن.
ولما تكلم المصنف على ما إذا أسلم إلى المرتهن الرهن شرع في الكلام على ما إذا فداه، فقال:
وَإِنْ فَدَاهُ كَانَ الْفِدَاءُ فِي رَقَبَتِهِ لا فِي مَالِهِ، يُبَدَّى عَلَى الدَّيْنِ ولا يُبَاعُ إِلا بَعْدَ الأَجَلِ. وقَالَ سُحْنُونٌ: وَقَبْلَهُ. ورُوِيَ: أَنَّ الْفِدَاءَ فِي رَقَبَتِهِ وَمَالِهِ
يعني: وإن فداه المرتهن، فالمشهور وهو مذهب المدونة، واختاره ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن الفداء إنما يكون في رقبته دون ماله مبدى على الدين. وروي عن مالك،
[ ٦ / ١٥٠ ]
وهو اختيار ابن المواز، وأكثر الأصحاب: أن الفداء يكون في رقبته وماله، لأنه لو أسلمه كان العبد للمجني عليه بماله، فإذا افتكَّه المرتهن انبغى أن يكون له ما كان للمجني عليه، ورأى في المشهور أن المرتهن إنما افتكَّه ليرده إلى ما كان عليه، ولولا ذلك لما كان له تطرق إلى العبد بوجه، فحينئذٍ [٥٢٠/ ب] إنما يرجع العبد إلى ما كان عليه، وهو إنما كان مرهونًا دون ماله، ولهذا لو كان مال العبد مشترطًا في الرهن لم يختلف إذا افتكَّه أنه يكون الفداء في رقبته وماله.
وعلى القولين؛ ففي المدونة: لا يباع إلا بعد الأجل. وقال سحنون: وقبله، أي قبل أجل الدين، وهو مبني على الرواية التي اختارها ابن المواز: أن المرتهن وجب له ما كان عليه. واستحسن اللخمي قول سحنون، قال: ولا مقال للراهن لأنه رضي بإسلامه. وعلى ما وجه به المشهور يندفع هذا، ثم فيما اختاره ابن المواز إشكال آخر، ويتبين لك ذلك بما نقله اللخمي وابن يونس وغيرهما عنه: أنه إذا أسلمه السيد خير المرتهن في ثلاثة أشياء؛ وهي: إسلامه، أو فداؤه بمقدار الجناية أو أكثر، فإن أسلمه أو فداه بمقدار الجناية فكما تقدم، وإن فداه بأكثر ولو بدرهم، فقال محمد: العبد للمرتهن. مالك: ويتبع المرتهن الراهن بدينه إلا بالدراهم، فإنه يسقط من جملة الدين. وقوله أنه يتبعه بدينه إلا بذلك الدرهم، لا يصح إلا على تقدير أن المرتهن اشتراه من الراهن بما أدى فيه، وإذا كان عنده مبيعًا فكيف يتبعه ماله، والقاعدة المأخوذة من الحديث الصحيح: أن العبد لا يتبعه ماله إلا أن يشترطه المشتري. وفيه إشكال من وجه آخر، وهو أن هذا الدرهم إذا لم يحل أجله مقدم ومقارن لعقده بيع، فينبغي أن يمنع لما في ذلك من البيع والسلف، إلا أن يقول: إن هذا لم يكن مقصودًا وإنما الأحكام جرت إليه.
ولما أشرنا إليه في توجيه المشهور قال بعض الموثقين: إن نفقة هذا العبد إلى الأجل على سيده الذي كان ينفق عليه، لأنه رجع إلى ما كان عليه.
[ ٦ / ١٥١ ]
فَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِيعَ بِمَالِهِ وَبُدِئَ بِالْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ زَادَ نِصْفَ الثَّمَنِ مَثَلًا؛ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَدَخَلَ مَعَهُمْ بِمَا بَقِيَ مَنْ دَيْنِهِ. قَالَ التُّونُسِيُّ: وَهَذَا هُو الْقِيَاسُ
هذا تفريغ على الرواية التي اختارها محمد، مثال ذلك: لو بيع بمائة وكان بدون ماله يساوي خمسين؛ فماله زاد نصف الثمن. وقال: (مَثَلًا) لأنه قد يزيد الثلث ونحوه، فالمائة الحاصله منها؛ خمسون للرقبة، وخمسون للمال، وعلى هذه الرواية: أن الفداء متعلق برقبته وماله فيأخذه، فإن كان الفداء خمسين أخذها وتبقى خمسون نصفها لرقبته ونصفها لماله والرهن أولًا إنما يكون في رقبته، فيأخذ في دينه ما بقى ويأخذ الغرماء الخمسة والعشرين، فإن بقى له شيء من دينه دخل معهم وأخذ بحساب ماله، وأما على مذهب المدونة: فالفداء إنما هو متعلق برقبته، فيأخذ الخمسين التي تقابل الرقبة، ويأخذ الغرماء الخمسين الباقية، ويدخل معهم بدينه، لأنه لم يبق له رهن يختص به؛ مثاله: ما قيمته خمسون وماله خمسون، فإن فداه بأربعين فبدأ المرتهن بأخذ الأربعين ثمن الفداء ودخل مع الغرماء في الخمسين؛ فيأخذ العشرة الثانية في الخمسين في دينه وهو أربعون مثلًا، فإذا أخذ العشرة بقي له ثلاثون وتقسم الخمسون الباقية للعبد وماله فيكون خمسة وعشرين، فيأخذها المرتهن أيضًا وبقي له خمسة يدخل بها مع الغرماء فيما بقي، لأنه لم يبق له رهن يختص به
وَأَمَّا لَوْ فَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لَكَانَ سَلَفًَا، فَلا يَكُونُ رَهْنًا بِهِ
يعني: وأما إن فدى المرتهن العبد من المجني عليه بإذن الراهن؛ فالفداء سلف في ذمة السيد وإن ذاد على قيمة العبد، ولا يباع قبل الأجل اتفاقًا. محمد: ولا يكون رهنًا بالفداء، وعليه اقتصر المصنف؛ لأن الفداء لما كان سلفًا اقتضى ذلك ألا يكون العبد رهنًا به لعدم اشتراطه، ولهذا قال المصنف: فلا يكون رهنًا به، لأن الفاء تشعر بالسبيبة. وقال مالك وابن القاسم: بل هو رهن به. واختلف فيه قول أشهب.
[ ٦ / ١٥٢ ]
اللخمي: وأرى أن يحلف ليكون رهنًا به. ونقل ابن يونس عن أشهب أنه لا يكون رهنًا، ثم عارض بين قوله وقول ابن القاسم في هذه المسألة بقولهما في مسألة اللؤلؤ من كتاب الوكالة: إذا أمر رجلًا أن يشتري لؤلؤًا، وقال له: أنقد عني. فإن ابن القاسم عده سلفًا، ولا يرى له إمساك اللؤلؤ بثمنه، وأشهب يرى له إمساكه رهنًا، قال: فخالف كل منهما أصله.
وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ بِطَلاقٍ أَوْ إِبْرَاءٍ بَقِيَ جَمِيعُ الرَّهْنِ فِي الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الرَّهْنِ بَقِيَ الْبَاقِي فِي الْجَمِيعِ
كما لو رهنه عشرة أرداب قمحًا مثلًا في مائة درهم ثم قضاه خمسين، فلا يأخذ الراهن شيئًا من الرهن إلا بعد وفاء جميع الحق؛ لأن الأسواق تحول على الباقي، لأن كل جزء من الرهن في مقابلة كل جزء من الدين، وكذلك لو رهنها في صداقها فطلقها قبل البناء فسقط عنه النصف أو أبرأته من النصف؛ لم يكن للزوج أن يأخذ شيئًا من الرهن، ولا فرق بين أن يكون الرهن متحدًا كدار أو ثوب، أو متعددًا كثوبين أو نحو ذلك.
قوله: (وَكَذَلِك لَوِ استُحِقَّ إلخ).تصوره ظاهر.
فرع:
وأما تعدد الراهن والمرتهن؛ ففي المدونة: وإذا أقرضاه جميعًا واشترطا أن يرهنهما رهنًا في صداقها فطلقها قبل البناء، فلا بأس به. قيل له: وإن قضى أحدهما دينه فهل له أخذ حصته من الرهن؟ قال: قال مالك في رجلين رهنا دارًا لهما في دين فقضى أحدهما حصته من الدين؛ فله أخذ حصته من الدار. واستشكل قياس قول ابن القاسم، لأنه في الثانية إذا قضى أحد الراهنين حصته، وقلنا: إن له أن يأخذ حصته من المرتهن؛ لا يقع خلل في حيازة نصيب الراهن الآخر من الراهن الذي لم يقض الحق، بخلاف الأول، أعني: إذا اتحد الراهن وتعدد المرتهن؛ فإنه إذا قبض الراهن حظ المرتهن الذي أوفاه عادت
[ ٦ / ١٥٣ ]
يد الراهن مع المرتهن الذي لم يقضه، وذلك مبطل لحيازته، ولهذا الاستشكال اختصر المختصرون المسألتين على [٥٢١/أ] السؤال والجواب إشارة إلى الإشكال.
ولهذا قال ابن يونس: يؤخذ من قوله: جواز حوز المرتهن نصف الدار مثلًا والباقي للراهن، وهو خلاف المعلوم من قوله. ورده عياض: بأنه لم يقل أن بقاءه بيد الراهن لا يبطل الرهن، وإنما تكلم على خروجه من الرهن ليبيعه وينتفع بثمنه.
فرع مرتب:
وهو أنه إذا تعدد المرتهن واتحد الراهن؛ فإذا قضى أحدهما هل يدخل الآخر عليه فيما قضاه؟ عياض: تحقيق المسألة أن الدينين إن كانا من شركة من ثمن مبيع بينهما أو من سلف واحد واشتركا فيه وهما جنس واحد، فمتى قضى أحدهما دخل عليه الآخر إذا كتباه في كتاب واحد، وكان الرهن لهما في شيء واحد، وإن لم يكتباه في كتاب واحد؛ قال في المدونة: كقمح أو دنانير مشتركة بينهما، وأما إن كتباه في كتابين فكأنهما قد رضيا بالتفاضل، وأما إن كانا نوعين أو حقين مختلفين كبيع وسلف أو دنانير وطعام؛ فلكل واحد منها أن يقضي دون صاحبه؛ كانا بكتاب واحد أو كتابين، إذ لا شركة بينهما في ذلك كما نص عليه في المدونة. فلو كانا من جنس واحد ونوع واحد من الحقوق ولا شركة في ذلك بينهما كدينارين من سلفين مختلفتين منفردين، فإن كانا في كتابين لم يدخل أحدهما على الآخر، وكذلك إن كانا في كتاب واحد، قاله أبو العباس الإبياني وغيره، وهو ظاهر قوله في الكتاب، وإنما الذي لا يكون لأحدهما الكلام فيما اقتضى صاحبه فيما كتباه في كتاب واحد من مال أصله شركة بينهما.
[ ٦ / ١٥٤ ]
فَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ بِيْعَ مَا لا يَنْقَسِمُ بِيعَ كَغَيْرِهِ وَكَانَتْ حَصَّةُ الرَّاهِنِ رَهْنًَا، وفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأشْهَبَ
يعني: إذا استحق بعض الرهن وطلب المستحق بيع نصيبه، فإن كان مما ينقسم قسم وتركت حصة الراهن رهنًا، ولوضوح هذا لم يعترض له المصنف، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه كغيره من سائر المشتركات التي لا تنقسم؛ إذا طلب أحد الشريكين البيع فإنه يجبر له الآخر، ثم إن بيع بمخالف الدين في الجنس أو الصفة بقيت حصة الراهن رهنًا، وإن بيعت بجنسه وصفته، فقال ابن القاسم: تبقى أيضًا رهنًا. وقال أشهب: بل تعجل للمرتهن؛ إذ لا فائدة في وقفها، وقد تضيع ولا ينتفع بها الراهن ولا المرتهن. وهذا معنى قوله: (وَفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ).
واعلم أن التعجيل على قول أشهب مقيد بما إذا لم يأت برهن آخر، هكذا صرح به أشهب في الموَّازيَّة، وظاهر كلام المصنف: أن أشهب يقول بالتعجيل إذا بيع بمثل الدين، سواء كان الدين عينًا أو عرضًا، والذي في ابن يونس عنه: أن المرتهن يأخذ مصابه الرهن من الثمن من دينه إن بيع بمثل الدين من دنانير أو دراهم. ونقل الباجي عنه أنه قال في العتبية: إذا بيع بعرض مثل حقه أو مخالفًا له وضع له رهنًا، وليس له تعجيله بغير رضا المرتههن. قال الباجي: ووجه أن المماثلة لا تكاد تحصل في العروض، وقد يجد عند الأجل ما هو أقرب إلى المماثلة. ولا يقال: لعل لأشهب قولين، وقد نقل اللخمي عنه الإطلاق كالمصنف؛ لأن تقييد كلامه بعضه ببعض أولي من حمله على الخلاف.
الباجي: وقال أشهب أيضا في العتبية: إن بيع شيئ من الطعام أو الإدام أو الشراب بمثل ما له صفة وجوده فاستحسن له تعجيله، وإن أبى صاحب الحق.
[ ٦ / ١٥٥ ]
الباجي: وكذلك ينبغي أن يكون كل مكيل وموزون ونحوهما. وكذلك قال سحنون في المجموعة: إن بيع بمثل حقه فليعجل له. سحنون في موضع آخر: إلا أن يكون حقه طعامًا من بيع فيألى أن يتعجله فذلك له.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ
يعني: إذا قال صاحب الدين: كتابك هذا عندي رهن مثلًا. وقال المالك: بل أعرته أو أودعته لك. فالقول للراهن، وهكذا في الموَّازيَّة؛ لأن رب الدين مدع لأنه أثبت للكتاب وصفًا زائدًا فعليه البينة. وكذلك أيضًا إذا كان بيده عبدان فادعى أنهما رهن، فقال ربهما: إنما رهنتك أحدهما. فالقول قوله، قاله في المدونة.
وقوله: (الرَّاهِنِ) يريد: على دعوة خصمه، وإلا فالفرض أن الرهن لم يثبت، وقيد اللخمي المسألة بما إذا لم تكن العادة تصدق المرتهن، وأما إن صدقته كالبياع يبيع الخبز وشبهه فيدفع إليه الخاتم ونحوه ويدعي الرهينة؛ فإن القول قوله، ولا يقبل دعوى صاحبه أنه وديعة.
خليل: وهو كلام ظاهر. قال في المدونة: فلو كان نمطًا وجبة فهلك النمط، فقال المرتهن: النمطُ أو دعتنية والجبة رهن. وقال الراهن: النمطُ هو الرهن والجبة هي الوديعة. فكل واحد مدع على صاحبه، فلا يصدق الراهن في تضمين المرتهن ما هلك، ولا يصدق المرتَهِن أن الجبة رهن، ويأخذها ربها، يعني: ويحلفان.
وَالرَّهْنُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إِلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ
يعني: إذا اتفقا على الرهنية واختلفا في مقدار الدين، فإن الرهن يكون كالشاهد إلى مبلغ قيمته فيكون القول قول من ادعى أن الدين قدر قيمة الرهن. ابن عبد البر: واتفق على ذلك. وقال الحنفي وغيره: القول قول الراهن مطلقًا. واستدل القاضي إسماعيل
[ ٦ / ١٥٦ ]
للمذهب بقوله تعالى: (ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة:٢٨٣] بجعل الراهن بدلًا من الشاهد، لأن المرتهن أخذه وثيقة بحقه فكان كالشاهد يخبر عن مبلغ الدين، وما جاوز قيمته فلا وثيقة فيه، فكان القول فيه قول الراهن.
وقوله: (مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الراَّهِنِ) يعني: أنه يشترط في كون الرهن شاهدًا أن يكون قائمًا، وفي معنى القائم بأن يهلك في ضمان المرتهن، فإن قيمته تتنزل منزلته. وأما لو هلك في ضمان الراهن فلا يكون شاهدًا، والذي في ضمان الراهن ما لا يغاب عليه أو ما يثبت هلاكه ببينة [٥٢١/ب] مما يغاب عليه كما تقدم، وهكذا نص في الموَّازيَّة والعتبية على أن الرهن لا يكون شاهدًا إذا كان في ضمان الراهن.
خليل: وينبغي إذا شهدت البينة على صفته أن يقوم، وتكون تلك القيمة أيضًا كالشاهد، وكذلك أيضًا إذا شهدت على قيمته، وإن كان في ضمان الراهن. وإلى ذلك أشار عبد الوهاب، فإنه قال: العادة جارية أن الناس يرهنون ما يساوي قدر ديونهم أو ما يقاربها. اللخمي وغيره: فعلى قوله يكون الرهن شاهدًا على الذمة، وإن هلك الرهن أو استحق.
فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَاخُذُهُ وَإِنْ لِمْ يَفْتَكَّهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ
يعني: فيحلف المرتهن عليه وحده إن وافقت قيمة الرهن دعواه، وهذا هو المشهور.
وقيل: لابد من يمين الراهن إذا طلبها المرتهن ليسقط عن نفسه كلفة بيع الرهن في الدين، ولأن المرتهن يخشى من ظهور عيب بعد بيعه. عياض: وهو الصحيح وليسقط الطلب من ذمته على القول بتعلقه بالذمة.
قوله: (وَيَاخُذُهُ) أي: إذا حلف المرتهن أخذ الرهن إن لم يتفكه الراهن بما حلف عليه المرتهن، فإن نكل المرتهن حلف الراهن وغرم ما أقر به، ولا يلزم الراهن إذا حلف المرتهن أن يدفع ما حلف عليه؛ لأن الرهن إنما هو شاهد على نفسه، وهذا هو المشهور. وفي سماع
[ ٦ / ١٥٧ ]
ابن القاسم عن مالك أنه شاهد على الذمة، ويجبر الراهن على دفع ما ادعاه المرتهن ما بينه وبين قيمة الرهن. ولهذا قال المصنف أولًا: والرهن كالشاهد، ولم يقل: والرهن شاهد؛ لأنه ليس بشاهد على الذمة وإنما هو شاهد على نفسه.
فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ مَا لِمْ يَنْقُصْ عَنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ. وقِيلَ: بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ
مثال ذلك: إذا قال الراهن بعشرة، وقال المرتهن: بعشرين: فثلاث صور:
الأولى: أن يوافق المرتهن بأن تكون قيمته عشرين.
والثانية: أن يوافق الراهن بأن تكون قيمته عشرة.
والثالثة: ألا يوافق واحد منهما بأن تكون قيمته خمسة عشر.
فأشار إلى الأولى بقوله: فيحلف المرتهن ويأخذه إن لم يفتكه. وأشار إلى الثانية بقوله: فإن زاد. أي: المرتهن على قيمته. أي: في دعوى المرتهن بأن يساوي عشرة حلف الراهن وحده، فإن نكل حلف المرتهن وأخذ المرتهن ما ادعاه.
وقوله: (ماَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْهَا) أي: ما لم تنقص دعوى الراهن عن قيمة الرهن. قوله: (فَإِنْ نَقَصَ) أي: الراهن عن القيمة، يريد: مع كون الراهن قد زاد. (حَلَفاَ) أي: الراهن والمرتهن كل على دعواه.
عياض: ولا خلاف في حلفهما في هذه الصورة. مالك في الموطأ، وابن المواز: ويبدأ المرتهن باليمين؛ لأن الرهن كشاهد له على قيمته، فإن حلف فليحلف الآخر، فإن نكل لزمخ كل ما ادعاه المرتهن، وكذلك أيضًا لو نكل المرتهن وحلف الراهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه، وإن نكلا أو حلفا فعلى الراهن قيمته إن أحب. وقيل: لا يكون له أخذه إلا بما حلف عليه المرتهن.
[ ٦ / ١٥٨ ]
وإلى هذين القولين أشار بقوله: (وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكّهُ بِقِيمَتِهِ) وقيل: بما حلف عليه. القول الأول لمالك في الموطأ، وهو قول ابن نافع وابن المواز. ثم يقال للراهن: إما أن تعطيه الذي حلف عليه وتأخذ رهنك، وإما أن تحلف على الذي قلت أنك رهنته ويبطل عنك ما زاد المرتهن على قيمة الرهن. فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن لم يحلف لزمه غرم ما حلف عليه المرتهن. والقول الثاني لابن القاسم في العتبية. قال في الموطأ: ويحلف المرتهن على جميع ما ادعاه، وهو العشرون. وقال ابن المواز: المرتهن مخير أن يحلف على دعواه أو على قيمة الرهن.
وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه: أنه لا يحلف إلا على خمسة عشر، كما لو ادعي عشرين فشهد له شاهد بخمسة عشر، فإنه يحلف على شهادة الشاهد.
وفرق الباجي وغيره بين الرهن والشاهد بأن الرهن متعلق بجميع الدين، والشاهد لا تعلق له بما لم يشهد، ألا ترى أن الراهن لو أقر بالعشرين لكان الرهن رهنًا بجميعها، ولو أقر بتصديق الشاهد لم يكن لشهادته تعلق بغير الخمسة عشر.
واعلم أن القول بتحليفه على العشرين أخص؛ لأنه إذا نكل الراهن لا يحتاج المرتهن إلى يمين أخري، بخلاف من يقول: إنه يحلف على قيمة الرهن؛ لأنه يحتاج إذا نكل الراهن إلى يمين أخرى يثبت بها ما زاد على القيمة.
تنبيه:
ما تقدم من أن الضمير في قوله: (فَإِنْ زَادَ) عائد على (الْمُرْتَهِنُ) هو الظاهر، بل المتعين هنا، وهو الذي قال ابن راشد. وقال ابن عبد السلام: يعني فإن زاد الذي أقر به الراهن على قيمة الرهن؛ كما لو كانت قيمته ثمانية وأقر الراهن أن الدين عشرة، فيحلف الراهن وحده، كما يحلف لو لم يكن رهن ليرد دعوى المرتهن، وفيه نظر، فإن حمل الكلام
[ ٦ / ١٥٩ ]
على هذا لا يفيد، فإنه إذا كان القول قول الراهن إذا ادعى قيمة الرهن فمن باب الأولى إذا ادعى أزيد من ذلك. ثم المسألة في كلام مالك وغيره إنما هي على الوجه الذي ذكرناه.
وَفِي شَهَادَةِ مَا بِيَدِ أَمِينٍ قَوْلانِ
القول بقبول شهادة ما بيد أمين لابن المواز، والآخر لأصبغ.
أبو محمد: وقول ابن المواز أصوب، لأنه إنما أخذه توثقة بحقه، ولا فرق بين أن يكون تحت يد المرتهن أو يد الأمين.
فَإِنْ تَلِفَ الْمَضْمُونُ واخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ؛ تَوَاصَفَاهُ ثُمَّ قُوِّمَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ
يعني: إذا تلف المضمون وألزم المرتهن قيمته، فإن اختلفا في قيمته؛ فإنهما يتواصفاه ثم تقوم تلك الصفة، وإن اختلفا فيها فالقول قول المرتهن مع يمينه، وهكذا في المدونة. وقيد المصنف المسألة بالمضمون؛ لأن غير المضمون لا قيمة فيه على المرتهن حتى يغرمها، وليس هو أيضًا شاهدًا [٥٢٢/أ] على مقدار الدين كما تقدم.
وقوله: (فَإِنِ اخْتَلَفاَ) أي: في الصفة، فالقول قول المرتهن لأنه غارم، وهذا هو مذهب المدونة.
ابن المواز: ويقبل قول المرتهن في الصفة، وإن كانت قيمة ذلك يسيرة إلا في قول أشهب، فإنه قال: إلا أن يتبين كذبه لقلة ما ذكره جدًّا، واختلف أيضًا لو لم يدع المرتهن هلاك الرهن، لكن أتى برهن يساوي عشر الدين مثلًا، هل يكون الدين شاهدًا للراهن إذا أنكر أن يكون هذا رهنه كما كان الرهن شاهدًا للدين؟
والمشهور: أن لا يكون الدين هنا شاهدًا.
ابن عبد السلام: والأقرب أنه لا فرق بين الصورتين.
[ ٦ / ١٦٠ ]
فرع:
أما إن جهل الراهن والمرتهن قيمته وصفته؛ فالرهن بما فيه، وليس لأحدهما قبل الآخر شيء، وعلى ذلك حمل أصبغ الحديث:"الرهن بما فيه" قيل: ولا خلاف عندنا في ذلك.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَوْمُ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَيَوْمُ قَبْضِهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا، وَعَنْهُ أَنَّ الرَّهْنَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الضَّيَاعِ، وَعَنْهُ: يَوْمَ الرَّهْنِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ
حاصل ما ذكره: أنه إن كان الرهن باقيًا اعتبرت قيمته يوم الحكم، وإن تلف؛ فثلاثة أقوال لابن القاسم، أعني: هل تعتبر يوم الضياع، أو يوم القبض، أو يوم الرهن؟ على أنه قد اختلف في الروايتين الأخيرتين هل هما وفاق أو خلاف؟
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيَنْبَغِي) إنما قال الباجي ذلك بلفظ يجب. قال: وعلى اعتبار قيمة الضياع يجب أن تعتبر تلك القيمة إلى مبلغ الدين، والأقرب اعتبار القيمة يوم الرهن؛ لأن الناس إنما يرهنون ما يساوي ديونهم غالبًا. ابن عبد السلام: وما حكاه المصنف عن الباجي هو نص في الموطأ ومعناه في المدونة.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ، وقَالَ الْمُرْتَهِنُ: عَنْ غَيْرِهِ. وُزِّعَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عَلَى الْجِهَتَيْنِ، وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ
نحوه في المدونه، ونظيرها إذا كان له عليه دين بحميل ودين بغيره، واختلفا في المقبوض هل عما هو بحميل أم لا؟ ابن رشد: والكلام فيهما واحد، ومذهب المدونة أنهما يتحالفان ويقسم المقبوض بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالقول قول الحالف، وحكى في المدونة في مسألة الحمالة عن غير ابن القاسم: أن القول قول المقبض مع يمينه، قال: لأنه مؤتمن مدعى عليه.
[ ٦ / ١٦١ ]
وإلى هذا أشار بقوله: (وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ) ابن رشد: وما حكاه من أن القول قول المرتهن لا يوجد على إطلاقه. وحكاه في الجواهر عن أشهب مقيدًا، فقال بعد أن ذكر أنهما يتحالفان ويقسم الثمن بينهما: وقال أشهب: وهذا إذا تقاررا بالإبهام، وأما لو تداعيا البيان؛ فالقول قول المرتهن، وكلام ابن يونس قريب منه.
ابن عبد السلام: وهذا القول أقرب؛ لأن الدافع يطلب إخراج الرهن بمحض دعواه فعليه البيان. وقال ابن كنانة في مسألة الحمالة: القول قول من عليه الدين. وكذلك حكى ابن رشد قولًا في مسألة الرهن أن القول قول الراهن.
اللخمي: وهو القياس؛ لأنه متطوع، ولأن القول قوله فيما يقر به. وقيد اللخمي ما في المدونة بما إذا حل الدينان أو لم يحلا وكان أجلهما سواء أو متقاربان، فإن حل أحدهما؛ فالقول قول من ادعى الحال، وكذلك إذا تباين الأجلان فالقول قول من ادعى أقربهما أجلًا مع يمينه.
بعض القروبين: وإنما تصح القسمة إذا كانت المائتان حالتين، وأما إن كانتا مؤجلتين؛ فالقول قول الدافع، لأنه يقول: إنما قصدت تعجيل المائة لآخذ الرهن، فيكون القول قوله.
وَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ رَدَّهُ لَمْ يُقْبَلْ
ظاهر.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الأَمِينُ والْمُرْتَهِنُ، فَقَالَ: بِعْتُهَا بِمِائَةٍ وَأَسْلَمْتُهَا لَكَ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ؛ غَرِمَ الأَمِينُ لَهُ مَا أَنْكَرَهُ
قال في المدونة: وإن قال المأمور بعت الرهن بمائة وقبضتها للمرتهن، وقال المرتهن: ما أخذت منه شيئًا؛ صدق المرتهن. وكذلك يصدق المرتهن إذا قال: إنما أعطاني خمسين، وقال المأمور: بل مائة. ولأجل تصديق المرتهن قال المصنف: غرم الأمين ما أنكره، أي: ما
[ ٦ / ١٦٢ ]
أنكر المرتهن، يعني: للمرتهن بعد يمينه. وهو مقيد بما إذا كان المأمور مأمورًا من الراهن.
ابن يونس: ولو كان المرتهن هو الذي أمر ببيعه؛ لصدق المأمور مع يمينه في دفعه إلى المرتهن، لأن الوكيل على البيع مصدق في دفع الثمن إلى الآمر.
* * *
[ ٦ / ١٦٣ ]
التفليس
التَّفْلِيس: وَإِذَا الْتَمَسَ الْغُرَمَاءُ أَوْ بَعْضُهُمُ الْحَجْرَ عَلَى مَنْ يَنْقُصُ مَالُهُ عَنْ دَيُنِهِ الْحَالِّ حُجِرَ عَلَيْهِ
التفليس مصدر فلس. عياض: وأصله من الفلوس؛ أي: صار صاحب فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة. وفي الجوهري: يقال: أفلس الرجل؛ أي: صار مفلسًا كأنما صارت دراهمه فلوسًا، كما يقال: أخبث إذا صارت أصحابه خبثًا، وأقطف إذا صارت دابته قطوفًا، ويجوز أن يراد أنه صار إلى حال ليس معه فلس، كأُقْهِرَ الرجل إذا صار إلى حال يقهر عليه.
وقوله: (الْتَمَسَ ) إلخ. يعني للقاضي الحجر على المِدْيَان بثلاثة شروط، أو شرط مركب من ثلاثة أجزاء:
الأول: أن يطلب الغرماء أو واحد منهم ذلك، وهو معني قوله: (الْتَمَسَ الْغُرَماَءُ أَوْ بَعْضُهُمُ) وفهم من كلامه أن لبعض الغرماء إذا قام تفليسه وإن كره غيره، وهو صحيح. محمد: إلا أن يقدمه الغرماء في المال الموجود أو يدفعوا له دينه من أموالهم.
الثاني: أن يكون مال المِدْيَان ناقصًا عن دينه الحال.
الثالث: أن يكون الدين حالًا، وأما إن كان مؤجلًا فلا حجر بمؤجل، نعم يحل بالحجر كما سيأتي، والمؤجل الحال كالحال، وذكروا هنا صورًا:
الأولى: أن يكون له وفاء دينه الحال والمؤجل؛ فهذا لا يفلس.
الثانية: أن يكون ما بيده ناقصًا [٥٢٢/ب] عن الحال؛ فلا إشكال أنه يفلس.
الثالثة: أن يكون بيده مقدار الحال فقط، فللقرويين في تفليسه قولان.
الرابعة: أن يكون في يده مقدار دينه الحال ويفضل عن ذلك فضله إلا أنها لا تفي بالمؤجل الذي عليه، فذكر اللخمي أن المعروف أنه يفلس. وفي الموازية: أنه لا يفلس.
[ ٦ / ١٦٤ ]
قال: وليس بحسن. وقيد اللخمي ما في المدونة بأن تبقى في يده فضله يعامله الناس عليها ويتاجرة الناس بسببها، ويرجى من تنميته لها ما يقضي به الديون المؤجلة، وإن كان المعروف في هذه المسألة أن يفلس؛ إذا لم يكن بيده إلا مقدار الحال أولى، وهو خلاف مفهوم كلام المصنف؛ إذ مفهوم كلامه: أنه لو بقى بيده مقدار الحال فقط لم يفلس.
اللخمي: وإذا كان ما في يده كفاف دينه وله مؤجل مثل المؤجل الذي عليه في العدد والأجل على موسر، أو كان محل دينه قبل محل الذي عليه، أو كان محل دينه أبعد أجلًا وهو أكثر عددًا- وإن بيع الآن- أو عند حلول ما عليه وفاء بالدين، لم يفلس، وكذلك إذا كان أجل دينه قبل وهو أقل ويرجى بعد قبضه وتجره به أن يوفي ما عليه.
تنبيه:
أخذ من قول المصنف: (الْتَمَسَ الْغُرَمَاءُ) أنه لا يكون للقاضي ذلك إلا بطلبهم، وأنه لو أراد الغريم تفليس نفسه لم يكن له ذلك، وقد اختلف الشافعية هل له ذلك أم لا؟ والصل في هذا الباب ما رواه أبو داود: أنه ﵇ حجز على معاذ بن جبل﵁- وقسم ماله بين غرمائه. وفعل ذلك عمر بن الخطاب﵁- برجل كان يشتري الرواحل ويسبق الحاج. وقال:" من كان له عنده شيء فليأتنا بالغداة نقسم ماله وإياكم والدين، فإن أوله هم وآخره حرب".
وَلا حَجْرَ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَكِنْ يَحِلُّ بِالْحَجْرِ
يعني: شرط الدين الذي يحجر به أن يكون حالًا، وإن كان دينه مؤجلًا كله أو حل بعضه ولكن ما بيده أكثر مما حل عليه؛ لم يحجر عليه.
اللخمي: وسواء كان يوجد عنده عند حلول الأجل شيء أم لا، إلا أن تتغير حالته ويظهر منه إتلاف ويخشى ألا يوجد عند حلول الأجل شيء؛ فيحجر عليه ويحل دينه، إلا أن يضمن أو يوجد ثقة يتجر له.
[ ٦ / ١٦٥ ]
قوله (وَلَكِنْ يَحِلُّ بالْحَجْرِ) يعني: إذا حجر عليه بسبب الدين الحال فإن المؤجل يحل كما يحل بالموت؛ لخراب الذمة في المسألتين.
فرع:
لو قال بعض الغرماء: لا أريد حلول عروضي، وقال المفلس: بل حكم الشرع بحلول ما على ولا أوخره؛ فالقول للمفلس ويجبر المستحق على أخذها، قاله في الموازية والعتبية. واعترضه اللخمي بأن الحلول إنما لِحَقِ رب السلعة، فينبغي ان يكون القول له في التأخير، وإلى حلول الدين بالموت أشار بقوله:
وَالْمَوْتُ كَالْفَلَسِ
وهذا هو المشهور. وذهب السيوري إلى أن المؤجل لا يحل بالموت، فأحرى على قوله الفلس، ووجه المشهور: أنه لو لم يحل بالموت لزم إما تمكين الورثة من قسمة التركة، وإما عدم تمكينهم، والأول باطل بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:١١]. والثاني كذلك؛ لما يلحق الجميع بسبب وقف التركة من غير فائدة. ولو قال الورثة: نحن نأتي بالحميل مليء ونؤديه عند الأجل ومكنونا من قسمة التركة كلها؛ لم يكن لهم ذلك، قاله ابن نافع في المبسوط.
فرع:
ويدخل في قوله: (ويحل بالفلس) دين الأكرية، وهو الذي أخذ من المدونة من قوله: إذا ألفلس المكتري فصاحب الدابة أولى بالمتاع من الغرماء. فإنه يقتضى تعجيل حقه، ولا يصح أن يباع للغرماء منافع دابة بالنقد يأخذونه ويبقى هو مطالبًا بالكراء. ومن قوله فيها أيضًا، إذا اكترى أرضًا فزرعها ثم فلس؛ أنه يحاص الغرماء منافع دابته بالنقد بالكراء.
المازري: وذكر لي بعض أشياخي أن عبد الوهاب نص عليه في شرح الرسالة، وكذلك ذكر لي عن المبسوط، ولم أقف على النقل في هذين الكتابين، ولكن عندي أن المسألة
[ ٦ / ١٦٦ ]
كالمنصوص فيها على قولين؛ لأنه اختلف فيمن أكرى داره خمس سنين وقبض كراءها ومر عليه حول ففلس، هل يكري الجميع أو العام الأول فقط؟
وفي المقدمات: وإن اكترى الرجل دارًا بالنقد أو كان العرف فيه النقد ففلس المكتري قبل أن يقبض الدار أو بعد أن قبض المكتري بعض السكني؛ فأوجب ابن القاسم في المدونة للمكتري المحاصة بكراء ما بقى من السكني إذا شاء أن يسلمه، وله مقل ذلك في العتبية. وعلى قياس هذا إن فلس قبل أن يقبض الدار فللمكتري أن يسلمها ويحاص بجميع كرائه، وهذا إنما يصح على قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء قبضًا لجميع الكراء. وأما ابن القاسم: فالقياس في أصله أن يحاص الغرماء بما مضى ويأخذ داره ولا يكون له أن يسلمها، ويحاص الغرماء بجميع الكراء. ولو لم يشترط في الكراء النقد ولا كان العرف فيه النقد؛ لوجب على المذهب المتقدم إذا حاص أن يوقف ما وجب له في المحاصة، فكلما سكن شيئًا أخذ بقدره من ذلك.
وَالْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ لا يُعْرَفُ تَقَدُّمُ مِلائِهِ يُفَلَّسُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ كَانَ عُرِفٌ
يعني: أن الغريم إذا كان بعيد الغيبة ولم يعرف له تقدم ملاء فإنه يفلس، وإن عرف له ذلك؛ فالمشهور لا يفلس خلافًا لأشهب، وقد نقل ابن يونس وغيره قول أشهب كما نقله المصنف. وقول ابن عبد السلام: إن في نقل المصنف له نقصًا؛ لأنه لا يؤخذ منه أنه يحكم بفلسه ولو عرف ملاؤه، وليس بظاهر. وقال أصبغ بالمشهور استحسانًا، والقياس عنده قول أشهب.
أصبغ: ويكتب بتفليسه حيث هو ليستتم عليه ذلك بالموضع الذي هو فيه.
ابن يونس: وفي قول أصبغ نظر؛ لأن أشهب إنما فلسه وإن كان مليًا في غيبته؛ لإمكان [٥٢٣/أ] تلف المال، فإذا وصل إليه فكيف يحل المؤجل عليه وهو مليء. انتهى.
وأجيب بأن أصبغ رآه حكمًا مضى فلا يرتفع.
[ ٦ / ١٦٧ ]
فرع مرتب على المشهور:
فإن فلس ثم قدم مليًا فلا شك في أخذ من قد حل دينه، وأما من لم يحل دينه؛ فاختلف هل يأخذ أيضًا حقه لأنه حكم مضى وهو ظاهر قول أصبغ، أو لا يأخذه إلا بعد أجله لأن الغيب قد كشف خلاف ما مضى به فصار كما لو تبين خطأه وهو اختيار بعض المحققين؟ وقال ابن عبد السلام: الأول أقرب؛ لأن الحاكم حين قضى بإفلاسه كان محوزًا لما قد ظهر الآن، وأيضًافهو حكم واحد، وقد وقع الاتفاق على أن من قبض شيئًا من دينه المؤجل لا يرد ذلك، فكذلك ما بقى، وأما لو حضر الغريم وغاب المال فإن ذلك يوجب تفليس الغريم إذا كانت غيبة المال بعيدة. انتهى.
وفهم من قول المصنف: (وَالْبَعيدُ) أنه لو كان قريبا لم يفلس بل يكشف عن حاله، وهكذا في العتبية والواضحة لابن القاسم، وحد القرب فيهما بالأيام اليسيرة.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك. قال: وخلاف ابن القاسم وأشهب إنما هو عندي فيما كان على مسيرة عشرة أيام ونحوها، وأما إن كان على مسيرة الشهر ونحوه فلا خلاف في وجوب تفليسه وإن علم ملاءه؛ أي: غناه من فقره.
فرع: وهل يستأنى ببيع عروض الغائب خشية أن يكون عليه دين آخر؟ أما البعيد الغيبة: فلا خلاف في الاستيناء في حقه. وأما القريب: فلمالك في رواية ابن وهب في بعض روايات المدونة، ولا يستأنى به لأن له ذمة. وقال ابن القاسم: يستأنى به كالميت.
وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ فَبَاعُوهُ وَاقْتَسَمُوهُ ثُمَّ تَدَايَن؛ فَلَيْسَ للأَوَّلِينَ دُخُولٌ فِيهِ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِيْهِ فَضْلُ رِبْحٍ كَتَفْلِيسِ السُّلْطَانِ
يعني: إذا اتفق الغريم وأرباب الديون على أخذ ما في يد الغريم والتحاصص فيه وفعلوا ذلك من غير رفع إلى الحاكم، ثم تداين هذا الغريم من قوم آخرين؛ فليس للأولين الدخول في دين ما أخذه من الآخرين، إلا أن يفضل عن دين الآخرين فضل.
[ ٦ / ١٦٨ ]
وقوله: (كَتَفْلِيسِ السُلْطَانِ) تشبية لإفادة الحكم؛ لأنه لم يتقدم له هذا الحكم في تفليس السلطان؛ أي: وليس لهم أن يدخلوا كحكم الحاكم.
وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ
(أل) في (لِلْحَجْرِ) للعهد؛ أي: لحجر المفلس أربعة أحكام؛ الأول: (مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجْودِ) احترازًا مما إذا لم يوجد؛ فإنه لا يمنع كالتزامه عطية شيء إن ملكه، اللهم إلا أن يملكه ودينهم باق فلهم حينئذ المنع. ومراد المصنف بالمنع من التصرف: هو التصرف الخاص وهو التبرع؛ لقوله بعد هذا: (مُعَامَلَتِهِ) ولكن إن أراد هذا دخل عليه النكاح، فإنه ممنوع من التزويج في المال الذي فلس فيه، قاله في المدونة، قال: وله أن يتزوج فيما أفاده بعده. وظاهرها وظاهر العتبية: أن له أن يتزوج قبل التفليس.
ابن رشد: هذا إذا تزوج من يشبه حاله وأصدقها مثل صداقها، ولو كان أكثر لكان غرماؤه أولي، وترجع هي عليه به، واختلف هل يُقَامُ المفلس من السوق لئلا يُغَشُ الناس بالبيع هنا؟ قال مالك في الموازية فيمن تَعَمَدَ إتلاف أموال الناس: يقام من السوق، كما قال في السفيه إذا حجر عليه. وقال مطرف وابن الماجشون في الواضحة: والمفلس لا يقام للناس.
اللخمي: وهذا أحسن فيمن لم يتعمد تلف ذلك.
فرعان:
الأول: اختلف في الكتابة؛ فقيل من ناحية العتق فترد، وقيل: من ناحية البيع فتمضي.
اللخمي: وأرى أن ينظر في قيمته مكاتبًا؛ فإن كانت كقيمته رقيقًا مضت مطلقًا إلا أن يتعذر بيع المكاتب، وكذلك إن كانت قيمته مكاتبًا أبخس إلا أنها تفي بالدين، وإن كانت لا تفي؛ ردت إن كانت بعد الحجر أو قبل وكان البخس لتخفيف في الكتابة؛ لما يرجى من الولاء، إلا إن كانت قبله في حسن النظر لكثرة النجوم، كمن باع سلعة بثمن إلى أجل
[ ٦ / ١٦٩ ]
وكان بيع ذلك الدين لا يفي بالثمن لو بيعت على النقد فإنه لا يرد. انتهى. وهذا إنما يأتي إذا أجرينا الكتابة مجرى البيع.
الثاني، قال في المدونة: ورهن من أحاط الدين بماله وبيعه وقضاؤه جائز ما لم يفلس، وقد كان مالك يقول: إذا تبين فلسه فليس له ذلك ويدخل الغرماء معه فيه، وليس بشيء، وعلى الأول جماعة الناس.
وحكى في المقدمات قولًا ثالثًا بجواز قضائه لبعض غرمائه دون رهنه، أما لو قضى جميع ما بيده لأحد غرمائه، فأشار السيوري إلى أن ذلك لا يختلف في رده وأفتى بذلك، وإنما اختلف إذا قضى البعض، وقال بعض القرويين: إنه يتفق على رده إذا عجله لبعضهم قبل أجله.
وَفِي مُعَامَلَتِهِ، ثَالِثُهَا: بِالنَّقْدِ لا بِالنَّسِيئَةِ، وَرَابِعُهَا: بِمَا يَبْقَى لا بِمَا يَذْهَبُ
أي: وفي صحة معاملة المفلس وعدم صحتها، والذي اقتصر عليه اللخمي والمازري وابن شاس: أن بيعه وشراءه لا يمضي. وفي الجلاب: أن بيع المفلس وابتياعه جائز ما لم يحاب. ولم أقف على غير هذين القولين، على أن بعض من تكلم على الجلاب أوله بأن مراده مَنْ ظهر عليه الفلس قبل أن يحجر الحاكم عليه، قال: وأما إن حجر عليه فلا يجوز له تصرف البتة. ولا خلاف في جواز بيعه إذا لم يحجر عليه بشرط ألا يحابي، قاله في المقدمات.
وقوله: (بِمَا يَبْقَى لا بِمَا يَذْهَبُ) أي: لا يسرع إليه التلف كالعقار.
ابن عبد السلام: ولستُ على وثوقٍ من نسبة هذه الأقوال للمذهب، بل ورأيت من الحفاظ من ينكرها، والأول منها هو المعروف في المذهب، ولو صح بيعه وشراؤه لما كان للحجر عليه كبير فائدة، وإنما حكيت هذه الأقوال في مستغرق الذمة بالحرام والمغصوب، على القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله لا حكم المفلس وهو الأظهر، ومنهم من
[ ٦ / ١٧٠ ]
رأى حكمه حكم المفلس فمنع من معاملته مطلقًا، هكذا [٥٢٣/ب] حرره بعض المحررين من الشيوخ.
وَيَمْضِي عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ، وَرَدَّهُ الْمُغِيرَةُ
أمضاه ابن القاسم في الكتاب ورده المغيرة، وقال: ليس هو كطلاقه لزوجته، بل هي كرقيقه؛ لاتفاقه بها. ومنشأ الخلاف: هل هي كالزوجة لأنه ليس له فيها إلا الاستمتاع، أو كالأمة لأن فيها شائبة الرق، ولأن أرش جنايتها للسيد؟
وفهم من قوله: (وَيَمْضِي عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ) أنه لا ينبغي للمفلس أن يقدم على ذلك ابتداءً، وهذا مقيد بأم الولد التي أولدها قبل الحجر، وأما لو أولدها بعده؛ فيرد عتقها لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها.
وَفِي إِتْبَاعِهَا مَالَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا قَوْلانِ
إذا فرعنا على المشهور من إمضاء العتق، فإن لم يستثن السيد مالها، فقال مالك في العتبية: يتبعها لأن السيد باعتبارها غير مفلس. وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرًا، لأن الغرماء إنما لم يكن لهم ردها لأنهم لا منفعة لهم فيها بخلاف مالها.
وَتَصَرُّفُهُ شَارِطًا أَنْ يَقْضِيَ مِنْ غَيْرِ مَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ صَحِيحٌ
إذا اشترى شيئًا على أن يقضي ثمنه من غير ما حجر عليه فيه بل مما يطرأ جاز؛ إذ ليس فيه إتلاف على الغرماء.
خليل: وانظر هذا فإن فيه البيع لأجل مجهول وقابله بما قالوه فيمن تزوجها إلى ميسرته أنه لا يجوز، وقد تقدم أن شيخنا ﵀ أخذ من هذا أنه يجوز أن يشتري سلعة بشرط أن يدفع ثمنها إذا فتح الله عليه وانظر ذلك.
[ ٦ / ١٧١ ]
وَكَذَلِكَ طَلاقُهُ وِخُلْعُهُ وِاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وعَفْوُهُ
يعني: وكذلك تصح تصرفاته غير المالية كطلاقه، فأحرى خلعه لأخذه فيه مالًا، وذلك أنفع للغرماء، وله أن يستوفي القصاص الذي وجب له؛ إما بسبب جناية عليه أو على وليه، وله أن يعفو عن الجاني، ولا إشكال في هذا على قول ابن القاسم الذي يرى أن موجب العمد قود كله، وأما على قول أشهب الذي يرى أن الواجب الخيار للولي بين القصاص والدية فقد غمزه بعضهم، والأظهر أنه لا إشكال فيه على قاعدة المذهب؛ لقولهم أنه لا يجبر على انتزاع مال أم ولده ومدبره.
ووقع في بعض النسخ (وغيره) عوض قوله: (وعَفْوُهُ) فيعني به كاستلحاق النسب أو اللعان، والله أعلم.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَجْلِسِ أِوْ عَنْ قُرْبً
يعني: أن إقرار الغريم إما بدين في ذمته أو بمعين، وبدأ بالدين وذكر أنه يقبل إقراره في مجلس التفليس وبالقرب منه، ولا يقبل مع البعد للتهمة، وقيد بالمجلس وقربه؛ لأن الغالب في حق من يعامل الناس أنه لا يستحضر جميع ما عليه إلا بتفكر.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنه يقبل في المجلس وبالقرب منه، سواء كان الدين الذي فلس به ثبت ببينة أو بإقرار، وهو اختيار بعض الشيوخ. والظاهر عندي: أن الغالب عدم استحضاره لجميع الدين في وقت واحد، لكن الذي نص عليه محمد وحملوا عليه المدونة أن هذا خاص بما إذا ثبت الدين بإقراره، وإن كان ببينة فإنه لا يقبل وإن كان في المجلس.
ولمالك في الموازية قول ثالث: أن من أقر له المفلس إن كان يعلم منه إليه تقاض ومداينة وخلطة؛ حلف المقر له ودخل في الحصاص مع من له بينة.
[ ٦ / ١٧٢ ]
وزاد بعضهم رابعًا: أنه يقبل ما لم يحز عنه المال؛ لأنه حينئذ كالرهن للغرماء. وفهم من كلام المصنف أنه إذا أقر قبل التفليس أنه يقبل؛ لأنه قبل في مجلس التفليس فأحرى قبله.
قال في المقدمات: ولا خلاف في ذلك إن كان المقر له لا يتهم عليه، وفي المتهم عليه خلاف. وكذلك حكى اللخمي وقال: عدم الجواز أحسن.
ابن راشد: ونزلت عندنا بقفصة وكتب فيها قاضي الجماعة بما اختاره اللخمي من البطلان.
خليل: وفي الاتفاق الذي حكاه في المقدمات نظر، فقد حكى المازري وغيره أنه وقع لابن نافع في المبسوط أنه لا يجوز أقرار من تبين فلسه وإنما لم يضرب على يديه.
ابن راشد: وحد التفليس الذي يمنع قبول إقراره أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه أو يقوموا فيستتر عنهم فلا يجدوه، وذكر غيره أنه اختلاف بماذا يكون مفلسًا؟ فقيل: بالمشاورة فيه.
وقيل: إذا رفعوه للقاضي. وقيل: بجعله في السجن.
ثُمَّ لا يُقْبَلُ إِلا بِبَيِّنَةٍ وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ
أتى بـ (ثُمَّ) المقتضية للتراخي؛ يعني: فإن لم يقر في المجلس ولا بقربه بل بعد ذلك لم يقبل أقراره، إلا أن تشهد البينة لصحته، وإذا لم يقبل بقي ما أقر به في ذمته، فإذا أفاد مالًا بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له؛ لأن التهمة إنما كانت في المال الأول.
قال في المقدمات: وأما لو داين قومًا آخرين ثم فلس؛ فلا دخول للمقر له أولًا معهم، لأن حقه على قوله فيما كان أخذه الأولون، فإن فضل عن الآخرين فضلة دخل معهم الأولون.
واختلف إذا كان إقراره أولًا صحيحًا ولم يرض المقر له بتفليسه ولا دخل في المحاصة؛ فقال محمد: له أن يدخل مع الآخرين. وقال مطرف في الواضحة: لا يدخل معهم.
[ ٦ / ١٧٣ ]
اللخمي: وإن كان غائبًا حين فلسه ثم قدم؛ كان له أن يدخل مع الأولين فيحاصصهم، ويختلف إن أحب أن يدخل مع الآخرين؛ فعلى قول محمد له ذلك.
وقال ابن القاسم في كتاب السرقة: لا يدخل معهم وهو موافق لقول مطرف، وهو أحسن؛ لأن هذه الأموال للآخرين لا شركة للأولين فيها.
واختلف إذا بقي أحد الأولين في يده نصيبه من المحاصة؛ فعلى قول ابن القاسم: يضرب مع الآخرين بقدر ما أبقى كمداينة حادثة [٥٢٤/أ]. وفي الواضحة: يضرب بأصل دينه.
فَإِنْ قَالَ قِرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَعَلَى أَصْلِهِ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْبَلُ. وَقَالَ أَشْهَبُ بِالتَّعْيينِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ إِذَا عَيَّنَهُ وَكَانَ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ
يعني: وإن أقر بشيء معين في يده في المجلس أو أقر به وقال: هو قراض لفلان أو وديعة، فقال ابن القاسم: يقبل ذلك منه إذا شهدت بينة على أصل القراض والوديعة. واشترط أشهب إذا شهدت على تعيين ذلك أنه له، هكذا نقل غير واحد قول أشهب. واكتفى أصبغ بتعيين المقر وإن لم تكن بينة إذا كان إقراره لمن لا يتهم عليه، وحكى في البيان فيما إذا قال: هو قراض فلان أو وديعة فلان ثلاثة أقوال:
الأول لمالك في سماع عيسى: أنه جائز مع يمين المقر له.
والثاني لابن القاسم في العتبية وآخر الوصايا الثاني من المدونة: أن إقراره لا يجوز.
والثالث: الفرق إن كان على أصله بينة صُدِّقَ أن هذا هو ذلك المال، وإن لم تكن على أصله بينة لم يصدق، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم، قال، وقيل: إن رواية أبي زيد مفسرة للقولين.
ابن عبد السلام: وما حكاه عن كتاب الوصايا الثاني ليس نصًا في تعيين المقر به، بل ظاهره عدم التعيين، وهو نص التهذيب.
[ ٦ / ١٧٤ ]
وإن أقر الولد أن أباه أوصى لرجل بثلث ماله وعلى الولد دين يستغرق مورثه وأنكر غرماؤه الوصية؛ فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز، ولا يجوز أقراره بعد القيام عليه، وكذلك إقراره بدين على أبيه أو وديعة عند أبيه فإقراره بعد قيام غرماء المقر عليه لا يقبل إلا ببينة، وإقراره قبل أن يقام عليه جائز، لكن في آخر كتاب القراض وكتاب الوديعة ذكر التعيين في إقرار المريض بالقراض والوديعة. أ. هـ.
وحكى المازري وغيره الثلاثة الأقوال التي حكاها ابن رشد في الوديعة في الصانع أيضًا إذا عين شيئًا لأحد.
وفي اللخمي: إذا ثبت البيع والإيداع، ثم قال بعد الفلس: هذا الثوب الذي اشتريت أو الوديعة التي قبضت، فقيل: لا يقبل إقراره، وقيل: يقبل، وقيل: لا يقبل في البيع ويقبل في الوديعة، والإبضاع والقراض والقبول في الجميع أحسن؛ لأن الأصل وجود هذه الأشياء عنده حتى يُعْلَمَ أنه تصرف فيها.
ابن يونس: ولم يختلف في المريض يقول: هذا قراض فلان أو وديعته أنه يقبل إقراره إن كان لم يتهم عليه وإن لم تكن على أصل ذلك بينة؛ لأن الحجر على المريض أضعف من الحجر على المفلس؛ لأن المريض يشتري ما يحتاجه بخلاف المفلس.
وَالْمَالُ الْمُتَجَدِّدُ يَحْتَاجُ إِلَى حَجْرٍ ثَانٍ
يعني: أن ما استفاده بعد الحجر عليه أو نشأ عن معاملة قوم آخرين، فإن له التصرف فيه حتى يحجر عليه حجرًا آخر.
وَأُجْرَةُ الْحَمَّالِ وَالْكَيَّالِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْحَجْرِ تُقَدَّمُ
نحوه في الجواهر؛ يعني: أن أجرة من يحمل سلع المفلس إلى السوق مثلًا أو أجرة من يكيل الطعام أو يزنه تقدم على الديون؛ لأنه لولا ذلك ما أمكن الغرماء الوصول إلى الأثمان.
[ ٦ / ١٧٥ ]
وقوله: (الْحَمَّالِ) بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ بالجيم، والأولى أولى، فإنها أعم.
وَيَحْلِفُ الْمُفْلِسُ مَعَ شَاهِدِهِ، فَإِنْ نَكَلَ فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا
أي: إذا قام للمفلس شاهد واحد بدين؛ فإن حلف استحقه وقسم بين غرمائه، وإن نكل فللغرماء أن يحلوا محله في اليمين.
ابن حبيب: بعد التفليس، وأما قبله فلا، وهذا يؤخذ من كلام المصنف؛ لأن التفليس حقيقة إنما يطلق بعد الحجر. وكان القياس ألا يمكنوا من التحليف؛ لأن حقه إنما ثبت في ماله إذا ثبت أنه ماله، لكنهم اتهموا الغريم أن يكون قصد بنكوله إخراج المال عن الغرماء، ولا سيما وقد اختلف إذا أخذ الحق بشاهد ويمين، هل هو منسوب إلى الشاهد فقط واليمين كالاستظهار، أو اليمين كشاهد ثان؟ ويظهر أثر الخلاف إذا رجع الشاهد، هل يغرم الحق كله، أو نصفه؟ وإذا تعارضت البينات فأقام أحدهما شاهدين والآخر شاهدًا ويمينًا وشاهده أعدل من الشاهدين، هل تكون شهادته مقدمة أم لا؟
مطرف وابن الماجشون: ويحلف كل واحد من الغرماء على جميع الحق المشهود به لا على نصيبه؛ لأن كلًا منهما قام مقام المفلس، فإن حلفوا جميعًا استحقوا وتحاصوا، فإن نكلوا لم يستحقوا شيئًا، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم استحق من حلف.
ابن القاسم في رواية عيسى وابن الماجشون: قدر نصيبه فقط، كما لو حلف الجميع. وقال ابن عبد الحكم: جميع حقه. لكن إنما نقل عنه هذا في مسألة الوارث يقوم للميت شاهد أن عليه دين، والباب واحد.
بعض القرويين: وينبغي إذا نكل بعض الغرماء ولا فضل في الدين أن يحلف الغريم ويسقط عنه حق من نكل، وليس لأصحابه أن يأخذوا ما نكل عنه وهذا كالورثة، ولو رجع بعض الغرماء بعد نكوله فأراد أن يحلف، فقال مطرف: لا يقبل كما لو نكل عن حق
[ ٦ / ١٧٦ ]
نفسه، وقال ابن الماجشون: يقبل؛ لأنه قد يستريب أولًا ثم يظهر له ما يرفع الاسترابة بخلاف حق نفسه، لأنه يعلم أولًا صحته وبطلانه.
وَلا يُمْنَعُ مِنَ السَّفَرِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، إِلا أَنْ يَحِلَّ فِي غَيْبَتِهِ فَيُوَكِّلَ مِنْ يُوَفِّيهِ
الباء الداخلة على (الدَّيْنِ) للسببية. وقوله: (وَلا يُمْنَعُ) زاد في الجواهر: (ولا يطلبه بكفيل أو بإشهاد). وفي السلم [٥٢٤/ب] الثالث من المدونة: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه، ولا يمنع من القريب الذي يقدم فيه قبل محل أجل دينه.
ابن القاسم في رواية عيسى: وعليه أن يحلف أنه لم يرد الفرار من الحق الذي عليه، وأنه ينوي الرجوع عند الأجل ليقضي ما عليه.
ابن يونس: وقال بعض أصحابنا: إنما تكون اليمين على المتهم.
وقوله: (فَيُوَكِّلَ مِنْ يُوَفِّيهِ) هو تقييد للمدونة في السفر البعيد، وهو ظاهر في المعنى، وإذا وكل فهل له عزل الوكيل؟
ابن عبد السلام: فيه تردد، واختار بعض المحققين أن له عزله إلى بدل لا مطلقًا، وأصل المذهب أنه إذا تعلق لأحد الغريمين حق بالوكالة أن لا يكون لمن وكله عزله.
خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الموضع الذي يسافر إليه مأمونًا، وكذلك ينبغي إذا كان سفره سببًا لئلا يوجد له ما يوفي الدين عند الأجل، كما إذا عومل شخص لأجل صنعته ثم أراد السفر وصنعته تتعذر عليه في السفر؛ لأنا لو أجزنا له السفر والحالة هذه أدى إلى أنه عند الأجل لا يوجد عنده ما يوفي الدين، والله أعلم.
[ ٦ / ١٧٧ ]
الثَّانِي: بَيْعُ مَالِهِ، فَيُبَاعُ الْحَيَوَانُ عَاجِلًا، ويُقْسَمُ ولا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ أَلا غَرِيمَ سِوَاهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ اسْتُؤْنِيَ بِهِ فِي الْمَوْتِ. وقِيلَ: وفِي الْفَلَسِ، وقَالَ أَصْبَغُ: يُنَادَى عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فِي مَوْتِهِ وفَلَسِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁، وتُبَاعُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ، ويُسْتَانَى فِي بَيْعِ رَبْعِهِ الشَّهْرَ والشَّهْرَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: الحكم الثاني من أحكام الحجر، واعلم أنه إذا قام الغرماء على المفلس فعلى القاضي أن يكلفهم إثبات ديونهم، ثم يعذر فيما ثبت عنده على المفلس لكل واحد من دين صاحبه، فإذا وقع التفليس أو العجز عن الدفع؛ أمر كل واحد أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئًا ولا أسقطه، وأنه باق عليه إلى الآن على ما عرف في مثل هذا اليمين، وعلى القاضي أن يسمي الشهود الذين ثبت بهم حقوق الغرماء، وإن لم يسمهم نفذ الحكم إن كانوا عدولًا وإلا فلا، حكاه في الطرر، فإن كان في الغرماء محجورًا عليه فهل يحلف المحجور عليه أو وصيه، أو لا يمين على واحد منهما ويؤخر إلى رشده؟ في المذهب ثلاثة أقوال للأندلسيين، وحكاها في المتيطية في المرأة المولى عليها تقوم بصداقها، قال: والمشهور إنها هي التي تحلف. وأفتى ابن عتاب بأن يمين القضاء توقف عليها حتى تخرج عن الولاية، فإن نكلت حينئذ عنها ردت، ولو كان في عقد أحدهم أن يصدق في الاقتضاء دون يمين، فهل تسقط عنه اليمين إن كان مأمونًا لأجل الشرط أو لا تسقط؛ لأن الحق للغرماء قولًا لابن العطار وابن الفخار؟ قيل: يكلفهم إثبات ملكه لما يباع.
ابن عبد السلام: وإنما يتم هذا إذا قيل إن القاضي لا يمكن الغرماء من أخذ ما وجد في حانوته أو داره من العروض التي تصلح للرجال والنساء، وظاهر المذهب انه يقضي من ذلك، بل قال أهل طليطلة: إنه يهجم عليه ويؤخذ له ما يعرف أنه للرجال، وإذا استوفى الحاكم هذا باع ماله.
[ ٦ / ١٧٨ ]
والترتيب في بيعه: أن يبدأ بما يخشى فساده؛ كالفواكه التي لا تبقى، ثم بالحيوان لسرعة تغيره ولأنه يحتاج إلى الإنفاق عليه فكان من حسن النظر بيعه، وليس المراد بقوله: (عَاجِلًا) أنه يباع في مجلس واحد، بل عدم الإطالة. ثم بالعروض، ثم بالعقار. وذكر في البيان خلافًا في العروض، هل يستأني بها الشهر والشهرين كالعقار، أو الأيام اليسيرة كالحيوان؟
وقوله: (ويُقْسَمُ) أي: ثمن المبيع مع ما له من ناض، وطريق القسمة أن تعلم نسبة مال المفلس إلى مجموع الدين، فمثل تلك النسبة يأخذ كل واحد منهم.
قوله: (ولا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ أَلا غَرِيمَ سِوَاهُمْ) نبه بهذا على مخالفة هذا للورثة، فإنهم حكوا الاتفاق على أن الورثة يلزمون بذلك، والفرق أن عدد الورثة معلوم للجيران والأصدقاء وأهل البلد وغيرهم، بخلاف الدين فإنه يعسر الاطلاع عليه، وكثيرًا ما يقصد الناس التخفي به.
واحترز بقوله: (فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ) من غير المعروف به فإنه لا يستأني، أي: ينتظر بقسم ماله في الفلس والموت بالاتفاق، وهكذا صرح به بعض من تكلم على هذا المحل، والمعروف بالدين يستأني بقسم ماله في الموت اتفاقًا؛ لاحتمال طروء غريم آخر. واختلف في الفلس؛ ففي المدونة من رواية ابن وهب: لا يستأني به، وروي غيره الاستيناء كالموت.
اللخمي: وهو أحسن، والفرق للأول أن ذمة المفلس باقية، فلو طرأ غريم لتعلق حقه بذمته، بخلاف الميت لزوال ذمته، ولأن المفلس لو كان له غريم آخر لعلم به.
(وقَالَ أَصْبَغُ ) إلخ. أي: إذا فلس الغريم أو مات ينادى على باب المسجد في مجتمع الناس أن فلان بن فلان قد مات أو فلس فمن كان له عليه دين أو له عنده قراض أو وديعة أو بضاعة فليرفع ذلك إلى القاضي.
[ ٦ / ١٧٩ ]
أصبغ: وكذلك فعل عمر - ﵁ - في الأسيفيع. وقوله يحتمل أن يكون عامًا، سواء قلنا بالاستيناء أو لا، وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد أن هذه المناداة تقوم مقام الاستيناء.
واعلم أن قصة الأسيفيع إنما كانت في الفلس، لكن يؤخذ منه الحكم في الموت بطريق الأولى، لكن لم يذكر في الأثر: (يُنَادَى عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) وإنما فيه أن عمر ﵁ قال: أما بعد؛ أيها الناس، فإن الأسيفيع أسيفيع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، إلا وإنه قد أدان معرضًا فأصبح [٥٢٥/أ] قد رين به، فمن كان له عليه دين فلياتنا بالغداة نقسم ماله بينهم.
وقوله: (ويُبَاعُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ) هكذا رواه مطرف عن مالك، وقاله ابن القاسم وسحنون لتوقع الزيادة، وليس هو خاصًا بالفلس، بل في كل ما يبيعه الحاكم مما يوجبه حكمه؛ كبيع مال اليتيم والغائب، ولهذا جعل مدة الخيار ثلاثًا، وإلا فيجوز في العقار الشهر ونحوه، وفي الرقيق الجمعة ونحوها.
ابن عبد السلام: ولعل إحضار المفلس ليس بشرط في إنفاذ البيع، وإنما هو من باب الكمال وأبلغ في قطع حجة المفلس، وإلا فالحجر عليه مانع من بيعه، ولو أراد الامتناع من البيع لم يكن له ذلك.
خليل: ونص في الذخيرة على أنه مستحب، ولا يبعد أن يكون ذلك على الوجوب للعلة التي ذكرنا.
وقوله: (ويُسْتَانَى فِي بَيْعِ رَبْعِهِ الشَّهْرَ والشَّهْرَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: وينتظر، ولم أقف على الشاذ، وتكلم المصنف على ما يباع عاجلًا وهو الحيوان، وما يطال فيه وهو الربع وترك ما بينهما، وهو إشارة إلى أنه ينبغي أن يوسط بينهما بحسب النظر، وإنما قال ما قال في الربع ونحوه؛ لأنه يتنافس في أثمانه أكثر من غيرها.
[ ٦ / ١٨٠ ]
وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الدُّيُونُ قُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ حِينَ الْفَلَسِ واشْتَرَى بِمَا صَارَ لَهُ مِنْ سِلْعَتِهِ
مثاله: أن يكون للواحد عرض وللآخر طعام وللآخر نقد، فيقال: كم يساوي عرض هذا وطعام هذا؟ فإذا قيل: كل واحد منهما يساوي مائة، وكان النقد مائة؛ كان المال بينهم أثلاثًا، واشترى لصاحب العرض بما نابه من جنس عرضه، هذا معنى قوله: (بِمَا صَارَ لَهُ) من الصيرورة. وفي بعض النسخ (بما طار) من الطيران، والمعنى متقارب.
والمعتبر في هذه القيمة يوم التحاصص على المشهور، وهو مراده بقوله: (حِينَ الْفَلَسِ) لكن تسامح في العبارة. وقال سحنون: يقوم المؤجل منهما يوم الفلس على أن يقبض إلى أجله، وألزم أن يقوم العين المؤجل كذلك ولا قائل به.
الباجي وصاحب المقدمات: فإن تأخر الشراء حتى غلا السعر أو رخص فلا، وإنما يكون التحاسب بينه وبين الغريم. وقال المازري: لو تغير السعر حتى صار يشتري به أكثر مما كان يشتري له يوم قسم المال؛ فالزائد بين الغرماء ويدخل معهم فيه ويصير كمال طرأ للمفلس. وذهب ابن الماجشون إلى هذا الفضل الذي حدث بمقتضى اختلاف السعر، يستبد به هذا الغريم الموقوف له المال ويشتري له بما بقي له في ذمة المفلس، بناء على ما أصله أن نصيبه ما وقف من ذلك ممن له الدين.
الباجي: فإذا اشترى له مما عليه من السلم اعتبر في ذلك الصفات التي وصفها، فإن وصفه بأنه جيد، فقال ابن عبد الحكم: يشتري له أدنى تلك الصفة. وقيل: أوسطها.
وَلا يُدْفَعُ فِي طَعَامٍ مُسْلَمٍ فِيهِ وَلا عَرْضٍ ثَمَنٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضٍ
يعني: أن ما ذكره من الشراء بما صار له من سلعته إنما هو عند التشاح، وأما إن رضي الغرماء بأن يأخذوا ما نابهم من الثمن؛ فذلك جائز، إلا أن يمنع منه مانع، كما لو أسلم في
[ ٦ / ١٨١ ]
طعام أو عرض. مثاله: لو أسلم عشرين درهمًا في إردبين قمحًا، أو في ثوبين ونابه في الحصاص عشر مثلًا؛ فلا يجوز أن يأخذها، لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفي، ويدخله أيضًا البيع والسلف إلا أن يكون رأس المال عرضًا آخر، كما لو أسلم عبدًا في ثوبين فصح له قيمة الثوب وبقي ثوب؛ فيجوز له أخذ تلك القيمة، لأن حاصل أمره أنه دفع عبدًا في عبد وثوب. وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضٍ) وكذلك يمتنع في الصورة التي ذكرها المصنف إذا كان رأس المال ذهبًا وأراد أن يأخذ عنه فضة أو بالعكس؛ لأنه صرف مؤخر.
وبالجملة فَأجْرِ هذا الفصل على حكم الاقتضاءات، فإن القاضي كأنه نائب عن المفلس، فلا يجوز أن يدفع للغرماء إلا ما يجوز للمفلس دفعه إليهم، ولم يجعلوا دخول القاضي رافعًا للتهمة. وقيل: إنه رافع لها؛ فتجوز كل مسألة منعت للتهمة.
وإِذَا هَلَكَ نَصِيبُ الْغَائِبِ بَعْدَ عَزْلِهِ فَمِنَه
يعني: إن كان بعض الغرماء غائبًا فعزل القاضي له نصيبه ثم هلك؛ فمصيبته منه، لأن القاضي كوكيله، وحكى التونسي وابن يونس الاتفاق على ذلك.
وقوله: (فَمِنَه) أي فمن الغائب.
فَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ واحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ
يعني: إذا قسم الغرماء مال المفلس أو الميت ثم ظهر غريم آخر لم يعلم به؛ فإنه يرجع على كل واحد بما ينوبه في الحصاص لو كان حاضرًا، ولا يأخذ مليًا عن معدم، ولا متاع حي عن ميت.
واحترز بقوله: (ظَهَرَ) مما لو كان حاضرًا وسكت، فإنه لا رجوع له على من قبض من الغرماء اتفاقًا، ومثال ما ذكره المصنف مسألة المدونة: إذا كان لكل واحد من ثلاثة
[ ٦ / ١٨٢ ]
رجال مائة غاب أحدهم ولم يعلم به وبيد المفلس مائة واقتسمها الحاضران، فإن القادم يتبع كل واحد بسبعة عشر إلا ثلثًا.
ابن القاسم: ولو وقف نصيب غائب فضاع؛ لضمن الغائبُ للطارئ حصته، لأنه لما وقف له صار بذلك كأنه أخذه في يده فوجب أن يرجع عليه الطارئ بحصته منه.
ابن يونس: وإذا غرم للطارئ حصته من الموقوف رجع بمثل ذلك في ذمة المفلس والميت؛ لأنه قد استحق ذلك مما وقف.
واعترض التونسي ما قاله محمد هنا بالوارث يطرأ على الوارث، فإنه لا يضمن له ما هلك بيده إذا هلك، والمشتري يهلك ما بيده ثم يستحق؛ فإنه لا يضمن للمستحق شيئًا، ويرجع المستَحِق بثمن المستَحَق على من قبضه، أو بقيمته على من غصبه، فيلزم في الغريم الموقوف له ألا يضمن للطارئ شيئًا، وفرق [٥٢٥/ب] ابن يونس بين الوارث والغريم بأن الغريم دينه من معاوضة، فما هلك بيده فهو منه، لأنه ضمن بما دفع فيه، والوارث لم يضمن في ذلك ثمنًا وداه، فوجب أن يكون هلاك ما قبض إذا هلك بأمر الله من الميت.
وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ
يعني: وكذلك لو بيع بعض مال المفلس فخرج مستحقًا، فإن المشتري يرجع على كل واحد بما ينوبه. ونص ابن عبد السلام على أن ما استحق مما باعه المفلس قبل تفليسه كذلك.
وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا بِالدِّيْنِ، أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ وَأَقْبَضُوا بَعْضَ الْغُرَمَاءِ؛ رَجَعَ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رَجَعُوا هُمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ
يعني: أن ما قدمه من رجوع القادم على الغريم القابض إنما هو إذا لم يكن الورثة عالمين بالدَّين الباقي، أو كان غير مشهور بالدين؛ فإن القادم يرجع على الورثة، أما مع علمهم فظاهر لتعديهم، وأما مع شهرته بالدين فلاستعجالهم، فلذلك يرجع عليهم أو
[ ٦ / ١٨٣ ]
على الوصي، ثم يرجع الورثة أو الوصي بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولًا، وهكذا في المدونة في باب المديان، وقال في باب بعد هذا: إذا قضى الورثة لمن حضر وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وَجد الغرماء معدمين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك ثم رجع الورثة بما أدوا من ذلك على الغرماء الأولين.
ومقتضى قوله: (فإن وجد الغرماء معدمين رجع على الورثة) أنه يبدأ بالغرماء بخلاف الأول، وحمل اللخمي وغيره ذلك على الخلاف.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر. اللخمي: والقول بالبداية بالغريم أحسن، إلا أن يكون تناول من الوصي أو الولي الأقرب بالأمر البين؛ لأن معه ناضًا أو كان الغرماء غير مليين أو غائبين؛ فيبدأ بالوارث أو الوصي بالاتفاق. انتهى.
وقال ابن يونس: بل الثاني والأول سواء، وإنما أراد أنهم يخيرون بين أن يرجعوا على الورثة أو الوصي، وبين أن يرجعوا على الغرماء، وخرج بعضهم على رواية أشهب أن الورثة إذا عَزلوا للدين أضعافه وباعوا ليرثوا؛ أن البيع باطل ويفسخ ويكون لجميع الغرماء إذا لم يحضروا أخذ السلعة من أيدي المشترين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما بأيديهم أو ثمنه أو بعضه إن كان قائمًا.
ابن عبد السلام: وفي التخريج نظر؛ لأن مذهب أشهب في من اشتراه سلعة شراء فاسدًا وقبضها ودفع ثمنها أن له أن يمسكها على سبيل الرهن حتى يأخذ الثمن الذي دفعه. انتهى.
المازري: ولا يختلف أن الورثة منهيون عن البيع قبل الدين، فإن فعلوا فللغرماء فسخ ذلك إن لم يقدروا على أداء الدين إلا بالفسخ، وأما إن قضاه الورثة من أموالهم وأسقط الغرماء حقوقهم؛ فالأشهر من المذهب أن البيع لا ينفسخ، لأن النهي عن البيع لحق المخلوقين وقد سقط، ومقابل الأشهر رواه أشهب فذكر ما تقدم.
[ ٦ / ١٨٤ ]
تنبيه: وقد تبين لك موافقة كلام المصنف للمدونة، وعلى هذا فقوله: (وَلَوْ كَانَ) أي: الميت؛ لأن قوله: (كَانَ مَشْهُورًا بِالدِّيْنِ) قسيم لقوله: (أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ) وعلم الورثة إنما هو مع الموت فكذلك قسيمه، ولأن قوله: (رَجَعَ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ) أي: على الوارث، والوارث إنما يكون في الموت، وليوافق مذهب المدونة، وقول ابن عبد السلام: أن المصنف هنا جمع بين الفلس والموت وهو خلاف المدونة ليس بظاهر.
وإِذَا رَجَعَ عَلَى الْوَرَثَةِ فَليَاخُذُ مِنَ الْمَلِيِّ عَنِ الْمُعْدَمِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَ الْوَارِثُ بِخِلافِ الْغُرَمَاءِ
يعني: إذا توجه الغرم على الورثة؛ فإما أن يجدهم أملياء، أو عدماء، أو بعضهم أملياء، فالأملياء يرجع على كل واحد بما ينوبه، والعدماء لا رجوع له على واحد منهم، وإن وجد بعضهم معدمًا؛ فإنه يأخذ من الملي الأقل من دينه أو ما قبض، لأنه إن كان دين القائم أقل وقبضه سقط ما نابه، وإن كان ما قبض أقل لم تلزمه الزيادة، لأنه لو لم يقبض شيئًا لم يلزمه غرم البتَّة.
وقوله: (بِخِلافِ الْغُرَمَاءِ) أي: فإنه إنما يأخذ كل واحد بما ينوبه، والفرق تساوي الغريم الطارئ مع الغرماء بخلاف الورثة؛ إذ لا يستحق واحد منهم ميراثًا إلا بعد قضاء الدين.
ابن عبد السلام: وينبغي إذا علم الغرماء بالغريم الطارئ أنه يكون كالوارث، ويأخذ الملي عن المعدم، وكذلك ينبغي في الورثة إذا علموا أن يرجع على كل بمبلغ التركة كلها إلا بما قبضه، والله أعلم.
فرع: واختلف في طريان وارث على وارث وموصى له على موصى لهم، فقال ابن القاسم، ورواه عن مالك: هو كطريان غريم على غرماء، فلا يأخذ مليًا عن معدم. وقال أشهب وابن عبد الحكم: كطريان غريم على ورثة، فيقاسم الملي منهم في جميع ما صار له، كأن الميت لم يترك غيرهما، ثم يرجعان على سائر الورثة، وكذلك الموصى لهم حتى يعتدلوا.
[ ٦ / ١٨٥ ]
وإِذَا تَلِفَ مَالُ الْمُفْلِسِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَرْضًا فَمِنْهُ، وإِنُ كَانَ عَيْنًَا فَمِنْهُمْ. ورَابِعُهَا: إِنْ كَانَ مُفْلِسًا فَمِنْهُ، وإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَمِنْهُمْ
وقوله: (الْمُفْلِسِ) يريد أو الميت، ودل على حذف هذا المعطوف تفصيله في القول الرابع بين الفلس والموت، فإن تفصيله في هذا القول يدل على أن الثلاثة المتقدمة علمت، ويحتمل أن يكون أطلق المفلس على الحي والميت، وذكر المصنف أربعة أقوال:
الأول: أن ضمانه من المفلس حتى يصل إلى الغرماء عينًا كان أو عرضًا، رواه أشهب عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم، واختاره اللخمي وابن عبد السلام؛ لأن ذلك المال ماله فيبقى ضمانه منه حتى يتحقق الناقل، ولا ناقل سوى ما تعلق به من حق الغرماء وتعلق حقهم بتلك العين أو العرض تعلق عام، وحق المديان متعلق بأعيانها، ومثل هذا من التعارض يوجب رجحان الإضافة للمديان، ولأن من [٥٢٦/أ] حق الغرماء التوفية في الكيل والوزن، وكل ما كان قبل ذلك فهو في ضمانه حتى يوفى لهم.
الثاني: أن ضمان ذلك من الغرماء من حضر أو غاب، ومن علم منهم ومن لم يعلم، كان دينه عرضًا أو غيره، ورواه ابن الماجشون عن مالك، وقال به هو وابن المواز.
الثالث: إن كان مال المفلس عرضًا فضمانه منه، وإن كان عينًا فضمانه من الغرماء، قاله ابن القاسم ورواه عن مالك، وقيده بعض القرويين وصاحب المقدمات بما إذا كان العرض مخالفًا لدينهم؛ بأن تكون ديونهم عينًا أو عرضًا مخالفًا، وأما إن كانت مماثلة فمصيبتها منهم؛ لأنهم يتحاصون فيها ولا يحتاجون إلى بيعها، وأبقاه المازري وغيره على إطلاقه، ورأوا أن الديون وإن كانت عروضًا فإنما يستحق الغرماء العروض بقيمتها من العين، وعورض ابن القاسم في قوله: إن ضمان العين من الغرماء. بأن المفلس لو اشترى منها سلعة بعد الإيقاف كان كماله، ولما عورض بهذا سكت. وأجاب المازري بأنه متعد
[ ٦ / ١٨٦ ]
في التصرف، ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فربحها له، قال: ولعله سكت استثقالًا للمعارضة التي هي كالمناقضة.
والقول الرابع من كلام المصنف لأصبغ. وزاد المازري والمتيطي خامسًا: أن مصيبة الدنانير ممن له الدنانير، ومصيبة الدراهم ممن له الدراهم، وعزي للمغيرة.
ابن عبد السلام: وقول ابن القاسم على نقله في المقدمات قريب منه؛ لقوله بعد ذكر قول ابن القاسم: فتحصيل مذهبه أن ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم؛ لأنه إنما يباع على ملكه، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء.
ومنشأ الخلاف: هل الحاكم كوكيل عنه؛ لأن الأصل استصحاب ملكه، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء، ولأنه لو حصل ربح لكان له وهو وكيل عنهم والمال محاز عنه وقد منع من التصرف فيه، ولا يخفى وجه من قال بالفرق، وهذه الأقوال إذا كان الوقف على يد حاكم، ولو تولى ذك الغرماء أو الورثة لكان ذلك من المديان، والله تعالى أعلم.
وُيتْرَكُ عَلَى الْمُفْلِسِ كِسْوَتُهُ الْمُعْتَادَةُ لِمِثْلِهِ، وقِيلَ: مَا يُوَارِيهِ
احترز بالمعتادة من التي للزينة فإنها تباع، والشاذ لابن كنانة، وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له شيء، وظاهره ولا ما يواريه، ولكن رده ابن رشد بقول ابن كنانة، وقول ابن كنانة هو القياس، ورأى في المشهور أن العرف جرى باستثناء الثياب المعتادة.
ابن القاسم: وإن كان له ثياب فيها فضل عن لباس مثله بيعت.
اللخمي: يريد ويشترى دونها، ويترك له أيضًا على المشهور - إذا اختلفت الكسوة لولده - الكسوة لولده الصغار، وشك مالك في كسوة زوجته، هكذا أضاف صاحبُ البيان وأكثرُهم الشكَّ لمالك، وأضافه اللخمي لابن القاسم؛ أي: شك هل سمعها من مالك
[ ٦ / ١٨٧ ]
أم لا، لا أنه شك في الحكم؛ لأن الزوجة ألزم من الولد، فإذا ترك للولد فأحرى للزوجة. وقال سحنون: لا يترك لها كسوة.
اللخمي: وعلى هذا لا يترك للولد، وهو أبين، وحسبهم ما كان عليهم، قال: ولا أرى أن يستأنف أيضًا لها كسوة. قال في البيان: واتفق على أنه لو كساها قبل التفليس كسوة لا فضل فيها عن كسوة مثلها وهو قائم الوجه؛ أنه لا ينزع منها، ويباع ثوب جمعته إن كانت له قيمة وإلا فلا، ويباع عليه ما كان للقنية والتجارة؛ داره، وخادمه، ودابته، وسرجه، وسلاحه.
ابن القاسم: وخاتمه. ومنع أشهب بيع الخاتم، والأول أظهر، ويباع مصحفه، واختلف في بيع كتب الفقه عليه، والخلاف في ذلك جار على الخلاف في جواز بيعها من حيث الجملة، فكرهه مالك مرة ومنعه أخرى.
قال في الموازية: لا تباع في الدين ولا تورث، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها سواء، ووجَّهه الباجي بأن طريقه النظر وليس مقطوعًا بصحتها، والمشهور الذي عليه الجمهور: جواز البيع.
ابن عبد الحكم: وقد بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون حاضرون وغيرهم فما أنكروا ذلك، وكان أبي الوصي.
المازري: وأما تكفين ولده فجار أيضًا على ما ذكرناه في ولده الحي، وأما الزوجة فكذلك أيضًا يجري الأمر في تكفينها إذا قلنا: إنه لازم للزوج على أحد القولين على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهي حية. واختلف العلماء هل تكفن بثوب أو ثلاثة؟ قال: ويتخرج عندي على الخلاف في ثوبي الجمعة؛ لأن التكفين في الثلاث مستحب كثوبي الجمعة، قال: وكان شيخنا يتردد في بيع آلة الصانع كمرزبة الكمَّاد ومطرقة الحداد، قال: ويؤخذ حكمه مما تقدم، فإن كان يسيرًا ولا يصلح أن يقيم أوده إلا منه؛ لم يبع ويصير مثل نفقة الأيام.
[ ٦ / ١٨٨ ]
ويُتْرَكُ عَيْشُهُ وعَيْشُ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ نَحْوَ الشَّهْرِ
هكذا لمالك في الموازية والواضحة، ولم يقيد ذلك في الموازية، بل في الزكاة الثاني: يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، وحملها في البيان على العشرة ونحوها. قال: وليس بخلاف للقول الذي وقع في الشهر، وإنما هو على قدر الأحوال، وما جرى عليه العرف من التقوى في ذلك المكان، قال: والمراد بالأهل في المدونة أزواج المفلس ومن تلزمه نفقته من رقيقه وولده، وأمهات أولاده ومدبرته، وكذلك قال المازري: التحقيق أن يترك له نفقة اليومين والثلاثة خوفًا من كسله أو مرضه في غده وما بعده. وما ذكره المصنف هو المشهور، ولمالك في رواية ابن نافع لا يترك له شيء.
ولا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْسِبَ
أي: لقوله تعالى: (وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ورأى اللخمي أن الصانع يجبر على التكسب؛ لأنه على ذلك عومل بخلاف التاجر، قال: وعلى التاجر تكلم مالك، قال: وكذلك يجبر على العمل إذا باع منافعه؛ مثل أن ينسج لرجل ثيابًا أو يخيط ثيابًا مدة معلومة، قال: ويفترق الجواب إذا كان محتاجًا إلى ما ينفق، فإن الصانع يتداين ليعمل ويقضي، فإنه يبدأ بنفقته ونفقة عياله، ثم يقضي دينه من الفاضل، وإن باع منافعه مدة معلومة بدئ بالذي استأجره وإن أدى ذلك إلى أن يتكفف؛ لأن منافعه صارت ملكًا لمن اشتراها فأشبه من باع سلعة ولم يسلمها حتى افتقر؛ فإنه [٥٢٦/ب] يسلمها وإن تكفف، إلا أن يخاف عليه الموت فيخير الذي استأجره بين أن يسلفه ما يعيش به دون عياله حتى يتم عمله، أو يتركه فيعمل عند غيره بمثل ذلك؛ لأنه إن منع هلك، ولا ينتفع المستأجَر بشيء.
[ ٦ / ١٨٩ ]
ولا يُؤَاجِرَ مُسْتَوْلَدَتَهُ بِخِلافِ مُدَبَّرَتِهِ، ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا، ولا أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَه لِوَلَدِهِ
يحتمل أن يقرأ: (ولا يُؤَاجِرَ) على البناء للمفعول؛ أي: لا يؤاجر القاضي أم ولده، لأنه لم يبق له فيها إلا الاستمتاع، بخلاف المدبر فإنه يؤاجره عليه لبقاء الخدمة له، ويحتمل أن يقرأ بجزم الراء على النهي عائدٌ على الحاكم أو على المفلس، ويحتمل أن يقرأ بالنصب عطفًا على (يتكسب) وهو أقرب إلى لفظه؛ ألا ترى أن قوله بعد: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) وما بعده لا يصح فيه إلا النصب، لكن يرد على هذا أنه لا يلزم من قوله: (أن يؤاجر أم ولده) ألا يجوز له إجارتها، بل قد يفهم منه جواز الإجارة.
ألا ترى إلى قوله: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) فإنه أشار بذلك إلى أنه يجوز له أن ينتزع، وإنما المنع أن يجبر على الانتزاع وإجارتها لا تجوز على المذهب، وفي معنى المدبرة المعتقة إلى أجل ونحوها ممن للسيد فيها الخدمة، وقد نص ابن شاس وغيره على أن المدبرة يؤجِّرها المفلس، وبه تعلم أن ما وقع في بعض النسخ (ولا مدبرة) ليس بجيد، وما ذكره أنه لا يلزمه انتزاع مال المدبر وأم الولد هو في المدونة، ورآها من معنى التكسب، وهو غير لازم؛ ولأنهم لما يعاملوه إلا على ملكه، فليس لهم الجبر على انتزاع ملك الغير.
وفي سماع ابن القاسم عن مالك من حبس حبسًا وشرط إن شاء المحبس عليه أن يبيع باع؛ فلغرمائه أن يبيعوه عليه. صاحب المقدمات وابن زرقون: فيتخرج من هذا قول بلزوم الانتزاع ولزوم الاعتصار.
ولا يَشْفَعَ ولا يَستَسلِفَ ولَوْ بُذِلَ لَهُ
ولا يلزمه أن يشفع ولا أن يستسلف ولو بذل السلف له وكذلك لا يلزمه قبول هبة أو صدقة أو وصية، وإنما لم يلزمه أن يشفع وإن كان في الأخذ بالشفعة ربح؛ لأنه تسلف
[ ٦ / ١٩٠ ]
وتجر وهو غير لازم؛ لأنه لا تلزمه عهدة بالشفعة، ولم يلزمه السلف؛ لأنه استدانة أخرى، نعم لو رضي أحد أن يسلف الطالب ما له على المطلوب ثم يرجع به على المطلوب لم يكن للمطلوب مقال؛ لأن المعروف إنما هو للطالب بالمطلوب إلا أن يفعل ذلك قصدًا للضرر، واختلاف العلماء فيما لو باع المديان سلعة بخيار، ثم اشتراها كذلك، ثم حجر عليه فأراد الإمضاء في المسألتين أو الفسخ فيهما ومنعه الغرماء من ذلك، وأجرى ذلك المازري على الخلاف في الخيار هل هو منحل أو منعقد؟
وَلا يَعْفُوَ عَنْ دَمِ الدِّيَةِ
يحتمل أن يكون منقطعًا عما قبله فيكون مجزومًا؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجبت في الدية؛ لتعلق حق الغرماء بها. ويحتمل أن يكون منصوبًا بالعطف؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجب له ليأخذ الدية، بل له أن يقتص، وقد ذكر الفرعين صاحب الجواهر، وقد تقدم ما يغني عن الاحتمال الثاني بقوله: (وكذلك طلاقه وخلعه واستيفاء القصاص) وعلى الاحتمال الأول يكون دم الدية مضافًا ومضافًا إليه، وعلى الثاني يكون الدم منونًا والدية مجرورة بلام الجر. وقال المصنف على الاحتمال الأول: (دَمِ الدِّيَةِ) ولم يقل: (دم الخطأ) ليشمل المأمومة والجائفة عمدًا ونحوهما مما لا يقاد منه، والله أعلم.
وَلوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ وعَتَقَ فَضْلُهُ، ولَوْ وُهِبَ لَهُ عَتَقَ.
يعني: وإن ورث المديان من يعتق عليه أبًا أو غيره، فقال ابن القاسم: يباع إن استغرقه الدين، وإن لم يستغرقه بيع منه بقدره وعتق الباقي، وهو معنى قوله: (وعَتَقَ فَضْلُهُ) فإن لم يمكن بيع بعضه بيع جميعه ويتملك الفاضل، ولا يبعد استحباب التصديق به، وخالف محمد، فقال: لا يباع به. قال: وهو مثل الصبي والمولى عليه، فإنه يعتق عليهما من ورثاه؛ لأنه يجب حفظ مال المفلس على غرمائه كما يجب حفظ مال الصبي والسفيه
[ ٦ / ١٩١ ]
عليهما، ونص أشهب أيضًا على العتق في مسألة الإرث، وقد يقال: وهو جارٍ على المشهور؛ أعني: أن عتق القرابة يحصل بمجرد الملك ولا يتوقف على حكم. وأما على قول ابن القاسم فإنه يظهر إذا بنينا على أنه إنما يعتق بالحكم كما بينه بعضهم، إلا أن يقال: من شرط العتق بالقرابة ألا يوجد هناك مانع وهو هنا قائم وهو حق الغرماء.
ولو وهب للمديان قريبه لعتق عليه. ابن القاسم: لأنه لم يوهب له ليأخذه غرماؤه وإنما قصد به العتق.
صاحب المقدمات وغيره: وانظر هذا لو وهبه وهو لا يعلم ممن يعتق عليه، وجزم ابن يونس والمازري وغيرهما بأنه يباع في الدين؛ لأنه لم يقصد به العتق.
وفِي انْفِكَاكِ الْحَجْرِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ قَوْلانِ
يعني: إذا قسم مال المفلس وحلف على أنه لم يكتم شيئًا ووافقه الغرماء على ذلك، فهل ينفك الحجر من غير احتياج إلى حكم حاكم وهو قول اللخمي. ابن عبد السلام: وهو أكثر نصوصهم. أو لا ينفك إلا بحكم حاكم، وهو قول القاضيين ابن القصار وعبد الوهاب؟
ابن راشد: والأول جارٍ على مذهب ابن القاسم في المحجور عليه لسفه أن الحجر يزول عنه برشده في نفسه من غير ترشيد حاكم؛ لأن العلة في الحجر السفه؛ وهو خوف إتلاف المال، والعلة إذا زالت زال المعلول به، وقول القاضي عبد الوهاب جارٍ على القول المعمول به أن المحجور عليه لسفه لا يخرج من الحجر إلا بترشيد الحاكم.
الثَّالِثُ: حَبْسُهُ
أي: الحكم الثالث من أحكام الحجر حبس الغريم عند دعواه العجز ما لم يظهر عدمه ويثبت فقره. قال في المقدمات: ولا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار وقول ابن
[ ٦ / ١٩٢ ]
عبد السلام في جعل الحبس من أحكام المفلس نظر؛ لأن المفلس يجب إنظاره من غير حبس [٥٢٧/أ] ليس بظاهر.
ويُحْبَسُ الْمُعَانِدُ والْمَجْهُولُ الْحَالِ
يحتمل أن يريد بالمعاند معلوم الملاء، ويحتمل أن يريد من هو ظاهر الملاء، وللغريم ثلاثة أحوال: مليء، ومجهول الحال، ومعدم. والمليء ينقسم إلى قسمين المشار إليهما؛ أعني: معلوم الملاء، وظاهر الملاء، ولنتكلم على كل واحد.
فأما معلوم الملاء: فمثلوه بأن يأخذ أموال الناس ويقعد للتجارة ثم يدعي ذهابها، ولم يظهر ما يصدقه من احتراق منزله أو سرقة أو نحوها، فيحبس حتى يؤدي أموال الناس أو يموت في السجن.
سحنون: ويضرب بالدِّرَّةِ المرة بعد المرة، ولو أدى إلى إتلاف نفسه حتى يؤدي أموال الناس. ابن رشد: وليس بخلاف. قال مالك: يضرب الإمام الخصم على اللَّدَدِ، وأيُ لدَدٍ أعظم من هذا.
عياض: ولا يؤخذ منه حميل، إلا أن يلتزم الحميل دفع المال، والصواب لا يؤخر ساعة إن عرف بالناض، وإن لم يعرف به، فقالوا: يؤخر مقدار ما يبيع عروضه فيحبسه على ظاهر الروايات وعند أكثر الشيوخ. وقال غيره: لا يؤخر ويباع عليه لحينه، واختلاف هل يحلف على إخفاء الناض إذا لم يكن معروفًا به، فقال ابن دحون: يحلف، وقال أبو علي: لا يحلف. قال ابن زرب: إن كان من التجار حلف وإلا فلا، وهو على الخلاف في يمين التهمة.
واختلف هل يؤخذ من هذا حميل بالمال أو يسجن حتى يبيع؟ أما إن كان صاحب العرض مُلِدًَّا وسأل التأخير إلى بيع عروضه، وسأل أن يعطى حميلًا حتى يبيعها؛ ففيه خلاف
[ ٦ / ١٩٣ ]
أيضًا، ذهب كثير منهم إلى أنه يلزمه حميل بالمال في رواية أبي زيد عن ابن القاسم، ونحوه فيمن عرف له مال غائب ليس عليه حميل، إلا أن يخشى عليه أن يموت أو يغيب عنهم.
ابن عتاب: وهي رواية ضعيفة، وذهب معظم الشيوخ إلى أنه يعطى حميلًا بالمال إلى أن يباع أو يسجن، ونحوه لسحنون في كتاب ابنه.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وليس للإمام أن يبيع عليه عروضه كما يبيعها على المفلس؛ لأن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله.
ابن عبد السلام: وإذا علم يساره وجهل القاضي كونه من أهل الناض كلفه إثبات البينة بذلك، فإن أثبت أُجِّلَ في بيع عروضه. قالوا: ويؤجل في بيع ربعه إن لم يكن له غيره نحو الشهرين، ويعطي حميلًا بالمال عند أكثر الشيوخ. وقال ابن مالك: بل بالوجه. وقال سحنون: لا يلزمه حميل. وأما مَنْ ظاهره الملاء ولم يعلم ملاؤه ولكن يتهم على إخفاء المال، فقال سحنون وغيره: يسجن حتى يتبين أمره. سحنون: ولا يؤخذ منه حميل، وفهموه على أنه يريد حميل الوجه، وإن طلب أخذ الحميل منه ليخرج في طلب منافعه ويرجع إلى السجن؛ فإن عجز أخذ منه. واختلف في قول ابن القاسم وسحنون، فقيل: خلاف، وقيل: وفاق. فيحمل قول سحنون على أنه ملد ظاهر الملاء، وقول ابن القاسم على غيره. وأما مجهول الحال فيحبس ليُستبرَأ أمره، قاله مالك في الموازية، وقد اختلف فيما يحمل عليه حال هذا المجهول على ثلاثة أقوال.
اللخمي: وهو المعروف من المذهب أن يحمل الغريم على اليسر من غير اعتبار لحاله، ولا للسبب الموجب للدين. وقال مالك في المبسوط: إنه يحمل على العدم حتى يقوم دليل بملائه؛ أنه قال: لا يحبس إلا التاجر. وقيل: إن كان الحق عن عوض فهو على الملاء، وإن كان عن غيره كنفقة الأب والابن فهو على العدم، قاله ابن القاسم وأشهب وابن كنانة وسحنون، واختلف على هذا القول هل ذلك إذا كان العوض مما يتملك أم لا؟
[ ٦ / ١٩٤ ]
فحمل ابن القاسم وأشهب ذلك محملًا واحدًا. وقال ابن كنانة وسحنون: إن كان العوض مما يتملك ويتمول فهو محمول على الملاء، وإن كان مالًا يُتمول كالصداق الذي هو عوض ما لا يتمول، وكأرش الجراح فهو محمول على العدم، وسيأتي الكلام على المعدم.
فَإِنْ سَأَلَ فِي الْيَوْمِ ونَحْوِهِ بِحَمِيلٍ آخَرَ
أي: سأل مجهول الحال، وهو الظاهر، ويحتمل عوده عليه وعلى أحد قسمي المعاند؛ أعني: ظاهر الملاء، وفيه بُعْدٌ، لعود الضمير على بعض المعاند، إلا أن يقال: إنه لم يرد بالمعاند إلا ظاهر الملاء، لكن يبقى فيه بُعْدٌ لوجه آخر، وهو أنه قد يكون ترك النص على معلوم الملاء، ولا يصح أن يعود الضمير في سأل على معلوم الملاء؛ لأنه لا يؤخذ منه حميل كما تقدم.
وفي كلام المصنف ما ينبِّئ عنه، ويتبين له ذلك بذكر حكم المجهول وظاهر الملاء.
أما مجهول الحال؟ فظاهر المدونة يحبس قدر ما يتلوم من اختبار حاله، أو يأخذ عليه حميلًا.
عياض: ولم يبين هل بالوجه أو بالمال؟ والصواب أن يكون بالوجه، هكذا نص عليه أبو عمران وأبو إسحاق وغيرهما من القرويين والأندلسيين، ولا يقتضي النظر غيره؛ لأن هذا لم يثبت أنه مليء ولا غَيَّبَ مالًا، ولكن يسجن استظهارًا لكشف حاله، فإذا أعطى حميلًا إلى مدة الانكشاف؛ توصل بذلك إلى الكشف كما يتوصل بالسجن، فإن ظهر وجه الشدة عليه أمكنا منه الحميل. وحكى اللخمي عن سحنون: أنه لا يقبل ممن يسجن ليثبت فقره حميل ليسعى في مصالحه خلاف لابن القاسم. قال: وقول ابن القاسم أحسن، إلا أن يكون معروفًا باللدد. قال: وإذا أخذ الحميل منه، فإن لم يحضر غرم المال؛ لأجل اليمين اللازمة له إذا أحضره، وإن أحضره عند الأجل ولم يظهر له مال حلفناه وسرحناه، فإن لم يأتِ بحميل إلا إلى دون ما ينكشف حاله فيه؛ فإنه يقبل
[ ٦ / ١٩٥ ]
منه، فإذا أخر إلى الأجل الذي ضمنه إليه ولم يكشف من أمره شيء سجن، إلا أن يأتي بحميل آخر إلى انقضاء الأجل.
عياض: وهذا الحميل يقضي به على صاحب الدين أن يأخذه إذا بذله الغريم، وإذا قبل منه الحميل ليثبت عدمه فغاب الغريم وأثبت الحميل عدم [٥٢٧/ب] الغريم، فقال ابن رشد: يغرم الحميل لتعذر اليمين اللازمة للغريم. وقال اللخمي: لا يغرم؛ لأن اليمين بعد ثبوت الفقر أنه لم يكتم شيئًا استظهارًا، إلا أن يكون ممن يظن أنه يكتم. وأما ظاهر الملاء يقيم بينته بالفقر ولم تزكَّ بينته؛ ففي كتاب ابن سحنون: لا يؤخذ منه حميل ويسجن حتى تزكى بينته. قيل: وإنما لم يقبل منه الحميل؛ لأنه إذا ذهب لم يحلف الحميل، إذ لا بد من يمينه أنه لا يجد قضاء.
ابن يونس: يحتمل إنما سجنه؛ لأن ظاهره الملاء، والبينة التي لم تزكَّ كالعدم، وهذا كمن تفلس، وقال: لا شيء لي. وأما إن سأل أن يؤخر ووعد بالقضاء؛ فليؤخر الإمام حسبما يرجى له الملاء، ولا يعجل عليه، قاله ابن الماجشون. وقال في كتاب ابن سحنون: وإن سأل أن يؤخر يومًا أو نحوه أُخِّر ويعطى حميلًا بالمال، فإن لم يجد حميلًا به سجن، وقال ابن الماجشون في سماك عليه سمك فسأل الصبر حتى يتصيد، قال: يصبر عليه، ولم يشترط الحميل، ولعله يريد أنه لا مال له ولا يجد قضاء إلا من تصيده.
خليل: وفي كلام المصنف نظر؛ لأنه لم يقيد الحميل في المجهول باليوم كالمصنف، وإذا أراد ظاهر الملاء؛ فإنما نصوا على تأخيره اليوم إذا وعد بالقضاء، وكلام المصنف لا ينبني على ذلك، وذكر ابن راشد أن قضاة زمانه يؤخرون الغريم إذا وعد بالقضاء ثلاثًا.
فَإِنْ شُهِدَ بِإِعْسَارِهِ حَلَفَ وأُنْظِرَ
يعني: وإن قامت البينة على أن الغريم الذي عليه الدين معسر حلف على ذلك؛ لأن البينة إنما شهدت على العلم، ويمكن أن يكون له مال أخفاه، ولا خفاء أن هذا في حق
[ ٦ / ١٩٦ ]
مجهول الحال والمتهم، وأما معلوم الملاء فلا تقبل منه بينة إلا بذهاب ما بيده، نص عليه اللخمي والمازري وغيرهما بأن تقول البينة: كنا نرى تصرفه في بيعه وشرائه ونزول الأسواق ونفقته على عياله ونقص ماله. اللخمي: وكذلك لا تقبل البينة ممن عليه دين منجم أدى بعضه ثم ادعى العجز إلا ببيان ذهاب ما بيده، وكذلك أيضًا الرجل يطلب برزق ولده بعد طلاق الأم فلا تسمع منه البينة إلا بذهاب ما بيده؛ لأنه بالأمس قبل الطلاق كان ينفق فهو اليوم أقدر لزوال نفقة الزوجة عنه.
وقوله: (حَلَفَ) هذه من المسائل التي يحلف فيها المدعي مع بينته، وكدعوى المرأة على زوجها الغائب بالنفقة والقضاء على الغائب. وقوله ضابطه كل بينة شهدت بظاهر يستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر، قال في المقدمات: وصفة يمينه أن يحلف أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن، وإن وجد مالًا ليؤدِّينَّ له حقه، وهذه الصفة ذكرها في المدونة عن الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، وذكرها أيضًا صاحب الوثائق المجموعة والمتيطي وغيرهما، وبها أفتى ابن العطار وابن لبابة، وذكرها ابن سهل عن جماعة كثيرة، وإن ادعى عليه بعد أن حلف أنه استفاد مالًا لم يكن للغرماء تحليفه. قال في المقدمات: وهذه فائدة زيادة قوله في اليمين: وإن وجد ليؤدين. حكى ابن الهندي عن محمد بن إسحاق بن السليم قاضي قرطبة: أن عبد الملك بن أيمن كان يزيد في اليمين الواردة عن الخليفتين وأنه يعجل الأداء؛ لأنه قد يؤدي إليه بعد زمان طويل فيبر في يمينه، وفي ذلك ضرر على أصحاب الدين، ويزيد: ولئن رزقه الله مالًا وهو في سفر ليعجلن الأوبة والأداء. ابن الهندي: وهذا كله استظهار واليمين المذكورة كافية؛ لأنها على نية المحلوف له.
قوله: (وأُنْظِرَ) فيه إشارة إلى الاحتجاج بقوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ورد على أبي حنيفة في قوله: إن صاحب الدين يلازم الغريم، ووجه الدليل أن الله تعالى أوجب إنظاره إلى اليسر.
[ ٦ / ١٩٧ ]
تنبيهان:
الأول: قد ذكرنا أن ابن رشد والمتيطي وغيرهما نقلوا أن المذهب موافقة الخليفتين في صفة اليمين.
ابن عبد السلام: ونقل عن مالك أنه لم ير زيادة قوله: وإن وجد قضاء ليقضين. ولم أر من نقل ذلك عن مالك، فإن ثبت فيحمل على أنه قول شاذ، والله أعلم.
التنبيه الثاني: قد ذكرنا أولًا أنا نذكر حكم الغريم المعدم فلنذكره هنا فنقول: إن وافقه صاحب على العدم وجب إنظاره، وإن خالفه فإما أن يدعي المطلوب أنه يعلم بعدمه أم لا؟ فإن ادعاه حلف صاحب الدين أنه لم يعرفه عديمًا، فإن نكل لم يسجن؛ لأن نكول الطالب عن اليمين يقتضي أنه يعلم بعلمه. قال ابن شعبان وغيره: وبه كان يفتي ابن الفخار، فإن حلف رب الدين أو لم يدع عليه الغريم العلم حبس إلا أن يثبت عدمه، وإذا حلف المطلوب، فقال أبو عمران: يحلف على البت. وقال غيره: على العلم؛ إذ قد يكون ملك مالًا من إرث أو هبة ولم يعلم به.
ابن راشد: وقول أبي عمران ظاهر المجموعة. وأشار اللخمي إلى أن من ظاهره الفقر بنزارة حاله وصناعته كالبقال والخياط ونحوهما من أهل الصنائع التي من شأن أهلها العدم يقبل قوله في العدم، ولا يحبس إلا أن تكون الدعوى في يسير عومل عليه في صنعته، ولا يصدق حتى يثبت ذلك.
فروع:
الأول: لو سأل الطالب أن يفتش على المديان داره. فقال ابن سهل: شاهد الفتوى والحكم بطليطلة أنه يفتش عليه مسكنه فما أُلفي من متاع الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه، ولا يختلف فقهاؤهم فيه، وأنكر ذلك على أكثرهم فلم يرجعوا عليه. وسألت ابن عتاب وابن مالك عن ذلك فأنكراه، وقالا: أرأيت أيضًا إن كان الذي في
[ ٦ / ١٩٨ ]
بيته ودائع؟ فقلت له: ذلك محمول على أنه ملكه حتى يظهر خلافه، فقال: فيلزم الاستيناء به أهو للمطلوب أم لا. وأعلمت ابن القطان بعمل أهل طليطلة، فقال لي: ما يبعد.
ابن رشد: وأراه [٥٢٨/أ] حسنًا فيمن ظاهره اللدد والمطل.
الثاني: يجب الحبس على كل من عليه حق لا مدفع له فيه، ولم يعلم عدمه إلا من قوله، ولم يكن ظاهره العدم كما تقدم، فإن كان الحق على غيره وهو السبب فيه كالقاتل خطأً، ففي سجنه قولان لسحنون وأبي عمران، نقله ابن راشد.
الثالث: إذا شهد له قوم بالعدم وآخرون بالملاء، ففي أحكام ابن زياد: بينة الملاء أعمل وإن كانوا أقل عدالة، ويحبس حتى تقوم له بينة أنه عديم قبل ذلك. قال في المقدمات: وهو جيد. وقيل: إن بينة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة، وقيل: يعمل على شهادة أعدلهما، فإن تساويا سقطتا وبقي مسجونًا. وقيل: يعمل على أعدلهما فإن تساويا أطلق من السجن. قال في البيان: وهذا إنما هو إذا شهدت هذه بأنه عديم في ظاهر حاله وهذه أنه مليء في ظاهر حاله ولم يبيِّنوا أن له مالًا أخفاه، وأما إن شهدت بينة الملاء على إخفاء ماله؛ لما صح أن يختلف أنها تعمل.
ابن عبد السلام: وتأمل قوله أنه عديم في ظاهر حاله، فلعل معناه أنهم يعلمون أنه عديم في ظاهر الحال لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا.
فَإِنْ طَالَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ أُخْرِجَ، ويَخْتَلِفُ بِقَدْرِ الدِّيْنِ
يعني: إذا لم يجد من يشهد له وطال حبسه أخرج؛ لأنه يغلب على الظن فقره. قال في العتبية: وليس على القاضي أن يكلف الغريم البينة بأنه لا مال له، وإنما يسأل القاضي عنه أهل الخبرة والمعرفة، فإن لم يجد له مالًا حلفه وخلى سبيله. قال في البيان: وهذا في مجهول الحال، وأما إن حبسه للتهمة أنه أخفى مالًا؛ فلا يكتفي إلا بالبينة. (ويَخْتَلِفُ) أي:
[ ٦ / ١٩٩ ]
الطول بقدر الدين، وذلك بحسب اجتهاد الإمام، وهذا هو تحقيق أهل المذهب، قاله بعض كبار الشيوخ.
ابن الماجشون: ويحبس في الدريهمات اليسيرة الشهر ونحوه، وفي الوسط من ذلك الشهرين، وفي الكثير الأربعة.
المازري وغيره: وكذلك يختلف الطول بحسب تجلد الأشخاص في الحبس. واحترز المصنف بالمجهول من المليء، فإنه يسجن أبدًا إلا أن يعطي.
ويُحْبَسُ لِوَالِدِهِ، وفِي حَبْسِ والِدِهِ لَهُ قَوْلانِ كَالْيَمِينِ
لا إشكال في حبس الولد للأبوين، وأما حبسهما له؛ فمذهب المدونة: أنهما لا يحبسان له، قال فيها: وإن لم أحبس الأبوين له فلا أظلم الولد لهما، مطرف: ويأمرهما الإمام فيما ثبت عليهما أن يقضياه. والقول بأنهما يحبسان له لمحمد. ولو قال المصنف: وفي حبس والديه لكان أحسن، ولعله اعتمد على إن حرمة الأم كالأب أو آكد.
وقوله: (كَالْيَمِينِ) تشبيه لإفادة الحكم، ومذهب المدونة أنهما لا يحلفان له، وإن أحلفهما فهو عقوق، ولابن الماجشون في الثمانية: أن تحليفهما مكروه وليس بعقوق فيقضى له بذلك. وفي الموازية عن ابن القاسم: أنه يقضي له بذلك إلا أنه عقوق وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر، فلا ينبغي أن يمكن من فعله أحد، وقيد في البيان هذا الخلاف بما عدا قلب اليمين. قال: وأما إن وجبت يمين للأب على الابن فقلبها على الأب أو تعلق بها حق الغير؛ كما لو ادعى تلف صداق ابنته، أو ادعى عليه زوجها أنه نحلها نحلة وانعقد عليها النكاح؛ فاتفق على أنه يحلف قاله ابن رشد.
ابن المواز وغيره: ويحبس أيضًا إذا امتنع من الإنفاق على ولده الصغير؛ لأن ذلك ليس من قبل الصغير، وإنما القاضي هو الذي حبسه. قال في المدونة: ويحبس للولد الأجداد والأقارب.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
فائدة:
اختلف الطرطوشي وعياض هل للجد من البر ما للأب؟ فقال الطرطوشي لا، واحتج بهذه المسألة، قال: ولم أر نصًا في ذلك للعلماء. وقال عياض: إنه كالأب، واستدل بقولهم: إنه لا يقتص منه له، وأنه لا يغزو إلا بإذن جده. واستدلال الطرطوشي أحسن؛ لأن مقصوده أن لكل من الجد والأب حقًا في البر، إلا أن الجد أقل لهذه المسألة، ولا يحسن استدلال عياض إلا أن لو كان قصد الطرطوشي نفي بر الجد مطلقًا؛ لأن غاية هذه المسائل أن تفيد أن للجد برًا في الجملة، أما كونه مساويًا للأب فلا.
ويُحْبَسُ النِّسَاءُ ويُؤْتَمَنُ عَلَيْهِنَّ مَامُونَةٌ أَيِّمٌ أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ مَامُونٍ.
يعني: أن النساء كالرجال في حبسهن والتضييق عليهن، وقبول الحميل منهن على ما ذكر، إلا أنهن يحبسن عند امرأة مأمونة أيمًا كانت أو ذات زوج مأمون.
فرع:
قال في المدونة: ويحبس السيد في دين مكاتبه إن لد، قيل: يريد ويحبس المكاتب في دين سيده ولا يحبس مكاتب عجز؛ إذ ليست في ذمته. اللخمي عن سحنون: ومن سجن في دين امرأته أو غيرها فأرادت زوجته أن تدخل إليه لتبيت عنده لم تمكن من ذلك؛ لأن المراد من حبسه التضييق.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا أراد الطالب أن يفرق بين الغريم وزوجته وطلب الزوجان أن يجتمعا؛ فذلك لهما إذا كان السجن خاليًا.
اللخمي: وهو أحسن فيمن أشكل أمره هل هو في معنى اللدود؟ وأما من علم منه اللدد فالأول أحسن، وكذلك من ثبت فقره وعلم بأكل أموال الناس؛ فإنه يسجن ويضيق عليه أدبًا له، ويمنع منه ولده ومن يعز عليه. انتهى.
[ ٦ / ٢٠١ ]
وقال ابن يونس إثر قول سحنون المذكور، وقال محمد: إلا أن تشاء المرأة الدخول إليه وهي التي قد حبسته؛ لأنها لو شاءت لم تحبسه.
ابن عبد السلام: قال ابن المواز: لا يمنع المحبوس في الحقوق ممن يسلم عليه أو يحدثه، وإن اشتد مرضه واحتيج إلى امرأته تباشر منه ما لا يباشره غيرها وتطلع على عورته؛ فلا بأس أن تجعل معه حيث يجوز ذلك.
ابن رشد: وقول [٥٢٨/ب] سحنون أظهر، ولا يفرق بين الأب والابن والإخوة في السجن. محمد بن عبد الحكم: ولا يخرج المحبوس للجمعة والعيد.
اللخمي: وهذا يجري على قول بعض أهل العلم أن الجمعة فرض كفاية.
المازري: وعندي أن هذا لا يتخرج؛ لأن الجمعة لها بدل وتسقط للأعذار، وقد سقطت على أحد القولين لشدة المطر، وقد أبيح الانتقال عن الماء إلى التيمم إذا غلا الماء، فكذلك لا يبعد أن يكون الخوف على تلف مال الغرماء بخروجه للجمعة عذرًا في سقوط فرض الجمعة، قال: والأولى عندي ألا يمنع من ذلك إذا كان على صفة لا يلحق الغرماء ضرر.
ابن يونس وغيره: ولو مرض في الحبس لم يخرج إلا أن يذهب عقله فيخرج حتى يعود إليه عقله ثم يعاد؛ لأنه إذا ذهب عقله لا فائدة في سجنه حينئذ لعدم علمه. وقال في الموازية: واستحسن إذا اشتد مرض أبويه أو ولده أو إخوته أو من يقرب إليه من قرابته وخيف عليه الموت أن يخرج بكفيل بوجهه فيسلم عليهم ثم يعود، ولا يفعل ذلك في غيرهم من القرابات.
الباجي: وهو استحسان، والقياس المنع وهو الصواب عندي. ابن عبد الحكم: ولا يخرج لحجة الإسلام، ولو أحرم بحجة أو عمرة فيقام عليه بالدين حبس ويبقى على إحرامه، ولو ثبت عليه الدين يوم نزوله بمكة أو منى أو عرفة استحب أن يؤخذ منه كفيل حتى يفرغ من الحج ثم يحبس بعد النفر الأول، ولا يخرج ليغير على العدو، إلا أن يخاف عليه
[ ٦ / ٢٠٢ ]
الأسر أو القتل بموضعه فليخرج إلى غيره، وإن قذف أخرج لإقامة الحد، ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين إذا كان لهم في يده مال وكذلك الأب.
الرَّابِعُ: الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ الْمَالِ بِشُرُوطٍ.
الرابع من أحكام الحجر على المفلس رجوع الطالب إلى عين ما خرج من يده من طعام أو حيوان أو عروض، أما في الموت فهو أسوة الغرماء، ورأى الشافعي أنه أحق فيهما، ولما في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه ﵊ قال: «أيما رجل ابتاع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه؛ فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء». وهو وإن كان مرسلًا هنا فقد وصله أبو داود من طريق إسماعيل وحديث إسماعيل عن الشاميين صحيح، فإن عورض هذا بما رواه أبو داود أيضًا عن ابن أبي ذؤيب عن أبي المعتمر عن عمر بن الحارث قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ: من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به.
أبو داود: أبو المعتمر لا نعرفه، فإن قيل: قد ذكره ابن حبان في الثقات، قيل: هو مختلف فيه، فيرجح الأول لعدم الاختلاف فيه.
قوله: (عَيْنِ الْمَالِ) يشمل الدنانير والدراهم، وهو قول ابن القاسم قياسًا للثمن على المثمون خلافًا لأشهب؛ لأن الأحاديث إنما فيها إذا وجد سلعته أو متاعه، والنقدان لا يطلق عليهما ذلك عرفًا، ويمكن أن يقال: بناء على أن الدنانير والدراهم هل تتعين أم لا.
فرع:
واختلف إذا أحاله بدين على غريم باع له سلعة ففلس المشتري المحال عليه بالثمن، هل يكون المحال أحق بالسلعة المبيعة؛ لأنه كالوكيل عن صاحبها، وهو اختيار ابن المواز أم لا، وهو قول أصبغ.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
مَنْهَا: أَلا يُقَدِّمَهُ الْغُرَمَاءُ ولا يَدْفَعُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وقِيلَ: أَمَّا مَنْ أَمْوَالِهِمْ فَلا
لما ذكر أن للرجوع شروطًا شرع في بيانها وذكر ثلاثة شروط:
الأول: ألا يفدي الغرماء بأن يدفعوا له ثمنها من مال المفلس أو من أموالهم، فإن فعلوا ذلك فلا مقال للبائع ولا للمفلس، وهذا مذهب الموازية.
ابن الماجشون: زاد في الموازية أو يضمنون الثمن وهم ثقة أو يعطونه حميلًا، والقول بأن ذلك ليس لهم من أموالهم لابن كنانة. ولأشهب ثالث: ليس لهم بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يعطونها من دينهم وتكون السلعة لهم نماؤها وعليهم ثواؤها، ومذهب المدونة أن نماء السلعة للمفلس ومصيبتها منه. وقال ابن الماجشون: الربح والنماء له والخسارة على الغرماء. وقال ابن وهب: إن لم يرض المفلس بفدائها فنماؤها له؛ لأنها على ملكه وهلاكها منهم. وقال ابن الماجشون: لأنه تبرأ منها للبائع في دينه، وإن رضي فيكون نماؤها له ومصيبتها منه.
فرع:
إذا تبرع إنسان بقضاء ما على غيره أجبر الطالب على أخذه إذا كان قصد الدافع التخفيف عمن عليه الدين، ولم يقصد هبة صاحب الدين. وقال الشافعي: لا يجبر؛ لأن ذلك هبة، ولا يجبر أحد عليها، كذا اشار المازري في نقل المذهبين، فانظره.
وَلَوْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ فَلَهُ رَدُّهَا وأَخذُهَا إلى الضَّرْبِ بِالْبَاقِي
كما لو باعه دارًا بألف وقبض منها خمسمائة، فإما أن يتركها أو يحاصص بالخمسمائة الباقية، وإما أن يرد الخمسمائة ويأخذ داره، فإن تعدد المبيع؛ كما لو باع عبدين بعشرين دينارًا فاقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقي الآخر عنده وفلس، فأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما، فليس له أخذه إلا أن يرد من العشرة التي اقتضاها خمسة؛
[ ٦ / ٢٠٤ ]
لأن العشرة الأولى كانت مقبوضة عليهما، وهذا إذا كانت قيمتها متساوية، وإلا فمن العشرة المقتضاة أولًا عليهما ورد [٥٢٩/أ] حصة الباقي، وهذا هو المشهور، وتأول الباجي الموطأ عليه، وتأول أبو جعفر بن رزق الموطأ على ظاهره، وأن البائع لا يأخذ ما وجد من السلع إلا أن يرد جميع ما قبض، ونص الموطأ: وإن كان المشتري قد باع بعضه وفرقه، فصاحب المتاع أحق به من الغرماء، لا يمنعه ما فرق المبتاع منه أن يأخذ ما وجد بعينه، فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئًا فأحب أن يرده ويقبض ما وجد من متاعه ويكون فيما لم يجد أسوة الغرماء؛ فذلك له.
ونسب الغزالي لمالك أن قبض شيء من الثمن فوت يمنع البائع من الرجوع في سلعته، وأنكره المازري، وحمله على أنه فهم ذلك من دليل الخطاب في الحديث الذي رواه مالك في موطئه حيث قال فيه: «ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا». فعزاه إليه، ونسب ابن عبد السلام مثل ما نسبه الغزالي للموطأ لأبي زيد.
ولَوْ أَخَذَهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًَا حَادِثًا فَلَهُ رَدُّهَا ويُحَاصُّ، أَوْ حَبْسُهَا ولا شَيْءَ لَهُ
يعني: ولو أخذ البائع سلعته فاطلع فيها على عيب حادث عند المفلس، فالبائع مخير إن شاء ردها وحصص بمجموع ثمنها، وإن شاء تمسك بها.
وعلم أن العيب إما أن يكون سماويًا أو بسبب المشتري أو بسبب أجنبي، فالحكم في السماوي كما ذكره المصنف على المشهور، ولمالك في مختصر ابن شعبان في الأمة تتعيب: يخير البائع إن شاء أخذها بقيمتها وإلا ردها وحاصص.
المازري: قال بعض أشياخي: معنى قوله: (أخذها بقيمتها) أنه يحط من الثمن ما نقص العيب، قال: ويحتمل أن يريد أنه يأخذها بقيمتها على ما هي ويحاسب بذلك من الثمن، وخرج بعض الشيوخ قولًا بالفوات إذا اشترى عبدًا فهرم عنده ثم فلس، أو صغيرًا فكبر
[ ٦ / ٢٠٥ ]
من أحد القولين أن ذلك يمنع الرد بالعيب، وإن كان ذلك من فعل المشتري، كما لو أخلق الثوب، فلمالك في الواضحة ما ذكره المصنف. وقال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب بلي بلاء فاحشًا فذلك فوت.
وحمل اللخمي قوله على الخلاف. وقال اللخمي والمازري: والقياس فيما كان بسبب المشتري أن يكون كجناية أجنبي بحسب النقص، وذكر أن الحكم في جناية الأجنبي أن للبائع أخذ سلعته بمقدار ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بنسبة ذلك من الثمن، فإن كانت الجناية النصف؛ خير في أخذها بنصف الثمن، وإلا أخذ المشتري لها أرشًا، فإن عادت إلى هيئتها من غير نقص فكما ذكر المصنف، وأجراه اللخمي مجرى الغالب، وإلا حسب النقص.
فَلَو حَاصَّ لِعَدَمِهَا ثُمَّ رُدَّتْ بِعَيْبٍ؛ فَلَهُ رَدُّ مُحَاصَّتِهِ وأَخْذُهَا، وقِيلَ: حُكْمٌ مَضَى
يعني: فلو حاص الغرماء لأجل عدم سلعته؛ لأنه لم يحاصص إلا ظانًا أنه لا يجد سلعته فقرر لذلك، وهذا قول ابن القاسم في العتبية وهو المذهب، والقول الثاني ليس منصوصًا وإنما هو اختيار اللخمي، وأخذه هو والمازري من قول ابن حبيب: فيمن اشترى سلعة، ثم باعها، ثم اطلع على عيب فرجع بقيمته، ثم ردت السلعة عليه؛ أنه لا يردها على الأول، لأن رجوعه حكم وقع فلا يرد، وقد يجري على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض للبيع من أصله فتنتقض المحاصة، أو ابتداء بيع فلا تنتقض. والله أعلم.
ومِنْهَا: انْتِقَالُ الْمُعَوِّضِ
يعني: شروط الرجوع في عين السلعة ألا يحدث ما ينقلها عن الغرض المقصود منها. أو في بعضها؛ أي: ومنها عدم انتقال المعوض.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
فَلَوْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَتْ بِمُسَوِّسٍ، أَوْ عُمِلُ الزُّبْدُ سَمْنًا، أَوْ فُصِّلَ الثَّوْبُ، أَوْ ذُبِحَ الْكَبْشُ؛ فَاتَ
أي: فات الرجوع، وهذه مسائل وقعت في المذهب منصوصة كما ذكرها المصنف، وحكم فيها بالفوت؛ لأن الحنطة إذا طحنت والزبد إذا عمل سمنًا يزول عنهما اسم الحنطة والزبد وسميا دقيقًا وسمنًا ويزول عنهما الغرض المقصود، وكذلك أيضًا يزول المعنى المقصود إذا خلط الطيب بمسوس أو ذبح الكبش وليس دبغ الجلد فوت على المشهور، خلافًا لابن وهب في أحد قوليه، وعلى هذا المعنى الذي أشرنا من اعتبار الغرض المقصود نبه الإمام فيما رواه مطرف عنه لمَّا سئل عمن اشترى ثيابًا فقطعها، فقال: لا أدري، لكن إن اشترى جلودًا فقطعها نعالًا أو خفافًا فذلك فوت. فلم يقف في قطع الجلد نعالًا لما كان الغرض في الجلد خلاف الغرض في النعال، وأشكل الأمر بالنسبة إلى تفصيل الثياب.
وحكى المازري عن بعض الشيوخ: أن خلط النقي بالمغلوث، والجديد بالمسوس لا يمنع البائع من الرجوع ويقومان ويكون البائع أحق بما ليس له من القيمة، وأشار المازري إلى أنه إنبنينا على أن التفليس كنقض بيع من أصله أجزنا أخذ الشاة بعد ذبحها، والقمح بعد طحنه، والزبد بعد كونه سمنًا، وإن قلنا: إنه هو ابتداء بيع، منعنا ذلك كله. وأجري على هذا الأصل ما إذا باع رطبًا ثم يبس، فقال مالك: لا يجوز أخذه. وقال أشهب بجوازه. وأما إذا باع عبدًا فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أصبغ إلى أن بائعه ليس له طلبه، وترك المحاصة بناء على أن الأخذ من المفلس كابتداء بيع، وذهب ابن القاسم وأشهب إلى جواز طلبه، واختلف إذا لم يجده؛ فقال ابن القاسم: ليس له الرجوع إلى المحاصة لأنه تركها، وقال أشهب: له الرجوع إليها. والمسوِّس بكسر الواو المشددة.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
فَلَو لَمْ يَنْتَقِلْ لَكنِ انْضَمَّتْ إِلَيْهِ صَنْعَةٌ أَوْ عَيْنٌ أُخْرَى؛ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وبِنَاءِ الْعَرَصَةِ شِارَك بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَةِ [٥٢٩/ب] الْبُنْيَانِ
يعني: فإن لم ينتقل الغرض ولكن انضمت إلى المبيع صناعة أو عين أخرى، ونسج الغزل مثال لما انضمت إليه صنعة، وبناء العرصة مثلا لما انضمت إليه عين أخرى.
واكتفى المصنف بكيفية المشاركة في بناء العرصة عن كيفيته في النسج.
وما ذكره من كيفية المشاركة نحوه في الموطأ، فقال: إذا كانت قيمة المجموع ألفًا وخمسمائة وقيمة البنيان ألف درهم، لصاحب البقعة الثلث ولصاحب البنيان الثلثان.
مالك: وكذلك الغزل. ونحوه لابن حبيب، وقاله أصحاب مالك كلهم.
ابن القاسم في المدونة: ولا يقوم البناء خاصة، وإنما يقوم المجموع يوم الحكم، وعورضت هذه المسألة ممن استحق أرضه بعد أن بناها المستحق منه، فإن مالكًا نص على أن للمستحق أن يعطي قيمة البناء وتكون الأرض والبناء له. فلِمَ لا يجعل البائع هنا كذلك. وأجاب المازري بضعف أمر المشتري في الاستحقاق؛ لأنه أخطأ في اعتقاده وبنى في أرض لا يملكها في باطن الأمر، بخلاف المشتري في التفليس فإنه بنى في أرض مملوكة ظاهرًا وباطنًا واستشكل ابن راشد عدم الفوات في الغزل، قال: لأنه لا يسمى بعد النسج غزلًا وإنما يسمى ثوبًا أو رداء، كما أن الثوب إذا فُصِّل سمي قميصًا أو سراويل.
وأجاب ابن عبد السلام بأن المصنف لم يجعل المقتضي للحكم فيما تقدم هو انتقال الاسم، وإنما جعله انتقال الغرض، وقد انتقل هناك ولم ينتقل هنا.
بعض الشيوخ: ويشبه أن يكون النسج فوتًا. ابن عبد السلام: ذكر ذلك بعضهم قولًا لابن القاسم، وعلى المشهور فالشركة في مسألة النسج بين البائع والمشتري بقيمة النسج وقيمة الغزل، واختلف المذهب فيمن اشترى أرضًا فبنى فيها ثم اطلع على عيب، هل يكون بناؤه فوتًا يمنع من الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمة العيب، أو ليس بفوت؟ فأشار بعض
[ ٦ / ٢٠٨ ]
الشيوخ إلى ترجيح الخلاف في مسألة الفلس من مسألة العيب، وأشار غيره إلى الفرق بأن مسألة العيب وجد فيها تدليس من البائع وتفريط أوجب رجحان حق المشتري عليه، وذلك مفقود في مسألة الفلس.
فَأَمَّا لَوْ خُلِطَ بِمِثْلِهِ فَلَهُ مَكِيلَتُهُ
أي: في الجودة والرداءة، كما لو خلط قمحًا أو زبيبًا أو عسلًا بمماثله، وشمل قوله: (خُلِطَ بِمِثْلِهِ) العين، وهو المذهب خلافًا لأشهب كما تقدم. ابن القاسم: وإن خلطه بشيء اشتراه من آخر كان أحق به ويتحاصا فيه.
وياخُذُ الْوَلَدَ بِخِلافِ الثَّمَرَةِ والْغَلَّةِ
يعني: وإذا أراد البائع أخذ سلعته فإنه يأخذ ولد الأمة أو غيرها من الحيوان؛ لأنه كالجزء منها، بخلاف الثمرة والغلة فليس له أخذهما لأنهما من الخراج التابع للضمان.
وعطف المصنف الغلة على الثمرة من عطف العام على الخاص، ويحتمل أن يريد بالغلة ما ليس قائم العين، ومراد المصنف بالثمرة والغلة ما انفصل قبل ذلك ولم تكون الثمرة مأبورة يوم التبايع، أما إن كانت مأبورة فيستثنيه بقوله: (إلا صوفًا ) إلخ. وأما إذا لم ينفصل؛ فالمشهور أن البائع يأخذها مع الأصول ولو يبست ما لم تجذ، بخلاف الشفعة فإنه يأخذها الشفيع ما لم تيبس؛ لأنها ما دامت معلقة بالأصول كأغصان الشجر، والشاذ وقع لابن القاسم وغيره؛ لأنه لا يأخذها إذا أبرت، واتفق في الصوف أنه يأخذه قبل الانفصال، والفرق على الشاذ بينه وبين الثمرة: أن الصوف يكون للمشتري بمجرد العقد، والثمرة المأبورة لا تكون له بمطلق العقد.
وفي البيان: إن اشترى الأصول ولا تمر فيها، أو فيها تمر لم يؤبر ثم فلس فأربعة أقوال:
[ ٦ / ٢٠٩ ]
أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر، وذلك يتخرج على قول أصبغ بالرد بفساد البيع؛ لأنه إذا قال فيه: إن الثمرة تبقى للبائع وإن لم تطب إذا كانت قد أبرت فأحرى أن تبقى للغرماء.
والثاني: أن البائع أحق بها ما لم تطلب، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
والثالث: أنه أحق بها ما لم تيبس.
والرابع: أنه أحق بها ما لم تُجَذ، وهو نص ما في المدونة.
إِلا صُوفًا عَلَى ظَهْرِهَا، أَوْ لَبَنًا فِي ضُرُوعِهَا، أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا الْمُبْتَاعُ مَابُورًَا
لما ذكر أن البائع لا يرجع في الغلة استثنى من ذلك الثمرة المأبورة إذا اشترطها المشتري والصوف التام، وهذا هو المشهور، خلافًا لأشهب في قوله: إنه لا يرجع فيهما لأنهما من الغلات، ووجه المشهور أنه إذا كان الصوف تامًا والثمرة مأبورة يصيران مقصودين فلهما حصة من الثمن فيكون بمنزلة من باع سعتين، وعليه فلو باع المشتري الصوف وأراد البائع أن يأخذ الغنم نظر كم قدر الصوف من الرقاب لا إلى ما باعه به، ويأخذ الغنم ويحاص الغرماء بما يخص الصوف، وقاله ابن القاسم في العتبية والموازية والواضحة، وما ذكرناه من اعتبار الإبار هو المشهور. وقيل: بالإزهار. وقال يحيى: إن جذه تمرًا رد مليكته وإن جذه رطبًا رد قيمته وله أجر سقيه وعلاجه. قال ابن حبيب: ليس له ذلك؛ لأنه إنما أنفق على ماله وضمانه منه. وتعقب ابن يونس كلام يحيى وقال: إنما يصح بالرد بالعيب، وأما التفليس فإذا فاتت الثمرة مضت بما ينوبها من الثمن وحاصص البائع بذلك الغرماء كما نص عليه ابن القاسم في الصوف.
وجعل المصنف اللبن إذا كان في الضرع كالصوف التام تبعًا لابن شاس وفيه نظر؛ لأنه نص في كتاب العيوب من المدونة على عدم [٥٣٠/أ] رده في العيب، وإن كان في الضروع يوم التبايع لخفته، وهو ظاهر ما في التفليس منها؛ لأن فيها: وأما ما كان منها من
[ ٦ / ٢١٠ ]
غلة أو صوف جزه، أو لبن حلبه؛ فذلك للمبتاع، وكذلك النخل يجني ثمرها فهو كالغلة، إلا أن يكون على الغنم صوف قد تم يوم الشراء، أو في النخل تمر قد أبر، واشترط ذلك التمر فليس كالغلة، فحكم أولًا بأن الصوف والغلة للمبتاع ثم لم يستثن إلا الصوف التام والثمرة المأبورة، ولا يقال: إنما نص على عدم الوجوب في الرد بالعيب لا في التفليس؛ لأنه لا فرق بين البابين، ولأن تعليله بالخفة يدخل البابين، ولخفة اللبن أجاز مالك في غير المدونة لبنًا معجلًا بشاة لبون إلى أجل.
عبد الحق: ولا يلزم عليه جواز جزة صوف معجلة بشاة عليها جزة صوف إلى أجل؛ لأن الصوف كسلعة فيكون كصوف بصوف إلى أجل وزيادة.
وقول المصنف: (أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا) لأن المأبورة لا تدخل إلا بالشرط كما تقرر في البيوع.
واحترز بالمأبورة من غيرها، فإنها لا حصة لها، وللبائع أخذها إذا كانت باقية مع أصولها، وأما إن جُذَّت أو جز الصوف، فقال المازري: المشهور أن الصوف إذا جزَّ وكان قائمًا بعينه يرد مع الغنم، وأما الثمرة فلا ترد مع الأصول إذا جذَّت ولو كانت قائمة، ولكن يحاصص بما ينوبها من الثمن، قال: والفرق بينهما وأقصى ما يتصور أن الثمرة لو أخذها بعد الجذَّ لكان كمن اشترى رطبًا وأخذ عنه تمرًا يابسًا، لا سيما إذا قلنا: إن ردها في الفلس كابتداء بيع.
فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ فِي يَدِ الْمُشْتريِ؛ فَفِي رُجُوعِهِ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ أَوْ بَيْعٌ ثَانٍ
يحتمل بأن يبيع الثمرة وحدها بعد ما أزهى وحل بيعه، فإن فلس المشتري قبل يبسه كان للبائع أخذه، وإن فلس بعد ما يبس فقولان؛ الأول في العتبية وبه أخذ أشهب: أنه
[ ٦ / ٢١١ ]
أحق به؛ لأنه مجيز سلعته. والثاني لمالك، وبه أخذ أصبغ: أنه يحاصص ولا يكون أحق بها؛ لئلا يؤدي إلى بيع الرطب بالتمر.
وقوله: (بِنَاءً ) إلخ. فإن قلنا: إنه نقض للبيع من أصله كان أحق، وإن قلنا هو ابتداء بيع لم يجز؛ لما ذكرنا من بيع الرطب بالتمر.
ومشى ابن راشد وابن عبد السلام كلام المصنف على هذا الوجه، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ويتخرج على هذا الخلاف إذا باعه زبدًا فصار سمنًا، أو قمحًا فطحنه، وذكر ذلك المازري. وقد تقدم ذلك من كلام المصنف أنه يفوت بذلك.
ويحتمل أن (أل) في (الثَّمَرَةُ) للعهد؛ أي: فإن يبست الثمرة التي اشترطها المبتاع مأبورة، وقد ذكر الباجي القولين، فقال: إن فلس المبتاع قبل أن تجذ فهو أحق بالأصل والثمرة ما لم تجذ قاله مالك، وقال أيضًا: ما لم تيبس. ابن القاسم: والأول هو القياس، والثاني استحسان وهو أحب إليَّ. وكذلك ذكر في البيان هذين القولين وزاد ثالثًا أنه أحق بها مطلقًا: أي: وإن وجدت قبل.
ويحتمل أن تكون (أل) في (الثَّمَرَةُ) للجنس فتشمل الصورتين؛ أي: المشتراة مفردة أو مع أصولها.
وفي بعض النسخ عوض (فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ) (فإن لم تيبس). ابن عبد السلام: وفيها قلق، إلا أن يقال: إنه أراد مسألة ما لو اشترى النخل ولا تمر فيها أو فيها تمر لم تؤبر ففلس المشتري وقد طاب الثمر، فقال ابن القاسم: هو للغرماء. وقال مالك: ذلك للبائع ما دام في رءوس النخل، لكن تنزيل هذه الصورة على كلام المصنف بعيد، ولا سيما الأصل الذي بنى عليه القولين. انتهى.
ولأن مقتضاه أن الثمرة إذا يبست لا يكون أحق بها بالاتفاق، ولأن القول بأنه لا يكون أحق بها قبل اليبس لم أره.
[ ٦ / ٢١٢ ]
وياخُذُ بَعْضَ الْمَبِيعِ ويُحَاصُّ بِمَا يَخُصُّ الْفَائِت مِنَ الثَّمَنِ
يعني: إذا باع سلعتين أو أكثر ثم فلس المشتري بعد ذهاب بعض السلع، فإن البائع يحاص بما يخص الفائت، وله أن يرجع فيما وجد.
محمد وأصبغ: إلا أن يدفع له الغرماء ثمن الباقي من السلعتين من مال المفلس أو أموالهم، واختلف هل يكون أولى بثمنها حتى يستوفي من ثمنها ما فدوها به أو يدخل معهم فيها بثمن الفائت لأنهم كأنهم أسلفوا للمفلس ثمنها سلفًا.
التونسي: وهذا القول الأخير كقول ابن القاسم.
ابن يونس: وهو ظاهر قول مالك. التونسي: والأول اختيار محمد، وذلك لأنهم حلوا محل أصحابهم في الاختصاص بها، فلا يكون له أن يحاصصهم إلا بما فضل عما فدوها به. وفي بقية مال المفلس، ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف بيَّن إن قلنا: إن رد السلعة في الفلس كابتداء بيع، وأما على القول بأنه نقض للبيع؛ فينبغي أن يفصل في السلعة الفائتة بين أن تكون وجه الصفقة أو لا، ويسلك في ذلك مسلك استحقاق بعض المبيع.
وَرَوى ابْنُ الْقَاسِمِ: ولَوْ ولَدَتِ الأَمَةُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ بِيعَ الْوَلَدُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حِصَّةٌ. وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ، ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ. قَالَ سَحْنُونٌ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا
حاصله: إن مات الولد أو الأمة فليس للبائع إلا أخذ الباقي بجميع حقه أو تركه والمحاصة، وأما إن باع أحدهما، فإن باع الولد؛ فالمشهور: أن ذلك كموته. وإن باع الأم فكسلعتين، فله أن يأخذ الولد وحاصص بما ينوب الأم، وأنكر سحنون هذا بقوله: (مَا أَدْرِي).
اللخمي: يريد أن القياس أن يكون في البيع سواء.
[ ٦ / ٢١٣ ]
وقوله: (وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ) راجع إلى بيع الولد لا إلى موت أحدهما؛ إذ لا خلاف في الموت، قاله في البيان. ومعنى (كَسِلْعَتَيْنِ) أي: كبيع سلعتين، ثم وجد إحداهما فيكون له أخذ الأم والاتباع بما يخص الولد من الثمن يوم البيع، وهذا منقول عن مالك وابن القاسم. قال المازري: وهو أصل المذهب. انتهى.
يريد: لأن الولد إذا لم يكن غلة يجب رد عينه، وإن كانت قائمًا فيجب أن يحاسب بثمنه، ولهذا أخذ بعض محققي الأشياخ من الأول أن الولد غلة، وزاد في البيان قولًا ثالثًا: أنه لا يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من [٥٣٠/ب] ثمن الولد، وليس بجار على أصل.
وقوله فيها: (ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ) هو المشهور، فيكون للبائع أن يأخذ الولد بما ينوبه من الثمن ويحاص بما ينوب الأم، ووقع لابن القاسم ومالك في سماع عيسى في بعض روايات العتبية: أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم، أو يترك الولد ويحاص بجميع الثمن. قال ابن رشد: ولم يجروا في هذه المسألة على قياس.
ولَوْ رُهِنَ الْعَبْدُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ ويَاخُذَهُ، ويُحَاصَّ بِفِدَائِهِ ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي؛ إِذْ لَيْسَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ
يعني: لو رهن المشتري العبد ثم فلس فللبائع أن يفديه ويأخذه ويضرب بالفداء مع الغرماء، بخلاف ما لو جنى العبد ثم فلس المشتري فإن البائع أيضًا له أن يفديه، لكن لا يحاص بفدائه، والفرق بينهما ما أشار إليه المصنف أن الفداء لم يكن متعلقًا بذمة المفلس؛ لأنه كان له أن يسلم العبد في الجناية، بخلاف الدين في مسألة الرهن فإنه كان في ذمته.
ابن عبد السلام: مراد المصنف بقوله: (ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي) أنه لا يرجع بالجناية وإن كان نفي المحاصة أخص من نفي رجوع البائع، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، لكن مراده ما ذكرناه.
[ ٦ / ٢١٤ ]
ومِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِمُعَاَوضَةٍ مَحْضَةٍ
هذا هو الشرط الثالث، واحترز به مما ذكر بقوله:
فَلا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ والْخُلْعِ والصُّلْحِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ بِخِلافِ الإِجَارَةِ
يعني: ولاشتراطنا المعاوضة المحضة لم يثبت الرجوع في النكاح وما عطف عليه. ووقع في بعض النسخ (ولا يثبت) بالواو، والأولى أحسن؛ لأن الفاء تشعر بالسببية.
قوله: (فِي النِّكَاحِ) يريد: لأن النكاح لا يفسخ لتعذر استيفاء العوض؛ وهو الصداق إذا أعسر الزوج، كما لا يفسخ البيع إذا تعذر استيفاء الثمن.
فإن قلت: أطلق المصنف في النكاح - وفي نظر - لأن النكاح يفسخ إذا أعسر الزوج بالصداق قبل البناء؛ قيل: هذا لا يرد، لأن المشتري هنا للبضع - وهو الزوج - لم يُقْبِضْهُ، والكلام إنما هو في الرجوع بعد قبض المشتري.
قوله: (والْخُلْعِ) أي: إذا خالعته على عشرة مثلًا ثم فلست، فإنه لا رجوع له في العصمة وإنما يحاصص.
خليل: الظاهر أن المقتضي لعدم الرجوع ليس هو ما ذكره المصنف من أنه ليس بمعاوضة محضة، بل لتعذر الرجوع؛ وذلك لأن العصمة في الخلع لا يمكن ردها، وكذلك البضع في النكاح، وكذلك إذا صالح عن دم العمد بشيء ثم فلس الجاني لم يمكن العود في القصاص.
وعلى هذا، فلو قال: ومنها إمكان استيفاء العوض، فلا رجوع في النكاح والخلع والصلح؛ لكان أحسن. وينبغي أن يلحق الصلح على الإنكار ثم يفلس المنكر، فإن المدعي يحاصص بما صالح به ولا يرجع في الدعوى، كما قالوا: إذا صالح المنكر على عرض ثم استحق العرض؛ فإنه يرجع بقيمته. وقيل: يرجع إلى الخصومة. وأما الصلح على الإقرار كما لو صالح على دار أو عرض أقر به لغريمه ثم أفلس؛ فإن يرجع المصالح
[ ٦ / ٢١٥ ]
في الدار والعرض كالبيع، والظاهر أن الصلح على الإقرار خارج من كلام المصنف؛ لأن الصلح على الإقرار معاوضة محضة، وفاعل (يَثْبُتُ) عائد على الرجوع. وفي بعض النسخ (فلا يثبت الفسخ) ومعناهما متحد.
وقوله: (بِخِلافِ الإِجَارَةِ) فإنه يرجع في منفعته التي أجرها لعدم استيفاء العوض.
فرع: واختلف هل تحاص الزوجة الغرماء بصداقها؟ فالمشهور أنها تحاص به في الموت والفلس. وقيل: لا تحاص فيهما. وفي الجلاب: تحاص به في الفلس دون الموت، وكذلك اختلف في نفقتها، فقال ابن القاسم في النكاح الثاني: تضرب بها مطلقًا. قال سحنون: أما إذا كان الدين مستحدثًا فتاحص، ولا تحاص إذا كان الدين قبل الإنفاق.
وفي الموازية: تضرب في الفلس فقط. وقيل: لا تضرب فيهما. قال ابن القاسم: ولا يضرب بنفقة الولد أو الأبوين في فلس ولا موت. وقال أشهب: يضرب للولد مع الغرماء. وقال أصبغ في نفقة الأبوين: إلا أن تكون أخذت بحكم وتسلف وهو مليء فيضرب بها في الفلس والموت.
اللخمي: ويختلف على هذا هل يحاص بالجنايات؛ ففي المدونة: يحاص بها، وعلى القول الآخر لا يحاص بها.
ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ، وهُوَ أَحَقُّ بِزَرْعِهَا فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ - وقِيلِ: دُونَ الْمَوْتِ - مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي. وقِيلَ: ثُمَّ الأَجِيرُ السَّاقِي
قوله: (ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ ) إلخ. ظاهر التصور، وهو كالبيان لقوله: (بخلاف الإجارة) وهو: أي: مكري الأرض أحق بما زرع في أرضه في موت المكتري وفلسه. وقيل: إنما يكون أحق في الفلس فقط، وهذا الثاني هو مذهب المدونة، نص عليه في آخر كتاب كراء الدور. قال المازري: وهو مذهب مالك وأصحابه، فكان ينبغي للمصنف تقديمه، والأول لابن القاسم في الموازية.
[ ٦ / ٢١٦ ]
أصبغ: ووجهه أن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحيازة له وحوزها كحوز صاحبها، فكان بمنزلة من باع سلعة وفلس مشتريها أو مات وهي في يد بائعها، ورأى في المشهور أن الزرع لما نشأ عن الأرض فغايته أن يكون كأنه باع الطعام فيكون أحق به في المفلس فقط.
وقوله: (مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي ) إلخ. يحتمل أن يتعلق بـ (أَحَقُّ) فيكون القولان في الأجير مفرعين على كل من القولين السابقين، ويحتمل أن يتعلق بـ (بأحق) المتقدم في كلامه ثانيًا؛ أي: وقيل هو أحق في الفلس دون الموت مع الأجير الساقي، فيكون القولان مفرعين على القول الثاني.
ويعضد هذا لاحتمال الثاني ما نقله ابن يونس: أن ابن القاسم وأشهب رويا أن مكري الدابة أحق من سائر الغرماء في الفلس دون الموت، ثم اختلفا في مكري الأرض والأجير؛ ففي الموازية من رواية أشهب والواضحة من رواية مطرف: أنهما يتحاصان. وروى ابن القاسم: أن صاحب الأرض مقدم على الأجير، ثم الأجير مقدم على الغرماء، ويعضد الأول قول أصبغ: اختلف أصحابنا. وأحب ما فيه إليَّ أن أجير الزرع ومكري الأرض يتحاصان، وأنهما يبدآن على الغرماء في الموت والفلس، وقاله ابن الماجشون.
خليل: وهذا الاحتمال أقرب؛ لأنه تفريع على القول الذي قدمه. نعم يعترض عليه لتقديمه غير مذهب المدونة.
ومنشأ الخلاف بين القولين في تقديم مكري الأرض على الأجير، [٥٣١/أ] هل الزرع متكون عن الأرض فيكون صاحبها أحق به، أو إنما نشأ عن الأرض وفعل الأجير فيكونان متساويين، والله أعلم.
وزاد في البيان قولًا بأن الأجير مقدم على صاحب الأرض، وقولًا آخر بأنه لا تقدمة لصاحب الأرض ولا للأجير على الغرماء، بل هما أسوة الغرماء، وعزاه اللخمي للمخزومي.
[ ٦ / ٢١٧ ]
ولو عمل في الزرع أجراء واحدًا بعد واحد، فالأخير أحق من الأول. وقيل: يقدم أكثرهما عملًا. وقيل: يتحاصان.
ويُقَدَّمَانِ عَلَى مُرْتَهِنِ الزَّرْعِ
أي: ويقدم مكري الأرض والأجير الساقي على مرتهن الزرع ولو حازه ملك، ثم يقدم المرتهن على سائر الغرماء، وإنما قدما عليه لأن الزرع إنما يكون عن مال هذا وعمل هذا، فكان أخص في الحوز، وصاحب الحوز الأخص مقدم على صاحب الحوز الأعم، كما لو سقطت سمكة في حجر إنسان فإنه أولى بها من صاحب المركب، وعلى المشهور أنهما يكونان أحق من الغرماء في الفلس دون الموت، ويكون المرتهن أحق منهما في الموت؛ لأنهما على هذا القول كسائر الغرماء.
بِخِلافِ الأَجِيرِ عَلَى رِعَايَةِ الإِبِلِ أَوْ عَلْفِهَا وشِبْهِهِ
أي: فلا يكون أحق في الفلس والموت، هكذا نص عليه في المدونة وغيرها. ابن عبد السلام: ولا أعلم فيه خلافًا.
قوله: (وشِبْهِهِ) أي: كالحارس وأجير يخدمك في بيتك أو يبيع لك في حانوتك، ولم يكن هؤلاء أحق؛ لأنه منافعهم ليس لها أعيان قائمة بخلاف الزرع. قال في المدونة: ولو استأجره يدرس له ببقر الأجير ففلس صاحب الأندر؛ فصاحب البقر أحق بالأندر. قال ابن المواز: لأن الأندر لا ينقلب به صاحبه ولا يحتوي عليه، بخلاف صانع استصنعته في حانوتك، فإن كان الليل انصرف، فهذا لا يكون أحق به في موت ولا فلس.
[ ٦ / ٢١٨ ]
والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ شَرِيكٌ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ، ويُحَاصُّ بِمَا بَقِيَ، وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ، وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ
تبع المصنف هنا ابن شاس معنىً وترتيبًا، وحمل ابن عبد السلام قوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) على الأجير؛ يعني: أن المستأجَر على صبغ ثوب، أو بناء بقعة، أو نسج غزل إذا فلس آجره قبل قبض الأجير الأجرة ولم يكن أسلم السلعة لربها؛ فإنه يكون مشاركًا لربه بقدر قيمة الصنعة، ثم استشكله بأن ظاهر كلامه أن الأجير لا تكون له أجرة الصنعة، ولا يحاصص بها الغرماء وهو بعيد من الأصول؛ لأن الصانع لم تخرج الصنعة من يده ولم يرضَ بفسخ الإجارة فكيف يبطل حقه فيها، وجعل ابن عبد السلام قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيمًا لهذا؛ أي: وإن أسلم الصانع المصنوع إلى ربه فقولان، وتصورهما من كلام المصنف ظاهر، وقال بعض من تكلم على هذا الموضع.
وقوله: (والصَّبَّاغُ ) إلخ. محمول على ما إذا لم يسلم إليه الشيء للصنعة، كما لو اشترى ثوبًا فصبغه أو نسجه، أو عرصة فبناها ثم فلس. فقال ابن القاسم في الموازية، ما ذكره المصنف: يكون شريكًا بقيمة الصنعة. وكذلك لو استحق من يده بعد وضع صنعته فيه فأخذه المستحق فإنه يدفع إليه قيمة الصنعة. قال: وإن أسلم إليه للصنعة؛ فإما أن يقبضوه لربه ثم يفلس قبل دفع الأجرة، أو يبقى بأيديهم حتى يفلس، فإن أقبضوه، فقال ابن القاسم في الموازية: يكون شريكًا في الثوب بما زاد الصبغ فيه ويحاص بما بقي. وقال في العتبية: يكون شريكًا بقيمة الصبغ، وهذه الصورة الثانية التي ذكرها بقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ) أي: يكون شريكًا بما زاد ويحاص بما بقي.
وقوله: (وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ) أي شريكًا بقيمة الصبغ ونحوه، واستشكل ما في الموازية بأن شريكه الصانع لربها بما زاد والمحاصة بما بقي لا تصح على أصل المذهب؛ لأن من
[ ٦ / ٢١٩ ]
اختار أخذ سلعته ناقصة لا يكون له غيرها، وأما إن لم يقبضوه لربه فهم أحق به حتى يستوفوا جميع الأجرة.
خليل: المازري: في الفلس والموت.
ابن رشد: واتفق على ذلك، قال هذا القائل: وهذا الذي أشار إليه بقوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ) وعلى هذا فلا يكون قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيمًا لقوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) بل قسيمًا لما بعده، ورد ابن عبد السلام هذا الوجه بأن المصنف قدمه بقوله: (فلو لم ينتقل ولكن انضمت إليه صناعة أو عين أخرى كنسج الثوب أو بناء العرصة شارك ) إلخ. فلو حمل قوله: (الصَّبَّاغُ) على المشتري للزم التكرار، وأجاب عنه هذا القائل بأنا لم نخص قوله: (والصَّبَّاغُ) بالمشتري؛ بل على من وضع صنعته من غير أن يسلم إليه المصنوع للصنعة، وهو أعم من المشتري والمستحق من يده وغيرها.
وتمشية ابن عبد السلام أقرب من جهة اللفظ؛ لأن صيغة فعال للحرفة غالبًا، لكن لا تصح من جهة النقل؛ لأنه يلزم أن يكون الصانع إذا لم يسلم المصنوع إنما يكون له ما زادت الصنعة، وهو خلاف الاتفاق الذي في البيان.
واعلم أن القولين في مسألة الإقباض مطلقان، سواء أضاف الصانع إلى صنعته شيئًا كالصبغ، أم لا كالخياطة، نقل ذلك اللخمي. وفي البيان: المشهور أن الصانع إذا أسلم الصنعة ولم يكن للصانع فيها غير عمل يده أنه أسوة الغرماء. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه أحق بعمله، فإن شاء أخذه بأجرة وكان شريكًا للغرماء في المتاع المعمول بقيمة عمله فيه، وإن شاء ترك وكان أسوة الغرماء. وأما إن كان للصانع غير عمل يده كالصباغ يصبغ الثوب، والفراء يفري الفرو برقاع من عنده؛ فيتفق على أنه أحق بما خرج
[ ٦ / ٢٢٠ ]
من يده لأنه قائم بعينه، وأما عمل يده المستهلكة فلا يكون أحق به على المشهور، ونحوه للمازري، قال: وعلى المشهور إذا كانت عينة قائمة كالرقع وصقل للسيف - وهو ظاهر الروايات - أنه شريك بقيمة ماله؛ لأنه هو المبيع وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيها الانفصال، فيكونان شريكين في ذلك، وقال ابن حبيب: بل يكون شريكًا بما زاد الصانع، وعلى أنه شريك بقيمة ماله فالمعتبر في ذلك التقويم يوم الحكم.
فإن قيل: هذا يقتضي أن نسج الثوب لا يكون الصانع به شريكًا؛ لأنه لم يخرج من يده شيئًا، والمصنف قد جعل النساج كالصباغ؛ قيل: النساج وشبهه مستثنى عند ابن القاسم من مسألة الصانع الذي لم يخرج شيئًا ويلحق [٥٣١/ب] بما إذا أضاف للصنعة شيئًا، وكأنه لاحظ في النسج قوة التأثير، ولأصبغ قول رابع، إلا أنه لا يعلم صور المسألة، فقال: إن كان فيه رقاع وخياطة فتوق؛ فالأقل تابع للأكثر إذا كانت الرقاع أيسر ذلك وأكثره الخياطة فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وإذا كانت الرقاع أكثر ذلك، وهي من عنده كان أحق بها على ما تقدم، فإن تناصف ذلك قوم كل على حدثه، ثم يكون أسوة الغرماء في المرسوم، ويكون بما ينوب الرقاع شريكًا، وهذا كله على المشهور أن الصبغ ليس بفوت، ونقل المازري عن ابن وهب في أحد قوليه: أن الرجوع يفوت بالصبغ والدباغ. وضابطه: أن يحدث المشتري حدثًا يتميز بالنظر ولا يتميز بالفعل.
تنبيه: قد تقرر على التمشية الثانية أن قوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ) قسيم لقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) وأما ابن عبد السلام، فقال: يعني أنهم أحق في الموت والفلس، نص على ذلك في المدونة. قال: ولا يظهر لإتيان المصنف بهذه المسألة هنا كبير فائدة فإن ما قدمه مغنٍ عنها، ولا سيما وهو لم يتمها كما في المدونة. قال ابن القاسم: من دفع إلى صانع سوارًا يعمله له، ثم دفع إليه بعد ذلك سوارًا آخر ليعملها، أو دفعهما معًا فعمل أحدهما ودفعه إلى ربه ولم يأخذ إجارته حتى أفلس
[ ٦ / ٢٢١ ]
ربهما؛ فلا يكون الصانع أحق بالباقي عنده حتى يأخذ إجارته في الذي دفع، وهو في الذي دفع أسوة الغرماء، وهو أولى بالباقي حتى يأخذ أجرته فيه.
ابن رشد: وهذا صحيح إن كان استعماله في صفقتين، وأما إن كان في صفقة؛ فمن حق الصانع أن يمسك السوار الذي بيده بجميع إجارة السوارين كالرهن، قال: وهذا مما لا إشكال فيه ولا اختلاف. قال: وقوله: (أو دفعهما معًا) غير صحيح، وقع على غير تحصيل، واحتج على ذلك بأشياء وقعت في مسألةأخرى متصلة بهذه المسألة تركنا ذكرها اختصارًا.
أما إن فلس ربها قبل العمل؛ فإن الصانع يخير بين أن يعمل ويحاصص، وبين أن يفسخ الإجارة عن نفسه.
ومُكْرِي الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِمَا حَمَلَتْ، وإِن لَمْ يَكُنْ مَعَهَا
يعني: إذا اكترى دابة ليحمل عليها شيئًا ثم فلس المكتري، فرب الدابة أحق بما حملت دابته حتى يقبض كراءه في الموت والفلس، زاد في المدونة: وسواء أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، كان رب المتاع معه أو لا، وهو كالرهن، ولأن على دوابه وصل إلى البلد. ابن يونس: كأنها قابضة للمتاع كقابض الرهن. قال في البيان: ولا خلاف أن الجمَّال أحق إذا كان المتاع في يده؛ لأنه كالرهن بيده، وإن اسلم الجمَّال إبله إلى المكتري ففلس قبل الوصول أو عنده قبل أن يحوز متاعه ويرد الإبل، فالمشهور وهو الذي في المدونة: أن الجمَّال أولى بالمتاع في الفلس والموت.
ويتخرج في ذلك قولان؛ أحدهما: أنه لا يكون أحق به في الفلس والموت. والثاني: أنه أحق به في الفلس فقط. قال ابن القاسم في العتبية: والسفن كالدواب، وأخذ ذلك جماعة من تعليله في المدونة مسألة الدواب، فإن العلة فيهما واحدة. قال في المدونة:
[ ٦ / ٢٢٢ ]
وأرباب الدور والحوانيت أسوة الغرماء في الفلس والموت، وليسوا أحق بما فيها. فجعل الدواب بخلاف الدور؛ لأن ظهور الدواب حائزة لما عليها، ولأن في حملها من بلد إلى بلد تنمية المال بخلاف الدور، وجعل عبد الملك الدار والحانوت كالدواب فيكون ربها أحق بما فيها.
تنبيه:
أخذ أحمد بن خالد من قوله: (ولأن على دوابه وصل) أن المكري أحق بالمتاع وإن قبضه ربه. وقال ابن رشد: هو بعيد في المعنى، وإنما يكون أحق به إذا كان على ظهر دابته أو سفينته وهو بين في العتبية، وكذلك نقل ابن يونس عن الواضحة: أنه إنما يكون أحق ما دام المتاع بيده، فإن أسلمه لم يكن أحق به كالصانع إذا أسلم المتاع.
خليل: ولعل أحمد بن خالد فهم من قوله في المدونة: (كالرهن، ولأن على دوابه وصل) على أنهما علتان على البدل، وفهم غيره أنهما علة واحدة، والله أعلم.
والْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِالدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وبِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ إِنْ قَبَضَهَا
يعني: أن من اكترى دابة، فإن كانت معينة ثم فلس مكريه أو مات فالمكتري أحق بها، سوءا قبضها أو لا. قال في المدونة: كعبد اشتراه ولم يقبضه حتى فلس بائعه؛ فالمشتري أحق به، وإن كانت غير معينة فإن لم يقبضها المكتري فهو أسوة الغرماء في الفلس والموت، وإن قبضها فهو أحق بها؛ سواء كان المكتري يدير تحته الدواب أم لا. وهذا مذهب المدونة، ولعله هو المشهور واختيار ابن حبيب. وقال أصبغ: إنما يكون أحق بها بالقبض إذا كان لا يدير الدواب تحته، وإن كان يديرها فليس هو أحق، وقيل: إن المكتري لا يكون أحق في الكراء المضمون مطلقًا، وعارض التونسي قول مالك في هذه المسألة: (أن المكتري أحق وإن كان الجمال يدير الدواب تحته) بقوله: إن الراعي ونحوه ليس هو أحق بالغنم، ورآه اختلاف قول، وفرق ابن يونس بأن الراعي ونحوه لم يتعلق له بعين
[ ٦ / ٢٢٣ ]
الدواب حق، فوجب لذلك أن يكون حقه في ذمة المكتري بخلاف الدواب، فإن بقبضهم الدواب تعلق حقهم بها؛ لأن ركوبهم عليها كالمعينة، فكان كتعلق حق الصانع بعين المتاع، وإذا جعلناه أحق في الكراء المضمون، فقال ابن القاسم في المدونة: لبقية الغرماء أن يضمنوا له حملانه ويكروا له من أملياء ويأخذوا الإبل، وقال غير ابن القاسم فب بعض الروايات المدونة: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالسِّلْعَةِ تُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، ثَالِثُهَا: فِي النَّقْدِ دُونَ الدَّيْنِ
أي: إذا اشترى سلعة شراء فاسدًا وقد كان نقد ثمنها أو كان أخذها عن دين له في ذمة البائع، ثم أفلس البائع والسلعة لم تفت وهي بيد المشتري فإن البيع يفسخ، واختلف هل يكون المشتري أحق بها فيما نقد من الثمن وفيما له من الدين على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أحق بها، وهو قول سحنون.
الثاني: لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز.
الثالث: إن كان ابتاعها بدين فهو أسوة [٥٣٢] الغرماء بخلاف النقد، وهو قول ابن الماجشون. قال في المقدمات: ولا اختلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعًا، وحكى اللخمي الاتفاق على أنه لا يكون أحق بها في الدين، وعلى هذا ففي المسألة طريقان.
والرَّادُّ لِلسِّلْعَةِ بِعَيْبٍ لا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا فِي الثَّمَنِ
يعني: أن من اشترى سلعة ثم اطلع فيها على عيب فأراد ردها فوجد البائع قد فلس فإن له ردها ولا يكون أحق بها، ولم يجر في هذه من الخلاف ما في التي قبلها؛ لأن المشتري هنا مختار للرد بخلاف الأول؛ لأنه مجبر عليه. قال في المقدمات: وهذا على أن الرد بالعيب نقض، وأما على أنه ابتدائ بيع فيكون أحق بها.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
فرع: واختلف إذا أقرضه ثم أفلس المقترض؛ ففي المذهب طريقانك
الأولى للمازري: المشهور أن المقرض لا يكون أحق؛ لأن الحديث إنما ورد في البيع، وسواء قبض السلف أو لم يقبضه، قال: وقد يسبق إلى النفس اعترض قوله: (أو لم يقبضه) لأن من في يده سلعة فهو أحق بها في الفلس والموت، وأجاب بأن القرض لما كان يتأجل بمقتضى العادة كان للمتسلف أن يطالب المسلف بالتسليم، فلا يكون له حبس ما أسلف، وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به، ولو قيل: له الرجوع في ذلك وإن لم ينتفع المستسلف، كما قيل في عارية الأرض للبناء والغرس لم يبعد. وحكى عن أبي محمد الأصيلي إلحاق القرض بالبيع.
والطريقة الثانية لابن رشد: أن مذهب مالك وأصحابه التسوية بين القرض والبيع، وأن التفرقة بينهما لابن المواز خلافًا لهم.
* * *
[ ٦ / ٢٢٥ ]
الحجر
[٥٣٣/أ] الحجر: أِسْبَابُهُ: الصِّبَا، والْجُنُونُ، والتَّبْذِيرُ، والرِّقُّ، والْفَلَسُ، والْمَرَضُ، والنِّكَاحُ فِي الزَّوْجَةِ
هذا مصدر حجر يحجر بضم الجيم وكسرها، وحقيقته لغةً: المنع، وشرعًا: منع المالك التصرف في ماله لمصلحة نفسه أو غيره، وذكر المصنف له سبعة أسباب.
ومفهوم العدد يقتضي الحصر فيها، وينتقض عليه بالحجر على الراهن لحق المرتهن، وبالحجر على المرتد.
وَيَنْقَطِعُ الصِّبَا بِالْبُلُوغِ والرُّشْدِ بَعْدَ الاخْتِبَارِ
وينقطع حجر الصبا على حذف مضاف بمجموع البلوغ والرشد؛ لقوله تعالى: (وابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإنْْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٥].
ابن العربي: الابتلاء هو الاختبار والتحصيل لمعرفة ما غاب من علم العاقبة، والرشد لا يعرف إلا بالاختبار. ابن رشد والمازري: ويكون الاختبار بعد البلوغ على المشهور، وقال أبو جعفر الأبهري وغيره من البغداديين: يكتفى به قبله.
وقوله: (بَعْدَ الاخْتِبَارِ) في محل حال، فإن جعل حالًا من البلوغ لزم أن يكون كلام المصنف موافقًا لقول أبي جعفر، وإن جعل من الرشد أو منهما احتمل المشهور والشاذ.
ولا خلاف أنه لا يخرج من الحجر قبل البلوغ وإن ظهر رشده، فإذا بلغ فإما أن يكون أبوه قد حجر عليه وأشهد بذلك أم لا، فإن حجر عليه فحكمه كمن لزمته الولاية فإن لم يحجر عليه، فإما أن يعلم رشده أو سفهه، فإن علم أحدهما عمل عليه، وإن جهل فالمشهور أنه محمول على السفه، وروى زياد وابن غانم عن مالك أنه محمول على الرشد، وأخذ من قوله في نكاح المدونة: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، لكن تأوله الشيخ أبو محمد على أن المراد بنفسه لا بماله.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
وقال ابن العطار: هو على السفه إلى عام، فعلى هذا الحجر عليه ما لم يتم العام، وقال في المقدمات: وروي عن ابن العطار أيضًا أنه يجوز للرجل تسفيه ولده بعد البلوغ إلا أن يكون معروفًا بالرشد، ولم يفرق بين القرب والبعد.
وحكى غيره من الموثقين أن تسفيهه جائز، وإن لم يعلم سفهه، إذا كان بحداثة بلوغه قبل انقضاء عامين.
تنبيه: ما ذكره المصنف من انقطاع حجر الصبي بالبلوغ والرشد إنما هو في حق ذي الأب، وأما ذو الوصي أو مقدم القاضي فلا ينفك الحجر عنه إلا بإطلاقه من الحجر، ثم الوصي الذي من قبل الأب له الإطلاق ويصدق فيما يذكر من حاله، وإن لم يُعرف ذلك إلا من قوله، وقال ابن القاسم في العتبية: لا يجوز إطلاقه إلا أن يتبين حاله ويعرف رشده، وأما المقدم من جهة القاضي فالمشهور على ما قاله المازري وغيره أن كوصي الأب؛ لأن القاضي جبر به الخلل الكائن بترك الأب تقديم وصي لهذا الابن. وقال ابن زرب: هو كوكيل عن القاضي، فلا يكون له الإطلاق إلا بإذن من القاضي، إلا أن يكون معروفًا بالرشد، وحكى ابن رشد وغيره قولين - إذا قلنا إنه يطلقه دون إذن القاضي-:هل يشترط أن يعرف رشده أو لا [يشترط] ذلك؟
فإن قلت: لم جعلتم الوصي على المشهور أقوى من الأب وهو فرعه؟ قيل: لأن الأب لما أدخله في ولاية الوصي كان بمنزلة ما لو حجر عليه، وهو لو [حجر] عليه لم يخرجه إلا الإطلاق.
ويعرف الرشد بوجهين:
أحدهما: أن يتأمل أحوال يتيمه ويحصل له العلم بنجابته.
الثاني: أن يدفع إليه شيئًا من ماله يجربه به في التجارة، فإن نماه وحسن القيام به سلم إليه جميع ماله وإلا استمر عليه الحجر، قاله ان العربي.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
وَفِي الأُنْثَى بِأَنْ تَتَزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا عَلَى المَشْهُورِ، ثُمَّ تُبْتَلَى بَعْدَهُ سَنَةً، وَقِيلَ: كَالذَّكَرِ
دل قوله: (وَفِي الأُنْثَى) أن الكلام المتقدم في الذكر تقديره: وينقطع في الذكر بكذا، وفي الأنثى بالرشد، وأن تتزوج ويدخل بها زوجها؛ لأن قبل ذلك محجوبة عن الناس والتصرف، ومراده بالأنثى ذات الأب.
و(عَلَى المَشْهُورِ) راجع إلى دخول الزوج.
(وَقِيلَ: كَالذَّكَرِ) يحتمل أن يريد به أنه ينقطع عنها بالبلوغ والرشد، وهو ظاهر كلامه وهو قول حكاه المازري واللخمي، وذكر أنه وقع لمالك في كتاب الحبس من المدونة، وقال ابن راشد: قوله: (وَقِيلَ: كَالذَّكَرِ) يريد أنها تخرج بمجرد البلوغ، وهي رواية ابن غانم وزياد عن مالك.
قال في المقدمات: ومعنى هذه الرواية عندي إذا علم رشدها أو جعل حالها، وأما إن علم سفهها فهي باقية في ولايته.
وقوله: (ثُمَّ تُبْتَلَى بَعْدَهُ)؛ أي بعد الدخول.
(سَنَةً): وظاهره أنه لا يكفي مضي العام بعد الدخول إذا لم يكن الاختبار مستوعبًا فيه، وأنه لا بد من أن يكون الاختبار في مجموع السنة، وفي هذه المسألة - أعني في الحد الذي تخرج به ذات الأب من الحجر - أقوال:
أولها: ما ذكره المصنف أنها في ولاية أبيها حتى يمضي لها العام ونحوه بعد الدخول، وهو قول مطرف في الواضحة، فتكون أفعالها قبل العام مردودة ما لم يعلم رشدها، وبعده جائزة ما لم يعلم سفهها.
ثانيها: أنها في ولايته حتى يمر لها عامان، وهو قول ابن نافع.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
ثالثها: حتى تمضي لها سبعة أعوام، [وعزي لابن القاسم، وبه جرى العمل عند أهل قرطبة، وقال ابن أبي زمنين: الذي أدركت عليه الشيوخ أنها تخرج من الولاية بمضي ستة أعوام] إلا أن يجدد الأب عليها سفها قبل ذلك، [وهو قول رابع.
خامسها]: [٥٣٣/ب] وهو المشهور على ما في البيان أنها في ولايته حتى يشهد العدول على صلاح أمرها، وهي على هذه الرواية مردودة الأفعال قبل دخول زوجها وإن علم رشدها، فإذا دخل بها زوجها وعلم رشدها خرجت من ولاية أبيها، وإن كانت بقرب بنائه، قال: وهذا قول مالك في الموطأ والمدونة والواضحة، واستحب مالك في رواية مطرف أن تؤخر إلى العام من غير إيجاب، ونحوه لعياض في باب النكاح، ولكنه زاد بعد أن عين المشهور أنها لا تخرج إلا بالدخول ومعرفة صلاح حالها، فقال: ومعناه أنها لا يعرف سفهها. انتهى.
وعلى هذا فلا يشترط أن تشهد العدول بصلاح الحال [بل بعدم] السفه.
سادسها: أنها في ولاية أبيها ما لم تعنس أو يدخل بها زوجها أو يعرف من حالها، وسيأتي الخلاف في سن تعنيس ذات الأب إثر هذه حيث تكلم المصنف على المعنسة، وقال المازري: المشهور من المذهب أن الثيب من النسوان البالغ تحمل على الرشد.
واختلفت إشارات المذهب عند بعض أشياخي في مجرد الدخول، هل يقتصر عليه؟ أو لا بد من اختبار حالها بعد الدخول؟ وروى بعض أشياخي أن البدوية لا يوسع لها بعد الدخول كما يوسع في ذلك في بنات كبار التجار.
وعلى هذا فما قدمه المصنف خلاف المشهور. وقرأ بعضهم قول المصنف: (ثُمَّ تُبْتَلَى بَعْدَهُ سَنَةً) بالتاء لا بالنون ليوافق ما جرى به العمل على ما حكاه ابن أبي زمنين، وفي بعد.
تنبيه: قول ابن أبي زمنين: ما لم يجدد الأب الحجر عليها، يدل على أنه له أن يجدد الحجر عليها، وإليه ذهب ابن زرب وابن العطار، وقال الأصيلي وابن القطان: ليس له
[ ٦ / ٢٢٩ ]
ذلك إلا بإثبات سفهها، وعلى الأول فلو أوصى عليها حينئذٍ، ثم تراخى موته حتى بلغت الحد الذي تجوز فيه أفعالها فقولان:
أحدهما: أن إيصاءه عليها لازم كتجديد الحجر عليها الذي لا ينفك إلا بإثبات رشدها بالبينة العادلة.
وثانيهما: أن ذلك غير لازم بخلاف تجديد السفه، وقالوا: ذلك بمنزلة الأب يولي على ابنته وهي بكر ثم يزوجها، فتقيم مع زوجها سبع سنين أو أكثر فيموت، أن الإيصاء ساقط.
ابن راشد: لا أعلمهم اختلفوا في لزوم الولاية عليها إذا أوصى عليها بعد دخول زوجها، ثم مات بعد بلوغها الحد الذي هو وقت خروجها من ولايته، ولا يبعد دخول الاختلاف في ذلك بالمعنى، قال: وأما إن أوصى على ابنته وهي صغيرة أو بكر ثم مات وهي بكر قبل دخول زوجها بها قبل مضي المدة المؤقتة لخروجها من ولايته، فالولاية لها لازمة.
فَأَمَّا الْمُعْنِسَةُ فَالرُّشْدُ لا غَيْرُ، وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: إِلا أَنْ تَكُونَ بِأَبٍ أَو وَصِيٍّ
يعني: أن الذي تقدم إنما هو في بكر لم تعنس، وأما المعنسة فيكتفي فيها بالرشد وجعلوا [علو السن] يقوم مقام التزويج، وسواء كانت ذات أبٍ أو وصي أو مهملة.
ولهذا قال: (ابْنُ القَاسِمِ إلخ) أي إنما يكتفى بالرشد في المهملة، وأما ذات الأب والوصي فلا، وهذا هو المعروف من قول ابن القاسم، والذي في المدونة أنه يجوز فعل المعنسة إذا أنس منها الرشد، وإن لم يجزه أبوها، وقال مالك: يجوز إن أجازه الأب. وقال في رواية عبد الرحيم: يجوز بشرط التعنيس فقط، ولهذا قال بعضهم في المدونة في هذه الصورة ثلاثة أقوال:
الجواز بشرط التعنيس فقط، وهي رواية عبد الرحيم.
والجواز بشرطين التعنيس وإيناس الرشد، وهو قول ابن القاسم.
[ ٦ / ٢٣٠ ]
والجواز بثلاثة شروط، فيزاد إلى ذلك إجازة الأب، وكلام اللخمي وابن رشد ينافيه؛ لأنهما جعلا قول مالك أن إجازة الأب في من جهل حالها، قال في المقدمات: والمشهور المعمول به أنها إذا كانت يتيمة وهي ذات وصي من قبل الأب أو مقدم من جهة القاضي أنها لا تخرج من ولايته وإن عنست وتزوجت ودخل بها زوجها وحسن حالها ما لم تطلق من الحجر، قال ابن الماجشون: حالها مع الوصي كالأب في خروجها من ولايته بالتعنيس أو النكاح مع طول المدة وتبيين الرشد.
واختلف في حد التعنيس فقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: من الخمسين إلى الستين، والتعنيس مأخوذ من التكسيل والعجز؛ لأن الغصن الرطب إذا مر عليه الزمان ذهبت مائيته وانكسرت نعمته وحط لونه.
فرع: لم يتعرض المصنف للمهملة إلا إذا كانت معنسة، قال في المقدمات: واختلف في اليتيمة التي لم يولَّ عليها أب ولا وصي على قولين:
الأول: أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض وهو قول سحنون في العتبية، وقول غير ابن القاسم في المدونة ورواية زياد عن مالك.
والثاني: أن أفعالها مردودة ما لم تعنس وهو مذهب المدونة؛ لأن فيها لا يجوز حتى تعنس وتقعد عن المحيض، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد، قيل: أقصاها العام وهو قول ابن الماجشون وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه، وقيل: ثلاثة أعوام ونحوها، وقال ابن أبي زمنين: الذي أدركت عليه العمل: لا يجوز فعلها حتى تمر بها السنتان والثلاث.
[وفي حد تعنيس اليتيمة خمسة أقوال:
الأول: لابن نافع أقل من ثلاثين.
[ ٦ / ٢٣١ ]
الثاني: لابن الماجشون ثلاثون.
الثالث: لمالك في رواية مطرف وابن القاسم] في رواية أصبغ أربعون.
الرابع: لابن القاسم من رواية سحنون عنه من الخمسين إلى الستين.
الخامس: حتى تقعد عن المحيض، وهو قوله في المدونة. انتهى.
وَبُلُوغُ الذَّكَرِ: بِالاحْتِلامِ أَو بِالإنْبَاتِ، أَو بِالسِّنِّ - وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ [٥٣٤/أ] عَشْرَةَ - وَتَزِيدُ الأُنْثَى بِالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ
حاصله أن للبلوغ خمس علامات، وقد تقدم الكلام عليها في النكاح، والمشهور أن ما ذكره أن الإنبات علامة، قاله المازري وغيره، ودليله حديث بني قريظة، ولمالك في كتاب القذف أنه ليس علامة على البلوغ، ونحوه لابن القاسم في كتاب القطع.
وجعل في المقدمات هذا الخلاف فيما بينه وبين الآدميين، قال: وأما فيما بينه وبين الله من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة.
وَيُصَدَّقُ فِي الاحْتِلامِ مَا لَمْ تَقُمْ رِيبَةٌ، وَالإِنْبَاتُ مِثْلُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: يُنْظَرُ فِي الْمِرْآةِ - غَرِيبٌ
لمَّا ذكر علامات البلوغ شرع في ذكر معرفتها قال في الجواهر: وأما السن فبالعدد، وأما الاحتلام فيصدق فيه ما لم تقم ريبة؛ إذ لا يعرف إلا من جهته، وسواء كان طالبًا كما لو ادعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد، أو مطلوبًا كما لو جنى جناية وادعيَّ عليه البلوغ ليقام عليه حدها وأنكر هو ذلك.
وأما الإنبات، فقال ابن العربي: يكشف عن عورته ويستدبره الناظر فينظر في المرآة، وأنكره ابن القطان المحدث المتأخر، وقال: لا يجوز النظر إلى العورة ولا إلى صورتها، ولعل المصنف أطلق الغرابة عليه لهذا الإنكار، وإن أراد لأنه لم يقله غيره وكثيرًا ما يطلق
[ ٦ / ٢٣٢ ]
المحدثون على الحديث الغرابة لهذا المعنى، ففيه نظر؛ لأن عبد الوهاب حكاه عن بعض شيوخه في كتاب الأحكام له أنه قال بذلك في عيب المرأة في النكاح: أنه تجلس امرأتان خلف المرأة كما ذكرنا. خليل: ولو قيل: يجس على الثوب كما قيل في العنة ما بعد.
وَالرُّشْدُ: أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِمَالِهِ عَارِفًا بِوُجُوهِ أَخْذِهِ وَإِعْطَائِهِ، وَقِيلَ: وَجَائِزُ الشَّهَادَةِ
الظاهر أن قوله: (عَارِفًا بِوُجُوهِ أَخْذِهِ وَإِعْطَائِهِ) بيان لحفظ المال.
فإن قيل: لم لا تجعلوا قوله: (عَارِفًا بِوُجُوهِ أَخْذِهِ وَإِعْطَائِهِ) قيدًا آخر ويكون المراد به تنمية المال؟ قيل: لأن اللخمي نقل الاتفاق على أن من لا يحسن التجر ويحسن الإمساك أنه لا يحجر عليه، لكن ذكر المازري خلافًا فيما ينفك به الحجر عن المحجور عليه ماله هل بمجرد حفظه فقط، أو بزيادة اشتراط حسن تنميته؟
ووجه الثاني بأنه إن لم يحسن ذلك كان ذلك مؤديًا إلى فناء ماله، والأول بأنه لما كان لا يلزم القابض من أب أو وصي أو مقدم أن يتجر له، وإنما يلزمه صيانته فمالكه أولى، قال: وينبغي عندي أن يلتفت إلى قلة المال وكثرته، وعلى هذا فيمكن أن يريد المصنف هذا ويكون قيدًا ثانيًا، ويكون مراده بيان الرشد الذي يخرج به من الحجر لا الرشد الذي لا يضرب معه الحجر، فإن ذلك متفق على أنه لا يراعى فيه القيد الثاني كما ذكره اللخمي، والمشهور أنه لا يشترط في الرشيد أن يكون جائز الشهادة إذا كان حافظًا لماله، وإن كان يشرب الخمر ونحوه وهو قول ابن القاسم وأصبغ، وقال المدنيون كابن كنانة ومطرف وابن الماجشون: يحجر على من يشرب الخمر، واختاره ابن المواز وأشار غير واحد إلى أن هذا الخلاف إنما هو فيما يخرج به السفيه من الحجر: هل بحفظ ماله وهو المشهور، أو بحفظه مع جواز الشهادة؟
[ ٦ / ٢٣٣ ]
ابن يونس: وأما ابتداء الحجر على السفيه فلا يبتدأ ذلك باتفاق، واعترضه ابن عبد السلام وقال: ليس متفقًا عليه، فقد حكى ابن شعبان في التحجير على الفاسق لفسقه قولين، غير أن الظواهر دالة على عدم الحجر؛ لأنه ﵊ والخلفاء بعده أقاموا الحدود على من وجبت عليه، ولم يحجروا عليه، وحكى اللخمي في الحجر على من يخدع في البيوع قولين:
أولهما: لا يحجر عليه؛ لقوله ﷺ لمن كان يخدع فيها: «إذا بعت فقل لا خلابة».
والثاني: لابن شعبان: يحجر عليه، ما لم يتبين رشد اليتيم بدخوله الأسواق ومخالطته لغيره في الشراء والبيع، فيعرف رشده بأن ينكر على المغبون [ويغبط] الحافظ لماله ويصوب فعله.
اللخمي: واختلف هل يبتلى بشيء من ماله فيدفع إليه، وظاهر ما في المدونة في كتاب المديان المنع؛ لأنه قال: إذا فعل ذلك الولي فلحقه دين لم يلحق ذلك الدين المال الذي في يده ولا الذي في يد وصيه. وأجاز ذلك غيره، وقال: يلحق ذلك الدين في المال الذي في يده، وقاله الشيخ أبو محمد وعبد الوهاب.
عياض: وعلى قوله: (إنه لا يعطى الصغير) لا يعطى البالغ السفيه أيضًا؛ لأن العلة كونه مولى عليه، هذا معنى كلامه، وفي كتاب الوصايا من المدونة مثل قول الشيخ أبي محمد؛ لقوله: (وإذا أذن للصبي أن يتجر جاز)، وعليه فالبالغ السفيه أولى، وفي المسألة ثالث بالجواز في السفيه البالغ دون الصغير، وقال أبو عمران: إنما يجوز في الصغير بشرط أن يطلع الوصي عليه من يعنيه في تصرفه وإلا فهو ضامن، ابن الهندي: وإنما يختبره إذا علم منه خيرًا، قيل: الشرط أن يختبره باليسير كالخمسين دينارًا أو الستين؛ أي في حق من يليق به ذلك.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
وَصِفَةُ السَّفِيهِ أِنْ يِكُونُ ذَا سَرَفٍ فِي اللَّذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ بِحَيْثُ لا يَرَى الْمَالَ عِنْدَهَا شَيْئًا
ولو قال: (والسفه السرف في اللذات إلخ) لكان أحسن لكونه أخصر، ولأنه مقابل للرشد، واشتراطه أن تكون اللذات محرمة، قال ابن عبد السلام وغيره: هو خلاف ظاهر المدونة، ولا يقال: قوله جارٍ على قول من يرى أن الفسق موجب للحجر؛ لأن هذا القائل يرى أن مجرد الفسق يوجب الحجر، والمصنف [٥٣٤/ب] قد اشترط أن يكون ذات سرف فيها، ويكفي في السفه كونه مسرفًا في اللذات المباحة والمكروهة، وفي المدونة والجواهر: وصفة من يحجر عليه من الأحرار أن يكون يبذر ماله مسرفًا في لذاته من الشرب والفسق وغيره، فقوله: (وغيره) يبين لك ذلك، وأيضًا فإن قوله في حد الرشد: أن يكون حافظًا لماله، يدل على أن من يسرف في اللذات المباحة وغيرها سفيه؛ إذ لا واسطة بين السفه والرشد، وقال المازري: وقولنا: إن التبذير في غير الفسوق يوجب الحجر فكيف بالتبذير في الفسوق، فظاهره أن التبذير في المباحات يوجب الحجر، لكن قال بعد ذلك: وأما أنفاقه في الملاذِّ والشهوات وجمع الجماعات لأكل الكثير من الطيبات في المبيتات والمؤانسات، ففيه إشكال، وقال بعض أصحاب الشافعي: إنه يوجب الحجر، وعن ابن القصار كذلك، ولكن شرطه بشرط وهو أن يكون ما فضل عنه من ذلك لا يتصدق به ولا يطعمه [فقال: وقوله: (ولا يطعمه)] بعد ذكره الصدقة الظاهر أنه أراد إطعامه لإخوانه وهذا [قدر يسير إلا] أنه [لا] يرى ما ذكرناه عن بعض أصحاب الشافعي أنه يوجب الحجر وعلى هذا فيكون كلام ابن القصار يوافق ظاهر كلام المصنف، وانظر لو كان السفيه المبذر لماله في شهواته يتجر بما في يده تجارة تصير إنفاقه في شهواته من الربح ورأس المال محفوظ؛ أي المال الذي بيده، وفي الحجر على هذا إشكال.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الرَّدِّ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى الأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّدَّ لِلسَّفَهِ لا لَلْحَجْرِ
أي: المال إذا تصرف السفيه فيه، وأما مجهول الحال فأفعاله جائزة لا يرد شيء منها بالاتفاق، وحكاه في المقدمات وهذا هو السفيه المهمل، والأصح لابن القاسم على ما في اللخمي والمازري والمقدمات وغيرها، ومقابله نقله اللخمي عن ابن كنانة وابن نافع، وعزاه في المقدمات [لمالك وكبار] أصحابه، وصرح في المقدمات في موضع آخر بمشهورية هذا القول، وذكر أيضًا في البيان في باب النكاح أن ما صححه المصنف هو المشهور من قول ابن القاسم، وأن المشهور من مذهب مالك خلافه، وقد روى زياد القرطبي عن مالك أنه سأله عن سفيه عندهم يكسر قوارير البللور على ناصية فرسه ويشتري البازي والكلب بالضيعة الخطيرة، فقال: تمضي أفعاله، ثم سأله بعد زمان فقال: تمضي أفعاله، ولو كان مثل سفيهكم، وصحح المصنف الأول لما قاله المازري أنه اختيار المحققين من أشياخه؛ لأن السفه هو العلة في حجر الحاكم، ورأى مقابل الأصح أن العلة في رد أفعاله الحجر؛ لأن ثبوت السفه يحتاج إلى اجتهاد وكشف، وهو مما اختلف فيه، وقال مطرف وابن الماجشون بالتفصيل، فإن اتصل سفهه من حين بلوغه لم يجز شيء من أفعاله، وإن سفه بعد أن أنس منه الرشد فأفعاله جائزة ولازمة ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة، مثل أن يبيع ما قيمته ألف دينار بمائة دينار ونحوه فلا يجوز ذلك عليه، وكذلك هبته، والثاني لأصبغ: إن لم يكن معلنًا بالسفه مضت أفعاله، وإلا فلا، ومن الشيوخ من رأى أن السفه الظاهر البين يوجب رد أفعاله بخلاف السفه الخفي.
فإن قلت: لم جعلت هذه الأقوال زيادة على كلام المصنف؟ وهلاَّ جعلت الجميع مقابلًا للأصح، قيل: لثلاثة أوجه:
[ ٦ / ٢٣٦ ]
الأول: أن المنطوق به إنما يدل على مقابلة الإجازة، وأما القولان بالتفصيل فلا [دلالة له عليهما].
الثاني: أن عادة المصنف أن يجعل مقابل الأصح والمشهور ونحوهما قولًا واحدًا.
الثالث: أن قوله: بإثره (وعليهما) يبين أنه لم يرد إلا قولين، والله أعلم.
تنبيه: [قال في المدونة] ومن أراد أن يحجر على ولده أتى به الإمام ليحجر عليه، ويشهر ذلك في الجامع وفي الأسواق ويشهد على ذلك، فمن باعه أو ابتاع منه بعد ذلك فهو مردود وأخذ من هذا غير واحد أن مذهب المدونة موافق [لمالك] وكبار أصحابه، مخالف لابن القاسم، قال في المدونة: ولا لتولى الحجر إلى القاضي، قيل: فصاحب الشرطة؟ قال: القاضي أحب إليَّ.
عياض: و(أحب) هنا على الوجوب، وقال شيوخنا: إن الحجر مما يختص به القضاة دون سائر الحكام، وذكر ابن سهل أن ثمانية أشياء لا يحكم فيها إلا القاضي: التسفيه، والترشيد، والنظر في الوصايا، والنظر في الأحباس المعقبة، والنظر في مال الأيتام، والنظر في أمر الغائب، والنظر في الأنساب، [والنظر في الولاء، زاد أبو محمد صالح]: والنظر في الحدود والقصاص، وإذا أجزنا الحجر على السفيه الكبير فمذهب ابن القاسم أن السفه الذي يمنع أن يعطى ماله إذا بلغ يوجب استئناف الحجر عليه، وإن كان كبيرًا مهملًا، ومذهب أشهب أن استئناف الحجر لا يجوز إلا بثبوت سفه ظاهر بين.
وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ إِذَا رَشَدَ
أي: القولين بسببهما ينعكس الحكم في المحجور عليه إذا رشد، ولم يحكم القاضي بإطلاقه، فعلى قول ابن القاسم تمضي أفعاله؛ لأن المعتبر عنده إنما هو حال التصرف لا حكم الحاكم، وعلى قول مالك لا تمضي؛ لأنه محجور عليه، ولم يفكه القاضي.
[ ٦ / ٢٣٧ ]
خليل: وقد يقال: وإن قلنا: إن الحجر لأجل حجر القاضي، لكن هو معلل في الأصل بالسفه ويلزم من زوال العلة زوال المعلول.
فإن قلت: مقتضى كلام المصنف أن ابن القاسم يقول بالإمضاء هنا، ونقل في المقدمات أن زونان روى عن ابن القاسم أن من ثبتت عليه ولاية فلا تجوز أفعاله حتى يطلق منها، قيل: المشهور عنه خلاف هذا، فقد قال في المقدمات أيضًا قبل هذا ومتصلًا به: وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية لا يعتبر ثبوتها إذا علم الرشد ولا سقوطها إذا علم السفه.
وَفَائِدَةُ الْحَجْرِ رَدُّ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، [٥٣٥/أ] وَبِإتْلافِ الْمَالِ وَالتَّوْكِيلِ إِلا وَصِيَّةَ الصَّغِيرِ إِذَ لَمْ يُخَلِّمْ فِيهَا كَالسَّفِيهِ
(أل) في (الْحَجْرِ) للعهد؛ أي الحجر الذي هو أقرب مذكور وهو حجر السفيه، ويحتمل الحجر في أول الكلام؛ أعني الذي عدد أسبابه وإن كان مراده هذا الثاني فهو مخصوص؛ إذ المريض لا يمنع من البيع والشراء إذا لم يحابِ أو حابى بدون الثلث، ولا يمنع من الإقرار بالدين لمن لا يتهم عليه، وكذلك الزوجة لا تمنع من التصرف في الثلث ويكون المصنف أطلق هنا لم سيأتي.
فإن قلت: لا يصح أن يريد الثاني؛ لأن قوله: (كَالسَّفِيهِ) يرده؛ إذ السفيه أحد أنواعه، قيل: قوله: (كَالسَّفِيهِ) إنما هو راجع إلى الوصية فقط، وقصد المصنف بذلك بيان حكم وصية الصغير والسفيه، وهو الجواز وإلا فهو لم يقدم حكم وصية السفيه.
وقوله: (كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) قال في المدونة: وأما شراؤه ما لا بد منه مثل الدرهم يبتاع به لحمًا ومثل خبز وبقل ونحوه يشتري ذلك لنفسه مما يُدفع إليه من نفقته فجائز، وأخذ منه ابن الهندي أن الوصي لا يدفع لمحجوره إلا نفقة نفسه خاصة، وقال ابن العطار: يدفع إليه نفقة نفسه ورقيقه وأمهات أولاده، وأما الزوجة فهي تقبض لنفسها، قال في البيان: وإن باع اليتيم دون إذن وصيه أو الصغير من عقاره وأصوله بوجه السداد
[ ٦ / ٢٣٨ ]
في نفقته التي لا بد له منها ولا شيء له غير المبيع وهو أحق ما يباع من أمواله فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن البيع يرد على كل حال، ولا يتبع بشيء من الثمن، وهو قول ابن القاسم، وهو أضعف الأقوال.
الثاني: أن البيع يرد إذا رأى ذلك الوصي ولا يبطل الثمن عن اليتيم، ويؤخذ من ماله، وهو قول أصبغ.
الثالث: أن البيع يمضي ولا يرد وأما إن باع بأقل من القيمة أو باع ما ليس هو الأحق بالبيع [فلا خلاف أن البيع يرد وإن لم يبطل الثمن على اليتيم] لإدخاله إياه فيما لا بد له منه، وأما ما باع اليتيم من ماله وأنفقه في شهواته التي يستغني عنها فلا خلاف أنه يرد ولا يتبع بشيء من الثمن كان المبيع يسيرًا أو كثيرًا، أصلًا أو عرضًا، وهو محمول فيما باعه وقبض ثمنه على أنه أنفقه فيما لا بد له منه حتى يثبت أنه أنفقه فيما له عنه بد، وفي المقدمات: وأما بيعه وشراؤه ونكاحه وشبهه مما يخرج عن عوض ولا يقصد به قصد المعروف، فإنهه موقوف على نظر وليه، فله أن يجيز أو يرد بحسب النظر وإن لم يكن له ولي قدم القاضي له من ينظر في ماله، فإن لم يفعل حتى ملك أمره، فهو مخير في رد ذلك وإجازته، فإن رد بيعه وابتياعه وكان قد أتلف الثمن الذي باع به أو السلعة التي ابتاعها لم يتبع في ماله بشيء.
واختلف إذا كانت أمة فأولدها فقيل: كذلك فلا ترد، وقيل: ليس بفوت كالعتق، ولا يكون عليه من قيمة الولد شيء، واختلف إذا كان أنفق الثمن فيما لا بد له منه هل يتبع ماله بذلك أم لا؟ على قولين، وإن كان الذي اشترى المشتري منه أمة فأولدها أو عتقها، أو غنمًا فتناسلت، أو بقعة فبناها، أو شيئًا له غلة فاغتله، فالحكم في ذلك كمن اشترى من مالك فيما يرى فاستحق من يده بعد أن أحدث فيه ما ذكر، هذا إن لم يعلم أنه مولى عليه،
[ ٦ / ٢٣٩ ]
وأما إن علم أنه مولى عليه متعدِّ في البيع بغير إذن وليه لسفه يقصده فحكمه كالغاصب، واختلف فيما فوت السفيه من ماله بهبة ونحوها، فلم يعلم به حتى مات هل ترد بعد الموت أو لا؟ على قولين. انتهى.
وقول المصنف: (وَالإِقْرَارِ)؛ أي بالمال. ابن كنانة إلا أن يقر به في مرضه فيكون في ثلث ماله، واستحسن ذلك أصبغ ما لم يكثر، وإن حمله الثلث.
وقوله: (وَالتَّوْكِيلِ)؛ أي على الحقوق المالية، وهو ظاهر.
وَلا حَجْرَ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي الطَّلاقِ، وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَنَفْيِهِ، وَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ، وَالإِقْرَارُ بِمُوجِبِ الْعُقُوبَاتِ بِخِلافِ الْمَجْنُونِ
هذا هو الذي احترز عنه بالتصرفات المالية، واحترز بالعاقل من المجنون، وبالبالغ من الصبي، فلا تمضي تصرفاتهما مطلقًا.
ونبه بقوله: (فِي الطَّلاقِ) على خلاف ابن أبي ليلى، في قوله: أنه لا يلزمه؛ لأنه قد يحتاج إلى امرأة أخرى فيؤدي ذلك إلى هلاك ماله، وخرجه بعضهم على قول المغيرة أنه لا يمضي عتق أم ولده، ورده المازري بأن أم الولد يترقب فيها المال بالجناية عليها، وكذلك يلزمه عندنا الطلاق والظهار واستلحاق النسب ونفيه؛ أي باللعان في الزوجة أو بدعواه في الأمة.
فإن قلت: في الاستلحاق إثبات وارث ففيه إتلاف مال. قيل: وإن سلم فلا يضر؛ لأنه بعد موته فكان كوصية.
وقوله: (وَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ) خالف في ذلك المغيرة وابن نافع، وهل يتبعها مالها؟ ثلاثة أقوال حكاها في المقدمات: روى أشهب عن مالك: أنه يتبعها، وروى يحيى عن ابن القاسم: أنه لا يتبعها. والثالث: إن كان مالها يسيرًا أتبعها، وإلا فلا. قال: وأراه قول
[ ٦ / ٢٤٠ ]
أصبغ: وقوله: (وَالإِقْرَارُ بِمُوجِبِ الْعُقُوبَاتِ) كالزنى والسرقة، وهو ظاهر. قال في المقدمات: ويلزم السفيه البالغ جميع حقوق الله تعالى التي أوجبها على عباده في بدنه وماله، فيلزمه في بدنه ما وجب من حد أو قصاص ويلزمه في ماله ما أفسد أو كسر ما لم يؤتمن عليه باتفاق، وما اؤتمن عليه ففيه اختلاف ولا تلحقه يمين فيما ادعى عليه في ماله، وأما إن ادعى عليه [٥٣٥/ب] فيما يجوز إقراره فيه فتلحقه اليمين فيه. انتهى.
وهل يجوز عفوه عما دون النفس من قصاص وجب له أو حد قذف وإليه ذهب ابن القاسم أم لا؟ وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، ولا خلاف أنه لا يصح عفوه عن جراح الخطأ لأنها مال، فإن أدى جرح الخطأ إلى إتلاف نفسه وعفا عن ذلك عند موته، كان ذلك في ثلثه كالوصايا، وإن وجب له قصاص في نفس كما لو قُتل أبوه أو ابنه عمدًا صح عفوه على مذهب ابن القاسم الذي يرى أن الواجب في العمد قود كله. ابن عبد السلام: وفيه نظر على مذهب مطرف وابن الماجشون المتقدم، وتردد المازري على مذهب أشهب الذي يرى أن الولي بالخيار بين القتل وأخذ المال، وأجراه على أن من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ: أَبُوهُ ثُمَّ الوَصِيُّ ثُمَّ وَصِيُّهُ ثُمَّ الْحَاكِمُ وَلا وِلايَةَ لِجَدِّ وِلا غَيْرِهِ
(ثُمَّ وَصِيُّهُ)؛ أي وإن بعد، والسفيه مشارك للصبي في هذا، فلو قال: (وولي الصبي والسفيه أبوه) كان أولى.
وقوله: (أَبُوهُ) يريد إذا كان الأب رشيدًا وإذا كان سفيهًا فهل ينظر وليه على بنيه؟
ابن عتاب وابن القطان: جرى العمل أنه لا ينظر على بنيه إلا بتقديم مستأنف.
ابن سهل: ودليل الروايات أنه ينظر إليهم.
قوله: (وَلا وِلايَةَ لِجَدِّ وِلا غَيْرِهِ)؛ أي من أخ أو عم.
[ ٦ / ٢٤١ ]
وَلا يُبَاعُ عَقَارُهُ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْفَاقِ أَو لِغِبْطَةٍ أَو لِسُقُوطِهِ إِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ الْبَيْعُ عِنْدَهُ أَوْلَى وَيَسْتَبْدِلُ بِثَمَنِهِ أَصْلَحَ
ما ذكره من جواز البيع لحاجة الإنفاق عليه ظاهر؛ لأنه إنما حفظ ماله من أجله النفقة عليه أو لغبطة؛ أي لزيادة في ثمنها، فقد أجاز في المدونة والعتبية بيع دار اليتيم إذا بذل فيها أضعاف ثمنها لسحنون، وذلك إذا كان المالك مثل عمر بن عبد العزيز؛ يعني في طيب مكسبه.
أبو عمران: وإن علم الوصي بخبث مكسبه ضمن، وإن لم يعلم كان له أن يلزمه مالًا حلالًا أو تباع الدار فيه، واشترط الغرناطي في وثائقه في الزيادة التي يباع عقار اليتيم لها أن تزيد على الثلث.
وقوله: (أَو لِسُقُوطِهِ) هو كقوله في الجواهر: أو لخشية سقوطه إن لم ينفق عليه من المال ما يكون معه بيعه وابتياع غيره بثمنه أفضل.
ابن عبد السلام: فـ (ما) من قوله: (ما يكون البيع) موصلة منصوبة انتصاب المفعول به، والعامل فيها (يُنْفِقْ) من قوله: (إِنْ لَمْ يُنْفِقْ)؛ أي خشية سقوطه ما لم ينفق عليه نفقة كثيرة، فيكون البيع بسببها أولى، فبيعها حينئذٍ سائغ، ويستبدل بثمنها ما هو أصلح للمحجور، وقال ابن راشد: في كلامه أضمار تقديره: أو لسقوطه إن لم ينفق عليه سقوطًا يكون البيع عنده أولى، فأقام (ما) مقام المصدر المحذوف، ويحتمل أن تكون بمعنى المصدر، والمعنى سقوط ما يكون البيع عنده أولى، وكلام ابن عبد السلام أحسن، وزاد الموثقون وجوهًا أخر يباع عقار اليتيم لها.
الأول: ألا يعود عليه شيء منه فيبيعه ليعوض عنه ما يعود منه.
الثاني: أن يبيعه ليعوض ما هو أجود منه.
الثالث: لضرر الشركة، فيبيعه ليعوضه دارًا كاملة.
[ ٦ / ٢٤٢ ]
الرابع: إذا أراد شريك البيع، وهو لا ينقسم ولا مال له يشتري به حصة شريكه.
الخامس: أن تكون الدار واهية يخشى عليها الخراب، وليس له مال يصلح منه.
السادس: أن يكون بين أهل الذمة.
السابع: أن يكون ملكًا موظفًا فيستبدل حرًا.
الثامن: أن يكون بين جيران سوء، فيبيعها ليأخذ أجود، قاله ابن المواز، حكاه في الطراز.
التاسع: أن يتقي عليها من السلطان وغيره، ذكره صاحب الطراز.
العاشر: إذا خشي انتقال العمارة من موضعه، قاله في الجواهر وأورد ابن عبد السلام: أن ظاهر قوله: (لا يُبَاعُ عَقَارُهُ) أن ذلك في حق الأب بالنسبة إلى ولده الصغير والوصي، وظاهر المذهب أن الأب يبيع مال ولده الصغير والسفيه الذي في حجره، الربع وغيره؛ لأحد هذه الوجوه أو غيرها. وفعله في ربع ولده كغيره من السلع محمول على الصلاح، وإنما يحتاج إلى أحد هذه الوجوه الوصي وحده، وكذلك قال ابن راشد: إن المتولي للبيع على المحجور من أب أو وصي أو كافل أو حاكم؛ فالأب له أن يبيع لولده ويشتري، وفعله محمول على السداد حتى يثبت خلافه، [ولا يشترط في بيعه ما يذكر بعدُ في الوصي لمزيد شفقته، إلا أن يشتري لولده من نفسه فيحمل على غير النظر حتى يثبت خلاله]، ولو باع من نفسه ولم يذكر أنه باع لولده فالبيع ماضٍ ولا اعتراض فيه للابن إذا رشد، قاله ابن القاسم في الواضحة، والثمانية.
فإن باع لمنفعة نفسه فسخ عند أصبغ بعد أن كان يمضيه ثم رجع إلى مذهب ابن القاسم وغيره: أنه إذا تحقق أنه باع لمنفعة نفسه فسخ. حكاه عن أصبغ ابن حبيب.
وأما الوصي فهو أخفض رتبة من الأب؛ لأن الأب يبيع من غير ذكر سبب، بخلاف الوصي، فإنه لا يبيع إلا بعد ذكر سببه، ولا يجوز له أن يهب مال محجوره للثواب
[ ٦ / ٢٤٣ ]
بخلاف الأب، وفعل الوصي محمول على السداد حتى يثبت خلافه، قاله جماعة من الأندلسيين وغيرهم، وقال أبو عمران وغيره من القرويين: فعله في الرباع محمول على عدم النظر حتى يثبت خلافه، قال: وهو معنى ما في الموازية، قال: وإنما فرقنا بينه وبين الأب؛ لأنه في الكتاب كلما سئل عن الأب أطلق القول بجواز بيعه، إلا أن يكون على غير وجه النظر، وإذا سئل عن الوصي قال: لا يجوز بيعه إلا أن يكون نظرًا، وحيث قلنا بجواز بيعه أو منعه فذلك ما لم يبين السبب الذي لأجله بيع، فإن بينه فلا يختلف في جواز بيعه ويضمن العقد معرفة الشهود لذلك، وإذا اقتصر على ذلك ولم يضمنه فقد لا يختلف في الجواز أيضًا وهو ظاهر [٥٣٦/أ] ما حكاه ابن القاسم الموثق، ونص كلامه: ومن تمام العقد أن يُضَمَّنَ معرفة الشهود السداد في البيع وأنه أولى ما بيع عليه إن كان له سواه، وإن سقط هذا من العقد كان فعل الوصي محمولًا على السداد حتى يثبت خلافه، هذا هو المشهور، وقيل: لا يجوز بيع الوصي حتى يبين الوجه الذي لأجله وجب البيع. فقوله: (حتى يبين الوجه) يقتضي أنه إذا بينه لا يختلف في جواز بيعه، وظاهره أنه يكتفي فيه بذكره من غير احتياج إلى إثباته، وقد نص في الطرر على أن بيعه جائز، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله وعلى ما قاله أبو عمران: لا يتم البيع حتى يشهد الشهود بمعرفة السداد، وأن الوصي باع لغبطة أو لحاجة فيتم له الشراء، [ويؤيده ما حكاه ابن زياد في أحكامه أنه إذا أقيم فيما باعه الوصي فعلى المشتري أن يثبت أنه اشترى شراء صحيحًا، وأن الوصي باع لغبطة أو لحاجة ويتم له الشراء]، وفي الطراز قال ابن المواز: إذا باع الوصي عقار اليتيم مضى فعله وجاز، ما لم يكن فيه غبن في الثمن مما لا يتغابن الناس فيه، وإن لم يكن شيء من الوجوه المذكورة، فإذا باع نفذ بيعه، وهو قول الشيوخ قديمًا وبه العمل، وقال ابن عبد الغفور: هذا خلاف ما تدل عليه أقاويلهم، ثم عدَّد الأسباب التي يبيع الوصي العقار لها، ثم قال: ولو أوصى رجل لابنته وأوصى أن يبيع عليها مالها وأصولها جاز ذلك وإن لم تكن حاجة، إذا كان ذلك نظرًا كالنكاح.
[ ٦ / ٢٤٤ ]
وأما الكافل ففي بيعه عن مكفوله أربعة أقوال:
أحدها: المنع مطلقًا، قاله مالك في كتاب القسم من المدونة في مسألة من كفل ابنًا صغيرًا أو ابن أخ، قال: لا يجوز بيعه عليه ولا قسمه له.
ثانيها: الجواز مطلقًا، قال ابن الماجشون في الواضحة: أجاز مالك وغيره من العلماء نظر العم وغيره [كالأم] والأخ وابنه الرشيد لليتيم دون تقديم السلطان أو إيصاء من الأب، وأجازوا له ما يجوز للوصي إذا أحسن النظر ولم يتهم، ويؤيده أن مالكًا أجاز لملتقط الطفل أن يحوز له ما وهب له دون أن يجعل السلطان له ذلك، وأجاز في النكاح إنكاحه لمكفولته وقال: من أنظر لها منه؟!
أبو كبر بن عبد الرحمن وغيره: وإذا جاز إنكاحه فبيعه أولى.
وثالثها: الجواز في بلد لا سلطان فيه، والمنع في بلد في السلطان، قاله ابن الهندي.
رابعها: الجواز في اليسير: قاله في العتبية: وبه قال أصبغ، وبه جرى العمل، واختلف في حد اليسير، فقال ابن زرب: ثلاثون دينارًا ونحوها، وقال ابن العطار: عشرون دينارًا ونحوها، وقال ابن الهندي: عشرة ونحوها، وإذا أقيم على المبتاع فيما باعه الكافل فعليه أن يثبت حضانة البائع وحاجة المبيع عليه والسداد في الثمن، وأنه أنفق الثمن عليه وأدخله في مصالحه، وأنه ليس له مال غيره، وأنه أولى ما بيع عليه من عقاره، وأنه يضمن ذلك عقد البيع آخرًا، ولو رفع ذلك الكافل إلى القاضي لم يأمره بالبيع حتى يثبت عنده يُتْم المبيع عليه وملكه لما يباع عليه وحاجته للبيع والسداد في الثمن والاشتراك إذا كان المبيع مشتركًا.
ولما رأى الفقهاء أن اليتيم ربما ضاع قبل إثبات ذلك عند القاضي أجازوا للكفيل البيع دون مطالعته حسب ما قدمناه وإلى هذا المعنى أشار ابن العطار، وأما القاضي فله أن بيبع على اليتيم إذا ثبت عنده يتمه [وإهماله] وملكه لما باع عليه، وأنه لا شيء عنده يباع
[ ٦ / ٢٤٥ ]
غير ذلك، وأنه أولى ما يبيع عليه، وحازه الشهود على من شهد عنده بالملكية وقبول من يقدمه للبيع لما كفله من ذلك، وتسويق المُقَدم للبيع وأنه لم يُلْف على ما أعطى زائدًا والسداد في الثمن، واختلف هل عليه أن يصرح باسم الشهود الذين ثبت بهم عنده ما أوجب البيع أم لا على قولين. انتهى كلام ابن راشد.
وَلِلْوَلِيِّ النَّظَرُ فِي قِصَاصِ الصَّغِيرِ أَوِ الدِّيَةِ وِلا يَعْفُو
لولي الصغير أبًا أو غيره أن ينظر في القصاص الذي وجب للصبي، إما بجناية عليه أو على وليه في القصاص أو أخذ الدية، فإن كان غنيًا ولا حاجة له بالمال فالقصاص أولى، وإلا فالعكس. قال في المدونة: وليس للأب أن يعفو إلا أن يعوضه من ماله.
(وِلا يَعْفُو) أي في العمد والخطأ.
وَلا يُعْتِقُ وِلا يُطَلِّقُ إِلا بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ
يعني: وليس لولي الصغير أبًا أو غيره أن يطلق عليه إلا بعوض، ولا أن يعتق عبدًا من عبيده، ويرد العتق إلا أن يكون الأب موسرًا فيجوز ذلك على الأب، ويضمن قيمته في ماله، قاله مالك في كتاب الشفعة.
وَللأبِ ذَلِكَ فِي الأُنْثَى الْمُجْبَرَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِنَّ، وَفِي الْبَالِغِ السَّفِيهِ: قَوْلانِ
أي: للأب أن يخالع عن الأنثى المجبرة. (وَفِي غَيْرِهَا إلخ) تقدم ذلك في الخلع، وعين هنالك في السفيه: المشهور أنه لا يخالع عليه.
[ ٦ / ٢٤٦ ]
وَيَعْفُو عَنْ شُفْعَةٍ لِمَصْلَحَةٍ فَتَسْقُطُ
أي: لأن الأخذ بالشفعة شراء، وقد يكون لمصلحة وقد لا يكون، فإذا رأى الإسقاط ملصحة لا يكون للصبي أن يأخذ بالشفعة إذا رشد، وإن كان الأخذ هو المصلحة وترك ذلك كان له الأخذ إذا رشد، وستأتي هذه المسألة في الشفعة.
وَلِسَّيِّدَ الْحَجْرُ عَلَى رَقِيقِهِ مُضَيِّعًا أَوْ حَافِظًا
لما انقضى كلامه على الأسباب الثلاثة؛ يعني الصبا والجنون والتبذير شرع في الرابع، وذكر أن للسيد أن يحجر على رقيقه، وإن كان العبد حافظًا؛ لأن له حقًا في ماله انتزاعًا.
(وحافظًا ومضيعًا) منتصبان على الحال من رقيقه؛ لأن الرقيق على ما ذكره الجوهري للواحد والجمع، فلذلك جاء حاله مفردًا.
وَحُكْمُ مَنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي التِّجَارَةِ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لَهُ فِيهَا
أحال حكم العبد المأذون له في التجارة على حكم الوكيل المفوض، اعتمادًا على ما سيأتي، [٥٣٦/ب]- وقد يشبه المصنف في كتابه بما سيأتي وقد تقدم تنبيهنا على ذلك -[أو لقيد] الحكم في الجميع.
واعلم أنه إن أذن له في التجارة من غير تقييد كان كالمفوض فيها بلا إشكال، وإن خصه بنوع فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه كذلك، وبه قال أصبغ، وقال سحنون: ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به، قال في المقدمات: وكذلك يلزم من قوله: (إذا حجر عليه في التجارة) في نوع من الأنواع، وعلى المشهور فقيد ذلك بعض الصقليين بأن لا يشهر ذلك ويعلنه، وأما إن أشهره فلا يلزمه.
ابن رشد: وهو صحيح في المعنى قائم من المدونة والعتبية. وعارض اللخمي مذهب ابن القاسم بما قاله ابن القاسم في المقارض يدفع له المال على أن يتجر في صنف: أنه إن تجر في
[ ٦ / ٢٤٧ ]
غيره كان متعديا؛ وعلى هذا فيحمل قول المصنف: (أذن في التجارة) على أن المراد جنسها، وسواء أذن له إذنًا مطلقًا أو مقيدًا ليوافق المشهور. قال في المدونة: وإن أقعده ذا صنعة مثل قصارة ونحوها فلا يكون ذلك إذنًا في التجارة ولا في المداينة، وكذلك إن قال لعبده: أدِّ لي الغلة، فليس بمأذون في التجارة.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ أَوْ يُؤَخِّرَ أِوْ يَعْمَلَ طَعَامًا إِلا اسْتِئْلافًا لِلتِّجَارَةِ
أي: ليس للمأذون أن يضع من الدين أو يؤخره أو يعمل طعامًا يدعو الناس إليه ولو كان عقيقة لولده، قاله في المدونة: والاستثناء عائد على الجمل المتقدمة، صرح بذلك في المدونة، وذهب سحنون إلى أنه لا يجوز التأخير بالثمن؛ لأنه إن لم يكن لمنفعة فواضح، وإلا فهو سلف جر نفعًا، وأجيب باختيار ابن القاسم الثاني ولا يلزم عليه المنع؛ لأنها منفعة غير محققة، وأيضًا فإنه منقوض بالحر، فإنه يجوز له التأخير بالأثمان طلبًا لمحمدة الثناء، وقيد اللخمي جواز التأخير بما إذا لم يبعد الأجل، والوضيعة بما إذا لم تكثر، قال في المدونة: ولا يجوز للعبد أن يعير من ماله جارية مأذونًا كان أو غير مأذون، وكذلك العطية. ابن المواز: وقال غيره لا بأس أن يعير دابته إلى المكان القريب ويعطي السائل الكسرة والقبضة.
وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ، وَالْهِبَةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَيَقْبَلُهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ
أي: فللمأذون أن يتصرف فيما أوصى له به أو وهب له ونحوهما: كالصدقة، وله أن يقبل ذلك بغير إذن سيده، وأقيم من المدونة أنه ليس للسيد أن يمنعه من قبول الهبة؛ لأن فيها: وما وهب للمأذون وقد اغترقه دين فغرماؤه أحق به من سيده ولا يكون لغرمائه من عمل يده شيء، ولا من خراجه، وإنما يكون ذلك في مال وهب للعبد أو تصدق به عليه أو أوصى له به، فقبله العبد.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
عياض: وهذا ظاهر في أن السيد لا يمنعه من قبوله، وظاهره أن الغرماء لا يجبرونه على قبوله، أبو محمد صالح: وظاهره سواء وهب لأجل الدين أم لا.
خليل: ولو قيل: إن لسيد أن يمنعه من قبول الهبة ونحوها كان حسنًا للمنة التي تحصل على [السيد].
تنبيه: واختلف الشيخان في قوله: (وإنما يكون ذلك في مال وهب للعبد)، فقال ابن القابسي: هذا بشرط أن يوهب له لأجل وفاء الدين، وأما إن لم يوهب له لذلك فهو كالخراج يكون السيد أحق به، وقال أبو محمد: الغرماء أحق سواء وهب له بشرط الوفاء أم لا.
وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَاذُونِ
التشبيه راجع للقبول فقط؛ لأن التصرف إنما يكون للمأذون إلا أن يكون الواهب أو الوصي شرط في هبته أو وصيته ألا حجر عليه فيها، فينبغي أن يمضي ذلك على شرطه كما قال بعضهم في السفيه والصغير. قاله ابن عبد السلام.
وَفِي إَمْضَاءِ أَخْذِ الْمَاذُونِ الْقِرَاضَ وَإِعْطَائِهِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ
لا يدل قوله: (وَفِي إَمْضَاءِ) على الجواز ابتداء، وفي المدونة في باب القراض: وللمأذون دفع القراض وأخذه. ووافق سحنون أشهب على أنه ليس له ذلك، وسبب القولين: هل ذلك من باب التجارة فيجوز للإذن فيها أو الإجارة فيمتنع؟ وإنما يظهر التعليل في التجارة في أخذه، وأما في إعطائه فعلل اللخمي منع أشهب بأنه إيداع للمال ولم يؤذن فيه، والمساقاة كالقراض، قيل: وإن أخذ المأذون له القراض فربح فيه فما أخذ من الربح فهو مثل خراجه لا يقضى منه دينه ولا يتبعه إن عتق؛ لأنه إنما باع منافع نفسه بذلك فأشبه أن لو استعمل نفسه في الإجارة.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
وَيَتَعَلَّقُ دِينَهُ بِمَا فِي يَدِهِ ثُمَّ بِذِمَّتِهِ إِذَا عُتِقَ لا بِرَقَبَتِهِ وَلا بِسَيِّدِهِ
يعني: ويتعلق الدين الواجب على المأذون بسبب التجارة أو ما في معناه من وديعة استهلكها بالمال الذي في يده، فإن فضل شيء تعلق بذمته إذا عتق، وإتيان المصنف بـ (ثُمَّ) الدالة على التراخي يدل على أنه لا يتعلق بذمته قبل العتق، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كما قال المصنف أنه لا يتعلق بذمته قبل العتق لما كان للغرماء أخذ الهبة بشرط أن يوهب له لأجل وفاء الدين، وقلما يوجد ذلك، فلا يتأتى الطلب إلا بعد العتق وفيه تسليم إمكانه، وإن قل لهو وارد عليه، وأيضًا فإن الأخذ هو القليل، وأما الدين فهو متعلق بالذمة، والله أعلم.
وقوله: (لا بِرَقَبَتِهِ) تنبيهًا منه على مذهب أبي حنيفة أنه يتعلق برقبته، وحكي عن سحنون.
وَتُبَاعُ أُمُّ وَلَدِهِ
واعلم أن أم ولد المأذون ليس فيها طرف حرية، وإلا لكانت أرفع حالًا من سيدها؛ إذ ليس فيه هو طرف من حرية فلذلك بيعت في الدين وجاز بيعها في غيره، بشرط أن يأذن سيده. أبو محمد وغيره: والعلة في أنه لا يبيع المأذون له أم ولده إلا بإذن سيده؛ لأنها قد تكون حاملًا وحملها للسيد، ويكون قد باع عبدًا للسيد بغير أمره، وعلل ذلك بعضهم بأن العبد إذا عتق تكون له أم ولد بالولد الذي ولدته في حال رق سيدها على قول؛ فلذلك [٥٣٧/أ] لم يبعها بذلك إلا بإذن سيده وهذا مبنى على مراعاة الخلاف، وهذا لو كان كما ذكرنا لما جاز له البيع ولو أذن له سيده، وأورد على الأول أنه يلزم منه عدم جواز بيع المأذون الأمة الموطوءة، وإن لم تحمل لاحتمال أن تكون حاملًا، وأجيب بأن أم الولد قد صارت خزانة للمأذون بإيلادها المتقدم بخلاف إذا لم تلد.
فرع: وإذا قام الغرماء على المأذون وأمته ظاهرة الحمل فقال اللخمي: يؤخر بيعها حتى تضع ويكون ولدها للسيد، وتباع بولده، ويقوم كل واحد بانفراده قبل البيع ليعلم
[ ٦ / ٢٥٠ ]
كل واحد منهما ما يبيع به ملكه، وإن لم تكون ظاهرة الحمل وبيعت في الدين ثم ظهر حمل، فهل للسيد فسخ البيع لحقه في الولد أم لا؟ قولان، وأما إن باعها بغير إذن سيده ولم يظهر حمل لا ينتقض البيع، ولم يذكروا في ذلك خلافًا، وأما إن باع المأذون من أقاربه من يعتق على الحر فباعه بغير إذن سيده، فاختلف الشيوخ في نقض ذلك البيع، فقال بعض من سلم أن بيع أم الولد لا ينقض: إنه ينقض هذا البيع، وقال غيره: لا ينقض.
دُونَ وَلَدِهِ إِلا أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ
أي: دون ولده، فإنه لا يباع في دينه؛ لأنه مال للسيد إلا أن يشتريه وعليه دين، فإنه يباع حينئذٍ للغرماء؛ لأنه أتلف أموالهم.
وَهُوَ فِي قِيَامِ الْغُرَمَاءِ وَالْحَجْرِ كَالْحُرِّ، وَقِيلَ: يَحْجُرُ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: مَا لَمْ يَطُلْ تَجْرُهُ
يعني: والمأذون في قيام غرمائه وحجرهم عليه كالحر فلا يكون ذلك للسيد، وإنما يكون لحاكم، ولهذا قابله بقوله: (وَقِيلَ: يَحْجُرُ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ).
ومقتضى كلام المصنف أن الأول هو المشهور لتصديره به وعطفه عليه بـ (قِيلَ)، وهو قول ابن القاسم، فقد نقل عنه ابن حارث أنه لو أراد السيد الحجر عليه لا يجوز له ذلك إلا بإذن السلطان، وفي المدونة لا ينبغي لسيد المأذون أن يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس ويؤمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك منه، ثم قال: وليس للغرماء أن يحجروا عليه إلا عند السلطان، وإنما لهم أن يقوموا عليه فيفلسوه وهو كالحر في هذا، فانظر قوله: (ينبغي) هل معناه الوجوب، بدليل آخر كلامه وما نقله ابن حارث، وعلى هذا حمل المدونة من تكلم على هذا الموضع من كلام المصنف أو هو على بابه، وإليه ذهب أبو الحسن؟
[ ٦ / ٢٥١ ]
وقوله: (وَقِيلَ: يَحْجُرُ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ) هذا القول نقله ابن شاس، وظاهر كلامه أن قول اللخمي ثالث، وإنما ذكره على أنه المذهب. ابن عبد السلام: ولا ينبغي أن يعدل عنه.
وَأَمَّا الانْتِزَاعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرَمَاءُ فَكَغَيْرِهِ
أي: كغير المأذون في الانتزاع إلا أن يتعلق حق الغرماء بما في يد العبد فلا يكون للسيد حينئذٍ الانتزاع.
وَإِذَا كَانَ تَجْرُهُ لِلسَّيِّدِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لِمْ يَجُزْ لِسَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ تَجْرٍ فِي خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ لِنَفْسِهِ فَفِي جَوَازِ تَمْكِينِهِ: قَوْلانِ
لأنه إذا تجر لسيده فهو كوكيل له فلذلك لا يجوز لسيده أن يمكنه من شراء خمر ونحوه، وأم إن تجر لنفسه وعامل أهل الذمة فقولان أجراهما اللخمي، على أنهم: هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فلا يمكَّن، أم ليسوا بمخاطبين فيمكَّن؟ وقد يجريان على أن من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ اللخمي: وكان لابن عمر ﵄ عبد نصراني يبيع الخمر فمات فورثه.
فرع: وأما العبد غير المأذون فروى أشهب عن مالك لا يُشترى من العبد الذي لم يؤذن له في البيع والشراء، وإن قل مثل الخف وشبهه، ولا يقبل قوله أنَّ أهله أذنوا له حتى يسألهم.
خليل: ولعل هذا لأن العبيد لا يبيعون ولا يشترون في عادتهم، وأما عندنا فالعبد يبيع ويشتري، لا سيما الشيء القليل، فينبغي أن يقبل قوله كما قبلوه في الهدية والاستئذان إذا قال: سيدي أهدي لك لهذا، أو أذن لك في الدخول، قال القرافي في قواعده: ويجوز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان، وهو مستثنى من الشهادة؛ لما يحتف به من القرائن والضرورة.
[ ٦ / ٢٥٢ ]
وَيُحجَرُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ فِيمَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْ أَكْلِهِ وَكِسْوَتِهِ وَتَدَاوِيهِ
لما في الصحيحين أن سعد بن أبي وقاص ﵁ سأل النبي ﷺ وهو مريض وقال: إنه لا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا». فقلت: بالشطر، فقال: «لا»، ثم قال: «الثلث والثلث كثير»، والمخوف الذي يخاف على صاحبه الموت، واحترز به مما دونه، فلا حجر على صاحبه، وسيأتي، وقيد الحجر بما زاد على حاجته، وأما حاجته فلا يحجر عليه فيها.
و(مِن) في قوله: (مِنْ أَكْلِهِ) لبيان الجنس، وحاصله أنه لا حجر عليه فيما يأكله ويتداوى به ويكتسي به، وإنما يحجر عليه فيما زاد على الثلث بالنسبة إلى العطايا، فإن فعل فقال المصنف:
وَيُوقَفُ كُلُّ تَبَرُّعٍ فَإِنْ مَاتَ فَفِي الثُّلُثِ وَإِلا فَكَإِنْشَاءِ الصِّحَّةِ
(كُلُّ تَبَرُّعٍ)؛ أي عتقًا كان أو غيره، وظاهره كان له مال مأمون أم لا. وهو قول مالك الأول، والذي رجع إليه في المأمون أنه ينفذ ما بتل من عتق أو غيره في المرض، قال في كتاب العتق: وليس المال المأمون عند مالك إلا في الدور والأرضين والنخل والعقار، فإن مات؛ أي بعد إيقافه، فتبرعه خارج من الثلث كالوصايا. (وَإِلا)؛ أي وإن لم يمت.
(فَكَإِنْشَاءِ الصِّحَّةِ) فيكون ذلك بمنزلة ما لو أنشأ ذلك التبرع في الصحة فيلزمه ذلك. وفي بعض النسخ: (وإلا استأنينا الصحة)، وهو ظاهر.
وَلا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الْمُعَاوَضَةِ، [٥٣٧/ب] وَالْمُحَابَاةُ فِيهَا مِنَ الثُّلُثِ
أطلق المعاوضة ليتناول البيع والشراء، والإجارة والقراض والمساقاة.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
ابن عبد السلام: لكن يدخل تحته النكاح والخلع؛ لأنهما من عقود المعاوضة، وليس للمريض فعلهما، فلو قيدها، فقال: (في المعاوضة المالية) لكان أحسن.
خليل: ولعله اعتمد على ما قدمه في النكاح والطلاق.
(وَالْمُحَابَاةُ فِيهَا مِنَ الثُّلُثِ) مثاله: لو باع سلعة بعشرين وهي تساوي أربعين، فإنه يجعل العشرين المتروكة في الثلث، وظاهر قوله: (والمحاباة في الثلث) أن ما عدا المحاباة يمضي، ولو كان مما تطلب فيه المناجزة كالصرف وهو مذهب أصبغ خلافًا لسحنون والهاء في قوله: (فِيهَا) للمعاوضات.
وَالْمَخُوفُ مَا يَحْكُمُ الطِّبَّ بِأنَّ الْهِلاكَ بِهِ كَثِيرٌ
مراده بالكثير أن يكون الموت من هذه الأشياء شهيرًا لا يتعجب من حصول الموت معه، لا أنه يكون الغالب من حال ذلك المرض الموت منه، كما هو ظاهر كلام المازري، وهو الذي يدل عليه كلامهم في الفالج ونحوه، والمراد بالطب أهله.
كَالْحُمَّى الْحَادَّةِ وَالسُّلِّ وَالْقُولَنْجِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالإِسْهَالِ بِالدَّمِ وَالْحَامِلِ تَبْلُغُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ
هذه أمثلة للمرض المخوف. (والْحُمَّى الْحَادَّةِ)؛ أي الشديدة التي يكثر معها شرب الماء، (السُّلِّ) بكسر السين: سعال يابس، (وَالْقُولَنْجِ): انقلاب المعدة حتى يتغوط من فيه.
وذات الجنب هي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه، واختلف: هل يحجر بمجرد دخول الحامل الشهر السادس أو حتى تكمله، ورأى المازري أنه لا يحكم لها في الستة ولا بعدها بحكم المريض؟ قال: وحكى بعضهم الإجماع على أنها في حالة الطلق كالمريض، فإن صح الإجماع، وإلا فمقتضى النظر أن لا يحكم لها بذلك؛ لأنه لو كان الموت عن هذا المرض غالبًا ألا تلد المرأة إلا مرة واحدة، والمعلوم خلافه، وهذا أيضًا يدل على أنه
[ ٦ / ٢٥٤ ]
اعتبر في المخوف كون الموت عنده أكثر، ابن القاسم: ويعلم بلوغها الستة بقولها، ولا يسأل عن ذلك النساء.
وَالْمَحْبُوسِ لِلْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ يِدٍ أَوْ رِجْلٍ إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ
أي: لقتل وجب عليه ببينة عادلة أو اعتراف، وأما إذا ادعى عليه القتل فحبس ليستبرئ أمره فلا، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن من قدم للقتل في قصاص أو رجم كالمريض.
وقوله: (أَوْ قَطْعِ يِدٍ أَوْ رِجْلٍ) ظاهره أنه معطوف على ما تقدم، فيكون محبوسًا لقطع يد أو رجل، وإنما ذكر في المدونة إذا قُرِّب لقطع يد أو رجل، ولا يلزم مما ذكره في المدونة ما ذكره المصنف؛ لأن الخوف فيمن قرب أكثر.
واعترضت هذه المسألة بأنه لو خيف عليه الموت بالقطع لم يقم عليه الحد، وأجاب بعضهم بأنه لم يقصد الكلام عليه، وإنما أجاب عن الفصل الذي سئل عنه، ولو سئل: هل يقام الحد على من هذا حاله؟ لقال: لا، وقيل: لعله مفروض فيمن كان من الحكام يرى قتله حينئذٍ صوابًا ويجهل ذلك، وأجاب القابسي بأن الخوف طرأ بعد إقامة الحد، وهو إحالة للمسألة لوجهين:
أحدهما: أنه قال في السؤال: قرب لضرب الحد.
والثاني: قياس ابن القاسم لها على حاضر الزحف الصحيح، ولو كان كما قال لكان مريضًا لا يختلف في فعله، وأجاب ابن أبي زيد بأن الخوف إنما حدث منه أو أدركه من الجزع ما يدرك حاضر الزحف، فحكم له بحكمه، وهذا أشبه وأولى، ولو كان القطع لحرابة لم ينبغِ أن يلتفت إلى الخوف عليه وأقيم الحد عليه على كل حال، وإن أدى حده للقتل.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وَحَاضِرِ الزَّحْفِ
هكذا قال الباجي أنه لا يحكم له بحكم المريض إلا إذا كان في صف المقاتلين وجملتهم، وأما إذا كان في النظَّارة أو متوجهًا للقتال قبل وصول الصف فلا، ولم أرَ في صف الرد نصًا، وأرى ألا يثبت له هذا الحكم إلا بالكون في صف المقاتلة.
بِخِلافِ الْمُلَجَّجِ فِي الْبَحْرِ وَالنِّيلِ وَقْتَ الْهَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ
القولان لمالك في المدونة، ففيها وراكب البحر والنيل حين الخوف والهول، قال مالك، أفعاله من رأس ماله، وروى عنه أنها من الثلث، ونص المسألة عند ابن يونس: فمن طلق زوجته وهو في سفينة أو في لجج البحر أو النيل أو الفرات أو بالدجلة أو بطائح البصرة، قال: قال مالك: إذا أصاب أهل البحر النوء والريح الشديد، فخافوا الغرق فأعتق أحدهم عبدًا في تلك الحال فهو من رأس المال، ولا يشبه هذا الخوف، وقد روي عن مالك أن أمر راكب البحر في الثلث.
ابن المواز: والطلاق على نحوه هذا من الاختلاف، وقد علمت أن المراد بقول المصنف: (وَقْتَ الْهَوْلِ) وقت حصوله لا وقت زمانه.
وذكر في البيان في راكب البحر في الوصايا ثلاثة أقوال:
الأول: إجازة أفعاله على كل حال، قال: وهي رواية ابن القاسم عنه في المدونة.
والثاني: أن فعله لا يجوز على كل حال وهو ظاهر ما حكاه سحنون عن مالك في المدونة.
الثالث: الفرق بين حال الهول فيه وحال غير الهول، وهو دليل قول غير ابن القاسم في العتبية قال: وهو أشهر الأقوال وأولاها بالصواب؛ لأن راكب البحر حال الهول أخوف على نفسه من المريض.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
ابن عبد السلام: واختلف فيمن جمحت به دابته، فظاهر قول مالك وأشهب وابن وهب أن حكمه كالمريض، وقال ابن القاسم: حكمه كالصحيح.
بِخِلافِ الْجَرَبِ، وَالضِّرْسِ، وَحُمَّى يَوْمٍ وَحُمَّى الرُّبُعِ وَالرَّمّدِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِجِ
لأن الغالب على أصحاب هذه الأمراض السلامة، والموت منها نادر، وينبغي أن يرجع في هذا إلى ما يقوله ثقات الأطباء، فربما أزمنت حمى الربع وخيف منها الموت [٥٣٨/أ]، ولهذا قال في المدونة: وأما المفلوج وصاحب حمى الربع والأجذم والأبرص وذو القروح والجراح، فما أقعده وأضناه وبلغ فيه حد الخوف عليه فحكمه حكم المريض، وما لم يبلغ فيه ذلك فحكمه حكم الصحيح، وكأن المصنف إنما تكلم على هذه الأمراض بمجردها، من غير أن تُقعد وتُضني، والله أعلم.
وَيَحْجُرُ الزَّوْجُ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمُعَاوضَةٍ
هذا هو السبب السابع وخالفنا فيه أبو حنيفة والشافعي، ودليلنا ما رواه أبو داود والنسائي عن دواد بن أبي هند وحبيب المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها».
وفي النسائي أيضًا عن حبيب المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قام خطيبًا فقال في خطبته: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» قال يحيى القطان: إذا روي عن عمرو بن شعيب فهو ثقة، وداود وحبيب ثقتان خرَّج لهما الأئمة، ولأن للزوج حقًا في التجمل بمالها، ولذلك تزوجها، فلو كان لها أن تتصرف فيه وتهب بغير إذنه لأضر ذلك به.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وقوله: (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ)؛ يعني: وأما الثلث فما دونه فلا حجر عليها في ذلك، إما لأنها لما كانت محجورًا عليها لغيرها كانت كالمريض، فيكون من باب تخصيص الخبر بالقياس، وإما لما في الصحيحين أنه ﷺ خطب يوم عيد وأتى النساء فقال: «تصدقن» فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن.
فيجمع بين الحديثين بجواز اليسير دون الكثير، والثلث هو اليسير المأذون فيه؛ لقوله ﷺ: «الثلث والثلث كثير» لاسيما وقد روى ابن حبيب أنه ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أن تعطي من مالها شيئًا له بال بغير إذن زوجها"، وشمل الزوج العبد، وهو ظاهر المذهب، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك، وقال ابن وهب في العتبية: العبد بخلاف الحر لزوجته الحرة أن تتصدق بجميع مالها. أصبغ: وليس بشيء وله من الحق ما للحر. محمد: ولولي السفيه أن يحجر على زوجته، ومفوم كلام المصنف أنه لا يمنعها من الثلث فأقل، ولو قصدت به الضرر، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في الواضحة، وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب عن مالك: إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج فله رده. واختاره ابن حبيب، وقيل: إن ضرت بالثلث رد لا بأقل.
قوله: (أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) يدخل فيه التدبير، وهو قول ابن الماجشون، ولمالك في رواية ابن القاسم ومطرف أنه يمضي وإن زاد على الثلث، واختلف أيضًا إذا أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره، فقال ابن القاسم وابن أبي حازم: ذلك ماضٍ، وقال ابن الماجشون: هو مردود.
واحترز (بِمَا لَيْسَ بِمُعَاوضَةٍ) من البيع والشراء ونحوهما فلا حجر عليها في ذلك، واختلف: هل لها أن تقرض كالبيع - وهو قول ابن دحون؛ لأنها تقتضيه - أم لا كهبتها، وهو قول ابن الشقاق؟ ومنع في المدونة كفالتها؛ أي في أكثر من الثلث، واحتج به من منع قرضها، وفرق بأن في القرض هي الطالبة وفي الحمالة هي المطلوبة.
[ ٦ / ٢٥٨ ]
وَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يَرُدَّهُ الزَّوْجُ، وَقِيلَ: مَرْدُودٌ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِذْنُهُ
ضمير (هو) عائد على (ما) في قوله: (فِيمَا زَادَ) والقول الأول هو قول ابن القاسم رواه عن مالك، وقاسه على عتق المديان وبه قال أصبغ، قال في المقدمات: وهو المعلوم من قول مالك وأصحابه. والقول الثاني لمطرف وابن الماجشون وفرق بينها وبين المديان بأن الغرماء لا يصح لهم رد إلا بثبوت الدين واغتراق الذمة بالبينة، وهذا زوج لا يكلف البينة.
ومن ثمرة هذا الخلاف ما قاله ابن رشد لو اختلف الزوجان فيما أعطته: هل هو الثلث أو أزيد؟ فمن جعل عطيتها على الرد قال: القول للزوج ومن جعل عطيتها على الإجازة قال: القول للمرأة.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأيَّمَتْ مَضَى اتِّفَاقًا
يعني: فإن لم يعلم الزوج بعطيتها أكثر من الثلث حتى تأيمت الزوجة بطلاق الزوج أو بموته مضى ما أعطته، ولم يكن للزوج ولا لورثته مقال باتفاق، أما على القول بأن فعلها على الجواز حتى يرد فظاهر، وأما على الآخر فلأن الزوجية معتبرة شرطًا في الرد وقد فقدت، ورد ابن يونس قول مطرف وابن الماجشون إن فعلها على الرد بالاتفاق في هذه المسألة، قال: لأنه إذا كان على قولهما على الرد فينبغي إذا تأيمت أن يكون لها الرجوع فيه؛ لأنه لم يزل مردودًا. ابن عبد السلام: وظاهر كلام ابن حبيب وجود الخلاف في موت الزوج هل لورثته مقال؟ والخلاف موجود فيما إذا رد الزوج فعلها ولم يخرج من يدها حتى تأيمت.
وَحَتَّى مَاتَتْ: فقَوْلانِ
أي: وإن لم يعلم الزوج بعطيتها حتى ماتت، فقال ابن القاسم: ذلك ماضٍ كتأيُّمها، وقال ابن حبيب: إذا لم يعلم الزوج بما فعلت من عتق وعطية حتى ماتت هي: أو لم يعلم
[ ٦ / ٢٥٩ ]
السيد بفعل العبد حتى مات، فذلك مردود لأن لهما الميراث، ولعل القولين مبنيان على أن فعلها هل هو على الإجازة أو على الرد؟
وَإِذَا تَبَرَّعَتْ بِمَا زَادَ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ الْجَمِيعَ أَوْ يَرُدَّهُ، وَقِيلَ: أَوْ يَرُدَّ مَا زَادَ خَاصَّةً كَالْمَرِيضِ، سِوَى الْعِتْقِ لأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ
(بما زاد) ظاهره قلَّت الزيادة أو كثرت، وهو قول ابن نافع وقال ابن القاسم في المدونة: إذا زاد كالدينار ونحوه نفذ الجميع.
قوله: (أَوْ يَرُدَّهُ)؛ أي الجميع، وهذا قول ابن القاسم في المدونة والقول بأنه لا يرد إذا زادت إلا ما زاد على الثلث هو للمغيرة، وشبه ذلك بالوصايا وبقوله [٥٣٨/ب] قال ابن الماجشون وزاد فقال: وأما العبد فيعتق جميعه أو يرده؛ لئلا يعتق المالك للجميع بعض عبده بلا استتمام، ونقله ابن يونس عن مالك وابن القاسم وابن أبي حازم ومطرف وابن دينار والمغيرة وغيرهم.
وهذا هو قصد المصنف بقوله: (سِوَى الْعِتْقِ)؛ لأنه لا يتبعض. ابن راشد: وقال ابن القاسم: يعتق ثلثه فقط، وإن كره الزوج، ورواه عن مالك، وعلى هذا فقوله: (سِوَى الْعِتْقِ) ليس متفقًا عليه.
وقول المصنف في القول الثاني: (وَقِيلَ: أَوْ يَرُدَّ) صوابه إسقاط (أَوْ).
فإن قلت: فما الفرق على المشهور هنا في أن للزوج رد الجميع وبين المريض والموصي، فإنه لا يرد لهما إلا ما زاد على الثلث، قيل: لأن الأصل إبطال الجميع في الثلاث مسائل؛ لكونه وقع على وجه الممنوع، وأبطلناه في حق الزوجة؛ لأنها يمكنها استدراك غرضها بإنشاء الثلث ثانيًا بخلاف المريض والموصي، فإنا لو أبطلنا الجميع لم يمكن استدراك الغرض بموت المعطي، والله أعلم.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ التَّبَرُّعِ بِالثُّلُثِ التَّبَرُّعُ بِبَقِيَّتِهِ إِلا فِي مَالٍ آخَرَ
ظاهره سواء كان بين التبرعين زمان قريب أو بعيد، وهو قول عبد الوهاب.
اللخمي: وهو أحسن. ابن راشد: وهو أصح. ووجهه المازري ها هنا بأنها لو أجيز لها بعد إخراج الثلث من هذا المال بعينه للزم أن تفنيه في كرَّات وهو خلاف المقصود، لكن فإن المعروف من المذهب أنه لا يمنعها مطلقًا، فقد قال ابن المواز: إذا تصدقت بثلث مالها ثم بثلث ما بقي، وبَعُدَ ما بين العطيتين تمضي الصدقتان، وحدَّه ابن سهل بالسنة فما فوقها، وفصل أصبغ فقال: إذا أعتقت رأسًا ثم رأسًا والزوج غائب ثم قدم، فإن كان بين ذلك ستة أشهر فكل واحد عتق مؤتنف ينظر فيه: هل يحمله الثلث أم لا؟ وإن كان بين ذلك اليوم واليومان فإن حمل جميعهم الثلث وإلا رد جميعهم، كعتقها لهم في كلمة وإن كان بين ذلك مثل الشهر والشهرين مضى الأول إن حمله الثلث ورد ما بعده، وإن حمله الثلث؛ لأن مخرجه للضرورة، ورده ابن يونس وغيره بأنه إذا كان مجموعهما الثلث فينبغي أن يجوز، كما لو كان بكلمة واحدة إلا أن يعلم أنها قصدت الضرر فيدخله الخلاف المتقدم.
ابن عبد السلام: الأقرب ما قاله المؤلف، لكن طرده يقتضي أنها لو تصدقت بسدس مالها أو بربعه، ثم أرادت بعد ذلك بزمان طويل أن تتصدق لم يكن لها إلا تمام الثلث إن لم يتزايد مالها.
* * *
[ ٦ / ٢٦١ ]
الصُّلْحُ: مُعَاوَضَةٌ - كَالْبَيْعِ -، وَإِبْرَاءٌ، وَإِسْقَاطٌ
النووي: الصلح والإصلاح والمصالحة والاصطلاح: قطع المنازعة، وهو مأخوذ من صلح الشيء بفتح اللام أو ضمها إذا كمل، وهو خلاف الفساد، يقال: صالحته مصالحة وصِلاحًا بكسر الصاد، ذكره الجوهري وغيره، والصلح يذكر ويؤنث، وقد يقال: اصطلحا واصَّالحا وتصالحا، وروى الترمذي وحسنه أنه ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا».
وقوله: (مُعَاوَضَةٌ إلى آخره) الظاهر أنه قصد بالإبراء والإسقاط شيئًا واحدًا؛ لأنه كذلك في الجواهر والتلقين، ولأن المصنف إنما تعرض للكلام على الإبراء، فلو كان الإسقاط مباينًا له لتعرض له، ويحتمل أن يكون قسمه إلى ثلاثة أقسام، وهو الأليق باختصار المصنف، وإنه لا يذكر لفظة زائدة، وإلى هذا ذهب ابن عبد السلام وقال: المعاوضة أخذ ما يخالف الشيء المدعى فيه إما في الجنس أو الصفة، والإبراء إسقاط بعض ما في الذمة إذا كان المدعى فيه غير معين، والإسقاط وضع بعض المدعى فيه المعين، كدار أخذ بعضها، وقيل: استعمل الإسقاط للعيب والإبراء لترك البعض، وقال ابن راشد: والإبراء أعم من الإسقاط لوجوده مع عدم ثبوت الحق في الإبراء من التهم ومع ثبوته في الإبراء في الديون الثابتة، وأما الإسقاط فلا يكون إلا في الحقوق الثابتة. واعترضه ابن عبد السلام بأن المصنف لم يتعرض للإبراء من التهم فلا يحسن أن يقال: إن المصنف أراده وإن كان صحيحًا من جهة اللغة.
[ ٦ / ٢٦٢ ]
فَالصُّلْحُ عَنِ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَعَنِ الْبَعْضِ إِبْرَاءٌ عَنِ الْبَعْضِ، وَالْوَضِيعَةُ لازِمَةٌ
أي: إذا ادعى عليه دينًا فأقر به فصالحه عنه، فإن صالحه عن جميعه بعرض يأخذه منه فذلك كبيعه منهن فيشترط في الصلح ما يشترط في بيعه، وإن صالحه عنه بترك بعضه فهو إبراء عن البعض وما وضع عنه فهو لازم له؛ لأنها هبة مقبوضة، ويشترط فيها قبول الموهوب في حياة الواهب، وهي يكفي في ذلك قبول الموهوب له بعد موت الواهب؟ فيه قولان.
وَيُقَدَّرُ الدَّيْنُ وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ
أي: ويقدر الدين المدعى فيه والمقبوض عنه كالعوضين في البيع؛ أي كما لو باع الدين بعوض فما يجوز في البيع يجوز في الصلح، وما يمتنع يمتنع.
فَيُعْتَبَرُ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ
عطف بالفاء لأنه كالنتيجة عما قبله، و(ضَعْ وَتَعَجَّلْ) يكون في العين وغيرها، كما لو ادعى عليه بعشرة دراهم أو عشرة أثواب إلى شهر فأقر بذلك ثم صالحه على ثمانية نقدًا.
(وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ) إنما يكون في غير العين، كما لو ادعى عليه بعشرة أثواب إلى شهر فصالحه على اثني عشر نقدًا، وإن صالحه عنها بدنانير أو دراهم مؤجلة لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين، وهذا معنى قوله: (وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ)، وكذلك يعتبر الصرف المؤخر كما لو صالحه عن [٥٣٩/أ] دنانير مؤجلة بدراهم أو بالعكس، وكذلك يعتبر بيع الطعام قبل قبضه، فلا يجوز لمن ادعى بطعام من بيع أن يصالح عنه بغيره، وكذلك يشترط معرفة ما يصالح عنه، فإن كان مجهولًا لم يجز، ولذلك اشترط في المدونة في صلح الولد للزوجة على إرثها معرفتها بجميع التركة وحضور أصنافها وحضور من عليه العرض وإقراره وإلا لم يجز، وكأن المصنف نبه بالموانع الثلاثة على ما عداها.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ، فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ مُبَايَعَةٌ بَعْدَ فَسْخِ الأُولَى فَيُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَفَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَأَشْهَبُ يَرَى الْبَيْعَ الأَوَّلَ بَاقِيًا، وَهَذَا عِوَضٌ عَنِ الإِسْقَاطِ فَيُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَفَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ
يعني: أن من اشترى سلعة ثم اطلع على عيب بها فقام به فأقر به البائع، أو قامت به بينة واصطلحا على شيء يدفعه له ويترك القيام بالعيب، فرأى ابن القاسم أن العقدة الأولى قد انحلت، وهذه إنشاء مبايعة أخرى، ورأى أشهب أن العقدة الأولى باقية، وما وقع به الصلح عوض عن القيام بالعيب.
ومنشأ الخلاف: من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ وأحسن من هذا أن يقال كما قال المازري وابن شاس وغيرهما: إن من خُيِّر بين شيئين هل يعد مالكًا لما يختاره قبل اختياره أم لا؟ فإن المتمسك بهذا المغيب ملك أن يتمسك أو يرد، فهل يقدر أنه مالك للرد قبل اختياره فيكون الصلح عما ملك، أو لا يكون مالكًا إلا لما اختاره وهو التمسك؟ واختار جماعة قول أشهب؛ لأن القيام بالعيب لا يلزم فيه حل البيع.
اللخمي: وهو أقيس إذا قام بالعيب ولم يقل رددت، فإن قال: رددت، فالجواب على قول ابن القاسم، وقد نقل القصار عن مالك أن قول المشتري: رددت، فسخ للبيع وإن لم يحكم بذلك. ويظهر ما بناه المصنف على كل قول بالتمثيل.
فَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ نَقْدًا وَنَقَدَهَا فَصَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِمُعَجَّلٍ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ جَازَ عِنْدَهُمَا
قوله: (عَبْدًا) مثال وتبع في فرض المسألة المدونة، وقيدها في المدونة بما إذا كان العبد باقيًا، وذكر للمسألة شرطين: أن يكون الشراء بالنقد، وأن يكون قد نقد الثمن، فإذا
[ ٦ / ٢٦٤ ]
صالحه بنقد أو عرض جاز عند ابن القاسم وأشهب، والجواز على قول أشهب واضح، وكذلك على قول ابن القاسم؛ لأنه لما انتقض البيع الأول وجب للمشتري عند البائع مائة، أخذ عوضًا عن تسعين منها عبدًا واسترد عشرة، ولهذا كان من شرط الجواز أن تكون العشرة من سكة المائة.
وهو معنى قوله: (مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ) أما إذا كانت من سكة أخرى فيمتنع؛ لأنه بيع ذهب وعبد بذهب.
فَلَوْ صَالَحَ بِعَشَرَةٍ إِلَى شِهْرٍ مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لأَنَّهُ اشْتَرَى حِينَئِذٍ الْعَبْدَ بِتِسْعِينَ وَأَخَّرَ الْعَشَرَةَ، وَجَوَّزَ أَشْهَبُ؛ لأَنَّهَا عَنِ الْعَيْبِ
منع ابن القاسم؛ لأنه لما انحلت العقدة الأولى وجب للمشتري في ذمة البائع مائة حالَّة اشترى بتسعين منها عبدًا وأخره بعشرة، وذلك سلف فصار العقد مشتملًا على البيع والسلف، وجوز أشهب؛ لأن العقدة الأولى عنده منعقدة فصارت العشرة المؤخرة مأخوذة لأجل العيب، وليس فيها سلف.
فَلَوْ صَالَحَ قَبْلَ نَقْدِهَا عَلَى تِسْعِينَ وَيُؤَخِّرُ الْعَشَرَةَ إِلَى أَجَلٍ، انْعَكَسَ الْقَوْلانِ؛ لأَنَّهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَاجِيلٌ لِبَيْعٍ مُسْتَانَفٍ، وَهُوَ جِائِزٌ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ: أَخَّرَهُ بِالْعَشَرَةِ لِيَسْقُطَ الْعَيْبُ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً
أي: لو كانت المسألة بحالها: اشترى عبدًا بمائة نقدًا، لكن لم ينقد المشتري المائة حتى اطلع على العيب فصالحه البائع على أن يأخذ منه الآن تسعين ويؤخره بالعشرة الأولى إلى شهر مثلًا انعكس القولان؛ أي في الصورة لأن ابن القاسم منع في الأولى وأجاز أشهب وهنا بالعكس، وإلا فكل باقٍ على أصله، وإنما أجازه ابن القاسم؛ لأنه لما انحلت العقدة الأولى لم يبق للبائع في ذمة المشتري شيء ثم باعه العبد بيعًا ثانيًا بمائة منها تسعون معجلة
[ ٦ / ٢٦٥ ]
ومنها عشرة مؤجلة، ولا مانع في ذلك، ومنع أشهب؛ لأن العقدة الأولى منعقدة فللبائع في ذمة المشتري مائة معجلة أخره منها بعشرة، وذلك سلف ليسقط عنه القيام بالعيب فيكون سلفًا جر منفعة، وهذا القدر كافٍ في تصوير كلام المصنف، وإلا فالمسألة يتصور فيها ست وثلاثون صورة، وبيان ذلك أنه إما أن يشتريه بدنانير أو بدراهم وينقدها، أو بدراهم ولا ينقدها أو بنقد مؤخر، وكل من هذه الثلاثة يتصور فيها اثنتا عشرة صورة، فيقال: إذا اشتراه بنقد ونقده فإما أن يصالح بدراهم أو بذهب أو بعرض فهذه ثلاثة، ثم كل منها ينقسم إلى قسمين: معجل ومؤجل، فهذه ستة، ثم للعبد حالتان: تارة يكون قائمًا وتارة يكون فائتًا، وكذلك الكلام فيما إذا اشتراه بدراهم ولم ينقد، أو بدراهم مؤجلة.
ولعل المصنف استغنى عن ذكر هذه الأقسام، ورأى أن من فهم ما ذكره يمكنه فهم ما تركه، ولنترك نحن أيضًا الكلام عليها تبعًا له؛ لأن القصد الأهم حل كلامه.
وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى ذَهَبٍ بِوَرِقٍ، وبَالْعَكْسِ إِذَا كَانَا حَالَّيْنِ وَعُجِّلَ
هذه المسألة راجعة [٥٣٩/ب] إلى صرف ما في الذمة، ومعنى كلامه أن من ادعى على رجل ذهبًا فأقر به فإنه يجوز له أن يصالح عنه بورق معجَّل وبالعكس، ولا شك في اشتراط تعجيل العوض، وأما حلول ما في الذمة فهو جارٍ على المشهور من أن المعجَّل لما في الذمة يعد مسلَفا، وأما على الشاذ أن الذمة تبرأ فيجوز وإن كان مؤجلًا، وعلى قول أشهب بمنع صرف مافي الذمة تمتنع المصالحة هنا.
وَالصُّلْحُ عَلَى الإَنْكَارِ وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنَ الْيَمِينِ: جَائِزٌ حُكْمُهُ، وَلا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ مِنْهُمَا
صورة الصلح على الإنكار أن يدعي عليه دارًا أو عبدًا أو غيرهما فينكره، ثم يصالحه على شيء، وصورة الافتداء من اليمين أن تتوجه اليمين على المدعى عليه فيفتدي منها
[ ٦ / ٢٦٦ ]
بمال، ثم ذكر المصنف أن الصلح على الأمرين جائز حكمه؛ أي جائز في ظاهر الحكم، ولا يحل للظالم فيما بينه وبين الله تعالى أن يأخذ ما لا يحل له، والمذهب جواز الصلح على الإنكار وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لعموم الحديث المتقدم خلافًا للشافعي وابن الجهم من أصحابنا.
فقول المصنف: (جَائِزٌ) خبر عن قوله: (وَالصُّلْحُ)، وهو واضح.
ابن هشام: وإن علم المدعى عليه ببراءته وطلبت منه اليمين فليحلف، لا يصالح على شيء من ماله وإن صالح أثم من أربعة أوجه:
لأنه أذل نفسه، وقال ﵊: «أذل الله من أذل نفسه». الثاني: أنه أطعمه ما لا يحل له. الثالث: أنه أضاع ماله، وقد نهى ﵊ عن ذلك. الرابع: جرأه على غيره كما جرأه على نفسه.
ومراد المصنف أن الصلح على الإنكار جائز من حيث الجملة وإلا فلجوازه شروط، وقد أهملها المصنف، فشروطه عند مالك ثلاثة؛ وهي: أن يجوز على دعوى المدعي، وعلى إنكار المنكر، وعلى ظاهر الحكم، وابن القاسم يشترط الأولين فقط، وأصبغ يشترط شرطًا واحدًا؛ وهو ألا تتفق دعواهما على فساد؛ فلو ادعي على رجل دراهم وطعام من بيع واعترف البائع بالطعام وأنكره الدراهم فصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه، أو اعترف له بالدراهم فصالحه على دنانير مؤجلة أو دراهم أكثر من دراهمه، فحكى ابن رشد الاتفاق على فاسده وفسخه لما في ذلك من السلف بزيادة، والصرف المؤخر، وإن ادعى عليه غيره عشرة دنانير فأنكره، فأراد أن يصالحه عنها بدراهم إلى أجل فهذا ممتنع على دعوى المدعي؛ إذ لا يحل له أن يأخذ في دنانير دراهم إلى أجل، وجائز على دعوى المدعى عليه؛ إذ إنما صالح عن يمين وجبت عليه فيمتنع ذلك عند مالك وابن القاسم؛ لأن من شرطه عندهما أن يجوز على دعواهما معًا، وهذا لا يجوز على دعوى المدعي.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
وأجازه أصبغ؛ إذ لم تتفق دعواهما على فساد، وكذلك لو ادعى عليه عشرة أرادب من قرض فقال المدعى عليه: بل لك عندي خمسة من سلم، فأراد أن يصالحه على دراهم ونحوها معجلة، فهو جائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولا يجوز على دعوى المدعى عليه؛ لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه، فهذا أيضًا يجيزه أصبغ، ويمنعه مالك وابن القاسم، ولو ادعى عليه مائة درهم وأنكره فصالحه على خمسين إلى أجل، أو على تأخير جميعها فهذا جائز على دعوى كل منهما؛ لأن المدعي يقول: حططت وأخرت فأنا محسن، والمدعى عليه يقول: افتديت من يمين وجبت عليَّ، وظاهر الحكم أن فيه سلفًا جر منفعة فالسلف هو التأخير والمنفعة هي سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع المال، فهذا ممنوع عند مالك لاشتراطه الجواز في ظاهر الحكم، وأجازه ابن القاسم؛ لأنه لم يعتبر هذا الشرط، ولا إشكال في جوازه على قول أصبغ.
ابن محرز: وإن وقع الصلح على السكوت من غير إقرار ولا إنكار فإنه يعتبر فيه حكم المعاوضة في الإقرار، ويعتبر فيه على مذهب مالك الوجوه الثلاثة التي بيناها في الإنكار.
اللخمي: واختلف في الصلح الحرام والمكروه إذا نزل، فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إذا كان الصلح حرامًا صراحًا فسخ أبدًا، فيرد إن كان قائمًا والقيمة إن كان فائتًا، وإن كان من الأشياء المكروهة مضى، وقال ابن الماجشون: إن كان حرامًا فسخ أبدًا، وإن كان مكروهًا فسخ بحدثان وقوعه فإن طال أمره مضى، وقال أصبغ: يجوز حرامه ومكروهه وإن كان بحدثان وقوعه.
خليل: لعل المراد بالحرام الحرام المتفق على تحريمه وبالمكروه المختلف فيه.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَقْضُهُ لأَنَّهُ مَغْلُوبٌ؟
يعني: لو ادعى عليه بمال فأنكره فصالحه على بعضه أو خلاف، ثم ثبت الحق بعد الصلح فإما أن يثبت بإقرار أو ببينة، وبدأ المصنف بالأول وذكر أن للمدعي نقض الصلح؛ لأنه كان كالمجبور عليه، ودل قوله: (فَلَهُ نَقْضُهُ) على أن له إمضاءه، ونص سحنون على ذلك.
فَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لّمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَفِيهَا: لَهُ نَقْضُهُ، وَقِيلَ: لا
لعله نسب المسألة للمدونة ليبين أن المشهور أن له النقض، ووجهه أنه مغلوب كالأول، والقول بأنه ليس له النقض رواه مطرف عن مالك، والفرق بين هذه وبين التي قبلها على هذا أن المدعي عليه في الأول مقر على نفسه بالظلم، وهذا مقيم على الإنكار، وأيضًا فإن المدعي في الثانية مفرط لعدم تثبته.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا وَصَرَّحَ بِإِسْقَاطِهَا لَمْ يَقُمْ بِهَا
أي: وصرح حين المصالحة بأن لا يقوم بها، لم يقم به لإسقاطه حقه، وهكذا في المدونة، وقيدها المازري بأن تكون حاضرة حين الصلح ويكون قادرًا على القيام بها.
فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، فَقَوْلانِ مُخْرَجَانِ مِنَ الْمُسْتَحْلِفِ مَعَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَةٍ
أي: فإن لم يصرح المدعي العالم بالبينة ففي ذلك قولان مخرجان على القولين فيمن استحلف خصمه وهو عالم بالبينة، ومذهب المدونة في المسألة عدم القبول، [٥٤٠/أ] أما الأولى فقال مالك فيمن ادعى قبل رجل مالًا فأنكره فصالحه على شيء أخذه ثم وجد بينة أو أقر المطلوب: فإن كان الطالب عالمًا بالبينة فلا قيام له، وإن كانت له بينة غائبة فخاف موته أو إعدام الغريم إلى قدومهم فلا حجة له بذلك، ولو شاء تربص، وذكر ابن يونس فيها قولين: فقال: وإذا صالح وهو عالم بالبينة قيل: ليس له القيام بها، وقيل: ذلك له.
[ ٦ / ٢٦٩ ]
وأما المسألة الثانية ففيها وإن استحلفه بعد علمه بالبينة تاركًا لها وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له. عياض: والأكثر أن معنى تاركًا؛ أي: تاركًا للقيام بها مع علمه، وقال آخرون: مصرحًا بترك القيام، ونقل ابن يونس عن ابن نافع أنه روى عن مالك أنه إذا حلفه وبينته حاضرة وهو عالم بها فله القيام بها بعد ذلك، وقاله أشهب في غير كتاب، وذكر المازري أن بعض المتأخرين خرج الخلاف في الصلح على الخلاف في مسألة الاستحلاف كما أشار إليه المصنف.
خليل: وقد ذكرنا القولين منصوصين فلا حاجة إلى التخريج.
وَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً وَشَرَطَ الْقِيَامَ بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ
وفي بعض النسخ عوض (غَائِبَةً) (بعيدة)، وكذلك هو في المازري، وهو الأظهر؛ لأن القريبة في حكم الحاضرة؛ يعني إذا صالح لتعذر بينته وشرط القيام بها، وحكى المصنف الاتفاق تبعًا للمازري، وكذلك قال ابن يونس. وقال ابن يونس: لا ينبغي أن يختلف فيه.
فإن قيل: يعارض هذا القول ما وقع لابن القاسم فيمن أخر من له دين عليه بشرط أنه متى ادعى القضاء لم يستحلفه، واصطلح على ذلك أن هذا الصلح لا يلزم، ومتى ادعى المديان القضاء كان له استحلاف الطالب، وقيل: لا؛ فالفرق أن اشتراط إسقاط اليمين خلاف ما يوجبه الشرع فلم يوفِ له بشرطه، وذكروا في المذهب أن الخصمين لو اصطلحا على إسقاط البينة أو على أن المدعي عليه إن نكل عن اليمين غرم الحق من غير أن يرد اليمين على المدعي أن ذلك ماضٍ، فعارض المازري بين هذا وبين ما قبله؛ لأن كون النكول يوجب الغرامة من غير رد اليمين على المدعي خلاف الشرع. وأجاب ابن عبد السلام بأن إسقاط اليمين يئول إلى سلف جر منفعة، فلا يلزم بل ولا يجوز ابتداء،
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وأما الصلح على إسقاط البينة فهو على إسقاط حق آدمي بعد وجوبه، وأيضًا فإسقاط البينة بعد علمه بها وبما شهدت به دليل على خلل عقد التسليم بها في شهادتها، وأما الصلح على أن المدعى عليه يغرم بالنكول من غير رد يمين فهو موافق لمقتضى الشرع على أنه رأي الحنفية وغيرهم، فلا يبعد إمضاؤه كغيره من مسائل الخلاف إذا وقع، واختلف المذهب إذا شرط من باع بثمن مؤجل أنه مصدق في عدم قبض الثمن ما لم تقم للمشتري بينة، هي يوفى بالشرط أم لا، أو يوفى للأفاضل فقط؟ على ثلاثة أقوال، المازري: وهذا إنما يحسن النظر فيه إذا وقع الصلح على معاوضة، وأما إن لم تكن معاوضة والتزم المدعى عليه ألا يرد اليمين وأسقط حقه في ردها فإن هذا لا يختلف في جوازه؛ لأنه إسقاط حق على غير عوض.
وَإِنْ أَشْهَدَ سِرًّا - فَقَوْلانِ
هذان القولان ذكرهما ابن يونس وغيره، ومذهب سحنون القبول، وقد قال في المقر سرًا: يقول: أخرني سنة وأنا أقر لك؛ ففعل فصالحه على ذلك، ثم أقام بينة أنه إن كان أشهد سرًا: أني إنما أؤخره لأنه جحدني، ولا أجد بينة، وإن وجدتها قمت بها فذلك له إن أشهد بذلك قبل الصلح، وههنا ثماني مسائل: أربع متفق عليها وأربع مختلف فيه، فأما المتفق عليها:
فالأولى: إن كان له بينة غائبة وأشهد وأعلن.
والثانية: إذا صالح على الإنكار ثم أقر.
والثالثة: إذا صالح على الإنكار، وذكر ضياع صكه؛ أي وثيقته ثم وجده بعد الصلح؛ فهذه الثلاثة اتفق فيها على القبول.
[ ٦ / ٢٧١ ]
والرابعة: إذا ضاع صكه فقال له الغريم: حقك حق فَاتِ بالصك فامحه وخذ حقك، وقال: قد ضاع وأنا أصالحك. فيفعل ثم يجد ذكر الحق، فلا رجوع له باتفاق.
ابن يونس: والفرق بين هذه والتي قبلها أن غريمه في هذه معترف، وإنما طلبه بإحضار صكه ليمحو ما فيه، فقد رضي هذا بإسقاطه واستعجال حقه، والأول منكر للحق، وقد أشهد أنه إنما صالحه لضياع حقه فهو كشاهده أنه إنما يصالح لغيبة بينته.
وأما الأربع المختلف فهي: إذا كانت بينته غائبة وأشهد سرًا كما ذكرنا، الثانية إذا صالح ولم يعلم ببينة ثم علم، والمشهور القبول كما تقدم، والثالثة: إذا صالح وهو عالم ببينته، وتقدم أن المشهور فيها عدم القبول، والرابعة: من يقر في السر ويجحد في العلانية فصالحه غريمه على أن يؤخره سنة، ولو شهد الطالب أنه إنما يؤخره لغيبة بينته، فإذا قدمت قام بها، فقيل: إن ذلك له إذا علم أنه كان يطلبه وهو يجحده، وقيل: ليس له ذلك.
خليل: وأفتى بعض أشياخ شيخي بأن ذلك له للضرورة، وهو قول سحنون، والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى إيداع الشهادة، والله أعلم.
* * *
[ ٦ / ٢٧٢ ]
الحوالة: نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأ بِهَا الأُولَى
عياض وغيره: مأخوذة من التحول من شيء إلى شيء لأن الطالب تحول من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه، وهي محمولة على الندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة لما أشبهت بيع الدين بالدين، وعند أكثر مشايخنا مستثناة من الدين بالدين وبيع العين بالعين من غير يد بيد، كما خصت الشركة والتولية والإقالة من بيع الطعام قبل قبضه، وكما خصت العارية من بيع الطعام بالطعام نسيئة ومتفاضلًا، [٥٤٠/ب] لما كان سبيل هذه التخصيصات المعروف، وذهب الباجي إلى أنها ليست حكمها حكم البيع، ولا هي من هذا الباب، بل هي عنده من باب النقد، وذهب أهل الظاهر إلى وجوب القبول في الحوالة، لما رواه مالك وغيره «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع».
وأجيب بعد التسليم أن الأمر حقيقة في الوجوب لا الندب بأن هنا دليلًا يمنع من الوجوب؛ لأن صاحب الدين إنما عامل صاحب هذه الذمة: «والمؤمنون عند شروطهم» ولأن الحوالة مترددة بين البيع وفعل المعروف، وكلاهما غير واجب، ولأنه لو وجب لكان لكل من أحلت عليه أن يحيلك إلى ما لا نهاية له، أويحيلك على مليء ظالم، والأول مؤد للضرر، والثاني مؤد إلى إبطال الحق.
وأجيب عن هذا الوجه بأن المحال يلزمه قبول الحوالة، ما لم يكثر ذلك فتخرج صورة الضرر بالدلائل الدالة على نفي الضرر، كقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» وقوله ﷺ: «فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع».
عياض: الصواب فيه تسكين التاء، وبعض المحدثين والرواة يشددها، يقال: تبعت فلانًا فأنا أتبعه، ساكن التاء، ولا يقال: اتبعه بفتح التاء وتشديدها إلا من المشي خلفه.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
فرع: وإذا مطل الغني ردت شهادته عند أصبغ، وسحنون؛ لأنه ظالم لا عند محمد ابن عبد الحكم.
خليل: والظاهر أن من علم من صاحب الدين الاستحياء من المطالبة أن ذلك كالمطل، والله أعلم.
وقول المصنف: (نَقْلُ الدَّيْنِ) كقوله في التلقين: تحويل الحق عن ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى؛ لأن رسم القاضي أحسن، لأنه أبقى لفظ التحويل، وإذا أمكن في الحد إبقاء الألفاظ في معناها اللغوي كان أحسن؛ لأن الخروج عن مقتضى اللغة خلاف الأصل لأن قول القاضي: (الحق) أحسن أيضًا من قوله: (الدَّيْنِ)، لأن المتبادر من الدين ما قابل المنافع بخلاف لفظ الحق، فإنه يشمل المنافع وغيرها. واعترضه ابن راشد بأن النقل حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني، والدين لم ينتقل، وإنما يأخذ مثله من ذمة أخرى.
وقول المصنف: (نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ) فيه حذف مضاف؛ أي من ذمة إلى ذمة.
وقوله: (تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى) هو على جهة البيان، قاله ابن راشد. واعترض ابن عبد السلام قوله: (تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى) لأن البراءة إنما هي مرتبة على الحوالة، لأنك تقول: برأت ذمة فلان من دينه لأنه أحالني على فلان، فلا يصلح أن يدخل ذلك في الحد لأن العلة غير المعلول.
خليل: ولعله احترز به من الحمالة، فإن فيها شغل ذمة أخرى بالحق ولا تبرأ به الأولى، قيل: وقوله: (نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ) أعم من أن يكون في الثانية دين أم لا، وإذا لم يكن في الذمة دين فإما أن تكون حوالة أم لا، فإن لم تكن فالتعريف غير مانع لصدقة عليه، وإن كانت حوالة بطل قوله في شروطها: (ومنها أن يكون على المحال عليه دين).
[ ٦ / ٢٧٤ ]
وَلَهُ شُرُوطٌ - مِنْهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ
أي: لنقل الدين.
وفي بعض النسخ (ولها) فيعود على الحوالة، وحاصل ما ذكره المصنف أربعة شروط:
الأول: رضا المحيل والمحال ولا خلاف في اشتراط رضا المحيل؛ لأن الحق متعلق بذمته، فلا يجبر على أن يعطيه من ذمة أخرى، وأما رضا المحال فهو مبني على مذهب الجمهور في عدم وجوب قبول الحوالة، وأما على مذهب أهل الظاهر فلا؛ لوجوب ذلك عليه، وأما رضا المحال عليه فلا يشترط على المشهور، وحكى ابن شعبان قولًا باشتراط رضاه والأول أظهر للاتفاق أن لصاحب الحق أن يوكل من شاء على قبض دينه، وليس لمن عليه الدين كلام، وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة، قاله مالك. المازري: وإنما يعترض الإشكال لو استدان رجل من آخر دينًا ثم حدث بينهما عداوة بعد الاستدانة، هل يمنع من له الدين من اقتضاء دينه لئلا يبالغ في اقتضاء دينه ويؤذي عدوه، فيؤمر بأن يوكل غيره أو لا يمنع؛ لأنها ضرورة سبقت وقد وقعت المعاملة على أن صاحب الحق يقتضي دينه؟ تردد فيها ابن القصار، وإشارته تقتضي الميل إلى أنه لا يمكن من الاقتضاء بنفسه، وعلى المشهور فهل يشترط حضور المحال عليه وأقراره كما في بيع الدين، وهو قول ابن القاسم أو لا وهو قول ابن الماجشون؟
وللموثقين من الأندلسيين أيضًا القولان، وفي المتيطية عن مالك إجازة الحوالة مع الجهل بذمة المحال عليه، ولعل الخلاف منه على الخلاف الذي بين الشيوخ: هل الحوالة مستثناة من بيع الدين بالدين فيسلك بها مسلك البيوع أو هي أصل بنفسها؟
[ ٦ / ٢٧٥ ]
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِلْمُحِيلِ
لأن حقيقة الحوالة تقتضي أن تكون على دين، لأنها نقل دين من ذمة إلى ذمة.
الباجي: فإن لم يكن على المحال عليه دين فهي حمالة عند جميع أصحابنا، كانت بلفظ الحمالة أو الحوالة، إلا ما قاله ابن الماجشون أنها إذا كانت بلفظ الحوالة تكون حوالة، الباجي: ويلزمه على قوله أن يعتبر رضا المحال عليه. ويقع في بعض النسخ التنبيه على هذا القول بزيادة (على المشهور) بعد الكلام المتقدم.
فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ فَعدِمَ رَجَعَ إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ وَيَشْتَرِطَ الْبَرَاءَةَ فَلا رُجُوعَ لَهُ
هذا تفريع على المشهور، فلو أحاله على غير أصل دين رجع المحال على المحيل إلا أن يعلم المحال أن المحيل لا شيء له على المحال عليه، واشترط المحيل على المحال البراءة، وهكذا قال ابن القاسم في المدونة، وحصل ابن زرقون فيها خمسة أقوال:
الأول؛ لابن القاسم، لا رجوع له على المحيل. الثاني: رواية ابن وهب في المدونة لا رجوع له إلا في الموت [٥٤١/أ] والفلس. الثالث: رواية مطرف بالخيار، وهو مثل رواية عيسى عن ابن القاسم. الرابعك قول أشهب وابن الماجشون: الشرط باطل وهي حمالة لا يطالبه إلا في غيبة المحيل أو عدمه حتى يسمى الحوالة. والخامس: لمالك وابن القاسم أن الشرط لا ينفعه إلا في ذي سلطان أو سيئ القضاء، هذا إذا اشترط البراءة.
وإن لم يشترطها ولكنه شرط أن يتبع أيهما شاء فثلاثة أقوال:
الأول: لابن القاسم له شرطه.
الثاني: أنه أيضًا لا ينتفع المشترط إلا لمعنى، مثل أن يكون الغريم ذا سلطان أو سيئ القضاء.
[ ٦ / ٢٧٦ ]
الثالث: لمالك من رواية أشهب، وبه قال أشهب وابن الماجشون: الشرط باطل وهي حمالة لا يطالب إلا في غيبة الغريم أو عدمه.
تنبيهات:
الأول: قول ابن زرقون الثاني: رواية ابن وهب في المدونة؛ يدل على أنه حمل رواية ابن وهب على الخلاف، وأن مذهب ابن القاسم عدم الرجوع مطلقًا ولو فلس أو مات، وهو تأويل سحنون وابن رشد وتأوله أبو محمد على الوفاق، وحمل قول ابن القاسم: لا رجوع له على المحيل على ما إذا لم يمت المحال عليه أو فلس وجمع بينهما أيضًا أبو عمران، قال: لأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في رواية ابن وهب، قال: فابن القاسم يوافق رواية ابن وهب، وابن وهب يوافق قول ابن القاسم.
الثاني: قال التونسي وابن يونس وغيرهما: وقع في المدونة لفظان في الحوالة على أصل دين، فمرة جعل ذلك حمالة يبدأ بالذي عليه الدين فإن لم يوجد عنده شيء رجع على الذي تحول عليه، ومرة يبدأ بالمحال عليه فإن فلس رجع على المحيل.
الثالث: ابن عبد السلام: وقع في بعض النسخ بإثر قول المصنف: (فَلا رُجُوعَ) ما نصه على القولين وليست بصحيحة لوجهين:
أما أولًا: فلأنه لم يقع في المسألة خلاف، وأما ثانيًا: فلأن هذه النسخة تشعر بأن المسألة متفق عليها، وفيها خمسة أقوال كما تقدم.
خليل: وقد يقال: لا نسلم قوله على القولين يشعر باتفاق.
وقد ذكرنا أنه وقع في بعض النسخ زيادة (على المشهور) فتصح هذه النسخة عليها.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًاّ، وَلا يُشْتَرَطُ حُلُولُ مَا على الْمُحَالِ عَلَيْهِ
هذا هو الشرط الثالث: أن يكون الدين أي المحال به حالًا، واستقرأه غير واحد من قوله ﵊: «مطل الغني ظلم»؛ فإن المطل لا يكون إلا بالحال، والحوالة رخصة فيقتصر بها على موردها، ولا يشترط حلول ما على المحال عليه، لأنه إذا احتال على من لم يحل كان ذلك زيادة في المعروف.
إِلا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اشْتَرَطَهُ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ
ظاهر كلامه أن الاستثناء عائد على الجملة الأخيرة، وهي قوله: (وَلا يُشْتَرَطُ حُلُولُ مَا على الْمُحَالِ عَلَيْهِ). ابن عبد السلام: ويحتمل أن يعود عليها وعلى التي قبلها، ويكون الضمير في (اشْتَرَطَهُ) عائد على مطلق الدين الذي هو قدر مشترك بين الدين المحال به والمحال عليه، ويعضد هذا أنه في الجواهر ذكر الخلاف فيهما، ونصه: وتجوز الحوالة على نجوم الكتابة إن كانت الكتابة حالة، ولم يشترط غير ابن القاسم حلولها وكذلك الحوالة بالنجوم، واشترط ابن القاسم حلولها أيضًا، ولم يشترطه غيره انتهى.
ولكن اعترض ما حكاه ابن شاس والمصنف في الكتابة المحال عليها، وأما الكتابة المحال بها فاشترط ابن القاسم في المدونة حلولها، قال: وإلا فهي فسخ دين في دين، وقاص ذلك ابن القاسم على ما سمعه من مالك من منع بيع كتابة المكاتب لأجنبي بما لا يجوز قاله في المدونة، وقال غيره: يجوز ويعتق مكانه، لأن ما على المكاتب ليس دينًا ثابتًا، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بمائة دينار فأنت حر، ثم قال: إن جئتني بألف درهم فأنت حر واشترط ابن القاسم الحلول لما تقدم أن من شرط الد=ين المحال به الحلول، ورأي الغير أن ذلك ليس دينًا ثابتًا كالديون، وإلى ذلك أشار الغير بالتشبيه بقوله: وهو كمن قال لعبده إلخ، وعارض الأشياخ تشبيه ابن القاسم هذه المسألة بما حكاه عن
[ ٦ / ٢٧٨ ]
مالك من منع الأجنبي أن يشتري كتابه مكاتب بما لا يجوز، فإن الحوالة أمر بين السيد وبين مكاتبه أسقط عنه الكتابة، واعتاض ماله في ذمة الأجنبي، فلم تقع بين السيد وبين الأجنبي مبايعة، وأما بيع الكتابة من أجنبي فهي مبايعة بينه وبين الأجنبي لا بينه وبين مكاتبه، وهذا مفترق، ولهذا اختار سحنون وابن يونس وغيرهما قول الغير هنا، وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أنه يختلف ابن القاسم وغيره إذا سكتا عن شرط تعجيل العتق وعن بقائه مكاتبًا، فقال ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره يحكم بتعجيل العتق، وأما لو أحال بشرط تعجيل العتق فلا يختلفان في الجواز ولا في عدمه بشرط عدمه.
وأما كتابة المحال عليها فلا يشترط ابن القاسم ولا غيره فيها الحلول ولا يعرف فيها من قال به، ونصها في المدونة. ابن القاسم: وإن أحالك مكاتب بالكتابة على مكاتب له وله عليه مقدار ما على الأعلى فلا يجوز لك إلا أن تبتل أنت عتق الأعلى فيجوز. ابن يونس: يريد وإن لم تحل كتابة الأعلى فيجوز بشرط تعجيل العتق، كما لا تجوز الحمالة بالكتابة إلا على شرط تعجيل العتق، قال في المدونة: ثم إن عجز الأسفل كان ذلك رقًا، ولا ترجع على المكاتب الأعلى بشيء، لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حرمته، هذا كله بشرط أن يكون المحال السيد لا الأجنبي.
التونسي: والمكاتب جائز له أن يحيل لسيده بما حل من كتابته [٥٤١/ب] على ما لم يحل، وإن كان المحال أجبنيًا لم يجز. قال: وهي لو حلت لم تجز للأجنبي، لأن الحوالة إنما أجيزت في الأجنبي إذا أحيل على مثل الدين، وههنا قد يعجز المكاتب المحال عليه، فتصير الحوالة قد وقعت على جنس غير الدين، كما لو كان على رجل دين لأجنبي فأراد أن يحيله بذلك على مكاتبه ما جاز ذلك، لأنه قد يعجز فتصير الحوالة قد خالفت ما رخص فيه منها، وهو أن يكون المحال عليه من جنس المحال به.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
فإن قيل: فأنتم تجيزون بيع الكتابة مع إمكان أن يشتري كتابته تارة ورقبته أخرى، قيل: أصل الحوالة رخصة، لأنها مستثناة من بيع الدين بالدين، فلا يتعدى بها ما خفف منها انتهى.
والاعتراض على ابن شاس أقوى منه على المصنف، لأن ابن شاس صرح بالخلاف فيها.
فإن قلت: لا يلزم من عدم الاطلاع على الخلاف ألا يكون، قيل: قال ابن عبد السلام: إنما أنكرنا على المصنف وابن شاس ذكر الخلاف بعد طول البحث عنه في مظانه ولم نجده مع الاستعانة في ذلك بمن يظن حفظه، فإن قلت: لم لا تجعل الاستثناء في قوله: (إِلا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اشْتَرَطَهُ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ) راجعًا إلى الجملة الأولى ليوافق المنقول، ولا يكون حينئذ على كلام المصنف اعتراض. قيل: لم يقل أحد بعوده إلى الجملة الأولى فقط، وإنما اختلاف هل يعود للأخيرة فقط، أو للجميع؟ نعم، قد يعود إلى الأولى بقرينة، ولا قرينة.
تنبيه: عارض الأشياخ اشتراطه في المسألة الثانية في الجواز أن يعجل عتق الأعلى وقالوا: لا معنى لهذا الشرط، ورأوا أن لفظ الحوالة كاف في ذلك، لأنها تستلزم براءة ذمة المحيل بنفس عقد الحوالة. المازري: وعندي أن هذا الشرط ليس ملغى، والقدر فيه عندي أن السيد إذا أحيل على كتابة مكاتب لمكاتبه فإنه لم يتعجل قبض الكتابة، فيكون ذلك كما لو قبض من مكاتبه جميع الكتابة، فيكون حرًا بقبض جميعها، وهذه هنا لم يقبض، فيمكن أن يكون القصد بها أن يوقف العتق حتى يعلم ما يحصل للسيد الأعلى أو يقصدان بذلك أن يتمادى السيد الأعلى على نجوم كتابة الأسفل، وإن عجز قام له المكاتب الأعلى ببقية الكتابة التي كانت له عليه ولو قصد ذلك لكان ذلك ممنوعًا في أحد القولين، لأن المعاوضة التي لا تجوز بين الأجنبيين يسامح بها بين المكاتب وسيده إذا اشترطا تعجيل العتق، لكون السادات يندبون إلى عتق عبيدهم، ولهم أن يعتقوا بغير
[ ٦ / ٢٨٠ ]
عوض، وندبوا أيضًا إلى أن يضعوا شيئًا من آخر الكتابة استعجالًا للعتق، وإن فعلوا ذلك من غير اشتراط العتق أجروا مجرى الأجانب في التعاوض، هذا أحد القولين: وقيل بالجواز وإن لم يشترط تعجيل العتق التفاتًا إلى أن ما يأخذه السيد وما سلمه كأنه في حكم ملكه.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَا مُتَجَانِسْينِ، وَلا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا لَوْ أُعْطِيَهُ فَيَجُوزُ بِالأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى
هذا هو الشرط الرابع: (مُتَجَانِسْينِ) كذهب وذهب وفضة بفضة، فلا تجوز الإحالة بذهب على فضة ولا بالعكس.
(وَلا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا لَوْ أُعْطِيَهُ) فيكونان متماثلين في القدر والصفة، هذا ظاهر كلامه، لكن قوله بإثره: (فَيَجُوزُ بِالأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى) يدل على أنه إنما أراد السلامة من السلف بزيادة، وقد صرح بالجواز فيما إذا تحول من الأعلى عن الأدنى، ولا شك أن إعطاءه الأدنى عن الأعلى مفتقر إلى الرضا، وتقدير كلامه: فيجوز أن يحتال بالأعلى عن الأدنى، كما لو كان له فضة محمدية، فأحيل على يزيدية.
وفي بعض النسخ (على) موضع (عن)، وقد وقع ذلك في كلام العرب، ولا يصح أن تكون (عن) باقية على معناها؛ لأنه يكون المعنى حينئذٍ: فيجوز أخذ الأعلى عن الأدنى، وذلك لا يجوز، صرح بذلك غير واحد، ومقتضى كلامه: إذا أعطى من له أدنى على أنه يجبر على قبوله، وهو مثل ماله في السلم، وقد نبهنا هناك على أن ظاهر المذهب خلافه، وما ذكره المصنف من جواز التحول بالأعلى عن الأدنى موافق للّخمي والمازري وابن شاس، ووجهه أنه أقوى في المعروف، فكان جوازه أجدر، كما لو احتال بدين حالٍّ على من لم يحل، وفي المقدمات والتنبيهات: اشتراط أن يكون الدين الذي تحول به مثل الذي تحول عليه في القدر والصفة لا أقل ولا أكثر، ولا أدنى، ولا أفضل؛ لأنه إذا كان
[ ٦ / ٢٨١ ]
أقل أو أكثر أو مخالفًا في الجنس والصفة لم تكن حوالة وكان بيعًا على وجه المكايسة، وحيث حكم بالمنع في هذا الفصل فإنما ذلك إذا لم يقع التقابض في الحال، وأما لو قبضه لجاز، ففي المدونة: إذا اختلفا في الصنف أو في الجودة والنصف واحد، وهما طعام أو عين أو عرض من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض فلا تصح الحوالة وإن حلاَّ.
محمد: إلا أن يقبضه قبل أن يفترقا فيجوز إلا في الطعام من بيع فلا يصح أن يقبضه إلا صاحبه، قال: وكذلك إن كان أحدهما ذهبًا والآخر ورقًا فلا يحيله به، وإن حلاَّ، إلا أن يقبضه مكانه قبل افتراق الثلاث وقبل طول المجلس، وهذا مما يؤيد ما قاله ابن رشد والقاضي.
وقوله: (لا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا) يحتمل أن يبني للفاعل، وضمير الفاعل فيه عائد على المحيل، وضمير المفعول في (أُعْطِيَهُ) عائد على ما في ذمة المحال عليه؛ أي لا يتوقف على رضا المحيل لو أعطي ما في ذمة المحال عليه؛ أي لا يتوقف على رضا المحيل لو أعطى ما في ذمة المحال عليه، ولا يجوز أن يعود على [٥٤٢/أ] المحال؛ لأنه يلزم منه أن المحال إذا أعطيه الأعلى جاز، وليس كذلك، ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول، ويكون مفعوله عائدًا على ما فهم من الكلام وهو الدين، وضمير (أُعْطِيَهُ) عائد على الدين المحال به؛ أي لا يفتقر إلى الرضا في أخذ الدين المحال به لو أعطيه من له دين.
تنبيه: زاد صاحب المقدمات وصاحب التنبيهات شرطًا آخر، وهو ألا يكون الدينان طعامًا من سلم، سواء حلا أو لم يحلا؛ لئلا يدخلا بيع طعام قبل قبضه، وسواء كان الطعامان متفقين أم لا، استوت رءوس الأموال أم لا. وأجاز أشهب إذا اتفقت رءوس الأموال واتفق الطعامان تشبيهًا بالتولية، فإن كان الطعامان من قرض جاز، وإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض جازت الحوالة عند ابن القاسم بشرط حلول الطعامين معًا، وحكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه إلا ابن القاسم جواز الحوالة بشرط حلول المحال به خاصة.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
فَلَوْ أُفْلِسَ أَوْ جُحِدَ فَعَلَى الْمُحَالِ إِلا أَنْ يِكُونَ الْمُحِيلُ عَالِمًا بِالإفْلاسِ دُونَهُ
يعني: فلو أفلس المحال عليه أو جحد الحق بعد تمام الحوالة فالمصيبة على المحال، ولا رجوع له على المحيل لحصول البراءة، إلا أن يكون المحيل عالمًا بإفلاس المحال عليه دونه؛ أي دون المحال، فللمحال حينئذٍ الرجوع على المحيل؛ لأنه غرَّه.
وقوله: (يعلم دونه) هو ظاهر إذا كان المحال عليه ظاهر الملاء، وأما لو شكل المحال في ملائه، وكان المحيل عالمًا بالإفلاس.
المازري: الأظهر عندي أن يكون له الرجوع كالأول، ومسألة الفلس صحيحة في المدونة وغيرها، وقيدها المغيرة فقال: إلا أن يشترط المحال الرجوع على المحيل إذا فلس المحال عليه، فيمكن من شرطه، وأما مسألة الجحود فتبع المصنف فيها ابن شاس، وذكر المازري أنه لا يعلم لمالك فيها نصًا، لكنه أشار في تعليل المذهب إلى مثل ما قاله المصنف؛ لأنه قال: وما يشير إليه من أن الحوالة كالقبض يصحح أن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل، وكذلك قال بعض أشياخه: إن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل؛ لأن المحال فرط إذ لم يشهد وعلى هذا عوَّل ابن شاس والمصنف، والله أعلم.
وتردد التونسي في هذه المسألة، واختار عدم الرجوع إذا كانت الحوالة على حاضر مقر بالدين، والرجوع إذا كان غائبًا، فقال: انظر لو أحاله ثم أنكر المحال عليه أن يكون عليه دين هل يكون ذلك عيبًا في الحوالة لقول المحال: لو علمت أنه ليس عليه بينة ما قبلت الحوالة. أو يقال: أنت مفرط حين أحالك عليه، وهو حاضر مقر ولم تشهد عليه، وهذا هو الأظهر، ولكن لو لم يحضر فقبل الحوالة، فلما حضر أنكر لا ينبغي أن يكون للمحال في ذلك حجة.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
المازري: وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله تفصيلًا، فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها وترك ذلك نادر، وقال المحال حين جحود المحال عليه: إنما لم أشهد ليقيني بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه صار ذلك كالتغرير منه فوجب لي الرجوع عليه، كما لو علم بفقر المحال عليه فكتمه، وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب أن يرجع فصحيح، بشرط أن يكون المحال لم يصدق المحيل في كونه يستحق دينًا على الغائب، وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم ألا بينة على الغائب، فهذا مما ينظر فيه.
وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال: أرسلني من أودعكها لإقباضها، فصدقه فيما ذكر ودفعها له، ثم قدم صاحب الوديعة وأنكر الإرسال، وحكم على دافعها بغرامتها؛ هل له أن يستردها ممن قبضها ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة ويصدقه فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه له يمنع من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في طلبه بالغرامة وقد أخذها منه؟ وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو صدقه على الإطلاق، واعتقد أنه لم يكذب. انتهى.
ويقع في بعض النسخ عوض (جحد) (حجر) من الحجر، لكن الظاهر هي النسخة الأولى؛ لأنه يستغني عن الحجر بالفلس، ونقل المازري وغير واحد أنه لا يلزم المحال عند ذلك الكشف عن ذمة المحال عليه هل هو غني أو فقير، بخلاف شراء الدين فإنه لا يجوز إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضرًا مقرًا يعرف غناه من عدمه، وفرق المازري بينهما بأن الدين المشترى يختلف مقدار عوضه باختلاف حال المديان من فقير أو غني، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولًا فإذا لم يعلم حال المديان صار مشتريًا بالمجهول، والحوالة ليست ببيع على أحد الطريقين عندنا؛ بل طريقها المعروف.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
وعورض ما ذكره المصنف وهو المذهب من أن علم المحيل بإفلاس المحال عليه يوجب للمحال الرجوع إلى ذمة المحيل إن كان غره بما في كتاب المساقاة من المدونة: أن من باع بثمن إلى أجل والمشتري مفلس ولم يعلم البائع بذلك فقد لزمه البيع ولا مقال له. وفرق التونسي والمازري بينهما بأن البياعات تتكرر كثيرًا لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها، فصار الكشف عن ذمة المشتري مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري والبحث عنها لتوقف أكثر البياعات بخلاف الحوالة فإنها لا تتكرر، فلا يعسر الكشف عن ذمة المحال عليه، وزاد المازري فرقًا آخر وهو أن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل في ذمته فاستغنى بذلك عن الكشف بخلاف الحوالة.
ابن عبد السلام: وأشبه [٥٤٢/ب] ما قيل في الفرق أن الحوالة بيع ذمة بذمة، وفلس الذمة عيب فيها فيوجب أن يثبت الخيار للمحال بسبب ظهوره على ذلك العيب، والعوض في مسألة المدونة المذكورة إنما هو الدين لا الذمة، قال: وهو ضعيف من وجهين: أحدهما: لا معنى لكونه الذمة هي العوض في الحوالة إلا أن الدين تعلق بها، وهذا مثله في مسألة المدونة قطعًا.
الثاني: سلمنا أن فلس الذمة عيب في الحوالة، لكن العيوب لا يشترط في القيام بها علم البائع وتدليسه؛ بل لمن اطلع على العيب القيام به، سواء علم به البائع أم لا.
وهكذا اعترض غير واحد هذه المسألة بأن فلس المحال عليه حين الحوالة إما أن يكون عيبًا أم لا؛ فالأول: أن يكون للمحال الرجوع على المحيل سواء علم المحيل بفلس المحال عليه أم لا كغيره من العيوب، والثاني: لا يكون له الرجوع مطلقًا.
وأجيب بأنه عيب مع علم المحيل لغرره، وأجاب عبد الحق بأن البيع مبني على المكايسة، فغلظ على البائع فيه، والحوالة طريقها المعروف فسهل على المحيل إلا أن يغر. وأجاب الباجي بأن العيب في السلعة عيب في نفس العوض، وفلس المحال عليه عيب في محل العوض لا في نفسه، وبأن الحوالة بمنزلة بيع البراءة فلا يرجع إلا بما علمه البائع،
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وبأن الذمم مما يخفى ظاهرها فصارت كالمبيع الذي لا يعلم باطنه فلا يرد إلا أن يعلم أن البائع دلس بعيب.
فرع:
فإن جهل أمر المحيل هل علم بفلس المحال عليه أم لا؟ فقال مالك: ينظر في ذلك، فإن كان يتهم أحلف. الباجي: أي يكون ممن يظن به أنه يرضى بمثل هذا حلف.
فَلَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ثُمَّ رَدَّ بِعَيْبٍ أَوِ اسْتُحِقَّ انْفَسَخَتِ الْحَوَالَةُ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَاخْتَارَهُ الأَئِمَّةُ، وَمَضَتْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَالْمَعْرُوفِ أَوْ كَالْبَيْعِ
يعني: فلو باع رجل سلعة من رجل، ثم أحال البائع على ثمنها من له عنده دين، ثم استحق المبيع من يد المشتري أو رد بعيب، فلأشهب في الموازية تنفسخ الحوالة، واختاره محمد وأكثر المتأخرين. محمد: وبه قال أصحاب مالك كلهم، وهذا معنى قوله: (وَاخْتَارَهُ الأَئِمَّةُ). وقاسه محمد على ما اتفق عليه أصحاب مالك من أن المفلس إذا بيع متاعه في دين وجب عليه، وأخذ ذلك غرماؤه ثم استحق المبيع فإن المشتري يرجع الثمن على من قبضه، ورده المازري بأن الغرماء لهم الدين كأنهم باعوا بأنفسهم، فعليهم أن يردوا الثمن إذا استحق المشتري منه، ومسألة الحوالة وقعت فيها يد ثالثة؛ وهي يد المحال، فصار ذلك كفوت الثمن، وقال ابن القاسم: وهو المنقول عن مالك: تمضي الحوالة.
قوله: (وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي) هو من تمام قول ابن القاسم: إذا قلنا بإمضاء الحوالة فإن المشتري يدفع الثمن للمحال، ثم يرجع به على البائع بناء على أن الحوالة هل هي كالبيع، أو إنما طريقها الإرفاق والمعروف؟ وقول أشهب مبني على أن الحوالة كالمعروف والصدقة فينتقض بانتقاض ما بنيت عليه، كما إذا تصدق البائع بثمن سلعة أو وهبة، ثم استحقت السلعة فإن الهبة والصدقة تبطل إذا لم يقبضها على قول أشهب والمعروف من
[ ٦ / ٢٨٦ ]
قول ابن القاسم، وسيأتي آخر المسألة ما في ذلك، وقول ابن القاسم مبني على أن الحوالة كالبيع؛ أي كبيع وقع بعد بيع، فيكون بمنزلة من باع عبدًا بمائة دينار ثم اشترى بالمائة من المشتري ثوبًا ثم استحق، فإن البيع في الثوب لا يبطل ببطلان ما يبنى عليه، وهو بيع العبد. المازري: وأشار بعض الأشياخ إلى أن الخلاف مبني في مسألة الحوالة على أنه هل تقدر الحوالة كالفوت لما وقعت فيه فيكون الأمر كما قال بن القاسم، أو ليس كالفوت فيكون الأمر كما قال أشهب؟
واعلم أن قول أشهب مبني على أن رد السلعة بعيب نقض للبيع من أصله، وعلى قوله إن لم يكن دفع الثمن للمحال فلا يلزمه، وإن كان قد دفعه إليه استرجعه، فإن فات عنده على مذهبه مضى له، ورجع المشتري بالثمن على البائع. قال في البيان: وقيل لا يلزمه أن يدفعه إليه فإن دفعه إيه لم يكن له أن يأخذه منه ورجع على البائع، وقيل: لا يلزمه أن يدفعه إليه، وكان له أن يرجع به عليه وإن فات من يده، وإن شاء رجع على البائع؛ لأن الغيب قد كشف أنه أحاله بما لم يملك، قال: وأما على القول بأنه ابتداء بيع فيلزمه أن يدفع إلى المحال الثمن قولًا واحدًا.
واعلم أن الخلاف الذي ذكره المصنف مقيد بما إذا كان البائع قد باع ما ظن أنه يملكه، وأما لو باع ما ظن أنه لا يملكه مثل أن يبيع سلعة لرجل ثم باعها من ثانٍ وأحال على الثاني بدين، فلا يختلف أن الحوالة، ويرجع المحال على غريمه، ووقع في المذهب مسألة اضطرب النقل فيها أشار بعضهم إلى إجراء ما فيها من الخلاف في مسألة الحوالة، قالوا: إن أصبغ وأبا زيد رويا عن ابن القاسم في العتبية فيمن باع عبدًا بمائة، ثم تصدق بها على رجل وأحاله بها وأشهد له بذلك ثم استحق العبد أو رد بعيب: أنه إن كان المتصدق عليه قبض الثمن وفات عنده لم يرجع عليه بشيء، وإن لم يفت بيد المعطي أخذها منه المشتري، ولا شيء للمعطي.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
ابن زرقون: كذا نقله صاحب النوادر وهو هم، والذي في سماع أصبغ وأبي زيد في العتبية أنها تفوت بمجرد القبض فإذا قبضها الموهوب له لم يتبع بها إلا الواهب، بمنزله ما لو قبضها الواهب ثم تصدق بها، وقال ابن القاسم في الموازية مثل ما حكاه أبو محمد عن العتبية، وروى عيسى عن ابن القاسم في المدونة أن نفس الهبة فوت، ويلزم المبتاع أن يدفعه إلى المتصدق عليه والموهوب إذا كان قد جمع بينهما فأقر له، ويرجع بالثمن على الواهب وهو قول بعض الرواة [٥٤٣/أ] في المدونة في النكاح الثاني في المرأة تهب صداقها لرجل، ثم تطلق قبل الدخول: أنه يلزمه أن يدفع جميعه إلى الموهوب له ويرجع بنصفه على المرأة، قال: ويأتي على ما حكاه محمد عن ابن القاسم في المرأة تأخذ صداقها فتتصدق به وتطلق قبل الدخول أنه يرجع عليها بنصف الصداق، وترجع هي به على المتصدق عليه؛ لأنها تصدقت عليه بما لا يصح لها ملكه ألا يفوت ذلك في مسألة الحوالة بحال، وإن قبضه الموهوب له واستهلكه لأنه وهب ما لم يملك، قال: ويجري فيها قول خامس أنه إن كان البائع الواهب عديمًا كان للمشتري أن يمسك الثمن إن كان لم يدفعه، وإن كان مليئًا لزمه أن يدفعه إلى الموهوب له ويتبع به الواهب، وهو قول ابن القاسم في المدونة في مسألة هبة الصداق المذكورة، وهذا إنما هو إذا بنينا مسألة الحوالة على المعروف لا على البيع فاعلمه.
وَإِذَا جَرَى لَفْظُ الْحَوَالَةِ وَتَنَازَعَا فَقَالَ الْمُحِيلُ: وَكَالَةٌ أَوْ سَلَفٌ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: إذا صدر لفظ الحوالة بين رجلين، فقال له مثلًا: أحلتك على فلان، فقبضه المحال، فقال المحيل: إنما أردت بذلك التوكيل أو التسلف، وقال المحال: بل قبضته من دين لي عليك، فالأصح أنه لا يقبل قول المحيل تغليبًا للفظ الحوالة، وقيل: القول قوله؛ لأنه لا تدرى إرادة نفسه ولا يعلم ذلك إلا من قوله، وأراد بالأصح قول ابن الماجشون في المبسوط في مسألة الوكالة، قال فيمن تحول بدين له على رجل، فقال المحيل: ادفعه لي
[ ٦ / ٢٨٨ ]
لأني إنما وكلتك في قبضه وتسليمه إليَّ، وقال المحال: بل كنت استحققه عليك دينًا قبل الحوالة، فإن كان القابض ممن يشبه أن يكون له قبل المحيل سبب حلف وسقط عنه قول المحيل، وإن لم يشبه فإنما هو وكيل، ويحلف ما أدخله إلا وكيلًا.
اللخمي: وأرى أنه حوالة حتى يقوم دليل على الوكالة؛ مثل أن يكون هذا ممن يتصرف لصاحب الدين أو تكون عادته التوكيل على التقاضي، وهذا ممن يتوكل في مثل هذا المال، وغير الأصح هو قول ابن القاسم في العتبية في السلف، قال في من أحال رجلًا بدين له على رجل: فقال المحيل: إنما أحلتك على دين لي ليكون ذلك سلفًا عندك، وقال القابض: أخذته عن دين كان لي عليك وإحالتي إقرار منك بحقي، أن القول قول المحيل وهو سلف.
اللخمي: بعد قول ابن الماجشون وابن القاسم والمسألتان سواء.
وعلى هذا فإن في كل واحدة قول، وخرج فيها قول آخر من الأخرى، وعلى هذا اعتمد المصنف، لكن قدح المازري فيما أخذه من قول ابن القاسم، قال: لأن قول المحيل إنما قبضته ليكون سلفًا لي عليك، يشبه الحوالة على الدين؛ لأنه لما التزم له أن يسلف مائة صار ذلك كدين له عليك لمن سألك في التسلف، فصارت الحوالة ههنا بدين على دين باتفاقهما جميعًا، وإنما تنتقل المسألة إلى أصل آخر وهو أن من قال: قبضت من زيد مائة كانت لي عليه دينًا، وقال زيد: إنما دفعتها إليك لتكون لي سلفًا، فإن في المسألة قولين: قيل: يصدق القابض؛ لأنه ما أقر بعمارة ذمته ولا أقر إلا بقبض شرط فيه أنه يستحقه، فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به، والقول الآخر أن القول قول الدافع في أنه إنما دفع ذلك سلفًا؛ لأن القابض لو أتاه قبل أن يقبض منه شيئًا فقال: لي عليك دين، فأنكر المدعى عليه، فإن الإجماع على أن القول قول المدعى عليه، فكذلك يجب أن يكون القول قوله في صفة ما دفع وأنه دفعه سلفًا لا قضاء، ثم قال: وإذا تقرر هذا فإذا قضى القاضي، بأن القول قول
[ ٦ / ٢٨٩ ]
المحال في أنه قبض ما استحق فلا تفريق، وإن حكم بأن القول قول المحيل فهل للمحال أن يرجع على المحيل؟
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إذا رفع أمره إلى القاضي لم يحكم له على المحيل بشيء؛ لأنه قد اعترف المحيل ببراءة ذمته بالحوالة، فليس له أن يطالب ذمته بدين وهو معترف ببراءتها منه، ولا يصح أن يحكم له القاضي بما يعرف أن الحكم به باطل، ومنهم من ذهب إلى أنه يحكم له القاضي؛ لأن الذي حكم به القاضي من تصديق المحيل في أنه وكل وكالة على القبض لا يقتضي سقوط دعوى المحال، قال: وهذا القول إنما يتصور عندي لو كان المحيل معترفًا بدين المحال، ولكن المنازعة إنما وقعت في المقبوض.
خليل: وانظر على هذا لو ادعى رب الدين على المديان أنه أحاله، وأنكره المديان فتوجهت اليمين عليه وحلف هو: هل يجوز له إذا أنكر المحال عليه الحق أن يطالب المديان؛ لأن مقتضى دعواه أنه لم يبق له قبله شيء، وإنما المحال عليه هو الذي ظلمه، أو يقال: من حُجة صاحب الدين أن يقول للمديان: أنت لما أنكرت الحوالة فأنت معترف ببقاء حقي في ذمتك، ونظير هذه المسألة لو ادعى الزوج الدخول وأنكرت ثم طلقها، فهل لها أن تطلبه بجميع الصداق لاعترافه، أو ليس لها؛ لاعترافها أنها لا تستحق إلا النصف؟ في ذلك خلاف.
وقوله: (جَرَى لَفْظُ الْحَوَالَةِ) يقتضي أن الحوالة تفتقر إلى اللفظ، وهو صحيح، ففي العتبية عن ابن القاسم في المطلوب يذهب بالطالب إلى غريم له فيأمره بالأخذ منه ويأمره الآخر بالدفع، فيتقاضاه فيعطيه بعض الحق أو لا يعطيه شيئًا؛ لأن للطالب أن يرجع على الأول؛ لأنه يقول: ليس هذا حوالة بالحق، وإنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما وجه التحول أن يقول: أحيلك بحقك على هذا وأبرأ إليك، وكذلك أيضًا لو قال: خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك. وما أشبه ذلك، قاله في البيان. قال بعض الشيوخ: وكذلك لو قال: اتبع فلانًا بحقك على الحوالة [٥٤٣/ب] فاختلف قول مالك
[ ٦ / ٢٩٠ ]
إذا قال: اتبع فلانًا، ولعله رأى في القول بأن ذلك حوالة أن قوله ﵊: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» يدل على ذلك، وهذا معنى ما ذكره في البيان.
فرع: إذا مات المحال عليه، فقال المحال: أحلتني على غير أصل دين فأرجع عليك، وقال المحيل: بل على دين فالقول قول المحيل.
* * *
[ ٦ / ٢٩١ ]
الضَّمَانُ: شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ
هذا التعريف لصاحب التلقين، وتصوره ظاهر، وأورد عليه أنه غير جامع لخروج ضمان الوجه وضمان الطلب، وأجيب بأن ضمان الوجه تشغل فيه ذمة أخرى على المشهور، وأما عل الشاذ فهو كضمان الطلب، وإطلاق الضمان عليهما بالمجاز، والعلاقة المشابهة.
فإن قيل: لا نسلم أنَّ إطلاق الضمان عليهما بالمجاز بل بالحقيقة، قيل: فيلزم حينئذٍ الاشتراك؛ لأن الضمان حقيقة في ضمان المال، ودعوى المجاز خير من دعوى الاشتراك ولو سلم فتكونان حقيقتين مختلفتين، والحقيقتان لا يجمعان في حد واحد، ولما كان غير ضمان المال هو المقصود من هذه الباب حده المصنف.
وأورد أيضًا على جمعه أن الضمان كما يكون شغلًا للذمة، فقد يكون شغلًا للذمتين فأكثر، وأجيب بأن المراد بـ (ذِمَّةٍ أُخْرَى) الجنس.
وأورد أيضًا على منعه أن من باع رجلًا بدين ثم باع آخر بدين يصدق عليه الحد وليس بضمان، وأجيب بأن الظاهر أن (أل) في (الْحَقِّ) للعهد، والمعهود الحق الذي في الذمة الأولى.
وأورد عليه أيضًا أن لفظ (الْحَقِّ) شامل للحق البدني والمالي، وأجيب بأن الحقوق البدنية خارجة بقول: (شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى) لأن الذمم لا تشغل بالحقوق البدنية.
وأورد على منعه أنه لو اشترى سلعة وأشرك غيره فيها لشغل ذمة أخرى، وكذلك لو ولاه، وأجيب بأن الشاغل هنا مختلف، فإن البائع شغل ذمة المشتري والمشتري شغل ذمة المولي والمشرك، ورد بأن ليس في التعريف ذكر اتحاد الشاغل حتى يخرجهما.
وأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ
وفي بعض النسخ (خمسة).
[ ٦ / ٢٩٢ ]
ابن عبد السلام: إن عددت الصِّيغة، وإلا فهي أربعة، والأقرب أن الصيغة دليل على الماهية التي الأركان أجزاؤها، والدليل غير المدلول. انتهى.
وفي الجواهر أركانها خمسة، وذلك يرجح أن المصنف قصد أن الصيغة ركن؛ لأن الغالب أنه يتبعه، ورجح ذلك أيضًا القياس على البيع ونحوه.
الْمَضْمُونُ عَنْهُ لا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ إذ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى بِغَيْرِ إِذْنِهِ
أي الركن الأول (الْمَضْمُونُ عَنْهُ) وهو الذي عليه الدَّين، والفقهاء يخصصونه باسم الغريم - لا يشترط رضاه، بل يجوز لغيره أن يضمن عنه الدين بغير رضاه.
واستدل المصنف على ذلك بقوله: (إذ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى بِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعني وإذا جاز أن يؤدَّى عنه فالتزامه في الذمة أولى، ولإقرار سيدنا رسول الله ﷺ ضمان من ضمن الميت على ما رواه البخاري وغيره، والرضا منه متعذر، وفيه بحث.
أَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُضَارًّا لِعَدَاوَةٍ وشِبْهِهَا فَلا يُمَكَّنُ مِنْهُ
أتى بأما المقتضية للتفصيل؛ يعني أما ما تقدم من جواز الأداء من غير الرضا إنما هو مع عدم العداوة، وأما لو قصد بذلك ضرر المديان لعداوة بينهما لم يكن من طلبه ورد قضاؤه.
وَفُهِمَ من قَوْلِهِ: (فَلا يُمَكَّنُ) أنه يمكن في الوجه الأول من المطالبة، ويحتمل قول المصنف (فَلا يُمَكَّنُ مِنْهُ) أنه لا يمكَّن العدو من دفع الدين ابتداء، والأول أولى؛ لأن عدم التمكين من المطالبة مستلزم للمنع ابتداءً بخلاف العكس.
قال في المدونة: ومن أدَّى عن رجل دينًا بغير أمره أو دفع عنه مهر زوجته جاز ذلك إن فعله رفقًا بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته وأراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إن اشتريت دينًا عليه تعنيتًا لم يجز البيع ورد إن علم بهذا،
[ ٦ / ٢٩٣ ]
وظاهرها عند ابن يونس وغيره أن قصْدَ المشتري وحده الإضرار كافٍ في فسخ المعاوضة، وكذلك قال بعض المتأخرين، وقيل: لا بد أن يكون البائع عالمًا بقصد المشتري الضرر، وإلا لم يفسخ، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر.
ابن يونس: وهو أظهر. اللخمي: ويرد القضاء إذا صدر من عدو إلا أن يعنت الطالب بالمال فيقيم القاضي وكيلًا ليقبض ذلك من الغريم.
وقوله: (وشِبْهِهَا) أي شبه العداوة كمن عادته الضرر بالناس والتسلط عليهم.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي أَنَّهُ دَفَعَهُ مَحْتَسِبًَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ إِلا بِقَرِينَةٍ
يعني: إذا ادعى رجل على آخر دينًا ثم قام الدافع يطلب المال وقال المدفوع عنه: إنما دفعت عني على وجه المعروف احتسابًا، فالقول قول الدافع؛ لأن الأصل عدم خروج ملكه إلا على الوجه الذي قصده، إلا أن تقوم قرينة تدل على كذب الدافع، كما إذا دفع عن الميت المفلس ثم ظهر له مال لم يعلم به فطلب الرجوع.
ابن عبد السلام: إلا أن تقوم قرينة، فينبغي أن يحلف الدافع حينئذٍ ويأخذ ما دفع.
وَلا يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ
أي: لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلًا، سواء كان من رب الدين أو المديان أو غيرهما.
المازري: وللمنع علتان أولاهما: أن ذلك من بياعات الغرر؛ لأن من اشترى سلعة وقال لرجل: تحمل عني بثمنها وهو مائة على أن أعطيك عشرة دنانير، أو باع سلعة وقال الآخر: تحمل عني الدرك في ثمنها إن وقع الاستحقاق وأنا أعطيك عشرة لم يدر الحميل هل يفلس من تحمل عنه، أو يغيب فيخسر مائة دينار، ولم يأخذ إلا عشرة أو يسلم من الغرامة فيغرم العشرة؟
[ ٦ / ٢٩٤ ]
ثانيهما: أنه دائر بين أمرين ممنوعين؛ لأنه إن أدى الغريم كان له الجعل باطلًا، وإن أدى الحميل ورجع به على المضمون صار كأنه سلف ما أدَّى وربح ذلك الجعل، فكان سلفًا بزيادة ملك ويرد الجعل.
ابن القاسم في الموازية والواضحة: وإن علم بذلك الطالب سقطت الحمالة، وإلا ردَّ الجعل والحمالة تامة، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن وهب وأصبغ.
وهذا [٥٤٤/أ] إذا كان الفساد في الحمالة، أما إن كان الفساد في المتحمل به فكما لو أعطاه دينارًا في دينارين إلى شهر وتحمل له رجل بالدنانير فثلاثة أقوال:
الأول: لابن القاسم في المدونة والعتبية، ورواه عن مالك وهو قول ابن عبد الحكم أن الحمالة ساقطة، ومثله في الموازية؛ لأن فيها: وكل حمالة وقعت على حرام بين المتبايعين في أول أمرهما أو بعد فهي ساقطة، ولا يلزم الحميل بها شيء علم المتبايعان أن ذلك حرام أو جهلاه، علم الحامل بذلك أو جهله.
محمد: وسواء كان الفساد من عقد البيع أو سببه، وهو قول أشهب أن الحمالة بالحرام أو بالأمر الفاسد باطلة ووجه هذا القول أن الذي تحمل به هذا الحميل وهو الثمن لما سقط عن المتحمل عنه لفساد البيع سقط عن الحميل.
القول الثاني: أن الحمالة لازمة على كل حال، علم الحميل بفساد البيع أو لا، وهو قول ابن القاسم في العتبية، وقول غيره في المدونة وقول سحنون في نوازله، ووجهه أن الكفيل هو الذي أدخل المتحمل له في دفع ماله للثقة به، فعليه الأقل من قيمة السلعة أو الثمن الذي تحمل به.
الثالث: التفصيل بين علم الحميل بالفساد فعليه أو لا فلا شيء عليه، وهو لابن القاسم في العتبية، قال في الذي يعطي دينارًا في دينارين ويتحمل له رجل بالدينارين: إن
[ ٦ / ٢٩٥ ]
كان علم علتهما فعليه الدينار الذي أعطاه، وإن لم يعلم فلا شيء عليه؛ لأنه يقول: لو علمت لم أتحمل ولم أدخل في الحرام، وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت الحمالة في أصل البيع الفاسد، وأما إن كانت بعد عقده فهي ساقطة بالاتفاق.
تنبيه:
لا خلاف في ما ذكره المصنف من منع الضمان بالجعل إذا كان الجعل للحميل، قاله اللخمي. واخْتُلف إذا كان رب الدَّيْن أعطى المديان شيئًا على إعطائه حميلًا، فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهما، وعن أشهب في العتبية لا يصح، وعنه أيضًا أنه كرهه.
اللخمي وغيره: والجواز أبين، وهذا إن حل الدين.
اللخمي: ولو قال الحميل: أنا أتحمل لك على أن تعطي لفلان - لغير الغريم - دينارًا، لم يجز.
وقال أشهب في الموازية في من له على رجل عشرة دنانير إلى أجل فقال له قبل الأجل: هل لك أن أحط عنك دينارين وتعطيني بالثمانية رهنًا أو حميلًا -: لا بأس به. وقال ابن القاسم: لا يجوز.
اللخمي: وإنما منعه ابن القاسم؛ لأن الطالب إنما أخذ الحميل الآن خوفًا أن يعسر الغريم عند الأجل فيصبر إلى أن يوسر فإذا أعطاه حميلًا إلى أجل كأن قد تعجل دينه قبل الوقت الذي يصير إليه إذا لم يعطه حميلًا، فيصير بمنزلة من وضع بعض دينه لتعجيله قبل الأجل.
وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَضْمَنَ أَحَدُهُمَا لِيَضْمَنَهُ الآخَرُ.
أي: ولأجل امتناع الضمان بجعل امتنع ضمان شخص ليضمنه الآخر؛ لأن كل واحد ضمن صاحبه بجعل، وهو ضمان صاحبه له.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
أَمَّا لَوِ اشْتَرَيَا سِلْعَةً بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ جَازَ لِلْعَمَلِ
يعني: أن ما قدمه من منع ضمان أحدهما ليضمنه الآخر محمول على ما إذا لم يشتريا سلعة بينهما على التسوية، فإن هذه الصورة جائزة، وإن كان يدخلها الضمان بجعل، لكن جوزت لعمل الماضين.
ومفهوم قوله: (اشْتَرَيَا) أنه لو باع رجلان سلعة على أن كل واحد منهما حميل بالآخر لم يجز، وهو قول ابن لبابة، لكن قال ابن رشد: الصحيح خلافه، فقد أجاز في السلم الثاني من المدونة أن يسلم إلى رجلين على أن كل واحد منهما حميل بالآخر، ومنع في البيوع الفاسدة أن يبيع الرجلان سلعتيهما من رجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر وجعلها بعضهم اختلاف قول.
ابن رشد: والصواب خلافه، والفرق بينهما أن مسألة البيوع الفاسدة لم تكن كل سلعة شركة بين المتبايعين، ولذلك منع لأنه قد تستحق سلعة أحدهما ولا تستحق سلعة الآخر.
والفرق على قول ابن لبابة بين البيع والشراء أن المشتريين لو دفع البائع السلعة إلى أحدهما فيما عليه وعلى صاحبه جاز، ولون دفع المشتري إلى أحد المتبايعين اللذين كل واحد منهما حميل بصاحبه جميع الثمن، لم يجز.
ومفهوم قوله أنهما لو اقترضا على أن يكون كل واحد منهما ضامنًا للآخر لم يجز، وهو قول ابن الفخَّار، وأجاز ذلك ابن أبي زمنين وابن العطار.
ابن عبد السلام: وهو الأصح عندي.
وقوله: (سِلْعَةً) أي فأكثر، نص عليه ابن يونس في السلم الثاني.
وقوله: (عَلَى السَّوَاءِ) احترازًا مما لو كان لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، وتحمل كل واحد منهما بما على الآخر أيضًا مما اشتريا، فإنه يمتنع إلا أن يتحمل صاحب الثلث بمثل ما تحمل به الآخر فإنه جائز، نص عليه عبد الحق.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
وهذا يرد على المصنف؛ لأن مفهوم كلامه المنع في هذه الصورة، اللهم إلا أن يقال: إن قوله: (عَلَى السَّوَاءِ) راجع على الحمالة.
ويجُوزُ الضَّمَانُ عَنِ الْمَيِّتِ
لأنه معروف منه، ولا خلاف فيه عندنا.
الْمَضْمُونُ لَهُ
هذا هو الركن الثاني والمضمون له هو رب الدَّيْن.
وفي بعض النسخ: (المضمون) فيعود على الدَّيْن، وكل منهما لا تشترط معرفته كما نبه عليه المصنف بقوله.
ولا تُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ فَلَوْ تَحَمَّلَ دَيْنَ الميِّتِ وطَرَأَ غَرِيمٌ لَزِمَهُ
وهو ظاهر التصور.
الضَّامِنُ: شَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ فِي الثُّلُثِ
هذا هو الركن الثالث، واشترط فيه أن يكون أهلًا للتبرع؛ لأن الضمان قد يلزم منه تسليف الغريم ما في ذمته، والسلف عقد معروف.
خليل: على أنَّ الضمان عند أهل المذهب يكفي في الالتزام ممن حصلت له أهلية، ولا يشترطون فيه الحيازة من جانب آخر كما تشترط في غيره من أبواب المعروف، وهكذا [٥٤٤/ب] في المدونة.
ابن يونس: لأنها هبة للذي له الدَّيْن، فلم يفتقر إلى القبض كحميل الصداق عن الزوج للزوْجة لا يبطل بموت الحميل، وحكى المازري في ذلك قولين في المذهب:
أحدهما: أن عدم الحوز فيها كعدم الحوز في الهبة.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
والثاني: أنه يخالفها لحق المتحمل له، وخرج بأهلية التبرع الصبي وفاقد العقل والعبد والمريض فيما زاد على الثلث، ومذهب المدونة جواز كفالته بالثلث، وقال محمد: حمالة المريض جائزة ما لم يدخل على أهل دينه نقص بها ولا يكون المتحمل عنه مليئًا، فإن كان مليئًا جازت بكل حال، وقال عبد الملك: إن كان الغريم مليئًا لزمته الكفالة بالثلث، وإن كان عديمًا بطلت ولم تكن في الثلث؛ إذ لم يرد بها الوصية، وكذلك المرأة ذات الزوج فيما زاد على ثلثها إلا أن يجيزه الزوج، وأما في الثلث فيصح أنها أهل للتبرع فيه.
وإلى هذا أشار بقوله: (فَيَصِحُّ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ فِي الثُّلُثِ)، يريد وما زاد عليه يسيرًا كالدينار ولا خلاف في منعها فيما زاد على الثلث إذا كان الغريم معسرًا، وأما إذا كان موسرًا فقال اللخمي: منعه ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون، وهو أشبه؛ لأن الغالب السلامة، ونبه المصنف على ذات الزوج؛ لأنه قد يتوهم الجواز فيها مطلقًا لكونها لا تؤدي شيئًا في الحال.
تنبيه:
لا إشكال في أن منع الزوجة من الحمالة فيما زاد على ثلثها إنما هو لحق الزوج، فلذلك إذا ضمنته هو جاز وإن استغرق مالها، فإن ادعت أنه أكرهها على أن تحملت له أو عنه لم يقبل منها إلا ببينة عند ابن القاسم، ووافقه أشهب في الحوالة لها به، وألحق بالبينة إذا كان المتحمل له عالمًا بأن زوجها أكرهها، قال: فإن أنكر المتحمل له العلم فعليه اليمين إن ظن به ذلك كالجار القريب والنسب، وقال فيما إذا ادعت أنه أكرهها على أن تحملت له: إن عرف بالإساءة لها وقهرها فالقول قولها، ورأى أن هذه قرينة حال تشهد بصدقها.
محمد بن عبد الحكم: وإن تكفلت ذات زوج برجل آخر على ألا مال عليها فلزوجها رد ذلك؛ لأنه يقول: تحبس وأُمنع منها، وتخرج للخصومة وليس ذلك عليَّ.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وَإِذَا رَدَّ السَّيِّدُ ضَمَانَ الْعَبْدِ أَوِ الْمُدَبَّرِ أَوْ أُمِّ الْوَلَدِ لَمْ يُتْبَعْ بِهِ إِذَا عَتقَ
دلَّ كلامه على أنهم ليس لهم أن يضمنوا ابتداء من غير إذن السيد لحقه، ودل أيضًا على أن ضمانهم موقوف، وأن للسيد إجازته ورده.
وقوله: (رَدَّ) محمول على مجرد عدم الإجارة، وأما لو أسقط ذلك عنهم لما لزمهم شيء بعد كسائر عطاياهم، نص عليه في المدونة، ومذهبها جواز ضمان المكاتب بإذن السيد، وقال غيره فيها: لا يجوز، والمشهور: ليس له أن يضمن بغير إذنه خلافًا لابن الماجشون.
وليس للسيد أن يجبر عبده على الضمان على المشهور، وجعل في المدونة في باب الكفالة رد السيد رد إبطال، وفي الاعتكاف ما يدل على أنه رد إيقاف؛ لأنه فيه إن نذر عبدٌ عكوفًا فمنعه سيده لزمه ذلك إن عتق، وكذلك المشي والصدقة إذا نذر ذلك فلسيده منعه، فإن عتق يومًا لزمه ما نذر من مشي أو صدقة إن بقي ماله ذلك بيده، فرأى بعض الأندلسيين أنه اختلاف قول، وقال بعض القرويين: معنى قوله: (إن بقي ماله ذلك بيده) أي المال الذي نذر فيه لا الشيء المتصدق به بعينه، وقال ما في الاعتكاف منع ولم يرد، والذي في النذور رد، ولا خلاف أن رد الغرماء رد إيقاف ولا يستلزم الإذن في التجارة الإذن في الحمالة على مذهب المدونة خلافًا لابن الماجشون، وعلل القاضي إسماعيل قوله بأن في تحمله استئلافًا لمن يعامله ويتحمل عنه.
وَلِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ، وَفِيهَا: لا يُطَالِبُ الكَفِيلَ والأَصْلُ حَاضِرٌ مَلِيءٌ لَكِنْ إِذَا غَابَ أَوْ فلِسَ، ورَآهُ كَالرَّهْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِلْطَاطًا
الجوهري: يقال لطَّ الرجل إذا اشتد في الأمر والخصومة، وقال قبله: لطَّطَه؛ أي حجره، وهذان القولان لمالك في المدونة وغيرها كان أولًا يقول: له أن يأخذ من شاء منهما، ثم رجع إلى أنه لا يطالب الضامن والأصل حاضر مليء، وبه أخذ ابن القاسم.
ابن رشد: وهي الرواية المشهورة.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
ولعل المصنف نسبها للمدونة دون غيرها ليبين أنها المشهورة.
وقوله: (لَكِنْ إِذَا غَابَ أَوْ فلِسَ) راجع إلى قوله: (حَاضِرٌ مَلِيءٌ) الأول للأول والثاني للثاني، وألحق في المدونة بالمفلس المديان إذا خشي رب الدين إذا قام عليه المحاصة.
وقوله: (ورَآهُ كَالرَّهْنِ) توجيه للمرجوع إليه، وهو لصاحب النكت؛ أي أن الحميل لما كان يدخل للتوثقة شابه الرهن، فكما أنه لا سبيل للرهن إلا عند عدم المطلوب، فكذلك لا سبيل إلى الكفيل إلا عند عدم المطلوب.
والضمير في (رَآهُ) عائد على مالكه، والهاء عائدة على الحميل.
قال جماعة: ومنشأ الخلاف قوله ﷺ: «الزعيم غارم» هل يقتضي العموم لأنه لم يفصل، أو هو مجمل؟
وفي قوله: «غارم» إشارة إلى أنه إنما يغرم ما قد صار في حيز التلف، بأن يكون الغريم فقيرًا أو ممتنعًا.
وفي قول المصنف: (لَكِنْ إِذَا غَابَ) إطلاق يقيد بما إذا لم يكن للغائب مال حاضر، ففي المدونة: وأما إن كان للغائب مالٌ حاضر يُعْدى فيه فلا يتبع الكفيل، قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك، وفي النظر فيه بعد فيؤخذ من الحميل.
ابن رشد في الأسئلة: وهو تفسير لا خلاف، كذا حمله من أدركنا من الشيوخ، وبه جرى العمل.
وقوله: (مِلْطَاطًا) وقد تقدم قول الجوهري: ألطَّ [٥٤٥/أ] الرجل إذا انتشب في الأمر والخصومة، وقال قبل ذلك: لططت حقه إذا جحدته، والأول أقرب إلى مراد المصنف.
ابن راشد: وهذا لا ينبغي عدَّه خلافًا، بل هو جارٍ على المشهور، وكذلك ذكره غيره قال: وإذا فرعَّنا على الرواية المشهورة: وطلب الغريم فوجده عديمًا أو غائبًا موسرًا أو فقيرًا أو حاضرًا مديانًا فخاف الطالب إن قام عليه الحصاص أو يكون حاضرًا مُلِدًَّا فله طلب الحميل.
[ ٦ / ٣٠١ ]
فروع مرتبة على المشهور:
أولها: لو قام الطالب على الحميل فقال الحميل: الغريم مليء، وقال الطالب: بل هو عديم، ففي المقدمات: اختلف هل القول للطالب ويغرم الحميل إلا أن يقيم الحميل بينة بملاء الغريم وهو قول سحنون في نوازله، أو القول للحميل إلا أن يقيم الطالب بينة بعدم الغريم، وهو ظاهر ما في سماع سحنون في كتاب النكاح أن الغريم محمول على اليسر، وذكر ابن زرقون القولين عن ابن القاسم، والأظهر هو الثاني.
الثاني: لو اشترط الطالب أن يبدأ بأيهما أحب فاختلف قول مالك وابن القاسم هل يوفى بالشرط أم لا؟ ففي المقدمات والبيان: المشهور عن ابن القاسم في المدونة وغيرها أن الشرط عامل، وبعدمه أخذ أشهب وابن كنانة وابن الماجشون.
الثالث: لو اشترط البداية بالحميل.
المازري: فإن كان في ذلك الشرط منفعة لمشترطه لكونه أملأ أو أسمح قضاء أو أيسر وجب الوفاء بشرطه، وإن لم تظهر المنفعة جرى على الخلاف في الوفاء بما لا يفيد، وفيه قولان.
وعمم صاحب البيان الخلاف سواء ظهر للشرط فائدة أو لا، إلا أنه زاد ثالثًا بإعمال الشرط في المسيء المطالبة وفي ذي سلطان، نسبه لابن القاسم، ورابعها: بإعمال الشرط مطلقًا، إن كان في أصل البيع وإن كان بعد البيع نفعه في سيء القضاء وفي ذي السلطان، قال: وهو أيضًا لابن القاسم.
الرابع: لو شرط الحميل ألا يرجع عليه إلا بعد تعذر الوفاء من الغريم لم يختلف في إعمال الشرط، وألحق المازري بذلك إذا كانت العادة عدم مطالبة الضامن إلا بعد تعذر الوفاء من الغريم.
[ ٦ / ٣٠٢ ]
وَمَهْمَا أَبْرَأَ الأَصْلَ بَرِئَ الْفَرْعُ بِخِلافِ الْعَكْسِ
أي: ومهما أبرأ الطالب (الأَصْلَ) أي الغريم (بَرِئَ) أي الضامن؛ لأن طلب الحميل فرع بثبوت الدين عن الغريم، فإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع، وهكذا قال الباجي وابن شاس وغيرهما، فإن قيل: هو خلاف ما وقع لمالك في الموازية والعتبية؛ لأن في الموازية من رواية أشهب في من باع سلعة وأخذ حميلًا وكتب عليهما أيهما شاء أخذه بحقه، فمات الغريم فبيعت جميع تركته فاستوفى ثلثي حقه، ثم سأله الورثة أن يحلل الميت مما بقي ففعل، فقال الحميل: لا شيء لك عليَّ لأنك حللت الغريم، قال مالك: يحلف ما وضع إلا للميت وهو على حقه، وفي العتبية في من له حقان حق بالحمالة وحق بغيرها، وكتب في الحمالة أيهما شاء أخذه بحقه، ثم مات الغريم واستوفى الطالب ثلثي حقه، وسأله الورثة أن يحلله ففعل ثم طلب الحميل، فقال الحميل: ليس لك قِبَلي شيء، فقال مالك: أرى أن يكون الذي أوصل إليه من مال الميت بين المستحقين بالحصص، ويحلف بالله ما وضعت إلا للميت، ثم تكون على الحميل حصته من ذلك الدين.
قيل: قد أنكر جماعة من الشيوخ هاتين المسألتين، أما الأولى فقال ابن المواز: فيها شيء، وقال في موضع آخر: فيه نظر، وكذلك أيضًا استشكلها ابن يونس وقال: إنما يتوجه الغرم على الحميل إذا كان الحق ثابتًا على الغريم فإذا سقط عنه أو بعضه سقط عن الحَمِيلِ، كما لو أدَّى الغريم الحق أو بعضه.
ابن راشد: وما قاله ابن يونس هو الصواب، وكذلك استشكل في البيان مسألة العتبية نحو ما ذكر ابن يونس، قال: ورأيت لابن دَحُّون في هذه المسألة أنه قال: إنما لزمه اليمين من أجل الدين الذي كان له بغير حمالة فيحلف أنه ما حلله إلا من دينه الذي كان له بغير حمالة، ولو كان الدين كله بحمالة لم يكن له تبع على الحميل، قال: وهو تأويل تصح به المسألة، فينبغي أن تحمل عليه، وإن كان بعيدًا عن لفظها.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
ابن عبد السلام: ومسألة الموازية لا تقبل هذا التأويل.
وأجاب المازري عن الإشكال الوارد عن المسألتين بأن الناس يعتقدون أن من له الدين يطالب من هو عليه في الآخرة، قال: ويؤيد اعتقادهم هذا قوله ﷺ: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» فأشار إلى أحكام الآخرة، وإن مات وعليه دين كان الأمر فيه هكذا، وامتنع النبي ﷺ من الصلاة عليه حتى يقضى عنه دينه، كما ورد في الحديث.
وإذا تقرر هذا وأمكن أن يريد رب الدين - لما سئل أن يحلل الميت المديان - بتحليله ألا يطالبه في الآخرة، وإسقاط إثم المطل عنه إن كان مطله، فهذا مما يختلص بالغريم دون الحميل فيحلف من له الدين أنه لم يرد إلا إتباعه في الآخرة ويبقى الحميل مطلوبًا بما تحمل به، ولا يسقط عنه بالشك ما كان عليه باليقين، فلما رأى المصنف وابن شاس ما في هاتين الروايتين من الإشكال تبعًا في ذلك ما ذكره الباجي وغيره من الشيوخ، على أنه يمكن الجمع بينهما بأن يحمل ما ذكره الباجي وابن شاس والمصنف على الغريم الحي، وما في الروايتين على الغريم الميت، ولا يبقى في المسألة خلاف، وهو الذي يؤخذ من تعليل المازري.
ويحتمل أن يحمل ما ذكره الباجي على ما إذا لم يشترط رب الدين أن يأخذ أيهما شاء، بخلاف مسألة العتبية والموازية، فإنه نص فيهما على الاشتراط، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام الباجي؛ لأنه قال: إذا وهب الطالب حقه للغريم برئ الحميل ولو وهب الحق للحميل لم يبرأ الغريم، وعليه أن يؤدي للمتحمل له ثم قال:
فرع:
ومن أخذ حميلًا بثمن سلعة على أن يأخذ أيهما شاء بحقه، فمات الغريم فحلله الطالب، وذكر الروايتين. [٥٤٥/ب]
قوله: (بِخِلافِ الْعَكْسِ) أي فلا يلزم من براءة الحميل براءة الأصل، وهكذا في المدونة.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
فرع:
فإن غاب الغريم وغرم الحميل، ثم قدم الغريم فأثبت أنه كان دفع، ففي الموازية: ينظر فإذا دفع الحميل الحق قبل الغريم وبعد الأجل فيه الرجوع على الغريم؛ لأن دفعه كان بحق، ويرجع الغريم بما دفع على صاحب الحق، وإن كان الغريم قد دفع قبل الحميل فلا تباعة للحميل عليه، ويرجع الحميل على صاحب الحق بما دفعه إليه، وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا من دفع إليه إلا أن تكون له بينة أنه الدافع أولًا، أو بقضاء من سلطان بعد أن يحلف الغريم أنه الدافع قبل، فإن نكل حلف الحميل فأغرم الغريم، فإن نكلا جميعًا لم يكن على الغريم شيء.
وَلا يُطَالِبُ الضَّامِنُ بِمُؤَجَّلٍ بَعْدَ مَوْتِ الْمَضْمُونِ إِلا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ
يعني: إذا مات المضمون قبل حلول أجل الدين، فلا يطالب الضامن بالديْن إلا بعد الأجَلِ.
وهذا معنى قوله: (بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ) لأنَّه لا يلزم من حلول الدَّيْن على الغريم حلوله على الحميل لبقاء الذمة، وحكى ابن رشد الاتفاق عليه.
وفي بعض النسخ (ولو مات الأصل تعجله من ماله)، فإن لم يترك وفاء لم يطلب الكفيل بمؤجل بعد موت المطلوب إلا بعد استحقاقه، وهي ظاهرة.
ابن القاسم في المدونة: وإن مات الغريم مليئًا والطالب وارثه برئ الحميل؛ لأنه إن غرم للطالب شيئًا رجع عليه بمثله في تركه الميت، والتركة في يده فصار كمقاصة، فإن مات الغريم معدمًا ضمن الكفيل.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
ولِلْمَضْمُونِ لَهُ طَلَبُ تَرِكَةِ الضَّامِنِ ويَرْجِعُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْمَضْمُونِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، وقِيلَ: يُؤقَفُ إِلَى الأَجَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَصْلُ مَلِيئًا أَخَذَهُ الْغَرِيمُ، قَالَ يَحْيَى: هَذِهِ رِوَايَةُ سُوءٍ
لم تكلم على موت المضمون قبل الأجل تكلم على موت الضامن قبله؛ يعني: وإن مات الضامن قبل الأجل فلِلْمَضْمُونِ لَهُ - أي رب الدَّيْنِ - تعجيل الحقِّ من ورثة الضامن.
قال في المدونة: ولو كان الغريم حاضرًا مليئًا وله أن يحاصص غرماءَهُ ويرجع إذا أخذ ربُّ الدَّيْن الحق من تركة الضامن ورثة الضامن - على المضمون أي الغريم بعد استحقاقه الدين.
وقوله: (وقِيلَ) هذا القول رواه ابن وهب وقاله عبد الملك، وإنما قال يحيى: هذه رواية سوء لأنه حجر المال من غير فائدة حصلت لورثة الحميل ولا لربِّ الدين، وقد يهلك فلا يحسن أن يجعل ضمانه من واحد منهما.
خليل: ويظهر أن الوارث لو رضي بإيقافه، وقال: إن تلف كان ضمانه مني لأخاصم عند الأجل أن يكون القول قوله، وإليه أشار ابن راشد وجعل عبد الوهاب رواية ابن القاسم مبنية أن للطالب أن يطالب أيهما شاء، ورواية ابن وهب على أن لا يطالب الضامن إلا في غيبة الغريم أو عدمه، وأنكر ذلك ابن يونس وغيره، ورأى أن الخلاف هنا مبني على الرواية بعدم مطالبة الضامن إلا من بعد تعذر الأصل؛ لأن ابن القاسم ممن قال: لا يطالب الضامن إلا في غيبة الغريم أو عدمه، فكيف يفرع على غيره، وهذا هو الأقرب، وحكى اللخمي والمازري عن ابن نافع قولًا ثالثً بالفرق، فإن كانت تركة الحميل مأمونة واسعة لم يؤخذ الدين منها معجلًا ولا موقوفًا وإلا وقف الدين لتخليصه عند الطَّلب.
تنبيه: هذا حكم ضامن المال؛ لأن كلام المصنف إنما هو فيه، وأما ضامن الوجه فسيأتي.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
وَلِلضَّامِنِ الْمُطَالَبَةُ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ الطَّلَبِ
قال في الجواهر: إن للكفيل إجبار الأصل على تخليصه إذا طولب وليس له ذلك قبل أن يطالب، وعلى هذا فيكون معنى قول المصنف: (عِنْدَ الطَّلَبِ) أي طلب الكفيل، وهذا إنما يأتي على قول مالك المرجوع عنه، وقال ابن عبد السلام: يعني أن ربَّ الدين إذا توجَّه له الطلب فسكت عنه أو نص على تأخيره فللحميل ألا يرضى بذلك التأخير، ويقول لرب الدين: إما أن تطالب حقك وإلا أسقط عني الحمالة، وهذا مقيد بما إذا كان الغريم موسرًا، وأما المعسر فلا كلام له.
وحمل كلام المصنف على هذا أحسن؛ لأنه المتبادر إلى الفهم.
فرع: فإن أخر رب الدين الغريم بعد الأجل ففي البيان: تحصيل المسألة أن المطلوب إذا أخره الطالب فلا يخلو إما أن يكون مليئًا أو معدمًا، فإن كان معدمًا فلا كلام للحميل باتفاق، وإن كان مليئًا فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يعلم فينكر، والثاني: أن يعلم فيسكت، والثالث: أن يعلم حتى يحل الأجل الذي أنظره إليه، فالأول لا يلزمه تأخير الطلب، ويقال له: إما أن تسقط الكفالة وإلا فاحلف أنك ما أخرته إلا على أن يبقى الكفيل على كفالته، فإن حلف لم يلزمه التأخير، والكفالة ثابتة على كل حال، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وإن كان سكت فيها عن اليمين، وقال غيره في المدونة: الكفالة ساقطة على كل حال، وقيل: إنها لازمة بكل حال.
خليل: انظر هذا فإن الظاهر أنه كالقول الأول، وأما إن علم بذلك فسكت حتى حل الأجل فالكفالة لازمة قاله في المدونة، ويدخله الخلاف المعلوم في السكوت، هل هو كالإقرار أم لا؟ وأما إن لم يعلم بذلك حتى حل الأجل فيحلف صاحب الحق ما أخره
[ ٦ / ٣٠٧ ]
ليبرأ الحميل من حمالته وتلزمه الحمالة، فإن نكل عن اليمين سقطت الحمالة، وهذا كله في التأخير الكثير، وأما اليسير فلا حجة للكفيل فيه. انتهى.
قال في المدونة: وإذا أخر الطالب الحميل بعد محل الحق فذلك تأخير للغريم، إلا أن يحلف ما كان ذلك تأخيرًا للغريم، فيكون له طلبه؛ لأنه لو وضع الحمالة كان له طلب الغريم إن قال: وضعت الحمالة دون الحق، وإن نكل لزمه تأخيره.
تنبيه: وقع في بعض النسخ بإثر هذه المسألة ما نصه:
ولا يلزم تسليم المال للحميل ليؤديه؛ إذ لو هلك لكان من الأصل.
ونحوه في الجواهر والمدونة في السلم الثاني، إلا أن في قول المصنف: (إذ لو هلك لكان من الأصل) إطلاقًا يبينه [٥٤٦/أ] ما في المدونة، وإذا دفع الغريم الحق إلى الكفيل فضاع فإن كان على الاقتصاء ضمنه الكفيل قامت بهلاكه بينة أم لا، عينًا كان أو عرضًا أو حيوانًا؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت على الرسالة لم يضمنه، وهو من الغريم حتى يصل إلى الطالب.
ويحتمل أن يريد المصنف بقوله: (لكانَ من الأصل) أن لصاحب الدين أن يطلبه من الغريم، ويرجع به الغريم على الكفيل إن أخذه على الاقتضاء.
وَيَرْجِعُ إِذَا أَدَّى بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَضْمُونِ لَهُ، ولا يُفِيدُ إِقْرَارُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ
أي: ويرجع الضامن إذا أدَّى عن الغريمِ بشَرْطِ أن تشهد بينة بمعاينة الدفع للطالب، أو يقر الطالب بالقبض، وهو مراده بقوله: (بِإِقْرَارِ الْمَضْمُونِ لَهُ) وهو الطالب؛ لأنَّ الحقَّ سقط بهذين الوجهين، وأما إقرار المضمون عنه أنه دفع للطالب فذكر المصنف أنه لا يقبل؛ لأن الحق لا يسقط عن الغريم ومن حجته أن يقول للضامن: أنت فرطت بتركك الإشهاد، ولا أعلم في ذلك خلافًا إذا أدَّى الضامن للمضمون له بغير حضرة الغريم، وأما بحضرته فلابن القاسم في سماع عيسى أنه لا يرجع لتقصيره في ترك الإشهاد، وله في سماع أبي زيد أنه يرجع؛ لأن التقصير كان من الغريم؛ لأن الحميل أدَّاها عنه بحضرته.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
ابن رشد: والأول أظهر؛ لأنَّ المال للضامن فهو أحق بالإشهاد على دفعه.
فرع:
ويردع بمثل ما أدى إذا كان مثليًا، واختلف إذا تكفل بعرض وأداه فالمشهور وهو قول ابن القاسم وأشهب: يرجع بمثله لأنه سلف؛ وفي سماع أبي زيد أن المطلوب مخير إن شاء دفع مثله، وإن شاء دفع قيمته. وفي الواضحة أنه لا يغرم إلا مثله، قال في البيان: ولا خلاف أنه اشترى العرض أنه يرجع بمثله الذي اشتراه به ما لم يحابِ فلا يرجع بالزيادة.
وَإِذَا صَالَحَ الضَّامِنُ رَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ
لما ذكر حكم الضامن إذا أدى مثل الدين وأنه يرجع به ذكر إذا أدى غيره.
وقوله: (صَالَحَ) يريد بمقوم، بدليل قوله: (رَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ).
ويُفْهم من كلامه جواز المصالحة ابتداءً، وفي ذلك ثلاثة اقوال: الجواز مطلقًا؛ لأنه مكارمة، ولأنه دخل على أن الغريم بالخيَارِ إنْ شاء دفع ما عليه، وإن شاء دفع قيمة ما أعطى أو مثله إن كان مثليًا.
والمنع مطلقًا؛ لأنه أخرج من يده شيئًا لا يدري أيأخذ قيمته أو ذلك الدين، فهو بيع بثمن مجهول.
والتفرقة فإن صالح عنه بمثلي امتنع، وبمقوم جاز، واختلف قوله في المدونة: (إذا صالح بمثلي مخالف لجنس الدين) فمنعه في السلم الثاني، وأجازه في الكفالة.
ابن عبد السلام: وهو أقرب؛ لأن الباب معروف، وحكى ابن رشد رابعًا بالجواز فيما تجوز فيه النسيئة في المبايعة، والمنع فيما لا تجوز فيه، كأن يؤدي دنانير عدة عن دراهم أو تمرًا عن قمح.
الباجي: وإلى منع المصالحة بالدنانير عن الدراهم وبالعكس رجع ابن القاسم وأشهب وأصحابهما.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
محمد: لأنه يدخله الصرف بخيار، قال: وعلى القول بمنع المصالحة يرجع على الطالب بما دفع إليه، وعلى الجواز فقيل: يرجع الكفيل على المطلوب المتحمل عنه بما تحمل عنه به، وقيل: يخير المتحمل عنه، فإن شاء أغرمه ما غرم عنه، وإن شاء غرم الذي كان عليه والقولان قائمان من المدونة.
فإن قيل: فما وجه القول بالفرق بين المقوم والمثلي؟ قيل: لأن المقوم لما كان يرجع فيه إلى القيمة، وهي من جنس الدين، والحميل يعرف قيمة سلعته فقد دخل على القيمة إن كانت أقل من الدين، وإن كانت أكثر فقد دخلا على أخذ الدين وهبة الزيادة، بخلاف المثلي؛ لأنه من غير جنس الدين فلا يعرف فيه الأقل والأكثر؛ لأن الأقل والأكثر لا بد أن يشتركا في الجنس والصفة، فكانت الجهالة في المثلي أقوى، قال جماعة: ولا خلاف في الجواز إذا دفع من الصنف الذي على المديان، ولكن أدنى منه أو أجود؛ إذ لا يشك أحد أن الدافع لا يختار إلا الأخف.
وعورضت بقوله في المدونة فيمن أمر رجلًا يشتري له سلعة بالعين ولم يدفع إليه شيئًا، فاشتراها بغير العين: أن الآخر مخير في ترك ما اشتراه، ولا إشكال أن يدفع للمأمور ما ودى عنه، وكان ينبغي إن رضي بالشراء أن يدفع له الأقل مما أمر به أو قيمة ما اشترى به بجامع أن كل واحد من الوكيل والكفيل فعل غير ما أمر به لقصد المعروف، وتردد بعضهم في صحة هذه المعارضة، وفي الفرق بأن المأمور مأذون له في السف؛ لأن الفرض أن الآمر لم يعطه شيئًا، فإذا أمضى الآمر فعله فإنما أمضاه على الوجه الذي فعله وهو السلف، وأما الكفيل فلم يؤذن له في شيء بوجه، وإنما قصد هو من جهة نفسه التطوع، فلا يكون على الغريم إلا الأقل.
واعلم أن الضامن يتنزل منزلة الغريم؛ فما جاز للغريم أن يدفعه عوضًا عما عليه جاز للضامن، وما ليس فليس، فلو ضمنه في عروض عليه من سلم لم يجز له أن يصالح عنها
[ ٦ / ٣١٠ ]
قبل الأجل بأدنى صفة أو قدرًا؛ لئلا يدخله: (ضع وتعجل)، ولا بأكثر؛ لئلا يدخله: (حط الضمان عني وأزيدك)، وأجازوا أن يصالح بعد الأجل بدنانير طيبة عن دنانير أدنى منها؛ لأنه يعلم أن الغريم لا يعطي إلا الدنية، وكذلك العكس؛ لأنه يعلم أن الغريم لا يدفع إلى الذي عليه.
المازري: لكن لم يطرد هذا في المدونة في الطعام من السلم، فإنه منع الكفيل أن يصالح من له الدين إذا حل الأجل بطعام أجود مما تحمل به أو طعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضى عن الغريم لا ليشتريه لنفسه.
وعلل ذلك بأنه بيع الطعام قبل قبضه لأجل ما يكون لمن عليه الدين من الخيار في أن يدفع مثل ما دفعه الكفيل أو الدين الذي عليه، والمسألة تحتمل من التفريع أكثر من هذا، لكن تركنا ذلك لمحاذاة كلام المصنف.
وَضَابِطُ [٥٤٦/ب] تَرَاجُعِ الْحُمَلاءِ أَنَّ مَنْ غَرِمَ أَخَذَ مَنْ يَلْقَاهُ بِمَا أَدَّا عَنْهُ مِنْ حَصَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ ثُمَّ بِنِصْفِ مَا أَدَّاهُ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْحَمَالَةِ لأَنَّهُ شَرِيكُ، وَيَتَرَاجَعُونَ
لما كان الحميل قد يتحد وقد يتعدد وكان الحكم في الواحد يؤخذ بما تقدم، أخذ في بيان المتعدد وذكر له ضابطًا مثاله: لو اشترى ثلاثة سلعة بثلاثمائة، وتحمل كل منهم بصاحبه فإذا لقي البائع أحدهم أخذ منه الجميع مائة بطريق الأصالة، وبمائتين عن صاحبيه بطريق الحمالة، ثم إن لقي هذا الدافع أحدهما أخذ منه مائة؛ لأنه أداها عنه وخمسين نصف الثلث الباقي من الحق؛ لأنه كان أداها عن الغريم الثالث، وهما معًا حميلان فيتساويان فيها، فمن لقيه منهما أخذ منه الخمسين لأنه شريكه؛ أي من الحمالة.
[ ٦ / ٣١١ ]
وَيظْهَرُ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ إِذَا اشْتَرَى سِتَّةُ نَفَرٍ سِلْعَةً بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ الْبَائِعُ أَحَدَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ فَإِن لَقِيَ الْغَارِمُ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ عَنْ حِصَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ وبِمِائَتَيْنِ نِصْفِ مِا بَقِيَ مِنَ الْحَمَالَةِ فَإِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينِ وبِخَمْسَةٍ وسَبْعِينَ فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ وخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ثُمَّ إنْ لَقِي الرَّابِعُ الخَامِسَ، أَخَذَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَسِتَّةٍ ورُبُعٍ إِلَى أَنْ يَلْقَى الْخَامِسُ السَّادِسَ فَيَاخُذَ مِنْهُ سِتَّةً ورُبُعًا لأَنَّهُ أَدَّاهَا عَنْهُ وحْدَهُ
(بِالْحَمَالَةِ) أي على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال، فإذا لقي الطالب أحدهم أخذه بستمائة عليه منها مائة، والخمسمائة الباقية بطريق الحمالة، فإذا لقي الغريم أحد الخمسة لم يكن له طلب بالمائة التي دفعها عن نفسه، وهكذا كل من دفع عن نفسه شيئًا لا رجوع له به، تبقى له خمسمائة، منها مائة على هذا الثاني، فيأخذها منه تبقى أربعمائة، فيقول له: ادفع لي نصفها مائتين لأنك شريكي في الحمالة، فإذا لقي أحد هذين ثالثًا أخذه بخمسين وخمسة وسبعين؛ لأنه دفع ثلاثمائة مائة عن نفسه لا رجوع له بها، ومائتين عن هذا الثالث، وعن الثلاثة الباقين ينوبه منها خمسون فإذا قبضها منه قال: بقيت لي مائة وخمسون عن الثلاثة الباقين وأنت شريكي فيها، فإن لقي الذي دفع خمسين وخمسة وسبعين رابعًا فالخمسون لا رجوع له بها لأنها عنه، وقد أدى عن الرابع وعن صاحبه خمسة وسبعين منابه منها خمسة وعشرون، فإذا قبضها قال: بقي لي خمسون أنت شريكي فيها.
وقوله: (بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَسِتَّةٍ ورُبُعٍ)؛ أي فإن لقي هذا الرابع الذي دفع خمسة وعشرين وخمسة وعشرين خامسًا، فالخمسة والعشرون التي دفعها عن نفسه لا رجوع له بها، وقد دفع عن الخامس وعن صاحبه خمسة وعشرين تنوبه منها اثنا عشر ونصف، فإذا قبضها قال: بقيت لي اثنا عشر ونصف وأنت شريكي فيها، فإن لقي الخامس السادس
[ ٦ / ٣١٢ ]
الذي دفع اثنا عشر ونصفًا عن نفسه وستة وربعًا بالحمالة سادسًا لم يأخذ الخامس من السادس إلا ستة وربعًا؛ لأنها هي التي أداها عنه وحده.
تنبيهات:
الأول: ما ذكرناه من صورة العمل هو الذي حسب الفقهاء كلهم المسألة عليه، وذهب أبو القاسم الطبري الفارض إلى أن العمل على هذا غلط في الحساب، وأن صورة التراجع مثلًا من الثاني على الثالث يجب أن يكون على غير هذا العمل، بل إذا التقى الثالث مع أحد الأولين يطلبه بالاعتدال معه في الغرم عن الثالث، فيقول: كنا اجتمعنا باجتماع بعضنا ببعض، ولو اجتمعنا لكان المال علينا أثلاثًا مائتان على كل واحد، فعلي مائتان غرمتها أنت وصاحبك عني فخذ واحدة أنت، فهي التي تقع لك وادفع إلى صاحبك المائة التي دفعها عني إذا لقيته فيستوفي في كل واحد مائتين كما لو اجتمعنا في دفعة، وهكذا إذا لقي الثالث الرابع وهكذا بقيتها.
التنبيه الثاني: قول المصنف: (فلو لقي أحدهم فأخذ منه) هل له أن يأخذ الجميع من أحدهم، وإن كانوا حاضرين أو يشترط تعذر الوفاء من بقيتهم؟ فيه تفصيل: إن قال لهم صاحب الدين: أيكم شئت أخذته بحقي فله أخذ أحدهم بالجميع، كان الباقي حضورًا أملياء أم لا، وإن لم يقل: أيكم شئت أخذته بحقي لم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض إلا في العدم؛ لأن الحميل لا يؤخذ بالحق في ملاء الغريم وحضوره على الرواية المشهورة.
ابن يونس: وليس للغريم فيها إذا اشترط أنه يأخذ بحقه من شاء منهم أن يرجع على كل واحد من أصحابه إلا بما عليه من أصل الدين؛ لأنه لم يؤدِّ مع هذا الشرط بالحمالة، بل صارَ كل واحد غريمًا لصاحِب الدين، وسواء كانت حمالة بعضهم عن بعض وهم شركاء في سلعة أو حمالة عن غيره.
[ ٦ / ٣١٣ ]
التنبيه الثالث:
اعلم أن هذه المسألة على وجهين: أحدهما: أن يكون الحملاء غرماء بأن يشتروا سلعة وهي التي ذكرها المصنف، والثاني: أن يكونوا حملاء ليسوا بغرماء؛ أي يتحملوا بدين هو على غيرهم، ولم يتعرض المصنف لهذا الوجه.
ولا خلاف في مسألة المشترين أن من دفع يطالب صاحبه الذي يلقاه بما يقع عليه من المال، ولا يأخذ منه المائة التي تلزمه في خاصَّته، ويقتسمان ما بقي، وأما إن كان الحقُّ على غيرهم فاختلف إذا أخذ الحق من بعضهم ثم لقي الآخر هي يقاسمه بالسواء في الغرم، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما.
قالوا: لأنهم سواء في الحمالة وليس يخص أحدهم ما لا يخص غيره، أو إنما يقاسمه بعد إسقاط ما يخصه كالأول، وإليه ذهب كثير من الأندلسيين، ونحوه في المدونة وفي سماع أبي زيد في المستخرجة؟ وجعلوا ما ينوب كل واحد من [٥٤٧/أ] المال وهي مائة بالحمالة كما لو كان عليه دين، ونص المسألة على الوجه الثاني من المدونة.
مالك: وإذا تكفل ثلاثة رجال بمال على رجل حمالة مبهمة فأعدم الغريم، لم يكن للطالب على من لقي من الحملاء إلى ثلاث الحق، إلا أن يشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذٍ إن غاب أحدهم أو عدم أخذ من وجد منهم مليئًا بجميع الحق، وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور الغريم وملائه.
ولو شرط: أيكم شئت أخذته بحقي، ولم يقل: بعضكم كفيل ببعض، فليأخذ أحدهم بجميع الحق وإن كانوا حضورًا أملياء، ولا رجوع للغارم على أصحابه؛ إذ لم يؤدِّ بالحمالة عنهم، ولكن عن الغريم، ولو قال: بعضكم كفيل ببعض وقال مع ذلك: أيكم شئت أخذته بحقي، أو لم يقل، فإنه إن أخذ من أحدهم في هذا جميع المال رجع الغارم على أصحابه إذا لقيهم بالثلثين، وإن لقي أحدهم رجع عليه بالنصف. وذكر ابن حبيب عن
[ ٦ / ٣١٤ ]
جميع أصحاب مالك مثل ما في المدونة؛ أعني أنه لا رجوع للغريم على أصحابه فيما إذا قال: أيكم شيئت أخذته بحقي.
اللخمي: وقال محمد: له أن يرجع على أصحابه إذا كانوا أربعة على كل واحد بربع الحق، والقول الأول أبين ومجمل قوله: أنه إنما يأخذ من شاء منهم على الغريم حتى يتبين أنه إنما يأخذه بذلك عن أصحابه.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون في من باع شيئًا من رجلين وشرط أن يأخذ أيهما شاء بجميع الثمن، أو تحمل له رجلان بدين وشرط عليهما ذلك، فشرطه باطل، وليس له اتباع أحدهما بأكثر من نصيبه إلا في عدم صاحبه أو غيبته كالحمالة المبهمة، وقاله ابن كنانة وأشهب، وقول ابن القاسم بلزوم الشرط أظهر؛ لأن الناس عند شروطهم، وقد اختلف قول مالك في الحميل المبهم فكيف بالشرط؟ وقاله أصبغ وابن حبيب.
فرع:
ويتنزل منزلة حمالة بعضهم عن بعض ما رواه ابن وهب عن مالك في المدونة: إذا كتب الرجل حقه على رجلين وشرط أن حيَّكما عن ميتكما ومليئكما عن معدمكما، فكذلك حمالة أحدهما عن الآخر.
التنبيه الرابع: المازري: أفردت جماعة من الأشياخ لمسألة الستة حملاء تأليفًا، ولم يذكر المصنف إلا ابتداء العمل؛ فرأينا أن نكمله حتى يؤدي كل واحد مائة، فإني رأيت نفوس الطلبة عند إلقائها تطلب تمام عملها، وربما صعب ذلك عليهم وهأنا أذكره على ما قاله المازري، فأقول:
إذا غرم الأول ستمائة، ثم لقي أحدهم فأخذ منه ثلاثمائة كما تقدم، ثم إن لقي الأول ثانيًا قال له: غرمت ثلاثمائة عن نفسي مائة أصالة ومائتين بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم،
[ ٦ / ٣١٥ ]
يلزمك في خاصتك خمسون ويبقى مائة وخمسون، وعليك نصف ما بقي، وهو خمسة وسبعون، فجميع ما يأخذ منه مائة وخمسة عشرون، فصار جميع ما أخذ من صاحبه مائة وخمسة وعشرين، ويبقى مما أدى بالحمالة خمسة وسبعون، ثم إن لقي ثالثًا قال له: أديت بالحمالة خمسة وسبعين عن ثلاثة أنت أحدهم فادفع إليَّ ثلثها خمسة وعشرين ونصف ما بقي مما أديت بالحمالة، فإنك به معي حميل، فجميع ما يأخذه منه خمسون وتبقى له خمسة وعشرون، ثم إذا لقي رابعًا قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسة وعشرون هي عليك وعلى صاحبك السادس فأعطني نصفها اثني عشر ونصفًا ونصف ما بقي، وذلك ستة وربع، فجميع ما يأخذ منه ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وبقي له مما غرم ستة وربع، ثم إذا لقي السادس أخذها منه، فهذا كمال عمل الأول، ثم تعود إلى الذي يليه وهو الثاني الذي لقيه أولًا وغرم ثلاثمائة، فإذا لقي الذي يليه وهو الثالث الذي كان غرم للأول أيضًا مائة وخمسة وعشرين، فيقول له: أنا [٥٤٧/ب] قد أديت بالحمالة من هذه الثلاثمائة التي غرمت مائتين عن أربعة نصيبك منها خمسون، فيأخذها منه فتبقى مائة وخمسون أنت معي بها حميل، فيقول هذا الثالث: قد أديت أنا أيضًا بالحمالة للأول خمسة وسبعين سأؤتيك في مثلها، وتبقى لك خمسة وسبعون فخذ نصفها سبعة وثلاثون ونصف، فجميع ما يأخذ منه سبعة وثمانون ونصف، فجميع ما أدى هذا الثالث للأول والثاني مائتان واثنا عشر ونصف، وبقي للثاني مائة واثنا عشر ونصف مما أدى بالحمالة؛ لأنه أدى ثلاثمائة منها عن نفسه ومائتان بالحمالة، رجع إليه مما أدى بالحمالة سبعة وثمانون ونصف المائتين، فالباقي له مما أدى بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف، ثم إذا لقي الرابع الذي كان غرم للأول خمسين، قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف على ثلاثة أنت أحدهم يلزمك ثلثها في خاصتك، وهي سبعة وثلاثون ونصف فيأخذها منه، ويقول لهك بقيت لي خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فأعطني نصفها، فيقول له هذا
[ ٦ / ٣١٦ ]
الرابع: قد وديت أنا بالحمالة للأول خمسة وعشرين، سأؤتيك في مثلها وبقيت لك خمسون فخذ نصفها، فجميع ما أخذ منه اثنان وستون ونصف، فجميع ما أدى الرابع للأول والثاني مائة واثنا عشر ونصف، فيبقى للثاني مما أدى بالحمالة خمسون، ثم إن لقي الخامس قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة أيها الخامس عنك وعن السادس خمسون عليك نصفها خمسة وعشرون فيأخذها منه ويقول له: بقيت لي عليك خمسة وعشرون بالحمالة أنت معي بها حميل، فيقول الخامس: قد أديت أنا أيضًا ستة وربعًا سأؤتيك في مثلها، وبقيت لك ثمانية عشر وثلاثة أرباع عليَّ نصفها، وذلك تسعة وثلاثة أثمان، فجميع ما أدى له الخامس أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان، وجملة ما أدى هذا الخامس للأول ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وللثاني أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان، فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن، وبقي هذا الثاني يطلب خمسة عشر وخمسة أثمان، فإذا لقي السادس أخذها منه، ثم إن الثالث الذي غرم للأول والثاني مائتين واثني عشر ونصفًا إذا لقي الرابع قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف على ثلاثة أنت أحدهم فأعطني ثلثها، وهو سبعة وثلاثون ونصف فيأخذها منه ويقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الرابع: قد أديت أنا أيضًا بالحمالة للأول خمسة وعشرين وللثاني خمسة وعشرين وذلك خمسون سأؤتيك في مثلها، وبقيت لك خمسة وعشرين فخذ نصفها اثني عشر ونصفًا، فيصير جميع ما أخذ منه خمسين، وجميع ما أدى هذا الرابع للأول والثاني والثالث مائة واثنان وستون ونصف، ثم إن لقي الخامس قال له: بقيت لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك منها نصفها أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي أحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الخامس: قد أديت أنا أيضًا بالحمالة للأول ستة وربعًا، وللثاني تسعة وربعًا وثمنًا ولذلك خمسة عشر ونصف وثمن سأؤتيك في مثلها، وبقيت لك خمسة عشر ونصف
[ ٦ / ٣١٧ ]
وثمن أيضًا على نصفها سبعة وثلاثة أرباع ونصف وثمن فيدفعها إليه فيصير جميع ما أخذ منه تسعة وثلاثين ونصف ثمن تبقى سبعة وخمسون وثمن فخذ نصفها ستة وعشرين ونصفًا ونصف ثمن، ويصير جميع ما أدى هذا الخامس للأول والثاني والثالث اثنين وتسعين وثمني نصف ثمن، ثم إن الثالث لقي السادس فيقول له: بقي مما أديت عنك بالحمالة ثلاثة وعشرون وربع وثمن نصف ثمن، فيأخذها منه، فيذهب هذا الثالث وقد غرم مائة، ثم إن الرابع الذي غرم للأول والثاني والثالث مائتين واثنين وستين ونصفًا لقي الخامس فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس، عليك منها نصف أحد وثلاثون وربع فيأخذها منه ثم يقول له: بقيت لي أحد وثلاثون وربع وأنت معي بها حميل، فيقول له هذا الخامس: قد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول والثاني والثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن سأؤتيك فيها وبقيت ستة وسبعة أثمان ونصف ثمن عليَّ نصفها ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن، فيأخذها منه ويصير جميع ما يأخذ الرابع من الخامس خمسة وثلاثين وثمنًا وربع ثمن، وجميع ما ودى الخامس للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وربع وثلاثة أرباع ثمن، وبقي الرابع يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، ثم إنه لقي السادس فيأخذها منه فيذهب وقد أخذ مائة، ثم الخامس لقي السادس وقد كان أدى للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن عليه منها مائة بقي يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، فيأخذها من السادس فيذهب وقد غرم مائة، فيذهب السادس وقد غرم مائة؛ للأول ستة وربعًا، وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن، وللرابع سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن وللخامس مثلها جميع ذلك مائة، والله أعلم.
[ ٦ / ٣١٨ ]
الْمَضْمُونُ شَرْطُهُ أَنْ يُمْكِنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الضَّامِنِ أَوْ مَا يَتَضَمَّنُهُ كَضَمَانِ الْوَجْهِ
الرُّكن الرَّابع (الْمَضْمُونُ) أي الحق الذي يضمن (شَرْطُهُ أَنْ يُمْكِنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الضَّامِنِ) ليتحرز من الجراح والقتل والحقوق البدنية، فإنها لا يمكن استيفاؤها من الضامن، ومن ضمان المعينات كما سيأتي.
وقوله: (أَوْ مَا يَتَضَمَّنُهُ) يحتمل أن تكون (مَا) موصولة أو نكرة موصوفة، فالذي يتضمن الاستيفاء ضمان الوجه لاستلزامه المال، فإن قلت: بقي عليه ضمان الطلب فإنه يصح ولا يمكن استيفاؤه، قيل: لا نسلم أنه لا يمكن استيفاؤه؛ لأن الحق هنا هو الطلب، وهو يمكن استيفاؤه من الضامن، ووقع لأصبغ في الواضحة في الفاسق المتعسف على الناس بالقتل وأخذ المال فيؤخذ فيعطي الحملاء بما عليه من القتل وأخذ مال أنهم يؤخذون بما يؤخذ به إلا أنهم لا يقتلون.
فضل بن سلمة: انظر هل أراد أنهم يؤخذون بالمال خاصة أو به وبالدية في القتل.
عياض: وهو على هذا التأويل موافق لعثمان البتي في قوله: يلزم الحميل في القتل والجراح إذا لم يأت به دية القتل وأرش الجراح، وفي مفيد الحكام: لأصبغ: لا بأس بالضمان في الجراح التي تئول إلى المال.
المازري: ولو كانت الحدود التي هي حق الله تعالى إنما تثبت بالإقرار لكان التكفل بالطلب للمقر جائزًا على القول عندنا أن للمقر الرجوع عن إقراره وإن لم يظهر له عذر على القول بأن هروبه كالرجوع عن الإقرار.
واختلفت الروايات في حديث الغامدية هل كفل بها رسول الله ﷺ لما أقرت بالزنى وهي حامل حتى تضع أم لا؟
ابن عبد السلام: وقوله: (إن هروب الجاني دليل على رجوعه عن إقراره) ليس بالبين؛ لاحتمال أن يكون هروبه من ألم الحد مع تماديه على صحة الإقرار.
[ ٦ / ٣١٩ ]
فَلا يَصِحُّ ضَمَانُ مَبِيعٍ مُعَيَّيٍ مُطْلَقًَا بِإِحْضَارِ مِثْلِهِ إِنْ هَلَكَ
أتى بالفاء؛ لأنه مسبب عما قبله.
وقوله: (مُطْلَقًَا) أي سواء كان مقومًا [٥٤٨/أ] أو مثليًا وهو مقيد بغير النقدين، فيصح ضمانهما ولو عينت على مذهب المدونة؛ لأنه إنما تجوز المعاوضة عليها عنده على شرط الخلف اللهم إلا بالنسبة إلى الصَّرف فهما كالعروض.
وقوله: (إِنْ هَلَكَ) أي قبل أن يقبضه المشتري، وفي معنى الهلاك الاستحقاق.
ولو اشترى سلعةً من رجل على أنها إن استحقت فعلى البائع خلاصها، وضمن البائع في ذلك غيره، ففي المدونة قال ابن القاسم: إن استحقت انفسخ البيع ولا تلزم الحمالة وقال غيره: تلزمه وهو أدخل المشتري في غرم ماله، فعليه الأقل من قيمة السلعة يوم تستحق، والثمن الذي أدى إلا أن يكون الغريم مليئًا حاضرًا فيبرأ، وروي هذا أيضًا عن ابن القاسم ودخل تحت قوله: (معينًا) خدمة معين، فقال ابن القاسم في من استأجرته شهرًا: لم يجز أن تأخذ منه حميلًا.
وأنْ يكُونَ دَيْنًَا مُسْتَقِرًّا أَوْ آيِلًا إِلَيْهِ
يعني: معلومًا أو مجهولًا (وأنْ يكُونَ) معطوف على قوله: (أَنْ يُمْكِنَ اسْتِيفَاؤُهُ) أي وشرطه أن يكون دينًا مستقرًا أو آيلًا إلى الدين المستقر، ولا أعلم في هذه الشروط في المذهب خلافًا إلا ما سيأتي في الكتاب.
فَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَقبلَ وُجُوبِهِ
هذا كالنتيجة عما قبله ولهذا عطفه بالفاء، ولا فرق في المجهول بين أن يكون حاصلًا أو سيحصل، ويصح ضمان المجهول لأن غاية ذلك أن يكون كهبته، وهي جائزة عندنا.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
قال في المدونة: ومن قال لرجل: ما كان لك قبل فلان الذي تخاصم فأنا به حميل؛ فاستحق قبله مالًا، كان هذا الكفيل ضامنًا، ولا إشكال إن ثبت الدين ببينة وإن أقر له بعد الضمان، فقولان، واستقرأهما عياض وغيره من المدونة.
ابن المواز: وأما ما أقر به قبل الحمالة فيلزمه غرمه، وقيد ابن يونس القول بأنه لا يلزمه بالإقرار بما إذا كان الغريم معسرًا، وأما الموسر فلا تهمة فيه؛ لأنه إن بدأ الكفيل بالغرم على أحد قولي مالك رجع الكفيل على الغريم.
ومما يدخل تحت كلام المصنف قوله في المدونة: ومن قال لرجل بايع فلانًا أو داينه فما بايعته به من شيء أو داينته فأنا ضامن له، لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه. قال غيره: وإنما يلزمه من ذلك ما يشبه أن يداين به المحمول عنه.
ابن يونس وصاحب البيان: وهو تفسير. المازري: وهو الأظهر.
ابن عبد السلام: وللشيوخ كلام في قول الغير: هل هو تقييد أو خلاف قال في المدونة: ولو لم يداينه حتى أتاه الحميل فقال: لا تفعل فقد بد لي في الحمالة، فذلك له بخلاف قوله: احلف وأنا ضامن، ثم رجع قبل اليمين لا ينفعه رجوعه؛ لأنه حق، وأجاب ابن يونس: لأن من حجة المدعي أن يقول: أنا ادعيت أن لي عليك كذا، وقد أحل هذا نفسه محل المدعى عليه، فكما لو قال المدعى عليه: احلف لي وأنا أغرم، لا يكون له رجوع، فكذلك هذا، والذي قال: عامله وأنا ضامن، كقول المعامل نفسه: عاملني وأنا أعطيك حميلًا، فكما لهذا أن يرجع فلهذا أن يرجع.
وذكر المازري عن بعض أشياخه أنه إنما يرجع إذا أطلق، وأما إن قيد فقال: عامله بمائة دينار فلا رجوع له، وأنكر غيره هذه التفرقة، ورأى أنه له الرجوع مطلقًا قبل المعاملة.
قال: وبعض أشياخي يجري هذا على الخلاف في الهبة هل تلزم بالقول أم لا؟ انتهى.
[ ٦ / ٣٢١ ]
وقد يخرج في مسألة الضمان خلاف من الخلاف في لزوم العدة، وقد حكى في البيان في كتاب العارية أربعة أقوال:
أحدها: أنها تلزم ويقضى بها، وإن لم تكن على سبب، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى بها.
والثاني: يقضى بها إن كانت على سبب، وإن لم يدخل في السبب، ولا يقضى بها إن لم تكن على سبب، وهو قول أصبغ في كتاب العدة، وقول مالك في كتاب العارية من العتبية.
الثالث: لا يقضي بها وإن كانت على سبب حتى يدخل في ذلك السبب، وهو قول سحنون في كتاب العدة من العتبية.
الرابع: أنها لا تلزم وإن كانت على سبب دخل فيه، وهو الذي يأتي على ما رواه أشهب وابن نافع عن مالك في الموازية والعتبية، وإن مات وعليه دين لا يدرى كم هو، فتحمَّل بعض ورثته بجميعه نقدًا أو إلى أجل على أن يخلَّى بينه وبين ماله، فإن كان على أنه إن فضل شيء فبينه وبين بقية الورثة جاز؛ لأن ذلك معروف وطلب خير للميت ولورثته، وإن كان الفضل له والنقص عليه لم يجز؛ لأنه غرر إلا أن يكون الوارث واحدًا.
ولو طرأ غريم لم يعلم به فعلى الآخر الغرم، ولا يلزمه قوله: لم أعلم به وإنما تحمَّلت بما علمت.
ابن دحون: وإنما جازت للمسامحة وأصلها المنع لما فيها من الجهالة.
مالك: وإن مات وعليه ثلاثة آلاف ولم يترك إلا ألفًا وله ولد واحد لا يرثه غيره، فسأل غرماء أبيه أن يدعوا الألف بيده وينظروه سنتين ويضمن لهم بقية دينهم، فرضوا بذلك جاز.
ابن القاسم: وبلغني عن ابن هرمز مثله.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
وَلا يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ وَلا بِالْجُعْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ
لأن هذا ليس بدين لازم، ولهذا لو عطفه بالفاء لكان أولى؛ لأن المكاتب لو عجز عنه رجع رقيقًا والحميل يحل محل المتحمل عنه، فإذا كان الدين ليس ثابتًا على الأصل فأحرى فرعه، وهو الحميل، وهذا هو المعروف، وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالحمالة بالكتابة كما لو تحمل رجل عن عبد غير مأذون له بالتجارة بمال أو عن رجل في ولاية بشيء اشتراه أحدهما أن ذلك يلزمه. وإن ذهب ماله باطلًا فهو الذي رضي بهذا.
ابن يونس: [٥٤٨/ب] ولا أعلم أن لي في هذا القول رواية، وذكر المازري أن بعض الأشياخ خرَّج قولًا بجواز الحمالة بالكتابة من قول أشهب في من قال لرجل: كاتب عبدك وعلي مائة دينار؛ لأن الحمالة بالكتابة عند هذا المخرج إنما منعت؛ لأن المقصود من الحميل حصول العتق للمكاتب، فإذا عجز لم يحصل العتق ووجب بطلان الحمالة.
وهذا المعنى حاصل في مسألة أشهب، فإذا لم يكن معتبرًا عنده فيها وجب ألا يعتبر في الكتابة، وردَّهُ المازري بأن من كاتب عبده على أن أعطاه حميلًا بالكتابة فقد أعطاه حميلًا بدين قد لا يثبت، فلم يصح ذلك، وفي مسألة أشهب إنما دفع إليه مالًا على أن يستأنف الكتابة فيرفع حقه في بيع العبد وانتزاع ماله والحجر عليه، فصار هذا كالمعاوضة، قال: وهذا مما ينظر فيه لإشكاله.
فرع:
والمنع إنما هو مع عدم اشتراط تعجيل العتق، وأما لو تحمل رجل بالكتابة على شرط التعجيل فهو جائز، ويكون للحميل الرجوع على المكاتب، قاله في المدونة.
قوله: (وَلا بِالْجُعْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ) قرره ابن راشد وابن عبد السلام على أنها منعت قبل وجازت بعد الشروع، وفيه نظر من وجهين:
[ ٦ / ٣٢٣ ]
أما أولًا: فإنه وإن لم يكن دينًا لازمًا في الحال، ولكن يستلزم فيدخل تحت قول المصنف: (أَوْ آيِلًا إِلَيْهِ).
وأما ثانيًا: فلآن الذي نقله المازري صحة الضمان بالجعل، ولفظه: ومنها - أي من الحقوق المالية - ما ليس بعقد لازم كالجعالة على مذهب من يرى أن الجعل لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير، فهذا تصح الحمالة به أيضًا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميل ما تحمل به، وإن لم يأتِ به سقطت الحمالة.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا
ضمان الوجه عبارة عن الإتيان بالغريم الذي عليه الدين وقت الحاجة، ولم يختلف في صحة ذلك عندنا.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا). ابن عبد السلام: ليس هذا موضعًا للمبالغة كما فعل المصنف؛ لأن المنكر يحتاج إلى إقامة البينة عليه فلا بد من حضوره في موضع القاضي لتوقع البينة الشهادة على عينه، وأما المقر فلا يحتاج إلى ضمان الوجه في حقه في أكثر المسائل، وإنما يحتاج في الغالب إلى ضمان المال، ولهذا ذهب بعض الشافعية إلى صحة ضمان الوجه في حق المنكر دون المقر، فلو قال: (ولو كان مقرًا) لكان أولى.
وَيَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ
هذا لا خلاف فيه؛ أي يلزم حميل الوجه إحضار المتحمل عنه وهو الذي ضمن.
وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ اشْتِرَاطِهِ أَوْ بِبَرَاءَتِهِ مِنْهُ أَوْ سَجْنٍ
لا يلزم إحضاره عند الحاكم، إلا أن يشترط ذلك، حكاه صاحب الكافي.
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وقوله: (فِي مَكَانِ اشْتِرَاطِهِ) هذا إذا كان مكان الاشتراط باقيًا على حاله تجري فيه الأحكام، وأما إن خرب فصار لا تجري فيه الأحكام، فهل يبرأ بإحضار الغريم فيه أم لا؟ قولان ذكرهما محمد بن عبد الحكم وكذلك، ذكر القولين إذا أحضره بغير بلد الاشتراط بحيث تأخذه فيه الأحكام، حكاهما ابن عبد الحكم.
المازري: وهذا عندي يلاحظ مسألة الشرط الذي لا يفيد، وقد يكون هذا الشرط مفيدًا كما إذا كان البلد المشترط إحضاره فيه هو موضع سكنى البينة، أو كان الحق غير عين وللطالب غرض في أخذه بمحل الاشتراط. قال في المدونة: وإن دفعه إليه بمكان فيه حاكم فيبرأ، وإن دفعه إليه في بلد لا سلطان فيه أو حال فتنة أو مفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع فيه، لا يبرأ الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه أو به سلطان.
وقوله: (أَوْ بِبَرَاءَتِهِ) أي ببراءة رب الدين للحميل من الحمالة.
(أَوْ سَجْنٍ) هو كقوله في المدونة: وإذا حضر المحمول عنه بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن بريء؛ لأن الطالب قادر على أخذه من السجن ويحبس له في دينه بعد تمام ما سجن فيه، اللخمي والمازري: وسواء سجن بحق أو باطل لإمكان أن يحاكمه عند القاضي الذي حبسه، فإن منع هذا الطالب منه ومن الوصول إليه، فيجري ذلك مجرى موته؛ وموته يسقط الكفالة.
فروع:
الأول: ما ذكره المصنف من البراءة بالتسليم إنما هو إذا لم تكن الكفالة مؤجلة، أو كانت مؤجلة وحل الأجل لا إن لم يحل ككون من له الدين لم يستحق الطلب، فلا يفيده إحضاره للغريم وهو لا يستحق طلبه، قاله المازري وغيره.
الثاني: إذا أسلمه الغريم وهو عديم، وهو مذهب المدونة أنه يبرأ، وهو الذي يؤخذ من قوله: (وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ اشْتِرَاطِهِ) إذا لم يشترط الملاء، وروى ابن الجهم عن مالك أنه لا يبرأ، وقال به ابن اللباد.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
الثالث: مذهب المدونة وهو المشهور أن الغريم لو سلم نفسه للطالب وأشهد أنه دفع نفسه إليه وقال له: أسقط الكفالة عن من تكفل بوجهي أن الكفالة لا تسقط. قال في المدونة: ولو كان في موضع تنفذ فيه الأحكام إلا أن يسلمه الحميل بنفسه أو وكيله.
ابن المواز: أو يقول الحميل للغريم اذهب فسلم نفسك، ولا يكون الغريم كوكيل له، وقال ابن عبد الحكم: يبرأ الكفيل بتسليم الغريم نفسه.
المازري: واختاره بعض أشياخي، وكذلك أيضًا على المشهور لا تسقط الحمالة إذا أسلمه له أجنبي، بل لا بد أن يسلمه هو أو وكيله.
الرابع: لو شرط الحميل بالوجه أنك إن لقيت غريمك سقطت الكفالة عني، اعتبر هذا الشرط إن لقيه بمكان تناله في الأحكام لا إن لم تنله، قاله في العتبية.
وَإِلا غَرِمَ بَعْدَ أَجَلٍ خفِيفٍ، وقِيلَ: بِغَيْرِ أَجَلٍ، وقِيلَ: لا يَغْرَمُ
يعني: [٥٤٩/أ] وإن لم تحصل براءة الحميل بأحد الوجوه المذكورة غرم على المشهور، وعليه فالشهور أنه يتلوم له، وهو معنى قوله: (بَعْدَ أَجَلٍ خفِيفٍ) وهو مذهب المدونة والعتبية والموازية.
وقال ابن وهب: لا يتلوم له، وقيل: لا يغرم، وهو مقابل لما أصله في صدر المسألة من الغرامة.
وهذا القول لابن عبد الحكم، ووجهه أنه إنما التزم إحضار الغريم وذلك لا يدل على التزام المال على المشهور من إثبات التلوُّم. ففي المدونة: وإن كان الغريم حاضرًا أو غائبًا قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه تلوم السلطان للحميل، فإن أتى به بعد التلوم فلا شيء عليه وإلا غرم، وإن بعدت غيبة المكفول غرم مكانه، فحد الغيبة القريبة اليوم وشبهه.
[ ٦ / ٣٢٦ ]
المازري: وقيل: هي يومان وقيل: ثلاثة، واختار بعض الأشياخ اليوم؛ لأنه مقدار ما يتلوم في الحضور، وهل ذلك ثلاثة أيام لكون الحميل يسافر ليأتي بالمكفول مسافة يوم، ويتأخر يومًا في طلبه، ويأتي به في اليوم الثالث؟ وإذا قيل: يومان، اقتضى ذلك خمسة أيام، يومان في السفر ومثلهما في القدوم ويوم الإقامة في طلبه، والقول بالثلاثة أبعد؛ لأن ذلك يقتضي عندي سبعة أيام، والأصح عندي في هذا مراعاة الضرر فينفي عن الطالب ضرر التأخير الذي يضر به، وينفي عن الحميل ضرر الاستعجال الذي يضر به.
فرع: وهل يتلوم لضامن المال إذا غاب الأصل أو أعدم؟ قولان لابن القاسم.
فَلَوْ حُكِمَ بِالْغُرْمِ فَفِي سُقُوطِهِ بِإِحْضَارِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا حمل القاضي على حميل الوجه بالغرم لعدم الغريم، ثم أحضره فهل يسقط عنه الغرم بإحضاره؛ لأنه إنما غرم لغيبته وقد وجدوا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهو قول سحنون، أو يقال هو حكم مضى وهو مذهب المدونة والمشهور؟ وعلى قول سحنون إذا دفع الضامن المال قبل الإحضار مضى، وذكر عياض أنه المشهور، وقول سحنون على خلاف هذا الوجه؛ لأنه قال بعد ذلك ما في المدونة: إن كان قد حكم على الحميل بالغرم مضى الحكم، واختلف الشيوخ في المراد بالحكم هل هو شهادة الحاكم على الحميل بالغرم، وهو قول عبد الملك، وقال بعضهم: بل القضاء عليه بالمال ودفعه لربه، وأما إن لم يغرم فيسقط إذا أتى بالغريم، ومثله في سماع عيسى، ونحوه عن سحنون. انتهى بمعناه.
ونقل اللخمي وابن يونس القولين، كما نقلهما المصنف، وإذا فرعنا على المشهور أنه لا يسقط الغرم عن الضامن بحضور الغريم، فقال ابن يونس وغيره: يبقى للطالب التخيير إن شاء اتبع الغريم أو الحميل.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
فرع:
لو غاب الغريم فأراد كفيل الوجه أن يثبت فقره ليسقط، فإنه لو حضر وهو فقير لم يلزم الحميل غرم، فقال اللخمي: له ذلك ولا غرم عليه إذا ثبت ذلك؛ لأن يمين الغرم على العدم استظهار. وقال المازري: يجري فيها قولان؛ لأن الفقر إذا ثبت بالبينة لم يحلف الغريم على ذلك؛ أي: فهل يحلف الغريم لتعذر هذه اليمين، أو لا لأنها استظهار؟ هذا معنى كلامه.
فرع:
وأما لو أغرم الحميل ثم أتت بينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء لرجع الحميل على رب الدين بما أدى إليه، قاله في المدونة، وغيرها.
فَلَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ لَمْ يَلْزَمِ الضَّامِنَ شَيْءٌ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الأَجَلِ لَزِمَ وإَنْ كُنْتُ قُلْتُ غَيْرَ هَذَا فَاطْرَحُوهُ
أي: فلو مات الغريم وهو مراده بالمضمون ولم يكن حكم على حميل الوجه بالضمان لم يلزم الضمان شيء، وهو مذهب المدونة، وعلله فيها بأن النفس المضمونة قد ذهبت.
محمد: وهذا هو المعروف من قول مالك، وعليه جماعة من أصحابه، وعن ابن القاسم أيضًا في الموازية ما ذكره المصنف من القول الثاني، ونصه عند ابن يونس: ابن القاسم: وإن مات في غيبته وهي قريبة أو بعيدة لزم الغرم الحميل، إلا أن تكون الحمالة مؤجلة ويكون موت الغريم قبل الأجل بأيام كثيرة لو كلف الحميل المجيء به لخرج فيها ورجع قبل محل الأجل، فحينئذٍ تسقط عنه الحمالة ولا تلزمه.
ابن القاسم: وإن كنت قلت لكم في هذه المسألة غير هذا فاطرحوه وخذوا هذا. فظاهر، وصرح بذلك ابن القاسم في هذا القول في العتبية أنه لو مات بالبلد لم يلزم الكفيل شيء ولو مات بغيره لفصل كما ذكرنا، وإنما لزم الكفيل الغرم في هذا القول؛ لأن تفريطه في
[ ٦ / ٣٢٨ ]
الغريم حتى خرج عن البلد كعجزه عن إحضاره وهو حي؛ لأنه لو منعه من الخروج لحل الأجل عليه وهو بالبلد فيتمكن رب الدين من طلبه.
وعلى هذا فقول المصنف: (وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الأَجَلِ) يريد: وبغير البلد، وقول ابن القاسم في هذه الرواية: (ويكون موت الغريم قبل الأجل بأيام كثيرة) مفهومه لو كان بأيام قليلة لكان الضمان أيضًا عليه وهو كذلك، ولكن اختلف في حد ذلك، فقال ابن القاسم في الموازية: إن بقي من أجل الدين ما لا يتحمل أن يذهب الكفيل فيأتي به لزمت الكفيل الغرامة، وقال ابن القاسم أيضًا في الواضحة: إن بقي من الأجل ما لو أقيل الغريم فيه لوصل عند الأجل فلا شيء على الحميل، وحمله على الوفاء على أن يأتي بنفسه من غير رسول، قاله اللخمي والمازري وغيرهما.
فرع: لو مات حميل الوجه فالمشهور أن الكفالة لا تسقط وكأنه التزم دينًا في ذمته خلافًا لعبد الملك، وكأنه على قوله إنما التزم ما يتعلق بعينه.
المازري: وعلى المشهور فإن كان الدين حالًاّ طُلِبت الورثة بإحضار الغريم، وإلا أخذ الحق من التركة، وإن كان ذلك مؤجلًا فإن الورثة أيضًا يطالبون بإحضار الغريم، فإن أحضروه سقطت الكفالة.
محمد: وتسقط إذا أحضره أحد الورثة وإن كان الدين مؤجلًا. ابن عبد السلام: هكذا حكى المازري [٥٤٩/ب] عن محمد، والذي رأيته في الموازية بعد أن حكى قول عبد الملك.
محمد: يقال لورثته: جيئوا بالذي عليه الدين، وإلا ضمنتم.
التونسي: لم يذكر متى يجيئون به ولعله أراد عند حلول الأجل. انتهى.
وقل اللخمي عن محمد مثل ما نقله المازري بناء على نقله.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وعارض الأشياخ المتأخرون هذا بأن إحضار الغريم قبل الأجل لا يفيد الطالب؛ إذ لا يقدر على طلبه حينئذٍ قال: ولعل محمدًا رأى هذه الحوالة تحل بموت الحميل كما تحل بموت الغريم، وما ذلك إلا لما يلحق ورثته من الضرر في قسمة التركة، وقد يتعلق بها حق الطالب لإمكان أن يحل الأجل ويغيب الغريم.
فَلَوْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ طَلَبهُ بِسَفَرِ مِثْلِهِ
هذا هو حميل الطلب، وقوله (بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ) يحتمل أن يريد بالشبه نحو هذه الصيغة، كما لو قال: علي أن أطلبه، وقال ابن عبد السلام: تقع حمالة الطلب على وجهين:
الأول: أن يبتدئ الحمالة على ضمان الوجه، ويشترط الضامن إن لم يجده فلا شيء عليه من المال.
والثاني: أن يبتدئ الحمالة على ضمان الطلب، ولما أراد المصنف الجمع بينهما قال: (فَلَوْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ).
ابن المواز: ويلحق بقوله: (أضمن وجهه وأنا بريء من المال في عدم إغرامه المال) ما لو قال: (لا أضمن إلا وجهه)؛ أي لأنه استثنى وجهه بعد أن عمم نفي الضمان لكل شيء، واستشكل صاحب المقدمات والبيان قول محمد هذا، وقال: لا فرق بين قوله: (أضمن وجهه) وبين (لا أضمن إلا وجهه)، قال: وإنما يصح ما قاله محمد إذا كان لكلامه بساط يدل على إرادة الطلب فقط، كما لو قيل له: تحمل لنا بوجه فلان فإن جئت به فأنت بريء من المال، فيقول: لا أضمن إلا وجهه.
عياض: وتصح حمالة الطلب في كل شيء حتى في القصاص.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
وقوله: (طَلَبهُ بِسَفَرِ مِثْلِهِ) الضمير في (مِثْلِهِ) عائد على الحميل، وكذلك قال في الجواهر، وقال اللخمي: إن لم يعلم موضعه وحيث توجه كان عليه أن يطلبه في البلد، وفيما قرب.
واختلف إذا عرف موضعه، فقال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليوم واليومين، وحيث لا مضرة فيه. وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه قرب أو بعد، ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج، أو يرسل أو يؤدي عنه.
ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس، وقال ابن القاسم في العتبية: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلفه وما لا يقوى عليه فلا يكلفه، وقد حكى المازري هذه الثلاثة الأقوال وحكاها أيضًا صاحب البيان. قال بعد هذا: وحكى فضل عن ابن عبد الحكم أن السلطان يتلوم له فإن جاء به وإلا حبسه حتى يأتي.
والظاهر أن المصنف أراد بقوله: (سَفَرِ مِثْلِهِ) قول ابن الماجشون، فإن قلت: بل أراد قول ابن القاسم، قيل: لفظة: (يقوى) تعطي من الوسع ما يعطي (سَفَرِ مِثْلِهِ).
فإن قلت: لعل المصنف أراد إذا لم يعلم موضعه قيل: هناك لم يشترط سفر المثل، وإنما قالوا يطلبه في البلد وما قرب منه.
فرع: ولا يلزم حميل الطلب غرم، وإن لم يأت بالغريم إلا أن يمكنه بعد الأجل إحضاره، ففرط حتى هرب أو أنذره حتى هرب، قاله غير ابن القاسم في المدونة.
أبو الحسن: وهو تتميم وتفسير، وهكذا قال في العتبية؛ لأن فيها: وإن أثبت الطالب أنه خرج وأقام بقريته ولم يتمادى عاقبه السلطان بالحبس بقدر ما يرى، أو يأمره بإحضار صاحبه إن قدر عليه، وأما أن يضَّمنه المال فلا، إلا أن يلقاه فيتركه فيضمن إن أثبت ذلك عليه، وكذلك إن كان غيبه في بيته ولم يظهره، ولهذا قال ابن الهندي: عليه أن يحلف ما قصر في طلبه ولا دلس فيه ولا يعلم له مستقر.
[ ٦ / ٣٣١ ]
أبو محمد صالح: وهذا على القول بلحوق أيمان التهم، وظاهر ما لابن القاسم في العتبية تصديقه من غير يمين؛ لأن فيها: إذا خرج لطلبه ثم قدم وقال: لم أجده، وقال الطالب: من يعلم أنك بلغت الموضع، القول قول المحيل إن مضت مدة يبلغ فيها ويرجع.
اللخمي: وهو مثل قوله في المدونة في الأجير على تبليغ الكتاب يدعي أنه أوصله وخالفه غيره في الأجير، فيلزم على قوله أن يكلف الحميل إثبات وصوله ورده.
المازري: هذا التخريج بأن الأجير يطلب إثبات دين في ذمته، والدين لا يثبت في الذمة إلا ببينة، وأما الحميل فإنه إنما يبرئ نفسه من الطلب.
وَلَوْ شَرَطَ الأَجَلَ فِي الْحَال والْغَرِيمُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ في مِثْلِهِ مَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَهُ أَشْهَبُ
يعني: لو شرط الضامن التأجيل بالدين الحالِّ على الغريم والغريم حينئذٍ معسر يوسر قبل تمام الأجل، فهل يمنع لأن الزمان المتأخر عن يساره يعد صاحب الحق فيه مسلفًا - لأنه أخر ما عجل فيمتنع لأنه مسلف وقد انتفع بالحميل الذي أخذه من غريمه وهو قول ابن القاسم، وهذا على أن اليسار المترقب كالمحقق - أو يجوز؟ لأن الأصل استصحاب عسره، ويسره قد لا يكون، فلم يؤخره وكان المعسر تبرع بالضمان، وهو قول أشهب؟ أما إن لم يوسر إلا عند الأجل أو بعده فيجوز باتفاق، وهذا مفهوم من كلام المصنف.
وقوله: (في مِثْلِهِ) لفظة (مثل) زائدة؛ لأن المراد في الأجل قبل فراغه، ومعنى قولنا: (يُوسِرُ) قبله؛ أي الغالب عليه أن يوسر قبله كبعض أصحاب الغلات.
وفهم من قوله: (والْغَرِيمُ مُعْسِرٌ) أنه لو كان موسرًا لجاز، وكذلك نص اللخمي عليه.
[ ٦ / ٣٣٢ ]
فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا بِالْبَعْضِ جَازَ ضَمَانُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ
كما لو كان عليه مائتان وبيده مائة جاز أن يؤخر ما هو به موسر لضامن ولا مانع، وكذلك المعسر به لأنه تبرع لضامن، ولوضمنهما منع لأنه سلف جر منفعة؛ إذ تأخيره بالمائة الموسر بها سلف، وانتفع بالضمان في المائة التي هو معسر بها، وقاله اللخمي وصاحب البيان.
وَلَوْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حالا جَازَ
هكذا في المدونة: وجعل الرهن كذلك، قال: لأنه [٥٥٠/أ] زيادة توثق، وأطلق كلام المصنف، وقيده ابن يونس لما إذا كان الحق مما له تعجليه، وأما إن كان عرضًا أو حيوانًا من بيع فلا يجوز؛ لأنه (حط الضمان وأزيدك).
ابن عبد السلام: وليس هو ببين؛ لأن رب الدين ما أخذ زيادة في نفس الحق ولا منفعة ينتفع بها، وإنما قصد التوثق، وذلك يدل على أنه لا غرض له في التأخير ولا غرض للآخر في بقاء الدين في ذمته، وتظهر فائدته مع التأخير لا مع التعجيل. انتهى.
وقال اللخمي: إن أعطاه حميلًا ليتعجله قبل الأجل فإن كان الدين عينًا أو عرضًا من قرض جاز، وإن كان من بيع وكان قَصَد الغريم بتعجيله منفعة الطالب جاز، وإن أراد إسقاط الضمان عن نفسه لم يجز.
وَلَوْ عَلَّقَ الضَّمَانَ بِعَدَمِ وفَاء الأَصْلِ تَلَوَّمَ الْحَاكِمُ وأَلْزَمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَلِيئًا حَاضِرًا
أي: (لَوْ عَلَّقَ الضَّمَانَ بِعَدَمِ وفَاء الأَصْلِ) فقال: (أنا ضامن لك بما على فلان إن لم يوفِّك حقَّك) فإن الضمان صحيح على الوجه الذي شرط، ويتلوم له القاضي بقدر ما يرى، ثم يلزمه المال، إلا أن يكون الغريم حاضرًا مليئًا، فإن القاضي يجبره على الدفع للطالب.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
وَصِيغَتُهُ: تَحَمَّلْتُ، وتَكَلَّلْتُ، وضَمِنْتُ، وأَنَا زَعِيمٌ، وعِنْدِي، وشِبْهُ ذَلِكَ
قوله: (وشِبْهُ ذَلِكَ)؛ أي قبيل، وأدين، وصبير، وعزيز، وينبغي أن يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها العرف في الضمان لا على غيرها.
فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَجْهَ - فَقَوْلانِ
قال في المدونة: من قال: أنا حميل، أو زعيم، أو ضامن، أو قبيل، أو هو لك عندي، أو علي، أو إلي، أو قِبلي، فذلك كله حمالة لازمة إن أراد الوجه لزمه، وإن أراد المال لزمه، قالوا: ويصدق، وإن لم يدعِّ أنه أراد شيئًا فاختلف الشيوخ: هل يحمل على المال أو على الوجه؟ واختار ابن يونس وصاحب المقدمات أنه بالمال واستدلا بقوله ﷺ: «الزعيم غارم»، ولأنه المتبادر من لفظة الحمالة.
المازري: واختار بعض الشيوخ أنه بالوجه لكونه أقل الأمرين، والأصل براءة الذمة، ورد الاستدلال بالحديث بأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان حكم إطلاق هذه اللفظة. قال: ولأن الغرامة إنما تكون في الأموال لا في الأبدان؛ إذ البدن لا يصح أن يغرم، فكأنه يقول: الزعيم غارم لما ضمن، والضامن الذي يتصور فيه الغرامة إنما يكون في المال.
فرع:
وأما إن حقَّقَ كل واحد منهما ما وقعت به الحمالة، فقال الحميل: إنما تحملت بالوجه، وقال الطالب: بل بالمال، فالقول قول الحميل؛ لأن الأصل براءة الذمة.
* * *
[ ٦ / ٣٣٤ ]
الشِّرْكَةُ: إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِما
هي بكسرِ الشين وسكونِ الراءِ، والإجماعُ على جوازِها مِنْ حيثُ الجملةِ، ورَسَمها المصنفُ بقوله: (إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ) أي: أُذِنَ لصاحبهِ أن يتصرَّفَ مع نفسِه، فقولُه: (إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ لَهُمَا) كالجِنْسِ.
(مَعَ أَنْفُسِهِما) فَصْلٌ أَخْرَجَ به الوِكالَةَ، قال في المقدمات، وهي مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، لكلٍّ منهما أن ينفصلَ متى شاءَ إلا الشركةَ في الزَّرْعِ، ففي لزومِها خلافٌ؛ لتَرَدُّدِها بين الإجارَةِ والشركةِ، وسيأتي ذلك، ونحوهُ للَّخْمِيِّ، وخَرَّجَ قولًا - بلزومِها لأَوَّلِ نَضَّةٍ - من الشاذ في كراء المشاهرة أنه يلزم شهرًا. قال: وأما إن أخرجا مالًا لأن يشتريا به شيئًا معينًا - فإنه يلزم إن لم يمكن كل واحد بانفراد شراؤه، أو أمكنه، ولكن اشتراؤهما أرخص، وإلا فقولان، وهما على الخلاف في شرط ما لا يفيد. وفي معين الحكام، الشركة تنعقد بالقول على المشهور من قول مالك وأصحابه، وكذلك قال ابن يونس: إنها تلزم بالعقد كالبيع، لا رجوع لأحدهما فيها كالبيع، بخلاف الجعل والقراض. ولعياض وابن عبد السلام نحوه.
ابن عبد السلام: الظاهر أنه لا مخالفة بينهم، ومراد ابن يونس وغيره أنها تلزم بالعقد باعتبار الضمان؛ أي: إذا هلك شيء بعد العقد يكون ضمانه منها، خلافًا لمن يقول: إنها لا تنعقد إلا بالخلط.
فإن قلت: يلزم من هذا مخالفة المدونة؛ لقوله: وإن بقيت كل صرة بيد صاحبها حتى ابتاع بها أمة على الشركة، فالأمة بينهما، والصرة من ربها. وقال غيره، لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا. قيل: قد قيد اللخمي ذلك بما إذا كان في الصرة حق توفية وزن أو انتقاد، قال: وأما إن وزنت وانتقدت وبقيت عند صاحبها على وجه الشركة فضاعت - لكانت
[ ٦ / ٣٣٥ ]
مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة. هذا نصه، وهو يدل لما قلناه، وأيضًا فلجعله الأمة بينهما، فاعلمه.
الْعَاقِدانِ كَالْوَكِيلِ والْمُوَكِّلِ
هذا شروع منه في بيان أركانها، يعني أن من جاز له أن يتصرف لنفسه - جاز له أن يوكل ويشارك؛ فلا يشارك العبد إلا أن يكون مأذونًا له، وكذلك غيره من المحجور عليهم، وشبهه المصنف بالوكيل والموكل؛ لأنه قد يشبه بما سيأتي، ويقرب من هذا هنا أن تأتي الوكالة أثر الشركة، واعلم أن كل واحد وكيل عن صاحبه، موكل له، وعلى هذا فيكون المصنف شبه كلا منهما بمجموع الوكيل والموكل.
فإن قيل: فقد قالوا: إن الذمي لا يوكل على المسلم فهل يتأتى هنا؟
قيل: لا يبعد؛ وقد قال ابن حبيب: لا ينبغي للحافظ لدينه أن يشارك إلا أهل الدين والأمانة، والتوقي للخيانة والربا والتخليط في التجارة، ولا يشارك يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مسلمًا فاجرًا إلا أن يكون هو الذي يتولى البيع والشراء، وإنما للآخر البطش والعمل.
الصِّيغَةُ ما يِدُلُّ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا
ابن عبد السلام: يعني أن الشركة لا تختص بلفظ معين، بل كل ما يدل عليها لغة أو عرفًا، أو ما يقوم مقام ذلك من الأفعال. وفي كلامه مسامحة؛ لأنه قابل اللفظ بالعرف، فإن أراد باللفظ ما هو أعم من اللغة والعرف، فكيف يجعل العرف قسيمًا له، وإن كان مراده باللفظ ما أفاد في اللغة، وبالعرف ما أفاد من الألفاظ العرفية - فقريب، إلا [٥٥٠/ب] أنه يخرج عنه الفعل، وإن أراد بالعرف ما أفاد عرفًا أعم من أن يكون لفظًا أو غيره - ففيه من الإشكال أنه يكون قد فسر الصيغة بما هو أعم منها.
ومثال الفعل الدال كما لو خلطا ماليهما وباعا.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
مَحَلُّهَا: الْمَالُ والْعَمَلُ، فَفِي الْمَالِ: بَيْعٌ مِنْ غَيْرِ مُنَاجَزَةٍ لِبَقَاءِ الْيَدِ
كلامه ظاهر التصور؛ وذلك لأنه إذا أخرج أحدهما مائة دينار، والأخر مثلها - فكأن كل واحد منهما باع نصف ما أخرجه بنصف ما أخرجه الآخر، لكنهما لم يتناجزا لبقاء يد كل واحد منهما.
وقلنا: (من غير مناجزة) لأن ذلك لو كان مناجزة لاكتفى به في الصرف، ولهذا - الذي أشار إليه المصنف - كان الأصل منعها في المال الذي ذكرنا لولا الإجمال الذي نبه عليه المصنف بقوله:
والإِجْمَاعُ عَلَى إِجَازَتِهَا بِالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ مِنْ كِلا الْجَانِبَيْنِ
(كِلا الْجَانِبَيْنِ) أي: أن يخرج كل واحد منهما ذهبًا، أو كل واحد ورقًا.
واحترز به مما لو أخرج أحدهما ذهبًا والآخر ورقًا؛ لأنه ممنوع كما سيأتي، وعلى كلام المصنف يكون الإجماع على غير قياس، وأشار ابن عبد السلام إلى أن بقاء اليد لا يمنع من التناجز لاختلاف وجوه الضمان في ذلك بالجزء المبيع، ألا ترى أنه كام مضمونًا قبل الشركة من البائع، وضمانه بعدها منهما، فيكون الإجماع منعقدًا على مقتضى القياس، وإنما لم يكتف بهذا القدر في الصرف احتياطًا.
خليل: وفيه نظر؛ لأن بيع العين بالعين مصارفة بلا إشكال، والإجماع هنا جار على غير قياس. وقد صرح صاحب المقدمات وغيره بأن هذا الإجماع ليس بجار على قياس.
فَقَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الطَّعَامَ الْمُتَّفِقَ فِي نَوْعِهِ وصِفَتِهِ، ومَنَعَهُ مَالِكٌ، فَقِيلَ: لأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ
يعني: أن ابن القاسم قاس الطعامين المتفقين في الصفة على الدنانير والدراهم، والجامع حصول المناجزة حكمًا لا حسًا، فكما اغتفر هذا في الدنانير والدراهم - فكذلك يغتفر في الطعامين، ومنع ذلك مالك، ولأصحابه في الفرق أوجه:
[ ٦ / ٣٣٧ ]
أولها: ذكره عبد الحق عن شيوخه: أن في الطعامين يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع، فإذا باع يكون كل واحد منهما بائعًا للطعام قبل استيفائه، وهذا هو الذي ذكره المصنف.
ثانيها: ما أشار إليه ابن المواز أن ذلك لما يدخله من خلط الطعام الجيد بالدنيء.
ثالثها: لأنه إجماع خرج من غير قياس كما تقدم، وما كان كذلك لا يصح القياس عليه على الصحيح.
رابعها لإسماعيل القاضي: أن الشركة في الطعام مشروطة بالمساواة في القدر والصفة، وذلك متعذر عادة، قال: ولا ينقض هذا بجواز بيع الطعام بعضه ببعض؛ لأن المطلوب في البيع حصول المساواة في القدر فقط، ورده ابن يونس بأنه تفريع على خلاف أصل مالك وابن القاسم، وذلك لأن طرده يقتضي جواز الشركة بالطعامين المخلتفي النوع إذا حصلت المساواة في القيمة.
ابن عبد السلام: قد يقال إذا كان التساوي في القيمة مع اتحاد النوع متعذرًا عادة - فأحرى أن يكون متعذرًا مع اختلافه.
وذكر بعضهم خامسًا: أن الطعام مما تختلف فيه الأغراض، ولعله راجع إلى قول إسماعيل.
وسادسها: أن علل الطعام كثيرة بخلاف الدنانير والدراهم، ولعله يرجع إلى ما ذكره عبد الحق.
خليل: وقد يقال: في قول إسماعيل القاضي نظر؛ لأنه لولا حصول المساواة لم يكن من ذوات الأمثال، وكذلك أيضًا فيما ذكره عبد الحق نظر؛ لأنه أجاز في المدونة الشركة بالطعام والنقد، ولو كان كما ذكر من العلة لمنع ذلك.
[ ٦ / ٣٣٨ ]
واحترز المصنف بقوله: (وصفته) مما لو اختلفت الصفة كسمراء ومحمولة، فإنه ممتنع عند ابن القاسم أيضًا، قال في المدونة: وسواء اتفقت القيمة أم لا، وحكى عبد الحق عن بعض القرويين أنه يجوز - على مذهب ابن القاسم - الشركة بالطعام المختلف اختلافًا يسيرا؛ كما يجوز في اليزيدية والمحمدية. قال في المقدمات: وهو محتمل. وظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يجيز التفاضل في الطعامين المتفقين في الصفة؛ لأنه قال في غير موضع: إن ذلك لا يجوز حتى يتفقا في الكيل والجودة. وأطلق. قال: وهذا أظهر مما حكاه عبد الحق.
وتُمْنَعُ فِي الدَّنَانِيرِمَعَ الدَّرَاهِمِ والطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا
يعني: فإن أخرج هذا ذهبًا والآخر دراهم - امتنع، وعلل ذلك في المدونة بأنه صرف وشركة، والصرف لا يجوز مع الشركة، وإذا لم يجز البيع مع الشركة فالصرف أولى، وأجاز ذلك أشهب وسحنون، وقالا: إنما يمنع الصرف والشركة إذا كان الصرف خارجًا عن الشركة، وأما الداخل فيها فيجوز، ورواه ابن القاسم عن مالك في الموازية.
ابن المواز: وهو غلط، وما علمت من أجازه؛ لأنه صرف لا يبين به صاحبه لبقاء يد كل واحد منهما، وروى ابن وهب عن مالك الكراهة، وبذلك أخذ محمد، وقيد اللخمي ما في الموازية بما إذا تناجزا في الحضرة.
فرع: ولو أخرج هذا ذهبًا وورقًا والآخر مثله ذهبًا وورقًا، فإنه يجوز.
ابن عبد السلام: لا أعلم فيه خلافًا، ولهذا رجح جماعة قول سحنون؛ لأن التعليل الذي ذكره في المدونة في الدراهم مع الدنانير جار في هذه، وهي جائزة، قال في المدونة مفرعًا على المشهور في الشركة في الدنانير والدراهم: فإن عملا فلكل واحد رأس ماله، ويقتسمان الربح: لكل عشرة دنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم، وكذلك الوضيعة،
[ ٦ / ٣٣٩ ]
قال: وإن عرف كل واحد السلعة التي اشتريت بماله فإن السلعة تباع، ويقسم الثمن كله. كما ذكرنا، وقال غيره: لكل واحد السلعة التي اشتريت بماله إن عرفت، ولا شركة له في سلعة الآخر.
وأما الشركة بالطعامين المختلفين فالمشهور - وهو مذهب المدونة - المنع، ففيها: وإن أخرج أحدهما محمولة والآخر سمراء، أو أخرج هذا [٥٥١/أ] قمحًا والآخر شعيرًا، وقيمة ذلك متفقة أو مختلفة، وباع هذا نصف طعامه بنصف الآخر - لم يجز على حال كيفما شرط، كما لا أجيز الشركة بدنانير ودراهم متفقة قيمتهما، والقول بالجواز لسحنون بشرط أن تتفق القيمة. اللخمي: يريد: والكيل.
وقول المصنف: (فِيهِمَا) أي: في صورتي الدنانير والدراهم والطعامين المختلفين، وقد بينا ذلك، وفي المقدمات والبيان عن مالك قول بالجواز في مسألة الطعامين المختلفين كقول سحنون.
وتَجُوزُ بِالْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا، ورَاسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا قُوِّمَ بِهِ عَرْضُهُ
تجوز الشركة بالعرضين مطلقًا، أي: سواء كانا من جنس أو من جنسين، قال في المدونة: ولا بأس أن يشتركا بعرضين متفقين أو مختلفين، أو طعام وعرض على قيمة ما أخرج كل واحد.
وروي عن مالك في الموازية أنه قال في الشركة بالعرضين المختلفين: ما هو من عمل الناس، وأرجو ألا يكون فيه بأس. وينبغي حمل هذا على الوفاق؛ لقوله: أرجو ألا يكون بذلك بأس. وإن كان ابن رشد حمله على الخلاف.
وقوله: (ورَاسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا قُوِّمَ بِهِ عَرْضُهُ)؛ أي إلى يوم الإحضار.
[ ٦ / ٣٤٠ ]
فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَرَاسُ مَالِهِ مَا بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ لا قِيمَتُهُ يَوْمَ أَحْضَرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: فلو وقعت الشركة بالعرضين فاسدة - كما لو وقعت على تفاضل الربح أو العمل - فاختلف فيما يكون رأس مال كل واحد منهما، فالمشهور أنه ما بيع به عرضه؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة لم يزل على ملك ربه وفي ضمانه إلى يوم البيع، وهذا كما قلنا في البيع الفاسد أنه ينتقل إلى ملك المشتري بالفوات، فيضمن قيمته يوم القبض، والشاذ الذي حكاه المصنف باعتبار القيمة يوم الإحضار.
ابن راشد وابن عبد السلام: ليس بمنصوص وإنما خرجه التونسي على قول من يرى أن التمكين في البيع الفاسد يوجب الضمان، على أنه لم يجزم هذا القروي به، بل جعله مما يمكن أن يقال، والأقرب أنه لا يتخرج؛ لأن التمكين في البيع الفاسد تمكين تام؛ إذ لا شركة لأحد معه فيه، بخلافه هنا، فلا يلزم من انتقال الضمان بالتمكين التام انتقاله بالتمكين غير التام.
وأشار التونسي أيضًا إلى تخريجه ما إذا أخرج أحدهما ذهبًا والآخر ورقًا، فإن المشهور - وهو مذهب ابن القاسم - فسادها، مع أنه قال: إذا اشترى كل سلعة وعرفت يقتسمان الربح على حسب رأس مالهما.
خليل: وقد يخرج على أن المستثنى من أصل إذا فسد، هل يلحق بصحيح أصله أو بصحيح نفسه؟ وذلك أن الشركة مستثناة من البيع؛ إذ جوز فيها من بيع النقد بالنقد والطعام بمثله ما لم يجوز في البيع، فإذا فسد فهل ترد إلى صحيح أصلها - وهو البيع - فيجيء منه المشهور، أو إلى صحيح نفسها - وهو الشركة - فتكون القيمة يوم الإحضار كما قلنا؟
عبد الحق وابن يونس: فإن لم يعرفا ما بيعت به سلعة كل منهما فلكل واحد منهما قيمة عرضه يوم البيع؛ لأن سلعة كل واحد منهما كانت من ضمانه إلى أن بيعت، فالبيع أفاتها، كما قال في الطعامين إذا خلطا: إن رأس مال كل واحد منهما ما بيعت به سلعته.
[ ٦ / ٣٤١ ]
تنبيه: قوله: (فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً إلخ) يقتضي أن القيمة في الشركة الصحيحة يوم الإحضار كما قلنا، وكذلك هو في المدونة.
فَلَوْ خَلَطَا الطَّعَامَيْنِ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْخَلْطِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ كَالْمُسَاوِي، ورُويَ: يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي
يعني: لو خلطا الطعامين في الشركة الفاسدة، أما على قول مالك فلأن الشركة في الطعامين لا تقع إلا فاسدة، وأما على قول ابن القاسم فكما لو وقعت على تفاضل الربح والعمل، أو في نوعين مختلفين كقمح وشعير، فالمشهور أنه تعتبر قيمة كل طعام منهما يوم الخلط، ولهذا التقدير الذي ذكرناه أفرد المصنف الضمير في (قِيمَتُهُ).
وقوله: (ورُويَ: يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) هو لمالك في الموازية، وفهم اللخمي هذه الرواية على أن كل واحد يضمن لصاحبه مثل نصف طعامه، وإنما اقتسما على المساواة لأنهما على ذلك دخلا، وهو حسن، وأبقاها التونسي على ظاهرها؛ أي: من غير غرم، وقال في توجيهها: لأن كل واحد لم يكن متعديًا في خلطه، ودخل على أنه لا فضل له على صاحبه، ثم استشكل ذلك فقال: وقد تكون قيمة الشعير مفردًا عشرة، وقيمة القمح مفردًا عشرين، فإذا اختلطا صارت قيمة الشعير خمسة عشر، فكيف يصح أن يقتسماه نصفين؟ وإنما زادت قيمة الشعير بالقمح؛ فيجب أن يكون الزائد لرب القمح.
وتَصِحُّ بِالْعَرْضِ مِنْ جَانِبٍ والنَّقْدِ مِنْ جِانِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور مذهب المدونة، ولم أقف على الشاذ، ولعله منع لاجتماع البيع والشركة، وإنما أجاز في المشهور هنا، ومنع في التأخير الدنانير والدراهم؛ لأنه ليس في العين والعرض إلا مانع واحد، وهو البيع والشركة، وهو مغتفر في أصل الشركة بخلاف الدراهم مع الدنانير، فإن في ذلك علتين: البيع والشركة والصرف من غير مناجزة، والله أعلم.
[ ٦ / ٣٤٢ ]
ويُشْتَرَطُ فِي الذَّهَبَيْنِ اتِّفَاقُ صَرْفِهِمَا لا غَيْرُ
يعني: ولا ينظر إلى اختلاف الشكل، قال في المدونة: وإن أخرج أحدهما دنانير هاشمية، والآخر مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، والآخر مثل وزنها محمدية - وصرفها مختلف - لم يجز إلا في اختلاف يسير لا بال له.
اللخمي: والقياس أن لا يجوز؛ لأن الترك لموضع الشركة، كما قالوا في الإقالة والشركة في الطعام أنها جائزة على وجه المعروف، ولو قال: لا أقيلك إلا أن تقيلني ولا أشاركك إلا أن تشاركني. لم يجز؛ لأنهما أخرجا ذلك عن وجه المعروف، إلا أن يكونا عقدا الشركة على سكة واحدة ثم جاء أحدهما بأفضل.
محمد: وإن أخرج هذا عشرة دنانير قائمة، والآخر عشرة تنقص حبتين، واشتركا على ترك الفضل - لم يجز.
اللخمي: يريد لأن الترك للشركة.
وإن أخرج أحدهما مائة مسكوكة والآخر مائة تبرًا، وتساوى الذهبان - نظرت إلى فضل السكة، فإن كان كثيرًا لم تجز الشركة، وإن كان يسيرًا جازت إذا ألغيا ذلك الفضل على قول ابن القاسم.
تنبيه: وتقدم أن عبد الحق قاس التفاوت [٥٥١/ب] اليسير في النقدين على الطعامين، وأن ابن رشد أبى ذلك، وهو مما يدل على أن الطعام يمتنع فيه ما لا يمتنع في النقدين، والله أعلم.
فِي جَوَازِ غَيْبَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ: قَوْلانِ
الجواز لمالك وابن القاسم في المدونة، والمنع لسحنون.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
ابن عبد السلام: وكأنه الأقرب؛ لأن الشركة تستدعي صحة التصرف في المالين لكل من الشريكين، وذلك منتف مع غيبة أحد المالين. وقال اللخمي: والمشهور أحسن. وقيد المشهور بقيدين:
أحدهما: ألا يتجرا إلا بعد قبض المال الغائب.
ثانيهما: ألا تكون الغيبة بعيدة جدًا.
فرع: وعلى المشهور ففي المدونة: إن أخرج أحدهما ألفًا، والآخر ألفًا منها خمسمائة غائبة، ثم خرج ربها ليأتي بها وخرج بجميع المال الحاضر معه فلم يجدها، واشترى بجميع ما معه تجارة - فإن له ثلث الفضل.
ابن القاسم: ولا يرجع بأجر فضل العمل كشريكين طاع أحدهما بالعمل، وقال سحنون: له أجر عمله فيما زاد. وقال محمد: إن خدعه فله ربح ماله، وإن لم يخدعه فله النصف، ولا أجر له.
ابن يونس: وإنما يصح قول ابن المواز إذا اشترى بالمال الحاضر قبل علمه بضياع المال الغائب؛ لأنه اشترى على أن ذلك بينهما نصفين، وأما لو اشترى بعد علمه بضياع المال الغائب، وإن كان لم يغر، فكيف يجب أن تكون الشركة بينهما، والشركة لم تقع بعد؟ ألا ترى أن ضمان الدنانير الغائبة - ما لم تقبض - من ربها، وأنه لو اشترى بها شيئًا لكان ضمانها من بائعها فكيف في الشركة؟ وقاله التونسي، قال: وظاهر الرواية أنه اشترى بعد علمه بذهاب المال، وللخمي زيادة في هذه المسألة.
ولا بُدَّ مِنْ خَلْطِ الْمَالَيْنِ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ يَشْتَرِيَانِ بِهِمَا
إن وقع الاختلاط بحيث لا يتميز أحد المالين من الآخر - فاتفق على أن الضمان منهما، وإن تميز ذلك ففي المدونة: وإن صر هذا ذهبه في صرة، والآخر في أخرى على
[ ٦ / ٣٤٤ ]
حدة، وجعلا الصرتين في يد أحدهما أو في تابوته أو في خرجه فضاعت واحدة، فالذاهبة بينهما، وإن بقيت صرة كل منهما على يده - فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند أحدهما، وكذلك إن كانا مختلفي السكة إلا أن الصرف واحد، ولو تفاضل الصرف - فسدت الشركة، وكانت الذاهبة من ربها، وإن بقيت صرة كل بيد ربها حتى ابتاع أحدهما بها أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى والمالان متفقان - فالأمة بينهما، والصرة من ربها.
وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا. أي: الخلط الحسي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهو قول سحنون.
المتيطي: ولم يختلف ابن القاسم وغيره أن الضائعة من ربها. وقوله في المدونة: والأمة بينهما.
ابن يونس: يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها.
وبما في المدونة يعلم أن الصواب هنا (وَيَشْتَرِيَانِ) بالواو، لا ما في بعض النسخ (أَوْ يَشْتَرِيَانِ) بـ (أو)، لأن ذلك يقتضي أنهما لو اشتركا وبقيت صرة كل واحد بيده وذهبا ليشتريا - أن تصح شركتهما، وقد نص في المدونة على خلافه، لكن قال اللخمي: يحمل قوله في الضائعة قبل الشراء وقبل الجمع: إن مصيبتها من صاحبها دون شريكه. على أنه بقي فيها وجه من التوفية وزنًا أو انتقادًا. ولو وزن كل واحد وقلبت ثم خليت عند صاحبها على وجه الشركة فضاعت لكانت مصيبتها منهما كالجارية؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة، ولو كان ذلك لكانت مصيبة الجارية - التي اشتريت بمال أحدهما قبل الجمع - من صاحبه دون شريكه؛ يعني فإن لم يحمل على ما ذكر، وإلا تعارض مع قوله: إن مصيبة الجارية منهما.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
فَإِنْ شَرَطَا نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ لَزِمَ وتُسَمَّى: شَرِكَةَ الْعِنَانِ
الشركة ثلاثة أضرب: شركة أموال وشركة أبدان وشركة وجوه، وسيأتي الكلام على الأخيرين، وشركة الأموال تنقسم ثلاثة أقسام:
الأولى: شركة مضاربة: وهي القراض، مأخوذة من الضرب في الأرض.
والثانية: شركة مفاوضة: وهي أن يجوز فعل كل واحد على صاحبه ويشتركان في جميع ما يستفيدان، واتفق على جوازها، ولا يفسدها عندنا وجود المال لأحدهما على حدة خلافًا لأبي حنيفة، وسميت مفاوضة لتفويض كل واحد منهما لمال لصاحبه، وقيل: لاستوائهما في الربح والضمان، من قولهم: تفاوض الرجلان في الحديث. إذا شرعا فيه، وقيل: المفاوضة المشاورة. كأنهما تشاورا في جميع أمورهما.
الثالثة: شركة العنان: وفسرها المصنف وابن شاس بأن يشترط كل منهما نفي الاستبداد؛ أي لا يفعل أحدهما شيئًا حتى يشاركه الآخر، وفسرها صاحب المقدمات وعياض بأنه الاشتراك في شيء خاص، وحكى الاتفاق على جوازها، ونحوه لابن عبد الحكم، وقيل: هي الشركة في كل شيء من الأشياء بعينه.
وعلى أنها الشركة في شيء بعينه - قيل: المعنى في نوع خاص، كنوه البز، أو فرد خاص كثوب، وحكى ابن عبد السلام في ذلك قولين، فيتحصل في تفسيرها أربعة أقوال.
ويقال: (عنان) بالكسر، وهو الأكثر لمن جعلها مشتقة من عنان الدابة، و(عنان) بالفتح لمن جعلها من عن يعن إذا عرض، أو من عنان السحاب لظهوره، ثم أشار إلى شركة المفاوضة بقوله:
[ ٦ / ٣٤٦ ]
وإِنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ فِي الْغَيْبَةِ والْحُضُورِ فِي الْبَيْعِ والشِّرَاءِ وغَيْرِهِ مِمَّا يَعُودُ عَلَى التِّجَارَةِ لَزِمَ
هو ظاهر التصور، قال في المدونة: والمفاوضة على وجهين: إما في جميع الأشياء، وإما في نوع واحد من المتاجر- كشراء الرقيق -يتفاوضان فيه.
فَلَوْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى نَسِيئَةً مَضَى
يعني: لو باع أحد المتفاوضين أو اشترى بالنسيئة - مضى فعله ولزم ذلك شريكه.
ولما كان قوله: (مَضَى) لا يؤخذ منه الحكم ابتداء - صرح بجواز ذلك بقوله:
(وله ذلك ما لم يحجر) أي: عليه شريكه، بأن يقول: لا تبع بالنسيئة. وما ذكره في البيع هو في المدونة والمشهور، وفي الموازية: لا يجوز لأحدهما البيع بالدين إلا بإذن صاحبه، رواه أصبغ عن ابن القاسم، وأما [٥٥٢/أ] ما ذكره في الشراء فنحوه في الجواهر، وفي كلامهما نظر؛ لأنه خلاف المنصوص في المذهب، ففي المدونة: أكره أن يخرجا مالًا على أن يتجرا فيه وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى به كل واحد منهما فبينهما، وإن جاوز رأس ماليهما، والشراء بالدين راجع إلى شركة الذمم.
أصبغ: وإذا وقعت بالذمم فما اشترياه بينهما على ما عقدا، وتفسخ الشركة من الآن.
أبو الحسن: والفسخ دليل على أن المراد بالكراهة المنع.
بعض القرويين: والأشبه - على قول ابن القاسم - أن يكون لكل واحد منهما ما اشترى، وهكذا ذكر فضل أن سحنونًا طرح قول ابن القاسم، وقال: بل لكل واحد ما اشترى.
ووجه قول ابن القاسم أن المشتري بينهما - ما قاله حمديس أن ابن القاسم حمل ذلك على الوكالة، وأين هذا كله من كلام ابن شاس والمصنف، نعم أجاز اللخمي الشراء على أن ينقد اليومين والثلاثة، قال: وهو مما لا بد للناس منه. قال: ولا يشتري بثمن مؤجل،
[ ٦ / ٣٤٧ ]
فإن فعل بغير إذن شريكه فالشريك بالخيار بين القبول والرد، فيكون الثمن على المشتري خاصة، وإن كان بإذن في سلعة معينة جاز ذلك، وإن لم يعين لم يجز ذلك ابتداء، فإن فعل فما اشتراه مشترك بينهما على المستحسن من القولين في شركة الذمم، وعلى هذا فيحمل كلام المصنف على الشيء المعين لا غيره، وإلا تناقض كلامه، فإنه في غير المعين شركة الذمم، وسيذكر المصنف أنها ممنوعة.
وتَبَرُّعُهُ لا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَكُنِ اسْتِئْلافًا لِلتِّجَارَةِ
لأن التبرع خلاف ما عقدا عليه الشركة، فلذلك لا يلزم إلا ما دلت عليه أو عاد بنفع. قال في المدونة: وإن أخر أحدهما غريمًا بدين أو وضع له منه - نظرًا، أو استئلافًا للتجارة ليشتري منه في المستقبل - جاز ذلك. وكذلك الوكيل على البيع إذا كان مفوضًا إليه، وقيل: لا يجوز التأخير إرادة الاستئلاف؛ لأنه من السلف بزيادة.
اللخمي: والأول أحسن. وفي المدونة: ليس لأحد المتفاوضين أن يعير من مال الشركة إلا أن يوسع له في ذلك شريكه، أو يكون شيئًا خفيفًا كعارية غلام ليسقي دابة ونحوه، وأرجو ألا يكون به بأس.
والعارية من المعروف الذي لا يجوز لأحدهما أن يفعله إلا لإرادة الاستئلاف، ومما يجوز له - مما دلت عليه العادة لخفته - إعارة الماعون، وإعطاؤه الكسرة ونحوها.
ويُطَالَبُ كُلُّ واحِدٍ بِتَوَابِعِ مُعَامَلَةِ الآخَرِ
كما لو استحقت السلعة من يد المشتري.
ويَرُدُّ بِعَيْبٍ وغَيْرِهِ
قوله: (ويَرُدُّ) أي: ويرد أحد الشريكين المشترى بعيب اطلع عليه، سواء اشتراه هو أو شريكه، أما ما اشتراه هو فواضح، وأما ما اشتراه شريكه فلأنه وكيل عنه.
[ ٦ / ٣٤٨ ]
وقوله: (وغَيْرِهِ) أي: من استحقاق جزء السلعة، والرد بسبب فساد البيع، وإمضاء بيع الخيار أو رده.
ويُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ عَلَى العُهْدَةِ مِنْ شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ انْتُظِرَ
قوله: (ويُرَدُّ عَلَيْهِ) يعني: أن من اشترى سلعة من أحد المتفاوضين ثم اطلع على عيب وأراد ردها، فإن كان البائع حاضرًا فكلامه معه؛ لأن البائع أقعد بحال المبيع، وإن كان غائبًا قريب الغيبة - قال في المدونة: كاليوم ونحوه - انتظر، وترك المصنف التصريح بالكلام على الحاضر؛ لأن ذلك يؤخذ مما ذكره؛ لأنه إذا انتظر قريب الغريبة ليقع الكلام معه - فالحاضر أولى.
وإن كان بعيد الغيبة، قيل: كالعشرة أيام. رد على شريكه الحاضر إذا أقام المشتري بينة أنه اشتراه على بيع الإسلام وعهدته، وله أخذ الثمن إن قالت البينة: إنه نقد الثمن، وإنه كذا.
قيل: ويحتاج إذا أراد أخذ الثمن إلى إثبات أمور: بينة الشراء، ونقد الثمن، وأنه كذا، وإثبات العيب، وأنه غاب غيبة بعيدة أو بحيث لا يعلم أمد التبايع لاحتمال أن يكون قديمًا والعيب حادث وبالعكس.
ويحلف على ثلاثة أمور: أنه اشترى شراء صحيحًا على عهدة الإسلام، وأنه ما تبرأ إليه منه، ولا أعلمه به، وأنه لما اطلع عليه لم يرض بعد علمه. قال في المدونة: وإذا أقام المبتاع بينة أنه ابتاع على عهدة الإسلام - نظر في العيب، فإن كان قديمًا لا يحدث مثله رد العبد على الشريك الآخر، وإن كان يحدث مثله - فعلى المبتاع البينة أن العيب كان عند البائع، وإلا حلف الشريك بالله ما يعلم أن هذا العيب كان عنده.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
ابن يونس: يريد كان ظاهرًا أو خفيًا؛ لأن غيره تولى البيع كالوارث، ولو حضر البائع - حلف على البت في الظاهر، وعلى العلم في الخفي على قول ابن القاسم. قال في المدونة: وإن نكل الشريك الذي لم يبع - حلف المبتاع على البت أنه ما حدث عنده، ثم يرده عليه. وفي الموازية: أن المبتاع إنما يحلف كما كان يحلف بائعه: في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم.
اللخمي: وإن لم تقم البينة للمشتري أنه ابتاع على عهدة الإسلام - يعني في العيب القديم - وكانت العادة البيع على البراءة - لم يعد بهذا العيب، وإن اختلفت العادة - حلف أنه اشترى على العهدة، ورده إن كان العيب مشكوكًا في قدمه وكان اشتراء البائع لذلك العبد وبيعه في غيبة الحاضر الآن، أو في حضوره وباعه في الحضرة قبل علم الآخر - لم يكن على الحاضر يمين، وإن كان اشتراه بحضرته وغاب عليه إذا كان هذا هو المتولي للشراء - أحلف على ذلك العيب، فإن حلف ثم قدم الغائب حلف أيضًا، فإن نكل حلف المشتري ورد جميعه؛ لأنه لو كان حاضرًا لحلفهما جميعًا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر - حلف ورد جميعه؛ لأنه لو أقر أحدهما وأنكر الآخر - رد جميعه [٥٥٢/ب] بإقرار المقر منهما، وإن نكل الحاضر حلف المشتري، ثم لا يكون للغائب في ذلك مقال إلا أن يثبت أنه كان بين ذلك للمشتري، فإن نكل المشتري عن اليمين - سقط مقاله في الرد الآن وبعد أن يقدم الغائب؛ لأنه لو كان حاضرًا ونكلا عن اليمين ثم نكل المشتري بعد نكولهما - لم يكن له شيء. انتهى.
ابن يونس: ولو جاء الغائب فأقر أنه كان عالمًا لانبغى أن يرده، ويلزم ذلك الشريك الحالف، ولو أنكر الغائب لحلف.
فإن نكل فهل يرد عليه جميعها أو نصفها ليمين شريكه؟
[ ٦ / ٣٥٠ ]
ابن يونس: والذي ظهر لي أن يرد عليه جميعها؛ لأن نكوله كإقراره لأنه المعامل له، ولا يضره يمين الشريك الحاضر؛ لأنه إنما حلف على أنه لم يعلم أن به عيبًا، وهو لم يعامله.
التونسي: انظر لو نكل الشريك الحاضر ولا علم عنده من العيب فحلف المبتاع وردها، ثم قدم البائع فقال: أنا أحلف وأنقض الرد على شريكي. فيشبه أن يكون ذلك له؛ لأن صاحبه إنما توقف عن اليمين إذ لا حقيقة عنده، وقد يكون له ذلك في نصفه، وأما نصف الناكل فقد نكل عن اليمين فيه، فهل يمضي الرد فيه؛ لأن من وكل على بيع عبد فاليمين في العيب إذا وجد على الموكل في الذمة، لا على الوكيل، ونصفه الذي يخص صاحبه إنما باعه بالوكالة، وقد نكل عن اليمين، فانظر هذا.
فَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الافْتِرَاقِ بِذَلِكَ لَزِمَ الْمُقِرَّ حِصَّتُهُ
هذا قول ابن القاسم. ابن يونس: ومراده إذا لم يحلف المشهود له، قال: وقال سحنون: يلزمهما ما أقر به أحدهما في أموالهما. وظاهره أنه خلاف سحنون ولو مع الطول. وفي اللخمي: إن أقر بعد طول الافتراق لم يقبل. ويختلف إذا أقر بقرب ذلك وادعى أنه نسي، فقد اختلف في العامل في القراض يدعي بعد المقاسمة أنه أنفق من القراض، ونسي المحاسبة بها، فقال في المدونة: لا يقبل قوله. وقال في الموازية: يحلف ويكون ذل له، والشريك مثله.
وفهم من قوله: (بَعْدَ الافْتِرَاقِ) أنه لو أقر قبله قبل، وكذلك نص عليه في المدونة بشرط أن يقر لأجنبي لا يتهم عليه، وأما المتهم عليه فلا، قال في المدونة: وإن أقر بدين من شركتهما لأبويه أو ولده أو جده أو جدته أو زوجته أو صديقه أو من يتهم عليه - لم يجز ذلك على شريكه، وخرج اللخمي قولًا بصحة الإقرار لمن يتهم عليه من أحد القولين في إقرار من تبين فلسه لمن يتهم عليه. قال: والمفلس أبين في التهمة؛ لأنه ينزع ماله ويبقى
[ ٦ / ٣٥١ ]
مفلسًا لا شيء له، فيعطي ماله لمثل هؤلاء ليعيده إليه فيعيش به، وليس للتفرقة بأن هذا يبقى في ذمته دينًا وجه.
فرع: واختلف إذا أقر أحدهما بعد موت الآخر، فجعله ابن القاسم في المدونة شاهدًا، ولم يقبل قوله، وقال: إذا قال الحي: رهنا متاع الشركة عند فلان، وقال الورثة: بل أودعتها أنت إياه بعد موت ولينا. فهو شاهد، وللمرتهن أن يحلف معه ويستحق. وقال سحنون: القول قول الشريك، ويلزم الورثة ما أقر به.
اللخمي: وهو أصوب، وليس الموت كالافتراق: لأن الافتراق يكون عن محاسبة ومفاصلة وقطع الدعاوى، والموت أمر طرأ قبل ذلك.
وَلَوْ أَقَامَ الْحَيُّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّ مِائَةً مِنَ الْمَالِ كَانَتْ بِيَدِ الْمَيِّتِ فَلَمْ تُوجَدْ ولا عُلِمَ مُسْقِطُهَا، فَإِنْ قَرُبَ مَوْتُهُ مِنْ قَبْضِهَا بِحَيْثُ لا يُظَنُّ بِهِ إِشْغَالُهَا فِي الْمَالِ فَهِيَ فِي حِصَّتِهِ، وإِلا فَلا
أي: الميت.
وقوله: (وإِلا فَلا) أي: فلا يلزمه شيء؛ لأن الغالب أنه أدخله في مال التجارة، وهذه المسألة تدل على أن الغالب مقدم على الأصل، وهي كالتي بعدها، أي قوله:
ولَوْ أَقَرَّ الشَّرِيكُ أَنَّ بِيَدِهِ مِائَةً مِنَ الْمَالَ فَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وقِصَرِهَا، وأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لَمْ يَبْرَا إِلا بِالإِشْهَادِ أَنَّهُ رَدَّهَا
قوله: (أَقَرَّ) ظاهره والآخر حي، والذي في المدونة: وإن مات أحد الشركاء فأقام صاحبه بينة أن مائة دينار من الشركة كانت عند الميت فلم توجد ولا علم مسقطها، فإن كان موته قريبًا من أخذها فيما يظن أنه لم يشغلها في تجارة - فهي في حصته، وما تطاول وقته لم يلزمه، أرأيت لو قالت البينة: قبضها منذ سنة. وهما يتجران أيلزمه أو لا شيء عليه؟ انتهى.
[ ٦ / ٣٥٢ ]
وقوله: (أَمَّا إلخ) هذا ذكره ابن المواز مقيدًا للمدونة، وحاصله أن كلامه في المدونة مقيد بما إذا لم يشهدوا، وأما إذا أشهد على نفسه بأخذ المائة فلا يبرأ إلا بالإشهاد أنه ردها، طال ذلك أو قصر، والظاهر أن مراد محمد بقوله: (أشهد) أن تكون البينة قصد بها التوثق كما قالوا في البينة التي لا يقبل دعوى المودع الرد معها، وهو أن يأتي بشهود يشهدهم على دفع الوديعة للمودع، وأما لو دفع بحضرة قوم ولم يقصد التوثق بشهادتهم - فلا، ولأنه الذي يفهم من قول محمد، وأما إن كان إقراره من غير قصد إشهاد - فكما ذكر ابن القاسم.
فرع: كتب شجرة إلى سحنون فيمن دفع عن أخيه - وهما مشتركان مفاوضة - صداق امرأته، ولم يذكر من ماله ولا من مال أخيه، فمات الدافع، فقام ورثته، فكتب إليه: إن دفع وهما متفاوضان، ثم أقام سنين كثيرة ولا يطلب أخاه، فهذا ضعيف، وإن كان بحضرة ذلك - فذلك بينهما شطران، ويحاسب به.
والرِّبْحُ عَلَى الْمَالِ، والْعَمَلُ عَلَى نِسْبَتِهِ
يعني: يشترط أن يكون الربح والعمل على نسبة المال، فإذا كان لأحدهما الثلث - كان له من الربح الثلث، ولا يجوز أن يزاد أو ينقص، وكذلك العمل.
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى تَفَاضُلِ الرِّبْحِ أَوِ الْعَمَلِ فَسَدَتْ ولَزِمَ التَّرَادُّ فِي الرِّبْحِ، وفِي [٥٥٣/أ] الْعَمَلِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي نِصْفِ الزِّيَادَةِ
قوله: (فَسَدَتْ) أي: الشركة.
(ولَزِمَ التَّرَادُّ) أي: التراجع، فإذا دفع هذا ألفًا وهذا ألفين، ودخلا على أن الربح والعمل متساويان، فإن اطلع على ذلك قبل العمل فسخ، وإلا رجع صاحب الألفين بفاضل الربح فيأخذ ثلثي الربح، ويرجع صاحب الألف على صاحب الألفين بفاضل
[ ٦ / ٣٥٣ ]
عمله، فيأخذ سدس أجرة المجموع، وهذا معنى قوله: (نِصْفِ الزِّيَادَةِ)؛ لأن الذي يزيد به صاحب الثلثين الثلث.
ابن عبد السلام: وقيل: لا أجر لصاحب الثلث في الزيادة، واختار اللخمي التفصيل: إن خسر فلا شيء له، وإن ربح فله الأقل من أجرة المثل وما ينوب ذلك من الربح.
وأَمَّا لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ
يعني: أن زيادة أحدهما على الآخر في الربح أو العمل إنما تفسد إذا وقع اشتراط ذلك في عقدة الشركة، وأما لو تبرع أحدهما للآخر بعده فلا محذور؛ لأنه محض هبة لا ترد لأج الشركة.
خليل: وانظر هذا مع قولهم: إنه إذا باع بمال ثم قال له: أخذت ذلك مني رخيصًا. فزاده - أن الزيادة تلحق بالثمن، أي: فيلزمه ردها إذا رد عليه المبيع بعيب، ولأن لنا مسائل يعد فيها اللاحق للعقد كأنه واقع فيه.
وكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَهُ أَوْ وَهَبَهُ
أي: في منع ذلك إن وقع في العقد وجوازه إن وقع بعده، وانظر كيف عدى المصنف (وَهَبَ) بنفسه، والمستعمل في كلام العرب إنما هو تعديته باللام؛ كقوله تعالى: (لِأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]، وقوله: (هَبْ لِي) [آل عمران: ٣٨] إلى غير ذلك.
والْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّلَفَ والْخُسْرَانَ ومَا يَشْتَرِيهَ لِنَفْسِهِ
لأن يد كل واحد منهما يد أمانة، فلذلك كان القول قوله في التلف والخسران، قال في الجواهر: ما لم يظهر كذبه. وإن اتهم استحلف، وإن قال: ابتعت منه سلعة وهلكت. صدق، وينبغي أن يقيد قوله بعدم المعارض.
[ ٦ / ٣٥٤ ]
وقد نقل الباجي عن بعض أصحابنا في العامل في القراض يدعي الخسارة ولم يبين وجهه - أنه يضمن.
وقوله: (ومَا يَشْتَرِيهَ لِنَفْسِهِ) مأكولًا وملبوسًا إذا كان يشبه ذلك حاله فيما يأكله ويكتسيه، وهذا إنما هو في الأكل والكسوة.
ابن القاسم: وذلك بخلاف شرائه لنفسه شيئًا من العروض والرقيق، هذا له أن يدخل معه فيه، قال في الجواهر: وإن قال: هذا المال من مال الشركة، وخلص لي بالقسمة. فالقول قول شريكه؛ لأن الأصل عدم القسمة.
وَنَفَقَتُهُمَا وكِسْوَتُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ مُلْغَاةٌ فِي بَلَدٍ كَانَا أَوْ فِي بَلَدَيْنِ، والسِّعْرُ واحِدٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ، وقِيلَ: إِنَّمَا تُلْغَى فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمَا، كَانَا بِعِيَالٍ أَوْ بِغَيْرِ عِيَالٍ
أي: نفقة الشريكين المتفاوضين، والأول هو مذهب المدونة. و(المعروف) ما لا سرف فيها.
وقوله: (كَانَا بِعِيَالٍ أَوْ بِغَيْرِ عِيَالٍ) من تمامه لإتمام القول الثاني، ومعناه أن النفقة إنما تلغى إذا كانا معًا بعيال أو كانا معًا بغير عيال، وهذا إنما هو في شركة المفاوضة، وبقي عليه شرطان:
الأول: أن تكون الشركة بينهما على النصف، وإن كان لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث - لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بقدر جزئه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله فيحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه يأخذ من المال أكثر مما يأخذه صاحبه.
الثاني: أن تكون العيال متساوية أو متقاربة، قاله ابن القاسم في رواية سليمان، واكتفى المصنف عن هذا الشرط اعتمادًا على ما يقوله بعد.
فإن كان لأحدهما عيال دون الآخر حسب كل واحد نفقته، فإنه لا فرق بينهما.
[ ٦ / ٣٥٥ ]
وقوله: (وكِسْوَتُهُمَا) لأنها تبع للنفقة، ولهذا وقع في وصايا ابن شعبان فيمن أوصى لرجل بنفقته - أن له الكسوة.
وقوله: (والسِّعْرُ واحِدٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ) نحوه في المدونة، ولعل الموجب لذلك العادة وصعوبة ضبط مقدار النفقة كل يوم.
وقوله: (وقِيلَ) نحوه في الجواهر.
ابن عبد السلام: ولا أذكر قائله في المذهب، ووجهه إن ثبت القياس على نفقة العامل في القراض، ويلزم على هذا ألا تجب لهم الكسوة إلا في المال الكثير كالقراض.
ابن يونس: وينبغي إذا كان لكل واحد عيال واختلفت أسعار البلدين اختلافًا بينًا أن يحسب النفقة؛ إذ نفقة العيال ليست من التجارة، وقال اللخمي: ظاهر المذهب أنه لا التفات إلى اختلاف السعرين، والقياس - إذا كان البلدان قرارًا لهما -: أن يحاسب من كان في البلد الغالي بما بين السعرين، فإن لم يكن واحد منهما في قراره لم يحاسب بما بين السعرين، وإن كان أحدهما ببلده - وهو أغلى - حوسب، وإن كان الذي بغير لديه أغلى لم يحاسب.
وينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الشريكان متقاربين في النفقة والكسوة، وأما إن كان أحدهما يقنع بالحرش من الطعام والغليظ من الثياب فيحسب كل واحد نفقته، قاله ابن عبد السلام.
فَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عِيَالٌ دُونَ الآخَرِ حَسَبَ كُلُّ واحِدٍ نَفَقَتَهُ
تصوره ظاهر.
ويَنْقَطِعُ التَّصَرُّفُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا
لأن المال بعد الموت للورثة، وهذا ظاهر إن علم الحي بموت شريكه، وأما إن لم يعلم فينبغي أن يجرى ذلك على الخلاف إذا مات الموكل، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
وإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ حُمِلَ عَلَى النِّصْفِ
ابن عبد السلام: هذا قول أشهب في الموازية بشرط أن يحلف؛ لأنه الغالب ولأنهما تساويا في الحيازة واليمين. وقال بن القاسم في الموازية أيضًا: إذا قال أحدهما: لك الثلث ولي الثلثان. وقال الآخر: المال بيننا نصفين. وليس المال بيد أحدهما - فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين، وفي قول أشهب نظر؛ لأن حلف مدعي [٥٥٣/ب] الثلثين وأخذه النصف لا تحتمله الأصول.
وفِي شَيْءٍ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ
يعني: إذا تنازعا في شيء بيد أحدهما، هل هو من مال الشركة أم لا؟ فهو للشركة، وهذه مسألة المدونة لكنها مفروضة فيها في قيام البينة بالمفاوضة لا في الإقرار، لكن الظاهر أنه لا فرق بين البينة والإقرار، ونص فيها على أن القول لمدعي الدخول إلى أن تقوم البينة للآخر.
بعض القرويين: وكذلك يجب إذا أقام أحدهما البينة أن الآخر شريكه في جميع ما بأيديهما إلا ما قامت البينة أن ذلك لأحدهما كالمفاوضة، ولا فرق بين اسم الشركة والمفاوضة، إلا أن المفاوضة فيها إجازة بيع كل واحد منهما على صاحبه، ونحوه لسحنون، وظاهره أن الشهادة بمطلق الشركة مقتضية لذلك.
اللخمي: إن أقام رجل البينة على رجل أنه شريكه - لم يقض بالشركة في جميع أملاكهما؛ لأن ذلك يقع على بعض المال وعلى جميعه. وفي كتاب ابن سحنون: من أقر أنه شريك فلان في القليل والكثير - كانا كالمتفاوضين في كل ما بأيديهما من التجارة، ولا يدخل في ذلك مسكن ولا خادم ولا طعام، فإن قال أحدهما: هذا المال الذي بيدي ليس من الشركة، وإنما أصبته من ميراث أو جائزة أو بضاعة لرجل أو وديعة - صدق مع يمينه،
[ ٦ / ٣٥٧ ]
إلا أن يقيم الآخر البينة أنه من الشركة، وأنه كان في يديه يوم أقر بالشركة - كان بينهما؛ لأن العين من التجارة، ولو كان بيده متاع من متاع التجارة وقال: ليس هو منها ولم يزل في يدي قبل الشركة. كان بينهما ولم يصدق. وقال: وإن قال: فلان شريكي. ولم يزد، ثم قال: إنما عنيت في هذه الدار أو الخادم. صدق مع يمينه.
وإن قال في حانوت في يده: فلان شريكي فيما فيه. ثم أدخل فيه عدلين وقال: ليس هما من الشركة. وقال الآخر: قد كانا في الحانوت يوم إقراره. كان القول قوله، أنهما كانا فيه، إلا أن يقيم الآخر بينة، وقال سحنون أيضًا وأشهب: لا يكون بينهما، ويصدق من قال أنه أدخله بعد الإقرار؛ لأن ما في الحانوت غير معلوم. انتهى.
واختلف إذا شهد الشهود بالمفاوضة: هل يكتفي بذلك - وإليه ذهب ابن سهل - أو لا بد أن يقول الشهود: أقر عندنا بالمفاوضة، أو أشهد بها. وإليه ذهب ابن العطار وابن دحون وابن الشقاق؟ والأول أظهر إذا كان الشهود عالمين بما يشهدون به.
فرع: وإن قالت البينة: نعلم أنه ورثه ولا نعلم هل قبل المفاوضة أو بعدها. فذلك له، ولا يدخل في المفاوضة؛ لأن الأصل عدم خروج الأملاك عن يد أربابها، فلا ينتقل إلا بيقين.
ولَوِ اشْتَرَى مِنَ الْمَالِ جَارِيَةً لِنَفْسِهِ خُيِّرَ الأخَرُ فِي رَدِّهَا شَرِكَةً كَالْمُقَارِضِ لا كَالْمُودِعِ
أي: ولو اشترى أحد الشريكين من المال جارية لنفسه للوطء أو للخدمة، قال في المدونة: وأشهد على ذلك. ابن يونس: يريد: ولم يطأها. خير شريكه بين أن يجيز له ذلك أو يردها في الشركة. قال في المدونة: وليس من فعل ذلك من المتفاوضين كغاصب الثمن أو متعد في وديعة اشترى بها سلعة، أو مقارض أو وكيل تعدى، فرب المال مخير فيما
[ ٦ / ٣٥٨ ]
اشترى: إن شاء أخذه أو تركه؛ لأن هؤلاء أذن لهم في تحريك المال، ولكن متعد سنة يحمل عليها.
ولَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ الشَّرِكَةِ فَلِلآخَرَ تَقْوِيمُهَا أَوْ إِبْقَاؤُهَا، وقِيلَ: تَتَعَيَّنُ مُقَاوَمَتُهُمَا لَهَا، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَتَعَيَّنُ إِنْ كَانَ فِي شَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ
لشراء الجارية ثلاثة أوجه:
الأول: أن يشتريه لنفسه، وهو الوجه المتقدم.
الثاني: أن يشتريها للوطء بإذن شريكه، فلا شكل أن شريكه أسلفه نصف ثمنها، وأن ربحه له وعليه نقصها.
الثالث: أن يشتريها للتجارة ثم يطأها، فإن وطئها بإذن شريكه فكالأمة المحللة وإليه أشار بقوله آخرًا: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ) وإن لم يأذن ولم تحمل، فذكر المصنف ثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه ظاهر:
الأول: أن الشريك بالخيار إن شاء قومها وإن شاء أبقاها على الشركة، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، لكن في نقله نظر؛ لأن مقتضى المدونة إنما هو التخيير في إبقائها على الشركة أو إمضائها بالثمن لا بالقيمة.
والقول الثاني: أنهما يتقاويانها خاصة؛ أي: يتزايدان فيها إلى أن تقف على أحدهما، وهو ظاهر قول مالك في المدونة.
ابن القاسم متممًا له: وإن شاء الشريك نقدها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي اشتراها به، فإن لم ينقدها بالثمن الذي اشتراها به وقال: لا أقاويها، ولك أردها في الشركة، لم يكن له ذلك، وعلى هذا يقيد كلام المصنف بما إذا لم يرد الشريك إمضاءها بالثمن، ويحتمل أن يريد بالقول الثاني ما نقله ابن يونس وغيره عن ابن المواز أن المقاواة إنما تكون
[ ٦ / ٣٥٩ ]
بين الشريكين في هذه الأمة إذا أراد المقاواة قبل الوطء، فأما إذا وطئ أحدهما فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه، وأما إن حملت فلا بد من القيمة في يسر، شاء شريكه أو أبى. ولم أقف على القول الثالث.
واختار اللحمي التفرقة بين أن يكون الشريك فعل ذلك جهلًا معتقدًا للجواز - فيجوز بقاؤها على الشركة وتحت أيديهما، وبين أن يكون وطؤه لها وهو عالم بتحريم فعله - فلا يجوز إبقاؤها على الشركة إلا أن تكون بيد الشريك الآخر، بشرط أن يكون مأمونًا، واحتج بما قاله ابن القاسم في كتاب المدنيين فيمن وطئ أخته من الرضاع بملك اليمين: أنها تباع عليه إن كان عالمًا، وإن ظن جواز ذلك ولم يتهم على العودة لم تبع، وتعقب التونسي قول ابن المواز المتقدم: (إنما تكون المقاواة في هذه الأمة إلخ) فقال: وقوله: (إنما تكون المقاواة قبل الوطء) صواب.
وقوله: (إذا وطئ فقد لزمته القيمة [٥٥٤/أ] إن شاء شريكه) إن كان مراده أن الشريك قد أذن له في الوطء - فتجب القيمة من غير توقف على مشيئة الشريك الآخر، كالأمة المحللة، وإن كان بغير إذنه فهو متعد إنشاء صاحبه أمضاها وإن شاء قاواه فيها.
واعلم أن الأمة المشتراة للتجارة ثم يطؤها على ضربين:
أحدهما: أن يشتريها للتجارة من غير قصد وطء، ثم يطؤها.
والثاني: أن يشتريها ليطأها على أن الخسارة والربح فيها على المال، وهذه الثانية هي التي ذكر فيها في المدونة الخلاف، وأما الأولى فيخير شريكه بين مطالبته بالقيمة أو تركها بينهما إن لم تحمل، هكذا قاله جماعة من علمائنا ﵃.
وفي قوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ) الإتيان بجواب أما من غير فاء، وهو لا يكون إلا نادرًا: كقوله ﷺ: «أما بعد: ما بال رجال» وقد كثر هذا في كلام المصنف فتتبعه.
[ ٦ / ٣٦٠ ]
فَلَوْ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ
يعني: أن ما تقدم إنما هو إذا وطئت ولم تحمل، وأما إن حملت فإنها تقوم، وهذا صحيح إن كان الشراء للوطء بإذن الشريك، أو اشتريت للتجارة خاصة ووطئها أحدهما بإذن الآخر، وأما إن وطئها بغير إذن فيفصل فيها - على ما علم من المشهور - بين أن يكون الواطئ مليئًا أو معدما.
ولَوِ اشْتَرَى مِنَ الْمَالِ مُؤنَةً أَوْ كِسْوَةً مُعْتَادَةً لِنَفْسِهِ فَهِيَ لَهُ إِذْ عَلَى ذَلِكَ دَخَلا بِخِلافِ نَفِيسِهِمَا
يعني: لو اشترى أحد المتفاوضين من المال مؤنة أو كسوة له أو لعياله مما يليق به، وهو مراده بقوله: (مُعْتَادَةً) فذلك له، ولا كلام لشريكه فيه؛ لأن كلًا منهما دخل على ذلك، قال في المدونة بعد أن ذكر كسوة العيال: تلغى إلا كسوة لا يبتذلها العيال كوشي ونحوه، فهذا لا يلغى. ابن المواز: ولا يلزم ذلك إلا من اشتراه. وقال سحنون: تكون الثياب بينهما. ابن يونس: يريد إن شاء ذلك شريكه لرجاء فضل الثياب أو غير ذلك.
قوله: (نَفِيسِهِمَا) أي: أجودهما.
وشَرْطُ شَرِكَةِ الْعَمَلِ الاتِّحَادُ فِيهِ وفِي الْمَكَانِ
لما انقضى كلامه على شركة الأموال أتبعه بشركة الأبدان، ولا خلاف عندنا في جوازها.
ولجوازها شروط:
أولها: أن يتحد العمل، فلا يجوز أن يشترك مختلفا الصنعة كصباغ ونجار؛ لما في ذلك من الغرر؛ إذ قد تنفق صنعة أحدهما دون الآخر، فيأخذ من لم تنفق صنعته من غير عمل. أبو عبد الله الذكي: ولو كان المعلمان أحدهما قارئ والآخر حاسب واشتركا على أن
[ ٦ / ٣٦١ ]
يقتسما على قدر عمليهما فيجري ذلك مجرى جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وعلى هذا تجوز الشركة بين مختلفي الصنعة إذا كانت الصنعتان متلازمتين، ونص اللخمي على الجواز فيما إذا تشاركا وأحدهما يحيك والآخر يخدم ويتولى ما سوى النسج إذا تقاربت قيمة ذلك، قال: وليس ذلك كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعًا أو يعطلا جميعًا، ولم يكن هذا غررًا. وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يطلب الغوص والآخر يقذف أو يمسك عليه إذا كانت الأجرة سواء.
ثانيها: أن يتحد المكان، والعلة فيه كالأولى؛ لأنه يحتمل أن ينفق أحد المكانين دون الآخر، وأجاز في العتبية كونهما في مكانين إذا اتحدت الصنعة.
عياض: وتأوله شيوخنا على أنهما يتعاونان في الموضعين، وأن نفاق صنعتهما في الموضعين سواء، وعلى هذا فيكون الخلاف وفاقًا للمدونة؛ إذ ليس المقصود الجلوس في موضع إلا لتقارب استوائهما. وحمل اللخمي العتبية على الخلاف، وهذان الشرطان هما اللذان ذكرهما المصنف.
والثالث: أن يتساويا في الصنعة أو يتقاربا، وإلا فلا تجوز الشركة إلا على قدر التقارب، كما لو كان أحدهما يعمل قدر الآخر مرتين، ويكون بينهما على الثلثين والثلث.
اللخمي: ولو تباينا في الجودة والرداءة وكان أكثر ما يصنعانه الأدنى - جازت شركتهما؛ لأن صاحب الأعلى يعمل الأدنى، ولا حكم للقليل، وإن كان الأكثر هو الأعلى أو كان كل واحد كثيرًا - لم يجز؛ لأنه غرر وتفاضل.
الشرط الرابع: أن يكون في اشتراكهما تعاون؛ ففي العتبية سئل عن صيادين معهم شباك، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نشترك فما أصبنا فهنو بيننا. فضرب أحدهم شبكة فأخرج صيدًا وأبى أن يعطي الآخرين، فقال: ذلك له، وليس لهما فيما أصاب شيء؛ لأنها
[ ٦ / ٣٦٢ ]
شركة لا تحل. قال في البيان: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون؛ لأنهم متى اشتركوا على أن يعمل كل واحد منهم على حدة - من الغرر البين.
الخامس: أن تكون قسمتهما على قدر عملهما.
فَإِنْ كَانَتِ الأَدَاةُ لأَحَدِهِمَا فَلَهُ الأُجْرَةُ، ويَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِالتَّافِهِ مِنْهَا
يعني: أن ما قدمه إنما هو في الصنعة التي لا آله لها، أو لها آلة ولكن لا قدر لها كالخياطة، وأما إن كانت تحتاج إلى آلة كالصباغة والنجارة والصيد بالجوارح، فيزاد اشتراط أن يشتركا في الآلة بالملك أو الإجارة من غيرهما، وهل يجوز أن يؤاجر أحدهما نصف الآلة من صاحبه؟ عياض وغيره: وهو ظاهر الكتاب. ابن عبد السلام: وهو المشهور، وعليه اقتصر المصنف، وهو معنى قوله: (فَإِنْ كَانَتِ الأَدَاةُ لأَحَدِهِمَا فَلَهُ الأُجْرَةُ) ولابن القاسم وغيره المنع إلا بالتساوي في الملك والكراء من غيرهما.
واختلف إذا أخرج كل واحد منهما آلة مساوية لآلة الآخر، هي يكتفى بذلك وهو قول سحنون، أو لا بد أن يشتركا في الآلة ليضمناها، لكن إن وقع مضى، وهو ظاهر المدونة؟ واختلف في تأوليها على ذلك.
وقوله: (ويَجُوزُ [٥٥٤/ب] التَّطَوُّعُ بِالتَّافِهِ مِنْهَا)، قال في المدونة: كقصرية ومدقة يتطوع بها أحد القصارين على الآخر، والأداة هي الآلة، وهي الواسطة بين الفاعل والمنفعل.
ولا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وفُسِّرَتْ بِأَنْ يَبِيْعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ، وقِيلَ: هِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ - يِشْتَرِيَانِ ويَبِيعَانِ والرِّبْحُ بِيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ مَالٍ، وكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ، وتُفْسَخُ
يعني: أن شركة الوجوه اتفق على منعها، واختلف في تفسيرها، والتفسير الأول نسبه في الجواهر لبعض العلماء، والثاني لعبد الوهاب، وفسدت في التفسير الأول لما في ذلك
[ ٦ / ٣٦٣ ]
من الإجارة المجهولة والتدليس على الغير؛ وذلك لأن كثيرًا من الناس يرغب في الشراء من أملياء السوق لاعتقادهم أن الأملياء إنما يتجرون في جيد السلع، وأن فقراءهم على العكس، فإذا دفع الفقير سلعته للوجيه بجزء من الربح - كان إجارة بشيء مجهول، وأما التدليس فهو إيهام المشتري.
ابن عبد السلام: وقد كره جماعة من أهل المذهب خلط البلدي من السلع بالمجلوب، وإن كانت صفتهما واحدة، وكذلك منع أهل المذهب أيضًا خلط سلعة من غير التركة بها، ومنعوا أن يخرج التاجر من أهل السوق سلعة من حانوته فيبيعها على أنها ليست من سلع تجار السوق.
وفسدت في التفسير الثاني؛ لأن ذلك من باب: تحمل عني وأتحمل عنك. وأسلفني وأسلفك. فيكون من باب الضمان بجعل، والسلف بزيادة.
وقوله: (يِشْتَرِيَانِ ويَبِيعَانِ) يشترط ألا يكون ذلك في معين، وأما الاشتراك في سلعة معينة فهو جائز كما تقدم.
وقوله: (وكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ، وتُفْسَخُ) ظاهر، وهو كالتأكيد لقوله: (ولا تَصِحُّ).
ومَا اشْتَرَيَاهُ فَبَيْنَهُمَا عَلَى الأَشْهَرِ
يعني: وما اشترياه أو أحدهما في شركة الذمم -فهو بينهما على الأشهر، يريد: قبل أن يعثر على ذلك، وقيل: بل من اشترى شيئًا فهو له. والأشهر لابن القاسم في المدونة، وبه قال أصبغ وغيره، ومقابله لسحنون، والأشهر أظهر؛ لأن كلا منهما وكيل عن صاحبه، لكن بعوض فاسد، وفساد العوض في الوكالة لا يوجب للوكيل ملك ما اشتراه باتفاق، وقاله اللخمي.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
وأَمَّا اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ لِي ولَكَ فَوَكَالَةٌ مَقْصُورِةٌ وإِنْ حَصَلَتْ الشَرِكَةُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْهُ جُزْءَهَا أَوْ وَرِثَاهَا
قوله: (فَوَكَالَةٌ مَقْصُورِةٌ) أي: فلا يكون له البيع إلا بإذنه، كما لو اشترى منه جزء سلعة أو ورثها عن أب أو غيره، وهو ظاهر.
وانظر كيف أولى المصنف (أَمَّا) فعلًا، وإنما يليها اسم أو حرف، ولعله على إضمار اسم، تقديره: (وأما قوله: اشتر).
فرع: فلو قال: اشتر لي ولك بشرط أن تنقد عني، لكانت شركة مستلزمة للسلف، لكن لمالك في الموطأ - في الرجل يقول لآخر: اشتر هذه السلعة بين وبينك، وانقد عني وأنا أبيعها لك -: إن ذلك لا يصح حين قال: انقد عني وأنا أبيعها لك. وإنما ذلك سلف يسلفه إياه على أن يبيعها له. وظاهره أنه لولا قوله: أبيعها لك. لجازت المسألة؛ لأنه معروف صنعه أحدهما مع صاحبه من غير عوض، وهو سلفه له الثمن مع تولي الشراء عنه، وإنما دخل الفساد لمقابلة البيع بالسلف.
وإذا وقعت مسألة مثل هذه فقال الباجي: تكون السلعة بينهما، وليس له بيع حظ المسلف من السلعة إلا أن يستأجره بعد ذلك استئجارًا صحيحًا وعليه ما أسلف نقدًا، وإن كان قد باع فله جعل مثله في نصيب المسلف، ولو ظهر عليه قبل النقد لأمسك المسلف ولم ينقد، وهما في السلعة شريكان يبيع كل واحد منهما نصيبه إن شاء أو يستأجر عليه إن كان السلف من جانب متولي الشراء، وأما إذا كان السلف من جانب من لم يتوله، فقال ابن عبد الحكم: اختلف قول مالك في الذي يسلف رجلًا سلفًا ليشاركه وذلك منه على وجه الرفق والمعروف، قال ابن القاسم: فأجازه مالك مرة وكرهه مرة، واختار ابن القاسم جوازه.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
وإن كان سلفه لبصيرته في التجارة وتشاركا على ذلك - لم يجز؛ لأنه سلف جر نفعًا. قال في البيان: ولا خلاف في الجواز إذا صحت النية في ذلك، ولا في عدمه إذا قصد منفعة نفسه، وإنما الخلاف إذا لم يقصد.
وكَمَا لَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي سُوقِهَا لِلْبَيْعِ لا لِلْقِنْيَةِ ولا لِسَفَرٍ، وغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهَا حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ لَهُ إِنْ شَاءَ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا لَهُ خَاصَّةً
هذه المسألة تلقب بشركة الجبر، واتفق مالك وأصحابه على القول بها، وقضى بها عمر ﵁.
وقوله: (سِلْعَةً) ظاهره سواء كانت طعامًا أو غيره، وهو قول ابن القاسم وغيره، ورأى أشهب أن ذلك في الطعام فقط.
وظاهر قوله: (فِي سُوقِهَا) أنه لو اشتراها في الأزقة لا يكون الحكم كذلك، وهو قول أصبغ وغيره، وقال ابن حبيب: لا فرق بين السوق والزقاق. وقال في البيان: وأما لو ابتاعه الرجل في داره أو حانوته فلا شركة لأحد معه فيه ممن حضر الشراء باتفاق.
وقوله: (لِلْبَيْعِ) أي: ليبيعها أو ليتجر فيها في البلد نفسه، وأما لو اشتراها للقنية أو ليسافر بها إلى غير البلد - فلا شركة لغيره معه فيها، وإذا زعم أنه لم يشتر للتجارة صدق مع يمينه، إلا أن يتبين كذبه لكثرة ما اشتراه أو غير ذلك.
وقوله: (وغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهَا) هي جملة في موضع الحال، وظاهر كلامه إنما يكون ذلك لتجار تلك السلعة، وهو قول أصبغ وابن حبيب، وقال ابن الماجشون: ذلك لجميع التجار.
وقوله: (فَإِنَّهُ يُجْبَرُ)؛ أي فإن المشتري يجبر لغيره على الشركة إن شاء الغير ذلك، إلا أن يبين الآخذ أنه إنما أخذها له فقط. فلو قال التجار لمتولي الشراء: أشركنا في هذا.
[ ٦ / ٣٦٦ ]
فقال: نعم. أو سكت - فيقضى لهم عليه إن طلبوا بعد ذلك الدخول [٥٥٥/أ] عليه وامتنع، ويقضى له هو عليهم إن طلب منهم الدخول معه لظهور الخسارة، وإن قالوا له - وهو يسوم -: أشركنا واشتر علينا. فسكت وذهبوا، فاشترى بعد ذهابهم ثم سألوه - لم يلزمه ويحلف: ما اشترى عليهم. فلو طلبهم هو لزمهم بسؤالهم، وإن زعم فيما اشتراه أنه لم يشتره للتجارة فهو مصدق في ذلك مع يمينه، إلا أن يتبين كذبه لكثرة ما اشتراه أو غير ذلك.
والْمُشْتَرَكُ مِمَّا لا يِنْقَسِمُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ وإِلا بَاعَ الْحَاكِمُ بِقَدْرِ مَا يُعَمِّرُ
يعني: إن كان بين شريكين من الربع ما لاحكم بقسمته، واحتاج ذلك الربع إلى إصلاح وشبهه، فيلزم من أبى العمارة أن يعمر أو يبيع لمن يعمر، فإن فعل وإلا باع الحاكم عليه بقدر ما يعمر.
ابن عبد السلام: وظاهر إطلاقاتهم أن للقاضي بيع جميع نصيب الآبي مع شريكه، ويترجح هذا بأن فيه تقليل الشركاء؛ إذ يلزم مما قاله المصنف كثرة الضرر لكثرة الشركاء؛ لأنه إذا بيع بعض نصيب الآبي من ثالث صاروا ثلاثة شركاء بعد أن كانوا اثنين إلا أن يقال: فإنه إنما أبيح البيع للضرر الحاصل، وذلك يرتفع بقدر الحاجة.
قوله: (والمنقسم) هو قسيم قوله: (مِمَّا لا يِنْقَسِمُ) أي: وإن كان مما يقبل القسمة قسم، وهو ظاهر.
ويُجْبَرُ الْعُلْوُ السُّفْلَ عَلَى الْبِنَاءِ أَوِ الْبَيْعِ
يعني: ويجبر صاحب العلو صاحب السفل أن يبني سفله أو يبيعه لمن يبنيه إذا خاف صاحب العلو على علوه السقوط.
ابن عبد السلام: وقوله: (أَوِ الْبَيْعِ) يحتمل أن تكون (ال) للتعريف؛ أي: لتعريف الحقيقة، ويكون المعنى كما ذكرنا أنه ظاهر إطلاقاتهم في المسألة السابقة، وكذلك ظاهر إطلاقاتهم هنا.
[ ٦ / ٣٦٧ ]
ويحتمل أن تكون للعهد؛ أعني البيع السابق في كلامه.
ابن القاسم: ويخير صاحب السفل بين أن يبني أو يبيعه ممن يبني.
وقال سحنون: إنما يجوز البيع على هذا للضرورة إذا كان البائع لا مال له، ولو كان له مال لم يجز البيع بشرط البناء. يريد ويجبر على أن يبني.
ابن العطار: يجبر صاحب السفل على البناء إلا أن يختار صاحب العلو أن يبنيه من ماله، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيه ما أنفق.
ويُعِلَّقُ السُّفْلُ الْعُلْوَ
يعني: إذا وهى الأسفل واحتاج العلو إلى تعليق فهو على صاحب السفل؛ لأن التعليق كالبناء، وبناء الأسفل على صاحبه، فكذلك ما يتنزل منزلته؛ لكونه قد وجب عليه حمله، وهذا هو المعروف، وهو مذهب الرسالة.
وحكى اللخمي قولًا أنه على صاحب العلو، واستحسنه.
والسَّقْفُ عَلَيْهِ ويُحْكَمُ لَهُ بِهِ لَوْ تَنَازَعَاهُ
يعني: والسقف على صاحب السفل، ولذلك لو تنازعاه حكم له به، وحكى الإجماع عليه، واستأنس لذلك بقوله تعالى: (لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا) [الزخرف: ٣٣]، فأضاف السقف إلى البيت، والبيت لصاحب السفل، فالسقف له.
أشهب: وكذلك الباب على صاحب السفل.
فرع: وأما إن كان سبب الانهدام وهاء العلو فإن كان صاحب السفل حاضرًا عالمًا ولم يتكلم على ذلك - لم يضمن، واختلف إذا كان صاحب السفل غائبًا، وكان وهاء العلو مما يخشى سقوطه، فهل يضمن، أو لا يضمن لأنه لم يتقدم إليه؟
[ ٦ / ٣٦٨ ]
اللخمي: والأول أحسن، وإن تقدم إليه ولم يفعل - ضمن بالاتفاق، وكذلك إذا كان سبب الانهدام وهاء السفل، وصاحب العلو حاضر، ولم يتقدم إليه، أو كان غائبًا.
وتَعْلِيقُ الأَعْلَى عَلَى الأَوْسَطِ
لأن الأعلى مع الأوسط كالعلو مع السفل.
والسُّلَّمِ عَلَى الأَعْلَى مِنَ الأَوْسَطِ، ويُخَرَّجُ عَلَيْهِ عَلَى الأَوْسَطِ، مِنَ السُّفْلِ، وقِيلَ: كَالسَّقْفِ
السلم الأدراج التي يصعد بها صاحب العلو إلى علوه، وكان على الأعلى من الأوسط؛ لأن السلم إنما ينتفع به صاحب الأعلى، وهذا القول لابن القاسم في مختصر ابن عبد الحكم، وخرج عليه على الأوسط من السفل، وهو تخريج صحيح.
وقوله: (وقِيلَ: كَالسَّقْفِ)؛ أي فيكون السلم للأوسط على صاحب السفل، وللأعلى على صاحب الأوسط بمنزلة السقف، وهذا القول حكاه ابن أبي زيد عن بعض القرويين.
ولَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يَزِيدَ
أشهب: إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر، وكذلك أيضًا إذا انكسرت خشبة من العلو، فليس له أن يعمل خشبة أثقل من الأولى ثقلًا يضر بالجدار.
وكَنْسُ مِرْحَاضِ السُّفْلِ قِيلَ: عَلَى السُّفْلِ، وقِيلَ: عَلَى الجَمِيعِ عَلَى عَدَدِ الجَمَاجِمِ
والأول لابن القاسم وأشهب، ووجهه أنها لصاحب السفل، وإنما لصاحب العلو الاتفاق بها كالسقف.
[ ٦ / ٣٦٩ ]
والقول الثاني لابن وهب وأصبغ، وهو أظهر.
ابن أبي زيد: وأخذ بعض من ولي الحكم من متأخري أصحابنا بقول ابن وهب إذا كانت البئر محفورة في الفناء، وبالأول إذا كانت البئر محفورة في رقبة الدار.
قال: ويجري القول في المرحاض بين الدارين على القول في العلو والسفل فيمن له رقبة البئر أو ليست له على الاختلاف في ذلك.
وإِذَا انْهَدَمَتِ الرَّحَى الْمُشْتَرَكَةُ فَأَقَامَهَا أَحَدُهُمْ إِذَا أَبَى الْبَاقُونَ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِمُقِيمِهَا وعَلَيْهِ أُجْرَةُ نَصِيبِهِمْ خَرَابًا، وعَنْهُ أَيْضًا: يَكُونُ شَرِيكًا في الْغَلَّةِ بِمَا زَادَ بِعِمَارَتِهِ، فَإذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا عَشَرَةً وبَعْدَ الْعِمَارَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَهُ ثُلُثُ الْغَلَّةِ بِعِمَارَتِهِ، والْبَاقِي بَيْنَهُمْ ثُمَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ دَفَعَ مَا يَنُوبُهُ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ يَوْمَ دَفَعَهُ، وقِيلَ: الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ ويَسْتَوفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ
الباء في قوله: (بِعِمَارَتِهِ) للسببية، والقول الثالث يروى عن ابن القاسم أيضًا، وهو قول ابن الماجشون، وبالقول الثاني قال ابن دينار.
ابن عبد السلام: والثالث أقوى الأقوال عندي. والثاني ضعيف للشراء بغير اختيارهم، أو ينفرد بأكثر الغلة عنهم، وهو أقوى من الأول الذي حجر عنهم ملكهم، ولم يجعل لهم فيه إلا أجرة الخراب.
فإن قيل: والثالث أيضًا ضعيف؛ لأن متولي النفقة [٥٥٥/ب] أخرج من يده ما أنفق دفعة واحدة ويأخذه مقطعًا من الغلة.
قيل: هو الذي أدخل نفسه في ذلك اختيارًا، ولو شاء لرفعهم إلى القاضي فحكم عليهم بما قاله عيسى بن دينار عن مالك: إما أن يبيعوا، أو يصلحوا، أو يبيعوا ممن يصلح.
[ ٦ / ٣٧٠ ]
ولِكُلٍّ الْمَنْعُ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ
يعني: لكل واحد من الشريكين منع شريكه من التصرف في الجدار المشترك حتى يأذن له شريكه كسائر الشركات.
وفي جَبْرِ مَنْ أَبَى القِسْمَةَ قولان
الجبر لابن القاسم في المدونة بشرط عدم الضرر في ذلك، قيل له: فإن كان لكل واحد جذوع، قال: إذا كان جذوع هذا من هنا، وهذا من هنا لم يستطع قسمته، ولكن يتقاوياه، بمنزلة ما لا ينقسم من العروض والحيوان. والقول بعدم الجبر نسبه اللخمي لأشهب، قال ابن القاسم: لأن قسمته ضرر على من أبى، وليس منه شيء إلا وله فيه مرفق يضع فيه خشبه، ويضرب فيه وتده، ويربط فيه دابته. انتهى.
ونسبه غيره لمطرف وابن الماجشون قالا: لا يقسم إلا عن تراض، مجردًا كان أو حاملًا.
واستشكل اللخمي قول ابن القاسم إذا كان لكل منهما عليه جذوع لا تمكن قسمته. قال: لأن الحمل عليه لا يمنع القسم كما لا يمنع قسمة العلو والسفل، وحمل العلو على السفل، ورأى أن يقسم طائفتين على أن من صارت إليه طائفة كانت له، وللآخر عليه الحمل، وقد أجاز ابن القاسم المقاواة، وإنما تصح المقاواة على أن من صار إليه الحائط كان ملكه له وللآخر عليه الحمل، وإذا جازت المقاواة على هذه الصورة والصفة - كانت القسمة أولى.
ابن العطار: اختلف في صفة قسمته، فعند ابن القاسم: يمد الحبل بينهما فيه طولًا لا ارتفاعًا من أوله إلى آخره، ويرسم موقف نصف الحبل، ويقرع بينهما، ويكون لكل منهما الجانب الذي تقع عليه قرعته. وقال عيسى بن دينار: يقسم بينهما عرضًا فيأخذ كل منهما نصفه مما يليه.
[ ٦ / ٣٧١ ]
وإِذَا انْهَدَمَ فَفِي جَبْرِ مَنْ أَبَى عِمَارَتَهُ: قَوْلانِ
حكى ابن الجلاب القولين روايتين. فقال: وإذا انهدم الحائط المشترك، وكان شركة بين اثنين، فأراد أحدهما بناءه وأبى الآخر، ففيها روايتان:
إحدهما: أنه يجبر الذي أبى على بنائه مع شريكه.
والأخرى: أنه لا يجبر عليه، ولكن يقتسمان عرصة الحائط ونقضه، ثم يبني من شاء منهما لنفسه.
فَلَوْ هَدَمَهُ أَحَدُهُمَا ضَرَرًَا رَدَّهُ كَمَا كَانَ، ولإِصْلاحٍ قَوْلانِ
حاصله أنه إن هدمه أحدهما ضررًا لزمته إعادته كما كان اتفاقًا، واختلف إذا كان على غير وجه الضرر، وهو معنى قوله: (ولإِصْلاحٍ قَوْلانِ) ومقتضى كلامه أنه في الجدار المشترك، وهو ظاهر كلامه في الجواهر، ولم ينقل ابن يونس هذا إلا فيما إذا كان الحائط لأحدهما، فإنه قال في العتبية: وإن كان لأحدهما فهدمه ربه أو انهدم من غير فعله - وهو قادر على رده - فتركه ضررًا، أجبر على رده، وإن كان ضعف عن إعادته عذر، وقيل للآخر: استر على نفسك إن شئت.
ابن القاسم: وإن انهدم بأمر الله تعالى لم يجبر على إعادته، وكذلك لو هدمه هو لوجه منفعة ثم عجز عن ذلك أو استغنى عنه، فإنه لا يجبر على رده، ولو هدمه لضرر جبر على رده. وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يجبر ربه على بنائه إذا انهدم في قول ابن القاسم.
ابن يونس: وإذا كان لأحدهما فطلب هدمه لم يكن له ذلك إلا أن يعلم أنه لم يرد به الضرر. فإن خيف سقوطه فهدمه - لم يجبر على دره، فإن انهدم بغير فعله لم يجبر على بنائه.
ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وليس لربه هدمه، وإن فعل لزمه إعادته؛ لأنه مضر. ولو قال: أنا محتاج إلى هدمه. نظر في ذلك، فإن تبين صدقه ترك ليصلح على نفسه
[ ٦ / ٣٧٢ ]
وأمر بإعادته للسترة التي قد لزمته. وقال أصبغ: له أن يهدمه لمنفعة أو لغير منفعة، ويفعل ما أحب. ولا أقول به.
وعَلَى الْجَارِ أَنْ يَاذَنَ فِي الدُّخُولِ لإِصْلاحِ حَائِطٍ وشِبْهِهِ
إنما كان ذلك عليه ارتكابًا لأخف الضررين.
بعض أصحابنا: وليس لصاحب هذا الجدار أن يطينه من دار جاره؛ لأن ذلك يزيد في غلظ الجدار، وعد بعض العلماء من غير أهل المذهب هذا من باب الورع.
سحنون: وإن وقع ثوب لك في دار جارك فعله أن يأذن لك في الدخول لتأخذه أو يخرج لك به.
ويُنْدَبُ إِلَى إِعَارَةِ الْجِدَارِ
لما في الصحيحين والموطأ: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» قال: ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم). بالتاء، والنون، روايتان، وكذلك روي: خشبة بالإفراد، وخشبه بالجمع.
والمشهور ما ذكره المصنف أن ذلك مندوب، ولا يقضى عليه إن امتنع. وقال ابن كنانة: هو واجب، ويقضى عليه إن امتنع لظاهر الحديث. قال في الاستذكار: وإنما حمل على الندب لقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلى برضى نفسه»، وهل لجار المسجد أن يغرز خشبة في جدار المسجد؟ للشيوخ فيه قولان.
فَإِنْ أَعَارَ لَمْ يَرْجِعْ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَعْرِضَ مُحْوِجٌ غَيْرُ الضَّرَرِ
قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي طال الزمن أو قصر، عاش أو مات، باع أو ورث، احتاج إلى جداره أو لا، وهو قول مطرف وابن الماجشون - وروياه عن مالك - قالا: إلا أن ينهدم الجدار ثم يعيده صاحبه، فليس للمعار له أن يعديه إلا بعارية مبتدأة.
[ ٦ / ٣٧٣ ]
وقوله: (وقِيلَ) هو لابن القاسم ومالك: إذا أذن له فليس له أن يرجع إلا لحاجة تنزل به، له - بها - عذر، ولم يرد الضرر لما ماج بينه وبينه، فليس له ذلك، وقال أصبغ: إذا مضى من [٥٥٦/أ] الزمن ما يعار مثله إلى مثل ذلك الزمان - فله منعه.
وحصل ابن زرقون في هذه المسألة ومسألة عارية العرصة للبناء والغرس ستة أقوال: هذه الثلاثة، والرابع نسبه للمدونة: له أن يرجع وإن لم يحتج. من قوله في عارية العرصة: ويدفع له ما أنفق أو قيمته قائمًا أو منقوضًا على الاختلاف فيه.
والخامس لأشهب وابن نافع: الفرق بين ما تكلف فيه نفقة - فلا يرجع، وبين ما لا يتكلف فيه نفقة - فيرجع.
والسادس لسحنون: الفرق بين غرز الخشبة في الجدار - فلا يرجع، وبين الإذن في العرصة - فيرجع.
سحنون: لأن من أهل العلم من يرى القضاء بغرز الخشبة وإن لم يأذن صاحب الجدار، فكيف إذا أذن؟
الباجي: وهل يلزم ذلك بمجرد الإذن أم لا؟
الظاهر من قول مطرف وابن الماجشون أنه إن أذن فلا رجوع له.
ابن عبد السلام: وهذا معنى ما حكاه المؤلف، وهو الذي نقله غير واحد.
ومِثْلُهُ فَتْحُ بِابٍ أَوْ إِرْفَاقٌ بِمَاءٍ
هذا معطوف على الجدار؛ أي يندب إلى إعارة الجدار، ويندب إلى مثل فتح باب أو إرفاق بماء، وهو ظاهر.
وفي بعض النسخ: (مثل) بإسقاط حرف العطف، فيكون شبه لإفادة الحكم، والأول أحسن.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
وإِذَا تَنَازَعَا جِدَارًَا - فَصَاحِبُ الْيَدِ: صَاحِبُ الْوَجْهِ والْقُمُطِ والطَّاقَاتِ والْجُذُوعِ
يعني: إن ادعى كل من الجارين الجدار - فصاحب اليد منهما من كان إليه وجه الجدار والطاقات؛ أي غير النافذة، ومعاقد القمط، أي الخشب التي بين البنيان، أو كان له عليه جذوع دون صاحبه، فإن لم يكن لأحدهما شيء من ذلك أو كان لهما جميعًا - فهو لهما؛ لأنه بأيديهما، وكذلك راكب الدابة مع المتعلق بلجامها، الراكب أولى، وهذا إنما هو مع عدم البينة، وأما مع قيامها فيجب الاعتماد عليها لا على هذه الوجوه.
ابن القاسم: وإن كان عقد الجدار إليهما فهو بينهما؛ أي بعد أيمانهما، وكذلك إن كان منقطعًا عنهما، أو كانت لكل منهما كوى، وإن كان لأحدهما عشر خشاب وللآخر سبع - فهو على حاله، وليس لأحدهما أن يزيد.
سحنون: وإن كان لأحدهما خشبة وللآخر عشر - فهو بينهما نصفين، وقال غيره: هو لصاحب العشرة إلا موضع الواحدة. وقالوا: إن كان لأحدهما خمس، وللآخر أربع - فهو بينهما نصفين.
أشهب: وإن كان عقده لأحدهما - وللآخر عليه جذوع - قضي به لذي العقد، ولصاحب الجذوع بموضعها.
سحنون: ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع، ومن ناحية الآخر من موضع - قسم بينهم على عدد العقود. قال صاحب المعين: وإن كان لأحدهما عليه ربط فهو له، ولا يلتفت مع ذلك إلى وجه الحائط ولا لخشب الآخر.
وتَجْلِسُ الْبَاعَةُ فِي الأَفْنِيَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ، وقَضَى بِهَا عُمَرُ ﵁ لأَرْبَابِ الدُّورِ، يُرِيدُ بِالانْتِفَاعِ إِلا أَنْ تُحَازَ
أصبغ: إنما يباح الانتفاع بالأفنية ما لم يضيقوا الطريق، أو تمنع المارة أو يضر بالمسلمين.
[ ٦ / ٣٧٥ ]
والضمير في (بها) عائد على الأفنية، وفسر ابن حبيب ما روي عن عمر ﵁ بنحو ما ذكره المصنف، وقاله من أبضى من أهل العلم، ويبين لك ما أشار إليه المصنف - من حمل كلام عمر على الأمر الخفيف - ما روي أيضًا عن عمر أنه مر بكير حداد في السوق فأمر بهدمه، وقال يضيقون على الناس. فدل على أنه إنما أباح الانتفاع اليسير.
فَلَوْ حَازَ هُدِمَ مَا يَضُرُّ، وفِيمَا لا يَضُرُّ: قَوْلانِ
لا خلاف في هدم ما يضر بالناس، والمشهور هدم ما لا يضر أيضًا.
ابن راشد: وقال أصبغ: لا يهدم، ولكن يكون جرحة في حقه إن كان اقتطاعه ذلك بمعرفة.
وفي المجموعة: قال ربيعة: من بنى مسجدًا في طائفة من داره فلا يزيد فيه من الطريق.
وقال مالك: إن كان لا يضر بالناس فلا بأس. انظر إن كان هو على المشهور أو الشاذ.
والرَّوْشَنُ وشِبْهُهُ، والسَّابَاطُ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ جَائِزٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ
الروشن هو الجناح يخرجه الرجل على حائطه، والساباط أن يكون له حائطان مكتنفان بالطريق فيمد خشبًا عليهما لينتفع بذلك.
ابن شعبان: يشترط في عدم منعه أن يرفع ذلك عن رءوس الركبان رفعًا بينًا.
فروع:
الأول: قال في المدونة: ومن رفع بنيانًا رفعًا بينًا فجاوز به بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر، ومن رفع بنيانًا فسد على جاره كواه وأظلم عليه أبواب غرفه وكواها، ومنعه الشمس أن تقع في حجرته لم يمنع.
ابن كنانة: إلا أن يرفع البنيان ليضر بالجار دون منفعة له فيمنع. وروى ابن دينار عن ابن نافع أنه يمنع من ضرر منع الريح والضوء والشمس.
[ ٦ / ٣٧٦ ]
الثاني: اختلف في الأندر إذا أراد من له دار ملاصقة له أن يبني فيها ما يمنع الأندر من الريح أو نحوه، فقال ابن القاسم وابن نافع: يمنع. ابن نافع: وإن احتاج إلى البنيان. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع.
الثالث: اختلف فيمن اتخذ كوى وأبوابًا يشرف منها على دار جاره، فقال مالك وابن القاسم: يمنع. ورواه ابن وهب وزاد: ولا يكلف أن يعلي بنيانه حتى لا يراه. وفي المبسوط عن ابن مسلمة: لا يمنع. ورواه ابن المعذل عن ابن الماجشون. قال: ويقال له: استر على نفسك إن شئت. والأول هو المعروف، ولهذا قال فيمن بنى مسجدًا وجعل له سطحًا يطلع منها على دار رجل: يجبر بانيه على أن يستر على سطح المسجد، ويمنع الناس من الصلاة فيه حتى يتم الستر. واختلف فيمن بنى غرفة وفتح فيها أبوابًا أو كوى يطلع منها على قاعة غيره - وأراد صاحب القاعة منعه، وقال: هذا يضر بي إذا بنيت قاعتي دارًا - على ثلاثة أقوال: قال مطرف: يمنعه قبل بناء القاعة أو بعده. وقال ابن الماجشون: [٥٥٦/ب] لا يمنع مطلقًا. وقال ابن القاسم: يمنعه بعد أن يبني القاعة، ولا يمنعه قبله.
الرابع: من فتح بابًا على دار غيره فلما قام عليه أراد أن يسده من خلفه، فقال سحنون: ليس له ذلك، وليسد الباب مخافة أن يشهد قوم أنهم يعرفون هذا الباب منذ سنين كثيرة. وقال ابن الماجشون: ما يلزمه سده، وله أن يجعل أمامه ما يستره.
الخامس: من باع دارًا وقد أحدث جاره بها مطلعًا أو مجرى ماء أو غير ذلك من الضرر، فقال مطرف وابن الماجشون: إن كان البائع لم يقم في ذلك حتى باعها فلا قيام للمشتري، ولو كان قد قام يخاصم فلم يتم له الحكم حتى باع - فللمشتري أن يقوم ويحل محله.
وفي أحكام ابن بطال: معناه أن الحكم قضي به وأعذر، وتعين التسجيل والإشهاد، ولو بقي شيء من المدافع والحجج - لم يجز؛ لأنه بيع ما فيه الخصومة، وهو أصل مختلف فيه.
[ ٦ / ٣٧٧ ]
السادس: قال مطرف: وإن كان لرجل شجر إلى جنب جدار آخر فيضر به، فإن كانت أقدم من الجدار - وكانت على حال ما هي عليه اليوم من انبساطها - لم تقطع، وإن حدثت لها أغصان بعد أن بني الجدار وأضر ذلك بالجدار - فليقطع منها ما أضر بالجدار مما حدث، وقال ابن الماجشون: يترك ما حدث وانتشر من الأغصان، وإن أضر ذلك بالجدار؛ لأنه قد علم أن هذا شأن الشجر، فقد حاز الثاني من حريمها قبل بناء الجدار، وقال أصبغ بقول مطرف وابن حبيب وعيسى بن دينار.
صاحب البيان: وهو أظهر. ابن يونس: وقالوا أجمعون: إن كانت الشجرة محدثة بعد الجدار فإنه يقطع منها ما آذى الجدار من قليل وكثير. انتهى.
ولا يقطع منها شيء إن ادعى الجار أنه يتطرق عليه منها، ولا حجة له أيضًا فيمن يطلع ليجنيها، وإن كان إذا طلع أشرف على دار جاره.
مطرف وابن الماجشون وغيرهما: وليؤذن جاره. وأما لو رفعت الصومعة حتى صارت تكشف على من حولها ففي سماع أشهب: لم أر أن يمنعوا من رفعها.
ابن رشد: ولا يدخل في طاعة بمعصية.
السابع: سأل حبيب سحنونًا عن خربة لرجل فيها زبل لا يدرى من يلقيه فيها، فقام جار الخربة على ربها؛ لأن ذلك يضر به، وقال صاحبها: ليس ذلك من جنايتي وأنا لا أسكن ذلك، وثبت أن ذلك يضر بحائط جاره، وقال: أرى على صاحب الخربة نزع الزبل الذي أضر بجاره.
سحنون في موضع آخر من كتاب ابنه في الزبل يجتمع في خربة لقوم أو في فناء يضر بالناس: أن على جيران الموضع كنسه. يريد الأقرب فالأقرب على الاجتهاد.
[ ٦ / ٣٧٨ ]
أبو محمد: لأن الغالب أنهم يلقونه فيها. قال يحيى بن عمر في تراب لقوم في موضع فنقله السيل من موضعه إلى زقاق لقوم فسد عليهم مخرج بابهم، قال: يقال لصاحب التراب: خذ ترابك. وإن أبى قيل للذين سد عليهم: اطرحوه إن شئتم. ولا يجبر صاحب التراب على نقله إن أبى.
والطَّرِيقُ الْمُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ كَالْمِلْكِ لأًصْحَابِ دُورِهَا فَبِالإِذْنِ
يعني: أن ما قدمه في مسألة الروشن والساباط إنما هو في السكة النافذة، وأما غير النافذة، وهو مراده بقوله: (الْمُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ) فلا يجوز لأحد سكانها أن يحدث فيها روشنًا أو غيره إلا بإذن الجميع.
ابن عبد السلام: وقال: كالملك لأرباب دورها، ولم يقل: ملكًا، إشارة إلى أنها ليست مملوكة لهم ملكًا تامًا؛ إذ لو كانت مملوحة لهم ملكًا تامًا لكان لهم أن يحجروه على الناس بغلق، وظاهر كلام بعضهم أنه ليس لهم ذلك، وبه حكم بعض قضاة بلدنا وهد على من فعله.
فرع: هل يحدث بابًا في السكة إن كانت غير نافذة أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أن ذلك لا يجوز إلا بإذن جميع أهل الزقاق، وإليه ذهب ابن زرب قياسًا على مسألة المدونة في الدارين تكون إحداهما في جوف الأخرى، وبه جرى العمل بقرطبة.
الثاني: أن له ذلك فيما لم يقابل باب جاره، ولا قطع عنه مرتفقًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن وهب في العتبية.
الثالث: أن له تحويل بابه على هذه الصفة إذا سد الباب الأول، وليس له أن يفتح بابًا لم يكن قبل بحال، وهو دليل قول أشهب في العتبية.
ابن رشد: ويتحصل في فتح الرجل بابًا أو حانوتًا في مقابلة جاره في السكة النافذة ثلاثة أقوال:
[ ٦ / ٣٧٩ ]
الأول: له ذلك جملة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقاله أشهب في العتبية.
والثاني: ليس له ذلك جملة إلا أن ينكب، وهو قول سحنون.
والثالث: له ذلك إذا كانت السكة واسعة، وهو قول ابن وهب في العتبية، والسكة الواسعة سبعة أذرع فأكثر؛ لما في المجموعة أنه ﷺ قال: «إذا اختلف الناس في طرقهم فحدها سبعة أذرع».
* * *
[ ٦ / ٣٨٠ ]
الوكالة
الوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ شَرْعًا
الوكالة لغة: الحفظ، وفيه: (وكَفَى بِاللَّهِ وكِيلًا) [النساء: ٨١] أو الكفالة والضمان، قال تعالى: (أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا) [الإسراء: ٢]. قيل: حافظًا. وقيل: كفيلًا، قاله عياض.
الجوهري: والاسم الوكالة. ورسمها المصنف اصطلاحًا: بأنها نيابة فيما لا تتعين فيه المباشرة. ويكون قريبًا من قول صاحب التلقين: كل عقد جازت فيه النيابة جازت فيه الوكالة. وأجمعت الأمة على جواز الوكالة من حيث الجملة.
فَتَجُوزُ فِي الْوَكَالَة، وَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وِالنِّكَاحِ، وَالطَّلاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ
عطف بالفاء لترتبه على ما قبله؛ إذ لا تتعين المباشرة في جميع الأشياء، يوكل من يوكل أن يعمل، وأن يوكل من يأخذ له كفيلًا، وأن يوكل من يحيل غريمه على مديانه. والجعالة: أن يوكل من يجاعل على عبده الابن جعلًا، وهو ظاهر.
وَفِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ، وَفِي الْحَجِّ خِلافٌ تَقَدَّمَ
أي: في الحج، ولا خلاف ما ذكره في العبادات المالية.
وَلا تَجُوزُ فِي مِثْلِ يَمِينٍ وَظِهَارٍ
لم تجز في اليمين لأنها لا تقبل النيابة؛ لأن اليمين من الأعمال البدنية ودخل في [٥٥٧/أ] اليمين الإيلاء واللعان، وكذلك لا تجوز في الوضوء والصلاة. وإلى أن الأيمان من الأعمال البدنية أشار بقوله: (مِثْلِ يَمِينٍ).
[ ٦ / ٣٨١ ]
وقوله: (وَظِهَارٍ) لأن الظهار يمين ولأنه منكر من القول وزور، فلا تجوز الوكالة فيه كسائر المعاصي وما لا يجوز للآمر فعله. وكذلك نص عليه المازري في التعليقة وصاحب الجواهر، وكذلك قرره ابن راشد وابن عبد السلام. والأقرب عندي أن الظهار كالطلاق؛ لأنه إذا قال الوكيل لزوجة موكله: أنت عليه كظهر أمه، فهو كقوله لامرأة موكله: أنت طالق.
وَيَجُوزُ فِي الإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ
وتجوز الوكالة بالإقرار عنه، أو على أنه يناكر عليه بما ادعى خصمه واليمين على الموكل بلا خلاف، ولا خلاف أنه لا يكون للوكيل الإقرار إلا بما قيده موكله عنه، وأما إن أطلق له الوكالة؛ فالمعروف من المذهب أن الوكالة على الخصام لا تستلزم الوكالة على الإقرار إذا لم يجعله إليه ولو أقر لم يلزمه. وروي عن مالك لزوم ما أقر به، وعلى الأول، فقال ابن العطار وجماعة من الأندلسيين وغيرهم: إن من حق الخصم ألا يخاصم الوكيل حتى يجعل له الإقرار. قال في البيان: ونزلت عندنا وقضى فيها بأنه لا يلزمه ما أقر به الوكيل. قال في الكافي: وبه جرى العمل عندنا. وزعم ابن خويز منداد أن تحصيل المذهب أنه لا يلزمه إقراره. قال في الكافي: وهذا في غير المفوض. قال: واتفق العلماء فيمن قال ما أقر به على فلان فهو لازم لي أنه لا يلزمه. واختلف أصحاب الشافعي إذا قال الموكل لوكيله: أقر عني لفلان بألف، هل يكون ذلك إقرارًا لفلان بالألف؟ واختار المازري أنه أقرار، واستشهد بما لأصبغ في العتبية فيمن وكله رجل على خصام رجل في شيء أن إقرار الوكيل لا يلزم الموكل. قال: ولو شهد أنه جعله في الإقرار عنه كنفسه؛ فإن إقرار الوكيل يلزمه.
ابن عبد السلام: وليس فيه كبير شاهد.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
ابن راشد: قال فقهاء طليطلة: من وكل رجلًا على طلب حقوقه والمخاصمة عنه والإقرار والإنكار فأقر الوكيل أن موكله وهب داره لزيد، أو قال: لفلان على موكلي مائة دينار أن ذلك لازم لموكله. وأنكر ذلك ابن عتاب وغيره، وقالا: إنما يلزمه فيما كان من معنى المخاصمة التي وكله عليها أبو الأصبغ. وهذا هو الصحيح عندي وهو في شفعة المدونة. قال ابن القاسم: من وكل رجلًا على قبض شفعته فأقر أن موكله سلمها فهو شاهد يحلف المشتري معه وتبطل الشفعة إلا أن يكون الشفيع المشهود عليه غائبًا فيتهم موكله على الانتفاع بالمال وله بال فلا تبطل.
وَالْمُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا
المعتبر في صحة الوكالة مثل: وكلتك، وأنت وكيلي، أو ما يقوم مقامها من قول أو فعل؛ كقوله: تصرف في هذا، وكإشارة الأخرس ونحوه.
فَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ فَقَوْلانِ؛ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ: اخْتَارِي
لما ذكر الصيغة أشار إلى أنه لا بد من القبول، ثم إن وقع على الفور فلا خلاف في الصحة، وإن تراخى بزمان طويل، فقال المازري: يتخرج عندي على الروايتين في قول الرجل لامرأته: اختاري، أو أمرك بيدك، فقامت من المجلس ولم تختر. قال: والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار المقصود والعوائد، هل المراد الجواب بدارًا فإن تأخر سقط حكم الخطاب، أو المراد استدعاء الجواب معجلًا أو مؤجلًا؟ ابن عبد السلام: وقد يفرق بين الوكالة والتخيير بأن الوكالة التي ليست بعوض غير لازمة من جانب الموكل؛ لأن الموكل إن رأى مصلحة أبقاه وإلا عزله، وأما الزوج فعليه ضرر في إبقاء الخيار لكونه لازمًا له؛ فلذلك يقيد خيارها بالقرب، وسقط بطول المجلس على أحد القولين.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
خليل: وهذا الفرق إنما يتم في الوكالة التي ليست بعوض، وأما التي بعوض للزومها، وعلى هذا فلعل المارزي لما رأى أن الغالب في الوكالة أن تكون بعوض لم يلتفت إلى الفرق المذكور، والله أعلم.
الْمُوَكَّلُ فِيهِ شَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ أَوِ الْقَرِينَةِ أَوِ الْعَادَةِ
لما كان للوكالة حالتان، تفويض وخصوص، وكان الوكيل المخصوص إذا تصرف في غير ما أذن له فيه يكون متعديًا لزم من أجل ذلك أن يبين الشيء الموكل فيه بالنص عليه أو بقرينة تدل على أنه أراد شيئًا بعينه أو بعادة، كما إذا وكله على زواج امرأة، فإن العادة أنه إنما وكله على زواج من هي من نسائه.
فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ لَمْ يُفِدْ حَتَّى يُقَيَّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ
عطفه بالفاء لترتبه على ما قبله، أي: ولاشتراطنا أن يكون الموكل معلومًا، لو قال الموكل: وكلتك، لم يفد لعدم حصول الشرط. فإن قيل: لم أبطلتم الوكالة المطلقة وصححتم الوصية المطلقة وجعلتم الوصي يتصرف في كل شيء؟ قيل: يتيم، لما كان محتاجًا أن يتصرف له في كل شيء ولو يوص عليه والده غير من أطلق الوصية له كان ذلك قرينة في تفويض الأمر للموصى، بخلاف الموكل فإنه قادر على التصرف فيما جعل للوكيل ولا بد له من أمر يستبد به في العادة احتاج إلى تقييد الوكالة بالتفويض أو بأمر مخصوص.
فَلَوْ قَالَ: بِمَا لِي مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَضَى فِي جَمِيعِ الأَشْيِاءِ إِذَا كَانَ نَظَرًا، إِلا أَنْ يَقُولَ: نَظَرًا أو غَيْرَ نَظَرٍ
لما ذكر أن الوكالة لا تفيد حتى يقيد بالتفويض، أو بأمر مخصوص على أن الوكالة قسمان أخذ يتكلم على كل منهما وبدأ بالتفويض.
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وقوله: (فِي جَمِيعِ الأَشْيِاءِ) نحوه لابن رشد، وصاحب الجواهر بشرط أن يكون نظرًا؛ لأنه معزول عن غيره بالعادة، إلا أن يصرح له بذلك فيقول: نظرًا أو غير نظر.
خليل: وفي نظر؛ إذ لا يأذن الشرع في السفه [٥٥٧/ب]، وينبغي أن يضمن الوكيل؛ إذ لا يحل لهما، والله أعلم.
ابن راشد: وذكر غير المصنف، وابن شاس، وابن رشد أنه يستثنى من ذلك بيع دار السكنى، وبيع العبد، وزواج البكر، وطرق الزوجة؛ إذ العرف قاض بألا تتزوج تحت عموم التفويض، وإنما يفعله الوكيل إذا وقع النص عليه.
ابن عبد السلام: وقد جرى العمل عندنا في هذه الجهات في كل شيء مع وجود القيد الذي ذكره المصنف أنه يتصرف في كل شيء إلا في بيع دار سكنى الموكل وطلاق زوجته. قال في المقدمات: وإن سمى بيعًا، أو اشتراء، أو خصامًا، أو شيئًا من الأشياء؛ فلا يكون وكيلًا إلا فيما سمى، وإن قال في آخر الكلام: وكالة مفوضة أو لم يقله فذلك سواء؛ لأنه يرجع إلى ما سمى خاصة، وهذا مرادهم في أن الوكالة إذا طالت قصرت وإذا قصرت طالت.
ابن عبد السلام: قال بعض أشياخي: ولا يدخل في ذلك خلاف الأصوليين في العموم إذا جرى على سبب، هل يقتصر على ذلك السبب، أو يعم؟ وفي ذلك نظر.
فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا تَقَيَّدَ بِهِ
هذا هو النوع الثاني من نوعي الوكالة وهو ظاهر.
وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الإِبْرَاءِ جَازَ مَعَ جَهْلِ الثَّلاثَةِ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ
قوله: (فِي الإِبْرَاءِ) أي: من الدين. و(الثَّلاثَةِ) الوكيل، والموكل، ومن عليه الدين. و(أل) في الثلاثة للعهد، أما الوكيل والموكل فلتقدم ذكرهما، وأما الغريم فلوكالة الإبراء مما عليه بالالتزام، وإنما جاز ذلك؛ لأن ذلك هبة مجهول، وهي جائزة عندنا.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
وَمُخَصَّصَاتُ الْمُوَكِّلِ مُتَعَيِّنَاتٌ كَالْمُشْتَرِي، وَالزَّمَانِ، وَالسُّوقِ
يعني: أنه يتعين على الوكيل ألا يتصرف إلا كما أذن له الموكل؛ لأنه إنما يتصرف له. قوله: (كالمشتري) يصح بكسر الراء ويكون المعنى: بعها من فلان، وهو الذي في الجواهر ومشاه عليه ابن راشد وابن عبد السلام، ويصح بفتح الراء؛ أي: لا تشتري إلا سلعة فلان. (وَالسُّوقِ) أي: لا تبع إلا في السوق الفلاني. (وَالزَّمَانِ) أي: لا تبع إلا في الشهر الفلاني.
فَإِنْ خَالَفَ؛ فَالْخِيَارُ لِلْمُوَكِّلِ إِلا أَنْ يَكُونَ رِبَوِيًّا بِرِبَوِيٍّ، فَفِي إِمْضَائِهِ بِرِضَاهُ قَوْلانِ
أي: فإن خالف الوكيل ما قيده له الموكل فللموكل الخيار في الإمضاء والرد، فإن أمضى وقد كان باع له سلعة أخذ الثمن، وإن فسخ وكانت السلعة قائمة أخذها، وهل له أن يطالبه بما سمى من الثمن؟ قولان. فإن كانت فائتة طالبه بالقيمة إن لم يسم ثمنًا، فإن سمى، فهل له أن يطالبه بما سمى أو بالقيمة؟ قولان مبنيان على الخلاف فيمن أتلف سلعة وقفت على ثمن.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ رِبَوِيًّا بِرِبَوِيٍّ) كما لو قال: بعها بقمح فباعها بفول، أو بدراهم فباعها بذهب، فهل له الإمضاء كغيره أو لا بد من الفسخ لأن المبيعات الربوية لا يدخلها خيار، والقولان متأولان على المدونة. ولا شك أنهم هنا لم يدخلوا ابتداء على الخيار، ولكن آل الحكم إلى ثبوت الخيار للموكل، فهل يكون الخيار الحكمي كالشرطي أم لا؟ والمشهور من المذهب أنه لا ينافي فعله الإمضاء.
فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ أَوْ نَقَصَ فِي الشِّرَاءِ فَلا كَلامَ
كما إذا قال: بعها بعشرة فباعها باثني عشر. أو قال: اشتر بعشرة فاشتراها بثمانية، فلا كلام للموكل. وإن كان ذلك مخالفة من الوكيل؛ لأن الموكل يرغب في هذا المعنى، ومن
[ ٦ / ٣٨٦ ]
هذا ما في المدونة: وإن أمرته يسلم لك في طعام ففعل فأخذ رهنًا أو كفيلًا بغير أمرك جاز؛ لأنه زيادة توثق. اللخمي: إلا أن ينقص في الثمن لأجل الرهن أو الحميل فيكون حينئذ للموكل الخيار.
خليل: وينبغي أن يلاحظ هنا ما تقدم، هل للرهن حصة من الثمن، أم لا؟
وَيُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ فِي الْعَكْسِ
المراد بالعكس: أن ينقص في البيع ويزيد في الشراء؛ يعني: فإن نقص في البيع اليسير، أو زاد في الشراء اليسير اغتفر، هذا ظاهر كلامه؛ أعني: عموم هذا الحكم في البيع والشراء، والذي في تهذيب الطالب، واللخمي، وابن يونس، والمتيطي، والجواهر، وابن رشد وغيرهم أن اليسير إنما يغتفر في الشراء لا في البيع؛ لأن الشأن في البيع طلب الزيادة، وفي الشراء استخفاف الزيادة اليسيرة عند حصول غرضه في تلك السلعة. لكن غمز ذلك ابن يونس ولم ينص في المدونة على اعتبار اليسير إلا في الشراء، وحد فيها اليسير بمثل الدينار والثلاثة في المائة، وكالدينار والدينارين في الأربعين، نعم يأتي كلام المصنف على ما ذكر أبو الحسن في أن الظاهر إذا باع السلعة بأقل مما سمى له بيسير أنه يجوز ذلك كما في الشراء. ونقله التلمساني عن بعض الأشياخ.
وقال المازري: وأشار بعض المتأخرين إلى أنه لا فرق بين البيع والشراء في أن الوكيل على البيع ينبغي أن يسامح له في أن يبيع بنقص يسير عما حد له. قال: والتحقيق يقتضي أنه لا يغتفر له في البيع والشراء ولا يكون له إلا ما حد له، وهو مذهب الشافعية. قال ابن محرز، وقال بعض المذاكرين: إنما له أن يزيد اليسير إذا كانت السلعة التي أمر بشرائها غير معينة، وأماالمعينة فلا يزيد فيها شيئًا وهو لا معنى له. والصواب: ألا فرق بين المعينة وغيرها ولا بين البيع والشراء؛ أي: في اغتفار الزيادة اليسيرة، وحيث ألزمنا الوكيل ما
[ ٦ / ٣٨٧ ]
خالف فيه الموكل فضمان المشتري من الموكل، قاله في المدونة، وهل يصدق الوكيل في دفعه الزيادة اليسيرة؟ تردد في التونسي، وخرجه اللخمي على الخلاف فيمن أخرج من ذمته إلى أمانته، وذكر في تهذيب الطالب عن ابن القاسم في رواية عيسى أنه قال: يقبل قول الوكيل أنه زاد لأنه مؤتمن ويحلف، وإن لم يذكر الزيادة حتى طال الزمان لم يقبل قوله بعد ذلك، إلا أن يشتغل عن ذكر ذلك بمثل ما يشتغل [٥٥٨/أ] به الرجل في حوائجه، أو يكون في سفر فيقدم فيقبل قوله، وإذا أقام معه زمانًا طويلًا يلقاه ولا يذكر ذلك فلا يقبل قوله.
فَلَوْ قَالَ: أَنَا أُتِمُّ فِي الْكَثِيرِ، فَفِي إَمْضَائِهِ قَوْلانِ
فالإمضاء لحصول غرض الأمر وعدمه؛ لأن الوكيل متعد في البيع فيجب الرد لحصول المنة، ونظيرتها إذا وكلته أن يزوجه بألف فزوجه بألفين، فقال الوكيل: أنا أغرم الزائد.
وَلَوْ قَالَ: بِعْ بِنَسِيئَةٍ بِكَذَا فَبَاعَ نَقْدًا بِهِ، وَعَكْسُهُ فِي الشِّرَاءِ فَقَوْلانِ. وحَجَّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهَا ابْنَ اللَّبَّادِ بِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَوْ عَجَّلَ الثَّمَنَ لِلْوَكِيلِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ
إذا قال: ادفع بمائة نسيئة إلى أجل فباع بها نقدًا، وعكسه في الشراء أن يقول: اشتر بمائة نقدًا فيشترى بها مؤجلة، فقال ابن أبي زيد: ذلك لازم في الوجهين. قال: وخالفني فيها أبو بكر بن اللباد واحتججت عليه بأن المبتاع لو عجل الثمن المؤجل لزمه قبوله بغير مرجحة الوكيل إذا أمره بالبيع بمائة مؤجلة أن يقول: أنا لو بعت بمائة مؤجلة ثم دفعها لك المشتري لزمك قبولها، وكذلك يقال في الشراء: إن لم ترد بقاء الدين في ذمتك. وعلى هذا البحث فيقيد بما إذا باعها بالعين؛ لأنه هو الذي يجب قبوله، وقاله التونسي. ورأى بعض من يقول كقول ابن أبي زيد أن الطعام كالدنانير وكالدراهم وفيه نظر، ولابن اللباد أن
[ ٦ / ٣٨٨ ]
يقول من حجة الموكل أن يقول في مسألة البيع: إنما قلت لك بمائة مؤجلة لأني كنت أظن أن المائة ثمنها إلى أجل، فإذا ساوت مائة حالة فثمنها في التأجيل أكثر. ويقول في مسألة الشراء: إنما قلت لك اشترها بمائة معجلة ظانًا أنها تساوي أكثر من ذلك في التأجيل، فإذا باعها بمائة مؤجلة فهي تساوي أقل من مائة معجلة، وفيه نظر؛ لأنه لو عجل له ما قال لم يكن له مقال. قال في المدونة: وإن أمرته ببيعها إلى أجل فباعها نقدًا فعليه الأكثر مما باعها به والقيمة لما تعدى. ابن القاسم: وسواء نسيت له ثمنًا أم لا، فظاهر هذا الكلام مع ابن اللباد، وتأول ذلك بعضهم على الموكل إنما حد للوكيل أقل الثمن بحيث إنه إنما يبيعها بهذا العدد إذا لم يجد أكثر منه، ولما باعها بذلك العدد نقدًا دل على أنه لم يبالغ في طلب الأثمان؛ لأن من اشترى بثمن نقدًا، فالغالب أن يشتري ما كثر إلى أجل، ومهما بعد الأجل زاد الثمن، وقال بعضهم: لعل المسألة مفروضة في التوكيل على بيع السلعة بقيد العين. وقوله: (وحَجَّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهَا ابْنَ اللَّبَّادِ) يحتمل أنه حاجه، ويحتمل أنه غلبه في الحجة وهو الأقرب.
تنبيه: ما ذكره المصنف عن ابن اللباد هو كذلك في الجواهر، فقوله فيما حكى عنه: وخالفني في ذلك أبو بكر بن اللباد، والذي في ابن عبد السلام: ابن التبان. وفيه نظر؛ لأن ابن التبان إنما كنيته أبو محمد على ما ذكره صاحب المدارك، وابن اللباد هو أبو بكر، والله أعلم.
وَاشْتَرِ بِعَيْنِهَا فَاشْتَرَى بِالذِّمَّةِ وَنَقَدَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ يَصِحُّ
يعني: إذا أعطاه مائة درهم أو مائة دينار وقال له: اشتر بعينها، فاشترى بمائة في الذمة ونقد ما دفعه الآمر، أو قال له: اشتر بمائة في الذمة، فاشترى بعينها؛ صح الشراء، ولا مقال للموكل في الوجهين؛ لأن ذلك كله سواء. وأعاد المصنف الضمير في نقدها وبعينها في غير الدراهم والدنانير كما ذكرنا اعتمادًا على السياق.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
خليل: وينبغي أن يخرج على القول بالوفاء بشرط ما لا يفيد أن يكون للموكل الخيار، وأما إن ظهر لاشتراط الموكل فائدة؛ فإنه يعمل على قوله: (ولا إشكال) وقد نص المازري عليه.
وَفِي: بِعْ بِالدَّنَانِيرِ، فَبَاعَ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعَكْسِ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا فِي الغَرَضِ سَوَاءٌ أَوْ لا
تصوره واضح، واستقرأ بعضهم القول بأنه لا مقال للموكل من المدونة، وهو اختيار اللخمي، قال: إلا أن يعلم أن ذلك لغرض الموكل.
وَاشْتَرِ شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ. ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الإِفْرَادِ لَمْ يَلْزَمْ
قال في الجواهر: ولو سلم له دينارًا ليشتري به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار ورد الدينار والشاة؛ صح عقد الشراء والبيع ولزما لإجارة المالك، وقد فعل ذلك عروة البارقي مع رسول الله ﷺ فدعا له. وشراء الشاة الأخرى ودفع أحدهما يخرج على إجازة المالك تصرف الغير في ملكه إذ رضي ذلك رسول الله ﷺ وأمضاه، ولو أمر له أن يشتري جارية على صفة بثمن معين فاشترى جاريتين على الصفة المعينة بالثمن المحدود في الواحدة، فإن اشتراهما واحدة بعد أخرى، فقال أصبغ: يلزمان الموكل ولم يقيد جوابه، وقال ابن المواز: إن كان قادرًا على الإفراد لم يلزم الآمر العقد، وإن كان غير قادر لزمه. وقال غيره: يثبت الخيار للموكل. ثم اختلف القائلون بذلك في محله، فقال ابن القاسم: محله الثانية فقط فيتخير في قبولها أو ردها.
وقال ابن الماجشون: يتخير في قبولها أو ردها. انتهى. وفهم منه أن القول الثالث لابن القاسم وابن الماجشون.
ابن عبد السلام: حكي في الجواهر عن محمد التفرقة، والذي في النوادر عن الموازية ظاهر فيها وليس بصريح.
[ ٦ / ٣٩٠ ]
خليل: وحكى اللخمي عن مالك التفرقة، وقال: إنه لا يختلف المذهب في اللزوم إذا لم يمكن الإفراد، وهو ظاهر، وعلى هذا فيتحصل في المسألة طريقان، وما حكى ابن شاس عن ابن الماجشون كذلك حكاه عنه في المبسوط، وحكى ابن حبيب عنه إذا أمره بشراء جارية بعينها، أو موصوفة بثمن فاشتراها به ومتاعًا معًا في صفقة؛ فالآمر مخير بين [٥٥٨/ب] أن يرد الجميع ويأخذ الجارية بحصتها من الثمن، قال: وإن تملك الجميع قبل علمه؛ فمصيبة الجارية وحدها منه بحصتها من الثمن. وجه قول أصبغ أن الوكيل لم يزد لموكله إلا خيرًا؛ إذ لو اشترى له جارية لزمه، ونظر في القول بعدم اللزوم للمخالفة، والتفرقة ظاهرة.
وَبِعْ إِلَى أَجَلٍ يُقَيِّدُهُ الْعُرْفُ
يعني: إذا قال له بع هذه السلعة إلى أجل؛ فإنه وإن كان مطلقًا يصلح لجميع الآجال لكن يقيد بالعرف، فإن باعها إلى أجل جرت العادة به المبيع لمثله مضى وإلا فلا.
ابن عبد السلام: وهذا صحيح، فإن المعتبر من الكلام إنما هو عرف التخاطب لا مقتضى اللغة، إلا إذا كان الآمر والمأمور عربيين، والله أعلم.
وَاشْتَرِ لِي عَبْدًا فَاشْتَرَى مَا لا يَلِيقُ بِهِ، فَفِي خِيَارِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ
يعني: فإن وكله على شراء عبد وأطلق، فإن اشترى ما يليق به لزمه، فإن اشترى ما لا يليق بمثله، فقال ابن القاسم في المدونة: الموكل بالخيار. وقال أشهب: لا خيار له. والجاري على المسألة السابقة قول ابن القاسم، ولعل الخلاف مبني على الخلاف بين أهل الأصول، هل يجوز تخصيص العام وتقييد المطلق بالعرف، أم لا؟ فمن أجاز ذلك جعل للموكل الخيار، ومن لا فلا. وقيد بعض القرويين قول ابن القاسم بما إذا لم يسم الثمن، وأما إن سماه فاشترى به فلا يبالي بما اشترى له كان مما يشبه أم لا؛ لأنه قد أجاز له قدر ذلك. وقال غيره: ينبغي ألا يلزمه إلا إذا اشترى له ما يشبه وإن سمى الثمن.
[ ٦ / ٣٩١ ]
وَكَذَلِكَ الْمُخَصَّصُ بِالْعُرْفِ
يعني: أن العرف كما قيد المطلق على ما قدمه في قوله: (وبع إلى أجل) يقيده العرف، فكذلك يخصص العام، كما لو قال له: اشتر لي ثوبًا من أي الأثواب شئت. فإنه يتقيد بما لا يليق بالآمر، وهذا مثل ما في المدونة: إذا استعار دابة يركبها حيث شاء وهو بالفسطاط فركبها إلى الشام أو إفريقية، فإن كان العرف عاريته إلى مثل ذلك فلا شيء عليه وإلا ضمن. قال: والذي يسرح دابته لرجل يركبها في حاجة ويقول له اركبها حيث شئت يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام.
وِلا يَبِيعُ بِعَرَضٍ ولا نَسِيئَةٍ ولا بِتَغَابُنٍ فَاحِشٍ إِلا بِإذْنٍ
لما ذكر أن العرف يقيد في جانب الشراء أشار إلى أنه يقيد أيضًا في البيع، فإذا قال له: بع هذه السلعة. فمحملح على البيع بالنقد المعتاد بثمن المثل إلا بإذن. واشتمل كلام المصنف على ثلاث مسائل فلنتكلم على كل بانفرادها:
الأولى: لا يبيع بعرض، بل ولا بغير نقد البلد، فإن فعل كان متعديًا. ففي السلم الثاني من المدونة: ويضمن حين باع بغير عين إلا أن يجيز الآمر فعله ويأخذ ما باع به. زاد في الوكالة، وقال غيره: إن باعها بعرض ولم يفت فليس له تضمينه، وخير الآمر في إجازة البيع وأخذ ما بيعت به، أو نقضه وأخذ سلعته، وإن فاتت خير فيما بيعت به من عرض، أو تضمين الوكيل قيمتها ويسلم ذلك العرض للوكيل.
عياض: وهو وفاق. وفي الموازية: إن فاتت بتغير البدن أو لسوق فكما ذكرنا، وإن لم تفت بأحدهما فيخير الآمر في إجازة البيع أو تباع السلعة المأخوذة، فإن كان فيها زيادة أخذها، وإن نقصت عن القيمة ضمن الوكيل تمامها.
[ ٦ / ٣٩٢ ]
التونسي: ومع عدم الفوات لا يكون بيع العرض في الأصوب من القولين وقيمتها كعينها؛ فإما يأخذها، أو العرض. واستشكل ما في الموازية من تضمين المأمور مع قيام السلعة، وينبغي ألا يكون له الخيار إلا في إجازة ما فعله الوكيل أو رده، وأما أن تباع به سلعته فلا، وحمل ابن يونس ما في الموازية على أن المشتري نازع في كون هذه السلعة المبيعة للموكل ولم يعلم أنها للآمر إلا بقول المأمور، فلذلك لم يكن سبيل إلى نقص صفقة، وضمن المأمور لإقراره بالتعدي، وأما لو علم بالبينة أنها للآمر؛ لم يكن له سبيل إلى تضمين المأمور، وليس له إلا أن يرد أو يجيز، وعلى هذا فيتفق ما في الموازية وفي كتاب الوكالات فاعلمه. وأما إن اشترى لموكله بغير العين فذلك لا يلزمه، وللموكل أن يجيز فعله ويدفع إليه ما وداه من الثمن، هكذا قاله في المدونة، وظاهرها أن المقوم في ذلك كالمثلي.
فرع: قال في المدونة: وإن اشترى لك أو باع بفلوس فهي كالعرض، إلا أن تكون سلعة خفيفة الثمن فإنها تباع بالفلوس وما أشبه ذلك، فالفلوس فيها بمنزلة العين، وأما المسألة الثانية وهي البيع بالدين فلا تجوز، فإن فعل؛ فإما أن يكون سمى له ثمنًا، أم لا. فإن لم يسم له ثمنًا، ففي الموازية يجوز للآمر أن يرضى بالثمن المؤجل إن كانت سلعته قائمة؛ لأنه لما كان قادرًا على الرد صار ذلك كإنشاء عقدة، وإن فاتت فليس له الرضى بالمؤجل؛ لأن الغالب أن القيمة التي وجبت له أقل من الثمن المؤجل، فلو أجزنا له ذلك لزم منه بيع القيمة بأكثر منها إلى أجل، وهو عين الربا. ولهذا قال ابن القاسم في العتبية: لو كان الثمن المؤجل مثل قيمتها الآن أو أقل لجاز الرضى به للآمر؛ لأنه رضى منه بالتعدي إن فسخ، مثل ما وجب له في مثله أو أقل. قال في العتبية: وإن باعها بأكثر من القيمة ورضي المتعدي أن يعجل له القيمة ويقبض ذلك لنفسه عند الأجل ويدفع ما زاد على القيمة إلى الآمر على ذلك ولم يكن من بيع الدين، وأما إن سمى له الثمن فباع بأكثر منه إلى أجل، كما لو [٥٥٩/أ] أمر له بعشرة نقدًا فباع بخمسة عشر مؤجلة، فاختلف هل يعد
[ ٦ / ٣٩٣ ]
الوكيل بتعديه ملتزمًا لما أمره به الموكل ونقل عن ابن القاسم، أم لا وهو المشهور.
اللخمي: وهو أحسن. فإن كانت السلعة قائمة فعلى الأول لا يلزم الوكيل غير العشرة، وعلى الثاني يخير الموكل في إجازته ورده، قاله المازري وغيره، فإن فاتت السلعة، فهل له مطالبة الوكيل بالتسمية إن سمى له ثمنًا، أو قيمة السلعة إن لم يسم، أم له أن يجيز تعديه ويرضى بالثمن. المشهور من المذهب: منعه منهما.
أما الأول: فلإمكان أن يكون قد رضي بما فعله الوكيل، فيكون قد وجب له خمسة عشر فتعجل منها عشرة فيدخله ضع وتعجل، وظاهر ما في الواضحة تمكينه من ذلك.
وأما الثاني: فلاحتمال أن يكون عزم على مطالبة الوكيل بحكم التعدي، فيكون قد وجب له عليه عشرة وانتقل منه إلى أكثر منه إلى أجل، وظاهر ما في الواضحة أيضًا أن له ذلك. ولهذا كان المشهور: لا بد من يبع الدين؛ لأنه ليس للموكل وجه يأخذ به عوض سلعته سوى ثمن الدين، فإن بيع بمثل التسمية أو القيمة فلا كلام، وإن بيع بأزيد أخذ الموكل الجميع؛ إذ لا ربح للمتعدي، وإن بيع بأقل غرم للموكل تمام التسمية أو القيمة، ويؤخر بيع الدين حتى يحل الأجل فيأخذ ما دفعت للموكل وأعطيه ما زاد، فإن كانت الخمسة عشر لو بيعت الآن بيعت بعشرة جاز ذلك؛ لأن الذي يصح للآمر لو بيعت الخمسة عشر بعشرة نقدًا عشرة،
فإذا دفعها المأمور إليه وزاد خمسة مؤجلة فقد أحسن ولا يقع له في ذلك، وإن ساوت لو بيعت أكثر من عشرة كاثني عشر مثلًا لم يجز؛ لأنه فسخ الدينارين في الخمسة التي بقيت.
وحكى بعضهم في هذه الصورة قولًا بالجواز، فإن ساوت أقل من عشرة جاز عند ابن القاسم خلافًا لأشهب. واختلف الشيوخ هل المختار قول ابن القاسم، أم قول أشهب؟ فاختار التونسي قول أشهب؛ لأنه يلزم هنا السلف بزيادة، لأن المأمور يغرم تمام العشرة، وكأنه قال: لا تبعها لتغرمني فأسلفه عشرة ليأخذ من الدين. واختار اللخمي
[ ٦ / ٣٩٤ ]
قول ابن القاسم وانفصل عما تقدم بما حاصله: أن الدين إنما يباح إذا كان للموكل بيعه فائدة، وإلا فلا فائدة للموكل في بيعه فلا يباع إلا بتراضيهما؛ لكونه مترددًا بينهما؛ إن التفت إلى حكم التعدي كان البيع للوكيل، وإن التفت إلى حكم إجازة تعديه كان للموكل، وهذا يمنع من بيعه عنده إلا بتراضيهما، وإذا كان كذلك فلا يتحقق فيه السلف.
تنبيه: قال ابن يونس، كما راعوا في مسألة التسمية أن تكون قيمة الخمسة عشر أقل من العشرة المسماة أو أكثر، فقياسه أن يعتبر أيضًا مع ما وقع البيع به إذا لم يكن سمى بما يكون أكثر السلعة أو أقل، بخلاف ما تقدم عن العتبية أنه إذا باعها بأكثر من القيمة ورضي المتعدي أن يعجل القيمة ويقتضي ذلك عند الأجل ويدفع ما زاد أنه جائز. قال: والمسألتان يدخلهما القولان سمى أو لم يسم، فاعرفه.
وأما المسألة الثالثة، ففي المدونة: إن باع الوكيل أو ابتاع ما لا يشبه من الثمن أو بما لا يتغابن الناس بمثله لم يلزمك؛ كبيعه الأمة ذات الثمن الكثير بخمسة دنانير ونحوها، ويرد ذلك كله ما لم يفت فيلزم الوكيل القيمة، وإن باع بما يشبه جاز بيعه، وإن أمره بشراء سلعة بعينها فابتاعها بألف درهم وهي من ثمانمائة لم يلزمك إلا أن تشاء، وهي لازمة له، وإن كانت شيئًا يتغابن بمثله لم يلزمه.
وَلا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ وَلا وَلَدِهِ ولا يَتِيمِهِ، ولا يَشْتَرِي. وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، ويَتَوَلَّى حِينَئِذٍ طَرَفَي الْعَقْدِ كَالْوَكِيلِ مِنْ كِلا الْجَانِبَيْنِ فِي الْبَيْعِ والنِّكَاحِ
المشهور من المذهب والمعروف: أن الوكيل على بيع سلعة لا يكون له بيعها من نفسه، فإن فعل فالموكل بالخيار في الرد والإمضاء، ولو أعتق هذا الوكيل العبد الموكل هو على بيعه، نص عليه غير ابن القاسم في القراض. وقال عبد الوهاب: إن باعه من نفسه من غير محاباة جاز؛ بناء على أن المخاطب هل يدخل تحت الخطاب أم لا؟ والظاهر وإن
[ ٦ / ٣٩٥ ]
قلنا: إنه يدخل فلا يمضي للتهمة ولا يقال تبين انتفاؤها بالبيع بالقيمة فأكثر؛ لأنا نقول يحتمل أنه إنما اشتراها بذلك لما رأى أن من الناس من يرغب في شرائها بأكثر، وعلى المذهب فإن فاتت السلعة فعليه الأكثر من الثمن والقيمة.
محمد: وهو بتغير الذات أو تغير السوق. وذكر يحيى بن عمر قولًا آخر بأن تغيير السوق لا يفيتها، وذكر ابن حبيب أن الوكيل على بيع سلعة فاشتراها ثم باعها بربح أن الربح للموكل، وكذلك الوصي إذا اشترى من مال الأيتام لنفسه وباعه بربح فإن الربح لهم، فرأى أن ذلك البيع الذي باعه من نفسه كأنه لم يكن لكونه معزولًا.
قوله: (وَلا وَلَدِهِ) أي: الصغير. في السلم الثاني من المدونة: ومن وكل رجلًا يسلم له في طعام فأسلمه إلى نفسه، أو ابنه الصغير، أو لشريك له مفاوض، أو شركة عنان، أو زوجته، أو مكاتبه، أو مدبره، أو أم ولده، أو عبده المأذون له في التجارة، أو عبد لولده الصغار، أو عبد أحد ممن ذكرنا، أو ذمي؛ فذلك كله جائز إن صح بغير محاباة، ما خلا نفسه وشريكه المفاوض، أو من يلي عليه من ولد، أو يتيم، أو سفه وشبهه. اللخمي: وإن أسلمه إلى ولده الكبير جاز. وقيد سحنون المفاوض بما إذا أسلم إليه في المال الذي فاوضه فيه، وأما غيره فيجوز، وجائز أن يسلم [٥٥٩/ب] إلى ابنه الصغير ويتيمه. وقال: لأن العهدة في أموالهم. وإلى هذا القول وقول القاضي أشار بقوله: (وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ). وما ذكر في المدونة في المدبر وأم الولد فهموه في المأذون لهما في التجارة.
ابن عبد السلام: وفي فهمهم ذلك منها نظر. وقال يحيى بن عمر: لا يجوز أن يسلم لعبده المأذون.
قوله: (ويَتَوَلَّى حِينَئِذٍ) تفريع على الشاذ. وقوله: (كَالْوَكِيلِ مِنْ كِلا الْجَانِبَيْنِ فِي الْبَيْعِ) وذلك يتصور بأن يكون وكيلًا من شخصين، أو ناظرًا على يتيمين ونحو ذلك، وكلاهما ظاهر.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ عَالِمًا ولَمْ يُعَيِّنْهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وفِي عِتْقِهِ عَلَى الْوَكِيلِ قَوْلانِ
(عَلَيْهِ) أي: على الموكل. و(عَالِمًا) حال من الضمير في (اشْتَرَى) أي: الوكيل من يعتق على الموكل حالة كون الوكيل عالمًا بذلك لم يعتق على الموكل، وأما إن لم يعلم؛ ففي المدونة وغيرها: أنه يعتق على الموكل. وخرج غير واحد خلافًا في عدم لزوم البيع إذا لم يكن الوكيل عالمًا، ومنهم من استقرأه من كتاب الرهن من المدونة.
ابن عبد السلام: وفيه نظر. واستشكل ما ذكر من التفرقة؛ لأن عقد الوكالة أن تضمن قرابة الموكل صح مع علم الوكيل، وعتقوا على الأمر، وإن لم يتضمنهم لم يصح البيع مع عدم العلم ولم يلزم العتق. وأجيب بأنه تضمنهم بدليل أنهم يعتقدون مع علم الوكيل كونه قصد اضطراره فلم يمكن من ذلك. فقوله: ولم يعينه الموكل، بل قال: اشتر لي، فاشترى الوكيل أبا الموكل مثلًا؛ فالوكيل متعدِّ، لأن الموكل أخرج هذا بالعرف؛ إذ المقصود من العبد في العادة الاستخدام ولا يحصل هنا، ولهذا المعنى أتى المصنف بهذه المسألة هنا، فلذلك لم يعتق على الموكل لأنه لم يدخل في ملكه، ولزم الوكيل الشراء.
قال علماؤنا: إلا أن يبين أنه يشتريها لفلان، فإن بين فلم يجز الآمر نقض البيع، وإذا لم يجز الموكل الشراء، فاختلف هل يعتق عليه لأنه كالملتزم لعتقه وهو قول البرقي وابن العطار، أو لا لأنه لا قرابة بينه وبين الوكيل وهو قول ابن عمر؟ قال: وقاله أبو عبد الله بن معاوية، وهو قول مالك في رواية ابن أبي أويس. واختلف الشيوخ في أي المذهبين هو الجاري على قول ابن القاسم في المقارض يشتري من يعتق على رب المال، هل يقال: هو كالمقارض لأنه إنما قال ابن القاسم بالعتق على المقارض؛ لأنه عنده كالملتزم لعتقه على رب المال وإليه ذهب ابن يونس، أم لا لأن المقارض له شركة وهو قول جماعة من القرويين. قال بعض الشيوخ، المراد بالجهل: هو ألا يعلم أنه أبوه جملة، وأما لو علم به
[ ٦ / ٣٩٧ ]
وجهل الحكم فيه هو كما لو علم لا فرق بينهما، أما إن ادعى الموكل على الوكيل العلم؛ فالقول قول الوكيل، لأنه ادعى عليه عمارة ذمته، فيحلف الوكيل ويلزم الموكل الشراء والعتق، فإن نكل حلف الموكل وأغرمه الثمن وعتق على المأمور اتفاقًا لإقراره بحرية هذا العبد على الموكل بسبب أنه اشتراه له غير عالم.
اللخمي: وإن قال الوكيل: كنت أمرتني بشراء هذا العبد. وقال الآمر: بل بعبد آخر. وقال: أمرتني بتمر. وقال: لا بل بقمح. فقد اختلف في ذلك هل يكون القول قول الآمر، أو المأمور، والمشترى حق باتفاق.
وَعَلَى عِتْقِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًَا بِيعَ أَوْ بَعْضُهُ وعَتَقَ مَا فَضَلَ، والْوَلاءُ لِلْمُوَكِّلِ
يعني: وعلى القول بأنه يعتق على المأمور، فإنما ذلك إذا كان موسرًا، وإن كان معسرًا بالكلية بيع جميعه، وإن كان معسرًا ببعضه عتق ما فضل. وهذا فسره البرقي، والولاء للموكل لأنه عبده كأنه أعتقه.
الْعَاقِدَانِ ومَنْ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ، جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ ويُوَكَّلَ إِلا لِمَانِعٍ
العاقدان: هو الوكيل والموكل، وفي كلامه حذف في موضعين؛ في صلة المبتدأ إن عددت (من) موصولة، أو في غيرها إن عددتها شرطية. والمحذوف الثاني في الخبر، أو فعل الجزاء. التقدير: من جاز له أن يتصرف لنفسه في شيء جاز له أن يوكل أو يتوكل فيه إلا لمانع. وعلى هذا فيجوز للمحجور عليها أن توكل في ملازم عصمتها.
وقوله: (إِلا لِمَانِعٍ) أي: من الموانع المتقدمة في الحجر، وذلك لأن التوكل والتوكيل راجعان إلى الإجارة أو العارية. فإن قيل: يرد عليه ما في المدونة: من وكل عبدًا مأذونًا له في التجارة أو غير مأذون يسلم له في طعام ففعل؛ فذلك جائز، لأنه لا يتصرف لنفسه. فالجواب: أن ذلك محمول على المأذون له بالاتفاق.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
وَفِيهَا: لا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ يُبْضِعُ مَعَهُ. وَكَرِهَهُ ولَوْ كَانَ عَبْدًَا
لما قال: إلا لمانع. وكانت الموانع المتقدمة في باب الحجر معلومة أخذ يشير إلى زيادة على ذلك، والمانع هنا اختلاف الدين. وما نسبه للمدونة تبع فيه ابن شاس، قال، وقال المازري: وما ذاك إلا أنه قد يغلظ على المسلمين.
ابن عبد السلام: وليس فيما بين أيدينا من المختصرات هذا اللفظ على المدونة، تبع فيه ابن شاس في كراهته توكيل الذمي على المسلم، وإنما فيها أن يكون للمسلم على تقاضي ديونه بعضهم على نحو ما ذكره المصنف. انتهى.
وقوله: (وَكَرِهَهُ) المراد بالكراهة التحريم. ولفظ المدونة في السلم الثاني: ولا يجوز أن توكل ذميًا أن يسلم لك في طعام، ولا أن يشتري لك ولا يبيع، ولا تستأجره أن يتقاضى لك، ولا تبضع معه، وكذلك عبده النصراني. خليل: ومعنى المدونة كما نقله المصنف. والمصنف لم يلتزم نقل لفظ المدونة فاعلمه.
فائدة: قال في البيان في باب الرضاع: إجارة المسلم نفسه من اليهودي والنصراني على أربعة أقسام؛ جائزة، ومكروهة، ومحظورة، وحرام.
فالجائزة: أن يعمل له عملًا في بيت نفسه، أو في حانوته؛ كالصانع يعمل للناس فلا بأس له، كما [٥٦٠/أ] يفعل للناس من غير أن يستبد بعمله.
والمكروه: أن يستبد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده، مثل: أن يكون مقارضًا أو مساقيًا.
والمحظور: أن يؤاجر نفسه في عمل يكون فيه تحت يده؛ كأجير الخدمة في بيته وما أشبه ذلك، فهذا يفسخ إن عثر عليها، وإن فاتت مضت وللأجير الأجرة.
[ ٦ / ٣٩٩ ]
والحرام: أن يؤاجر منه نفسه بما لا يحل من عمل الخمر، أو رعي الخنازير؛ فهذا يفسخ إن عثر عليها قبل العمل، فإن فات العمل تصدق بالأجرة على المساكين. انتهى.
ولعله عبر بالمحظور في الثالث وفي الرابع بالحرام لتغاير الأحكام، وإلا فالحرام والمحظور مترادفان، وقيل في الوجه الأول بالكراهة وهو الذي اختاره فضل.
وَلا يُوَكِّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ
لأنه يجيز بذلك السبيل إلى نصرته.
وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ وَقَبْضَهُ، وَقَبْضَ الْمَبِيعِ، وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ
يعني: أن التوكيل على البيع يستلزم أن يكون للوكيل المطالبة وقبض الثمن، ولذلك لو سلم إليه المبيع ولم يقبض ضمنه. وهذا مقيد بما إذا لم تكن العادة الترك، فقد نص أبو عمران على أنه لو كانت العادة في الرباع أن وكيل البيع لا يقبض، فإن المشتري لا يبرأ بالدفع إليه.
وقوله: (وَقَبْضَ الْمَبِيعِ) أي: والتوكيل أيضًا على الشراء يستلزم قبض ما اشتراه ويستلزم الرد بالعيب، ولهذا قال ابن الهندي: كل من نص له في الوكالة على شيء فلا يتعداه إلا هنا، أما لو وكله على البيع وصرح بأنه لا يقبض الثمن مثلًا فلا يكون له القبض.
وقوله: (وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ) يريد: ولم يعلم الوكيل بالعيب قبل شرائه ودخل على ذلك لقوله:
فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ وَلا رَدَّ إِلا فِي الْيَسِيرِ، وشِرَاؤُهُ نَظَرٌ
يعني: وأما لو علم الوكيل بالعيب قبل الشراء فالمشتري له ولا رد للوكيل إلا بشرطين أو شرط مركب من جزأين؛ أن يكون العيب يسيرًا، وأن يكون شراؤه نظرًا
[ ٦ / ٤٠٠ ]
للآمر؛ أي: مصلحة له. قال في المدونة: وإن اشترى الوكيل معيبًا وكان عيبًا خفيفًا يغتفر مثله، وكان شراؤه فرصة؛ لزم الموكل، وإن كان عيبًا مفسدًا لم يلزمه إلا أن يشاء، وهي لازمة للمأمور إلا أن يشاء، يبين لك أن م راد المصنف بقوله: (كَانَ لَهُ) إن شاء.
فَلَوْ عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ فَلا رَدَّ لِلْوَكِيلِ. وقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ ذَلِكَ
يعني: أن ما قدمه من أن للوكيل الرد بالعيب إنما هو إذا لم يكن المأمور عين المشتري، وأما إن قال له: اشتر لي عبد فلان، فلا رد للوكيل؛ لاحتمال أن يكون الآمر قد علم بعيبه، أو يغتفر عند اطلاعه لغرضه فيه. وقال أشهب: له الرد كالأول. هذا ظاهر كلامه وفيه نظر؛ لأنه عكس المنقول.
ابن عبد السلام: وذلك أنه اتفق على أنه لا رد للوكيل إن كانت السلعة معينة، واختلف إذا لم تكن معينة، فقال ابن القاسم في المدونة: له أن يرد؛ لأنه ضامن لمخالفة الصفة. وقال أشهب: ليس له أن يرد، فإن رد؛ فللموكل ألا يجيز الرد ويضمنه قيمتها إن فاتت.
أبو عمران: وإذا كان يلزمه الضمان بإمساكه السلعة على قول ابن القاسم ويرد طالبًا على قول أشهب بالحيلة في التخلص منه أن يرفع للحاكم فيحكم له بأحد المذهبين فيسقط عنه الضمان. وقيد اللخمي قول ابن القاسم بما إذا كان العيب ظاهرًا، فقال ابن القاسم: للوكيل أن يرد لأنه ضامن إذا اشترى معيبًا، ثم قال: وقول ابن القاسم بيِّنٌ إن كان العيب ظاهرًا لأنه فرط.
اللخمي: وإن كان مما يخفى فلا شيء عليه، وإذا لم يكن عليه ضمان لم يكن له أن يرد.
تنبيه: ما ذكره إنما هو في الوكيل المخصوص، وأما المفوض فيجوز أن يرد ولو عين الآمر له المشتري، وكذلك له أن يقبل ونحو ذلك من غير محاباة، نص عليه في المدونة.
[ ٦ / ٤٠١ ]
وَيُطَالَبُ بالثَّمَنِ والْمَثْمُونِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ
يعني: ويطالب الوكيل بثمن ما اشترى وبما باع، ولا ينجيه من هذه المطالبة على البائع في الأولى، أو على المشتري في الثانية أنه وكيل، ولا التصريح بالوكالة حتى يصرح أنه لا شيء عليه من دفع الثمن ولا من دفع المبيع، وإنما يدفع ذلك الموكل؛ لأن الأصل أن قابض العوض يلزمه دفع عوضه، فقابض المبيع يلزمه دفع الثمن، وقابض الثمن يلزمه دفع المبيع، وقد ذكر في المدونة في كتبا العيوب والمواز مثل ما ذكره المصنف سواء وهو أصل المذهب، لكن في السلم الثاني لمالك إن وكل رجلًا أن يأخذ له سلمًا من آخر فإنه يلزمه. قال: فإن شرط عليه المبتاع أنه إن لم يرض الرجل فالسلم عليك جاز، وكذلك إن ابتعت لرجل سلعة بأمره من رجل يعرفه البائع على أن الرجل إن أقر له بالثمن وإلا فهو عليك نقدًا أو إلى أجل؛ فلا بأس به، وظاهره أن المطالبة بالعوض في المسألتين إنما هي للموكل لا الوكيل إلا بشرط. وقد يقال: هاتان المسألتان راجعتان إلى اشتراط تقديم الموكل، والله أعلم.
وقال أشهب، وسحنون في مسألة السلم: إنها لا تجوز، ولقولهما وجه، وتركنا ما يتعلق بمسألة السلم لأنها دخيلة في هذا الباب.
فرع:
قال في الموازية: إن قال فلان بعثني إليك لتبيعه فهو كالشرط، ولا يبتع إلا فلانًا وإن أنكر فلان غرم الرسول رأس المال.
أشهب: وإن قال بعثني إليك لأشتري منك أو لتبيعني؛ فالثمن على الرسول ولو أقر بذلك الرسول فلا يبرأ وهو عليهما.
فرع: ولو أسلم رجل في شيء وقال له: هو لفلان. فأتى فلان في غيبة المسلم فطلبه، فهل يجبر على الدفع وهو قول بعض القرويين، أو لا لأنه يقول: إن دفعت لك قد يأتي المسلم وينكر فأغرم ثانية وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
[ ٦ / ٤٠٢ ]
وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَكَالَةِ أَوْ يَعْلَمْ
وعهدة العيب والاستحقاق على الوكيل، إلا أن يصرح بأنه وكيل أو يعلم المشتري [٥٦٠/ب] بذلك، فحينئذ يطلب الموكل وهو إذًا مقيد بما إذا رد السلعة عليه ويكون الثمن على الموكل وإن لم يعلمه بأنه لفلان حلف الوكيل، وإلا ردت السلعة إليه.
وفي الموازية: لا يمين على الوكيل - أي: المفوض - وأما المخصوص فعليه اليمين ويبتع كما يبتع البائع إذا تولى المبايعة، وجعل الأمر في العهدة أخف من المطالبة بالثمن؛ لأن التصريح بالوكالة والعلم بها لا يكون مقتضيًا لعدم المطالبة بالثمن؛ لأن المطالبة بالثمن أو المثمون لا بد منها، والأصل عدم الاستحقاق والعيب. ولأصبغ أن العهدة كالثمن؛ لأنه قال في خامس الثمانية: ما كان من رد بعيب فذلك على المتولي البيع، إلا أن يشترط عند البيع اشتراطًا بينًا أنه لا عهدة عليه ولا تباعة ولكن على ربها؛ فحينئذ لا يكون عليه من تباعة ذلك شيء. وقد تبين لك أن قوله: (فَيُطَالِبُهُ) مرفوع على قوله: (مَا لَمْ يُصَرِّحْ) أي: إذا صرح أو علم طولب حينئذٍ، وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع.
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ رَجَعَ عَلَى مُوَكِّلِهِ
يعني: ولو تلف الثمن في يد الوكيل قبل أن يصل إلى يد البائع فإن الوكيل يرجع على موكله بالثمن ولو تلف مرارًا، وهذا مقيد بما إذا لم يكن الموكل دفع الثمن أولًا، وأما إن دفع قبل الشراء فضاع؛ فإنه لا يلزم الآمر غرم الثمن ثانيًا إن أبى، هكذا ذكر في المدونة الحكم في المسألتين وفرق بينهما بأنه في الثانية مال بعينه وقد ذهب، بخلاف الأولى فإنه إنما اشترى على ذمتك حتى يصل إلى ربه.
ابن المواز: وعليه الخلف، ولو تلفت السلعة التي اشتراها فلبعض المدنيين: لا يلزم الموكل غرم الثمن في الوجه الأول فأحرى الثاني، ذكره في المدونة في باب القراض.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
وللمغيرة: يلزمه غرم الثمن في الثاني فأحرى الأول.
ابن يونس: وأبينها التفصيل. قال غيره: وهذا الخلاف إنما هو عند الإطلاق، وأما لو قال: اشتر على الذمة أو هذه على التعيين لنفع الشرط اتفاقًا، ويحتمل أن يريد المصنف أن الوكيل على البيع إذا باع وقبض الثمن ثم تلف منه من غير تعد ثم اطلع المشتري على عيب في المبيع أو استحق منه فإنه يرجع بما وجب له على الموكل، ويكون فاعل (رَجَعَ) ضميرًا عائدًا على المشتري المفهوم من السياق، أو يقرأ (رَجَعَ) مبنيًا للمفعول وفي هذا بعد؛ لأنه يستغني عنه بما تقدم، وعلى هذا فالأول أظهر؛ لكنه قد أخل بأحد وجهي المسألة كما تبين لك.
ابن عبد السلام: والأقرب منهما مذهب المغيرة؛ لأن الثمن في ذمة الموكل أمينه، وإنما قلنا أنه في ذمة الموكل لأن الدراهم والدنانير إذا لم تتعين في حق المتبايعين على المعروف فأحرى ألا تتعين في حق الوكيل. وقال أبو الحسن، انظر قوله: لأن هذا مال بعينه فقد ذهب. فإنه يناقض مذهبه في غير موضع؛ في أن من باع سلعة بثمن أو استحق الثمن وكان عينًا أن البيع لا ينقض ويغرم الثمن، إلا أن يقال: ليست العلة مجرد التعيين بل العلة مركبة من وصفين؛ التعيين، وعدم المباشرة للمعاملة.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ ولَمْ يَشْهَدْ فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ ضَمِنَ
يعني: ولو أسلم الوكيل على البيع المبيع ولم يشهد على القبض فجحد المشتري الثمن؛ يريد: وأصل البيع، وإلا فلو أقر بالبيع وقبض السلعة وادعى دفع الثمن لكان مدعيًا يلزمه الغريم إذا حلف الوكيل، ولو أخر المصنف لفظ (الثَّمَنَ) عن (ضَمِنَ) لكان حسنًا، وكان يأتي على مذهب ابن شبلون في المدونة؛ لأن فيها: ولو وكله على بيع سلعة فباعها ولم يشهد على المشتري فهو ضامن؛ لأنه أتلف الثمن إذا لم يشهد. قال: وقد قال مالك فيمن أبضع معه بضاعة ليوصلها لرجل، فذكر أنه وصلها وأنكر المبعوث إليه أن
[ ٦ / ٤٠٤ ]
تكون قد وصلت إليه أن الوكيل ضامن إذا لم يشهد، فأبقاها ابن شبلون على ظاهرها أنه يضمن الثمن، وهو اختيار عبد الحق وابن يونس وغيرهما، ولأن في الموازية ما يدل عليه. قال ابن أبي زيد: يضمن قيمة السلعة. وقال بعض الأصحاب: يضمن الأقل من قيمة السلعة والثمن. وذهب ابن الماجشون إلى عدم الضمان في مسألة البضاعة التي استشهد لها في المدونة. وأشار اللخمي إلى تخريجه في مسألة المصنف من ضمان الوكيل لعدم الإشهاد؛ إنما هو إذا كانت العادة الإشهاد، وأما إذا كانت العادة تركه في بعض المبيعات ليسارتها، قال الشيخ أبو محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن: لا ضمان عليه. وهو اختيار اللخمي. وقال ابن التبان، والإبياني: عليه الضمان، والأول أظهر.
وَلَوْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ فَكَذَكِكَ، وقِيلَ: إِلا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ التَّرْكَ
أي: لو أقبض الوكيل الدين الذي على موكله لصاحبه فكذلك يضمن إذا جحد صاحب الدين القبض لتفريطه. وقوله: (وقِيلَ إلخ). ابن عبد السلام: وهو قول ثالث ذكره غير واحد، وأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في سقوط الضمان إن كانت العادة ترك الإشهاد، وإنما يختلف إذا كانت العادة بالأمرين معًا الإشهاد وعدمه، أو لم تكن عادة بالمجلة حيث لم تضبط العادة بشيء.
ابن عبد السلام: وقيل في الوكيل على مطالبة غريمه يدفع بغير بينة أنه غير ضامن. وعد هذا بعضهم تقييدًا للمشهور، ولعل هذا إن صح يكون حيث جرت العادة بترك الإشهاد. انتهى.
فرعان؛ أولهما: استثنى من الضمان ما إذا كان الدفع بحضرة رب المال، ففي قراض المدونة: وإن كان وكل على شراء سلعة معينة أو غير معينة فدفع الثمن وجحده البائع هو ضامن ولرب المالين تغريمه، وإن علم بقبض البائع الثمن بإقراره عنده ثم جحده، أو
[ ٦ / ٤٠٥ ]
بغير ذلك ويطيب له ما يقضي له به ذلك إلا أن يرجع الوكيل الثمن بحضرة رب المال فلا يضمن. انتهى.
ثانيهما: إذا شرط المأمور أنه لا يشهد [٥٦١/أ] عند دفع البضاعة ثم جحد القابض؛ جاز الشرط ونفع المأمور وحلف إذا كان غير أمين.
مطرف: ولو شرط المأمور ألا يمين عليه فشرطه باطل للتهمة.
وَلَوْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وتَلِفَ بَرِئَ ولَمْ يَبْرَأ الْغَرِيمُ إِلا بِبَيِّنَةٍ إِلا فِي الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ
أي: لو قال الوكيل: قبضت ثمن ما بعته وتلف برئ؛ لأنه أمين، لكن لا يبرأ المشتري إلا ببينة تشهد بمعاينة الدفع، إلا في الوكيل المفوض فإن المبتاع يبرأ بإقراره، وفي معناه الوصي.
مطرف: وإذا ودى الغريم الثمن فله أن يرجع على الوكيل لأنه فرط في دفعه حتى ضاع. وقال ابن الماجشون: لا يرجع بشيء حتى يعلم من الوكيل تفريط، وهو اختيار ابن حبيب. وعن ابن القاسم في المأمور يدفع ثوبًا إلى صباغ، فقال: دفعته إليه وأنكر الصباغ؛ فإن لم يقم الرسول بينة ضمن، ولو قال الصباغ: قبضته وضاع مني وهو عديم ولا بينة بالدفع إليه؛ فالصباغ ضامن ويبرأ المأمور.
وَلَوْ أنْكرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الثَّمَنِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، فَقَالَ: تَلِفَ أَوْ رَدَتْتُهُ لَمْ يُسْمَعْ ولا بَيِّنَتُهُ لأَنَّهُ كَذَّبَهَا
تصوره ظاهر. وقيل في هذا الأصل: أن البينة تقبل، ونظريتها ما أشار إليه بقوله:
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ
وهو ظاهر. وكذلك لو أنكر المودع الوديعة فقامت عليه البينة، فقال: رددتها وأقام البينة على الرد أو التلف. وكذلك أيضًا الزوج يملك زوجته فتطلق نفسها ثلاثًا فينكر
[ ٦ / ٤٠٦ ]
التمليك فتقول بذلك البينة، فيقول: إنما قصدت واحدة، وكذلك إذا طولب بثمن سلعة اشتراها وأنكر الشراء فأقام المدعي البينة عليه وعلى قبض السلعة وأقام المدعى عليه بينته فدفع ثمنها، وكذلك إذا ادعت عليه زوجته أنه قذفها فأنكر فأثبتت أنه قذفها فأراد أن يلاعن، فقال ابن القاسم: له ذلك. وقال غيره: ليس له ذلك ويجلد.
وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ لا يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ
لأنه لو كان مصدقًا لم يحتج إلى إشهاد لكن يحتاج إليه لقوله تعالى: (فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٦]. وجعل أهل المذهب هذه الآية أصلًا في كل من ادعى الدفع إلى غير اليد الذي ائتمنته أنه لا يصدق إلا ببينة، وعلى قول ابن الماجشون أنه بعث بضاعة مع رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها، وإن أنكر القابض كانت دينًا أو صلة يتخرج منه قبول دعوى الوصي الرد على الأيتام. ونقل بعضهم قول ابن الماجشون صريحًا في الأيتام وجعل منشأ الخلاف قوله تعالى: (فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) هل ذلك لئلا تغرموا ولا تحلفوا. وعلى المشهور من الغرم مع عدم الإشهاد فإنما ذلك إذا أقام اليتيم عليه بالقرب.
مالك في الموازية: وإن طال الزمان فيما بين رشدهم وقيامهم، مثل ثلاثين أو عشرين سنة لا يسألونه عن شيء؛ فإنما عليه اليمين لقد دفع إليهم أموالهم، ونحوه في العتبية. وقال ابن زرب: إذا قاموا بعد العشر أو الثماني لم يكن له قبله إلا اليمين.
وَالْمُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ لَيْسَ لَهُ التَّاخِيرُ لِعُذْرِ الإِشْهَادِ
أي: والذي يصدق في دعوى الرد من وكيل أو مودع ليس له أن يؤخر الدفع ويعتذر بالإشهاد؛ إذ لا فائدة له لأنه مصدق في دعواه الرد من غير إشهاد. وذكر المصنف المسألة
[ ٦ / ٤٠٧ ]
في صورة القاعدة الكلية، وإن كان إنما تكلم فيؤخذ منه الحكم في الوديعة، وما ذكره من تصديق الوكيل في دعواه الرد هو مذهب المدونة.
وحكى ابن رشد في ذلك أربعة أقوال؛ الأول: هنا أنه يصدق مع يمينه، وهو قول مالك في العتبية ومذهب المدونة في آخر الوكالات.
والثاني: إن كان بقرب ذلك بالأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض منه شيئًا وعلى الوكيل إقامة البينة، وإن تباعد الأمر كالشهر ونحوه فالقول قول الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جدًا لم يكن على الوكيل يمين، رواه مطرف عن مالك.
والثالث لابن الماجشون، وابن عبد الحكم: إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جدًا صدق الوكيل بلا يمين.
والرابع: التفرقة لأصبغ بين الوكيل على الشيء بعينه فيصدق إلا أن يقيم البينة وإن طال الأمر، وبين الوكيل المفوض إليه فيصدق في القرب مع يمينه؛ ففي البعد بغير اليمين، ابن الماجشون: ولو مات وكيل المرأة - زوجًا أو غيره - بحدثان القبض كان ذلك في مال الوكيل - زوجًا أو غيره - إذا عرف القبض وجهل الدفع، فإن كان مؤتمنًا بغير حدثان ذلك، وما يكون في مثله الدفع فلا شيء في أموالهما، وإن لم يقر بالدفع، قال في البيان: ولا خلاف عندي في هذا الوجه. انتهى. ولو قيل إن للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهد لكان حسنًا؛ لأنهما يقولان: إذا لم يشهدا توجه عليهما اليمين فكان لنا التأخير لتسقط عنا اليمين، لا سيما الوكيل لهذا الخلاف الذي فيه، وقاله بعضهم.
وَالْوَكِيلُ فِي التَّعْيِينِ لا يُوَكَّلُ إِلا فِيمَا لا يَلِيقُ بِهِ أَوْ لا يَسْتَقِلُّ لِكَثْرَتِهَا
احترز بالتعيين من المفوض فإن له أن يوكل على المعروف، وحكى في البيان قولًا بأنه لا يوكل، قال: والأظهر أن له ذلك؛ لأن الموكل أحله محل نفسه فكان كالوصي، ولم يكن
[ ٦ / ٤٠٨ ]
للوكيل توكيل غيره؛ لأن الموكل لم يرض إلا بأمانته، ولأنه تصرف في الوكالة على خلاف ما أذن له.
واستثنى المصنف موضعين؛ الأول: أن يكون الوكيل لا يليق به تولي الموكل فيه؛ كمن وكل رجلًا شريفًا معروفًا بالجلالة على بيع ثوب أو دابة، لأن الوكيل لما كان لا يتصرف في هذا لنفسه كان ذلك قرينة في إجازة توكيله غيره، فكان ذلك كالتصريح بإجازة التوكيل.
والموضع الثاني: أن يوكله على أمور كثيرة لا يمكن الوكيل أن يستقل بها؛ لأنه بالعادة قد أذن له في التوكيل، إلا أن الوكيل في الموضع الثاني يسوغ له أن يستعين بوكيل آخر ولا يجعل جميع ما إليه للوكيل، بخلاف الأول فإنه يوكل على جميع ما جعل له، ولا شك في الأول إذا علم الموكل بحال الوكيل، وأما إن لم يعلم؛ فقطع بعضهم بأنه لا التفات لعلمه.
قال التونسي: وانظر إن لم يعلم بذلك رد المال، فإن [٥٦١/ب] كان الوكيل مشهورًا فإنه لا يلي مثل ذلك فالأشبه ألا يضمن، وإن لم يكن مشهورًا بذلك فرضاه بالوكالة يدل على أنه هو المتولي حتى يعلم رب المال أنه لا يتولى.
وفي المقدمات: ليس له أن يوكل على ما وكل عليه غيره، ولا أن يوصي إلى أحد بذلك، إلا أن يجعل ذلك إليه الموصى، فإن فعل فتلف المال ضمن على مذهب ابن القاسم، وإن علم أنه لا يلي مثل ذلك لنفسه إذا لم يعلم بذلك الموكل الأول، وهذا نص رواية يحيى عن ابن القاسم، وفي ذلك نظر. وقال أشهب: إذا كان مثله في الكفالة فلا ضمان عليه. انتهى.
فرع: فإن وكل حيث لم يكن له ذلك؛ فالمعروف من المذهب أنه متعد. قال في المدونة: ومن وكل رجلًا ليسلم له في طعام فوكل الموكل غيره لم يجز. ولأصبغ وغيره: إذا فعل وكيله مثل ما فعل الوكيل الأعلى في النظر والصحة لزم، وإن كان على خلاف ذلك
[ ٦ / ٤٠٩ ]
لم يلزمه ولم يجز الرضى به. واختلف في قوله في الكتاب: لم يجز. فحمله بعضهم على أن للآمر فسخه وإجازته. وحمله ابن يونس على أن المعنى لم يجز رضى الآمر بما يعمل وكيل وكيله؛ إذ بتعديه صار الثمن عليه دينًا للآمر فلا يفسخه في سلم الوكيل الثاني، إلا أن يكون قد حل قبضه فيجوز لسلامته من الدين.
وروى ابن القاسم عن مالك في الواضحة: أن للموكل الخيار كالتأويل الأول. ابن حبيب: وأنكر ذلك أصبغ ومن لقيت من أصحاب مالك.
وَلا يُوَكِّلُ إِلا أَمِينًا
وحيث قلنا أن للوكيل التوكيل فلا يوكل إلا أمينًا؛ لأن العادة إنما تدل على ذلك.
وَلا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الأَوَّلِ
لأنه صار كالوكيل عن الأصل، فإنا لا نجيز له الوكالة إلا إذا أمكن له في ذلك؛ إما بإذن صريح، أو بحسب العادة، وعلى هذا التقدير، فقال المازري: الأظهر أن الوكيل الثاني لا ينعزل بموت الوكيل الأول، بخلاف انعزال الأول بموت موكله.
وَيَنْعَزِلانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ. وقِيلَ: لا يَنْعَزِلُ الْمُفَوَّضُ إِلا بِعَزْلِ الْوَرَثَةِ
أي: ينعزل الوكيل الأعلى والأسفل بموت الموكل على المشهور؛ لأنهما إنما كانا يتصرفان له وقد انتقل المال بعد الموت للوارث، وسواء كان كل واحد منهما مفوضًا إليه أم لا، والقول بأنه لا ينعزل المفوض إلا بعزل الورثة لمطرف وابن الماجشون. وجهه القياس على القاضي والأمير، فإنهما لا ينعزلان بموت الخليفة، والفرق للأول أن الوكيل إنما قدم لمصلحة الموكل، وقد حكى ابن الماجشون إجماع العلماء على مثل المشهور، ووقع لأصبغ أن الوكالة تنفسخ بموت الموكل، وإن كان رب المال هو البائع فلا يجوز له أن
[ ٦ / ٤١٠ ]
يتقاضى الثمن إلا بتوكيل الورثة، بخلاف إذا كان الوكيل هو المتولي فهو على ولايته. ومراد المصنف بقوله: (يَنْعَزِلانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ) إذا علما، ويدل على ذلك قوله:
وَفِي انْعِزَالِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ فِي الْمَوْتِ، وَفِي الْغَيْبَةِ قَوْلانِ
لأن حكايته الخلاف هنا فيما إذا لم يبلغه الخبر يدل على أن الأول محمول على العلم. ومذهب المدونة: أنه لا ينعزل قبل علمه في الموت، ففيها: إن اشترى بعد موت الآمر ولم يعلم بموته؛ فذلك لازم للورثة، ويؤخذ الثمن من التركة إن لم يكن الوكيل قبضه، وكذلك ما باع. وعلى حمل المدونة على هذا من الفرق بين العلم وعدمه عامة الشيوخ. والقول بأنه ينعزل بمجرد الموت لابن القاسم وأصبغ، وروي أيضًا عن مالك، وزعم اللخمي أنه ظاهر المذهب، وتأول ما في المدونة على أن البائع والمشتري غابا، ولو كانا حاضرين وبيَّنَ لهما الرجل أنه وكيل؛ كان للورثة رد ذلك.
وأما العزل وإليه أشار المصنف بقوله: (وَفِي الْغَيْبَةِ) فتأول أبو عمران أن المذهب في العزل كالموت يصح تصرفه قبل العلم، وهو قول ابن القاسم وأشهب، ورأى أن ما في المدونة في آخر كتاب الشركة: أن الوكيل له كان مفوضًا إليه إذا خلعه غرماؤه، فذلك أنه لا يبرأ غريم بما دفع إليه كان من ثمن أم لا خلافًا لهذا. وكذلك اعترض سحنون مسألة الشركة، وتأول بعضهم أنه لا فرق بين العزل والموت، وإلى التسوية ذهب التونسي وابن محرز وتأولوا مسألة الشركة أن العزل كان مشهورًا فلم يصدقه على أنه لم يعلم، وعلى هذا فيتحصل في مسألة الموت والعزل قبل العلم ثلاثة اقوال؛ ثالثها: يمضي تصرفه الموت دون العزل. ولعله في هذا القول الثالث لاحظ قول مطرف أن الوكيل لا ينعزل في الموت، وإلا ففي الفرق بينهما من حيث المعنى عسر، وذكر في المقدمات عن بعضهم أنه يقول: لا فرق بين المسألتين، ويجعل في كل منهما ثلاثة أقوال؛ أنه لا يبرأ من دفع إلى
[ ٦ / ٤١١ ]
الوكيل فيهما. وإن لم يعلم الدافع بذلك؛ علم الوكيل أو لم يعلم أنه يبرأ فيهما إذا دفع ولم يعلم بموت موكله أو عزله، ولا فرق بين أن يعلم الوكيل ذلك أم لا. والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم هو والوكيل، ولا يبرأ إن علم الدافع بالموت والعزل، ويتحصل في المسألة خمسة أقوال. والمصنف لم يتعرض لشيء من ذلك، فلذلك تركناها نحن أيضًا، والخلاف مبني في هذه المسألة على الخلاف في الفسخ من حين الوصول أو البلوغ، واختار جماعة القول بأنه لا ينعزل فيهما استصحابًا للحال، وإلا أدى إلى الشك في إنكاحه ومعاملته، وقياسًا على أهل قباء، وأجيب عن القياس بأن المكلف إذا أمر بالتوجه إلى بيت المقدس حرم الإحرام لغيره وهو مضطر إلى الفعل فعذر، بخلاف تصرف الوكيل فإنه من المباحات، والله اعلم.
قال بعض الشافعية: وتنفسخ الوكالة بطروء الجنون على الوكيل والموكل؛ لأن الوكالة من [٥٦٢/أ] العقود الجائزة فوجب أن تنفسخ بالجنون لطروئه على عقد غير لازم.
المازري: وفيه تفصيل عندي، فإن طرأ على الوكيل ثم عاد عليه عقله ثم أراد إبقاء على التصرف فإنه يمكن من ذلك إذا كان الموكل حاضرًا أو لم يعزله، وإن كان غائبًا ولم يعلم بجنونه فإن ذلك لا يمنعه من التصرف؛ لأن الموكل أذن له في التصرف مع جواز القواطع، وإن كان طروء الجنون على الموكل؛ فالأظهر أنه يمكن من التصرف كوديعة أودعها، لكن لو طال زمان جنونه طولًا يفتقر معه إلى نظر السلطان في ماله، فإنه مما ينظر فيه. وذكر خلافًا بين الحنفية في ردة الوكيل هل توجب عزله؟ قال: والأظهر عندي أنه لا ينعزل بذلك؛ إذ الحجر عليه إنما يكون لحق المسلمين في المال، إلا أن يعلم بمقتضى العادة أن الموكل لا يرضى بتصرفه في ماله إذا ارتد فيكون ذلك مما يوجب منعه من التصرف.
[ ٦ / ٤١٢ ]
وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ فَلا يَنْعَزِلُ ولَوْ بِحُضُورِهِمَا
لما ذكر العزل وأفهم كلامه أن للموكل العزل بشرط ألا يتعلق بالوكالة حق الغير، وظاهره أن مجرد الشروع مجب لعدم العزل، وقاله اللخمي وابن شاس، وزاد: إلا أن يخاف من غريمه استطالة بسبب ذلك.
وفي المقدمات: ليس له أن يعزله إذا قاعد خصمه المرتين والثلاث إلا من عذر. هذا هو المشهور في المذهب، ووقع لأصبغ في الواضحة ما يدل على أن له أن يعزله ما لم يشرف على تمام الخصام، وفي المحل الذي لا يكون للموكل عزله عن الخصام لا يكون له هو أن ينحل عن الوكالة إذا قبل الوكالة. انتهى. وإن أراد السفر بعد الثلاث مجالس حلف ما قصد السفر ليوكل، فإن نكل لم يكن له أن يوكل، نعم له بأن يعزله، وإن كانت وكالته بأجرة، أو قاعد الخسم ثلاث مرات إذا تبين منه تفريط، أو يقوم عليه دليل تهمة بينه وبين من وكل عليه.
فرع: واختلف إذا وكله على بيع سلعة أو شرائها أو سمى له شخصًا معينًا، هل له أن يعزله كما لو أطلق، أو لا؟ على قولين.
المازري - وعدها الأشياخ من مشكلات المسائل - قال: والأصح عندي في ذلك إن عين المشتري وسمى له الثمن وقال: شاورني، فهذا موضع الإشكال والاضطراب، هل له غرض في عين المشتري، أم لا؟ واختلف إذا وكله أن يملك زوجته أمرها، هل للموكل أن يعزله؟ فرأى اللخمي وعبد الحميد أنه ليس له ذلك، قالوا: بخلاف أن يوكله على أن يطلق زوجته فإن فيه قولين. ورأى غيرهم أنه يختلف في عزله كالطلاق. واستشكل المازري الطريقة الأولى بأنه لا منفعة للوكيل في هذه الوكالة، فكان الأولى أن يكون له عزله، إلا أن يقال: لما جعل له تمليك زوجته صار كالملتزم لذلك التزامًا لا يصح له الرجوع.
[ ٦ / ٤١٣ ]
وَلا يَعْزِلُ نَفْسَهُ عَلَى الأَصَحِّ
هو عائد على وكيل الخصام، وسيأتي الكلام على غيره من الوكلاء؛ يعني: إذا امتنع الموكل من عزل وكيل الخصام فكذلك وكيل الخصام لا يعزل نفسه على الأصح، وظاهره بمجرد الشروع، وكلام صاحب المقدمات المتقدم يدل على أنه إنما يمتنع عزله إذا قاعد الخصم ثلاث مرات، ومقابل الأصح من كلام المصنف يحتمل أن يريد به المشهور، ويحتمل أن يريد به قول أصبغ.
وَلأَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الاسْتِبْدَادُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ خِلافَهُ
وهذا بخلاف الوصيين، فإنه لا يكون لأحدهما الاستبداد؛ أي: الاستقلال إلا بإذن، والفرق أن الموصي يتعذر منه النظر في الرد، بخلاف الموكل إن ظهر منه على أمر عزله، ونص صاحب الجواهر على ما ذكره المصنف، وقرره ابن عبد السلام وغيره، وفي المدونة في باب التخيير: وإن ملك أمر امرأته رجلين لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر كالوكيلين.
وهذا أيضًا مقتضى ما في النوادر؛ ففيها، قال يحيى عن ابن القاسم: إذا وكل رجلين على تقاضي دين فمات أحدهما، فليس للحي تقاضٍ إلا بإذن القاضي، وأحب إلي أن يوكل القاضي رجلًا يرضاه يقبض معه إن وجد من بلد المستخلف إن خاف القاضي أن يتلف ماله ورأى للتوكيل وجهًا، وإن كان مكان المستخلف قريبًا وديونه مأمونة أمر الحي من الوكيلين أن يتوثق من الغرماء حتى يأمن من الدين التلف، ثم يستأني به حتى يحوله الآمر وكالة. انتهى.
وفي المدونة في باب العتق قريب مما ذكرناه عنها في باب التخيير، وأنه إذا قال لرجلين: اعتقا عبدي، لا يكون لأحدهما العتق. ونص اللخمي لما تكلم عليها: أنه لو وكل رجلين يبيعان له سلعة فباع أحدهما أن البيع لا يلزمه. وإن هذا من كلام المصنف وابن شاس فاعلمه.
[ ٦ / ٤١٤ ]
وَالْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ لازِمَةٌ كَالإجَارَةِ، ويَجِبُ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ بِجَعْلِ ثَالِثُهَا: تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وبِغَيْرِهِمَا جَائِزَةٌ، وقِيلَ: تَلْزَمُ الْوَكِيلَ كَالْهِبَةِ
لما ذكر أن وكيل الخصام ليس له عزل نفسه شرع في غيره، وذكر أنها إذا كانت بعوض على وجه الإجارة كانت لازمة لكل واحد منهما بالعقد كسائر الإجارات، ويجب العلم بالعمل؛ لأن الجهالة بالإجارة لا تجوز. وإن كان على وجه الجعالة فثلاثة أقوال، وفهمهما من كلامه ظاهر، وهي مبنية على الخلاف في لزوم الجعل وإن كانت بغير عوض، وأما الموكل فلا تلزمه بلا إشكال، وأما الوكيل فذكر أنها جائزة فليس له فسخها، وهو قول مالك وإليه ذهب ابن القصار وغيره من البغداديين. وقيل: يلزمه ذلك لأنه كواهب منفعة، والهبة لازمة بالقول على المعروف.
وظاهر كلام المصنف: أن هذا القول منصوص، وهي طريقة اللخمي، وتعلق بما لمالك في المبسوط فيمن أبضع مع رجل بضاعة يشتري له بها سلعة بعينها فذهب الوكيل فاشترى بها، ثم قال له بعد شرائها: إني لنفسي اشتريتها؛ أنه يقبل قوله ويحلف إن اتهم. وفي ثمانية أبي زيد لابن الماجشون [٥٦٢/ب] أنها للآمر، إلا أن يكون أشهد حين الشراء أنه اشتراها له. وقال أصبغ: هي للموكل وإن أشهد. ورأى عبد الحق أن الخلاف إنما هو مخرج على الجعالة وعلى الخلاف في الهبة.
ابن عبد السلام: وهي طريقة غير واحد في نق المذهب. وابن رشد يرى أنه لا خلاف أن للوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء إلا في وكالة الخصام.
تنبيه: وفهم من كلامه جواز الوكالة في الجعالة على معنى: إن فعلت فلك وإلا فلا، وهو أحد القولين في المدونة وغيرها.
[ ٦ / ٤١٥ ]
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي الإِذْنِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوِكِّلِ إِلا إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ الْمُخْتَلَفِ فِي ثَمَنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يَبِعْ بِمَا يُسْتَنْكَرُ
إذا تنازع الوكيل والموكل؛ بأن يقول الوكيل: وكلتني على بيع السلعة، ويقول ربها: لم أوكلك. فلا شك أن الوكيل مدع. وقوله: (أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) مثل أن يقول: أمرتني ببيعها، ويقول الآخر: بل برهنها. ويشمل قوله: (أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) الاختلاف في قدر الثمن، وفي جنسه، وفي صفته، وفي حلوله وتأجيله، وحكم بأن القول قول الموكل في هذه المسائل؛ لأنه مدعى عليه عمارة ذمته ما لم يبع بما يستنكر فيكون القول أيضًا للآمر. وهذا الفصل متسع في كلام الأشياخ، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وتركنا ذلك خوف الإطالة، ويشكل كلام المصنف بمسألة المدونة إذا دفع إليه دراهم فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني. وقلت أنت: ما أمرتك إلا بحنطة. قال فيها: فالمأمور مصدق مع يمينه.
ابن القاسم: لأن الثمن مستهلك كفوات السلعة. نعم قال أصبغ: القول قول الآمر. ولعل المصنف إنما تكلم على غير هذه الصورة وترك هذه لاشتراطها مع الصورة التي ذكر أن القول فيها قول المأمور، وهي ما إذا اختلفا في قدر ثمن المبيع إذا فات.
* * *
[ ٦ / ٤١٦ ]
الإقرار
الإقرار: وَالصَّبِيُّ، والْمَجْنُونُ، والْمُبَذِّرُ، والْمُفْلِسُ، والْعَبْدُ، قَدْ تَقَدَّمَ
الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص به في نفسه، وهو مصدر أقر يقر إقرارًا؛ أي: اعترف بالحق، وهو راجع إلى شهادته على نفسه.
وله أربعة أركان: المقر، والمقر له، والمقر به، والصيغة.
وبدأ المصنف بالكلام على المقر، وذكر أن إقرار الصبي وما عطف عليه تقدم في باب الحجر.
والْمَرِيضُ لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِنْ وَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ مَخْصُوصَيْنِ
يعني: والمريض لا يقبل إقراره لمن يتهم هو على جذب النفع إليه؛ من وارث أو أجنبي مخصوصين بالاتهام عليهما، لا كل قريب وأجنبي، وبين ذلك بقوله:
فَالْوَارِثُ كَالْبِنْتِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ وشِبْهِهِ، وبِالْعَكْسِ يُقْبَلُ
لما ذكر أنه إنما يمنع من الأقرار لوارث مخصوص وأجنبي مخصوص أخذ يبين ذلك المخصوص؛ أي: فلا يقبل إقراره لبنته إذا كان له ابن عم يرثه معها؛ لأن النفوس مجبولة على رجحان البنت، وبالعكس يقبل؛ أي: أقر لابن عمه فيقبل لعدم التهمة.
والأَجْنَبِيُّ صَدِيقٌ مُلاطِفٌ، والْمَرِيضُ يُورَثُ كَلالَةً، وقِيلَ: يُقْبَلُ فِي الثُّلُثِ
الواو في قوله: (والْمَرِيضُ) للحال. والكلالة: الفريضة التي لا ولد فيها ولا والد، ولعل المصنف أراد هنا غير هذا؛ أعني: ما لا ولد فيها لما في وصايا المدونة، وإن أقر لصديق ملاطف؛ جاز إن ورثه ولد، أو ولد ولد، فإن ورثه أبوان أو زوجة وعصبة ونحوه لم يجز، فأبطل إقراره مع أن في الورثة أبوين، وهذا هو المشهور، والقول بأنه يقبل في الثلث ويبطل ما زاد عليه رواية. وعن ابن عبد الحكم: أن إقراره للصديق الملاطف
[ ٦ / ٤١٧ ]
لازم وإن كان يورث كلالة. أبو محمد: وهو خلاف قول مالك. وقال أحمد بن عيسى: أما الرجل الصالح الذي يعرف بالدين والصدق ولا يجهل ما في ذلك من الإثم؛ فإقراره لصديقه الملاطف جائز.
وألحق في البيان بالصديق الملاطف القريب غير الوارث، فقال: إقرار الزوجة على أربعة أوجه؛ إما أن يقول لوارث، وإما للقريب غير وارث، أو صديق ملاطف، وإما لأجنبي، وإما لمن لا يعرف من هو من هذه الثلاث، فالأول: إذا كان المقر له في القرب بمنزلة من لم يقر له أو أقر، فلا خلاف أنه لا يجوز. ابن المواز: إذا لم يكن لذلك وجه يدل على صدقه وإن لم يكن قاطعًا، إلا أن يكون المقر له عاقًا والذي لم يقر له بارًا له، ففي جوازه قولان، وإن كان المقر له أبعد، فلا خلاف أن إقراره جائز. واختلف إذا كان بعض من لم يقر له أقرب من المقر له وبعضهم بمنزلته، أو كان بعضهم أقرب وبعضهم أبعد منهم على قولين؛ فقيل: إنه يجوز. وقيل: لا يجوز. وأما إن أقر لقريب غير وارث أو صديق ملاطف؛ فالمشهور: أن إقراره جائز إن ورث بولد لا كلالة، وقيل بجوازه مطلقًا وهما قائمان من المدونة. وقيل: إن ورث بولد جاز من رأس المال، وإن ورث بكلالة فمن الثلث.
وأما الأجنبي فلا خلاف أن إقراره جائز، فإن طلب ولم يوجد تصدق به عنه كاللقطة، وأما إن أقر لمن لا يعرف؛ فإن كان يورث بولد جاز من رأس المال إن أوصى أن يصدق به عنه أو يوقف لهم، واختلف إن كان كلالة، فقيل: إن أوصى أن يوقف حتى يأتي طالبه جاز من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق عنه لم يجز لا من الثلث ولا من رأس المال. وقيل: أنه من الثلث وهو قائم من كتابة المدونة. وقيل: إن كان يسيرًا فمن رأس المال، وإن كان كثيرًا لم يجز مطلقًا. قال: وفي إقرار الزوج لزوجته بدين في المريض تفصيل.
[ ٦ / ٤١٨ ]
وحاصله: أنه لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يعلم منه ميل إليها. والثاني: أن يعلم منه البغض لها. والثالث: أن يجعل ذلك.
فإن علم الميل لم يجز إقراره إلا أن يجيزه الورثة، وإن علم منه البغض لها فإقراره لها جائز على الورثة، فإن جهل فوجهان؛ إن وكل كلالة [٥٦٣/أ] فلا يجوز إقراره لها، وإن ورث بولد فالولد لا يخلو أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا، صغارًا أو كبارًا، واحدًا أو عددًا منها أو من غيرها. فإن كان الولد أنثى يرثنه مع العصبة، سواء كن واحدة أو عددًا، صغارًا أو كبارًا من غيرها أو كبارًا منها.
فيتخرج ذلك عندي على قولين؛ أحدهما: أن إقراره لها جائز. والثاني: لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك بنتًا وعصبة، فإن كن صغارًا منها لم يجز إقراره لها اتفاقًا، وأما إن كان الولد ذكورًا وكان واحدًا؛ فإقراره لها جائز، فإن كان الولد عددًا فإقراره جائز، إلا أن يكون بعضهم صغيرًا منها وبعضهم كبيرًا منها أو من غيرها فلا يجوز إقراره لها، وإن كان الولد الكبير في الموضع الذي يرفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجته عاقًا؛ لم ترتفع عنه التهمة وبطل على ما في سماع أصبغ من العتبية وإحدى الروايتين في المدونة، وإن كان بعضهم عاقًا وبعضهم بارًا به خرج ذلك على ما ذكرته من الاختلاف في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة، وكذلك الحكم سواء في إقرار الزوجة لزوجها، ولا فرق أيضًا بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو بأنه قبض ما له عليه من دين.
الْمُقَرُّ لَهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدًَا أَوْ حَمْلًا
أي: يشترط فيه أن يكون أهلًا للاستحقاق، فلو قال: لهذا الحجر أو الفرس عليَّ ألف؛ بطل. وصح الإقرار للعبد أو الحمل؛ لأنهما أهلان لذلك.
[ ٦ / ٤١٩ ]
وَلَوْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلانَةٍ عَلَيَّ أَلْفٌ لَزِمَهُ؛ أَطْلَقَ أَوْ قَيَّدَ إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ مِنَ الإِقْرَارِ
يعني بـ (أَطْلَقَ) أن يقول: لحمل فلانة عليَّ ألف، وبالتقييد أن يقول من هبة أو صدقة، ولا إشكال إن قيد ذلك بوجه يصح للجنين كما ذكرنا، وأما إن قال: أقرضنيها، فقال سحنون: يلزمه أيضًا ويعد ذلك منه ندمًا. وقال ابن عبد الحكم: إذا قال من كراء هذا الجنان والفدان، وخرج عدم اللزوم إذا أطلق ما في الموازية في القائل لك: عليَّ مائة أو على فلان؛ فلا يلزمه لعدم تحقق عمارة الذمة.
محمد: إلا أن يقول: عليَّ أو على ابن شهر؛ فتلزمه لكون ابن شهر لا يصح أن يملك ولا أن يكتسب. فإذا رأى محمد أن التردد بين الرجلين يبطل الإقرار، وأن التردد بينه وبين صبي بخلاف ذلك، وأنه كالقائل: لفلان على العبد درهم، أو عند هذا الحجر؛ دل على أن محمدًا يبطل الإقرار لابن شهر، وإذا بطل لابن شهر فالحمل أولى، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن محمدًا إنما صحح هذا الإقرار في قوله: لك عليَّ أو على ابن شهر، لأنه إقرار على ابن شهر، وابن شهر يبعد في العادة أن يكون عليه ألف، بخلاف الإقرار فإنه يصح أن يملك ولا يمكن أن يخالف فيه.
وخرج بعضهم أيضًا البطلان في التقييد بما لا يصح أن يصدر من الحمل من أحد القولين، فيمن علق طلاق امرأته على مشيئة الحجر؛ إذ لا يلزمه، ولا يعد ذلك ندمًا؛ لأن الحجر لا يقبل المشيئة أصلًا بخلاف الطفل.
وقوله: (إِنْ وضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) هو شرط في لزوم الإقرار للحمل؛ لأنه حينئذٍ تبين أنه كان موجودًا، ولهذا قال:
[ ٦ / ٤٢٠ ]
وَإِنْ وضَعَتْهُ لأَكْثَرَ وهِيَ تُوطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ لَزِمَ لأَرْبَعِ سِنِينَ
ولو قال: فإن وضعته لستة، لكان أحسن؛ لأن حكمها حكم الأكثر في اللعان وغيره، فإنما لم يلزمه إذا كانت موطوءة؛ لاحتمال أن تكون إنما حملت بعد الإقرار، وأما إن لم تكن موطوءة، فإنه يلزم لأربع سنين، هكذ في كتاب ابن سحنون، ولعل المصنف اقتصر على الأربع لكونها المنصوصة، وإلا فالجاري على المشهور كما قدمه خمس، ولو قال: لدون أقصى أمد الحمل لأجاد لشموله، وفهم من كلامه أنها لو وضعته لأكثر من مدة الحمل أنه لا يكون للمولود شيء، ولا شك في ذلك.
ولَوْ وضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ فَلَهُمَا، أَوْ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا
تصوره واضح ولم يكن للميت شيء؛ لأنه لا يصح تملكه، وهذا إذا وضعته ميتًا، وأما إن وضعته حيًا ثم مات فلورثته، وقوله: (فَلَهُمَا) أي: على التسوية، ولا إشكال في هذا إن وضعته ذكرين أو أنثيين، وأما إن وضعته ذكرًا وأنثى، فإن أقر بوجه لا يقتضي تفضيل الذكر على الأنثى فكذلك، وأما لو قال: لحمل فلانة عندي ألف من دين أبيه؛ فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، قاله ابن سحنون وقاله ابن عبد الحكم، إذا قال: هذه الدار لحمل فلانة ملكًا عن أخ شقيق، وإن كانت المرأة زوجته فلها الثمن من ذلك، وإن قال: عن أخ لأم فهو بينهما نصفان، والثالث يقسم المال على ثلاثة فيأخذ كل واحد منهما جزءًا من الجزء الثالث؛ يدعي الذكر كله وتدعي الأنثى نصفه، فقد سلمت نصفه للذكر يأخذه ويبقى نصفه ويقسم بينهما لتداعيهما فيه، فيكون للذكر سبعة من اثني عشر وللأنثى خمسة، قال: وبالأول أقول، قال: وإن قال هو ميراث لهما عن بعض قرابتهما؛ كان بينهما نصفين إن مات المقر، ويصح عندنا الإقرار للمجنون كالحمل بل هو أولى.
[ ٦ / ٤٢١ ]
ولو أَكْذَبَ الْمُقَرُّ لَهُ لَبَطَلَ، ولا رُجُوعَ لَهُ إِلا بِإِقْرَارٍ ثَانٍ
يعني: أن من شرط إعمال الإقرار أن يصدقه المقر له؛ إذ لا يدخل ملك المقر في ملك أحد جبرًا ما عدا الميراث، ونظيرتها المسألة التي قدمها المصنف في باب النكاح. قال، لو قال: تزوجتك فأنكرت، ثم قالت: نعم فأنكر؛ فليس بإقرار، لأن من شرط صحة الإقرار أن يتفق المقر والمقر له في تصديق كل واحد منهما صاحبه في وقت واحد.
الْمُقَرُّ بِهِ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ
كما لو قال: عندي شيء، فيقبل تفسيره كما سيأتي.
ومَنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَثَالِثُهَا: إِنْ رُدَّتْ شَهَادَتَهُ بِجُرْحَةٍ لَمْ يُعْتَقْ.
اعلم أنه يشترط في إعمال الإقرار أن يكون المقَرُّ به في يد المقر، ولذلك لو أقر بعبد في يد زيد أنه لعمرو لم يقبل إقراره على من هو في [٥٦٣/ب] يده، وعطف المصنف الشهادة على الإقرار؛ لأن الشهادة إنما تكون عند الحاكم.
وقوله: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) لا يريد خصوصية الشراء، بل وكذلك لو ملكه بأي وجه كان؛ كهبة، أو صدقة، أو إرث، وحكى ثلاثة أقوال، القول الثالث لا يتأتي في مسألة الإقرار، والقول بعتقه عليه في القضاء والفتيا هو المشهور؛ لأنه معترف بكلامه أنه لا يقبل الملك، والقول بعدم عتقه لأشهب وعبد الملك؛ لأن إقراره على ملك غيره باطل. أشهب: بشرط أن يحلف، وأما إن نكل فإنه يعتق عليه.
ابن عبد السلام: وعلى هذا فيشترط ألا يتمادى على قوله الأول، وأما إن تمادى عليه فيعتق.
الثالث للمغيرة خاص بمسألة الشهادة: إن ردت شهادة الشاهد بجرحة لم يعتق عليه، وإن ردت لغير ذلك؛ لأنه انفرد بما شهد عتق عليه، لأن الشهادة كلما ردت بجرحة
[ ٦ / ٤٢٢ ]
بطلت فلم يؤثر في العتق، يريد: بشرط ألا يتمادى على إقراره. وحكى ابن عبد السلام في باب الأقضية قوله: بأنه لا يعتق ولو تمادى على إقراره.
فرعان؛ أولهما لابن القاسم في العتبية: فيمن أخبر عن رجل أن أعتق عبده، فإن أخبر أنه علم ذلك منه وسمعه أعتقه، ليس بخبر غيره رأيت أن يعتق عليه، قال في البيان: وهو تفسير المدونة. الثاني: إذا فرعنا على المشهور فولاؤه عند ابن القاسم للذي أخبر عنه أنه أعتقه، وقال أشهب المغيرة: للذي عتق عليه.
الصِّيغَةُ: لَكَ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَخَذْتُ مِنْكَ
هذا ظاهر، واعلم أن الإمام قل أن يوجد له نص في مسائل الإقرار، فلذلك تجد أكثر مسائله مشكلة كما سيظهر لك.
وَمِثْلُهُ: وهَبْتَهُ لِي، أَوْ بِعْتَهُ مِنِّي
يعني: أن الألفاظ الأولى تجري مجرى الصريح، وهذه تدل على ثبوت الحق لزومًا، فقوله: (وَمِثْلُهُ) في ثبوت الحق. (وهَبْتَهُ لِي) لأنه أقر له بالملك وادعى عليه، نعم يحلف للمقر له أنه لم يبع بالاتفاق، وفي توجيه اليمين عليه أنه لم يبع قولان.
ولَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: سَاهِلْنِي فِيهَا وشِبْهِهِ فَإِقْرَارٌ
هكذا قال ابن عبد الحكم، وكذلك عنده إذا قال: انتزعتها مني، ولو قال: والله لأقضينكما اليوم، أو قال: لا أعطيكما، وقال: لا إنها لك. وقال: لا تأخذ اليوم مني فإقرار.
وحَتَّى يَاتِيَ وَكِيلِي وشِبْهُهُ، قَوْلانِ.
اللزوم لابن سحنون، ومقابله لابن عبد الحكم.
[ ٦ / ٤٢٣ ]
ابن سحنون: ولو قال حتى يدخل علي من فائدة أو ربح، أو حتى يقدم مالي أو غلامي، أو حتى يأتي وكيلي، أو يقضي غريمي؛ فهو إقرار. وقال ابن عبد الحكم: اتزن أو اجلس، فانتقد أو زن لنفسك، أو حتى يأتي وكيلي يزن لك؛ فليس بإقرار، حلف كما قال: حتى يأتي وكيلي أو غلامي الذي فكها منك؛ فهو إقرار منه أو الوكيل أو الغلام قبضها وليس بإقرار منه أنها عليه، وقد يقول: حتى يأتي وكيلي أو غلامي فاسأله، ومنشأ الخلاف هل ذلك وعد بالقضاء أو كالاستهزاء.
ابن عبد السلام: والأظهر من جهة اللغة قول ابن عبد الحكم، ومن جهة العرف قول سحنون.
ولَوْ قَالَ: مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَاخُذُهَا، مَا أَبْعَدَكَ مِنْهَا وشِبْهَهُ؛ لِمْ يَلْزَمْهُ
لأن كلامه ظاهر في الاستهزاء. ابن عبد السلام: وكذلك إذا أجاب بقوله: ما أبعدك منها وحده.
ولَوْ قَالَ: ألَيْسَ لِي عِنْدَكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: بَلَى أَوْ نَعَمْ لَزِمَهُ
فإن كلامه في (بَلَى) ظاهر؛ لأنها توجب النفي. وأما (نَعَمْ) فإنما ألزم بها قضاء على عرف الناس، وإما على مقتضى اللغة على المذهب الصحيح؛ لأنها تقرن ما قبلها من النفي أو غيره، ولهذا قال ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا: نعم لكفروا؛ أي: لأنهم قالوا لست بربنا، وينبغي إذا صدر نعم من عارف باللغة ألا يلزمه شيء، ولبعض النحويين أن (نَعَمْ) كـ (بَلَى)، قال في كتاب ابن سحنون، ومن قال لرجل: أليس قد أقرضتني أمس ألف درهم، فقال الطالب: بلى أو نعم، فجحد المقر بالمال يلزمه، ولو قال: أما أقرضتني، أو قال: ألم تقرضني، فهو سواء يلزمه إذا ادعى الطالب المال، وهذا نحو ما ذكره المصنف، لكن قاله ابن عبد الحكم: يحلف المقر ولا يلزمه شيء، وإنما سأله لاستفهام ما عنده من العلم، فليس قوله: أليس بإقرار، وكذلك قوله: ألم تقرضني كذا؟
[ ٦ / ٤٢٤ ]
خليل: وهذا موافق لقول أكثر النحويين، فإن ابن عبد الحكم ساوى بين الجواب ببلى ونعم، وحمل الكلام على الاستفهام كما ذكر لا على أنه أقر، حتى ينظر في جواب المقر هل وافق على ذلك الإقرار، أم لا.
ابن عبد الحكم، وابن المواز: وأما إن قال: لا أوفيك العشرة الدراهم التي لك عليَّ، فقال: لا؛ فهو إقرار ويغرم العشرة. قال: وإنما استفهم ذلك الإقرار في القضاء.
الْمُجْمَلَةُ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وإِنْ قَلَّ
لأن شيئًا أنكر النكرات فيصح أن يفسر بكل شيء، وإن خالفه المقر له حلف على رد دعواه. وفي كتاب ابن سحنون: فيمن أقر أنه غصب فلانًا شيئًا ولم يبينه، ثم قال: هو كذا، وقال الطالب: هو كذا ولم يقل شيئًا؛ القول قول الغاصب فيما ذكر مع يمينه، وإن ادعى الطالب غيره؛ فإن نكل الغاصب فالقول قول الطالب مع يمينه، فإن أبى المقر أن يسمي شيئًا جبر أن يسمى ما أقر به، وإلا سجن حتى يذكر شيئًا وإن طال قوله، وقيل: هكذا وقع في بعض النسخ وهو صحيح؛ لأن هذا منسوب لابن الماجشون، وفي بعضها، وقالوا: ولعل ذلك من المصنف إشارة إلى تخريج الخلاف في كل من المسألتين، والفرق بينهما؛ أن عرف الناس في قولهم: له عندي مائة وشيء أنها مائة كاملة، بخلاف ما إذا أقر بشيء مفردًا.
ابن شاس - بعد أن ذكر كلامًا عن ابن الماجشون -: ولو قال: مائة وشيء؛ اقتصر على المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى [٥٦٤/أ] تقدير، كرد الشيء المستثنى فيبطل؛ إذ هو شيء لا مخرج له.
ابن راشد: وحكى غيره عن ابن الماجشون أنه قال: إذا أقر في مرضه بعشرة دنانير وشيء ثم مات ولم يُسأّلْ؛ أن الشيء يسقط لأنه مجهول ويلزم ما سمى، وكذلك لو شهدت بينة
[ ٦ / ٤٢٥ ]
بذلك على رجل ولم يعرف كم الشيء؛ فيسقط الشيء وثبت العدد. فقوله: ثم مات ولم يُسأَل. يقتضي أنه لو عاش سئل، ومقتضى ما حكاه ابن شاس أنه لا يُسْأَل. انتهى.
ولَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوِ الأَرْضِ أَوِ الْحَائِطِ حَقٌّ وفَسَّرَهُ بِجِذْعٍ أَوْ بَابٍ مُرَكَّبٍ، فَثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ وفِي
القولان الأولان لسحنون، فإنه يقول أولًا يقبل ذلك منه، ثم رجع إلى أنه لا يقبل، والثالث لابن عبد الحكم: إن قال: (مِنْ) لم يقبل منه ما ذكر، ورأى أن (مِنْ) للتبعيض، ورأى كونها لابتداء الغاية أو غير ذلك بعيد، أو إن قال: (فِي) قبل منه ذلك؛ لأنها تقتضي الظرفية، فظاهره أن الحق في الدار لا من الدار، وظاهر ما في النوادر أن الخلاف إنما هو في (فِي) وأم (مَنْ) فلا يقبل منه إلا أن يقر بشيء من رقبة الدار، وقاله ابن رشد، وأما إن لم يقيد بالدار بل قال: لك عليَّ حق، فهو مثل قوله: لك عليَّ شيء، فلو فسره بأن قال: أردت حق الإسلام؛ ففي كتاب ابن سحنون: لا يصدق. ولا بد أن يقر بشيء له ويحلف على نفي دعوى الطالب إن ادعى أكثر منه، قال: وكان سحنون ينظر فيه على نحو ما ينزل مما يتكلمان فيه، وإن كانا تنازعا في ذلك المال أخذناه بذلك، وإن تنازعا فيما يجب لبعض على بعض من حق وحرمة لم يؤخذ هذا المال.
ولَهُ عَلَىَّ مَالٌ. قِيلَ: نِصَابٌ. وقِيلَ: رُبُعُ دِينَارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ
الأول هو المشهور في المذهب وهو منسوب لابن وهب، وقوله: (نِصَابٌ) أي: عشرين دينارًا من الذهب ومائتا درهم من الورق، ومثله لابن المواز فيمن أوصى أن لفلان عنده مالًا. والقول الثاني لابن القصار، وذكر أنه لا نص لمالك في ذلك، وأن ذلك هو الذي يوجبه النظر عنده على مذهب مالك. والقول الثالث في كتاب ابن سحنون وهو اختيار الأبهري.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ. وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ
قال الأبهري، إذا قال له: علي مال عظيم أو نفيس؛ فهو مثل قوله: عليَّ مال، فيقبل تفسيره. وقال غيره: يلزمه ثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وقاله سحنون وغيره، وهذا معنى قوله: (ومَالٌ عَظِيمٌ كَذَلِكَ).
وقوله: (وقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ. وقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ) أي: هذان القولان زائدان على الثلاثة المتقدمة في المسألة السابقة، وفي عد المصنف لهما قولين نظرٌ؛ لأن ابن شاس وغيره ذكروا أن عبد الوهاب رأى أنهما وجهان تحتملهما المسألة فقط، على أن هذا كله استحسان.
ولَهُ كَذَا مِثْلُ شَيْءٍ
أي: فيقبل تفسيره، وقد تقدم أن (شيئًا) أنكر النكرات عند النحويين فيكون أنكر من كذا.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر كلام الفقهاء فـ (شيء) يقبل التفسير بأجزاء المتملكات، وكذا لا يفسر بالأجزاء وإنما يفسر بالواحد الكامل.
فَأمَا كَذَا دِرْهَمًا فَعِشْرُونَ
لأنه إنما يميز بالواحد المنصوب من العشرين إلى التسعين، فأثبت المحقق وألغى المشكوك؛ لأن الأصل براءة الذمة، لكن يحلف عليه إن ادعى المقر له أكثر.
وكَذَا كَذَا دِرْهَمًا أَحَدَ عَشَرَ
لأنه كناية عن المركب، وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر.
[ ٦ / ٤٢٧ ]
وكَذَا وكَذَا أَحَدٌ وعِشْرُونَ
لأن المعطوف في العدد غير المركب من أحد وعشرين إلى تسع وتسعين، وعلى هذا لو قال: كذا درهم؛ للزمه مائة، لأنها أول عده يضاف إلى المركب، ولو قال: كذا درهم لزمته ثلاثة، وما ذكره المصنف هو قول ابن عبد الحكم، وهو جار على مقتضى اللغة، وينبغي هنا أن يرجع إلى العرف ولهذا قال:
وقَالَ سُحْنُونٌ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، ويُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ، ولَهُ خِمْسُونَ ونَيِّفٌ فَقِيلَ فَتَفْسِيرُهُ. وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وقِيلَ: ثُلُثُ الأَوَّلِ
تفسيره: يقبل تبيينه ولو بجز من واحد، وهو قول ابن شعبان، والقولان الآخران حكاهما في النوادر ولم يعزهما.
ابن عبد السلام: إن أقربهما إلى اللغة الثاني.
الجوهري: النيف الزيادة يخفف ويشدد وأصله من النواف، يقال: عشرة ونيف، ومائة ونيف، وكلما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني، قال: وهذا يدل على فساد القول الثالث؛ لأن ثلث الخمسين يزيد على الستين.
ابن عبد السلام: وقد يقال هذا إنما يرجع إلى الأول؛ لأنه إنما قال: النيف لمطلق الزيادة لا يقيد كونها ثلاثة، وينبغي أن يعول على العرف إن كان وإلا فعلى اللغة.
وفِي أَلْفٍ ودِرْهَمٍ وشِبْهِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَلْفٍ وَوَصِيفٍ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ، وإِلا فَمَعْطُوفُهَا
يعني: اختلف إذا ذكر عددًا مبهمًا ثم عطف عليه عددًا مفسرًا، هل يكون المعطوف مفسرًا للمعطوف عليه أولًا فيقبل تفسيره في المعطوف عليه، أو يفرق؟ فإن كان المعطوف جرت العادة بالتعامل به كالدرهم والفلس والبيضة والجوزة؛ كان مفسرًا للمعطوف
[ ٦ / ٤٢٨ ]
عليه أولًا كوصيف وكتاب، فيقبل تفسيره مطلقًا لابن القصار، ولا أعلم صاحب مقابله، وفي إشكال في مثل ألف ووصيف، والثالث في كتاب ابن سحنون.
وَالْوَصِيَّةُ بَجُلِّ الْمائِةِ وقُرْبِهَا ونَحْوِهَا. قِيلَ: الثُّلُثَانِ فَمَا فَوْقَهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وقِيلَ: الثُّلُثَانِ. وقِيلَ: خَمْسُونَ.
الأول نقل سحنون أن عليه أكثر الأصحاب. قال، وقال بعضهم: يلزمه ثلثا المائة، وقال آخرون: يلزمه النصف وشيء، وذلك أحد وخمسون وفيه بعد؛ إذ لا يستعمل في العرف جل المائة وقربها ونحوها في أحد وخمسين.
وقَالُوا فِي مِائَةٍ إِلا قَلِيلًا، وإِلا شَيْئًا كَذَلِكَ
أي: قال القائلون [٥٦٤/ب] الثلاثة في المسألة السابقة هنا كذلك، وكذلك النقل، ويحتمل عدها على أهل المذهب، وهذه المسألة نص عليها سحنون في الوصية وجعلها مع الأولى مسألة واحدة، فإن قيل: فلم قال المصنف قالوا ومن عادته ألا يفعل ذلك إلا للإشكال؟ قيل: لأنه رآها بخلاف ما بعدها، وهو قوله:
وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ بِمائِةٍ إِلا شَيْئًا لَزِمَهُ أَحَدٌ وتِسْعُونَ، وفِي عَشَرَةِ آلافٍ إِلا شَيْئًا تِسْعَةُ آلاف ومِائَةٌ
ولعله أشار إلى تخريج الأقوال السابقة، وتخريج هذا القول في المسألة السابقة، ويحتمل أن يكون أشار إلى ضعف ما أشار إليه ابن شاس وغيره؛ لأنهم أتوا بالمسألتين السابقتين في باب الإقرار، فيفهم من ذلك أنهم رأوا أن باب الإقرار مساو لباب الوصية، وإلا لما أتوا بالمسألتين في باب الإقرار. أشار المصنف إلى ضعف هذا وأنه لا ينبغي أن يخرج من أحدهما في الأخرى؛ لأنهم قضوا في الوصية بمائة إلا شيئًا على حكم آخر، وفي هذا بعد، وفي قوله: (وَقَالُوا: لَوْ أَقَرَّ إلخ) نظر؛ لأن كلامه يقتضي أن أهل المذهب كلهم أو أكثرهم قالوا هذا، إنما هو لابن الماجشون.
[ ٦ / ٤٢٩ ]
ابن عبد السلام: ولا نعلمه لغيره، وهو مبني على مذهبه أنه لا يجوز استثناء الصحيح من العدد، وإنما يجوز استثناء الكسر، فلا تجوز عنده: له عليَّ عشرة إلا درهم. وإنما يجوز إلا نصف درهم وشبهه، ولا يجوز مائة إلا عشرة؛ لأن العشرة آحاد المائة، فلذلك لزمه أحد وتسعون اكتفاء بمطلق القلة عن عشرة، وكذلك لا يجوز عنده عشرة آلاف إلا ألف؛ لأن نسبة الألف إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة، ولذلك لزمه تسعة آلاف ومائة.
ودِرْهَمٍ عَلَى التعَامَلِ بِهِ عُرْفًا ولَوْ مَغْشُوشَةً، وإِلا فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ مِنَ الْفِضَّةِ
وإن لم يكن عرفٌ فيحمل على الدرهم الشرعي، وهو معنى قوله: (فَزِنَةُ سَبْعَةِ أَعْشَارِ دِينَارٍ) أي: على ما تقدم في باب الزكاة، وينبغي إن كان في البلد دراهم مختلفة الوزن والجودة أن يحمل كلام المقر على أقلها وزنًا وصفةً، فإن خالفه المقر له حلف كما تقدم، وينبغي أن يقيد ما ذكره من إلزامه الدرهم الشرعي إذا لم يكن عرف بما إذا كان تكلم بمتعدد فالدرهم الشرعي.
فَلَوْ فَسَّرَ مُتَّصِلًا قُبِلَ
أي: إذا قال متصلًا ناقصًا أو مغشوشًا قبل ذلك منه، ولا يقبل إذا كان غير متصل، وهكذا قال ابن المواز، وهو صحيح إن فسرها بما يقبله الكلام على بعد، وأما إن قال: ردهم رصاص وشبهه لم يقبل، وصرح في الجواهر بأنه لا يقبل تفسيره في الفلوس؛ أي: سواء كان متصلًا أم لا.
ابن عبد السلام: ولعل مراد المؤلف أن المقر لم يبين الوجه الذي تعلقت به الدراهم في الذمة، وأما لو أقر بأنها تقررت من بيع وخالف في ذلك المقر له؛ لرجع الحكم فيها إلى ما تقدم من اختلاف المتبايعين، ولو قال: من فرض. فإن أقر بما يقرضه الناس غالبًا قبل منه، وإن أقر بما لا يقرضه الناس غالبًا، فقال سحنون: اختلف أصحابنا فيمن أقر بفلوس،
[ ٦ / ٤٣٠ ]
وقيدها بأنها الفلوس الكاسدة وأنها من قرض. قال بعضهم: يقبل. وقال بعضهم: لا يقبل. ولو وصل إقراره بقوله أنها وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف أو بهارج لقبل ذلك منه، بخلاف أن لو كان ذلك من غصب أو قرض، وذكر ابن عبد الحكم فيمن أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة. فإنه اختلف قول ابن القاسم هل يقبل ذلك منه، أم لا.
ودَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ: تِسْعَةٌ. وقِيلَ: مِائَتَانِ
الأول لابن عبد الحكم، ووجهه: أنه قال دراهم، فلزمه ثلاثة حملًا على أقل الجمع؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد فزيد لأجل الكثرة درهم؛ لأن ما زاد على ذلك مشكوك فيه، ويفهم من هذا أن ابن عبد الحكم يوافق مالكًا في لزوم ثلاثة في قوله: عندي دراهم. ومخالف لابن الماجشون في قوله أنه لا يلزمه إلا درهمان، بناءً على أن أقل الجمع اثنان. قوله: (وَقِيلَ: تِسْعَةٌ) لأن ذلك تضعيف لأقل الجمع ثلاث مرات. وقيل: مائتان؛ لأنهما نصاب الزكاة، وفي هذين ضعف.
ابن راشد: وقيل: يلزمه خمسة؛ لأن الأعداد منها قليل وكثير، ولا قليل ولا كثير، والقليل ثلاثة، ولا قليلًا ولا كثيرًا أربعة. وقال عبد الوهاب في المعونة: تلزمه ثلاثة لأنه أقل الجمع، وهي كثيرة بالنسبة إلى الإثنين.
ولا قَلِيلَةٌ ولا كَثِيرَةٌ أَرْبَعَةٌ
هكذا نص عليه ابن عبد الحكم، ولعله كالمخالف لقوله في التي قبلها، وهذا كله استحسان.
[ ٦ / ٤٣١ ]
وَمِنْ واحِدٍ إِلَى عَشْرَةٍ. قِيْلَ: تِسْعَةٌ. وَقِيْلَ: عَشْرَةٌ
لا شك في دخول الدرهم الأول، فالقولان في الدرهم العاشر مبنيان على أن ما بعد (إِلَى) هل يدخل أم لا؟ وقد اختلف أهل اللغة في ذلك، ولذلك اختلف الفقهاء في المرفقين وغيرهما.
ومَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ. قَالَ سُحْنُونٌ: عَشَرَةٌ مَرَّةً، وتِسْعَةٌ مَرَّةً، وثَمَانِيَةٌ مَرَّةً
حقيقة الكلام تمنع الدرهم الأول من الدخول، وقولان في الدرهم العاشر كالقولين في الفرع السابق، ويرى من ألزمه الدرهم الأول أن العرف يقتضي ذلك.
وعَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ. قِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِائَةٌ
الأول أقرب إلى عرف العامة، والثاني لسحنون وهو الجاري على اصطلاح الحساب، ولو فرق بين أهل الحساب وغيرهم لكان حسنًا.
بِخِلافِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وبِخِلافِ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ فَإِنَّهَا عَشَرَةٌ فِيهِمَا
لأن ضرب الحساب هنا لا يتأتى؛ لاختلاف الجنس، فيكون المعنى: له عندي عشرة دراهم ووعاؤها عشرة دنانير.
ابن عبد السلام: وهذا هو الذي يعطيه كلام المؤلف لتعقبه بالكلام على الوعاء.
وثوبٍ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ فِي مِنْدِيلٍ، فِي لُزُومِ ظَرْفِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا قال له عندي ثوب في صندوق أو في منديل ونحو ذلك، فلا خلاف في لزوم الثوب، واختلف في الظرف، فقال سحنون عن [٥٦٥/أ] أبيه فيمن قال: غصبت فلانًا ثوبًا في منديل، يأخذه بثوب ومنديل ويكون مصدقًا في صفتهما، وكذلك عشرة أثواب في عيبة. وقال ابن عبد الحكم: لا يلزمه المنديل ولا العيبة.
[ ٦ / ٤٣٢ ]
قال في النوادر، ولو قال: غصبتك ثوبًا في ثوب لزمه ثوبان، وكذلك عشرة في ثوب لزمه أحد عشر، بخلاف ثوب في عشرة، فإن العرف أن الثوب يكون وعاء لمثله ويكون وعاء العشرة، ولا يكون الثوب في عشرة أثواب. قال: وفي المسألة قولان - أي: في ثوب في عشرة أثواب - أحدهما: لا يلزمه إلا ثوب. والثاني: يلزمه أحد عشر. انتهى بمعناه.
بِخِلافِ زَيْتٍ فِي جَرَّةٍ
ظاهره أنه يتفق هنا على لزوم الجرة، والفرق بينه وبين الأول؛ أن الزيت يفتقر إلى الجرة، بخلاف ما تقدم وليس كذلك، فإنه حكى في النوادر الاختلاف هنا عمن حكى عنه الخلاف في المسألة السابقة.
وجُبَّةٍ بِطَانَتُهَا لِي، وخَاتَمِ فَضَّةٍ لِي نَسَقًا يُقْبَلُ
هذا إذا كان إقراره مجردًا عن الغصب، وأما إن قال: غصبته هذا الخاتم وفصه لي. فقال أشهب، وابن سحنون: هذا مثل الإقرار المجرد. وقال ابن عبد الحكم: الفص للمقر له، ولو قال: لا أعلم، لحلف ما علم ذلك وكان له الفص.
واحترز بقوله: (نَسَقًا) مما إن ذكر ذلك بعد مهلة فإنه لم يسمع منه، وحكى ابن المواز عن ابن عبد الحكم ووافقه في القائل في باب: هذه خشب، هذا الباب لفلان ومساميره لي، أو خشبه لي ومساميره لفلان، فهو كما قال ويكونان شريكين بمقدار المسامير من الخشب.
ابن المواز: وإن قال: هذا الباب لفلان ومساميره لي. فقال أشهب: هو كما قال، وكأنه عندنا ليس باستثناء من ابن عبد الحكم، وأنا أرى أن الباب كله للمقر له وليس باستثناء.
[ ٦ / ٤٣٣ ]
وَلَوْ أَشْهَدَ فِي ذِكْرٍ بِمِائَةٍ، وفِي آخَرَ بِمِائَةٍ فَآخِرُ قَوْلَيْهِ مِائَةٌ
يعني: إذا أقر على نفسه في وثيقة، وهي معنى قوله (فِي ذِكْرٍ) أن لفلان عليَّ مائة ولم يذكر سببها، ثم أشهد في وثيقة أخرى بمائة، فآخر قولي مالك: إنما تلزمه مائة؛ لاحتمال أن تكون المائة الأولى من الثانية، ويحلف المقر على ذلك. ورأى في القول الآخر أن الغالب أنه إنما اشهد في الذكر الآخر بحق آخر.
سحنون: واتفق الأصحاب جميعًا أنه إذا أقر له بمائة بعد المائة فلا يلزمه إلا بمائة؛ أي: بخلاف الإشهاد أما لو ذكر السبب وكان السببان مختلفين؛ لزمه مائتان بلا إشكال.
ابن عبد السلام: وكذلك عندي إذا كان الإقرار مجردًا، غير أن إحدى المائتين حالة والأخرى مؤجلة وتاريخها بعد تاريخ الأولى.
وبِمِائَةٍ وبِمِائَتَيْنِ فِي مَوْطِنَيْنِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الأَكْثَرُ أَوَّلًا لَزِمَتْ ثَلاثُمِائَةٍ
يعني: إذا أقر بمائة في موطن ثم أقر بمائتين أو تقدم الإقرار بالمائتين، فقال محمد: يلزمه ثلاثمائة نظرًا إلى اختلاف المالين. وقال ابن سحنون: اضطراب قول مالك في هذا، وآخر قوليه أن يحلف المقر ما ذاك إلا مال واحد، ثم لا يلزمه إلا مائتان، وبه أخذ ابن عبد الحكم وابن سحنون، ونقل ابن حبيب عن أصبغ التفرقة، فإن أقر بالأقل أولًا صدق المقر؛ لأن الأقل دخل في الأكثر، وإن أقر بالأكثر فهما مالان؛ عادة الناس إذا تقدم الأقل ثم زادوا عليه أن يجمعوه مع الأقل، بخلاف ما إذا تقدم الأكثر، ولهذه المسألة والتي قبلها شبه بتكرر الوصية.
تَعَقَّبَهُ بِالرَّافِعِ
أي: تعقب الإقرار بما يتوهم أنه رافع.
[ ٦ / ٤٣٤ ]
فقَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ وشِبْهِهِ فَأَنْكَرَ لَزِمَهُ، بِخِلافِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ خَمْرًا بِأَلْفٍ
لأن قوله: عليَّ ألف، إقرار منه بألف. وقوله بعد ذلك: إنها من ثمن خمر أو ميتة أو شيء لا يصلح بيعه يعد ندمًا، ولذلك إذا أنكر لزمه الألف.
ابن عبد السلام: وهذا صحيح على قول من يبعض كلام المقر من أصحابنا، وأما من لا يبعضه فالأقرب أنه لا يلزمه شيء؛ لأن أول الكلام مرتبط بآخره.
وقوله: (بِخِلافِ إلخ) أي: فلا يلزمه شيء؛ لأنه هنا لم يقر بشيء في ذمته.
وكَذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ
أي: وكذلك تلزمه الألف؛ لأن قوله: (ولَمْ أَقْبِضْهُ) يعد ندمًا كالأول، وهذا قول ابن القاسم وسحنون وغيرهما.
ابن شاس: وقيل: القول قوله وعلى البائع البينة أنه سلم العبد إليه.
بَخِلافِ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ
أي: فلا يلزمه شيء؛ لأن قوله: (اشْتَرَيْتُهُ) لا يوجب عمارة الذمة، إلا بشرط القبض في البيع فهو لم يقر به، وفيه بحث لا يخفى عليه.
وعَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ حَرِيرٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِبًا؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ
هكذا وقع في بعض النسخ حرير، وكذلك وقع في نسخة ابن راشد وابن شاس وهو الصواب، وما وقع في بعض النسخ خنزير فليس بصحيح؛ لقوله: (ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رِبًا؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ) إذ هو حرام من أصله، ومعنى كلامه: إذا أقر لفلان أن له عليه ألف درهم. قال في الجواهر: ثم أقام بينة أنه ربا. وقال سحنون: تقبل منه البينة أن ذلك ربا ويرد ذلك أصل رأس ماله وبالأول قال سحنون.
[ ٦ / ٤٣٥ ]
خليل: وعلى هذا فالمسألة على ثلاثة أوجه؛ إن لم يكن إلا دعواه أنه ربا؛ لم تقبل اتفاقًا. وإن أقام بينة على إقرار الطالب أن التبايع لم يقع بينهما إلا على الربا الذي ادعاه المقر؛ قبل باتفاق. وإن قالت: البينة نشهد أن له عليه ألفًا من ربا، وفي معناها أن تشهد على أن الطالب أقر أن عنده ألفًا من ربا، فالأصح عدم القبول خلافًا لابن سحنون. وصحح المصنف الأول؛ لأنه لا منافاة بين هذه الشهادة وبين ما ذكر المقر؛ لإمكان وقوع يتعين منهما اشترى منه حريرًا بألف في زمان واشترى منه بعد ذلك أو قبله من الأشرية الربوية بألف.
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ قَضَيْتُهُ) أي: لا تقبل بينته أنه ربا، كما لا يقبل منه دعوى القضاء في قوله: عليَّ ألف لفلان [٥٦٥/ب] قضيته.
بِخِلافِ إِقْرَارِ الْمُقَرِّ لَهُ
أي: بأنه ربا، ولا إشكال في هذا.
وأَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ يَلْزَمُهُ
هكذا نقل ابن سحنون عن جميع أصحابنا، ووجهه أنه لما لفظ بإقرار فقد علمنا أن الله شاء بحكمه، والقاعدة أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في غير اليمين بالله تعالى. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه شيء، وكأنه أدخل ما يوجب الشك، واختلف أيضًا في القائل: لك عليَّ ألف إن قضى الله تعالى ذلك، وإذا أراد الله، أو إن رضي الله، أو إن أحب الله ذلك، أو يسر الله ذلك، فألزمه سحنون ولم يلزمه ابن المواز.
وأَلْفٌ فِي عِلْمِي، أَوْ ظَنِّي وشِبْهِهِ قَوْلانِ
(وشِبْهِهِ) أي: فيما أظن، أو أعلم، أو أرى، أو في اعتقادي، أو فيما يحضرني، أو فيما أحسب، واللزوم لسحنون، وعدمه لابن عبد الحكم وابن المواز، وقاسا ذلك على الشهادة، فإن هذه الألفاظ تبطلها، بخلاف الإقرار.
[ ٦ / ٤٣٦ ]
وأَلْفٌ مُؤَجَّلٌ يُقْبَلُ قَولُهُ فِي تَاجِيلِ مِثْلِهَا عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ مُؤَجَّلَةٍ فِي الْقَرْضِ
يعني: أن من أقر بمال مؤجل، فإن كان من قرض لم يصدق وحلف المقر له إن أنكر الأجل؛ لأن الأصل فيه الحلول. وإن كان من بيع، فإن ادعى أجلًا مستنكرًا لم يصدق وحلف المقر له، وإن ادعى أجلًا لا يستنكر، فقولان؛ أحدهما وهو الذي قدمه ابن شاس وصححه المصنف: أنه لا يلزمه ما أقر به من التأجيل. والثاني حكاه ابن شعبان: أن المقر له يحلف وتكون الألف حالة؛ لأنه أقر بالألف وادعى التأجيل، ولعل منشأ الخلافِ الخلافَ في تبعيض الجمل.
وأَلْفٌ إِنْ حَلَفَ فَحَلَفَ، أَوْ شَهِدَ بِهَا فُلانٌ فَشَهِدَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ
لأن من حجته أن يقول: ظننت أنه لا يحلف إلا على الحق، ويقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق، وقد تبين لي خلاف ذلك، ويحلف المقر بعد ذلك لرد هذه الدعوى. ونقل ابن سحنون الاتفاق على ذلك، فقال: إن قال: لفلان عليَّ مائة دينار إن حلف، أو إذا حلف، أو حين يحلف، أو مع يمينه، أو في يمينه، أو بعد يمينه، فحلف فلان على ذلك ونلك المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف؛ فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، ولذلك قال محمد بن عبد الحكم: إذا قال لفلان عليَّ مائة إن حلف فيها، أو ادعاها، أو مهما حلف بالعتق أو الطلاق أو الصدقة، أو قال: إن حلف مطلقًا فلا شيء على المقر بهذا وإن حلف الطالب، وكذلك قال اشهد ذلك أو كان يعلم أنها له، أو قال: إن أعارني دابته فأعاره، أو قال: إن شهد بها فلان فشهد بها على المقر؛ فلا شيء على المقر في ذلك كله، وأما إن قال: إن حكم بها فلان لرجل سماه، فتحاكما إليه فحكم بها عليه يلزمه ذلك، ونص مالك في مسألة إن شهد فشهد أنه لا يلزمه، وقيده ابن القاسم بما إذا لم يكن عدلًا، وأما العدل فيقبل عليه، ونحوه في المجموعة، ولا بد من تقييد مسألة قوله: إن حلف بما إذا لم يكن
[ ٦ / ٤٣٧ ]
ذلك على طريق الدعوى، فإن قال ابتداء: له عليَّ كذا إن حلف، وأما إن ادعى عليه بألف مثلًا، فقال: احلف وخذها، فهذا يلزمه ولا رجوع له، نص عليه ابن يونس، وفي البيان: إن نازعه في شيء، فقال: إن شهد لك فلان. تحصيل المسألة: أنه إذا قال له ذلك على وجه التبكيت لصاحبه ولإبراء الشاهد عن الكذب، فلا اختلاف أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، وإن لم يقله على وجه ثلاثة أقوال:
أولها: لا يلزمه ما شهد به عليه، كان تحقق علم ما نازعه فيه خصمه أم لا، فلا يحكم به عليه مع شاهد آخر ومع يمين المدعي عليه، وهو قول ابن القاسم وابن سحنون وعيسى وأصبغ.
ثانيها: أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، كان تحقق ما نازعه فيه خصمه أم لا، ويؤخذ دون يمين المدعي، وهو قول مطرف.
ثالثها: أنه لا يلزمه إن كان لا يتحقق معرفة ما نازعه فيه خصمه ولا يلزمه إن كان تحقق ذلك، وهو قول ابن دينار وابن كنانة، واختار سحنون: سواء كان الشاهد في هذا عدلًا أو مسخوطًا أو نصرانيًا، وقد قيل لا يلزم؛ لأن محمل كلامه على التبكيت حتى يتبين منه الرضى بقوله، والتزام الحكم به على نفسه على كل حال في نازعه فيه من حد أو أرض أو ما أشبه ذلك محمول على التبكيت حتى يتبين غير التبكيت، ولا خلاف أن له الرجوع بقوله قبل أن يشهد. انتهى.
ابن عبد السلام: وتأمل ما حكاه سحنون وابن عبد الحكم في تعليل الإقرار على يمين المدعي مع قوله في المدونة عن مالك فيمن قال: احلف، حلف أن الحق الذي تدعيه حق وأنا ضامن ورجع، أنه لا ينفعه رجوعه، ويلزمه ذلك إن حلف الطالب، وإن مات كان ذلك في ماله ولم يجعله هبة غير مقبوضة؛ لأجل أنه أدخله في عهدة اليمين.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
خليل: وقد يقال مسألة المدونة خارجة عن هذا وهي من باب الإلزام المرتب على شرط.
المتيطي: ومن وجب عليه اليمين، فردها على من وجبت له، أو رضي أن يحلف صاحبه فلما جاء مقطع الحقوق رجع عن الرضى، فقد لزمه الرضى كان عند السلطان أو غيره.
أبو عمران: وهذا متفق عليه، بخلاف المدعى عليه يلتزم اليمين ثم يريد الرجوع عنها فذلك له؛ لأن إلزامه لا يكون أشد من إلزام الله تعالى. قال: وقد خالفني في ذلك ابن الكاتب ورأى أن ذلك يلزمه وليس له رد اليمين، والصواب ما قدمناه.
وهَذِهِ الشَّاةُ أَوْ هَذِهِ النَّاقَةُ؛ لَزِمَتْهُ الشَّاةُ وحَلَفَ عَلَى النَّاقَةِ
يعني: إذا حقق المقر وشك وحلف في المقر به، كما لو قال: هذه الشاة لفلان، أو هذه الناقة. فذكر سحنون أو ما قبل حرف الشك وهو الأول لازم ويحلف على ما بعده، وكذلك لو قال: علي مائة أو دينار، أو له عليَّ مائة أو كذا حنطة، وفيما قاله في هذه المسألة نظر لا يخفى عليك.
وغَصَبْتُ عَبْدًا مِنْ فُلانٍ لا بَلْ مِنْ فُلانٍ؛ فَهُوَ لِلأَوَّلِ ويُقْضَى لِلآخَرِ بِقِيمَتِهِ
يعني: فإن وقع الإقرار لشخص ثم [٥٦٦/أ] أضرب عن ذلك الشخص وأثبته لشخص أخر؛ فإنه يقضى به للأول لإقراره به وهو متهم على إخراجه عن المقر له أولا؛ فلذلك كان للأول، ومن حجة الثاني أيضًا أن يقول: أنت قد اعترفت بأنه لي بإضرابك عن الأول وقد ضيعته بإقرارك به للأول أولًا، فلذلك ألزم المقر قيمة المقر به للثاني إن كان مقومًا، أو مثله إن كان مثليًا، هكذا قال سحنون وغيره.
ابن عبد السلام: وهو المعروف. ابن القاسم في العتبية: ولا يمين عليه.
عيسى: إلا أن يدعيه الثاني، فإن ادعاه فله اليمين على الأول، فإن حلف فكما ذكرنا، وإن نكل المقر له أولًا حلف المقر له ثانيًا وكان العبد له ولم يكن على المقر شيء. قال في البيان:
[ ٦ / ٤٣٩ ]
وقول عيسى تفسير لقول ابن القاسم ويأتي على ما لسحنون في نوازله من كتاب الاستلحاق أنه لا شيء للمقر الثاني؛ لأنه إذا أقر له إنما أقر له بما قد استحقه الآخر لإقراره له به أولًا، وانظر هل يتخرج أيضًا فيها قول بأنه لا يكون للثاني إلا نصف القيمة من المسألة الآتية في كلام المصنف في الاستلحاق إذا قال الولد: هذا أخي لا بل هذا، فللأول النصف وللثاني نصف ما بقي، وقيل: جميعه.
وأشار ابن سحنون إلى مخالفة أشهب أيضًا في مسألة الغصب التي حكاها المصنف. قال: وقال أشهب قولًا أباه سحنون في القائل: غصبت هذا العبد من زيد من عمرو؛ أن العبد لزيد ويقضى لعمرو بقيمته، وقد اتفق سحنون وأشهب على أن من قال: غصبت هذا العبد من زيد من عمْر، أو عمر بل من خالد؛ أن العبد لزيد ويحلف إن شك فيه، ولم يعجب هذا سحنونًا؛ للإجماع فيمن قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمر بل من زيد؛ أنه يقضي بالعبد لزيد وعمر نصفين بينهما ويغرم لزيد نصف قيمة العبد إن أراد ذلك، يريد وإن أراد أن يغرم له قيمة العبد كله فذلك من حقه؛ لكونه لما قال: بل من زيد أضاف غصب الجميع إلى ملك زيد، فليس له أن يغصبه عبدًا كاملًا ويرد نصف عبد. قال: وهذا يدل على قول سحنون. ابن سحنون، وقرأت على سحنون قول أصبغ: لو قال مائة دينار عندي لزيد من دين أو تعدٍ أو وديعة بل هي لعمر، ولكل واحد منهما مائة، ولو كان ذلك في سعة، فقال: هذا العبد غصبته من زيد بل من عمر، فإن قال ذلك قبل أن يقبض زيد؛ كان العبد بين زيد وعمر، ولو قال: غصبت من زيد، ثم قال: بل من عمر وقد قبض زيد العبد، فإن العبد يكون لزيد ويغرم لعمر قيمته، فقال سحنون: أصاب إلا في العبد، فإن الحكم أن يكون العبد لزيد ويقضى لعمر بقيمته، سواء قال: بل هو لعمر بعد أن قبضه أو قبل أن يقبضه.
[ ٦ / ٤٤٠ ]
ولَكَ أَحَدُهُمَا لِثَوْبَيْنِ، لَهُ تَعْيينُهُ، فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ أَدْنَاهُمَا أَخَذَهُ وأَجْوَدَهُمَا بِيَمِينٍ، فَإِنْ قَالَ: لا أَدْري حَلَفَ الْمُقِرُّ، ثُمَّ حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ وكَانَا شَرِيكَيْنِ
يعني: وإن قال رجل لآخر: لك أحد هذين الثوبين أو العبدين فله؛ أي: فللمقر تعيينه، فإن عين الأعلى فلا كلام، وإن عين الأدنى ووافقه المقَرُّ له فكذلك، وإن خالفه حلف المقَرُّ له وأخذ الأعلى، ويبقى له الأدنى بتسليم المقَرُّ له.
ابن عبد السلام: وانظر هل ينتفع به انتفاعًا عوضًا عن قيمة الأعلى، فإن غفل عن ذلك حتى بيع الأدنى بأكثر من قيمة الأعلى يوم حلف المقر له وأخذه؛ فيكون الزائد من الثمن على القيمة موقوفًا أويتصدق به، انظر في ذلك كله، ولابن عبد الحكم ما يشبهه. انتهى.
وقوله: (فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي) فإن عين المقر له أدناهما؛ أخذه بغير يمين لعدم التهمة، وإن عين أجودهما حلف. قال في البيان في باب الدعوى والصلح: وتحليفه مثل ما في المدونة في مسألة ضمان الصناع، بخلاف ما ذهب إليه ابن المواز، فإن قال المقر له أيضًا: لا أدري، حلف المقر على نفي المعرفة، وحلف أيضًا المقر له كذلك، وما ذكره من حلفهما ويكونان شريكين نص عليه ابن القاسم في العتبية، وكذلك يكونا شريكين إذا حلف المقر له ولم يحلف المقر.
قال في البيان: وهو يأتي على القول بلحوق يمين التهمة، وعلى أنها ترجع؛ لأن كل واحد منهما يتهم صاحبه، فيقول المقر له: تعلم أن أدناهما لك ويقول المقر بالعكس، فأوجب اليمين لكل واحد منهما على صاحبه، فإن حلفا جميعًا أو نكلا جميعًا كانا شريكين كما قال؛ لاستوائهما في الحلف والنكول، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانا أيضًا شريكين؛ لأن الناكل منهما لما نكل وجب أن يرجع اليمين على صاحبه فيحلف لقد يعلم أن أحدهما له وهو لم يحلف، إلا أنه لا يعلم أن أحدهما هو ثوبه، ويمين التهمة إنما ترجع على البت.
[ ٦ / ٤٤١ ]
مالك: وهو رجل سوء حلف على ما لا علم له به ويأتي على القول بأن يمين التهمة لا تلحق أن يكونا شريكين في الثوبين، ولا يكون لأحدهما على صاحبه يمين، ويأتي على القول بأن يمين التهمة تلحق وأنها لا ترجع. إن نكل المقر عن اليمين وحلف المقر له؛ كان له أجود الثوبين، لأنه قد وجب له بنكول المقر. انتهى. وقال أشهب: إذا نكلا جميعًا قضى للمقر به بأدناهما.
المازري: والأصل الذي يكون عليه أكثر فروع شك المقر فيما أقر به؛ هو أن ما تيقنه المقر فإنه لا محيص له عنه وما شك فيه وأيقن المقر له أخذه على اختلاف في أخذه له، هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟ وما شك فيه جميعًا المقر والمقر له، ففي هذا قولان؛ أحدهما: أن الذي شك فيه يسقط غرامته ولا تجب مطالبة المقر من أجله استصحابًا ببراءة الذمة. والقول الثاني: [٥٦٦/ب] أنه يقسم بينا المقر والمقر له لتساويهما في إمكان كون الكل مشكوكًا فيه، هل لهذا أو هذا، فيقسم بينهما نصفين.
والاسْتِثْنَاءُ بِمَا لا يَسْتَغْرِقُ؛ كَعَشَرَةٍ إِلا تِسْعَةً يَصِحُّ، خِلافًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ
ذكر الاستثناء هنا لأنه من التعقب بالرافع، وحاصله أنه يصح استثناء الأكثر خلافًا لعبد الملك، والأول هو الصحيح لقوله تعالى: (إنَّ عِبَادِي) إلى قوله: (مِنَ الغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢] والغاوون أكثر الناس، لقوله: (ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣] ولقوله ﵇ حكاية عن ربه: «كلكم جائع إلا من أطعمته» والمطعم أكثر.
فإن قيل: من الأخذ من الآية نظر؛ لأن الغاوين لم يدخلوا في العباد العافين إلى الله تعالى؛ لأن الآية في المؤمنين المخلصين، قيل: لا نسلم أن الغاوين ليسوا من العباد؛ لأن العباد مخلصون وغير مخلصين بدليل اتصاف العباد بالمخلصين، ولأنه يلزم حينئذ أن
[ ٦ / ٤٤٢ ]
يكون الاستثناء منقطعًا وهي خلاف الأصل، فإن قيل: اتصاف العباد بالمخلصين للمدح لا للتخليص؛ فالجواب: أن الأصل في الوصف التخصيص، وحمله على المدح على خلاف الأصل.
وعن ابن الماجشون: لا يصح استثناء الواحد الكامل، وإنما يصح استثناء الأجزاء كما تقدمت الإشارة إليه ويُرَدُ قوله؛ لاتفاق فقهاء الأمصار أنه لو قال: عندي عشرة إلا تسعة، أنه لا يلزمه إلا واحد، ويمكن أن يجاب له بأنه إنما ألزموه بالواحد نظرًا إلى العرف لا إلى اللغة، ويرد عليه بأن الأصل ألا يخالف العرف اللغة. والله أعلم.
وعَلَى الْمَشْهُورِ: عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً إِلا ثَمَانِيَةً: تَلْزَمُ تِسْعَةٌ
لا على قول عبد الملك، وإنما لزمه تسعة؛ لأن القاعدة: أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، فقوله: (عَشَرَةٌ) إثبات أخرج منه تسعة فيبقى واحد، ثم أدخل ثمانية أخرى فكان المقر به تسعة.
وإِلَى وَاحِدٍ تَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ
يعني: أن من استثنى من العشرة إلى الواحد فيلزمه خمسة؛ أي: إذا قال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا، وتقريره بما تقدم: أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ولك أيضًا في معرفة هذا وجهان:
الأول: أن تجمع الأشفاع والأوتار ثم تسقط الأوتار من الأشفاع، فمهما بقي شيء كان هو الباقي، فتجمع العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين فيكون المجموع ثلاثين، وتجمع التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد فيكون المجموع خمسة وعشرين تسقطها من الثلاثين تبقى خمسة وهي المقر بها.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
والوجه الثاني: أن تحط الأخير فما يليه كذلك حتى الأول، فما حصل فهو الباقي فتحط الواحد من الاثنين يبقى واحد تحطه من ثلاثة، يبقى اثنان تحطهما من أربعة، يبقى اثنان تحطهما من خمسة، تبقى ثلاثة تحطها من ستة، تبقى ثلاثة تحطها من سبعة، تبقى أربعة تحطها من ثمانية، تبقى أربعة تحطها من تسعة، تبقى خمسة تحطها من عشرة، تبقى خمسة وهو المقر به.
ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَهُ الدَّارُ إِلا الْبَيْتَ، وقَوْلِهِ: والْبَيْتُ لِي
يعني: لا فرق في الاستثناء بأدواته وبين ما يؤدي إليه وهو ظاهر.
ابن عبد الحكم: ولو قال غصبته جميع هذه الدار وبيتها لي؛ فهذا لا يقبل منه، وقد أقر بغصب جميعها؛ لأنه قال: غصبتك بيتًا هو لي، وأما إن قال: هذه الدار وبيت فيها لي؛ قبل قوله مع يمينه.
واسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، مِثْلُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلا عَبْدًا، يَصِحُّ عَلَى الأَصَحِّ وتَسْقُطُ قِيمَةُ الْعَبْدِ
هذا مفرع على الأصح، وعلى الأصح فيقال للمقر: صف العبد المستثنى وتقوم صفته وتسقط من الألف ويلزمه ما بقي، فإن ذكر أن القيمة تستغرق المقر به؛ بطل استثناؤه ولزم ما أقر به، قاله في الجواهر، ومقابل الأشهر حكاه ابن سحنون أنه لا يصح، ويلزمه ما أقر به قبل الاستثناء واختاره بعضهم؛ لأنه يلزم أن يكون أمرها مجهولًا بالألف واللام.
[ ٦ / ٤٤٤ ]
الاستلحاق
الاستلحاق: لما فرغ من الإقرار بالمال شرع في الإقرار بالنسب، والمشهور أنه لا يستلحق الورثة إذا اجتمعوا، قاله بعض الشيوخ، ووقع في كلام ابن القصار ما ظاهره ثبوت النسب كمذهب الشافعي في ذلك.
وَإِذَا اسْتَلْحَقَ مَجْهُولَ النَّسَبِ لَحِقَ بِهِ مِا لِمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِهِ، أَوِ الْعَادةُ بِبَلَدِهِ، أَوِ الشَّرْعُ لِشُهْرَةِ نَسَبِهِ
يعني: إذا استلحق شخص مجهول النسب لحق به؛ لأن الناس مصدقون على أنسابهم والشرع متشوف إلى لحوق النسب، إلا أن يكذبه العقل إلخ. فالعقل: كما إذا استلحق من هو أكبر منه؛ إذ العقل مانع أن يكون الولد أكبر من أبيه. والعادة: كما إذا استلحق من ببلد يعلم أن المستلحق لم يدخلها. والشرع: كما لو استلحق من هو مشهور النسب، فإن شهرة نسبه تمنع أن يلحق بالغير، وإذا كانت الشهرة تمنع فأحرى إذا ثبت نسبه. وفي المدونة لابن القاسم: في الذي يتبين به كذبه أن يكون له أب معروف، أو هو من المحمولين من بلد لا يعلم أنه دخلها كالزنج والصقالبة، أو تقوم البينة أن الأم لم تزل زوجة لغيره حتى ماتت، قيل له: فإن قالوا لم تزل ملكًا لغيره حتى ماتت، قال: لا أدري ما هذا ولعله تزوجها، ويناقش المصنف بأن قوله أولًا (مَجْهُولَ النَّسَبِ) يغني عن قوله: (لِشُهْرَةِ نَسَبِهِ) لأن الجهل بنسبه مع شهرة نسبه متضادان، ولمالك في المدونة: من باع صبيًا ولد عنده ثم أقر بعد ذلك أنه ابنه؛ لحق به ورد الثمن، إلا أن يتبين كذبه، وقد نزلت بالمدينة وقضى بها بعد خمس عشرة سنة.
وَلا كَلامَ لَهُ ولَوْ كَانَ كَبِيرًا
يعني: ولا كلام للمقر به؛ لأنه لا يقابل دعوى المقر إلا بعدم العلم لا بالتحقيق، وإذا لم [٥٦٧/أ] يكن للكبير كلام فأحرى الصغير، ونص في النوادر على أنه لا يلتفت
[ ٦ / ٤٤٥ ]
لتصديق الولد ولا تكذيبه وأنه لا يقبل، سواء كان الأب صحيحًا أو مريضًا، أحاط الدين بماله أم لا. وفي الكافي في آخر الفرائض شرط ذلك تصديق الولد إذا كان الولد كبيرًا، ونص على أنه لو استلحق ولدًا كبيرًا بعد موته أنه لا يلحق إلا ببينة، وعلل ذلك بأن استلحاقه يفتقر إلى تصديقه والتصديق قد علم بموته، بخلاف الصغير فإذا استلحقه بعد موته يلحق به ويرثه، ويؤيد في المدونة في باب الشهادة: ومن ادعى على رجل أنه ولده أو والده فأنكر؛ فلا يمين له عليه. قال ابن يونس: معناه أن الولد كبير، ولو كان صغيرًا لجاز استلحاقه إذا لم يعرف كذبه.
فرع: وهل من شرط استلحاق الولد ألا يكون للمستلحق وارث معروف كغير الولد وهو أقرب، نقله سحنون عن أصحابنا، أو إنما يشترط ذلك في غير الولد وهو الذي في العتبية. قال في الجواهر: ولو استلحق ولدًا ثم أنكره ثم مات الولد عن مال فلا يأخذه المستلحق.
ابن القاسم: ويوقف ذلك المال، فإن مات هذا المستلحق صار المال لورثته وقضى به دينه، فإن قام غرماؤه عليه وهو حي أخذوا ذلك المال في ديونهم.
وقَالَ سُحْنُونٌ: لا يُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ نكَاحٌ أَوْ مِلْكُ يَمِينٍ
يعني: أن أهل المذهب لا يشترطون في الاستلحاق تقدم النكاح أو ملك يمين، وقال سحنون: يشترط فيه أن يعلم أحدهما، ونحوه لابن القاسم، لكن المشهور عنه الأول.
وَلَوِ اسْتَلْحَقَ ذَا مَالٍ وَلَهُ وَارِثٌ لَمْ يَرِثْهُ
هذا خاص بغير الولد؛ لأنه قدم الكلام في الولد، وأنه يقبل استلحاقه ما لم يكذبه العقل إلخ. وقد تقدم في اللعان ما إذا استلحقه بعد نفيه وموته، وأن مذهب المدونة: يرثه بشرط أن يترك الولد ولدًا، وأن ابن العطار وغيره قالا بنفي الإرث وإن فضلا، قيد
[ ٦ / ٤٤٦ ]
في المدونة إن لم يكن للميت ولد بما إذا كان المال كثيرًا، ونص في الجواهر ونحوه لصاحب الذخيرة أن هذا الفرع خاص بغير الولد.
وقوله: (وَارِثٌ) أي: عاصب معروف بنسب أو ولاء يدل عليه ما بعده، ومثال المسألة، ما إذا قال: هذا أخي أو عمي أو ابن أخي ونحو ذلك، فإن كان للمستلحق عاصب يرثه لم يرثه هذا المقر به؛ لأن ذلك الوارث يستحق ذا المال وهو يتهم في إخراجه، ولفظ ذا مفعول.
وقوله: (وَلَهُ وَارِثٌ) جملة حالية من الضمير في (اسْتَلْحَقَ) فإن قلت: هل يصح أن يكون أيضًا (ذَا) حالًا من فاعل استلحق؛ أي: استلحق حال كونه ذا مال، قيل: فيه بعد، والله أعلم.
وكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ عَلَى الأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْوَارِثِ أَوْ لا
يعني: وكذلك لو استلحق غير الولد وله مال ولم يكن له وارث معروف بالنسب، فإن الأصح أنه لا يرثه، ومنشأ الخلاف ما ذكره، هل بيت المال وارث أم لا، وإنما هو حائز للأموال الضائعة، واضطرب الشيوخ في تعيين المشهور؛ فالباجي يقول: والذي عليه جمهور أصحابنا قبول إقراره ويرثه المقر له ولا يثبت نسبه بذلك، وقاله أصبغ وسحنون، ثم قال سحنون: لا يرثه؛ لأن المسلمين يرثونه، وقاله أشهب.
ابن يونس: نسبة الأول إلى المذهب منكر إلا على قول شاذ لابن القاسم.
ابن عبد السلام: ولكن هذا إذا كان المقر ذا مال، ومسألة المؤلف في العكس أن يكون المقر له ذا مال، فتأمل ذلك.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
ولَوْ قَالَ لأَوْلادِ أَمَتِهِ: أَحَدُهُمْ وَلَدِي وَمَاتَ ولَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ؛ فَالصَّغِيرُ وَحْدَهُ حُرٌّ. وقِيلَ: وثُلُثَا الأَوْسَطِ وثُلُثُ الأَكْبَرِ، وقِيلَ: الْجَمِيعُ
أي: ومات ولم تعرف عين الولد، وذكر المصنف وابن شاس ثلاثة أقوال، وقد ذكرها صاحب النوادر، وعزا الأول في كلام المصنف لسحنون والثاني للمغيرة والثالث لابن عبد الحكم؛ فرأى في الأول والأوسط عدم العتق، لاحتمال أن يكون الميت لم يرد واحدًا منهما وإنما أراد الأصغر، فلا يعتق واحدٌ إلا بيقين على القول بأن الشك لا يؤثر في العتق، ورأى المغيرة أن الصغير هو على كل تقدير؛ لأنه إذا كان الأكبر هو الولد فهو حر، وكذلك الأوسط والأصغر، وإن كان الأوسط هو الولد فهو حر مع الأصغر والأكبر رقيق، وإن كان الأصغر هو الولد فهو حر دونهما، ولما كان الأوسط حرًا على تقديرين ورقيق على تقدير عتق ثلثاه، ولما كان الأكبر حرًّا على تقدير ورقيقًا على تقديرين عتق ثلثه، ورأى ابن عبد الحكم عتق جميعهم بالشك كما وجب اجتناب الشاتين إحداهما ذكية والأخرى ميتة، وكاجتناب المرأتين إذا كانت أحداهما محرمة؛ لأنه لما اختلط من يجوز ملكه بمن لا يجوز ملكه وتعذر التعيين في إعتاق من لا يجوز ملكه وجب إعتاق الجميع؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
تنبيه: هذا الكلام المتقدم إنما هو إذا كان الإخوة من أُمٍّ واحدةٍ وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف؛ لقوله: (لأَوْلادِ أَمَتِهِ). قال في العتبية: وإن كانوا مفترقين فإن القول ببلد رسول الله ﷺ وأكثر الرواة، أن يحمل هذا عندهم محمل من قال: أحد عبيدي حر. وقال المخزومي: يعتق من كل واحد ثلثه ويرق ثلثاه. وقال آخرون: يعتق واحد من الثلاثة بالقرعة؛ لأنه لما كان مجهولًا عتق بحكم الوصية فقط، وقد قيل أنه يقرع بينهم، وإن كانوا لأم فيقرع بين الأكبر والأوسط، وأما الأصغر فهو حر على كل حال؛ لأنه لا يصح أن يختلف فيه، وإن كان ظاهر الرواية [٥٦٧/ب] خلاف ذلك
[ ٦ / ٤٤٨ ]
فتأول على هذا وهو تأويل سائغ؛ لأن الاثنين جماعة فيحمل قوله بينهم على الأكبر والأوسط، قال: ولا خلاف أنه لا إرث لأحدهم منه.
وَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ وَغَيْرُهَا وَلَدَيْنِ ومَاتَتَا واخْتَلَطَا؛ عَيَّنَتْهُ الْقَافَّةُ
يحتمل أن يرد بغير زوجته ما هو أعم من أمته والأجنبية، ويحتمل أن يريد أمته فقط، وهذا الثاني أشبه بأصل المذهب في أن القافة إنما تكون في الآباء. وفي الجواهر: ولو نزل ضيف على رجل وله أم ولد حامل فولدت هي وولدت أم ولد الضيف في ليلة بنتين فلم تعرف واحدة منهما بنتها وتداعتا أحدهما ونفى الآخر؛ فإن القافة تدعى لهما. وقال سحنون فيمن ولدت امرأته وجاريته فأشكل عليهم ولد الحرة من ولد الأمة ومات الرجل ولم يدع عصبة تستدل بها القافة على ولد الميت؛ ليس في مثل هذا قافة، ولا يكون الميراث بالشك.
وفي كتاب ابن عيسى: في امرأة طرحت ابنتها ثم عادت لأخذها فوجدتها وأخرى معها ولم تعرف بنتها منهما، فقال ابن القاسم: لا يلحق بزوجها واحدة منهما، وبه قال ابن المواز، وقال سحنون: تدعى لهما القافة، وإلى هذا الفرع الأخير أشار المصنف بقوله:
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةٍ وَجَدَتْ مَعَ بِنْتِهَا أُخْرَى: أَلاَّ تُلْحِقَ بِزَوْجِهَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وقَالَ سُحْنُونٌ: الْقَافَّةُ
وكأن المصنف أتى بهذا الفرع إثر الأول، إشارة إلى التعارض بينهما؛ لأنهم قالوا في الأول بحكم القافة ولم يذكروا خلافه، ومذهب ابن القاسم في الثاني عدم إعمال القافة، فكأنه أشار إلى التخريج وهو تخريج ظاهر، والظاهر: أنه لا فرق بينهما، وقول المصنف في الفرع السابق (وَمَاتَتَا) الظاهر أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه لا مفهوم له، ولا فرق بين مماتهما وبين حياتهما، فإن قيل: فلم حكموا في الأول في القافة وهي لا تكون في الحرائر على المشهور، وقيل: الفرق بين هذه المسائل المذكورة هنا وغيرها من وجهين:
[ ٦ / ٤٤٩ ]
أولهما: أن النسب هنا ثابت وإنما القافة لتبينه. وثانيهما: إنما لم تعتبر في الحرائر القافة حيث يمكن دفع الولد باللعان وهاهنا تعذر فاستوى الأحرار وغيرهم في ذلك.
ولا تَعْتَمِدُ الْقَافَّةُ إِلا عَلَى أَبٍ حَيٍّ، وقِيلَ: وعَلَى الْعَصَبَةِ
يعني: أن القافة إنما تعتمد على الأب الحي على ظاهر المذهب قصرًا لذلك على قصة زيد وأسامة. وقال سحنون: يعتمد على شبه العصبة؛ يعني: في موت الأب.
قوله: (حَيٍّ) هو كذلك في الرواية، ظاهره أنه لا يعتبر الأب إذا مات، ولكن فسر سحنون الحياة بوجوده لينظر شبهه؛ سواء كان حيًا أو ميتًا، والفرق والأقرب أن يعتمد على ما تقوله أنها تعرف بذلك النسب، فإن قالت: لا تعرف ذلك إلى بالأب؛ اعتبر الأب فقط، وإن قالت: لا نعرف ذلك بالعصبة رجع إليهم في ذلك، ولا وجه لنقل الخلاف في هذه المسألة، والله أعلم. والمشهور: أنه يكتفى بالقائف الواحد. وقيل: لا بد من اثنين.
وَإِذَا أَقَرَّ وَلَدَانِ عَدْلانِ بِثَالِثٍ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَعَدْلٌ يَحْلِفُ ويُشَارِكُهُمَا ولا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَغَيْرُ عَدْلٍ يُؤْخَذُ لَهُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ مَعَهُمْ
أما إذا أقر عدلان فواضح، ولا خصوصية للولدين، بل وكذلك العمان والأخوان، وأما العدل فيحلف معه ويشاركهما؛ لأنه إنما شهد له على مال، وهكذا في الجواهر والذخيرة، ونقل عن الباجي نحوه، والمذهب خلافه على ما نقله العلماء قديمًا وحديثًا، وقد صرح بعضهم بأن ما نقله ابن الحاجب وهْمٌ. والمذهب: ان العدل كغيره وليس للمقر له الأخذ إلا من المقر، فإن قلت: لم لا يقيد كلامه بما إذا لم يكن للميت وارث معروف؟ فقد نقل صاحب النوادر وغيره: أنه إذا لم يكن للميت ولد معروف فادعى أنه ولد للميت أو زوجة فأقام على ذلك شاهدًا؛ أن ابن القاسم قال: يقضى له بالشاهد واليمين بالميراث دون النسب. وقال أشهب: لا يقضى له به؛ لأن المال فرع بثبوت
[ ٦ / ٤٥٠ ]
النسب، واتفقا على عدم أخذ المال إذا كان للميت وارث معروف، قيل: لما فرض المصنف المسألة في ولدين لزم قطعًا حصول الوارث المعروف، وهي يُتفق فيها على عدم الإرث، فإن قلت: فكلامه هنا موافق لما ذكره في النكاح إذا أقامت المرأة شاهدًا على النكاح بعد الموت، فقال ابن القاسم: تحلف معه وترث. وقال أشهب: لا ترث. وتوقف أصبغ. قيل: هذه المسألة أيضًا مقيدة عند ابن القاسم بما إذا لم يكن للميت وارث معروف، كما صرح به صاحب النوادر وغيره، ومذهبنا: عدم ثبوت النسب بالعدل الواحد ولو لم يرث غيره. وقال الشافعي - ﵁ -: إذا لم يرث غيره يثبت النسب، ومثله عن ابن القصار.
وقوله: (وَغَيْرُ عَدْلٍ يُؤْخَذُ لَهُ إلخ) هو المشهور، وسيأتي بيان العمل في ذلك في باب الفرائض إن شاء الله. وقال ابن كنانة: إن المقر يشاركهم، وهذا إذا كانت التركة عينًا، وأما إن كانت عروضًا كما لو ترك الميت عبدًا أو أمة، فأخذ المقر عبدًا والمنكر الأمة، ثم أقر أحدهما بأخ، فقال ابن عيسى: هو مقر بثلث العبد وثلث الأمة وكان له في الإنكار؛ يعني: للمقر نصف كل واحد، فأقر في كل نصف وجب له بثلث ذلك النصف وهو سدس العبد، فلما باع نصفه في الأمة بنصف أخيه في العبد؛ ضمن لأخيه سدس قيمة الأمة، وأما ثلث العبد فواجب له؛ لن سدسه كان بيده، وسدس آخر عاوض فيه أخاه فابتاع [٥٦٨/أ] ما لا يحل؛ كمن اشتراه شيئًا ثم أقر أنه لآخر فليسلمه إليه، فقد وجب له ثلث العبد بكل حال، ويخير في سدس الأمة بين أن يأخذ منه قيمته أو يأخذ منه سدس العبد الذي باعه فيصير له نصف العبد. وقال أيوب المصري: قول أهل المدينة أن يعطيه ثلث العبد ويضمن له قيمة سدس الأمة؛ لأنه باع ذلك بالسدس من العبد وهو مقر أنه لأخيه. أبو محمد: وهذا هو الصواب وليس فيه تخيير؛ لأن الذي أقر له به من العبد اشترى نصفه بسدس الأمة الذي كان بيد أخيه من العبد الذي كان بيده.
[ ٦ / ٤٥١ ]
ولَوْ قَالَ الْوَلَدُ: هَذَا أَخِي، لا بِلْ هَذَا؛ فَلِلأَوَّلِ النِّصْفُ ولِلثَّانِي نِصْفُ مَا بَقِيَ بِيَدِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُهُ
أي: فللثاني نصف ما بقي بيده نظرًا إلى عذره بالخطأ، وقيل: جميعه بناء على عدم عذره بالخطأ؛ إذ الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ومن حجة الثاني أن يقول: أنت معترف باستحقاق نصف المال وأنت قد ضيعت حقك بإقرارك للأول، وكذلك إذا أقر بوارث ثم بوارث لم يدخل الثاني مع الأول إلا أن يكون الإقرار بهما نسقًا، فإن أقر بالثاني بعد أن دفع للأول؛ فليس عليه للثاني إلا الفضل الذي بيده على نصيبه، مثاله: توفي رجل وتلاك ابنًا فله المال كله، فأقر بابن آخر فيه نصف المال بلا خلاف، فإن أقر بثالث، فقال سحنون: حكمه حكم ابنين ثابتي النسب أقر أحدهما بثالث فيدفع له ثلث ما بيده، وكذلك لو أقر برابع وخامس.
سحنون: وهو معنى قول ابن القاسم وغيره. وقال أشهب: لا ينظر في هذا إلى ما يجب للمقر وإنما ينظر إلى ما يجب للمقر به من جميع المال، كان بيد المقر وكان قادرًا على الإقرار بهما جميعًا، وسواء كان عالمًا بالثاني أولم يعلم؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، وعلى الأول لا يحتاج إلى قضاء قاض، وقال أحمد بن نصر الداودي: إنه إن دفع بقضاء لم يضمن.
وَلَوْ تَرَكَ أُمًَّا وأَخًَا فَأَقَرَّ بِآخر، فَفِي الْمُوَطَّإِ: يِاخُذُ مِنْهَا النِّصْفَ وهُوَ السُّدُسُ لِنَفْسِهِ وعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَرُوِيَ: يَقْتَسِمُهُ مَعَ أَخِيهِ.
إنما كان للمقر له السدس؛ لأنها أقرت بأخوين يحجبانها إلى السدس، ولا شيء للمنكر؛ لأن بيده الثلثين وهو معترف أنه لا يستحق غيرهما.
[ ٦ / ٤٥٢ ]
وقوله: (وَرُوِيَ: يَقْتَسِمُهُ مَعَ أَخِيهِ) أي: لأنها إنما أقرت بالسدس لهما، وقيل: يوقف نصيب المنكر من السدس، فإن صدق الإم أخذه ودفع لأخيه نصف الثلثين. وقيل: يوقف الأخ على إقرارها، فإن صدقها أخذت السدس وكان الباقي بينهما، كان السدس للمقر به، وإن قال: لا أدري، كان السدس بينهما.
* * *
[ ٦ / ٤٥٣ ]
الْوَدِيعَةُ: اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ
أي: الوديعة في عرف الفقهاء المبوب لها عندهم ما ذكر، وإلا فهي أعم، كإيداع الأب ولده لمن يحفظه، والأمة المتواضعة، غير أن عبد السلام تردد في الأمة المتواضعة لاحتمال أن يقال إنها استنابة على حفظ المال، فينطبق عليها الرسم، أو يقال ليس المقصود مجرد حفظها وإنما المقصود الرجوع إلى أخبار الأمين عن خروجها من القرء، فلا ينطبق الرسم عليها ولا يكون جامعًا.
خليل: وعلى ما قررنا به كلام المصنف يدفع هذا؛ لأن الأمة المتواضعة ليست من المبوب لها في عرف الفقهاء، فإن قيل: رسم المصنف غير مانع لدخول بعض أنواع الإجارة فيه؛ أعني: الإجارة على حراسة المال، فالجواب ما قاله ابن عبد السلام أن هذا النوع من الإجارة مراد الدخول في هذا الرسم، ولا ينكر في الفقه وغيره من العلوم أن تكون المسألة مشتملة على وجوه، لكل واحد منها تعلق بباب، فيحتاج لذلك إلى ذكرها في أبواب متعددة.
فصل:
وهي مأخوذة من الوَدَعِ وهو الترك، أو من الدَّعَة وهي السكون؛ لأنها ساكنة عند المودع.
وَهِيَ أَمَانَةٌ
أي: فلا تضمن إلا بتعدٍّ.
وَهِيَ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ
الجواز هنا مقابل اللزوم؛ لأن لكل واحد من المُودَع والمُودِع أن يبطل الوديعة، فلربها أن يستردها، ولأخذها أن يردها لربها.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
ابن عبد السلام: ولا يشترط اجتماعهما في الرضا بذلك ما لم يعرض عارض ينقل هذا الحكم إلى اللزوم، كما في الجارية المتواضعة، أو يكون الحفظ بأجرة كما أشرنا إليه أنها تعود إجارة وهي لازمة، وربما يعرض لها اللزوم من وجه آخر؛ كما إذا كان ربها عاجزًا عن حفظها فيتعين عليه الإيداع لنهيه ﷺ عن إضاعة المال. فإن لم يجد من يحفظها له إلا واحدًا تعين عليه قبولها وحفظها لوجوب إغاثة الملهوف، فيكون اللزوم على هذا المعنى بمعنى الفرض ومخالف للذي قبله. وفي دخول هذا تحت كلام المصنف نظر؛ لأن الفرائض لا يلزم الاعتناء باستيفائها. انتهى.
وفي المقدمات: لا يَلزَمُ من استُودِعَ قبض الوديعة، وجد المودع من يدعه أم لا، قال ذلك ابن شعبان.
فأما إن وجد فواضح، وأما إن لم يوجد غيره فينبغي أن يلزمه القبول قياسًا على من دعي إلى أن يشهد - إنه يلزمه ذلك إن لم يكن في البلد من يشهد غيره، ومن أهل العلم من يرى ذلك لازمًا له وجد في البلد من يشهد له أم لا؛ لقوله تعالى: (ولا يَابَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا) [البقرة: ٢٨٢]، ولا يسمى الرجل شاهدًا حتى يكون عالمًا بالشهادة، فيجب عليه أداؤها. انتهى.
فكلام ابن عبد السلام يأتي على قياس ابن رشد لا على ما قاله ابن شعبان.
وَشَرْطُهُمَا كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ
والضمير في: (شَرْطُهُمَا) عائد على المودِع والمودَع؛ لأن المودِع كالموكِل والمودَع كالوكيل، ومعنى كالوكيل والموكل أن من جاز أن يتصرف لنفسه ولغيره فله أن يودِع ويودَع، ويشكل بالعبد المأذون له في التجارة؛ فإن يجوز أن يُودِع كما سيأتي، ولا يجوز أن يتوكل إلا بإذن سيده كما قدمناه.
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وَمَنْ أَوْدَعَ صَبِيًَّا أَوْ سَفِيْهًا أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُهُ
هكذا وقع في بعض النسخ (أَوْ سَفِيْهًا) وهي أولى، وفي بعضها (صَبِيًَّا سَفِيْهًا) بإسقاط (أَوْ) لأنه يبقى قوله: (سَفِيْهًا) لا حاجة له؛ إذ لا يكون الصبي إلا سفيهًا، والضمير في: (أَتْلَفَهَا) عائد على السلعة المبيعة، ويعلم من ذلك حكم الوديعة والمقرض [٥٦٨/ب]، قاله ابن عبد السلام.
خليل: ويحتمل أن يعود على الوديعة، ويعلم من ذلك حكم المبيع والمقرض، ويرجحه أن الباب معقود للوديعة فكان النص على حكمها أولى.
وقوله: (لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُهُ) فاعل (يَضْمَنْ) عائد على أحدهما لا بعينه - أعني: الصغير والسفيه - وإنما لم يضمنا؛ لأن صاحب السلعة قد سلط عليها من هو محجور عليه، ولو ضمن المحجور عليه لبطلت فائدة الحجر.
اللخمي وغيره: إلا ان يصرفا ذلك فيما لا بد لهما منه، فليرجع عليهما بالأقل مما أتلفا أو صونا به مالهما.
اللخمي: فإن ذهب ذلك المال ثم أفاد لم يتبعهما فيه.
واعلم أن المصنف إنما تكلم على حكم إيداعهما بعد الوقوع لا على ذلك ابتداءً، نعم قد يؤخذ ذلك مما قدمه، فإن قوله: (كَالْوَكِيلِ والْمُوَكِّلِ) يقتضي أنهما لا يودعان.
وفي المدونة أن الصبي إذا قبض الوديعة بإذن أبيه وأتلفها: إنه لا يلزمه شيء ولا ينبغي ذلك لأبيه.
أبو الحسن: ولا ينبغي هنا على بابه؛ لأنه لا يتحقق أنه يضيعها أو يتلفها، ولا يتحقق أنه يحفظها؛ فلذلك كره لأبيه أن يأذن له وكذلك الوديعة.
وقال اللخمي: لا ينبغي أن يودع صبي ولا سفيه؛ لأن ذلك تعريض لإضاعة المال.
[ ٦ / ٤٥٦ ]
وَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ الْمَأذُونِ لَهُ عَاجِلًا
يعني: أن العبد الذي أذن له في التجارة إذا تعدى في الوديعة بأحد وجوه التعدي فإنها تتعلق بذمته، ولا يكون للسيد إسقاطها كسائر الديون. وأما إن لم يتعد فهي على الأمانة. ونص المصنف على حكمها؛ لأنه قد يتوهم أنها تخالف الديون؛ لأن الديون باشرها إذن السيد في التجارة، بخلاف الوديعة فإن السيد لم يأذن، ووجه إلحاقها بالديون أنها من عوارض التجارة التي لا بد منهاعادة فإنَّ إذنَ السيد وإن لم يدل عليها مطابقة فقد دل عليها التزامًا.
أما قوله: (عَاجِلًا) أي: كالحر. وحكى أشهب أنها تتعلق بذمته إلا أنها لا تؤخذ الآن.
وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا عَتَقَ دُونَ رَقَبَتِهِ مَا لَمْ يُسْقِطْهَا السَّيِّدُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُسْتَوْدَعُ فَكَالْماذُونِ لَهُ، وَقِيلَ: إِنِ اسْتَهْلَكَهَا فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ
الأول مذهب المدونة، ووجهه أن السيد يقول: هو عبدي ولم آذن له في التجارة، فلي أن أسقطها عن ذمته. وليس بجناية حتى تتعلق برقبته؛ لأن ربها سلطه عليها.
قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ إلخ) ظاهره أن كلام أشهب خاص بغير المأذون، وأن أشهب يوافق على الحكم الذي قدمه في المأذون، ألا ترى إلى التشبيه الذي ذكره في قول أشهب بقوله: (فَكَالْماذُونِ) والذي نقله صاحب النوادر واللخمي وابن يونس أن أشهب قال في كتابه في العبد المحجور عليه يتلف وديعة أُودِعَها: إن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق، وإن كان وغدًا لا يستودع مثله فلا شيء عليه في رقه - رد ذلك عليه سيده أو لم يرده - حتى يلي نفسه بالعتق. ابن يونس: فيتبع.
[ ٦ / ٤٥٧ ]
وإذا استأجر عبده الوغد فلسيده أن يبطل عنه ما أتلف من أمانته؛ لأن مثله لا يودع، فيؤخذ من هذا أن موجب تعلق الوديعة بذمة العبد هو كونه غير وغد؛ أي: يودع مثله، والإذن عنده وصف طردي.
وأنكر سحنون قول أشهب هذا، وإنكاره صحيح؛ لأن كون العبد ممن يستودع مثله لا يوجب على السيد ما لم يلتزمه بأخذ مال عبده في الحال، ولأن عليه ضررًا في إبقاء الدين في ذمة عبده.
ولهذا قال أبو عمران: إن باعه السيد قبل أن يعلم بذلك واطلع عليه المشتري - فليس به إبطال ما في ذمته، لكن له رده، ثم لسيده الإبطال كما في النكاح.
قوله: (وَقِيلَ: إِنِ اسْتَهْلَكَهَا فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ) ابن عبد السلام: هذا القول حكاه يحيى بن عمر، وظاهره يقتضي أن العبد إذا باشرها بالإتلاف - سواء كان عن انتفاع كما لو أنفقها، أو لا كما لو رمى بها في البحر - فإنها تكون جناية في رقبته، كما لو لم يأذن له السيد، وإنها إن تلفت عنده بتضييع فإنها لا تكون جناية، ثم يحتمل بعد ذلك أن تتعلق بذمته، وهو الأقرب أو لا تتعلق بذمته. انتهى.
وكلام المصنف يدل على أن هذا القول خاص بغير المأذون. وفي اللخمي قال يحيى ابن عمر هي جناية في رقبته إذا كان مأذونًا له.
فرع:
وإذا أتى المحجور عليه إلى رجل فقال له: سيدي أمرني أن أستعير منك كذا فصدقه ودفع إليه ما ذكر وأنكر السيد - فقيل: للسيد طرح ذلك عن ذمة العبد بعد يمينه أنه ما بعثه، وقيل: ليس له ذلك. ابن يونس: والأول أشبه.
أشهب: وإن أراد أن يودع رجلًا فقال له: ادفعها إلى عبدي ففعل فاستهلكها العبد - فهي في ذمته ولا شيء على السيد وإن غره من العبد.
[ ٦ / ٤٥٨ ]
ابن عبد الحكم: ولا تكون في ذمة العبد بإقراره أنه استهلكها حتى يقوم بينة باستهلاكه إياها.
وَيَضْمَنُ بِالإيدَاعِ والنَّقْلِ وَالْخَلْطِ وَالانْتِفَاعِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالتَّضْييعِ وَالْجُحُودِ
لمَّا ذكر أن الوديعة أمانة أخذ يذكر الأسباب التي يكون المودع بها متعديًا، وهي سبعة كما ذكر، ثم أخذ يتكلم على الأول فقال:
فَإِنْ أَوْدَعَ لِعُذْرٍ كَعَوْرَةِ مَنْزِلِهِ أَوْ لِسَفَرِهِ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ - لَمْ يَضْمَنْ
نحوه في المدونة. وقيد أشهب عدم الضمان لعورة المنزل بما إذا حدث ذلك أو زاد على ما علمه رب الوديعة، قال: وإن استودع وديعة وهو في خراب يخاف عليها فأودعها لغيره في أعمر منه؛ فإن كان ربها قد علم بخراب مكانه وخوفه، ولم يزد خرابه إلى ما هو أخوف فالمودع ضامن. وإن زاد خراب موضعه وخوفه على ما كان فلا شيء عليه في إيداعه لغيره، وهو تقييد لقول ابن القاسم.
وقد ذكر صاحب النكت واللخمي معنى قول أشهب تقييد المدونة ولم ينسباه لأشهب.
اللخمي: وإن كان صاحبها غير عالم ضمنها وسواء ضاعت عنده أو عند غيره، إلا أن يكون ضياعها [٥٦٩/أ] عنده لم يكن من السبب الذي يخاف منه.
وقوله: (عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ) يعني: وأما إن كان صاحبها حاضرًا فليردها إليهن وإن لم يفعل ضمن، وظاهره كظاهر المدونة أنه لا فرق في الوديعة بين أن تكون عينًا أو عرضًا.
وقال اللخمي: قد يُحمَل قولُ ابن القاسم: أنه يودعها إذا خاف عورة منزله. على أن الوديعة كانت ثيابًا أو عرضًا، ولو كانت دنانير أو ما اشبه ذلك مما يكتم في الأرض ولا يخاف ممن يضطره إلى إخراجها - لم يكن له أن يودعها.
[ ٦ / ٤٥٩ ]
أبو الحسن: وهذا لا يسلم؛ لأن صاحبها لو أراد دفنها لدفنها. وقال ابن عبد السلام: قد يقال: إن الدفن غير سائغ، وذلك إذا لم يخبر أحدًا بها؛ لأنه عرضها للتلف، وإن أخبر فذلك في معنى إيداع الغير.
ودل كلام المصنف بالمفهوم على أنه لو أودع لغير عذر أنه يضمن - وهو صحيح - ولو أودع من هو أقوى أمانة منه؛ لأن من حجة صاحبها أن يقول لم أرض إلا بأمانتك، ولهذا قال في النكت: الفرق بين الوديعة - في أنه لا يودعها لغيره - وبين اللُّقَطَة - يدفعها لغيره ممن هو في مثل حاله - أن الوديعة إنما رضي صاحبها أمانته بخلاف اللُّقَطَة.
اللخمي: وإذا أودعها لعذر السفر ثم عاد من سفره؛ فإن سافر ليعود كان عليه أن يأخذها ويحفظها؛ لأنه التزم حفظها حتى يأتي صاحبها فلا يسقط عنه العذر الذي سافر فيه، وإن كان سفره على وجه الانتقال ثم عاد، كان له أن يأخذها، وليس ذلك بواجب عليه.
وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ
يعني: إذا تبين الوجه الذي لأجله أودع؛ من عورة منزل أو سفر - فلا ضمان عليه وإن لم يشهد على الإيداع، وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه لا يُصَدَّقُ في أنه خاف عورة موضعه أو أراد سفرًا فأودعها لذلك.
وخرج اللخمي في هذا الوجه خلافًا لما وقع لابن القاسم فيمن اكترى دابة فلما قدم قال: أودعتها؛ لأنها وقفت علي في الطريق - أنه يصدق، فعلى هذا يصدق في الوديعة أنه أودعها؛ لخوف موضعه أو لأنه سافر وخفي أمره، ولم يعلم هل سافر أم لا؟ وهو في الوديعة أبين؛ لأنه لا يتوهم أحد أن يخرج الوديعة من يده لغير عذر. قال: ومحمَلُ قول ابن القاسم: أنه يصدق إذا ثبت الخوف أو السفر في الإيداع. على أن المودع صدقه في قبضها ويقول: إنها ضاعت، فأما إن كذبه وقال: لم يدفع إلي شيئًا لم يصدق على أصله في كل من أمر أن يدفع إلى غير التي ائتمنته - إلا ببينة.
[ ٦ / ٤٦٠ ]
وقال عبد الملك: يصدق، وبه أرى أن يُقضَى اليوم؛ لأن الشأن دفع الودائع بغير بينة. انتهى.
أبو محمد: وإذا علم سفره أو عورة منزله، وأودع الوديعة بغير بينة وأنكرها المودع لا ضمان عليه.
ابن يونس: ينبغي على أصولهم الضمان؛ لأنه دفع إلى غير من ائتمنه، ولكن لا يضمنونه للعذر.
وَلَوْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِيدَاعِ أَمِينٍ ضَمِنَ
تصوره ظاهر.
وَضَمِنَ لأنه عرضها للضياع، وظاهر كلامه سواء سافر على وجه الانتقال بأهله وولده أم لا، وقد نص في الكافي على الضمان ولو كان وجه الانتقال بالأهل والمال.
ومفهوم قوله: (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِيدَاعِ أَمِينٍ) أنه لم يجد من يودعها عنده؛ لكونه بقرية وخشي عليها إن تركها أنه لا يضمن إذا خرج بها، وهكذا نص عليه اللخمي، وهو ظاهر، وما ذكره من الضمان نحوه في المدونة، ففيها: وإن سافر فحمل الوديعة معه ضمن.
وقال فيها: عن مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وصيها لورثتها وهم بالمدينة فلم يأت منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن حين خرج بها بغير أمر أربابها.
فقوله: حين خرج بها بغير أم أربابها. هو علة الضمان عنده، وبه يتم لابن القاسم الاستشهاد على قوله: "وإن سافر فحمل الوديعة معه ضمن" وغلا فكان لقائل أن يفرق بأن مسألة مالك خرج فيها المودع من بلده لا لموجب بل لسبب الوديعة وذلك ليس عذرًا صحيحًا في سقوط الضمان، ومسألة ابن القاسم في المسافر لحاجة نفسه واستتبع الوديعة معه ولم يخرج بسبب الوديعة، فلم يتعد فيها فلا يضمن. لكن لما كانت علة الضمان عند
[ ٦ / ٤٦١ ]
مالك إنما هي خروجه بالوديعة بغير أمر أربابها وهذا المعنى حاصل في مسألة ابن القاسم صح اشتراكهما في الحكم، وهذا هو المشهور.
وقال أصبغ: للقاضي أن يبعث المال إلى ورثة المُودِع من بلد إلى بلد، هكذا قال ابن عبد السلام، قال: وهو خلاف لقول ابن القاسم.
زاد اللخمي وابن راشد في قول أصبغ: بخلاف الوصي يبعث بها فتضيع، فإنه يضمن.
فرع:
قال في المدونة: وإذا أودعت مسافرًا مالًا في سفره فأودعه فضاع ضمن.
اللخمي: قال ابن القاسم وأشهب: إلا أن يضطره لصوص فيسلمها لمن ينجو بها، ومحمل ذلك أن الذي يسلمها إليه لا يخشى جنايته فيها، ولو طرحها عندما غشيته لصوص ثم لم يجدها لم يضمن.
فَلَوْ رَجَعَتْ سَالِمَةً لِمْ يَضْمَنْ
الأقرب: فلو رجعت بعد أن سافر بها سالمة. ويحتمل: فلو رجعت بعد أن أودعها لغيره من غير عذر. ويحتمل: أن يريدهما. وجوز ابن عبد السلام الاحتمالات الثلاث، والأظهر الأول؛ لأنه تفريع على ما دل عليه كلامه بالمطابقة، وهو قوله: (سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ) والثاني تفريع على ما دل عليه كلامه بالالتزام؛ لأن مفهوم قوله: (فَإِنْ أَوْدَعَ لِعُذْرٍ) أنه لو أودع لغير عذر أنه يضمن ولأنه أقرب، واقتصر ابن راشد على الاحتمال الثاني، والحكم في الجميع سواء وهو عدم الضمان؛ لأن الموجب للضمان قد زال، ثم أخذ يتكلم على السبب الثاني وهو النقل.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
فَلَوِ اسْتُوْدِعَ جِرَارًا وَشِبْهَهَا فَنَقَلَهَا نَقْلَ مِثْلِهَا فَتَكَسَّرَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ شَيْءٌ فَكَسَرَهَا ضَمِنَ؛ لأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ
احترز بنقل مثلها مما لو نقلها غير نقل مثلها؛ فإنه يضمنها. ولو سقط من يده عليها شيء ضمن؛ لأنها جناية خطأ، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وهذا كما قالوا فيمن أتى إلى فخار فقال له: قلب شيئًا هل يعجبك؟ فوقع ما في يده على شيء تحته إنه لا ضمان عليه فيما في يده للإذن له في ذلك، وضمن ما تكسر أسفل؛ لأنه جناية خطأ [٥٦٩/ب].
وَلَوْ رَفَعَهَا عِنْدَ زَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ، خِلافًا لأَشْهَبَ
الأحسن في التصنيف ذكر هذا الفرع قبل النقل كما في الجواهر؛ لأنه من فروع السبب الأول، وظاهر كلامه أن أشهب مخالف في الزوجة والأمة، وهو تأويل صاحب البيان وغيره، وإن كان أشهب لم ينص على حكم الزوجة بالتعيين.
وقوله: (أَوْ خَادِمِهِ) قال في المدونة: وكذلك إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله، ويصدق أنه دفعه إلى أهله وإن لم تقم بينة، وضمنه فضلٌ في الأجير والعبد دون المرأة والخادم.
عياض: وهو ضعيف ولا فرق بين المرأة والخادم والأجير.
وقوله: (الْمُعْتَادَةِ عِنْدَهُ) احترز به مما لو لم تكن عادته ذلك فإنه يضمن.
عبد الحق وغيره: كما لو كان بفور ما تزوج الحرة واشترى الأمة؛ لأنه لا يثق بهما، وعلى هذا فلو قال المصنف: (المعتادين) لكان أحسن.
وأعلم أن مالكًا أطلق نفي الضمان وقيده ابن القاسم بأن تكون العادة إيداعها، وحمل بعضهم ذلك على الخلاف، وأكثرهم حمل قوله على التفسير لقول مالك، وهو ظاهر
[ ٦ / ٤٦٣ ]
الكتاب. وكذلك اختلف في قول أشهب هل هو خلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك أم لا؟
قال في البيان: وقيل: إِنَّ قول أشهب ليس بخلاف، وأن المعنى في ذلك أن يضمن إذا عرف الناس أنهم لا يدفعون أموالهم إلى أهاليهم. فكل منهم تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه؛ لأن قولهما مختلف. فعلى هذا لا يختلف إذا علم عرف الناس في البلد، وإنما يختلف إذا جهل العرف؛ فأشهب يُضَمِّنُه حتى يقيم البينة أن العرف في البلد أن الناس يأتمنون أهلهم على أموالهم ويدفعونها لهم، وابن القاسم لا يُضَمِّنُه حتى يقيم صاحب الوديعة البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس لا يرفعون أموالهم عند أهلهم ولا يأتمنونهم عليها، والأظهر أنه اختلاف من القول، فيتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال، يفرق في الثلث بين أن تكون العادة الدفع فلا يضمن أو عدم الدفع فيضمن. انتهى بمعناه.
قال في النكت: ويحلف أنه دفع إلى زوجته إذا أنكرت إن كان متهمًا، وإلا فلا يمين عليه، وإن وجبت يمينه لكونه متهمًا فنكل غرم، وله أن يحلف زوجته. وإن نكل وهو معسر كان لرب الوديعة يمينها، كانت متهمة أم لا؛ لأنها تقوم مقام الزوج في مطالبتها باليمين، كما يتبع الإنسان غريم غريمه، وقاله بعض شيوخنا من بلدنا، وقال ابن يونس: الذي يظهر لي توجه اليمين إذا أنكرت الزوجة كان متهمًا أم لا؛ لأنه هنا من يدعي تكذيبه فكان كمدعي رد الوديعة.
ابن عبد السلام: إن أراد ابن يونس أن التهمة مع تكذيب الزوجة أقوى مما إذا لم يكن هناك من يكذبه فقريب، وإن أراد أنها محققة كمدعي الرد فقد يقال: إن المكذب للمودع في مسألة دعواه على الزوجة هو غير رب الوديعة، وربها لا يحقق عليه الدعوى فلم تخرج عن أن تكون يمين تهمة، بخلاف مدعي رد الوديعة؛ فإن صاحبها يدعي تكذيبه بدعوى محققة، والله أعلم.
[ ٦ / ٤٦٤ ]
ومَتَى مَاتَ ولَمْ يُوصِ بِهَا ولَمْ تُوْجَدْ ضَمِنَ، قَالَ مَالِكٌ ﵀: مَا لَمْ تَتَقَادَمْ كَعَشْرِ سِنِينَ
يعني: إذا مات مَنْ عنده الوديعة ولم يوص بها ولا وجدت في تركته، فحمله مالك على تسلفها، فأوجب أخذها من تركته إلا أن يتقادم الأمر، كعشر سنين، فيحمل الأمر على أنه ردها.
مالك في العتبية: والسنة يسير، قال في البيان: قيل: وهو خلاف لما في كتاب الشركة من المدونة في الشريكين يموت أحدهما فيقيم شريكه البينة أنه كانت عنده مائة من الشركة، فلم توجد ولا أعلم لها مسقطًا، أنها تكون في ماله إلا أن تطول المدة، أرأيت لو كان ذلك قبل السنة لكان يؤخذ من ماله. وقيل: ليست بخلاف لها، وهو الصحيح، والفرق بينهما أن للشريك التصرف في المال، وليس للذي يودع أن يتصرف فيما أودع.
وفي اللخمي: ومن كانت عنده وديعة فذكر عند موته أنها في موضع كذا فلم توجد فمصيبتها من صاحبها؛ إذ يقول الميت: لم أتسلفها. واختلف إذا لم يذكر شيئًا حتى مات هل تكون في ذمته؟ واختار هذا التفرقة، فإن كانت عينًا فَحَمُلها بعد موت المودع على السلف، وفي العرض على السلف، وفي المكيل والموزون في الحاضرة على التلف، وفي البادية على السلف.
ولابن القاسم في العتبية: إذا ترك ودائع ولم يوص فتوجد صرر مكتوب عليها لفلان وفيها كذا، ولا بينة على إيداعه فلا شيء له إلا ببينة أو بإقرار الميت، ولعله مانع أهل الميت.
وقال عنه عيسى فيمين بيده ودائع وهو يعلم أنه ينفق منها، فيوصي بودائع، فيوجد في تابوته كيس فيه دنانير مكتوب أنها لفلان وعددها كذا، فيوجد أقل: فإن ثبت خطه ببينة كان ما نقص في ماله، وإلا حلف الورثة أنهم لا يعلمون من ذلك شيئًا.
[ ٦ / ٤٦٥ ]
أصبغ: وكذلك لو وجد خط يد صاحب المال على الكيس مع وجوده في حوز المستَودَع حيث أمن - فإن يقضى له به.
أصبغ: وهذا على قول من يقول يقضى له بالخط. وبن دحون أنه لا يقضى له بها؛ لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له، ويكتب عليها اسم المذكور ويَأخُذ على ذلك جعلًا. ولا خلاف أنه لا يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه ولا يدري من كتبه.
وَفِيهَا: وَإِنْ بَعَثَتَ بِضَاعَةً إِلَى رَجُلٍ بِبَلَدٍ فَمَاتَ الرَّسُولُ بَعْدَ وُصُولِهِ، وقَالَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ: لَمْ يُوصِلْهَا فَلا شَيْءَ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلُ فَفِي تَرِكَتِهِ، وَقَالَ سُحْنُونٌ: رِوَايَةُ سُوءٍ، وَعَكَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِمَا، وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي تَرِكَتِهِ فِيهِمَا
لفظ التهذيب: وإن بعثت بمال إلى رجل. وهو أحسن من كلام المصنف؛ لشمول المال البضاعة وغيرها، لكن في اختصار ابن يونس: بمال بضاعة. وحاصل مذهب المدونة [٥٧٠/أ] التفرقة، فإن مات الرسول بعد وصوله وزعم المرسل إليه أنه مات قبل وصوله بذلك - فذلك في تركته.
اللخمي وابن يونس: ووجهه أنه مات في الطريق ولم توجد فَحُمِلَ على أنه تعدى عليها، وإن مات بعد وصوله حمل على أنه دفعها، ولو كان خفا لأخبر بمن يشهد له.
(وَعَكَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِمَا) أي: في الصورتين بعد الوصول وقبله.
اللخمي وابن يونس: ووجهه أنه محمول قبل الوصول على الضياع لا على التعدي؛ لأن الأصل في الوديعة الأمانة، وأما بعده؛ فلأن عليه الإشهاد، ولا يخفى ذلك على ورثته إذا بحثوا عنه.
(وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي تَرِكَتِهِ فِيهِمَا) أي: في الصورتين. ولا يخفى عليك إنكار سحنون، ولكن لا يؤخذ منه أنه اختار قول أشهب كما نقله غيره.
[ ٦ / ٤٦٦ ]
ابن يونس: وأخذ محمد بقول أشهب، وعلى هذا ففي قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) نظر؛ لأنه يوهم أنه اختاره، وليس كذلك، بل اختار قول أشهب، وإنما ذلك في كتاب عياض بعد ذكر مذهب الكتاب، وخالف أشهب في هذا وقال: هو ضامن. وحمله أكثرهم على الخلاف. وتأول حمديس قوله في الكتاب: فيما تطاول. وأن الذي يجيء على أصله في العرف أنه يضمن.
ابن عبد السلام: وقد يخرج في هذه المسألة من التي قبلها قول بنفي الضمان مطلقًا.
أَمَّا لَوْ لَمْ يَمُتْ وأَكْذَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إِلا بِبَيِّنَةٍ، ولَوْ صَدَّقَهُ الْمُرْسَلُ
لأنه لما دفع إلى غير اليد التي ائتمنته كان عليه الإشهاد، فلما تركه صار مفرطًا، فلذلك ضمن ولو صدقه المرسل إليه. وعلى قول ابن الماجشون في هذا الأصل لا يضمن إلا أن يقول اقض عني فلانًا، هكذا نقل ابن راشد، وهذا كله إنما هو في الوكيل المخصوص، وأما المفوض فلا.
قال في المدونة: وإن بعت من رجل عبدًا أو بعثت معه عبدك أو أجيرك ليقبض الثمن فقال قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك ضمن، بخلاف من دفعت إليه مالًا ليدفعه إلى رجل، فقال: دفعته إليه بغير بينة، وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.
ثم تكلم على الخلط فقال:
وَلَوْ خَلَطَ قَمْحًا بِقَمْحٍ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَمْ يَضْمَنْ
فهم من كلامه أنه يَضمَن في غير هاتين الصورتين، وهذا المفهوم يقرب من الصريح؛ لأنه لما ذكر أولًا أن الخلط من أسباب التعدي صار الضمان بالخلط هو الأصل. ثم أخرج هاتين الصورتين:
[ ٦ / ٤٦٧ ]
الأولى: أن يخلط مثليًا بمثله جنسًا وصفة ويتعذر التمييز، وهذا هو المشهورز وضمنه عبد الملك في ثمانية أبي زيد، وهو ظاهر؛ لأن القمح ونحوه يراد بعينه، بدليل انتقاص البيع باستحقاقه.
خليل: وينبغي أن يقيد المشهور بما إذا استوت مكاسبها أو تقاربت، أما إذا اختلفت صفة القمح فإنه يضمن اتفاقًا. ثم المشهور مقيد في المدونة بما إذا كان الخلط على وجه الأحراز.
عياض: وإنما لا يضمن إذا كان هذا وشبهه من النظر، كما إذا كان الخلط أرفق وأحرز ونحو ذلك. انتهى.
الصورة الثانية: أن يخلط جنسًا بغير جنسه ويمكن التمييز بلا كفة، كدنانير مع دراهم، أو قطن مع كتان، أو دراهم مع دراهم مختلفتين، فقال ابن الماجشون: في المبسوط إن كانت الأولى كثيرة فخلطها بدراهم قليلة لم يضمن، وإن خلطها بمال عظيم حتى أشهرها ضمن.
اللخمي: وهذا يحسن إذا كانت في موضع لا يضمن ذلك منه، وأما إن كانت في تابوت أو صندوق فلا ضمان؛ لأن السارق يقصد التماس الدنانير والدراهم من مثل ذلك.
وما قاله اللخمي يؤخذ من قول عبد الملك حتى أشهرها بذلك.
ثم تكلم على الانتفاع فقال:
ولَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا فَهَلَكَتْ بَرِئَ، وثَلِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ
(فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ) أي: في خلال الانتفاع (ضَمِنَ) أي: لتعديه.
وقوله: (فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا إلخ) أي: قول بأنه لا يضمن بدعواه أنه ردها ولو لم يشهد. وعلله ابن رشد بأنه إنما يعلم من قبله.
[ ٦ / ٤٦٨ ]
وقول بأنه لا يبرأ إلا أن يردها إلى صاحبها سواء ادعى أنه ردها سالمة بعد انتفاعه أو قامت له بذلك البينة. وهذا القول حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب.
والقول الثالث: إن ردها بعد الانتفاع بإشهاد برئ، وإن لم يكن إلا دعواه لم يبرأ. وهو قول سحنون؛ لأنه قال: إن أقر أنه لبس ثوبًا وديعة، أو ركب دابة وقال: هلكت بعد ما نزلت عنها - فهو ضامن؛ قال: لأنه لما ركبها ضمنها بالتعدي. ولو أقام البينة أنه نزل عنها سالمة ثم تلفت برئ من ضمانها. وأجرى ابن يونس هذا الخلاف على الخلاف في رده لما تسلف من الوديعة
ولمحمد قول رابع: إن أقر المودع بالانتفاع ولم يعلم ذلك إلا من قوله وادعى أنها إنما هلكت بعد أن ردها سالمة - فالقول قوله مع يمينه، وإن قامت بذلك بينة فلا يصدق أنه ردها إلى موضعها إلا ببينة. قال: وهو قول أصحابنا.
ابن يونس: وهذه الأقوال هنا جارية على اختلاف قول مالك في رده لما تسلف من الوديعة.
ولو قال: ركبتها بإذن ربها وأنكر ربها - فالقول قوله مع يمينه. قاله سحنون.
ومُسْتَلِفُ الْوَدِيعَةِ إِنْ كَانَ مُعْدَمًَا لَمْ يِجُزِ اتِّفَاقًا، وإِنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ وَهِيَ نَقْدٌ فَجَائِزٌ إِنْ أَشْهَدَ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ. فَإِنْ كَانَتْ عَرْضًا لَمْ يَجُزِ اتِّفَاقًَا، وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، وقِيلَ: كَالْعَرْضِ
أي: لم يجز السلف للمعدم بها؛ لضرره بها بعدم الوفاء.
ابن عبد السلام: وفي معناه من كانت الوديعة قدر جملة ماله أو تزيد بيسير؛ لأن استخلاص الوديعة من هذا بعد إنفاقها عسيرن وإن كان مليًا؛ فإما أن تكون الوديعة عينًا أو عرضًا، مقومًا أو مثليًا، فذكر في النقد قولين.
[ ٦ / ٤٦٩ ]
وحكى اللخمي أربعة [٥٧٠/ب] أقوال، منع ذلك في كتاب اللقطة، وكرهه في العتبية، ثم أجازه إذا أشهد على تسلفها، وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يجز، وإن كانت بغير رباط ولا ختم جاز.
والكراهة نص عليها في المدونة في كتاب الوديعة.
والأصل المنع؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وهو غير جائز إلا بعد العلم بطيب نفس مالكه. وهو غير محقق. وإن كان الشيء المودع عرضًا لم يجز تسلفه اتفاقًا؛ إذ لو جاز ذلك لكان مشتريًا له بغير إذن مالكه.
قوله: (وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إلخ) يحتمل أن يريد بقوله: (كَالنَّقْدِ) أي: فيأتي القولان بالجواز والكراهة، وبقوله: (كَالْعَرْضِ) أي: فلا يجوز. وعلى هذا يكون اختلاف طريقة، ولكن هذا يعز وجوده وإنما يريد (كَالنَّقْدِ) فيجوز، و(كَالْعَرْضِ) فلا يجوز. على أن الجواز ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي، ويتبين ذلك من كلامه، قال: وأما القمح والشعير والزيت وشبهه قول ابن القاسم في المدونة أنه إن تسلفها مضت على وجه السلف؛ لأنه أجاز إذا تسلفها أن يخرج المثل من ذمته كالدرهم، فلو كانت مما تختلف فيه الأغراض كالعروض - لم يصح إخراج المثل ولم يجز السلف، وعلى قول ابن عبد الحكم: إنه يضمن بالخلط بالمثل لا يجوز تسلفها. وقال محمد: فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه كان لصاحبها أن يأخذ الثمن إن شاء فلم يجز السلف. وهو أحسن. انتهى.
وقد يقال أنه لا يؤخذ من المدونة الجواز ولا الكراهة؛ لأنه إنما قال: إذا تسلفها ثم ردها عادت إلى حكم الوديعة. ولا يلزم من عودها إلى حكم الوديعة جواز الإقدام على تسلفها ولا الكراهة؛ لاحتمال أن يقال هو ممنوع ابتداء؛ لأنه تصرف في ملك الغير، والغالب كراهته لذلك، وإنما رجعت بالرد إلى الوديعة؛ لأن ربها إنما يكره التصرف ابتداءً لا الرد، هكذا أشار ابن عبد السلام.
[ ٦ / ٤٧٠ ]
وَإِذَا تَسَلَّفَ مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهًا مَكَانَهَا فَتَلِفَ الْمِثْلُ بَرِئَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ، ورِابِعُهَا: إِنْ كَانَتْ مَنْشُورَةً بَرِئَ
وفي بعض النسخ: (إِنْ كَانَتْ مَنْثُورَةً) بالثاء قبل الواو. وهذا الرابع لابن الماجشون، والثلاثة لمالك. والمشهور مذهب مالك وابن القاسم في المدونة وبه قال أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم. وبمقابله قال المدنيون، وفي الموازية: إنه يشترط ردها بالبينة إذا تسلفها وإلا فلا يحتاج في ردها إليها، وهو قول خامس.
ويدخل في قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) النقد والمثلي على القولين.
وعبر اللخمي عن هذه المسألة بما إذا أخرج الدراهم والدنانير من ذمته إلى أمانته. وعلى المشهور فلا يُصَدَّقُ إلا بيمين، قال أشهب: وكذلك في الموازية.
وخرج من قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) المعدم للنقد، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يقال بالضمان لتعديه أولًا وبعدمه؛ لأنا إنما منعناه لأجل عدم إمكان الرد، فإذا رد فقد أُمِنَتِ العلة.
ابن شعبان: وإذا قال صاحبها للمودع: تسلف منها إن شئت، فتسلف منها، وقال: رددتها فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها.
اللخمي وصاحب البيان: وهذا لا يختلف فيه؛ لأن السلف من المالك فصارت كسائر الديون.
ثم تكلم على المخالفة فقال:
وَإِنْ قَالَ: لا تُقْفِلِ الصُّنْدُوقَ فَأَقْفَلَهُ ضَمِنَ
هذا الفرع لابن عبد الحكم ووجهه أن السارق يطمع في المقفول أكثر من غيره. ومال اللخمي إلى عدم الضمان؛ لأن السارق يطمع في الصندوق كان عليه قفل أم لا، فلم يكن لزيادة الطمع وجه، كما إذا قال له اقفل بقفل فأقفل باثنين.
[ ٦ / ٤٧١ ]
ابن عبد الحكم: وإن قال: أجعلها في التابوت ولم يزد لم يضمن بالقفل؛ لأن القفل في التابوت مأذون فيه بالعادة حتى يصرح بالنهي عنه. وكذلك قال ابن عبد الحكم إذا قال: اجعلها في قدر فخار فجعلها في سطل نحاس؛ لأن السارق عينه للنحاس أكثر، ولهذا صرح بنفي الضمان في العكس.
وأَقْفِلْ واحِدًا فَأَقْفَلَ اثْنَيْنِ فَقَوْلانِ
القول بنفي الضمان لابن عبد الحكم، وهو الذي اقتصر عليه في الجواهر، وزاد: إلا أن يكون في حالة إغراء اللص فيضمن، والقول بالضمان مَالَ إليه ابن يونس. ولا أعلمه منصوصًا.
ثم أخذ يتكلم على التضييع فقال:
وَفِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ
لأن اليد أحفظ.
اللخمي: وكذلك لو تركها في وسطه. قال في الجواهر: إلا أن يكون أراد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن من يجعلها في يده.
وفِي جَيْبِهِ قَوْلانِ
هما خلاف في شهادة هل هذا أحفظ أو هذا؟ والأقرب نفي الضمان؛ لأن الجيب أحفظ لا سيما جيب أهل المغرب. وهو اختيار اللخمي. وأما الجيب الذي يقال له عندنا (المكتوم) فالكم أحفظ منه.
[ ٦ / ٤٧٢ ]
وَلَوْ سَعَى بِهَا إِلَى مُصَادِرٍ ضَمِنَهَا
يعني: لو مشى بها إلى ظالم فإنه ضامن، فـ (مُصَادِرٍ) على هذا اسم فاعل. و(ضَمِنَ) لتضييعها. ويصح أن تفتح الدال من (مُصَادِرٍ) ويكون اسم مفعول. والمعنى راجع إلى الأول؛ لأنه إنما يأخذها الظالم كإمام جائر.
وَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا ضَمِنَ، بِخِلافِ إِذَا نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَتَقَعُ، وقِيلَ: سَوَاءٌ
إذا نسيها في موضع إيداعها فقال مطرف وابن الماجشون وابن حبيب: عليه الضمان، بخلاف إذا نسيها في كمه فلا ضمان.
وقوله: (وقِيلَ: سَوَاءٌ) يحتمل في نفي الضمان. ولم أر ذلك في الأولى منصوصًا، نعم خرجه جماعة من الثانية، وخرجه اللخمي وابن رشد من المودع مائة دينار فيدعيها رجلان ونسي أيهما أودعه، وممن اشترى ثوبين بالخيار من رجلين فختلطا ولم يدر لمن الجيد منهما - فقد اختلف هل يضمن لهما أو لا يكون عليه [٥٧١/أ] ضمان شيء؟
اللخمي: والعذر بالنسيان أبين؛ لأنه لا يعد بالنسيان مفرطًا ويحتمل أن يريد بقوله: (سواء) أي: في الضمان لكن لم أر من قال في الثانية بالضمان. والله أعلم.
أما إن أراد أن يأخذ ماله فأخطأ فأخذ الوديعة فسقطت منه فهو ضامن وليس كنسيانها في كمه؛ لأن هذا جناية بفعل غايته أنه خطأ. والخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
ابن وهب: وإن دفعت غليه في المسجد فجعلها في نعله فذهبت لم يضمن.
اللخمي: يريد: إذا جعلها هناك بحضرته أو بعد أن غاب وكانت الوديعة ثيابًا أو دراهم كثيرة أو كان الشأن ألا يجعل في كمه غلا عند القيام. وإن كانت صرة دنانير ضمن؛ لأنه فرط.
[ ٦ / ٤٧٣ ]
سحنون: ويضمن من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء لعله إنما ضَمَّنَهُ لدخوله بها الحمام.
وَمَنْ أَنْزَا عَلَى بَقَرٍ وشِبْهِهَا فَعَطِبَتْ بِهِ أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا
هذه المسألة لا تناسب ما نحن فيه وكان الأولى لو قال عوض الانتفاع التعدي وأدرج هذا الفرع فيه. وشبه البقر كسائر الدواب والحيوان.
(فَعَطِبَتْ بِهِ) أي: بالإنزاء.
(أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا) أي: سواء مُتْنَ بالولادة أو بالإنزاء. وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة.
ونقل اللخمي عن مالك نفي الضمان إن متن بالولادة، وظاهره أن مالكًا صرح بذلك. قال: وقول ابن القاسم أصوب.
وكقول مالك هنا في نفي الضمان قوله: لا ضمان على المرتهن إذا زوج أمة الرهن وماتت من الولادة. وصوب بعضهم قول مالك، وهو المعروف من قوله: كما لو غصب حرة فزنى بها وهو غير محصن فحملت فماتت -إنه لا يقتل بها؛ لأنها ماتت بسببٍ آخر لا بنفس العداء، أو كمن غر بأمة فتزوجها على أنها حرة فماتت لم يضمن قيمة ولدها للأب إذا غرم الأب قيمته.
وأسقط أشهب الضمان إذا ماتت بالإنزاء، بل رأى أنه له ذلك ابتداءً، فإنه قال: لا شيء عليه في الإنزاء إن نقص ذلك الولادة؛ لأن الولادة في الجواري ليست من فعله، إنما زَوَجَهُنَّ وكان الحمل من غيره.
[ ٦ / ٤٧٤ ]
ولو سألني في البهائم هل ينزي عليها قبل أن ينزيها؟ لرأيت ألا يدعها من الإنزاء؛ لأن ذلك مصلحة، ولم أضمنه في الجواري ما نقصهن النكاح؛ لأن ذلك النكاح لا يثبت وإن رضي به سادتهن. ولو كان ذكورًا لم يضمن شيئًا؛ لأن للسيد أن يجيزه فلا يضمنه، وقد أجاز فعله، وإن فسخه رجع العبد إلى حاله من غير نقص.
فرع:
ابن يونس: واختلف في إنزاء الراعي؛ فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأنه كالمأذون له، وضمنه غيره، وعكس ابن عبد السلام نسبة القولين في هذا الفرع. والله أعلم.
ثم تكلم على الجحد فقال:
وإِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا فَأُقِيمَتِ الْبَيِّنَةُ لِمْ يُقْبَلِ الرَّدُّ وَلَوْ بِبَيِّنِةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأنَّهُ كَذَّبَهَا
يعني: إذا طلب منه الوديعة فأنكر أن يكون قد أودعه شيئًا، وهذا معنى قوله: (إِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا) فأقام المودع البينة على الإيداع فأدعى بعد ذلك أنه ردها لم يقبل قوله أنه ردها، واختلف إذا أقام بينة على الرد، المشهور عدم قبولها؛ لأن قوله الأول مكذب لها، إذ قوله: لم يودعني شيئًا متضمن لعدم الرد، فإنَّ الرد فَرْعُ الإيداع.
اللخمي: وقيل: تقبل بينته. وهو أحسن؛ لأن من حجته أن يقول: إنما أنكرت لغيبة بينتي أو للاحتياج إلى تزكيتها ونحو ذلك.
ابن عبد السلام: وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الصورة الثانية لعدم وجود الخلاف في الأولى، على أنه لا يبعد وجود الخلاف منصوصًا عليه في الأولى، فأصول المذهب تدل عليه.
خليل: وقد حكى صاحب البيان في باب الصلح وابن زرقون في باب القراض فيمن أنكر أمانة وادعى ضياعها أو ردها لما قامت عليه البينة - ثلاثة أقوال:
الأول لمالك من سماع ابن القاسم: يقبل قوله فيهما.
[ ٦ / ٤٧٥ ]
الثاني لمالك أيضًا: لا يقبل فيهما قوله.
الثالث لابن القاسم: يقبل قوله في الضياع. وعلى هذا فالخلاف منصوص فيهما، ويمكن إعادة قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) على المسألتين.
ابن زرقون: وأما إن أقام بينة على ضياع القراض أو رده فالمشهور أنه تنفعه البينة بعد إنكاره. وحكى اللخمي عن محمد أنه لا ينتفع بها.
خليل: فانظر ما شهره المصنف مع ما شهره ابن رزقون فإن ذلك متعارض.
ابن زرقون: وأما إن أنكر شيئًا في الذمة أو أنكر الدعوى في الربع أو فيما يفضي إلى الحدود ثم رجع عن إنكاره لأمر ادعاه وأقام عليه بينة ففيها أربعة أقوال:
الأول لابن نافع: يقبل منه في جميع الأشياء.
الثاني لغير ابن القاسم في كتاب اللعان من المدونة: لا يقبل ما أتى به في جميع الأشياء.
الثالث لابن المواز: يقبل في الحدود دون غيرها.
الرابع: يقبل منه في الحدود والأصول، ولا يقبل منه ذلك في الحقوق من الديون وشبهها من المنقولات. وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وَإِنْ طَلَبَهَا فَاعْتَذَرَ فَتَشَاحَّا فَحَلَفَ لا يُعْطِيهَا اللَّيْلَةَ ثُمَّ قَالَ فِي الغَدِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَلْقَانِي أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ، إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ) راجع إلى قوله: (تَلِفَتْ بَعْدَهُ) وأما قبله فيضمن؛ لأن قوله: لا أعطيها الليلة إقرار منه ببقائها. قال في البيان: ولا خلاف في هذا، وأصل هذه المسألة لابن القاسم في العتبية فإنه قال: إذا أتى رب الوديعة للمُودَعِ فقال: إني مشغول أو راكب إلى موضع كذا؛ فأنظرني إلى غد فأبي، فتصايحا حتى حلف ألا يعطيه الليلة، فلما أتاه من الغد قال: إنما تلفت قبل أن تلقاني - ضَمِنَ؛ لأنه قد أقر بها. وإن قال: لا أدري متى ذهبت، وإنما عهدي بها منذ كذا أو كذا حلف وكان القول قوله.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
أصبغ: يحلف ما علم بذهابها حين منعه ولقد كان علمه أنها ثَمَّ.
ابن القاسم: وإن قال: تلفت من بعد ما فارقتك ضمن؛ لتعديه بالتأخير، إلا أن يكون على أمر لا يستطيع الرجوع فيه أو يكون في رجوعه عليه ضرر فلا يكون عليه حينئذ الضمان.
أصبغ: ليس هذا تعديًا، وليس عليه ضمان - كان عليه شغل أو لم يكن - إلا أن يكون في يده أو يكون عند بابه وليس فيه فتح ولا غلق، ولا أمر يتم إلا برجوعه ونظره، فإن جاء مثل هذا ضمن وإلا لم يضمن.
قال في البيان: وظاهر قول ابن القاسم أنه محمول على التعدي حتى يثبت [٥٧١/ب] العذر، وظاهر قول أصبغ أنه محمول على العذر حتى يثبت التعدي، ولا خلاف في هذه المسألة إلا في هذا الوجه.
وق وقع في النوادر لمحمد بن عبد الحكم أنه لا ضمان عليه تلفت قبل أو بعد. وليس ذلك خلافًا لما تقدم؛ لأن معنى "قبل": إذا لم يعلم بذلك إلا بعد، ومعنى قوله: (أَوْ بَعْدَهُ) إذا كان له في منعه عذر.
فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ لِمْ يَضْمَنْ
قد تقدم هذا من كلام ابن القاسم في المسألة السابقة، ووجهه الحمل على أنها تلفت قبله ولم يعلم بذلك؛ إذ الأصل في الوديعة عدم ضمانها.
وَلَوْ طَلَبَهَا فَأَبَى حَتَّى يَاتِيَ الْحَاكِمَ فَهَلَكَتْ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ بِيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَقِيلَ: لا ضَمَانَ
يصح في (الْحَاكِمَ) فتح الميم على المفعولية وهو الأصل، ويصح ضمها على الفاعلية، وهذا كما كان في بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها.
وقوله: (كَانَ) أي: الإيداع. وذكر في البيان في هذه ثلاثة أقوال:
[ ٦ / ٤٧٧ ]
الأول: لا ضمان عليه وإن قبضها بغير بينة؛ لأن له في ذلك عذرًا يقبل؛ لأنه يقول خفت شغبه وأذاه. وهو لابن عبد الحكم.
الثاني: أنه ضامن وإن قبضها ببينة؛ لأنه متعد في منع أدائه إلا بالسلطان، وكان يقدر أن يشهد عليه بالرد كما أشهد عليه هو بالقبض. وإلى هذا ذهب ابن دحون. فالرهن والوديعة على مذهبه سواء.
والثالث لابن القاسم في العتبية: إن دفع الرهن والوديعة بغير بينة فهو ضامن، وإن كان ببينة فلا ضمان. وهذا القول هو الذي قدمه المصنف، والقول الثاني في كلامه هو لابن عبد الحكم، وأظهرها قول ابن دحون؛ لأن الشغب يدفع بالبينة.
وَلَوْ طَلَبَهَا فَقَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ هَذَا وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ - فَلا ضَمَانَ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طَلَبٌ ضَمِنَهَا، وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ
تصور المسألة ظاهر، قال في البيان: وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين. وهو قول ابن عبد الحكم، فإن قال: يحلف ولا شيء عليه، ونقل ابن عبد الحكم قول أصبغ عن الأصحاب.
وقوله: (وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ) هو تشبيه في قول ابن القاسم، وكذلك في العتبية ويأتي فيه قول أصبغ.
وَإِذَا ادَّعَى الرَّدَّ قُبِلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ فَتَلْزَمُهُ، بِخِلافِ التَّلَفِ
(مُطْلَقًا) أي: سواء كانت بينة مقصودة التوثق أم لا. وهذا القول ليس بمنصوص بل إنما نص عليه ابن القاسم في الشيء المستأجر أنه يصدق في دفعه وإن قبضه ببينة. وخرجه في المقدمات في الوديعة، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:
[ ٦ / ٤٧٨ ]
أحدها وهو المشهور: أنه لا يصدق في دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة، لا في الوديعة ولا في القراض ولا في الشيء المستأجر.
والثاني: أنه يصدق في جميع ذلك وإن دفع ببينة، وهو الذي يأتي على ما رواه أصبغ عن ابن القاسم من تصديقه في رد المستأجر؛ لأنه إذا صدقه على الرد مع قيام البينة في المستأجر الذي قبضه لمنفعتهما جميعًا فأحرى أن يصدق في الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها خاصة.
والثالث تفرقة أصبغ: يصدق في المستأجر لا في الوديعة والقراض على ما تأول على ابن القاسم.
والرابع: الفرق، فلا يصدق في الوديعة إذا دفع إليه ببينة، ويصدق في المستأجر والقراض إن دفع إليه ببينة.
وعلى هذا ففي تقديم المصنف للقول الأول نظر؛ لأنه على تقدير صحته خلاف المشهور.
وقوله: (مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ) أي: يقصد دفع الوديعة بحضرتهم، وأما إن كان حضورهم اتفاقيًَّا ولو لم يكونوا لدفع الوديعة إليه فهو بمنزلة عدم البينة.
اللخمي: وكما لو كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته أو قال المودع: أخاف أن يقول: هي سلف فاشهد لي أنها وديعة وما أشبه ذلك - مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض - فيكون القول قوله في ردها بغير بينة.
وقوله: (بِخِلافِ التَّلَفِ) أي: فيقبل قوله وإن قبض ببينة.
[ ٦ / ٤٧٩ ]
وَفِي يَمِينِهِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ فِي الرَّدِّ
هذا الكلام معترض ولعله لا يوجد لغيره، والذي حكاه صاحب البيان أنه يحلف في دعوى الرد اتفاقًا، واختلف في التلف على ثلاثة أقوال: قيل تتوجه، وقيل لا، وقيل تتوجه على المتهم دون غيره.
قال في البيان: وهو المشهور، قال: وأما إن حقق عليه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين عليه في ردها.
وبهذا تعلم أن قول المصنف فيما يأتي: (أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ) ليس بصحيح. والله أعلم.
فَإِنْ نَكَلَ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ الْمُودِعُ
أي: فإن نكل المُودَع - بفتح الدال - عن اليمين المتوجهة عليه للتهمة فثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يحلف رب الوديعة ولا غرم عليه، بناءً أن يمين التهمة لا ترد. وقيل: يغرم المودع بغير يمين. والمشهور أنه يغرم بعد حلف رب الوديعة، وقد ذكر في البيان هذين القولين الأخيرين.
أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ
وقد تقدم أن فيه الخلاف.
وَلَوْ قَالَ: لا أَدْرِي أَضَاعَتْ أَمْ رَدَدْتُهَا فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا
أصل هذا الفرع لأصبغ في العتبية.
أصبغ: وإنما لم يضمن لأنه إن دفعها فقد برئ، وإن ضاعت فهو مؤتمن. قال: إلا أن يكون المستودع استودعها ببينة فلا يبرأ، وهذا يؤخذ من تشبيه المصنف بقوله: (فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا) لأنه قدم أنه يفرق في دعوى الرد بين أن يكون قبضها ببينة أم لا.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
قال في البيان: وهذا كما قال أنه لا ضمان عليه إذا قبضها بلا بينة؛ يريد: بعد أن يحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت. وأما إن دفعها إليه ببينة فبَيِّنٌ أنه لا يبرأ منها بقوله: لا أدري؛ لأنه لو ادعى دفعها إليه لم يصدق، فكيف إذا قال: لا أدري. ولو قال المودَع لربها: إن كنت دفعت إلي شيئًا فقد ضاع، فقال عبد الله بن عبد الحكم: إنه يبرأ بيمينه ولو قبضها ببينة.
وَلَوِ [٥٧٢/أ] ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْوَارِثِ لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودِعِ لأَنَّهُمَا لَمْ يَاتَمِنَاهُ كَالْيَتِيمِ
يعني: إذا مات رب الوديعة فادعى المودع أنه ردها لوارثه، أو مات المودع فادعى وارثه أنه ردها لربها، لم يقبل دعوى الرد فيهما.
(لأَنَّهُمَا) أي: وارث رب الوديعة في الفرع الأول ورب الوديعة في الثاني - لم يأتمنا الدافع، بل كل منهما دفع إلى غير الذي ائتمنه، كاليتيم إذا ادعى عليه الوصي الرد.
وَإِذَا قَالَ: هِيَ لأَحَدِكُمَا وَنَسِيَتُ عَيْنَهُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ
ظاهر كلامه أن الوديعة لم تزل بيد المودع لم يدفعها إلى أحدهما؛ لقوله: إنهما يتحالفان ويقتسمانها، وأن ابن المواز قال: عليه ضمان مائة أخرى، وكذلك نقل ابن يونس القولين، ونقل غيره أيضًا القولين فيما إذا دفع إلى أحدهما، ففي الموازية: ومن استودع مائة فأتى رجلان يدعيانها فقال: "رددتها إلى أحدكم" فإن لم يثبت أيهما هو فهو ضامن لكل واحد منهما مائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، وقوله: للمودِع لا أدري هل أودعتني؟! هو كالنكول؛ فيحلف المدعي ويضمنه، وكذلك لو كانوا عشرة.
وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحد منهما مائة، وأما في الوديعة فلم أره مثل الدين.
[ ٦ / ٤٨١ ]
محمد: هما عندي سواء. زاد محمد في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحد منهما ويحكم له بمائة. ومن نكل لم يكن له شيء، وكانت لمن حلف. فإن نكلا جميعًا لم يكن على المقر إلا مائة يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه.
محمد: فإن رجع المودع فقال: أنا أحلف أنها ليست لواحد منهما فلا بد مِنْ غُرْمِ المائة يقتسمانها بعد أيمانهما؛ لأنه قد اقر أن عليه مائة ثانية ولا حدجة له في إسقاطها، ولا حجة لأحدهما في طلب تمام المائة لنفسه؛ لأن المودع لو قال له: "راجعت معرفتي أنه لا شيء لك" لم يلزمه غير اليمين، واليمين التي حلفهتا له تجري عمن طلب منه تمام المائة لنفسه، وكذلك لو كانت المائة التي عليه دين فيما ذكر سحنون.
وإن استودع وديعة ثم ماتت فادعاها رجلان كل واحد لنفسه، فقال ابن الميت: لا أدري إلا أن أبي كان يذكر أنها وديعة فتلوقف أبدًا حتى يستحفظها أحدهما بالبينة، وقال فيمن أودعه رجل مائة وآخر خمسين فنسي من صاحب المائة منهما، وادعى كل واحد منهما المائة - إنهما يتحالفان على المائة ثم يقتسمانها والخمسين الباقية؛ إذ ليس لها مدع، قال: وقال بعض أصحابنا: يغرم لكل واحد منهما بعد أيمانهما.
وَلَهُ أُجْرَةُ مَوْضِعِهَا دُونِ حِفْظِهَا
يعني: إذا كانت الوديعة مما يشغل منزلًا فطلب أجرة الموضع التي كانت فيه فذلك له. وهكذا في المقدمات.
ابن عبد السلام: وأطلق المصنف وغيره في هذا، وعندي يتقيد هذا بمن يقتضي حاله طلب الأجرة، كما هو المذهب في رب الدابة يأذن لرجل، ويقول راكبها: إنما ركبتها عارية، ويقول ربها: إنما كان الإذن بالأجرة - فالقول قول ربها إذا كان مثله يكري الدواب، وإنما
[ ٦ / ٤٨٢ ]
سقطت أجرة الحفظ لأنه قد اطردت العادة بأن المودع لا يطلب على ذلك أجرة؛ لأن الحفظ لا تجوز عليه الأجرة لجواز الإجارة على الحراسة.
صاحب المقدمات وغيره: وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها.
وَإِذَا اسْتَوْدَعَهُ مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا فَثَالِهُهَا: الْكَرَاهَةُ، وَرَابِعُهَا: الاسْتِحْبَابُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَالأَظْهَرُ الإِبَاحَةُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ
هكذا وقع في أكثر النسخ، وزاد ابن راشد في نسخته بعد كلام الباجي: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلا يَاخُذُ إِلا مَا يَسْتَحِقُّهُ) وقد حكى في المقدمات الخمسة.
والمنع هو مذهب مالك في المدونة، قيل لابن القاسم: قال ذلك مالك؟ قال: أظنه للحديث الذي جاء: «أدِّ الأمانةَ لمن ائتمنك ولا تخن من خانك».
والجواز لابن عبد الحكم، قال: يأخذها وإن كان عليه دين. وهو مبني على أحد القولين في إجازة رهن المديان وقضائه بعض غرمائه.
والكراهة مأخوذة من قول أشهب: لا آمره إلا بطاعة الله تعالى، وإن أردت فعله فأنت أعلم.
والاستحباب مأخوذ من قول ابن الماجشون: أرى له أن يستعمل الحيلة بكل ما يقدر حتى يأخذ حقه، فإن فيه إبراء ذمة المسلم.
والقول الخامس رواه ابن وهب عن مالك، وروى ابن نافع مثله، وزاد مع ذلك: إذا أمن أن يحلف كاذبًا فيأخذ قدر حقه.
وقال ابن المواز: لا بأس أن يأخذ وإن كان عليه دين ما لم يفلس.
ابن المواز عن مالك: وإن أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد بذلك إلا الوصي، فإن خفي دَفَعَ ذلك؛ بحيث لا يتبع به، وكذلك لو دفع فلم يقبل السلطان شهادته فله الدفع إذا خفي ذلك.
[ ٦ / ٤٨٣ ]
الباجي وصاحب المقدمات: وأظهر الأقاويل الإباحة؛ لحديث هند: «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي عيالي» فقال ﵊: «خذي من مالِهِ ما يكفيك ويكفي بنيكِ بالمعروفِ».
وقد يقال في الأخذ منه نظر؛ لأن هندًا وولدها تجب لهما النفقة في مال أبي سفيان، فكان ما تأخذه عو عين حقها، وكلامنا إنما هو فيمن قدر على مثل حقه لا على نفسه.
قال في المقدمات: وكان شيخنا ابن زرقون يحدثنا أن قوله ﵊: «ولا تخن من خانك» خرج على سؤال؛ لأنه سئل عن وطء امرأة من ائتمنه عليها، وقد كان السائل ائتمن الرجل على امرأته فخانه فيها ووطئها، وكان يضعف الاحتجاج بهذا الحديث لهذا المعنى، لكن اختلف قول مالك وغيره من العلماء في العام الوارد على سبب خاص، والصحيح عند أهل الأصول وهو اختيار القاضي إسماعيل والقاضي أبي بكر وغيرهما من العراقيين الحمل على عمومه، وبه يصح الاستدلال بالحديث.
واحتج أيضًا ابن عبد الحكم [٥٧٢/ب] بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) [البقرة: ١٩٤] الآية.
واحترز المصنف بقوله: (مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) مما لو ظلمه بغيرها فإنه لا يجوز له الأخذ.
ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إن المستودع إذا جحد ما كان بيده وهو من غير الذهب، فوجد له المجحود ما بقي من الدراهم أو العروض لم يكن له أخذه ولا بيعه؛ لأنه يوكل في ذلك، وبه أقول.
* * *
[ ٦ / ٤٨٤ ]
الْعَارِيَّةُ: تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ
هي مشددة الياء، الجوهري: وكأنها منسوبة إلى العار؛ لأنَّ طلبَها عارٌ وعَيْب، وأنكر على الجوهري كونها منسوبة إلى العار، لأنه لو كان كذلك، لقالوا: يتعيرون؛ لأن العار عينه ياء، والعارية عند غيره مأخوذة من المعاورة: وهي الأخذُ والإِعْطَاء، يقال: هُم يتعاورون من جيرانهم، أي يأخذون ويعطون ورسمها المنصف بقوله: (تَمْلِيكُ إلى آخره)، فقوله: (تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ) كالحبس، و(بِغَيْرِ عِوَضٍ) أخرج الإجارة وهو غير مانع لدخول العُمْرَى والحبس فيه، فإن قيل: يمكن أن يجاب عنه بوجهين: أولهما: منعُ كون العُمْرَى والحبس ليسا بعارية.
ثانيهما: أن العُمْرَى والحبس ليس فيهما تمليك منفعة العين، وإنما هو فيهما إباحة الانتفاع، قيل: كلاهما مردود، أما الأول: فلأنه خلاف الاصطلاح، وأما الثاني: فلأن المعمر أو المحبس عليه يملكان المنفعة بدليل أنهما يؤجران لغيرهما، والله أعلم.
وَهِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا
لأنها من المعروف والبر، فتدخل في قوله تعالى: (وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى) [المائدة: ٢]، وقد اختلف في قوله تعالى: (ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ) [الماعون: ٧]؛ فقيل عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: إنه عاريَّة متاع البيت؛ كالقدر والفأس، وذهب مالك والجمهور إلى أن الماعون الذي توعد الله على منعه هو الزكاة المفروضة.
فرع:
قال في المقدمات: وأجرة حمل العارية على المستعير، واختلف في أجرة ردها، فقيل: على المستعير، وهو الأظهر، وقيل: على المعير؛ لأن العارية معروف فلا يكلف أجرة بعد معروف صنعه.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
أبو الحسن: واختلف في علف الدابة المعارة، فقيل: على المعير، وقيل: على المستعير.
الْمُعِيرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ فَتَصِحُّ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ والْمُسْتَاجِرِ
يعني: أن أركانها أربعة: المعير والمستعير والمستعار وما به الاستعارة.
وتكلم المصنف على الأول منها فالأول، وشرط في المعير شرطين: أن يكون مالكًا للمنفعة، وأن يكون غير محجور عليه، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنها تبرع، وصحت من المستعير والمستأجر؛ لأنهما مالكان للمنفعة، ونبه بالمستعير على أن الصحيح عند الشافعية: أنه لا يعير، ومنشأ الخلاف: هي المستعير مالك للمنفعة كالمستأجر أو لا؟ وإنما ملك الانتفاع، ويتخرج عندنا الخلاف في جواز إعارة الثوب المستعار من الخلاف في إجارته لمن استأجره، وكذلك فيمن اكترى دابة ليركبها فإن قول مالك اختلف في كراهة كرائها من غيره، وكذلك اختلف هنا، ففي الجلاب: ومن استعار شيئًا إلى مدة فلا بأس أن يكريه من مثله، وفي المدونة: لا بأس أيضًا أن يعيرَه من مثله.
وفي كتاب ابن شعبان: من استعار دابة ليركبها، فلا يُركبها غيره، وظاهره بعارية أو كراء.
وعلم أن تمليك الانتفاع كسُكنَى المدارسِ والجلوس في المساجد والأسواق، له أن ينتفع بنفسه فقط، ولا يعاوض عنه، وتمليك المنفعة كالإجارة، والعارية عندنا له الانتفاع والإيجار كالملك بالنكاح من ملك الانتفاع، ويستثنى من هذا جواز إنزال الضيف لأهل المدارس والرباط المدة اليسيرة للعادة، ولا يجوز استيطانه ببيت المدرسة دائمًا ولا إيجاره، ولا خزن القمح فيه، وكذلك ماء الصهاريج بها، لا يجوز بيعه ولا هبته ولا الانتفاع به فيما لم تجر العادة كالصبغ الكثير، ويستثنى الشيء اليسير من ذلك، وكذلك طعام الضيف لا يجوز له بيعه ولا إطعامه، وله إطعام الهر للعادة، وكذلك البسط في الأوقاف لا يتغطى بها، والزيت للاستصباح لا يباع؛ لأن التمليك فيها مقصور على جهة العادة بشهادة العوائد، ذكر ذلك القرافي في قواعده.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
الْمُسْتَعِيرُ: أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، فَلا يُعَارُ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا
يعني: أنه يشترط في المستعير أن يكون أهلًا لأن يتبرع عليه بالمستعار، فلخصوصيته بذلك لا يعار ذمي مسلمًا لما في ذلك من إذلال الكافر المسلم، وهو ممنوع، وكذلك المصحف له، وكذلك لا يعار السلاح لمن يقاتل به فيما لا يحل، ولا الأواني لمن يستعملها فيما لا يحل كالخمر، ولا الدابة لمن يركبها لإذاية مسلم ونحو ذلك.
الْمُسْتَعَارُ مَنْفَعَةٌ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَالأَطْعِمَةُ والنُّقُودُ قَرْضٌ
يعني: أن المستعار المنفعة لا الذات.
وقوله: (مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي على ملك ربها، وإن استلزم الانتفاع ذهاب العين كما في الأطعمة والنقود، لم يبق ذلك عارية بل هو قرض، وأشار اللخمي إلى أنه تصح إعارة الدراهم والدنانير لمن لا يتلف أعيانها كالصيرفي يجعلها ظاهرة عنده ليراها الناس فيرغبون في الصرف منه، وكذلك الرجل عليه دين يقل ما بيده فيستعيرها لذلك.
خليل: وينبغي أن يمنع هذا لوجهين: أولهما القياس على إجارتها، فقد قال المصنف: (ولا تصح إجارة الدنانير والدراهم، وقيل: إن لازمها ربها صح)، والثاني أن في ذلك إيهامًا للناس وتغريرًا لهم، والله اعلم.
وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً فَلا تُسْتَعَارُ الْجَارِيَةُ لِلاسْتِمْتَاعِ
وهو معطوفٌ على (بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي المستعار منفعةٌ بشرط بقَاء الْعينِ، (وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) ولا يريد كونها مباحة في جنسها؛ فإن ذلك شرط في صحة ملك المعير لها، وإنما يريد كون تلك المنفعة مباحة للمستعير، فلذلك لا تستعار الجارية للاستمتاع، ودخل في ذلك الوطء ومقدماته، لما في ذلك من عاريَّة الفروج؛ [٥٧٣/أ] ولأنه لا يستباح ذلك إلا في ملك أو نكاح، وخالف عطاء بن أبي رباح في هذا وأجازه، وقد بالغ أهل مذهبنا في هذا حتى منعوا قرض الجواري المؤدي إلى عارية الفروج.
[ ٦ / ٤٨٧ ]
ويُكْرَهُ أَنْ يستخدمها لِغَيْرِ الْمحْرَم والنِّسَاءِ والصبيان
عبر بالكراهة تبعًا لابن شاس، وقد نص اللخمي في باب الإجارة: أن إجارة المرأة للرجل الغريب غير جائزة، كان مأمونًا أم لا لقوله ﵊: «لا يخلو رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم».
وأن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن تكون متجالة لا إرب للرجل فيها، أو يكون هو شيخ فان، وعلى هذا فمراده بالكراهة هنا التحريم. ونص اللخمي في باب العارية: على أنه تصح هبة خدمة الجارية للأجنبي إذا كان مأمونًا وله أهل، فإن كان غير مأمون أو كان مأمونًا ولا أهل له لم يجز للحديث المتقدم، واستثنى المحرم والنساء والصبيان؛ لأن الاستمتاع مأمون في حقهن.
اللخمي: وتجوز هبة منافعها لمن لا يحل له إصابتها من أقاربها إذا كان الواهب قد أصابها مثل: ولده وولد ولده وأبيه وجده؛ لأنها صارت من ذوات محارمه، وهذا داخل تحت قوله: (مَحْرَم).
ولا يجُوزُ اسْتِخْدَامُ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ بِالْعَارِيَةِ، وَتَكُونُ الْمَنَافِعُ لَهُمَا
يلحق بالأبوين كل من يعتق عليه؛ لأن الاستخدام من توابع الملك، فمن لا يجوز له التمليك، لا يجوز له الاستخدام، وتكون المنفعة للعبد والأمة دون من وهبت له، واستدل اللخمي على ذلك بقول مالك في من عجل عتق عبده على أن يخدمه شهرًا، أن الخدمة ساقطة، قال: لأنها بقية رق، بخلاف أن يجعل عليه دراهم.
ابن عبد السلام: فإن قلت هذ تلحق الإجارة بالعارية في هذا؟ قيل: هو محتمل، وقد قال في المدونة: ولا بأس أن يؤاجر الرجل أمه وأخته أو ذات محرم على رضاع ولده.
[ ٦ / ٤٨٨ ]
الضمان
وَتَحْصُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهَا
زاد في الجواهر من قول أو فعل، وهذا هو الركن الرابع.
وقوله: على معناها: أي على تمليك المنفعة بغير عوض.
وَلَوْ قَالَ: أَعِنِّي بِغُلامِكَ أَوْ ثَوْرِكَ يَوْمًا وأَعُينُكَ بِغُلامِي أَوْ ثُوْري يَوْمًا فَإِجَارَةٌ، وأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَآهُ مِنَ الرِّفْقِ
(فَإِجَارَةٌ) يعني ليس بعارية، وهكذا صرح به ابن شاس؛ لأنه إنما ينظر إلى المعنى ولا ينظر إلى اللفظ، فإن قوله: (أَعِنِّي) قريب من العارية، وإذا كان إجارة فيشترط أن يكون ما يقع التعاون فيه معلومًا سواء كان من نوع واحد كالحصاد أو نوعين كالدراس والبناء، وأن يكون زمان العمل قريبً من عقد هذه الإجارة، فلو قال: أعنِّي بعبدك غدًا على أن أعينك بعبدي بعد شهر لم يجز؛ لأنه نقد في منافع معين يتأخر قبضها؛ فإن قيل: إذا كان إجارة واشترط انتفاع الغرر في العمل في زمانه فأين الرفق؟ قيل: لعله في المتقدم من الغلامين، وأن هذا العقد جائز، وإن لم يتفاهما، أي الغلامين يكون عمله أولًا، هكذا قال ابن عبد السلام، وانظر لم نسب الجواز لابن القاسم فقط؟
الضَّمَانُ: إِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهِ لِمْ يَضْمَنْ إِلا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، وإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ضَمِنَ إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى تَلَفِهِ. وقَالَ أَشْهَبُ: ولَوْ قَامَتْ
تقدمت نظائر هذه المسألة والكلام عليها في الرهن وغيره، وحكى ابن شعبان عن مالك قولًا أنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط، حكاه في المقدمات وظاهره كان مما لا يغاب عليه أو لا.
وذكر اللخمي أن ابن شعبان حكى عن مالك أنه لا يصدق في ذهاب الحيوان والعبيد والدواب.
[ ٦ / ٤٨٩ ]
اللخمي: وقيل لا يصدق فيما صغر خاصة؛ لأنه يخفى إذا غيب عليه، وقد يرجع هذا القول فيما يراد منه الأكل دون غيره.
ابن المواز: وإذا قلنا: لا يضمن الدابة فيضمن سرجها ولجامها.
اللخمي: ولا يضمن العبد ولا ما عليه من الكسوة؛ لن العبد حائز لما عليه.
ومَا عُلِمَ أَنَّهُ بِغَيْرِسَبَبِهِ - كَالسُّوسِ فِي الثوب - يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ فَسَادًا فيَبْرَأُ
هكذا في الموازية، ولا يكفي في اليمين: ما أراد فسادًا، بل يزيد فيها: ولا ضَيَّع. وألحق التونسي الفأر بالسوس في هذا، وساوى اللخمي بين الفأر والسوس والحرق بالنار في الضمان، قال: لأن الغالب أن الناَّر لا تحدث إلا من فعله إلا أن يثبت أنه من غير فعله، وكذلك السُّوس إنما يحدث من الغفلة عن اللباس والمعير يقول: لو لبسته لم يتسوس، وقرض الفأر لا يحدث إلا لأمر كان من اللباس من رائحة طعام ونحوه، قال: وحيث ضمَّناه القيمة فهل يوم العارية أو يوم التلف؟ قولان مخرجان من القولين في الرهن، وما لا ينقص بالاستعمال يغرم جميعه، وكذلك ما ينقص إذا كانت مدة العارية قريبة لا ينقص في مثلها، وإن كانت بعيدة ينقص في مثلها ضمن قيمة ما يبقى بعد انقضاء مدة العارية.
وإِذَا اشْتَرَطَ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ فِي مَا يَضْمَنُ، أَوْ إِثْبَاتَهُ فِي مَا لا يَضْمَنُ - فَفِي إِفَادَتِهِ قَوْلانِ
نحوه في الجواهر ما إذا اشترط إسقاط الضمان في ما يضمن؛ كالثياب ونحوها، فقال المازري في كلامه المنسوب إليه على المدونة: في المسألة قولان، وقال في شرح التلقين: واللخمي وغيرهما: اتفق ابن القاسم وأشهب عنا على إعمال الشرط، وإن كانا قد اختلفا في الرهن؛ لأن العارية معروف ثان لا مانع منه بخلاف الرهن.
[ ٦ / ٤٩٠ ]
اللخمي: وقال سحنون: في من أعطى لرجل مالًا يكونُ له ربحهُ ولا ضَمَانَ عليه، أنه ضامن، فعلى هذا يسقط شرطه في الثياب.
والذي في المقدمات الضمان لابن القاسم، وأنه قال في بعض روايات المدونة وهو [٥٧٣/ب] أيضًا في العتبية لابن القاسم وأشهب في بعض روايات من كتاب العارية، قال: وعلى ما حكاه ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط الضمان عليه، أن شرطه جائز ينفعه الشرط في العارية، قال: لأنه إذا لزمه في الصانع فأحرى في المستعير؛ لأن المعير إذا أعاره على ألا ضمان فقد فعل المعروف معه من وجهين: إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزمه على أحد القولين، وأما إذا اشترط إثبات الضمان فيما لا يضمن من حيوان ونحوه، فقال مالك رحمه الله تعالى وجميع اصحابه: الشرط باطل مطلقًا إلا مطرفًا فإن قال: إن شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه، واشترطه الضمان من أجلِهِ، وإن هلكت بغير ذلك لم يضمن.
والظاهر أن المصنف لم يرد قول مطرف؛ لأن كلامه لا يبنى على التفصيل، وظاهر كلامه أنه يضمن على أحد القولين؛ وهذا ليس بمنصوص بل خرجه اللخمي، قال: ويجري فيها قول بالضمان كما شرط؛ لأنه الواجب في أحد قولي مالك من غير شرط، فقد دخلا على التزام أحد القولين.
وَإِذَا ادَّعَى كَسْرَ السَّيْفِ أَوِ الْفَاسِ بِاسْتِعْمَالِهِ وَأَحْضَرَهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بِبَيِّنَةٍ، وقِيلَ: يُقْبَلُ
يحتمل أن يريد بالقول الأول مذهب المدونة ونصها: وإن استعار سيفًا ليقاتل به فانكسر لم يضمن؛ لأنه فعل به ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء وإلا ضمن، وفي البيان في هذه المسألة أربعة أقوال:
[ ٦ / ٤٩١ ]
الأول لابن القاسم في العتبية وابن وهب أنه لا يصدق إلا ببينة.
الثاني أنه يصدق إذا ائتمن ذلك بما يشبه وهو قول عيسى بن دينار ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وأصبغ واختاره؛ لأنه من محاسن الأخلاق أن يصلحه.
الثالث: قوله في المدونة في السيف أنه لا يصدق إلا أن تكون له بينة أنه كان معه في اللقاء.
الرابع: قول سحنون: يضمن إلا أن تكون له بينة أنه ضرب به في اللقاء ضربًا يجوز له قال: وهو أبعد الأقاويل، وأولاها بالصواب قول عيسى، والظاهر من قول المصنف أنه أراد بالقول الأول قول ابن القاسم في المدونة، وعلى هذا ففي تقديمه نظر.
اللخمي: وأما الرحا تستعار ليطحن عليها فيأتي بها وقد حفيت فلا شيء عليه بالاتفاق.
ولا يَتَعَدَّى الْمَاذُونَ فِيهِ؛ فَلا يَزْرَعُ مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ
إذا أعاره أرضًا مثلًا ليزرع فيها شيئًا، فليس للمستعير أن يزرع ما هو أضر منه، ومفهومه أنَّ له أن يزرع ما هو مساوٍ في الضرر للأول، وهو صحيح صرح بذلك صاحب الجواهر وغير واحد في المدونة.
وإن استعار دابةً ليحمل عليها حنطة فحمل عليها حجارة فكل ما حمل مما هو أضر مما استعاره له، فعطبت به فهو ضامن، وإن كانت مثله في الضرر لم يضمن؛ كحمله عدسًا في مكان حنطة أو كتانًا أو قطنًا في مكان بز، فظاهرها أنه إذا حمل عليها ما هو أضر فعطبت فهو ضامن، سواء زاد ما تعطب بمثله أم لا، لكن الشيوخ فصلوا ذلك؛ فقالوا: إن كانت تلك الزيادة لا تعطب بمثلها فعطبت فليس لربِّ الدابة إلا كراء الزيادة فقط، وإن كان ذلك الزائد مما تعطب بمثله خير ربها في أن يضمنه قيمة الدابة يوم تعديه ولا شيء له غير ذلك أو يأخذ كراء الفضل فقط.
[ ٦ / ٤٩٢ ]
ابن يونس: ومعرفة ذلك أن يقال: كم يساوي كراؤها فيما استعارها له؟ فإن قيل: عشرة، قيل: وكم يساوي كراؤها في ما حمل عليها؟ فإن قيل: خمسة عشر؛ خير رب الدابة بين أن يُضمنَه قيمة الدابة أو يأخذ الخمسة الزائدة فقط، وأما إن كانت تلك الزيادة لا تعطب بمثلها فليس عليه إلا الخمسة، وكذلك إن لم تعطب فليس له إلا كراء الزيادة.
فَلَو أَطْلَقَ فَاسْتِعْمَالُ مِثْلِهَا
يعني: فإن استعار شيئًا ولم يبين الوجه الذي استعاره من أجله، فإنه يتعين ذلك بمقتضى العادة، بل نص في المدونة على أنه يترك ظاهر اللفظ للعادة، ففيها: وإن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو بالفسطاط فركبها إلى الشام أو إلى إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى ذلك فلا شيء عليه وإلا ضمن.
والذي يسأل رجلًا أن يسرج له دابة ليركبها في حاجة فيقول له: اركبها إلى حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام، ولمراعاة العادة يحمل أيضًا عليها عند الاختلاف، ففي المدونة: ولو استعار مُهرًا فحَملَ عليه بزًا لم يصدق أنه استعاره لذلك، وإن كان بعيرًا صُدِّق.
وَهِيَ لازِمَةٌ فَإِنْ أَجَّلَهَا بِمُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ لَزِمَتْ إِلَى انْقِضَائِهِ وَإِلا فَالْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهَا، وفِي اللُّزُومِ قَبْلَ الْقَبْضِ قَوْلانِ
أي: لازمة بالقول؛ لأنها نوع من أنواع الهبة فتلزم كبقية الأنواع، والظاهر أن المراد بقوله: لازمة إذا حصل الإيجاب والقبول، لقوله بعد ذلك: وفي اللزوم قبل القبض قولان، واللزوم هو أصل المذهب كالهبة، وهو قول ابن القصار، ولعل القول الأخر مبني على الشاذ في الهبة أنها تلزم بالقول، وحكاه في الجواهر عن أشهب وزاد عنه أن له الرد بعد القبض بالقرب، وقال القاضي أبو الفرج: ما روي من وجوب العارية بالقول دون
[ ٦ / ٤٩٣ ]
الإقباض إنما هو في الأرضين، ويريد أبو الفرج قوله في المدونة في الأرض يعيرها للبناء أو للغرس أنه ليس له إخراجه بقرب الغرس أو البناء.
وقوله: فإن أجلها بمدة: أي كشهر [٥٧٤/أ] أو عمل؛ كزرع بطن لزمت إلى انقضائها (وَإِلا فَالْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهَا) أي وإن لم يضرب أجلًا، وهكذا روى الدمياطي عن ابن القاسم أنه قال: وإن لم يضرب له أجلًا، فليس له إخراجه حتى يبلغ ما يعار إلى مثله من الأمد.
ابن يونس: وهو صواب؛ لأن العرف كالشَّرط، وذكر أشهب في كتابه أنَّ للمعير إذا فرغ المستعير من بنائه وغرسه أن يخرجه فيما قرب أو بعد؛ لأنه إعارة إلى غير أجل، وقد فرض إذا لم يضرب أجلًا ويعطيه رب الأرض قيمته مقلوعًا ويأخذه أو يأمره بقلعه، وروى عنه الدمياطي أنه له إخراجه متى شاء إن كانت له حاجة إلى عرصته أو إلى بيعها سواء تقدم بينهما شرط أم لا، وإن كان لغير حاجة ولكن لشيء وقع بينهما، فليس له ذلك، وقال أصبغ: إذا لم يسكن فليس له إخراجه أيضًا.
وإن أعطاه قيمته قائمًا إلا برضاه وبه أخذ يحيى بن عمر.
وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرسِ فَلَهُ دَفْعُ قِيمَتِهِ مَقْلُوعًا بَعْدَ مُحاَسَبَتِهِ بِأُجْرَةِ الْقَلْعِ وإِخْلاءِ الأَرْضِ، أَوْ يَامُرُهُ بِقَلْعِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ نَقْضِهِ أَخَذَهُ مَجَّانًا
يعني (إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرسِ) أي المدة المشترطة بالشرط أو بالعادة فللمعير دفع قيمة البناء والغرس مقلوعًا.
وقوله: (بَعْدَ مُحاَسَبَتِهِ) هكذا نص عليه محمد وابن شعبان وغيرهما، ومعناه أن يسقط من النقض قيمة قلع البناء وتنظيف الأرض لتعود كما كانت وكذلك الشجر؛ مثاله: أن يقال: كم تساوي قيمة النقض الذي في هذا أو الشجر بعد قلعه؟ فيقال: مائة،
[ ٦ / ٤٩٤ ]
فيقال: وبكم يقلع هذا؟ فيقال: بعشرة، ويقال: وكم تساوي الأرض لتعود كما كانت فيقال: عشرة، فيعطيه ثمانين.
قال غير واحد: إلا أن يكون المستعير ممن يتولى القلع وتنظيف الأرض بنفسه أو بعبده فلا يسقط لذلك شيء، وقيل: إن ما نص عليه محمد من إسقاط أجرة القلع خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، فإن مذهبه فيها لا يحط ذلك، وإلى هذا ذهب ابن دحون، واعتل في ذلك بأن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد هدمه، وكذلك أنكر ابن سهل كلام ابن المواز، واعتقد أن قيمة البناء مقلوعًا تستلزم طرح أجرة القلع، فلا ينبغي أن تسقط مرة أخرى، وليس بالبين، فإن تقويم البناء مقلوعًا أعم من كل واحد من وجهي طرح أجرة القلع وعدم طرحه، والأعم لا يستلزم الأخص.
وروى مطرف وابن الماجشون أن كل من بنى في أرض قوم أو غرس بإذنهم وأعلمهم فلم يمنعوه ولا أنكروا عليه فله قيمته قائمًا؛ كالباني بشبهة، وكذلك من تكارى أرضًا أو بنى في أرض زوجته.
ابن حبيب: وهو قول ابن كنانة وجميع المدنيين، وقاله ابن القاسم، وعلى هذا فالغاصب متفق عليه أنه يأخذ قيمة البناء مقلوعًا، والمستحق من يده متفق عليه أنه يأخذ قيمة البناء قائمًا، ويختلف في المستعير والمكتري.
قوله: (أَوْ يَامُرُهُ بِقَلْعِهِ) يعني أن رب الأرض يخير في أمرين: إما أن يعطيه القيمة كما تقدم، وإما أن يأمره بقلع بنائه؛ هذا بشرط أن يكون للبناء والغرس قيمة بعد القلع، وأما إن لم تكن له قيمة بعد القلع فلا يكون للباني فيه شيء.
وَقِيلَ لِلْمُعِيرِ الإِخْرَاجُ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَادَةِ إَذَا أَعْطَى مَا أنْفَقَ، وَقِيلَ: قِيمَةَ مَا أنْفَقَ
يعني: أن المدة المشترطة ليس للمعير الإخراج قبل انقضائها، وأما المعتادة ففيها قولان:
[ ٦ / ٤٩٥ ]
الأول: وهو الذي قدمه المصنف، أنها كالمشترطة وهو قوله: (وإلا فالمعتاد في مثلها).
والثاني: أن للمعير الإخراج فيها، فقوله: (وَقِيلَ: لِلْمُعِيرِ) مقابل لقوله. (وإلا فالمعتاد في مثلها).
والأول لمطرف وابن الماجشون، والثاني: مذهب المدونة ففيها: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس، فلما فعل أردت أخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق، فإما بقرب ذلك مما لا يشبه أن يعيره إلى مثل تلك المدة القريبة، فليس لك إخراجه، وقال في باب بعد هذا: قيمة ما أنفق وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (إَذَا أَعْطَى مَا أنْفَقَ، وَقِيلَ: قِيمَةَ مَا أنْفَقَ)، وهذا الكلام من المصنف يدل على أنه حمل ما في المدونة على الخلاف، وهو تأويل غير واحد، وجمع بعضهم بينها فقال: يعطيه ما أنفق إذا اشترى المستعير ذلك للعمارة، وقيمة ما أنفق إذا كان ما أنفقه في ملكه ولم يشتر، وقيل: ما أنفق إذا كان بالقرب جدًا؛ كاليوم واليومين، وقيمة ما أنفق إذا طال الأمد؛ لأنه تغير بانتفاعه، وقيل: ما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن أو كان فيه تغابن يسير، ومرة رأى القيمة أعدل؛ إذ قد يسامح مرة فيما يشتريه ومرة يغبن فيه، قال في النكت: فهو على هذا الذي وصفنا لا يكون اختلاف قول.
ابن يونس: والثالث والأول محتملان، وأما الثاني فخطأ؛ لأنه إنما يعطيه قيمة ما أنفق يوم البناء، فلا يراعي تغييرًا ولم يتغير، ولو عكس هذا لكان أولى؛ لن ما تقدم وتغير القيمة فيه يوم البناء متعذرة لتغيره، ولا يقال: كيف كان حاله يوم البناء فيجب أن يعطيه ما أنفق لهذا، وما كان بالقرب ولم يتغير فالقيمة فيه مخلصة، فإذا أعطاها لم يظلم؛ لأنها متوسطة.
وفي مختصر حمديس: إذا أعطاه ما أنفق، يطعيه أجرة مثله في كفايته، ليس على قيامه فقط؛ لأن رب الأرض قد يجد ما ينفق ويعجز عن القيام، ولو نشأ ذلك من عجز عن القيام أن يعير أرضًا، فإذا استوى البناء، والغرس أخرجه وقال: هذه نفقتك.
[ ٦ / ٤٩٦ ]
أبو الحسن: قالوا: وإذا أعطاه قيمته قائمًا، فمعناه على التأبيد بخلاف أول مسألة كتاب الاستحقاق، فإن إذا أعطاه قيمته قائمًا فإنه إلى تمام المدة، قالوا: والفرق بينهما أن ما في الاستحقاق أن المستحق لم [٥٧٤/ب] يأذن له وإنما أذن له غيره، وهنا الإذن من رب الأرض.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم في آخر الشركة أن ابن زرقون حصل في هذه المسألة ومسألة عارية الجدار لغرز الجذع ستة أقوال، فانظرها.
الثاني: استقرأ ابن الهنيد من المسألة هذه من قوله: (ليس لك إخراجه في المدة القريبة) أنّ من أسلف رجلًا سلفًا ثم أراد تعجيل أخذه بالقرب فإنه ينظر إلى قدر ما ينتفع به في مثله، فإن كان قدر ما ينتفع به من المد فإنه يقضي عليه وإلا فلا، وهو منصوص أيضًا في العتبية.
وإِذا تَنَازَعَا فِي الْعَارِيَةِ وَالإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ
يعني: إذا ركب دابَّة رجل إلى بلد وادَّعى أنه أعارَه إيَّاها، وقال ربُّها: بل اكتريتُها منِّي، فالقولُ قولُ ربِّها. ابن راشد: مع يمينه. ابن يونس: لأنه ادعى عليه معروفًا.
وقوله: (إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ) قال في المدونة: بأن يكون ربها لا يكري الدواب لشرفه وقدره، وهذا هو المراد بقوله: (إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ) وليس المراد مجرد قوله: ولا يكري عادة، فإن هذا مقبول القول، ذكر هذا في النوادر عن أشهب فقال: وقال أشهب: القول قول المالك وإن كان ممن لا يكري دابته ويحلف لقد أكراها ويحلف الآخر ما أكراها ويغرم قيمة الكراء؛ وهذا ما لم يكن أكثر مما ادعاه صاحبها، إلا أن يكون رجلًا شريفًا عظيم القدر يأنف مثله من كراء دوابه، فيكون القول قول المستعير مع يمينه.
ابن عبد السلام: وهو معنى ما في المدونة وفي اللخمي.
[ ٦ / ٤٩٧ ]
وقال ابن كنانة: إن كان صاحب الدابة ممن يعرف بكراء الدواب ولذلك حبسها وهي بضاعته حلف وأخذ الكراء إذا ادعى ما يشبه أن يستأجر به، وإن كان ممن لا يعرف بكراء الدواب ولا ذلك عمله، حلف الآخر أنها عارية ولا شيء عليه، وحيث قلنا القول قول المالك في أنه لم يأذن إلا بعوض، فهل يقبل قوله في مقداره؟ قال في الجعل والإجارة، وإن ادعى رب المتاع أن الصانع عمله بإطلاق وقال الصانع: بل بأجر، صدق الصانع فيما يشبه الأجر وإلا رد إلى أجر مثله، وفي أكرية الدور: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء. فادعى أنك أسكنته بغير كراء، فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك، وقال غيره: على الساكن الأقل من دعواك أو من كراء المثل بعد أيمانهما.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي النِّهَايَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ إِلَى الأَبْعَدِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمالكِ
يعني: إذا اتفقا على العارِّة واختلفا في النهاية، فقال المعير مثلًا: أعرتكها من مصر إلى غزة، وقال المستعير: بل إلى دمشق، فإن لم يركبها المستعير إلى الأبعد أي إلى دمشق في المثال المفروض، فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن المستعير مدعى عليه الزيادة.
ابن عبد السلام: وجهوا عليه اليمين في هذه المسألة والتي قبلها مع أنهما من دعوى المعروف، وفي توجيهها في هذا الأصل خلاف، ونحو هذا المثال ما إذا تنازعا في طريقين إحداهما سهلة والأخرى وعرة، وقال: أعرتني هذا الثوب شهرًا، وقال: بل يومًا، وإذا حلف المعير يكون المستعير بالخيار بين أن يركبها إلى ذلك الموضع الذي حلف عليه أو يترك، إلا أن يخشى منه أن يتعدى ويمضي بها حيث شاء فلا يسلم إليه إلا أن يتوثق فيه ألا يتعدى.
فإن رَكِبَ إِلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ، وقَالَ أَشْهَبُ فِي طَرْحِ الضَّمَانِ إِلا فِي الْكِرَاءِ، وَيَاخُذُ مَا بَيْنَهُمَا بِيَمِينِهِ
أي: وإن ركب إلى دمشق في المثال المفروض، فقال ابن القاسم في المدونة: القول قول المستعير إن ادَّعى ما يشبه مع يمينه، واعلم أنه في المدونة لم يذكر أن ابن القاسم قال هذا،
[ ٦ / ٤٩٨ ]
بل قال: وجدت في مسائل عبد الرحيم عن مالك ذلك، نعم ظاهر الحال أنه قائل بذلك، وحكى في البيان عن ابن القاسم في الدمياطية أن القول قول المعير إذا اختلفا بعد الرجوع، بخلاف إذا كان معه في سفر فاختلفا في الرجوع.
وخرجه اللخمي في أحد القولين في من دفع دنانير ليشتري بها طعامًا، فاشترى له بها ثمرًا، وقال الآخر: قمحًا، أن القول قول الآخر ويغرمه الدنانير، بل هو هنا أولى؛ لأن المستعير قابض لحق نفسه.
اللخمي: ووجهه أن المعير واهب فلا يؤخذ بغير ما أقرَّ به، وقال أشهب وسحنون وابن حبيب: القول قول المستعير في طرح الضمان، فإن هلكت فيما بين المسافتين لا يكون عليه شيء؛ لأنَّه مدَّعى عليه تعمير ذمته لا في الكراء فإن القول قول المعير في الزائد.
سحنون: ويحلف المستعير ليسقط عنه الضمان، ويأخذ الكراء.
وعلى القول الثاني: فإذا حلف المعير نظر، فإن كان اختلافهما في زيادة المسافة أخذ كراء تلك الزيادة، وإن كان في صعوبة أخذ كراء جميع تلك الطريق، ويكون للمستعير أن يذهب بها إلى الطريق التي أقرَّ بها، قاله اللخمي.
ونوقش المصنف بأن قوله: فإن يركب إلى الأبعد يقتضي أنه لو وجده بين المسافتين أن يكون القول قول المعير، وليس كذلك فإن المذهب لا يصدق إلا فيما زاد على المسافة التي وصل المستعير إليها إلا فيما زاد على ما ادعاه المعير، وقد يقال هنا: يؤخذ حكمه مما إذا ركبها إلى الأبعد، فلذلك لم ينبه المصنف عليه، وعورض قول ابن القاسم واشهب هنا بما في الجعل، قال مالك: ومن استأجر فسطاطًا أو بساطًا أو غرائر أو آنية إلى مكة ذاهبًا وراجعًا فادعى ضياع هذه الأشياء في البداية صدق في الضياع ولزمه الكراء.
ابن القاسم: ويلزمه الكراء كله إلا أن يأتيَ ببيِّنة على وقت الضياع، قال: وإن كان معه قوم في سفره فشهدوا أنَّهُ أعْلَمَهُم بضياع ذلك، وطلبه بمحضرهم حَلَف وسقط عنه من
[ ٦ / ٤٩٩ ]
يومئذ حصة باقي [٥٧٥/أ] المدة، وقال غيره: القول قوله في رفع الضّمان والكراء، والمراد بالغير سحنون وعلى هذا كل من ابن القاسم وسحنون خالف اصله وفرق لابن القاسم بأن مسَّألة الجعل ذمته عمرت بعقد الكراء وهو مدع إسقاطه، وهنا لم تعمر ذمته بشيء، ورأى سحنون هنا أن المستعير مدع لمعروف زائد على ما أقرَّ بِه الواهب ولا يلزمه من المعروف إلا ما أقرَّ به.
وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا - بِرَسُولٍ مُوَافِقٍ لِلْمُسْتَعِيرِ أَوْ مُخَالِفٍ - كَذَلِكَ
يعني: وهذه المسألة بعينها إذا أرسل المستعير رسولًا فأعاره إلى مسافة ثم اختلف المعير والمستعير فالحكم للأول سواء صدق الرسول المستعير أو كذبه أو كذبهما معًا؛ لأنه إنما شهد على فعل نفسه، واعلم أن ما ذكر من تساوي الحكم فهو بالنسبة إلى أشهب صحيح، وأما عند ابن القاسم ففي المدونة: من بعث رسولًا إلى رجل ليعيره دابة إلى برقة، وقال الرسول: إلى فلسطين، فعطبت عند المستعير، واعترف الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال: بذلك أمرني، وأكذبه المستعيرن فلا يكون الرسول شاهدًا؛ لأنه خصم، وتمت المسألة هنا في أكثر الروايات، وعليها اقتصر البرادعي، وزاد ابن أبي زيد في مختصره: والمستعير ضامن إلا أن تكون له بينة على ما زعم. وصحت هذه الزيادة في رواية يحيى بن عمر وعلى هذه الزيادة فليس الحكم مستويًا، ورأى بعضهم أنه يتخرج من هذه الضمان في مسألة عبد الرحيم، وقال جماعة: بل المسألتان مفترقتان، وإنما ضمن المستعير في هذه؛ إذ لا يقطع بكذب المعير إذ لا حقيقة عنده مما قاله الرسول، وفي مسألة عبد الرحيم: هو مكذِّبٌ للمُعِيرِ ذَكَرهُ عياض.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي رَدِّهَا فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ فِي مَا لا يُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ فِي تَلَفِهِ
أي: فيما يغاب عليه؛ لأن المستعير مقر بالأخذ مدع للدفع، قال في الموازية: وسواء قبضها ببينة أو بغير بينة، لا يقبل قوله في ذلك، وفهم من كلامه أن المستعير يصدق فيما لا
[ ٦ / ٥٠٠ ]
يغاب عليه، وكذلك قال محمد: كل من يقبل قوله في التلف، يقبل قوله في الرد، يعني لو كان كاذبًا في الرد لأمكنه أن يفيء إلى دعوى الضياع، وقد علمت أن هذه القرينة ضعيفة في الوديعة، ألا ترى أنه لا يقبل قول المودَع في الرد مع أنه يقبل في الضياع.
* * *
[ ٦ / ٥٠١ ]
الْغَصْبُ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَانًا مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ
الغصب لغة: أخذ كل متملك ظلمًا من غير رضا صاحبه، فيتناول: السرقة، والاختلاس، والخيانة، والحرابة، والتعدي، ورسمه المصنف اصطلاحًا بقوله: (أَخْذُ الْمَالِ إلى آخره): فأخذ المال جنس، وأخرج بالقهر ما أخذ من ربه اختيارًا واستسرارًا، كالسرقة والخيانة والاختلاس؛ لأن القهر يستدعي أن يؤخذ ذلك بعلم صاحبه، لا يقال: المختلس منه يعلم بأخذ المال، فيدخل في كلام المصنف، ويصير الحد غير مانع؛ لأنا نقول: المختلس منه إنما يعلم بأخذ المال بعد الأخذ فلا ينطبق عليه القهر، فإن القهر يستدعي علم المأخوذ منه بما قهر، وأخرج بالعدوان ما أخذ قهرًا لا عدوانًا، كأخذ الإمام الزكاة من الممتنع، وكأخذ المغصوب منه المال من الغاصب، ولما كانت هذه القيود تتناول الحرابة قال المصنف: من غير حرابة ليخرجها، ولا خرف في تحريم الغصب والإجماع عليه.
وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ويُؤَدَّبُ، وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ أَوْ كَسَرَهُ بِخِلافِ ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ
يعني أن الغصب يتصور من غير البالغ كالبالغ، ويؤخذ بحق المغصوب منه من ماله ولا خلاف في ذلك؛ لأن إتلاف المال من باب خطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف.
وقوله: (ويُؤَدَّبُ) فهم منه أن البالغ يؤدب من باب أولى، ولا خلاف في تأديب البالغ.
قال في المقدمات: ولا يُسقط ذلك عفوُ المغصوب منه وأما غير البالغ فقال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف هو ظاهر المذهب والمنصوص للمتقدمين.
وفي المقدمات: لا يؤدب من لم يبلغ الحلم لقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث، وقيل يؤدب كما في المكاتب.
[ ٦ / ٥٠٢ ]
وقوله: (وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ) ابن عبد السلام: هذه المسألة عند أهل المذهب من باب التعدي لا من باب الغصب، فإن المذهب التفريق بين حكمهما في الجملة وإن استويا في هذا الموضع، ومراد المصنف بثمن ما أفسده المميز أو كسره هو مطلق العوض من مثل أو قيمة، وذكر لفظ (ثَمَن) لتتم له المخالفة في ثمن ما يبيعه لفظًا كما ثبتت له معنى، وذلك أنه إذا باع الصبي شيئًا من ماله وقبض ثمنه وأتلف ذلك الثمن فلا يلزمه بيع، ويقضى على المشتري برد المبيع ولا يلزم الصبي شيء من الثمن؛ لأنه خرج من يد ربه طوعًا بخلاف ما أفسد الصبي أو كسره، فإن ذلك من غير تسليط من ربه، نعم إن صُونَ بذلك شيئًا من ماله لزمه الأقل مما صونه أو الثمن والمقابلة التي ذكرها المؤلف بين ما أفسده أو كسره ليست بحقيقة؛ لأن الإفساد أعم من التكسير.
وَفِيهَا: فِي مَنْ بَعَثَ يَتِيمًا لآبِقٍ فَأَخَذَهُ فَبَاعَهُ وأَتْلَفَ الثَّمَنَ يُرَدُّ الْعَبْدُ ولا عُهْدَةَ عَلَى الْيَتِيمِ وَلا ثَمَنَ
ابن راشد: ذكر هذا استشهادًا لما ذكره، ويحتمل أن يكون هذا استشكالًا لعدم إمضاء البيع، وهو إنما وضع يده عليه بإذن ربه.
وجعل ابن عبد السلام هذا أقرب من الأول، وفيه نظر، بل الأول أولى؛ لأن هذا سؤال ضعيف، فإن غايته أن يكون وكيلًا على حفظه ولا يلزم بيع الموكل على الحفظ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَقِيلَ: الْمَالُ فِي مَالِهِ، والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ، وقِيلَ: كِلاهُمَا
هذا مقابل قوله: المميز، والأقوال الثلاثة حكاها في الجواهر كالمصنف. وقوله: (والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) أي إذا كانت الدية الثلث فصاعدًا، (وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ) أي والدم على العاقلة كما تقدم، ويؤخذ من هذا أن ما أتلف المجنون هدر.
[ ٦ / ٥٠٣ ]
(وقِيلَ: كِلاهُمَا) أي هدر كالبهيمة والقول الأول أظهر؛ لأن الضمان من باب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف.
محمد: وإن كان صغيرًا يحبو فلا شيء عليه من عقل، وهو كالبهيمة، وقال ابن القاسم: إن أفسد شيئًا فإن كان ابن ستة أشهر ونحوها لا ينزجر فلا شيء عليه، وإن كان مثل ابن سنة فصاعدًا فذلك عليه.
قال في العتبية: ما أصاب [٥٧٥/ب] المجنون الذي لا يعقل والصبي الصغير ابن سنة ونصف ونحو ذلك من فساد أموال الناس فهو هدر.
ابن عبد السلام: وجعل المصنف مورد الخلاف في هذه المسألة عدم التمييز، وهو حسن في الفقه غير أن الروايات لا تساعده وإنما تعرَّضُوا للتحديد في هذه المسألة بالسِّن فقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن سنة ونصف، وقيل: غير ذلك.
وَيَكُونُ التَّفْوِيتُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ
أي: ويكون الضمان ودل عليه السياق.
(بِالْمُبَاشَرَةِ) الباء للسببية (أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ) يحتمل أن يكون معطوفًا على قوله: (التَّفْوِيتُ) ويكون للضمان سببان ويحتمل أن يكون معطوفًا على المباشرة، أي يكون الضمان بسبب التفويت، وسبب التفويت إما المباشرة وهو سبب محسوس، وإما إثبات اليد العادية فعلى هذا يكون الضمان بسبب واحد.
فَالْمُبِاشِرَةُ كَالأَكَلِ، والْقَتْلِ، وَالإِحْرَاقِ
ابن راشد: وهو مجمع عليه أي بقتل الحيوان أو أكل الشيء المغصوب أو إتلافه بإحراق أو بغيره.
[ ٦ / ٥٠٤ ]
وَإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ، وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ
(فِي الْمَنْقُولِ) أي في الحيوان والعروض (بِالنَّقْلِ)، يعني فلو هلك بعد ذلك بسماوي ضمنه.
(وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ) ظاهر والاتفاق عليه، ونبه على خلاف أبي حنيفة ﵀ ورضي عنه فإنه يرى أنَّ مجرد وضع اليد ليس موجبًا للتضمين بل حتى ينضم إليه النقل.
فَلَوْ غَصَبَ السُّكْنَى فَانْهَدَمَتِ الدَّارُ لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى
هذا يخصه أصحابنا بالتعدي، فإن الغصب عندهم: هو غصب الذوات، والتعدي: هو غصب المنفعة أو إتلاف بعض السلعة، ولا فرق في التعدي بين أن يتقدم له إذن كالمستعير والمقارض والمستأجر أو لا يتقدم، وسيأتي حكم التعدي إن شاء الله تعالى.
و(لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى) لأنها هي التي تعدى عليها، وهذا أحسن لو طردوه، ولكنهم قالوا في التعدي بالدابة المكان المشترط من مستعير ومستأجر: إنه يضمن الرقبة إن هلكت وكل منهما لم يقصد ملك الرقبة، فإن قيل: المتعدي على الدابة ناقل لها بخلاف المتعدي على الدار فجوابه أنهم لم يعتبروا النقل في باب الغصب فينبغي في التعدي مثله.
وَيَكْفِي الرُّكُوبُ فِي الدَّابَّةِ والْجَحْدُ فِي الْوَدِيعَةِ
أي: يكفي في وجوب الضمان في التعدي ركوب الدابة، وقد تقدم أن مجرد وضع اليد موجب للضمان فكيف بالركوب، وقد تقدم الكلام على جحد الوديعة في محلها.
[ ٦ / ٥٠٥ ]
وَالتَّسَبُّبُ بِالْفِعْلِ الْمُهَيِّئِ لِسَبَبٍ آخَرَ مِثْلهُمَا
أي: مثل المباشرة وإثبات اليد العادية، وحاصله أن سبب السبب كالسبب، ولذلك قال:
فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى إِتْلافِ الْمَالِ، وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ
ابن راشد: سحنون في عامل أكره رجلًا على أن يدخل بيت رجل ليخرج منه متاعًا ليدفعه إليه، فأخرج له ما أمر به ودفعه إليه ثم عزل العامل، وقام رب المتاع، فله إن يأخذ بذلك من شاء منهما، فإن أخذه من المأمور رجع به المأمور على العامل، قال: وإن عزل الأمير وغاب رب المتاع، فقام المأمور وقال: أنا آخذ بالمتاع، فأغرمه لي أيها الأمير، فإنه تعدى عليه.
ابن رشد: وفي قوله (تعدى عليه) نظر، والذي يوجبه النظر أن يقضي له بتغريمه، ولا يمكن منه ويوقف لصاحبه.
وفي المبسوط عن عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ أنه لا شيء على المأمور المكره على ذلك، ونحوه لابن سحنون قال: وإن أكره بقتل أو قطع فهو في سعة أن يأخذ ويضمن الأمير دون المأمور، وإن أبى أن يأخذ حتى قتله فهو في سعة.
وقال سحنون: إذا أكره رجل آخرَ على أن يأخذ مالًا لرجل آخر، فيرمي به في مهلكة بوعيد بقتل أو سجن أو قيد، وأذن له في ذلك ربُّه من غير إكراه فلا شيء عليه، ولا على الذي أكرهه، وإن كان ربُّه مكرهًا على الإذن في ذلك فالمكْرَه الفاعل ضامنٌ وإن كان عديمًا فالضمان على الذي أكرهه ثم لا رجوع له على الفاعل إذا أيسر.
ابن عبد السلام: وظاهره أن المغصوب منه يطلب المكره أولًا، فإذا غرم لم يرجع به على المكره المباشر.
[ ٦ / ٥٠٦ ]
وقوله: (وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا) تقدم، والعدوان أن يحفر في ملك غيره أو في ملكه قصدًا للإهلاك، واحترز به مما لو حفرها في ملكه لمصلحة.
فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ
أي: فإن (رَدَّاهُ) غير الحافر (فَعَلَى الْمُرْدِي) لأنه المباشر فكان أقوى من التسبب، وليس سببًا قويًا كالإكراه حتى يضمنا معًا كما تقدم، ولهذا لو قوي السبب كانا متعادلين؛ كما لو حفرها لإهلاك شخص بعينه، ورداه غيره، فإن كان إنسانًا وجب القصاص عليهما وإن كان غيره ضمناه معًا قاله ابن رشد وابن عبد السلام.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرٍ فَطَارَ أَوْ حَبْلَ دَابَّةٍ فَهَرَبَتْ، أَوْ قَيْدَ عَبْدٍ فَأَبِقَ ضَمِنَ
زاد في الجواهر: وسواء كان الطيران والهروب عقيب الفتح أو الحلِّ أو بعد مهلة، وكذلك السارق يترك الباب مفتوحًا وما في الدار من أحد، فيذهب منها شيء وشرط في المدونة في مسألة العبد أن يكون قيد خوف إباقه، وهو شرط ظاهر، ولو قيد لقصْدِ النَّكال بالعبد لم يجب على حلِّه منه ضمان وإنما ضمن في هذه المسائل؛ لأن فعله سبب للإتلاف.
وَمَنْ فَتَحَ بَابًا عَلَى دَوَابَّ فَذَهَبَتْ ضَمِنَ، وقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَهْلُهَا
الأول: مذهب أشهب، وشرط أن تكون الدواب مسرحة غير مربوطة واختاره جماعة.
والثاني: لابن القاسم في المدونة وشبهها بمسألة السارق يدع الباب مفتوحًا وأهل الدار فيها نيام أو غير نيام، فيذهب من الدار بعد ذلك شيء، أنه لا ضمان على السارق، وأما إن لم يكونوا فيها فإنه يضمن.
خليل: ويفرق لأشهب بأنا لو لم نضمنه في [٥٧٦/أ] مسألة الدواب لزم ذهاب الدواب بغير غرم لأحد، بخلاف مسألة السارق فإنا إذا لم نغرم السارق الأول غرمنا السارق الثاني، وتغريمه أولى لمباشرته، والله أعلم.
[ ٦ / ٥٠٧ ]
وَمَنْ أَتْلَفَ مَغْصُوبًا ضَمِنَ وإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، ولَوْ قَدَّمَهُ الْغَاصِبُ لِضَيْفٍ فَأَكَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ ضَمِنَ ولِصَاحِبِهِ بَرِئَ، ولو أَكرَهَ صَاحِبَه فأكَلَهُ بَرِئَ
تقدم أن الضمان من باب الوضع، فلذلك يضمن من أتلف المغصوب، وإن لم يعلم، ولو كان مغرورًا كما لو قدم الغاصب الطعام فأكله ظنًا منه أنه ملك المقدم، ولا يريد المصنف أنه لا يضمنه إلا الضيف، بل هي مسألة هبة الغاصب يهب الشيء المغصوب وسيأتي قوله: (ولِصَاحِبِهِ بَرِئَ) أي وإن قدمه لصاحبه برئ، وكذلك (ولو أَكرَهَ صَاحِبَه) على أكله؛ لأن ربه هو المباشر لإتلاقه، وينبغي أن يقيد هذا لما إذا كان المغصوب منه قد هيأ الطعام للأكل، وأما إن هيأه للبيع فينبغي أن يضمنه الغاصب؛ إذ هو غير معذور، فإن انتفع بذلك سقط عنه مقدار أكله؛ كما لو كان الطعام يساوي عشرة دراهم، ومن عادته أن يكتفي بنصف درهم فيغرمه تسعة ونصفًا.
ابن عبد السلام: وقد قدمنا عن سحنون ما ظاهره في مسألة الإكراه أن المغصوب منه يطلب المكرَه أولًا، فإذا غرم لم يرجع على المكرِه المباشر، وعلى هذا التقدير لا يبعد أن يقوم رب الطعام على الغاصب الذي أكرهه على الأكل؛ لأن المتسبب في مسألة الإكراه مقدم في الضمان على المباشر.
فقوله: (مَغْصُوبًا) من الغصب - كما ذكرنا - لا كما قاله ابن راشد (معصومًا) من العصمة فإن هذا لا إشكال فيه ولا يساعده السياق.
ابن راشد - بناءً على نسخته -: واحترز بالمعصوم من الخمر للمسلم، ويضمنها للذميِّ خلافًا لابن الماجشون، ولا يضمن ما نقص من آلة اللهو بكسرها، ويضمن جلد الميتة بعد الدباع، واختُلِفَ في ضمانه قبله، فقال ابن القاسم وأشهب: يضمن، وروى أبو الفرج: لا يضمن، وقال أبو إسحاق: لا يضمن إلا أن يكون لمجوسي قاله ابن القاسم.
[ ٦ / ٥٠٨ ]
فروع:
الأول قاله مالك في الواضحة من غصب حرًا فباعه فإنه يكلّف طلبه، فإن يئس منه؛ قال: أدى ديته إلى أهله.
قال في البيان: ونزلت في طليطلة فكتب القاضي بها إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة، فجمع ابن بشير أهل العلم فأفتوا بذلك، فكتب أن يغرمه ديته.
الثاني: إذا جلس رجل على ثوب آخر في الصلاة، فقام صاحب الثوب، فانقطع الثوب، فقال مطرف وابن الماجشون: لا ضمان على الجالس، وهذا مما لا بدّ للناس منه في صلاتهم ومجالسهم، وقاله أصبغ قال: لأن الجالس لم يحصل منه غير السبب، والقطع إنما حصل بمباشرة صاحب الثوب.
الثالث: قال الشيخ أبو محمد: وإن أخبر لصوصًا بمطمر أو أخبر به غاصبًا ولولا دلالته ما عرف، ضمنه بعض متأخري أصحابنا ولم يضمنه بعضهم، وكذلك يضمن إذا أقر بالرق لغيره، وباعه وهو ساكت؛ لأنه أتلف الثمن على المشتري بسكوته، إلا أن يكون صغيرًا أو نحوه، ويتخرج منه قول آخر بعدم الضمان مما إذا اعتدى على رجل وقدمه للسلطان، والمتعدي يعلم أنه إذا قدمه إليه تجاوز في ظلمه وأغرمه ما لا يجب عليه.
ابن يونس: وقد اختلف في تضمينه فقال كثير عليه الأدب وقد أثم ولا غرم عليه، وكان بعض شيوخنا يفتي إذا كان الشاكي ظالمًا في شكواه غرم، وإن كان مظلومًا ولم يقدر أن ينتصف منه إلا بالسلطان فشكاه فأغرمه وتعدى عليه، لم يغرم؛ لأن الناس إنما يلجأون في المظلمة إلى السلطان، وعلى السلطان متى قدر عليه رد ما أخذ ظلمًا من المشكو، وكذلك ما أغرمه الرسول هو مثل ما أغرمه السلطان، يفرق فيه بين ظلم الشاكي وغيره، وكان بعض أصحابنا يفتي بأنه ينظر للقدر الذي فيه يستأجر به الشاكي في إحضار المشكو،
[ ٦ / ٥٠٩ ]
فيكون عليه على كل حال، وما زاد على ذلك مما أغرمه الرسول فيفرق فيه بين الظالم والمظلوم حسبما تقدم.
وَيَكُونُ لِعَيْنٍ ومَنْفَعَةٍ، فَالْعَيْنُ مِثْلِيٌّ ومُقَوَّمٌ - فَذَوَاتُ الأَمْثَالِ مِنَ الْمَكِيلِ والْمَوْزُونِ والْمَعْدُودِ، وجَمِيعُ الأَطْعِمَةِ تُضْمَنُ إِذَا تَلِفَتْ بِمِثْلِهَا
أي: ويكون الغصب، وتصور كلامه ظاهر.
وقوله: (وجَمِيعُ الأَطْعِمَةِ) من عطف الخاص على العام، وهو إذا لم يكن مكيلًا ولا موزونا ولا معدودًا فهو جزاف داخل في المقوَّمَات.
وقوله: (إِذَا تَلِفَتْ) ليس التلف شرطًا في الضمان ويكفي فيه بعض أنواع التغيير كما سيأتي.
فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ صَبَرَ حَتَّى يُوجَدَ؛ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، ولَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ الآنَ؛ عِنْدَ أَشْهَبَ
يعني: فإن كان المغصوب من ذوات الأمثال وتعذر الآن المثل كالأشياء التي لها إبان، أو غصب منه عسلًا ببلد ليس فيه عسل، فلا شك أن له الصبر إلى وجود المثل، وهل له الآن طلب القيمة؟
قال ابن القاسم في المدونة: ليس له ذلك، وقال أشهب: له ذلك، والخلاف هنا كالخلاف في السَّلْمِ في الفاكهة بعد خروج إبانها؛ فإن ابن القاسم أيضًا قال: يصبر إلى إبانه، وقال أشهب: يؤخذ بالقيمة وليس له التأخير ويأخذه بالمثل؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، وأشار ابن عبدوس إلى تناقض قول أشهب لكونه أجاز له في الغصب التأخير، قال: وإنما ينظر فإن كان الموضع يوجد في مثل الطعام على يوم أو يومين أو ثلاثة، والأمر القريب فليس له إلا مثل الطعام حتى يأتيه به، وإن كان بعيدًا مما على الطالب في تأخيره
[ ٦ / ٥١٠ ]
ضرر أو كان استهلك في لجج البحر وفي فياف بعيدة من العمران، فهذا يغرم قيمته حيث استهلكه ويأخذه به حيث لقيه، وقد يجاب لأشهب بأن التهمة على فسخ الدين في الدين تقوى في البيع؛ لأنه [٥٧٦/ب] واقع اختيارًا بخلاف الغصب، فلذلك ضعفت فيه التهمة.
فَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وهُوَ مَعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إِلا مِثْلُهُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، وقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ أَخْذُهُ أَوْ أَخْذُ مِثْلِهِ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، قَالَ سَحْنُونٌ: مَا أَعْرِفُ هَذَا، وقَالَ أَصْبَغُ: فِي الْبَعِيدِ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وفِي الْقَرِيبِ كَأَشْهَبَ. وَلا خِلافَ أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْهُ حَتَّى يُوثَقَ مِنْهُ
تصور المسألة والأقوال من كلامه ظاهر، فرأى ابن القاسم في المدونة أن النقل فوت لأن الغاصب غرم على حمله مالًا، وقاعدة أشهب في هذا الباب أن يحمل على الغاصب لظلمه، وتفرقة أصبغ استحسان.
وعلى قول ابن القاسم: إنه ليس عليه إلا مثله لمكان الغاصب، فلو اتفق على أن يأخذه بعينه أو مثله بموضع نقله فيه أو يأخذ فيه ثمنًا جاز بمنزلة القرض قبل قبضه وقال أصبغ: قيل: ويسقط التعجيل لئلا يدخله فسخ الدين في الدين، وحكى عن مالك منع أخذ الطعام مخالفًا للطعام المنقول، وكذلك قال العراقيون: إن حكم طعام الاستهلاك حكم طعام البيع.
وقوله: (وهُوَ مَعَهُ بِعَيْنِهِ) احترز لو لم يكن معه فإنه ليس له إلا مثله ببلد الغصب عند ابن القاسم، وقال أشهب: له أن يغرمه مثله بالبلد الذي لقيه فيه إن كان سعر البلدين سواء أو كان سعر البلد الذي لقيه فيه أرخص، وخرج اللخمي على قوله فيما إذا عدم الإبان فيما له إبان أن يكون له هنا أخذ القيمة إذا بعد ما بين البلدين.
وقوله: (وَلا خِلافَ أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْهُ) أي من الطعام وشبهه من المثليات حتى يتوثق منه، أي برهن ثقة أو بضمان.
[ ٦ / ٥١١ ]
فرع:
ولو أراد المغصوب منه تكليف الغاصب برد شيئه إلى مكان الغصب فليس له ذلك على المشهور خلافًا للمغيرة، فإنه قال: إذا غصب خشبة من عدن وأوصلها إلى جدة بمائة دينار أن لربها أن يكلفه ردها إلى مكان الغصب، وله أن يأخذها بعينها، قال: وإن نقلها بوجه شبهة، وقيمتُها حيث وصلتْ أكثر من قيمتها في المكان الذي منه نُقلت فأراد ربها أخذها، كلف أن يدفع لحاملها الأقل من كرائها أو ما زاد في قيمتها.
وذكر ابن حبيب في من استؤجر على حمل ينقله إلى بلد فنقل غيره خطأً أنَّ لصاحبه تضمين الناقل أو أخذ ما نقله بعد أن يؤدي الكراء عند ابن القاسم، ولا يلزمه عند أشهب ولا يلزم الحمَّال إعادته إلى موضعه، وليس للحمال قول إن قال: أنا أرده إلى مكانه وعلى الحمال أن يرجع فيحمل ما استؤجر عليه.
اللخمي: قال أصبغ في الواضحة في هذا: إن صاحب الأحمال مخير بين أن يلزمه ردها أو يأخذها ولا كراء له، إلا أن يعلم أن صاحبها كان راغبًا في وصولها فيكون عليه كراء المثل.
فَإِنْ أَتْلَفَ حُلِيًّا فَقِيمَتُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ
يعني: أن في المثلي إذا دخلته صنعة فذهب ابن القاسم أنه يصير من المقومات، ورأى غيره وهو في المدونة أيضًا أنه لا يتغير، ونحو هذه المسألة الغزل إذا استهلك وسأتي.
وَلَوْ كَسَرَهُ أَخَذَهُ وقِيمَةَ الصِّيَاغَةَ
أي: لو كسر الحلي أخذه وقيمة الصياغة؛ لأنها كسلعة مضافة إلى عين الذهب أو الفضة، هذا مذهب ابن القاسم في باب الغصب وفي الرَّهن، وكان ابن القاسم يقول: إذا كسر الخلخالين فإنما عليه ما نقصت الصياغة ثم رجع إلى أنه يغرم قيمتها ويكونان له.
[ ٦ / ٥١٢ ]
أبو عمران: وقوله: (ما نقصت الصياغة) (وقِيمَةَ الصِّيَاغَةَ) سواء، إنما يعني بذلك ما بين قيمتهما صحيحين ومكسورين.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد بقوله: ما نقصه فساد الصياغة من قيمة الجميع مصوغًا، وهو ظاهر كلامه، فيكون في المسألة ثلاثة اقوال، ولأشهب في الموازية: عليه أن يصوغَها له وهو أحب إلي من قيمتها أو مما تنقص وقد قال مالك فيها: وفي الجدار يهدمه: فإن لم يقدر أن يصوغها فعليه ما نقصها، وانظر هل يأتي القول الذي في الرهن بغرم ما نقص في الغصب أو لا؟ وقد قال أبو الحسن لما تكلم على مسألة الرهن: أنزله فيما نقص منزلة المكتري أو المودع إذا تعدى؛ لأنه مأذون لهما في الحوز فلا يغرم إلا ما أتلف، وأنزله في القول الآخر منزلة الغاصب؛ لأنه ضامن لهما لو هلكا.
لَوْ أَعَادَهُ عَلَى حَالِهِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ غُرْمٍ، وقِيلَ: فَثَمَنُهُ وعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ
يعني: فإن أعاد المصوغ بعد كسره مصوغا فإما على حالته الأولى أوغيرها، فإن كان على حالته الأولى فذكر ابن راشد قولين: والأول: لابن القاسم وأشهب، والثاني لمحمد، واختار اللخميُّ ألا شيء عليه، والثاني هو الجاري على مذهب من يرى أنه يلزمه في الصياغة قيمتها، وإن أعاده على غير هيئته فعليه القيمة على قول أشهب أنه تلزمه إعادة المصوغ كما كان يلزمه ذلك هنا، والله أعلم.
فَلَوِ اشْتَرَاهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِغَصْبِهِ فَكَسَرَهُ، ورَدَّهُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَاخُذْهُ إِلا بِقِيمَةِ صِيَاغَتِهِ لأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ
يعني: أن المشتري من الغاصب إن كان عالمًا بالغصب فهو كالْغَاصب، وإن لم يعلم فحكمه كالاستحقاق، ولا يأخذه ربه إلا بقيمة صياغته؛ لأنه لم يتعد في الكسر هكذا قال اللخمي وغيره.
[ ٦ / ٥١٣ ]
ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف في هذا الفرع هو منصوص عليه في الفرع بعينه وفي الدار يهدمها المشتري بخلاف الشاة يذبحها والثوب يقطعه والعصا يكسرها وشبه ذلك وهو مشكل وأصل المذهب أن كل ما أتلفه المشتري متعمدًا فإنه يضمنه سواء انتفع أو لم ينتفع، وما أتلف بأمر من الله فلا شيء عليه فيه، وما أتلفه خطأ فقولان: أشهرهما أنه يضمن، فقول: [٥٧٧/أ] المصنف في توجيهه هذا الفرع: لأنه لم يتعد لا يكفي، والله أعلم.
وَلَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ فَمِثْلَهُ، وقَالَ أَشْهَبُ: ولَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ غُرْمٍ
الأول: مذهب ابن القاسم في المدونة وغيره، ورأى غيره أن الطحن فوت كالنقل، وخيره أشهب بين المثل وأخذه محطونًا مجانًا، حملًا على الغاصب على قاعدته، هكذا حكى ابن يونس وغيره قول أشهب. وفهم التخيير من كلام المصنف من قوله: (ولَهُ أَخْذُهُ) فإنه في تقدير فله المثل وله أخذه بغير عوض والقولان لمالك، واختار جماعة قول أشهب؛ لأن الظالم أحقُّ أن يحمل عليه ولهذا لم يجزه ابن القاسم بوجوب المثل بل قال في باب الغصب: ومن غصَبَ حِنْطَةً وطحنها دقيقًا فأحب ما فيه إلي أن يضمن مثل الحنطة.
وَلَو اسْتَهْلَكَ غَزْلًا فَقِيمَتُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ
هو ظاهر وهو مبني على ما تقدم.
فرع:
ولو استهلك طعامًا ما في زمن الغلاء ثم حكم عليه في الرخاء، فالمشهور أنه إنما يقضي بالمثل وقيل: بقيمته يوم الغلاء.
وأشار اللخمي إلى أن القول بتغريمه القيمة مخرج على القول بأن الغاصب يغرم أغلى القيم.
[ ٦ / ٥١٤ ]
وَالْمُقَوَّمُ كَالْحَيَوَانِ والرَّقِيقِ والْعُرُوضِ تَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاويَّةٍ تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، وقَالَ أَشْهَبُ: بِالأَكْثَرِ مِنَ الْغَصْبِ إِلى يَوْمِ التَّلَفِ
لما ذكر أن المغصوب مثلي ومقوم، وتكلم على المغصوب المثلي، تكلم هنا على المقوم وذكر أنه يضمن بقيمته وهو المذهب، ونقل الباجي أنه روي عن مالك أنه يضمن بالمثلي، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
المازري: وهكذا وجد في نسخ من المنتقى، وهو وهم منه ومن الرواة الذين ذكروا ذلك عنه.
وقوله: (تَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاويَّةٍ) احتُرز به من التلف بجناية الغاصب أو غيره وسيأتي. والمشهور كما قدمه أن القيمة تعتبر يوم الغصب، وقال أشهب وابن وهب وعبد الملك: يضمن بالأكثر من يوم الغصب إلى يوم التلف؛ لأنه في كل زمان غاصب، ويدخل في المقوَّم المثلي الجزاف.
واختلف إذا طلب المغصوب منه في الجزاف أن يقضي له بمكيلة أو وزن يتحقق أن الجزاف المستهلك لا يقصر عنها - على قولين: أحدهما تمكينه من ذلك؛ لأن الأصل القضاء فيه بالمثل، وإنما عدل عن ذلك للقيمة لامتناع الاطلاع على حقيقة المماثلة في المكيل والموزون، فإذا طلب ما هو أقل من حقه لم يمنع من ذلك.
والقول الثاني أنه لا يمكن من ذلك؛ لأن نفس الاستهلاك أوجب القيمة، فليس للمغصوب منه تغيير هذا الحكم.
فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيمَةِ مِنَ الْجَانِي يَومَ الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ مَا عَلَى الْغَاصِبِ
يعني: وإن أتلف أجنبي المغصوب - يريد غير الغاصب - يوم الجناية، فربه مخير إن شاء أخذ القيمة من الجاني يوم الجناية، وإن شاء أخذ ما على الغاصب، وأبهم المصنف في قوله: (وَبَيْنَ مَا عَلَى الْغَاصِبِ) قدر الإدخال على المشهور ومقابله: وإنما خير؛ لأن كل واحد منهما حصل منه سبب الضمان هذا بالغصب وهذا بالتلف.
[ ٦ / ٥١٥ ]
بِخِلافِ الْغَاصِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: بخلاف ما إذا كان القتل من الغاصب، فإن المشهور أنه لا تخيير لربه، وإنما يأخذه بالقيمة يوم الغصب وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقال سحنون وابن القاسم في أحد القولين: وله أخذه بالقيمة يوم القتل كالأجنبي؛ لأن القتل فعل ثان ومن حجة ربه أن يقول: لا أؤاخذه بوضع اليد وإنما أؤاخذه بالقتل. ابن راشد: وهو أقيس.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر إلا أن ابن القاسم لم يعتبر تعدد الأسباب في الضمان إذا كانت من فاعل واحد بل اقتصر على الأول منهما، وحكى ابن يونس أن سحنون رجع إلى قول ابن القاسم.
تنبيه: ما ذكر المصنف من مخالفة إتلاف الغاصب لإتلاف الأجنبي على المشهور هو الصواب، وقد ذكر في المدونة وغيرها، وظاهر كلامه في الجواهر أنه لا فرق على المشهور بين جناية الغاصب وغيره.
ثُمَّ يَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ
يعني: إذا اختار المغصوب منه اتباع الغاصب، وترك طلب الجاني فللغاصب إذا أخذت القيمة منه اتباع الجاني بجميع قيمة السلعة يوم الجناية؛ لأن أخذ ربها قيمتها من الغاصب تمليك للغاصب لها.
وقوله: (بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ) أي إذا كانت مساوية لما أخذ منه أو كانت أقل مما أخذ منه، أما إن كانت القيمة يوم الجناية أكثر فقد نبه عليه بقوله:
فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ رَبُّهُ أَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَى الآخَرِ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: ياخُذُ الزَّائِدَ مِنَ الْغَاصِبِ لا مِنَ الْجَانِي
يعني: فإن أخذ رب المغصوب أقل القيمتين إما من الغاصب أو من الجاني فهل له أن يرجع على الآخر الذي لم يأخذ منه القيمة بتمام أكثر القيمتين؟ في ذلك ثلاثة أقوال:
[ ٦ / ٥١٦ ]
الأول: إنه يرجع، وهو ظاهر قول أشهب، والثاني: إنه لا يرجع، وهو الذي يأتي على قول سحنون، والثالث: الفرق، وهو قول ابن المواز: ونص عليه في المدونة في أحد شقي المسألة، أعني أنه يرجع على الغاصب بالقيمة.
ونقل ابن يونس أنه اتفق على ذلك ابن القاسم وأشهب.
ابن المواز: لأنه يقول: إنما أخذت من القاتل ما يجب عليه للغاصب ولي على الغاصب أكثر منه، فصار كغريم غريمي، وألزم على هذا بعض القرويين أنه لو كان للغاصِب غُرماء لم يكن هذا أحق لما أخذ من الغرماء؛ لأنه إنما يأخذ ذلك على الغاصب من غريمه إلا أن يريد رفع الضمان عن الغاصب فلا يتبعه بقيمة ويكون أولى بما أخذ من الجاني من غرماء الغاصب.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ [٥٧٧/ب] فِي مَنْ سَاقَ سِلْعَةً فَأَعْطَاهُ غَيْرَ واحِدٍ فيهَا ثَمَنًا فَأُتْلِفَتْ ضَمِنَ مَا أَعْطَى فِيهَا، وقَالَ سَحْنُونٌ: قِيمَتَهَا
ما حكاه عن ابن القاسم هي رواية عن مالك في العتبية، وزاد: إذا كان عطاء قد تواطأ الناس عليه، ولو شاء أن يبيع به لباع، وقال سحنون: لا يضمن إلا القيمة؛ إذ هي من المقومات، وقال عيسى: يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة، وجعله في البيان تفسيرًا لقول مالك.
قال: كذا هو منصوص لمالك، فليس في المسألة إلا قولين وجعلها غيره ثلاثة على ظاهرها.
فَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ؛ فَثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَلَيْسَ لَهُ إِلا أَخْذُهُ، وَفِي غَيْرِهِ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ
تقدم كلامه في نقل المثلي، وتكلم هنا على نقل المقوَّم، وقد تقدم أن القول الثالث دليل على الأولين، فيكون الأول ليس لربِّه إلا أخذه وهو قول سحنون.
[ ٦ / ٥١٧ ]
والثاني: يخيَّر ربُّه في أخذه أو أخذ قيمته في موضع غصبه، قال في المقدمات: وهو قول أصبغ وظاهر روايته عن أشهب، وذكره ابن يونس والباجي تصريحًا، واختاره ابن المواز وقيده بالبلد البعيد عن محل الغصب.
والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض فليس له أخذ الحيوان، ويخير في العروض، ونسبه المصنف لابن القاسم تبعًا لابن شاس، وقال ابن عبد السلام: إنما هو رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك في المجموعة وفيه نظر لما ذكر عن ابن يونس، نعم ذكر الباجي أن ابن القاسم رواه عن مالك في المجموعة ولا يلزم من ذلك أن يكون ابن القاسم لم يقل به.
قال في المقدمات بعد ذكر الثالث: وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم؛ كالدَّوَابِّ والوَخْش من الرقيق، وأما الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم من بلدٍ فحكمهم كالعروض، وحكى ابن زرقون وغيره عن ابن القاسم في الموازية قولًا آخر أن نقل الحيوان والعروض فوت يوجب له قيمة الحيوان والعروض يأخذ بها حيث لقيه.
فَلَوْ وَجَدَ الْغَاصِبَ خَاصَّةً فَلَهُ تَضْمِينُهُ
يعني: (فَلَوْ وَجَدَ) المغصوب منه (الْغَاصِبَ) بغير بلد الغصب، وليس معه الشيء المغصوب.
ابن راشد: فلا يختلف أن له تضمينه القيمة لما عليه من الصبر في الضرر، وله الصبر إلى البلد، لكن يكلف الغاصب الخروج مع المغصوب منه أو مع وكيله ليقبض منه المغضوب.
وَلَوْ رَجَعَ بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ بِحَالِهَا لَمْ يَلْزَمْه سِوَاهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلافِ تَعَدِّي الْمُكْتَرِي والْمُسْتَعِيرِ، وفِي الْجَمِيعِ قَوْلانِ
أي: (لَوْ رَجَعَ) الغاصب (بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ) وأحرى القريب (بِحَالِهَا) ولم تتغير، لم يلزم الغاصب (سِوَاهَا) فلا تلزمه قيمة الدابة ولا كراء تلك المسافة (بِخِلافِ
[ ٦ / ٥١٨ ]
تَعَدِّي الْمُكْتَرِي والْمُسْتَعِيرِ) إذا زاد في المسافة زيادة بعيدة فإن ربها بالخيار، فإن أحب أخذها وأخذ كرائها من موضع التعدي إلى غايته، وإن أحب أخذ قيمة دابته من المكان الذي تعدى منه وله الكراء الأول في الكراء، وهكذا قال مالك في المدونة وفي الموطأ.
قوله: (وفِي الْجَمِيعِ قَوْلانِ) يحتمل أن يريد في كل مسألة قولان: أحدهما قول ابن القاسم ويكون نبه بهذا على أن في كل مسألة قولين، والمشهور متعاكس، ويحتمل أن يريد: في كل مسألة قولان غير قول ابن القاسم، ويكون في مجموع المسألة ثلاثة أقوال، وإلى هذا ذهب ابن عبد السلام، وأحد القولين: ليس لربِّها إلا الدَّابة في الغصب والتعدي معًا، وليس له تضمين القيمة.
والقول الثاني: إنه مُخيَّر في الجميع بين أخذ الدابة وأخذ قيمتها.
وفهم من قوله: (مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ) أنه لو تعدى بها المستعير أو المكتري موضعًا قريبًا أو زمنًا قريبًا، أنه لا يكون له تضمين الدابة.
وفي الباجي: إذا أمسكها أيامًا يسيرة زائدة على أيام الكراء فلا ضمان عليه، وإنما له الكراء في أيام التعدي مع الكراء الأول، قاله مالك وأصحابه.
فإن قلت: فما الفرق على قول ابن القاسم؟ قيل: قال في النكت: لأن المستعير والمكتري إنما تعديا على المنافع لا على الرقاب، فغرما كراء تلك المنافع، والغاصب إنما غصب الأعيان فلم تكن عليه قيمة المنافع، ولو أنه قصد إلى غصب المنافع خاصة، لكان عليه كراؤها مثل أن يريد دابة يكريها إلى موضع، فيأخذها غصبًا مما يعلم أنه لم يقصد غصب الرقبة، قال في النكت: وينبغي في المكتري والمستعير إذا تعديا بالدابة المسافة وأصابها في ذلك عيب يسير فوجب لربها ما نقص العيب - أن يُسْقِطَ من كراء الزيادة على المسافة مقدار ذلك الجزء الذي نقص من قيمة الدابة مثل أن يكون نقصها العيب
[ ٦ / ٥١٩ ]
الخمس، فيسقط من كراء الدابة الخمس أو الربع، فيسقط من كراء الدابة ربعه وأبى هذا بعض شيوخنا من أهل بلدنا، وهو صواب عندي فتأمله.
وَفِيهَا: لَوْ نَقَلَ الْجَارِيَةَ إِلَى بَلَدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: بِشَرْطِ أَنْ تُعْرَفَ الْقِيمَةُ، ويُبْدِلُ مَا يَجُوزُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَصْلَين: السَّلامَةِ ووُجُوبِ الْقِيمَةِ
أي: لو (لَوْ نَقَلَ) الغاصب (الْجَارِيَةَ)، وتصور المسألة ظاهر من كلامه، وهذه المسألة نص عليها في المدونة في الصرف.
وقوله: (جَازَ) أي الشراء بناء على أن الأصل سلامتها في موضعها، ورأى أشهب أن قيمتها قد وجبت على الغاصب بوضع يده عليها، فلا بد أن تعرف قيمتها ويشتريها بما يجوز له أن يشتري به تلك القيمة، وبه قال سحنون ومال إليه ابن المواز؛ لأن رفع العدوان كان من حق ربِّ الجارية، فليس من حقه عقد المعاوضة فيها على الضرر، ودلت هذه المسألة على أنه ليس من شرط بيع المغصوب من الغاصب أن يخرج من يد الغاصب ويقيم بيد ربه مدة كما اشترطه بعضهم.
وَإِذَا حُكِمَ بِالْقِيمَةِ مَلَكَهُ الْغَاصِبُ فِلا رُجُوعَ لَهُ فِي مِثْلِ الآبِقِ [٥٧٨/أ] عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَوَّهَ فَلَهُ الرُّجُوعُ
يعني: إذا زعم الغاصب أن العبد أبق أو ضلت الدابة وشبه ذلك، فقضى عليه بالقيمة ثم وجد الآبق ونحوه، فإن كان قد تبين كذبه وهو معنى قوله: (قَدْ مَوَّهَ) أي أظهر خلاف ما كان فله الرجوع فيه أي وله أن يبقى على أخذ القيمة، وإن لم يتبين كذبه وتبين صدقه، فالمشهور أنه لا رجوع لربه فيه، وتمضي المعاوضة، وقيل: له الرجوع كما لو موَّه بناءً على أن المعاوضة وقعت على غير المغصوب أو عن الحيلولة بينه وبين ربِّه، فإذا وجدت زالت الحيلولة.
[ ٦ / ٥٢٠ ]
أشهب: ويحلف أنه لم يخفها عن ربها، ولقد كانت فاتت من يده، وتبقى له إذا كانت على الصفة التي حلف عليها.
أبو الحسن: وقوله تفسير، قال في المدونة: إلا أن يظهر أفضل من الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها، وقاله أشهب، ومن قال: له أخذها؛ فقد أخطأ كما لو نكل الغاصب عن اليمين في صفتها وحلفت على صفتك ثم ظهرت على خلاف ذلك، كنت قد ظلمته في القيمة فيرجع عليك بما تزيد عليه، لا يكون له رد الجارية، وحكى اللخمي عن ابن القاسم في المبسوط أن للمغصوب منه رد القيمة وأخذ الجارية، أعني إذا ظهر أن صفتها على خلاف ما حلَفَ عليه.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء: وينبغي أن لو أقرَّ الغاصب بخلاف ما غصب مثل أن يقول: غصبت جارية ويقول المغصوب منه: غصبت عبدًا فكان القول قول الغاصب ثم ظهر أنه عبد، أنَّ له الرجوع فيه كالذي أخفى ذلك؛ لأنه لم يغرم من قيمة الصفة شيئًا، بخلاف العبد، ويختلفان في الصفة.
وانظر: لو غصب جارية سوداء للخدمة قيمتها عشرون، وقلت أنت: جارية بيضاء قيمتها مائة مما يصلح للوطء فالأظهر أن ذلك كجحد الصفة. انتهى باختصار.
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي تَلَفِهِ وصِفَتِهِ ومَبْلَغِهِ
يعني: إذا اختلاف الغاصب والمغصوب منه، هل تلف الشيء المغصوب أم لا؟ واختلفا في صفته أو مبلغه، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم.
وفي المدونة: وإن غصب جارية وادَّعى هلاكها واختلفا في صفتها صُدِّق الغاصب في الصفة مع يمينه إذا أتى بما يشبه، فإن جاء بما لا يشبه صُدِّقَ المغْصُوب منه مع يمينه، وكذلك نص مالك في المدونة وفي العتبية على وجوب اليمين على الغاصب إذا اختلفا في
[ ٦ / ٥٢١ ]
العدد، ولم أرَ في الأمهات وجوبَ اليمين على الغاصب إذا ادَّعى التلف، لكن نص فيها في الشيء المستحق أنه إذا كان مما يغاب عليه أنه يحلٍف إذا ادَّعى المشتري تلفه، وكذا في رهن ما يغاب عليه ولا يمكن ان يكون الغاصب أحسن حالًا منهما، وقد نص ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف، وقال أشهب: يصدق الغاصب مع يمينه، وإن ادعى ما لا يشبه كما لو قال: هي بكماء صماء.
وفي العتبية عن مالك في من غصَبَ صرَّةً من رجلٍ والنَّاس ينظرون إليه وطرحها في متلف فادعى ربها عددًا وكذبه الآخر ولم يفتحها ولا يدري المنتهب كم فيها؛ أو لم يطرحها ثم يختلفان؛ أنَّ القول قول المنتهب مع يمينه.
وقال مطرف وابن كنانة وأشهب: القول في هذا وشبهه قول المنتهب منه، وإن ادَّعى ما يشبه أن مثله يملكه.
ابن يونس: يريد ويحلف، وقد اختلف في يمينه كالذي يدعي على رجل مائة فيقول المطلوب: لا أدري ألك علي شيء أم لا؟
فقيل: يأخذ المدعي ما قاله بغير يمين؛ لأنه لا حقيقة عنده ولأن الشاكَّ لو حَلَفَ لم يمكنه أن يحلف، فيقضي أنْ لا فائدة في يمين المدعي للتحقيق، وأما إذا ادعى طرحها، ولم يفتحها فالقول قول المنتهب منه مع يمينه؛ لأنه يدعي حقيقته وأما إن غاب عليها وقال: الذي كان فيها كذا؛ فالقول قول المنتهب مع يمينه. انتهى.
وَلَوْ وَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَفِي الضَّمَانِ فِيهِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ، ولَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ
يعني: إذا (وَلَدَتْ) الأمة المغصوبة، فإن قتل الغاصب الولد ضمنه اتفاقًا، وإن مات بسماوي فقال ابن القاسم في المدونة: لا ضمان عليه فيه، وقال في كتاب ابن شعبان:
[ ٦ / ٥٢٢ ]
يضمنه؛ وهو قول أشهب وابن وهب وعبد الملك، وهم على تغليب شبه الوديعة في الولد أو الغاصب؛ لأن الذي باشره الغصب إنما هو الأم وحدها، وكذلك اختلف أيضًا إذا ماتا معًا هل يضمن إلا الأم أو يضمنهما؟
ورجح قول ابن القاسم هنا بأن الغاصب إذا ضمن قيمة الولد فإنما يضمنها يوم الغصب، فيقدر كأنه ملكها من يومئذ، فيكون ولدها نشأ عن ملكه، فإن ماتت الأم وحدها فأشهب يقول: يأخذ ربها قيمتها مع عين الولد، وابن القاسم يقول: ليس له إلا أخذ القيمة دون الولد أو أخذ الولد دون القيمة وإن وجدا معًا، فاتفق ابن القاسم وأشهب على وجوب ردهما معًا وهذا هو المعروف، بل حكى صاحب المقدمات اتفاق المذهب عليه، ونقل غيره عن السيوري أنه قال: الولد غلة لا يلزم رده، وحيث ألزمنا الغاصب قيمة الولد فالمعتبر في ذلك يوم الولادة، ونص عليه أشهب في الموازية، وخرج اللخمي على القول بأن الغاصب يغرم أعلى القيم أي يغرم قيمة الولد [٥٧٨/ب] يوم الموت، ورد بأن الولد قد قيل: إنه غلة لا يلزم رده لو كان موجودًا، فلا يمنع أن يراعى فيه هذا الخلاف.
وَإِذَا تَعَيَّبَ بِسَمَاوِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ إِلا القِيمَةُ أَوْ أَخْذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ
يعني: إذا تعيب الشيء المغصوب (بِسَمَاوِيٍّ) أي بأمر من الله لا بجناية الغاصب أو أجنبي، فربُّه مخير في أمرين لا ثالث لهما: إمَّا أن يأخذ المغصوب منه (القِيمَةُ) يوم الغصب أو يأخذه بعينه (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أي بغير أرْشِ العيب؛ لأن المغصوب منه كان قادرًا على تضمين الغاصب جميع القيمة فتركها.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق في العيب بين أن يكون يسيرًا أو كثيرًا وهو المشهور.
وحكي ابن الجلاب قولًا آخر أنه: لا يضمن المغصوب بحدوث عيب يسير.
[ ٦ / ٥٢٣ ]
عياض: ورجحه بعض المتأخرين من شيوخنا، انتهى.
وفي الموازية: إذا غصب دارًا فانهدم بعضها في يده، أنه لا يضمن إلا قيمة ما انهدم أو يأخذه على ما هو عليه، فإن انهدم جلها ضمن الغاصب قيمتها، فقال اللخمي: هو مثل ما في الجلاب، وزاد عليه المازري بأنه يحتمل أن يرى في هذا القول ثبوت الدار كسلع متعددة فلا يضمن جملتها بهلاك بعضها، ورد بأنه لو راعى ابن المواز هذا لما فرق بين انهدام جل الدار وبين ما هو دون ذلك.
وحكى المازري قولًا ثانيًا عندنا: إن للمغصوب منه في العيب الكثير أن يأخذ السلعة وقيمة ما نقصها.
وَبِجِنايَةِ أَجْنَبِيٍّ - لَهُ أَخْذُهُ وإتْبَاعُ الأَجْنَبِيِّ أَوْ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنَ الْغَاصِبِ يَوْمَ الْغَصْبِ ثُمَّ يَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ
يعني: وإن تعيب المغصوب (ِجِنايَةِ أَجْنَبِيٍّ) غير الغاصب، فربه بالخيار في وجهين: إما أخذ عين شيئه ويتبع الجاني بقيمةِ الجنَايَةِ وإمَّا أخذ قيمته كاملة من الغاصِب يوم الغصب ثم يتبع ربَّ السلعة وليس لربِّ السّلعة أن يُضمِّن الغاصب قيمة الجناية، قاله في المدونَّة.
وقِيلَ: إذا كانت قيمتها يوم الغصب عشرين ونقصها القطع النصف فأخذها ربها وما نقصها وذلك عشرة - نظرًا إلى قيمتها يوم جناية الأجنبي عليها - فإن كانت مائة وقيمتها مقطوعة خمسون أخذ ربها من الجاني خمسين فأعطى منها للغاصب عشرة وأخذ البقية.
ابن يونس: وهذا على مذهب أشهب أن الغاصب لا يربح.
ابن عبد السلام: ولا شك في مخالفة هذا القول للمدونة؛ لأنه مكن ربها من أخذ السلعة على ما نقصها.
[ ٦ / ٥٢٤ ]
وَانْكِسَارُ الثَّدْيَيْنِ عَيْبٌ
يعني: إذا غصب أَمَةً قائمةَ الثَّديين فانكسرا فإن ذلك عيب يوجب لربها الخيار كما تقدم بين أن يأخذها ناقصة أو يضمن الغاصب قيمتها، وهكذا نص عليه أشهب، واستغنى المصنف بهذا الفرع عما في المدونة: إذا غصب شابة فهرمت عنده لاستلزام ما ذكره لذلك، واستشكل بعضهم قول أشهب في انكسار الثديين من حيث إنه لم يجعل ما حدث من كبر ذاتها جابرًا لعيب انكسار الثديين.
أَمَّا لَوْ نَقَصَ سُوقُهَا مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْ سِوَاهَا عَلَى الْمَسْهُورِ كَمَا لَوْ زَادَ
يعني: أنه اختلاف إذا نقص سوق السلعة، فالمشهور أنه لا خيارَ لربِّها وليس له سواها على المشهور، والشاذَّ يرى أن نقص السوق كنقص الذات؛ فيكون لربها الخيار وهو مروي عن مالك، وحجة ابن يونس وغيره بأن نقص السوق - لا سيما في المثال الذي فرضه المصنف - لا يقضي على العيب اليسير أيضًا بأنه الجاري على المشهور في المتعدي على الدابة المكتراة يريد بها على مسافة الكراء ثم يردها على حالها أن لربها تضمينه قيمتها؛ لأنه حبسها على أسواقها وقد تقدم ذلك.
وقوله: (كَمَا لَوْ زَادَ) استشهاد للمشهور أي كما لا يعتبر زيادة السوق فكذلك لا يعتبر نقصه، وليس المراد التشبيه لإفادة الخلاف، فإن الخلاف ليس بموجود في الزيادة، وهكذا أشار إليه ابن عبد السلام.
وَفِي كَوْنِ جِنَايَةِ الْغَاصِبِ كَالأَجْنَبِيِّ - قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
يعني: واختلف إذا جنى الغاصب على الشيء المغصوب جناية دون التلف هل ذلك كجناية الأجنبي؟ فيتخير بين أن يأخذه بالغصب ويأخذه بقيمتها يوم الغصب أو يأخذه
[ ٦ / ٥٢٥ ]
بالتعدي فيأخذ سلعته وأرش الجناية، وإليه ذهب ابن القاسم واختاره مطرف وابن الماجشون وابن كنانة، وقال أشهب: ليس لربه إلا أخذه على حاله بغير أخذ أرْش الجناية أو أخذ قيمته يوم الغصب، وهو اختيار محمد وإليه ذهب سحنون؛ لأنه قال: يأتي قول ابن القاسم هذا خلاف ما قاله ابن القاسم في القتل، وإلى هذه المعارضة أشار المصنف بقوله:
وَاسْتُشْكِلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْقَتْلِ
وذلك لأن ابن القاسم لم يلزم الغاصب إذا قتل المغصوب إلا القيمة يوم الغصب ولم يجعل قتله كقتل الأجنبي، وفرَّق ابن القاسم بأن القتل إتلاف لجميع الذات، وذلك موجب للتضمين فيضمن قيمة المغصوب يوم قطع يده عليه، وأما قطع اليد وشبهه فإن عين المغصوب باقية وإذا بقيت عينه فقد يكون لربه غرض في عين شيئه، وحكى الدمياطي عن ابن القاسم التخيير في قتل الغاصب، وإليه ذهب سحنون في المجموعة ثم رجع عنه، وألزم ابن يونس سحنون على قوله: إن لرب العبد أن يطالب الغاصب بما نقصه القطع أن يقول بذلك لعله إذا كان القطع بأمر من الله لا سبب للغاصب فيه.
وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ قِصَاصًا ضَمِنَ
أي: ولو قتل المغصوب بغير سبب الغاصب ضمنه بوضع اليد عليه، ولو كان العبد هو الذي جنى [٥٧٩/أ] قُتِلَ قِصَاصًا.
ولَوْ تَعَلَّقَ أَرْشٌ بِرَقَبَتِهِ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَعَيْبِ سِلْعَةٍ فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَلِلْغَاصِبِ إِسْلامُهُ أَوْ فِدَاؤُهُ، وإِنْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ فَكَذَلِكَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُسَلِّمُهُ السَّيِّدُ أَوْ يَفْدِيهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْجِعُ بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ جِنَايَتِهِ
يعني: فإن جنى العبد المغصوب جناية وتعلَّق أرْشُها برقبته، فذلك عيب حدث فيخير ربه بين تضمين الغاصب قيمته أو أخذه بعينه؛ فإن اختار تضمينه صار الغاصب كالمالك، فيخير في إسلامه في الجناية أو فدائه بأرش الجناية، وإن اختار ربُّ العبد أخذه
[ ٦ / ٥٢٦ ]
فكذلك، أي فيخير في إسلامه أو فدائه، ولا شيء لسيد العبد على الغاصب غير هذا، وقال أشهب: يخير سيد العبد كما قال ابن القاسم في إسلامه أو فدائه، وأي الوجهين اختاره كان له بعد ذلك الرجوع على الغاصب بالأقل من قيمة العبد أو أرش جنايته؛ لأنه إذا كان الأرش أقل من القيمة فهو القدر الذي أدخله الغاصب فيه، وإن كانت قيمة العبد أقل فلا يلزم الجاني إلا ذلك وهذا القول أيضًا لابن القاسم في العتبية، قال في البيان: ولا فرق في ذلك بين العمد والخطأ إذا كان العمد لا قصاص فيه بأن يكون على حر أو على عبد وفي الجراح المتَالِفِ كالمأمومة وَالْجَائِفَةِ، وكذلك إن كانت جنايته على عبد وفيها القصاص، ولم يرد سيد العبد المجني عليه أن يقتص، وأما إن اقتص سيد العبد المجني عليه من العبد المغصوب فيما دون النفس، فليس لسيِّد المغصوب إلا أن يأخذ عبدَّهُ كما هو أو يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب، انتهى.
وقال بعض الشيوخ: يحتمل قول أشهب على أن الجناية التي جناها العبد كانت خطأ، فإذا خلص منها بغرامة أرْشها لم يبق بعد ذلك عيب، قال: وأما إن كانت عَمدًا فهو عيب لازم للعبد ولا يتصور هذا التوجيه فيه.
وَإِنْ صَارَ الْعَصِيرُ خَمْرًا فَمِثْلُهُ
أي: إذا غصب عصيرًا فصار عند الغاصب خمرًا، فعليه مثل العصير؛ لأن صفته انتقلت إلى ما لا يحلُّ مثله.
قوله: (فَمِثْلُهُ) أي إن علم كيله وإلا فقيمته.
وخَلًاّ خُيِّرَ فِيهِمَا
أي: وإن صارَ العصيرُ خلا (خُيِّرَ) في أخذ المثل أو أخذه بعينه؛ لأنه إنما انتقلت صفته خاصة، وقد يقال على مذهب من يعتبر في فوات المغصوب انتقال الاسم: إنه لا يكون عصيرًا، وقاله ابن عبد السلام.
[ ٦ / ٥٢٧ ]
وَإِنْ صَارَ الْخَمْرُ خَلًا تَعَيَّنَ
إنما يتعين في حق المسلم.
أبو محمد: لأنها قد حلت وليس للغاصب فيها صفة يحتاج بها.
بعض الشيوخ: وهو إنما يتمشى على قول من يجيز لصاحبها تخليلها، وأما من يمنع ذلك فيلزمه أن يقول ببقائها ملكًا للغاصب؛ لأنها كانت غير مملوكة للغاصب، ولا لغيره حين كانت خمرًا، فإذا تخللت كانت كمن وضع يده على طائر لا ملك لأحد عليه.
إِلا أَنْ يَكُونَ لِذِمِّيِّ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِيمَتِهِ خِمْرًا عَلَى الأَشْهَرِ
(الأَشْهَرِ) مذهب أشهب، وهو الجاري على قول ابن القاسم: إن من غصب خمرًا لذمي عليه القيمة، ومقابله لعبد الملك يتعين الخل كالمسلم، وهو جار على قوله أنه لا قيمة على المسلم إذا غصب خمرًا من ذمي.
اللخمي: واختلف بعد القول أن عليه القيمة في من يقومها، فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف القيمة من المسلمين، وقال أيضأً: يقومها أهل دينه، وبالأول أخذ سحنون، وقيل: إن الخلاف مبني على خطابهم، فعلى الخطاب لا يضمن المسلم الخمر لهم، وعلى عدمه يضمن؛ والأظهر أن المسلم يضمن لهم ذلك، وإن قلنا: هم مخاطبون لأنهم أقروا على تمليكها.
وَإِذَا زَرَعَ الْبَذْرَ وأَفْرَخَ الْبَيْضَ فَالْمِثْلُ، وقَالَ سَحْنُونٌ: الْفِرَاخُ لِلْمَالِكِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الحضْنِ
حاصله أنه اتفق على أن عليه المثل في زرع البذر، واختلف في البيض، والقول الأول لأشهب في المجموعة وقاسه على البذر، وليس بواجب عله الضمان.
ابن عبد السلام: وهو أظهر القولين عندي لا سيما والمحكي عن سحنون أن الغاصب إذا عالجَ المغصوب حتى تغير اسمه عنده، كان للغاصب لا لربه، وقال ابن راشد: وقول
[ ٦ / ٥٢٨ ]
سحنون أقيس؛ لأن الفراخ إنما خرجت من بيضة والزرع غير البذر؛ لأنه يتغذى بماء الغاصب وأجزاء الأرض.
وَعَنْ أَشْهَبَ في مَن غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ وحَضَنَتْ بَيْضَهَا: فَلِلْمَالِكِ كَالوِلادَة، فَإِنْ حَضَنَتْ غَيْرَ بَيْضِهَا أَوْ بَاضَتْ وحَضَنَهُ غَيْرُهَا فَالدَّجَاجَةُ ومِثْلُ الْبَيْضِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَضْنِهَا
هكذا نقل ابن يونس ونصه: قال أشهب في المجموعة والموازية: ولو غصب دجاجة فباضت بيضًا وحضنت بيضها، فما خرج من الفراخ فلربها أخذها معها، وإن حضن تحتها بيضًا له من غيرها فالفراخ للغاصب والدجاجة لربها، وله فيها حضنت كراء مثلها.
ابن المواز: مع ما نقصها، إلا أن يكون نقصانًا بينًا فيكون له قيمتها يوم غصبها، ولا يكون له من بيضها ولا من فراخها شيء.
ولهذا قال ابن عبد السلام: ما نسبه المؤلف إلى محمد أنه أوجب لربها أجر الحضن حكاه ابن يونس عن أشهب متصلًا بالكلام الأول، وإنما الذي زاده ابن المواز أن لربها ما نقصها، انتهى.
خليل: والظاهر من الكلام أن محمدًا وافق على الأجرة، واستشكل قول محمد أن له أجر الحضن مع ما نقصها؛ فإن غرامة [٥٧٩/ب] ما نقص من الدجاجة يمنع من أن تكون له أجرة الحضن.
قال في الموازية: وإن غصب حمامة فزوجها حمامًا له فباضت وأفرخت فالحمام والفراخ للمستحق، ولا شيء للغاصب فيما أعانها ذكره من حضانة، وللمستحق الحمامة فيما حضنت من بيض غيرها قيمة حضانتها، أما ما حضنته غيرها من بيضها فقال محمد: إن له مثل بيض حمامته إلا أن يكون عليه في أخذ البيض ضرر في تكلفة حمام يحضنهم، فله
[ ٦ / ٥٢٩ ]
أن يغرم الغاصب قيمة ذلك البيض. وقال سحنون: الفراخ أيضًا لصاحب البيض وللغاصب أجرة الحضانة.
اللخمي: فوجه الأول أنه غصب ماله مثل فكان القضاء فيه بمثله، ووجه الآخر أن حكم البيض حكم الجنين، ولابن القاسم في سماع سحنون في الرجل يأتي بحمامة أنثى والآخر بحمام ذكر على أن يكون الفراخ بينهما: أن الفراخ بينهما، وفي الرجل يقول للرجل: احضن هذا البيض تحت دجاجتك فما كان من فراخ فهو بيننا؛ أن الفراخ يكون لصاحب الدجاجة ولصاحب البيض بيض مثله.
وَإِذا صَبَغَ الثَّوْبَ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْقِيمَةِ والثَّوْبِ ويَدْفَعُ قِيمَةَ الصَّبْغِ، وقَالَ أَشْهِبُ: ولا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّبْغِ، أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ فَلا شِيْءَ عَلَيْهِ ولا لَهُ إِنْ أَخَذَهُ
يعني: وإذا صبغ الغاصب الثوب فزادت قيمته أو لم تزد ولم تنقص فمذهب المدونة؛ أنه يخير المالك بين أخذ قيمة الثوب يوم الغصب أو أخذ الثوب بعد أن يدفع قيمة الصبغ، وقال أشهب يخير بين أن يأخذ قيمة الثوب أو يأخذ الثوب بلا غرم، وفهم كون أشهب يوافق على التخيير من إثبات الواو في قول المصنف: (ولا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّبْغِ) فإن ذلك يستدعي تقديم معطوف عليه وهو ما قدمه.
ولعبد الملك في الواضحة مثل قول أشهب وله في المبسوط: التفرقة بأن صبغه شيئًا يسيرًا فكذلك، وإن كان كثيرًا فلا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة أو يضمن الغاصب ما غصب أو يكونان شريكين، وأثبت ابن الماجشون في هذا القول الشركة، واختلف عليه هل بقيمة الصنعة أو بما زادت؟
ونص ابن القاسم على نفي الشركة هنا وبذلك على ما قيدنا به كلام المصنف من أن الثوب زادت قيمته ولم تنقص.
[ ٦ / ٥٣٠ ]
قوله في قسيم المسألة: (أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ .. إلى آخره): وهو ظاهر؛ لأن ذلك عيب فكان كسائر العيوب.
وَإِذَا ضَرَبَ الطِّينَ لَبِنًا ضَمِنَ مِثْلَهُ
لأنه انتقل الصنعة، وإما يضمن المثل إن علم قدره وإلا فقيمته، ويأتي على قول عبد الملك الآتي أن له أن يأخذ المطلوب بغير غرم.
وَإِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا لِمْ يَشْوِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَعَ أَرْشِهَا
تصور كلامه ظاهر. ابن عبد السلام: وظاهره أنه ليس لربها في القول الأول إلا قيمتها، وبعد ذبحها فاتت مطلقًا، وهو ظاهر ما حكاه غيره، وقال بعضهم عن ابن القاسم: إن ربها مخير بين أخذ قيمتها أو أخذها بعينها على ما هي عليه من غير زيادة، وقول محمد هذا، وهو محمد بن مسلمة بعيد عن أصل المذهب، يريد: وكذلك الطبخ.
وَلَوْ غَصَبَ نُقْرَةً فَصَاغَهَا ضَمِنَ مِثْلَهَا، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يَاخُذَ الْمَصْبُوغَ والْمَصوغ والْمَصْنُوعَ مَجَّانًا إِذْ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ
أي: المصبوغ في مسألة الثوب، والمصوغ في النقرة، والمصنوع في الطين، ومعنى (مَجَّانًا) باطلًا بغير شيء، وهو ظاهر التصور.
وَإِنْ غَصَبَ سَاجَةً أَوْ سَارِيَةً فَلَهُ أَخْذُهَا ولَوْ بِالْهَدْمِ
الساجة: الخشبة، والسارية: العمود، وما ذكره نحوه في المدونة، وهو المشهور.
وقوله: (فَلَهُ أَخْذُهَا) يعني: وله أخذ القيمة.
ابن القاسم في الموازية: وله أخذها وإن بنى عليها القصور.
[ ٦ / ٥٣١ ]
ابن يونس: وقيل: ليس لربها أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان الغاصب؛ لأن ما يدخل على الغاصب في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتًا، وإذا لم يكن له أخذها في ذلك فأحرى في هدم بنيان الغاصب.
وحكى ابن حارث هذا القول عن أشهب، وزاد ابن القاسم وأشهب اتفاقًا على أن البناء المعتمد على الحجر المغصوب يقلع، وإنما اختلفا فيما انتشر عنه وخرج عن اعتماده، فقال ابن القاسم قولًا مجملًا أنه يهدم، وقال أشهب: إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدم جميع البناء فإنه تجب القيمة لصاحب الحجر.
وأنكر المازري هذا التفصيل وقال: لم ينقله غيره، وإنما المشهور في سائر الدواوين ذكر الخلاف في هدم بناء الغاصب قولًا مطلقًا فيما اعتمد على الحجر المغصوب أو لم يعتمد، ولا يدرى أين وقف ابن الحارث على هذا التفصيل.
ابن القصار: وإذا رضي الغاصب بهدم بنائه لم تلزمه غرامة القيمة، وإن رضي به المغصوب منه، وما اللخمي وعبد الحميد إلى منع الغاصب من الهدم إذا رضب رب الخشبة بأخذ قيمتها، مالك في الحاوي: وأما من ابتاع خشبة فبنى عليها ثم استحقت فليس لربها قلعها؛ إذ ليس الباني بغاصب.
وَإِذَا بَنَى الْغَاصِبُ خُيِّرَ الْمَالِكُ فِي أَخْذِهِ ودفْعِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا بَعْدَ إِسْقَاطِ كُلْفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَتَوَلاهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بعَبْدِهِ
سكت عما إذا انتضت لدلالة الكلام المتقدم عليه
وَإِذَا خَصَى الْعَبْدَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا ويُعَاقبُ
وفي معنى زيادته عدم زيادته ونقصانه نص عليه ابن شاس، وفي العتبية: من عدا على غلام فخصاه فزاد ثمنه، يقوم على قدر ما نقص منه الخصاء، قال في البيان في باب الرد
[ ٦ / ٥٣٢ ]
بالعيب: يريد إن لم يرد ربه تضمينه واختار حبسه، ومعنى قوله: (قدر ما نقص) عند من لا رغبة له في الخصيان، وقال سحنون: [٥٨٠/أ] معناه أن ينظر إلى دني يُنقصه الخصاء فما نقص كان على الجاني ذلك في المجني عليه، وقد تأول بعضهم ما في الجراحات من سماع ابن القاسم أن ينظر ما تقع الزيادة فيجعل نقصانًا، فيكون عليه غرمه، وذلك بعيد لا وجه له في النظر، والذي يوجبه النظر أن يكون عليه في الذكر أو الأنثيين قيمة، وفيهما قيمته مرتين كالحر في الدية قياسًا على قول مالك في المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة أنه يكون عليه من قيمته بحساب الجزء من ديته، وابن عبدوس يرى أنه إذا زاد الخصاء لا غرم عليه ولا يصح ذلك على المذهب، وإنما يأتي على قول من يقول: لا شيء عليه في المأمومة وشبهها مما لا نقصان فيه بعد البرء، وقول ابن عبدوس هو الذي اقتصر عليه المصنف تبعًا لابن شاس، ولا إشكال في عقوبته.
وَلَوْ هَزِلَتِ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَذَكَّرَها حَصلَ الجبْرُ
هو ظاهر.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنْ فاتتْ كَالدَّارِ يقلعهَا، والأَرْضِ يُبَوِّرُهَا، والدَّابَّةِ يُعَنِّدُهَا، والْعَبْدِ لا يَسْتَخْدِمُهُ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَضْمَنُ، وقَالَ غَيْرُهُ: يَضْمَنُهُ وصُوِّبَ
لما ذكر أولًا أن الغصب يكون لعين ومنفعة، وتكلم على العين تكلم هنا على المنفعة، يعني وأما المنافع فإن فاتت ولم ينتفع بها الغاصب كالأمثلة التي ذكرها المصنف، فقال ابن القاسم: لا يضمن، وهو المشهور.
أبو محمد: لأنه كمن منعه من وطء أمته أو منع حرةً أو أمةً من التزويج، وقال غيره: لأنه لم يغصب المنفعة ولم ينقلها لا يضمنها كما إذا سجن صاحبها، وذهب مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وابن حبيب إلى الضمان؛ لن أذهب مالًا عن مالكه، فوجب أن
[ ٦ / ٥٣٣ ]
يضمن قياسًا على غصب العبد، أما أنه مال فلأنه يجوز أخذ المال عنه ولو لم يكن لما جاز ذلك، ومن هذا الخلاف فيمن غصب دنانير هل يضمن ما كان ربها ربح فيها؟
وقد حكى اللخمي في من غصب دراهم أو دنانير هي يضمن ما يربح أو ما كان ربح فيها صاحبها؟ ثلاثة أقوال: فقيل: لا شيء للمغصوب منه إلا رأس ماله، استنفقها الغاصب أو اتَّجر بها فربح، وهو قول مالك وابن القاسم.
وقيل: إن اتَّجر بها وهو موسر كان الربح له، وإن كان معسرًا كان الربح لصاحبها، وهو قول ابن مسلمة وابن حبيب في الولي يتجر في مال يتيمه لنفسه فجعلا له الربح إن كان موسرًا أو لليتيم إن كان معسرًا.
والقول الثالث أن للمغصوب منه قدر ما كان ربح فيها لو كانت في يده، ذكرها ابن سحنون فيمن شهد بدرين حال أن صاحبه أخر الغريم سنة ثم رجع عن الشهادة بعد محل الإجل والدين عينًا أو مما يكال أو يوزن.
وحكى صاحب المقدمات الاتفاق على أن ربح الدراهم والدنانير للغاصب، والخلاف الذي ذكره المصنف إنما هو مبني على المشهور أن الغاصب يرد الغلة، وأم على الشاذ أنه لا يردها فلا إشكال أنه لا شيء عليه هنا، ومعنى (يُبَوِّرُهَا) يمنعها من الحرث وعقل الدابة أي من غير عمل.
قوله: (وصُوِّبَ) أي: صوبه ابن يونس.
فَإِنِ اسْتَغَلَّ أَوِ اسْتَعْمَلَ ضَمِنَ عَلَى الْمَشْهُورِ، ورُوِيَ: إِلا فِي الْعَبدِ والدَّوَابِّ، ورُوِيَ: لا يَضْمَنُ مُطْلَقًا
يعني: فإن استغل الغاصب أو استعمل ضمن الغلة على المشهور إذ لا حق للغاصب، وروي: لا ضمان عليه مطلقًا في الحيوان وغيره استغل أو استعمل لقوله ﵊: «الخراج بالضمان».
[ ٦ / ٥٣٤ ]
فإن قيل: هو خراج على سبب، قيل: المختار والاعتماد على عموم اللفظ دون خصوص السبب، وروي أنه يغرم غلة الرباع والغنم والإبل والبقر دون العبيد والدواب.
ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة.
ولعل هذا القول الثاني في كلام المصنف، ويحتمل أن يريد بالدواب مطلق الحيوان وهو قول ابن المعذل، وهو مذهب المدونة في باب الاستحقاق؛ لأنه نص فيها في الباب المذكور على أن الغاصب لا يرد غلة الدواب والعبيد، خلاف ما نص عليه في باب الغصب على ما نقله ابن عبد السلام.
والصحيح عند ابن العربي وغيره من المتأخرين ما شهره المصنف من وجوب الغلة مطلقًا، وقد صرح المازري وصاحب المعين وغيرهما بشهرة ما شهره المصنف. قال في المقدمات: وقد اختلف في غلة المغصوب هل حكمها كالمغصوب أم لا؟ فمن قال بالأول وهو أشهب يقول: تلزمه قيمة الغلة يوم قبضها أو أكثر ما انتهت إليه وإن تلفت بأمر من الله تعالى.
وأما القائلون بالثاني فاختلفوا في الغلة بعد اتفاقهم على أنها إن تلفت ببينة أنه لا ضمان على الغاصب فيها وأنه إن ادَّعى تلفَها لم يصدق وإن كان مما لا يغاب عليه، وتحصيل اختلافهم أن الغلة ثلاثة أقسام:
أولها متولد عنه على هيئته وهو الولد فيردها اتفاقًا.
والثاني: متولد عنه على غير هيئته وهي تمر النخل ولبن الماشية ففي وجوب رده قولان.
والثالث: أن تكون غير متولدة عنه، وهي الأكرية والخراجات ففيه خمسة أقوال فذكر الثلاثة التي ذكرها المصنف، والرابع: يلزمه رد الغلة إن اكترى ولا يلزمه إن انتفع أو عطل، والخامس: يلزمه إن اكترى أو انتفع ولا يلزمه إن عطل.
[ ٦ / ٥٣٥ ]
وفي إطلاقه على الولد غلة تسامح، وهذا القول الأخير يستغنى عنه بما قدمه المصنف في الفرع المتقدم.
وَأَمَّا الْبُضْعُ فَلا يَضْمَنُ إِلا بِاسْتِيفَائِهِ لا بِفَوَاتِهِ، فَفِي الْحُرَّةِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وفِي الأَمَةِ مَا نَقَصَهَا، وكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ
لما ذكر أولًا الخلاف فيما إذا عطل المنافع أخرج هذا من ذلك، ولذلك أتى بأمَّا المشعرة بالتفصيل، ومعنى كلامه أنه إذا منع الحرة أو الأمة من التزويج فلا ضمان عليه، وإنما يضمن بالإفاتة بوطئها لا بحبسها [٥٨٠/ب] من غير وطء، ومقتضى كلامه أنه إذا غاب على الأمة ولم يطأها لا ضمان عليه.
قال في البيان: وهو مذهب ابن القاسم ولم يفرق بين الرائعة وغيرها، وقيل في الجارية أنه يضمن قيمتها بالغيبة عليها حكاه في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون ومالك وأصحابه ولم يفرق أيضًا في ذلك بين الرائعة وغيرها وقال أصبغ: يضمن إن كانت رائعة؛ وقوله: بالتفرقة جيد.
وقوله: (وكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ) أي: لا يضمن إلا بالاستيفاء لا بالفوات.
وَلَوْ غَصَبَ مَا صَادَ بِهِ وفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لِلْمَالِكِ فَإِنْ كَانَ عَبْدًَا فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهِ اتِّفَاقًَا، وإِنْ كَانَ كَالسَّيْفِ والشَّبَكَةِ والْحَبْلِ فَلِلْغَاصِبِ اتِّفاقًا، وعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَثْلِهِ، والْفَرَسُ كَالسَّيْفِ، وإِنْ كَانَ جَارِحَا فَعَلَى قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى التَّشْبِيهِ بِهِمَا
تقدم الكلام على ذلك في باب الصيد، والمسألة الثانية لا تناسب هذا الفصل.
قوله: (لِمَالِكِهِ) أي لمالك العبد يريد على قول أن الغاصب يرد الغلة.
[ ٦ / ٥٣٦ ]
قوله: (وعَلَيْهِ) أي وعلى الغاصب (والْفَرَسُ كَالسَّيْفِ) أي فالصيد للغاصب وعليه أجرة مثله، وإن كان ما صاد به كلبًا أو بازًا فعلى قولين بناء على التشبيه بهما، أي بالعبد والسيف، فمن شبهه بالعبد فالصيد لمالكه، ومن شبهه بالسيف والشبكة فالصيد للغاصب وعليه أجرة مثله.
وَإِذَا غَصَبَ دَارًا خَرَابًا أَوْ مَرْكِبًا خرابًا فَأَصْلَحَهُ فَاغتلَّ، فَقَالَ أَشْهَبُ: مَا زَادَ فَلِلْغَاصِبِ؛ كسَاحَةٍ يعْمُرُها، وقال محمد: الجميعُ لِلمَالِكِ
وافق أشهب أصبغ.
اللخمي: وهو أبين فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما كان يؤاجر به من يصلحه فيغرمه وما زاد على ذلك فللغاصب.
اللخمي: ولا أعلمهم اختلفوا في من غصب أرضًا فبناها ثم سكن واستغل أنه لا يغرم سوى غلة انتفاعه، ورأى محمد أن جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ الدار مصلحة ولا شيء عليه إلا قيمة ما لو نزعه لكانت له قيمة، ورأى أن المالك يستحق البناء بقيمته منقوضًا، فيكون مالكه فتكون غلته له، وكذلك ما أخرجه في إصلاح المركب من قلفطته وزفته فربه أخذ ذلك وجميع الغلة.
محمد: إلا مثل الصواري والأرجل والحبال وما أخذ له ثمن إذا أخذ فللغاصب أخذه إن كان بموضع لا غناء له عنه؛ إذ لا يجد صاريا ولا أرجلا ولا حبلا إلا هذه، أو لا يجد ذلك بموضع ينال حمله غليه إلا بالمشقة والمؤنة العظيمة، وهو مما لا بد منه مما يجري به المركب حتى يرده إلى موضعه، فربه مخير بين أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف كان أو يسلم ذلك إليه، وعلى هذا ففي قول المصنف (الجميعُ لِلمَالِكِ) إطلاق، وإنما مراد محمد ما ليس له عين قائمة مستقلة.
[ ٦ / ٥٣٧ ]
ابن عبد السلام: وقول محمد أظهر، وقال ابن راشد: والأول أقيس، ويعكس على قول محمد ما حكاه اللخمي في من غصب أرضًا فبناها.
وَحَيْثُ أُلْزِمَ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ فَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ والدَّابَّةِ وسَقْيِ الأَرْضِ وعِلاجِهَا ونَحْوِهِ يُقَاصُّ بِهِ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَرْجِعْ
هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وحاصله أنه يرجع بالأقل مما أنفق أو الغلة، وقاله ابن القاسم في الموازية ثم رجع في الموازية وقال: لا شيء للغاصب واختاره ابن المواز، والأول أظهر؛ لأن الغاصب وإن ظلم فلا يظلم، ولأن الغلة إنما نشأت عن عمله، فلهذا لو قيل: إنما يرجع فيما زاد عمله في الغلة لكان وجهًا حسنًا، وهذا في كل ما ليس للمغصوب منه بد كطعام العبد وكسوته، وعلف الدابة، وأما الرعي وسقي الأرض فإن كان يستأجر له أو كان في يده فكذلك، وإن كان يتولاه بنفسه أو بعبده فلا شيء عليه، وقاله أصبغ في سقي الشجر وحرث الأرض.
اللخمي: وأرى أن يكون على الغاصب الأقل من ثلاثة: إجارة المثل فيما يتولاه الغاصب، أو ما آجر به عبيده أو دوابه، أو تسليم الغلة التي اغتلها الغاصب.
فَلَوْ بِيعَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وُرِثَ؛ فَإِنْ عَلِمَ المشتري فَكَالْغَاصِبِ
يعني: فلو باع الغاصب المغصوب، أو مات الغاصب فورثه ورثته، (فَإِنْ عَلِمَ المشتري) بذلك والوارث، وفي بعض النسخ: (علم) فقط، فيكون الفاعل أحدهما لا على التعيين (فَكَالْغَاصِبِ) أي في لزوم رد الغلات؛ لأنه لما علم بالغصب وجب عليه الرد ولا عذر له، بل قال أبو عمران: وإنما يشترط علم المشتري وأما الوارث فإنما ينظر إلى معرفة الناس في ذلك.
[ ٦ / ٥٣٨ ]
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ - فِي السَّمَاويِّ ولا فِي الْغَلَّةِ سَكَنَ أَوْ زَرَعَ أَوْ أَكْرَى - ولا عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ حِينَ بَاعَ عَلَى الْمَشْهُورِ
وإن لم يعلم أحدهما، أي المشتري والوارث فلا شيء عليه مما هلك أو نقص مما لا صنع لأحد فيه، وهو مراده بالسماوي، قال في البيان: باتفاق.
قوله: (ولا فِي الْغَلَّةِ) ظاهره أن الغلات تكون للمشتري وللوارث إذا لم يعلما، وهو صحيح في المشتري، وأما وارث الغاصب فلا غلة له باتفاق سواء انتفع بنفسه أو أكرى لغيره، فإن قيل: حكمهم للمشتري بالغلة دليل على أن الضمان منه، وقولهم: لا ضمان عليه في السماوي يدل على أن الضمان ليس منه فما وجه الجميع؟ قيل: إنما نفينا سببًا خاصًا من أسباب الضمان لا مطلق الضمان.
قوله: (ولا عَلَى الْغَاصِبِ إلى آخره) أي لا رجوع للمغصوب منه على الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور، وهما مبنيان على القولين فيما عطله الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور.
وفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ
أي: في الرجوع عليه بالغلة التي استغلها الموهوب له.
ابن عبد السلام: وهما كالقولين السابقين، وهكذا نسب اللخمي لابن القاسم أنه لا رجوع على الغاصب في الهبة والتعطيل.
خليل: وفي نظر؛ لأن في التهذيب: [٥٨١/أ] ومن وهب لرجل طعامًا أو إدامًا فأكله أو ثيابًا فلبسها حتى أبلاها ثم استحق ذلك فيرجع بذلك على الواهب إن كان مليئًا وإن كان عديمًا أو لم يقدر عليه رجع بذلك على الموهوب له ثم لا يرجع الموهوب له على
[ ٦ / ٥٣٩ ]
الواهب بشيء، وكذلك أو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها لباسًا ينقصها، فعلى ما ذكرنا ثم لا يرجع المستعير بما غرم من نقص الثياب على المعير. انتهى.
عياض: وقوله: (ومن وهب) معناه عندهم أن الواهب غاصب، وقد صرح بذلك ابن يونس واللخمي في نقلهما فقالا: ومن غصب لرجل طعامًا إلى آخره؛ ولهذا قال ابن راشد: الصواب الرجوع؛ لأنه هو الذي أتلفها على ربها ونفي الرجوع مبني على أن الوهوب له هو المباشر، ولما لم يغرم لعذره بالشبهة لم يغرم للغاصب من باب أولى.
وَعَلَى الرُّجُوعِ إِن أعدِمَ، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوْلانِ
يعني: وإذا فرعنا (وَعَلَى الرُّجُوعِ) بالغلة على الغاصب الواهب فلو أعسر الغاصب فقال ابن القاسم في المدونة: يرجع المالك على الموهوب كما يرجع على الوارث الغاصب بجامع أن لاك منهما أخذ بغير عوض، وقال أشهب في الموازية: الموهوب له إذا لم يعلم بالغصب كالمشتري لا يرجع عليه بالغلة.
تنبيه: ووقع في بعض النسخ عوض (أعدِمَ) (أغرم) بالغين المعجمة والراء المهملة والمعنى: إذا رجع على الغاصب بغلة الشيء المغصوب فهل يرجع الغاصب بذلك على الموهوب له؛ لأنه تبين أنه وهب شيئًا لا يملك أو لا يرجع؛ لأنه سلطه على ذلك؟ قولان، وهذا الثاني هو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة والأول يأتي على غيره فيها، وسيأتيان عند قول المصنف: (والمشهور أنه بيد الغاصب).
وَلَوْ أَكَلُوهُ أَوْ لَبِسُوهُ فَأَبْلَوْهُ فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ يَوْمَ لَبِسُوهُ، أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ، أو إمْضَاءِ بيْعِ الغَاصِبِ.
الضمير في (أَكَلُوهُ) وما بعده عائد على من حصل له المغصوب من جهة الغاصب وهو وارثه وموهوبه والمشتري منه ونحو ذلك، وإن أكل هؤلاء الطعام أو لبسوا الثوب
[ ٦ / ٥٤٠ ]
حتى أبلوه، فالمالك مخير في أمرين: إما أن يغرمهم قيمة المقوم، ومثل المثلي يوم وضع اليد؛ لأنهم لا علم لهم بالغصب، وإليه أشار بقوله: (يَوْمَ لَبِسُوهُ) وإما أن يغرم الغاصب القيمة أو المثل يوم الغصب، وله وجه ثالث في البيع وهو إمضاء بيع الغاصب؛ لأنه بيع فضولي، وظاهر قوله: (فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ) أن المغصوب منه بالخيار، وليس هو المشهور، والمشهور أنه يبدأ بالغاصب كما سيأتي، ولعل المصنف إنما أراد تعلق الغرامة بهم من حيث الجملة ولكن أطلق لما سيذكره.
واستشكل ابن يونس كون المشتري يضمن القيمة يوم اللبس فقال: وقيل: إن المشتري يضمن القيمة إذا لبسه فأبلاه يوم اللبس، وهذا في نظر؛ لأنه غير متعد وهو إذا لبسه يومًا أو أيامًا ولم ينقصه ذلك لم يكن عليه شيء، وإنما يضمن قيمته بالاستهلاك، قال: والجواب أنه لمّا كان هلاكه بالانتفاع لم يفرق في ذلك بينه وبين المتعدي الغاصب ألا ترى أن ابن القاسم شبه ذلك بغلته، فلذلك كان عليه قيمته يوم لبسه، وكما لو كان ذلك عنده رهنًا أو وديعة.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ، فَإِنْ اخْتَارَ تغْرِيمَهُ فَكَانَ أَقَلّ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي تَعْيين مُسْتَحَقِّهِ مِن المشْتَرِي أوْ رَبِّهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَب
وكذلك أيضًا يكون المغصوب منه بالخيار إذا قتل المشتري العبد المغصوب فإن أخذ ربه القيمة منه يوم الجناية وكانت اقل من الثمن فاتفق ابن القاسم وأشهب أن الغاصب لا يستحق زيادة الثمن، واختلفا في من يستحق تلك الزيادة هل المشتري أو المالك؛ فقال ابن القاسم: يستحقها المشتري؛ لأن البيع قد انفسخ بغرم المشتري قيمة ما اشتراه، وقال أشهب بل يرجع المالك بتلك الزيادة على الغاصب ويرجع المشتري بمقدار ما أدَّى.
ونقَل ابنُ يونس عن أشهب مثل ما حكى المصنف عنه ونصه: وقيل عن أشهب: إذا باعها الغاصب - أي الأمة بمائة وقتلها المبتاع وقيمتها خمسون فأغرمه المستحق فيمتها خمسين، فليرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق في ذلك وهو خمسون ويرجع
[ ٦ / ٥٤١ ]
المستحق أيضًا على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذها فيها، قال: ولو كانت قيمتها يوم الغصب مائة وعشرين، فباعها الغاصب بمائة فقتلها المبتاع وقيمتها حينئذ خمسون فأخذ المستحق قيمتها من المشتري على قول أشهب بما غرم وذلك خمسون، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون.
خليل: وجعل ابن عبد السلام ما نقله ابن يونس عن أشهب مخالفًا لما حكاه الصنف عنه، وسبب ذلك أنه أسقط ما حكاه ابن يونس بعد قول أشهب فيرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق وفي ذلك خمسين.
قوله: (ويرجع المستحق على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذه فيها) ورأيت في نسخة مثل ما حكاه، لكن وجدت في نسخ مثل ما حكيته وبه يتفق نقله مع نقل المصنف ثم يلزم على ما حكاه ابن عبد السلام أن يكون في كلام ابن يونس إشكال وتناقض، أما الإشكال؛ فلأن قول أشهب على ما نقله أن الخمسين الباقية تكون للغاصب مشكل؛ لأن الغاصب لا يربح وأما التناقض؛ فلأن ما حكاه ثانيًا عن أشهب يناقضه، والله أعلم.
وَفِي كَوْنِ الْخَطَأِ مِنْهُ كَالسَّمَاوِيِّ أَوْ كَالْعَمْدِ قَوْلانِ
تقدم أن المشتري لا يضمن بالسماوي اتفاقًا، وأشار المصنف في المسألة السابقة إلى أنه يضْمَنُ بالعمد ولا خلاف فيه، واخْتُلف في جنايته خطأ، فقال ابن القاسم في العتبية هو كالسماوي، وقال أشهب في المجموعة: يضمن به كالعمد؛ وهو أقيس لأن العمد والخطأ [٥٨١/ب] في أموال الناس سواء.
واختلف في المدونة على أي القولين تحمل، فجعل في البيان ما في العتبية مفسرًا له وحمل ما فيها من الضمان إذا قطع المشتري يدها على الخطأ، وقال أبو الحسن: ظاهرها أنه
[ ٦ / ٥٤٢ ]
لا فرق بين أن تكون الجناية عمدًا أو خطأ، وقال ابن عبد السلام أنه ربما تأول على المدونة أنه عدم الفرق.
وَلا يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي فِي تَلَفِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ويحلِفُ ثُمَّ يَغْرَمُهُ إِنْ شَاءَ
هكذا في العتبية؛ لأن فيها: ولو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق، وفيما لا يغاب عليه من رقيق وحيوان، ولا يصدق فيما يغاب عليه ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد هلكت ويغرم قيمته إلا أن يأتي ببينة على هلاكه من غير شبهة، وكذا يفهم من المدونة، قيل: وإذا صدِّق في ما لا يغاب عليه فإنما ذلك إذا لم يظهر كذبه كالرهن والعواري، وقال أصبغ: يصدق في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه، وإنما حلَّفناه فيما يغاب عليه على الأول مع إنا نضمنه له مخافة أن يكون قد غيبها.
ابن عبد السلام: وإذا بنينا على المشهور وضمانه فخرج بعضهم قولًا بعدم اليمين، وإذا صدقنا المشتري في الهلاك، فلا يرجع بالثمن على البائع منه؛ لأن الضياع هنا كالهلاك، وفاعل (ويحلِفُ) عائد على المشتري وكذلك يغرمه، وفاعل (شاء) عائد على المستحق.
فرع
ومتى يضمن ما يغاب عليه؟ نقل ابن يونس عن غيره أن الأشبه إذا رئي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه وادَّعى ضياعه لما استحق، إنه إنما يضمن قيمته يوم رئي بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن رئي عنده بعد شهر، فإنه يضمن القيمة يوم القبض والفرق أنهما قبضاه على الضمان، فلما غيباه اتهما على أنهما إنما قبضاه ليستهلكاه فأشبها المتعدي، بخلاف المشتري فإنه إنما قبضه على أنه هلكه فلم يتهم.
[ ٦ / ٥٤٣ ]
وَالْمَشْهُورُ أنه يُبّدَّى الْغَاصِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ إَذَا أَكَلَهُ أَوْ أَبْلاهُ
لا شك أن علم الموهوب له بالغصب أنه كالغاصب يتبع صاحبه أيهما شاء، وإن لم يعلم فالمشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة أنه يبدأ بالغاصب؛ لأنه كالمسلط للموهوب له، فيرجع عليه بقيمة الموهوب وغلته على القول بالرجوع بها أولًا، فإن كان عديما رجع على الموهوب له.
قال في البيان: وإذا رجع بها أولًا على الغاصب، فلا رجوع له على الموهوب له، وإن رجع أولًا على الموهوب له رجع على الغاصب إذا يسر، وقال غير ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من المدونة: يرجع أولًا على الموهوب له؛ لأنه المباشر.
ابن رشد: فإن لم يكن له مال رجع على الغاصب، فإن رجع على هذا القول على الغاصب رجع الغاصب على الموهوب له، وإن رجع على الموهوب له لم يرجع على الغاصب بشيء عكس الأول، ولأشهب قول ثالث أن المالك بالخيار في اتباع أيهما شاء، واختاره ابن المواز وسحنون.
اللخمي: ولا خلاف أن له تغريم الغاصب؛ لأن هبته لا تسقط المطالبة عنه عند علم الغصب، وإن أحب أن يبتدئ بالموهوب فالأقوال الثلاثة، وإن كان الغاصب معسرًا فله أخذ المستهلك اتفاقًا، انتهى.
أشهب: بناء على قوله: (ويطلب الغاصب بالقيمة يوم الغصب) أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف، فإن كانت قيمته يوم الغصب عشرين، وقيمته يوم الإتلاف ثلاثين، فاختار اتباع الغاصب فأخذ منه عشرين ثم يرجع على الموهوب له بالعشرة الباقية، واحتاج أشهب على قول ابن القاسم بموافقته إياه، على أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب، فهو كغريم ثان يتبع المالك إن شاء الغاصب، وإن شاء المشتري إذا
[ ٦ / ٥٤٤ ]
أتلف، والفرق لابن القاسم إذا ابتدأ تضمين المشتري كان للمشتري الرجوع على البائع، وهو الغاصب أولًا، كذلك الموهوب له فإنه إذا غرم قيمة المغصوب لم يكن له رجوع البتة على أحد، ومقابل المشهور في كلام المصنف يحتمل أن يريد به الثاني.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب لعدم إشعار كلام المؤلف بالتخيير، ويحتمل أن يريد به قول أشهب.
[ ٦ / ٥٤٥ ]
الاستحقاق
الاسْتِحْقَاقُ: فَإِنِ اسْتَحَقَّتِ الأَرْضُ مَزْرُوعَةً بَعْدَ إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ فِلا شَيْءَ لِلْمَالِكِ فيه زَرعهَا أَوْ أَكْرَاهَا
يريد: إذا كان الزارع زرع بوجه شبهة؛ كالمشتري أو المكتري إذا لم يعلما، وسواء تولى زراعتها بنفسه، أو أكراها، وإنما لم يكن للمالك شيء؛ لأن الخراج بالضمان، ولهذا قال ابن القاسم: في من كان في يدِه أرض بميراث فأكراها ثم أتى رجل فأثبت أنه أخوه، إن له أن يرجع عليه بحصته من الكراء، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامنًا.
تنبيه:
لم يتعرض المصنف لما إذا كان الزارع لها غاصبًا، ولنذكره باختصار، فنقول: إن قام رب الأرض بعد الحرث وقبل الزراعة، ففي اللخمي وغيره أنه يأخذه بغير شيء، وقال ابن عبد السلام: يأخذه بغير شيء على أظهر القولين في تزويق الجدار وشبهه، وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع، أو بعد ظهوره، وقبل أن ينتفع به فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه.
ابن القاسم وأشهب: بغير ثمن ولا زريعة ولو اتفقا على إبقائه في الأرض بكراء، فمنع منه ابن المواز؛ لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه، ورأى أن المالك لما كان قادرًا على أخذه مجانًا وأبقاه لزراعه بكراء، كان ذلك الكراء عوضًا عنه في المعنى؛ فهو بيع له على التبقية، وخرج على قول من يرى أن من ملك أن يملك لا يعد مالكًا قول بالجواز، وإن كان قيامه بعد أن بلغ الزرع مبلغًا ينتفع به، ولم يخرج إبان الحراثة، فله أن يأمره بقلعه، وهل له أن يعطي الغاصب قيمته مقلوعًا ويبقيه لنفسه قولان.
اللخمي: والقول بأن له ذلك أصوب؛ لأن نهيه ﵊ عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح على البقاء إنما هو لأنه يزيد للبقاء ثمنًا، ولا يدري هل يسلم أم لا، وهذا
[ ٦ / ٥٤٦ ]
يدفع قيمته مطروحًا، وإن كان قيامه بعد خروج الإبان فقال مالك: الزرع للغاصب وعليه [٥٨٢/أ] كراء الأرض، وليس لربِّ الأرض قلْعه.
اللخمي: وهو المعروف من قوله، وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه لقوله ﵇: «ليس لعرق ظالم حق».
وروي أيضًا عن مالك: الزرع للمغصوب منه الأرض وعليه نفقته وإن طاب وحصد. واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي: «من زرع أرضًا لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته».
عبد الحق: واعلم أن ما جرى من قوله: يكلف الغاصب القلع إذا كان في إبان الزرع، إنما يعني أن إبان الشيء المزروع فيها لا غيره، فإذا فات إبان ما يزرع فيها فليس لرب الأرض تكليف الغاصب القلع وإن كان يمكنه أن يعمل فيها مقتاتًا أو شيئًا غير الذي زرع فيها، وهذا لأصبغ مبين في المستخرجة، وهو معنى ما في المدونة، وكذلك حفظت عن بعض شيوخنا القرويين.
فَإِنْ كَانَ فِي إِبَّانِهَا أَوْ كَانَتْ تُزْرَعُ بُطُونًا فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ أَوْ نِسْبَةِ مَا بَقِيَ
فإن كان قيام المستحق على الزارع بوجه شبهة في إبان الزراعة أي في وقت الزراعة أو كانت الأرض ترزع بطونًا في العام الواحد، ولم يستوف تلك البطون، فالمالك مخير في وجهين: إما أخذ كراء المثل من وقت وجبت له الأرض وقضي له بها، وإما أن يكون له نسبة ما بقي من مدة الكراء من حساب الكراء الذي أكراها به المستحق من يده، وحاصله أن للمستحق الأكثر، وما ذكره المصنف خلاف ما في المدونة؛ ففيها: قال ابن القاسم: وإن كانت أرضًا تزرع في السنة مرة فاستحقها، وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء
[ ٦ / ٥٤٧ ]
تلك السنة للمستحق وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة، وقال عبد الملك: إن قدر ما مضى للمشتري؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر بما ذكره المصنف، قول عبد الملك: ووجه ما في المدونة أن ربها كان قادرًا على زرعها لولا زرع هذا.
فرعان:
الأول: ما ذكره المصنف ظاهره إذا كان المكتري قد زرع، وأما إن لم يزرع، فإما أن يستحقها قبل الحرث أو بعده، فإن لم يحرث.
اللخمي: فهو كالسكني له أن يمضيه بالمسمى أو يخرجه، وإن حرث أقره بالمسمى أو أخرجه، واختلف في حكم الحرث فقيل: لا شيء للمستحق، وقال ابن القاسم في المستخرجة: المستحق بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه، فإن أبى أعطاه الآخر قيمة كرائه، فإن أبى أسلمها ولا شيء له.
الثاني: اللخمي: واختلف إذا قام المستحق في الإبان فحكم له بعد ذهابه، هل يكون الكراء للأول أو للمستحق؟ وذكر ابن رشد في الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان مستحقه وتكون الغلة له، ويجب التوقيف فيه، ثلاثة أقوال: الأول: إنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضى له بها، وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة: إن الغلة في يديه حتى يقضى بها للطالب، وعلى هذا لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفًا يحال بينه وبينه، وهو قول ابن القاسم في الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفًا يمنع من الإحداث فيها.
الثاني: إنه يدخل في ضمانه وتكون الغلة له، ويجب توقيفه وقفًا يحال بينه وبينه إذا ثبت بشهادة شاهدين عدلين أو شاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ إذ قال
[ ٦ / ٥٤٨ ]
فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة؛ إذ قال: إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه الدفع.
والثالث: إنه يدخل في ضمانه، ويجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد واحد؛ وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح: إنه يحلف مع شاهده وتكون مصيبته منه وروايته عنه في الكتاب المذكور في مسألة الزيتون إذا ادعاها وأقام شاهدا واحدًا أن الثمرة له إذا توالت على معنى المسألة أنه استحق الأصل دون الثمرة، وأما على تأويل من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد له بهما جميعًا الشاهد الذي أقامه فتخرج الرواية عن هذا الباب إلى وجه متفق عليه، وما وقع في كتاب أحد بن زياد: التوقيف يجب في الدار بالقفل، وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد يأتي على هذا القول، وكذلك أيضًا النفقة تجري على هذا الاختلاف، وفرق في رواية عيسى عن ابن القاسم وهو ظاهر المدونة، وساوى عيسى بينهما من رواية وهو القياس، والصواب أن ما في المدونة اختلاف من القول.
فَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قيلَ لِلْمَالِكِ: ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِمًا، فَإنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْمُكْتَرِي: أَعْطِهِ قِيمَةَ أرْضِهِ بَرَاحًا، فَإِن كَانَا شَريكَيْنِ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وقَدْرِ مَا يُبْنَى بِهِ مِثْلُهُ عَلَى الأَشْهَرِ لا بِمَا زَادَ
أي: فإن غرس الأرض المستحقة من يده كان مشتريًا أو مكتريًا فإن يقال لرب الأرض: ادفع قيمة البناء أو الغرس قائمًا فإن أبى قيل: للمشتري أو المكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وروى مطرف أن عمر ﵁ قضى بهذا.
وإذا بَنَيْنَا على الشركة فقال ابن يونس وغيره: إنَّ ظَاهِرَ الْكتاب أن صاحب البناء يكون شريكًا بقيمة البناء، وقال مطرِّف: بما زاد البناء في قيمة الأرض، وفهم بعضهم المدونة عليه.
[ ٦ / ٥٤٩ ]
ابن يونس: والأول هو الصواب؛ لأنه قد لا تزيد العمارة في مثل هذه الأرض شيئًا بل قد يكون ثمنها براحا أكثر لأعمال القبول ونحوها، فإذا قومت على ما قاله ابن الماجشون ذهب عمل العامل باطلًا، [٥٨٢/ب] وهو غير متعد، ولعل المصنف لهذا شهره.
ابن الجهم: وإذا دفع ربُّ الأرض قيمة العمارة وأخذ أَرْضَهُ، كان له كراء ما مضى من السنين، ولمالك في العتبية قول ثالث أنه يكون شريكًا بما أنفق؛ لأنه قال فيمن اشترى دارًا وعمرها ثم استحقت للباني عليه ما عمل من عمل الناس وأما بنيان الأمراء فلا أدري ما هو؟ قيل: فتكون للباني قيمة البنيان أو نفقته، قال في البيان: ضعف أن يكون له الرجوع فيما بنى من بنيان الأمراء، بقوله: لا أدري ما هو؟ وقوله صحيح؛ لأنه أتلف ماله لما أنفق فيما لا يسوغ له من السرف المنهي عنه، وأشار بعضهم إلى أن ما ذكره في بنيان الأمراء متفق عليه، وفي كلام المصنف إشكال، لأنه حكم أولًا أن صاحب الأرض يدفع إليه قيمة البناء قائمًا وهذا يعني أنه لا يجب للباني إلا ذلك، وقال: إذا أبيا يكونان شريكين، ويكون الباني شريكًا بقدر ما يبني به مثل الأرض، فكيف يكون شريكًا بما ليس له، واستشكل أيضًا الأشياخ مذهب المدونة: فإن مالكًا أوجب له قيمة البناء قائمًا وإذا قوم قائمًا فقد أعطى جزءا من الأرض، وإن قومه منفكا عن الأرض صار منقوضًا، وأجاب اللخمي عنه بأنه إنما يقال: بكم يباع هذا البناء أو الغرس على أن يقلع بعد انقضاء المدة؟ ولا يقوم عليه على أنه قائم للأبد؛ لأن الباني أو الغارس لا يستحق بقاؤه إلا إلى بقيتها، قال: وإذا قوم على هذه الصفة سقط الاعتراض بأن الباني أخذ جزءًا من الأرض؛ لأنه لم يقوم على أن للباني حقًا في تلك الأرض، وإنما يقوم على أن مشتريه يضعه هناك ولا يقوم على أن مشتريه يضعه حيث أحب؛ لأنه إن كان الآن في طرف، كانت قيمته أبخس فلا يصلح أن يقوم في غير ذلك مما هو ضرر؛ لأن فيه ضررًا على المستحق، انتهى، وفيه نظر؛ إذ لا يتصور أن يكون البنيان قائمًا حيث أحب.
[ ٦ / ٥٥٠ ]
وأجاب المازري: بأن مستحق الأرض لما كان قادرًا على أن يلزم الباني أو الغارس قيمة الأرض براحًا، فعدل عن ذلك كان رضًا منه بل يعطي الباني والغارس قيمته عليها قائمًا؛ لأن فعلها وقع بوجه شبهة فلا سبيل إلى إعطائها قيمة ذلك مقلوعًا، وهو حسن، ولو كان رب الأرض مخيرًا في أن يلزم الباني قيمة الأرض براحًا وليس كذلك، واختلف متى تراعى القيمة؟ فمذهب الكتاب يوم الحكم، وقيل: يوم البناء، وفي كتاب العارية: وقيل: للباني ما أنفق، وفي باب آخر: قيمة ما أنفق، واختلف هل هو اختلاف قول أو لا؟ وعلى الثاني وقد اختلف في كيفية الجمع، وقد ذكرناه ثم، وهذا كله ما لم تستحق الأرض بحبس، أما إن استحقت بحبس فليس للباني ألا حمل أنقاضه؛ إذ ليس ثم من يعطيه قيمة البناء قائمًا، وليس له أن يعطي قيمة البقعة؛ لأن بيع الحبس، وهذه المسألة ألقاها أبو محمد صالح على أبي الفضل.
وَفِي الزَّرْعِ سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يَمْضِي، فإِنْ أَمْضَاهُ فَلَهُ نِسْبَةُ مَا يَنُوبُهُ كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ
يعني: إذا أكرى الأرض المستحقة من يده للحرث سنين، وقد زرعت للحرث سنة أو أكثر، وانقضى إبان الزراعة، فكراء ما زرع للمستحق من يده، وما بقي فالمستحق بالخيار في فسخ العقد فيه وفي إمضائه، فلا يكون له الكراء على عدد السنين بل على حسب ما يراه أهل المعرفة، وذلك مجهول، واستشكل ذلك جماعة وكذلك قال ابن يونس وعياض واللخمي وغيرهم: إنه تجوز الإجارة بشرط أن يعلم ما يخصه وإلا أدى إلى البيع أو الكراء بثمن مجهول.
ولعل قول المصنف: (كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ) إشارة إلى ذلك؛ لأن مذهب ابن القاسم المنع إلا أن يقومًا ويدْخلا على ذلك، وقد يقال: فيما أجراه الشيوخ هنا نظر، والفرق بينهما أن الْغَرَر في جمع الرجلين سلعتيهما في البَيْع واقع في أصل العقد بخلاف هذه فإنه طارئ
[ ٦ / ٥٥١ ]
بعد صحتها، وهذا وإن كان ظاهرًا إلا أنه قد يقال: إنه لا يسلم أن الضرر الطارئ مغتفر عند ابن القاسم، فقد منع من التمسك بباقي الصفقة إذا استحق جلها للجهالة، ويحتمل أن يكون قول المصنف: (كَجَمْعٍ) ليس إشارة إلى ما ذكرناه بل إلى بيان كيفية التراجع، والله اعلم.
وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ الْعَالِمُ والْوَلَدُ رَقِيقٌ ولا ينسَبُ لَهُ
يعني: وإذا وطئ الأمة المغصوبة عالمًا بغصبها غاصبا كان أو غيره فهو زان، فلذلك كان ولده رقيقًا للمغصوب منه ولا ينسب له، وهذا بشرط أن تقوم البينة قبل الوطء على أن الواطئ أقرَّ بعلمه أن الأمة مغصوبة، أو تشهد الآن بينة أنه أقر عندهم قبل الوطء بعلمه، وأما إن لم يكن إلا مجرد إقراره الآن بأنه وطئ عالمًا، فقال أهل المذهب: يُحدُّ لأجلِ إقرارهِ على نفسه بالزِّنا، ويلحق به الولد لحق الله تعالى وحق الولد في ثبوت النسب، وهي إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد وثبوت النسب.
ثانيها: أن يشتري أخته أو من يعتق عليه ويولدها ثم يقر أنه وطئها عالمًا بذلك.
ثالثها: أن يتزوج امرأة ويولدها ثم يقر أنه كان طلقها ثلاثًا، وأنه تزوجها قبل زوج عالمًا بالتحريم.
رابعها: إن يتزوجها ويولدها وهي ذات محرم منه إما من نسب أو صهر أو رضاع ثم يقر على نفسه أن يتزوجها عالمًا بتحريمها.
خامسها: أن يتزوجها ويولدها ثم يقر أن له أربع نسوة غيرها وأنه تزوجها عالمًا بتحريمها، وليس ذلك هذا على طريق الحصر، بل الضابط في هذا أن كل حد يثبت بالإقرار ويسقط بالرجوع عنه فالنسب ثابت معه، وكل حد لازم لا يسقط بالرجوع فالنسب معه غير ثابت.
[ ٦ / ٥٥٢ ]
وَيَضْمَنُ غَيْرُ الْعَالِمِ [٥٨٣/أ] قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا إلا أَنْ يَاخُذَ فِيهِ دِيَةً فَيَكُونَ عَلَيْهِ الأَقَلَّ مِنْهَا أَوْ قِيمَةَ الْوَلَدِ حَيًَّا
لا خِلاَفَ أنَّ الولَدَ هنا حرٌّ ثابتُ النسب ولكن يضمن الأب قيمتَه على المشهور، وعن مالك أنه يضمنه كما سيقوله المصنف، وقد تقدَّم جُلَّ هذه المسألة في النِّكَاحِ في الأمة الغارّة فراجعه.
فَإِنْ أَخَذَهَا عَنْ عُضْوٍ غَرِمَ قِيمَتَهُ نَاقِصًا مَعَ الأَقَلِّ مِنَ النَّقْصِ والدِّيَةِ، وقَالَ الْمُغِيرَةُ: الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَضْعِ
أي: وإن أَخَذَ الدِّيَة عن عضو واحد غرم الأب قيمته يوم الحكم.
قوله: (وقَالَ الْمُغِيرَةُ) راجع إلى قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ).
وَكَانَ مَالِك يقولُ: لمستحقها أَخْذُها إنْ شَاءَ مَعَ قِيمَةِ ولَدِهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا يَوْمَ اسْتَحَقَّهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا وَحْدَهَا يَوْمَ وَطِئَهَا، قَالَ أَشْهَبُ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ
تصور الأقوال ظاهر، وبالثالث أفتى مالك لما استحقت أم ولده إبراهيم، وتابعه عليه جماعة من أكابر أصحابه: كابن كنانة وابن دينار ثم رجع إلى الأول ابن كنانة وعليه مات، هكذا قال اللخمي والمازري: أم ولده إبراهيم؛ وقال ابن رشد: أم ولده محمد، قيل: وهو الصواب.
ومنشأ الخلاف تقابل الضررين ولا يخفى عليك ذلك وأخذ ابن القاسم بالقول الأول أن له أخذها إن شاء وأخذ قيمة الولد، قال في المدونة: وعليه جماعة من الناس.
وأخذ جماعة كثيرة بالقول: إنه ليس لسيدها إلا قيمتها وقيمة ولدها يوم الحكم به وهو الذي صدر به صاحب الرسالة، وأما الغارّة فالمشهور المعروف أنه له أخذها وأخذ قيمة
[ ٦ / ٥٥٣ ]
الولد، وحكى ابن الجلاب رواية أخرى أنه يأخذ قيمة الأم ولا شيء في الولد، وذكر المصنف أن القيمة في القول الثاني يوم الاستحقاق أي يوم الحكم، وفي الثالث: يوم الوطء.
قال: في المدونة في القسم بعد ذكر القولين الأولين: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك، ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعًا على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وقال أشهب في الموازية: هذا خطأ وإنما كنت أقوله - لو قلت بهذا - عليه قيمتها يوم أحْبلها ثم لا قيمة له في ولدها؛ لأن في ملكه ولد، وقال المازري: أشار أشهب إلى بقاء قولي مالك مع رضا المستحق بأخذ القيمة، وسئل سحنون في العتبية عن رجل اشترى جارية فأولدها ثم استحقها رجل فدفعها إليه الذي أولدها ثم اشتراها منه بعد ذلك، هل تكون الجارية أم ولد أم لا؟ أو حتى يولدها بعد الاستبراء، فقال: إن كان دفعها إليه بقضاء قاض ثم اشتراها، فإنها تكون أم ولد بملكه الأول حين أولدها.
فَإِنْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ فَاسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: لا صَدَاقَ لَهَا، وَاسْتُشْكِلَ وخُولِفَ، والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ
الأمة إذا استحقت بعد الوطء فلا يخلوا إما أن تستحق بملك أو بحرية، فإن استحقت بملك فإن كانت ثيبًا فلا شيء عليه، وإن كانت بكرًا فقال مالك وابن القاسم: لا صداق لها، وهو المشهور المعروف، وقال المغيرة: لها الصداق.
واختاره جماعة؛ لأن الوطء انتفاع بغير مملوكة ولا ضمان فيها، بخلاف المستحقة بملك فإن الوطء يجري مجرى غلات المضمون، وهذا وجه الإشكال الذي أشار إليه المصنف، فإن قيل: فهلا استغنى المصنف بقوله: (خُولِفَ) عن قوله: (اسْتُشْكِلَ) لأن من خالف قولًا، فقد استشكله، فجوابه يحتمل أن يكون المستشكل غير المخالف فإن
[ ٦ / ٥٥٤ ]
الإشكال إنما يكون غالبًا عن عرض القول على أصول ذلك القائل والمخالف قد يخالف في الأصول ويوافق عليها أو يخالف في الإجراء عليها.
قوله: (والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ) أي غلة هذه الأمة المستحقة، وكذلك العبد إذا استحق على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: العبد إذا استحق بحرية منزلة على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: لا يغرم الغلة، وعند المغيرة: يغرمها، ويحتمل أن يكون الضمير في (عَلَيْهِ) عائد على الصداق، واستصوب اللخمي قول المغيرة؛ لأن الخراج إنما يكون بالضمان والحر لا يضمن، وإذا رجع بالغلة رجع المشتري عليه بالنفقة، بخلاف الأمة فإن الصداق إنما يستحق بأول الملاقاة، وكهذه المسألة أعني إذا استحقت بحرية، أما إذا استحق الأصل بحبس، فإنه لا ضمان فيه كالحرة، فقيل: غلته للمستحق منه ولأنه ضامن الثمن الذي دفع عند عدم البيع، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وقيل: إنه يرد الغلة؛ لأن ما اشتراه لو تلف رجع بالثمن، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه علق الغلة بالضمان.
ابن رشد: وبالأول جرى العمل عندنا.
تنبيه:
الغلة للمشتري في خمسة مواضع: إذا وجد البيع فاسدًا فرده، أو وجد عيبًا فرده، أو رد بفلس، أو أخذ بالشفعة، أو استحق، وكذلك من صار ذلك إليه من قبل المشتري ولا غلة لوارث إن طرأ عليه وارث مثله في المنزلة وأقرب منه، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامنا ويأخذ القادم الكل إن لم يحاب المستحق منه وإن حابَى فهو واهِب للمحاباةِ، فإن كان الواهب معسرًا فاتفق على أن يرجع على المكتري، وإن كان موسرا فالمشهور أنه يرجع على المكتري إلا أن يكون له مال فعلى المكري، وقيل: إنما يرجع بذلك على المكتري إلا أن يعلم الآخر أن معه وارثًا، فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري، وهذا على أن قول الغير
[ ٦ / ٥٥٥ ]
خلاف وإليه ذهب جماعة، وقال الشيخ أبو محمد: إنه وفاق وإن جواب ابن [٥٨٣/ب] القاسم أن أخاه علم كما قال غيره.
ابن القاسم: وأما إن سكن هذا الوارث أو زرع لنفسه ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء بخلاف الكراء إلا أن يكون به عالمًا فيغرم له نصف الكراء، وروي عن مالك أن عليه نصف كراء ما سكن، قالوا: وعلى قول ابن القاسم: لا رجوع عليه بثلاثة شروط: أن يسكن بنفسه، وأن لا يكون في نصيبه ما يكفيه، وأن لا يعلم، زاد ابن عبدوس: وأن يقدم الأخ بعد إبان الزراعة، ولهذا أفتى اللخمي في امرأة دَعَتْ زَوْجها للدخول فأنكر النكاح، فأثبتته عليه لما سئل هل لها عليه نفقة في أيام الخصام؟ بأنه لا نفقة عليه فيها إن كان ذلك من الزوج بتأويل وشبهه، وأما إن كان دافعها بباطل واضح؛ فإنه كالغاصب فلها النفقة فيها.
وَفِيهَا: والْمُتَعَدِّي يُفَارِقُ الْغَاصِبَ؛ لأَنَّ الْمُتَعدِيَ جَنَاه عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ والْغَاصِبُ أَخَذَهَا - كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ وتَخْرِيقِ الثَّوْبِ
لما كان المتعدي مفارقًا عند الأصحاب للغاصب، أراد المصنف أن يبين ذلك ونسب المسألة إلى المدونة لإفادة الحكم، أو لإشكاله فإنهم فرقوا في الحكم، والمعنى متفق، أو لأن ما ذكره في المدونة من الفرق لا يعم صور التعدي، فإن المكتري والمستعير إذا تعديا المسافة المدخول عليها متعديان وهل تعديا على مجموع السلعة لا بعضها؟
واعلم أنَّ أصحابنا فرقوا بين الغصب والتعدي بوجوه منها: أن التعدي جناية على بعض السلعة، والغصب جناية على جميعها.
ومنها: أن المتعدي ضامن للسلعة من يوم التعدي؛ لأن يده كانت عليها بإذن ربها، أعني في المستأجر والمستعير، والغاصب ضامن من يوم الغصب.
[ ٦ / ٥٥٦ ]
ومنها: أن الغاصب يضمن السلعة في الفساد اليسير، والمتعدي لا يضمنها إلا في الكثير.
ومنها: أن المتعدي يلزمه كراء ما تعدى عليه على المشهور كما تقدم.
وقوله: (كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ) مثال للتعدي.
فَان كَانَ فَسَادًا كَثِيرًا خُيِّرَ رَبُّه في أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَهُ وبَيْنَ قِيمَتِهِ، قَالُوا: بَعْدَ رَفْوِ الثَّوْبِ، وشعبِ الْقَصْعَةِ - وَضُعِّفَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، ورَجَعَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ، وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ
حاصلُه أنَّ في التَّعَدِّي ثلاثَة أقوال: الأول لمالك: ليس عليه في التعدِّي إلا أرْش النقص، كان النقص يسيرًا أو كثيرًا، وإليه أشار بقوله: (وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) ثم رَجَعَ إلى الفرقِ بين اليسيرِ والكثير، ففي اليسير: لا يكون عليه إلا ما نقص، وفي الكثير: يخير بين أخذه بغير شيء أو يضمنه جميع قيمته، وقاله ابن القاسم أولًا، ثم رجع عنه إلى ما في المدونة، وأنَّ لهُ أخذُ النَّقص إنْ اختَارَ أخذه، وعلى هذا فاتفق في اليسير أنه ليس لربه إلا أخذ ما نقص بعد رفو الثوب وشعب القصعة، والرفو: خيطها.
وقوله: (قَالُوا) يوهم تواطؤ أهل المذهب أو أكثرهم، وأن ما نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب قال هذا القائل، وذلك بخلاف الجناية على الدَّابّة، فإنه ليس عليه ما تداوى به الدابة، والفرق بينهما أن ما ينفق في الثوب على المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل ترجع كما كانت أم لا؟
[ ٦ / ٥٥٧ ]
والرفو: الخياطة معلوم ما ينفق عليهما ويرجعان كما كانا.
ابن يونس: وهذا الذي ذكره في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم، ووجه فساده أنه قد يغرم من رفوِ الثُّوْب أكثر من قيمته صحيحًا وذلك لا يلزمه، ألا ترى أن أشهب وغيره يقول: ليس له أن يغرمه ما نقصه بعد الرفو، وقد يبلغ ذلك ضعف قيمته؟ وما حكاه من عدم لزوم أجر الطبيب.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب، وحكى اللخمي في غرم الجارح أجر الطبيب قولين، قال: والأحسن أنه على الجارح كالرفوِ.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ) قد تقدم أن هذا متفق عليه.
وقوله: (بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ) يحتمل أن يعود على قوله: (فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ)، ويحتمل أن يعود عليهما، ابن يونس: ولو قال قائل في اليسير: إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه دخل الرفو في قيمة هذا النقص كما قالوا في من وجد أيضًا، وذلك شأنه أن له جعل مثله ولا نفقة له؛ لأن النفقة داخلة في الجعل. وقوله: (وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ) أي في التعدي عليه، ثم أشار المصنف إلى حد اليسير من الكثير بقوله:
وَالْكَثِيرُ: مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ فَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ يَسِيرًا كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ وأُذُنِهَا، وقَطْعِ طَيْلَسَانِ ذِي الْهَيْئَةِ وجُبَّتِهِ وعِمَامَتِهِ وشِبْهِ ذَكِكَ
بين المصنف الكثير؛ لأن اليسير يعلم منه؛ لأنه إذا كان الكثير ما أفات المقصود، فاليسير ما لم يفته، هكذا قال ابن القصار، ومعناه ما أفات الغرض المقصود؛ فإن كثير وإن كان في الصورة يسيرًا؛ كما مثل به من قطع ذنب البغلة ونحوها من مركوب، مما يعلم أنه لا يركب مثل ذلك، ولا فرق بين المركوب والملبوس؛ كقلنسوة القاضي وطيلسانه
[ ٦ / ٥٥٨ ]
وعمامته، وهذه الرواية المشهورة عن مالك وفي الواضحة: لا يضمن إذا أفسد الأذن بخلاف الذنب.
اللخمي: والأول أصوب؛ وشين ذهاب الأذن كثير [٥٨٤/أ] لا يركبها أحد من القاضي والكاتب والشاهد، وعلى هذا فاتفق على الذنب واختلف في الأذن، والواو في قوله: وأذنها بمعنى أو؛ لأن المراد أن قطع الأذن ونحوه مفيتا، وكذلك الذنب على الرواية المشهورة.
وقوله: (كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ .. إلى آخره): يريد إذا كانت البغلة تراد للحمل كان صاحبها القاضي ونحوه أم لا، فقد قال مطرف وابن الماجشون: إذا قطع ذنب بغل أو حمار أو فرس فأراه ضمن جميعه؛ لأنه أبطل الغرض المقصود من مثله؛ وهو ركوب ذوي الهيئات، قالا: بخلاف العين والأذن - يرد العين الواحدة - فقد نصَّ ابن الماجشون في الثمانية في الفرس أنه إن فقأ عينه عليه ما نقصه وإن فقأ عينيه ضمنه.
فروع:
الأول: اختلف فيمن استحق شيئًا من الرباع والأصول هل عليه يمين أم لا؟
فالذي ذهب إليه مالك وجرى عليه العمل أنه لا يمين عليه، وقال ابن وهب وابن القاسم في العتبية: يحلف أنه ما باع ولا وهب؛ كالحيوان والعروض، واتفقوا على اليمين في غير الأصول.
الثاني: إذا تعدى على عبد الغير تعديا فاحشًا وحكمنا بتضمينه القيمة ففي المدونة: يعتق عليه، ورواه ابن كنانة عن مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يعتق عليه؛ لأنه إنما مثل بعبد غيره، قالا: وليس للسِّيد أن يختار إمساكه ويأخذ ما نقصه، وقيد بعض القرويين الأول بأن يطلب ذلك سيد العبد وأما إن أبى فله أخذ العبد وما نقصه.
ابن يونس: والصواب أن العبد يعتق أحب السيد أم لا؛ لأنه بالجناية عليه لا ينتفع به، فترك السيد قيمته إنما هو من باب الضرر وإخدام العبد المعتق، وقيمته تقوم مقامه.
[ ٦ / ٥٥٩ ]
الثالث: قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولو تعدى على شاة بأمر قل لبنها، فإن معظم ما تراد له اللبن، ضَمِنَ قيمتها إن شَاءَ ربُّها وإنْ لم تَكن غزيرَةَ اللبن فإنما يضمن ما نقصها، وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما نا نقصهما وإن كانتا غزيرتي اللبن؛ لأن فيهما منافع غير ذلك باقية.
* * *
[ ٦ / ٥٦٠ ]
الشُّفْعَةُ: أَخْذُ الشَّرِيكِ حِصَّةً جِبْرًا بِشِرَاءٍ
عياض وغيره: وهي بتسكين الفاء، قيل: أصل ذلك من الشفع وهو ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم الحصة التي أخذها إلى حصته فتصير حصته حصتين، وقيل: من الزيادة؛ لأنه يزيد مال شريكه إلى ماله، ومنه قوله تعالى: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً) [النساء: ٨٥]، قيل: يزيد عملًا صالحًا إلى عمله، وهو قريب من الأول، وقيل: من الشفاعة؛ لأنه يشفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه.
وقيل: كانوا في الجاهلية إذا باع الرجل حصته أتى المجاور شافعا إلى المشتري ليوليه مشتراه.
وحدُّه اصطلاحًا ما ذكر فـ (أَخْذُ) جنس، وأخرج بإضافته إلى (الشَّرِيكِ) الجار فإنه لا شفعة له عندنا وبحصة ما يأخذ منه كاملًا مما لا شركة بينه وبينه فيه، وبالجبر ما يأخذه بالشراء الاختياري، وبالشراء ما يأخذه بالاستحقاق.
واعترُض عليه بأن هذا الحد غير مانع لدخول ما يأخذه الشريك من شريكه من الحصص جبرًا شراء في العروض وغيرها إذا كانت لا تنقسم ودعا أحدهما صاحبه إلى البيه، فإنه يعرض المشترك بينهما للبيع، فإذا وقف على ثمن فمن شاء منهما أخذه بذلك، وأجيب: بأنا لا نسلم أنه أخذ الآن حصة شريكه خاصة، وإنما أخذ المبيع كله بثمنه غير أنه أسقط عنه حصته.
خليل: وأحسن من هذا أن يقال: لا نسلم أنه يأخذه هنا جبرًا بل باختيار صاحبه؛ إذ له أن يزيد فوق ما أعْطَى شريكه، بخلاف الشفيع فإنه يأخذ الحصة بثمن المثل من غير زيادة ولا خيرة له بوجه.
ولما كانت حقيقة الشفعة ما ذكر استلزم ذلك: مأخوذًا وآخذًا ومأخوذًا منه ومأخوذًا به، فكانت هذه الأربعة هي أركان هذا الباب، وتكلم المصنف عليها أولًا فأولًا:
[ ٦ / ٥٦١ ]
الْمَاخُوذُ إِنْ كَانَ عَقَارًا مُنْقَسِمًا غَيْرَ مُنَاقَلٍ بِهِ وَلا تَابِعٍ أُخِذَ اتِّفَاقًا
يعني: إن كانت في المبيع المشترك هذه الشروط أخذ بالاتفاق.
والعقار: الأرض، وقد يطلق عليها وعلى ما يتصل بها من بناء وشجر، واحترز به من الحيوان والعروض، فلا شفعة في ذلك عندنا، وحكى الإسفرايني من الشافعية عن مالك الشفعة في ذلك.
عبد الوهاب وغيره: وهذا لا يعرفه أصحاب مالك.
عبد الحميد وابن زرقون: ولعله رأى أقوال مالك في الحائط يباع شقص منه وفيه الحيوان والرقيق، أن فيه الشفعة في جميع ذلك فظن أن الشفعة عند مالك في كل شيء، ورأى قوله في الثوب المشترك أو غيره من العروض إذا أراد أحدهما البيع، أن شريكه أحق به بما وقف عليه من الثمن، فظن أن ذلك شفعة.
المازري: ورأيت في مختصر ما ليس في المختصر ما يستقرأ منه أقوى مما قاله عبد الحميد؛ وذلك أنه إذا كان حائط بين الشريكين باع أحدهما نصيبه، وفي الحائط رقيق ودواب ليسوا لعمل الحائط، أن الشفعة في جميع ذلك، فأوجب الشفعة في الحيوان وإن لم يحتج إليه الحائط.
قوله: (مُنْقَسِمًا) أي: قابلًا للقسمة، واستعمل المصنف كما ترى المنقسم في القابل وإن فعل إنما يستعمل في ما حصل لا في القابل، واحترز بذلك مما لا يقبل القسمة إلا بضرر كالحمام ونحوه؛ فإن في ذلك خلافًا كما سيأتي.
قوله: (وَلا تَابِعٍ): لا يريد إذا اشترى شقصًا مع سلع فإن هذه الصورة متفق على وجوب الشفعة فيها، وإنما احترز بذلك من الأنقاض في الأرض المحبَّسة أو المعارة كما سيأتي، ولا خلاف بين الأمة في وجوب الشفعة من حيث الجملة، وفي الموطأ مرسلًا:
[ ٦ / ٥٦٢ ]
«قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم ينقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود فلا شفعة [٥٨٤/ب] فيه».
مالك: وعلى ذلك السنة التي لااختلاف فيها عندنا، وسئل ابن المسيب عن الشفعة هل فيها من سنة؟ فقال: نعم الشفعة في الدور والأرضين، ولا تكون الشفعة إلا بين الشركاء، وقال سليمان بن يسار مثل ذلك، وهذا دليل على أنه لا شفعة في غير العقار؛ لأن ضرب الحدود إنما يكون فيها، وقول ابن المسيب يبين هذا وفيه دليل على أنه لا شفعة لجار؛ لأن الحدود إذا ضربت يبقى جارًا، وقد نص في الحديث على نفي الشفعة في ذلك، قال في الاستذكار: قال جابر ﵁: «إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم ينقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة».
أحمد بن حنبل ﵁: وهذا أصح حديث روي فيه، وقال ابن مَعِين: مرْسل مالكٍ أحبُّ إليَّ.
وَالشَّجَرُ وَالْبِنَاءُ وَالْبِئرُ وَفَحْلُ النَّخْلِ تَبَعٌ لَهُ
أي: (تَبَعٌ) للعقار؛ يعني أن هذه الأشياء وإن لم تكن من جنس الأرض، ولكنها لشدة اتصالها بها كالجزء منها، وأما (الْبِئرُ وَفَحْلُ النَّخْلِ) فلا يحتاج لهما هنا؛ لأن البئر جزء من الأرض، وفحل النخل من الشجر وإنما يختصان بحكم آخر وهو إذا قسمت وبقي الماء ثم يبيع فلا شفعة فيه، وفي العتبية: فيه الشفعة، واختلف هل هو اختلاف قول؟ وإليه ذهب الباجي، أو وفاق؟ وإليه ذهب سحنون وابن لبابة، ثم قال سحنون: معنى المدونة أنها بئر واحدة، ومعنى العتبية أنها آبار كثيرة.
وقال ابن لبابة: معنى المدونة أنها بئر لا فناء لها، ومعنى العتبية أنها بئر لها فناء وأرض مشتركة يكون فيها القِلْد.
[ ٦ / ٥٦٣ ]
وعلى الخلاف فرأى الباجي أن الخلاف مبني على الخلاف في الشفعة في ما لا ينقسم، قال في البيان والمقدمات: وكان من أدركنا من الشيوخ يحملون ذلك على الخلاف، ويرون الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتصل بها كالنقص والنخل، وهذا بين، والله أعلم.
وَفِي تَبَعِيَّةِ حَجَرِ الرَّحَاءِ: قَوْلانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَحَجَرٍ مُلْقًى، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: لا شُفْعَةَ فِيهِ
أي: (وَفِي تَبَعِيَّةِ حَجَرِ الرَّحَاءِ) للأرض، والقولان لمالك، ورواية ابن القاسم عنه في المدونة وهي التي قال بها ابن القاسم، وبقول أشهب قال عبد الملك وابن وهب وابن سحنون.
(وَقَالَ أَشْهَبُ: لَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: لا شُفْعَةَ فِيهِ) وهي عندنا في البنيان أثبت من الأبواب التي إذا شاء قلعها بغير هدم والشفعة تكون في حَديدِ الحائط ورقِيقِهِ، فكيف لا تكون في الرحى، قال في الموازية: وإن باع أحدهما مصابته فلشريكه الشفعة، وإن شاء فسخ بيعه إلا أن يدعوه البائع إلى المقاسمة فلا يفسخ حتى يقاسمه، فإن صار موضع الرحى للبائع جاز بيعه، وإن صار لشريكه انتقض بيعه أما لو نصبوا الرحى في غير أرضهم فلا شفعة فيها اتفاقًا.
ابن راشد: وكذلك لا خلاف في الرحى إذا لم تكن مبنية أنه لا شفعة فيها، وعلى ما في المدونة ففيها: إذا بيعت معها الأرض أو البناء الذي نصبت فيه ففيها الشفعة دون الرحى بحصة ذلك، وسواء في ذلك رحى الماء والدواب، وأشار الباجي إلى أن الآلة كالرحى على القولين، واختلف الشيوخ في كلامه في المدونة فحمله التونسي وغيره: أنه لا شفعة في العليا والسفلى.
[ ٦ / ٥٦٤ ]
عياض: وهو ظاهر كلامه، وهو تأويل أكثر الشيوخ، ويحتج لهذا الفهم بتشبيهها بالحجر الملقى، ورأى ابن وهب ذلك صريحًا.
وقال بعض القرويين: إنما نفى في المدونة الشفعة في العليا وأما السفلى ففيها الشفعة وهي من البناء كقدور الحمام.
ابن رشد في أكرية الدور: وهي تفرقة لا معنى لها؛ إذ لا ينتفع بأحد الحجرين دون الآخر.
عياض: وأما الدار إذا بيعت وفيها مطاحن فاتفقوا أنها إن كانت غير مبنية أنها للبائع، وإن كانت مبنية فالسفلى للمشتري، واختلف في العليا، وهذا يرد من جعلها كحجر ملقى، قال بعض الشيوخ: والخلاف مبني على الخلاف في الشفعة في ما لا ينقسم إلا بفساده كالحمام والأندر، وقد اختلف قول ابن القاسم في المدونة في هذا، وعلى هذا يختلف فيها وإن بيعت بأرضِها ومناصبها لأنها لا تنقسم كما روي عنه في العتبية في مناصب الرّحى، وهذا خلاف المدونة فإنه نص فيها على وجوب الشفعة في بيتها وأرضها، وكذلك قالوا: إنه يختلف في ما إذا بيع حجرها وهو مبني.
وقال صاحب المقدمات: إنما الخلاف إذا بيعت الرّحى مع غيرها وأمَّا إذا بِيعَت منفردة عن الأرض فلا شفعة فيها باتفاق، وخرج اللخمي وغيره على القول بنفي الشفعة في الرّحى قولًا بنفي الشفعة في رقيق الحائط ونحوه.
وَالثَّمَرُ تَبَعٌ لِلشَّجَرِ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِخِلافِ الزَّرْعِ
يعني: أن من اشترى نخلًا ثم قام الشفيع فإنه يأخذ النخل بثمرها وتكون الثمرة تابعة، ولم يفرق المصنف بين أن تكون الثمرة فيها حالة الشراء أو حدثت عنده، وفرض ابن عبد السلام المسألة على ما إذا لم تكن فيها في وقت الشراء ثمرة وليس بظاهر فإن هذه المسألة إما أن لا يكون فيها ثمرة أو ثمرة مأبورة أو مزهية، فإن لم تكن فيها ثمرة وقام الشفيع قبل الإبان فللشفيع الثمرة مع الأصل.
[ ٦ / ٥٦٥ ]
الباجي: باتِّفاق، وإن قام بعد الإبان فله أخذ الثمرة مع الأصل عند ابن القاسم، وقال أشهب: إن اشتراها مأبورة أو غير مأبورة ثم أبَّرها المبتاع فإنما يأخذ الشفيع الأصل فقط؛ لأن [٥٨٥/أ] الثمرة تبع ومأبورة الثمرة للبائع، وأما إن كانت الثمرة يوم الشراء مأبورة أو مزهية فمذهب ابن القاسم أن فيها الشفعة ما لم تيبس أو تجذ، قيل: وليس في الأمهات ما لم تيبس، وقال فيها: فيما إذا بيعت الثمرة مفردة أن فيها الشفعة ما لم تيبس، وتأول بعضهم أن مذهبه فيها الفرق بين أن تباع مع الأصل ففيها الشفعة ما لم تجذ، وبين أن تباع مفردة ففيها الشفعة ما لم تيبس، والفرق قوة الشفعة في الأول؛ لأنها ثابتة بالإجماع، وقال مرة: هو اختلاف من قوله في الوجهين، وتأولها بعضهم على أن فيها ثلاثة أقوال: مالم تجذ، وما لم تيبس، والفرق، والذي تأوله عبد الحق وغيره أن مذهب المدونة ما لم تيبس مطلقًا، وعن مالك يأخذها الشفيع إذا كانت غير مأبورة يوم الشراء، وإن جذت أو يبست، وقال أشهب: إذا كانت مزهية فللشفيع أخذ الأصول دون الثمرة وهو مبني على أن الثمرة لا شفعة فيها.
الباجي: واختلف المذهب في ما إذا بيعت مزهية هل تفوت الثمرة أم لا؟ وترد المكيلة أو الثمرة أو القيمة على قولين وعلى الفوات، فقال مالك مرة: تفوت بالجذاذ أو اليبس، وقال مرة: لا تفوت إلا بأن تجذ ولا يعرف كيها أو تجذ قبل طيبها، وإذا فات فالمشهور أنه يحط عن الشفيع، واتفق أنه لا يوضع لها شيء إذا لم تؤبر حصة الثمرة المزهية والمأبورة، وقال ابن الماجشون: لا يحط عنه من الثمرة شيء، وفي نظر.
قوله: (بِخِلافِ الزَّرْعِ) أي: فلا يكون تبعًا للأرض، وهذا هو المشهور أنه لا شفعة فيه سواء بيع منفردًا أو مع الأصل.
فرع:
قال الباجي: وإن اشترى أرضًا مزروعة بزرعها وجاء الشفيع قبل ان ينبت أخذها بزرعها، فإن نبت أخذ الأرض دون الزرع، فإن أخذ الشفيع الأرض بزرعها؛ لأنه لم
[ ٦ / ٥٦٦ ]
ينبت فليأخذها بالثمن وبقيمة الزرع على الرجاء والخوف. وقال في الموازية: ولو قال قائل: يأخذها بالثمن وبما أنفق لم أُعبه، وهو أقيس واستحسن الأول، وقال محمد: يأخذها بالثمن وبقيمة ما أنفق من البذر والعلاج، وقال ابن القاسم: يأخذ الأرض والزرع بالثمن والنفقة، كمن اشترى نخلًا لم يؤبَّر فأخذه الشفيع بعد الإبار، وأما من اشترى أرضًا فزرعها فجاء الشفيع قبل أن ينبت الزرع فعلى مذهب ابن القاسم لا شفعةَ في الزَّرع جملة وعلى مذهب أشهب الشفعة في الأرض والزرع.
ويحتمل قول ابن القاسم وجهين:
أحدهما أنه يأخذ بالشفعة في الأرض، وإن لم ينبت الزرع على قول من أجرى الشفعة مجرى الاستحقاق.
والثاني: ليس له أن يأخذ الأرض بالشفعة حتى ينبت على قول من أجراها مجرى البيع فإذا جاء الشفيع وقد نبت الزرع فلا شفعة في الزرع عند ابن القاسم، وقال في الموازية: له الشفعة إذا قام والزرع أخضر في الأرض والزرع جميعًا بل ليس له إلا ذلك، وقال أيضًا في موضع آخر له: الشفعة في الأرض دون الزرع وأنكر سحنون قول أشهب في الزرع وقال بقول ابن القاسم.
وفي المقدمات: إذا طرأ الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل أن يطلع البذر مثل أن تكون الأرض بين الشريكين يبيع أحدهما نصيبه منها فيريد الشريك الأخذ بالشفعة وهي مبذورة قبل طلوع البذر فثلاثة أحوال: إمَّا أن يكون البذر للمشتري أو للبائع أو لأجنبي كمكتري الأرض ونحوه، فإن كان المشتري هو الباذر فيأخذها الشفيع، ويبقى البذر للمشتري على مذهب من يحمل الشفعة محمل البيع؛ إذ لا يصح للرجل أن يبيع أرضه وهي مبذورة، ويستثني بذره، وقيل: إنه يأخذه مع الأرض بقيمة البذر والعمل، وقيل: بقيمته على الرجاء والخوف بمنزلة العلاج في الثمرة وإن كان الباذر هو البائع
[ ٦ / ٥٦٧ ]
فيأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى في الزرع الشفعة، وعلى القول بنفي الشفعة فيه يأخذها بما ينوبها من الثمن بجميع الثمن على القول أن الشفعة كالاستحقاق، وعلى أنها كالبيع: فلا يأخذها حتى يبدو الزرع، وإن كان الباذر غيرهما فيأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن من غير إشكال، قال: وكذلك إن طرأ على الأرض والبذر قد نبت لا يخلو من الثلاثة الأحوال غير أن الوجهين يتسوي الحكم فيهما، وهو أن يكون البذر للمبتاع أو للأجنبي فيأخذ فيها الشفيع الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن على القول الذي لا يبرأ الشفعة في الزرع، قال: وأما إن طرأ الشفيع بعد أن يبس الزرع فلا شفعة فيه ويأخذ الأرض بجميع الثمن، انتهى. ونص في البيان على أن المشهور من المذهب أن الشفعة تجري مجرى البيع لا الاستحقاق.
وَفِي قِيمَةِ سَقْيِهَا وَإِصْلاحِهَا قَوْلانِ
مذهب المدونة أنه يرجع بقيمة ما سقى وعالج.
ابن المواز: ولو زاد على قيمة الثمرة، وقال أشهب: يأخذ الثمرة بقيمتها على الرجاء والخوف، ولو قال قائل: له قيمة ما أنفق لم أر به بأسًا.
قال عبد الملك وسحنون: ليس على الشفيع إلا الثمن؛ لن المنفق أنفق على مال نفسه فلا يرجع إلا بما له عين قائمة.
وَفِي الثِّمَارِ، وَالْكِتَابَةِ، وَإِجَارَةِ الأَرْضِ لِلزَّرْعِ قَوْلانِ
يعني: اختلف في قبوت الشفعة إذا بيعت الثمار مفردة، والقول بالشفعة لمالك وابن القاسم وأشهب ومعظم الأصحاب.
مالك: وهو شيء استحسنته ولا أعلم أحدًا قال به قبلي. [٥٨٥/ب]
[ ٦ / ٥٦٨ ]
أشهب: لأنها تنقسم بالحدود كالأرض، والقول بنفي الشفعة فيها لابن الماجشون قال: لا شفعة ولو بيعت مع أصولها، ولأشهب قول ثالث: إن بيعت مع الأصول ففيها الشفعة لا إن بيعت مفردة، واختلف إذا بيعت مفردة فلمالك في المجموعة أن الشفعة فيها مالم تزايد الأصل، ولابن القاسم في المدونة: ما لم تيبس، كما تقدم قول ابن القاسم في العتبية: والمقاثي كالثمار، وكذلك الباذنجان والقطن والقرع، ولا شفعة في البقول.
الباجي: يريد أن كلَّ ما له أصل تجنى ثمرته مع بقائه ففيه الشفعة.
قال في البيان: ويتخرج في البقول الشفعة من القول بوجوبها في الثمرة ما لم تجذ.
فائدة:
لم يقل مالك بالاستحسان إلا في أربع مسائل:
الأولى: هذه، والثانية: وجوب الشفعة من الأنقاض في الأرض المحبسة ونحوها.
الثالثة: القصاص بالشاهد واليمين
الرابعة: في كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل.
وقوله: (وَالْكِتَابَةِ) ليست هذه المسألة من معنى الشفعة؛ إذ ليس المراد أن أحد الشريكين يدخل على الأجر، وإنما المراد أن السيد إذا باع كتابته هل يكون المكاتب أحق بذلك أم لا.
ابن راشد: والكتابة من ناحية الدَّين، والدين إذا بيع اختلف هل يكون من عليه هو أحق به أم لا؟ وظاهر المدونة أنه لا يكون أحق به، وعن مالك أراه حسنًا، وما أرى أن يقضى به، وقال أشهب: يقضى به.
أشهب: وكذلك الكتابة، وقيِّد في سماع أشهب كون المكاتب أحق بكتابته بما إذا بيعت كلها؛ لأنه يعتق، قال: فأما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ لأنه لا يرجع إلى حرية، وليس هذا
[ ٦ / ٥٦٩ ]
حقيقة الشفعة، ومن هذا المعنى ما في الموازية والعتبية في من له امرأة ثلثها حر وباقيها رق، وولادها منه كذلك، فأراد المولى بيعها فطلب الزوج أخذها، فذلك له؛ لأنَّ فيه منفعة الابن فليُباعا عليه، وذكر ابن حبيب عن مالك في أمة تحت حر له منها أولاد وفي حامل فبيعت مع أولادها، أنَّ الزوج أحقُّ بهم إن شاء ذلك ما بلغوا وقاله أصبغ، ومثل هذا في العتبية.
ابن راشد: ولو لم يكن له منها ولد لكان المشتري أولى، والحامل مثل ذات الولد، وروى عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله ﷺ: «قضى بالشفعة في الدين: وهو الرجل يكون له الدين على الرجل فيبيعه فيكون صاحب الدين أحق به»، زاد في طريق آخر: «وإذا أدى مثل الذي أدى صاحبه».
قوله: (وَإِجَارَةِ الأَرْضِ لِلزَّرْعِ) لا يريد خصوصية هذه المسألة بل كل كراء والقولان لمالك، ومذهب ابن القاسم في المدونة سقوطها، وهو قول عبد الملك والمغيرة، وبوجوبها قال مطرف وأشهب وأصبغ.
واختف أيضًا في المساقاة كالكراء والأقرب سقوطها في هذا الفرع؛ لأن الضرر فيها لا يساوي الضرر في العقار الذي وجبت الشفعة فيه.
وَفِي الْبِنَاءِ الْقَائِمِ فِي أَرْضِ الْحَبْسِ وَالْعَارِيَةِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ - قَوْلانِ، ويُقَدَّمُ الْمُعِيرُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ النَّقْضِ أَوِ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَبَى فَلِلشَّرِيكِ بِالثَّمَنِ
يعني: أن البناء إذا كان بين شريكين مشاعًا ولا ملك لهما في العرصة كما كانت محبسة أو معارة فباع أحدهما، فهل للآخر الشفعة أم لا؟ قولان: المشهور وجوب الشفعة؛ وهي إحدى مسائل الاستحسان كما تقدم، وقال ابن المواز: لا شفعة في ذلك.
واعلم أنه اختلف أولًا، هل يجوز هذا البيع وهو المشهور أو لا؟ وهو الذي رواه أشهب، وقاله سحنون؛ لأن المعير يقدم عليه، وله أن يبقيه ويعطي قيمة نقضه، أو يأمر
[ ٦ / ٥٧٠ ]
بقلع بنائه، فلم يدر المبتاع ما اشترى نقضا أو ذهبا أو ورقا، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله له: على جواز بيعه.
وعلى الجواز فقال المصنف: يقدم المعير إلى آخره، وهو كقوله في المدونة: وإذا بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه ثم باع أحدهما نصيبه من النقض فلربِّ الأرض أخذ ذلك النقض بالأقل من قيمة النقض أو الثمن الذي باعه به، فإن أبى فلشريكه الشفعة بالضرر، والضرر أصل الشفعة، وقد علمت أن قول المصنف بالأقل من قيمة النقض أو الثمن، وهو مذهب المدونة، وزاد عياض وغيره قولين:
أحدهما أنه يأخذه بقيمته مقلوعًا فقط.
والثاني أنه يأخذه بالثمن فقط؛ ثم اختلف فقيل: يأخذه من المبتاع، وقيل من البائع بالأقل من قيمته أو الثمن، ويفسخ البيع بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بما دفع له.
عياض: وجميع هذه الأقوال متألوة للشيوخ على المدونة.
أبو الحسن: وظاهر المدونة أنَّه لا يكون على المعير إلا قيمة النقض سواء مضى زمان تعار تلك الأرض في مثله أم لا، لكن قيدها أبو عمران بما إذا مضى زمان تعار فيه، وإلا فله قيمة بنائه قائمًا.
أبو عمران: وهكذا وقع لسحنون.
أبو الحسن: وهو مشكل؛ لأنه وإن لم يمض أمد ما يُعار إلى مثله، فقد سقط حقه في بقية المدة إذا أراد الخروج فكان مثل ما إذا مضى أمد ما يعار إلى مثله، وهذا كله في العاريِّة المطلقة، وأما المقيدة بزمان ولم ينقض، فقال ابن رشد: إن باع قبل انقضاء أمد العارية على البقاء، فللشريك الشفعة، ولا مقال لرب الأرض ولو باعه على النقض قُدِّم رب الأرض كما تقدم.
[ ٦ / ٥٧١ ]
خليل: وينبغي أن يتفق في الأحكام التي عندنا بمصر أن تجب الشفعة في البناء القائم فيه؛ لأن العادة عندنا أن [٥٨٦/أ] رب الأرض لا يخرج صاحب البناء أصلًا، فكان ذلك بمنزلة مالك الأرض، وقاله شيخنا رحمه الله تعالى.
وَفِي غَيْرِ الْمُنْقَسِمِ كَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِضَرَرِ الشَّركَةِ أَوْ لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ
يعني: وفي الشفعة فيما لا يقبل القسمة إلا بضرر (قَوْلانِ) وهما لمالك.
ابن عبد السلام: وفي المدونة ما يدل على كل واحد منهما، انتهى.
وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرّف وابن الماجشون واصبغ.
صاحب الوجيز: وعدم الشفعة هو المشهور.
صاحب المعين: وبه القضاء وأفتى فقهاء قرطبة به لما جمعهم القاضي منذر بن سعيد؛ إذ كان به القضاء عندهم، فرفع الشفيع أمره إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد وقال: حكم علي بغير قول مالك، فوقع بخط يده إلى القاضي أن يحمله على قول مالك، ويقضي له به، فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء، وشاورهم فقالوا: مالك يرى في الحمَّام الشفعة، فقضى منذر بذلك وحكم له بها، وقال ابن حارث: وأخبرني من أثق به أنه جرى العمل عند الشيوخ بقرطبة بإيجاب الشفعة.
وقوله: (كَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ): أي من الأبرجة والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك ومنشأهما ما أشار إليه المصنف وهو أن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، وهل ذلك لدفع ضرر الشركة؟ فتجب الشفعة في ذلك حتى لا يضر بالشريك الداخل، أو إنما ذلك لدفع ضرر القسمة؛ لأن أخذ الشركاء له به طلب الباقين بالقسمة، فإذا اشترى أجنبي من أحدهم خشي الباقون أن يدعوهم المشتري إلى القسمة، وقد يكون
[ ٦ / ٥٧٢ ]
ذلك مضرًّا بهم؛ لأن كل واحد يحتاج إلى استحداث مرافق في نصيبه غالبًا فشرعت الشفعة لرفع هذا الضرر، وعلى هذا فلا شفعة فيما لا ينقسم، لعدم حصول هذا الضرر فيه، والأول أظهر للاتفاق على وجوب الشفعة في ما ينقسم من حيث الجملة إلا أنه لا يمكن فيه القسم لكثرة الشركاء، وتنازعا في قوله ﵇: «الشفعة فيما لا ينقسم» هل المعنى عام فيما يقبل القسمة وما لم يقبلها؟ أو هو مقصور على ما يقبلها؛ لأن نفي الصفة عن الذات يستدعي قبولها، ولهذا لا يقال: الأعمى لا يبصر، ومن منع ذلك استدل بقوله تعالى (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ) [البقرة: ٢٥٥].
وفِي الْمُنَاقَل بِهِ - وَهو أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ بِحِصَّةٍ أَوْ دَارٍ وزِيَادَةٍ - ثَالِثُهَا: إِنْ عُلِمَ الْقَصْدُ للسُّكنَى فَلا شُفْعَةَ، ورَابِعُهَا: إِنْ نَاقَلَ بِحِصَّتِهِ حِصَّةً لِبَعْضِ شُرَكَائِهِ فَلا شُفْعَةَ
لم يختلف في وجوب الشفعة إذا بيع الشِّقص بعين أو عرَض، واختلف إذا بيع بحصة أخرى أو دارٍ كاملة لأجنبي أو بعض شركائه، فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وجوب الشفعة في ذلك.
ابن القاسم في العتبية: وهو الشأن
قال في البيان: وهو الصحيح؛ لأنه بيع فكان كغيره، والقول بعدم الشفعة مطلقًا لم أره، ولعلَّ صاحبه رأى أن المناقلة من باب المعروف.
والقول الثالث: هو الذي كان مالك يقول: إنه إن أراد بالمناقلة السُّكنى ولم يرد البيع لا شفعة في ذلك وقاله ربيعة.
والقول الرابع عده المصنف خلافًا، وهو أمر يحتمل؛ لأن الذي نقله العتبي وتبعه اللخمي وابن رشد وغيرهما أن مطرف وابن الماجشون قالا: إن المناقلة التي قال مالك:
[ ٦ / ٥٧٣ ]
لا شفعة فيها إنما هي إذا باع الرجل شقصه من شريكه بشقص له فيه شرك فيكون كل واحد إنما أراد التوسع في حصته بما صار إليه، فأنت ترى أنهما إنما ذكرا ذلك على وجه التقييد لكن يحتمل ألا يكون مالك قصد ذلك فيكون خلافًا، ولعل ما نقلاه من قول مالك بنفي الشفعة هو القول الثاني من كلام المصنف.
المتيطي: وبرواية مطرف القضاء، وكان ابن القاسم يقول: إنَّ مالكًا رجع عنه وهذا يدل على أن رواية مطرف خلاف في الوجهين، وفي المناقلة الشفعة سواء كانت بين الشركاء أو الأجانب، وقيل: ثابتة بين الأجانب ساقطة بين الشركاء، وهو المشهور، والله أعلم.
وَلا شُفْعَةَ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ حَيَوَانٍ وعَرُوضٍ، وَمَمَرٍّ، وَمَسِيلِ مَاءٍ
تصوره ظاهر، وحكى بعض الحنفية عن مالك وجوب الشفعة في السفن؛ لأنها تبشه الربع.
ابن عبد السلام: وهو لا يصح، نعم تجب الشفعة عند أهل المذهب في رقيق الحائط ودوابِّه على أن بعض الشيوخ خرَّج في ذلك خلافًا من الخلاف في حجر الرحى.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يخرج في الممر والمسيل الخلاف في النخلة الواحدة وشبهها.
فرعان:
الأول: لا شفعة لذي علو على سفل ولا بالعكس.
الثاني: اختلف في الجدار المشترك بين الدارين، ففي المدونة: فيه الشفعة.
ابن شبلون: معناه إذا بيع مع شيء من الدار لا أن يبيع وحده.
اللخمي: وعلى أصل أشهب لا شفعة؛ لأنه منع أن يقسم وإن حمل القسم، وقال: يبقى مرتفقا لهما يحمل كل واحد منهما خشبة عليه.
[ ٦ / ٥٧٤ ]
المتيطي: وإذا قلنا بالشفعة فيه فإن الشفعة تكون فيه بحصته من الثمن بعد التقويم، قاله غير واحد من الموثقين، قال: إنْ كان الحائط لبائع الدارِ والجار حمل خشبة عليه فالشفعة له بذلك، وحمل غير ابن شبلون المدونة على ظاهرها من وجوب الشفعة في الجدار وإن بيع مفردًا وهو الظاهر، وقال ابن نافع: لا شفعة في الجدار.
وتَسْقُطُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْمُقَاسَمَةِ وَالسُّكُوتِ وَهُوَ يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيَغْرِسُ
(صَرِيحِ اللَّفْظِ) كما لو قال: أسقطت شفعتي أو: لا آخذ بها ونحو ذلك، قال في البيان: وإن سلم الشفيع بعد البيع فلا مقال له علم الثمن [٥٨٦/ب] أو جهله.
ابن يونس: إلا أن يأتي من ذلك ما لا يكون ثمنًا لقلته فلا يلزمه تسليمه.
قوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) ظاهر التصور، وصرح بعض الشيوخ بنفي الخلاف من المقاسمة، أعني مقاسمة الشفيع للمشتري وأما مقاسمة الشفيع لغيره ففي المدونة عن مالك: من اشترى شقصا من دار وله شفيع غائب فقاسم الشريك ثم جاء الشفيع فله نقض القسم وأخذه؛ إذ لو باعه المشتري كان للشريك رد بيعه، وقاله ابن القاسم وأشهب، وفي الموازية مثل ذلك وإن كانت المقاسمة من السلطان.
أشهب: وإنه ليأخذ بالغالب أن ليس له رد القسم؛ لأنهم قاسموا من يجوز قسمه، وقال سحنون: يمضي القسم وللشفيع أخذ ما وقع للمبتاع في القسمة بالشفعة، ومنع بعض الشيوخ من مقاسمة المشتري إذا كان الشريك غائبًا؛ لدخول المشتري على أن للغائب حقا في الشفعة فكيف يقاسم؟ وأشار بعض الشيوخ إلى أن المذهب اختلف في دلالة الهدم والبناء والغرس على إسقاط الشفعة.
[ ٦ / ٥٧٥ ]
فرع:
وإن سلم على صفة ثم تبين خلافها فله الأخذ، ففي المدونة: وإذا أخبر الشفيع بالثمن فسلم ثم ظهر أن الثمن أقل فله الأخذ ويحلف لاحتمال أنه سلم كراهية في الأخذ، وقال أشهب: لا يمين عليه لظهور سبب تسليمها، وفيها: إذا قال له: وقد ابتاع فلان نصف نصيب شريكك ثم قال له: قد ابتاع الجميع فله الأخذ، ابن يونس: لأنه يقول: لم يكن لي غرض في أخذ النصف لبقاء الشركة، فلما علمت أنه أخذ الكل، أخذت لارتفاع الشركة، وقال أشهب وابن المواز: يلزم إسلام جميع النصف، وإنّما له أن يأخذ النصف الآخر، وفي المدونة: إن قيل له: قد اشترى فلان فسلم ثم ظهر أنه قد ابتاعه مع آخر فله القيام وأخذ حصتهما؛ لأنه يقول: إنما رضيت بشركة هذا، وقال أشهب: يلزمه التسليم للذي أسلم له، ويأخذ حصة الآخر إن شاء ثم تكون الحصة التي أسلمها أولا بين المشترين؛ لأنهما اشتركا في اشترائهما دفعة واحدة وإن رضيا بالتمسك بما سلم وإن شاء ألزماه أخذ ما سلم أو يسلم لهما جميعًا الشراء.
وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهَا، ومُسَاوَمَتُهَا، ومُسَاقَاتُهَا، واسْتِئْجَارُهَا خِلافًا لأَشْهِبِ
لما ذكر ما يدل على إسقاط الشفعة باتفاق، أتبعه بما هو مختلف فيه، وكلامه يدل على أن أشهب يخالف في الجميع، وكذلك قال ابن شاس، وقال ابن عبد السلام: لا يتصور الخلاف في الشراء؛ لأنه إذا اشترى منه فإن شفع بالصفقة الأولى، فذلك يستلزم فسخ الثانية مع إبطال الصفقة الأولى، ودليل الرضا بها موجود، وإن شفع بالصفقة الثانية فقد أبطلها، ولا فائدة في الانتقال من الشراء الثاني إلى الشفعة بثمنه.
خليل: وانظر لو اشترى الشفيع الحصَّة جاهلًا بحكم الشفعة هل يعذر بذلك أم لا؟ ومذهب المدونة أن شفعته تسقط بالكراء والمساقاة والمساومة؛ لأنه ملك أخذه بغير كراء ولا مُساومة ولا مساقاة، وحكى ابن المواز عن أشهب ما حكاه المصنف عنه وهو ظاهر
[ ٦ / ٥٧٦ ]
في المساومة؛ لأن من حجة الشفيع أن يقول: إنما ساومته رجاء أن يبيعني بأقل وإلا فلي أن أرجع إلى الشفعة وإلى هذا أشار اللخمي، قال: ويحلف ثم يأخذ بالشفعة.
وقيد اللخمي هذا الخلاف بما إذا كان الكراء والمساقاة ينقضي أمدهما قبل السنة من يوم العقد، وأما إن كان لا ينقضي إلا بعدهما فلا شفعة بالاتفاق وهذا إذا انعقد الكراء مع الشفيع، فإن انعقد بين المشتري وغير الشفيع، فاختلف الأندلسيون هل للشفيع أن ينقض العقد أو لا؟ وهو الذي تدل عليه المدونة عندهم، أو يفرق بين الأجل القريب والبعيد، وعلى تقدير ألا ينقضي فالكراء للمشتري، ويؤخذ من إسقاطه في المدونة الشفعة بالكراء أن الشفيع إذا قاسم المبتاع الأرض للحرث أنه تسقط الشفعة؛ لأن كل واحد أكرى نصيبه من صاحبه، وقاله ابن عبد الغفور ولو قاسمه الغلة، فقال ابن القاسم: لا تسقط وقال أشهب: تسقط كما لو قاسمه بالخرص فيما يخرص للحاجة وأما إن جذت الثمرة فاقتسماها بالكيل فلا يقطع ذلك شفعته.
وفِي بَيْعِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَشْفَعِ بِهَا قَوْلانِ
يعني: إذا وجبت الشفعة للشفيع فهل من شرط ذلك بقاء حصته بيده حين الأخذ وهو مراده بقوله: (الْمُسْتَشْفَعِ بِهَا) أو لا وله الأخذ وإن باع حصته (قَوْلانِ) وهما لمالك، واختار أشهب وغير واحد القول بسقوط الشفعة؛ لأنها إنما وجبت للضرر.
ابن عبد السلام: وظاهر قول ابن القاسم التفرقة بين أن يبيعه غير عالم فالشفعة له وبين أن يبيعه عالما فلا شفعة له، وفي البيان: ظاهر ما في المدونة أنه لا شفعة له إذا باع نصيبه، وإن باع غير عالم؛ لأنه قال في من باع شقصًا بخيَار ثم باع صاحبه بتلا أنَّ الشفعة لمشتري الخيار على مشتري البتل، ونسب التفرقة بين أن يعلم أو لا لابن القاسم في سماع عيسى، قال: وعلى الإسقاط فإن باع حين حطه فله الشفعة بقدر ما بقي من حظه، ووقع اختلاف
[ ٦ / ٥٧٧ ]
قول مالك في هذا في كتاب ابن عبدوس، وقال أشهب: أحب إلى ألا شفعة له بعد بيع نصيبه أو بعضه؛ لأنه إنما باع راغبًا في البيع، وإنما الشفعة للضرر، فلم يكن له شفعة فهو قول رابع، ونص ابن ميسر على أنه إذا باع لا شفعة له إلا أن تبقى له بقية أخرى، قال في البيان: وقوله: إلا أن تبقى له بقية [٥٨٧/أ] أخرى. يحتمل: فله الشفعة بقدرها ما بقي كأحد قولي مالك وظاهر ما في المدونة، ويحتمل أنيريد: إلا أن تبقى له بقية أخرى فله أخذ الجميع، فيكون قولًا خامسًا.
قال: وأظهر هذه الأقوال كلها الفرق بين أن يبيع عالمًا ببيع شريكه حظه أو غير عالم، وقال اللخمي: اختلف بعد القول: إن الشفعة تسقط إذا باع بعض نصيبه هل تسقط من الشفعة بقدر ما بع؟ والذي رأى أن يشتفع بالجميع؛ لأن الشفعة تجب بالجزء اليسير في الكثير المبيع.
وَفِي تَرْكِ الْقِيَامِ مَعَ عِلْمِهِ حَاضِرًا ثَالِثُهَا: تَسْقُطُ بَعْدَ مُضِّي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، قِيلَ: سَنَةٌ، وقِيلَ: فَوْقَهَا، وقِيلَ: فَوْقَ ثَلاثٍ، وقِيلَ: فَوْقَ خَمْسٍ
أي: إذا ترك القيام مع علمه ولم يأخذ بالشفعة فهل يكون ذلك إسقاط الشفعة أم لا؟ والقول بالسقوط لابن وهب، ورأى أن الأخذ بالشفعة على الفور كالردِّ بالعيب، والقول بأنه لا يسقط حقه مطلقًا لمالك.
الأبهري: وهو القياس؛ لأنه حق ثبت له.
فلا يسقطه سكوته، والثالث هو المشهور تسقط بعد مضي مدة طويلة، واختلف في حدِّها، فروى أشهب: السنة ولا شفعة بعدها، وهو مذهب الرسالة.
المتيطي: وعليه العمل، وبالغ أشهب في هذا القول: فقال: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة فلا شفعة، ومذهب المدونة أن ما قارب السنة له حكمها.
[ ٦ / ٥٧٨ ]
قال في الوثائق: الشهر والشهران، وبه قال بن الهندي، وحكى العبدري ثلاثة أشهر، وقال ابن سهل: أربعة أشهر، وقال أصبغ في الواضحة: هو على الشفعة ثلاث سنين ونحوها.
وقال مطرف وابن الماجشون في شفيع حاضر قام بشفعته بعد خمس سنين، وربما قيل له أكثر من ذلك، فقال: لا أرى هذا طولًا ما لم يحدث المشتري بناء. ونحوه لعبد الملك في المبسوط أن العشر سنين لا تقطع الشفعة وإنما يقطعها ما زاد على ذلك كالحيازة، وروي عن أبي عمران ثلاثون سنة.
وقال بعضهم: خمس عشرة سنة؛ قال في المقدمات: وكان ابن الماجشون يقول بإيجاب الشفعة للحاضر إلى أربعين سنة ثم رجع إلى العشرة.
ابن عبد السلام: وهل يحلف ما كان وقوفه تركًا للشفعة في السنة؟
نقل الكافي عن مالك أنه إن قام عند رأس السنة فلا يحلف، وروي عنه أنه يحلف ولو قام بعد جمعة.
وفي المدونة: ولم ير مالك التسعة أشهر، وفي رواية لا السبعة أشهر كثير ولا السنة كثير، أي قاطعًا لحقِّه في الشفعة؛ لأنه إن تباعد هكذا يحلف ما كان وقوفه تركًا للشفعة، وفي الموازية عن مالك: يحلف في سبعة أشهر أو خمسة لا شهرين.
ابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين: وظاهر المدونة أنه لا يحلف في السبعة أشهر، وحمل ابن رشد المدونة على أنه يحلف في السبعة.
تنبيه:
ما ذكرناه أن للشفيع القيام بالشفعة بعد سنة أو أكثر على الخلاف إنما هو إذا لم يحضر البيع، وأما إن حضر وكتب شهادته ثم قام بعد عشرة أيام، فروي عن مالك أنه يحلف ما كان ذلك منه تركا للشفعة ويأخذها.
[ ٦ / ٥٧٩ ]
المتيطي: قال غير واحد من الموثقين: ولم يصحب هذه الرواية عمل.
قال في البيان: وتحصيلها إن لم يكتب شهادته به، فإن أقام في القرب كالشهر والشهرين فله الشفعة بلا يمين، وإن لم يَقُمْ إلا بعد السبعة أو التسعة أو السنة فله الشفعة بيمين على ما في المدونة؛ وإن طال الأمدُ أكثر من السنة فليس له الشفعة، وإن كتب شهادته وقام بالقرب كلاعشرة أيام ونحوها فله الشفعة بيمين وإن لم يقم إلا بعد شهرين فلا شفعة.
خليل: وانظر هذا مع قوله في المدونة: وإذا علم بالاشتراء فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الاشتراء، فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الاشتراء، فإن ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يكتب شهادته أم لا، خلاف ما حصله ابن رشد.
فرعان:
أولهما: لو اختلف المبتاع والشفيع في مرور السنة، فالشفيع مصدق مع يمينه إذا لم تقم بينة.
الثاني: لو أنكر الشفيع العلم وهو حاضر فقال أبو الحسن عن ابن القاسم وأشهب: إنه يصدق وإن طال؛ لأن الأصل عدم العلم، المتيطي: وهو ظاهر المذهب وقاله غير واحد من الموثقين، ويحلف على ذلك.
محمد بن عبد الحكم وابن المواز: يصدق ولو بعد أربعة أعوام.
ابن المواز: فإن الأربعة كثير ولا يصدق في أكثر منها.
فائدة:
في المذهب مسائل حُدَّ فيها بالسنة: هذه، واللُّقَطَة، والمعترض لتمضي عليه الأزمنة، وكذلك المجنون، والأجذم، والأبرص، والمستحاضة عدتها سنة، وكذلك المرتابة، والمريضة،
[ ٦ / ٥٨٠ ]
والجُرح لا يحكم فيه إلا بعد السنة لتمضي عليه الفصول الأربعة، والبنت تقيم عند زوجها سنة ولم يصبها ثم تطلق فإنها لا تجبر بعد ذلك، واليتيمة تمكث في بيتها سنة فإنها تحمل على الرشد على قول، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: لا يجوز فعلها أبدا إلا بالبينة على الرشد والذي يوصي بشراء عبد ليعتق وأبى ربه البيع، فإنه يستأني سنة، وإذا قام شاهد بالطلاق فأبى أن يحبس سنة ثم يخلى مع امرأته وقيل: تطلق بالنُّكول والحيَازة إذا حاز الموهوب الهبة سنة صح الحوز فيها، وإن رجعت إلى الواهب على المشهور والزكاة والصوم لا يجبان إلى بعد السنة، والعمرة لا يباح فعلها على المشهور في السنة إلا مرة، وعهدة السنة والشاهد إذا تاب من فسقه قيل: لا بد من مضي ستة أشهر، وقيل: لا حدَّ لذلك إلا بحسب ما يعلم عنده. [٥٨٧/ب]
والْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ، فَإِذَا قَدِمَ فَكَالْحَاضِرِ مِنْ حِينِ قُدُومِهِ
يعني: أن الغائب على شفعته علم أو لم يعلم إلا أن يصرح بإسقاطها أو ما في معنى ذلك كما لو أمر بالمقاسمة معه ونحو ذلك، وقيد أشهب هذا إذا لم يكن موضعه قريبًا، قال: وأما إن كان قريبًا لا مؤنَة عليه بالنهوض، فطال زمانه بعد علمه بوجوب الشفعة، فهو كالحاضر.
وقال غيره في المجموعة: وليس المرأة الضعيفة ومن لا يستطيع النهوض في ذلك مثل غيرهم، وإنما فيه اجتهاد السلطان.
مطرف وابن الماجشون: والمريض والحاضر والصغيرة والبكر كالغائب، ولهم بعد زوال ذلك العذر ما للحاضر سواء كان المريض أو الغائب عالما بشفعته أو جاهلًا.
وقال أصبغ: المريض كالصحيح إلا أن يشهد في مرضه قبل مضي وقت الشفعة أنه على شفعته وأنه ترك التوكيل عجزًا عنه وإلا فلا شيء عليه بعد ذلك.
[ ٦ / ٥٨١ ]
واختار ابن حبيب قول مطرف وابن الماجشون، وأخذ الباجي من قول أصبغ في المريض، أن الشفعة إنما تكون للغائب إذا لم يعلم وأما إن علم فلا يكون ذلك إلا بالإشهاد كالمريض، وحكى في الاستذكار عن جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم أنه ليس على الغائب إشهاد ولا يمين.
وقوله: (فَإِذَا قَدِمَ فَكَالْحَاضِرِ مِنْ حِينِ قُدُومِهِ) تصوره ظاهر، ولو قيد هذا بما إذا لم يتقدم له علم في غيبته، وأما إن علم فلا يوسع له في الأجل كالحاضر لما بعد.
وإِنْ عَلِمَ فَغَابَ فَكَالْحَاضِرِ
هذا فيه إطلاق يقيد بما في المدونة ففيها: إن سافر الشفيع بحدثان الشراء فأقام سنين كثيرة ثم قدم فطلب الشفعة، فإن كان سفره يعلم أنه لا يؤوب منه إلا بعد أجل تنقطع فيه الشفعة للحاضر بجوازه فلا شفعة له، وإن كان سفرًا يؤوب منه قبل ذلك، فعاقه أمر يعذر به فهو على شفعته، ويحلف بالله ما كان تاركا لشفعته أشهد عند خروجه أنه على شفعته أم لا.
وقوله: بجوازه: كذا وقع في التهذيب، ونقله عبد الحق وغيره، ولا يسقط قبل المجاوزة لاحتمال أن يكون من يأخذ له ولو في طريقه.
وقال اللخمي: متى سافر السفر المذكور سقطت شفعته ولو عاد بالقرب.
وَوَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ كَالشَّفِيعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكَالغِائِبِ.
يعني وحكم ولي المحجور عليهم من أب أو وصي كالشفيع في الأخذ والإسقاط والسكوت.
المتيطي: ويلزمهما اليمين إذا قاما بعد شهرين من البيع كالأخذ لنفسه.
[ ٦ / ٥٨٢ ]
ابن عبد السلام: وهذا كالمتفق عليه في المذهب، إلا أن بعض الشيوخ حكى خلافًا في سقوط شفعة الموصى بسكوت الوصي عنها، فإن لم يكن له اب ولا وصي، نظر القاضي أو مقدمه فإن كان بموضع لا سلطان فيه، أو لم يرفع الأمر إلى السلطان فهو كالغائب، فيكون على شفعته إذا رشد ويمضي لذلك عام ونحوه على ما تقدم.
قال في المدونة: ولو سلم من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصغير لزمه ذلك ولا قيام له إن كبر.
أبو الحسن: وظاهرها كان الأخذ نظرًا أو لا، وبه قال أبو عمران، وقال غير واحد من الموثقين: إن ثبت أن إسقاط الشفعة سوء نظر من الأب أو الوصي، وأن الأخذ بها كان نظرًا فهو على شفعته، وفي الموازية: إذا علم من الوصي أنه ضيع من الأخذ بالشفعة وأن ذلك كان على غير حسن نظر، ومضى للبيع خمس سنين فلا شفعة للصغير إذا رشد.
أبو عمران: وإن سلم القاضي شفعة الصغير، وليس ذلك بنظر، فإن ذلك لا يقطع شفعته؛ لأنه إنما يصير كأنه رفع إليه فلم يحكم وليس هو كالأب والوصي يسلمان الشفعة، فإن شفعته تسقط.
المتيطي وابن راشد: وهو خلاف ما قاله مالك في الأب والوصي.
وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالأخْذِ أَوْ الإِسْقَاطِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لا قَبْلَهُ
يعني: وللمشتري مطالبة الشفيع بأحد أمرين: إما أن يأخذ بالشفعة، وإما أن يسقط لما يلحقه من الضرر بترك التصرف فيما اشتراه، ولهذا لا تكون له المطالبة إلا بعد الشراء وأما قبله فلا لعدم الضرر حينئذ.
وَفِي إِمْهَالِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامِ قَوْلانِ
أي: إذا طلب الشفيع الإمهال لينظر ويستشير لما وقفه المشتري فهل يمهل؟
[ ٦ / ٥٨٣ ]
قال في الموازية: ولا يمهل ولو ساعة واحدة.
وقال أشهب في المجموعة والمتيطي وابن راشد: وهو المشهور المعمول به قالا تبعا لصاحب البيان.
وظاهر المدونة أنه يؤخذ في النقد لا في الارتياء والقول بأنه يؤخر ثلاثة أيام لمالك في المختصر.
اللخمي: وهو أحسن إذا كان إيقافه فور الشراء، قال في البيان: وقاسه ابن عبد الحكم على استتابة المرتد، والأول كقول مالك في الولي أنه لا يؤخر لينظر، وفي الزوجين الجوسيين يسلم الزوج، فإن يعرض الإسلام عليها ولا تؤخر، وكذلك المملكة يوقفها فإنها لا تؤخر، إما أن تقضي أو ترد.
ولا يؤخذ المشهور من كلام المصنف، لأن قوله: (وَفِي إِمْهَالِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامِ) لا يؤخذ منه أن القول الآخر لا يمهل البتة لاحتمال أن يمهل يوما أو يومين، ابن المواز: وهذا كله إذا أوقفه الحاكم وأما إذا أوقفه غير السلطان فهو على شفعته حتى يوقفه السلطان أو يترك، وإن أخذ الشفعة وسأل التأخير في دفع الثمن، فإن يؤجل ثلاثة ايام قاله في المدونة وبه العمل والقضاء، وقال عبد الملك في الثمانية: يؤخر عشرة أيام ونحوها مما يقرب ولا يكون على المشتري فيه ضرر، وقال أصبغ: يؤجل على قدر المال في القلة والكثرة، وحاله في اليسر والعسر فيؤجل خمسة عشر يومًا، وأقصى ذلك الشهر [٥٨٨/أ] إذا رآه الحاكم، ولا أدري ما وراء ذلك.
فرع:
وإذا كان المشتري غائبًا وطلب الشفيع التأخير حتى ينظر، فقال مالك: ليس ذلك له وإن كانت الغيبة قريبة كالساعة أخر.
[ ٦ / ٥٨٤ ]
وَلَوْ أُسْقِطَ بِعِوَضٍ جَازَ
أي: إذا وجبت الشفعة للشفيع فله أن يأخذ على ذلك العوض وهو ظاهر.
وَلَوْ أَسْقَطَ قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْ وَلَوْ بِعِوَضٍ
أي: (لَوْ أَسْقَطَ) الشفيع الشفعة قبل شراء المشتري، فإن قال له: اشتر ولا شفعة لي عليك، لم يلزمه ذلك الإسقاط وكان له الأخذ بالشفعة بعد الشراء.
ابن يونس: لأن من وهب ما لا يملك لم تصح هبته.
أشهب وعبد الملك: كمن أذن له ورثته أن يوصي بأكثر من الثلث في صحته، فإن ذلك لا يلزمهم.
اللخمي: ويجري فيها قول بلزوم ما التزم ممن قال: إن اشتريت عبد فلان فهو حر، وإن تزوجت فلانة فهي طالق، وقد قالوا في من قاله لزوجته: إن تزوجت عليك فأمر التي أتزوجها بديك، فأسقطت ذلك الخيار قبل أن يتزوج، أن ذلك لازم لها وهي في الشفعة مثله؛ لأنه أدخل المشتري في الشراء لمكان الترك ولولا الترك لم يشتر.
قوله: (وَلَوْ بِعِوَضٍ) هو للمبالغة؛ لأنه إذا كان بعوض كان أقوى، وقد يقال: إذا كان بغير عوض يكون أقوى؛ لأن المعاوضة على ذلك قبل الشراء لا تجوز وما كان كذلك ففسخ بخلافه إذا كان بغير عوض، فإنه هبة وهي جائزة بالمجهول، وعلى هذا فلا يحسن قول المصنف: (وَلَوْ بِعِوَضٍ) نعم يحسن عكسه، وهو أن يقول: ولو كان بغير عوض، ونقل ابن بزيزة في اللزوم قبله قولين على لزوم الوفاء بالعهد.
خليل: وقد يقال: هما على الخلاف فيما جرى سببه دون شرطه؛ لأن الشركة سبب والبيع شرط، والله أعلم.
[ ٦ / ٥٨٥ ]
الآخِذُ: الشَّرِيكُ وَالْمُحبِّسُ إِنْ كَانَتْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ وَإِلا فَلا، إِلا أَنْ يُرِيدَ الْمُحَبِّسُ أَوِ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ إِلْحَاقَهَا بِالْحَبْسِ فَقَوْلانِ
هذا شروع منه في الكلام على الركن الثاني، واحترز بالشريك من الجار فلا شفعة له عندنا، والمحبس إنما ترجع إليه الحصة المحبسة إذا حبسها بمعنى العمرى كما إذا قال: أعمرتك داري فإنها ترجع بعد موت المُعمِر، وأما لو حبس فلان وعقبه، أنها لا ترجع على المحبس على المشهور بل ترجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع، وقيل: ترجع ملاكًا له.
فعلى هذا القول الشاذ: للمحبس الشفعة، وعلى كل تقدير فكلامه ليس بظاهر؛ لأنه إن أراد المعمِّر فإطلاق المحبِّس مجازًا لا قرينة تدل على إرادته إلا أن يقول: القرينة ما ذكره في كتاب الحبس.
وإن أراد المحبس في الصورة المذكورة فيكون كلامه على خلاف المشهور.
(وَإِلا فَلا) أي: وإن لم يكن المحبس يرجع إليه فلا شفعة له باتفاق.
قوله: (إلا أن يريد المحبس أو المحبس عليه) إلحاق الحصة المبيعة بالحبس (فَقَوْلانِ) ومذهب المدونة أن الشفعة للمحبس دون المحبس عليهم.
اللخمي: لأنهم لا أصل لهم بخلاف المحبس.
وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: للمحبس عليهم الأخذ بالشفعة إذا أرادوا إلحاق الحصة بالحبس، قال بعضهم: فعلى هذا لو أراد أجنبي أن يأخذ بالشفعة للمحبس كان له ذلك، وحكى اللخمي ثالثا أنه لا شفعة للمحبس وإن أراد الإلحاق واستحسنه؛ لأن المحبس أزال الملك، فكان كالأجنبي، وعلى هذا فلا شفعة للمحبس عليهم من باب أولى، واختلف في صاحب المواريث هل يأخذ الشفعة لبيت المال؟
[ ٦ / ٥٨٦ ]
فقال بعضهم: له الأخذ، ومنع ذلك ابن زرب، ورأى الأول خطأ، ورجح بمنعه في المدونة أنْ يكون للمحبس عليهم الشفعة، وليس لناظر وقف المسجد أنْ يأذنَ بالشُّفعة، واعترض كلام المصنف ابن زرب بما نص عليه سحنون في المرتد.
وقد وجبت له شفعة إذ للسلطان أن يأخذها لبيت المال أو يترك، وأجاب ابن رشد في أجوبته بأنه إما كان ذلك للسلطان لعموم نظره بخلاف صاحب المواريث إلا أن يجعل ذلك بيده فيكون كالسلطان.
فرع:
وهل يجوز لأحد الشريكين أن يحبس حصته بغير رضا شريكه؟
اللخمي: إن كانت تحمل القسمة جاز؛ لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك فإن كره البقاء على الشركة قَاسَم، وإن كانت لا تنقسم كان له رد الحبس للضرر الذي يدخل عليه؛ لأنه لا يقدر على بيع جميعها، وإذا فسد منها شيء لم يجد من يُصلح معه، وحكى ابن سهل في تحبيس أحدهما نصيبه لا ينقسم قولين.
ولِلنَّاظِرِ أَخْذُ شِقْصٍ بَاعَهُ لِطِفْلٍ آخَرَ أَوْ لِنَفْسِهِ
عياض وغيره: الشِّقص بكسر الشين المعجمة: النصيب، يعني للموصي على يتيمين إذا باع نصيب أحدهما أن يأخذ بالشفعة ليتيمه الأخر (لِنَفْسِهِ) إن كان شريكًا لكن يدخل معه نظر القاضي إذا أخذه لنفسه؛ إذ يتهم أن يبيع منفردًا كما لو بيع نصيب يتيمه بثمن بخس ليأخذه بالشفعة، وكذلك إذا باع نصيب نفسه وأراد أخذه ليتيمه فلا بد من نظر القاضي، وقد تقدم في غير موضع بيع عقار اليتيم فلا بد من مراعاة ذلك هنا ولا بد أيضا أن يكون الشقص المبتاع لليتيم لا يقل ثمنه إذا بيع منفردا ما لو بيع الجميع، وأما لو كان - وهو الغالب - إذا بيع جميع ذلك أوجر لنصيب اليتيم فيباع الجميع.
[ ٦ / ٥٨٧ ]
ويَمْلِكُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوْ بِالإِشْهَادِ أَوْ بِالْقَضَاءِ
أي: (ويَمْلِكُ) الشفيع بأحد ثلاثة أوجه: إما بتسليم الثمن للمشتري وإن كان لم يرضَ أو بمجرد إشهاد بالأخذ أو بالحكم له بذلك، وهكذا في الجواهر، قال في البيان: وإذا وقف الشفيع فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أولها: أن يقول: أخذت، ويقول المشتري، سلمت ويؤجله الأيام في دفع الثمن، فإن لم يأت فليس لأحدهما الرجوع، وباع للمشتري من مال الشفيع حتى يفي.
ثانيها: أن يقول: أخذت، وسكت المشتري، ويؤجله في الثمن، فلا يأتي به، فهذا إن طلب المشتري أن يباع له في الثمن فله ذلك، وإن أحب أخذ شقصه فله ذلك ولا خيار للشفيع على المشتري، وهذا الوجه في المدونة.
وثالثها: أن يقول: إنا أخذنا أخذا، ولا يقول: أنا أخذت، [٥٨٨/ب] ويؤجله المشتري الأيام في الثمن، فاختلف فيه إذا لم يأت بالثمن، فقيل: يرجع الشقص إلى المشتري إلا أن يتفقا على إمضاءه للشفيع، وقيل: إن أراد المشتري أن يلزم للشفيع الأخذ كان ذلك له وإن أراد الشفيع أن يرد الشقص لم يكن له ذلك، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى، وقول أشهب، والأول أبين.
وَتُلْزِمُ إِنْ عُلِمَ الثَّمَنُ وَإِلا فَلا
(وَتُلْزِمُ) الشفعة الأخذ إن علم الثمن، وهذا كقوله في المدونة: فإن قال الشفيع بعد الشراء: اشهدوا أني أخذت بشفعتي ثم رجع، فإن علم بالثمن قبل الأخذ لزمه، وإن لم يعلم به فله أن يرجع، وقال أشهب: إن لم يعلم إلا بعد أخذه، ورضي لم يجز وفسخ ثم تكون له الشفعة بعد الفسخ.
[ ٦ / ٥٨٨ ]
وقال المازري: إن أخذ قبل علمه بالثمن ثم علم فقال: ظننت أقل، فإن كان أراد أن يرد فله ذلك اتفاقًا وإن أراد أن يتمسك به فالمشهور أن له ذلك، وقال ابن المواز: ليس له ذلك، وأخذ اللخمي مما في المدونة: أنه يجوز الأخذ بالشفعة قبل معرفة الثمن، خلاف ما قاله صاحب النكت: إذا ابتاع شقصًا وعرضًا في صفقة واحدة لا يجوز أن يأخذ الشِّقص بالحصة إلا بعد المعرفة بما يخصه من الثمن لئلا يكون ابتداءَ شراءٍ بثمن مجهول وأخذ اللخمي ظاهر.
وَهِيَ عَلَى أَنْصِبَائِهِمْ - وَخُرِّجَ: عَلَى عَدَدِهِمْ مِنَ الْمُعْتَقِينَ وحَصَصُهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ
كما لو كانت دار بين ثلاثة: لأحدهم: نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر: سدسها، وباع صاحب النصف، وقام الشريكان بالشفعة فإنه يكون لصاحب الثلث: الثلث ولصاحب السدس: السدس وهذا هو المشهور، وحكى ابن الجهم عن بعض الأصحاب أنها على الرؤوس، وخرجه اللخمي من القول الشاذِّ من مسألة العتق، وخرَّجه غيره على أحد القولين في أجرة القاسم، وقد تقدمت نظائر هذه المسألة في النفقات، قيل: وهذا هو الظاهر؛ لأن الشفعة معللة بأصل الملك، إذ لو انفرد أقلهم نصيبًا لكانَ له أخذ الجميع، ولهذا قال اللخمي: لو كانت الشفعة في ما لا ينقسم على القول بذلك لكانت على الرؤوس؛ لأنها هنا إنما تلحق من مضرة دعوى المشتري إلى البيع وذلك مما يستوي فيه قليل النصيب وكثيره.
خليل: وقد يقال: في التخريج نظر؛ إذ لا شك أن العلة في الشفعة الضرر ومتى كثر النصيب كثر الضرر، ومتى قل قلَّ بخلاف العتق فإن من قال بالتقويم فيه على الرؤوس يعلل بأنه حق الباري تعالى ولا تفاوت فيه، والله اعلم.
[ ٦ / ٥٨٩ ]
وإِذَا اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وَأَسْقَطَ بَعْضُهُمْ أَوْ غَابَ فَلَيْسَ لَهُ إِلا أَخْذُ الْجَمِيعِ
يعني: إذا انعقد البيع على صفقة واحدة في حصة واحدة من دار أو دور، وللحصة شفعاء، وأسقط أحدهم حقه من الشفعة أو غاب، فليس للباقي إلا أن يأخذ الجميع أو يدع لما يدخل على المشتري بالتشقيص.
وفي المدونة: إذا كان للشقص شفع وغابوا إلا واحدًا حاضرًا فأراد أخذ الجميع ومنعه المشتري أخذ نصيب الغياب.
أو قال له المبتاع: خذ الجميع، وقال الشفيع: لا آخذ إلا حقي، فإنما للشفيع أن يأخذ الجميع أو يترك، وكذلك إذا قال: أنا آخذ حصتي، فإذا قدم أصحابي، فإن أّخذوا وإلا أَخذتُ الباقي، لم يكن له ذلك إلا أن يأخذ الجميع أو يدع، فإن سلم له فلا آخذ له مع أصحابه إن قدموا ولهم أن يأخذوا الجميع أو يدعوا فإن سلموا إلا واحدا قيل له: خذ الجميع وإلا دع.
ولو أخذ الحاضر الجميع وقدموا؛ فلهم أن يأخذوا حصصهم منه، وإن أخذ بعضهم وابى البعض لم يكن لأحد أن يأخذ بقدر حصته فقط فيساوي الأخذ قبله فيما أخذ أو يدع، وحاصله أن القول قول من ادعى إلى عدم التشقيص من المشتري أو الشفيع إلا أن يصطلحا على أمرٍ فيجوز.
وقوله في المدونة: فإذا سلم فلا أخذ له مع أصحابه إن قدموا ولهم أن يأخذوا الجميع وهو المشهور، وقال أصبغ وابن حبيب: إذا كان تسليم أحد الشفعاء للمشتري على وجه الهبة أو الصدقة عليه فليس لمن أراد الأخذ إلا بقدر سهمه وللمبتاع سهم من سلم، وإن كان على ترك الشفعة وكراهة الأخذ فللمتمسك أخذ جميعها، وفي مختصر الوقار: ليسَ له إن لم يجز إلا مصابته خاصة.
[ ٦ / ٥٩٠ ]
اللخمي: وهو أقيس الأقوال؛ لأن الفاضل عن حصته لم يكن له وإنما كان لغيره، وجعل في البيان هذا الخلاف في ما إذا قال الشفيعُ التارك للمشتري: فقد أسلمت شفعتي لك، وأما لو أسلم أحد الشفعاء الشفعة بعد وجوبها ولم يقل لك فلا خلاف أنَّ لمن بقي من الشفعاء أن يأخذ الجميع، وقوله في المدونة: إذا أخذ الحاضر الجميع ثم قدموا فلهم إن بلغوا معه أن يدخلوا، قال صاحب النكت: يجب على أصل ابن القاسم أن تكون عهدتهم على المبتاع أو المأخوذ منه بالشفعة لا على صاحبهم ولو كان كذلك لكان يؤخذ من يديه الجميع وهم إنما يأخذون حصتهم، وتبقى له حصته، وليس كما قال أشهب: إنهم يجعلون عهدتهم إن شاءوا على صاحبهم الذي أخذ الجميع لغيبتهم، وإن شاءوا جعلوها على المبتاع، وقال صاحب المقدمات: قول أشهب تفسير لقول ابن القاسم قبل.
وقيل: إن قول أشهب خلاف لمذهب ابن القاسم، وأنه لا يكتب عهدته على مذهب ابن القاسم إلا على المشتري، وليس ذلك بصحيح، والصواب أن قول أشهب مفسر لقول ابن القاسم.
وَلَوْ تَعَدَّدَ الْبَائِعُ وَتَعَدَّدَتِ الْحِصَصُ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَالشَّفِيعُ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ
يريد: والمشتري واحد كأن يكون لثلاثة شرك مع رابع هذا يشاركه في دار وهذا في بستان فباع الثلاثة أنصباءهم صفقة واحدة من رجل [٥٨٩/أ] فقام الشريك، وأراد أن يشفع في الدار بمفردها فليس له ذلك إذا امتنع المشتري وليس له إلا أخذ الجميع أو تركه؛ لأنه تبعض على المشتري صفقته.
وإلى هذا أشار بقوله: (فَكَذَلِكَ) وهذا مذهب ابن القاسم المعروف، وفي الاستذكار عن أشهب: له أن يأخذ ممن شاء.
[ ٦ / ٥٩١ ]
وَإِنْ تَعَدَّدَتْ هِيَ وَالْمُشْتَرُونَ فَلَهُ الشُفْعَةُ مِنْ أَحَدِهِمْ؛ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ
ولو (تَعَدَّدَتْ) الحصص (وَالْمُشْتَرُونَ) واتحدت الصفقة ولم يفارق هذا الفرع الذي قبله إلا بتعدد المشتري هنا كما لو باع الثلاثة أنصباءهم من رجلين فللشفيع الأخذ بالشفعة من أحدهما، قاله ابن القاسم (ثُمَّ رَجَعَ) عنه نظرًا إلى اتّحاد الصفقة، وبالأول قال أشهب وسحنون، وهو اختيار التونسي واللخمي.
ابن راشد: وهو الأصح: لأن المأخوذ من يده لم تتبعض عليه صفقته.
وَالشَّرِيكُ الأَخَصُّ أَوْلَى عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَسْقَطَ فَالأَعَمُّ كَالْجِدَّتَيْنِ والأُخْتَيْنِ والزَّوْجَتَيْنِ، ثُمَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ ثُمَّ الأَجَانِبِ
مثاله: إذا كانت دار بين اثنين ثم مات أحدهما وترك جدتين وأختين وزوجتين ثم باعت إحدى الجدتين، فإن الجدة الأخرى أولى؛ لأنها شركة أخص لاشتراكها معها وسهمهما واحد، هذا هو المشهور، وروي أن الجميع سواء.
ابن القصار: وهو القياس. ابن عبد السلام: وهو ظاهر ما في الموازية وظاهر قول ابن دينار والنفس أميل إليه؛ لأن الموجب للشفعة هو الشركة لا شركة مقيدة.
قوله: (فَإِنْ أَسْقَطَ) هو تفريع على المشهور، أي فيكون لبقية ذوي السهام.
(ثُمَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ) أي: العصبة إذا كان في الفريضة عصبة، فإن أسقط العصبة فالشفعة للشركاء الأجانب، وكذلك أيضًا لو حصلت شركة بوراثة عن وراثة لكان أهل الوراثة السفلى أولى، نص عليه في المدونة في ما إذا ورث ثلاثة بنين دارًا ثم مات أحدهم وترك أولادًا فإن إذا باع أحد الأولاد، كانت إخوته أولى ثم الأعمام ثم الشركاء الأجانب، قال في المدونة: ولو باع الأعمام فالشفعة لأخيه ويدخل بنو الأخ لدخولهم مدخل أبيهم، فنص على أن الأخص يدخل على الأعم وإلى هذا أشار بقوله:
[ ٦ / ٥٩٢ ]
وَيَدْخُلُ الأَخَصُّ عَلَى الأَعَمِّ
تصوره ظاهر مما ذكرنا، ونقل ابن العطار عن أصبغ أنه قال: إن باع أحد أو هذا الولد فالشفعة لإخوته وأعمامه؛ لأنهم ليسوا أهل سهم وإنما هم عصبة، ولا يكون أهل سهم إلا أهل الفرائض، قال في المدونة: إذا ترك أختا شقيقة وأختين لأب فأخذت الشقيقة النصف والاثنان السدس تكملة الثلثين فباعت إحدى الأختين للأب، فالشفعة للشقيقة والتي للأب؛ إذ هما أهل سهم وعن أشهب أن الأخت للأب أولى.
اللخمي: وهو أحسن؛ قال فيها: وإن ترك ثلاث بنين: ابنان شقيقان وآخر لأب، وترك دارًا فباع أحد الشقيقين، فالشفعة بين الشقيق والأخ للأب، إذ بالبنوة ورثوا.
وَفِي دُخُولِ ذَوِي السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَةِ قَوْلانِ
هكذا وقع في بعض النسخ وعليها تكلم ابن عبد السلام فقال: يعني اختلاف على قولين: هل ذوي السهام فيما بينهم وبين العصبة كالأخص مع الأعم فيدخل ذوي السهام على العصبة، ولا يدخل العصبة على ذوي السهام وهو مذهب المدونة واختاره ابن عبد الحكم وأصبغ وقال أشهب: إن بقية العصبة أحق كأهل السهام.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب عندي، ولا يختلف أن العصبة لا يدخلوا على ذوي السهام؛ لأنه إذا لم يدخل ذو سهم على ذي سهم آخر فأحرى العصبة، ووقع في بعض النسخ: وفي دخلو ذوي السهام على العصبة أو العكس، ثالثها: يدخل ذوو السهام، وعليها تكلم ابن راشد فقال: الثالث هو المشهور، والقول بدخول بعضهم على بعض مبني على أن نسبتهم إلى الموروث نسبة واحدة، والقول بدخول بعضهم على بعض لأشهب وهو أقيس، انتهى.
وعلى هذا فقول ابن عبد السلام: ولا يختلف إلى آخره ليس بظاهر، وقد تقدم لنا قول بدخول الأعم على الأخص.
[ ٦ / ٥٩٣ ]
ابن المواز عن أشهب: ولو اشترى ثلاثة دارًا أو ورثوها فباع أحدهم ما بقي وسلم الشريكان ثم باع أحد النفر المشتركين مصابته، فبقية النفر أشفع من شريكي البائع، ولو باع أحد شريكي البائع لدخل في الشفعة شريكه الذي لم يبع، وسائر النَّفر الذين اشتروا الثلث الأول فيصير لهم النصف ولشريكهم الذي لم يبع النصف، قال: وخالفهم ابن القاسم في هذا وقال: لا يكون الذين اشتروا الثلث الأول أشفع فما باع بعضهم من شركاء بايعهم بل هم كبائعهم يقومون مقامه إذا باع أحدهم فالشفعة لمن بقي منهم وسائر شركاء البائع منهم على الحصص بخلاف ورثة الوارث أو ورثة المشترين.
أصبغ: وهذا من الحق إن شاء الله، وهو الصواب.
والْمُوصَى لِهُمْ مَعَ الْوَرَثَةِ كَالعَصَبَة مَعَ ذَوِي السِّهَامِ
أي: فلا يدخل الموصى لهم على الورثة، واختلف هل يدخل الورثة معهم، فروى أشهب فيمن أوصى بثلث حائط أو سهم فباع أحدهما حصته أن شركاءه أحق بالشفعة فيما باع من الورثة.
محمد: وقاله أشهب وابن عبد الحكم، وقال ابن القاسم: للورثة الدخول معهم كأهل السهام مع العصبة، وسلم ابن المواز دخول ذوي السهام على العصبة ومنع دخولهم على الموصى لهم ورأى أن الجزء الذي اوصى به الميت كالجزء الذي يجب لذوي السهام بالميراث.
فرعان:
الأول: إذا أوصى الميت أن يباع نصيب من داره لرجل بعينه والثلث يحمله لم يكن للورثة عليه [٥٨٩/ب] شفعة لئلا يبطل ما قصده الميت من تمليك الموصى له بذلك الجزء ولو كان شريك الميت أجنبيًا لوجبت له قيمة الشفعة.
[ ٦ / ٥٩٤ ]
الثاني: لو أوصى بثلثه للمساكين فباع الوصي ثلث الوصية، فقال سحنون: لا شفعة فيه؛ لأن بيع الوصي كبيع الميت، وقال غيره: الشفعة في ذلك للورثة.
اللخمي: وهو القياس.
الباجي: وهو الأظهر، وقد بلغني ذلك عن ابن المواز.
ابن الهندي: وهو الأصح لدخول الضرر على الورثة.
الْمَاخُوذُ مِنْهُ: مَن تجَدَّدَ مِلْكُهُ اللازِمُ اخْتِيَارًا، وَقِيلَ: بِمُعَاوضَةٍ، فَفِي الصَّدَقَةِ وِالْهِبَةِ لِغَيْرِ ثَوَابٍ قَوْلانِ
احترز بقوله: (مَن تجَدَّدَ مِلْكُهُ) مما إذا اشترى اثنان دارًا دفعةً واحدة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه؛ لأن أحدهما لم يسبق ملكه ملك الآخر ولأنها لو وجبت لأحدهما لوجبت للآخر، ولو وجبت لهما لزم ألا تجب لهما وكل ما أدى ثبوته إلى نفيه فهو منتف، وباللازم من بيع الخيار فإنه لا شفعة فيه قبل لزومه كما سيأتي، وبالاختيار من الميراث فإنه وإن تجدد ملك الوارث للحصة لكن لا بطريق الاختيار بل بطريق اللزوم فلا شفعة عليه، هذا هو المشهور، وروي عن مالك أنه يشفع على الوارث لتجدد ملكه وهذه الصورة صادقة على الصدقة والهبة لغير ثواب.
(وَقِيلَ: بِمُعَاوضَةٍ) ليخرجها، وهذا هو مذهب المدونة والمشهور.
ابن يونس وغيره: وهو الأصح، والأول أيضًا لمالك، وتقديم المصنف للأول ليس كما ينبغي.
وقول المصنف: (بِمُعَاوضَةٍ) أحسن من الشراء؛ لأنه يدخل فيها هبة الثواب والكراء.
وقوله: (فَفِي الصَّدَقَةِ وِالْهِبَةِ لِغَيْرِ ثَوَابٍ قَوْلانِ) هو مأخوذ مما قدَّمه وإنما ذكرهُ زيادة في الإيضاح، وعلى مذهب المدونة: إن أثاب الموهوب له عن هبة لغير ثواب شيئًا فلا شفعة فيها كما إذا رأى أن الهبة لصلة الرحم أو صدقة قاله في المدونة؛ لأن هذا ليس
[ ٦ / ٥٩٥ ]
بعوض حقيقة إلا أن يقوم دليل على أنهما عملا عليه. فلو أراد الشريك أن يحلف الموهوب له أنهما لم يسيرا بيعا لم يحلف إلا أن يكون ممن يتهم بذلك مثل أن يكون محتاجًا وهب لغني فيحلف الموهوب له، وإن كانت على صغير حلف أبوه، وقال عبد الملك ومطرف: يحلف مجملا. المتيطي: والقضاء بالأول.
وَلا شُفْعَةَ فِي مِيراثٍ وَلا فِي خِيَارٍ إِلا بَعْدَ إِمْضَائِهِ
هذا هو الذي احترز عنه بالقيود أولًا، ولو عطف بالفاء ليكون كالنتيجة عما قبله لكان أحسن.
وَلَوْ بَاعَ نِصْفَيْنِ لاثْنَيْنِ خِيَارًا وبَتْلًا ثُمَّ أَمْضَى - فَفِي تَعْيِينِ الشُّفْعَةِ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى الْبَيْعِ مِنَ الْعَقْدِ أو الإِمْضَاءِ
أشار بقوله: (مِنَ الْعَقْدِ أو الإِمْضَاءِ) إلى الخلاف المشهور هل بيع الخيار منحل أو منبرم؟
فعلى انعقاده الشفعة لمشتري الخيار؛ لأن مشتري البتل متجدد عليه إذ الفرض أنه باع لمشتري الخيار أولًا، ولهذا لو قال المصنف: خيارً ثم بتلا كما قال غيره لكان أحسن. وعلى أنه منحل فالشفعة لمشتري البتل، والمعروف من المذهب أن بيع الخيار منحل لكن المنقول هنا عن ابن القاسم أن الشفعة لمشتري الخيار.
وعَلَيْهِ وَعَلَى الْخِلافِ فِي بَيْعِ حِصَّةِ الْمُسْتَشْفَعِ بِهَا إِذَا بَاعَ حِصَّتَهُ بِالْخِيَارِ ثُمَّ بَاعَ شَرِيكُهُ الآخَرُ بَتْلًا، ثُمَّ أَمْضَى جَاءَتْ أَرْبَعَةٌ: مَاضٍ أَوَّلًا وَيَشْفَعُ - فَالشُّفْعَةُ لِبَائِعِ الْبَتْلِ
يعني: ويتنزل على هذا الخلاف في بيع الخيار هل هو منحل أو منبرم إذا ضممنا إليه الخلاف المتقدم في بيع الحصة المستشفع فها، هل تسقط الشفعة أم لا؟ إذا باع شريكان
[ ٦ / ٥٩٦ ]
حصتهما لرجلين باع أحدهما حصته خيارًا ثم باع الآخر حصته بتلًا ثم أمضى الخيار أربعة أقوال، فعلى أنَّ بيع الخيار منعفد من يوم العقد وأن من باع الشقص لا تسقط شفعته فالشفعة لبائع البتل على مشتري الخيار؛ لأن بائع البتل يقول: بائع الخيار باع قبلي فقد وجبت الشفعة لي قبل بيعي حصتي وبيعي لحصتي ليس يُسقط لي حقي في الشفعة.
ومُقَابِلُهُ لِمُشْتَرِي الْبَتْلِ
أي: وإن قلنا: إنَّ بيع الخيار منحل وإن من باع حصته تسقط شفعته، فالشفعة لمشتري البتل؛ لأن مشتري الخيار إنما انبرمَ شراؤه بعد مشتري البتل، فكان مشتري الخيار متجددًا على مشتري البتل فكانت له الشفعة عليه، وعزا ابن يونس هذا القول لأشهب.
ابن عبد السلام: وكلام المصنف صحيح إلا أنَّه زاد في الأصل الذي بنى عليه هذا القول زيادة مستغنى عنها وهي أنه فرض أن بيع الحصة المستشفع بها لا يضر في طلب الشفعة، وهذا لا يحتاج إليه في هذا القول الثاني وإنما يحتاج إلى كون الخيار منحلًا، ولعله إنما ذكر بيع الحصة المستشفع بها يسقط لإسقاط حق بائع البتل.
الثَّالِثُ لِمُشْتَرِي الْخِيَارِ
أي: أنَّ القول الثالث مبني على الاحتمال الثالث، وقد قدَّمْنَا أنَّ المصنِّف إذا ذكر قسمة رباعية أن يبدأ بإثباتين ثم بنفيين ثم بإثبات الأول ونفي الثاني ثم بالعكس فيكون الثالث أن بيع الخيار منعقد، وأن من باع الحصة المستشفع بها تسقط شفعته، فالشفعة لمشتري الخيار؛ لأنه حصل له الملك يوم الشراء، فمشتري البتل متجدد عليه ولا شفعة لبائع البتل لحصته وهذا القول مذهب المدونة؛ لأن فيها: ومن باع شِقْصًا بالخيار وله شفيع فباع الشفيع شقصه قبل تمام الخيار بيع بتل فإن لم يبع بالخيار فالشفعة لمبتاعه.
خليل: وأجرى ابن القاسم على خلاف قاعدته؛ لأنَّ المشهور في غير مسألة أن بيع الخيار منحلّ.
[ ٦ / ٥٩٧ ]
[٥٩٠/أ] الرَّابِعُ لِبَائِعِ الْخِيَارِ
أي: والقول الرابع مبني على الاحتمال الرابع: وهو أن يفرض أن بيع الخيار منحل، وأن بائع الحصة المستشفع بها يشفع فالشفعة لبائع الخيار؛ لأن مشتري البتل متجدد عليه ذلك الملك مستصحب حتى يمضي البيع فكان له الشفعة على مشتري البتل وليس بيعه شقصه مسقطًا لحقه في الشفعة، وهذا قول ابن المواز وأصبغ.
وتَثْبُتُ فِي الْمَهْرِ والْخُلْعِ وَالصُّلْحِ وجَمِيعِ الْمُعَاوَضَاتِ
يعني: أن الشفعة تثبت في كل معاوضة سواء كانت المعاوضة بمال أو غيره: كالمهر والخلع والمصالح على خراج العمد والخطأ، قال في المدونة: والشفعة في هذا بقيمة الشقص.
ابن يونس: يريد ولا يجوز الاستشفاع إلا بعد المعرفة بالقيمة.
خليل: وهذا بخلاف ما أخذه اللخمي أنه يجوز الأخذ قبل معرفة الثمن وقد تقدم ذلك.
وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي
يعني: وعهدة الشفيع على المشتري وهي ضمان درك الثمن في العيب والاستحقاق وكانت عليه؛ لأنه الذي أخذ منه الثمن وأخذ الشفيع الشقص منه، وعن سحنون أن للشَّفِيع أن يكتب عهدته على من شاء من بائع أو مبتاع.
وَفِي عُهْدَةِ شُفْعَةِ الإقَالَةِ قَوْلانِ: يُخَيَّرُ، وعَلَى الْمُشْتَرِي
يعني: إذا تقايل المشتري والبائع فإن ذلك لا يسقط الشفعة، واختلف قول مالك في العهدة، فمذهب المدونة أنه لا خيار للشفيع وإنما عهدته على المشتري، وبه أخذ محمد وابن حبيب، وقال مرة: يخير فإن شاء جعله على المشتري أو البائع.
[ ٦ / ٥٩٨ ]
أشهب: وسواء كان المستقيل هو المشتري أو البائع، وقال مطرف وابن الماجشون: إن رأي أن التقايل بينهما كان لقطع الشفعة، فالإقالة باطلة وللشفيع الشفعة بعهدة الشراء، وأن رأى على وجه الصحة والإقالة فهو بيع حادث، وللشفيع الشفعة بأي البيعتين شاء واستشكل مذهب المدونة؛ لأن الإقالة إما حل بيع فيلزم منه بطلان الشفعة، وإما ابتداء بيع فيخير كما لو تعدد البيع من غير البائع، فلا وجه للحصر في المشتري وأجيب باختيار الأول، وإنما تثبت الشفعة وكانت العهدة على المشتري؛ لأنهما متهمان في قطع شفعة الشفيع واستحسن أشهب ما في المدونة والقياس عنده قول مالك الآخر وهذا إذا كانت الإقالة بمثل الثمن لا زيادة ولا نقصان، قال: ولو تقايلا بزيادة أو نقصان فله الشفعة على أيهما شاء اتفاقا، قاله عياض.
الباجي: الشركة والتولية كالإقالة.
وأَمَّا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَهَا فَعَلَى الْبَائِعِ
يعني: أمَّا لو سلم الشفيع الشفعة وترك أخذها قبل الإقالة ثم تقايلا فإن للشفيع أن يأخذ بعهدة الإقالة من البائع.
ابن المواز: ويصير بيعًا حادثًا.
عياض: ولا خلاف فيه، وأما لو سلم بعدها فلا شفعة له أصلا.
وَلا يَضْمَنُ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ، وَلَهُ غَلَّتُهُ وَثَمَرَةٌ وَقَدِ اسْتَغْنَتْ قَبْلَهَا
يعني: لا يضمن المشتري ما نقص عنده سواء تغير بنقص في ذاته أو صفاته أو سوقه أو بفعل المشتري، نص عليه مالك في المدونة، ولو هدم المبتاع الدار ليبنيها أو ليوسعها ونحو ذلك، قال فيها: ويخير الشفيع فإما أخذ بجميع الثمن أو ترك، فإن قلت: لم لا يضمن المشتري إذا هدم؟ قيل: لأنه تصرف في ملكه، وقيد بعض الشيوخ ما ذكره في
[ ٦ / ٥٩٩ ]
المدونة في الهدم، فقال: إنما يصح إذا لم يعلم المشتري أن معه شفيعًا، وأما إن علم ثم هدم فحكمه حكم المتعدي والغاصب، وقد قال ابن زرب: في من بنى في حصة لها شفيع فقام بشفعته يأخذ قيمة بنائه منقوضًا؛ لأنه بنى في غير ماله، قال غيره: فهو كالمتعدي.
قوله: (وَلَهُ إلى آخره) أي وللمشتري غلة المبيع؛ لأن الضمان منه، وله الثمرة التي قد استغنت قبل الشفعة، وقد تقدم الكلام في الثمرة تباع مع النخل، وعطف المصنف الثمرة على الغلة وإن كانت من الغلة ليرتب عليه قوله: (وَقَدِ اسْتَغْنَتْ).
فَإِنْ هَدَمَ وَبَنَى فَلَهُ قِيمَةُ مَا بَنَى يَوْمَ الْقِيَامِ، وَلِلشَّفِيعِ قِيمَةُ النَّقْضِ، وَتَصَوُّرُهَا فِي شَفِيعٍ غَائِبٍ قَاسَمَ الْقَاضِيَ أَوِ الْوَكِيلَ عَنْهُ، أَوْ تَارِكٍ لأَمْرٍ ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِ كَذِبٌ كَالثَّمَنِ، أو دَعْوَى صَدَقَةٍ وَشِبْهِهَا
يعني: إذا هدم المشتري المبيع وبنى ثم قام الشفيع فله الأخذ بالشفعة ويغرم الشفيع للمشتري قيمة بنائه قائما يوم قيام الشفيع بالشفعة مع الثمن الأول.
فإن قلت: كيف يعطي جميع الثمن مع أن قيمة النقض جزء من المبيع؟ قيل: لا يريدون بالثمن جميع الثمن كما سألنا عنه، وإنما يريدون بالثمن ما ينوب العرصة منه بلا بناء، فما نابها منه، فهو المعبر عنه بالثمن، وفسر أشهب ذلك، فقال: يحسب كم قيمة العرصة بلا بناء وكم قيمة النقص مهدوما ثم يقسم الثمن على ذلك، فإن وقع منه النقص نصفه أو ثلثه، فهو الذي يحسب للشفيع ويحط عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائما.
ابن المواز: وإنما يغرم الشفيع قيمة العمارة يوم القيام؛ لأن المبتاع هو الذي أحدث البناء، وهو غير متعد به، والأخذ بالشفعة كالاشتراء فعلى الشفيع قيمته يوم أخذ بشفعته، وإنما
[ ٦ / ٦٠٠ ]
حسب للشفيع على المبتاع قيمة النقص مهدوما يوم الشراء؛ لأنه لم يتعد في هدمه فكأنه اشتراه مع العرصة مهدوما ثم بنى به، وهو في ملكه وضمانه فوجب أن يأخذ العرصة بقيمتها من قيمة النقض من الثمن يوم الشراء؛ كما لو اشتراها مع عرض، مالك وإن لم يفعل فلا شفعة له.
قوله: (وَتَصَوُّرُهَا) هو جواب عن سؤال مورود هنا، وذلك لأنه قيل لابن المواز: كيف [٥٩٠/ب] يمكن إحداث بناء في مشاع؟ أي لأنه إن كان بحضرة الشفيع فهو مسقط للشفعة، وإن كان في غيبته فالباني متعد، فلا تكون له قيمة البناء قائما، إلا بعد القسمة وبعد هذا لا تجب الشفعة وبالجملة فالحكم بوجوب الشفعة ينافي أخذ قيمة البناء قائمًا، وأجيب بأوجه:
أولها: أن الشفيع غائب وكانت الدار للشركاء وسلم الحاضرون وطلبوا القسمة، فقاسم القاضي عن الغائب ثم هدم المشتري في غيبة الشفيع فالباني غير متعد والشفيع باق على شفعته وليس للقاضي أو الوكيل إسقاط شفعته؛ لأنه لم يوكل على ذلك.
ثالثها: أن يكون البائع والمبتاع أظهرا الصدقة أو الهبة بناءً على إحدىة الروايتين بمنع الشفعة في ذلك ثم انكشف أنه بيع بعد المقاسمة والبناء لأجل هذا الخلاف أخره المصنف عما قبله.
ورابعها: أن يشتري دارًا فيهدم ويبني ثم يظهر مستحق لنصفها ويريد أن يأخذ بالشفعة وهذا الجواب لمحمد.
ابن عبد السلام: وعليه يعتمد أكثر الشيوخ لما يبنون عليه من كثرة الفوائد بسبب تركيب المسألة من الشفعة والاستحقاق، والمتكفل بذلك المدونة وشروحاتها.
[ ٦ / ٦٠١ ]
خليل: وانظر لِمَ لمْ يجعل المشتري - إذا كذب في الثمن أو دعوى صدقة ونحوها ثم تبين خلافها - كالمتعدي؛ ولعله الأظهر، فلا يكون له إلا قيمة النقض ولعل كلامهم محمول على ما إذا كان إظهار أكثر من الثمن من غير المشتري، والله أعلم.
وَيَتْرُكُ لِلْمُشْتَرِي الشَّرِيكِ مَا يَخُصُّهُ
كما لو كانوا ثلاثة مشتركين في دار لكل واحد منهم الثلث فباع أحدهم نصيبه للآخر فلا يأخذ الباقي من يد المشتري جميع الثلث كالأجنبي بل نصف الثلث، ويترك له نصفه وهو الذي ينوبه؛ لأنه يقول: لو كان المشتري أجنبيًا لم يكن لك إلا نصف الثلث، ولي النصف فأسوا أحوالي أن أكون كالأجنبي.
وَإِن تَنَازَعَا فِي سَبْقِ الْمِلْكِ تَحَالَفَا وَتَسَاقَطَا وَمَنْ نَكَلَ فَعَلَيْهِ الشُّفْعَةُ
أي: وإذا تنازعا الشريكان في قدر الملك، فقال كل منهم: ملكي سابق وأنت مجدد عليَّ وطلب الشفعة؛ فلكل تحليف صاحبه، فإن حلفا يريد أو نكلا سقطت دعواهما، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالشفعة للحالف، أما إن أقاما بينتين فإن يقضي بأقدمهما تاريخًا.
وَيَشْفَعُ مِنَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًَا بَعْدَ الْفَوْتِ لا قَبْلَهُ بِالْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنْ فَاتَ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ فَبِالثَّمَنِ فِيهِ
البيع الفاسد يفسخ فإذا فات ملك المشتري بالقيمة فلذها إذا اشترى شِقْصًا شراءً فاسدًا فإن اطَّلع على ذلك قبل الفوات فلا شفعة ويفسخ البيع، وإن اطَّلع على ذلك بعد أن فات الشقص عند المشتري بما يفوت البيع الفاسد فللشفيع أخذه بالقيمة الواجبة على المشتري؛ لأن الشقص قد انتقل إلى ملك المشتري، ويأتي على قول سحنون الذي يرى أنَّ البيع الفاسد لا ينقل الملك أصلًا، وإنما يلزم على قوله مع الفوات؛ لأنه كالاستهلاك تعدم الشفعة فيه.
[ ٦ / ٦٠٢ ]
فرع:
قال في المدونة: ولو علم به أي بالفساد بعد أخذ الشفيع فسخ بيع الشفعة والبيع الأول؛ لأنَّ الشفيع دخل مدخل المشتري.
ابن المواز: وإذا أجزنا له الأخذ بالشفعة بعد الفوت، فلا بد من معرفة الشفيع بيع الشفعة، والبيع الأول بالقيمة التي لزمت المشتري، فإن أوجبها على نفسه قبل معرفته فذلك باطل، وجعل ابن يونس قوله تفسيرًا للمدونة.
قوله: (فَإِنْ فَاتَ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ فَبِالثَّمَنِ فِيهِ) يعني: أن ما ذكرناه من أنَّ الشَّفِيع يأخذ مع الفوات بالقيمة، إنما هو فيما إذا فات بغير بيع صحيح، وأما إن فات به فللشفيع الأخذ بذلك الثمن لا بالقيمة إلا أن يكون المتبايعان ترداها قبل أخذ الشفيع فيصير كثمن سابق على الثمن في البيع الصحيح فيأخذ الشفيع بأيهما شاء كبيعتين صحيحتين، قال في المدونة:
وسواء ترداها بقيمة أو بغيرها وقد صح البيع بينهما بأخذ القيمة.
وقوله: (بِالبَيْعِ الصَّحِيحِ) احترز به من البيع الفاسد، قال في المدونة، وإذا باعها المشتري شراءً فاسدًا ثم باع بيعًا فاسدًا رد الأول والآخر جميعًا إلا أن يفوت، وتجب القيمة في ذلك فلا يرد.
وَيُنْقَضُ بِالشُّفْعَةِ وَقْفُهُ وَغَيْرُهُ
يعني: أنه لا يبطل حق الشفيع إذا وقف المشتري الشقص أو وَهَبهُ أو تصدق به، ولو نقض ذلك ولو هدم المشتري الشقص وبناه مسجدًا فللشفيع هدمه، وفي المدونة: من اشترى شقصا له شفيع غائب فقاسم الشريك ثم قدم الغائب فله نقض القسم وأخذه، واستدل على ذلك بأن الشُّفعة قُصاراها أن تكون كالبيع فكما له الأخذ بالبيع الأول وإبطال ما بعده من
[ ٦ / ٦٠٣ ]
البياعات فكذلك له الأخذ بالبيع الأول وإبطال القسمة التي هي أضعف من البيع، وقاله ابن القاسم وأشهب في الموازية إلا أن أشهب أشار إلى تردد في المجموعة.
فقال: إنه ليأخذ بالقلب أن ليس له رد القسم؛ لأنهم قاسموا من تجوز قسمته، يعني من بقية الشركاء ووكيل الغائب، ولهذا قال سحنون: يمضي القسم وللشفيع أخذ ما وقع للمبتاع بالقسم بالشفعة، وظاهره وظاهر المدونة سواء كان القسم بحكم أو بغيره، لكن تأوله صاحب [٥٩١/أ] النكت على ما إذا لم يكن بحكم، قال فلذلك قال: إن له نقض القسم، قال: وأمَّا إذا رَفَعَ إلى الحاكم فالقسم ماض ويأخذ الشفيع ما يقع به القسم، وهذه التفرقة هكذا في مذهب أشهب، ويمكن أن يجمع بين قوله في المدونة وقول سحنون بهذا ولا يبقى في المسألة خلاف فيحمل قوله في المدونة على ما إذا لم يحكم وقول سحنون على ما إذا كان بحكم.
وَيَاخُذُ بِأَيِّ الْبُيُوعِ شَاءَ فَيُنْقَضُ مَا بَعْدَهُ
قال في الجلاب: وإذا بيع السهم الذي فيه الشفعة مرارًا قبل أخذ الشفيع فله أن يأخذ بأي الصفقات شاء، فإن أخذ بالصفقة الأخيرة، صحت الصفقة التي قبلها، وإن أخذ بالصفقة الأولى بطلت الصفقة التي بعدها، اتفقت الأثمان أو اختلفت، والاختيار إليه في العهدة والثمن.
وإن أخذ بالصفقة الوسطى صح ما قبلها وبطل ما بعدها، وقيد اللخمي هذا إنما إذا لم يكن حاضرًا، وأما الحاضر العالم فإنه تسقط شفعته في البيع الأول وتثبت في البيع الثاني، وكذلك إن كثرت البياعات إنما يكون له الأخذ بالأخير.
الْمَاخُوذُ بِهِ مِثْلُ الثَّمَنِ أَوْ قِيِمَتِهِ فِي الْمُقَوَّمِ
هذا هو الركن الرابع؛ يعني أن الشفيع يأخذ الشِّقص بمثل ما دفع فيه المشتري إن كان مثليًا أو بقيمته إن كان مقومًا وهو ظاهر، فإن لم يجد مثل المثلي غرم قيمته، قاله مالك في المجموعة فيمن اشترى بثمن فلم يجده الشفيع.
[ ٦ / ٦٠٤ ]
فرع:
وعلى الشَّفيع أجرةُ الدَّلاَّل وإن كانت من عقْدِ الشراء وثمن ما كتب فيه؛ لأنَّ بذلك وصل المبتاع إلى المبيع، وإن كان المبتاع دفع أكثر من المعتاد، لم يكن على الشفيع إلا دفع المعتاد، بذلك أفتى ابن عتاب وابن مالك وابن القطَّان.
المتيطي: ولا أعلم لهم مخالفًا.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء: وانظر لو غرم على الشِّقص غرمًا هل يأخذه الشفيع بالثمن أو بما غرم عليه؛ وقد اختلف في من اشترى من أيدي اللصوص هل يأخذه ربه بغرم أو بغيره.
فَإِنْ لَمْ يَتَقَوَّمْ كَالْمَهْرِ وَالْخُلْعِ، وَصُلْحِ الْعَمْدِ، وَدَرَاهِمَ جُزَافًَا فَقِيمَةُ الشِّقْصِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: فِي الْمَهْرِ صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِي الدَّرَاهِمِ
أي: فإن لم يتقوم عوض الشقص غالبًا كالمهر والخلع وصلح العمد، فإنه يرجع إلى قيمة الشقص، وقلنا: غالبًا؛ لأنَّ المهر يتقوم بمهرِ المِثْلِ، وكَذلك الخلع، واحترز بصلح العمد من الصلح من الخطأ ففيه الشفعة بالدِّيَة، فإن كانت العاقلة أهل إبل، أخذه بقيمة الإبل وإن كانت ذهب أو ورق أخذه بذهب أو ورق يُنَجِّم ذلك على الشفيع كالتنجيم على العاقلة، قاله في المدونة، وقال سحنون في المصالِح عن جميع الدية على شِقص إن كان إعطاء ذلك والعاقلة أهل ذهب أو ورق فالصلح جائز ويرجعه ابن القاسم بالأقل من القيمة أو الدية، أو كان صلحه عليهم وإن كانوا أهل إبل، فإن كان القاتل يعطي الشقص ولا يرجع بذلك على العاقلة فهو جائز، وإن كان إنما صلح عنهم ليرجع عليهم لم يجز الصلح؛ لأنهم مخيرون.
ابن عبدوس: وكان سحنون يقول في هذا الأمر بقول عبد الملك أن الدين له حكم العروض، فإذا اشترى الشِّقص بالدية وهي دنيئة فإن كانت دنَانِير ودراهم قومت
[ ٦ / ٦٠٥ ]
بالعرض على أن تؤخذ في ثلاث سنين ثم يقوَّم العرض، وقال عبد الملك: يؤخذ ذلك بالعرض الذي قوِّم به الدَّيْن.
سحنون: وإن كانت الدية قومت بالنقد على أن تؤخذ في ثلاث سنين ثم يأخذ الشفيع بذلك أو يدع.
قوله: (أَوْ دَرَاهِمَ جُزَافًَا) نحوه في الجواهر، وقال ابن عبد السلام: في صحة فرضها نظر في المذهب؛ لأن الدنانير والدراهم لا يجوز بيعها جزافًا، فإن قيل: يحمل كلامه على ما إذا كان التعامل بالوزن، فإنه يجوز حينئذ التعامل بها جزافًا، قيل: لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لكان الحكم إذن هو قيمة الجزاف كما لو وقع بصبرة طعام.
خليل: ويمكن أن يقال: لا يلزم ما ذكره؛ لأنَّ الطعام إذا قُوِّم بالعين يقوَّم بما هو الأصل في التَّقوِيم بخلاف الدراهم؛ لأنك إما أن تقومها بعرض أو بعين موافق أو مخالف، ففي العرض يلزم منه البدل والصرف المستأخر، ولهذا قيل في العين: إن الشفعة تبطل، وهذا وإن كان ممكنًا من جهة القيمة، إلا أن اللخمي نقل خلافه فقال: وإن كان ذهبًا قوِّم بالفضة، أو فضة قوِّم بالذهب، يريد والقيمة في ذلك يوم الشراء لا يوم الأخذ بالشفعة، وكذلك كل ما اشترى به جزافًا فالقيمةُ يوم الشِّرَاء.
قوله (وَقِيلَ: فِي الْمَهْرِ صَدَاقُ الْمِثْلِ) أي: يشفع بصداق المثل، وهذا القول نقله اللخمي.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
ابن راشد: ولم أر القول بالبطلان في الدراهم.
فَإِنِ اشْتُرِيَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا يَخُصُّهُ، ويَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ بَاقِي الصفْقَةِ
يعني: (فَإِنِ اشْتُرِيَ) الشقص الذي فيه الشفعة (مَعَ) ما لا شفعة فيه فللشَّفيع أَخْذُ الشِّقص بما يخصه من الثمن، ويلزم المشتري باقي الصفقة فهكذا في المدونة وإنما لم يكن
[ ٦ / ٦٠٦ ]
للمشتري مقال بسبب تبعيض صفقة؛ لأنه دخل على ذلك وأشار ابن يونس إلى أن هذا جار على القول بأن الشفعة ابتداء بيع، وأما على القول بأنها كالاستحقاق، فإن ينظر فإن كانت قيمته الشقص النصف فأقل فكذلك، وإن كان جل الصفقة فيكون له رد الباقي.
خليل: إنما ينبغي أن يقال: على هذا يلزمه رد الباقي كما تقرَّر في عِلْمه.
وَإِلَى الأجَلِ إِنْ كَانَ مَلِيئًا أَوْ بِضَامِنٍ مَلِيءٍ، وَإِلا عَجَّلَهُ
هكذا في المدونة وزاد فيها كون الضامن ثقة، ومعناه إنه إذا اشترى شِقْصًا إلى أجل أخذه الشفيع إلى مثل الأجل بمثل الثمن [٥٩١/ب] بشرط أن يكون الشفيع مليئًا أو يأتي بضمان ثقة، فإن أراد الشفيع تعجيل الثمن للمبتاع فذلك له، وليس له تعجليه للبائع، وإن رَضِيَ المبتاعُ، قال المتيطي: وإم لم يوجد أحدهما فلا يأخذ الشفيع الشفعة حتى يعجل الثمن، وظاهر المدونة وهو ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون ملاء الشفيع كالمشتري أو أقل، وهو قول محمد وابن الماجشون، والمتيطي، وهو المشهور، وقال أشهب: إن لم يكن الشفيع كالمشتري في الملاء أتى بحميل مثل ثقة المشتري وملائه وإلا فلا. وظاهر قوله أيضًا هو ظاهر المدونة.
(وَإِلا عَجَّلَهُ) أي إذا لم يجد أحدهما يلزمه التعجيل، وإن كان عدم الشفيع مساويا لعدم المشتري وهو قول محمد، وفي اللخمي: إن استوى الشفيع والمشتري في الثقة والملاء لم يلزم الشفيع إعطاء حميل، وإن استويا في العدم فقولان بناء على مراعاة التساوي أو أن البائع قد يثق بالمبتاع، والمبتاع قد لا يثق بالشفيع، وصوب اللخمي الأول؛ لأن الشفيع موسر بالحصة، وكذلك حكى صاحب البيان قولين إذا استويا في العدمن قال: وإن استويا في الملاء لم يلزم حميل باتفاق، وإن كان الشفيع أقل ملاءً لزمه جميل باختلاف، وإن كان أشد عدمًا لزمه باتفاق.
[ ٦ / ٦٠٧ ]
فروع:
الأول: قال أشهب: إذا اشتراه بحميل أو رهن فليس للشفيع، وإن كان أملأ منه أخذُه بحميل أو رهن ومثله، وقال أشهب أيضًا: إذا كان أملأ من الحميل ومن المشتري أخذه بلا رهن وبلا حميل، واختار محمد الأول.
الثاني: إذا تراخى قيام الشفيع حتى حلَّ الأجل ففي تأخير الشفيع إلى مثل ذلك الأجل ثولان: قال مالك ومطرف وابن الماشجون وابن حبيب: يؤخر، وقال أصبغ: لا يؤخر؛ لأن الأجل الأول مضروب لهما معًا.
ابن يونس وصاحب البيان وغيرهما: والأول أصوب؛ لأن الشفيع يجب أن ينتفع بتأخير الثمن كما انتفع به المشتري.
الثالث: إن أخذه عن دين في الذمة ففي المذهب ثلاثة أقوال:
الأول: وهو مذهب المدونة أنه يأخذه بمثل الدين.
الثاني: يأخذه بقيمته، قاله ابن الماجشون وسحنون، ورأيا أن ما في المدونة من الدراهم كالعروض.
الثالث: الفرق فإن كان كالصداق إن كان عينا أخذه بمثله، وإن كان عرضا أخذه بقيمته، قاله أشهب ومحمد، وهو غلط وعلى مذهب المدونة فقال مالك في الواضحة: إن كان الدَّين يوم قيام الشفيع حالًّا أخذ به حالًا، وإن بقي من الأجل شيء قال: مثل ما بقي هكذا نقل الباجي.
ابن زرقون: وهو غلط وإنما ينظر إلى ذلك يوم الشراء وكذلك هو في الموازية لا يوم قيام الشفيع.
ابن عبد السلام: وانظر لو كان الدين عرضًا وأراد الشفيع تعجيله للمشتري، وأبى المشتري وطلب التأخير إلى الأجل وأخذ الحميل ولم يجد الشفيع حميلًا كيف الحكم؟
[ ٦ / ٦٠٨ ]
فَلَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِهِ لَمْ يَجُزْ
أي (فَلَوْ أَحَالَ) المشتري (الْبَائِعُ بِهِ) أي: بالثمن من المؤجل على الشفيع (لَمْ يَجُزْ) لأن الإحالة إنما تكون بما حل ولأن البائع قد ترتب له في ذمة المشتري دَيْن فباعه بدينٍ لهُ على الشَّفيع فيلزمه منه بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ.
وَثَوابُ الْهِبَةِ كَالثَّمَنِ فَلا يَاخُذُ إِلا بَعْدَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ فاَتَ قَبْلَهُ أَخَذَهُ بِالأَقَلِّ
هبة الثواب بيع فلذلك يأخذ الشفيع الموهوب بما وقع به الثواب من مثلي أو مقوَّم وهذا معنى قوله: (كَالثَّمَنِ) لكنه لا يأخذه حتى يدفع الثواب؛ لأن الموهوب له مخير في الرد وفي الثواب هذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة، وقال أشهب: كذلك إن أتى به قبل فوات الموهوب، وإن أتى به بعده فللشفيع أن يأخذه بالأقل من الثواب والقيمة؛ لأن الثواب إن كان أقل فهو الذي دفع وإن كانت القيمة أقل فهو متبرع بالزائد عليها؛ لأنه لم يكن يلزمه غيرها وفيه نظر؛ لأن أشهب وافق على أنه لو أتى به أكثر من القيمة قبل الفوات فإنه لا يأخذه إلا بذلك، فكذلك إذا عوضه بعده؛ لأن للموهوب تعويض القيمة فيها، وقال اللخمي: القياس أن لا يستشفع إلا بأكثر من الثمن والقيمة سواء فات الموهوب أو لا؛ لأن قيمة الشقص إن كانت أكثر من الثواب فللموهوب أن يقول: إنما قبل مني هذا للصداقة بيني وبينه ونحو ذلك، وإن كان الثواب أكثر فإن ذلك العوض غالبًا في هذا النوع.
تنبيه:
ما ذكرناه أنه لا شفعة إلا بعد دفع الثواب وهو نصُّ المدونة في باب الهِبات: فقال: إن وهب لرجل شِقْصًا من دارٍ على عوص سميَّاه أو لم يسمِّياه، أَنَّ لا يأخذه بالشفعة حتى يثاب، وفي كتاب الشفعة: إن سمَّيَا العوض ففيه الشفعة بقيمة العوض، فحمله سحنون
[ ٦ / ٦٠٩ ]
على الخلاف، فمرة جعل ذلك كالبيعِ يلزمه بالتسمية ومرة نفى ذلك، وقيل: ليس بخلاف واستظهر، ويتأول قوله في الشفعة سماه على معنى عينه، وفي الهبة على أنه شرط الثواب لا غير، وإليه ذهب أبو عمران وغيره.
وَمَا حُطَّ مِنَ الثَّمَنِ بِعَيْبٍ فَيُحَطُّ اتِّفَاقًا، وَلإِبْرَاءٍ قَالَ أَشْهَبُ: يُحَطُّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ مِثْلَهُ يُحَطُّ عَادَةً
يعني: أن ما حط من الثَّمَنِ بعد تقريره على المشتري لعيب فيحطّ اتفاقًا عن الشفيع، وإن حط لا لموجب بل لإرادة إصلاح البيع أو التبرع على المشتري، (فَقَالَ أَشْهَبُ: يُحَطُّ) وقال ابن القاسم: إنما يحط إذا كان مثله يحطُّ عادة، وهكذا في المدونة ففيها: ومن اشترى شِقْصًا بألفٍ ثم وضع عنه البائع تسعمائة درهم بعد أخذ الشفيع أو قبله نظر، فإن أشبه أن يكون ثمن الشِّقْص عند النَّاس مائة درهم إذا تَبَايعوا بينهم واشتروا بغير تغابن وضع ذلك عن الشفيع؛ لأن ما أظهر له من الثمنِ الأول إنما كانَ سببًا لقطع الشُّفْعَةِ وإنْ لم يشبه ثمنه أن يكون مائة لم يحط عن الشفيع، [٥٩٢/أ] وإن كان لا يحط مثله عن الشَّفِيع شيئًا وكانت الوضيعة هبة للمبتاع، وقال في موضع آخر منها: إن يحط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع، وضع ذلك عن الشفيع، وإنما لا يحط مثله، فهي هبة ولا يحط عن الشفيع شيئًا، وهذا الأخير هو الذي نقله المصنف على أنّ صاحبَ النُّكت وابن يونس قالا إن القولين ليسا بخلاف، وإنما هما راجعان إلى شيء واحد؛ لأن معنى قوله: وإن حط ما لا يحط في البيوع لا يوضع عنه شيء، يريد: وثمن الشقص أكثر من الباقي بعد الحطيطة، وأما إن كان ثمن الشقص مثل الباقي بعد الحطيطة فأقل فالأمر ما ذكر أولا.
عبد الحق: والحطيطة ثلاثة أقسام: منها ما يكون هبة للمبتاع لا يحط الشفيع، ومنها ما يشبه حطيطة البيع فيحط للشفيع، ومنها ما يظهراه لقطع الشفعة ثم يسقطاه ويكون الباقي مثل قيمة الشقص فهذا يحط للشفيع.
[ ٦ / ٦١٠ ]
ولا تُنْقَضُ الشُّفْعَةُ بِرَدِّ الثَمَنِ الْمُقَوَّمِ بِعَيْبٍ أَوْ باسْتِحقَاقِهِ، وعَلَى الشَّفِيعِ قِيمَتُهُ عِندَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقيمَةُ الشِّقْصِ عِنْدَ سُحْنُونٍ، فَيُخَيَّرُ الشَّفِيعُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الشِّقْصِ وَلَوْ وَقَعَ قَبْلَهَا امْتَنَعَتْ
يعني: إذا وقع البيع يقوَّم كعبد أو دار ثم استحق أورد بعيب، فإن كان ذلك قبل أخذ الشفيع بطلت الشفعة لانتقاض البيع قبلها إلا أن البائع يسترد البيع.
ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافًا، وإلى هذا أشار بقوله أخرى: ولو وقع قبلها امتنعت: أي وقع بأحدهما إما باستحقاق أو بالرد بالعيب، وإن كان بعد الأخذ بالشفعة انتقض ما بين البائع والمشتري ورجع البائع على المشتري بقيمة الشقص.
ابن القاسم: ولا ينتقض ما بين الشفيع والمشتري فلا يكون للشفيع على المشتري إلا قيمة المقوَّم المستحق أو المردود بعَيْب، وبه قال أشهب وأصبغ.
محمد: وهو أحبُّ إليَّ، وهذا معنى قوله: (وعَلَى الشَّفِيعِ قِيمَتُهُ عِندَ ابْنِ الْقَاسِمِ) أي قيمة المقوم، وقال عبد الملك وسحنون: ينتقض ما بين الشفيع والمشتري أيضًا ويكون على الشفيع قيمة الشِّقْص كما كانت على المشتري، وهو معنى قوله: (وَقيمَةُ الشِّقْصِ عِنْدَ سُحْنُونٍ، فَيُخَيَّرُ الشَّفِيعُ)، فإن شاء أخذ قيمة الشقص، وإن شاء ترك، فإن كانت قيمة الشقص أكثر أخذها إن شاء، وإن كانت أقل رجع على المشتري بما بقي عنده، والأول أصح؛ لأن الشفعة بيعُ حادث فلا يلزم من انتقاضه بين البائع والمشتري انتقاضه بين الشفيع والمشتري، فلو كانت قيمة العبد خمسين وقيمة الشَّقص خمسين فلا إشكال، وإن كانت قيمة العبد خمسين وقيمة الشِّقص ستين فلا يجوع للمشتري على الشفيع بالعشرة الزائدة عند ابن القاسم ويرجع بها عند سحنون وعبد الملك إن اختار الأخذ بالشفعة، وإن كانت قيمة الشِّقص أربعين فلا رجوع للشفيع عند ابن القاسم ويرجع عند سحنون وعبد الملك ويأخذ العشرة الزائدة.
[ ٦ / ٦١١ ]
وَأَمَّا النُّقُودُ فَبَدَلُهَا
يعني: ولو كان ثمن الشقص نقدًا دراهم أو دنانير فاستُحِق أو اطُّلع على عيب بذلك الثمن، فلا أثر لذلك في إسقاط الشفعة سواء كان ذلك قبل الأخذ بالشفعة أو بعدها لوجوب القضاء بمثل ذلك العيب فإنها لا تتعين.
وَفِي غَيْرِهَا قَوْلانِ: بَدَلْهَا وَقِيمَةُ الشِّقْصِ، فَيَجِيءُ فِي الشَّفِيعِ الْقَوْلانِ
أي: في غير الثمن المقوم والنقود، وهو العَرَض المثلي، يعني وإن كان الثمن عرضًا مثليًا فاستحق أو رد بعيب فاختلف هل يرجع إلى بدل تلك العروض المثلية كالنقد أوإلى قيمة الشقص كما لو كان العرض مقومًا على قولين: والأول: في الموازية، والثاني: لسحنون ومحمد وغيرهما، وهو الصواب عند جماعة من الشيوخ؛ لأن القاعدة أن من باع عرضًا بعرض ثم استحق ما بيده يرجع بقيمة ما خرج من يده أولًا، لا بما استحق منها إلا في بعض مسائل شذت في المذهب، وإن رويت على القولين فقط غلط سحنون وغيره في روايتها على معنى الأول، وهذا الخلاف إنما هو إذا كان الاطلاع على العيب بعد أخذ الشفيع وأما إن كان قبله فيبطل البيع بالاتفاق، فتبطل الشفعة وعلى القول بأن على المشتري قيمة الشِّقْص، يختلف هل ينتقض ما بين الشفيع والمشتري أو لا على القولين السابقين، اي قول ابن القاسم وسحنون ولا روايتهما، قال المصنف: (الْقَوْلانِ) فأتى بأل الدالة على العهد.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يُشْبِهُ بِيَمِينٍ، وَإِلا فَقَوْلُ الشَّفِيعِ، وقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يُشْبِهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَفِي غَيْرِهِ بِيَمِينٍ
أي: إذا تنازع الشفيع والمشتري في قدر الثمن (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يُشْبِهُ بِيَمِينٍ) إن ادعى عليه الشفيع المعرفة.
[ ٦ / ٦١٢ ]
صاحب البيان: ولا خلاف في هذا، واختلف إذا لم يدّع الشفيع المعرفة واتهم المشتري أن يكون اشتراه بأقل هل له تحليف المشتري أم لا على الخلاف في توجيه يمين التهمة؟
وظاهر المدونة في توجه هذه المسألة سقطوها، ونص المتيطي على أن الأشهر في المذهب سقوط اليمين، قال: وهو دليل المدونة، وقال أصبغ: يحلف المبتاع فيما لا يشبه ويصدق فيما يشبه، واختار اللخمي توجيهها قال: لأنه قد كثرت الحيل من الناس على إسقاط الشفعة إلا أن يكون المشتري من أهل الدين والأمانة، وظاهر قول المصنف أن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه سواء أتى الشفيع بما يشبه أم لا.
قوله: (وَإِلا) أي: وإن لم يأتِ المشتري بما يشبه فقول الشفيع، يريد إذا أتى بما يشبه أما إن أتى بما لا يشبه، فقال اللخمي وصاحب البيان: حلفا جميعًا ورد إلى الوسط بما يشبه فيأخذه به أو يدع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالشفعة بما حلف عليه الحالف منهما، وحكى في البيان قولا آخر أن القول قول المشتري مع يمينه، وهذا هو قول أشهب الذي حكاه المنصف بقوله: (وقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) أي: مطلقًا أتى بما يشبه أم لا، غير أنه إن أتى بما لا يشبه حلف على ذلك، وإن أتى بما يشبه لم يكن عليه يمين.
تنبيه:
ومن دعوى المشتري ألا شبه أن يكون هذا المشتري من الملوك وشبههم الذين يرغبون في الدار الملاصقة لهم، ويزيدون في ثمنها، فكيف بما لهم فيه شركة، قاله مالك في المدونة والعتبية وغيرهما، قال في العتبية: وإذا كان من هؤلاء الملوك، فلا يمين عليه إلا أن يأتي بما لا يشبه.
قال في البيان: والشيوخ يحملون ما في المدونة على الخلاف للمدونة؛ لأنه قال في المدونة: القول قول المشتري، فقال الشيوخ: يعني مع يمينه، قال: وليس ذلك عندي
[ ٦ / ٦١٣ ]
صحيح؛ لأن رواية أشهب [٥٩٢/ب] محمولة على ما إذا لم يتحقق الدعوى على المشتري وإنما اتهمه فلم يوجبها عليه إلا في الموضع الذي تظهر تهمته وهو إذا أتى بما لا يشبه، ومعنى المدونة محمول على ما إذا تحقق كل واحد منهما الدعوى على صاحبه، قال في المدونة: أقاما بينة وتكافأت في العدالة؛ كمن لا بينة له ويصدق المبتاع؛ لأن الدار في يده، قال سحنون: لا بطلان في التكافي والبينة بينة المبتاع ومثله لأشهب.
ابن يونس: وهذا إذا كانت الشهادتان بمجلس واحد، وفي الموازية: إن كانت الشهادتان عن مجلسين فالقول للشفيع وإن كانوا عدولًا وإن كانت ببينة الآخرون أعدل؛ لأنه إن كانت بينة الشفيع قبل فقد زاده في الثمن، وإن كانت بعد فقد أسقط عنه من الثمن واختلف عند عدم البينة هل تقبل شهادة البائع، فقال ابن المواز: لا يقبل قوله وإن كان عدلا، ويقرب منه في كتاب ابن مزين، وقال صاحب البيان: لا يمتنع عندي أن يكون شاهدا يحلف معه إذا كان لا يتهم في شهادته، وأما إن طال الزمان حتى نسي الثمن، وقال المشتري: لا أعلمه من طول الزمان في غيبة السفر؛ سقطت الشفعة.
وفي الموازية والمجموعة: إذا أتى المشتري بما لا يشبه وجهل الثمن أخذه الشفيع بقيمته يوم البيع؛ ونحوه لأصبغ.
فلو أنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ - وَالْبَائِعُ مُقِرٌّ - حَلَفَ وَسَقَطَتِ الْعُهْدِةُ، وِقِيلَ: يَاخُذُهُ لأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ أَنَّ الشفيع أَحَقُّ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ
تجوَّز في إطلاق لفظتي البائع والمشتري مع أن البيع لم يثبت وهو نظير قوله تعالى: (ذُقْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ) [الدخان: ٤٩]، فإذا أنكر المشتري شراء الشقص الذي فيه الشفعة وادعاه البائع، ففي المدونة: يتحالفان ويتفاسخان، وليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة بإقرار البائع؛ لأن عهدته على المشتري.
[ ٦ / ٦١٤ ]
أبو محمد: قوله: تحالفا إنما يعني أن المبتاع وحده يحلف فإذا حلف برئ وعلى هذا فصواب قوله: (تحالفا) أن يقول: حلف المشتري، وقال عياض: يصح في هذا اللفظ التحالف، وعلى كل واحد منهما يمين في خاصته في وجه ما، ولكل واحد منهما تحليف صاحبه، أما المشتري فلجحده، وأما البائع فإذا نكل المشتري.
وقوله: (وِقِيلَ: يَاخُذُهُ لأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ أَنَّهُ أَحَقُّ) أي أن الشفيع أحق بالشِّقص منه، وكلامه يوهم أن القول الثاني عام في الحاضر والغائب، وإنما في الموازية في من قال أنَّه باع من فلان وفلان منكر أو غائب أنه لا شفعة له إن أنكر، وإن كان غائبا؛ فإن كان بعيد الغيبة فالشفعة للشفيع؛ لأن البائع مقر أنه أولى منه، فإن قدم الغائب فأقر كانت العهدة عليه، وإن أنكر رجع الشقص إلى البائع.
محمد: وأحبُّ إليَّ أنه لا يرجع الشقص إلى البائع، وإن أنكر الغائب؛ لأن البائع مقرٌّ أنَّ الشفيع أحقُّ به بذلك الثمن، وتكتب عهدة الثمن على البائع.
اللخمي: وقول محمد صواب؛ فإن الحاضر مثله.
فانظر كيف فصل في هذا القول بين الغائب والحاضر، وإنما سوَّى بينهما اللخمي.
* * *
انتهى المجلد السادس
من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد السابع وأوله
كتاب القسمة
[ ٦ / ٦١٥ ]
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلّد السابع
[ ٧ / ٣٥٠٩ ]
منشورات
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث
www.najeebawaih.net
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة ٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلد السابع
[ ٧ / ٣٥١٠ ]
الناشر
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث
التوزيع في جمهورية مصر العربية
دار نجيبوبه للبرمجة والدراسات والطباعة والنشر
١٦ شارع ولي العهد - حدائق القبة - القاهرة
ت: ٢٤٨٧٥٦٩٠ - ٢٤٨٧٥٧٠٤
محمول" ٠١٠٦٦٦٩٩١٢
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٩هـ- ٢٠٠٨م
رقم الإيداع بدار الكتب والوثائق المصرية ٢٣٤١٠/ ٢٠٠٨
[ ٧ / ٣٥١١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٧ / ٣٥١٢ ]
القسمة
السلم
الْقِسْمَةُ: الْقِسْمَةُ ثَلاثَةُ: قِسْمَةُ مُهَايَأَةٍ، وقِسْمَةُ بَيْعٍ، وقِسْمَةُ قِيمَةٍ، فَالأُولَى، إِجَارَةُ لازِمَةُ، كَدَارٍ أَوْ دَارَيْنِ يَاخُذُهَا كُلُّ وَاحِدٍ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَغَيْرُ لازِمَةٍ كَدَارَيْنِ يَاخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ سُكْنَى دَارٍ ..
لا شك في مشروعيتها لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الآية.
هي ثلاثة أقسام: الأولى قسمة مهايأة.
عياض: وهي قسمة المنافع بالمراضاة لا بإجبار، ويقال: مهانأة بالنون؛ لأن كل واحد هنأ صاحبه ما أراد، ومهايأة بالياء باثنين تحتها؛ لأن كل واحد هيأ للآخر ما طلب منه، وهذا القسم على قسمين: مقاسمة زمان ومقاسمة أعيان، أشار المصنف إليهما بقوله: (فَالأُولَى، إِجَارَةُ لازِمَةُ) يأخذها كل واحد أو إحداهما أو هما معًا مدة معينة.
فقوله: (أَوْ إِحْدَاهُمَا) راجع إلى الدارين.
وقوله: (مُدَّةً مُعَيَّنَةً) يعم الصورتين ويحتمل عوده إلى الثانية ويضم بعد الأولى مثله، والدار الواحدة إنما يتصور فيها مقاسمة زمان بخلاف الدارين فإنهما مقاسمة أعيان.
وقوله: (وَغَيْرُ لازِمَةٍ كَدَارَيْنِ يَاخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ سُكْنَى دَارٍ) من غير تعيين مدة، وفي المقدمات: التهايؤ يكون بالأزمان ويكون بالأعيان، والتهايؤ بالأزمان يفترق الحال فيه بين الاستغلال والاستخدام في العبد والركوب في الدابة، والازدراع في الأرض والسكنى في الدار، وأما التهايؤ في الاستغلال فلا يجوز في المدة الكثيرة بالاتفاق، واختلف في اليسيرة كاليوم ونحوه، ففي الموازية: لا يجوز ذلك في الدابة والعبد ولو في اليوم.
محمد: ولو سهل ذلك في اليوم، وأما التهايؤ في الاستخدام فاتفقوا على عدم جوازه في المدة الكثيرة واتفقوا على جوازه في الأيام اليسيرة، واختلفوا في حدها، فأجازه ابن المواز في خمسة أيام فأقل لا أكثر، وأجازه مالك في المجموعة من رواية ابن القاسم في الشهر.
[ ٧ / ٣ ]
ابن القاسم: وأكثر من الشهر قليلًا، وأما التهايؤ في الدور والأرضين فيجوز فيها السنين المعلومة والأجل البعيد ككرائها، كقول ابن القاسم في المجموعة: ووجه ذلك أنها مأمونة، وأما التهايؤ في الأعيان بأن يستخدم هذا عبدًا وهذا عبدًا، أو يسكن هذا دارًا وهذا دارًا أو يزرع هذا أرضًا وهذا أرضًا، ففي المجموعة جوازه في سكنى الدار وزراعة الأرض، ولا يحوز في الغلة والكراء، وذلك على قياس التهايؤ في الأزمان، فيسهل في اليوم الواحد على أحد [٥٩٣/ أ] قولي مالك فيه، ولا يجوز في أكثر من ذلك باتفاق؛ لأنه غرر وتفاضل، وكذلك استخدام العبد والدواب ليجري على الخلاف المتقدم في التهايؤ في الأزمان.
الثَّانِيَةُ: بَيْعُ كَدَارَيْنِ أَوْ حِصَّتَيْنِ، أَوْ عُلْوٍ وسُفْلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَاخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى مِلْكًا ..
أي: قسمة المراضاة، وكانت بيعًا؛ لأن كل واحد باع نصيبه في هذا بنصيب صاحبه في الآخر.
ابن عبد السلام: وهي بيع لا شك فيها إن كانت بغير تعديل ولا تقويم واختلف فيها إن كانت بتعديل وتقويم هل حكمها حكم البيع أم لا؟ وإن كان بعضهم أطلق الخلاف فيها لما قلنا: إنها بيع، ولذلك لا يحكم بها عند التنازع، واخلتف في جوازها بالقرعة، والمشهور أنها لا تجوز، انتهى.
وليس من شرط هذه والتي قبلها اتفاق الجنس بخلاف الثالثة، وذكر عياض أنه يشترط في الثالثة أيضًا ألا تكون في المكيل والموزون، وقال اللخمي وابن رشد: لا خلاف أن قسمة المراضاة بيع، واختلف في القرعة فقيل: تمييز حق، وقيل: بيع.
اللخمي: وهو أصوب؛ لأنه لا يختلف أن كل نخلة مثلًا قبل القسمة شركة، وإن كان كذلك كانت القسمة بيعًا، وفي المقدمات نص مالك في المدونة على أنها بيع وذهب سحنون إلى أنها تمييز حق، واضطرب قول ابن القاسم في ذلك على ما يؤخذ من المدونة وغيرها.
[ ٧ / ٤ ]
عياض: والصحيح من مذهبنا وقول أئمتنا: إنها تمييز حق، وإن كان قد أطلق عليها أنها بيع واضطرب قول ابن القاسم وسحنون.
واعلم أنهم أجازوا في قسمة المراضاة التفاضل مثل أن يكون بينهما قفين قمح، فيأخذ أحدهما ثلثه، والآخر ثلثين على سبيل التراضي.
ابن راشد: وهذا ينافي كونها بيعًا محضًا.
الثالثة: وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ: كَدَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ فَتُصَحَّحُ السِّهَامُ، ثُمَّ تُعَدَّلُ الْمَوَاضِعُ عَلَيْهَا بِالْقِيمَةِ لا بِالْمِسَاحَةِ، ثُمَّ يُقْرَعُ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فِي طَرَفٍ وبَقِيَتْ لَهُ سِهَامُ أَخَذَهَا مِمَّا يَلِيهِ ..
إنما كانت هذه هي المقصودة، لأن الأولى راجعة إلى الكراء والثانية إلى البيع.
وقوله: (فَتُصَحَّحُ السِّهَامُ) يعني- سواء كانت بين ورثة أو أجانب مثاله: ثلاثة لأحدهم السدس، وللآخر النصف، فتعدل السهام على أقل جزء، وهو السدس، فتعملها ستة أقسام بالقيمة لا بالمساحة أي لا بالمقدار فربما كان ذراع من هذه الناحية يساوي ذراعين أو أكثر من الناحية الأخرى، أما إن تساوت فيها الأرض، فإنها تقسم بالمساحة.
ابن عبدوس: ويقوم القاسم النخل نخلة نخلة، ثم يضرب بالقرعة فإن خرجت لصاحب القليل أخذه، وإن خرجت لصاحب الكثير وهو النصف، ضم إليه سهمان آخران مما يليه، وإن خرجت لصاحب الثلث ضم إليه آخر، وهذا هو المعروف، وقيل: إن صاحب السدس لا يكون إلا في أحد الطرفين.
[ ٧ / ٥ ]
وَصِفَتُهَا: أَنْ يُكْتَبَ الشُّرَكَاءُ فِي رِقَاعٍ وتُجْعَلَ فِي طِين أَوْ شَمْعٍ وَتُرْمَى كُلُّ بُنْدُقَةٍ فِي جَهَةٍ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي بَدَايَةِ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ أَقْرِعَ عَلَيْهَا أَوَّلًا ..
تصوره ظاهر، ثم يخرج كل واحد، أي من رقاع الجهات ومن رقاع الأسامي.
وقوله: (فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي بَدَايَةِ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ) نحوه في المدونة وزاد فيها: إلا ألا يبقى إلا اثنان، فإن يضرب ولم يلتفت إلى أحدهما، لأن الضرب لأحدهما ضرب للآخر.
عياض: واختلف في معنى التشاحح المذكور، فظاهر كلامهم وقول ابن القاسم وغيره ما تقدم من الضرب على أي الجهتين يبدأ، وخالف ابن لبابة ذلك وفسر التشاحح بأن يقول بعضهم: يقسم من قبلة إلى جنوب، ويقول الآخرون: بل من شرق إلى غرب لأغراض لهم في ذلك.
ابن لبابة: ولا وجه للتشاحح إلا على هذا، وأما على ما قاله ابن القاسم فلا؛ لأن السهم لا يدرى لمن يخرج فكان حكم الجميع فيه سواء، واختلف إذا خرج سهم واحد هل يقرع ثانيًا لجهة الإقراع مطلقًا إلا ألا يبقى إلا اثنان فلا يحتاج حينئذ إلى الإقراع ولا يحتاج إلى الإقراع إلا عند التشاحح على القولين.
وَأَصْحَابُ الْفَرِيضَةِ الْوَاحِدَةِ يُجْعَلُونَ أَوَّلًا كَوَاحِدٍ ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ ثَانِيةً
مثاله: شريكان مات أحدهما عن ورثة فيقسم نصفين: نصف للشريك، ونصف للورثة ثم يقسم ثانيًا، وكذلك أيضًا إذا كان في الفريضة سهام، وفي سهم جماعة مشتركون يقسم أولًا على السهام ثم اقتسم أهله كزوجات لهن الثمن أولًا ثم إن شاءوا اقتسموا ثانيًا، وحكى اللخمي الاتفاق على ذلك، وهو يلاحظ ما تقدم في الشفعة أن الشريك الأخص أولى بالشفعة من الشريك الأعم.
[ ٧ / ٦ ]
وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ بِالْقُرْعَةِ
هكذا قال مالك، وحمله ابن القاسم على أنه لا يجوز الجمع سواء اتفق سهم الاثنين أو اختلف، رضيا أم لا، وفي الجلاب: ولا يجمع القاسم بين اثنين في القسم إلا أن يتراضى الشركاء كلهم بذلك.
ابن عبد السلام: وقال أصحاب مالك: وإنما يكون ما حمله ابن القاسم: إذا استوت الأنصباء، ولو اختلفت الأنصباء كأن يقول: لبعضهم الثلث ولبعضهم النصف، فإن أصحاب كل جزء من هذه الأجزاء يجتمعون في سهم وإن كرهوا ثم يقتسمون إن شاءوا، وهكذا فسره مالك في العتبية في سماع أشهب وابن نافع، وكذلك فسره مالك ومطرف وأصبغ في الواضحة. وفي اللخمي: اختلف إذا كان الولد عددًا، فقال مالك مرة: هم كأهل سهم واحد فيقسم لهم قسمًا واحدًا ثم يقتسمونه ثانيًا إن انقسم وإلا باعوه، وقال أيضًا: كل واحد صاحب سهم، ورأى ابن القاسم أنهم ليسوا بأهل سهم، وأجاز أن يتراضوا على أن يجمعوا أو يضرب لهم بسهم واحد للاختلاف في ذلك ثم قال: والصواب في الولد والإخوة والأعمام أنهم كأهل سهم.
وفي البيان: وأما أهل [٥٩٣/ ب] السهم الواحد كالزوجات والبنات والأخوات والجدات والموصى لهم بالثلث فلا خلاف أنه يجمع حظهم في القسمة شاءوا أو أبوا؛ لأنهم كالشيء الواحد.
وفي العصبة ثلاثة أقوال:
أحدها: كأنهم أهل سهم واحد يجمع لهم حظهم ثم يقتسمون إن شاءوا وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنهم لا يجوز جمعهم وإن رضوا، وأراه قول المغيرة.
[ ٧ / ٧ ]
والثالث: أنه لا يجمع حظهم إلا أن يرضوا، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه فسر قول مالك فيها في من ترك زوجته وعصبته وترك امرأة يضرب لها بحقها مع العصبة في أحد الطرفين، فقيل: إنه يضرب لها في أحد الطرفين، فقال: معناه عندي إذا كان العصبة واحدًا أو عددًا لا يريدون القسمة، وقد اختلف في تأويل قول مالك أن الزوجة يضرب لها بحقها مع العصبة في كلام أحد الطرفين كان الورثة من كانوا ثم يقتسمون بعد أن أحبوا، وهو ظاهر قول مالك في المدونة ورواية ابن الماجشون، وقيل: ذلك مع العصبة خاصة إذا لم يروا أن يقتسموا، انتهى بمعناه.
واستثنى ابن القاسم مسألة الزوجة من عموم المسألة.
بِخِلافِ مَا لَوْ قَاسَمَ شَرِيكَانِ ثَالِثًا؛ هَذَا بَيْعُ
يعني إذا قاسم الشريكان ثالثًا فإن هذا بيع لا قسمة قرعة، وفي كلامه إشارة إلى أن قسمة القرعة تمييز حق لا بيع.
الْقَاسِمُ: الاثْنَانِ أَوْلَى مِنَ الْوَاحِدِ، وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا بَعْدَ الْعَزْلِ
فهم من قوله: (أَوْلَى) أن الواحد يجزئ؛ لأنه كالحاكم، ولهذا (وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا) بعد عزل القاضي الذي بعثهما، فقال ابن شعبان: لابد من اثنين، وغلب على ذلك الشهادة، وبالأول قال ابن حبيب، فإنه قال: يقبل القاضي شهادة القاسم إن كان الحاكم هو الذ ي أمره بذلك، وذكر ذلك الحاكم، وقاله ابن الماجشون، وكذلك كل ما لا يباشره القاضي من الفعل أو القسم والاختلاف والكتاب والنظر إلى العيب وشبهه؛ لأن فعلته كانوا مرتزقين أولا، وفهم من قوله: (بَعْدَ الْعَزْلِ) قبول قولهما قبله، وهو قول مالك في العتبية، وهو الذي في الوثائق المجموعة، قيل: وهو الصواب، وقال سحنون: إذا شهد قاسمان على ما قسماه بأمر قاض أو بغير أمره أن كل واحد ممن قسما بينهم قد استوى نصيبه، فلا تجوز شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما.
[ ٧ / ٨ ]
وَلَهُ الأُجْرَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الْمَقْسُومِ لهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَقَالَ أَشْهَبْ: عَلَى حِصَصِهِمْ ..
يعني: أن القاسم إن كانت له أجرة من بيت المال لم يجز أن يأخذ أجرة من الناس، وظاهره إباحة أخذها إذا لم تكن له أجرة من بيت المال، ومذهب المدونة والعتبية وغيرهما: الكراهة، ففي باب القسم من المدونة: وأكره لقاسم القاضي والمغنم أن يأخذ على القسم أجرًا؛ لأنهم إنما يفرض لهم في أموال اليتامى وسائر الناس كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس.
وفي باب الآذان: وكره مالك إجارة قسام القاضي، وكان ربيعة وخارجة ﵄، يقسمان ولا يأخذان جعلًا.
وقوله: (عَلَى عَدَدِهِمْ) هو مذهب المدونة، قال فيها: وسواء في ذلك من طلب القسمة أو أباها، وبقول أشهب قال ابن الماجشون وأصبغ.
الباجي في وثائقه: وبه جرى العمل.
المتيطي: وقال غير واحد من الموثقين: الأول أظهر وبه القضاء؛ لأن تعبه في تمييز النصيب اليسير كتعبه في تمييز النصيب الكثير، وكذلك اختلف في أجرة كاتب الوثيقة على مذهبين: ففي القسم من المدونة في قوم أرادوا أخذ مال لهم عند رجل ويستأجرون من يكتب كتابًا لهم: فله أجرة عليهم وعليه، وقال أشهب نحوه في الجلاب، وفي سماع ابن القاسم: لا يكون على الذي بيده المال شيء، وقال سحنون: ذلك كله على الذي بيده المال، قال بعض الموثقين: لأنه رأى أن المنفعة له وحده، وفي الجلاب: إذا كان لجماعة حق على رجل فكتبوا عليه كتابًا واحدًا وسهامهم مختلفة فيه، فأجرة الكاتب بينهم بالسواء، وقد تقدمت نظائر هذه المسألة.
[ ٧ / ٩ ]
الْمَقْسُومُ: هُوَ الْمُشْتَرَكُ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ
هو ظاهر التصور.
وَيُقْسَمُ كُلُّ صِنْفٍ، مُفْرَدًا
يعني: أنه لا يجوز في قسم القرعة الجمع بين جنسين أو نوعين متباعدين؛ لأن ذلك غرر، وحكى ابن عبدوس عن أشهب جوازه برضاهم، وهو الذي حكى غيره عنه أنه يوافق على هذا الأصل غير أنه يخالف في مسائل خلافًا في حال كمسالة المدونة فإنه أجاز فيها إذا كانت نخلة وزيتونة بين رجلين أن يقتسماها بالقرعة إذا اعتدلنا في القسم وتراضيا بذلك، قال فيها: وإن كرها لم يجبرا وإن لم يعتدلا في القسمة.
واختلف في مسألة المدونة هذه، فقال سحنون: ترك ابن القاسم قوله: لا يجمع بين صنفين مختلفين.
وقال بعضهم: هي قسمة مراضاة، ورد بأن اشتراطه الاعتدال في قسم القرعة. وقال اللخمي: إنما أجاز ذلك فيما قل.
ابن راشد: ويحترز في القسم من ثلاثة: الجهالة، والربا، وإتلاف المال.
أما الجهالة: إلا أن توصف لهما؛ ومنعه سحنون ولو وصفت.
وأما الربا: فكاقتسامها ثمرًا أو زرعا قبل بدو صلاحه على شرط التبقية. وأما إتلاف المال: فكقسمة النخلة الواحدة خشبًا أو كقسمة اللؤلؤة، وحكى عياض فيما ينتقص من ثمنه كثيرًا، كالياقوتة الكبيرة والجمل النجيب يقسم لحمًا- خلافًا: هل جوز قسمته بالتراضي أم لا؟
[ ٧ / ١٠ ]
وَتُجْمَعُ الدُّورُ الْمُتَقَارِبَةُ الْمَكَانِ الْمُسْتَوِيَةُ نِفَاقًا وَرَغْبَةً مَهْمَا دَعَا إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا فِي جِتَهَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ ..
هكذا في المدونة، ووجه ظاهر؛ لأنه إذا اجتمع ذلك لو ناب كل واحد منهما دار كاملة أو جزء كبير يحصل به الانتفاع التام بخلاف ما إذا قسمت كل دار مفردة، ولا يجوز [٥٩٤/ أ] الجمع عند ابن القاسم إلا بشرطين: التساوي في النفاق، والتقارب.
قال في المدونة: كالميل ونحوه، قال فيها: وإن تباعد ما بين كل قريتين أو حائط أو قريح كاليوم ونحوه لم يجمع في القسم وإن اتفق في الكرم والنفاق، واشترط أشهب شرطًا واحدًا وهو التقارب، وقال سحنون: يقول ابن القاسم في الدور ويقول أشهب في الأرضين، هكذا ذكر اللخمي وأبو الحسن هذه الأقوال، وما نسباه للمدونة هو الذي يؤخذ منها، ورأى صاحب البيان أن مذهب المدونة، جواز قسمتها إذا اتفقت في القرب وإن اختلفت في النفاق، قال: ويقوم من المدونة قول آخر، وأشار إلى ما ذكرناه، واعلم أن الشيوخ قد اختلفوا في النقل عن أشهب، ورأيت اختصار ذلك؛ لأن المصنف لم يتعرض لذلك.
فرعان:
أولهما: اختلف في قسمة العلو والسفل بالقرعة.
الثاني: يجوز في القرعة أن يكون بينهما الشيء اليسير، كما لو كانت قيمة أحدهما مائة والآخر تسعين، وتقارعا على أن من صارت إليه المائة يعطي صاحبه خمسة؛ لأن هذا مما لابد منه ولا يتفق غالبًا تساوي القيمة، قاله اللخمي، قال: وتجمع الحوانيت بعضها إلى بعض إذا كانت في سوق واحد أو سوقين بشرط تقارب الأغراض ولا تجمع الديار إلى الحوانيت ولا إلى الفنادق ولا إلى الحمامات، وأما جمع الفندق إلى الحمام، فيسأل عنه أهل المعرفة، فإن رأوا اتفاقهما لم تجمع وإلا جمعت وتجمع الحوانيت بعضها إلى بعض إذا كانت
[ ٧ / ١١ ]
في سوق واحد أو سوقين بشرط تقارب الأغراض، ولا تجمع الديار إلى الحوانيت ولا إلى الفنادق، وقد يستحق جمع الحوانيت كدور الغلة، انتهى بمعناه.
إِلا أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةُ مَعْرُوفَةً بِسُكْنَاهُمْ فَتُفْرَدُ إِنْ تَشَاحُّوا فِيهَا
هذا استثناء من قوله: (وَتُجْمَعُ الدُّورُ) أي: تجمع إلا أن يهلك الرجل الشريف وله ولد ويترك دار سكناه وغيرها فتشاح الورثة في تلك الدار، فإنها تقسم بينهم إن حملت القسم ثم يقسم غيرها على ما تقدم.
وهكذا قال ابن حبيب في واضحته ونحوه في المدونة، لكن حمل ابن أبي زمنين المدونة على ما إذا لم يكن للميت غير دار سكناه، قال: ولو كان معها غيرها لجمعت للقسم. ولا كلام للمنازع خلاف ما قاله ابن حبيب، وإلى هذا التفسير ذهب أبو عمران.
ابن عبد السلام: والأكثر ممن لقيناه على ما في الواضحة وهذه المسألة وقع اضطراب في لفظها في المدونة.
وَكَذَلِكَ الْقُرَى والْحَوَائِطُ والأَقْرِحَةُ يُجْمَعُ مَا تَقَارَبَ مَكَانُهُ- كَالْمِيلِ وَنَحْوِهِ- وَتَسَاوَى فِي كَرْمِهِ وعُيُونِهِ، بِخِلافِ الْيَوْمِ ..
أي: وكذلك تجمع القرى والحوائط، وما ذكره في حد القرب والبعد ونحوه في المدونة وقد تقدم.
ابن رشد: قيل: القرب الميلان ونحوهما، وقال أبو عمر الإشبيلي وابن عتاب: العشرون ميلًا قريب.
ولابن حبيب في الواضحة: الثلاثون ميلًا قريب.
عياض: والأقرحة: الفدادين واحدها بالفتح مثل زمان وأزمنة، وفي المدونة: واحدها قريح، ولا يبعد صوابه إن سمع كقفيز وأقفزة، وبعير وأبعرة، وقال الخليل: القراح من
[ ٧ / ١٢ ]
الأرض كل قطعة على حيالها من منابت الشجر ونحو ذلك، وقال ابن دريد: القراح من الأرض ما خلص طينه، وقال الجوهري: هي المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب لاستعمال الفقهاء.
قال ابن الأنباري عن أبي حاتم في لحن العامة: فدان بالتخفيف، والجمع أفدنة، ولا يقال: بالتثقيل، وحكاه غيره مشددًا.
وقوله: (فِي كَرْمِهِ وعُيُونِهِ) يحتمل عيوبه بالباء من العيب، ويكون مقابلًا للكرم، ويحتمل بالنون، وهو الذي يؤخذ من المدونة؛ لأن فيها: وإن ورث قوم أراضي وعيونًا كثيرة فأراد بعضهم قسم كل عين وأرض، وأراد غيره اجتماع حصته من ذلك فإن استوت الأراضي في الكرم- أي: في الجودة- وتقاربت أماكنها واستوت العيون في سقيها جمعت، وإن اختلفت الأرض في الكرم والعيون في الضرر قسمت كل أرض وعينها على حدة.
والواو في قوله: "والعيون" بمعنى أو، وقاله أبو الحسن، اللخمي: وعلى هذا لا يجمع البعل مع ذات العين ولا ذات البئر، ولا ذات عين مع ذات بئر، قال: ولا تخلو الأوطان من ستة أوجه، إما أن تكونا بعلًا لا سقي لهما، أو سقيهما معًا بالعيون، أو سقيهما بالقرب، أو أحدهما بالبعل، والأخرى بالعين أو بالبئر وبالقرب، فعلى قول ابن القاسم: لا يجمعان إلا أن يتساويا، وقال أشهب: لا يجمع البعل مع العيون، ولا يقسم البعل مع النضح إلا برضا أهله، ولا وجه لهذا البعل والنضح أقرب من البعل مع العين، انتهى.
وقال الباجي: جوز في الموطأ أن يقسم البعل مع ما يسقى من العيون سيحًا من غير نضح، وهو مشهور المذهب، ووجهه أنهما يزكيان بالعشر بخلاف النضح الذي يزكي بنصف العشر، وروى نحوه ابن وهب عن مالك في المجموعة، وفي الواضحة: لا يجمع
[ ٧ / ١٣ ]
البعل مع السقي ومثله في سماع أشهب، ابن زرقون: ولا خلاف أنه لا يجمع النضح مع البعل ولا مع السيل إلا على رواية النخلة والزيتونة.
وَلَوْ كَانَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ رُمَّانٍ وتُفَّاحٍ وغَيْرِهِ عَلَى حِدَةٍ قُسِمَ إِنِ انْقَسَمَ، بِخِلافِ حَائِطٍ فِيهِ أَشْجَارُ مُخْتَلِفَةُ أَوْ نَخْلُ مُخْتَلِفَةُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ مُجْتَمِعًا وَكَذَلِكَ أَرْضُ فِيهَا شَجَرُ مُتَفَرِّقَةُ ..
(عَلَى حِدَةٍ) أي في حائط واحد لقوله: (بِخِلافِ حَائِطٍ إلى آخره) وحاصله أن الحائط [٥٩٤/ ب] الواحد يقسم بالقيمة ولا يفرق سواء كانت فيه أشجار أم لا، قال في المدونة: كالتفاح والرمان والأترنج وغيره أو أنواع من الجنس الواحد، وإليه أشار بقوله: (أَوْ نَخْلُ مُخْتَلِفَةُ) قال في المدونة: كالبرني والصيحاني والجعرور وأصناف التمر.
قال سحنون: وما في المدونة من جمع الحائط المختلفة في القسم استحسان للرفق لاجتماع السهم، وإذا كرهه هكذا حكى الباجي عنه، وحكى ابن يونس عنه فقال: لا يقسم الجنان المختلفة الثمار إلا بالتراضي، وظاهر المدونة أنه يقسم الرديء مع الجيد، ألا ترى أنه قال: يجمع الصيحاني والبرني مع الجعرور، وظاهر ما في المجموعة أنه يقسم كل نوع على حدة، كذلك ظاهر ما حكاه ابن يونس عن سحنون من أنه لا يجوز إلا بالتراضي.
قوله: (وَكَذَلِكَ أَرْضُ فِيهَا شَجَرُ مُتَفَرِّقَةُ) نحوه في المدونة في القوم الذين ورثوا أرضًا بها أشجار، هنا شجرة وهنا شجرة، وأرادوا قسمتها، قال فيها: فليقتسموا الأرض والشجر جميعًا؛ إذ لو قسموا الأرض على حدة لصار لكل واحد شجر في ارض صاحبه.
وَلا يُقْسَمُ مَجْرَى الْمَاءِ جَبْرًا
هكذا في المدونة في القوم الذين ورثوا قرية ولها عين، إنهم يقتسمون القرية ولا يقتسمون مجرى الماء، ويكون لهم في الماء على قدر مواريثهم بالقلد، وقال: جبرًا؛ لأنهم إن تراضوا جاز قسمه.
[ ٧ / ١٤ ]
وَالْبَزُّ كُلُّهُ صِنْفُ، وَتُضَمُّ إِلَيْهِ ثِيَابُ الصُّوفِ وَالأَفْرِيَةِ إِذَا لَمْ تَحْمِلِ الْقِسْمَةَ، وَقِيلَ: أَصْنَافُ، فَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ صِنْفُ، وَالحَرِيرُ والْخَزُّ صِنْفُ، والصُّوفُ والْمِرْعِزَّي صِنْفُ، وَيُقْسَمُ الْمَخِيطُ مَعَ غَيْرِهِ ..
(الْبَزُّ) بفتح الباء، وأطلقه في الكتاب على ما يلبس سواء كان صوفًا أو خزًا وكتانًا أو قطنًا أو حريرًا، مخيطًا أو غير مخيط.
خليل: وعلى هذا أجرى المصنف، ألا ترى إلى التفصيل في القول الثاني.
الجوهري: والبز من الثياب متاع البزاز.
عياض: وقال صاحب العين: البز ضرب من الثياب، وقال ابن دريد: البز متاع البيت خاصة، والقول الأول من كلام المصنف مذهب المدونة، لكنه أطلق في موضع جمع هذه الأشياء، وقال في موضع آخر: هذا ما لم يحمل كل صنف منها القسمة، وجعل ذلك اللخمي وغيره على الخلاف، والقول بأنه أصناف لابن حبيب ومطرف وابن الماجشون.
ابن حبيب: والديباج صنف لا يضم مع الحرير، قال: وثياب القطن والكتان صنف يقسم بالسهم إذا اعتدلت بالقيمة، وإن كان بعضها قميصًا وبعضها أردية، وبعضها عمائم، وبعضها جبابًا، ولأشهب في المجموعة كلما جاز أن يسلم واحد في اثنين إلى أجل فلا يجمع في القسم، وما لا يجوز فيه فهو صنف يجمع في القسم.
سحنون: وهو الصحيح.
(وَيُقْسَمُ الْمَخِيطُ مَعَ غَيْرِهِ) ابن عبد السلام: هو ظاهر الروايات ونص في بعضها. وقال ابنحبيب: لا يضم فراء معلومة إلى فراء غير معلومة، وقيل: لا يجوز جمع الثياب ولا غيرها من العروض والعبيد في القسمة بالقرعة إلا الدور والأرضين.
[ ٧ / ١٥ ]
وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ أَصْنَافُ
فلا تجمع في القسم، وقد تقدم في السلم أن البغال والحمير صنف لا يسلم أحدهما في الآخر، وقد تقدم الجواب عن المعارضة بأنه احتياط في الوجهين، وجعل في المقدمات في قسمة البغال والحمير ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم لا يجمعان في القسمة أصلًا، والثاني: مقابله، والثالث: يجمعان إن لم يحتمل كل صنف القسمة على حدة.
وَلا يُقْسَمُ التَّمْرُ مَعَ أُصُولِهِ، وَلَوْ كَانَ بَلَحًا أَوْ طَلْعًا وَيُتْرَكُ حَتَّى يَحِلَّ بَيْعُهُ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ مَعَ الأَرْضِ؛ لأَنَّهُ طَعَامُ وَأَرْضُ بِطَعَامٍ وَأَرْضٍ
تصور المسألة وتعليلها ظاهر من كلامه، وكلامه في المدونة قريب من كلام المصنف؛ لأنه قال: وإذا ورث قوم شجرًا أو نخلًا وفيها ثمر، فلا يقسموا الثمار مع الأصل، وإن كانت الثمار بلحًا أو طلعًا، ولا يقسم الزرع مع الأرض، ولكن تقسم الأرض والأصول وتترك الثمرة والزرع حتى يحل بيعهما فيقسمون ذلك حينئذ كيلًا أو يبعونه ويقتسمون ثمنه.
ابن يونس: وأسقط سحنون الطلع، وقال: إذا كان فيها طلع لم يجز قسمتها بحال؛ لأنهما وإن لم يستثنيا شيئًا فهو طعام مؤخر.
اللخمي: وإن كان في النخل تمر لم يؤبر لم يجز القسم بحال؛ لأن المقاسمة تقتضي دخول الطعام في القسم، وذلك آيل إلى طعام بطعام، كما قال مالك في من باع حائطًا وفيه ثمر لم يؤبر بقمح نقدًا أو إلى أجل: لا خير فيه؛ فراعى ما يؤول إليه.
اللخمي: وإن كانت الثمرة مأبورة أو بلحًا صغيرًا أو كبيرًا أو زهوًا كانت المقاسمة جائزة إذا لم تدخل الثمار في القسم، وإن دخلت في المقاسمة لم يجز. وقيل يجوز إدخالها في المقاسمة بشرط أن لا يبلغ إلى حد يحرم فيه التفاضل.
[ ٧ / ١٦ ]
وَلا يُقْسَمُ شَيْءُ مِمَّا فِي أُصُولِ الشَّجَرِ بِالْخَرْصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَكَذَلِكَ الْبَقْلُ الْقَائِمُ إِلاَّ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ إِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِمَا، فَإِنَّ أَمْرَ النَّاسِ مَضَى عَلَى الْخَرْصِ فِيهَا خَاصَّةً ..
المنصوص مذهب المدونة: لا يخرص إلا التمر والعنب، إذا اختلفت حاجة أهلهما بأن طلب أحدهم البيع والآخر الأكل ونحو ذلك، وقد تقدم في الزكاة سبب اختصاص الخرص بهما، وأشار بمقابل المنصوص إلى ما رواه أشهب عن مالك في العتبية والمجموعة أنه قال: لا بأس بقسم جميع الثمار إذا اختلفت حاجة أهلها، ونقل ابن حبيب عن مالك- وغيره من الأصحاب إلا ابن القاسم- أنه يقسم مدخر الثمار كلها، والمشهور قصره على التمر والزبيب، وأشهب عداه لكل ما له أصل، وابن حبيب: كل مدخر، وقد قدمنا غير مرة أن المصنف لم يطرد له في مقابل المنصوص قاعدة.
وقوله: (وَكَذَلِكَ) أي: لا يقسم على المشهور. وقال أشهب: يقسم إذا بدا صلاحه وجاز بيعه. قال: وليس هذا مثل الزرع؛ لأن الزرع يدخله التفاضل ولا يحاج به كما يحاط بالثمار بخلاف البقل.
وأبقى سحنون المشهور على إطلاقه في منع القسم، وأنكر ذلك ابن عبدوس وتأوله على ما إذا كانت القسمة على التأخير، وأما على الجذاذ فيجوز.
وقوله: (إِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا إلى آخره) يعني أنه إنما يجوز الخرص فيما يخرص بشرطين:
أولهما: أن يحل بيعه، وكذلك ذكر هذا الشرط في [٥٩٥/ أ] المدونة وغيرها. وانظره مع إجازته فيها قسم البلح.
ولهذا قال بعضهم: إنه تناقض. قيل: ولعلهم إنما اشترطوا الطيب هنا؛ لأنه يجوز تأخيره بعد القسم إلى أن يصير تمرًا ولا يبطل القسم بخلاف البلح.
[ ٧ / ١٧ ]
وثانيهما: أن تختلف حاجة أهله كما لو أراد أحدهما البيع والآخر اليبس؛ إذ لو اتفقت الأغراض لما كان القسم في رؤوس الشجر.
فائدة:
فضل وأبو عمران وابن يونس واللخمي وغيرهم: ويجوز أيضًا القسم إذا قصد كل الجذاذ، ولكن كان عيال أحدهما أكثر، ويتنزل ذلك منزلة اختلاف الأغراض المتباينة.
وزاد الباجي شرطًا ثالثًا: أن يكون المقسوم يسيرًا؛ لأن مالكًا كرهه في الكثير جدًا، ورأى أنه لا تختلف الحاجة إليه إلا في اليسير، فعلى هذا يرجع هنا الشرط إلى الثاني.
ورابعًا: إن تساى طيبه بأن يكون المقسوم كله بسرًا أو رطبًا، فلو كان منه بسر ومنه رطب قسم كل نوع على حدة، ونص أشهب عليه.
وخامسًا: أن تكون المقاسمة بالتحري في الكيل.
وسادسًا: أن يقسم بالقرعة. وزاد غيره: وأن تكون في الرطب أو البسر لا التمر يقتسمانه كيلًا. ولا يضر اختلاف النوع، فيجوز قسمه وفيه العجوة والصيحاني وغير ذلك.
كذلك أنواع الزبيب إلا أن يأبى أحدهم فيقسم كل واحد مفردًا.
وَيَسْقِي صَاحِبُ الأَصْلِ وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِغَيْرِهِ كَبَائِعِ الثَّمَرَةِ
يعني: إذا اقتسما الثمرة للحاجة ثم اقتسما الأصول فوق نصيب هذا من الثمرة في أصل هذا، فإن صاحب الأصل يسقي أصله وإن كانت الثمرة لغيره وهذا مذهب المدونة؛ لأن القسمة كالبيع، ومن باع تمرًا فسقيها على صاحب النخل.
وقال سحنون: السقي هنا على صاحب الثمرة؛ لأن القسمة تمييز حق ولو كان كالبيع لما كان عليه أن يسقي من الثمرة إلا نصف ما في نخله ونصف ما في نخل صاحبه
[ ٧ / ١٨ ]
على صاحبه أن يسقي النصف من النصفين جميعًا، ويبين لك الفرق أن البيع فيه الجائحة، ولا جائحة في القسمة.
فرع:
إذا باع أصل حائطه دون الثمرة فالسقي على البائع؛ لأن المبتاع لا تسلم إليه حتى يجذ البائع ثمره، قاله مالك وسحنون. وقال المغيرة: السقي على المشتري؛ لأنه يسقي نخله فتشرب ثمرة هذا.
وَيُقْسَمُ أَيْضًا الْبَلَحُ الْكَبِيرُ وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا عِنْدَ اخْتِلافِ حَاجَتِهِمْ فِي أَكْلِهِ بَلَحًا أَوْ بَيْعِهِ بَلَحًا، فَإِنْ تُرِكَ شَيْءُ مِنْهُ حَتَّى يُزْهِيَ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ بِخِلافِ الرُّطَبِ يُتْرَكُ حَتَّى يُثْمِرَ ..
ذكر هذا لأنه كالاستثناء من قوله: (إِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا) وما ذكره المصنف وهو كقوله في المدونة: والبلح الكبير إذا اختلفت حاجتهم فيه؛ كأن يأكل هذا بلحًا ويبيع الأرض بلحًا جازت قسمته بالخرص، وهذا كالبسر في تحريم التفاضل فيه، ومن عرف ما صار له منه فهو قبض وإن لم يجذه، وإن جذه بعد يومين أو ثلاثة أو أكثر جاز ما لم يتركه حتى يزهي، فإن ترك أحدهما حصته أو تركاه جميعًا حتى أزهى بطل القسم؛ إذ لا يجوز بيع ذلك حتى يزهي، ولم ير سحنون هذا اختلاف حاجة إذا كان أمرهم يرجع إلى الجذ؛ لأن الذي يأكل يجذ والذي يبيع على الجذ يتركه لأن تركه يبطل القسمة.
اللخمي: والأول أصوب؛ لأن المشتري يجذ نصيبه مرة أو مرتين ليدرك بها الأسواق، والآخر يجذر شيئًا فشيئًا.
ويجوز أيضًا قسمته وإن لم يبع واحد منهما إذا اختلفت حاجتهما لفضل عيال أحدهما على الآخر، نص عليه غير واحد كما تقدم.
[ ٧ / ١٩ ]
وقوله في المدونة: فإن ترك شيئًا منه حتى أزهى قاس ذلك على البيع. عياض: وما ذكره من جواز ترك الرطب حتى يثمر موافق لما في التجارة من كتاب البيوع الفاسدة، خلافًا لما في كتاب الجائحة أي في مسألة القول الأخص، قال بعض القرويين: ولو أكل أحدهما نصيبه من هذا البلح وترك الآخر نصيبه حتى صار بلحًا كبيرًا لم ينتقض القسم؛ لأن بيع صغير بكبيرة متفاضلًا جائز سواء كان اقتسامهما على التفاضل أم لا؟.
ابن يونس: ونقل أبو محمد مسألة: "إذا أكل أحدهما جميع حظه وبقي الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا من المجموعة عن ابن القاسم، وقال فيها: إذا كانا اقتسماه على غير تفاضل أو كان إذا كبر لا يتفاضل فجائز.
ابن يونس: وهذا النقل فيه نظر فانظر الأصل.
ابن عبد السلام: الذي عندنا في نسخة من النوادر على ظاهرها ما يدل على أنها قرئت على الشيخ أبي محمد؛ إذ العطف بالواو لا بـ (أو) في قوله: "على غير تفاضل" أو كان، وهو معنى ما في المدونة فتأمله.
فرع:
قال في المدونة: ولا بأس بقسم البلح الصغير بالتحري على أن يجذاه إذا اجتهدا حتى يخرجا من وجه الخطأ، وإن لم تختلف حاجتهم إليه، وإن اقتسماه وفضل أحدهما صاحبه بأمر يعرف فضله جاز ذلك كما يجوز في البلح الصغير، وتركنا ما يتعلق بهذه المسألة وغيرها لعدم تعرض المصنف لذلك.
الْمَقْسُومُ لَهُمْ: الشُّرَكَاءُ، وَيُجْبَرُ مَنْ أَبَى الْقِسْمَةَ
أما أن المقسوم لهم الشركاء فمعلوم بالضرورة، ويجبر على القسمة من أباها من الشركاء إذا لم يكن في القسم ضرر، فإن كان فيه ضرر، فقد بين ذلك بقوله:
[ ٧ / ٢٠ ]
وَفِي الْجَبْرِ فِي مَا فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرُ كَالْحَمَّامِ وَالرَّحَى رِوَايَتَانِ
يعني: كالبئر والمسرح والجدار، واحتج مالك للقسم بعموم قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] وبالرواية الأخرى قال ابن القاسم وجمهور الأصحاب المدنيين والمصريين.
اللخمي: ولو قيل: يمنع قسم الحمام، ولو رضيا كما يمنع قسم اللؤلؤة والياقوتة لكان وجهًا.
وَفِي الْحِصَّةِ الْيَسِيرَةِ [٥٩٥/ ب] لا تَصْلُحُ للسُّكْنَى ثَالِثُهَا: يُجْبَرُ لِصَاحِبهَا خَاصَّةً
يعني: إذا كان المشترك من دار ونحوها يقبل القسمة إلا أن لبعض الشركا حصة يسيرة لا ينتفع بها بعد القسم فثلاثة أقوال:
الأول: لمالك وابن كنانة أنه يقسم.
الثاني: لمالك واختار ابن القاسم أنه لا يقسم، قال في الجواهر: والأول أشهر عن مالك.
الثالث: لعيسى بن دينار ومطرف، فإن طلب ذلك صاحب الحصة اليسيرة قضى له وإلا فلا.
وفي المقدمات رابع بعكس هذا، قال صاحبها: والذي جرى به العمل عندنا أن الدار لا تقسم حتى يصير لكل واحد من المساحة والبيوت مما ينتفع به ويشتري به عن صاحبه، وقيد الخلاف بوجهين:
أولهما: أن تكون الدار للقنية أو من ميراث، وإن كانت للتجارة لم تقسم بالاتفاق؛ لأن فيها نقصًا للثمن، وهو خلاف ما دخلا عليه.
ثانيهما: إنما هو في قسمة القرعة، وأما قسمة المراضاة والمهايأة فلا يجبر عليها من أباها؛ لأنهما راجعان إلى البيع والإجارة والإنسان لا يجبر عليهما.
[ ٧ / ٢١ ]
فرع:
وإذا اقتسم الشريكان الدار ولم يشترطا أن يقيما بينهما حاجزًا فلا يحكم بذلك عليهما، ويقال لمن دعا إلى ذلك: استر على نفسك إن شئت. وإن اشترط ذلك أخذ من نصيب كل واحد نصف بناء الجدار، وإن كان أحدهما أقل نصيبًا من الآخر، قاله في المقدمات.
وَيُجْبَرُ مَنْ أَبَى الْبَيْعَ فَي مَا لا يَنْقَسِمُ لِمَنْ طَلَبَهُ إِذَا كَانَتْ حِصَّتُهُ تَنْقُصُ مُفْرَدَةً لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَالشُّفْعَةِ.
يعني: أن كل ما لا يحكم فيه بالقسمة من ربع أو حيوان أو عرض إذا طلب أحدهم البيع وأبى غيره أجبر الآبي على البيع إذا كانت حصة من طلب البيع تنقص بالبيع وإنما جبر لدفع الضرر.
وقوله: (كَالشُّفْعَةِ) أي كما أوجبنا الشفعة لدفع الضرر، فكذلك أوجبنا على الآبي البيع إذًا لدفع الضرر، وهكذا قال ابن شاس ونحوه لابن رشد؛ لأنه قال: إذا كان الربع للغلة لم يجبر من أبى البيع عليه؛ لأن رباع الغلة لا ينتقص ثمن بعضها إذا بيع مفردًا عن بيعه مع الجملة، ثم ربها زادت رغبته في شراء البعض على الكل بخلاف دور السكنى.
وقوله: "بخلاف دور السكنى" هو كقول المصنف، وما ذكره في دور الغلة يؤخذ من كلام المصنف؛ لأنها لا تنقص، وأشار عياض إلى أن هذا إنما هو فيما اشتري جملة أو ورث أو للقنية، وأما المشترى للتجارة فكما قال اللخمي: إنه لا يجبر في ذلك على القسمة ولا على البيع؛ لأنه اشترى مشاعًا، فكذلك يبيع، والأكثر على ما قال المصنف من مراعاة نقص الثمن.
وذهب ابن لبابة وابن عتاب إلى أن المعتبر إنما هو قصد الاستبداد وغيره من المقاصد دون بعض الثمن.
[ ٧ / ٢٢ ]
والمذهب في هذا البيع إذا وقت على ثمن بعد أن نودي على جميعه أنه لمن أراد من الشريكين أخذه بذلك الثمن سواء كان الطالب للبيع أو لا، وبه القضاء.
وقال أحمد بن نصر الداودي: ليس التمسك إلا لغير طالب البيع، وحيث حكمنا لمريد البيع بالتمكين منه فهل تخلى الدار والحانوت وغيرهما لذلك أو يكتفي بإلزام الساكن أنه لا يمنع من أراد التقليد من الدخول؟ قولان.
ابن عبد السلام: وأخبرني بعض قضاة بلدنا أنه لا يحكم بالإخلاء في الحوانيت وشبهها ويحكم في الدور ونحوها.
فَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ فِي وَجْهِ نَصِيبِهِ وَلَمْ يَفُتِ الْبَاقِي فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ، فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ رَدَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وبَقِيَ الْمَعِيبُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِهِ رَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَكَانَ السَّالِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْمَعِيبِ مِمَّا فِي يَدِهِ ثَمَنًا، وبَقِيَ الْمَعِيبُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ سُبُعُ مَا بِيَدِهِ أَخَذَ قِيمَةَ نِصْفِ سُبُعِ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ
الطوارئ على القسمة خمسة: العيب، والاستحقاق، والدين، وظهور وارث، وظهور موصى له، وتكلم عليها أولًا فأولًا، ووجه النصيب أكثره عند ابن القاسم، والنصف عنده كالقليل، وقال أشهب: كالكثير.
وقوله: (وَلَمْ يَفُتِ الْبَاقِي فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ) أي من المعيب وغيره، وتنقض القسمة، ويحتمل أن يريد بالباقي جميع نصيبه ونصيب شريكه، ويكون راجعًا إلى جميع المقسوم، ويدل عليه قوله: (فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ إلى آخره) ومعناه أنه إذا فات مابيد صاحبه رد من لم يظهر في نصيبه عيب قيةم نصيبه السالم وبقي المعيب بينهما، وكذلك إن فات النصيبان معًا فيرجع على من أخذ السالم بنصف ما زادته قيمة السالم على قيمة المعيب.
[ ٧ / ٢٣ ]
وقوله: (يَوْمَ قَبْضِهِ) نحوه في المدونة، وهو ظاهر إن كان القبض يوم القسمة، وإلا فقد يقال: البيع هنا صحيح فتلزم القسمة، وقد يقال: لما انتقضت القسمة انتقض البيع، وهذا ظاهر الرواية، إلا أنه لا يكون الضمان إلا يوم القبض. وذكر المصنف من المفوتات البيع والهدم والبناء وأنه يرد نصف القيمة ونحوه في المدونة، وأمر بطرح البيع قال: وقد قال قبل هذا: إذا أصاب عيبًا وفات ما أخذ صاحبه ببيع أنهم لا يردون الثمن، وكذلك نقل عنه هنا، وهل يحصل الفوت بحوالة الأسواق؟ وهو مذهب ابن حبيب؛ لكنه استثنى الدور والأرضين.
الشيخ أبو محمد: وفوت المعيب بحوالة الأسواق ليس بقول مالك.
وقوله: (فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِهِ) أي: ما بيد صاحب المعيب رد على صاحبه وهو الذي بيده السالم نصف قيمته أي المعيب، وكان السالم بينهما.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ) هذا قسيم قوله في صدر المسألة (فَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ فِي وَجْهِ نَصِيبِهِ) ودخل في قوله: (فِي غَيْرِ وَجْهِهِ) الأقل والنصف على قول ابن القاسم، يعني: وإن لم يكن المعيب ظهر في الجل فإنه يرد المعيب. قال في المدونة: ولم يرجع في ما بيد شريكه وإن لم يفت إذ لم ينتقض القسم، ولكن ينظر فإن كان المعيب قدر سبع ما بيده رجع على صاحبه [٥٩٦/ أ] بقيمة نصف سبع ما أخذ، وهذا هو الذي قصده المصنف.
وقوله: (رَجَعَ بِنِصْفِ الْمَعِيبِ) فيه حذف مضافين؛ أي: بمثل نصف قيمة المعيب من الصحيح، وهذا هو المشهور. وقال أشهب في مسألة الأقل: يرجع صاحب العيب شريكًا مع الأخذ السالم بالقدر الذي وجب له الرجوع به، وقال محمد: إذا استحق ما بيده شيء انتقض القسم ولم يفرق بين قليل وكثير.
[ ٧ / ٢٤ ]
ابن عبد السلام: وقول محمد: وإن كان موضعه ما يأتي لكن له تعلق بهذا الموضع وفي هذا الفصل ذكره اللخمي.
وَإِنْ اسْتُحِقَّ بَعْضُ مُعَيَّنٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْعَيْبِ، وقَالَ مَالِكُ: إِلا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا ولَمْ يَفُتِ الْبَاقِي فَلَهُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِصَاحِبِهِ، بِقَدْرِ نِصْفِ ذَلِكَ مِمَّا فِي يَدِهِ ..
هذا هو الطارئ الثاني، واحترز بالمعين من الشائع، فإنه لا كلام لأحدهما على الآخر لتساويهما.
(فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْعَيْبِ) أي: فإن استحق وجه نصيبه انتقض القسم، وإذا لم ينتقض رجع على شريكه بنصف قيمة ما استحق من يده كما تقدم، وقال مالك كقول ابن القاسم: إلا أن يكون المستحق كثيرًا ولم يفت الباقي فلا ينتقض القسم جبرًا، ولكن يكون الخيار في ذلك للمستحق من يده في تمسكه بما بقي بيده ويرجع بمثل نصف المعيب من السالم كاليسير.
وقال محمد: إذا استحق مما في يد أحدهما شيء انتقض القسم ولم يفرق بين قليل ولا غيره، وظاهر ما حكاه اللخمي عن أشهب أنه لا ينتقض القسم باستحقاق معين قليلًا كان أو كثيرًا، وبذلك صرح غيره عن أشهب، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال.
وقد نسب فضل لابن القاسم مثل قول أشهب، هذا لأنه اختلف قول ابن القاسم في المدونة، فقال مرة: إن كان المستحق كثيرًا انتقضت القسمة كلها. وقال مرة: يرجع بنصف قيمته ذلك فيشاركه به صاحبه. قال أيضًا: واختلف قوله في اليسير، فقال مرة وهو الأكثر من قوله له: إنه يرجع بقيمة ما يقابله من الذي في يد صاحبه. وقال مرة: يرجع بقدره شريكًا. وقال غيره: والمشهور من قول ابن القاسم أن المستحق إذا كان كثيرًا انتقضت القسمة، وإن كان يسيرًا رجع بقيمته.
[ ٧ / ٢٥ ]
واعلم أنه وقع في المدونة في مسائل العيب والاستحقاق ألفاظ مشكلة وأجوبة مختلفة اضطربت لذلك آراء الشيوخ في فهمها، والذي حققه بعضهم أن المعلوم من مذهب ابن القاسم أن الثلث كثير يرد به في القيم، وأن القسمة تشاركه في عدم الرد باليسير؛ كالربع فما دونه، وأن المستحق إن كان النصف والثلث فيكون بحصة ذلك شريكًا فيما بيد صاحبه ولا ينتقض القسم، وإن كان فوق النصف انتقض القسم.
ابن يونس: وهذا التحصيل حسن، ليس في الباب ما يخالفه إلا في مسألة الدار يأخذ أحدهما ربعها والآخر ثلاثة أرباعها، فيستحق نصف نصيب أحدهما. قال: يرجع بربع قيمة ذلك مما بيد صاحبه، ولو قال: ربع ما بيد صاحبه لاستوت المسائل وحسن التأويل، ولم يكن في الكتاب تناقض، وقد رويت هذه المسألة على الوجه الذي تستوي به هذه المسائل.
وَلَوْ طرأ دَيْنُ وامْتَنَعُوا أَوْ أَحَدُهُمْ مِنْ وَفَائِهِ فُسِخَتْ
هذا هو الطارئ الثالث و(فُسِخَتْ) القسمة إذا امتنعوا من الوفاء؛ لأن الدين مقدم على الميراث، وإذا رضوا بالوفاء لم يفسخ؛ لأن صاحب الدين إنما له الحق في دينه لا في فسخ القسمة، وهذا متفق عليه إن جهلت الورثة الدين.
واختلف إن علموا، فلمالك في الموازية: القسمة منتقضة سواء رضوا بقضاء الدين أم لا، واحتج بقوله ﷾: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١] ورأى أن القسمة تعلق بها حق الله تعالى، وقيل: القسمة جائزة إن رضي الجميع بقضاء الدين، وإن اختلفوا فأراد بعضهم نقضها وأبى ذلك بعضهم نقضت وهو ظاهر المذهب، وقد يفهم كلام المصنف على ما في الموازية لقوله: طرأ فإن مفهومه الفسخ إذا علموا.
وَمَا تَلِفَ بِسَمَاوِيَّ فَهَدَرُ
أي: وما تلف بيد الورثة بسماوي فلا شيء عليهم؛ لأن غاية صاحب الدين أن يكون كالمستحق ولا شيء على المستحق منه فيما تلف بسماوي.
[ ٧ / ٢٦ ]
ويَمْضِي بَيْعُهُمْ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ، ويُوَفَّى دَيْنُهُ مِمَّا وَجَدَ وَيَتَرَاجَعُونَ
يعني: ولا مقام لرب الدين في نقض البيع.
فإن قيل: هلا جعلتم له نقض البيع كالاستحقاق؟
قيل: ليس هو مستحق حقيقة؛ لأن المستحق يتعلق حقه بعين الشيء المستحق، وحق الغريم إنما يتعلق بالتركة من حيث هي ألا ترى أنه لو تطوع أحد بالدين لما كان لصاحبه مقال.
وقوله: (بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ) ابن راشد: لأن المحاباة هبة، واختلف هل يلزمهم وفاء الدين إذا أحدثوا هبة أو صدقة أو عتقًا؛ فقال ابن القاسم: يضمنون الدين بالبيع والهبة والعتق ولا يرجعون على الموهوب له بشيء، وقال أشهب وسحنون: لا يضمنون ويرجع صاحب الدين على الموهوب له بشيء.
قال في المقدمات: وفي المدونة ما يدل على القولين ولا خلاف أن الورثة يضمنون ما أكلوه واستهلكوه عمدًا ويلزمهم أن يؤدوا ذلك، واختلف في استهلاكهم خطأ.
قوله: (ويُوَفَّى دَيْنُهُ) أي: إذا قلنا: هلك بإمضاء البيع فباع أحدهم فإن الغريم يأخذ جميع حصته من الموجود ثم يتراجعون فيرجع من أدى على من لم يؤد.
فرع:
فإن ادعى أحد الورثة تلف ما أخذه من العين والطعام والإدام ولم يقم بينة لم يصدق، واختلف إذا قامت لهم بينة على الضياع، فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم، وقال أشهب: يضمنون، وهو أصهل في العواري، وحكى في البيان قولًا ثالثًا ببراءته في العين دون الطعام والإدام، وقال: ولا خلاف في العروض التي يغاب عليها أنه ضامن إلا أن تقوم البينة على تلفها، ولا في الحيوان الذي لا يغاب عليه أن يصدق في تلفه.
[ ٧ / ٢٧ ]
وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يُفْسَخُ، ويُبَاعُ مِمَا بَقِيَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ [٥٩٦/ ب] عِوَضِهِ بِنِسْبَةِ مَا يَنُوبُهُ إِلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ لِلدَّيْن، أَوْ يَفْدِيهِ بما يَنُوبُهُ، وَمَنْ تَعَذَّرَ أُخِذَ مِنْ غَيْرِهِ إِلَى مُنْتَهَى مَا بِيَدِهِ ويَتَرَاجَعُونَ
هذا القول راجع إلى قوله أولًا: (فُسِخَتْ) يعني: وخالف سحنون في فسخ القسمة ورأى أن رب الدين لا قول له في نقض القسمة، وإنما حقه في أخذ دينه.
سحنون: ويكون على جميع الورثة لا على قدر مواريثهم فيضربهم؛ إذ قد يكون أحدهم غبن في القسم أو تغير سوق ما بيده فيؤدي أكثر مما ينوبه، ولكن يقوم ما بيد كل واحد يوم البيع ويقسم عليه الدين، فما وقع على كل واحد بيع مما بيده بقدره ولكل واحد أن يفك ما يباع بأداء ما ينوبه.
وإذا كان في البيع من نصيب كل واحد ضرر على طالب الدين لطوله أو كان بيع ما بأيديهم أحط ثمنًا فليبع ما هو أنجز له مما بيد أحدهم ثم يتراجعون بما كان ينوبهم من الدين يوم قضاه.
وقول المصنف: (أَوْ مِنْ عِوَضِهِ) يعني: لو باع أحد الورثة ما نابه بشقص في دار أو غيره، فإنه يباع من ذلك العوض.
وقوله: (بِنِسْبَةِ): متعلق، فيباع.
وقوله: ومن تعذر إلى آخره: هو كقول سحنون، وإذا كان في البيع من نصيب كل واحد ضرر لكن في كلام المصنف مناقشة؛ لأن كلام سحنون يدل على أن له أن ينتقل بمجرد الضرر، وكلام المصنف يدل على أنه إنما ينتقل عند التعذر، وقول المصنف إلى منتهى ما بيده، أي فلو زاد الدين على ما في يده لم يرجع عليه بالزائد.
خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن الورثة عالمين بالدين، وأما إن علموا فينبغي أن يرجع عليهم بالأقل من مجموع التركة أو الدين، ووافق أشهب سحنون في عدم نقض
[ ٧ / ٢٨ ]
القسمة إلا أنه خالفه في كيفية قضاء الدين على ما في أيديهم، ورأى أ، هـ يقضي على النسبة التي اقتسموا عليها، زادت أو نقصت، فإن كان الدين نصف التركة رجع على كل واحد بنصف ما بيده.
سحنون: إنما راعى في قوله المتقدم القيمة، ألا ترى إلى قوله: إذ قد يكون أحدهم غبن في القسم إلى آخره، وهكذا حكى ابن رشد وعياض وغيرهما قول سحنون وأشهب، وحكى عنهما اللخمي مثل ما حكيناه عن أشهب، وصرح في البيان أن لأشهب قولين، وحصل في البيان خمسة أقوال:
الأول: القسمة تنتقض لحق الله تعالى، وإن لم يشأ الورثة نقضها.
الثاني: أن القسمة ترد إلا أن يتفق جميعهم على إمضائها، وهو المشهور من قول ابن القاسم المنصوص له في المدونة.
الثالث: أن القسمة تنتقض أيضًا، ويكون ما هلك أو نقص ونما بينهم إلا أن يخرج أحد الورثة من ماله ما ينوبه من الدين.
قال: وهو قول ابن حبيب، ومثال ذلك إن هلك المتوفى وله أربعة بنين، وله ثمان بقرات قيمة كل بقرة عشرة مثاقيل فيقتسمونها، فأخذ كل واحد بقرتين فتموت بيد واحد بقرة ثم يطرأ غريم بعشرة مثاقيل، فإن الواجب على قوله أن تنقض القسمة، ويخرج الدين من السبع بقرات الباقية ثم يقتسم الستة الباقية على الأربعة بالسوية، ولمن شاء منهم أن يخرج من ماله ما ينوبه من الدين وذلك ديناران ونصف ويجعل ما ينوبه من البقرة التي ماتت وذلك ديناران ونصف أيضًا.
والقول الرابع والخامس: هما قولا سحنون وأشهب.
وقال اللخمي: اختلف إذا كان الدين يفترق وبعض الحاضر والقسم بالقرعة، أي وقد هلك ما أخذه بسماوي. فقيل: لا يرجع من استحق ذلك من يده ولا يرجع عليه.
[ ٧ / ٢٩ ]
وقيل: يرجع عليه ولا يرجع. وقيل: يرجع ولا يرجع عليه. وبنى الأول على أن القسمة تمييز حق. قال: وهو الأقيس. والثالث على أنها بيع.
وَلَوْ طَرَأَ وَارِثُ- وَالْمَقْسُومُ كَدَارٍ- فَلَهُ الْفَسْخُ، وإِنْ كَانَ الْمَقْسُومُ عَيْنًا رَجَعَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَعْسَرَ فَعَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: مَنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْجَمِيعِ
(فَلَهُ الْفَسْخُ) أي: وله أن يكون شريكًا مع كل واحد بما ينوبه وكان له الفسخ؛ لأن الطارئ كغيره، فلو لم يكن له الفسخ لزم أن تتميز حقوقهم قبله، وذلك باطل، وإن كان المقسوم عينًا رجع كل على واحد بما يخصه، فإن أعسر بعضهم فلا يؤخذ الملي عنه إذا لم يعلم الملي. قاله ابن القاسم، ورأى أن القسمة صحيحة؛ لأنهم لم يتعدوا فلا يرجع على الملي إلا بما كان يرجع عليه به لو كانوا كلهم أملياء، وقاله أصبغ.
وقال أشهب وابن عبد الحكم: إن الطارئ يقاسم من وجد من الورثة مليًا ما صار عليه حتى كأنه لم يترك الميت غيرهما، ثم يتبعان بقية الورثة، فمن أيسر دخلوا معه وساووه، هكذا حتى يعتدلوا.
وهذا هو مراد المصنف بقوله عن أشهب: (ومَنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْجَمِيعِ).
ابن المواز: وإن ترك على هذا ابنًا وامرأة، فأخذت المرأة الثمن والابن ما بقي، ثم طرأت زوجة أخرى، فوجدت صاحبتها عديمة، والابن مليًا فلترجع على الابن بثلث خمس ما صار إليه، وهو جزء من خمسة عشر ما في يده؛ لأنه له أربعة عشر من ستة عشر، ولكل واحدة من الزوجين قسم يرجعان على الزوجة بنصف ما أخذت، وكل ما وجد عنها من ذلك، اقتسماه على خمسة عشر حتى يستوفياه.
لَوْ ظَهَرَ مُوصًى لَهُ فَإِنْ كَانَ بِنَصِيبٍ فَكَالْوَارِثِ وبِدَنَانِيرَ وشِبْهِهَا فَكَالدَّيْنِ مُطْلَقًا
أي: كانت بنصيب أو عينًا، تصور ظاهر، والأول هو المشهور.
والثاني في الموازوية وهو قول ابن حبيب.
[ ٧ / ٣٠ ]
القراض
الْقِرَاضُ إِجَارَةُ على التَّجْرِ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ.
لا خلاف بين المسلمين في جوازه، وهو مستثنى من الإجارة المجهولة ومن سلف جر منفعة، وله اسمان: القراض، والمضاربة. وكان جماعة أهل الحجاز يسمونه قراضًا، وأهل العراق يسمونه مضاربة، ولا يقولون القراض ألبتة. وحده المصنف بقوله: إجارة على التجر، فالإجارة جنس، فأخرج بالتجر الإجارة على غيره.
وقوله: (بِجُزْءٍ) أي: مشاع، فلا يجوز أن يقول: لك من الربح درهم أو نحوه كما سيأتي: وأورد على حده أنه غير مانع وغير جامع، أما عدم منعه، فلأن القراض لا ينعقد [٥٩٧/ أ] بلفظه الإجارة، فلو قال: آجرتك على التجر في هذا المال بجزء من ربحه صدق الحد عليه وليس بقراض.
وأيضًا فلو آجره على التجر إلى أجل أو قارضه بعروض لم يكن قراضًا صحيحًا. وأما عدم جمعه؛ فلأنه يجوز القراض كما سيقول المصنف على أن يكون الربح كله لغيرهما أو لأحدهما، وهو غير داخل في تعريفه.
وأجيب عن عدم منعه بأن حقيقة القراض ما ذكره، وكونه لا ينعقد بلفظ الإجارة شرطًا في الصيغة، وكذلك كونه لا يكون إلى أجل شرطًا في العمل، وكذلك لا يكون بعرض شرطًا في المال، والشرط لا يتوقف تصور الماهية عليه؛ لأنه خارج عنها وعن عدم جمعه، لأن الصورة المعترض بها إنما هي من باب التبرعات ويطلق عليها القراض مجازًا، ثم شرع المصنف في أركانه فقال:
الْمَالُ شَرْطُهُ نَقْدُ مُعَيَّنُ مَعْلُومُ مُسْلَّمُ
اشترط في المال أربعة شروط، وانظر هل أراد بالنقد الدنانير والدراهم أو مطلق العين؛ وهو الأقرب. وفي الجواهر: احترزنا بالنقد عن العرض وعن النقرة التي ليست مضروبة على أحد الروايتين. ثم أخذ يتكلم على هذه الشروط فقال:
[ ٧ / ٣١ ]
فَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَسْكُوكٍ يُتَعَامَلُ بِهِ جَازَ
لا يشترط التعامل بذلك في سائر البلاد، بل في بلد المقارضة، قاله عياض.
وقوله: جاز: اللخمي وصاحب البيان باتفاق، واستدل مالك لذلك في الموازية بأن الناس قد عملوا بالقراض قبل ضرب الدنانير والدراهم. واحترز بقوله: (يُتَعَامَلُ بِهِ) مما لو لم يتعام به، وسيأتي قول اللخمي وغيره، وتجوز المقارضة بالحلي في الأرض التي يتعاملون به فيها؛ كأرض المصامدة بالمغرب.
وَيجُوزُ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى الأَصَحِّ
مقابل الأصح لعبد الوهاب، واستثنى الباجي المسكوك منها في بلد يتعاملون بها؛ لأنها صارت هناك أصول الأثمان وقيم المتلفات، قال: وقد اتفق الأصحاب على تعلق الزكاة بها، وذلك دليل على أنها كالعين لا كالعرض. وهذا هو الذي صححه المصنف.
وَفِي التِّبْرِ والنِّقَارِ رِوَايَتَانِ وَرَجَعَ عَنْهُ
وقد تقدم أن غير المسكوك إذا كان يتعامل به تجوز المقارضة عليه، فإن هذا الخلاف إنما هو إذا كان لا يتعامل به. والروايتان بالجواز والمنع.
(وَرَجَعَ) مالك عن الجواز إلى المنع، وحكى ابن الجلاب في الحلي روايتان، قال في البيان: والمعروف المنع. وخصص اللخمي لما إذا كان يتعذر الإتيان بمثل الحلي المقارض به، وإن كان يتعذر ذلك فهو مكروه.
وفي المدونة: قال بعض أصحابنا: إن مالكًا سهل في القراض بنقار الذهب والفضة، فسألت مالكًا عن ذلك، فقال: لا يجوز.
[ ٧ / ٣٢ ]
وفي الرسالة: وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة، وأخذ بالرجوع عنه. وزاد اللخمي وغيره ثالثًا بالكراهة، على أني لم أقف على القول بالمنع إلا في النقار، لكن الظاهر لا فرق بينه وبين التبر.
فرع:
فإن وقع على المشهور ففي الموازية عن ابن القاسم يمضي بالعمل، وقال أصبغ: لا ينفسخ عمل به أم لا لقوة الاختلاف فيه.
ابن حبيب: وإذا عمل بالنقار رد مثلها عند المفاصلة، إن عرف وزنها وإن لم يعرف فرأس مال ما باعها به، وما خرج في الصرف عرفًا وزنها أو لم يعرفا، وإن وزنا وشرط ضربها أو صرفها ففعل، فللعامل أجرته في الصرف والضرب إن كان لذلك مؤنة، ثم هو فيها حصل على قراض مثله.
بعض القرويين: فالقرق بين اشتراط دافعها ضربها أو بيعها وبين عمله أن مآل أمرهما إلى ذلك إلا أن يريد أن من اشتراط بيعها إنما رأى أن القراض إنما يكون بعد نضوض المال، ومن دفعها ولم يشترط ذلك جعلها قراضًا يوم دفعت، ومثلها لا يتغير ولا يختلف لسواقها ولا يفسد القراض.
وَفِي الْفُلُوسِ قَوْلانِ
المنع لابن القاسم والجواز لأشهب.
موسى القطان: وسألني ابن سحنون عن القراض بالفلوس فذكرت له قول ابن القاسم وأشهب، فقال لي: بقي عليك. فقلت: ما هو؟ فأبى أن يخبرني، فوجدتها بعد ذلك لبعض أصحابنا إن كانت الفلوس قليلة جاز بها القراض، وإن كانت كثيرة لم يجز؛ لأن قليلها كالعين، وكثيرها كالعروض. وحكي اللخمي رابعًا بالكراهة.
[ ٧ / ٣٣ ]
المازري: ولم يقع في المدونة لفظ الكراهة، ولكن إن وقع ونزل مضى، فإن كان اللخمي أخذ القول بالكراهة من هذا فهو أخذ صحيح.
الباجي: وإذا قلنا بالمنع فوق؛ فقال محمد: القراض بالنقار أخف، والفلوس كالعروض، وهذا يقتضي الفساد، ويكون له في بيع الفلوس أجرة المثل، وفيما نض من ثمنها قراض المثل.
وقال أصبغ: وهي كالنقار، وقال ابن حبيب: هي مثله، وترد فلوسًا.
زاد غيره في قول ابن حبيب: إلا أن يشترط عليه أن يصرفها ثم يعمل بثمنها، فيكون الحكم كما فهمه الباجي من قول محمد.
فَلَوْ عَمِلَ بِالْعُرُوضِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ وَقِرَاضِ مِثْلِهِ
لا إشكال في منع المقارضة بالعروض، وفرع على المنع، وإن لم يتقدم ذلك بالتصريح؛ لأنه قدم ما يدل عليه، وهو اشتراط النقد.
ولا خلاف عندنا، وهو مذهب الجمهور في منع القراض بالعرض سواء كان مقومًا أو مثليًا؛ لأن القراض رخصة انعقد الإجماع على جوازه بالدنانير والدراهم فيبقى ما عداه على أصل المنع، وأيضًا فإن قارضه بالعرض على أن يبيعه ويكون رأس المال ثمنه فقد زاد رب المال عليه منفعة وهي بيعة العرض وإن قارضه به على أن رأس المال ذلك العرض ويرده عند المفاصلة فهو غرر لاحتمال أن يغلو العرض عند المفاصلة [٥٩٧/ ب] غلاء يستغرق الربح فيؤدي إلى بطلان عمله، أو يرخص فيأخذ العامل بعض رأس المال، وكذلك إن قارضه على أن رأس المال قيمته الآن أو عند المفاصلة.
وقيد اللخمي المنع بما إذا كان في بيع العرض كلفة، وكذلك أجرة لها خطب، قال: وإن كانت الأجرة لا خطب لها أو يعلم أنه كان يتكلف ذلك له ولو لم يعطه إياه قراضًا أو يقول له: كحلف من يبيع ويأتيك بالثمن فيكون قراضًا جاز.
[ ٧ / ٣٤ ]
المازري: وذكروا أنهم وجدوا وثيقة بخط الشيخ أبي محمد بن أبي زيد أنه إذا دفع لرجل عرضًا وقال له: بعه ولك دينار، فإذا قبضت ثمنه فاجعله قراضًا.
وما في هذه الوثيقة من التخيل على جواز القراض بالعرض على الوجه الذي ذكر، وتأول بعضهم عليه أن يكون بنى على أحد القولين في اجتماع جعل وإجارة الإجارة في البيع والجعل في القراض، وفيه نظر؛ لأن الجعل لا يجوز في الكثير بل في القليل فيلزه أن يقيد في الوثيقة هذا الوجه لو قصد بالقليل، ولو كان قصده أيضًا الإجارة لضرب لها أجلًا.
المازري: ولو دفع رجل عدد كتان أو رزمة متاع، وقال: خذ هذا العرض وامض به إلى البلد الفلاني فادفعه إلى فلان يبعه ويقبض ثمنه لنفسه، فإذا قبض ثمنه فخذه منه واعمل به قراضًا بيني وبينك؛ فإن ذلك جائز بلا خلاف ولا يدخله القراض بالعروض؛ لأن المدفوع إليه العروض لا يتولى البيع بنفسه، فقوله: (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ وَقِرَاضِ مِثْلِهِ) هو مذهب المدونة.
ابن المواز: ولا فرق في ذلك بين أن يقول: خذ هذه العروض قراضًا أو بعضها واعمل بثمنها قراضًا، ولا شك أن هذه الصورة من القراض الفاسد وسيأتي الخلاف في ذلك.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ عَلَى دَيْنٍ وَقَارَضَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ عَلَى صَرْفِهِ
أي: ومثل العرض في عدم الجواز ابتداء وأنه إن وقع كان له أجر المثل ثم قراض المثل ما إذا وكله باقتضاء دين وقارضه به، وقيده اللخمي بما إذا كان على غائب يحتاج إلى المضي إليه أو على حاضر معسر، وإذا كان على حاضر موسر فليس إلا اجتماع العامل به فيقبضه فهذا جائز؛ إذ لا فرق حينئذ بين قبضه منه أو من ربه وكذلك لو وكله على صرفه، فله أجر الصرف ثم قراض المثل وهكذا في المدونة، وقيد ذلك فضل بما إذا كان الصرف في البلد له بال؛ وأجاز ذلك أشهب.
[ ٧ / ٣٥ ]
اللخمي: يريد إذا كانت أجرة البيع لا خطب لها، وإن كان لها قدر لم يجز إلا أن يكون المقارض لا يتولى بيعها وإنما يجلس عند من يتولى له ذلك فيجوز. وكذلك نقل فضل عن مالك من رواية أشهب أنه يرد إلى قراض مثله ويعطي أجرة صرفه إلا أن يكون لا بال للصرف فيمضي، أما إن أعطاه الذهب ليصرفه ورأس المال الدنانير، وإنما اشترط عليه الصرف؛ لأن ذلك من جنس النظر، فإن ذلك جائز وإن كان على رأس المال هو الدراهم فمنعه ابن القاسم وأجازه أشهب، وتأوله اللخمي على أن أجرة البيع لها الشيء اليسير، قال: وإغن كان له قدر لم يجز إلا أن يكون المقارض لا يتولى بيعها، وإنما يجلس عند من يتولى بيعها فيجوز.
وَلا يَجُوزُ بِدَيْنٍ وَلَوْ أَحْضَرَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ ويَسْتَمِرُّ دَيْنًا خِلافًا لأَشْهَبَ
لما فرغ مما يتعلق بالقيد الأول شرع فيما يتعلق بالقيد الثاني، وهو قوله معين؛ لأن الدين ليس بمعين فلا يجوز لرب الدين أن يقول للمديان منه: اعمل بالدين الذي في ذمتك قراضًا.
مالك في المدونة: ولو أحضره إلا أن يقبضه منه ويعيده عليه. ابن القاسم: مخافة أن يكون أخره بذلك ليزيد فيه.
اللخمي: لأنهما قد يظهران ويظنان أن يأتيه بربح من ذمته فيكون فسخ دين في دين.
اللخمي والمارزي: ويتنزل منزلة القبض إحضاره مع الإشهاد.
واختلف إذا عمل العامل قبل أن يشهد على براءة ذمته فأتى بربح أو كان فيه خسارة ففي الموازية: الربح للعامل والخسارة عليه.
وقال أشهب: الربح بينهما. هكمذا نقل اللخمي والتونسي عن أشهب، ثم اختلفا في التأويل عليه، قال اللخمي: على قوله تكون الخسارة من صاحب المال. وقال التونسي: لا يصدق على قوله إن ادعى الخسران؛ لأن ذمته لا تبرأ إلا ببينة.
[ ٧ / ٣٦ ]
ولعل هذين التأويلين مبنيان على الخلاف فيمن أخرج من ذمته إلى أمانته. وحكي ابن يونس وابن رشد وغيرهما عن أشهب أنه قال: هو مكروه نعم؛ فإن نزل مضى. وهو ظاهر ما نقله المصنف عنه؛ لأن قوله: (ويَسْتَمِرُّ دَيْنًا) خلافًا لأشهب يقتضي أنه عنده لا يستمر دينًا بل يبقى قراضًا، وحكى ابن عبد البر عن أشهب أن ما اشترى وباع فلرب المال وللعامل أجرة مثلهن وحكى ابن حارث عن ابن عبد الحكم أن الربح بينهما والخسارة على رب المال على أصل القراض، وهذا مثل قول أشهب بالكراهة.
وقال القاضي عبد الوهاب في الغاصب يرد المال فيقول ربه: لا أقبضه ولكن اعمل به قراضًا، إنه جائز.
الباجي: ويحتمل ألا يكون هذا خلافًا لقول ابن القاسم ويفرق بينهما؛ لأن الغاصب أحضر المال متبرعًا بالدين ولعله اتفق معه على إحضاره ليرده أيضًا قراضًا، ولو جاء متبرعًا لكان مثل الغاصب.
ابن زرقون: والأقرب أن قوله خلافًا لقول ابن القاسم.
قوله: (مَا لَمْ يَقْبِضْهُ) يقتضي أن مجرد القبض يصح القراض حينئذ، وكذلك مقتضى المدونة.
أبو الحسن: جعل التهمة هنا تزول بالقبض وإن أعاده إليه بالقرب أو نص في الصرف على أن من قضى لرجل دينًا له، فإنه لا يعيده سلمًا [٥٩٨/ أ] في طعام بقرب ذلك، ونص فيه أيضًا على أن من أسلم إلى رجل دراهم ثم قضاه دينًا له عليه بحدثان ذلك، إن ذلك لا يجوز، وفي السلم الأول مثل ما ذكر في القراض؛ لأنه قال فيمن له على رجل دين، فقال: أسلمه في طعام لم يجز حتى يقبضه منه ثم يرده. والفرق بين القراض والسلم وبين مسألتي الصرف أنه في مسألتي الصرف دفعه من ذمة إلى ذمة، وفي القراض والسلم دفعه من ذمة إلى أمانة. انتهى.
[ ٧ / ٣٧ ]
ولما ذكر في البيان هذه المسألة وأن التهمة ترتفع بمجرد القبض قال: ويتخرج فيها قول آخر: إنه لا يعيده إليه في المجلس ولا فيما قرب منه كاليوم واليومين والثلاثة كما قال في مسألة الصرف.
وَلا فِي الرَّهْنِ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ
لأن الرهن إذا كان بيده هو كالدين أو كالوديعة، وإن كان بيد أمين فكأنه اشترط عليه زيادة التقاضي. قال في الموازية: ولا يجوز أن يقارض له الأمين؛ لأنه وديعة عنده ولا خفاء أن قوله ولا في الرهن بيده أو بيد أمين مقيد بما إذا لم يقبضه صاحبه، وحذف المصنف ذلك دلالة لما قبله وقد صرح صاحب النوادر بهذا التقييد.
وَلا بِالْوَدِيعَةِ، وقِيلَ: يَمْضِي بِالْوَدِيعَةِ
في الوديعة أقوال:
الأول: مذهب المدونة أن الوديعة كالدين، فلا يجوز القراض بها إلا بإحضارها وقبضها.
ابن القاسم: لأني أخاف أن يكون أنفقها فصارت عليه دينًا.
الثاني: أنه يكره ابتداء فإن وقع مضى وإن لم يحضره والربح بينهما ويصدق في التلف، وهو لمالك في العتبية، وهذا القول هو القول الثاني.
والثالث: لابن القاسم في الموازية: إن أحضرها جاز. وفرق ابن حبيب فكره ذلك من غير الثقة لا الثقة.
وَلا يَجُوزُ بِمَجْهُولِ الْوَزْنِ
هذا راجع إلى القيد الثالث، وهو قوله: (مَعْلُومُ) ولا خفاء في عدم الجواز بالمجهول، كدفعه صرة دراهم مجهولة الوزن؛ لأن الجهل برأس المال يؤدي إلى الجهل بالربح.
[ ٧ / ٣٨ ]
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ يَدَهُ أَوْ مُرَاجَعَتَهُ أَوْ أَمِينًا عَلَيْهِ
هذا راجع إلى القيد الرابع: وهو قوله: (مُسَلَّمُ) أي: لا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن يراجعه أو يجعل عليه أمينًا؛ لأن في ذلك عدم الائتمان ومخالفة للسنة في القراض، والتحجير عليه في التجارة، والضمير في يده عائد على رب المال فيوافق ما بعده، والعلة في ذلك كما في اشتراط مراجعته أو اشتراطه أمينًا عليه، فإن قيل: هل يمكن إعادة الضمير على العامل؟
قيل: فيه بعد؛ لأن المصنف سيتكلم على اشتراط عمل العامل.
قال في المدونة: وإن عمل رب المال من غير شرط كرهته إلا في العمل السير. وقال في الموطأ: لا بأس أن يعين كل واحد من المتقارضين صاحبه على وجه المعروف إذا صح ذلك بينهما.
وَفِي اشْتِرَاطِ غُلامِهِ مَعَهُ بِنَصِيبٍ قَوْلانِ
أي: القول بالجواز لمالك في الموطأ وابن القاسم وابن وهب وغيرهم، وهو المعروف من المذهب، والمنع لمالك في الموازية قديمًا. وللجواز شرطان:
الأول: أن يكون الربح للعبد لا للسيد.
الثاني: ألا يقصد السيد بذلك أن يكون العبد عينًا له على العامل وليعلمه.
الْعَمَلُ تِجَارَةُ غَيْرُ مُضَيَّقَةٍ بِالتَّعْيِينِ أَوْ بِالتَّاقِيتِ.
هذا هو الركن الثاني، وشرط فيه شرطين.
الأول: أن يكون تجارة، وهي طلب الربح بالبيع والشراء احترازًا من أن يعطيه ما لا يصنع فيه صنعة، فإن ذلك خارج عن سنة القراض كما سيقول المصنف.
[ ٧ / ٣٩ ]
والشرط الثاني: أن تكون التجارة غير مضيقة بالتعيين أو بالتأقيت احترازًا من أن يأمره بشراء سلع يقل وجودها أو من بلد خاص ونحوه، ومما لو وقت عليه التجر للغرر حينئذ وخروجه عن سنة القراض.
فَلا يَجُوزُ عَلَى أَنْ يَخِيطَ أَوْ يَخْرِزَ أَوْ يُشَارِكَ أَوْ يَخْلِطَ أَوْ يُبَضِّعَ أَوْ يَزْرَعَ أَوْ لا يَشْتَرِيَ حَتَّى يَبْلُغَ بَلَدَ كَذَا، وقَالَ: يَقُودُهُ كَمَا يُقَادُ الْبَعِيرُ ..
عطفه بالفاء ليرتبه على ما قبله، أي فبسبب اشتراطنا في العمل أن يكون تجرًا لا يجوز على نحو أن يخبط أو نحو ذلك، كما إذا قيل: أنت تعرف الخياطة أو الخرز، ولا مال لك، فخذ هذا المال واشتر به ثيابًا أو جلودًا والربح بيننا، وعلة منع ذلك واضحة، وهي أن رب المال ازداد عمل العامل، ولكن ذلك خارج عن سنة القراض ومؤدٍ إلى الإجارة المجهولة.
فرع:
فإن وقع ففي المدونة: يكون أجيرًا والربح لرب المال والوضيعة عليه.
وفي الموازية: هما على قراضهما. وقاله ابن وهب وضعف؛ لأن فيه إجارة صنعة بجزء من الربح وهو مجهول، وقال أشهب: له أجر مثله فيما عمل، وفيما سوى ذلك قراض مثله.
وقال ابن نافع: فيما سوى عمل يده الأقل من المسمى أو قراض المثل كان متممًا لما في المدونة، ويكون أحق بما عمل من الغرماء حتى يأخذ إجارته، يريد إجارته فيما عمل لا في القراض، قاله الشيخ أبو محمد.
قوله: (أَوْ يُشَارِكَ أَوْ يَخْلِطَ أَوْ يُبَضِّعَ أَوْ يَزْرَعَ) هذه الأمثلة الأربعة بيان لما احترز عنه بقوله: (غَيْرُ مُضَيَّقَةٍ) أي لا يجوز أن يشترط رب المال على العامل أن يشارك غيره ولا أن يخلطه العامل بمال من عنده.
[ ٧ / ٤٠ ]
وهذا هو المشهور في الموازية، لا بأس به في الخلط. وقال أصبغ: لا يعجبني هذا إلا أن يقل مال العامل؛ كالخمسة دنانير أو العشرة مما لا يعني به كثرة البيع، فإن نزل أمضيته على قراضهما، وعلى المنع إذا فات، فله أجر مثله؛ لأنها زيادة صحبت المال، وقيل قراض مثله؛ لأن الزيادة لم تخرج عن المال.
قوله: (أَوْ يُبَضِّعَ) أي لا ويجوز أن يشترط رب المال على العامل أن يبضع أي أن يرسل مالًا مع غيره للتجارة؛ لأن رب المال ينتفع بوجاهة العامل الدينية أو الدنيوية. وفي المدونة: ولا يبضع [٥٩٨/ ب] العامل من بضاعة، فإن فعل ضمن، ولو أذن له رب المال في ذلك جاز ما لم يأخذه على ذلك.
قوله: (أَوْ يَزْرَعَ) هكذا منع اشتراط الزرع في المدونة، وهذا لأن رب المال ازداد عليه عمل العامل في الزرع، ولا يصنع شيئًا بيده فينبغي أن يجوز إلا أن يكون العامل ممن له وجاهة أو يكون الزرع مما يقل في تلك الناحية، وقد حكى ابن شعبان في اشتراط الزراعة قولين بالجواز والكراهة.
وقوله: (أَوْ لا يَشْتَرِيَ حَتَّى يَبْلُغَ بَلَدَ كَذَا) هذا بيان ما احترز عنه من التأقيت، وهذا مذهب المدونة، وفي العتبية: لا بأس به.
وقوله: وقال إلى آخره: فاعل قال عائد على مالك، وهو التعليل للمسألة الأخيرة كذا هو في المدونة.
وَلا بَعْدَ الشِّرَاءِ لأَنَّهُ كَقَرْضٍ بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ، ولَهُ رِبْحُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ
وهو معطوف على أن يخيط، وهذه مسألة المدونة، ففيها: ولو ابتاع سلعة ثم سأل رجلًا أن يدفع إليه مالًا ينقده فيها، ويكون قراضًا بينهما، فلا خير فيه، فإن ترك لزمه رد المال لربه، وما كان فيه من ربح أو وضيعة فله وعليه، وهذا معنى قول المصنف: (ولَهُ
[ ٧ / ٤١ ]
رِبْحُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ) أي: للعامل، وعلل ذلك في المدونة بما علل به المصنف فقال: وهو كمن أسلفه رجل ثمن سلعة على أن له نصف ربحها، وقال فيها أيضًا فيمن ابتاع سلعة فعجز عن بعض ثمنها، فأتى إلى رجل فأخذ منه قراضًا وهو يريد أن يدفعه في بقية ثمنها: لا أحب ذلك وأخاف أن يكون قد استغلها.
قال في الموازية: وإن لم يكن لغلاء أجزته وأكره العمل به ابتداء. وقاله أصبغ ومحمد فيما إذا لم يخبر رب المال بما اشترى، وعارض سحنون بين مسألتي المدونة، وأجاب أبو محمد بأن المسالة التي ذكرها المصنف قد سمى أنه ابتاع سلعة فكأنه دخل على السلف، والتي عجز عن بعض ثمنها لم يذكر له ذلك، فلم يدخل على السلف.
فرع:
ولو أخذ المال قبل الشراء جاز إذا لم يسم السلعة ولا البائع، قاله ابن المواز. قال غيره: ويجوز لو قال له: قد وجدت سلعة رخيصة فادفع لي مالًا قراضًا لأشتريها به، وقد فعله عثمان ﵁.
ابن حبيب: يكره أن يؤخذ المال قراضًا على أن يشتري من رفقة نزلت معهم ومعها تجارة، فإذا وقع مضى على شرط الربح.
ولا بِتَعْيِينِ صِنْفٍ يَقِلُّ وُجُودُهُ أَوْ شَخْصٍ لِلْمُعَامَلَةِ أَوْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ
هذا أيضًا معطوف على (أَنْ يَخِيطَ) ولو ذكر المصنف هذا قبل قوله: (وَلا بَعْدَ الشِّرَاءِ) لكان أحسن في التصنيف؛ لأن الذي ذكره هنا إنما يرجع إلى التعيين والتأقيت.
وَعَلَيْهِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ نَشْرٍ وَطَيِّ وَنَقْلٍ خَفِيفٍ، وَلَوِ اسْتَاجَرَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ
[ ٧ / ٤٢ ]
أي: على العامل من العمل ما جرت العادة به أن التاجر يتولاه ولا يستأجر عليه، (وإن اسْتَاجَرَ عَلَيْهِ) أي: على ما جرت العادة بتوليته، (فَعَلَيْهِ) أي: في ذمته لا في نصيبه من الربح.
الرِّبْحُ: شَرْطُهُ: عِلْمُ الْجُزْئِيَّةِ فَلا يَصِحُّ: ولَكَ دِرْهَمُ
هو ظاهر، واختلف إذا وقع ذلك، ففي الموازية عن مالك وأصحابه: إن ترك ذلك مشترطه بعد العمل صح، وتماديا عليه وأنكره يحيى.
وَلَوِ اشْتَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ لأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا جَازَ
ابن عبد السلام: تصوره ظاهر، وإنما يكثر فعلهما من أهل الخير.
خليل: ولا أعلم في اشتراط الربح كله لأحدهما خلافًا في المذهب، على أن الباجي قال: هو مشهور المذهب، وحيث شرط الربح للعامل، فإن قال: اعمل فيه ولك ربحه وضمانه من العامل؛ لأنه كالسلف.
اللخمي: إلا أن يقول: ولا ضمان عليك. وإن قال: اعمل به قراضًا، فالمشهور أن ضمانه من رب المال خلافًا لسحنون، ورأى في المشهور أن لفظ القراض يغني عن اشتراط سقوط الضمان.
اللخمي: وهو أصوب، وإن اشترط الربح لغيرهما فلا ضمان على العامل.
ابن عبد السلام: وهل يلزمهم الوفاء بذلك إن كان المشترط له معينًا، فأصل المذهب أنه يلزم الوفاء به، ويقضي به على الملتزم إن امتنع، وإن كان غير معين كالمساكين، فالمشهور أنه لا يقضي به إن امتنع، وعلى ما في الموازية ينبغي أن يقضى به.
خليل: والمشهور مذهب المدونة؛ لأن فيها إذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين جاز ذلك، ولا أحب لهما الرجوع فيه، ولا يقضى بذلك عليهما.
[ ٧ / ٤٣ ]
وَإِنْ تَرَاضَيَا بَعْدَ الْعَمَلِ عَلَى أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ
أي: إذا تعاقدا على جزء ثم بعد العمل تراضيا على جزء أقل من الأول أو أكثر جاز مطلقًا؛ لأن ذلك هبة من أحدهما للآخر، وهكذا مذهب المدونة، وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك إن كان المال عينًا وفيه ربح ووضيعة وكان في سلع وما نقص مساويًا، وأما لو كان قبل العمل فاتفق على الجواز، فقول المصنف بعد العمل تنبيه منه بالأخف على الأشد؛ لأنه إنما نص على موضع الإشكال، وأما قبله فلا إشكال فيه لعدم لزومه بالعقد، وقول ابن القاسم أبين؛ لأن المال إن كان عينًا فكأنهما الآن ابتديا بالعقد، لأن القراض لا يلزم بالعقد، وإن كان في سلع فهي هبة من أحدهما للآخر، ووجه قول ابن حبيب أنه إن كان المال عينًا وفيه ربح أو خسارة فقد ملكا قسمته، فكأن أحدهما زاده للآخر لبقاء الأمر، وكذلك إن كان في سلع؛ إذ قد يدعو أحدهما إلى بيعها فكأنه زاده لتماديه في القراض، وإذا فرعنا على الجواز فإن كانت الزيادة للعامل، فالعامل أحق بها [٥٩٩/ أ] في الموت والفلس لقبضه لها، وإن كانت لرب المال فقيل: يبطل لعدم الحوز.
وخرج اللخمي قولًا بالصحة على القول أن الهبات إذا لم تكن تهمة لا تبطل؛ لأن التراخي إنما كان لعدم إتيان وقت المفاصلة.
قال صاحب المعين: ومال المتأخرون والموثقون إلى النفوذ، وقال بعض من مال إلى مذهب ابن حبيب: إن هبة رب المال للعامل وبالعكس لا يتجوز، وقد أجاز محمد ترك العامل النفقة بعد شغل المال ولم يجز ذلك له قبل شغله؛ لأنه يصير حينئذ كأنه قارضه على شرط إسقاط النفقة من أجل أن عقد القراض منحل قبل شغل المال.
وَلَوْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَمَلَ غُلامِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ دَابَّتِهِ فِي الْمَالِ خَاصَّةً جَازَ.
هكذا قال مالك، ووجهه أن المنفعة لهما، وحكى ابن المواز أن قول مالك اختلف في اشترط العامل عون غلام رب المال واختار ابن المواز الجواز.
[ ٧ / ٤٤ ]
وذكر ابن زرقون أنه يجوز إذا كان المال كثيرًا كما قالوا في المساقاة: يجوز اشتراط عون الغلام في الحائط الكبير دون الصغير، ويشترط على الجواز ألا يقصد بالغلام أن يكون عينًا له أي لرب المال كما تقدم، والجواز في الدابة أظهر؛ لأنه لا يخشى منها أن تكون عينًا.
والرِّبْحُ شِرْكُ وَلا عَادَةَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قِرَاضُ الْمِثْلِ، وقِيلَ: النِّصْفُ
(والرِّبْحُ شِرْكُ) جملة حالية عاملها محذوف، وتقديره: وإذا قال: اعمل في حال كون الربح شركًا.
(وَلا عَادَةَ) حال أخرى.
(فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) في المدونة: قراض المثل إن عمل، هكذا في المدونة، لا كما يعطيه ظاهر كلام المصنف، من وجوب قراض المثل قبل العمل؛ لأنه قبله يفسخ، وقد نقل اللخمي عن ابن القاسم فيما إذا قال: الربح شرك أن القراض فاسد، وقال غير ابن القاسم في المدونة: هو صحيح وله النصف؛ وهو لابن الماجشون.
اللخمي: والأول أحسن؛ لأن الشرك ينطبق على أن له النصف أو أقل أو أكثر، فيكون مجهولًا.
ورأى غيره الشرك يقتضي التساوي؛ ولأنه الغالب من قراض الناس، ووقع في بعض النسخ والربح مشترك، وليست بظاهرة؛ لأن لفظة مشترك تفيد التساوي عرفًا، فليس فيه خلاف، هكذا أشار إليه أبو الحسن وابن عبد السلام وغيرهما.
وقوله: (وَلا عَادَةَ) يريد: وأما لو كانت عادة من نصف أو ثلث العمل عليهما، وهكذا قال ابن شاس.
وَلَوْ دَفَعَ مَالَيْنِ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ قَبْلَ شُغْلِ الأَوَّلِ بِجُزْأَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنِ شَرَطَ الْخَلْطَ جَازَ وَإلاَّ فَلا؛ وقيل: وإِلا فلا فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ ..
يعني: (لَوْ دَفَعَ) رب المال للعامل (مَالَيْنِ) إما دفعة أو دفعتين لكن أعطاه الثاني قبل شغل الأول في سلع، (فَإِنِ شَرَطَ) خلطهما جاز كان بجز متفق أو بجزأين؛ لأن ذلك آيل إلى الجزء المعلوم، كما لو دفع مائة على الثلث ومائة على النصف بشرط الخلط.
[ ٧ / ٤٥ ]
ابن يونس: وحساب ذلك أن ينتظر أقل عدد له نصف وثلث وذلك ستة، وقد علمت أن للعامل من ربح أحد المالين نصف ومن الآخر ثلث، فخذ له نصف الستة وثلثها وذلك خمسة، ولرب المال نصف ربح المائة الواحدة وثلث ربح الأخرى، فخذ له نصف الستة وثلثها وذلك سبعة، واجمع ذلك من الخمسة التي صحت للعامل، فتكون القسمة بينهما من اثني عشر، قال: وقد غلط في حسابها ابن مزين وجعلهما يقتسمان الربح على سبعة أجزاء.
قوله: (وَإلاَّ فَلا). أي: وإن لم يكن بشرط الخلط فلا يجوز أي سواء كان بجزء واحد أو بجزأين مختلفين، ويجوز في المتفقين وهذا قول محمد.
ابن يونس وغيره: وهو ظاهر المدونة؛ لأنه لا يتهم أن يعمل في أحدهما دون الآخر لاستواء نصيبه فيهما. ونسب اللخمي وابن شاس القول الذي قدمه المصنف لابن حبيب، وعلى هذا فتقديم المصنف له ليس بظاهر.
وَلَوْ شَغَلَ الأَوَّلَ فَإِنْ شَرَطَ الْخَلْطَ امْتَنَعَ، وَإِلَّا جَازَ، وَرُوِيَ: لا يُعْجِبُنِي فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ.
يعني: وإن دفع إليه المال الثاني بعد شغل الأول، فإن شرط خلطه بالأول امتنع سواء كان بجزء واحد أو بجزأين مختلفين، وعلله في المدونة بأنه قد يخسر الثاني فيلزمه أنيجبره بما ربح في الأول. قال: ولو كانت قيمة سلع الأول كرأس المال؛ لأن الأسواق قد تحول. وكأنه رأى أن ذلك آيل إلى اشتراط رب المال الزيادة على العامل.
قوله: (وَإِلَّا جَازَ) أي وإن لم يشترط جاز، وظاهره سواء اشترط عدم الخلط أو سكتا لعدم جبر أحد المالكين بالآخر.
وقوله: (وَرُوِيَ) أي: عن مالك (لا يُعْجِبُنِي فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ) لأن الاختلافيوجب التهمة بخلاف ما إذا تساوى الجزءان، وهذه رواية أشهب في الموازية.
[ ٧ / ٤٦ ]
وَلَوْ نَضَّ الأَوَّلُ بِرِبْحٍ أَوْ خَسَارَةِ- لا مُسَاوِيًا - لَمْ يَجُزْ أَخْذُ قِرَاضٍ آخَرَ مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ الرِّبْحِ ومُوَافَقَةِ الْجُزْءِ وعَدَمِ الْخَلْطِ، ويَجُوزُ فِي الْمُسَاوِي بِجُزْءٍ الأَوَّلِ ..
أي: (وَلَوْ نَضَّ) المال (الأَوَّلُ) وأراد أن يعطيه قراضًا آخر فله حالتان:
الأولى: أن ينض غير مساو، إما بربح أو خسارة.
والثانية: أن ينض مساويًا فلا يجوز في المال الأول أخذ قراض آخر مطلقًا عند ابن القاسم في المدونة، ونعني بالإطلاق سواء كان على شرط الخلط أم لا بجزأ موافق أو مخالف؛ لأنه إن كان بربح فقد ملك العامل الرد، فيرغبه في الثاني على البقاء، فهو انتفاع منه، وأخرى إن نض ينقص؛ لأنه يرجو جبره بالثاني.
وقال غير ابن القاسم في المدونة ما ذكره المصنف بقوله: (وقِيلَ ) وحاصله أن هذا القائل يرى الجواز بثلاثة شروط: وجود الربح، [٥٩٩/ ب] وموافقة الجزء، وعدم الخلط، ولم ير هذا القائل أنه يحصل لرب المال والحالة هذه منفعة؛ لأنه لما اشترط عدم الخلط صح للعامل أن ير المال الأول إلى ربه متى شاء ويأخذ ربحه، واختار اللخمي هذا القول.
قوله: ويجوز في المساوي: هذه هي الحالة الثالثة.
وقوله: (بِجُزْءٍ الأَوَّلِ) نحوه في المدونة ففيها: وإن اتجر في الأول وباع فنض بيده ثم أخذ الثاني فإن كان باع رأس المال سواء جاز أخذه للثاني على مثل جزء الأول لا أقل ولا أكثر.
واختلف في معناه، فقال ابن يونس: يريد إذا كان على شرط عدم الخلط وأما على الخلط فيجوز بجزء موافق أو مخالف.
وكذلك قال ابن المواز، وقال الشيخ أبو محمد: معناه على الخلط، ولو كان على ألا يخلط لا يجوز، وإن اتفقت الأجزاء وكذلك روى أبو زيد.
[ ٧ / ٤٧ ]
وكأن المصنف اعتمد على ما قدمه فيما إذا دفع مالين قبل شغل الأول؛ إذ لا فرق في المعنى بين عدم شغل الأول أو نضوضه بعد شغله.
تنبيه:
هذه المسألة وهي قوله: (ويَجُوزُ فِي الْمُسَاوِي بِجُزْءٍ الأَوَّلِ) وقعت في نسختي وغيرها، ووقعت في نسخة ابن راشد وابن عبد السلام بعد قوله (وَلَوْ شَرَطَ زَكَاةَ الرِّبْحِ .. إلى آخره) واعترض ابن عبد السلام عليها، وقال: حق هذه أن تكون بإثر الأولى، والله أعلم.
وَلَوْ شَرَطَ زَكَاةَ الرِّبْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ لأَنَّه رَجَعَ إِلَى جُزْءِ مَعْلُومٍ، وَقَدْ تُعُقِّبَ إِطْلاقُهُ، وقُيِّدَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نِسْبَتَهُ، وإِنْ لَمْ تَجِبْ ..
فاعل (شَرَطَ) يعود إلى العامل وعلى رب المال، وفاعل (جَازَ) عائد على الشرط المفهوم من السياق، والتقدير: ولو شرط أحدهما على الآخر زكاة الربح جاز الاشتراط، وإذا جاز الاشتراط جاز العمل به؛ لأن ذلك يرجع إلى جز معلوم، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وروايته عن مالك في الأسدية: لا يجوز اشتراط الزكاة على أحدهما.
وفي المسألة قول ثالث: جواز اشتراطهما على العامل دون العكس، قاله مالك في المساقاة.
ابن رشد وابن زرقون: والباب واحد. وإلى ذلك أشار الباجي أيضًا، والرابع عكس الثالث، وخرجه ابن رشد وغيره.
وقوله: (وَقَدْ تُعُقِّبَ إلى آخره) أي: تعقب إطلاقه في المدونة الجواز؛ لأنه مؤد إلى القراض بجزء مجهول؛ لأنه إن وجبت الزكاة يكون كمن اشترط عليه أربعة أعشار وثلاثة أرباع عشر، وإن لم تجب يكون له خمسة أعشار، ولأنه لا يدري هل ينض قبل
[ ٧ / ٤٨ ]
الحول فلا تجب الزكاة أو بعده فتجب؟ وأجيب بأنه يرجع إلى جزء معلوم؛ لأن المراد أن لمشترط الزكاة ربع عشر الربح ثم يقتسمان ما بقي كما لو اشترط أحدهما ثلث الربح مثلًا لأجنبي وأبى من أخذه فإنه لمشترطه منهما، وعلى هذا، فقوله: (تَجِبْ) من الوجوب، وفي بعض النسخ من الحسبان ومعناه: وإن لم تجب الزكاة من الفقراء بتقدير النصاب أو عدم الحول.
خليل: وهذا الجواب ضعيف؛ لأن غايته أنهم نفوا الجهالة من جانب المشترط عليه ولم ينفوها عن المشترط؛ لأن المشترط يبقى مرة يأخذ النصف فقط، ومرة يأخذه وقدر الزكاة، فانظره.
وأجاب صاحب المقدمات بجواب آخر وهو: حمل المال على الغالب من المال لا يقبض قبل الحول، وأنه إن كان أقل من النصاب فهما يرجوان بلوغه النصاب.
ابن عبد السلام: وهذا الجواب مع ضعفه خير من الأول لما يلزم على الأول من النزاع حين المفاصلة في قسمة الربح إذا أسقط الزكاة عن الربح. وقد ذكر بعضهم أن الخلاف الذي في المساقاة يجري هنا، هل يكون ربع العشر لرب المال وحده؟ أو له وللعامل سواء بينهما؟ أو يتحاصان فيه بحساب ما لهما من الربح كله على تسعة وثلاثين جزءًا: لرب المال عشرون، وللعامل تسعة عشر؟ واحترز المصنف بقوله: (زَكَاةَ الرِّبْحِ) من زكاة المال كله؛ فإنه لا يجوز اشتراط زكاته كله على العامل.
صاحب البيان وغيره: باتفاق؛ لأن ذلك زيادة ازدادها رب المال على العامل.
وَيُجْبَرُ الْخُسْرَانُ- وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ- بِالرِّبْحِ، مَا لَمْ يَتَفَاصَلا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُقْبَضُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَوْ أَعْلَمَهُ بِنَقْصِ الْمَالِ واقْتَسَمَا الرِّبْحَ وَقَالَ: اعْمَلْ بِمَا بَقِيَ- كَانَ مُؤْتَنَفًا ..
يعني: إذا تجر فخسر ثم ربح فإن الخسران يجبر بالربح، وإنما يقتسمان ما زاد على أصل المال؛ لأن هذه سنة القراض ولا خلاف في ذلك.
[ ٧ / ٤٩ ]
قال في المدونة: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده أو خسره أو أخذه اللصوص ظلمًا لم يضمنه العامل، إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما ربح فيه أصل المال الأول، وما بقي بعد رأس المال يكون بينهما على ما شرط. ولو كان العامل قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال. ففعل وأسقط الخسارة فهو أبدأ على القراض الأول، وإن حاسبه وأحضره العامل، قال رب المال: اعمل حتى تجعل ما بقي من رأس المال ما لم يقبضه منه.
فإن قلت: فتخصيص المصنف بقبول العمل مشعر بأن الربح لا يجبر ما تلف بعد العمل، فهو خلاف ما نص عليه في المدونة.
قيل: لا نسلم ذلك بل يفهم من كلامه والجبر بعد العمل من باب الأحرى؛ لأنه إذا جبر ما تلف قبل العمل مع أن المال حينئذ كوديعة لعدم لزوم عقد القراض، فلأن يجبر من بعد العمل من باب أولى.
وقوله: (بِالرِّبْحِ) متعلق بـ (يُجْبَرُ) وجعل المصنف غاية هذا الجبر المفاصلة. واختلف بماذا تكون المفاصلة؟ فرأي ابن القاسم كما حكيناه عنه لابد في ذلك من القبض.
اللخمي: زاد أصبغ على باب الصحة والبراءة، وحكى ابن حبيب [٦٠٠/ أ] عن مالك وربيعة والليث ومطرف وابن الماجشون عمن لقيه من أصحاب مالك أنه إذا أخبره بما نقص من رأس المال، وقال له: اعمل بما بقي وأسقط عنك ما ذهب إنه قراض مؤتنف.
المازري: وهذا الذي نقله ابن حبيب عن هؤلاء الفقهاء رأيت ابن المواز نقل عنهم خلافه في الموازية، وما حكاه ابن حبيب هو القول الثاني في كلام المصنف، واختاره غير واحد وهو الأقرب؛ لأن الأصل إعمال الشروط عملًا بقوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم ما لم يعارض ذلك نص.
[ ٧ / ٥٠ ]
وقوله: (وَيُقْبَضُ): جملة تجري مجرى التفسير لقوله: (يَتَفَاصَلا)، وليست تفسيرية حقيقة؛ لأن جملة التفسير لا تعطف.
فرع:
قال في المدونة: وليس ما استهلك العامل منه مثل ما ذهب، لأن ما استهلكه قد ضمنه، هذا نص التهذيب، زاد في الأمهات: وما بقي في يد العامل فهو الذي على القراض، وإن تلف نصف المال فالنص الثاني هو رأس المال.
أَمَّا لَوِ اشْتَرَى بِجَمِيعِهِ فَتَلِفَ قَبْلَ إِقْبَاضِهِ فَأَخْفَرَهُ لَمْ يُجْبَرِ التَّالِفُ
أما للتفصيل: أي ما ذكرناه من جبر الخسران بالربح إنما هو إذا بقي بعض المال أما لو تلف جميعه، وقد كان اشترى به سلعة ولم يدفعه فيها فأخلف ربه فلا يجبر المال الثاني التالف؛ لأن الأول قد انقطعت المعاملة بينهما فيه، والثاني كابتداء قراض.
وقوله: فأخلفه: يفهم منه أنه موكول إلى اختياره، وقد صرح بذلك في قوله:
فإِنْ لَمْ يُخْلِفْ فَالسِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ، وقِيلَ: يُخْلِفُهُ جَبْرًا
الأول مذهب ابن القاسم في المدونة، وإنما كانت السلعة للعامل؛ لأن أدنى حال العامل أن يكون كالوكيل، والوكيل تلزمه السلعة في مثل هذا، والقول بإجباره على الخلاف للمغيرة، ورأى أن الدراهم والدنانير لا تتعين، وانظر هل رأس المال عنده المال الثاني أو هو الأول؟
ولَوِ اشْتَرَى بِمِائَتَيْنِ وَالْمَالُ مِائَةُ فَشَرِيكُ بِالنِّصْفِ فَإِنْ كَانَتْ المِائَةُ نَسِيئَةً قُوِّمَتْ وَكَانَ لَهُ نِسْبَةُ قِيمَتِهَا.
تصور المسألة ظاهر، ولا خيار لرب المال إن اشترى العامل النصف الآخر لنفسه، وإن اشتراه أيضًا للقراض فرب المال مخير بين أن يدفع إليه مائة وتكون السلعة كلها
[ ٧ / ٥١ ]
للقراض أو لا يدفع ويكون العامل شريكًا وإن كانت المائة نسيئة، وفي معنى النسيئة أن تكون على التقاضي.
(قُوِّمَتْ) أي بعرض: ثم العرض بنقد، قاله ابن المواز.
وكان شريكًا بنسبة قيمتها، وهو مذهب المدونة الذي أصلح سحنون المدونة عليه، وقاله أشهب وابن القاسم. وقال ابن القاسم: وروي أيضًا عن مالك أن يكون شريكًا بما زادته قيمة السلعة على مائة القراض، وهو الذي كانت المدونة عليه، وهي رواية القابسي عن الدباغ والإبياني، والأول هو اختيار ابن المواز وصاحب البيان وغيرهما.
الْعَاقِدَانِ كَالْوَكِيلِ والْمُوَكِّلِ
هذا هو الركن الرابع، وكأن المصنف راعى الترتيب الوجودي، فقدم الكلام على المال ثم على العمل ثم على الربح؛ لأنه بعده، فإن قلت: لو راعى هذا لقدم الكلام على المتعاقدين.
قيل: لعله إنما قدم الثلاثة لأجل إنهاء القيود المصرح بها في التعريف، والكلام على ما يتعلق بالتعريف مقدم، وكانا كالوكيل والموكل؛ لأن العامل لما كان مأذونًا له في العمل كان كالوكيل، ولما كان لرب المال إذن كان كالموكل، ويؤخذ منه أنه لا يقارض الذميكما لا يوكل.
وإِذَا تَعَدَّدَ الْعَامِلُ فَالرِّبْحُ بِقَدْرِ عَمَلِهِمْ كَالشُّرَكَاءِ
أي: فلا يجوز أن يتساويا في العمل ويتفاضلا في الربح كشركاء الأبدان، قال فيا لبيان: ويجوز ذلك على ما يدل عليه مذهب سحنون لاعتراضه على ابن القاسم بقوله: وليس يجوز لصاحب المال أن يدفع المال على النصف وأقل منه وأكثر. وصوبه ابن رشد وغيره؛ لأنه إذا أعطى أحدهما على النصف والآخر على الثلث فكأن رب المال وهب لأحدهما
[ ٧ / ٥٢ ]
السدس، وعلى مذهب ابن القاسم إذا فات، فقال محمد وابن حبيب: يقسم الربح على ما سموا، ويرجع صاحب القليل على صاحب الكثير بفضل عمله على العامل.
وقال أحمد بن خالد: بل على رب المال. وقال جماعة: بل يرد إلى حكم القراض الفاسد. ثم اختلف هؤلاء فقال التونسي: يكونان أجيرين. وقال: أفضل لهما قراض مثلهما.
ابن عبد السلام: قول التونسي أظهر عندي وأجرى على قواعد المذهب؛ لأن القراض فاسد، فإذا وقع عليه التفريع وأنه ممنوع ابتداء. ويدل كلام المصنف على الجواز إذا وقع الربح على قدر العمل، وفهم صاحب البيان المدونة على ذلك، قال: لتعليله فيها؛ لأنهم كالشركاء، وكرهه في الموازية وإن كان الربح على قدر الأجزاء؛ أي لأن أحدهما قد يكون أبصر من الآخر بالتجارة.
وَلِلْعَامِلِ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ وفِي إِقَامَتِهِ بِغَيْرِ وَطَنِهِ لِلْمَالِ فِي الْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ
نقل عبد الوهاب الإجماع على وجوب النفقة للعامل إلى زمان الشافعي، فقال في أحد قوليه: لا نفقة له. واحترز (بِغَيْرِ وَطَنِهِ) مما لو قام بوطنه، فإنه لا نفقة له، وهكذا في المدونة وغيرها، وظاهر كلام مالك الإطلاق.
وقال اللخمي: محمل قوله أن ذلك العمل لم يقطعه عن الوجوه التي كانت تقوم منها نفقته، وأما إن كانت تشغله فله النفقة كالمسافر.
وعلى هذا التقييد حكى ابن القاسم المسألة مختصرًا، عليه الليث في المدونة: ولا نفقة للحاضر إلا أن يشغله البيع فيتعدى بالأفلاس.
ابن المواز: وأبى ذلك مالك، وقال: من اشتغل في الحضر بتجارة القراض فلا يأكل منه. وقول الليث: بالأفلاس هو جمع قلة وهو للثلاثة إلى العشرة.
[ ٧ / ٥٣ ]
وقوله: (فِي الْمَالِ) أي: لا في ذمة رب المال، ولهذا لو أنفق العامل في سفره من مال نفسه ثم هلك مال [٦٠٠/ب] القراض لم يلزم رب المال بشيء، وكذلك إذا زاد ما أنفقه على مجموع المال لم يرجع بالزائد، وهكذا في المدونة.
قوله: (بِالْمَعْرُوفِ) أي: من غير سرف من طعامه وشرابه وركوبه ومسكنه. أشهب عن مالك: وحجامته وحمامه. قال: وليس له دواء.
فرعان:
الأول: قال في المدونة: ولو أخذ المال ببلد له أهل بها فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه؛ لأنه ذهب بها إلى أهله، ورجع بها إلى أهله. وقال أشهب: بل له النفقة في الذهاب والرجوع دون الإقامة.
الثاني: قال في المدونة: وإذا تزوج بغير بلد إقامته فمن يومئذ تسقط نفقته. محمد: يريد: ودخل.
اللخمي: وإن كان تزويجه لأجل قيامه للعمل بالقراض ولولا ذلك لم يقم ولا تزوج لم تسقط نفقته.
وتُوَزَّعُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَلَوْ أَخَذَهُ بَعْدَ أَنِ اكْتَرَى وتَزَوَّدَ
يعني: لو كان بيده مالان وزعنفقته عليهما سواء كان المال الآخر للعامل أو لرجل آخر.
قال في المدونة: والتوزيع على قدر المالين بالحصص، وخرج اللخمي فيها قولًا بأنهما على السواء من أحد القولين في نفقة الآباء على الأولاد وأحدهم أكثر يسارًا، وفيه نظر؛ لأن موجب النفقة هنا المال، فينبغي أن تراعى كثرته وقلته بخلاف الأولاد فإن الموجب الأبوة، وهي لا تختلف.
[ ٧ / ٥٤ ]
وظاهر كلام المصنف وكلام المتقدمين أنه لا فرق بين أن يكون كل واحد من المالين كثيرًا يحتمل النفقة لو انفرد أو يكون المجموع كثيرًا أو يكون أحدهما كثيرًا والآخر قليلًا، واختار اللخمي في المالين اللذين يقصر كل واحد منهما بانفراده على الإنفاق السقوط؛ عن صاحب القليل إذا كان أحدهما كثيرًا.
ابن عبد السلام: والذي قاله ظاهر بشرط أن لا يكون من شأن العامل أخذ القراض من الناس.
وقوله: (وَلَوْ أَخَذَهُ بَعْدَ أَنِ اكْتَرَى) يعني: لا فرق في التقديم بين أخذ المالين دفعة أو متعاقبين، ولو أخذ الثاني بعد أن اكترى للسفر وتزود له، وخرج اللخمي في هذه الصورة قولًا بسقوط النفقة عن المال الثاني من أحد القولين في من خرج لحاجة ثم أخذ قراضًا، أنه لا نفقة في مال القراض.
وَلَوْ خَرَجَ فِي حَاجَةٍ لَهُ وَزَّعَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا
هذا هو ظاهر المدونة، وفي الموازية السقوط، وزعم اللخمي أنه المعروف. وعلى مذهب المدونة، ففي العتبية وغيرها: ينظر قدر نفقته في طريقه، فإن كانت مائة والقراض سبع مائة فعلى المال بسبعة أثمان النفقة. وفي هذا التوزيع نظر لا يخفى عليك. أما الخارج لأهله فنص المدونة وغيرها على أنه لا نفقة له، ولعل اللخمي يرى أن هذه المسألة هي أصل المذهب، وأن مسألة الخروج للحاجة مخالفة لأصل المذهب، لكن قال صاحب النكت وغيره: إنما فرق مالك في المدونة بين المتوجه إلى أهله والماضي لحاجته؛ لأن الماضي إلى أهله لابد من المشي إليهم، والحاجة قد يكفاها وقد يبدو له عنها.
تنبيه:
يستثنى من الخارج لحاجة الخارج لحج أو لغزو. وفي المدونة: لا نفقة لهما. قيل لمالك: إن عندنا تجارًا يأخذون المال قراضًا فيشترون به متاعًا يشهدون به المواسم،
[ ٧ / ٥٥ ]
ولولا ذلك ما خرجوا، هل لهم في المال نفقة؟ قال: لا نفقة لحاج ولا غاز في مال القراض في ذهاب ولا رجوع.
الباجي: وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه، لأن ما لله تعالى لا يشرك معه غيره.
أصبغ: ولا نفقة له في إقامته في الحج إلا أن يقيم بعد انقضاء الحج للمال خاصة، فمن يومئذ تكون له النفقة. ولم ير اللخمي لهذا أثر، بل عارض الحج بمسألة الحاجة.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والإِخْدَامُ إِنْ كَانَ أَهْلًا
أي: إن كان مثله لا يخدم نفسه، وأسقط المصنف ما اشترطه في المدونة في هذا، وهو أن يكون كثيرًا.
ابن عبد السلام: وإنما أسقطه لاشتراطه كثرة المال في النفقة، والخدمة أخص من النفقة، وكل ما هو شرط في الأعم هو شرط في الأخص. هذا معنى كلامه.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِذَا أَشْبَهَ
أي: قول العامل في مقدار النفقة (إِذَا أَشْبَهَ) ذلك نفقة مثله، قاله في المدونة، وزاد فيها: وإذا قال: أنفقت مائة درهم لا رجوع بها صدق وربح أو خسر. قال في العتبية: وإذا ادعى بعد المفاصلة أنه نسي طلب النفقة قبل قوله ويحلف.
وقال في المدونة: ولو ادعى ذلك بعد المقاسة لم يصدق.
أبو الحسن: معناه إذا وقع كما قال في الحمال يدفع للحمولة. ثم ذكر ما في العتبية، وقال ابن عبد السلام بعد كلامه في المدونة: وقبل مالك قوله في ذلك، ذكره ابن المواز وظاهره أنه حمل المدونة على إطلاقها.
[ ٧ / ٥٦ ]
وَلَهُ الْكِسْوَةُ فِي بَعِيدِهِ إِنْ كَانَ الْمَالُ لَهُ بَالُ- قَالَ مُحَمَّدُ: نَحْوُ خَمْسِينَ دِينَارًا- لا فِي قَرِيبِهِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِلا أَنْ يَطُولَ ..
لأنه في القريب لا يحتاج إلى الكسوة بخلاف البعيد، وبخلاف ما لو أقام في القريب زمانًا طويلًا، قاله ابن القاسم في المدونة، وهو الذي نقله المصنف عنه.
وعطفه قول ابن القاسم على كلامه السابق يدل على أن النفقة تسقط في السفر القريب على القول الأول مطلقًا، وهو صحيح، قاله مالك في الواضحة. وجعل ابن القاسم الشهرين والثلاثة طولًا، ووقع لابن القاسم أيضًا أن ما بين مصر ودمياط قريب، والمذهب وجوب جميع الكسوة. وقال عبد الوهاب: لا يجب من الكسوة إلا التيلولا الخروج لم يحتج إليها. ورده الباجي بالنفقة، فإنها تجب للعامل جميعها في السفر لا في القدر الذي زاد على الحاضر.
خليل: وفيه نظر، فإن القاضي نص في تلقينه على أنه ليس للعامل من النفقة في السفر إلا ما زاد على الحضر، وهو [٦٠١/ أ] اختيار التونسي وعبد الحميد.
أما إن رجع العامل من السفر وعليه كسوة، فأراد رب المال أخذها، فقال في الموازية: إن كانت الكسوة بليت فليس له أخذها. محمد: وكذلك الغرارة والإداوة.
المازري: وهو يشبه ما في المدونة إذا فرض القاضي كسوة الزوجة ثم طلقها الزوج وأراد أخذها، فقال: إن كانت الكسوة بليت لم يأخذها، وإن بقيت جديدة أخذها. ووجوب الكسوة مقيد بما إذا كان المال كثيرًا، ولعل المصنف اكتفى عن ذلك بقوله:
وَأَمَّا الْمَالُ الْقَلِيلُ فَلا نَفَقَةَ فِيهِ وَلا كِسْوَةَ
يعني: أن ما ذكرناه من وجوب النفقة والكسوة فذلك مشروط بأن يكون المال كثيرًا، أما القليل فلا نفقة فيه ولا كسوة، وهكذا قال مالك وغيره.
[ ٧ / ٥٧ ]
ابن المواز: وليس في كثرة المال حد غير أن الأربعين والخمسين عندي كثير، وفي الموازية أيضًا نفي التحديد، ولمالك عند ابن شعبان: لا ينفق إذا كان يسيرًا كسبعين دينارًا.
وفي اللخمي: إذا سافر بالمال فهو في النفقة على ثلاثة أوجه: إن كان المال كثيرًا فله النفقة والكسوة، وإن كان متوسطًا يجحف به اجتماع النفقة والكسوة ولا يضر به انفراد النفقة فهي له دون الكسوة، وإن كان قليلًا لم يكن له شيء وإن كان السفر قريبًا فله النفقة فقط، وإن كان قليلًا لم تكن له نفقة. وعلى هذا فينبغي أن يحمل قوله: أما القليل فلا نفقة فيه ولا كسوة على القليل جدًا، وأما المتوسط ففيه. وفي السفر القريب النفقة، وهكذا نص عليه ابن القاسم في العتبية، قال في الموازية: وإذا بعث معه بضاعة يشتري له بها سلعة ينفق منها قبل أن يشتري؟ قال: نعم، وكذلك لو بعث معه سلعة ليبيعها له، فلينفق منها إذا باع إن كان ذلك على وجه المعروف.
ابن يونس: وقد جرى العرف بالنفقة والكسوة في القراض وظاهر أمرهم في البضاعة إن كان الخروج لها ومن أجلها فيجب أن يكون له أجرة ونفقته، وإن كان إنما خرج للتجارة لنفسه وبعثت معه بضاعة أو مالًا لشراء سلعة فالعرف عندنا: لا شيء فيه فيجب أن يحمل عليه. انتهى.
واللخمي قريب من هذا فإنه قال بعد كلامه في الموازية: العادة اليوم أنه لا ينفق ولا يكتسي من البضاعة، وأنه فيها على أحد أمرين: إما أن يعمل فيها على وجه المكارمة فلا نفقة له، أو على وجه الإجارة فلا يكون له غيرها. وقيد الشيخ أبو محمد ما في الموازية من وجوب الإجارة على البضاعة الكثيرة بما إذا كان العامل مثله يؤاجر نفسه وإلا فلا.
ولما فرغ من أركان القراض الصحيح وأحكامه شرع في الفاسد فقال:
[ ٧ / ٥٨ ]
وَإِذَا فَاتَ الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ فَثَلاثُ رِوَايَاتٍ: قِرَاضُ الْمِثْلِ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ
(فَاتَ) أي: بالعمل، قاله صاحب المقدمات وغيره؛ أي: ففيه (ثَلاثُ رِوَايَاتٍ) بحذف الخبر.
وقوله: (قِرَاضُ الْمِثْلِ) هو تفسير للرواية الأولى، وهي رواية اشهب، وبها أخذ هو وابن الماجشون.
وقوله: (وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ) تفسير للثانية، ومنشأ الخلاف فيها ما فسد من العقود المستثناة هل ترد إلى صحيحها فيجب قراض المثل أو صحيح أصلها؟ فتجب أجرة المثل؛ لأن القراض مستثنى من الإجارة المجهولة.
ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا فَسَدَ لِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ لِشَرْطِ رَبِّ الْمَالِ مَا يُحْوِجُ إِلَى نَظَرِهِ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ ومَا عَدَاهُ- كَضَمَانِ الْمَالِ، أَوْ تَاجِيلِهِ- فَقِرَاضُ الْمِثْلِ. وَرُوِيَ فِي الْفَاسِدِ بِالْضَّمَانِ: لَهُ الأَقَلُّ مِنْ قِرَاضِ الْمِثْلِ أو الْمُسَمَّى ..
يحتمل أن يكون قول ابن القاسم هو الرواية الثالثة؛ لأنها أيضًا رواية حكاها ابن حبيب، ويكون قوله بعد ذلك: (وَرُوِيَ) رواية رابعة ذكرها المصنف زيادة، ويحتمل أن يكون قول ابن القاسم معترضًا، ويكون قوله: (وَرُوِيَ) هي الرواية الثالثة، ويؤيد هذا أن المصنف لم يذكر قول ابن القاسم رواية واختار ابن عبد السلام هذا.
خليل: فقد يقال: بل الوجه الأول أولى لوجهين:
أما أولًا: فلأن القول بالتفضيل هو الرواية الثالثة في الجواهر، ويغلب على الظن أن المصنف يتبعه.
وأما ثانيًا: فلأن الرواية الرابعة خاصة بمسألة واحدة، نعم خرجها صاحب المقدمات في سائر صور القراض الفاسد.
[ ٧ / ٥٩ ]
ويزيد قولًا خامسًا لابن نافع من كتاب ابن مزين: إن اشترط الزيادة إن أسقطها صح القراض، وإن أبى أبطلناها، ورد إلى أجرة مثله في المالوربحه ووضيعته لربه. وسادسها بإمضاء القراض على ما اتفقا فيه من وجه صحيح وإسقاط الشرط الفاسد، ووقع مثله لابن نافع في القراض إلى أجل.
وسابعها: خرجه عبد الوهاب على ما ذهب إليه ابن المواز أنه يرد إلى قراض مثله إلا أن يكون أكثر من الجزء المسمى إن كان رب المال هو مشترط الشرط، وإن كان العامل هو مشترط الشرط فإنما يكون له الأقل من قراض المثل أو الأجرة أو من الجزء المشترط من الربح. وما حكاه ابن زرقون فقال: وحكى أبو عمران أن أشهب وابن الماجشون قالا: لا يرد إلى أجرة مثله في المسائل كلها إلا في مسألة واحدة: إذا اشترط أن لا نفقة للعامل. والمشهور هو قول ابن القاسم.
تنبيهان:
الأول: لم يحك ابن شاس القول الثالث كما حكاه المصنف، بل قال: وروي أن منه ما يرد إلى قراض المثل، ومنه ما يرد إلى أجرة المثل. حكاه ابن حبيب عنه، وقال به ابن القاسم وابن عبد الحكم وابن نافع ومطرف وأصبغ، ثم اختلف في تفصيل ذلك وتعيينه على طرق:
الطريقة الأولى: ما قاله ابن القاسم: وهو أن كل ما اشترط فيه رب المال على العامل أمرًا فصره به على نظره أو شرط فيه زيادة خالصة لنفسه، أو شرطها للعامل كذلك فهو مردود إلى أجرة المثل وما سوى ذلك؛ كأخذه على الضمان أو إلى أجل وشبه ذلك، فهو مردود إلى قراض المثل. [٦٠١/ ب].
والطريقة الثانية: ما حكاه محمد بن حارث أن كل قراض فاسد في أصله لزيادة لا تحل أو لتخطير لا ينبغي، فحكم العامل فيه أجبر، وما سوى ذلك فمردود إلى قراض المثل حاشا مسألتين: إحداهما: إذا اشترط الضمان على العامل والأخرى: إذا اشترط على
[ ٧ / ٦٠ ]
العامل أن يمسك المال مدة معينة فقط؛ كسنة أو غيرها، فإنه يرد في هاتين المسألتين إلى قراض المثل.
الطريقة الثالثة: ما ذكره عبد الحق، قال: الأصل في ذلك أن كل زيادة ومنفعة شرطها أحد المتقارضين في المال داخلة فيه ليست خارجة عنه ولا خالصة لمشترطها، فهو يرد إلى أجرة مثله، وكل زيادة أو منفعة اشترطها أحدهما لنفسه وخارجة من المال خالصة لمشترطها، فهو يرد إلى أجر مثله، وكل خطر وغرر تعاملا به خرجا من بينة القراض الجائز، فهو رد إلى أجر مثله.
التنبيه الثاني: ضبط عياض الصور التي فيها قراض المثل على مذهب المدونة وعدها تسعًا وما سواها ففيه أجرة المثل، والتسعة: القراض بعرض، والقراض إلى أجل، والقراض على الضمان، والقراض بجزء مبهم، والقراض بدين يقبضه المقارض من أجنبي، والقراض على شرط في المال، والقراض على أنه لا يشتري إلا سلعة كذا مما لا يكثر وجوده فاشترى غير ما أمر به، والقراض على أنه لا يشتري إلا بدين فاشترى بنقد، والقراض على عبد فلان ثم يبيعه ويتجر في ثمنه. وقال: ومما جعل فيه قراض في الكتاب مسألة عاشرة ليست من القراض الفاسد، وهي إذا اختلفا وأتيا بما لا يشبه وحلفا، وقد نظم بعضهم هذه الأبيات فقال:
لكل قراض فاسد أجر مثله سوى تسعة قد فصلت ببيان
قراض بعرض أو بدين أو مبهم وبالشرط والتأجيل أو بضمان
ولا يشتري إلا بدين فيشتري بنقد وأن يبتاع عبد فلان
ويتجر في أثمانه بعد بيعه فهذه إذا عدت تمام ثمان
وأن يشتري ما لا يقل وجوده وإن اشترى سواه اسمع بحسن بيان
كذا ذكر القاضي عياض وأنه خبير بما يروي فصيح لسان
[ ٧ / ٦١ ]
وزاد ابن راشد حادية عشر، وهي أن يعطيه دنانير يصرفها ثم يتجر بثمنها.
ابن راشد: وقد نظمت فيها هذه الأبيات:
وأجرة المثل في القراض تعينت سوى تسعة قد خالف الشرع حكمها
قراض بعرض واشتراط ضمان وتحديد وقت والتباس يضمها
وأن يشتري غير المعين للشراء وأن يشتري بالدين فاختل رسمها
وأن يشتري عبدًا لزيد يبيعه وأن يتجر فيه باجتهاد يلمها
وأن يقبض الدين الذي عند غيره وأن يشترط بلفظ يعمها
وما قد قضاه الحكم من بعد التحالف مع التجر في صرف لعين فضمها
وَقِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ، وأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: كِلاهُمَا فِي الرِّبْحِ، وقِيلَ: كِلاهُمَا فِي الذِّمَّةِ، فَيُقَدَّرُ تَقْوِيمُ جُزْءِ الرِّبْحِ لَوْ صَحَّ الْعَقْدُ
لما ذكر أنه يجب على قول قراض المثل وأجرة المثل وعلى إخراجه المثل، ويفصل على آخر جناح إلى بيان الفرق بين قراض المثل وأجرة المثل، فذكر أن قراض المثل يتعلق بالربح إن كان في المال ربح، وإن لم يكن فيه ربح فلا شيء له فيه، وأجرة المثل ثابتة في ذمة رب المال، كان في المال ربح أو لم يكن، قال في الجواهر: وهكذا قال بعض أصحابنا إلا ابن حبيب، قال: له أجرة مثله من الربح أيضًا؛ لأن العامل إنما دخل على أنه إنما يأخذ من الربح. والقول بأنهما في الذمة نقله عبدا لوهاب عن بعض الأصحاب، فقال: ومن أصحابنا من يجعل قراض المثل مع الربح وعدمه، ويفرق بينهما بأن يجعل حظ العامل بقدر ما يساوي عمله مما رضيه عوضًا لو صح العقد، فيكون له بقية ذلك.
خليل: وفي عدة قولان نظر؛ لأنه إنما نقله عبد الوهاب عن ابن القصار، إنما نقله على طريق الاحتمال. ونص ما في المقدمات: وقد حكى عبد الوهاب في شرح الرسالة عن القاضي
[ ٧ / ٦٢ ]
أبي الحسن أنه قال: يحتمل عندي على قول مالك أن يكون له ما يساوي قراض مثله، وإن كان في المال وضيعة.
عبد الوهاب: والفرق على هذا بين قراض المثل وأجرة المثل أن أجرة المثل متعلقة بالإطلاق، وقراض المثل متعلق بالشرط، فيقال في الإجارة: لو استأجر رب المال من عمل له هذا العمل كم تكون أجرته فيكون للعامل ذلك؟
ويقال: في قراض المثل إن كان العامل قد رضي بجزء كذا على هذا الشرط الفاسد فينبغي أن يكون له فما قيل من شيء فهو قراض المثل.
فقراض المثل على تأويل القاضي أبي الحسن راجع إلى أجرة المثل، وإنما يختلف في صفة التقويم.
ابن رشد: وهو بعيد جدًا، وحاصله أن في الإجارة يقدر عوض العمل مجردًا عن الشروط وفي القراض يقدر مضافًا إلى تلك الشروط، ويتبع هذا بالضرورة كثرة العمل وقلته.
ابن عبد السلام: ويفرق أيضًا بين قراض المثل وبين أجرة المثل، أنا حيث حكمنا بقراض المثل يلزم تمادي العامل على عمله، كما في المساقاة الفاسدة، وحيث حكمنا بأجرة المثل ينفسخ العمل متى عثر عليه ويكون للعامل أجرة ما عمل، ولا يمكن من التمادي، وهذا الفرق أيضًا ليس متفقًا عليه ولكنه هو المشهور، وكذلك أيضًا فرقوا من وجه آخر في المشهور، فجعلوا أن العامل أحق من الغرماء إذا وجب له قراض المثل، واختلفوا هل يكون كذلك في أجرة المثل؟ فقال بعض القرويين: ليس هو أحق على ظاهر المدونة والموازية. وإليه نحا عبد الوهاب، وقال بعضهم: هو أحق إذا كان المال في يديه حتى يستوفي أجرة مثله؛ لأنه نماء المال بأجرة فاسدة، فأشبه ما لو استأجره على خياطة ثوب إجارة فاسدة.
[ ٧ / ٦٣ ]
ولَهُ خَلْطُهُ بِمَا بِيَدِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ
أي: وللعامل خلط القراض. (وَلِغَيْرِهِ) لأن كثرة المال تحصل الربح الكثير، وإن افتقر إلى نفقة أو كسوة [٦٠٢/ أ] كان منضوضًا على جميع ما بيده، وفي ذلك رفق بصاحب المال، قال في المدونة: ولا يضمن العامل إذا خلطها بغير شرط، ومن شرط الخلط أن يكون في العين أو في العرض المثلي وأما إن كان من المقومات فلا؛ لأن القيم تختلف، نص على ذلك اللخمي في البضائع والباب واحد.
ابن عبد السلام: وليس له الخلط إلا لمصلحة؛ لأن مالكًا قال في المدونة: إذا خاف العامل إن قدم ماله على مال القراض أو آخره وقع الرخص في ماله، فالصواب أن يخلطهما، ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض وعلى ما يبتدئ فيها. قال: ولو أخذ من رجل قراضًا، فله أن يأخذ من آخر إن لم يكن الأول كثيرًا لا يشغله الثاني عنه، وقد تقدم حكم القراض على شرط الخلط.
بِخِلافِ الشَّرِكَةِ وَالْبَيْعِ نَسِيئَةً- فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا
أي: فإنه لا يجوز للعامل أن يشارك غيره، يريد: ولو كان عاملًا آخر لرب القراض، وقاس ذلك في المدونة على منع المودع أن يودع الوديعة عند من لربها عنده وديعة، ولا أن يبيع نسيئة إلا أن يأذن له رب المال، والفرق بين الخلط والشركة أن المال في الخلط لم يخرج عن يد من أمنه رب المال بخلاف الشركة، وإذا ظهر لك ذلك في الشركة فهو في البيع نسيئة أظهر؛ لأنه في الشركة لم يخرج جميع المال عن يده بخلاف هنا.
قوله: (وَالْبَيْعِ) مجرور بالعطف على الشركة.
وقوله: (فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ): أي في مسألتي الشركة والبيع نسيئة، ضمن ووقع في المدونة قول بجواز إعطائه السلم، واستغربه أبو عمران وغيره.
[ ٧ / ٦٤ ]
قوله: (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا) لأنه يتهم أن يكون قصد الاستبداد بالربح فعوقب بنقيض القصد، وإلا لو قلنا: إن الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملًا له على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا: إن كل من أخذ المال للتنمية فتعدى فيه كالوكيل والمبضع معه فالغرم عليه والربح لربه وأما المقارض فالر بح لهما على شرطهما، وقد صرح المصنف ﵀ باطراد هذا بقوله:
وَكَذَلِكَ كُلُّ تَعَدِّ فِيهِ
وكل من أخذ مالًا على الأمانة وتعدى فيه فالربح له فقط كالمودع.
ابن عبد السلام: وذهب بعضهم إلى أن العامل يجب له الربح كله في مسائل الضمان بسبب المخالفة لأنها توجب انتقال مال القراض إلى ذمته، وذلك موجب لكونه مالكًا للربح.
تنبيه:
ذكر ابن يونس عن بعض القرويين أنه إذا باع سلع القراض المأذون في شرائها بثمن إلى أجل، أنه قال: يباع الدين على مذهب ابن القاسم، ويضمن ما خسر.
وفي الموازية: إذا أسلم في طعام؛ أنه يغرم رأس المال، ويستأنى بالطعام حتى يقبض، فإن كان يه ربح اقتسماه، وإن أسلم في غير طعام لم يجز أيضًا، وبيعت السلعة بعد أن يقبض بنقد، وإن كان فيها فضل فهو بينهما، وإن كان فيها نقصان غرمه العامل.
أَمَّا لَوْ نَهَاهُ عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَ الْعَمَلِ فَاشْتَرَى فَكَالْوَدِيعَةِ لَهُ رِبْحُهَا وعَلَيْهِ غُرْمُهَا بِخِلافِ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ سِلْعَةٍ فَاشْتَرَاهَا ..
أتى بـ (أَمَّا) المقتضية للتفصيل، يعني أن ما قدمه من الربح بينهما في كل تعد إنما هو إذا لم ينهه قبل العمل عن العمل، وأما لو نهاه عن العمل قبل العمل فإن المال يبقى تحت يده حينئذ كالمودع؛ لأنه ليس للعامل أن يعمل به؛ لأن عقد القراض منحل، فلذلك
[ ٧ / ٦٥ ]
يستغل العامل في هذه الصورة: بالربح، هكذا قال في المدونة هكذا قال في المدونة والموازية والواضحة، وقيد ذلك ابن حبيب، فقال: ما لم يقر أنه اشترى السلعة للقراض فالربح على القراض وهو ضامن؛ أي: لأن العامل التزم لرب المال نصيبه من الربح فيلزمه الوفاء به.
ابن عبد السلام: وفي ذلك نظر لاحتمال أن يقال: إنما التزم العامل ذلك إلا على شرط عدم الضمان، والله أعلم.
قوله: (بِخِلافِ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ سِلْعَةٍ فَاشْتَرَاهَا) أي: فلا يستبد بالربح؛ لأنه مأذون له في حركة المال فلم يكن له أن يستقل بربحه.
وَلَهُ السَّفَرُ عَلَى الأَصَحِّ مَا لَمْ يَحْجُرْ
الأصح مذهب المدونة وهو المشهور، ووجهه أن عقد القراض يقتضي الإطلاق، والأصل عدم التقييد، ومقابله لابن حبيب قال: لا يخرج من بلد رب المال إلا بإ٢نه. وقال سحنون: ليس له أن يسافر بالمال اليسير سفرًا بعيدًا إلا بإذن ربه. واعتبر اللخمي هنا قرائن الأحوال إن كان شأن العامل السفر فله السفر، وإن لم يكن ذلك من شأنه فليس له ذلك. فإن قلت: لم جاز له السفر في الإطلاق ولم يجز له في الإطلاق البيع بالدين، والسفر والدين مقصودان للتنمية؟
قيل: لأنه في السفر يخرج معه فلم يتهم في التغرير بالمال.
وقوله: (مَا لَمْ يَحْجُرْ) هو قيد في الأصح وهو ظاهر المذهب، ولمالك في الموازية: لا يصلح أن يشترط عليه ألا يسافر به والحجر على الأول مقيد بأن لا يكون استغل المال.
ابن عبد السلام: في سلع تصلح للسفر، قاله مالك في المدونة. انتهى.
والذي في المدونة: يعني وإن لم يشترط ذلك، فليس له أن ينهاه عن السفر إذا استغل المال.
[ ٧ / ٦٦ ]
ابن القاسم: ولو هلك رب المال بعد أن تجهز به فليس لورثته منعه وهم في ذلك كوكيلهم.
وفي الموازية: إذا قام غرماء رب المال بعد أن تجهز بالمال، وأمكن بيع السلع، بيعت وأخذ ذلك الغرماء، وكذلك إن كان ذلك عينًا فلهم أخذه، وأما غرماء العامل فلا شيء لهم إلا بعد وصول المال إلى ربه.
بعض القرويين: والأشبه أيضًا ألا يكون لغرماء رب المال ذلك، كما لم يكن له هو أن يأخذ المال في غير البلد، وكذلك لو لم يشتر بالمال شيئًا بعد [٦٠٢/ب] خروجه، فلا يكون له ولا لغرمائه أخذ شيء من المال منه. انتهى.
وكذلك قال ابن عبد السلام: الذي قال في الموازية في غرماء العامل واضح، وما قاله في غرماء رب المال مشكل، وظاهره خلاف للمدونة فتأمله.
فرع:
قال في المدونة: ويجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن لا ينزل بطن واد، ولا يمشي بليل، ولا يبتاع سلع كذا، ولا يحمله في بحر، فإن فعل شيئًا من ذلك ضمن. وقاله الفقهاء السبعة.
وَلَهُ أَنْ يُزَارِعَ وَيُسَاقِيَ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ ظُلْمٍ فَيَضْمَنُ
يعني: وللعامل أن يدفع الزرع من مال القراض ليزرع ويساقي؛ لأن ذلك من أنواع التنمية، فيكون له كغيره من وجوه التنمية، وجعل له في المدونة أن يشتري الأرض ويكريها.
وفي العتبية لابن القاسم في من أخذ قراضًا فاشترى به دارًا فأكراها، فنما المال أو نقص: أراه متعديًا ضامنًا.
[ ٧ / ٦٧ ]
بعض القرويين: انظر الفرق بين هذا وبين أن يشتري بذرًا ويزرع، وهل ذلك اختلاف قول؟ وكيف إن اشترى حيوانًا طلبًا لنسله أو باع للكراء؟ وهل يقال: إن هذا لا يقصده الناس في الغالب؛ لأنهم يقصدون التجر؟
قوله: (مَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ ظُلْمٍ) هذا إنما صرح به في المدونة في المزراعة، لكن لا فرق بينهما وبين المساقاة، فظاهر كلام المصنف أنه بمجرد كون الموضع موضع ظلم يضمن، وفي المدونة: إن خاطر به في موضع ظلم أو غرر يرى أنه خطر فهو ضامن.
فزاد: المخاطرة، وقد يكون الموضع موضع ظلم، ولا يعد الزارع مخاطرًا لوجاهته أو نحو ذلك. وإذا ضمناه بالتعدي لمخاطرته في موضع الظلم، فلا فرق بين أن تكون الخسارة من سبب الزرع أو من سبب الظلم، قاله اللخمي؛ لأنه متعد في أصل فعله.
وَلا يَشْتَرِي بِنَسِيئَةٍ وَلَوْ أَذِنَ له
أي: (وَلا يَشْتَرِي) العامل (بِنَسِيئَةٍ وَلَوْ أَذِنَ له) رب المال في ذلك. وجعلوا اشتراءه بالنسيئة مخالفًا لبيعه بها؛ لأن البيع بهما يجوز إذا أذن له رب المال في ذلك، والشراء بها لا يجوز ولو أذن؛ لأن بيعه بالدين إنما يلزم منه تعريض المال للتلف، وهو من حق رب المال فقط، فلذلك كان له بخلاف الشراء، فإنه إذا اشترى بالدين فضمانه من العامل والربح له. قال ابن المواز وغيره: ولا ربح لرب المال؛ لنهي النبي ﵇ عن ربح ما لم يضمن.
وَيَبِيعُ بِالْعَرْضِ
أي: أن ذلك من التجر المأذون له فيه؛ فإن قيل: العامل في هذا يشبه المفروض وقولهم أنه لا يبيع بالدين يقتضي أنه يلحق بالوكيل المخصوص.
[ ٧ / ٦٨ ]
قيل: المختار أنه كالوكيل المخصوص وعليه تدل مسائلهم إلا أنه وسع له في النظر فلذلك جاز له أن يبيع بالعرض.
وَيَرُدُّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ أَبَى الْمَالِكُ
يعني: إن اشترى العامل سلعة من المال ثم اطلع على عيب فله أن يرده بسبب العيب، وإن لم يرض المالك لتعلق حق العامل بالزيادة، وهذا مقيد بقيدين:
أحدهما- وهو غير خاص بهذه المسألة- أن يكون ذلك على وجه النظر من العامل، وإن حابى فهو متعد، يريد فيجوز ذلك مما يحمله نصيب العامل، قاله في المدونة، وكذلك قال: إذا باع العامل سلعة قطعت عليه بعيب فحط من الثمن أكثر من قيمة العيب أو أقل أو اشترى سلعة من ولده أو ولد ولده فما كان من هذا نظرًا من غير محاباة جاز.
ثانيهما: أن يشتري هذا المعيب ببعض مال القراض، ويدل على هذا القيد قبوله.
فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ جُمْلَةَ الْمَالِ فَلِلْمَالِكِ قَبُولُهُ
لأن من حجة رب المال أن يقول: أنت لو رددته لنض المال، وكان لي أخذه. وهكذا قال في المدونة، وقيده أبو عمران بما إذا لم يكن ثمن هذا المعيب إذا أعاد إلى يده، ولا يمكن لرب المال أن يقول: أنت لو رددت لكان لي أخذ الثمن.
وَلا يَشْتَرِي مِنْ رَبِّ الْمَالِ
أي: لا يشتري العامل من رب المال سلعًا، وهذا مقيد بأن يشتري منه سلعًا للقراض، وأما إن اشترى لنفسه فجائز، نص عليه في العتبية، وظاهر كلامه المنع من ذلك، وظاهر المدونة وهو نص الموازية: الكراهة، ففي المدونة: لا يعجبني لأني أخاف إن صح هذا من هذين ألا يصح من غيرهما.
[ ٧ / ٦٩ ]
ولمالك في الموازية والأسدية: الجواز إذا صح الأمر بينهما.
قال صاحب البيان: والخلاف في هذا عندي إنما يرجع إلى التصديق في وقوع الأمر بينهما على الصحة فلم يصدقهما في المدونة، وصدقهما في الموازية.
قال: وهذا عندي إنما هو إذا وقع الشراء من رب المال قبل أن يعمل فيه العامل، وأما إن وقع الشراء منه بما نض بيد العامل من سلع القراض فيصدقان اتفاقًا.
واختار اللخمي الجواز في شراء اليسير دون الكثير، وجعله في البيان ثالثًا. واختلف قول مالك في صرف العامل من رب المال، كاشترائه منه وهل الكراهة خشية المحاباة لرب المال فيؤثر ذلك نقصًا في المال يحتاج العالم إلى جبره بالربح، ولأن ذلك ذريعة إلى المقارضة بالسلع؛ لأن رأس المال راجع إلى يده ولم يدفع إلا سلعًا تعليلان للأصحاب، ويرد الثاني لمساواة ملك الصرف للشراء.
فرع:
وأما عكس ما ذكره المصنف، وهو اشتراء رب المال من العامل ففي الموطأ: لا بأس به إذا كان صحيحًا على غير شرط. وأشار بقوله: "صحيحًا" إلى دفع قصد التوصل إلى أخذ شيء من الربح قبل المفاصلة وسواء كان شراؤه بنقد أو إلى أجل، قاله ابن القاسم. فإن اشترى سلعته ليأخذها من القراض فقال ابن القاسم: لا يخر فيه، فإن اشترى العامل بعض القراض، فإن كان مع استدامة القراض جاز نقدًا، ولا [٦٠٣/ أ] يجوز إلى أجل. وأجازه الليث ويحيى بن سعيد إلى أجل أيضًا، وإن كان عند التفاضل جاز بالنقد، وأما بالتأخير فثلاثة أقوال: منعه مالك.
قال ابن حبيب: وأجازه أصحاب مالك حاشا ما قاله ابن القاسم.
والثالث: الفرق بين أن يكون بمثل رأس المال فأقل، فيجوز أو بأكثر من رأس المال فلا يجوز، قاله عيسى عن ابن القاسم.
والظاهر ما حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم: الكراهة فيكون رابعًا.
[ ٧ / ٧٠ ]
وَلا بِأَكْثَرَ مِنْ رَاسِ الْمَالِ
أي: ولا يشتري بأكثر من المال، ولو كان من عند غير رب المال؛ لأنه يضمن ما زاد في ذمته ويكون في القراض، قال في المدونة: ولا خير فيه، أما لو اشترى الزائد لنفسه، فإنه يكون شريكًا كما تقدم.
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ عَالِمُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ وَغَرِمَ ثَمَنَهُ لِضَمَانِهِ بِالتَّعَدِّي وَوَلاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَ بِقَدْرِ رَاسِ الْمَالِ وحِصَّةِ الرِّبْحِ وَعَتَقَ الْبَاقِي ..
يعني: لو اشترى العامل بمال القراض من يعتق على رب المال، فإما أن يكون عالمًا أو غير عالم، وسيأتي الكلام على غير العالم. والمراد بالعالم: بأنه قريب لرب المال.
ابن عبد السلام: وهذا هو المشروط في هذا الفصل، لا علمه بأن الحكم الشرعي إعتاقه، فإن العلم بالحكم والجهل لا أثر له عندهم هنا، وللعالم حالتان: عسر ويسر، فإن كان موسرًا عتق العبد وغرم العامل ثمنه وحصة ربحه، أي الربح الحاصل قبل الشراء كما لو كان رأس المال مائة وتجر فيه حتى صار مائتين، ثم اشترى بهما العبد، فإن العامل إنما يغرم رأس المال وحصة رب المال من الربح، وذلك مائة وخمسون فقط، ولا يغرم الربح الحاصل في نفس العبد، قاله ابن رشد وغيره.
وقوله: (لِضَمَانِهِ بِالتَّعَدِّي) علة لغرمه الثمن.
(وَوَلاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ) لأن العامل كأنه التزم عتقه، وإنما غرم العامل بالتعدي، وإن كان معسرًا. فقال المصنف تبعًا للمدونة: بيع منه بقدر رأس المال وحصة الربح، وعتق الباقي، أي الربح الكائن قبل شرائه؛ لأن الربح فيه إذ لا يمكن رب المال ربح في من يعتق عليه بخلاف ما إذا اشترى العامل من يعتق عليه وهو عالم، فإن لم يوجد من يشتري إلا
[ ٧ / ٧١ ]
جميع العبد فإن جميعه يباع وكذلك لو لم يوجد من يشتري برأس وحظ ربه من الربح لا أكثر من حظه في العبد، فإنه يباع على نحو ما وجد لوجوب تقدم حق رب المال في ذلك العبد، وحصل في المقدمات في هذه المسألة ستة أقوال:
الأول: ما ذكره المصنف، وهو المشهور.
الثاني: أنهم يعتقون على رب المال، وهذا القول يأتي على ما في كتاب الرهون في بعض الروايات.
الثالث: أن البيع لا يجوز على ما في العتق الثاني في الأب يشتري من يعتق على ابنه الصغير.
الرابع: أنه لا يعتق على كل واحد منهما، وهو قول ابن القاسم في أصل سماعه.
الخامس: أنه يضمن الثمن ويكون العبد له، وهو قول مالك في رواية ابن أبي أويس.
السادس: أن رب المال بالخيار، إن أحب أن يأخذه ويعتقه عليه ويكون للعامل فضله إن كان فيه فضل، وإن أحب أن يضمن العامل بتعديه كان ذلك له، وعن أشهب إن كان في العبد ربح أعتق منه قدر ذلك وبيع الباقي.
اللخمي: وهو أحسن ولا يعتق عليه؛ لأنه وكيل لغيره ويعتق الفاضل، لأن العامل مقر أنه لم يشترط لنفسه فيعتق ذلك القدر من باب لا ضرر ولا ضرار، ونقل ابن يونس عن ابن القاسم قولًا آخر: إن العامل إذا كان معسرًا وهو عالم يعتق عليه ويتبع بالثمن.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ عَتَقَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلِلْعَامِلِ عَلَيْهِ حِصَّةُ رِبْحِهِ
هذا مذهب المدونة، نظرًا لدخوله في ملك رب المال، ولم يكن على العامل شيء لعذره بعدم علمه، قال في المقدمات: ولابن القاسم قول ثان في أصل سماعه: إنهم لا يعتقون على واحد منهما، وعلى المشهور فإن كان رب المال معسرًا، فقال بعض الشيوخ:
[ ٧ / ٧٢ ]
حكمه حكم العبد بين الشريكين يعتق أحدهما نصيبه وهو معسر، فيبقى حظ العامل هنا في العبد ملكًا له أما إن ادعى رب المال أن العامل عمد لشرائه بمعرفة وأنكر العامل، فالقول قول العامل.
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَالِمُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلُ وَهُوَ عَالِمُ مُوسِرُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ، وإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ فَبِقِيمَتَهِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بِقِيمَتِهِ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَ بِمَا وَجَبَ لَهُ، وعَتَقَ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضْلُ لَمْ يَعْتِقْ شَيْءُ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ فِي الْيَسَارِ ..
أي: ولو اشترى من يعتق عليه؛ كما لو اشترى العامل ولده، فإما أن يكون عالمًا أو لا ثم كل من الصورتين إما أن يكون العامل موسرًا أم لا، صارت أربعة، ثم إما أن يكون في العبد فضل أم لا، صارت ثمانية، وقد تكلم عليها صاحب المقدمات، والغرض الآن حل كلام المصنف، فذكر أن العامل يعتق العبد عليه إن كان في المال فضل؛ لأنه حينئذ تتحقق له فيه الشركة فيعتق عليه ما ملكه منه ويكمل عليه.
وقول المصنف ثانيًا: (وَهُوَ عَالِمُ) تكرار؛ إذ المسألة مفروضة مع العلم، (عَتَقَ عَلَيْهِ) أي: على العامل بالأكثر فتعلق بعتق، ويحتمل بمحذوف أي وأخذه رب المال بالأكثر؛ لأنه إن كان الثمن أكثر، فقد أتلفه على رب المال لغرضه في قريبه، وإن كانت القيمة أكثر فلأنه مال أخذه لينميه لصاحبه فليس له أن يختص بربحه وحيث ما ذكرت هنا القيمة فإنما يعتبر يوم الحكم.
وقوله: (وإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ) أي: العامل؛ يريد: وفيه ربح عتق عليه أيضًا، كالعالم ولا يفترق الحكم هنا بالعلم، وإنما يفترق فيما على العامل، فهنا عليه الأكثر تقدم، وهنا إنما عليه القيمة، وظاهر كلام المصنف أنه يغرم جميع القيمة، وليس كذلك، بل يعتق على
[ ٧ / ٧٣ ]
العامل نصيبه من الفضل [٦٠٣/ ب] وعليه لربه ما ينوبه من قيمته من رأس المال وربحه كحكم العبد بين الشريكين يعتق أحدهما نصيبه منه وهو موسر، وقال المغيرة: بقيمته، أي ما ينوبه من قيمته يوم الحكم فيهما، أي في صورتي العلم وعدمه.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا) أي: العامل بيع من العبد بما وجب له أي لرب المال وسواء كان العامل عالمًا أو غير عالم نص على ذلك في المدونة وغيرها.
وقوله: (بِمَا وَجَبَ لَهُ) قاله صاحب المقدمات وغيره، ما يريد يوم الحكم، مثال ذلك أن يشتريه بمائتين ورأس المال من ذلك مائة، وقيمته يوم الحكم مائة وخمسون، فإنما يباع له بمائة وخمسة وعشرين، ويعتق الباقي ويتبعه في ذمته بخمسة وعشرين.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضْلُ لَمْ يَعْتِقْ شَيْءُ) هذا قسيم قوله أولًا: (إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلُ لَمْ يَعْتِقْ شَيْءُ) لأنه لا يملك شيئًا.
ابن راشد: ولا خلاف في ذلك إذا كان العامل معسرًا أو إن كان موسرًا. فقال المغيرة: ما قدمه المصنف لا يعتق عليه منه شيء، وهو قياس قول غير ابن القاسم في الذي يشتري بمال القراض عبدًا فيعتقه ولا فضل في ثمنه لأنه لا يعتق، ولا فرق بين أن يشتري بمال القراض من يعتق عليه وهو عالم أو يشتري به عبدًا فيعتقه، والمشهور هو القول الثاني: أنه يعتق عليه، وإن كان قد علم وهو مليء عتقوا عليه. زاد ابن يونس: كان فيه فضل أم لا.
وكذلك ذكر في المقدمات: أن الحكم عتقه عليه في اليسار، ويؤدي لرب المال الأكثر من قيمته يوم الحكم أو من الثمن الذي اشتراه به.
وَلَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْقِرَاضِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ إِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَتْ وَأُتْبِعَ بِالْبَاقِي.
فإن اشترى العامل بمال القراض جارية للقراض، وهو معنى قوله: (أَمَةَ الْقِرَاضِ) وفي بعض النسخ: (جَارِيَةً مِنْ الْقِرَاضِ) فإن كان موسرًا خير رب المال فإن شاء ألزمه
[ ٧ / ٧٤ ]
قيمتها يوم الوطء، وإن شاء أبقاها على القراض، وإن كان معسرًا فكذلك؛ إلا أنه رضي بإلزامه قيمتها إذا بيعت عليه الجارية في تلك القيمة، فإن لم يوف ثمنها بالقيمة اتبعه بما بقي من قيمتها، قاله مالك في الموازية: وعنه أيضًا فيها أنه إن كان عديمًا، بقيت بحالها ولا تباع، هكذا حكى جماعة.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف ما ذكر من تخيير رب المال بين إبقائها وأخذ قيمتها. وقال بعضهم: يخير في أخذ القيمة أو الثمن الذي اشترى به، وإلزام العامل الثمن من هنا يفيد؛ لأن الفداء لم يكن عليه إذا أسلم له رب المال أنه اشتراها للقراض أو قامت على ذلك بينة، وظاهر كلام هذا القائل أنه لا يكون لربها ردها في القراض، وهو بعيد أيضًا بعد تسليم أن فرض المسألة على الوجه الذي ذكرنا. انتهى. وهذا إنما هو إذا لم تحمل، فإن حملت فقد نبه عليه المصنف بقوله:
فَإِنْ أَحْبَلَهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْحَمْلِ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: وَمِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِلا فَمِنَ الْمَالِ إِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلُ لِذَلِكَ كُلَّهِ، وَإِلا بِيعَتْ كُلُّهَا وَأُتْبِعَ بِمَا بَقِيَ، وَفِي إِتْبَاعِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَوْلانِ ..
(أَحْبَلَهَا) أي وهو موسر لمقابلة ذلك بالمعسر، (فَهِيَ) له (أُمُّ وَلَدٍ) لأنه وطء بشبهة.
(وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ) هو لمالك في الموازية من رواية ابن القاسم. والقول الثاني والثالث لم أرهما منصوصين، والرابع لابن المواز، ومعناه أن على العامل الأكثر من ثلاثة أشياء وهي: قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل أو الثمن، ولابن حبيب قول آخر عليه الأكثر من ثمنها أو من قيمتها يوم الوطء.
[ ٧ / ٧٥ ]
قوله: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا) أي: أحبلها وهو معسر.
(فَلَهُ ذَلِكَ) أي: قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل أو الأكثر على الخلاف المتقدم.
(وَإِلا) أي: وإن لم يرد رب المال اتباعه بذلك ولا كان في المال فضل بها بيعت كلها، فإن كان ثمنها مثل ما لزمه فلا كم، وإن كان أقل اتبع بالباقي، وظاهر كلام المصنف أنها تباع أيضًا كلها، وإن كان ثمنها أكثر، وليس كذلك، بل في الجواهر: وهو المنقول عن سحنون وغيره هنا: إنما يباع منها بقدر رأس المال وحصة ربه من الربح، ويبقى الباقي بحساب أم ولده. وهكذا نقل ابن يونس وغيره عن سحنون، وحكى صاحب الاستذكار عنه أنه قال: أرى أن تباع عليه إلا أن يكون فيها فضل فيباع منها بالقيمة، ويكون الباقي بحساب أم ولده.
ابن عبد السلام: والنقل الأول أصح، وما ذكره المصنف من بيعها هو المشهور، وروي عن مالك في الموازية أنه يتبع بالثمن دينًا في ذمته ولا تباع.
سحنون: وليس بمعتدل، وروى أبو زيد أنه لا يقبل قوله في عدمه أنه ابتاعها للقراض، ويتهم على بيع أم ولده إلا أن يقيم شاهدين بذلك.
وقوله: (وَفِي إِتْبَاعِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَوْلانِ) الضمير في (إِتْبَاعِهِ) يحتمل أن يعود على رب المال من إضافة المصدر إلى الفاعل، أو إلى العامل من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير في (نَصِيبِهِ) عائد على رب المال، يعني: وفي اتباع رب المال للعامل بنصيبه من الولد إذا كان العامل معسرًا (قولان) والقول بالاتباع لعيسى.
الباجي: وهو أصل ابن القاسم. ومقابله لابن حبيب.
الباجي: وهو جار على اختيار أشهب في من ضمنه قيمة أمة بالوطء من شريك أو مقارض أنه لا شيء عليه من قيمة ولدها.
[ ٧ / ٧٦ ]
فَإِنْ أَحْبَلَ مَنِ اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ لا لِلْقِرَاضِ وَهُوَ مُعْسِرُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ، وَعَنْهُ: بِالأَكْثَرِ وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ، وَقَالَ ماَلِكُ: تُبَاعُ كَأَمَةِ الْقِرَاضِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ لَمْ تُبَعْ وِفَاقًا ..
قوله: (مَنِ اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ) هو قسيم قوله: (كَأَمَةِ الْقِرَاضِ).
واحترز بقوله: (معسرًا) مما لو كان موسرًا فإن له حكمًا آخر، وحكمه أن ابن القاسم قال مرة: يؤخذ منه الثمن ومرة: تؤخذ منه القيمة، فيجبر بذلك القراض [٦٠٤/ أ] وإن كان معسرًا وهو الذي ذكره المصنف.
وقال ابن القاسم في العتبية: يتبع بالثمن.
(وَعَنْهُ: بِالأَكْثَرِ) أي من الثمن أو القيمة، وهذا تأوله صاحب المقدمات عليه وليس منصوصًا عنه كما سيأتي.
وقوله: (بِالْقِيمَةِ) هو لمالك. وقال مالك: تباع كأمة القراض.
قال في المقدمات: هكذا حصل بعض أهل النظر هذه المسألة، والذي أراه أن الاختلاف في بيعها وهو عديم إنما هو إذا اشتراها ووطئ ولم يعلم هل اشترى للقراض أو لنفسه بما استلفه من القراض، ولذلك قال: إنما تباع إذا لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه إنما اشتراها لنفسه بمال استلفه من القراض ولم يصدقه أنه اشتراها للقراض على ما في سماع أبي زيد، ولذلك قال: إنها لا تباع.
إلا أنه قال في سماعه وفي تفسير ابن مزين: يتبع بقيمتها.
ومعناه عندي: إن كانت القيمة أكثر من الثمن فأراد أنه يتبع بالأكثر من القيمة أو الثمن، وأما إن علم أنه اشتراها للقراض ببنية تقوم على ذلك فتباع فيما لزمه من قيمتها اتفاقًا، وكذلك إن علم أنه اشتراها لنفسه من القراض فلا تباع، ويتبع بالثمن الذي اشتراها به في ذمته اتفاقًا. انتهى.
[ ٧ / ٧٧ ]
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ) ليس بجيد، وإنما هو ابن رشد، وقد ذكرنا سبب وهمه في الطلاق فانظره. وتقدم في الرهن المواضع التي تباع فيها أم الولد، والله أعلم.
وَإِنْ أَعْتَقَ وَهُوَ مَلِيءُ مَضَى وَغَرِمَ ثَمَنَهُ وَحِصَّةَ رِبْحِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَ بِقَدْرِهِ وَعَتَقَ الْبَاقِي ..
تصوره ظاهر. وفي المقدمات: إذا أعتق عبدًا من عبيد القراض، فإن كان موسرًا واشتراه للعتق عتق عليه وغرم لرب المال رأس ماله وربحه إن كان فيه ربح، وإن اشتراه للقراض وأعتقه عتق عليه وغرم لرب المال قيمته يوم العتق إلا قدر حصته منه إن كان فيه فضل. وعلى قول غير ابن القاسم في المدونة وهو مذهب المغيرة إن كان فيه فضل عتق عليه نصيبه وقوم عليه نصيب صاحب المال، وإن لم يكن فيه فضل لم يعتق منه شيء وهذا إن كان اشتراه بجميع مال القراض، وأما إن كان اشتراه ببعضه فعند ابن القاسم أنه يعتق عليه ويجبر القراض من ماله بقيمته يوم العتق إن كان اشتراه للقراض أو بالثمن الذي اشتراه به إن كان اشتراه للعتق خلافًا للمغيرة ولغير ابن القاسم المتقدم، وإن كان معسرًا فلا يعتق منه شيء إلا أن يكون فيه فضل فيباع منه لرب المال بقدر رأس ماله وربحه ويعتق على العامل ما بقي منه، وعلى هذا فيحمل كلام المصنف على ما إ ذا اشتراه للعتق لا أنه إذا اشتراه للقراض يغرم القيمة، أما أن أعتق رب المال عبدًا من عبيد القراض جاز وضمن للعامل ربحه إن كان فيه ربح. زاد أبو زيد: وإن كان عديمًا اتبع بذلك.
يحيى: ولا يعجبني ذلك، يعني بل يباع منه بقدر ربح العامل ويعتق ما بقي.
ابن القاسم في العتبية والموازية: إذا كاتب العامل عبدًا من عبيد القراض، فيؤدي لرب المال رده حتى يعتق بإذنه، وما قبض منه كالغلة، فلو أدى عنه أجنبي صح.
قال ابن ميسر: فينفذ عتقه إن لم تكن فيه محاباة.
[ ٧ / ٧٨ ]
ابن القاسم: وإن أجاز رب المال عتق الماكتب فلا شيء للعامل من ولائه إلا أن يكون فيه فضل، فيكون له قدر حصته منه، والله أعلم.
وَلَوْ قَارَضَ مُتَعَدِّيًا فَلا شَيْءَ لَهُ وَلِلثَّانِي مَا شَرَطَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ جُزْئِهِ غَرِمَهُ، وفِي تَعْيينِ مُتَّبِعِهِ مِنَ الْمُقَارِضِ الثَّانِي أَوْ رَبِّ الْمَالِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ..
أي: (وَلَوْ قَارَضَ) العامل عاملًا آخر (مُتَعَدِّيًا) أي: بغير إذن رب المال؛ فلا شيء عليه؛ أي: للعامل الأول؛ لأن القراض كالجعل لا يصح إلا بالعمل، ثم لمقارضته ثلاثة أحوال: وذلك لأنها إما بمثل الجزء الذي هو أخذه عليه، وإما بأقل، وإما بأكثر ولا إشكال في المساوي. ولذلك سكت المصنف عنه، وإن كان أقل؛ كما لو أخذه على النصف ودفعه على الثلث، فذكر المصنف أنه لا شيء له ويكون الثلثان لرب المال. وكذلك نص عليه اللخمي وابن رشد وغيرهما.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يختلف فيه ويكون له الزائد لضمانه وإن كان أكثر، كما لو أخذه على النصف ودفعه بالثلثين غرمه، أي الزائد على جزئه، وهو السدس في المثال المفروض، واخلتف بعد غرم هذا المسدس في من يتبعه به، فقال مالك وابن القاسم: يتبعه العامل الثاني ويكون رب المال أحق بجميع نصف الربح الموجود؛ لأن المال له ولم يدخل إلا على ذلك. وقال أشهب: بل العالم الثاني أحق بما دخل عليه وهو ثلثا الربح ويتبع رب المال العامل الأول بالسدس.
ومنشأ الخلاف أن الربح مضاف إلى المال وإلى عمل العامل فأيهما يغلب فالمشهور غلب المال. وأشهب غلب العامل؛ فإن قلت: لم جعلتم العامل في القراض لا يقارض وجعلتم ذلك للعامل في المساقاة؟ قيل: لأن العامل في القراض مبني على الأمانة، وقد لا يرضى رب المال بالثاني بخلاف المساقاة فإنها عمل فيما لا يغاب عليه.
[ ٧ / ٧٩ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُتَقَدِّمًا أَوْ كَانَ بَعْدُ
الإشارة بذلك عائدة إلى غرم العامل وتعيين متبعه.
وقوله: (خُسْرَانًا مُتَقَدِّمًا) أي على العامل وإطلاق الخسران على ما تلف قبل العمل مجاز.
وقوله: (أَوْ كَانَ بَعْدُ) هو مضموم؛ لأنه ظرف قطع عن الإضافة، تقديره: أو كان الخسران بعد العمل، وفي بعض النسخ: عوض (بَعْدُ) (بتَعَدِّ) من التعدي. والمعنيان صحيحان، وقد ذكر في المدونة خلافًا لأشهب فيها، ولنذكر كلامه في المدونة ليتبين لك ذلك، ويظهر لك مثال المسألة، [٦٠٤/ ب] فقال فيها: وكان رأس المال ثمانين فخسر الأول أربعين ثم دفع الأربعين للثاني على النصف فصارت مائة، ولم يكن الثاني علم بذلك فرب المال أحق بأخذ الثمانين: رأس ماله ونصف ما بقي- وهو عشرة- ويأخذ الثاني عشرة ويرجع على الأول بعشرين دينارًا وهي تمام نصف ربحه على الأربعين.
قال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين رأس المال فيأخذها ثم يأخذ نصف الربح وهو ثلاثون، فإن كان الأول أتلف الأربعين الأولى تعديًا، رجع عليه رب المال بتمام مائة وعشرين إلى ما أخذه، وإن هلكت بأمر من الله تعالى رجع عليه بتمام تسعين، وذلك عشرون دينارًا، عشرة بقية رأس ماله، وعشرة حصته من الربح.
وَلَوْ جَنَى الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْمَالِ جِنَايَةً أَوْ أَخَذَ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِمَا كَأَجْنَبِيِّ وَالْبَاقِي عَلَى الْقِرَاضِ حَتَّى يَتَفَاصَلا ..
يعني: (وَلَوْ جَنَى الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ) أي: أتلف أحدهما شيئًا من مال القراض أو عابه.
وقوله: (جِنَايَةً) زيادة إيضاح، ولو أسقطها لصح الكلام.
[ ٧ / ٨٠ ]
وقوله: (كَأَجْنَبِيِّ) أي: كجناية أجنبي يتبعان به في ذمتهما كما يتبع الأجنبي.
وقوله: (وَالْبَاقِي عَلَى الْقِرَاضِ) يريد أن الباقي يكون رأس المال فقط؛ لأنه إن كان التلف من رب المال فكأنه رضي بأن الباقي هو رأس المال، وإن كان من غيره فتلك جناية.
قال في المدونة: وليس ما استهلكه العامل من المال مثل ما ذهب أو خسر؛ لأن ما استهلكه قد ضمنه، ولا حصة لذلك من الربح، وإن تسلف العامل نصف المال وأكله، فالنصف الباقي رأس المال، وربحه على ما شرطا، وعلى العامل غرم النصف فقط، ولا ربح لذلك النصف. وكهذه المسألة ما في المدونة أيضًا إذا كان القراض بمائة، فاشترى به عبدًا يساوي مائتين، فجنى عليه رب المال جناية نقصه مائة وخمسين، ثم باعه العامل بخمسين فعمل فيها العامل فربح مالًا، لم يكن لرب المال قبض رأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسبه عليه، فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضافًا إلى هذا المال.
فرع:
واختلف إذا عرض هنا فليس العامل فقال بعض القرويين: إذا فلس وقد كان أخذ مائة فأكل منها خمسين قبل أن يتجر ثم تجر في الخمسين الباقية فصارت مائة، يجب على مذهب ابن القاسم أن يكون أحق بالمائة من الغرماء وتبقى عنده خمسون يحاصص فيها الغرماء؛ لأن الربح أولى أن يجبر به رأس المال من أن يكون للعامل كما لو ضاع من المال خمسون فاتجر في الخمسين الباقية فصارت مائة، أن رب المال أولى بها، ألا ترى أن ابن القاسم قال في الذي دفع إليه ثمانين فضاع منها أربعون فدفعها إلى غيره، فتجر فيها فصارت مائة، أن رب المال يأخذ الثمانين ويكون أولى بها من العامل الثاني ثم يأخذ نصف الربح عشرة والعالم الثاين هنا آكد من الغرماء؛ لأنه هو تمم المائة فلم يجعلها أحق بجزئه من الربح لما كان رب المال جبر ما كان في ماله من الخسارة.
[ ٧ / ٨١ ]
وقال غيره: بل يأخذ من المائة التي بيده خمسين رأس المال وخمسة وعشرين حصته من الربح ويحاصص في الخمسة والعشرين بقية الربح بالخمسين التي عليه، وذلك بخلاف ضياع الخمسين؛ لأن رب المال لا رجوع له على الذي ضاعت له الخمسون وله على الذي أكلها الرجوع بها فافترقا، وكذلك العامل في الأربعين له الرجوع على العامل الأول، فلذلك كان رب المال أولى بجبر رأس ماله منه.
ابن يونس: والأول أصوب، ومنشأ الخلاف ما تقدمت الإشارة إليه من إضافة الربح للمال أو للعمل وإليهما يغلب.
وَلِكُلِّ مِنْهُمَا فَسْخُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ
يعني: أن عقد القراض منحل، (وَلِكُلِّ) من العامل ورب المال (فَسْخُهُ) أي: رده والرجوع عنه، وإذا كان العقد غير لازم فلا يطلق عليه الفسخ إلا بطريق المجاز والعلاقة هي مشابهة هذا للعقد اللازم، وهذا هو المعروف. وحكى المازري في التعليقة قولين:
أحدهما: أنه لازم بالعقد لهما.
والثاني: أنه لازم لرب المال فقط.
فإن قلت: ما الفرق بينه على المعروف وبين المساقاة، فإنكم جعلتموها لازمة بالعقد؟
قيل: لأن القراض لما لم يكن مؤقتًا شابه الجعل، والمساقاة لما كانت مؤقتة شابهت الإجارة؛ ولأن القراض شبيه بإجارة كل شهر أو كل سنة، والمساقاة لما كانت مؤقتة كانت كالإجارة المؤقتة لشدة الحاجة في المساقاة.
ويَلْزَمُ بَعْدَهُ حَتَّى يَنِضَّ وَبَعْدَ الظَّعْنِ
أي: ويلزم عقد القراض كلا منهما بعد العمل (حَتَّى يَنِضَّ) أي: يرجع المال عينًا، وكذلك بعد الظعن في السفر وإن لم يشرع في العمل.
[ ٧ / ٨٢ ]
وقوله: (حَتَّى يَنِضَّ) أي: جميع المال، ولو نض بعضه لم يكن له أن يفاصله.
ومِثْلُ الزَّادِ وَالسُّفْرَةِ لا يُمْنَعُ
أي: إذا اشترى العامل زادًا أو سفرة لا يمنع ذلك من الانحلال لرب المال وللعامل، والذي في الموازية: أن ذلك لرب المال فقط، ولا يصح القياس؛ لأنا لو جعلنا للعامل الانحلال لضر ذلك برب المال بسبب ما صرف من ماله في السفرة والزاد، اللهم إلا أن يحسب العامل ذلك على نفسه ويرد الثمن الذي اشترى ذلك به، لكن كلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، والله أعلم.
وَإِذَا اسْتَنَضَّ بَعْدَ الْعَمَلِ نَظَرَ الْحَاكِمُ فَأَخَّرَهُ إِنْ كَانَ نَظَرًا وَإِلا فَلا.
فاعل (اسْتَنَضَّ) عائد على رب المال، أي وإذا طلب رب المال نضوض ماله بعد اشتراء العامل بالمال سلعًا، فإن وافقه العامل فلا كلام، وإن خالفه وطلب التأخير نظر الحاكم فأخره إن كان نظرًا، أي يرتجى له سوقًا ونفاقًا، وإن لم يكن نظرًا فليأمره بالبيع.
وَلَوْ مَاتَ [٦٠٥/ أ] الْعَامِلُ فَلِلْوَرَثَةِ الإِتْمَامُ بِخِلافِ الْمُسْتَاجَرِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنُوا أَتَوْا بِأَمِينٍ وَإِلا سَلَّمُوا وَلا رِبْحَ لَهُمْ، وَوَلِيُّ الْوَارِثِ كَذَلِكَ.
يعني: وللورثة الإتمام بشرطين: الأول أن يكونوا أمناء أو يأتوا بأمين، وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنُوا أَتَوْا بِأَمِينٍ) والثاني: أن يقروا على العمل ويأتوا بمن هو كذلك.
قال في النوادر: وقال أحمد: ويكون بصيرًا بالبيع والشراء. انتهى.
يريد: في حذف الميت وينبغي أن يكون وفاقًا بخلاف المستأجر المعين فإنه إذا استأجر شخصًا معينًا ثم مات فإن الإجارة تنفسخ، فإن قيل: الفرق بينهما غير واضح بدليل منعهم العالم أن يعطي المال لغيره. قيل: لأنه لما كان القراض كالجعل لا يستحق العامل
[ ٧ / ٨٣ ]
فيه شيئًا إلا بالإتمام ارتكب فيه أخف الضررين، وهو تمكينهم من العمل بخلاف الأجير فإنه إذا مات بعد الشروع في العمل يجب للورثة بحساب ذلك من الأجرة.
قوله: (وَإِلا سَلَّمُوا وَلا رِبْحَ لَهُمْ) أي: فإن لم يكونوا أمناء ولا أتوا بأمين سلموا المال ولا ربح لهم. وهذا هو المنصوص في المدونة وغيرها؛ كما في الجعل إذا عجز فيه المجعول له، وقيل: يجب إذا أتم رب المال بقية العمل وانتفعبعمله أن يكون لورثة العامل بقدر ذلك كما قالوا في الجعل لمن يحفر البئر فيما لا يملك إذا ذهب الحافر بعدما حفر نصفها، ثم أتى رب البئر بحافر آخر فحفر بقيتها، يقال: ما يجب للثاني يوم حفرها على جملتها؟ فإن قالوا: عشرة، فإن كان الأول حفر نصفها كان له خمسة.
قال في المستخرجة: وسواء كان جعل الأول فيها خمسة أو عشرة أو عنشرين فإنما له قدر ما انتفع به رب البئر فيما حط عنه من أجرة الثاني.
ابن يونس: وفيه بعد، إذا كانت أجرة الأول خمسة، وأجرة الثاني عشرين يأخذ الأول عشرة أكثر من أجره أولًا في جميعها.
ولو قيل: إنما يكون له حصة حفر فيها من جعله الأول لكان صوابًا، والله أعلم، وكذلك في موت العامل.
وقوله: (وَوَلِيُّ الْوَارِثِ كَذَلِكَ) أي: ولي الوارث المولى عليه كالوارث غير المولى عليه ينظر الولي لمحجوره في المصلحة في ترك تمام العمل أو يستأجر له من يتمه.
وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ- وَهُوَ عَيْنُ- فَالأَوْلَى أَنْ لا يُحَرِّكَهُ، فَإِنْ حَرَّكَهُ فَعَلَى قِرَاضِهِ
احترز بالعين مما لو شغله فإنه يتمادى في العمل، وقيد ابن يونس المسألة بما إذا كان الموت والعامل ببلد رب المال، وأما إن كان بغيره أو ظعن منه فله العمل كما لو شغله.
[ ٧ / ٨٤ ]
وقوله: (فَالأَوْلَى) نحوه في الجواهر، وإنما في المدونة فلا يعمل بصيغة النهي، وظاهره المنع، وعلى ذلك حملها اللخمي وغيره.
فإن فعل بعد علمه ضمن تجر لنفسه أو للقراض، والربح له إن تجر لنفسه وإلا فلهم، ويختلف إذا تجر بعد الموت وقبل العلم فخسر هل يضمن لخطئه على مال الوارث أو لا؟ لأن له شبهة، وقال ابن القاسم في المدونة: إذا اشترى بعد الموت وقبل العلم فهو على القراض، يريد في الربح والخسران إلا أن يعلم من العامل قلة الأمانة فلا يصدق فيهما. انتهى باختصار.
وعن ابن يونس: لمالك ما عزاه اللخمي لابن القاسم؛ لأنه إن لم يعلم بموته حتى ابتاع سلعًا يمضي ذلك على القراض، فإن قيل: فهل يمكن حمل كلام المصنف على ما إذا لم يعلم العامل بموت رب المال؟ قيل: قوله: الأولى ينافي ذلك إلا مع العلم.
وَمَنْ هَلَكَ وَقِبَلُهُ قِرَاضُ أَوْ وَدِيعَةُ- وَلَمْ تُوجَدْ - فَفِي مَالِهِ، وَيُحَاصُّ غُرَمَاؤُهُ، وَتَتَعَيَّنُ بِوَصِيَّتِهِ، وتُقَدَّمُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ..
(وَقِبَلُهُ) أي عنده، والضمير في قوله: (لَمْ تُوجَدْ) عائد على الوديعة. ومتى كان العطف أو جاز عود الضمير على الثاني، هكذا وعلى الأول كقوله تعالى: (تجارة ولهوًا انفضوا إليها) وعليهما كقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) [النساء: ١٣٥].
(فَفِي مَالِهِ، وَيُحَاصُّ) بذلك (غُرَمَاؤُهُ) قالوا: لأنه يحتمل أن يكون أنفقها، ويحتمل أن يضيعها بتفريط أو بغيره، وفي الأولين يضمن، فلما كان وجه الضمان أكثر ألزمه، وقد قدم المصنف هذه المسألة في الوديعة وقيدها هناك بما لم يتقادم كعشر سنين.
[ ٧ / ٨٥ ]
ابن عبد السلام: وقد اختلف المذهب في عمارة ذمة المودع بذلك، ويتخرج مثله في القراض، بل عدم الضمان أولى عند بعض الشيوخ؛ لأنه مأذون له في التصرف فيحمل الخسارة، والذي يقوله هنا وهو الذي يميل إليه غير واحد من الشيوخ: إنما لا ينبغي أن تعمر ذمة العامل ولا المودع بالشك إلا أن تقوم قرائن على ضد ذلك فيعمل عليها، انتهى بمعناه.
قوله: (وَتَتَعَيَّنُ) يعني أن الحكم المتقدم إنما هو إذا لم يتعين ذلك، وأما إن أقر بقراض بعينه أو وديعة بعينها في مرضه فمن أقر له أحق بما عين من جميع الغرماء، كانت ديونهم ببينة أو بإقرار في الصحة أو في المرض، وهكذا في الجواهر. وقال ابن حبيب: هذا في الموت، وأما في الفلس فإن عينها فصاحبها أولى بها، وإن لم يعينها فلا يحاصص ربها بذلك الغرماء كما لا يصدق رب الدين، وكذلك فسره أصبغ وفيها اختلاف وهذا أحسن، وكذلك في العتبية والموازية.
وَالْعَامِلُ أَمِينُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ضَيَاعِهِ وخَسَارَتِهِ، وَاسْتِحْلافُهُ عَلَى الْخِلافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ ..
هذا شروع منه في التنازع، وقدم كون العامل أمينًا لانبناء ما بعده عليه. والإجماع على أمانته، نقله ابن راشد وغيره، وقد تقدم أنه إذا اشترط عليه الضمان فسد القراض.
قوله: (فِي ضَيَاعِهِ) أي: بسرقته ونحوه، والضياع بفتح الضاد قاله الجوهري.
وقوله: (وخَسَارَتِهِ) قيده اللخمي بأن يأتي بما يشبه، ويعرف ذلك بسؤال التجار في بلد السلع هل يخسر مثل هذا المال في هذه المدة كما ذكر؟
وقوله: (وَاسْتِحْلافُهُ) مبتدأ خبره (عَلَى الْخِلافِ) تقديره جاز على الخلاف [٦٠٥/ ب] (فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ) وهو ثلاثة أقوال: ثالثهما: يحلف المتهم دون غيره، وفهم من كلامه أنه لو لم يتهم، بل حق الدعوى عليه أنه يحلف باتفاق، وكذلك قال غيره.
[ ٧ / ٨٦ ]
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مُطْلَقًا
حاصله أنه اتفق أن القول قوله في الرد إذا قبضه بغير بينة واختلف إذا قبضه بها على قولين: المشهور منهما أنه لا يقبل.
قوله: (وَقِيلَ: يُقْبَلُ) ابن شاس: والمشهور مذهب المدونة. وظاهر كلامهما أن الشاذ منصوص، وإنما خرجه اللخمي على ما في المدونة في من اكترى ما لا يغاب عليه ثم ادعى رده، أن القول قوله، أخذه ببينة أو بغيرها، ومما في المدونة: إذا قال العامل: رددت إليك رأس المال والذي بيدي ربح، وقال رب الملا: لم تدفع لي شيئًا، صدق رب المال، ورأى اللخمي أن هذه المسألة تعارض التي فوقها، قال: ولا فرق بين أن يقول: رددت رأس المال أو جميعه أو نصيبك من الربح.
وقال القابسي: معنى ما في المدونة أنه قال: ما في يدي هو الربح بيني وبينك؛ لأنه أقر أن حق رب المال قائم بيده بعد، وأما لو قال: رددت إليك المال وحصتك من الربح وما في يدي هو حصتي من الربح لكان القول قول العامل إذا قبضه بغير بينة، ولا أثر لهذه التفرقة عند اللخمي.
وأما إن أنكر العالم القراض فأقام ربه عليه بينة، فقال: رددته أو ضاع.
قبل مالك قوله مرة فيهما، وقال مرة: لا يقبل فيهما قوله.
وقبل ابن القاسم قوله في الضياع فقط، فإن أقام بينة على ضياعه أورده بعد إنكاره، فالمشهور أنه لا تنفعة البينة خلافًا لمحمد.
هذا حكم ما إذا أنكر ما لا يتعلق بالذمة من قراض أو وديعة، وأما إن أنكر ما يتعلق بها وشبه ذلك من بيع أو ما يفضي إلى حد، ثم رجع إلى إنكاره لأمر ادعاه أو أقام عليه بينة فاختلف فيه على أربعة أقوال:
[ ٧ / ٨٧ ]
الأول: قال ابن نافع: تنفعه في كل شيء.
والثاني: مقابلة قاله غير ابن القاسم في الحدود التي تدرأ بالشبهات فأحرى غيرها.
الثالث: لابن كنانة: لا ينتفع بذلك إلا في الربح والحدود.
الرابع: لابن المواز: لا ينتفع بذلك إلا في الحدود.
وَيَحْلِفُ اتِّفَاقًا
أي: إذا قلنا: إن القول للعامل في الرد فيحلف بالاتفاق ولا يجري فيه الخلاف المتقدم؛ لأن رب المال هنا حقق عليه الدعوى، ولهذا انتقلت هذه اليمين على رب المال إن نكل عنها العامل بخلاف الضياع؛ لأنه اتهمه فقط.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي جُزْءِ الرِّبْحِ إِنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَالْمَالُ بِيَدِهِ، أَوْ وَدِيعَةُ وَلَوْ عِنْدَ رَبِّهِ
لا إشكال أنهما إن اختلفا في قدر جزء الربح قبل الشغل أن العامل مخير بين أن يعمل بما قاله رب المال أو يرد لانحلال عقد القراض قبل العمل، وأما إن اختلفا بعده فهو ما ذكره المصنف، ومعناه أن القول قول العامل في جزء الربح إذا ادعى ما يشبه مع يمينه، فإن نكل فالقول لرب المال مع يمينه، فإن نكل فالعمل على الأشبه.
الباجي: وسواء ادعى رب المال ما يشبه أو لا، أما إن ادعى رب المال ما يشبه فقط فالقول قوله مع يمينه كالأول، وإن ادعيا معًا مالًا يشبه تحالفًا ولزم قراض المثل إن حلفا أو نكلا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فالقول قول الحالف.
وقوله: (وَالْمَالُ بِيَدِهِ) جملة حالية، وحاصله أن القول قول العامل بشرط أن يدعي الأشبه وأن يكون المال بيده أو بيد نائبه؛ كما لو ادعاه ولا يضر في ذلك أن يودعه عند ربه، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ عِنْدَ رَبِّهِ)، و(لَوْ) هنا بمعنى (إن).
[ ٧ / ٨٨ ]
أما لو سلم لربه به ليأخذ منه رأس ماله وحصته من الربح فالقول قول رب المال لخروج المال عن حيازة العامل، واعلم لو بقي جميع الربح بيد العامل ودفع رأس المال لربه لكان القول أيضًا قوله، نص عليه في البيان، وهو خلاف مفهوم كلام المصنف.
وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ: قِرَاضُ، وقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بِضَاعَةُ بِأَجْرٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ- فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ ..
وهكذا وقع في بعض النسخ، وهي الصحيحة إن شاء الله تعالى، ومعنى هذا إذا اختلفا في الوجه الذي قبض المال عليه، فقال العامل: قبضته على القراض بالنصف مثلًا، وقال ربه: بل أبضعته معك بأجرة؛ فالقول قول العامل مع يمينه ويأخذ النصف إذا كان مما يشبه القراض عليه، فإن نكل حلف الآخر ودفع الأجرة.
وإنما كان القول قول العامل؛ لأن الاختلاف هنا راجع إلى الاختلاف في جزء الربح، وهذا مقيد بما إذا كانت الأجرة أقل من نصف الربح، وأما إن كانت مثله أو أكثر فلا يمين، وقد اتفقا في المعنى كما ذكرنا، ولا يضر اختلافهما في اللفظ، واستغنى المصنف عن هذا القيد لوضوحه؛ ولأنه راجع في المعنى كما ذكرنا إلى الاختلاف في الجزء فاستغنى بما قدمه فيه.
واحترز بقوله: (بِأَجْرٍ) مما لو ادعى رب المال البضاعة بغير أجر، ففي المدنة: القول قول صاحب المال، ففيها: وإن قال العامل: قراض، وقال ربه: بل أبضعته لتعمل به؛ فالقول قول رب المال مع يمينه، وعليه للعامل أجرة مثله.
سحنون: إلا أن يكون ما ادعى العامل من الربح أقل من أجر مثله فليأخذ الأقل، وإن نكل رب المال صدق العامل مع يمينه إذا كان يستعمل مثله في القراض. انتهى.
[ ٧ / ٨٩ ]
وحمل بعضهم المدونة على أن مراد رب المال بقوله: بضاعة؛ أي بغير أجر. وفي هذه إشكال؛ لأنه إن كان القول قول العامل مع دعوى رب المال البضاعة بجبر فلان يكون القول قول العامل مع دعوى رب المال البضاعة بغير أجر أولى، وهكذا قال بعض القرويين: إن القول قول العامل هنا، ولهذا قال ابن رشد: معنى مسألة المدونة أن يحلف العامل؛ لأن وجه ما فيها أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه، رب المال يدعي على العامل أنه عمل له باطلًا، والعامل يدعي أنه عمل [٦٠٦/ أ] له بنصف الربح، فإن حلفا أو نكلا كان له أجر مثله إلا أن يكون ذلك أكثر من نصف الربح، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، وحمل اللخمي المدونة على ظاهرها أن القول قول العامل؛ وقيد ما في المدونة بما إذا كان مثل المبضع معه لا يستعمل نفسه في القراض، وكان مثل تلك البضاعة لا تدفع قراضًا ليسارتها، ثم حكى عن محمد أنه خالف المدونة، وقال: إنهما يحلفان جميعًا، ويعطي العامل أجرة مثله.
وقوله: (أَوْ بِالْعَكْسِ) أي: إن ادعى العامل بضاعة بأجر، وادعى ربه قراضًا على أجر، فالقول أيضًا قول العامل مع يمينه، نقله اللخمي، قال: لأن العامل يقول: عملته على الإجارة في الذمة، والآخر على الجعالة، وهما مما يدل على سقوطه أو في المسألة.
وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: وَدِيعَةُ؛ ضَمِنَهُ الْعَامِلُ بَعْدَ الْعَمَلِ لا قَبْلَهُ
يعني: فإن قال رب المال: وديعة عندك، وقال العامل: بل هو قراض، وحذف المصنف قول العامل لدلالة الكلام عليه، فإن هلك قبل العمل فلا ضمان لاتفاقهما أنه كان أمانة؛ لأن القراض والوديعة يشتركان في ذلك، وإن هلك بعده فالقول قول دافعه؛ لأن قابضه مدعى عليه أنه أذن له في تحريكه والأصل عدم ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يخرج خلافًا في ذلك، فقد اختلف إذا كان المال غائبًا وتنازعا على هذا الوجه، فقال ابن القاسم ورواه عن مالك: القول للدافع.
[ ٧ / ٩٠ ]
وقال أشهب ورواه عن ابن عبد الحكم عن ربيعة ومالك: القول قول المدفوع إليه المال؛ إذ لا يؤخذ أحد بغير ما أقر به.
وأشار بعضهم إلى وجود نص خلاف في ضمانه إذا عدم قبل التحريك، وهو بعيد.
فرع:
وما ذكره المصنف ظاهر إذا لم يشغل المال. ابن القاسم: وإن كان المال في سلعة فبيعت السلعة بفضل، فقيل للعامل: اتق الله إن كنت علمت أنه قراض، فادفع إليه ربحه، ولا أحكم بذلك، ولو دفع ذلك لم يقض على رب المال بأخذه، وإن كان في السلعة نقصان، يقال لرب المال: اتق الله ولا تضمنه إن علمت أنه قراض، فإن أبى فالحق حقه، وإن رجع العامل إلى قول رب المال بعد البيع لم يقبل منه أنه لا يرد أي لأنه يريد نقص البيع.
فَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: قِرَاضُ أَوْ وَدِيعَةُ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: قَرْضُ- فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ خِلافًا لأَشْهَبَ ..
تظهر فائدة هذا الخلاف إن ادعى العامل ضياع المال كله أو بعضه، فالمشهور وهو قول ابن القاسم وروايته أن القول قول رب المال مع يمينه، أي سواء أتلف قبل العمل أو بعده؛ لأن العامل مقر بوضع يده الذي هو سبب الضمان مدع لدفع ذلك السبب، ورأى أشهب أن وضع اليد تارة يكون مع الضمان وتارة يكون مع عدمه فهو أعم من الضمان، فلا يستلزمه ولا يؤخذ المقر بأكثر مما أقر به، وظاهر كلامه أن أشهب خالف سواء تلف قبل التحريك أو بعده والذي ذكره جماعة أن أشهب إنما خالف قبل التحريك ووافق إذا ضاع بعده؛ لأن القابض يدعي في مال حركه أنه لا ضمان عليه. ومقتضى ما حكاه صاحب المقدمات أن أشهب خالف مطلقًا، وذكر في المسألة ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، فإن كان قبل العمل فلا ضمان، وإن كان بعده فالضمان.
[ ٧ / ٩١ ]
وَلَوْ قَالَ: بَلْ غَصَبْتَهُ لَمْ يُصَدَّقْ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يُشْبِهَ
أي: لو قال العام قراض، وقال رب المال: بل غصبته مني (لَمْ يُصَدَّقْ) أي: رب المال؛ لأن الأصل عدم الغصب، فكان القول قول منكره وسواء كان يشبه أم لا، ولأن الغصب يستلزم زيادة على الغرامة، وهي: الأدب والجرحة، بل يعاقب مدعي ذلك إذا كان المدعي عليه من أهل الخير والصلاح.
وقوله: (وَقِيلَ: إِلا أَنْ يُشْبِهَ) ابن عبد السلام: وهو بعيد. انتهى. وذكره ابن يونس عن بعضهم لكنه لم يذكر على أنه خلاف، بل بعد قوله في المدونة: وإن قال رب المال: غصبته مني أو سرقته مني فهو مدع، قال بعض الفقهاء: إنما هو إذا ادعى ذلك على امرئ لا يليق به، ولو عكس لكان من دعوى رب المال ما يشبه.
وإِنِ اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَكَالْبَيْعِ
فيكون القول قول مدعي الصحة، قال في الجواهر: ويجري فيها بأن القول قول مدعي الفساد إن غلب.
[ ٧ / ٩٢ ]
الْمُسَاقَاةُ
عياض: هي مشتقة من سقي الثمرة؛ إذ هو معظم عملها، وهي إجارة على عمل في حائط وشبهه بجزء من غلته، والمزارعة قريب منها، ولعل المصنف ترك رسمها؛ لأنه يؤخذ من رسم القراض، وهي جائزة عندنا وعند الجمهور خلافًا للحنفية، ودليلنا ما في الصحيح أنه ﵊ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهي رخصة مستثناة من المخابرة، وهي كراء الأرض بما يخرج منها، ومن بيع الثمرة والإجارة فيها قبل طيبها وقبل وجوبها، ومن الإجارة بالمجهول، ولصحتها وجوازها وجوه:
الأول: أن يكون في الأصول من النخل والأشجار مما له ثمر، أو ما في معناه من ذوات الأزهار والأوراق المنتفع بها؛ كالورد والياسمين احترازًا من الزرع والمقاثي فإن فيها خلافًا سيأتي.
والثاني: أن يكون قبل طيبها وقبل جواز بيعها؛ لأنها إذا جاز بيعها لا ضرورة حينئذ إلى المساقاة.
الثالث: أن تكون المدة معلوم ما لم تطل جدًا.
الرابع: أن يكون بجزء مشاع مقدر.
الخامس: أن يكون العمل كله على العامل.
السادس: ألا يشترط على العامل أشياء خارجة عن الثمار أو متعلقة بالثمرة ولكن يبقى بعد الثمرة مما له قدر.
السابع: ألا يشترط أحدهما من الثمرة [٦٠٦/ ب] ولا من غيرها شيئًا خالصًا له.
الثامن: أن تكون بلفظ المساقاة عند ابن القاسم، ولا تنعقد بـ (عاملتك) ونحو ذلك خلافًا لسحنون وابن المواز، ذكر هذه الثمانية عياض.
[ ٧ / ٩٣ ]
وزاد غيره تاسعًا: وهو أن يكون الشجر مما لا يخلف احترازًا من القصب والموز فإنه لا تجوز مساقاته.
الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ: النَّخْلُ، وَالأَشْجَارُ، وَالزَّرْعُ، وَالْمَقَاثِي الظَّاهِرَةُ فِي الأَرْضِ
أي: المعقود عليه من حيث الجملة وإلا فسيقول: إن من شرط الزرع والمقاثي أن يعجز عنها أربابها.
وعطف الأشجار على النخل من باب عطف العام على الخاص، ولعله أفرد النخل لكونه محل النص، ويندرج في الأشجار الورد والياسمين والقطن، وقد نص على هذه الثلاثة في المدونة، وظاهرها جواز مساقاتها وإن لم يعجز عنها أربابها، وعلى هذا الظاهر تأوله أبو عمران وابن القطان.
عياض: وهو ظاهر قول اللخمي. واحتج هؤلاء بقوله في المدونة، ولا بأس بمساقاة الورد والياسمين والقطن، وأطلق وعطف على قوله في المدونة تجوز المساقاة في كل ذي أصل من الشجر، وهو قول محمد ابن المواز في الورد والياسمين، وتأول بعضهم المدونة على أنه لا فرق بين القطن والزرع والمقاثي، وأشار ابن يونس إلى أن الخلاف هنا راجع إلى خلاف في حال؛ لأنه لما نقل عن ابن الماجشون جواز مساقاة هذه الثلاثة وإن لم يعجز عنها ربها، قال: يريد لأن القطن عندهم شجر يجنى سنين فهو كالأصول الثابتة، وأما بلدنا فلا تجوز مساقاته إلا أن يعجز عنه أربابه كالزرع؛ لأن أصله غير ثابت.
وفي المقدمات: لا ينبغي أن يختلف في جواز مساقاة الورد والياسمين على مذهب مالك؛ لأن لها أصولًا تجنى، ولو قال قائل في المقاثي والقطن بالجواز وإن لم يعجز عنها أربابها دون الزرع، فلا يجوز على مذهب مالك إلا بالعجز لما بعده إلا أنه لم يقله.
[ ٧ / ٩٤ ]
خليل: وقول من حمل المدونة على الجواز مطلقًا أظهر؛ لأن فيها بعد هذه الثلاثة: وأما المقاثي والبصل وقصب السكر فكالزرع يساقي إن عجز عنه ربه، فتفرقته بين هذه وبين تلك، تدل على أن حكمها مختلف، والله أعلم.
وقوله: (الظَّاهِرَةُ) صفة للمقاثي على معنى الشرط، ولو قال: الظاهرين ليعود على (الزَّرْعُ) أيضًا لكان أولى؛ لأنه كما يشترط الظهور في المقاثي كذلك يشترط في الزرع، وقد يقال: (الظَّاهِرَةُ) صفة للمقاثي والزرع باعتبار المذكورات أو يقال: حذف وصف الزرع لدلالة وصف المقاثي عليه، وفيهما تعسف.
وأجاب ابن عبد السلام بأن مراده تمييز ما تجوز فيه المساقاة لا تمييز شخصه، فكأنه يقول: ما شأنه الظهور كالمقاثي تجوز مساقاته بخلاف ما شأنه أن لا يظهر كاللفت والجزر على مذهب المدونة فيما يخرج منه، ونص عليه محمد، ورد بأن ما شأنه أن يظهر أعم من أن يظهر أم لا، فلا يفيد أن الظهور شرط في المقاثي، وكلام المؤلف يقتضي أن الظهور شرط في المقاثي.
وقوله: (فِي الأَرْضِ) مستغنى عنه، وقد يتلفظ له بأنه قيد بقوله: (في الأرض) ليتناول أصولها؛ لأنها التي في الأرض حقيقة، إذ لا يشترط ظهور القثاء المأكول بل ظهور ذلك يمنع من المساقاة.
وَهِيَ لازِمَةُ مُؤَقَّتَةُ وتُسْتَحَقُّ الثِّمَارُ فِيهَا بِالظُّهُورِ اتَّفَاقًا بِخِلافِ الْقِرَاضِ
يعني: (لازِمَةُ) بالعقد وهذا مذهب المدونة، وقد تقدم في القراض الفرق بينها وبينه.
ابن رشد: وقيل: إنها لا تنعقد ولا تلزم إلا بالعمل، وقيل: إنها تنعقد وتلزم بالشروع في العمل كل واحد.
قوله: (مُؤَقَّتَةُ) أي: محدودة بالجذاذ لا بالأهلة، كما سيأتي، ولهذا يكون من شرط صحتها التأجيل، إلا أن بعض الشيوخ حكى فيها قولًا آخر: إنها إذا وقعت مطلقة حملت
[ ٧ / ٩٥ ]
على سنة واحدة، ولا تكون فاسدة تستحق الثمار فيها بظهور الثمرة فيها اتفاقًا، كما قال المصنف فالاتفاق عائد على المسألة الأخيرة.
خليل: ولا يعود على الجميع لوجود الخلاف في الأولى، واختلف في القراض، فالمشهور أن العامل لا يملك الربح بمجرد ظهوره، والفرق بينها وبين القراض أن الربح تجبر به الخسارة في القراض، ولو ملكه لما جبرت الخسارة به، وقيل: يملكه في القراض ملكًا غير مستقر لكون الخسران يجبر به، فإذا وقعت القسمة استقر ملكه عليه.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا يُخْلَفُ، فَلا يَجُوزُ فِي الْمَوْزِ وَالْقَصَبِ وَالْبَقْلِ
أي: وشرط المعقود عليه ولم يجز مساقاة ما لا يخلف لبعد شبهه عن محل النص وهو النخل، ولأن بعض هذا النوع إذا استقي بدا صلاحه فيعود هذا الشرط إلى الذي بعده، فقال في المدونة: ولا تجوز مساقاة القصب؛ لأنه يساقى بعد جواوز بيعه، وكذلك القرط والبقل والموز، وإن عجز عن ذلك ربه، لأن ذلك كله بطن بعد بطن، وجزة بعد جزة. وقوله في المدونة: لأنه يساقى بعد جواز بيعه، يعني: لأنه إنما يساقى بعد استقلاله، وهو بعد استقلاله يجوز بيعه. ونقل ابن القاسم في مجالس أبي زيد إجازة مساقاة ما يخلف، وليس بشيء، وعلى المشهور هو مقيد بما إذا كان مقصودًا، إلا أن سحنون أجاز في العتبية مساقاة الحائط وفيه شيء من الموز: الثلث فأقل. قال في البيان: وهو تفسير لمذهب مالك. سحنون: وإذا كان يسيرًا فيكون بينهما ولا يجوز أن يشترطه أحدهما، أما مساقاة البقول فما كان منها ظاهرًا؛ كالقصب والكزبرة والكرنب فلا تجوز مساقاته عند مالك وابن القاسم، وقال عبد الرحمن بن دينار: يجوز ذلك إذا نبت وعجز ربه عن عمله قبل أن يحل بيعه، وأما الأصول المغيبة في الأرض كالجزر واللفت والبصل، ففي الموازية منع مساقاتها، وفيها أيضًا عن ابن القاسم الجواز إذا ظهرت من الأرض، وعجز عنها ربها، وكذلك
[ ٧ / ٩٦ ]
أجاز في المدونة المساقاة على البصل وقصب السكر إذا عجز عنه ربه، ونقل عن ابن القاسم منع مساقاة القصب وإن عجز عنه ربه.
ابن المواز: بناء على الأول، ولا يجوز أن يشترط خلفه القصب في المساقاة، كما لا تجوز مساقاته إذا لم يظهر من الأرض، وجوز ابن نافع مساقاة [٦٠٧/ أ] الأصول المغيبة والمقاثي وإن لم يعجز عنها ربها.
ابن يونس: واختلف في الريحان، فقيل: تجوز مساقاته، وقيل: لا، فوجه المنع؛ لأنه كالبقل يجز ويخلف، ووجه الجواز أنه إذا جزه لم ينتفع به، واحتاج إلى السقي، فيجوز أن تساقى منه الجزة الأولى دون الخلفة، وقيل: القياس أن تجوز المساقاة عليه وعلى خلفته أما إن كانت النخلة تطعم في السنة مرتين فلا بأس بمساقاتها.
وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ فَإِنْ حَلَّ فَإِجَارَةُ
هذا معطوف على قوله: (أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا يُخْلَفُ) وكذلك قوله بعد ذلك: (وَأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالْمَقَاثِي ..) والظاهر أن كلامه مشتمل على ثلاثة شروط في قوله (أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا يُخْلَفُ) قائمًا مقام شروط؛ لأنه اسم جنس مضاف، فيفيد العموم، ويحتمل أن يريد بقوله: (وَشَرْطُهُ) شرطًا واحدًا، ويكون قوله: (وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ) و(وَأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالْمَقَاثِي) أجزاء الشرط، وقولنا الأول هو الظاهر؛ لأنه في الجواهر. كذلك قوله: (فَإِنْ حَلَّ فَإِجَارَةُ) مرفوع على خبر ابتداء مضمر أي فهو إجارة، قال في الجواهر: إذا حل بيع الثمار وغيرها والمقاثي لم تجز المساقاة عليها وإن عجز عنها ربها، قال سحنون: تجوز مساقاة ما جاز بيعه وهي إجارة بنصفه.
ابن عبد السلام: وكأن المصنف حمل كلام سحنون على الموافقة لابن القاسم في المعنى، وأن هذه الصورة إذا وقعت مضت على مذهبهما معًا بإجارة.
[ ٧ / ٩٧ ]
خليل: وفيه نظر؛ لأن هذا الحمل على خلاف ما فهمه أهل المذهب من حمل مذهبه على المخالفة، وذلك أن الباجي وابن رشد وغيرهما نصوا على أن مالكًا منع ذلك، وقال: يفسخ العقد ولا يكون إجارة فاسدة، وأن سحنون أجازها كما قاله مالك وابن القاسم، وفي المقدمات عن ابن القاسم مثل قول مالك، وعلى هذا فقول المصنف إجارة ليس كما ينبغي؛ إذ لم يبين هل هي إجارة فاسدة كما قاله مالك وابن القاسم أو إجارة صحيحة كما قاله سحنون؛ نعم ظاهره موافقة سحنون؛ لأنه إنما يحمل في الإطلاق على الصحيح، وعلى هذا فيكون المصنف لم يذكر المشهور.
فإن قيل: لم لا يقرأ قوله: (فَإِجَارَةُ) بالنصب على المصدر الموضوع موضع فعل الأمر أي فليؤاجره إجارة؟
قيل: فيه بعد؛ لأنه حينئذ يكون صريحًا في مخالفة المشهور وموافقة قول سحنون، ولأنه حينئذ لا يكون في كلامه ذكر حكمها إذا وقعت بلفظ المساقاة وهو المقصود، فإن قيل: فما وجه قول مالك؟ قيل: علله الباجي بأن المساقاة تتضمن أن على العامل النفقة على رقيق الحائط، وجميع المؤن وإن لم يكن ذلك معلومًا، ولا يجوز ذلك في الإجارة، وعلله صاحب البيان وابن مرزوق بأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له قيام في الجائحة، وخير بين أن يتمادى أو يترك، وفي الإجارة له القيام بالجائحة، والله أعلم، وعلله بعضهم بأن العالم في المساقاة لا يستحق شيئًا إلا بظهور الثمرة، والأجير قد يستحق الأجرة بمجرد العقد وقد يستحقها بمقدار العمل، فاشتمل العقد على متناف، وأخذ صاحب المقدمات وعياض من هذه المسألة أن الإجارة لا تنعقد بلفظ المساقاة.
ابن عبد السلام: وفيه نظر؛ لجواز أن يكون منع المساقاة في هذه المسالة لتنافي الأحكام، وأجاز في الموازية أن يدفع إليه نخلًا مساقاة بتمر من نخل آخر قد أزهى، ولم يلتفت إلى لفظ المساقاة.
[ ٧ / ٩٨ ]
وَلِذَلِكَ لَوْ جَمَعَهُ مَعَ سَنَةٍ أُخْرَى لَمْ يَجُزْ
ولا أجد أن ما حل بيعه مع سنة أخرى؛ لأن الصفقة حينئذ جمعت حلالًا وحرامًا، وهذه الصورة لا تجوز على قول سحنون، لاشتمال هذا العقد على المساقاة والإجارة، وإنما يجيزه سحنون إذا انفرد، قاله الباجي.
وَيُغْتَفَرُ طِيبُ نَوْعٍ يَسِيرٍ مِنْهُ
هذا الفرع ذكره في الموازية، أي إذا كان في الحائط أنواع من الثمر، فطاب منه نوع يسير، أنه تجوز مساقاته، وإن كان كثيرًا فلا تجوز المساقاة فيه ولا في غيره، هكذا نقل الباجي عن الموازية، وحكى عنها اللخمي المنع، ولعل معناه أن يكون كل واحد من النوعين ما طاب وما لم يطب كثيرًا، أما لو كان الحائط كله نوعًا واحدًا وطاب بعضه، فإنه لا تجوز المساقاة فيه؛ لأن بطيب البعض يجوز البيع، قاله ابن يونس وغيره، وهو يؤخذ من كلام المصنف، لأن قوله: (نَوْعٍ) يخرج هذه الصورة، واعلم أنه إنما يشترط في الثمرة ألا تبلغ إلى حد يجوز بيعها في الحائط الذي يعمل فيه، وأما لو ساقى حائطًا لم تطب ثمرته بنصف أخرى مثلًان فقال مالك: إذا كان بعد أن طابت ثمرة الحائط الذي يعطي منه فلا بأس إذا كان السقي معروفًا وهو بمنزلة الأجرة.
اللخمي: وإذا طاب بعض الحائط ولم يكن باكورًا لم تجز مساقاته على قوله في المدونة: يجوز بيعه حينئذ، وإن كان الذي طاب باكورا وكانت المساقاة على أن يسقي جميع الحائط، ويأخذ الجزء مما طاب خاصة جاز ذلك، وتكون أجرة بمنزلة من أعطى حائطين قد طابا أحدهما على أن يأخذ الجزء مما طاب، وإن كانت المساقاة على أن يسقي ما لم يطب ومنه يأخذ جزأه أو مما طاب ولم يطب لم يجز، وإن كانت المساقاة على أن يسقي ما طاب وحده ومنه يأخذ جزأه قولًا واحدًا.
[ ٧ / ٩٩ ]
خليل: انظر هنا فإنه يقتضي جواز المساقاة على ما حل بيعه، ولعله يذهب إلى حمل قول سحنون على الموافقة، والله أعلم.
اللخمي: وإنما لم يجز أن يسقي الحائط على أن يأخذ الجزء من الثمر ما طاب وما لم يطب؛ لأنها صفقة جمعت مساقاة وبيعًا، وهو أيضًا جعل وبيع، ويدخله مساقاة ما لم يطب بجزء من غيره؛ لأن خدمة ما طاب أقل وخدمة ما لم يطب أكثر، وكل هذا إذا كان كل واحد منهما [٦٠٧/ ب] كثيرًا؛ لأنه مقصود في نفسه، قال غير واحد: ومحمل قول مالك في جواز مساقاة ما قد طاب إذا لم يكن في الحائط رقيق ولا دواب أو كانوا فيه وشرط إطعامهم على رب الحائط، وأما لو اشترط إطعامهم على العامل لم يجز؛ لأنه طعام بطعام غير يد بيد؛ أي: لأنه يأخذ في نصيبه طعامًا، وقد كان أخرج للرقيق والدواب طعامًا، وهذا الشرط أيضًا يأتي على قول سحنون الذي يجيز المساقاة فيما حل بيعه، وقاله ابن عبد السلام.
وَأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالْمَقَاثِي مِمَّا عَجَزَ عَنْهُ رَبُّهُ عَلَى الأَشْهَرِ
الأشهر مذهب المدونة، ومقابله لابن نافع بإجازة المساقاة على ذلك وإن لم يعجز عنه ربه.
اللخمي: ولم يفرق في ذلك بين أن يبرأ أو لا، وزاد اللخمي في الزرع قولين آخرين:
أحدهما: الكراهة، ونسبه للموازية، والثاني: لابن عبدوس قال: القياس عندي ألا تجوز مساقاة الزرع أي: لأن المساقاة إنما وردت في الزرع؛ إذ كان زرع خيبر تبعًا لثمارها، والتبع لا حكم له فوجب أن يقتصر بالرخصة على ما ورد، ووجه قول مالك أن العلة في جواز المساقاة الضرورة، ومع العجز تتحقق الضرورة.
الباجي: ومعنى العجز عن الزرع: أن يعجز عن عمله الذي يتم به أو ينمو أو يبقى وإن كان له ماء فقد يكون عاجزًا.
[ ٧ / ١٠٠ ]
تنبيه:
لمساقاة الزرع ونحوه شروط: أولها: ما ذكره المصنف. الثاني: أن تكون فيه مؤنة، ولو تركت لمات. الثالث: أن يستقل من الأرض ويبرز. الرابع: أن لا يبدو صلاحه.
فرع:
قال مالك في المدونة وغيره: وتجوز المساقاة على شجر البعل، وكذلك ما كان يشرب بالسيح؛ لأنه قد يعجز عن الدواب والأجراء، قيل لمالك: فزرع البعل كزرع إفريقية ومصر وهو لا يسقى، قال: إن احتاج من المؤنة ما يحتاج إليه شجر البعل ويخاف هلاكه إن ترك، جازت مساقاته، وإن كانت لا مؤنة فيه إلا حفظه وحصاده ودرسه لم يجز وتصير إجارة فاسدة وليس زرع البعل كشجره، وإنما تجوز مساقاة زرعه على الضرورة والخوف، وقد يقال: الأظهر هو المشهور؛ لأن الأشهر يؤدي إلى زيادة الفرع على الأصل.
وَلا يُسَاقَى الْبَيَاضُ إِلا تَبَعًا ثُلُثًا فَمَا دُونَهُ بِقِيمَةِ الْجَمِيعِ
البياض عبارة عن الأرض الخالية من الشجر؛ أي: لا يجوز إدخال البياض في المساقاة إلا بشرط أن يكون تبعًا للشجر، وسواء كان بين أضعاف السواد أو مفردًا عن الشجر، قاله ابن المواز.
وقوله: (ثُلُثًا) بدل أو عطف بيان من (تَبَعًا) وذكر المصنف التبعية لينبه على علة الجواز.
مالك: وكان بياض خيبر يسيرًا بين أضعاف السواد.
مالك: وبذلك قضى أهل العلم.
وقوله: (بِقِيمَةِ الْجَمِيعِ) بيان لنسبة الثلث يعني أن التبعية منسوبة إلى جميع الثمرة، كما لو كان كراء الأرض على انفرادها خمسة دنانير، وكانت الثمرة المعتاد منها بعد إسقاط
[ ٧ / ١٠١ ]
ما أنفق عليها تساوي عشرة، هكذا نص عليه في المدونة، وقال ابن عبدوس: إنما يراعى أن يكون البياض تبعًا للثمرة كلها إذا كان بينهما، فأما إذا ألغي فإنما يراعى فيه أن يكون تبعًا لحصة العامل فقط.
اللخمي: وما ذكره ابن القاسم من الإسقاط غلط؛ لأن السقي والعلاج ثمن للثمرة فكيف يصح أن يحط ثمن أحدهما من الآخر، وإنما باع العامل منافعه من عمل وسقي بالجزء الذي يأخذه بعد الطيب، وإنما يطيب ذلك الجزء على رب الحائط، ولهذا وجبت الزكاة فيه إن كان مجموع غلة الحائط خمسة أوسق، وإن كان العامل عبدًا أو نصرانيًا.
فَإِنْ سَكَتَا فَقَالَ مَالِكُ: يُلْغَى لِلْعَامِلِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: إِنْ كَانَ ثُلُثَ نَصِيبِهِ فَمَا دُونَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ لِرَبِّهِ ..
تبع في نسبة هذا القول لمحمد صاحب النكت، ونسبه ابن أبي زيد والباجي واللخمي وابن يونس إلى ابن عبدوس، ونسبه ابن شاس إليهما، واعلم أن البياض إن كان أكثر من الثلث لم يجز أن يدخلاه في المساقاة، ولا يلغى للعامل بل يبقى لربه، وإن كان يسيرًا فأربعة أوجه: إما أن يسكتا عنه، وإما أن يدخلاه، وإما أن يشترطه ربه، وإما أن يشترطه العامل، تكلم المصنف على الوجه الأول بقوله: (فَإِنْ سَكَتَا) والرواية الأولى لمالك في الموازية وبها قال محمد، ولم يحقق محمد نسبتها لمالك، واحتج لها محمد بأن ذلك هو السنة منه ﷺ.
وقوله: (وَرُوِيَ أَنَّهُ لِرَبِّهِ) هو في كتاب ابن سحنون، قال: وإن زرعه العامل بغير إذن رب الحائط فعليه كراء المثل. وهو أحسن؛ لأن مفهوم المساقاة أن يسقى ما يحتاج إلى السقي، وهو النخل والبياض خارج عن هذا، وهو الذي في الجلاب.
ابن عبد السلام: لعل محمد لا يريد بقوله: وتلك السنة أن الحكم عند الإطلاق إلغاؤه للعامل بالسنة، ولعله يريد أن الواقع في قصة خيبر إلغاء البياض لليهود، وهو أحسن ما
[ ٧ / ١٠٢ ]
يحمل عليه، ومع ذلك فلا يصح لما في الصحيح أنه ﵇: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.
فَإِنْ أَدْخَلاهُ فِي الْمُسَاقَاةِ فَبِجُزْئِهَا، وَبَذْرُهُ عَلَى الْعَامِلِ وَإِلا فَسَدَ
هذا هو الوجه الثاني أعني إذا اشترط إدخاله، فإن قلت: هو تكرار مع قوله في صدر المسألة (وَلا يُسَاقَى الْبَيَاضُ إلى آخره) قيل: كلامه أولًا إنما هو إعطاء قاعدة، ثم تكلم على وجه المسألة، والله ﷿ أعلم.
وقوله: (فَبِجُزْئِهَا) أي فيجوز على مثل جزء المساقاة، فحذف العامل والمضاف والباء بمعنى على كقوله تعالى: (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ) [آل عمران: ٧٥]، أي: على قنطار.
وقوله: (وَبَذْرُهُ) أي: البياض، وفي بعض النسخ: (بَذْرُهَا)، ويعود على الأرض الخالية المفهومة من السياق.
وقوله: (وَإِلا) أي: وإن لم يكن بجزئها بل بجزء مخالف أو كان بجزئها لكن والبذر ليس من عند العامل فسد [٦٠٨/ أ] العقد، وهو أولى من تخصيص ابن عبد السلام.
وقوله: (وَإِلا فَسَدَ) يعني: أنه يشترط في جميع مسائل هذا الفصل أن يكون بذر البياض على العامل؛ لأنه لم يرو أنه ﵊ دفع لأهل خيبر شيئًا. وخالف أصبغ في اشتراط مساواة جزء البياض للحائط ونص ما نقله الباجي: ولو كان البياض تبعًا فاشترط العامل ثلاثة أرباعه، فقد أبى ذلك ابن القاسم وكرهه أصبغ ثم أجازه.
فوجه الأول أنه لما اشترط البعض، كان ذلك زيادة في المساقاة، ولم يكن إلغاء؛ لأن الإلغاء إنما يكون في جميعه، ووجه الثاني: أنه اشترط أرضًا هي تبع؛ كما لو اشترط جميعها.
[ ٧ / ١٠٣ ]
وَلَوِ اشْتَرَطَ رَبُّهُ أَنْ يَعْمَلَهُ لِنَفْسِهِ فَفِي الْمُوْطَأِ: لا يَصْلُحُ؛ لِنَيْلِهِ سَقْيَ الْعَامِلِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ ..
هذا هو الوجه الثالث: وقوله: (لِنَيْلِهِ سَقْيَ الْعَامِلِ) أي: لأن سقي العامل ينال البياض، وذلك زيادة اشترطها رب المال على العامل.
ابن عبد السلام: وروي في القول الثاني: إن العامل لا يتكلف لذلك زيادة في العمل؛ لأنه إنما سقى شجرة، وإنما ينتفع به البياض بعد ذلك كالذي ينتفع به الجار ونحوه.
ابن راشد: ولم أر أن هذا القول معزو.
ابن حبيب: ويجوز لربه الاشتراط إذا كان العامل لا يسقيه، كما إذا كان يعالج وهذا ينبغي أن يكون تقييدًا لما في الموطأ.
تنبيه:
سكت المصنف على الوجه الرابع، وهو أن يشترطه العامل ولا خلاف في جوزاه، والمشهور جواز إلغائه للعامل إذا كان ثلثًا لجميع الثمرة. وقال ابن عبدوس: لا يجوز إلا أن يكون تبعًا لنصيب العامل، ونص مالك في المدونة وغيرها على أن إلغاءه هو المطلوب هنا، ولفظه في المدونة: مالك: وأحب إلينا أن يلغى البياض، فيكون للعامل وهو أصله.
صاحب النكت: فإن اعترض معترض، وقال: أليس قد ساقى ﵊ أهل خيبر على شطر ما يخرج من حب أو تمر.
فلم يستحق مالك إلغاء البياض، ولم يستحب ما في الحديث من كونه بينهما، فالجواب أنه جاء في حديث آخر: أنه إنما ساقاهم على النخل خاصة، وترك لهم بياض النخل، فاستحب مالك هذا إذ في كون ذلك بينهما كراء الأرض بما يخرج منها.
[ ٧ / ١٠٤ ]
وَبَيَاضُ الزَّرْعِ كَبَيَاضِ النَّخْلِ
يعني: إذا ساقى على زرع بشروطه وفيه بياض، فهو كما إذا ساقاه على نخل فيه بياض، فتجري الوجوه المتقدمة.
والشَّجَرُ التَّبَعُ فِي الزَّرْعِ يَلْزَمُ دُخُولُهُ
أي: إذا ساقى على زرع وفيه شجر تبع للزرع لزم دخول الشجر في المساقاة، قال في المدونة: ولا يجوز أن يلغي للعامل كالبياض، ولا أن يكون لرب الأرض بل بينهما، وروى ابن وهب عن مالك جواز إلغاء ذلك للعامل كمكتري الدار والأرض فيها نخل تبع يشترطان ثمرتها، ولا يجوز أن يكون بينهما.
ابن المواز: ولم أعرف أحدًا استحسن ما رواه ابن وهب ولا قال به. والمعروف ما قاله ابن القاسم، قال: وإنما لم يجز هنا الإلغاء؛ لأن السنة إنما وردت بإلغاء البياضن وأما بإلغاء الشجر فلمالك في الموازية: ويجوز أن يساقي الحائط وفيه من الموز ما هو تبع قدر الثلث فأقل، ولا يكون لأحدهما ويكون بينهما على سقي واحد مثل الزرع الذي مع النخل.
ابن رشد: وعلى هذا يجوز إذا كان الموز يسيرًا أن يشترطه كل واحد منهما على صاحبه.
تنبيه:
لما تكلم في المدونة على مسألة الشجر التبع للزرع، قال: وفيه شجر متفرقة، والظاهر أنه غير شرط، وأنه لا فرق بين الشجر المتفرقة وغيرها.
وَالزَّرْعُ وَالشَّجَرُ تَبَعًا أَوْ غَيْرَ تَبَعٍ يَجُوزُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ
أي: إذا كان في الأرض زرع وشجر سواء كان أحدهما تبعًا للآخر أو غير تبع يجوز أن يساقي الجميع بجزء متحد كثلث أو ربع، إلا أن الشجر إذا كان تبعًا اشترط في الزرع أن يعجز عنه ربه، وإن كان الزرع تبعًا للشجر لم يشترط فيه ذلك، قاله ابن المواز.
[ ٧ / ١٠٥ ]
ابن عبد السلام: وقد تقدم قول المصنف أن الشجر إذا كان تبعًا للزرع يلزم دخوله في المساقاة، ولا يصح أن يلغي للعامل ولا لرب المال، فأحرى إذا كان غير تبع، فعلى هذا يكون مراد المصنف بيان شيء ىخر غير الذي قدمه، لئلا يلزم التكرار مع ملاصقة بعضه لبعض، وذلك الشيء هو الذي صرح به في قوله: (يَجُوزُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ) فيكون مراده بيان شرط الجواز لا بيان أصل الجواز.
(وَالزَّرْعُ) مبتدأ (وَالشَّجَرُ) مبتدأ ثان خبره (يَجُوزُ) والجملة خبر الأول، و(تَبَعًا أَوْ غَيْرَ تَبَعٍ) حال.
الْمَاخُوذُ شَرْطُهُ الْجُزْئِيَّةُ كَرِبْحِ الْقِرَاضِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِي نِسْبَتِهَا
فيه حذف مضاف، أي علم الجزئية، ولو أبقيت كلام المصنف على ظاهره لزم ألا تجوز مساقاة الحائط على جميع ثمره، وهي جائزة، ويدل أيضًا على حذف المضاف قوله: (كالْقِرَاضِ) فإنه صرح بالمضاف في القراض.
وقوله (غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِي نِسْبَتِهَا) أي: لا يجوز أن يدفع إليه نصف الحائط بالنصف ونصفه بالثلث، ولا نوعًا منه بالنصف، ونوعًا آخر بالربع، ولا سنة بكذا وسنة بكذا.
وَيَجُوزُ فِي حَوَائِطَ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُتَّفِقَةٍ فِي صَفْقَةٍ بِشَرْطِ جُزْءٍ وَاحِدٍ
أي: وتجوز مساقاة حوائط مختلفة في النوع أو في الصفقة أو مختلفة فيهما.
(فِي صَفْقَةٍ) أي: في عقد واحد بشرط جزء واحد، أما إن كانت بجزأين فلا يجوز، وعلله في المدونة بأنه قد كان في خيبر الجيد والرديء حين ساقاها سيدنا محمد ﷺ، ومنع في سماع عيسى مساقاة حائطين مساقاة واحدة إلا أن يشترط أن يكونا متساويين.
[ ٧ / ١٠٦ ]
ابن رشد: ولم يختلف أنه لا تجوز مساقاة الحائطين على جزأين سواء كانا متفقين أو مختلفين، واختار اللخمي جواز الاختلاف في الجزء على حسب اختلاف المؤنة بينهما، قال: وليس في الحديث ما يمنع ذلك.
أَمَّا فِي صَفَقَاتٍ فَلا شَرْطَ
أي: يشترط اتحاد الجزئية.
وَاشْتِرَاطُ جُزْءٍ الزَّكَاةِ جَائِزُ كَالْقِرَاضِ
تقدم في ذلك أربعة أقوال.
فرع:
ولو اشترط الزكاة على العامل ونقص الحائط نصابًا [٦٠٨/ ب] فقال: يقتسمان الثمر نصفين.
وقال سحنون: يقتسمانه أعشارًا لصاحب الحائط ستة، وقيل: يقتسمانها من عشرين لربه منها أحد عشر، وقال ابن عبدوس: يقتسمانها أتساعًا لرب الحائط خمسة، ولهذا الاضطراب يكون القول بعدم جواز اشتراط الزكاة هو الظاهر، وإن كان خلاف المشهور، ولهاذ قال صاحب البيان وابن زرقون: لعله تكلم في المشهور على ما إذا كان الحائط كثيرًا أو تكلم في الشاذ، وهو قوله في الأسدية على ما إذا كان الحائط يسيرًا لا يؤمن أن يقل عن النصاب فلا يكون خلافًا، وإن سكت عن الزكاة ففي المدونة الشأن أن يخرجا الزكاة ثم يقتسمان ما بقي.
الْعَمَلُ لا يُشْتَرَطُ تَفْصِيلُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ
نحوه في الجواهر، وكلاهما محمول على ما إذا استقر فيه عرف غير مختلف ألا ترى إلى قولهما: (وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ).
[ ٧ / ١٠٧ ]
الباجي: في ما كان له عرف قام مقام الوصف، وما لم يكن له عرف فلابد من وصفه من الجذاذ والسقي والحرث وسيأتي العمل.
وَهُوَ الْقِيَامُ بِمَا تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الثَّمَرَةُ مِنَ السَّقْيِ وَالإِبَارِ وَالتَّنْقِيَةِ وَالْجَدَادِ وَإِقَامَةِ الأَدَوَاتِ مِنَ الدِّلاءِ والْمَسَاحِي والأُجَرَاءِ والْغِلْمَانِ والدَّوَابِّ ونَفَقَتِهِمْ.
اختلف في الإبار والتلقيح، فجعلهما مالك مرة على صاحب الحائط، وفي المدونة وغيرها هو على العامل، وحمل ذلك بعضهم على الخلاف، وجمع بعضهم بينهما، فقال: معنى قوله: "على صاحب الحائط" أي: الشيء الذي يلقح به، ومعنى قوله: "على العامل" أي: عمل ذلك وتعليق ما يحتاج إلى تعليقه، وكذلك على العامل الحصاد والجداد وتيبيس الثمرة.
ابن القاسم: والدراس؛ لأنهم لا يستطيعون قسمه إلا بعد درسه، وعلى العامل إقامة الأدوات كالدلاء- جمع دلو- والمساحي والأجراء- جمع أجير-، وكلامه ظاهر التصور.
واختلف في عصر الزيتون. فقال ابن القاسم: ذلك على ما شرط منها، هكذا حكي الباجي عن المدونة، والذي في المختصرات عندنا: إن شرط قسمته حبًا جاز، وإن شرط عصره على العامل جاز ليسارته.
ابن عبد السلام: وليس عصره عندنا باليسير، وكذلك الحصاد في غالب الأمر ولقط الزيتون وجذاذه.
وقال ابن المواز: إن لم يكن فيه شرط فعصره بينهما، وقال سحنون عن ابن القاسم: على العامل عصره إذا كان ذلك غالب عمل أهل البلد، وإن شرط على العامل إن لم يكن ثم عرف جاز، وإن شرط على رب الحائط عصر حصة العامل لم يجز.
[ ٧ / ١٠٨ ]
سحنون: منتهى عمله جناه، وقال في كتاب محمد: إن لم يشترط على أحد فهو بينهما. وقال ابن حبيب: العصر على العامل وإن شرط على صاحب الحائط وكان له قدر لم يجز ورد العامل إلى إجارة مثله.
قال في المدونة: وإن شرط العامل على رب النخل صرام النخل لم ينبغ ذلك.
فرع:
فإن قصر العامل على بعض ما شرط عليه ففي العتبية عن سحنون في من شرط عليه حرث الأرض ثلاث حرثات، فحرث حرثين ينظر جميع حمل الحائط، والمشترط عليه من سقي وحرث وقطع، فإن كان ما ترك الثلث حط من نصيبه ثلثه أو الربع حط الربع، أما لو كان ما ترك من العمل وجد له بدل سماوي مثل أن يسقي الزرع بعض السقي فيتسغني عن المطر، ففي الموازية والعتبية: لا يحاسبه رب الحائط، بذلك قال في البيان، ولا خلاف في ذلك، قال: بخلاف الإجارة بالدنانير والدراهم على أن يسقي له حائطه زمان السقي، وهو زمان معلوم عند أهل المعرفة فيسقي المطر الحائط، فيجب أن يحط من إجارته قدر ما أقام المطر من الحائط ويسقط عنه في السقي.
وَمَا كَانَ فِيهِ يَوْمَ السَّقْيِ؛ فَيَجِبُ لِلْعَامِلِ الاسْتِعَانَةُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ
ولا تجوز المساقاة على إخراجه؛ لأنه ﵊ لم يخرج شيئًا مما في الحوائط.
اللخمي: قال ابن نافع ويحيى في كتاب ابن مزين: إذا كان في الحائط رقيق لا يدخلون إلا بشرط، وكذلك أيضًا لا يجوز على المشهور اشتراط العامل ما لم يكن في الحائط، وقال ابن نافع: لا بأس أن يشترط من الرقيق ما ليس فيه.
[ ٧ / ١٠٩ ]
وَالأُجْرَةُ عَلَى رَبِّهِ بِخِلافِ نَفَقَتِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ.
لما ذكر أنه يجب للعامل الاستعانة بما في الحائط من أجراء وغيرهم، بين أن الأجرة على ربه، وهكذا في الواضحة، وقيده اللخمي بما إذا كانت الأجرة وجيبة فتكون على رب الحائط إلى المدة التي واجبهم عليها، فإن فضل من مدة المساقاة عن مدة الوجيبة شيء فعلى العامل، وإن كانت مدة الكراء غير وجيبة؛ لأنه قال بعد أن قرر أن الأجرة على ربه: وهكذا إذا كان الأجير مستأجرًا لجميع العمل، وإن كان مستأجرًا لبعضه فلم أر في ذلك نصًا، وعندي أن عليه أن يقبض من يتم العمل؛ لأنه لو مات للزمه ذلك، فكذلك إذا انقضت مدة أجرته.
قوله: (بِخِلافِ نَفَقَتِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ) أي: فإنها على العامل، وفي مختصر ما ليس في المختصر: هي على رب الحائط فقدم في الأول الخبر؛ لأنه ﵇ لم يتكلف شيئًا من ذلك، وقدم في الثاني القياس؛ لأنهم رقيق رب الحائط ودوابه.
ابن القاسم: وإن جهل العامل فلم يستثن ما في الحائط من رقيق ودواب وقال ربه: إنما ساقيتك بغيرهم، إنهما يتحالفان ويتفاسخان.
الشيخ أبو محمد: انظر هذا وهو لا يجوز إخراجهم عنده فصار مدعيا لما لا يجوز.
الباجي: ومعناه على أصل ابن القاسم أن يجهل العامل، فلم يقرر على صاحب الحائط أنهم في الحائط يوم المساقاة ولا يشهد عليهم بذلك، ويعتقد أنهم في الحائط وأنهم له بمجرد العقد، ثم اختلفا، فقال صاحب الحائط: لم يكونوا في الحائط يوم العقد، وقال العامل: بل كانوا فيه، قال: وقد ذكر ابن مزين رواية عيسى هذه وزاد فيها: إلا أن يستثني رب الحائط الرقيق، فتلزم المساقاة إلى أجلها، وهذا يدل على صحتها على حسب ما قلناه، وأما لو قال رب [٦٠٩/ أ] الحائط: إنهم كانوا في الحائط يوم العقد، وشرط إخراجهم، وأنكر ذلك على
[ ٧ / ١١٠ ]
العامل، وقال: شرطت إبقاءهم وأنكر الشرط، فالقول قوله؛ لأنه يدعي الصحة، ولو قال رب الحائط: لم أشترط شيئًا لكني اعتقدت إخراجهم لم ينظر إلى ذلك وكانوا للعامل.
وَلِلْعَامِلِ خَلَفُ مَنْ مَاتَ أَوْ مَرِضَ، وَلَوْ شَرَطَ أُجْرَتَهُمْ أَوْ خَلَفَهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ
يعني: وكذلك لو غاب أو أبق، وهذا معنى ما في المدونة والموطأ، ووجهه الباجي بأن العقد كان على عمل في ذمة صاحب الحائط ولكنه تعين بالتسليم واليد كالذي يكري راحلته مضمونة ثم يسلم إحدى رواحله إلى الراكب، فإنه ليس له أن يبدلها، ولم يكن ذلك بمنزلة العبد المستأجر بعينه؛ لأنه لم يكن في الذمة.
وقوله: (وَلَوْ شَرَطَ أُجْرَتَهُمْ أَوْ خَلَفَهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَجُز) لأنه شرط مخالف لسنة المساقاة.
وَمَا رَثَّ مِمَّا كَانَ فِيهِ فَفِي تَعْيينِ مُخْلِفِهِ قَوْلانِ
يعني: أنه إذا بنينا على ما تقدم أنه يجب للعامل الاستعانة بما فيه من دلاء أو حبال ونحو ذلك، فلو (رَثَّ) ذلك- أي: بلي- فاختلف في (تَعْيينِ مُخْلِفِهِ) هل هو رب الحائط أو العامل؟ والقولان للقرويين.
الباجي: وكونه على العامل أظهر؛ لأنه إنما دخل على أن ينتفع بها حتى تهلك أعيانها وأمد امتهانها معلوم بخلاف العبد والدابة.
فَإِنْ سُرِقَ فَعَلَى رَبِّهِ إِخْلافُهُ، فَإِذَا مَضَى قَدْرُ الانْتِفَاعِ بِالْمَسْرُوقِ جَاءَ الْقَوْلانِ
أي: (فَإِنْ سُرِقَ فَعَلَى رَبِّهِ إِخْلافُهُ) اتفاقًا، فإذا أخلفه ربه وانتفع به العامل قدر ما ينتهي المسروق إليه ثم يختلف حينئذ، فمن قال: الخلف إذا بلي في الفرع السابق على ربه، قال: يستمر العامل على الاستعمال، ومن قال: الخلف على العامل أخذ رب الحائط ذلك،
[ ٧ / ١١١ ]
وهذا معنى قوله: (فَإِذَا مَضَى قَدْرُ الانْتِفَاعِ بِالْمَسْرُوقِ جَاءَ الْقَوْلانِ) في تعيين مخلفه، وإنما يأتي هذا إذا أخلفه جديدًا.
ابن عبد السلام: وذلك عندي لا يلزم، وإنما يلزم أن يخلفه بما هو مثل المسروق.
وَلا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَبْقَى بَعْدَ انْقِضَائِهَا كَحَفْرِ بِئْرٍ وَإِنْشَاءِ غَرْسٍ وَاغْتُفِرَ اشْتِرَاطُ إِصْلاحِ الْجُدُرِ وَكَنْسِ الْعَيْنِ وَرَمِّ الْحَوْضِ ..
الأعمال ثلاثة:
الأول: ما هو في نفس الشجر لأجل الثمرة فهذا جائز اشتراطه على العامل بل هو عليه؛ وإن لم يشترط إذ ذاك عوض عن الثمرة التي يأخذها.
الثاني: ما ليس فيها ويبقى عند انقضاء المساقاة؛ كحفر بئر وإنشاء غرس، فلا يجوز اشتراطه على العامل؛ لأن ذلك زيادة، وإذا امتنع هذا فلأن يمتنع اشراطه عمل شيء خارج عن الحائط؛ كبناء بيت ونحو ذلك أولى.
قال في الموازية: ولا يشترط على العامل، غرس نخل يأتي بها من عنده، فإن كانت من عند رب الحائط في أصل شيء يسير لا تعظم فيه المؤنة فجائز، ولا يجوز في كثير.
الثالث: ليس هو عملًا في نفس الشجر ولا خارجًا عنه، ولا يبقى بعد مدة المساقاة نحو إصلاح الجدار وكنس العين ورم الحوض، قال في الرسالة: من سد الحظيرة وهي: العيدان التي في أعلى الحائط مرتبطة ليمنع من التسور عليه، ورم الضفيرة وهي: موضع يجمع فيه الماء كالصهريج، وكذلك أيضًا رم العين، أي تنقيتها، وسرو الشرب، والسرو: الكنس، والشرب جمع شربة وهي: حياض يستنقع فيها الماء حول الشجر، ورم القف وهو: الحوض الذي يفرغ فيه الدلو فيجري فيه إلى الضفيرة، ويقال له: السلوقية، وإصلاح الغرب وهو: الدلو الكبير، الذي يرفع به الماء، قال في العتبية: رم القف وإصلاح كسر
[ ٧ / ١١٢ ]
الزرنوق قيمته الدريهمات والدنانير على رب الحائط إن لم يشترطه، وروي عن أشهب أنه لا يشترط على العامل إصلاح كسر الزرنوق.
وَلا يَجُوزُ مُشَارَكَةُ رَبِّهِ وَلا اشْتِرَاطُ عَمَلِهِ
أي: لا يجوز لرب الحائط أن يدفع إلى العامل الحائط على أن يكون شريكًا معه بالنصف أو بغيره من الأجزاء، قال في العتبية: وإنما المساقاة أن تسلم الحائط للداخل، وكذلك لا يجوز اشتراط عمل يده؛ لأن في ذلك تحجيرًا، وأجاز سحنون أن يشترط عمل ربه معه إذا كان الحائط كبيرًا يجوز فيه اشتراط الغلام والدابة. قال في المدونة: ولا ينبغي للعامل أن يشترط إلا ما قل مثل غلام أو دابة، ولا يجوز ذلك في حائط صغير، ورب الحائط تكفيه دابة واحدة، فيصير كأنه اشترط جميع العمل على ربه، فإن قلت: فما الفرق؟ قيل: فرق بينهما صاحب النكت بأنه ليست يد المالك كيد الغلام؛ لأن يد المالك إذا بقيت معه فكأنه لم يسلمه إليه ولا رضي بأمانته، والله أعلم.
فرع:
وإذا اشترط العامل دابة أو غلامًا، فقال مالك في العتبية وسحنون: إن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف إن هلكا، وقيل: يجوز ذلك وإن لم يشترط الخلف فالحكم يوجبه، قال في البيان: وهو ظاهر ما في الواضحة وما في المدونة محتمل للوجهين، قال: والذي أقول به: إنه تفسير لجميع الروايات، إنه إن عين الغلام والدابة بإشارة إليهما أو تسميته فلا تجوز المساقاة على ذلك إلا بشرط الخلف، وإن لم يعين فالحكم يوجب الخلف وإن لم يشترط.
وَيُشْتَرَطُ تَاقِيتُهَا، وَأَقَلُّهُ إِلَى الْجَدَادِ، فَإِنْ أَطْلَقَ حَمَلَ عَلَيْهِ.
تصوره ظاهر، قال مالك في المدونة: والشأن في المساقاة إلى الجداد، لا تجوز شهر ولا سنة محدودة، وهي إلى الجداد إذا لم تؤجل.
[ ٧ / ١١٣ ]
ابن القاسم: وإن كانت تطعم في العام مرتين فهي إلى الجداد الأول حتى يشترط الثاني.
وَتَجُوزُ إِلَى سِنِينَ وَالأَخِيرَةُ بِالْجَدَادِ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًَّا، قِيلَ: عَشَرَةُ، قَالَ: لا أَدْرِي تَحْدِيدَ عَشَرَةٍ وَلا ثَلاثِينَ وَلا خَمْسِينَ ..
هكذا في المدونة، [٦٠٩/ ب] وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يثبت عنده في ذلك شيء من السنة، والثاني: أنه رأى أن ذلك يختلف باختلاف الحوائط؛ إذ الجديد ليس كالقديم، فلو حدد لفهم الاقتصار على ذلك الحد.
صاحب المعين: والصواب في المساقاة أن تؤرخ بالشهور العجمية التي فيها الجذاذ، فإن أرخت بالعربية، فإن انقضت قبل الجذاذ تمادى العامل إليه، إلا أنه يستحب أن تكون المساقاة من سنة إلى أربع، فإن طالت السنون جدًا فسخت. انتهى.
ولما نقل أبو الحسن يؤرخ هنا بالعجمي، قال هو: وهذا في السنين الكثيرة؛ لأن السنين بالعربي تنتقل.
قوله: (وَالأَخِيرَةُ بِالْجَدَادِ) قال في البيان: ولا خلاف في ذلك، وسواء تقدم الجذاذ أو تأخر عنها، قال مالك في الموازية: وإن ساقى حائطًا في صفر سنة إحدى وسبعين ومائة إلى صفر سنة ثلاثة وسبعين، فإن وفى الأجل قبل طيب الثمرة وقبل جذاذها لم يستكمل من يده استكمل المساقاة فيه حتى يتم جذاذه.
اللخمي: ويحتمل قوله على أن الجذاذ قريب من انقضاء ذلك الأمد، وأنهما يريان أن الثمرة تطيب في تلك المدة فيكونان قد قصدا إلى طيبها، ولو كان الطيب يتأخر عن تلك المدة فالشيء البين لم يصح ذلك؛ لأنه استعمله على بيع منافعه في تلك المدة ليأخذ ثمرة عامين.
ابن عبد السلام: إنما يتم هذا التقييد إذا لم يكن للعامل شيء في الثمرة الثالثة، وأما إن كان له منها نصيبه على نسبة ما تقدم وهو ظاهر الروايات فلا فساد فيها، والله أعلم.
[ ٧ / ١١٤ ]
وظاهر قوله: (الْجَدَادِ) جداد جميع الثمرة، وعليه جميع العمل ولو بقي عشرون نخلة. قال في الموازية: وكذلك العوائم وهي: المؤخرة الطيب، وقال مطرف وابن الماجشون: إن كانت العوائم قليلة جدًا فعلى رب الحائط سقي جميع حائطه، عوائمه وما جذ منه، ويوفى العامل حقه من ثمن العوائم، وإن كانت العوائم أكثر، فعلى العامل سقي الحائط كله مثل ماإذا جد بعضه وبقي بعضه، وإن كان متناصفًا أو متشابهًا فعلى العامل أن يسقي العوائم وحدها وعلى رب الحائط سقي باقيه.
مالك في رواية ابن وهب: وإن كان في الحائط أصول مختلفة من نخل وكرم ورمان فعليه أن يسقيه كله حتى يفرغ منه.
وقال ابن الماجشون: الحكم فيه كما تقدم في العوائم، وقاله أصبغ. وقال مطرف: كلما قطعت منها ثمرة فقد انقضى سقيها قلت أو كثرت، واختاره ابن حبيب.
وَلِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ أَمِينًا غَيْرَهُ
هكذا في المدونة، لكن ظاهرها أنه لابد أن يكون في مثل أمانة الأول؛ لقوله: إذا كان في مثل أمانته، وعلى هذا الظاهر فهمها ابن عبد السلام: لكن صرح اللخمي بالجواز، وإن لم يكن في مثل الأمانة، زاد في المدونة: وإن ساقى غير أمين ضمن، وذكر صاحب البيان في باب المساقاة خلافًا هل يلزم أن يكون مثله في الأمانة أم لا؟ لكنه قال: قد ذكرته في باب الشفعة في رسم "إن أمكنتني" ولم يذكره في هذا الرسم نصًا، نعم ذكر ما يمكن أن يخرج منه الخلاف، وهو أن المشتري إذا أخذ الشقص إلى أجل، هل للشفيع أن يأخذ بالشفعة إلى ذلك الأجل وإن كان أقل ملاء من المشتري؟ أو ليس له أن يأخذ إلا أن يكون مليئًا كالأول، والله أعلم.
وقد صرح في موضع آخر من كتاب المساقاة أنه إنما قصد التخريج. قال في البيان: وظاهر قول مالك: له أن يساقي أمينًا؛ أن المساقي الثاني محمول على غير الأمانة حتى
[ ٧ / ١١٥ ]
يثبت أنه أمين؛ بخلاف ورثته إذا مات فهم محمولون على الأمانة حتى يثبت أنهم غير أمناء، بخلاف القراض فإنهم محمولون على أنهم غير أمناء حتى يثبت أنهم أمناء، هذا ظاهر ما في المدونة في القراض والمساقاة، والفرق بينهما أن مال القراض يغاب عليه بخلاف الحائط في المساقاة.
خليل: وهذا هو الفرق بين المساقاة في إجازة مساقاة العامل غيره، وعدم جواز مقارضة العامل غيره كما قدمته. قال في المدونة: ولا تنتقض المساقاة بموت أحدهما فإن مات العامل، قيل لورثته اعملوا فإن أبوا لزم ذلك في ماله.
فرع:
قال في المدونة: قال ابن مسلمة: المساقاة بالذهب والورق كبيع ما لم يبد صلاحه، فلا يجوز أن يربح في المساقاة إلا ثمرًا، مثل أن يأخذ على النصف، ويعطي على الثلثين فيربح السدس، أو يربح عليه.
قال بعضهم: وقوله: إن المساقاة بالذهب كبيع الثمرة كلام مشكل.
عياض: ومعناه عندي أنها إذا وقعت بالذهب والورق، فكأن العامل باع نصيبه من الثمر قبل أن يظهر ويحل بيعه.
وقوله: "ألا ترى .. إلى آخره" هو خلاف مذهب مالك، ومالك لا يجيز هذا، قال بعض شيوخنا: لأنه إن كان زاده السدس من الحائط، فقد باع ذلك على ربه بغير إذنه، وباع ما لم يبعه منه، ولو شرط ذلك في ذمته كان بيع الثمرة على جزأين: جزء في الحائط، وجزء في ذمة العامل وذلك فاسد. وقال غيره: معنى ما وقع من إجازة ذلك أن المساقي الثاني لم يعلم أن الأول أخذه على النصف، ولو علم بذلك لم يجز للعلة المذكورة، وكان للعامل أجر مثله. انتهى.
[ ٧ / ١١٦ ]
ابن يونس: ولمالك في الموازية: إذا أخذه على النصف ودفعه على الثلثين إلى غيره وربه عالم بذلك، فربه أولى بنصف الثمرة ويرجع الثاني على الأول بما بقي، وكذلك في العتبية عن مالك: ولا بأس أن يدفعه مساقاة لرب الحائط بأقل [٦١٠/ أ] مما اخذه إذا لم تطب الثمرة ولا يجوز بمكيلة مسماة ولا بثمر نخلة معروفة، ولا بشيء غير الثمرة، ولا بأكثر مما أخذ منه ويصير العامل يحتاج إلى أن يزيد من ثمر حائط آخر.
ابن يونس: وأجاز دفعه إلى غير رب الحائط بأكثر مما أخذه، فإذا أجاز ذلك مع غير ربه، وهو إنما يدفع أكثر مما بقي من غير الثمرة التي في الحائط، فكذلك يجوز مع ربه لا فرق بينهما، إما أن يجوز فيهما أو يمنع فيهما وهذا أبين، ويحتمل أن يفرق بينهما بأن رب الحائط عالم أنه يعطيه الزيادة من حائط آخر؛ لأنه عالم بمساقاته، والأجنبي غير عالم، فلو علم لم يجز فيها. انتهى.
وقال ابن رشد: لما ذكر مسألة الموازية وقال فيها: إن ربه عالم. هذا عندي على القول بأن السكوت ليس كالإذن وهو أحد قولي ابن القاسم، وأما على القول بأنه كالإذن، فيجب أن يكون أحق بثلثي الثمرة، ويرجع رب الحائط على العامل الأول، قال: بمثل سدس الثمرة، وإن كان الأول أحق بمثل نصف الثمرة فهو مثل ما في المدونة، قال: وهذا كلام خرج على غير تحصيل؛ لأن الواجب أن يرجع عليه بقدر ما لصاحب الحائط من حظه من الثمرة في قيمة عمله، ويلزم على هذا إذا علم العامل الثاني أن الأول على النصف أن تكون المساقاة فاسدة؛ لأنه دخل على أن تكون نصف الثمرة وقيمة ربع عمله، وذلك مما لا يحل وقد رأيته لبعض أهل النظر.
فَإِنْ عَجَزَ وَلَمْ يَجِدْ أَسْلَمَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ
أي: فإن عجز العامل عن العمل ولم يجد أمينًا يساقيه عليه أسلم الحائط لربه ولا شيء له ولا عليه، وهكذا قال في المدونة.
[ ٧ / ١١٧ ]
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة وغيرها أن ذلك للعامل، وإن لم يرض رب الحائط، وأخذ منه أن المساقاة لا تلزم بالعقد وقد تقدم، ولأنهم قضوا لرب الحائط إذا غارت عين السقي، إن كان قبل العمل فلا شيء على رب الحائط، وإن كان بعده لزمه أن ينفق بقدر ما يقع من الثمرة، وإن لم يكن عنده شيء فللعامل أن ينفق مثله، ويكون نصيبه من الثمر رهنًا بيده.
خليل: وظاهر المدونة أن ذلك للعامل وإن لم يرض رب الحائط أي لقوله فيها: وإذا عجز العامل عن السقي قيل له: ساق إن شئت أمينًا، فإن لم تجد أسلم الحائط إلى ربه ثم لا شيء له ولا عليه؛ لأنه لو ساقاه إياه جاز كجواز الأجنبي، وظاهر قوله: "أسلم الحائط إلى ربه" ما ذكر، لكن تأول المدونة أبو الحسن وغيره بأن معناه إذا تراضيا على ذلك، ويدل عليه تعليله بقوله: لأنه لو ساقاه. والمساقاة لا تلزم إلا برضاهما.
خليل: وهذا التأويل متعين، فقد قال قبل ذلك في المدونة: وإن عجز العامل وقد حل بيع الثمرة لم يجز أن يساقي غيره، وليستأجر من يعمل معه، فإن كان فيه فضل فله، وإن نقص كان ذلك في ذمته إلا أن يرضى رب الحائط أخذه ويعفيه من العمل، فذلك له، وقد نص اللخمي وابن يونس على خلاف ما قاله.
ابن عبد السلام: أيضًا لأنهما قالا: لو قال رب الحائط إنما أستأجر من يعمل تمام العمل وأبيع له ما طاب من الثمرة وأستوفي ما أديت فإن فضل فله، وإن نقص أتبعته أن ذلك له.
ابن يونس: لقول ابن القاسم في المتزارعين يعجز أحدهما بعد العمل وقبل طيب الزرع، قال أيضًا: يقال لصاحبه: اعمل فإذا طاب الزرع بع وتستوفي حقك، فما فضل فله، وما عجز أتبعته به؛ لأن العمل كان لازمًا له وكذلك هذا.
[ ٧ / ١١٨ ]
وفي اللخمي: قال ابن القاسم في المساقي يعجز بعد صلاح الثمرة بأنه يباع نصيبه ويستأجر عليه منه، فإن كان فضل كان له، وإن كان نقصان اتبع به. وقال سحنون: إذا عجز رد إلى ربه بمنزلة ما إذا عجز هو قبل صلاحه، قال: والمساقاة أولها لازم كالإجارة وآخرها إذا عجز كالجعل يسلم لربه ولا شيء له، والقول الأول أبين، وقد خالف هذا الجعل بأنه عقد لازم لا خيار فيه. انتهى.
وظاهر قوله: (لا شَيْءَ لَهُ) ولو انتفع رب الحائط بما عمل العامل فيه وهو ظاهر المدونة أيضًا. وقال اللخمي: له فيه قيمة ما انتفع به من العمل الأول قياسًا على قولهم في الجعل على حفر البئر، ثم يترك ذلك اختيارًا، وأتم صاحب البئر حفرها، وقد قدمنا نحو هذا من كلام ابن يونس في القراض.
وَلَهُمَا أَنْ يَتَقَايَلا
قال في المدونة: وإن تقايلا على شيء يأخذه أحدهما فليس هذا بيع ثمر لم يبد صلاحه؛ إذ للعامل أن يساقي غيره فرب الحائط كأجنبي إذا تاركه.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامهم أن الإقالة تجوز في جميع أحوال الثمرة قبل الزهو وبعده، وتقدم أن المشهور منع مساقاة ما حل بيعه.
ابن المواز: وإن تقايلا على شيء غير الثمرة أو من الثمرة بمكيلة مسماة أو ثمر نخلة معروفة أو على أكثر مما أخذ، حيث يصير العامل يزيده من ثمر حائط آخر لم يجز، وأما إن كان على جزء مسمى ولم تطب الثمرة، فإن كان قبل العمل، فقال في البيان: لا خلاف في جوازه على مذهب مالك الذي يرى المساقاة من العقود اللازمة، وعلى مذهب من يرى أنها من العقود الجائزة؛ لأن الجزء الذي يعطيه للعامل على هذا القول هبة من الهبات، وأما بعد العمل فأجازه ابن القاسم في رسم الأقضية والأحباس من سماع أصبغ، وقال أصبغ: لا
[ ٧ / ١١٩ ]
يجوز، وعلله باتهام رب الحائط على استئجار العامل تلك الأشهر بسدس ثمر الحائط، فصارت المساقاة دلسة بينهما، وصار من بيع الثمار قبيل بدو صلاحها.
وقال ابن حبيب: إن تتاركا بجعل دفعه العامل إلى رب الحائط؛ يعني: من [٦١٠/ ب] غير الثمرة، فعثر عليه قبل الجذاذ، رد الجعل ورجع العامل إلى مساقاته، وغرم لرب الحائط أجر ما عمل بعد رده عليه، وكذلك إن كثر عليه بعد الجذاذ فللعامل نصف الثمرة، ويؤدي قيمة ما عمل بعد رده ويأخذ ما كان أراده.
وعلى هذا فالمصنف أطلق في محل التقييد؛ إذ لم يفرق بين أن يكون قبل العمل أو بعده ولا شيء أو بغير شيء.
وَلا يَنْفَسِخُ بِفَلَسِ رَبِّهِ ويُبَاعُ مُسَاقًي، وَقِيلَ: لا يُبَاعُ حَتَّى تَنْقَضِي أَوْ يَتْرُكَهَا
يعني: سواء فلس ربه قبل أن يعمل العامل أو بعده، هكذا صرح في المدونة.
وقوله: (وَلا يَنْفَسِخُ بِفَلَسِ رَبِّهِ) يعني: إذا تقدم عقد المساقاة على الفلس، فأما إن تأخر فللغرماء فسخها وتباع، أي: إذا قلنا: إن المساقاة لا تنفسخ. فقال ابن القاسم في المدونة: للغرماء أن يبيعوا الحائط على أنه مساقي منه كما هو، فقيل له: لم أجزته؟ قال: هذا وجه الشأن فيه، وليس هذا عندي باستثناء ثمره، وقال غيره: لا يجوز بيع الحائط حينئذ، ويوقف الشقص إلى أن تنقضي المساقاة أو يرضى العامل فيتركه، فيحل بيعه، وطرحه سحنون: وقال: بيعه جائز للضرورة، وقال في كتاب ابنه: إنما يجوز بيعه إذا كانت المساقاة سنة واحدة لجواز بيع الربع والحوائط على أن تنقضي بعد سنة، وإن كانت المساقاة إلى سنين لم يجز.
ابن يونس: وهذا خلاف قوله الأول وهو أصح، وقد تقدم أن ابن المواز قال: إنما يجوز بيعه إذا أبرت؛ لأنه قال: إن أبرت فطابت فذلك جائز علم المبتاع أو لم يعلم، وإن لم تؤبر لم يجز البيع علم المشتري بالسقي أو لم يعلم شيئًا أو أبى إذ لا يجوز للبائع حينئذ استثناء شيء من
[ ٧ / ١٢٠ ]
الثمرة إذا لم تؤبر، وقال في المشتري يخرج العامل بشيء يعطيه من غير الثمرة فلا يجوز، وأما بجزء منها أو بغير شيء فجائز.
الرَّابِعُ الصِّيغَةُ مِثْلُ: سَاقَيْتُكَ وَعَامَلْتُكَ عَلَى كَذَا، فَيَقُولُ: قَبِلْتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلٍ أَو فِعْلٍ
هكذا قال ابن شاس، والواو في قوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهَا) بمعنى (أو).
وقوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهَا) عائد على (قَبِلْتُ) ولا يعود على (الصِّيغَةُ) لأن قوله: (مِنْ قَوْلٍ أَو فِعْلٍ) لا يصح أن يكون تفسيرًا للصيغة إلا بتجوز، وقد تقدم أن المساقاة لا تنعقد عند ابن القاسم إلا بلفظ ساقيتك، وحكى صاحب المقدمات وغيره أن المساقاة تنعقد عند سحنون بـ (آجرتك) فـ (عَامَلْتُكَ) مثلها، ولم أر من صرح بأن سحنون يرى الانعقاد بالفعل، والله أعلم.
ولِلْفَاسِدَةِ ثَلاثَةُ أَحْوَالٍ: قَبْلَ الْعَمَلِ فَتَنْفَسِخُ
لما ذكر أركان الصحيحة وشروطها، علم أن الفاسدة ما اختل منها ركن أو شرط ولا خلاف فيما ذكره.
الثَّانِيَةُ: بَعْدَ الْفَرَاغِ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا، وَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنَ الْجُزْءِ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمُسَاقِي، أَوْ أَقَلَّ إِنْ كَانَ لِلْمُسَاقَي، والرَّابِعُ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ خَرَجَا عَنْ مَعْنَاهَا كَاشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أَطْعَمَ، أَوِ اشْترَاطِ عَمَلِ رَبِّهِ مَعَهُ، أَوْ مُسَاقَاةِ مَعَ بَيْعٍ فِي صَفْقَةٍ، أَوْ سَنَةَ كَذَا، فَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ ..
(بَعْدَ الْفَرَاغِ) أي: من العمل، (فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ): أي القول بأجرة المثل قال في البيان والمقدمات: يأتي على قول عبد العزيز ابن أبي سلمة في القراض أنه يرد فيه إلى أجرة المثل،
[ ٧ / ١٢١ ]
ومساقاة المثل هو القول الثاني، قال في المقدمات: وعليه يأتي قول أصبغ في العتبية في الذي يساقي الرجل في الحائط على ألا يحمل أحدهما نصيب صاحبه من الثمرة إلى منزله وهو بعيد، وهما مبنيان على أن المستثنى من أصل هل يرد إذا فسد إلى صحيح أصله أو صحيح نفسه؟
قوله: (ومُسَاقَاةُ الْمِثْلِ إلى آخره) هذا هو القول الثالث، وذكره في المقدمات، وهو أن الفاسد يرد إلى مساقاة مثله.
(مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنَ الْجُزْءِ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمُسَاقِي)
بكسر القاف وهو رب الحائط؛ لأن العامل قد رضي أن يأخذ الجزء مع زيادة شرط عليه فأولى أن يأخذ مع عدم الشرط، ويرد إلى مساقاة المثل ما لم يكن أقل من الجزء الذي دخلا عليه إن كان الشرط للعامل وهو المساقي بفتح القاف، وحاصله إن كان رب الحائط هو المشترط للزيادة فللعامل أقل الأمرين من مساقاة المثل أو الجزء الذي دخل عليه، وإن كان المشترط هو العامل فله أكثرهما، وتصور القول الرابع بين، وذكر فيه أربعة أمثلة يرد فيها إلى مساقاة المثل، والمثالان الأولان في المدونة والأخيران في العتبية.
قال في المقدمات: ويتخرج على المثال الرابع ما إذا ساقاه حائطًا بكراء وآبقى صاحب المقدمات قول ابن القاسم على إطلاقه من التفرقة المذكورة، قال: ويأتي على مسائل كثيرة مسطرة لابن حبيب وغيره، قال: وكان ينبغي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن ما يرد فيه إلى مساقاة المثل على مذهب ابن القاسم هذه الأربعة فقط وما عداها فأجرة المثل، فعلى تأويلهم عن ابن القاسم.
ابن راشد: وحفظت عن الشيخ القرافي صورة خامسة يرد فيها إلى مساقاة المثل، وهي: إذا ادعى كل منهما ما لا يشبه وتحالفا، وقد نظمت فيها هذه الأبيات:
وأجرة مثل في المساقاة عينت سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها
مساقاة إبان بدو صلاحها وجزأين في عامين شرط يعمها
[ ٧ / ١٢٢ ]
وإن شرط الثاني على عامل له مساعدة والبيع فافهمها كلها
وما قد مضاه الحكم بعد تحالف فدونك أبياتا حسانًا فلمها
ولما ذكر عياض صورتي المدونة وصورتي العتبية، قال في سماع عيسى مسألة خامسة وهي مساقاة حائط على أن يكفيه مؤنة آخر، قال: وكذلك يلزم في مساقاة [٦١١/ أ] حائطين على اختلاف الأجزاء، وكذلك إذا اشترط العامل دابة أو غلامًا ليس في الحائط، وهو صغير تكفيه الدابة، ولذلك إن اشترط عليه أن يحمله إلى منزله في كل هذا يرد إلى مساقاة المثل الأربعة التي ذكرها عياض والصورة التي ذكرها القرافي، والله أعلم.
الثالثة: في أثناء العمل، فتفسخ المساقاة إن كان الواجب أجرة المثل كما في الإجارة الفاسدة؛ لأنه يكون له بحساب ما عمل، وإن حكمنا بمساقاة المثل فالضرورة داعية إلى إتمام العمل؛ لأن التقدير إنما يدفع للعامل من الثمر، ولأنا لو فسخناها لزم أن لا يكون للعامل شيء لما تقدم أنها كالجعل لا شيء للعاملإلا بتمام العمل، وعلى هذا القول فلابد أن يكون شرع في العمل بما له بال، أشار إليه عياض.
ابن عبد السلام: وقد ظهر أن أجرة المثل متعلقة بالذمة، ومساقاة المثل متعلقة بالحائط، وقد تقدم في القراض خلاف في هذا.
وَحُكْمُهَا بَعْدَ سَنَةٍ مِنَ سِنِينَ كَحُكْمِهَا فِي أَثْنَاءِ سَنَةٍ
أي: فتفسخ إن كان الواجب أجرة المثل، وتمضي إن كان الواجب مساقاة المثل.
[ ٧ / ١٢٣ ]
المزارعة
الْمُزَارَعَةُ: الْمَشْهُورُ جَوَازُهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الدَّوَابِّ وَالآلَةِ
دائرة بين الشركة والإجارة فلهذا وقع الاختلاف في لزومها بالعقد فقيل: تلزم به تغليبًا للإجارة، وهو قول سحنون، وقيل: لا تلزم تغليبًا للشركة ولكل واحد منهما أن ينفصل عن صاحبه ما لم يبذر.
ابن رشد: وهو معنى قول ابن القاسم في المدونة ونص رواية أصبغ عنه في العتبية، وقيل: لا تلزم إلا بالشروع في العمل، وهو قول ابن كنانة في المبسوط، وبه جرت الفتوى عندنا بقرطبة، وهو على قياس رواية ابن زياد عن مالك أن الجاعل يلزمه الجعل بشروع المجعول له في العمل.
وقوله: (الْمَشْهُورُ جَوَازُهَا) هو مذهب المدونة، والشاذ رواية ابن غانم، لا تجوز حتى يشتركا في كل نوع، والذي في النسخ (وَإِنْ) بإثبات الواو، والصواب إسقاطها؛ لأن إثباتها يوجب أن يكون الخلاف مع التساوي في جميع الأشياء وليس كذلك، وقد صرح عياض بنفي الخلاف فيها، وأجاب بعض من تكلم على هذا الموضوع بأن قوله: (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا) حال معطوفة على حال مقدرة؛ أي: المشهور جوازها في حال الاشتراك، وفي حال عدم الاشتراك، والخلاف راجع إلى الحال المعطوفة لا المعطوف عليها.
خليل: وفيه تعسف.
وَشَرْطُهَا: السَّلامَةُ مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِمَا يُمْنَعُ كِرَاؤُهَا بِهِ، فَمَتَى كَانَ جُزْءُ مِنَ الْبَذْرِ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءِ مِنَ الأَرْضِ فَسَدَ ..
أي: شرط جوازها (السَّلامَةُ مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) لما يمنع من كرائها به؛ لأنه ﵇ نهى عن ذلك، وهذا هو المشهور وعلى قول الداودي، ويحيى بن يحيى الأصيلي: يجوز كراء الأرض بما يخرج منها، وتجوز المزارعة وإن كان جزء من البذر في مقابلة جزء من الأرض، وقال: السلامة من كراء الأرض بما يمنع كراؤها به وعدل عما يقوله أهل
[ ٧ / ١٢٤ ]
المذهب: أن يسلم من كراء الأرض بما يخرج منها لقصور عبارتهم، فإن كلامه يشمل ما يخرج منها وما لا يخرج من الطعام كالسمن والعسل وغيرهما، وروي عنه أن ما لا يخرج منها لا مدخل له في المزارعة، فلذلك اكتفوا بعبارتهم.
قوله: (فَمَتَى كَانَ) كالنتيجة عما قبله، ومثاله ما في الواضحة وكتاب ابن سحنون: إذا أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، والآخر العمل وثلثي الزريعة؛ لأن زيادة الزريعة كراء الأرض، أو أخرج أحدهما ثلثي الأرض وثلث البذر، والآخر ثلث الأرض وثلثي البذر والعمل، والزرع بينهما نصفين لم يجز. سحنون: لأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه، والبذر بالذال المعجمة نص عليه الجوهري وغيره.
وَفِي أَرْضٍ لا خَطْبَ لَهَا قَوْلانِ
لا يريد أنهما تساويا فيما عدا الأرض، والأرض من عند أحدهما، فإن هذه ستأتي، بل مراده إذا أخرج أحدهما البذر والآخر العمل والأرض، فإن كانت الأرض لها خطب؛ أي: قدر لم يجز، وإن كانت ليس لها خطب فحكى المصنف وغيره قولين، وتقدير كلمه: وفي جواز إلغاء الأرض مقابلة لبذر، فحذف مضافين وصفة.
والجواز لسحنون، وهو مبني على جواز التطوع بالتافه في العقد.
والثاني لابن عبدوس، ورأى أنه يدخله كراء الأرض بما يخرج منها.
ابن يونس: وهو الصواب.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُقَابِلُهَا مُعَادِلًا لِكِرَائِهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: إِلا فِيمَا لا خَطْبَ لَهُ ..
تقدم أن شرط المزارعة السلامة من مقابلة الأرض ببذر فبالضرورة أن ما يقابلها من عمل أو بقر، فذكر أن من شرط ما يقابلها من عمل وبقر أن يكون معادلًا، أي مساويًا
[ ٧ / ١٢٥ ]
لكرائها على المنصوص؛ كما لو أن كراء الأرض ألف دينار والعمل يساوي خمس مائة والبقر كذلك، والمنصوص قول مالك وأصحابه.
سحنون: وهو صواب؛ لأن سنة الشركة التساوي، فإذا خرجت عن ذلك خرجت عن حد ما أرخص فيه منها وصارت إجارة فاسدة.
وقوله: (وَقِيلَ) هو مقابل المنصوص، وهو قول ابن حبيب، وقد تقدم غير مرة أن المصنف تارة يقابل المنصوص بمنصوص مثله، وتارة يقابله بمخرج.
قال في المقدمات: ومن غلب الإجارة ألزمها في العقد وأجاز التفاضل بينهما ولم يراع التكافؤ.
ابن حبيب: إلا أن يتفاحش مثل أن يكون قيمة ما أخرجه أحدهما أكثر من قيمة ما أخرجه صاحبه بالأمر البين الذي لا يتغابن بمثله في البيوع، وقال سحنون: ذلك جائز وإن تفاحش وتباين التفاضل.
فَلَوْ كَانَتِ الأَرْضُ مِنْهُمَا وَالْبَذْرُ مِنْهُمَا وَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ، أَوِ الْبَذْرُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَمُقَابِلُهُ [٦١١/ ب] عَمَلُ يُسَاوِيهِ- جَازَ خِلافًا لابْنِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: يُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ فِيهِمَا، وَقِيلَ: وَالْكَثِيرُ فِي الثَّانِيَةِ ..
أما الصورة الأولى: فقال عياض وغيره: لا خلاف فيها؛ لأنهما تساويا في الأرض والبذر والعمل.
قوله: (وَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ) يريد: فيما به العمل وهو البقر، وعلى هذا فخلاف ابن دينار عائد على الثانية فقط لعدم الخلاف في الأولى، ولأنه لو أراد الخلاف فيهما لقال: على الأغلب من عادته خلافًا لابن دينار فيهما.
الصورة الثانية: أن يخرج أحدهما البذر ويقابله الآخر بعمل يساويه وتكون الأرض بينهما وجاز لسلامتها من كراء الأرض بما يخرج منها، وقول ابن دينار نقله سحنون، قال:
[ ٧ / ١٢٦ ]
وجعله مثل ذهب وعرض بذهب وعرض، يعني أن أحدهما أخرج بعض الأرض والطعام في مقابلة بعض الأرض.
سحنون: وهذا جائز بخلاف المراطلة، على أن المصنف لو استغنى بماقدمه من قوله: (الْمَشْهُورُ جَوَازُهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا) لكان أحسن، ولا يقال: مأخذ الرواية الشاذة غير مأخذ ابن دينار؛ لأن الرواية الشاذة مأخذها إنما هو؛ لأن حقيقة الشركة إنما تكون إذا اشتركا في الجميع ومأخذ ابن دينار في المنع في هذه المسألة إنما هو لفظ، فلعل المصنف ذكر لاختلاف المأخذين؛ لأنا نقول: المصنف لم يذكر مأخذ القولين، والله أعلم.
تنبيه:
ذكر اللخمي وابن يونس وغيرهما أن سحنون نقل خلاف ابن دينار في الصورة الثانية، وقال ابن راشد: لم ينقل ابن يونس خلاف ابن دينار في الصورة الثانية، وإنما نقله في صورة أخرى، وهي إذا كان البذر من عند أحدهما والأرض من عند الآخر، وفيه نظر؛ لأن هذه الصورة ممنوعة على المذهب بلا إشكال، ولعل سبب ذلك أن النسخة التي نظرها من ابن يونس سقيمة.
قوله: (وَقِيلَ: يُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ فِيهِمَا) أي: في الصورتين، وذلك أنه لما قال في الأولى: (وَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ) وقال في الثانية: (وَمُقَابِلُهُ عَمَلُ يُسَاوِيهِ) وأشعر ذلك اشتراط التساوي وأنه لا يغتفر فيهما تفاوت يسير ولا كثير، وذكر قولين آخرين: أحدهما: إنه يغتفر التفاوت اليسير في الصورتين، وهو قول ابن حبيب، والثاني: أنه يغتفر اليسير في الأولى والكثير في الثانية، ووجهه أن الأولى دخلا فيها على حقيقة الشركة دون مبايعة لاشتراكهما في جميع الأشياء وذلك موجب لطلب الاعتدال بينهما فلا يغتفر إلا اليسير الذي تدعو الضرورة إليه، وأما الثانية: فقصد فيها المبالغة وهي لا يشترط فيها التساوي، بل هي مظنة المغابنة وهذا القول لسحنون، ولا يقال: هذا التوجيه يقتضي المنع من
[ ٧ / ١٢٧ ]
الأصل لمنع اجتماع الشركة مع البيع؛ لأنا نقول: إنما يمنع البيع مع الشركة إذا كان البيع خارجًا عن الشركة. والله أعلم.
وَأَمَّا لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلا عَادَةٍ كَالشَّرِكَةِ
أي: ما منعناه من التفاضل إنما هو قبل العقد، وأما لو تبرع أحدهما بعده أو سلفه فذلك جائز من غير وأي ولا عادة، والوأي: الوعد، وهو أحسن من كلام المصنف؛ لأنه إذا امتنع في الوعد فأولى في الشرط ولا ينعكس.
وقوله: (بَعْدَ الْعَقْدِ) نحوه لسحنون أي ولا يشترط العمل، وعلله الشيخ أبو محمد بكون الشركة لازمة بالتعاقد، وعلى القول بنفي اللزوم قبل العمل فهو وإن وقع بعد العقد وقبل العمل بمنزلة الواقع قبله، وقد حكى أبو الحسن في جواز فضل أحدهما على الآخر بما له بال بعد العقد قولين، قال: وهما مبنيان على أن الشركة تلزم بعد العقد أم لا، وقد تقدم أن صاحب المقدمات قال: الذي جرت به الفتوى أن المزارعة إنما تلزم بالعمل، وعلى هذا فيكون كلام المصنف جاريًا على هذا القول.
وقول المصنف (كَالشَّرِكَةِ) أشار به إلى ما قدمه وهو قوله: فإن وقعت على تفاضل الربح أو العمل فسدت، ولزم التراد في الربح وفي العمل أجرة المثل في نصف الزيادة، وأما لو تبرع أحدهما بعد العقد من غير شرط فجائز، ونقل ابن يونس عن ابن حبيب قولًا آخر، قال: إن عقدا على ألا يعتدلا ولا يتكافيا جاز ما فضل به أحدهما الآخر طوعًا قل أو كثر إذا اعتدلا في الزريعة ثم تفاضلا في غيرها وسلما من أن يكون للأرض كراء من الزريعة.
[ ٧ / ١٢٨ ]
وَلَوْ كَانَتِ الأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَأَلْغَاهَا وَتَسَاوَيَا فِيمَا عَدَاهَا لَمْ يَجُزْ إِلا فِيمَا لا خَطْبَ لَهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ ..
هذه مسألة المدونة في رجلين اشتركا في الزرع فأخرج أحدهما أرضًا لها قدر في الكراء فيلغيها لصاحبها ويعتدلان فيما عدا ذلك من العمل والبذر فلا يجوز إلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض ويتساويا في العمل والبذر أو تكون الأرض لا خطب لها في الكراء، كأرض المغرب وشبهها، فيجوز أن يلغي كراؤها لصاحبه، ويتساويا فيما عدا ذلك، وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يعجبني أن تلغى الأرض من المتزارعين وإن لم يكن لها كراء ولولا أن مالكًا قاله لكان غيره أحب إلي منه، ولما كان قول سحنون ليس صريحًا في المخالفة، وهو محتمل لما أشار المصنف إليه بقوله: على المنصوص.
تنبيه:
لعل المصنف خص الأرض تبعًا للمدونة وإلا فينبغي أن يكون التطوع بالتافه مطلقًا لذلك، وعليه تدل الرسالة؛ لأن فيها: ولو اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك.
فَلَوْ كَانَتِ الأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ جَمِيع الْبَذْرِ، أَوْ بَعْضِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلُ عَلَى الآخَرِ؛ فَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ نِسْبَةُ بَذْرِهِ أَوْ أَكْثَرُ جَازَ، وإِلا فَلا ..
ذكر مسألتين: الأولى أن يكون من أحدهما الأرض كلها أو جميع البذر وعلى الآخر [٦١٢/ أ] العمل- يريد والبقر والآلة، وأطلق العمل عليه وعلى البقر والآلة لأنهما سببان له- جاز وهو قول سحنون؛ ففي اللخمي: واختلف إذا كان البذر من عند صاحب الأرض واةلعمل والبقر من عند الآخر، فأجازه سحنون ومنعه محمد وابن حبيب.
[ ٧ / ١٢٩ ]
وقول ابن عبد السلام: إن هذه الصورة هي مسألة الخماس ببلاد المغرب ليس بظاهر؛ لأن في مسالة الخماس البقر والآلة من عند رب الأرض، وإنما للعامل جزء معلوم يساوي قيمة عمله، ويتبين لك ذلك بالوقوف على ما في أجوبة ابن رشد، ونص السؤال: يتفضل الفقيه الأجل قاضي الجماعة أبو الوليد ابن رشد- وفقه الله تعالى ورضي عنه- بالجواب في رجلين اشتركا في الزرع على أن جعل أحدهما: الأرض والبذر والبقر، والثاني: العمل، ويكون الربع للعالم، والثلاثة الأرباع لصاحب الأرض، هل يجوز ذلك أم لا؟ وأجابه بأن قال: تصفحت سؤالك، فأما مسألة الاشتراك في الزرع على الوجه الذي ذكرت فلا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعقداها بلفظ الشركة.
والثاني: أن يعقداها بلفظ الإجارة.
والثالث: أن لا يسميا في عقدها شركة ولا إجارة، وإنما قال: أدفع إليك أرضي وبذري وبقري وتتولى أنت العمل، ويكون لك ربع الزرع أو خمسه أو جزء من أجزائه يسميانه، فحمله ابن القاسم على الإجارة ولم يجزه وإليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون على الشركة فأجازه، هذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وكان من أدركنا من الشيوخ لا يحصلونها هذا التحصيل، ويذهبون إلى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل، وليس ذلك عندي بصحيح. انتهى.
وحاصله: إن عقداها بلفظ الشركة جاز بلا إشكال، وبلفظ الإجارة امتنع بلا خلاف؛ لأنها إجارة بجزء مجهول، وقد نص أبو الحسن على أن هذه هي مسألة الخماس لا ما قاله ابن عبد السلام، ولا يقال: لعل ابن عبد السلام أراد هذه؛ لأنا نقول: قد نص على أنه أراد مسألة اللخمي.
[ ٧ / ١٣٠ ]
وقوله: (أَوْ بَعْضِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلُ عَلَى الآخَرِ) هذه هي مسألة الثانية؛ أي: لو كانت الأرض من عند أحدهما مع بعض البذر وعلى الآخر العمل مع البذر، كان للعامل نسبة بذره؛ أي: قدر ما أخرجه العامل من البذر كما لو أخرج كل واحد نص البذر والزرع بينهما نصفان.
قوله: (أَوْ أَكْثَرُ) كما إذا أخرج العامل ثلث البذر وأخذ النصف؛ لأنه يكون ثلث العمل مقابلًا لثلث رب الأرض، ويبقى الثلث الآخر الذي أخرجه رب الأرض مقابلًا لعمل العامل فلا منع، وهذا معنى قوله: (جَازَ) يريد بشرط التكافؤ كما تقدم.
قوله: (وإِلا فَلا) أي: وإن لم يكن للعامل نسبة بذره ولا أكثر بل أقل امتنع كما لو أخرج العامل ثلثي البذر وأخرج رب الأرض ثلث البذر والزرع بينهما نصفان؛ لأن الثلث الزائد من العامل يصير في مقابلة الأرض جزء من البذر وهكذا قال ابن حبيب.
وَالْعَمَلُ الْمُشْتَرَطُ هُوَ الْحَرْثُ لا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ عَلَى الأَصَحِّ لأَنَّهُ مَجْهُولُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ ..
لما ذكر المصنف أولًا العمل وكان فيه اختلاف احتاج إلى بيانه وما صححه المصنف هو قول سحنون وصححه للدليل، وكذلك قال ابن يونس والتونسي: إنه الصواب؛ لأن الحصاد والدراس مجهولان لا يدري كيف يكونان وشأنهما قد يقل ويكثر، واستشكلا ما وقع لابن القاسم في العتبية من رواية حسين بإجازة اشتراطهما، وهو الذي حكاه المصنف عنه، ونص هذه الرواية على نقل ابن يونس، وقال حسين عن ابن القاسم: فيمن أعطى لرجل أرضًا ليقلبها وينبتها فإذا كان أوان الزراع كان البذر بينهما والزرع بينهما والعمل على الداخل والحصاد والدراس، ونقل نصيب رب الأرض إليه، قال: وبين القليب والزرع شهر، فإن كانت الأرض مأمونة جاز ذلك وإن كانت غير مأمونة لم يجز، وانظر
[ ٧ / ١٣١ ]
كيف منعوا هنا جواز اشتراط الحصاد والدراس، وأجازوا اشتراط عصر الزيتون على العامل في المساقاة.
خليل: والقليب: الحرث.
الجوهري: المقلب: الحديدة التي تقلب بها الأرض للزراعة.
وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ
لا حاجة إلى قوله: (الْمُشْتَرَكُ) لأن الخلط يغني عنه، ولما كان الخلط ظاهرًا في عدم تمييز أحدهما عن الآخر بين أنه ليس المراد ذلك بقوله: (كَالْمَالِ) فأشار إلى ما قدمه وهو إما أن يكون تحت أيديهما أو أحدهما، وهكذا قال مالك وابن القاسم.
اللخمي: واختلف عن سحنون فقال مرة بقول مالك، وقال مرة: إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو جمعاها في بيت واحد وحملاها إلى فدان، ونص هذا الثاني عند ابن يونس.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا صحت الشركة في المزارعة، وأخرجا البذر جميعًا إلا أنهما لم يخلطا فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وزرعا الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد ولكل واحد ما أنبت حبه ويتراجعان في فضل الأكرية ويتحاصان، وإنما تتم الشركة إذا خلطا ما أخرجاه من الزريعة أو جمعاه في بيت واحد، ثم زرعا الأخرى فهو جائز، كما لو جمعاها في بيت وتصح الشركة.
قال بعض فقهاء القرويين: وعند ابن القاسم إن الشركة جائز خلطًا أو لم يخلطا.
ابن عبد السلام: ولعل المصنف إنما سكت عنه لاحتمال جواز الإقدام على ذلك ابتداء، وإنه ممنوع أولًا، لكنه إذا وقع مضى وهو الظاهر من تفريعه.
[ ٧ / ١٣٢ ]
فَلَوْ أَخْرَجَاهُ مَعًا وَبَذَرَاهُ بَذَرَاهُ؛ وَقِيلَ: كَالْخَلْطِ؛ [٦١٢/ ب] وقِيلَ: إِنْ عُلِمَتِ النَّوَاحِي فَلِكُلِّ وَاحِدٍ نَبْتُ بَذْرِهِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الأَكْرِيَةِ وَالْعَمَلِ ..
لو اشتركا في الإخراج في وقت واحد فقولان:
أولهما: أنه كالخلط وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم.
والثاني: أن لكل واحد نبت بذره إن علمت النواحي، وهو أحد قولي سحنون.
وَعَلَى الصِّحَّةِ لَوْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ غُرَّ لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَذْرِهِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وإِنْ لَمْ يُغَرَّ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا ..
أي: وعلى القول بصحة الشركة لو لم ينبت بذر أحدهما يكون الزرع بينهما لصحة العقد، وتصور كلامه ظاهر، والضمير في (فِيهِمَا) عائد على صورتي الغرور وعدمه.
ابن عبد السلام: وسكت في الرواية عن رجوع المغرور على الغار بقيمة نصف العمل، وينبغي أن يكون له الرجوع بذلك؛ لأنه غرر بالفعل.
خليل: وينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها، قيل: وهذا إذا لم يغتر عليه إلا بعد انقضاء إبان الزراعة، ولو علم ذلك في إبانها للزم الغار الضمان وعليه أن يخرج المكيلة من زريعة تنبت فيزرعها في ذلك القليب وهما شريكان، ولا غرم على الآخر للغار، وإن لم يكن غره فليخرجا قفيزًا آخر فيزرعان في القليب إن اختاراها على شركتهما.
تنبيه:
بقي على المصنف شرط آخر في البذر وهو ثالثهما جنسًا، وإن أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا أو سلتا أو صنفين من القطنية، فقال سحنون: لكل واحد ما أنبت بذره ويتراجعان في الأكرية ثم قال: يجوز إن اعتدلت القيمة. اللخمي: يريد والمكيلة.
[ ٧ / ١٣٣ ]
وَفِي الْفَاسِدَةِ إِنْ تَكَافَأ فِي الْعَمَلِ فَبَيْنَهُمَا وَيَتَرَاجَعَانِ غَيْرَهُ
لما ذكر المزارعة الصحيحة وشروطها علم أن الفاسدة ما فقد منها شرط، ولذلك لم يحتج إلى بيان الفاسدة، وتقدير كلامه: والحكم في المزارعة الفاسدة تفسخ قبل العمل، وإن فاتت ففي المذهب طريقان: أولاهما تفصيلية وهي التي بدأ بها المصنف، وذكر منها ثلاث صور، الصورة الأولى: (إِنْ تَكَافَأ فِي الْعَمَلِ) أي: فالزرع بينهما، وذلك إذا أخرج أحدهما البذر والآخر الأرض والعمل بينهما، ولا خلاف في فسادهما لمقابلة الأرض بالبذر، فيكون الزرع بينهما.
(وَيَتَرَاجَعَانِ غَيْرَهُ) أي: غير العمل وهو البذر والأرض فيكون على صاحب البذر نصف كراء الأرض وعلى صاحب الأرض مكيلة البذر، وهكذا نقله ابن المواز عن مالك وابن القاسم، وظاهر كلام ابن حبيب أن الزرع لصاحب البذر وحده، ويكون عليه لصاحب الأرض كراء أرضه وقيمة نصف العمل؛ لأنه قال: وأصل هذا أن كل متزارعين على معادلة وقع في مزارعتهما، كراء الأرض بالبذر فافسخه واجعل الزرع لرب البذر، وكل متزارعين على غير معادلة سلمًا من كراء الأرض بشيء من البذر، فاجعل الزرع بينهما نصفين، ويتراجعان في الفضل فيما سوى ذلك.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْعَمَلِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ
هذه الصورة الثانية وفسدت بما فسدت به الأولى؛ لأن قوله: (مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا) البذر مع العمل يقتضي أن الأرض من عند الآخر، وحينئذ يقابل الأرض جزء من البذر. (فَالزَّرْعُ لَهُ) أي: لصاحب البذر والعمل؛ لأنه اجتمع له من الثلاثة شيئان، وقدم لذلك. (وَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ) أي: أجرة الأرض.
[ ٧ / ١٣٤ ]
ابن القاسم وابن حبيب: وإن أخرج أحدهما الأرض والعمل على ألآخر وجميع البذر على أنه له نصفه على رب الأرض، لم يجز شرط السلف، وإن وقع فالربح بينهما نصفين لضمانهما الزريعة، وتكافيهما في العمل وكراء الأرض، ويرجع مخرج البذر بنصفه معجلًا على الآخر، وقال سحنون: الزرع لمسلف البذر وعليه كراء الأرض، قبض رب الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبض إذا وقعت الشركة على شرط السلف إلا أن يكون أسلف على غير شرط بعد صحة العقد.
إِنْ كَانَ الْبَذْرُ فَقَطْ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِي؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ ثُمَّ يُقَوِّمَانِ مَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ وَأُجْرَةِ الأَرْضِ والْعَمَلِ ..
هذه هي الصورة الثالثة ودل كلامه على أنها تقع على وجهين:
الأول: أن يكون البذر من المالك أي للأرض ومن الآخر العمل.
والوجه الثاني: أن يكون البذر من أجنبي فتكون الأرض لواحد والبذر لآخر والعمل لآخر وتكون الشركة من ثلاثة أشخاص، ولا إشكال في فساد الوجه الثاني لمقابلة جزء من الأرض بجزء من البذر، وأما الوجه الأول: فقد يقال: فيه نظر؛ لأن كلام المصنف يقتضي أن سحنون يقول بفساده، والمنقول عنه فيما إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر، وأخرج الآخر العمل وقيمة ذلك، مثل كراء الأرض جواز ذلك وعن ابن حبيب عدم جوازه.
ابن حبيب: وإن نزل فالزرع لصاحب الأرض والبذر والبقر وعليه للآخر قيمة عمل يده، وكأنه آجره بنصف ما تنبت أرضه اللهم إلا أن يقال: إن مراد المصنف إذا وقعت الشركة بينهما على التفاضل.
[ ٧ / ١٣٥ ]
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ) يعني: في الوجهين، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في الموازية، ونص ما نقله ابن يونس: قال ابن المواز: ومن قول مالك وابن القاسم: إن الزرع كله في فساد الشركة لمن تولى القيام به كان مخرج البذر صاحب الأرض أو غيره، وعليه إن كان هو مخرج البذر له كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعلي له مثل بذره، وهكذا نقل [٦١٣/ أ] الشيخ أبو محمد هذا القول، واعترض القرويون على أبي محمد ما نقله عن ابن القاسم أنه لصاحب العمل، وقالوا: لم نجد لابن القاسم أن الزرع للعامل دون أن يضاف إليه.
وقوله: (وَقَالَ سُحْنُونُ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ) ظاهره أيضًا في الوجهين، وهذا القول رواه ابن غانم عن مالك أن الزرع لصاحب الزريعة وعليه قيمة كراء الأرض والعمل.
ابن حبيب: وبه قال من المدنيين مطرف وابن الماجشون وابن نافع، ومن المصريين ابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، ولم أر النص عن سحنون إلا في الوجه الأول، وهذا إذا كان البذر من عند رب الأرض، قال ابن يونس: نقل عنه أن الزرع لرب البذر، وذكر عنه أيضًا صورة أخرى فقال: قال سحنون: وإذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر، والآخر نصف البذر فقط، والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثًا لم يجز، فإن نزل فالزرع على مذهب ابن القاسم بين العامل ورب الأرض، ويغرمان لمخرج نصف البذر مكيلة بذره.
ومذهب سحنون أن الزرع لصاحبي الزريعة وعليهما كراء الأرض والعمل، وقال ابن حبيب: قد أخطأ والزرع بينهم أثلاثًا، والذي ذكر ابن المواز على أصل ابن القاسم أن الزرع لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض إليه فيؤدي مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها. انتهى.
[ ٧ / ١٣٦ ]
قوله: (ثُمَّ يُقَوِّمَانِ) هو من القيام وهو معنى الغرم والضمير المثنى عائد على صاحب الأرض والعامل وهذا مرتب على قول ابن القاسم وسحنون أي فعلى قول ابن القاسم أن الزرع للعامل يكون عليه كراء الأرض ومثل البذر إذا كان من غيره وعلى قول سحنون أن الزرع لصاحب البذر وتكون عليه قيمة العمل وكراء الأرض إن كانت لغيره، ولما فرغ ﵀ من الطريق التفصيلية شرع في الإجمالية فقال:
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: فِي الْفَاسِدَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ:
الأَوَّلُ: لِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
الثَّانِي: لِلْعَامِلِ
الثَّالِثُ: لِمَنْ لَهُ اثْنَانِ مِنَ الأَرْضِ وَالْبَذْرِ والْعَمَلِ.
الرَّابِعُ: لِمَنْ لَهُ الْبَقَرُ والأَرْضِ والْعَمَلِ.
الْخَامِسُ: لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنَ الأَرْبَعَةِ.
السَّادِسُ: إِنْ سَلِمَتْ مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَى مَا شَرَطُوهُ وَإِلا فَلِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
(الْبَاجِيُّ) هو ابن رشد وقد تقدم في الطلاق سبب ذلك وهذه الطريقة ذكرها في المقدمات فقال: واختلف في المزارعة الفاسدة إذا وقعت وفاتت بالعمل على ستة أقوال:
أحدها: أن الزرع لصاحب البذر ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه.
والثاني: أن الزرع لصاحب العمل وهو تأويل ابن أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكى عنه ابن المواز.
[ ٧ / ١٣٧ ]
والثالث: لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة وهي البذور والأرض والعمل فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد منهم شيئان منها أو انفرد كل واحد منهم بشيء منها فالزرع بينهم أثلاثًا وإن اجتمع لأحدهم شيئان دون أصحابه كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم واختيار ابن المواز على ما تأول أبو إسحاق التونسي.
والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب وهي الأرض، والعمل، والبقر.
والخامس: أن يكون لمن اجتمع له شيئان من اربعة أشياء على هذا الترتيب وهي: الذر، والأرض، والعمل، والبقر.
والسادس: قول ابن حبيب: إن الفساد أن سلم من كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع بينهم فالزرع على ما اشترطوه وتعادلوا في ما أخرجوه.
وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها فالزرع لصاحب البذر.
وعلى هذا فقول المصنف في القول الرابع: (لِمَنْ لَهُ الْبَقَرُ والأَرْضِ والْعَمَلِ) ليس بجيد وصوابه "لمن له اثنان من الأرض والبقر والعمل" وكذلك الخامس صوابه أن يقول: "لمن اجتمع له شيئان من البذر والبقر والأرض والعمل" ولا يقال كلام المصنف غير صحيح من حيث المعنى؛ لأنه إذا اجتمع لواحد أربعة فماذا يكون للآخر؛ لأنه لا يلزم من كون الأربعة لواحد أن يكون جميعها له فمن الجائز أن يكون معه شريك في بعضها وفي كلها ألا ترى إلى القول الثالث في كلام ابن رشد.
[ ٧ / ١٣٨ ]
الإِجَارَةُ
الجوهري: الأجر: الثواب، آجره الله، يأجره أجرًا. وكذلك آجره الله إيجارًا أو آجر فلان خمسة من ولده، أي: ماتوا فصاروا أجرة. والأجرة: الكراء، يقال: استأجر الرجل فهو يأجرني أي يصير أجري، قال تعالى: أن تأجرني ثماني حجج. انتهى.
فحكى في الفعل: القصر والمد، وأنكر الأصمعي المد.
عياض: وهو صحيح. فقد نقل اللغتين غير واحد.
(الإِجَارَةُ): منافع معلومة، وهي مأخوذة من الأجر وهو الثواب.
كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ لَهَا أَرْكَان
يعني: أن كل ما يصح بيعه جازت إجارته، وما ليس فليس، لأن الإجارة بيع منافع، ولا فرق بين بيع المنافع والأعيان، وهكذا قال عياض.
وهي معاوضة صحيحة يجري فيها ما يجري في البيوع من الحلال والحرام.
الأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعْيَنِ
يعني: العاقدان للإجارة فأشار إلى أن للإجارة أركان.
(أَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعْيَنِ) شرطهما التمييز وقيل: إلا السكران. والتكليف شرط اللزوم، والإسلام شرط المصحف والمسلم، واقتضى تشبيهه أنه لو آجر الصبي نفسه لكان للولي إمضاؤه وفسخه، وقد نص في المدونة على ذلك، وكذلك المعين.
قال في المدونة: فإن فعلا، فعليه الأكثر مما سماه، وأجرة المثل.
ابن راشد: وللسفيه البالغ أن يؤاجر نفسه على ظاهر المذهب، فإن كان في أجره محاباة فلوليه [٦١٣/ ب] النظر في ذلك.
[ ٧ / ١٣٩ ]
قال مطرف وابن الماجشون: لا بأس أن يستأجر الرجل الغلام لم يبلغ الحلم، والجارية لم تحض، من أنفسهما إذا عقلا وكان ما فعلوه نظرًا، ويدفع إجارتهما إليهما، ويبرأ بذلك الدافع ما لم يكن شيء له بال. وما كان في إجارتهما من محاباة فعلى المستأجر إتمامها، كان معهما ولي أم لا، وكذلك إذا عقد عليما أخ أو عم. يجوز في ذلك ما يجوز إذا عقداه، ويبرأ بذلك إذا كان الولي مأمونًا، وإن كان وليًا من الإمام كان أحب إلينا. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ لا يؤاجر إلا المأمون.
وهكذا نقل صاحب النوادر وغيره، وذكر بعض على هذا الموضع أنه لا يجوز لهما أن يعقدا على أنفسهما عند ابن القاسم، وأنه إنما يعقد عليهما عنده والوصي أو مقدم القاضي.
الأُجْرَةُ كَالثَّمَنِ
هذا هو الركن الثاني، ومعنى كلامه: أن ما جاز أن يكون ثمنًا، جاز أن يكون أجرة، وحاصله: أنه يشترط في الأجرة ما قدمه في المعقود عليه في البيع أن يكون طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، معلومًا. وهذه الكلية لا ينخرم إلا بكراء الأرض مما يخرج منها، لأن الطعام يصح أن يكون ثمنًا، ولا يصح أن يكون أجرة بالنسبة إلى الأرض.
وأجاب ابن عبد السلام: بأن مراده، أن كل ما هو صالح للتنمية من حيث هو في البيع، فهو صالح لأن يكون عوضًا في الإجارة، إلا أن يعرض بذلك مانع من الموانع. ألا ترى أنه لا يصلح الاعتراض بالثمرة مثلًا على المعقود عليه، من جهة أنه لا تصلح المعاوضة بينه وبين الرطب، وأيضًا فالمانع من كون الطعام إجارة، ما يؤدي إليه، إما من الربا، وإما من المزابنة باعتبار ما يخرج من الأرض.
وأجاب غيره بأن المصنف قد استثناه بعد الأرض.
[ ٧ / ١٤٠ ]
فإن قيل: كلامه منتقض بما أجازه ابن القاسم في العتبية في الخياط المخالف الذي لا يكاد يخالف مستخيطه أن يراضيه على أجرة إذا فرغ، فإنه يدل على عدم اشتراط المعلومية.
قيل: هذه صورة نادرة، فلا تقدم على أن ابن حبيب قال: لا ينبغي أن يستعمله حتى يسمي أجرته.
وَلا تُتَعَجَّلُ إِلا بَشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ إِلا أَنْ يَكُونَ عَرْضًا مُعَيَّنًا أَوْ عَلَى إِجَارَةٍ مَضْمُونَةٍ
إنما لم تتعجل الإجارة، لأن عوضها غير معجل بخلاف البيع.
ولو قال: إلا أن تكون عرضًا معينًا أو تكون الإجارة مضمونة كما في الجواهر لكان أبين، ولا إشكال في لزوم التقديم مع الشرط أو العادة. ولزوم التقديم في العقد المعين، لئلا يؤدي إلى بيع معين يتأخر قبضه وما في الإجارة المضمونة؛ لئلا يلزم الدين بالدين كالسلم، وقيد ذلك في الموازية بألا يشرع، وأما لو شرع في الركوب لجاز التأخير.
وكذلك قال عبد الوهاب؛ أي: لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، فلا يلزم الدين بالدين.
قال في المقمات: قال عبد الوهاب: يجب في المضمونة تعجيل أحد الطرفين من الأجرة، والشروع في الاستيفاء، يريد إذا كان العمل يسيرًا ليخرج من الدين بالدين وقيد ما قال غيره بأن يكون العمل يسيرًا.
وما ذكره المصنف من لزوم التقديم إذا كان الكراء مضمونًا، نص عليه مالك، وهو الأصل لما تقدم، لكن اختلف في ذلك في الكراء المضمون؛ أي: الحج ونحوه بسبب ضرورة عارضت ذلك.
ففي الموازية عن مالك في من تكارى كراءً مضمونًا إلى أجل، مثل الحج في غير إبانه فلا يجوز أن يؤخر النقد، ولكن يعجل الدنانير ونحوها. وكان يقول: لا ينبغي إلا أن ينقد
[ ٧ / ١٤١ ]
مثل ثلث الكراء، ثم رجع فقال: قد اقتطع الأكرياء أموال الناس، فلا بأس أن يؤخرهم بالنقد، ويقدموهم بالدنانير وشبهه.
تنبيه:
قيد في الجواهر الطعام بأن يكون رطبا، وتبع في ذلك صاحب التلقين.
والظاهر أنه لا فرق بين الطعام الرطب واليابس؛ لأنه بيع عين يتأخر قبضه فيهما، نعم الغرر في الرطب أقوى، وفي بعض النسخ بعد قوله: (مُعَيَّنًا أَوْ طَعَامًا وَشِبْهَهُ)
وَمَنَافِعُ الْعَيْنِ كَالْعيْنِ
أي: الأجرة تصح بمنفعة العين كالعين. ومراده بـ (الْعَيْنِ) المعين؛ أي: الابة التي تقابل المنفعة، ويدل عليه إضافة المنافع إليه.
وَلِذَلِكَ جَازَ سُكْنى بِسُكْنَى، أَوَّلُهُمَا مُتَّفِقُ أَوْ مُخْتَلِفُ
اللام: للتعليل؛ أي: ولأجل أن منافع العين كالعين، جاز أن تكون سكنًا عوض السكنى، ولو كانت منافعا لذات كالمنافع المضمونة، لم يجز ذلك، وخصص السكنى لأنها الواقعة في الرواية، وإلا فلا فرق في ذلك بين العبد والدابة والأرض.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطُ وَلا عَادَةُ أَخَذَ مُيَاوَمَةُ
هكذا نقل صاحب الجواهر وغيره عن ابن القصار.
ومعنى (مُيَاوَمَةُ) أي: كل ما تمكن من استيفاء منفعة وما لزمه أجرته، لأنه المسكن وظاهر كلام المؤلف يتناول المنافع، بالأجرة حقيقة في العرف مقصورة عليها، والمذهب أن الصانع لا يستحق الأجرة عند الإطلاق، إلا بعد تمام العمل.
[ ٧ / ١٤٢ ]
نعم خرج بعض الشيوخ على قول ابن المواز، في الصانع يضمن المصنوع بصيغته، ويأخذ الأجرة بكمالها، أن يكون حكمه عند التنازع في قبض الأجرة حكم مكري الراحلة، مهما عمل شيئًا أخذ بحسابه.
فَإِنْ كَانَ عَلَى عَرْضٍ مُعَيَّنٍ وَالْعُرْفُ التَّأخِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَسَدَ الْعَقْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَصِحُّ وَيُعَجَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ أَوَّلًا ..
(فَسَدَ الْعَقْدُ) أي إلا أن يشترط التعجيل.
وقال غيره: يصح ويجبر على التعجيل؛ وهو معنى قوله: (وَيُعَجَّلُ) والبناء الذي ذكره المصنف ذكره الأستاذ أبو [٦١٤/ أ] بكر، فقال: وهذا أصل مختلف فيه بين ابن القاسم والمدنيين.
فعند ابن القاسم: يحمل الإطلاق على العرف، فإن كان العرف فاسدًا.
وعند ابن الماجشون وغيره من المدنيين: لا حكم للعرف الفاسد، وإنما التأثير للعرف الصحيح.
ووجه قول الغير؛ أن الحمل على الفساد خلاف قصد المتبايعين لأنهما قاصدان لانبرام العقد. ونوقش المصنف في تخصيص الخلاف هنا إذا كان العرف التأخير.
وإن مذهب ابن القاسم في كراء الرواحل الفساد إذا لم يكن العرف التقديم، سواء كان العرف التأخير أو لم يكن عرف وكانوا يتبايعون بالوجهين.
وابن حبيب يصحح في الوجهين، صرح بذلك اللخمي وابن يونس وغيرهما، وعلله ابن يونس بأنه إذا لم يكن ثم عرف من قاعدة ابن القاسم عدم تعجيل الأجرة فكان ذلك الشرط التأجيل والدنانير والدراهم إذا كانت أيضًا معينة حكمها حكم العرض.
[ ٧ / ١٤٣ ]
نص على ذلك في المدونة، ففيها وقال غيره في الدنانير جائز وإن تلفت فعليه الضمان وعلى هذا، ففي قول المصنف: عرض معين، قصور، وفي بعض النسخ وهو أحسن.
وَلَوِ اسْتَاجَرَ السَّلاَّخَ بِالْجِلْدِ، وَالنَّسَّاجَ بِجُزْءِ مِنْ الثَّوْبِ، وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ لَمْ يَجُزْ ..
لما ذكر أن الأجرة كالثمن فلا يجوز فيها الجهالة ذكر صورًا ممنوعة لذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه في الجلد أنه لا فرق بين أن تكون الشاة مذبوحة أو حية، وهو كذلك إذ لا يدري كيف يخرج بعد السلخ.
خليل: وقد تقدم في بيع الجلود على ظهور الخرفان في البيوع ستة أقوال ينبغي أن تأتي هنا، واستقرأ من المدونة جواز بيع الجلد من إجازته بيع السباع حية لأخذ جلودها.
وقد يقال: السباع لما لم تؤكل، إما على طريق المنع أو الكراهة، لم يكن المقصود فيها إلا الجلد، فيحتاط له بخلاف هنا، فإن اللحم مقصود أيضًا، فلذلك قد لا يحاول على الجلد، وذلك سبب إلى قطعه في مواضع.
قوله: (وَالنَّسَّاجَ بِجُزْءِ مِنْ الثَّوْبِ) علله في المدونة بالجهالة.
قال: لأنه لا يدري كيف يخرج، ولأن ما لا يجوز بيعه، لا يجوز أن يستأجر به.
قال فيها: ولو قلت له: انسج لي هذا الغزل بغزل آخر، عجلته له جاز، ولإجارة الإجارة بجزء من الغزل قال المصنف: (مِنْ الثَّوْبِ) ليخرج هذه الصورة.
ابن حبيب: ويجوز إذا أعطاه الغزل على جزء ولم يبين هل هو من الثوب أو من الغزل؟
خليل: وأصل ابن القاسم هنا المنع.
فرع:
فإذا وقعت المسألة على ما قاله المصنف، أصبغ: فله أجر مثله والثوب والجلد لربها.
[ ٧ / ١٤٤ ]
ابن عبد السلام: يريد أصبغ، أنه لم يحصل النصف الآخر وعليه أجرة وعليه أجرة المثل في دباغة الجميع، أما لو دفع إليه نصف الجلود قبل الدبغ على أن يدفعها مجتمعة، فأفاتها بالدباغ، فله نصفها بقيمتها يوم قبضها، وله أجر عمله في نصفها للتحجير في نصف الدابغ، وهذا أبين.
وأشار بعضهم إلى أنه يختلف في ضمان الصانع لنصفها في هذا الوجه الأخير إذا شرع في دباغها، ويختلف في فواتها بالشروع أيضًا، لأن قبضه لها ليس قبضًا حقيقيًا، لكونه غير متمكن من الانتفاع بما قبضه.
قوله: (وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ) أي: للجهالة بقدرها.
خليل: وعلى هذا، فلا يجوز ما يفعل عندنا بمصر في طحن العامة، لأنهم يعطون للطحان أجرة معلومة والنخالة وهي مجهولة، وانظر لو آجره بصاع من النخالة، هل يجوز؟ لأن النخالة لا تختلف أو يختلف فيها كما في صاع دقيق.
ابن عبد السلام: والنفس أميل إليه لأن من الطحن ما تخرج نخالته كثيرة الأجزاء، ومنه ما لا تخرج كذلك. وإلى مسألة صاع من دقيق أشار بقوله:
وَفِي صَاعٍ دَقِيقٍ قَوْلانِ
من الجواز مذهب المدونة ففيها: ولا بأس أن يؤاجره على طحن إردب قمح بدرهم وبقفيز من دقيقه، إذ ما جاز بيعه، جازت الإجارة فيه، وإن واجرته بطحنه لك بدرهم وبقسط من زيت زيتون قبل أن يطحن جاز ذلك.
والمنع لابن القاسم في الواضحة وابن المواز.
اللخمي: ولا وجه له، وصوب غيره أيضًا الجواز، فكأنهم لم يرتضوا بتفرقة ابن المواز بين البيع والإجارة، أنه إنما جاز في البيع، لأن المبيع إذا هلك رجع المبتاع بثمنه، وفي الإجازة إذا طحن وهلك ذهب عمله باطلًا؛ لأنه ليس بمضمون على ربه ولو ضمنه كان فاسدًا؛ أي: لأنه كمن اشترى معينًا، وشرط على البائع ضمانه.
[ ٧ / ١٤٥ ]
وأجاب ابن حيبب عن هذا بأنه إذا ضاع بعد الطحن، رجع بقيمة طحنه كما يرجع من اشترى ثوبًا بعبد فاستحق الثوب من يده فإنه يرجع في عبده إن كان قائمًا، فإن فات رجع بقيمته.
بعض القرويين: وهذا إذا كان غير صانع، وأما إن كان صانعًا وثبت ضياع الدقيق بعد طحنه، فلا أجرة له على مذهب المدونة، لأنه لم يوف الصنعة إلى يد ربه.
وعلى ما في الموازية أن ضمان الصنعة إذا ثبت ضياع الدقيق من صاحبه، ينظر قيمة القفيز الذي شرطه الصانع لنفسه، فإن كان درهمًا، وقد طحنه بقفيز ودرهم، رجع بنصف إجارة مثله.
وقال اللخمي: إن ضاع القمح، يعني: وفرعنا على المشهور وكان ذلك قبل الطحن وكان الدرهم مساويًا لقيمة صاع الدقيق أو أكثر انفسخت الإجارة فيما ينوب الصاع، لأنه عرض بعرض ولم ينفسخ فيما ينوب الدرهم وعلى رب القمح أن يأتي بمثل ذلك ويطحنه له وإن لم يعلم الضياع إلا من الأجير، فرأى ابن القاسم مرة أنه غيبه فلزمه أن يغرمه ويطحن جميعه ويأخذ [٦١٤/ ب] الصاع منه ومرة لم يبلغ أنه غيبه حقيقة فيحلف على ضياعه ويغرمه ولا يطحن إلا ما قابل الدرهم. قال: وإن طحنه ثم ادعى ضياعه، لم يصدق، وغرمه مطحونًا، واستوفى منه الصاع واختلف إن شهدت البينة على ضياعه.
فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه ولا أجر.
فعلى هذا يأتي ربه بطعام ويطحن الأجير ما ينوب الدرهم بمنزلة ما لم ثيطحن وقيل له الأجرة، فيأخذ الدرهم، وإجارة المثل فيما ينوب الصاع.
ابن حبيب: ولا يجوز اطحنه على أن لك نصفه دقيقًا، لأنه جعل بغرر والأول إجارة بشيء معلوم.
[ ٧ / ١٤٦ ]
وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ بِجُزْءٍ مِنَ الرَّضِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ الْفِطَامِ لَمْ يَجُزْ
أي: ولو أرضعت الرقيق، فحذف المفعول لدلالة ما بعده (بِجُزْءٍ) أي: بنصف أو ثلث أو غير ذلك لم يجز لأنه معين يتأخر قبضه.
ومفهوم قوله: (بَعْدَ الْفِطَامِ) أنه لو كان على أن يأخذ النصف الآن لجاز، وهو ظاهر من جهة المعنى لانتفاء ما فرض مانعًا.
لكن ظاهر المدونة خلافه ففيها: ومن واجرته على تعليم عبدك الكتابة والقرىن سنة وله نصفه لم يجز، إذ لا يقدر على قبض باقيه قبل السنة.
وصرح الشيخ أبو محمد بذلك، فقال ولو قبض المعلم نصفه الآن، لم يجز. قال: فإن وقع وشرط قبض نصفه بعد السنة، فسخ، فإن فات وعلمه سنة ولم يفت العبد، فله قيمة تعليمه والعبد لسيده. فإن فات بعد السنة بيد المعلم، فالعبد بينهما وعلى ربه قيمة تعليمه وعليه نصف قيمة العبد يوم قبضه ويكون بينهما.
وَتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ جَازَ
مثله في المدونة، ففيها: وإن دفعت غلامًا إلى خياط أو قصار أو غيره ليعلمه ذلك العمل بعمل الغلام سنة، جاز.
يحيى بن عمر: والسنة محسوبة من يوم أخذه.
وهذا معنى قوله: (أَخْذِهِ) وقال غيره في المدونة: يجوز بأجر معلوم.
وَاحْصُدْ زَرْعِي وَلَكَ نِصْفُهُ يَجُوزُ.
(وَاحْصُدْ) بكسر الصاد وضمها.
قال في المدونة: ومن قال لرجل: احصد زرعي ولك نصفه، أو جذ نخلتي ولك نصفها، جاز وليس له تركه؛ لأنها إجارة، وكذلك لقط الزيتون، وهو كبيع نصفه.
[ ٧ / ١٤٧ ]
زاد بعض المختصرين: وقال غيره: لا يجوز؛ والأقرب الجواز، لاسيما إن قلنا أنه ملك نصفه قبل العمل.
عياض: وهو الذي يأتي على أصولهم أنه يجب بالعقد.
ابن حبيب: والعمل في تهذيبه بينهما.
ابن يونس: ولو شرط في الزرع قسمه حبًا، لم يجز وإن كان إنما يجب له بالحصاد، فجائز وكذلك في كتاب ابن سحنون، ولا تجوز قسمته قتة لأنه خطر ويدخله التفاضل وما ذكره عبد الحق من منع قسمته غرمًا أصل مختلف فيه في الربويات وغيرها واعترض منع اشتراط قسمته حبًا، لأنه شرط يوافق مقتضى العقد، لأن الأجير لا يستحقه إلا بعد عمله، وحينئذ لا يتمكن من أخذ نصيبه إلا مجزفًا.
وأجيب بمنع أنه لا يملكه إلا بعد الحصاد فقد قال ابن القاسم: إذا تلف قبل أن يحصده أو بعد أن حصد بعضه، هو بينهما، وعليه أن يستعمله في مثله، أو مثل ما بقي.
وقال سحنون: عليه مثل نصف قيمة الزرع، وليس أن يحصد مثله.
اللخمي: يريد إذا كان تلفه قبل الحصاد ولا يتعذر الخلف وقيد قول سحنون بما إذا تعذر الخلف. وعلله يحيى بن عمر بأن الزرع يختلف وظاهره خلاف، وعلى ما تأوله اللخمي عليه، فقد اتفق القولان على أن ملك نصيبه في الزرع قبل العمل؛ لأن سحنونًا إنما أوجب له القيمة لتعذر الخلف.
وَمَا حَصَدْتَ فَلَكَ نِصْفُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ وَهِيَ جِعَالَةُ وَلَهُ التَّرْكُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ..
هكذا في المدونة سواء، والقولان لمالك في الموازية؛ لأن محمدًا قال: اختلف قول مالك في قوله: فما لقطت من شيء فلك نصفه وثلثه. وقال مرة: لا خير فيه وكما لا يجوز
[ ٧ / ١٤٨ ]
بيعه، لا تجوز الإجارة به. وقال أيضًا: لا بأس به لأنه من الجعل لا من الإجارة بمنزلة من قال لرجل: لي على فلان مائة دينار، فما أقضيت من شيء فلك نصفه، فإذا علم كم الدين وكم الزرع لم يكن له بأس ومتى شاء أن يترك ترك، لأنه جعل، وإن لم يعلم كم الدين أو الزرع، لم يكن فيه حرج.
وعلى هذا الخلاف إنما هو في تحقيق المسألة، هل هي من باب الجعل، أو الإجارة؟ فمن ردها إلى الجعل أجاز ومن ردها إلى الإجارة منع والله أعلم.
وَاحْصُدِ الْيَوْمَ وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فُهْمَتِ الْجِعَالَةُ
اعلم أنه إذاقال له: احصد اليوم ولك نصفه؛ إن فهمت الإجارة واللزوم امتنع باتفاق؛ نقله ابن عبد السلام وغيره وإنما الخلاف إذا قال على أن يترك متى شاء وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر؛ لأن قوله: (وَقِيلَ) يقتضي أن القول الثاني شاذ، وليس كذلك، بل هو مذهب المدونة، ففيها: وإن قال له: احصد اليوم أو التقط فما اجتمع فلك نصفه؛ فلا خير فيه، إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم، إلا أن يشترط أن يترك ما شاء فيجوز وعلى هذا ففي قول المصنف: (إِنْ فُهْمَتِ) نظر؛ لأن الفهم أعم من التصريح والخلاف إنما هو إذا صرح بترك العمل متى شاء ففي المدونة الجواز كما رأيته ونص في العتبية على المنع ولو منع التصريح بالترك متى شاء وما في المدونة صواب.
فإن قيل: كيف هو أصوب مع أن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل؟
قيل: لما صرح بالترك متى شاء، لم يبق أجل البتة وشبهه في العتبية بالتقاضي: تقاضي مالي شهرًا ولك نصفه، أو ما تقاضيت فلك بحسابه [٦١٥/ أ] ومتى شئت أن تخرج فهذا لا يجوز إذا لم يتم الشهر. ولو تقاضيا شيئًا ذهب عناؤه باطلًا.
[ ٧ / ١٤٩ ]
وفرق ابن يونس بأن الإسقاط بيد لا مانع له منه والدين قد يلدد فيه الغريم حتى يذهب الأجل ولم يتناقض شيئًا وحمل ابن عبد السلام كلام المصنف على أنه تكلم على مسألتين:
الأولى: انتهت عند قوله: (لَمْ يَجُزْ) أي: باتفاق، وقيل: يجوز؛ إن فهمت الجعالة وفهم من قوله: (وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فُهْمَتِ) قولًا آخر بالمنع وفيه تعسف.
وَانْفُضْ زَيْتُونِي فَمَا سَقَطَ فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ
قال في المدونة: وإن قال له: انفض شجري، أو حركها فما نفضت أو سقط فلك نصفه، لم يجز لأنه مجهول، لأنه لا يدري ما يسقط.
ابن يونس: ولو قال: انفضه كله ولك نصفه، جاز.
خليل: ولو قال: القط، فما التقطت من شيء فلك نصفه، فإنه جائز ووجهه ما تقدم إذا قال: فما حصدت من شيء فلك نصفه على مذهب ابن القاسم. انتهى.
واتفق على الجواز في اللقط وعلى المنع في التحريك واختلف في النفض وجعله ابن القاسم كالتحريك وجعله ابن حبيب كاللقط.
ابن القصار: معناه النفض باليد وأما النفض بالقضيب فهو كالحصاد وهو بعيد، لأن النفض باليد غير معتاد.
وَاعْصِرْ زَيْتُونِي فَمَا خَرَجَ فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ
وهكذا قال في المدونة: لو قال اعصر زيتوني أو جلجلاني فما عصرت فلك نصفه.
ونص ابن حبيب على الجواز إذا قال: اعصر زيتوني، واحصد زرعي واطحن هذا الحب ولك نصفه، قال: وهو محمول على أنه ملك نصف الأرض حتى يصرح بخلافه.
[ ٧ / ١٥٠ ]
ابن عبد السلام: وهذا على النظر في العقد إذا احتمل الصحة والفساد على ما تقدم، وتقدم أن أصل ابن القاسم المنع فلا يبعد أن يمنع ما أجاز ابن حبيب هنا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ قَالَ: احْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ زَرْعًا يَابِسًا عَلَى أَنْ يَحُصُدَهُ وَيَدْرُسَهُ؛ لأَنَّهُ بَيْعُ حَبَّ جُزَافًا لَمْ يُعَايَنْ، بَعْدَ الْفِطَامِ ..
لما تكلم على الحصاد تكلم عى ما انضم إليه عمل آخر وهو الدراس.
فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجوز ذلك، لأنه استأجره بنصف ما يخرج من الحب، لأنه لا يدري كيف يخرج كما لو باعه حبًا جزافا وقد يبس على أن حصاده ودراسه وتذريته عليه، فإنه لمي جز، لأنه اشترى حبًا لم يعاين تصييره. نقله ابن يونس في سماع أشهب عن مالك في من طاب زرعه وحل بيعه، فقال لرجل: احصده وادرسه على النصف لا بأس وإليه أشار بقوله: (وَقِيلَ: يَجُوزُ).
وهو كما ذهب إليه ابن حبيب، أن ذلك محمول على أن له النصف الآن، على أن يحصد النصف الآخر ويدرسه لربه.
وحمله اللخمي على أنه اختلاف سؤال، لأن لفظ المدونة: ولك نصف ما يخرج؛ فمقتضاه أن حصاد الجميع ودراسه على ملك صاحبه ويكون له نصف ما يخرج وذلك مجهول.
والذي في العتبية إنما هو إذا قال على النصف، ولم يقل نصف ما يخرج، فكان له النصف على هيئته وهو شريك، وعلى هذا فنقل المصنف القول الثاني ليس بظاهر لأنه لم يذكر لفظه فيوهم أنه لفظ المدونة.
خليل: لكن الظاهر هنا الحمل على الخلاف، لأن قوله: (وَلَكَ النِصْفُ) محتمل للنصف من الآن ومحتمل لما يخرج وقاعدة ابن القاسم أن ذلك فاسد وحينئذٍ فلا فرق بين: "فلك نصف ما يخرج" وبين: (وَلَكَ النِصْفُ) والله أعلم.
[ ٧ / ١٥١ ]
فإن قيل: لم نسب هذه المسألة لابن القاسم دون المسائل التي قبلها، مع أن الكل في المدونة؟
قيل: أجاب عن ذلك ابن عبد السلام قال لعله لابن القاسم قاس مسألة البيع مع إمكان بينهما بأن متولي العمل في الإجارة هو المشتري فكأنه ملكه من الآن بخلاف البيع فإن متولي العمل هو البائع فكأن للمشتري ما ملك إلا ما يخرج وهو جزاف غير مرئي فلهذا تبرأ المصنف من عهدته بنسبته إلى ابن القاسم.
ورد بأن المعروف من عادته فيما يتبرأ منه، هو ما كان منسوبًا إليهم ويعبر عنه بـ"قالوا" لا إلى واحد، والظاهر أنه نسبه إليه لوقوع الخلاف فيه فأراد أن يرجح القول الأول بنسبته له.
ابن القاسم: ولو قال ذو شجرتين فقد طابت لرجل: احرصها واجنها ولك نصفها، لا بأس بذلك؛ لأنه لا بأس أن يكره نفسه بما يحل بيعه.
وَاعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُ ثَمَنِهِ أَوْ أُجْرَتِهِ: لا تَجُوزُ بِخِلافِ الْحَطَبِ أَوِ الْمَاءِ ..
يعني: أن من دفع دابته لرجل على أن لقابضها نصف ثمن ما يحتطب عليها، أو نصف أجرة ما يحمل عليها لغيره، فإن ذلك لا يجوز لجهالة الأجرة، بخلاف نصف الحطب والماء؛ أي: نصف كل نقلة، لأنه معلوم.
محمد: وكذلك لي نقلة ولك نقلة، فإنه جائز.
فَإِنْ نَزَلَ فَاسِدًا فَثَالِثُهَا: أَنَّ مَنْ قَالَ: وَلَكَ النِّصْفُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ
ذكر للمسألتين وجهين الصحة والفساد، بين حكم الفاسدة وذكر فيها ثلاثة أقوال:
[ ٧ / ١٥٢ ]
الأول: أن الكسب للعامل وعليه أجرة المثل، سواء قال هو لك النصف، أو قاله صاحبها وسواء قال: اعمل لي أو لم يقل.
الثاني: أن الإجارة في ذلك للعامل وعليه كراء الدابة.
الثالث: الفرق إن قال ربها: اعمل ولك النصف فالكسب كله لربها وعليه كراء العامل وإن قال العالم أعطني دابتك أعمل عليها ولك النصف، فله الكسب كله وعليه أجرة [٦١٥/ ب] المثل في الدابة.
والأول هو مذهب المدونة ففيها: وإن أعطيت الدابة أو السفينة أو الإبل ليعمل عليها على أن ما أصابت بينكما لم يجز؛ فإن عمل عليها فالكسب للعامل، وعليه كراء المثل هنا ما بلغ وكأنه اكترى ذلك كراءً فاسدًا.
اللخمي: واختلف إذا قال: اعمل عليها، فقال ابن القاسم في رواية الدباغ: ما كسب عليها للعامل وعليه إجارتها كالأول، وقال ابن الجلاب: ما كسب عليها لصاحبها، لقوله: اعمل لي، وللعامل إجارة المثل.
والقول الثاني في كلام المصنف أن الكسب كله لربها مطلقًا عزيز الوجود.
والذي في الجلاب إنما هو مقيد بما إذا قال: اعمل لي؛ لكن نقل ابن شعبان ما ظاهره موافق لإطلاق المصنف، فقال: ولا يدفع الكلب على نصف صيده أو غير ذلك من الأجزاء فمن فعل فالكسب للعامل، ولربه أجر مثله، وفيه خلاف وأطلق ولم أر الثالث.
فرع: وأما لو دفع إليه دابة ليكريها للغير ليعمل عليها، ففي المدونة وإن دفعت إليه دابة أو إبلا أو سفينة أو حمامًا على أن يكري ذلك وله نصف الكراء، لم يجز. وإن نزل كان لك جميع الكراء وله أجر مثله كما لو قلت له بع سلعتي هذه، فما بعتها به فهو بيني وبينك أو قلت له: فما زاد على مائة فهو بيننا، فذلك لا يجوز والثمن لك وله أجر مثله.
[ ٧ / ١٥٣ ]
وفرق في المدونة بينه وبين الفرع السابق، بأنه في الأول أكرى ذلك كراء فاسدًا وفي هذه آجر نفسه.
وسوى ابن القاسم في هذا بين الدور والدواب والسفن.
وفي الواضحة أن الدور والأرحية والحوانيت إذا قال قم لي عليها بنصف غلتها، فالخراج لربها ولهذا إجارة مثله وأما الدواب وآلة السفن فالكسب للعامل وعليه أجرة ذلك، لأن المستأجر في الدور وشبهها لرجل، وفي الدواب والسفن هي المستأجرة.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ جَازَ
كما لو باع له ثوبًا بدرهم وينسج له ثوبًا آخر ونحو ذلك.
وحكى عبد الوهاب قولًا بالمنع، ووجه الأول أنها بياعات كلها، فأشبه ما لو كانا بيعتين أو إجارتين ووجه المنع أن كثيرًا من الإجارة لا تنفك من الغرر، فكان عقد رخصة، فلا ينضم مع غيره كالقراض ولاختلاف ضمانها فإن ضمان المبيع من المشتري وضمان المستأجر من ربه، فكما لو جمع في عقدين بين بيع وخيار والمشهو من المذهب منع ذلك.
ابن عبد السلام: وهذا إذا كانت الإجارة في غير المبيع كما مثلنا فإن كانت في نفس المبيع، كما لو باع له جلوده على أن يخرزه البائع نعالًا للمشتري ففي ذلك قول مشهور بالمنع، وكأنه يرى أن المبيع هو ما تخرجه الصنعة وذلك غير مرئي.
خليل: هو قول سحنون؛ قال في النوادر: وهو خلاف قول ابن القاسم وأشهب.
وَفِي الْجُعْلِ مَعَ أَحَدِهِمَا قَوْلانِ
أي: مع البيع والإجارة، والمشهور: المنع للتاجر؛ لأن البيع لا يجوز فيه الغرر، بخلاف الجعل، والبيع يلزم بالعقد بخلاف الجعل ويجوز الأجل في البيع بخلاف الجعل وذكر اللخمي في المسالة خلافًا، وخرج أيضًا بعضهم قولًا بالجواز من قول سحنون
[ ٧ / ١٥٤ ]
الذي يجيز البيع ورد بأن المغارسة تلزم بالعقد بخلاف الجعل وإذا امتنع ضم الجعل إلى أحدهما فأحرى إلى مجموعهما، وصرح ابن عبد السلام بأن القول في ضم الجعل إلى مجموع البيع والإجارة.
فَلَوْ بَاعَهُ نِصْفَ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا أَوْ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا- فَثَالِثُهَا: إِنْ عَيَّنَ أَجَلًا جَازَ، وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فِي التَّعْيينِ لَوْ بَقِيَ بَعْضُ الأَجَلِ حُوسِبَ وَلَوْ انْقَضَى وَلَمْ يَبِعِ اسْتَحَقَّهُ ..
ذكر هذه المسألة عقب المسألة السابقة، لأنها من اجتماع الجعل والإجازة مع البيع.
فإن قلت: فما الفرق بين قوله: (عَلَى أَنْ يَبِيعَ) وبين قوله: (بِأَنْ يَبِيعَ) قيل: بيع النصف في الثاني مجموع الثمن مجموع الثمن بخلاف الأول، فإن بيع النصف بعض الثمن كما لو قال له: أبيعك النصف بدينار على أن تبيع النصف الآخر، وذكر أربعة أقوال:
الأول: الجواز، وهو ظاهر الموطأ قال في "بع نصف ثوب" على أن يبيع له النصف الآخر: هذا جائز.
ابن لبابة: يريد ضرب أجلا أم لا في بلده أم غير بلده وله من الأجل قدر ما يباع إليه.
الثاني: المنع وهو لمالك في المدونة، ففيها: روي عن مالك إن باعه نصف الثوب على أن يبيع له النصف الآخر فلا خير فيه.
وفي اختصار ابن يونس لم يجز وقال: يريد وإن كان بالبلد. قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلًا، قال: ذلك أحزم؛ وبه أخذ ابن المواز.
والقول الثالث: إن عين أجلًا جاز وإلا فلا؛ لأن مع ضرب الأجل تبقى إجارة، وهي جائزة الاجتماع مع البيع ومع عدم ضربه فهو جعل، ولا يجوز اجتماعه مع البيع وهذا القول مذهب المدونة، وأطلق المصنف فيها وقيده في المدونة بأن يكون البيع في البلد نفسها، وأما إن كان في بلد آخر فلا يجوز.
[ ٧ / ١٥٥ ]
أبو إسحاق: لأنه اشترى شيئًا بعينه لا يقبضه إلا إلى أجل بعيد وهو بلوغه البلد.
والقول الرابع عكس الثالث.
ابن عبد السلام: وهو بعيد جدًا، ويقرب منه ما في مختصر ما ليس في المختصر: إن ضربا أجلًا فمكروه، وإن لم يضرباه فلا بأس به.
قوله: (وَعَلَى الصِّحَّةِ فِي التَّعْيينِ) أي: في ضرب الأجل وتعيينه وقال وعلى الصحة في التعيين ولم يقل وعلى الثالث ليشمل القول الأول أيضًا، فإنه أجاز في الأول مطلقًا سواء ضربا أجلًا أم لا وهكذا في المدونة ففيها: وإن ضربا للبيع أجلًا فإنه يجوز، وإن باع ذلك في نصف الأجل فله نصف الإجارة وإن مضى الأجل ولم يقدر على بيع ذلك فله الأجرة كاملة.
ابن القاسم في الموازية: وإن باعه نصف ثوب بعشرة على أن يبيع له النصف الآخر في شهر، فباعه في نصف شهر نظر كم قيمة بيعه في شهر، فيقال: درهمان، فكأنه باع بعشرة وبدرهمين وهو سدس الثمن فوقع الإجارة [٦١٦/ أ] بسدس الصفقة، فلما باع في نصف الأجل انفسخ في نصف الإجارة وانفسخ بذلك نصف سدس الصفقة، فيرجع بنصف سدسها وهو ربع السدس قيمة الثوب كله، يرجع كله ثمنًا، أي لضرر الشركة على أصل ابن القاسم.
وقال يحيى بن عمر: إن كانت السلعة قائمة كان فيها شريكًا ولم يراع ضرر الشركة.
ابن عبد السلام: فإما أن يكون ذلك على أصل أشهب في هذا الباب، وإما أن يوافق ابن القاسم في الأصل وخالفه في هذا الفرع، لأن المبتاع دخل أولا على الشركة ولم يعتبر زيادتها، واعتبرها ابن القاسم.
[ ٧ / ١٥٦ ]
فَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ إِلا بِالتَّاجِيلِ
يريد: وفي معنى الطعام: كل مكيل وكل موزون مما لا يعرف صرح به ابن يونس وغيره ولعله خصص الطعام تبعًا للمدونة.
ومن أبقى الرواية على ظاهرها، وقصر الحكم على الطعام، فقد أبعد وفي المسألة ثلاثة أقوال؛ أولها: التفصيل بين ما يعرف بعينه وما لا يعرف بعينه وهو مذهب المدونة كما ذكر المصنف.
والثاني في الموازية: الجواز مطلقًا؛ لأنهما دخلا على التمام وعدم النقص فما طرأ بعد ذلك فهو كالاستحقاق.
وثالثها اختيار ابن المواز: المنع مطلقًا وهو الظاهر؛ لأنه قد ينتفع في بعض الأجل فيسترجع البائع مناب بقية الأجل، وذلك مؤدي إلى: تارة بيعًا وتارة سلفًا؛ لأنه لا يدري بماذا يرجع، هل بجزء من الثوب أو القيمة.
وَلا يَجُوزُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِشَيْءِ مِنَ الطَّعَامِ كَانَ مِمَّا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ أَوْ مِمَّا لا تُنْبِتُهُ وَلا بِبَعضِ ما تُنْبِتُهُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ والزَّعْفَرَانِ، وَيَجُوزُ بِالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ وَرَوَى يَحْيَى بنُ يَحْيَى: لا تُكْرَى بِشَيْءِ إِنْ أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ وَتُكْرَى بِمَا سِوَاهُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: تُكْرَى بِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا لَمْ يُزْرَعْ فِيهَا إِلا الْحِنْطَةَ وَأَخَوَاتِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى بِكُلِّ شَيْءٍ ..
الأصل في هذا ما في الموطأ، أنه ﵊ نهى عن المزابنة والمحاقلة. المزابنة: شراء التمر بالرطب؛ والمحاقلة: شراء الزرع بالحنطة، وكراء الأرض بالحنطة.
وذكر هذا في الحديث في المدونة وزاد فقال في حديث آخر أنه ﵇: "نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها" وهو المخابرة التي نهى عنها في حديث آخر.
[ ٧ / ١٥٧ ]
وذكر المصنف في كرائها أربعة أقوال: المشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان مما تنبته كالفول والحمص أم لا كالعسل والسمن ولا يجوز أيضًا كراؤها بما تنبته طعامًا أو غيره كالقطن ويجوز بالقصب: وهو بفتح الصاد المهملة.
وهكذا قال ابن شاس وصاحب التلقين وأما الخشب فذكره في المدونة وزاد العود والحطب والجذوع قيل لسحنون في كتاب ابنه: ولم جاز كراؤها بهذه الأشياء وهي كلها مما تنبته الأرض؟
فقال: هذه الأشياء يطول مكثها ووقتها فلذلك سهل فيها.
ابن عبد السلام: وقد علم أن القصب دون هذه في البعد، وقال بعضهم رعيًا للمعنى الذي أشار إليه سحنون: يجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن أن ينبته إلا في السنة وهو غير طعام، كجواز كرائها بالشجر.
وعلل ابن الماجشون ذلك فقال: لأن الخشب ليس بزرع ونقضه الباجي بالقطن والكتان.
وحكى ابن أبي زمنين عن ابن الماجشون جواز كرائها بالقطن والزعفران في أرض لا تنبت القطن ولا الزعفران والذي حكى ابن حبيب عن جماعة سواه مثل القول الأول.
وفي الموازية جواز كرائها بالخضر، لكن تأوله الشيخ أبو محمد على أنه يريد الكلأ لأنه لا يزرع ولا بأس بكرائها بالماء.
وقوله: (سِوَاهُ) يريد: بكل ما لو أعيد فيها لم ينبت طعامًا أو غيره وقال بهذه الرواية يحيى وابن كنانة وابن مزين وقول ابن نافع هو القول الثالث.
ابن عبد السلام: ومنهم من لا يذكر فيه في الاستثناء إلا الحنطة ويسكت عما عداها ومنهم من يقول مثل قول المصنف: (إِلا الْحِنْطَةَ وَأَخَوَاتِهَا) ومنهم من يقول: إلا الحنطة والشعير والسلت؛ فعلى هذا ينبغي أن يقال: إلا الحنطة وأختها.
[ ٧ / ١٥٨ ]
خليل: وعلى هذا فأخواتها من إطلاق الجمع على المثنى ويحتمل أن يضم إليها العلس على القول بضمه فيكون الجمع على بابه والقول بجواز كرائها بكل شيء حتى الحنطة لابن شعبان والأصيلي وغيرهما.
تنبيه:
شدد سحنون في كرائها بما يخرج منها فقال: من فعل ذلك فهو جرحة في شهادته.
وتأوله محمد على من كان مذهبه المنع أو مقلدا لمن مذهبه المنع.
سحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشتري منه من ذلك الطعام الذي أخذه في كرائها.
وتأوله ابن رشد على أن ذلك من الورع وإذا نزل فإنما لربها كراؤها بالدراهم.
وذكر الشيخ أبو محمد أن عيسى بن مسكين وغيره الذي يجري به أكريتهم ثمنًا أصاب قليلًا أو كثيرًا ولم يعتبر ما قيمة كرائها يوم العقد لأنه لا كراء لها على المكري في الأرض إذا لم يصب فيها شيئًا أصلًا من قضاة أصحابنا حكموا أن ينظر إلى ما يقع له من ذلك الجزء من ثلث أو ربع، فيعطى قيمة ذلك الجزء دراهم قالوا: لأنه لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء ذلك بالعين. فلذلك يعطى قيمة ذلك الجزء [٦١٦/ ب] الذي يجري فيه أكريتهم.
الثَّالِثُ: الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ مُتَقَوِّمَةُ- غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْدًا- مَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهَا- غَيْرُ حَرَامٍ وَلا وَاجِبَةٍ - مَعْلُومَةُ ..
الركن الثالث: المنفعة: وهي عوض الأجرة وذكر المصنف أنه يشترط فيها خمسة قيود وسيتكلم على كل واحد منها واحترز بقوله: (قَصْدًا) من إجارة الثياب ونحوها، فإن بعضها يذهب بالاستعمال، لكن بحكم التبع ولم يقصد بخلاف استئجار الأشجار لثمرتها ونحوه.
[ ٧ / ١٥٩ ]
ابن عبد السلام: بل جعل بعضهم ذهاب شيء من العين شرطًا في جواز الإجارة ورأى أن هذا سبب كراهة إجارة الحلي بالذهب والفضة لما يؤدي إلى بيعها بأحد النقدين غير ناجز.
وَفِي إِجَارَةِ الأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ: قَوْلانِ
هذه تتعلق بقوله: (مُتَقَوِّمَةُ) والخلاف فيها خلاف في حال، هل هذه متقومة أم لا؟ والقولان ذكرهما ابن شاش ولم يعزهما.
ابن عبد السلام: والأقرب الجواز، لأن الانتفاع بالأشجار في هذا الوجه مما يتأثر الأشجار، وبه تنقص منفعة كثيرة منها.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تَصِحُّ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِلتَّزَيُّنِ وَمَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: يَصِحُّ إِذَا لازَمَهَا الْمَالِكُ ..
يحتمل أن يعود إلى القيد الأول ويكون الخلاف خلافًا في حال: هل منفعة التزين متقومة أم لا؟ ويحتمل أن يعود للثاني وهو قوله: (غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ) لأن ذهاب عين الدنانير مقصوده والأول أولى؛ لأن بعده ما لا يصح تعلقه بالقيد الثاين وهو الخلاف في إجارة المصحف، ولأنها إذا لازمها لا تبقى هنا إذهاب عين أصلًا، وأفرد المصنف الدنانير والدراهم وإن كانا داخلين فيما لا يعرف بعينه لانفرادهما غالبًا بالتزين والقول الثاني للأبهري وغيره.
الباجي: ولا يخالف ابن القاسم إذا لم يغب عليها وإن كان عبد الوهاب وجه القولين، وكلام المصنف وابن شاش يأتي على طريقة عبد الوهاب، وأما طريقة الباجي فليست في المسألة إلا قول واحد.
ومنع ابن العطار إجارة قدور الفخار وصحاف الحنتم بناء على عدم المعرفة ووافقه ابن الفخار في القدور وخالفه في صحاف الحنتم وقال: إنها تعرف ولا معنى لمنع إجارتها.
[ ٧ / ١٦٠ ]
وَفِي إِجَارَةِ الْمُصْحَفِ قَوْلانِ، بِخِلافِ بَيْعِهِ
المشهور وهو مذهب المدونة: الجواز قياسًا على بيعه والشاذ لمحمد وابن حبيب ونقله عمن لقيه من أصحاب مالك.
ابن حبيب: والفرق بين البيع والإجارة أنه في البيع ثمن للزوم الخط، وفي إجارته ثمن القرآن.
ورد بأنه إن كان مراده ثمن القرآن، أي ثمن القراءة فالقراءة فعل القارئ ولا معاوضة وإن كان مراده القرآن حقيقة فذلك أيضًا غير مبيع ولا مستأجر وإنما المبيع الرق بصفته وذلك هو المستأجر وقوله (بِخِلافِ بَيْعِهِ) أي: فإنه متفق على جوازه.
وَلا يَصِحُّ فِي الأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا وَالشَّاةِ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا
هذا متعلق بالقيد الثاني وهو قوله: (غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ .. قَصْدًا) فلذلك لا يصح استئجار الأشجار لاستيفاء ثمارها لأن ذلك مؤد إلى بيع ثمرة قبل بدو صلاحها وكذلك الشاة للنتاج والصوف وأما اللبن فقال ابن عبد السلام وغيره والمذهب لا يمنع مطلقًا خلاف ما ذكره المصنف، لأن غاية استئجارها لذلك أن يؤدي إلى بيع اللبن وقد أجازة في المدونة إذا كان جزافًا بشرط أن تكون الغنم كثيرة كالعشرة ونحوها، وأن يكون في الإبان، وأن يعرفا وجه حلابها، وأن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن يشرع في أخذ ذلك يومه أو إلى أيام يسيرة وأن تسلم إلى ربها لا إلى غيره وإن كان على الكيل أسقطت الشرط الأول فقط وذلك؛ لأن الغالب وجود اللبن في بعضها أو كلها وعلى هذا فيحمل كلام المؤلف على ما إذا لم يكن في زمان الإبان كما في الثمرة والصوف.
وَاغْتُفِرَ ثَمَرَةُ مَا فِي الدَّارِ وَالأَرْضِ الْمُسْتَاجَرَةِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلْثِ بِالتَّقْوِيمِ لا بِمَا اسْتَاجَرَ ..
لما تكلم على امتنع لأجل استيفاء العين قصدًا أتبعه بما يجوز لأنه لدفع ضرر دخول المستأجر الدار لجداد الثمرة وسقيها.
[ ٧ / ١٦١ ]
وقوله: (مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلْثِ) يقتضي جواز الثلث وهكذا بلغ ابن القاسم وأما في روايته عنه فلم يبلغ بها الثلث واقتصر المصنف على هذا الشرط كما في المدونة وزاد اللخمي ثلاثة شروط وهو: أن يشترط جملتها وأن يكون طيبها قبل انقضاء أمد الكراء وأن يكون قصد باشترائها دفع المضرة في التصرف إليها.
وقوله: (بِالتَّقْوِيمِ) قال في المدونة بعد طرح قيمة المؤونة والعمل فيقوم كراء الدار والأرض بغير شرط فإن قيل: عشرة قيل: فما قيمة الثمرة فيما عرف مما يطعم كل عام بعد طرحه قيمة المؤونة؟
فإن قيل: خمسة: جاز.
وقوله: (لا بِمَا اسْتَاجَرَ) لأنه قد يستأجر بخلاف القيمة.
خليل: وهو شبيبه على ما يفعلونه في هذا الزمان من القناطر ليوصلوا بذلك إلى بيع الثمرة قبل بدو الصلاح فيظهرون أن الأجرة كثير ثم يبرئه بعد العقد وهي حيل لا تخفى على عالم الخفيات.
واستشكل اللخمي هذا التوقع بأنه أعلى من الصفة التي دخل عليها مشتريها قال: والصواب أن يقال: كم قيمتها؟ على أن سقيها على مشتريها وعلى أن المصيبة إن [٦١٧/ أ] كانت من المكتري وعلى إن جاءت على خلاف المعتاد لم يكن له مقال فقال ابن القاسم لا يرى له مقال إن احتيجت فينبغي أن تقوم على ما اشتريت عليه فإن كان الكراء بالنقد قومت الثمرة بالنقد، لأنه أبخس لقيمتها وإن كان على أنه يقبض مشاهرة قومت الثمرة على أن ما ينوبها مشاهرة وهذه المسألة في أول كتاب كراء الدور ولها فروع تركناها لعدم ذكر المصنف لها.
[ ٧ / ١٦٢ ]
واسْتِئْجَارُ الْمُرْضِعِ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ عَيْنًا لِلضَّرُورَةِ
(اسْتِئْجَارُ) معطوف على ثمرة الدار.
قوله: (وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ عَيْنًا لِلضَّرُورَةِ) أي: جائز وهو ظاهر التصور كما قال المصنف.
قيل: ولأن اللبن غير مقصود، لأنه تبع لقيامها بالصبي وتكلفها جميع مؤنته، ولهذا أجازوا إجارتها بالطعام وإن كان فيه طعام بطعام غير ناجز لكن التعليل بالضرورة عام في جميع صور المسألة الأولى بخلاف الثانية فإن الاستئجار قد يكون على الرضاع فقط. وقوله: (لِلضَّرُورَةِ) تعليل لها والتي قبلها واشترطوا في الأولى التبعية ولم يشترطوا في هذا، لأن دليل الأولى من جهة القواعد دليل الثاني، قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) إلى قوله: (أُخْرَى) [الطلاق: ٦].
اللخمي: ويشترط حضور الصبي ليرى سنه فإن كان غائبًا لم يجز إلا أن يذكر سنه، لأن الرضاعة تختلف، فليس رضاع ابن شهرين كرضاع ابن سنة وإن جربت رضاعه لأنه قال: هي الظئر تستأجر لرضاع صبيين فمات أحدهما تنفسخ الإجارة لاختلاف الرضاع، لأنها لو استأجرت نفسها لتجد أجر مكان الميت لم يدر هل رضاعه كالميت أم لا؟ وظاهره التخريج وحكاه المتيطي عن سحنون صريحًا.
وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ
وإن فعلت ذلك بغير إذنه فله أن يفسخه لما يلحقه في ذلك من الضرر بتشاغلها عنه وتغيير حالها ولا سيما إن كانت خدمته عليها.
وَفِي مَنْعِهِ مِنَ الْوَطْءِ قَوْلانِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ ضَرَرُ الصَّبِيِّ مُنِعَ
يعني: إذا أذن لها في الإجارة أو أجازها، فهل يمنع من الوطء وهو مذهب المدونة أو يجوز له؟ وهو قول أصبغ بشرط عدم مضرة الصبي وألا يشترط عليه تركه، أما إن
[ ٧ / ١٦٣ ]
تبين ضرره منع واحتج أصبغ بقوله ﵇: "لقد هممت أن أنهى الناس عن الغيلة .. " الحديث.
وأجيب بأن ليس لكل مباح يتناوله عقد الإجارة واختار ابن حبيب واللخمي الأول وحمل ابن القاسم استئذانه لأجل حقه في الإصابة وجعل أصبغ استئذانه لأن له المنع لما يلحقه من المعرة والمضرة وأقاموا مما في المدونة أنه إذا خالعها على رضاع ولده أنها لا تتزوج، وأن له منعها من ذلك لأن اللبن مشترى فيهما.
فروع:
الأول: ابن عبد الحكم: وإن أراد الزوج السفر بها لم يكن له ذلك إن أجرت نفسها بإذنه، وإن كان بغير إذنه فله ذلك وتنفسخ الإجارة.
الثاني: إذا حملت الظئر فخيف على الولد انفسخت الإجارة ولا يلزمه أن تأتي بغيرها يرضعه، قاله في المدونة وهل يجوز أن تأتي بالغير إن نقد لها الأب والأجرة؟ لم يجز، لأنه فسخ دين في دين على أصل ابن القاسم وإلا جاز.
وإذا فسخناه لحمل الظئر فقال ابن عبد الحكم: لو كانت تكملة الأجرة لم تحبس فيها لأنه طوع.
الثالث: قال في المدونة: ترضعه حيث اشترطوا فإن لم يشترطوا شيئًا فشأن الناس الرضاع عند الأبوين إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس أو يكون الأب وضيعًا لا يرضع مثلها عنده فذلك لها.
الرابع: قال في المدونة: وإن سافر الأبوان فليس لهما أخذ الصبي إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجرة.
[ ٧ / ١٦٤ ]
الخامس: قال في المدونة: وإذا مرضت مرضًا لا تقدر معه على رضاع فسخت الإجارة، ولو صحت في بقية منها أجبرت على الرضاع في بقيتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكون الكراء انفسخ بينهما فلا تعود.
واختلف: هل قول الغير وفاق أو خلاف؟ والقولان منصوصان في غير المدونة وأما إن تزوجت وأقامت في زوجها فللأب أن يفاسخها فإن فاسخها لمرض أو سجن يطول ثم قامت أو خرجت بالقرب فاخلتف في إمضاء الفسخ أو رده، قيل: وتفسخ إجارة الظئر بأربعة شروط: بموتها، ومرضها وحملها وموت الصبي، قال في المعين: وكذلك إن سجنت في حقو خيف طول سجنها، وإن مات زوجها باتت في بيتها فلأب الصبي أن يفاسخها.
السادس: قال في المدونة: وإن واجرها على رضاع صبي لم يكن لها أن ترضع غيره معه.
وَلا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ لِلزَّرَاعَةِ وَمَاؤُهَا غَامِرُ وَانْكِشَافُهُ نَادِرُ
هذا شروع منه فيما يتعلق بالقيد الثالث وهو قوله: (مَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهَا).
(وَمَاؤُهَا غَامِرُ) جملة حالية وكذلك قوله: (وَانْكِشَافُهُ نَادِرُ).
ومعنى (غَامِرُ) كثير.
الجوهري: وقد غمره الماء يغمره إذا علاه.
ومذهب المدونة خلاف ما ذكره المصنف ففيها: وإن أكريت منه أرضك الغرقة بكذا إن انكشف عنها الماء وإلا فلا كراء بينكما؛ جاز إذا لم ينقد ولم يفرق بين أن يكون انكشافه نادرًا أم لا.
[ ٧ / ١٦٥ ]
قال في المدونة: وقال غيره إن خيف ألا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد.
ابن عبد السلام: هذا شاذ والأول [٦١٧/ ب] هو مختار غير واحد.
ووقع في بعض النسخ عوض (غَامِرُ) (غَائِرُ) ولعله يوافق ما في الموازية فيمن اكترى أرضًا ولها بئر لا تكفي، أن الكراء فاسد وإن لم ينقده، لأنه خاطر على أمر لا يدري أيتم أم لا يتم.
ابن يونس: وظاهر المدونة كراهة النقد في ذلك خاصة والأشبه أن ذلك لا يجوز.
وَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ وَالْمَطَرُ الْغَالِبُ عَادَةً فَتَصِحُّ إِجَارَتُهَا وَالنَّقْدُ فِيهَا، وَقِيلَ: لا يُنْقَدُ فِي أَرْضِ الْمَطَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوِ اسْتَوَى الاحْتِمَالانِ فِي انْكِشَافِ الْمَاءِ جَازَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ..
الخلاف في جواز العقد لا في جواز النقد فقوله: (جَازَ) أي: العقد.
ابن راشد: والقول الثاني أظهر، لأن هذه الأرض لا ينتفع بها والأصل فيها عدم الجواز حتى يغلب على الظن إمكان الانتفاع بها وقد تقدم أن ابن القاسم أجاز العقد بالنسبة إلى أرض ماؤها غامر وانكشافها نادر وإذا أجاز ذلك عنده فهذه المسألة أحرى ولهذا قال صاحب المقدمات: تحصيل مذهب ابن القاسم جواز العقد كانت أرض مطر أو نيل وغيرهما، مأمونة كانت أم لا.
وأما تحصيل مذهبه بالنسبة إلى جواز النقد ووجوبه فما كان من الأرض مأمونًا كأرض النيل أو المطر أو السقي بالعيون الثابتة والآبار المعينة فالنقد فيها الأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى ويتمكن من الحرث كانت من النيل أو المطر أو السقي بالعيون أو الآبار.
وأما وجوب النقد فيجب عنده في أرض النيل إذا رويت إذ لا يحتاج إلى غير ذلك، وأما غيرها فلا يجب النقد فيها عنده حتى يتم الزرع وتستغني عن الماء، ووافقه ابن
[ ٧ / ١٦٦ ]
الماجشون إلا في أرض السقي المأمونة فيجعلها كأرض النيل يجب النقد فيها إذا رويت. وعلى مذهب ابن الماجشون فالأرض بالنسبة إلى جواز النقد فيها على أربعة أقسام: أرض النيل المأمونة فيجوز فيها الكراء بالأعوام الكثيرة بالنقد أو غير النقد قرب إبان شربها أو ريها أم لا.
وأرض السقي بالعيون لا يجوز عنده كراؤها إلا لثلاثة أعوام أو أربعة، ولا ينقد إلا سنة؛ يريد أنهي نقد السنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير إن لم ترو الأرض. قاله في الواضحة. وأما أرض المطر فلا يجيز الكراء فيها حتى تروى ريًا مبلغًا له أو لأكثره مع رجاء مطر غيره. انتهى باختصار.
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُسْتَاجَرَةُ أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهَا مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا غَالِبًا
يعني: ليس من شرط الإجارة قبض المنفعة في الحال، بل يجوز لربها إذا كانت الرقبة مستأجرة أن يؤاجرها من آخر بعد مدة الأول وكذلك يجوز له أن يؤاجرها إذا كان مستثنى منفعتها وصورتها أن يشتري إنسان شيئًا، فيستثني بائعه منفعته مدة معينة تبقى فيها الرقبة غالبًا فللمشتري أن يؤاجرها ليقبضها المستأجر بعد المدة التي استثناها البائع والمشهور جواز النقد على منفعة عبد أو دابة تقبض بعد شهر، وإنما يمنع شرط النقد خاصة.
وقال غير ابن القاسم: يمنع عقد الكراء على مثل هذا.
وقيد محمد الأول بما إذا لم تكن الدابة في سفر.
ففي المدونة: ومن اكترى دارًا على أن لا يقبضها إلى سنة جاز ذلك وجاز النقد فيها لا منها، فإن بعد الأجل جاز الكراء ولا يجب النقد فيه.
[ ٧ / ١٦٧ ]
وَالنَّقْدُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا، وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ، وَاسْتُكْثِرَ فِي الْحَيَوَانِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ..
(فِيهَا) أي في الرقبة المستأجرة.
(يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا) فإن كانت الرقبة يؤمن بقاؤها وعدم تغييرها جاز النقد فيها وإلا فلا، ولهذا (وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ) أي: أنهم أجازوا النقد شرطًا في العقار على أن يقبض إلى سنين ولم يجيزوا ذلك في الحيوان إلا القصيرة كعشرة أيام.
فإنقلت: هلا حملت كلامه على مقدار أمد الإجارة الذي يكون قبض الشيء المستأجر بعده، قيل: لو حملناه على ذلك لأقصرنا أمد الإجارة على عشرة أيام في الحيوان إلا عشرة أشهر، بل يجوز أكثر من ذلك.
نعم المختار عند المتأخرين التفرقة بين الحيوان والرباع والثياب ويفرق أيضًا في الرباع بينا لقديم والحادث منهما وإن كان المتقدمون لم يفصلوا في ذلك ولكن لم يذهب أحد منهم إلى استكثار عشرة أيام في الحيوان.
وذكر اللخمي في أمد إجارة العبد ثلاثة أقوال: أجاز في الموازية العشر سنين بالنقد، وفي المدونة خمس عشرة سنة، ومنعه ابن القاسم في العشر.
اللخمي: وأرى أن ينظر إلى العقد فقد يكون شابًا وقد يكون شيخًا.
وَيَصِحُّ بَيْعُهَا إِلَى مَا يُنْقَدُ فِيهِ
يعني: ويصح بيع الرقبة على أن تبقى بيد بائعها إلى ما يجوز النقد فيه في الإجارة، إما لكونه آجرها أو لينتفع بها، فيستكثر في الحيوان عشرة أيام ويستحب في العقار السنون.
ابن راشد: وأجاز ابن القاسم استثناء منفعة الأرض عشرة أعوام وأجاز المغيرة السنين الكثيرة وأجاز ابن القاسم سكنى الدار بينه وبين العام ولم يجز أكثر من ذلك لما يخشى من تغييرها وأجاز ابن حبيب السنين وقيل: تجوز السنة ونصف السنة [٦١٨/ أ].
[ ٧ / ١٦٨ ]
وروى سحنون: ثلاثة أعوام، وروي عن ابن القاسم في الموازية جواز استثناء سكنى عشرة أعوام والخلاف خلاف في حال ولا نفقة فإن كانت المدة لا تتغير فيها غالبًا جاز.
وَلا يَجُوزُ اسِتِئْجَارُ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ
هذا يتعلق بقوله غير حرام وكلامه مقيد بما إذا كانت هي تكنس وأما لو كانت الإجارة متعلقة بذمتها فيجوز، وكذلك أيضًا عكس هذه المسألة: لو آجر المسلم نفسه لكنس كنيسة ونحو ذلك، أو آجر نفسه ليرعى له الخنازير أو ليعصر له خمرًا.
مالك: ويؤدب المسلم إلا أن يعذر بجهالة واختلف قول مالك هل تؤخذ الأجرة من الكافر ويتصدق منها أو لا؟
ابن القاسم: والتصدق بها أحب إلينا وللشيوخ خلاف فيمن باع داره أو آجرها لمن يتخذها كنيسة، هل يتصدق بالثمن كله أو الكراء أو إنما يتصدق بفضلة الكراء، أو يفرق فيتصدق في البيع بالفضل، وفي الكراء يتصدق بالجميع؟
ابن يونس: وبالثالث أقول.
وَلا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ عَلَى عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّلاةِ والصِّيَامِ وتَقَدَّمَ الْحَجُّ
وهذا يتعلق بقوله: (وَاجِبَةٍ) واحترز بقوله: (مُعَيَّنَةٍ) مما على الكفاية كغسل الميت ونحوه.
واعلم أن العبادة المعينة قد لا تكون واجبة كالوتر وركعتي الفجر، فلا يصح الاستئجار عليها.
فكلامه هذا أحسن من قوله أولًا: (وَلا وَاجِبَةٍ) ولم تجز الإجارة هنا لأن من شرط العقد على المنفعة، أن تحصل المنفعة للمستأجر وإذا استأجره على أن يصلي ما وجب عليه أو يصوم عنه لم تحصل المنفعة للمستأجر.
[ ٧ / ١٦٩ ]
وقوله: (وتَقَدَّمَ الْحَجُّ) أي: في الحج.
بِخِلافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ
فإن الإجارة عليهما جائزة.
وَفِي الإِمَامَةِ ثَلاثَةُ: لابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ حَبِيبِ وَغَيْرِهِمَا- ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَلَى انْفِرَادِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَذَانٍ وَالْقِيَامُ بِالْمَسْجِدِ جَازَ. وَفِيهَا: وَتَجُوزُ الإِجَارَةُ عَلَى الأَذَانِ وَالصَّلاِة مَعًا ..
الجواز لابن عبد الحكم ورأى أن الإجارة على ملازمة الموضع لا على نفس الصلاة.
ابن يونس: وهو القياس.
والمنع لابن حبيب قال: لا تجوز الإجارة على أذان ولا صلاة.
والثالث تصوره من كلام المصنف ظاهر وهو مذهب المدونة وبه العمل ولو قال المصنف إن كانت مع غيرها جاز لكان أحرى على قاعدته لأنه خالف هنا الغالب من عادته إذ لم يجعل صدر الثالث هو القول الأول.
ابن راشد: وروى ابن زياد عن مالك الجواز في الفرض دون النفل.
المتيطي: ذكر الطلمنكي في كتابه وروى ابن الماجشون عن مالك إجازة الأجرة في قيام رمضان وقال: هو مثل المؤذن ومعلم القرآن قال فيها في الصلاة: وتجوز الإجارة على الأذان؛ يعني بخلاف الصلاة يفردها.
وفيها في آخر الصيام: ولا يؤم أحد بإجارة في رمضان ولا في الفرائض.
وفي الجعل: وكره مالك الإجارة في الحج وعلى الإمامة في الفرض وفي قيام رمضان.
ابن عبد السلام: وحيث نسب إلى المدونة المنع فهل هو على الكراهة كما في هذا المواضع، أو على التحريم؟ وحمل الكراهة فيه تردد.
[ ٧ / ١٧٠ ]
خليل: الراجح الحمل على الكراهة، وهو الذي نص عليه صاحب النكت وابن يونس، ولو كانت ممنوعة عنده لما جاز الإجارة على الأذان والصلاة لاشتمال الصفقة حينئذ على حلال وحرام.
ابن يونس: واختلف شيوخنا إذا اوجر على الأذان والصلاة ثم تعطل عن الصلاة لأمر عرض له، هل تسقط حصة ذلك من الإجارة بناء على أن الاتباع حصة من الثمن أم لا؟ والظاهر الإسقاط وهو اختلاف اللخمي وصاحب النكت.
تنبيهات:
الخلاف الذي ذكره المصنف، إنما نقله المتقدمون في الذي يأخذ الأجرة من الناس الذين يستأجرونه على ذلك من أموالهم، والظاهر أن ما يؤخذ من بيت المال والأحباس أخف وأن قصارى أمره الكراهة ولا ينتهي إلى التحريم وذكر القرافي أن ما يؤخذ من بيت المال متفق على جوازه، قاله ابن عبد السلام.
الثاني: المتيطي: ويحسب على الإمام الكثير من مرضه أو مغيبه دون القليل، وأما إن غاب الجمعة ونحوها فلا بأس بذلك ولا يحط من أجرته شيء، قاله غير واحد من القرويين.
الثالث: وليس لأهل المسجد ولا لبعضهم بعد الاتفاق على الرضا بالإمام أن يخرجوه ولا يتأخروا عن الصلاة خلفه، إلا أن يثبتوا عند الحاكم ما يجرحه، لكن يكره للإمام إذا كره الأكثر من الجيران الصلاة خلفه أن يصلي بهم وهم يكرهونه ولكن لا يقضي عليه.
ابن مغيث في وثائقه: وذلك إذا استأجره صاحب الأحباس، وأما إن استأجره الجماعة فلهم تأخيره من غير إثبات جرحة.
[ ٧ / ١٧١ ]
الباجي: ونزلت بإشبيلية سنة ثمانين وثلاثمائة في إمام اختلف الجيران عليه وكره بعضهم الصلاة خلفه وقال أحمد بن عبد الله: إن قام من الجيران النفر اليسير فلا يؤخر الإمام عن الصلاة إلا أن يثبتوا عليه جرحة وإن قام الجيران يجمعون أو جلهم فإنه يمنع من الصلاة بهم لما جاء: "لا يصلي الإمام بقوم وهم له كارهون".
وهكذا [٦١٨/ ب] ذكر ابن حبيب فيها؛ وشاور قاضي قرطبة الفقهاء فقال عمر بن أحمد بن عبد الملك وتابعه عليه غيره كذلك فحكم به وإن كان غير القائمين القليل من الجيران وهم أهل العدالة والخير والقائمون ليسوا كذلك فلا يلتفت إليهم.
وَكُرِهَ إِجَارَةُ قُسَّامِ الْقَاضِي
هذا إن كان لهم رزق في بيت المال وتقدمت هذه المسألة ولعل الكراهة أن معظم القسمة علم لا عمل ولأنه وكيل على الناس فكان كالقاضي.
وَلا بَاسَ بِمَا يَاخُذُهُ الْمُعَلِّمُ عَلَى التَّعْلِيمِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَإِنْ اشْتَرَطَ شَيْئًا مَعْلُومًا جَازَ ..
لما في الصحيح: "إن خير ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
وقوله: (وَإِنْ اشْتَرَطَ) مبالغة.
وقوله: (وَإِنْ اشْتَرَطَ شَيْئًا مَعْلُومًا جَازَ) يعني: سواء كان ذلك المعلوم كل شهر ونحوه بكذا أو على الحذاق.
ابن الجلاب: وقيل: لا يجوز إلا مشاهرة ونحوها ولا يقضى للمعلم بهدايا الأعياد والجمع، وهل يقضى بالحذقة؟ وهي الإصرافة إذا جرى به العرف؟ وهو قول سحنون أولا وهو قول أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم وليس فيها شيء معلوم وهي على قدر حال الأب.
وإذا بلغ الصبي ثلاثة أرباع القرآن لم يكن لأبيه إخراجه ووجبت الحذقة للمعلم ووقف في الثلثين.
[ ٧ / ١٧٢ ]
فرع:
قال في المدونة: وأكره الإجارة على تعليم الفقه والفرائض كما يكره بيع كتبها، وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنحو أو على كتابة ذلك أو إجارة كتب فيها ذلك، وبيعها وكره مالك قراءة القرآن بالألحان فكيف بالغناء.
عياض: معنى نوح المتصوفة: أناشيدهم ورواه بعضهم نحو وهو غلط. واختلف في الاستئجار على تعليم الفقه كالاختلاف في بيع كتبه، ومنع ابن القاسم الاستئجار على تعليم النحو والشعر.
وأجاز أصبغ وابن حبيب الإجارة على تعليم الفقه والنحو وتعليم الرسائل وأيام العرب، وأما تعليم الغناء والهجو فلا يختلف في منعه.
وَلابُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمَنْفَعَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَا تَقَعُ الْمُشَاحَّةُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفُ وَتُقَيَّدُ
هذا شروع منه فيما يتعلق بالقيد الآخر وهو قوله: (مَعْلُومَةُ) أي: لا بد من بيان جنس المنفعة لينتفي الغرر كما إذا أكرى دابة ليحمل عليها أو ليركبها ما لم يكن عرف كحمير المكارية عندنا بمصر فإنه جاز في ركوبها.
(وَتُقَيَّدُ) هو بالتاء من فوق وفتح القاف لما لم يسم فاعله؛ أي: وتقيد المنفعة بزمان أو مكان، وهو يرجع إلى بيان قدرها. وفي بعض النسخ: (ويقيد) - بالياء- فيكون صفة للعرف؛ ليحترز بذلك من عرف ليس بمنضبط. وفي بعضها: (وتقيد) مصدر من قيد.
فَإِنْ كَانَ اسْتِصْنَاعًا فَبِالزَّمَانِ أَوْ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَسَدَ ..
هذا بيان كيفية تقييد المنفعة وذكر أنه إذا كان العمل المستأجر عليه صنعة فإنها تقيد بالزمان أو بالمحل، فخياطة ثوب مثال لما يقيد بمحل العمل، واليوم مثال لما يقيد بالزمان.
[ ٧ / ١٧٣ ]
وإن جمع بينهما- بأن قال: خط هذا الثوب في هذا اليوم بدرهم- فسد. وهذا في الجواهر، وعلله فقال: لأنه ربما تمم العمل في اليوم أو بعده.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين أن يمكن أن ينقضي الأجل قبل تمام العمل أم لا، فأما إن كان محتملًا فقال التونسي وابن رشد: لا خلاف أن ذلك لا يجوز.
وقال في البيان: واختلف إذا كان الإشكال في أن العمل يمكن إتمامه قبل انقضاء الأجل، فالمشهور أنه لا يجوز وهو موافق لإطلاق المصنف.
وقيل: يجوز. وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، وقول ابن حبيب. وظاهر ما في العتبية دليل قوله في المدونة فيمن استأجر ثورًا على أن يطحن له كل يوم إردبين فوجده لا يطحن إلا إردبًا، أن له أن يرده ويعطي في الإردب ما ينوبه ولم تنفسخ الإجارة.
وقال اللخمي: إن لم يدر هل يفرغ العمل في تلك المدة لم يجز. واختلف إذا كان الغالب أنه يعمله فيه فقيل: ذلك جائز. وقيل: لا يجوز.
وقال ابن عبد السلام: الذي قاله من أرضى من الشيوخ في تعيين المشهور فمنهم من عينه في المنع ومنهم من أشار إلى أنه الإباحة واحتج بمسألة الثور.
فرع:
فإن وقعت الإجارة على الوجه الفاسد فقال ابن القاسم: له إجارة المثل ولا ينظر إلى المسمى لأنه فاسد، واختار اللخمي الصحة، قال: لأن الغرض أن يسرع بالعمل تلك المدة وإن تأخر وخاطه بعد المدة نظر إلى خياطته على أن يسرع في ذلك الأجل وعلى أن يخيطه في الوقت الذي خاطه فيه فيحط من المسمى بقدره.
اللخمي: وإن يضرب أجلًا في أصل العقد ثم قال: عجله لي اليوم وأزيدك نصف درهم، فقال ابن القاسم: لا بأس به، ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير وقال محمد: لا بأس به في الرسول.
[ ٧ / ١٧٤ ]
وَفِي التَّعْلِيمِ بِالزَّمَانِ أَوْ بِحَصْرِ مَا يُعَلَّمُ
وتضبط المنفعة في التعليم، تعليم قرآن أو غيره بالزمان لكل شهر كذا أو بحصر ما يعلم كربع القرآن وقد تقدم أن هذا هو المشهور. وفي الجلاب قول: أنه لا يجوز إلا على مدة معلومة.
ابن عبد السلام: ولابد من اختبار حال المعلم إن كانت الإجارة على تعليمه جزءًا من القرآن أو مقدار الصنعة [٦١٩/ أ] لسرعة الحاذق وبطء تعليم البليد.
وَيَلْزَمُ تَعْيينُ الرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِخِلافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا
يحتمل ويلزم تعينها عند عقد الإجارة لاختلاف الصغير في الرضاعة وفي التعليم بحسب الذكاء والبلادة وقد تقدم أن اللخمي قال: لو وصفوا سنه من غير اختبار رضاعة وصناعة جاز عقد الإجارة، وعلى هذا الوجه لا يكون في كلامه التصريح بأن هذين الصبيين إذا ماتا لا يزلم آباؤهما الخلف نعم يؤخذ منه بطريق اللزوم لأنه يلزم من التعيين الفسخ ويحتمل أن يريد بتعيينهما أنهما لو ماتا قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت الإجارة ولا يلزم آباؤهما خلفهما بل نص الباجي على أنه لا يجوز العقد فيهما على مضمون وهذا هو المشهور عن سحنون أنه يلزم الأب خلف الرضيع وأجراه على القاعدة: أن ما تستوفي به المنفعة لا تنفسخ الإجارة بهلاكه.
والاحتمال الأول أولى، لأنه أقرب إلى لفظه؛ لأنه سيتكلم على الانفساخ فعورضت مسألة الرضيع ها هنا بما ذكره في المدونة في البيوع الفاسدة إذا باع أمة ولها ولد رضيع وشرط عليهم رضاعه ونفقته سنة، قال: إن مات الصبي أرضعوا له آخر.
وفرق ابن يونس بأن مسألة البيع الغرر فيها تبع بخلاف الإجارة كقول مالك في بيع لبن شاة جزافًا فإنه لا يجوز، وأجاز كراء ناقة شهرًا واستثنى حلابها وأصل ذلك من بيع
[ ٧ / ١٧٥ ]
الثمرة قبل بدو صلاحها إذا انفردت وكان يغمز مسألة البيع وقال: لا يجوز هذا البيع إلا على وجه الضرورة لأن المبتاع ربما يحتاج إلى أن يظعن بها فيكلف الصبي المؤونة لا يدري قدرها وذلك غرر.
وقيل: إنما يجوز بيع هذه الأمة إذا كان الرضاع مضمونًا على مشترى الأمة لا في هذا الصبي بعينه، لأنه في هلاكه يسقط فلذلك يحتاج أن يكون مضمونًا ليكون ما في المدونة ثابتًا في كل حال، وأما الرضاع في غير الأمة فلا يجوز أيضًا لأن المشتري يصير غير قادر على التصرف فيها فيكون كمن اشتراها على ألا يبيعها إلا إلى سنة.
ابن يونس: وقد يقال: وقد يقال علي بيعها ويشترط على المبتاع الرضاع أيضًا.
ولمالك في العتبية فيمن باع جارية وشرط أن ترضع ابنا له سنة: أنه لا خير فيه وقيل له: فإن اشترط أن يأتي بغيرها قال: لا يعجبني.
قوله: (بِخِلافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا) أي: فلا يلزم تعيينها ويلزم خلفها إن هلكت.
فَلَوْ عَيَّنَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْبَدَلَ فَفِي تَعْيينِهَا قَوْلانِ
ظاهره صحة العقد مع عدم شرط الخلف، وإنما يختلف في تعيينها ففي التعيين لا يجب خلف الماشية إذا هلكت وعلى ضده العكس.
وقد ذكر اللخمي هذين القولين فقال: قيل: الأجرة جائزة ويخلف غيرها إن أصيبت ولا تتعين وقيل جائزة وتتعين لئلا يتكلف رب الماشية البدل.
والقول الأول لأشهب وابن الماجشون وسحنون وأصبغ وابن حبيب ومذهب المدونة خلاف القولين وهو أنه لا يصح العقد إلا باشتراط الخلف فإن لم يشترط الخلف فسد العقد وعلى هذا فكلام المصنف في هذه المسألة ليس بظاهر، إما أولًا: فلتركه مذهب المدونة.
[ ٧ / ١٧٦ ]
وإما ثانيًا: فلأن كلامه يوهم صحة العقد باتفاق. وإنما الخلاف في تعيينها خاصة.
وفي المسألة قول رابع: يجوز العقد من غير اشتراط الخلف إن قرب الزمان لا إن بعد؛ حكاه اللخمي واختار قولًا خامسًا بالجواز فيما قرب، بعد التحجير على رب الماشية في البيع.
تنبيه:
الأكثرون فهموا المدونة على ما ذكرنا، ورجحوا قول ابن الماجشون ومن وافقه.
وفهم الباجي أن المذهب على ما قاله ابن الماجشون وأن شرط الخلف الذي ذكره في المدونة إنما أراد به رفع اللبس عند العقد لأن العقد يفسد عند عدم الشرط وهو بعيد من لفظ المدونة لأن فيها: فإن كانت بأعيانها فلا تجوز الإجارة حتى يشترط أنه إن ماتت أو باعها أخلف غيرها.
وَتُحْمَلُ فِي الدَّهَانِ وَغَسْلِ الْخِرَقِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ: عَلَى الظَّئْرِ
قوله: (وَتُحْمَلُ) أي الظئر ويحتمل الإجارة هذا إن كان تحمل بالتاء المثناة من فوق وإن كان بالياء المثناة من تحت فيحتمل عوده على الأب وعلى العقد.
وقوله: (وَغَيْرِهِ) يعني: تحميمه ودق ريحانه ونحو ذلك على العرف، فإن اقتضى أنه على الظئر فعليها وإن اقتضى أنه على الأب فعليه هذا مذهب المدونة ولم يصرح فيها بالحكم إذا لم يكن عرف.
نعم، نص ابن حبيب على أنه مع عدم العرف على الأب.
وقوله: (وَقِيلَ: عَلَى الظَّئْرِ) أي: مع عدم العرف؛ لأن العرف محل اتفاق وهذا القول لابن عبد الحكم ولعل المصنف حمل المدونة على قول ابن حبيب، فلهذا ذكر هذا القول مقابلًا له لأن كلامه يوهم أن هذا القول مخالف مع ثبوت العرف.
[ ٧ / ١٧٧ ]
و(الدَّهَانِ) بفتح الدال مصدر؛ أي: فعل الدهان؛ لأنه محل للقولين، وهكذا ضبط عياض "دهنه" الواقع بفتح الدال؛ لأنه إنما أراد هنا الفعل، يعني: وأما "الدهان" بالكسر فهو اسم لما يدهن به، نص عليه الجوهري، وهو على الأب باتفاق.
ابن عبد الحكم: فأما ما ترقد فيه الظئر من لحاف [٦١٩/ ب] وفراش فذلك على ما تعارفه الناس فإن لم يكن عرف فذلك عليها ويكون على الأب لحاف الصبي ودثاره وما يرقد فيه.
وَتُعَيَّنُ الدَّارُ وَالْحَانُوتُ وَالْحَمَّامُ وَشِبْهُهُ
لما تكلم على استئجار الآدمي شرع في ذكر العقار ولابد من تعيينه ولا يصح أن يكون في الذمة إذ لابد من ذكر موضعه وحدوده وهذا بخلاف الدواب والسفن فإن الإجارة تكون فيها معينة وفي الذمة وسيأتي الكلام على الدواب.
وَتُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ تَبْقَى فِيهَا غَالِبًا، وَيَنْقُدُ إِنْ كَانَ لا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا.
يعني: في تقييد مدة الإجارة في العقار بمدة تبقى فيها العقار غالبًا، فالأرض آمن من الديار وكذلك الجديد آمن من القديم والضابط في الجميع ما ذكره المصنف.
المتيطي: الذي جرى به العمل من الحكم كراء الرباع لعشر سنين وخمسة عشر وعشرين وأزيد ولا بأس بتعجيل الوجيبة كلها، ومذهب ابن حبيب أن الكراء في الرباع جائز إلى سنين كالبيع وإن بعد فلا بأس به دون النقد.
قوله: (وَيَنْقُدُ .. إلخ) ظاهر التصور، لكنه مقيد بما إذا كانت ملكًا للمكري أو ملك منافعها حياته، ففي النوادر عن مالك: لا بأس أن يكريها مدة قريبة وينتقد ولا يكريها كثيرًا.
ابن القاسم: والقليل السنة ونحوها.
وقال ابن ميسر: لو أكراها ثلاث سنين أو أربعًا لم أر به بأسًا.
[ ٧ / ١٧٨ ]
ابن يونس: وأما إن لم ينقد فجائز، لأنه كلما عمل أخذ بحسابه وذكر ذلك في العبد ولا فرق، وصرح بذلك المتيطي في الدور.
وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ سَنَةٍ جَازَ كَالأَشْهُرِ مِنَ السَّنَةِ
يعني: ويجوز عقد الكراء على سنين بكذا وإن لم يسم لكل سنة شيئًا، كما يجوز أن يستأجر منه سنة بكذا وإن لم يعين لكل شهر شيئًا وكان المقصود من شهور السنة: بعضها، كما أشار إليه في المدونة في دور مكة ويرجع إلى التقويم عند حصول مانع كما يجوز جمع سلع مختلفة في البيع.
وقوله: (جَازَ) يفهم منه أيضًا الجواز مع التسمية من باب أولى، فهو مفهوم موافقة.
فرع:
ثم إن شرط الرجوع- إن طرأ مانع- إلى القيمة دون التسمية لحل اتفاقًا وإن شرط الرجوع بالتسمية امتنع اتفاقًا وإن دخلا على المكث فمذهب ابن القاسم وروايته في المدونة أن التسمية لغو ويقتضي بالقيمة وهو قول سحنون وأصبغ ولمالك في العتبية أن الكراء فاسد وذكر ذلك في البيان.
وزعم ابن عبد السلام أن في كلام المصنف ما يوهم أنهما إذا سميا لزمته التسمية عند استحقاق ورد بأنه ليس مفهوم موافقة ولا مخالفة.
أَوْ تُقَيَّدُ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ بِكَذَا فَتَصِحُّ وَلا يَلْزَمُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ فِي الْمَذْكُورِ
لما قدم الكلام على كراء الوجيبة شرع في الكلام على كراء المسابقة والمشاهرة، قوله: (أَوْ تُقَيَّدُ) معطوف على قوله: (وَتُقَيَّدُ بِمُدَّةِ)
قوله: (فَتَصِحُّ) أي الإجارة ولا يلزم كل واحد من المتعاقدين في المذكور سواء سكن بعضه أم لا، وهذا مذهب ابن القاسم، وروي عن مالك في المدونة.
[ ٧ / ١٧٩ ]
وروى مطرف وابن الماجشون: أنه يلزمه أقل ما سميا، فإن قالا: كل شهر بكذا لزم في شهر، وإن قالا، كل سنة بكذا لزم في السنة.
وبه قال ابن حبيب واختاره اللخمي، قال: لأنهما أوجبا بينهما عقدًا ولم يجعلا فيه خيارًا، فوجب أن يحملا على أقل ما تقتضي التسمية.
واختار ابن يونس المشهور قال: لأنه كأنه قال: أكريتك من حساب الشهر والسنة بكذا.
وفي المسألة قول ثالث: لا يلزمه شيء كالقول الأول حتى يشرع في السكنى فيلزمه أقل ما سميا كالقول الثاني وهو أيضًا مروي عن مالك.
ولكراء الوجيبة ألفاظ؛ الأول أن يقول: أكريتك هذه الدار أو الحانوت شهر كذا أو سنة كذا.
والثاني: أن يقول: أكريتك هذا الشهر وهذه السنة.
والثالث: أن يسمي العدد فيما زاد على الواحد فيقول سنتين أو ثلاثًا.
والرابع: أن يقول: أكري منك إلى وقت كذا واختلف إذا قال: أكري منك سنة بكذا أو شهرًا بدرهم فحمل أكثرهم كابن لبابة وغيره المدونة على أنه وجيبة وذهب أبو محمد إلى حمل المدونة على أنه غير لازم، كما إذا قال: اكتري كل سنة بكذا أو السنة بكذا.
ابن سهل: ورأيت في حاشية كتاب بعض شيوخنا: إن قال: أكريتك السنة بكذا- بالنصب- لزمته السنة، وإن قال أكريتك السنة بكذا- بالرفع- كان مثل قوله: أكريك كل سنة بكذا على رواية ابن القاسم قال: وهذا إن شاء الله حسن.
ابن رشد: ولا وجه لاستحسانه عندي، لأنه لما نصب احتمل لزوم السنة واحتمل بحسابه السنة فيجب الحمل على عدم اللزوم، لأن الأصل براءة الذمة فأما إذا رفع فلا إشكال ولم يتكلم عليه ابن القاسم.
[ ٧ / ١٨٠ ]
فَلَوْ نَقَدَه مَبْلَغًا لِزَمَتْ فِيمَا يُقَابِلُهُ اتِّفَاقًا
هكذا حكى اللخمي الاتفاق أيضًا وعلى هذا فلو قال: كل شهر بكذا ونقد كراء كل شهر لزمه في النصف ثم على المشهور لزمه أن ينحلا عن الكراء وعلى قول عبد الملك يلزمه النصف الآخر.
فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ ابْتِدَاءً الْمُدَّةَ حُمِلَ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ
يعني إذا قال: اكتر شهرًا أو سنة ولم [٦٢٠/ أ] يبين أولها حمل على أن ذلك أولها من حين العقد لأنه لو لم يحمل على ذلك لزم فساد العقد لأن الكراء لا يجوز على غير سنة معينة وإذا وقع العقد على شهر فإن كان في أوله لزمهما الكراء في ذلك الشهر على ما كان من نقص أو تمام وإن كان ذلك في بعض شهر لزمهما الكراء في ثلاثين يومًا من يوم عقداه، وكذلك السنة إن كان في أول شهر فاثنى عشر شهرًا بالأهلة.
مالك في أكرية الدور من المدونة: وإن وقع بعد أن مضى من الشهر عشرة أيام حسبًا أحد عشر بالأهلة وشهرا على ثلاثين يومًا كالعدة والأيمان ولا يقع الكراء على ما بقي من السنة إذا قال: أكري منك هذه السنة إلا ببيان.
قال في المقدمات: بين ذلك رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الصيام فيمن قال: لله عليَّ صيام هذه السنة لسنة ست وثمانين وقد مضى بعضها أن عليه صيام اثني عشر شهرا وكذلك روايته عنه في كتاب الأيمان، في من قال لامرأته: أنت طالق إن فعلت كذا هذه السنة أنه إن كان نوى ما بقي فله نيته، وإن لم ينو شيئًا استقبل اثني عشر شهرًا.
قال في المدونة: ومن اكترى دارًا سنة أو سنتين ولم يسم متى يسكن جاز، ويسكن أو يسكن غيره ما لم يأت من ذلك ضرر بين على الدار.
ابن يونس: يريد ضررًا في السكنى.
[ ٧ / ١٨١ ]
ابن عبد السلام: ويحتمل عندي خلاف ما نص عليه مالك في المختصر: إن غلقها المكري وخرج فذلك له وليس لصاحبها أن يقول تخربها عليَّ.
وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الأَرْضِ بِنَاءً وَلا زِرَاعَةً وَلا غَرْسًا وَلا غَيْرَهُ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ فَلَهُ مَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ فَسَدَ ..
سكت عن التعيين لظهور الحكم فيه ووقع في بعض النسخ بعد قوله: (وَلا غَيْرَهُ) (وَلا خَيَّرَهُ) وهو يقتضي: أنه لو خيره جاز ونحوه في الجواهر، فإنه قال: ولو قال: انتفع بالأرض كيف شئت، جاز وتردد فيه التونسي قال: انظر لو رضي رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أو لا يجوز؟ كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
وقوله: (وَبَعْضُهُ أَضَرُّ): جملة حالية.
(فَلَهُ مَا يُشْبِهُ) أي ما دل العرف عليه (فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ) أما إن كان العرف يقتضي الجميع أو لم يكن هناك عرف (فَسَدَ) أي: العقد وهذا أشبه بمذهب غير ابن القاسم في المدونة قال في أكرية الدور: وإذا كانت الأعمال يتفاوت ضررها وأكريتها لم يجز كراؤها إلا على شيء معروف يعمل فيه وإن لم يختلف فلا بأس وهو مخالف لظاهر مذهب ابن القاسم فيها، قال: ومن اكترى دارًا فله أن يدخل متى شاء فيها من الدواب والأمتعة وينصب فيها الحدادين والقصارين والأرحية ما لم يكن ضرر فيمتنع.
ولم يقل يفسد العقد وقال في الأرضين: من اكترى أرضًا ليزرعها عشر سنين فأراد أن يغرس فيها شجرًا، فإغن كان ذلك أضر بها منع، وإلا فله ذلك.
وفي اللخمي: أجاز- يعني ابن القاسم- كراء الحوانيت والديار على الإطلاق من غير مراعاة لصنعة مكتري الحوانيت ولا لعيال من يسكن الدار. وعلى قول غيره لا يجوز
[ ٧ / ١٨٢ ]
إلا بعد المعرفة بذلك. وصرح بأن قول الغير خلاف. وقال ابن القاسم: والدواب؛ يريد إلا ان يكون العرف جاريًا بعدم دخول الدواب الدور، وقاله بعضهم.
وَلَوْ سَمَّى صِنْفًا يَزْرَعُهُ جَازَ مِثْلُهُ وَدُونَهُ
يعني: ولا يجوز أن يزرع ما هو أضر. وتصور كلامه ظاهر.
وفي الموازية: من اكترى أرضًا على ألا يزرع فيها إلا قطنًا لم يجز، فإن نزل فعليه قيمة الكراء. وقال محمد: ذلك جائز عندي.
وَلا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ قَدْرِ الْبِنَاءِ وَصِفَتِهِ بِخِلافِ الْبِنَاءِ عَلَى الْجِدَارِ
وإذا اكترى أرضًا ليبني فيها لم يلزمه أن يذكر قدر البناء؛ لأن الأرض لا ضرر عليها في بقاء البناء بخلاف الجدار إذا أكراه ليبني عليه.
وَفِي الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ بِتَعْيينِهَا، وَفِي الذِّمَّةِ بِتَبْيينِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ.
لما فرغ من كراء العقار شرع في كراء الدواب؛ وكراؤها لأربعة أوجه: للركوب، وللحمل، وللحراثة، وللاستسقاء.
فأما الركوب فهو على وجهين: أحدهما: أن يقول: أكريتك هذه الدابة.
والثاني: أن يكري منه دابة في ذمته.
وقوله: (بِتَبْيينِ) يتعلق بالذمة. وإنما اشترط ذكر الجنس والنوع والذكورة والأنوثة لاختلاف الأغراض والمنافع في ذلك.
وظاهر كلامه الاكتفاء بالتعيين في الوجه الأول وينبغي أن يختبرها الراكب لينظر سيرها في سرعته وبطئه، فرب دابة كما قال مالك: المشي خير من ركوبها.
محمد: وإن وقع الكراء على الإطلاق حمل على المضمون حتى يدل دليل على التعيين.
[ ٧ / ١٨٣ ]
قال: ولو اكترى منه أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة قد أحضرها ولم يعلم له غيرهأن ولم يقل تحملني على دابتك هذه أو سفينتك. فهلكت بعد أن ركب فعلى المكري أن يأتيه بدابة أو سفينة غيرها وهو مضمون حتى يشترط أنه أكرى منه هذه بعينها.
محمد: ويكون نصف السفينة أو ربعها كشرط التعيين.
وَلا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ، [٦٢٠/ ب] وَلَوْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيينُهُ، وَجَعَلَ مِثْلَهُ فَأَدْنَى. وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكُ فِي الدَّابَّةِ خَاصَّةً إِلا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَبْدُوَ لَهُ ..
هكذا وقع في بعض النسخ على أنه ابتداء مسألة، وفي بعضها (وَلا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ) عطفًا على قوله: (وَفِي الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ بِتَعْيينِهَا، لا بِتَعْيينِ الرَّاكِبِ، بَلْ لَوْ عَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيينُهُ) ولهذا لو مات الراكب لم تنفسخ الإجارة؛ لأن به تستوفي المنفعة.
قوله: (وَجَعَلَ مِثْلَهُ) وفي بعض النسخ: (وَحَمَلَ) وكل منهما يحتمل أن يكون مبينًا للفاعل على تقديره (وَجَعَلَ) الراكب المعين (مِثْلَهُ فَأَدْنَى) ويحتمل أن يبنى للمفعول، وهذا لمالك في كتاب الرواحل والكراء.
قال: وأكثر قول مالك له في حياته أن يكريها من مثله في حاله أو أمانته وخفته.
وقوله: (وَاسْتَثْقَلَهُ) أي: واستثقل مالك ﵀ حمل المثل على الدواب خاصة، وهو قوله في الجعل والإجارة.
قال: وكره مالك لمكتري الدابة لركوبه كراؤها من غيره وإن كان أخف منه أو مثله، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلف لم يضمن إذا أكراها فيما اكتراها فيه من مثله وحالته وأمانته وخفته.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون المصنف ذكر قولي مالك، ويحتمل أن يكون إنما ذكر قولًا واحدًا ويكون قوله: (وَجَعَلَ مِثْلَهُ فَأَدْنَى) مقيدا بعد: (وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكُ).
[ ٧ / ١٨٤ ]
وقوله: (فِي الدَّابَّةِ خَاصَّةً) أي: للركوب أي: وأما غير الدابة أو في الدابة لغير الركوب فلم يستثقله.
محمد: ولم يختلف من أدركت من العلماء في إجازته في الكراء في الدور والسفن والمتاع والصناعات في مثل ما اكترى، وقد استثقله مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت ولم يختلف قوله في الإحمال.
قوله: (إِلا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَبْدُوَ لَهُ) هو كما حكيناه عن الموازية.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالثَّوْبِ لِلُبْسِ مِثْلِهِ
أي: مثل الركوب. ونسبه لابن القاسم لأنه هو الذي قاله في المدونة.
قال بعد أن ذكر مالك الحكم في الدواب وكذلك الثياب في الحياة والممات: وظاهره أنه لا يضمن في الثوب إذا أكراه من مثله كالدابة. والذي في المدونة عن ابن القاسم أنه يضمن إذا هلك بيد الغير لاختلاف الناس في اللبس ولا يضمن إن هلك بيده.
لكن قال سحنون: هذا حرف سوء فلا يضمن.
قال: ومسألة الفسطاط هي الأصل، وهي قول ابن القاسم: وإن اكتريت فسطاطًا إلى مكة فأكريته من مثلك في حالك وأمانتك، وصنيعه فيه مثل صنيعك، وحاجتك إليه مثل حاجته جاز.
وقد يقال: في استدلال سحنون نظر؛ لأن الاختلاف في اللبس أكثر من الاختلاف في الفسطاط.
ويُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ وَالْمَعَالِقُ مِثْلُهَا فَإِنْ كَانَتْ عَادَةً لَمْ يُحْتَجْ فِي الْجَمِيعِ
إذا أكرى ليركب في محمل فلابد من تعيينه أو وصفه بما لا يختلف، فإنه مما يختلف بالكبر والصغر.
[ ٧ / ١٨٥ ]
و(الْمَحْمِلُ) بفتح الميم وسكون الحاء وكسر الميم الثانية.
الجوهري: واحد المحامل وهي الأوعياء، وأما (الْمَحْمِلُ) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية فهو علاقة السيف.
وقوله: (وَالْمَعَالِقُ مِثْلُهَا) أي: فلابد من وصفها وتعيينها.
(وَالْمَعَالِقُ) ما يزيده المكتري على حمل الدابة.
فإن قيل: في المدونة: وقد عرفت للحاج زيادة من السفر والأطعمة لا ينظر فيها المكاري ولا يعرف ما حمل فلا ضمان عليه في ذلك.
وظاهره أنه لا يحتاج إلى تعيينها ولا إلى وصفها خلاف ما قاله المصنف. فالجواب أنه قد عرفت فصار هذا مدخولًا عليه بالعرف، فدخل تحت قول المصنف: فإن كانت عادة لم يحتج في الجميع إلا في المحمل والمعاليق.
قال في المدونة: وإن أكريت دابة بعينها، فليس لربها أن يحمل تحتك متاعًا ولا يردف رديفًا، وكأنك ملكت ظهرها وإن جعل في متاعك على الدابة متاعًا بكراء أو بغير كراء فلك كراؤها إلا أن تكون أكريت منه على حمل أرطال مسماة كالزيادة له.
أشهب: وإن أكراه ليحمله وحده أو مع متاعه فكراء الزيادة للمكتري ولو كان المكتري منعه من الزيادة عليها إذا أكراه دابة.
قيل: وقول أشهب وفاق.
وَأَمَّا السَّيْرُ وَالْمَنَازِلُ فَالْعُرْفُ كَافٍ
أي: في تفصيل السير ومقداره في الليل والنهار، وهو ظاهر. ثم أخذ يتكلم على الوجه الثاني:
[ ٧ / ١٨٦ ]
وَالْحَمْلِ بِرُؤْيَةِ الْمَحْمُولِ أَوْ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ فِيمَا لا تَفَاوُتَ فِيهِ
(وَالْحَمْلِ): مجرور معطوف على (الرُّكُوبِ) أي: وفي إجارة الدواب للحمل. (وَالْحَمْلِ) بالفتح مصدر حمل.
ابن السكيت: وهو بفتح الحاء لما كان في بطن أو شجر، وبالكسر لما كان على ظهر أو رأس.
وقوله: (بِرُؤْيَةِ .. إلخ) هو ظاهر، ولم يتعرض المصنف للجنس ولابد من بيانه، واستغنى المصنف عن اشتراطه؛ لأن رؤية المحمول تغني عنه؛ ولأن قوله: فيما لا تفاوت فيه يؤخذ منه اشتراط ذكر الجنس.
قال في المدونة: ومن اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم قد عرف حملهم.
وقال غيره: لو سمى حمل الطعام أو بر أو عطر جاز. وحملها قدر حمل مثلها. ولو قال: أحمل عليها حمل مثلها ما شئت؛ لم يجز لاختلاف الأشياء في الحمل.
عياض: واختلف الشيوخ فحمل بعض القرويين قول الغير على الخلاف وأن معنى قوله: "قد عرف حملهم" أي: قدره، وحمله الأندلسيون على الوفاق؛ أي: عرفوا نوع ما يحملون من التجارة فلا يضرهم جهل [٦٢١/ أ] مقداره. وإليه ذهب فضل، وهو ظاهر الكتاب أنه متى كان الجنس عرف لا تبال عن التقدير وحملت الدابة حمل مثلها.
فحاصله أن القرويين يقولون: لا يجوز على قول ابن القاسم ولو سمى الجنس حتى يكون القدر معروفًا إما نصًا أو عرفًا.
والأندلسيون يقولون: إنما لم يجز لكونه لم يسم الجنس، ولو سمى الجنس لجاز، ويصرف القدر على الاجتهاد. وممن حمله على الخلاف اللخمي، فإنه قال: إن سمى القدر دون الجنس لم يجز، فقد يتفق الجنس ويختلف الكراء لاختلاف المضرة، وكراء الكتان
[ ٧ / ١٨٧ ]
والرصاص مختلف وإن استوى الوزن. واختلف إذا سمى الجنس دون القدر، فمنعه ابن القاسم، وأجازه غيره فيحمل عليها حمل مثلها؛ والأول أحسن وليس كل واحد من المكترين يعرف قدر ما تحمل دابة غيره.
وَلا تُوصَفُ الدَّابَّةُ إِلا مِثْلَ زُجَاجٍ وَنَحْوِهِ.
يعني: أن الدابة في الحمل لا يحتاج إلى وصفها لعدم اختلاف الأغراض في ذلك إلا أن يكون مما يفسد- أي: المحمول- بسقوط الدابة كالزجاج والدهن ونحوه كالفخار؛ فيحتاج إلى تعيينها ووصفها لتعلق الأغراض بذلك. ثم انتقل المصنف إلى الوجه الثالث، وهو الحرث فقال:
وَلِلْحِرَاثَةِ بِتَعْرِيفِ صَلابَتِهَا وبُعْدِهَا
الضمير في (صَلابَتِهَا وبُعْدِهَا) عائد على الأرض المفهومة من الكلام. واستغنى المصنف بالضد عن الضد الآخر، وتقدير كلامه: بتعريف صلابة الأرض ورخوها وقرب الأرض وبعدها.
ودل قوله (وبُعْدِهَا) على جواز الكراء في أرض غائبة على الصفة كالبيع، وقد نص عليه في المدونة في الدار ولا فرق.
تنبيه:
لم يتكلم المصنف على الوجه الرابع وهو إجارة الدواب للسقي.
قال في الجواهر: ولابد من معرفة قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إذا كان مباينًا للمعارف مباينة بينة إلا أن يكون جميع ذلك أو بعضه معلومًا بالعرف فيكتفى به.
[ ٧ / ١٨٨ ]
وَعَلَى مُكْرِي الدَّابَّةِ الْبَرْذَعَةُ وَشِبْهُهَا والإِعَانَةُ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ ورَفْعِ الْحِمْلِ، وحَطَّهَا بِالْعُرْفِ ..
(الْبَرْذَعَةُ) - بالذال المعجمة- وشبهها السرج والحزام واللجام ونحو ذلك. ومفهوم قوله: (بِالْعُرْفِ) أنه لو لم يكن عرفًا فإن ذلك على المكتري.
وهكذا نقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ لكن مفهوم المدونة خلافه، ففيها: ولا بأس أن تكتري من رجال إبلًا على أن عليك رحلتها، وظاهره لولا الشرط لكان ذلك على رب البعير.
وَإِذَا فَنِي الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ رُجِعَ فِي بَدَلِهِ إِلَى الْعُرْفِ
يعني: إذا أكرى على حمل وزن معلوم أو كيل من طعام فكان يأكل منه ويعلف فأراد بدل ما نقص وأشكل الحال رجع إلى العرف.
وهكذا قال ابن القاسم في المدونة، وسكت عن الحكم إذا لم يكن عرف.
وقال غيره: فإن لم تكن لهم سنة فلهم حمل الوزن الأول إلى غاية الكراء، وعكس هذا إذا اكترى منه على حمل خمسمائة رطل فحملها وأصابها مطر فزاد وزنها.
قال سحنون: فكأنه ليس هو بعينه، فلا يلزم إلا حمل خمسمائة رطل، فإن نقل منه حتى صار إلى الوزن الأول لزمه وإلا فلا.
ويُوَفِّرُ الْمُسْتَاجِرُ عَلَى الْعُرْفِ كَنَزْعِ الثَّوْبِ لَيْلًا وفِي الْقَائِلَةِ
يعين: وإن كان اللفظ يقتضي خلافه؛ لأن استئجار الثوب شهرًا يقتضي بحسب الظاهر استغراق جميع الشهر لكن ترك ذلك للعرف، وكذلك الطيلسان، وينبغي أن يترك لباسه داخل المنزل.
[ ٧ / ١٨٩ ]
قال ابن عات: قال بعض الشيوخ: الفتوى إذا اكترى دواب على حمل متاع وبالطريق نهر لا يجاز إلا بالمركب وقد عرف ذلك كالنيل فأجرة المتاع على ربه وأجرة الدواب على ربها، وإن كان يخاض بالمخائض فاعترضه حملان لم يعلموا به فحمل المتاع على صاحب الدواب وتلك جائحة نزلت به وكذلك إن كان النهر شتويًا يحمل بالأمطار إلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه فيكون كالنهر الدائم.
وَلَيْسَ الْخَيْطُ عَلَى الأَجِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفُ
أي: بل على رب الثوب إلا أن يكون العرف أن ذلك على الأجير، وهكذا قال ابن شاس، وفي بعض النسخ: (والْخَيْطُ عَلَى الأَجِيرِ) أي: الخياط. والجاري عندنا بمصر أن الخيط من الخياط، ولا يطالب رب الثوب أصلًا إلا أن يكون جرى فإنه تختلف فيه العادة، فقد يطلبه وقد لا يطلبه. نعم إذا أطلق عقد الإجارة حمل على أنه على الخياط.
قال في المدونة: ومن واجرته على بناء دار فالأداة والفؤوس والقفاف والدلاء والماء على ما تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حيتان التراب على حافر القبر ونقش الرحا على ربه.
وَالاسْتِرْضَاعُ لا يَسْتَتْبِعُ الْحَضَانَةَ وَلا الْعَكْسَ
نحوه في الجواهر وهو ظاهر، وقوله: (وَلا الْعَكْسَ) أي: والاستئجار على الحضانة لا يستلزم الإرضاع؛ لأن لكل واحد منهما حقيقة مغايرة للآخر، فإن عقد عليهما معًا فانقطع اللبن جرى ذلك على مسائل الاستحقاق فإن كان اللبن وجه الصفقة فسخ الجميع.
وَإِذَا كَانَ بِالدَّارِ وَشِبْهِهَا مَا يَضُرُّ كَالْهَطْلِ وَشِبْهِهِ لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ، وَخُيِّرَ الْمُسْتَاجِرُ، وَقِيلَ: يُجْبَرُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى إِلا بِإِزَالَتِهِ أُجْبِرَ ..
شبه الدار الحانوت والحمام، (مَا يَضُرُّ) مما هو في حيز القليل (كَالْهَطْلِ) بسكون الطاء؛ وهو تتابع المطر قاله الجوهري.
[ ٧ / ١٩٠ ]
وشبهه: أي كالصدع وضعف الأساس والهدم اليسير، و(لَمْ يُجْبَرِ) أي: المالك على الإصلاح، وهذا قول ابن القاسم، (وَخُيِّرَ الْمُسْتَاجِرُ) بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج.
قوله: (وَقِيلَ: يُجْبَرُ) هذا لغير ابن القاسم في المدونة.
ابن عبد السلام: والعمل عليه في زماننا.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى .. إلى آخره) وهو خلاف فرض المسألة؛ لأن الكلام في الهطل وشبهه، لكن المصنف قد تكلم على ما هو أعم من فرض المسألة.
قال صاحب المقدمات: والهدم في الدار على قسمين: يسير وكثير، فاليسير على ثلاثة أوجه؛ الأول: لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من كراء الدار شيئًا كالشرفات ونحوها، فالاتفاق على أن الكراء لازم ولا يحط عن المكتري منه شيء.
الثاني: أن يكون لا مضرة فيه على الساكن، إلا أن ينقص من قيمة كراء الدار فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما نقص من قيمة الكراء إن لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكت وسكن لم يكن له شيء.
الثالث: أن تكون مضرة على الساكن من غير أن يبطل من منافع الدار شيئًا كالهطل وشبهه، فهذا فيه قولان، فذكر القولين على نحو ما قدمناه، وعلى هذا فكلام المصنف خاص بهذا الحكم الثالث؛ لأن الحكم في الأولين على خلاف ما ذكره.
وذكر اللخمي أنه إذا كان ذهاب الشرفات ينقص من جمال الدار، أنه ينقص من الكراء بقدر ذلك.
قال في المقدمات: وإن كان الهدم كثيرًا لم يلزم رب الدار إصلاح بإجماع، وهو أيضًا على ثلاثة أوجه:
[ ٧ / ١٩١ ]
الأول: أن يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء ولا يبطل شيئًا من المنافع؛ مثل أن تكون الدار مبلطة مجصصة، فيبطل تبليطها وتجصيصها فيكون المكتري بالخيار بين السكنى بجميع الكراء أو يخرج إلا أن يصلح ذلك رب الدار، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء على مذهب المدونة، بخلاف رواية عيسى، وقد قيل: إن الحكم في هذا الوجه كالبيت ينهدم من الدار وهو بعيد.
والثاني: أن ينهدم بيت من بيوتها، فهذا يلزمه السكنى ويسقط عنه ما ناب المنهدم.
والثالث: أن يبطل أكثر منافع الدار أو منفعة البيت التي هي وجهها ويكشفها بانهدام حائطها، وما أشبه ذلك فهذا يخير المكتري بين السكنى والخروج، فإن أراد أن يسكن على أن يحط من الكراء ما ينوب المنهدم لم يكن له ذلك إلا برضا ربها، فإن رضي بذلك جرى على جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه الكراء، ولم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد أن خرج لم يكن له الرجوع إليها إلا أن يشاء، وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء على مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف رواية عيسى عنه في العتبية.
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: أُصْلِحُ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَاجِرِ ضَرَرُ بِطْولِ الْمُدَّةِ أَوْ لا يَحْتَمِلُ مِنَ الضَّرَرِ خُيِّرَ أَيْضًا.
فإن طلب رب الدار الإصلاح والتمادي على عقد الكراء وكان على المكتري ضرر في ذلك إما بسبب طول المدة وإما لكثرة ما انهدم كالتكشيف على أهله، فإن ذلك لا يسقط حق المكتري فيما وجب له من الكراء، بل يجر، كما إذا قال المالك: أنا لا أصلح وهو معنى قوله: (خُيِّرَ أَيْضًا).
[ ٧ / ١٩٢ ]
وَلَوْ فَسَدَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَالأُجْرَةُ لازِمَةً
يعني: لو فسد الزرع ببرد أو طير أو جراد أو غير ذلك من الجوائح لزم المكتري جميع الكراء؛ لأنه قد تسلم جميع المنفعة، وذلك بمنزلة ما لو غصبه غاصب.
فَلَوْ كَانَ لِكَثْرَةِ دُودِهَا أَوْ فَارِهَا أَوْ عَطَشِهَا سَقَطَ الْكِرَاءُ
أي: فلو كان فساد الزرع من جهة الأرض إما لكثرة دودها أو فأرها أو عطشها سقط الكراء عن المكتري، وألحقوا العطش بالموانع الأرضية وكذلك الغرق إذا تمادى حتى خرج وقت الزراعة، أما إن حدث بعد إبانها أو انقطع قبل الإبان فالكراء لازم، وفي معنى فساد الزرع بسبب العطش أن يحصل ما لا بال له، واختلف في تحديد هذا القليل، فقيل: خمسة فدادين أو ستة من مائة.
وقيل: قدر الذريعة مرة. وقيل: قدرها مرتين.
وقيل: ينظر إلى الإصابة المتوسطة فما نقص عنها سقط من الكراء بنسبته.
وَلَوْ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَاقٍ، وَالأَمَدُ بَعِيدُ، وَكَانَ رَبُّهُ قَدْ عَلِمَ فَلِرَبِّهَا قَلْعُهُ أَوْ إِبْقَاؤُهُ بِالأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ كِرَاءِ الْمِثْلِ ..
القول الذي صدر به لابن حبيب والقول بكراء المثل هو مذهب المدونة على ما فهمه، فنذكر أولًا قول ابن حبيب، ثم نذكر ما في المدونة ليتبين لك ذلك.
ابن حبيب: وإن اكترى أرضًا سنة أو سنتين فنفدت ولم يبق منها إلا شهران أو شهر، وما لا ينتفع به في الزرع فليس للمكتري أن يحدث به زرعًا إلا بكراء مؤتنف ولا يحط عنه لما تقدم شيء ولربها حرثها لنفسه وليس للمكتري منعه؛ لأنه مضار فإ، زرعها المكتري وهو يعلم أن الوجيبة تنقضي قبل تمام الزرع بالأمد البعيد، فربها مخير إن شاء حرث أرضه وأفسد زرعه أو أقره وأخذ بالأكثر من قيمة الكراء أو كراء الوجيبة، وإن كان ظن أن
[ ٧ / ١٩٣ ]
الزرع ينقضي عند تمام الوجيبة فزاد عليها الأيام والشهر ونحوه، فليس لربها قلعه ولربها [٦٢٢/ أ] زيادة المدة على حسب كراء الوجيبة، فقول ابن حبيب: أو أقره وأخذ بالأكثر إلى آخره، هو قول المصنف: (بِالأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ كِرَاءِ الْمِثْلِ) ونص ابن حبيب على أنه لا فرق في هذا بين أرض الزرع والمباقل.
وقال في المدونة: ومن اكترى أرضًا سنة فحصد زرعه قبل تمام السنة، فأما أرض النهر فمحمل السنة فيها الحصاد وينقضي بذلك فيها، وأما ذات السقي التي تكرى على أمد الشهور والسنين فللمكتري العمل إلى تمام السنة، فإن تمت وله فيها زرع أخضر أو بقل فليس لرب الأرض قلعه وعليه تركه إلى تمامه، وله فيما بقي كراء المثل على حساب ما أكراها منه، وهكذا اختصرها البراذعي وابن أبي زمنين.
وطرح سحنون قوله: على حساب ما أكرى، قيل: لأنه تناقض؛ إذ لا يصح كراء المثل على حساب ما أكرى، وإليه ذهب الشيخ أبو محمد، واختصرها فقال: وله فيما بقي كراء المثل على ما أكراه.
ورجح ما قاله الشيخ بأن المسألة وقعت في العتبية من سماع أبي زيد على ما اختصر الشيخ، هكذا في الرواحل في المدونة في التعدي في المسافة.
ورأى ابن لبابة أنه في المدونة ذكر القولين فاختلط ذلك على السامع وظنهما قولًا واحدًا.
ودفع عبد الحق وابن يونس ما أشاروا إليه من التناقض على الرواية الأولى وقالا: بل معناها صحيح بأن يقوم كراء الزيادة، فإن قيل: دينار، قيل: وما قيمة السنة كلها، فإن قيل: خمسة، فقد علمت أنه وقع للزيادة مثل خمس كراء السنة فيكون كراء الأول ومثل خمسه.
[ ٧ / ١٩٤ ]
وعلى هذا فقول المصنف: (وقيل: كِرَاءِ الْمِثْلِ) هو مذهب المدونة على تأويل سحنون والشيخ أبي محمد وغيرهما.
ولعل المصنف ممن ذهب إلى هذا المذهب لرجحانه برواية أبي زيد وبما في الرواحل؛ فلذلك اقتصر عليه، لكن لو أراد هذا لقدم هذا القول على الأول.
قال في المدونة بإثر الكلام السابق: وقال غير ابن القاسم: فإن بقي من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرعه فلا ينبغي أن يزرع، فإن فعل فعليه في زيادة المدة الأكثر من كراء المثل؛ إذ كأنه رضي به، أو كراء المثل وهو قول ثالث في المسألة، وقيده ابن يونس بأن لا يكون ربها عالمًا به، فإن علم فتركه فله، على حساب الكراء الأول، كما قال الغير في الدابة يكتريها مدة فيتجاوزها.
وَإِنْ كَانَ ظَنَّ تَمَامَهُ فَزَادَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ فَعَلَيْهِ نِسْبَةُ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: كِرَاءُ الْمِثْلِ
(وَإِنْ كَانَ ظَنَّ) تأكيد؛ أي وإن لم يكن متعمدًا، بل ظن الزرع يطيب عند انقضاء الأجل.
وَلَوْ زَرَعَ مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ لَهُ فَلِلْمَالِكِ قَلْعُهُ، أَوْ أَخْذُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مَعَ الْكِرَاءِ ..
قد تقدم أنه إذا عين صنفًا جاز أن يزرع مثله أو دونه، وتكلم هنا على ما إذا زرع الأكثر ولا شك أنه متعد فلذلك كان للمالك قلعه أو أخذ ما بين القيمتين مع الكراء الأول، وكيفية التقويم ظاهرة لا تخفى عليك، والقلع مقيد بما إذا كانت مدة الزراعة باقية، وأما إن مضت فليس إلا كراء الزيادة مع الكراء الأول، وهكذا قال صاحب الجواهر وغيره.
ابن عبد السلام: وإنما له التخيير إذا لم يطب الزرع، ولو كان بعد طيبه لم يكن له إلا ما بين القيمتين، وهذا إذا كان بعد الزراعة، وإن كان قبلها فأراد أن يزرع ما ضرره أكثر وأذن له
[ ٧ / ١٩٥ ]
في ذلك رب الأرض فظاهر المدونة جوازه؛ لأن ذلك يعيب الأرض، فهو حق آدمي يسقط بالإذن.
وتردد بعض القرويين في جوازه؛ لأنه كمن نقل الصانع من صنعة إلى صنعة وكمن أراد أن ينقل الحمل من طريق إلى طريق يخالفها، اختلف إذا استأجر شخصًا في شيء ثم أراد أن يستعمله في غيره فإن كان من جنسه ومثل مشقته جاز وأجرته عليه، وإن كان من غير جنسه ورضيا بذلك فأجازه ابن القاسم في اليسير وابن حبيب في الكثير ومنعه سحنون فيهما.
واختلف أيضًا إذا أكراه ناحية: هل يجوز أن ينقله إلى مثلها؟ فأجازه ابن القاسم في المدونة بالتراضي، ومنعه القرويون ولو تراضيا.
وقال أشهب: للمكتري ذلك إن تساوى الطريقان، وإن لم يرض ربها فيمكن أن يخرج هذا الخلاف في مسألتهما.
وَلَوْ اسْتَاجَرَ لِلْغَرْسِ أَوْ لِلْبِنَاءِ سِنِينَ فَانْقَضَتْ فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا بَعْدَ إِسْقَاطِ مَا يَغْرَمُ عَلَى الْقَلْعِ وَالإِخْلاءِ ..
يعني: فله أن يأمره بقلع بنائه كما في بناء الغاصب والمعار إذا انقضت مدة الإعارة.
وقيد عبد الحق وغيره هذا بما إذا لم يكن في الشجر ثمر أو كان فيها ثمر غير مأبور وهذا هو الذي له أن يأمره بقلع الزرع.
قال: وإن كان الثمر مأبورًا عند تمام الأمد أجبر رب الأرض على بقائه وعليه قيمة الكراء؛ لأنه إذا تكلف المكتري القلع أضر به في فساد ثمرته عليه. واحترز المصنف بقوله: (لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ) مما لو استأجرها للزرع ولم يبد صلاحه، فليس رب الأرض قلعة ولا شراؤه قاله في المدونة، وقال التونسي: الأشبه جواز شرائه للزرع؛ لأنه قابض له بقبضه
[ ٧ / ١٩٦ ]
الأرض المحتوية عليه، وحديث النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها لا يتناول هذه الصورة؛ لأنه تجاوز من البائع، ومسألتنا الضمان فيها من المبتاع للقبض الذي قلناه.
وقوله: (عَلَى الْقَلْعِ وَالإِخْلاءِ) يعني: إلا أن يتولاه بنفسه أو عبده.
وَلَوْ حَمَلَ عَلَى دَابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَ فَعَطِبَتْ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا فِي قِيمَةِ كِرَاءِ مَا زَادَهُ مَعَ كِرَائِهِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمَكَانَ وَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ فَلَهُ كِرَاءُ مَا زَادَهُ كَمَا لَوْ لَمْ [٦٢٢/ ب] تَعْطَبْ ..
لزيادة المكتري صورتان؛ إحداهما: أن يزيد في الحمل، الثانية: أن يزيد في المسافة.
وتكلم المصنف عليهما فذكر أنه إذا زاد في الحمل؛ فإما أن يزيد زيادة تعطب بمثلها، أم لا، ولا فرق في الأول بين أن يزيد في الوزن أو فيتفاوت الضرر كما لو حمل مكان حنطة قنطار رصاص.
فقال المصنف: (إِذَا عَطِبَتْ) أي: هلكت (خُيِّرَ رَبُّهَا) في أخذ كراء ما زاد على الكراء الأول او أخذ (قِيمَتِهَا).
قال في المدونة: ولا كراء له.
ابن يونس: يريد إذا زاد ذلك في أول الحمل. يعني: وأما إن زاد بعد أن صار نصف المسافة، فله نصف الكراء الأول وقيمتها يوم التعدي.
وقول المصنف: (يَوْمَ التَّعَدِّي) يشمل الصورتين.
قوله: (كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمَكَانَ) أي: فعطبت، والتشبيه في مطلق التجاوز؛ إذ لا فرق هنا- أعني: إذا عطبت- بين أن يزيد في المسافة ما تعطب الدابة في مثلها أم لا، ولهذا قال: (وَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ) أي: بمثل هذا التجاوز.
[ ٧ / ١٩٧ ]
قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: المشهور الفرق بين الزيادة في المسافة والقدر، وأنه لا يفصل في الزيادة في المسافة.
(وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) أي: وعلى المشهور، وأشار بالعمل إلى ما عليه الفقهاء السبعة من تضمينه في زيادة المسافة ولم يفصلوا.
ونقل ابن يونس عن بعض القرويين أنه يضمن في زيادة الحمل إذا عطبت، وإن كانت لا تعطلب بمثلها كزيادة المسافة، وهذا هو الشاذ في كلام المصنف.
ابن عبد السلام: وقال المؤلف: إنه يضمن بالزيادة في المسافة عطبت الدابة أو لم تعطب وذكر أنه المشهور وعليه العمل. انتهى.
وما ذكره المصنف من الضمان بالزيادة في المسافة هو كما ذكرناه إذا عطبت، أما إن لم تعطف فقال ابن القاسم في المدونة: إذا ردها بحالها بعد زيادة الميل أو الأميال أو بعد حبسها اليوم ونحوه لمالك في الواضحة: وأيامًا يسيرة، لم يضمن إلا كراء الزيادة.
ابن القاسم: وأما إن كثرت الزيادة أو حبسها أيامًا أو شهرًا.
ابن حبيب: وأيامًا كثيرة كالشهر ونحوه وردها بحالها، فلربها كراؤها الأول، والخيار في أخذ قيمتها يوم التعدي أو كرائها فيما حبسها فيه من عمل، أو حبسها أيامًا بغير عمل ما بلغ ذلك، وإن لم تتغير.
وقال غيره: إن كان ربها حاضرًا معه فإنما له فيما حبسها بحساب الكراء الأول، وكأنه رضي به؛ لأنه قادر على أخذها، وتمادى المكتري منه بالمسمى، وإن كان غائباص عنه ورد الدابة بحالها فله في الزيادة الأكثر من قيمة كراء الزيادة ونسبة كراء الأول، عمل عليها شيئًا أم لا، وإن شاء فله الزيادة يوم حبسها، والكراء الأول لازم في كل حال.
وبما قررناه- أعني: حمل كلامه في زيادة المسافة على ما إذا عطبت- يندفع قول ابن عبد السلام، وما ذكره صحيح لكن بشرط أن تكون تلك الزيادة كثيرة أو طال زمان
[ ٧ / ١٩٨ ]
حبسها وانضم إلى ذلك تغيير سوق وشبهه. ثم استشهد بما في المدونة؛ لأنه يقول: إنما اشترط هذا في المدونة إذا سلمت، ولم يتكلم عليه المصنف.
وقوله في المدونة: "أيامًا" يحتمل أن يكون قول ابن حبيب تفسيرًا لما قال في كتاب الزكاة: يترك للمفلس كسوته الأيام، وفسرت بشهر، ويحمتل أن يكون خلافًا.
فإن قيل: لا يصح الأول؛ لأنه يلزم منه التكررا؛ لأنه حينئذ يصير التقدير: أو حبسها مثل شهر أو شهر.
قيل: لأنه يؤخذ من قوله: "مثل شهر" أن تكون التسعة والعشرون ونحوها مقتضية للتخيير بخلاف الشهر.
قوله: (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ) اسم كان عائد على الحمل الزائد.
وقوله: (مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ) أي: فعطبت فله كراء الزيادة، وليس له أن يضمنه قيمة الدابة.
وقوله: (كَمَا لَوْ لَمْ تَعْطَبْ) فليس له إلا كراء الزيادة وإن حمل عليها ما تعطب بمثله.
تنبيهات:
الأول: مقتضى كلام المصنف أن الدابة إذا عطبت في زيادة المسافة يضمن مطلقًا، وهو قول نقله ابن المواز: أنه يضمن ولو بزيادة خطوة.
أبو الحسن: وهو خلاف المدونة؛ لأن فيها: يضمن في الميل ونحوه. وأما مثل ما يعدل الناس إليه في الراحلة فلا ضمان. ومثله في كتاب الغصب فيمن استعار دابة.
خليل: وقد يقال: ليس هو خلافًا؛ لأن هذا لما كان الناس يعدلون إليه لم تبق زيادة.
الثاني: قد أشار المصنف إلى الفرق بين الزيادة في الحمل والمسافة في العمل.
[ ٧ / ١٩٩ ]
وفرق ابن يونس وغيره بينهما بأن مجاوزة المسافة تعد كله، فلذلك يضمن إذا عطبت في قليله وكثيره، بخلاف زيادة الحمل، فإنه اجتمع فيه تعد ومأذون فيه، وفيه نظر؛ لأن الدابة إنما هلكت بمجموع التعب الحاصل بسبب التصرف المأذون فيه السابق مع عدم المأذون فيه.
الثالث: اللخمي وابن يونس: صفة كراء الزيادة في الحمل إذا وجبت لربها أو اختارها أن يقال: كم يساوي كراء هذه الدابة المحملة حسبما تعدى؟ فيكون ذلك لربها مع الكراء الأول.
ابن يونس: قال بعض الأصحاب: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن أكراها لحمل معين فحمل أضر منه وأثقل، فإنه يكون له فضل الضرر، وفيه نظر؛ لأن الذي زاد في الحمل حمل ما أذن له فيه وزاد عليه، فإنما عليه كراء الزيادة مع الكراء الأول، والذي حمل غير ما اكتراها له كمن ركبها في غير الطريق الذي أذن له فيه فهذا له فضل الضرر. والله أعلم.
خليل: والكراء على الوجه الأول أكثر منه على الوجه الثاني؛ لأنه في الأول بقدر ذكر الزيادة والدابة محملة بخلاف الثاني، والله أعلم.
الرابع: إذا تعدى في المسافة أو في الحمل، ثم هلكت بعد رجوعه من المكان الزائد وبعد أن زال عنها ما زاده في الحمل. قال سحنون: لا ضمان عليه، كرده ما تسلف من الوديعة، وعليه كراء الزيادة.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: إن كانت الزيادة يسيرة فيها فكذلك، وإن زاد كثيرًا فهو ضامن.
ابن يونس: وهو أحسن وبه أقول؛ لأن الزيادة اليسيرة يعلم أنها لا تعين [٦٢٣/ أ] على هلاكها بخلاف الكثيرة، فإنها التي أعانت على هلاكها، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَاجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَانْهِدَامِ الدَّارِ وَيُحْسَبُ مَا مَضَى ..
لما فرغ من الأحكام المتعلقة بالإجارة شرع في الطوارئ عليها، وهذا كما يقولون: كل عين تستوفي منها المنفعة فهلاكها يفسخ الإجارة.
واحترز بـ (الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من المضمونة، ولم يذكر المصنف التعيين في الدار؛ لأن كراء الدور لا يكون إلا معينًا كما تقدم.
(وَيُحْسَبُ مَا مَضَى) أي: فيكون لرب الدار والدابة بحسابه على حسب القيمة.
وَلَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ أَوْ عَفَا مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ انْفَسَخَتْ
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، ومعناها: أن من استؤجر على أن يقلع لرجل سنًا أو استؤجر على أن يستوفي القصاص من رجل آخر، فسكن ألم السن أو عفا من له القصاص، فالإجارة تنفسخ، والمعنى فيهما واحد.
وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلَّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِلا لَمْ تَنْفَسِخْ عَلَى الأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ ..
القاعدة هنا أن كل عين تستوفي بها المنفعة، فهلاكها لا يفسخ الإجارة على المشهور، إلا في أربع مسائل؛ وهي صبيان، وفرسان: صبيًا للتعليم والرضاعة، وفرسًا للنزو والرياضة.
وذكر المازري أن أهل المذهب ألحقوا خامسة، وهي إذا استأجر على أن يحصد أرضه وليس له غيرها، أو يبني له حائطًا كذلك، ثم حل مانع من ذلك.
قال: وزاد الشيخ أيضًا الخياط والحائط إذا دفع إليه ثوبًا ليعمله، وكان للباس لا للتجارة وليس عنده غيره، وكذلك أيضًا تنفسخ في المسألتين السابقتين.
[ ٧ / ٢٠١ ]
وألحق الباجي بها الطبيب يؤاجر على معاناة العليل مدة فيموت قبلها، والحق أيضًا بعضهم بها ما إذا استؤجر على الجواهر النفيسة ليصنع بها شيئًا ثم هلكت، والعلة فيها كلها تعذر الخلف غالبًا.
وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) نحوه في الجواهر قال: ولو هلك الثوب المستأجر على خياطته، كان له أن يبدله بغيره على الظاهر من المذهب، قال عبد الوهاب: والظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين بالإجارة، وأنه إن عين فذلك بالوصف.
وفي المقدمات: والمشهور انفساخ الإجارة إذا تلف ثوب الخياطة، ولعل مراده إذا كان اللباس كما تقدم.
وَلَوْ اسْتَاجَرَ دَابَّةً إِلَى مَكَانٍ، وَشَرَطَ أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ حَاجَتَهُ دُونَهَا حَاسَبَهُ جَازَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ كَالْخِيَارِ ..
هكذا قال مالك في العتبية والموازية بشرط أن لا ينقد؛ لأنه إن نقد يؤدي إلى أنه تارة ثمنًا وتارة سلفًا.
وهو مثل ما في المدونة في الذي يستأجر الرجل شهرًا على أن يبيع له ثوبًا، على أن المستأجر متى شاء أن يترك ترك: أن ذلك جائز إذا لم ينقد، ومنعها سحنون للجهل في الكراء والإجارة.
قال في البيان: والجواز هو الأظهر؛ لأنه بمنزلة ما لو قال: أبيعك من صبرتي ما شئت، كل قفيز بدرهم.
ووافق سحنون على الجواز في كراء الدار سنة، على أنه إن خرج قبلها حاسبه.
وقال فضل: إنما منع سحنون مسألة المدونة؛ لأنه كراء بخيار إلى أمد بعيد.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
قال: وليس كما قال: لأن الخيار إنما هو الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كان الخيار فيما بقي، وليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها مدة طويلة؛ لأنه يحتاج في توفيتها إلى انقضاء أمد الخيار، فلذلك لا يجوز، وليس ذلك في الإجارة والكراء، إلا أن يكتري الدابة على أن يكريها بعد شهر، أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر، على أنه بالخيار في الإجارة والكراء.
وقوله: (إِلَى مَكَانٍ) فيه حذف صفة؛ أي: معين.
وَتَنْفَسِخُ بِغَصْبِ الدَّارِ وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا أَوْ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلاقِ الْحَوَانِيتِ.
الثاني: من الطوارئ الموجبة للفسخ: غصب الدار أو غصب منفعتها، أو بأمر السلطان بإغلاق الحوانيت. ووجهه أن المكتري منع من استيفاء المنفعة، فوجب الفسخ كالنكاح، وكما لو انهدمت الدار، وما ذكره المصنف هو المشهور.
ونقل ابن حارث عن سحنون: أن المصيبة من المكتري، وهو بعيد. ولا يقال: يجري على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر لانتقاضه بإجماعهم على الفسخ بالهدم.
ولابن حارث ثالث بالفرق: إن غصبت رقبة الدار فمن المكري، وإن غصبت السكنى فمن المكتري، وهو أيضًا بعيد، وينبغي أن يكون هذا الخلاف مقصورًا على ما إذا غصبت المنفعة أو الرقبة بعد قبض المكتري إياها. وأما لو كان ذلك قبل القبض، فتكون المصيبة من المكري؛ لأن المكتري لم يتمكن من القبض.
تنبيه:
وقع لابن القاسم وعبد الملك في المجموعة: إن اغتصبها منه رجل فالكراء على المكتري، إلا أن يكون سلطان ليس فوقه سلطان لا يمنع منه إلا الله تعالى، وعده في البيان وفاقًا لقدرة المكتري على دفع من دونه.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
وَلا تَنْفَسِخُ بإِقْرَارِ الْمَالِكِ
يعني: أن الإجارة بعد انعقادها لا تنفسخ بإقرار المكري لأجنبي في الرقبة أنه باعها له، مثله: إذا أنكر ذلك المكتري ولا بينة؛ لأنها على قصد الكراء، وسماه المصنف مالكًا باعتبار الحكم؛ لكي يقبل إقراره على نفسه، ثم لا يخلو إما أن يكون إقراره بفور الكراء أو لا، فإن أقر بفور الكراء فالمقر له بالبيع يخير بين [٦٢٣/ب] أربعة أشياء: الفسخ إن كان الثمن أكثر من القيمة، أو أخذ القيمة إن كانت أكثر؛ لأنه حال بينه وبين قبض المبيع، أو أخذ ما أكريت به، أو قيمة الكراء إن كانت أكثر. وإن أقر بذلك بعد انقضاء المدة لم يكن للمشتري مقال في رده البيع، وكان له الأكثر من كراء المثل أو المسمى، هكذا ذكر اللخمي في كراء الرواحل.
وَلَوْ حَبَسَ الثَّوْبَ أَوِ الدَّابَّةَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ ثَبَتَتِ الأُجْرَةُ إِذِ التَّمْكِينُ كَالاسْتِيفَاءِ
أي: التمكين من الانتفاع كاستيفائها.
فَلَوْ زَادَ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا فَنِسْبَةُ الْمُسَمَّى وَإِلا فَالأَكْثَرُ
يعني: فلو زاد المكتري على مدة الكراء، فاختلف فيما يلزم المكتري على ثلاثة أقوال:
الأول: نسبة المسمى، حضر المالك أو غاب.
الثاني: عليه الأكثر من نسبة المسمى وكراء المثل، وهذا القول حكاه ابن المواز هكذا.
والثالث: إن كان المالك حاضرًا معه بالمصر، فيكون له كراؤها في هذه المدة بحسب الكراء الأول، ويعد راضيًا به لما كان قادرًا على أخذها وتركها، وإن لم يكن حاضرًا فعليه الأكثر، وهذا لغير ابن القاسم في المدونة.
ولم يذكر المصنف مذهب ابن القاسم فيها أن عليه كراء المثل مطلقًا.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
فإن قلت: هلاَّ جعلت هذا هو القول الثاني في كلام المصنف كما قال ابن عبد السلام؟
قيل: لأن ذلك يخالف اصطلاحه؛ إذ قاعدته أنه يجعل عجز القول الثالث هو القول الثاني.
وَفِي إِسْقَاطِ بَعْضِهِ بِتَقْدِيرِ الاسْتِعْمَالِ قَوْلانِ
أي: بعض الأجر. وفي بعض النسخ (نَقْصِهِ) أي: نقص الاستعمال.
ومعنى كلامه: أنه إذا لم يستعمل الثوب أو الدابة في الزائد على المدة المعينة، فاختلف في إسقاط بعض الكراء على تقدير الاستعمال على قولين: مذهب ابن القاسم في المدونة: السقوط، واختلف عليه في كيفية التقويم، فقيل: يقال: كم كراء مثل هذا الثوب شهرًا ملبوسًا؟ فيقال مثلًا: عشرة. فيقال: وكم ينقصه اللبس؟ فيقال مثلًا: خمسة. فيقال: على الذي حبسه خمسة؛ لأنه كأنه استأجره بعشرة رد عليه في الثوب منها خمسة.
ابن يونس: وفيه نظر؛ إذ قد ينقصه اللبس والركوب في مدة حبسه قدر كرائه، فيؤدي إلى أن لا يغرم شيئًا وهو قد حبس تلك المنافع، وإنما يقال: بكم يكرى هذا الثوب على أن لا يلبس، وهذه الدابة على أن لا تركب؟ فما قيل يساوي كراؤه، وجب عليه غرمه.
وللخمي نحو ما اختار ابن يونس، والقول بعدم الإسقاط لعدم الاستعمال هو ظاهر قول غير ابن القاسم في أكرية الرواحل، أن عليه العمل من كراء المثل ونسبة المسمى، عمل عليها شيئًا أم لا.
وَلَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَحَبَسَهَا فَكَذَلِك وَالْكِرَاءُ الأَوَّلُ بَاقٍ
ولو كانت مدة الإجارة غير معينة، بل اكترى دابة على أن يذهب عليها إلى موضع كذا أو يحمل عليها شيئًا ولم يذكر أيامًا بأعيانها، فحبسها المكتري عنده ولم يخرج بها، لزمه في مدة حبسها ما ذكره المصنف فوق هذا على القولين، والكراء الأول باقٍ.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
فإن قلت: فقد قال المصنف أولًا، وإذا لم يعين ابتداء المدة حمل من حين العقد، فينبغي أن ينفسخ في غير المعين كالمعين.
قيل: لعل قوله: "من حين العقد" محمول على الحكم؛ أي: لو رفعه إلى الحاكم فحكم عليه بأخذها والانتفاع بها حتى لو ترك حينئذٍ لزمه الكراء ويصير كالمعين.
ولعله في هذه المسألة لم يرفعه، هكذا ظهر لي، فتأمله.
وَلَوْ أَخْلَفَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ لَمْ تَنْفَسِخْ وَلَوْ فَاتَ مَا كَانَ يَرُومُهُ إِلا إِنْ كَانَ اكْتَرَى يَوْمًا بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ الْحَجِّ لأَنَّ الأَيَّامَ فِي الْحَجِّ مُتَعَيِّنَةٌ
(لَمْ تَنْفَسِخْ) هو مذهب المدونة ففيها: قال مالك: في الدابة بعينها يكريها ليركبها إلى غد فيغيب ربها، ثم يأتي بعد اليومين والثلاثة، فليس له إلا ركوبها.
(وَلَوْ فَاتَ مَا كَانَ يَرُومُهُ) أي: يقصده من تشييع شخص أو تلقي رجل أو نحو ذلك.
وعلل ابن المواز ذلك بأنه كاشتراء سلعة بعينها يدفعها من الغد أو مضمونة، فمطله بذلك حتى فاته ما يريد فلا حجة له، وإنما له السلعة. وقاله مالك في الأضاحي: إذا أسلم فيها فيؤتى بها بعد أيام النحر، أنها تلزمه.
قوله: (إِلا إِنْ كَانَ اكْتَرَى يَوْمًا بِعَيْنِهِ) يعني: فأخلفه المكتري، فإنه يفسخ.
ابن المواز: ولا يجوز فيه ولا في الحج التمادي، وإن رضيا.
وقوله: (بِخِلافِ الْحَجِّ) راجع إلى قوله: (لَمْ تَنْفَسِخْ).
قوله: (لأَنَّ الأَيَّامَ فِي الْحَجِّ مُتَعَيِّنَةٌ) هو تعليل ابن المواز.
اللخمي: وإذا تغيبت الجمال يوم خروجك إلى الحج فالكراء منفسخ.
وقال في الموازية: لا ينفسخ.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
وقال غيره: في غير الحج ينفسخ، قال: والفسخ في كلا الموضعين؛ فإنه لا يختلف أنه لو رفعه إلى الحاكم لفسخه عنه لما عليه من الضرر في الصبر.
وَلَوْ آجَرَ مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ وَمَاتَ قَبْلَ مُدَّتِهَا فَفِي انْفِسَاخِها قَوْلانِ
إذا أكرى مستحق الوقف بالنقد لم يجز إلا السنة والسنتين، ويجوز له أن يكري لما شاء من السنين وإن طالت المدة إذا كان الكراء منجمًا، فكلما حل نجم أخذ كراءه وقدم له كراء نجم آخر، فإن مات قبل انقضاء [٦٢٤/أ] المدة، فقال ابن شاس: إذا مات البطن الأول من أرباب الوقف بعد الإجارة وقبل انقضاء المدة، انفسخت الإجارة في باقي المدة؛ لأنه تناول بالإجارة ما لا حق له فيه. وقيل: إذا أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزمه باقيه.
ابن راشد وغيره: والأول أصح.
و(مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ) هو المحبس عليه.
وَلَوْ آجَرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ مُدَّةً فَبَلَغَ قَبْلَهَا انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي
الولي يعم الأب والوصي والمقدم.
(فَبَلَغَ قَبْلَهَا) أي: قبل انقضائها، على حذف مضاف.
(انْفَسَخَتْ) الإجارة (فِي الْبَاقِي) أي: في باقي المدة. وهكذا قال في المدونة، وظاهره أن بنفس البلوغ يخرج من الحجر.
عياض: ولا يختلف أن هذا لا يكون في الوصي، ولا في الأب على المعروف كما تقدم، ولهذا قيد ابن القاسم ويحيى بن عمر المسألة بأن يبلغ رشيدًا.
إِلا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لا يَبْلُغُ فِيهَا فَيَلْزَمُ إِنْ كَانَ الْبَاقِي يَسِيرًا كَالشَّهْرِ
يعني: أنها لا تنفسخ إلا باجتماع شرطين: أن يظن أن الصبي لا يبلغ قبلها، وأن يبقى من المدة يسير.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
قال في المدونة: كالشهر ويسير الأيام.
تنبيه:
أخذ من هذه المسألة جواز مؤاجرة الأب والوصي لليتيم.
عياض: وهو المشهور في الأب والمتفق عليه في الوصي.
وفي المتيطية في باب النفقة: للأب أن يؤاجر الصغير للنفقة عليه، كان الأب غنيًا أو فقيرًا، وبه قال غير واحد من الموثقين.
وقال بعض الفقهاء: إذا كان الأب أو الابن غنيًا، لم يجز أن يؤاجره، ونحوه لمالك في الموازية: ويسلَّم لتعليم القرآن أو تجارة ونحوها مما يليق به. وهل للأب أن ينتفع بفاضل خراجه عن نفقته؟
منعه غير واحد من الموثقين، وأجازه أصبغ في الثمانية، ونحوه لابن لبابة في أحكام ابن بطال.
فَلَوْ كَانَ رَبْعَهُ وَدَوَابَّهُ فَقِيلَ: مِثْلُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي كَثِيرًا
القولان في المدونة؛ الأول لغير ابن القاسم، والثاني لابن القاسم.
ونصها: وإن أكرى ربعه ودوابه ورقيقه سنين واحتلم بعد مضي سنة، فإن كان يظن أن مثله لا يحتلم في تلك المدة فحصل الاحتلام وأُنس منه الرشد- فلا فسخ له، ويلزمه باقيها؛ لأن الوصي صنع ما يجوز، وقال غيره: لا يلزمه إلا فيما قل.
قال ابن القاسم: وإن عقد عليه إجارة يعلم أنه يبلغ قبله، لم يلزمه في نفسه إلا فيما يملك من ربع أو غيره، وكذلك الأب. والفرق على قول ابن القاسم بين ربعه ونفسه شدة الضرر في النفس.
[ ٧ / ٢٠٨ ]
ابن عبد السلام: واختار بعضهم قول ابن القاسم، إلا أنه قيده بشرط أن لا يكون الوصي فعل ذلك من أجل حاجته إلى الإنفاق عليه في زمان إن لم يفعل باع تلك الأرض والدار، فيلزم حينئذٍ ولو طالت المدة.
وَرَبْعُ السَّفِيهِ الْبَالِغِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا يَمْضِي وَإِنْ رَشَدَ، وَقِيلَ فِي السَّنَةِ وَنَحْوِهَا فَقَطْ
أي: وفي إجارة ربع السفيه.
وقوله: (وَإِنْ رَشَدَ) أي: قبل انقضائها، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، قال: لأن الوصي عقد ما يجوز له، ولأنَّ الرشد لا تعلم له غاية.
وقوله: (وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ) أي: أنه لا يمضي إلا في السنة، وهو قول غيره فيها، قال: لأنه جل كراء الناس.
وَلا تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ، وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ الْمُدَّةِ
يعني: لو آجر عبده سنة، وفي معنى ذلك إذا أخدمه سنة ثم أعتقه قبل السنة، لم تنفسخ الإجارة بسبب عتق العبد لتعلق حق المستأجر والمخدم.
وقوله: (وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ) يريد: في شهادته والقصاص منه وله، ولا يريد أنه يساوي العبيد في جميع أحكامهم. ألا ترى أنه لا يجوز للسيد وطؤها إن كانت أمة؟
وقوله: (حَتَّى تَنْقَضِيَ) أي: الإجارة، قال في العتق الثاني من المدونة: إلا أن يترك المستأجر أو المخدم للعبد بقية الخدمة، فيعجل عتقه.
اللخمي: وقيل في هذا الأصل: لا يعجل عتقه؛ لأن للسيد حقًا في الجناية عليه قبل السنة.
خليل: وهذا إنما يأتي إذا أراد السيد أنه حر بعد السنة، وأما إن أراد أنه ينجز عتقه، فإن الظاهر أن أرش الجناية للعبد والله أعلم.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
قوله: (وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ إلى آخره) فقال أشهب: ويحلف على ذلك، فإن نكل كانت الأجرة للعبد.
وَلا تَنْفَسِخُ بِفِسْقِ الْمُسْتَاجِرِ كَشُرْبِهِ وَسَرِقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ كَبَيْعِهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا
أي: لا تنفسخ الإجارة بفسق المستأجر.
اللخمي: وأرى أن يخرج إن لم يتيسر كراؤها من يومه أو نحوه، وتخلى حتى يأتي من يكتريها، فإن لم يأتِ مكترٍ حتى خرج الشهر لزمه كراؤها.
وقوله: (كَبَيْعِهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا) وهو لمالك في الواضحة: أن الفاسق إذا أعلن بفسقه في داره أنه يعاقب على ذلك وإن لم ينته باع الإمام عليه.
اللخمي: وأرى أن يبدأ بعقوبته فإن انزجر وإلا أكريت عليه، وإن لم ينته وكان يؤذي الجيران ويقول: آتي لداري ونحوه، بيعت عليه.
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنَ الْمُسْتَاجِرِ
يعني: أنه يجوز للمالك أن يستأجر من المستأجر ما كان استأجره منه من ربع أو حيوان، وعلى هذا فـ (اسْتِئْجَارُ) مصدر مضاف إلى الفاعل.
وَيَقُومُ الْوَارِثَانِ مَقَامَ الْمُسْتَاجِرَيْنَ
يعني أن الإجارة لا تنفسخ بموت المالك ولا المستأجر، بل يقوم ورثة كل واحد منهما مقامه؛ [٦٢٤/ب] لأن من مات عن حق فلورثته.
ابن عبد السلام: وجمع المصنف في تثنية المستأجرين اسم الفاعل واسم المفعول وهو غير جائز؛ إذ ليس ذلك ضم اسم إلى مثله.
[ ٧ / ٢١٠ ]
ورد بأن كل واحد منهما مستأجر في المعنى؛ لأن الاستئجار طلب الأجر وكل منهما طالب له.
وَإِذَا عَطِبَتِ السُّفُنُ أَوْ عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَلاغِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ عَلَى الْبَلاغِ وَلا شَيْءَ لِرَبِّهَا وَلَوْ غَرِقَتْ بِالسَّاحِلِ. ابْنُ نَافِعٍ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَرِّ مَا سَارَتْ فَلِرَبِّهَا بَحِسَابِهِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ أَدْرَك مَامَنًا يُمْكِنُ السَّفَرُ مِنْهُ وَحَاذّاهُ فَكَالْبَرِّ، وَإِلا فَعَلَى الْبَلاغِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا جِعَالَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ أَوْ تَنْقَسِمُ
كلام المصنف في هذه المسألة ظاهر التصور؛ لأنه عزى الأقوال ووجهها؛ يعني أن قول مالك مبني على أنها جعالة فلا يستحق الجعل إلا بتمام العمل كغيره من صور الجعل.
وقول ابن نافع على أنها إجارة فيأخذ بحسابِ ما صار كالدَّوَاب.
وروى أَصْبغُ أنها إجارة إن أدرك مأمنًا يمكن السفر منه وجعالة إن لم يمكن.
واستشكل بناء المصنف الأول على الجعالة؛ لأن الجعالة لا تلزم بالعقد وكراء السفن يلزم بالعقد عند مالك وابن القاسم، فأولى أن ينبني على أنها إجارة على البلاغ كما في المدونة، وقول مالك مقيد بقيدين:
أولهما: أن لا ينتفع بحمالته، وقد نقل سحنون عن ابن القاسم في من اكترى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في الطريق، واستخرج نصف القمح وجعله في غيرها، أنَّ لرب السفينة الأولى كراء ما يخرج من القمح بقدر ما انتفع به ببلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه، وقاله سحنون في كتاب ابنه وشبهها بمسألة حفر البئر يحفر بعضها ثم يترك وتكمل فإنه يعطى الأول بقدر ما انتفع به رب البئر.
القيد الثاني: قيد يحيى بن عمر قوله: (وَغَرِقَتْ بِالسَّاحِلِ) بما إذا لم يكن من أرباب المتاع تفريط في نقل المتاع، وأما إن فرطوا لزمهم الكراء، وكذلك لو أخذوا في التفريغ فركبهم الهول ومنعهم منه حتى غرقت لكان الكراء على من سلم متاعه دون من لم يسلم.
[ ٧ / ٢١١ ]
وقوله: (عَرَضَ) بفتح الراء. الجوهري: ومعناه ظاهر؛ أي: من ريح أو قلة ماء أو نحو ذلك وفي المسألة قول رابع: إن كان سيرهم عرضًا فهو البلاغ، وإن كان طولًا فلهم بحساب ما ساروا.
وَإِذَا خِيِفَ عَلَى الْمَرْكَبِ الْغَرَقُ جَازَ طَرْحُ مَا يُرْجَى بِهِ نَجَاتُهَا غَيْرَ الآدَمِيِّ بِإذْنِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَيَبْدَأُ بِمَا ثَقُلَ جِسْمُهُ وَعَظُمَ جِرْمُهُ
(الْمَرْكَبِ) بفتح الميم والكاف ومراده بالجواز الوجوب؛ لأن حفظ النفوس واجب، وعبر المصنف بعبارة الأكثرين هنا؛ وذلك أن إتلاف المال لغير فائدة حرام والجواز هو المقابل للتحريم، فإن أرادوا رفع التحريم رفعوه بالجواز.
قوله: (مَا يُرْجَى بِهِ نَجَاتُهَا) أي من حيوان بهيمي وعرض، ولما كان الطرح واجبًا لإحياء نفوسهم لم يحتج إلى إذن المالك.
وقوله: (غَيْرَ الآدَمِيِّ) قد تقدم في باب الجهاد أن اللخمي انفرد بجواز الطرح بالقرعة ويبدأ بما ثقل جسمه وعظم جرمه، وإن لم يثقل كأعدال القطن ونحوه، ويبدأ بهذا؛ لأنه المحتاج إلى طرحه، ولأنه بطرح ذلك يسلم ما هو أرفع.
وَيُوَزَّعُ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ مِمَّا يُطْرَحُ أَوْ مِمَّا لَا يُطْرَحُ عَبِيدًا أَوْ نَاضًَّا أَوْ جَوْهَرًا
أي: يوزع المطروح فيكون من رمي له شريكًا بما يحاسب له في السالم في النماء والنقص.
ابن القاسم: حتى يكون ما يطرح وما يسلم كأنه لجميعهم.
ابن زيد: فإن كانت قيمة ما رمي كقيمة ما سلم، فلمن رمي متاعه نصف السالم، وإن كانت قيمته نصف قيمة السالم فله ثلث السالم، ولا شركة بين من لم يرم لهم بعضهم على بعض.
[ ٧ / ٢١٢ ]
وقوله: (عَبِيدًا أَوْ نَاضًَّا أَوْ جَوْهَرًا) يعني: يوزع على جميع مال التجارة وإن كان ذلك المال لا يطرح وهو العبيد أو قليل الجرم، وهكذا قال ابن حبيب إن كان معه دراهم أو دنانير يريد بها التجارة فهي داخلة في الشركة.
وقال ابن عبد الحكم وابن أبي زمنين: من كان معه عين فلا يلزمه شيء من قيمة ما طرح.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَرْكَبَ وَعَبِيدَهُ لا يَدْخُلُ
هكذا قال ابن عبد الحكم: أجمع أصحابنا على أن المركب وعبيده لا يدخل في شيء من حكم الطرح، وقوله: (وَالْمَذْهَبُ) إما تبرِّيًا منه، إذ بالطرح سلم الجميع، وإما إشارة إلى الخلاف، ويكون بمنزلة قوله: المنصوص، فابن حبيب نقل عن سحنون أن المركب يدخل فأحرى عبيده.
وسئل ابن أبي زيد عن مركب كان مرسىً بالمهدية فأخذه هول فنقر بقاعه قاع البحر، فخيف عليه أن يهلك فرمى منه التجار بعض ما فيه ليخف ولا يصل إلى قاع البحر فذهب الهول وخلص المركب، فأراد أصحاب المتاع أن يدخلوا المركب في قيمة ما طرح وأبى صاحب المركب، فقال: إذا رمي خوفًا على المركب دخل في القيمة.
وَمَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ كَالْعَدَمِ طُرِح أَوْ لَمْ يُطْرَحْ
يعني إن طرح فلا شيء لصاحبه، وإن لم يطرح فلا شيء على ربه، ونقل على ذلك الاتفاق.
ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف من الخلاف الذي في المركب وعبيده.
وهو قول أهل العراق وهو الذي مال إليه ابن يونس وقال: إنه القياس؛ إنه لا فرق بين عروض التجارة وعروض القنية في التوزيع.
[ ٧ / ٢١٣ ]
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْرُوحِ [٦٢٥/أ] مَتَاعُهُ فِي مَا يُشْبِهُ
لأن ذلك لا يعرف إلا من جهته وظاهره أنه يصدق في ثمنه وفي صفته ومقداره، وفي ذلك تفصيل، أما الثمن فقال ابن القاسم: هو مصدق بيمينه في تلف متاعه المطروح والسالم ما لم يأت بما يستنكر ويتبين كذبه فيه.
وقال سحنون: القول قول بغير يمين إذا ظهر صدقه، إلا أن يتهم فيحلف.
وأما الصفة فقال ابن أبيزيد: إذا ادعى صاحب المتاع أن صفته كذا وكذبه الباقون فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن جهلوا فالقول قوله مع يمينه.
وأما قدره فإذا ادعى المطروح له الكثير وقال رب المركب: لم يستحق عندي إلا أقل ما ادعى، فقيل: يرجع إلى ما في التنزيل؛ لأن أمر الناس جرى إليه، وما كان داخل المتاع مما يخفى ذكره في التنزيل فالقول قول صاحب المتاع فيه مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يملك مثله.
وخالفه ابن يونس فيما لم يكتبه في التنزيل ورأى أنه مدعٍّ فيه، قال: وقد ظلم نفسه؛ إذ لم يكتبه فيجب أن لا يصدق.
فرع:
فإن زعم رب السفينة أنه رمى بعض ما فيها لهول أصابه وكذبه أصحابه، فقال أبو سعيد ابن أخي هشام: هو مصدق في العروض في قول ابن القاسم، ولا يصدق في الطعام إلا ببينة.
وَفِي صِفَةِ التَّوْزِيعِ أَرْبَعَةٌ: بِقِيمَتِهِ وَقْتَ التَّلَفِ، وَأَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ، وَمَكَانِ الْحَمْلِ، وَمَا اشْتُرِيَ بِهِ
القول باعتبار قيمته وقت التلف رواه أشهب؛ أي في موضع طرح فيه في البحر.
[ ٧ / ٢١٤ ]
والقول باعتبار قيمته في أقرب المواضع ذكره ابن شاش ولم يعزه، وعلله بأنه لا قيمة له في محل التلف.
ابن عبد السلام: ولعل الأول يرد إليه؛ إذ قد لا تكون له قيمة حين التلف.
والقول باعتبار قيمته في (مَكَانِ الْحَمْلِ) أي: مكان حمل منه لمالك في المختصر.
وقال مالك في موضع آخر من المختصر: قيمته في موضع يحمل إليه.
والقول بـ (مَا اشْتُرِيَ بِهِ) لابن القاسم من رواية أصبغ في الواضحة وقيده في الرواية بأن يكون الشراء لا محاباة فيه، قال: وهذا إن اشتروه من مكان واحد، وأما إن كان اشتراؤه من مواضع شتى أو فيهم من اشترى ومن لم يشتر وقد طال مكث شرائه حتى حالت سوقه قوم الذاهب والسالم بالموضع الذي ركبوا منه يوم يركبوا، ثم يكونون بتلك القيمة شركاء في السالم، قال: وقول جميع أصحاب مالك كذلك في العتبية عن ابن القاسم.
ابن عبد السلام: والأقرب هو الأول مقيد بالقول الثاني، وكيف يكونون شركاء بقيمته يوم حملوه، ولو ضاع مال أحدهم قبل هول البحر لم يضمنوه؟ ولم يحسن أيضًا وأن يضمنون بقيمته في الموضع المحمول إليه مع اتفاقهم أنه إن هلك قبله فمن ربه.
وَالْمُسْتَاجِرُ أَمِينٌ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فلا ضمان عليه كان المستأجر عليه مما يغاب عليه أم لا.
ومقابل الأصح أثبته اللخمي وغيره كالمصنف، وذكر اللخمي أنه في كتاب ابن سحنون، وقال أشهب في الجفنة يدعي ضياعها: إنه ضامن، وأنكر ابن المواز أن تكون الرواية هكذا وقال: وإنما الرواية في دعواه الكسر؛ لأنه يقدر على تصديق نفسه بإحضار الفلقتان وأما الضياع فيصدق، ولهذا قال مالك في رواية أخرى: وأين الفلقتان؟
[ ٧ / ٢١٥ ]
ابن المواز: إلا أن يقول سرقت مني الفلقتان أو تلفتا.
وحكى صاحب البيان الاتفاق على نفي الضمان قال: فلا أعلم فيه خلافًا إلا ما لابن القاسم في الدمياطية في مكتري دابة يشترط عليه الضمان قال: لا ضمان عليه، قال: والمناجل وآلة الحديد يضمنها، قال: وهو شذوذ، قال: وظاهر كلامه في الدابة أنه كراء فاسد، وعليه في الفوات كراء المثل، وفسر مسألة الدمياطية بأنها كبيع الثنيا يجبر مع القيام ويكون للمكتري في الفوات الأكثر.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الأُجْرَةِ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ بِحِسَابهَا
(وَيَلْزَمُهُ) معطوف على مفعول القول المحذوف؛ أي قال ابن القاسم: المستأجر أمين ويلزمه جميع الأجرة. قال في المدونة: إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع، وكان معه قوم في السفر فيشهدوا أنه أعلمهم بضياع ذلك وطلبه بمحضرهم، فيحلف فيسقط عنه من يومئذٍ ما بقي من المدة.
وعلى هذا فقول المصنف: (مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ) ليس بظاهر؛ لحضرة البينة إلا أن يفهم قوله: (بَيِّنَةٌ) على البينة التي تعرف أنه ذكر الضياع.
قال فيها: وقال غيره: لا يلزمه من الأجرة إلا ما قال أنه انتفع به، وبه أخذ سحنون وقال في قول ابن القاسم أنه يصدقه في الضياع ويغرمه الكراء فيما لم ينتفع به.
ورأى ابن القاسم أن الكراء في ذمته فلا يبرأ منه إلا ببينة بخلاف المستأجر فإنه فيه أمين، وناقض التونسي قول ابن القاسم هنا بقوله في كتاب العارية فيمن استعار دابة وزعم ربها أنه أعارها إلى دون المكان الذي ركبها إليه، وقال ابن القاسم: القول قول المستعير في دفع الضمان.
وأجاب ابن يونس بأن المستأجر مدعٍّ في دفع الأجرة فعليه البيان.
[ ٧ / ٢١٦ ]
وَفِي ضَمَانِهِ مَا آجَرَهُ لِغَيْرِهِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: إِنْ كَانَ فِي مِثْلِ أَمَانَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ
يعني: واختلف في [٦٢٥/ب] ضمان المستأجر ما آجره لغيره على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم الضمان مطلقًا وهو غير موجود، ولا يقتضيه الفقه؛ إذ لا ينتفي الضمان إذا آجره لمن ليس في مثل أمانته.
الثاني: أنه يضمن مطلقًا وهو معترض أيضًا؛ لأنه إذا آجر لغير من هو في أمانته فالضمان ظاهر، وإن كان لمن هو في أمانته فلا، وإنما وقع في المدونة مقيدًا بالثوب قال: لاختلاف الناس في اللباس، مع أن سحنون اختار نفي الضمان واحتج بمسألة الفسطاط.
والثالث: ظاهر التصور.
وَأَمَّا الصَّانِعُ كَالْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ فَضَامِنٌ، وَحُكْمُهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃؛ عَمِلَ فِي بَيْتِهِ أَوْ حَانُوتِهِ، بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، إِذّا انْتَصَبَ لِلصَّنْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ رَبِّ السِّلْعةِ وَلَمْ يَكُنْ مُلازِمَهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا- فَأَمِينٌ
لما قدم المصنف أن الأجير أمين استثنى الصانع ولهذا أتى بـ (أَمَّا) المقتضية للتفصيل وأشار بـ (الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ) إلى أنه لا فرق في الصانع بين أن يكون التغيير في ذات المصنوع كالخياط أو صفته كالصباغ، ولما كان تضمينهم على خلاف الأصل أشار المصنف إلى الاستدلال عليه بالمنقول عن الخلفاء.
قال في المدونة وغيرها: وقد قضى الخلفاء بالتضمين وظاهر هذا أن عثمان ﵁ منهم، وعلى هذا فسكوت المصنف عنه ليس بظاهر، ثم حكم الخلفاء مستلزم للإجماع؛ إذ لم ينكر حكمهم.
وقد نقل عبد الوهاب وغيره في المسألة الإجماع ولا يقال: قد نقل عن علي ﵁ خلاف ذلك؛ لأن صاحب المقدمات لم يُثبِت ذلك عنه، وضمير (حُكْمُهَا) عائد على المسألة،
[ ٧ / ٢١٧ ]
وفي بعض النسخ (حُكْمُهُمَا) بالتثنية وليست بشيء لعودها على الخياط والصباغ، والنقل عن الخلفاء غير مخصوص، ووجه تضمينهم من جهة المعنى ما قاله عبد الوهاب وغيره.
ثم نظرنا فرأينا: من قبض مالًا على المنفعة لربه فقط كالوديعة يكون ضمانه من ربه، وإن كان لمنفعة الأخذ كالمسلف يكون ضمانه من آخذه، فجعلنا المشترك بينهما كالرهن والعارية على هذا التفصيل لقوة التهمة فيما يغاب عليه، وأيضًا فإنهم لم يؤتمنوا وإنما الضرورة دعت الناس إلى الدفع إليهم، ولهذا قال علي ﵁: لا يصلح للناس إلا ذلك. فكان من المصلحة العامة تضمينهم ترجيحًا للمصلحة العامة.
وذكر أبو المعالي أن مالكًا كثيرًا ما يبني مذهبه على المصالح، وقد قال أنه يقتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين.
المازري: وهذا الذي حكاه أبو المعالي صحيح.
وقوله: (بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) ظاهر، ولو قيل بعدم الضمان إذا كان بغير أجر ما بعد؛ لما تقدم أن عبد الوهاب وغيره نصوا على أن القابض لمنفعة ربه فقط لا يكون عليه ضمان. وقوله: (بِصُنْعِهِ) كما لو ادعى أن سارقًا سرقه.
ابن رشد: الضمان بسبب الصنعة إنما هو إذا لم يكن فيها تغيير، وأما إذا كان فيها تغيير كثقبل اللؤلؤة ونقش الفصوص وتقويم السيوف وإحراق الخبز عند الفران والغزل في قدر الصباغ، فلا، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها وأخذها على غير وجه مأخذها، ونحوه لابن المواز.
وقوله: (إِذّا انْتَصَبَ لِلصَّنْعَةِ) شرط في الضمان ثلاثة شروط أو شرطًا مركبًا من ثلاثة أجزاء:
الأول: أن ينصِّب نفسه للصنعة بخلاف الأجير الخاص للرجل والجماعة دون غيرهم، والصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه للصنعة فلا ضمان على هؤلاء؛ لأن التضمين إنما كنا للمصلحة العامة وقيده بعضهم إذا عمله بغير أجر وإلا فيضمن.
[ ٧ / ٢١٨ ]
ابن يونس: وحكى هذا القائل أنه منصوص للمتقدمين، وقد نقل عبد الحق وغيره عن القرويين القولين؛ أعني: هل الضمان على من لم ينصب نفسه للصنعة مطلقًا أو بشرط أن لا يأخذ أجرة؟ ونقل بعضهم الاتفاق على الثاني.
المازري: واختلف إذا كان هذا الصانع الذي لم ينصب نفسه عمل بغير أجر؛ فقال عيسى: لا ضمان عليه، وقيل: يضمن، والصواب أنه يضمن وهي رواية رأيتها للمتقدمين.
الشرط الثاني: أن لا يكون في بيت رب السلعة، وإلا فلا ضمان عليه جلس معه أم لا بأجر أم لا.
ابن حبيب: لأنه هنا أجير خاص.
الشرط الثالث: أن لا يكون رب السلعة ملازمه، وإلا فلا ضمان عليه؛ لأنه بحضوره معه يشبه الصانع الخاص.
وقد حكى اللخمي في هذا خلافًا فقال: اختلف إذا عمله الصانع في حانوته بحضرة صاحبه، فقال محمد: القول قول الصانع في تلفه، وفي الواضحة في مثل ذلك: أنه ضامن، وليس بحسن.
ونوزع اللخمي فيما ذكره عن الواضحة؛ لأن الذي فيها وفي العتبية: إذا جاءه بثوب يكمده له فكمده مع رب الثوب فأصابه خرق، فإن كان مِن فعل ربه لم يضمن وإن كان من فعل الكمَّاد فهو ضامن، وإن جهل بينهما يكون على الكماد نصف ما نقصه، وإن انفرد الصانع بالكمد فعليه الضمان وإن لم يفرط، فقيل: إنما ضمانه هنا بالفساد وتلف مال الغير الذي يستوي في ضمانه العمد والخطأ فلا يكون الصباغ كذلك.
ابن رشد: وقوله: (وَإِنْ جَهِلَ) معناه: أنهما [٦٢٦/أ] قالا: لا ندري مِن عمل من هو، وأما إن ادعى كل واحد منهما على صاحبه فالحكم أن يحلفا، فإن حلفا أو نكلا ضمن الصانع
[ ٧ / ٢١٩ ]
النصف، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عمل على قول الحالف. قال: ولابن دحون أن ضمان الكماد بحضرة رب الثوب على ما قال ابن القاسم ولا يستقيم.
قال: وإذا حضر عمل متاعه أينما كان فلا ضمان على الصانع، وإن كان العمل في موضع الصانع.
ابن رشد: وقاسه على حامل الطعام وما أصاب؛ لأن حامل الطعام ضمن للتهمة، فحضور ربه معه رافع لها، وإفساد الثوب قد علم أنه من الكماد.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ مُلازِمَهُ) يريد الإفساد مسألة الكماد، وانظر هل يأتي على ما تقدم لأشهب من الضمان مع البينة الضمان هنا، لأن التهمة فيهما منتفية، فإذا ضمنه في إحداهما فكذلك في الأخرى أولى؛ لأن التلف في مسألة الحضور مقطوع به، بخلافه في البينة فإنه مظنون وتردد في ذلك بعض الأشياخ
وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) إما كون الصانع في بيت رب السلعة، وإما ملازمة ربها.
(فَأَمِينٌ) أي: فالصانع أمين ولا ضمان عليه.
و(كَانَ) تامة، وفي كلامه حذف مضاف تقديره: فإن حصل نقيض أحد الأمرين- بحصول أحدهما، فإن لم يكن في بيت ربها أو لم يكن ربها ملازمًا له- مقتضي للضمان، وفي بعض النسخ: (أحدها) فيعود على الثلاثة.
وَالْوَاجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ دَفْعِهِ
لما ذكر الضمان وشرطه تكلم على زمانه. تصور كلامه ظاهر.
قال في المدونة والواضحة: وليس لربه أن يقول أؤدي الأجرة وآخذ قيمته معمولًا.
[ ٧ / ٢٢٠ ]
قال في المقدمات: إلا أني قول الصانع أنه تلف بعد العمل، فيكون لربه أن يؤدي إليه أجرة عمله ويضمنه قيمته معمولًا.
قال: وهذا على القول: إن البينة إذا قامت على تلفه معمولًا أنه يلزمه أداء الأجرة وتكون مصيبته منه، وهذا أحد قولي ابن القاسم في الموازية.
وخرج جماعة قولًا بلزوم القيمة لآخر يوم رئي عنده على القول به في الرهن، واختلف في الخياط يقطع الثوب ثم يغيب عليه، ففي الموازية: عليه قيمته صحيحًا قبل قطعه، ولو كانت شقة فقطع منها ثوبين وادعى ضياع أحدهما كان عليه نصف الشقة صحيحة لا قيمة نصف صحيح.
وقال ابن القاسم في مختصر ما ليس في الختصر: يغرم قيمته مقطوعًا.
اللخمي: ويختلف على هذا إذا أفسد الخياط بالخياطة أو القطع، فعلى ما في المدونة: يغرم قيمته صحيحًا في الوجهين، وقال ابن شعبان: إن كان الفساد في القطع غرم قيمته صحيحًا، وإن كان في الخياطة غرم قيمته مقطوعًا.
اللخمي: وهو فقه حسن؛ يعني: فيغرم قيمته على الوجه الذي أفسده عليه.
قال في المدونة: وإذا فرغ الخياط أو الصانع من عمل ما في يده، ثم دعا صاحب المتاع، فقال: خذ متاعك، فلم يأتِ حتى ضاع المتاع عند الصانع، هو ضامن على حاله.
اللخمي: يريد أنه لم يحضره، ولو كان أحضره ورآه صاحبه مصنوعًا على صفة ما شارطه عليه وكان قد دفع الأجرة ثم تركه عنده فادعى ضياعه لصدق؛ لأنه خارج عن حكم الإجارة إلى حكم الإيداع، ونص أبو الحسن على أنه وفاق للمذهب.
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَفِي سُقُوطِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
أي: فإن قامت بينة على تلفه عند الصانع من غير صنعة، ففي سقوط الضمان على الصانع قولان:
[ ٧ / ٢٢١ ]
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: السقوط، ومقابله لأشهب بناءً على أن الضمان للتهمة وهي زالت بقيام البينة أو بالأصالة.
فرع:
قال في المدونة: ويضمن القصار قرض الفأر؛ إذ لا يعرف ولو علم أن الفأر قرضه من غير تضييع وقامت بذلك بينة لم يضمن.
محمد: إذا لم يضيع.
وقال ابن حبيب: إذا ثبت بالبينة أن الذي أصاب الثوب قرض فأر أو لحس سوس وهو بيد صانع أو مرتهن لم يضمن، ولو قال رب الثوب: إنهما ضيعا، وأنكرا ذلك صُدِّقا، فعلى رب الثوب البينة أنهما ضيَّعا؛ لأن قرض الفأر والسوس أمر غالب والتعدي لا يلزم بالدعوى.
ابن يونس: وظاهر المدونة أن عليه البينة أنه ما ضيع؛ لأن الثوب بيده على الضمان فلا يخرجه إلا البينة، وقد تقدم الكلام على إحراقه أو إحراق بعضه إذا احترق منزله في الرهن.
وَعَلَى سُقُوطِهِ: فَفِي سُقُوطِ الأُجْرَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ
يعني: ويتفرع على سقوط الضمان إذا قامت البينة بهلاكه مصنوعًا في سقوط الأجرة قولان؛ فابن القاسم يسقطها ومحمد لا يسقطها، وحكاية المصنف الخلاف في الأجرة يستلزم أن تكون البينة قامت على هلاكه مصنوعًا كما قلنا؛ إذ هو المحل الذي يسقط ضمان الصانع، والنقل أيضًا كذلك فرأى ابن القاسم أن الصانع لم يسلم الصنعة لرب السلعة، ولا يستحسن الأجرة إلا بالتسليم.
ورأى محمد أن وضع الصنعة في السلعة كوضعها في يده.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وزاد في البيان ثالثًا: بالفرق بين قيام بينة وعدمه، ورابعًا: أن عليه الأجرة، سواء قامت بينة على ضياعها قبل العمل أو لا، ويؤدي قيمته معمولًا؛ أخذه من قول ابن القاسم في العتبية: إذا نقص الدقيق فعلى الطحان ضمان ما ينقص مثل قيمته من الدقيق.
ابن رشد: وهو خلاف مذهبه في المدونة ولا يجوز على مذهبه فيها أن يأخذ ما نقصه من الدقيق لما يدخله من التفاضل بين القمح والدقيق؛ إذ الواجب عليه ما نقصه من القمح فإن كان القمح مثلًا ثمانية أقفزة ويزيد بالطحن قفيزًا، فلم يجد إلا ثمانية فعليه ثمانية أتساع قفيز من قمح وعليه طحنه ويأخذ جميع أجرته، وإن لم يطحنه أنقصه تسع الأجرة فلو أخذ منه على هذا دقيقًا لكان قد ابتاع منه قفيز دقيق بثمانية أتساع قفيز من قمح وبتسع الأجرة فيدخله التفاضل.
وَلَوْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ فَفِي انْتِفَاعِهِ بِهِ رِوَايَتَانِ
ضمير (شَرَطَ) عائد على الصانع، وضمير (انْتِفَاعِهِ) عائد على الضمان، وفي بعض النسخ (وفي انتفائه) فيعود الضمير على الصانع.
(رِوَايَتَانِ) روى ابن القاسم أنه لا ينفعه شرطه وبما قال قال في الجواهر.
وروى أشهب أنه ينفعه ولم يذكر صاحب النوادر والباجي وصاحب المقدمات ذلك على أن أشهب رواه، بل على أنه قاله.
نعم، تقدم في الرهن أن أشهب روى عدم الانتفاع بالشرط فيه والباب واحد ورأيت للخمي وغيره أن هذا الخلاف إنما هو في الصانع الواحد، وأما لو اشترط الصناع كلهم نفي الضمان فيتفق على أنهم لا يوفى لهم بذلك؛ لأن في الوفاء لهم عدم ما تقدم من الدليل.
واعلم أن بعض شيوخنا قال لمن اشترط نقل الضمان من محل إلى محل غيره: فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون المحل استقر فيه الضمان لم يختلف فيه أحد من العلماء أنه
[ ٧ / ٢٢٣ ]
محل له فهذا لا يجوز نقله بلا خلاف، أو يكون فيه خلاف في المذهب كالغائب والمحبوسة بالثمن فهذا لا خلاف في جواز نقل الضمان من أحد المحلين إلى الآخر.
وإما أن يكون متفقًا عليه في المذهب، وفيه خلاف خارجي كالصناع فهذا وشبهه فيه قولان، وعلى هذا فلا يعد أن يختلف في المسألة وإن اشترط الصناع كلهم نفي الضمان، فانظره.
أَمَّا لَوْ بَاعَهُ دَقِيقَ حِنْطَةٍ عَلَى الْكَيْلِ وَعَلَيْهِ طَحْنُهَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ
(فَالضَّمَانُ) أي: على البائع وإن قامت البينة على التلف اتفاقًا، وحاصله: أن ما تقدم من سقوط الضمان إذا قامت البينة على الهلاك إنما هو فيما ليس فيه حق توفية بعد الصنعة وأما ما فيه ذلك فيتفق على أن الضمان منه، ولهذا أتى بـ (أَمَّا) المشعرة بالتفصيل.
ابن عبد السلام: وهذه المسألة إذن لا إشكال فيها وإنما كان ينبغي أن يذكر إذا باع حنطة على أن البائع طحنها، فهذا إذا قلنا بالجواز يمكن أن يقال أنه بيع وإجارة، وهل يضمنه مطلقًا أو يفرق فيه؟ وإن ضاع ببينة سقط الضمان، وإن كان بغير بينة وجب الضمان والمنصوص وجوب الضمان من البائع فهذا هو محل الإشكال والتنصيص عليه أولى.
وَأَمَّا غَيْرُ مَحَلِّهَا بِالْحَاجَةِ كَالْكِتَابِ لْلنَّسْخِ، وَالْجَفْنِ يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ، وَظَرْفِ الْقَمْحِ- فَقَوْلانِ
ضمير (مَحَلِّهَا) عائد على الصنعة والباء سببية؛ أي بسبب الحاجة، واحترز به مما لا يحتاج الصانع إليه في عمله كدفع زَوْجَي خُفٍّ ليعمل في أحدهما فإنه اتفق على أنه لا يضمن إلا المصنوع.
قال في البيان: اختلف في صفة تقويم المضمون فقيل: يقوم وحده، وقيل: يقومان جميعًا، ثم يقوم الثاني وحده فيغرم ما بين القيمتين ومنشأ القولين اللذين ذكرهما المصنف: هل الحاجة إليه تصيره كالمصنوع أو لا؟
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وحكى في البيان ثلاثة أقوال:
الأول: لا يضمن إلا ما فيه عمل وإن كان يحتاج إليه الصانع والمصنوع، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يضمنه فيهما، وهو قول ابن حبيب.
والثالث: أنه لا يضمن ما ليس فيه عمل وإن احتاج إليه الشيء المعمول، إلا أن يحتاج إليه في عمله، وهو قول مالك في سماع أحمد بن خالد، وقول ابن المواز.
وقول المصنف: (يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ) قيد الصياغة بأن تكون على النصل، فإنها لو كانت على الجفن لكان محلًاّ للصنعة فكان الصانع يضمنه ولا يأتي هذا الاختلاف فيه.
وَالأُجَرَاءُ وَالصُّنَّاعُ تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ أُمَنَاءُ لَهُ
يعني: إذا كان للأجير أجراء أو صناع تحت يده فتلف بأيديهم شيء بغير تعدٍّ فلا ضمان عليهم؛ لأنهم صناع له خاصة. واحترز بقوله: (تَحْتَ يَدِهِ) مما لو غابوا على السلع فإنهم يضمنون.
فقد نص أشهب في العتبية والموازية: أنه لو أكثر الثياب على الغسال، فآجر آخر يبعثه بها إلى البحر فادعى تلفها أنه ضامن.
ابن ميسر: وذلك إذا آجره على غسل أثواب فقاطعه؛ أي كل ثوب بكذا، وأما إن كان في إجارته يومًا أو شهرًا فدفع إليه شيئًا يعمله في داره وغاب عليه فلا ضمان عليه.
ابن يونس: وإنما يضمن أجير الصناع هنا؛ لأنه كصانع دفع إلى صانع ما استُعمل عليه. وفي الموازية في الخياط يدفع إلى الصبيان المتاع يمضون به إلى ديارهم ليتموها بالليل فيدعون الضياع أنهم لا ضياع عليهم.
ابن ميسر: معنى ذلك أنهم عملوا جلها في الدكان بحضرة الصانع وبقي اليسير فانسحب عليهم حكم الأكثر في نفي الضمان.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
قال في الموازية والعتبية: وإذا دفع ربُّ الثوب إلى الصانع إجارته فلم يدفع الصانع الأول للثاني إجارته فلرب الثوب قبض الثوب من الثاني بغير إجارة، ويتبع الثاني الأول إذا ثبت دفع رب الثوب إليه.
بعض القرويين: والأشبه في القياس ألا يأخذ رب الثوب ثوبه من الثاني إلا أن يدفع إليه إجارته؛ لأنه ليس مستحقًا لعين الصنعة فيأخذها بغير شيء.
ابن ميسر: وإن لم تقم بينة أنه دفع الأجرة للأول فليحلف الثاني أنه ما قبض أجرته ويكون على ربها الأقل من أجرة مثله أو من [٦٢٧/أ] إجارة الأول، فيتبع هذا الهارب ببينة أجرته.
قال في الموازية: ثم إن قدم الأول فأقر بقبض أجرته فليرجع الغارم على الثاني بما قبض منه.
الشيخ أبو محمد: وهذا غير مستقيم ولا تقبل دعوى القادم على المقيم إذا كان القادم عديمًا.
ابن رشد: وقول الشيخ صحيح، ولم ينص ابن المواز على أنه يرجع على الثاني لإقرار القادم إن كان عديمًا فينبغي أنيحمل قوله على ما يصح إذا كان مليئًا، قال: وقول محمد: "يحلف الثاني ويأخذ الأقل" صحيح، وكذلك لو أقر صاحب المتاع أنه لم يدفع إلى الأول شيئًا، قال: وهذا إذا علم بما استؤجر له أو أقر بذلك الثاني، وأما إن لم يكن كذلك فلا سبيل إلى أخذ المتاع إلا بعد أن يدفع إليه جميع إجارته إن علمت وإن لم تعلم فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن القول قوله في مبلغها مع يمنيه إذا أتى بما يشبه وإن لم يأت بما يشبه لم يصدقه وله أجرة المثل.
والثاني: أنه لا يكون له إلا أجرة المثل وإن أشبه ما ادعاه.
وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم، قال: وإنما وجب أن يكون للثاني الأقل على صاحب المتاع؛ لأنه غريم غريمه، لا من أجل أن السلعة رهن له؛ إذ ليست برهن فلا
[ ٧ / ٢٢٦ ]
يكون له إمساكها ولا يكون أحق بها من صاحبها إن أفلس عند ابن القاسم، ولذلك لا يكون القول قوله إن ادعى أكثر من إجارة مثله.
قال: وإنما وجب أن يكون لصاحب المتاع أخذه معمولًا، بل يغرم الثاني إذا كان دفع للأول؛ لأن العمل على الأول مضمون، ولو كانت الإجارة على عمل الأول بعينه لما وجب لصاحب المتاع. ولو كان قد دفع الأجر للأول إلا أن يعلم الثاني بتعدي الأول. قال: وهو الذي يأتي على أصولهم ولا أعلم فيها نصًا.
وَأَمَّا أَجِيرُ حَمْلٍ- غَيْرِ الطَّعَامِ- فَإِنْ غَرَّ فِيهِ أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ، وَإِلا فَلا
لمَّا فرغ من الصانع شرع في أجير الحمل وغيره، وما ذكره نحوه في المدونة، ففيها: وإن قال المكتري في حمل عرض أنه إن هلك أو سرق أو عثرت الدابة فانكسرت به القوارير فذهب الدهن صُدِّق، إلا أن يغر من عثار أو ضعف حبل فيضمن حينئذٍ.
وقوله: (غَرّ) صَادَق على الغرور بالقول والفعل.
اللخمي: فإن كان بفعل ضمن، وإن كان بقول ففيه قولان: هل يضمن أم لا؟
اللخمي: فإن عرف الحمال ضعف الحبل وربطه فهو غرور بفعل، وإن سمى الحبل للمكتري فربطه وكان المكتري هو الذي سيرها فهو غرور بقول.
وعلى الضمان فقال ابن حبيب: يلزمه المثل أو القيمة بموضع هلك، وله من الكراء بحساب ما سار.
ابن يونس: وهو قول ابن القاسم وعلى قول غيره يخير في أن يضمنه قيمته يوم تعدى؛ أو يوم هلك، وحمل اللخمي قول ابن القاسم على معنى قول الغير؛ لأنه قال: وقال ابن القاسم فيمن حمل دهنًا من مصر إلى فلسطين وانكسر بالعريش وكان قد غر من الدواب أن عليه قيمته بالعريش؛ لأنه قال: قيمته بالعريش ضعف قيمته بالفسطاط والإنسان لا يختار إلا الأكثر.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وَفِي حَمْلِ الطَّعَامِ يَضْمَنُ مُطْلَقًا إِلا بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ، وَقَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
قوله: (مُطْلَقًا) أي: لا فرق في الأقوات والإدام، بل يضمن جميعها على المشهور لسرعة الأيدي إليه خلافًا لابن حبيب كما سيأتي، ويحتمل أن يريد بالإطلاق سواء فرط أم لا؛ يعني: ولا تفصيل فيه كما في غير الطعام، وظاهر قوله: (يَضْمَنُ مُطْلَقًا) لأنه لا فرق في ذلك بين السفر والحضر.
اللخمي: وهو المعروف، وقول ابن كنانة: لا ضمان عليه في المدينة؛ لأنه في المدينة قادر على أن يصحبه من غير ضرورة.
(إِلا بِبَيِّنَةٍ) أي: فإن الضمان يسقط بها.
وقوله: (أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ) ثبت في بعض النسخ وسقط من بعضها؛ لأنه يؤخذ الحكم فيه من باب مفهوم الموافقة، فإن هلاكه بحضرة صاحبه أقوى في البراءة من هلاكه بحضرة البينة.
وحكى اللخمي الخلاف في الضمان إذا حمله في البحر ولو صحبه ربه فقال: واختلف إذا حمله في السفر ببحر وصاحبه معه أو لم يكن معه صاحبه، وليس الطعام مما تدعو الحاجة إليه في الغالب.
فالمعروف من المذهب أنه غير مصدق إذا غاب عليه وإذا حمله في البلد، خلافًا لابن كنانة قال: وإن صحبه في البحر ثم نقص أو ذهب بعضه، صدق عند مالك، وفي أكرية السفن أنه غير مصدق.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: إلا أن تلجئ قومًا ضرورة إلى من يخاف على الطعام معه فيستأجروه تقاية لشره وليدفع شر قوم آخرين فيضمن، أو تعلن منه الجناية فيضمن.
اللخمي: وأرى أن يضمن الذي يحمل القمح والشعير والقطاني وما أشبه ذلك وإ، صحبه ربه إذا نقص؛ لأنه قد علم منه السرقة، ونص قول ابن حبيب: وإنما يضمنون من الطعام
[ ٧ / ٢٢٨ ]
الإدام ما كان قوتًا خاصة فمن ذلك القمح والشعير والدقيق والسلت والذرة والدخن والعلس والكرسنة، وليس الأرز من ذلك لأنه مما يتفكه به.
أبو محمد: لعل هذا في غير بلد الأرز وإلا فبعض البلدان هو جل قوتهم.
قال: يضمن الفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان، ولا يضمون الترمس؛ لأنه متفكه، ولا يضمنون من الإدام إلا الزيت والعسل والخل والسمن، وأما الرُّب والأشربة الحلال والجبن واللبن والزبد وسائر اللحم والأبزار فلا يضمنونه، ولا يضمنون من خضر الفواكه ورطبها ويابسها إلا التمر والزبيب والزيتون، ويضمنون الملح، ولا يضنمون شيئًا من الأدهان وكل ما لا يضمنوه فهم [٦٢٧/ب] مصدقون في تلفه كالعروض. وأنكر هذا التفصيل جماعة.
ابن يونس: وهو استحسان قوله (وَقَالَ بِهِ)؛ أي بالضمان في الطعام (الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ).
زاد ابن شاس وربيعة: وذلك لمصلحة العامة لاحتياج الناس إلى حمله وسرعة يد الحامل إليه، فيضمنون كالصناع.
تنبيه:
قوله: (أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ) لا يشترط دوام الصحبة فقد قال أصبغ في الموازية: إذا فارق رب الطعام حامله في بعض الطريق لم يضمن.
وعلله محمد بأن أصل حمله لم يكن على التسليم.
ونقل ابن يونس عن بعضهم أنه فصَّل فقال: إن فارقه على أن يعود فكذلك، وإن كان على أن لا يعود فعليه الضمان.
وَأَمَّا أَجِيرُ الْحِرَاسَةِ فَلا يَضْمَنُ شَيْئًا
أي: ولو كان طعامًا أو مما يغاب عليه هكذا نص عليه ابن المواز وغيره.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
ابن المواز: وكذلك لا ضمان عليه إذا أعطاه طعامًا يبيعه فيضيع أو يضيع ثمنه، إلا أن هذا لا أجر له ولا ضمان عليه.
قال: وإن استؤجر ليحرس بيتًا فينام فيسرق ما فيه، فلا يضمن وإن غاب عليه، وله جميع الأجرة وكذلك حارس النخل.
وقال مالك في العتبية فيمن بعثت معها بخادم يبلغها موضع كذا بأجر مسمى فنام في الطريق فأبقت أو ماتت، فإن أبقت حوسب، وإن ماتت فله الأجرة كلها، وقال ابن القاسم: الموت والإباق واحد وله الأجرة كلها، ويستعمل في مثل ذلك حتى يتم أو يبلغ.
وقال ابن وهب: له من الإجارة حيث بلغ فقط.
فرع:
واختلف قول مالك في ضمان السماسرة.
ابن رشد: والذي أفتى به على طريق الاستحسان مراعاة للخلاف تضمينهم، إلا أن يكونوا مشهورين بالخير.
ابن راشد: ورأيت بعض قضاة الإسكندرية ضمن السماسرة، وكأنه ذهب إلى أن ذلك من مصالح الناس العامة لفساد الزمان.
وَالْحَمَّامِيُّ أَمِينٌ عَلَى الثِّيَابِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ
(الْحَمَّامِيُّ): مكتري الحمام.
ابن راشد: والأول قوله في المدونة، والثاني قوله في الموازية: يضمن إلا أن يأتي بحارس؛ ونحوه في العتبية؛ لأن فيها: وقد أشرت على صاحب السوق أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتوا بمن يحرسها.
ابن يونس: ورأيت في بعض الحواشي عن ابن عبد الحكم مثله، وزاد: وألا ضمان على من يحرسها.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
وأما حارس الثياب ففي البيان: إن أكراه صاحب الحمام بأجرة في ذمته فلا خلاف في نفي الضمان إلا أن يضيع أو يفرط، وإن كان بأجرة يأخذها من الناس، فقال مالك: لا ضمان عليه.
ابن لبابة: وما سواه خطأ، وضمنه ابن حبيب، واختار اللخمي نفي الضمان عن الحمامي والحارس ولو دفع له أجرة؛ لأنه حينئذٍ كالمودع يدفع له أجرة على أمانته.
ابن القاسم: ولو قال الحارس: جاءني إنسان فشبهته بك فدفعت إليه الثياب، ضمن.
اللخمي: وكذلك يضمن إن رأى إنسانًا يأخذ ثيابك فيتركه ظنًا منه أنه أنت.
وَكُلُّ مَنْ أَوْصَلَ نَفْعًا عَنْ عَمَل أَوْ مَالٍ بِأَمْرِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مِمَّا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ بِغُرْمٍ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَمَلِ وَمِثْلُ الْمَالِ، بِخِلافِ عَمَلٍ يَلِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ أَوْ مَالٍ يَسْقُطُ مِثْلُهُ عَنْهُ ..
(أَوْصَلَ) يريد: ولو بغير قصد، كما قالوا في من حرث أرض غيره ظانًّا أنها أرضه. وقوله: (عَنْ عَمَل أَوْ مَالٍ) تبيين للنفع؛ مثال العمل: لو حرث لرجل كرمه أو سقى حرثه أو أرضه أو حصد زرعه أو قطع ثوبه وخاطه أو طحن قمحه بغير أمره، ومثال المال: لو أنفق على زوجته أو ولده أو عبده، وسواء كان ذلك (بِأَمْرِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ) بشرط أن يكون ذلك الواصل مما لابد منه للمنتفع به.
وقوله: (بِغُرْمٍ) شرط فيما يرجع به، واحترز به من أن يعمل له عملًا لا يحتاج إليه أو يتولاه صاحبه بنفسه، فلا غرم، أو ينفق على من لا يلزمه الإنفاق عليه، أو ينفق أكثر من القدر المحتاج إليه.
المازري: ولا خلاف فيه إذا كان ربه ممن يتولاه بنفسه، وإلا فقد ذكروا خلافًا فيمن خاط ثوب غيره بغير إذنه.
[ ٧ / ٢٣١ ]
فقال سحنون: يأخذه ربه ولا شيء عليه لخياطة هذا الفضولي.
وقيل: لا يأخذه حتى يغرم لهذا الأقل من قيمة خياطته أو ما يخيط به هو.
وقوله: (فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَمَلِ) أي: قيمة المنفعة، ومثال المال هو ظاهر إن كان من ذوات الأمثال.
ابن عبد السلام: وإن كان من ذوات القيم، فيحتمل أن يقال عليه القيمة.
وقوله: (بِخِلافِ عَمَلٍ يَلِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ) راجع إلى قوله: (بِغُرْمٍ) أي: بخلاف ما إذا كان المنتفع لا يغرم عليه شيئًا، بل يليه بنفسه أو بعبده، فإنه لا يغرم على ذلك شيئًا.
مسألة:
قوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] إلى قوله: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] دليل على جواز الغرم على القبيلة في دفع ضرر يعمهم واستخدامهم في ذلك، وكذلك مصالحهم أجمع.
التَّنَازُعُ: لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: سُرِقَ، وَقَالَ: اسْتَصْنَعْتَنِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَالَفَانِ وَيُقَالُ لِلْمَاِلكِ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْعَمَلِ، فَإِنْ أَبَي قِيلَ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْمَتَاعِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ بِالْقِيمَةِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَامِلُ مُدَّعٍ
لما فرغ من أركان الإجارة وأحكامها شرع في الاختلاف، وتصور المسألة من كلامه ظاهر فرأى ابن القاسم في المدونة: ألا مزية لأحدهما على الآخر، فأوجب التحالف؛ لأن كل واحد مدعٍّ على صاحبه، ورأى غيره أن صاحب المال أقوى؛ لأن المال ماله والأصل عدم الغرم.
قال في المدونة في قول الغير: ولا يكونان شريكين.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
صاحب النكت: وعلى قول الغير يحلف رب الثوب أنه ما دفعه إليه ثم يلزم الصانع غرم قيمة الثوب جبرًا على ما أحب أو كره.
واعلم أن صاحب النكت والتونسي واللخمي قيدوا [٦٢٨/أ] قول ابن القاسم بما إذا أراد رب المال تضمين الصانع ولم يرد أخذ ثوبه؛ لأنهم قالوا: إن قال رب الثوب: أريد أن أضمن الصانع فإن أطاع الصانع فدفع قيمة الثوب أبيض فلا يمين على واحد منهما، وإن أبى عن ذلك تحالفًا على ما سيأتي، وأما إن اختار رب الثوب أخذه ويعطي قيمة الصبغ، فإنك تنظر فإنْ كانت قيمة الصبغ مثل ما ادعى الصانع، أو كان ما ادعى أقل أدى ذلك رب الثوب ولا يمين عليه، وإن كانت قيمة الصبغ أقل مما ادعى الصانع حلف رب الثوب ما دفعه إليه وأدى قيمة الصبغ.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَالَفَانِ) الشيخ أبو محمد وغيره: ويحلف رب الثوب أولًا أنه ما استعمله ثم يقال للصانع: ادفع إليه قيمة ثوبه وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف قيل لربه: ادفع إليه قيمة عمله وحده.
وهذا معنى قوله: (وَيُقَالُ لِلْمَاِلكِ: ادْفَعْ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْعَمَلِ) وبقية قول ابن القاسم من كلام المصنف ظاهرة.
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: أَوْدَعْتُكَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ وَإِلا ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ لا يَشْهَدُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَامِلُ مُدَّعٍ
يعني: وقال الصانع: بل استصنعتني، فرأى ابن القاسم أن الصانع لما كان جلوسه للصنعة كان القول قوله؛ لأنه أتى بما يشبه، والفرق على قول ابن القاسم بين هذه والتي قبلها أن المالك هنا معترف بأنه أذن في وضع يد الصانع ورأى أن الصانع مدعٍّ؛ لأنه ادعى ملك شيء متصل بملك غيره وأنه باعه من رب الثوب فعليه البينة، وقاله ابن حبيب
[ ٧ / ٢٣٣ ]
وزاد: وكذلك لو قال ربه: سرق مني، ويحلف ويأخذ ثوبه مصبوغًا أو مغسولًا بغير غرم إلا أن ينقصه الصبغ أو يفسده، فربه مخير في أخذه أو تركه وأخذ قيمته، وإن زاده الصبغ فله أخذه بلا غرم هكذا ذكر ابن يونس.
وذكر في البيان أنه اختلف في تفسير قول الغير، فقيل: كما ذكره ابن يونس، وقيل: إنه مدعٍّ في الأجرة فإن ادعى أكثر من أجرة المثل وحلف على ما ادعى عليه لم يستحق بيمينه ما حلف عليه، ويحلف رب الثوب على ما ادعى فيسقط عنه بيمينه ما زاد على أجرة المثل، وإن نكل عن اليمين أخذ العامل ما حلف عليه، وإن نكل العامل عن اليمين وحلف رب الثوب أخذ ثوبه مصبوغًا ولا شيء عليه.
ونحوه لصاحب النكت وزاد: وليس له أن يضمنه؛ لأنه أقر بوضع يده عليه بخلاف قوله: سرق مني.
وَلَوْ صَاغَ سِوَارَيْنِ فَقَالَ: أَمَرْتُكَ بِخَلْخَالَيْنِ، صُدِّقَ الصَّانِعُ
الخلخالين بفتح الخاء: الجوهري: وخلخل لغة فيه.
(صُدِّقَ الصَّانِعُ) يعني: مع يمينه وكلام المصنف وهو ظاهر الدونة أنَّ الصانع إذا حلف أخذ المسمى.
وقال سحنون في رواية أخرى: القول قول الصنَّاع مع أيمانهم ولهم الأقل من أجرة مثلهم أو مما سموا.
اللخمي: وعلى مذهب سحنون يكون القول قول صاحب الفضة، أنه لم يستأجره ليعمله، والقول قول الصانع أنه لم يتعدَّ، ويكونان شريكين؛ هذا له قدر الفضة والآخر له قدر الصنعة، إلا أن يحب صاحب الفضة أن يعطيه إجارة المثل إذا كانت أقل.
[ ٧ / ٢٣٤ ]
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ بِثَلاثَةٍ وَالصَّانِعُ بِأَرْبَعَةٍ صُدِّقَ الصَّانِعُ فِيمَا يُشْبِهُ بِخِلافِ الْبِنَاءِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ حَائِزٍ لِذَلِكَ
يعني: وإن اختلفا في قدر الأجرة، فإن كان المصنوع تحت يد الصانع صدق الصانع مع يمينه إذا ادعى ما يشبه لبقاء شبهه تحت يده، فكان بمنزلة من باع سلعة ولم يخرجها فالقول قوله.
وإن لم يأتِ بما يشبه حلف المالك إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه فللصانع أجرة مثله، وإن لم يكن المصنوع تحت يده فالقول قول المالك كالبناء؛ لأنه لم يبق المصنوع بيده بل لم يكن بيده أصلًا وهو تحت يد مشتري الصنعة وقد فات، فلذلك كان القول قول المشتري.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ- قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ- وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ
(الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) لأن الصانع اعترف بقبضه وادَّعى رده، وسواء كان قبضه الصانع ببينة أو بغير بينة، وكذلك الرهن والعارية والمبيع على خيار فيما يغاب عليه؛ لأن هذه كلها مقبوضة على الضمان، ورأى ابن الماجشون أن المصنوع كالوديعة والقراض.
***
[ ٧ / ٢٣٥ ]
الْجِعَالَةُ أَرْكَانٌ
هي الإجارة على عمل مجهول النهاية. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وحديث الرُّقية.
وقوله: (أَرْكَانٌ) أي: لها أركان:
العَاقِدَانِ: أَهْلِيَّةُ الاسْتِئْجَارِ، وَالْعَمَلُ
أي: الأول (العَاقِدَانِ) و(أَهْلِيَّةُ) خبر ابتداء محذوف؛ أي: شرطها أهلية الاستئجار، (وَالْعَمَلُ) أي: من صح له أن يجاعل ومن صح له أن يكون أجيرًا صح له أن يكون مجعولًا، فلا يصح أن يكون الذمي مجعولًا على طلب مصحف. ولم يصرح المصنف بشروط العاقدين في الإجارة وإنما أحال ذلك على البيع فقال: (الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايعَيْنِ). وعلى هذا فالأحسن أن يشبه المصنف هنا بالمتبايعين، ولعله أحال على الإجارة لينبه على أن الإجارة أصل وأن الجعالة مستثناة من الممنوع للضرورة.
وَلا يُشْتَرَطُ فِي الْمَجْعُولِ لَهُ التَّعْيِينُ وَلا الْعِلْمُ بِالْجِعَالَةِ فَلَوْ قَالَ: مِنْ رَدَّ عَليَّ عَبْدِيَ الآبِقَ فَلَهُ دِينَارٌ فَمَنْ أَحْضَرَهُ اسْتَحَقَّهُ؛ عَلِمَ بِالْجُعْلِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، تَكَلَّفَ طَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْ
يعني: لا يشترط في المجعول له وهو العام أن يكون معينًا بخلاف الإجارة فإنه لا يجوز أن يكون الأجير إلا معينًا، ولا يشترط في المجعول له التعيين.
وقوله: (عَلِمَ بِالْجُعْلِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بيان؛ لأنه لا يشترط علم المجعول له بالجعالة وهو قول ابن الماجشون وأصبغ وغيرهما، وذكره [٦٢٨/ب] ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قال من جاءني بعبدي الآبق فله عشرة دنانير فجاء به من سمعه فله العشرة، وسواء كان شأنه أو لا، وإن جاء من لم يسمعه لم يكن له ذلك إلا أن يكون ذلك شأنه. فاشترط ابن القاسم سماع الجعالة فيمن لم تجرِ عادته بذلك.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
قال في البيان: وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الجاعل لما أراد بقوله: من جاء بعبده فله عشرة، تحريض من سمع قوله فلا تجب إلا لمن سمع، واستحسن اللخمي قول ابن حبيب إذا قال: علمت على الجعل ولم أتطوع، إلا أنه قال: كان له الأقل من جعل مثله أو ما جعل له سيده.
وقال المازري: إن قال في ملأ من الناس: من جاء به فله عشرة، فأتى به من لم يسمع وهو ممن يطلب الإباق فله جعل مثله، وإن كان ممن لا يطلب الإباق فههنا قولان: قال ابن القاسم: يدخل في الخطاب لسماعه، وقال ابن حبيب: لا يدخل إذا كان ممن لا يطلب الإباق. انتهى باختصاره.
قوله: "وقال بعض الشيوخ" لعله اللخمي فإنه قال: من جاء به من ذلك شأنه، وقال: لم أعلم تلك التسمية لأن لي طلب مثل ذلك من غير قول السيد، وإنما أفادني قول سيده المعرفة أن قد ذهب له عبد حلف على ذلك وكان له جعل مثله إذا كان أكثر من المسمى.
وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ
يعني: وعلى المجعول له نفقة الآبق والشارد في مدة الإتيان به إلى سيده، وهذا قول ابن القاسم في العتبية. وفي الموازية: ووجهه أن الجعل إنما هو على أن يأتيه به ويوصله إليه فلا يلزم الجاعل عن الجعل.
ابن عبد السلام: وفيه نظر؛ لأن العوض جزء من المعوض وذلك بيع مقترن بالجعالة، إلا أن يقال: إن ذلك من ضروريات هذا العقد، ولا يتصور الانفكاك عنه إلا أن يجعل سلفًا من المجعول له يؤديه عنه الجاعل إلى أن يصل إلى سيده الجعل يرد به إلى قاضي الموضع لينظر لسيده بما رآه من سجنه أو بيعه ويحكم له بجعله، فإن لم يفعله وأرسله بعد أن أخذه ضمن؛ لأنه أتلفه عليه.
[ ٧ / ٢٣٧ ]
فَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَعَادَتُهُ التَّكَسُّبُ بِذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ تَعَبِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَادَتَهُ فَلَهُ نَفَقَتُهُ فَقَطْ
لما تكلم على ما إذا أتى به بعد التزام رب الجعل تكلم على ما إذا أتى به قبل التزام رب الجعل. وقوله: (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) يريد إذا كان ربه ممن لا يتولى ذلك بنفسه كما تقدم وكان لربه تركه؛ لأن أجرته قد تزيد على قيمة ربه فلو تكلف دفع الأجرة هنا لتضرر بذلك، وسقطت الأجرة إذا لم تكن عادته طلب الإباق؛ لأن الغالب ممن يفعل ذلك الاحتساب بالله تعالى.
وخرَّج بعضهم فيها خلافًا من الخلاف المتقدم في الإجارة إذا كان ربه لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما يستأجر عليه، ولم يحكموا بالاحتساب بالنفقة؛ لأن النفوس لا تخف عليها النفقة بخلاف من المنافع.
فإن قيل: فما الفرق بين النفقة هنا وبين النفقة على اللقيط فإنهم قالوا: لا يرجع بها إذا ظهر له أب؟
قيل: لأن اللقيط لما كان حرًا ولا يعلم له أب فالمنفق عليه لا يدخل على العوض غالبًا، وأما الآبق فهو مملوك وسيده مليء ولو لم يكن إلا به. وقال ابن الماجشون فيمن ليس شأنه: لا شيء له؛ لا نفقة ولا أجرة.
وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فَالْجُعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ لا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ
بعد أن وجده يعني قبل أن يقبضه الجاعل فالجعل على الجاعل؛ لأنه هو الذي أدخله في العمل.
ابن القاسم في العتبية والموازية: ولا شيء به على المستحق. وقال ابن المواز: الجعل على الجاعل ويرجع على المستحق بالأقل من ذلك أو من جعل مثله، قال: وقاله من أرضى.
[ ٧ / ٢٣٨ ]
اللخمي: وهو أبين إلا أن يكون المستحق ممن يطلب بنفسه أو بشخص عنده بلا أجرة. وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بما إذا أخذ المستحق العبد، قال: وأما إن أجاز البيع وأخذ الثمن فالجعل على الجاعل قولًا واحدًا.
وَفِي سُقُوطِهِ بِحُرِّيَّةٍ قَوْلانِ
أي: سقوط الجعل، وفي بعض النسخ (سُقُوطُهَا) فيعود الضمير على الجعالة، ومعناه إذا جعل سيد العبد جعلًا على الإتيان به فجاء به شخص فظهر أنه حر؛ فقال أصبغ: يسقط ولا جعل على أحد، وقال ابن القاسم: لا يسقط ويكون على الجاعل، ورأى أن الجاعل هو الذي أدخله في ذلك.
الْجُعْلُ كَالإِجَارَةِ
أي: يشترط فيه نفي الجهالة كالإجارة. وأحال المصنف الجعل على الأجرة مع أنه شبه الأجرة بالثمن، فكل ما جاز بيعه جاز الاستئجار به وجاز أن يكون جعلًا وما لا فلا، وعلى هذا فيشترط في الجعل أن يكون طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معلومًا. واستثنى ابن القاسم على ما نقله صاحب البيان وغيره من هذا مسألتين بجواز في الجعل دون البيع:
الأولى: أن يجعل على أن يغرس له أصولًا حتى تبلغ حد كذا ثم هي والأصل بينهما، فإن نصف هذا لا يجوز بيعه.
والثانية: أن يقول انفض زيتوني، فما لقطت فلك نصفه.
فَلا يَجُوزُ بِعْهُ وَلَكَ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ قِيرَاطٌ، وَلا لَكَ نِصْفُ الآبِقِ
هذا مفرع على ما قبله فلذلك عطفه بالفاء، ولم يجز؛ لأنه لا يعلم بكم دينار [٦٢٩/أ] يباع فصار الجعل مجهولًا، وكذلك نصف الآبق مجهول.
[ ٧ / ٢٣٩ ]
قال في الموازية: وأجاز مالك في بيع الثياب أن يقول: بعها ولك في كلِّ ثوب درهم، ولم يجز في كل دينار درهم.
فَإِنْ نَزَلَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ
أي: فإن وقع الجعل في هاتين الصورتين أو في إحداهما على الوجه الممنوع لم يجز ذلك ورد إلى جعل مثله.
وذكر المصنف هذه المسألة ولم يكتفِ بما سيذكره في حكم الجعل الفاسد؛ لأن في هذه المسألة معنى زائد، وهو أنه قال في المدونة في مسألة الإباق: فإن جاء به فله أجر مثله وإن لم يأت به فلا شيء له، وظاهره أن الواجب له أجر المثل.
لكن المحققون على ما قال المصنف أن مرادَهُ جُعل المثل لقوله: "وإن لم يأت به فلا شيء له" لأن الواجب له أجرة المثل، ولو كان المراد حقيقة الأجرة لوجب له إذا عمل سواء ظهر لعمله فائدة أم لا.
ولعل المصنف ذكر هذا إشارة إلى تأويل مسألة المدونة، واستغنى بتعبيره بالجعل عن قوله في المدونة: وإن لم يأتِ به فلا شيء له. على أن صاحب البيان حمل المدونة على ظاهرها واستشكلها.
فرع:
فإن ملك العبد في قوله: ولك نصفه، قبل أن يدفع إلى ربه، ففي النكت للمجعول له على الجاعل قيمة عنائه في رجوعه إلى وقت هلاكه، وللجاعل على المجعول له قيمة نصف عبده يوم قبضه؛ أي: ويقدر أن المجعول له مشترٍ له يوم قبضه شراء فاسدًا.
وَلَوْ قَالَ: لِوَاحِدٍ دِينَارٌ وَلآخَرَ دِينَارَانِ فَرَدَّاهُ مَعًا فَقَوْلانِ: يَنْفَرِدَانِ، وَيَشْتَرِكَانِ
تصوره ظاهر. وقوله: (فَرَدَّاهُ مَعًا)؛ أي فجاءا معًا به.
[ ٧ / ٢٤٠ ]
وقوله: (يَنْفَرِدَانِ) هو القول الأول أن يكون لكل واحد نصف جعله؛ فلصاحب الدينار نصفه ولصاحب الدينارين دينار، وهذا قول ابن نافع ونقله ابن المواز عن ابن عبد الحكم واختاره هو واللخمي وغيرهما.
(وَيَشْتَرِكَانِ) هو القول الثاني؛ أي في أكثر الجعلين وهما الديناران فيكونان بينهما أثلاثًا لصاحب الدينار ثلثهما ولصاحب الدينارين ثلثاهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة ورأى أن الجاعل قد رضي بدفع أكثر الجعلين.
قال في النكت: ولو جعل لأحدهما عشرة وللآخر عرضًا فأتيا به معًا، فعلى قول ابن نافع: لهذا نصف عشرة ولهذا نصف عرض، وعلى قول ابن القاسم يقدم العرض فإن سمى خمسة فلصاحب العشرة ثلثاها ويخير الآخر بين أن يأخذ ثلث العشرة أو يأخذ ما يقابل ذلك من العرض وهو ثلثا ذلك العرض من الذي جعل له.
الْعَمَلُ: كَعَمَلِ الإِجَارَةِ إِلا أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، فَإِنَّ مَسَافَةَ رَدِّ الْعَبْدِ وَالضَّالَّةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ
قوله: (كَعَمَلِ الإِجَارَةِ) أي: فيشترط فيه الشروط المتقدمة في الإجارة، واستثنى المصنف كونه معلومًا فلا يشترط هنا، وعلل ذلك بأن مسافة رد الآبق والضالة غير معلومة.
وأورد ابن عبد السلام أن ظاهر كلامه أن المعلومية لا تشترط في جميع أنواع الجعالة وليس كذلك، فإن مذهب المدونة أنه لا يجوز الجعل في حفر بئر إلا أن تختبرا معًا الآخر، وأجيب بأن حفر البئر قد ذكر المؤلف في آخر الباب أنه متردد بين الجعل والإجارة وبين شروطه هناك.
[ ٧ / ٢٤١ ]
وَلَوْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالًا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَلا جُعْلَ لَهُ عَلَى رَدِّهِ وَلا عَلَى دَلالَتِهِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ
ذكر هذا؛ لأن ما يشترط في الإجارة من كون المنفعة غير واجبة شرط في الجعالة، وهكذا قال ابن حبيب: من وجد آبقًا أو ضالًا أو ثيابًا فلا يجوز أخذ الجعل على رده ولا على أن يدله على مكانه، بل ذلك واجب عليه، وعلى هذا فقوله: (لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ) يرد إلى جميع ما تقدم؛ أي لوجوب ما ذكر عليه. ويحتمل أن يكون مشيرًا إلى الأكثر فقط، ويكون علة منع أخذ الجعل على الأول عدم تقدم المنفعة، وعلى هذا الأخير اقتصر ابن عبد السلام.
قال المازري: وإن أتى رجل إلى ربه عرف موضع الآبق فقال: اعطني دينار وأنا أطلبه لك وأنا أخبرك مكانه، فإن كان ممن لا يطلب ذلك فلا شيء له باتفاق، وإن كان ممن يطلبهم فقولان: قيل: له الذي سمى، وقيل: لا شيء له، وأوجب عليه أن يخبره به وأن يصدقه عليه إن وجده ويأتيه به، فلا يجوز أخذ الأجرة على ذلك. والصواب لا شيء له إلا أن يكون سافر أن يخبره لذلك لا لشغل غيره، فيكون له أجرة تعبه بقدره وهذا معنى كلامه.
وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ لا يُقَدَّرَ بِزَمَانٍ وَإِلا فَهُوَ إِجَارَةٌ
الضمائر كلها عائدة على العمل. قال في المدونة: ولا يكون مؤجلًا، ألا ترى أن من قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم أنه جائز وقت له في ذلك وقتًا أم لا وهو جعل، فإن قال: اليوم، لم يصح إلا أن يشترط أن يترك متى شاء؛ لأنه إن مضى يوم ولم يبعه ذهب عمله باطلًا، وإن باع في نصفه أخذ الجعل كاملًا ويسقط عنه بقية عمل اليوم فهذا خطر، والجعل لا يكون مؤجلًا إلا أن يكون إذا شاء أن يرده. وقد قال في مثل هذا جائز وهو
[ ٧ / ٢٤٢ ]
جل قوله: (وَإِلا فَهُوَ إِجَارَةٌ)؛ يعني وإن قدر بزمان وكان الأجر بتمام الزمان عمل أم لا؛ لأنه خرج من باب الجعالة ودخل في باب الإجارة.
تنبيه: واختلف في معنى قول سحنون في المدونة: "وقال في مثل هذا أنه جائز" ما هو هذا المثل؟
فقال ابن أبي زيد: هو الجعل المؤجل باليوم واليومين من غير شرط أن يترك متى شاء، وقال ابن القصار: يريد مثل هذا الباب في توقيت الجعل بيوم أو يومين، ويشترط أن يترك متى شاء، ويكون أراد بجل قوله ما في المدونة من [٦١٩/ب] الجواز، ويقابله ما رواه عيسى عنه في من قال لرجل: جذنخلي اليوم فما جذذت فلك نصفه ومتى شئت أن تخرج خرجت لك نصف ما عملت؛ لا خير فيه.
وقال ابن لبابة: يريد الإجارة مع اشتراط الترك متى شاء، وأنه اختلف قوله فيها، فمرة رأى أنها إجارة جائزة ومرة رآها إجارة فاسدة.
وقال صاحب المقدمات: أما قول ابن أبي زيد فهو خطأ صراح؛ لأن الجعل إذا سمَّى فيه أجلًا من لم يشترط أن يترك متى شاء- لم يجز باتفاق، فكيف يصح أن يقال: إنه جل قوله الذي يعتمد عليه؟!
وأما تأويل ابن القصار بعيد من لفظ المدونة إلا أن معناه صحيح تصح به المسألة، وأما تأويل ابن لبابة فهو بعيد على ظاهر اللفظ غير صحيح المعنى؛ لأنها إذا كانت إجارة فهي إجارة ولا وجه لفساده، وأما معنى المسألة عندي أن قول ابن القاسم اختلف إذا قال الرجل للرجل: بع لي هذا الثوب ولك درهم، فقال في الكتاب: إنه جُعل ولا يجوز إلا أن يشترط متى شاء أن يترك ترك، وله قول آخر: أن ذلك جائز وهو إجارة لازمة لا جعل، فإن باع في بعض اليوم كان له من الأجرة بحساب ذلك، وهذا القول قائم من المدونة وانظر المقدمات.
[ ٧ / ٢٤٣ ]
وأجاب بعضهم عن الشيخ أبي محمد بأنه لا يلزم من ترك اشتراط أن يترك متى شاء عدم الجواز؛ لأن الترك متى شاء مفهوم من وضع الجعل لا يحتاج إلى اشتراطه.
وَفِي جَوَازِهِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ قَوْلانِ
أي: في جواز الجعل.
عياض: اشترط عبد الوهاب في الجعل أن يكون في الشيء القليل وخالفه غيره.
وقال في المقدمات: الصحيح أنه جائز في كل ما لا يصح للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه قليلًا كان أو كثيرًا، وبذلك قال ابن المواز أن الجعل على حفر الآبار لا يجوز إلا فيما لا يملك من الأرضين؛ لأن ما يملك من الأرضين إن ترك العامل العمل بعد أن حفر ما ينتفع الجاعل به منها.
لكن أجاز ابن القاسم الجعل في حفرها وإن كانت في ملك الجاعل، فأما ما حكاه المصنف من القولين في طريقة بعضهم في نقل، ومنهم من يقول: ما يقبل القلة والكثرة لا يجوز الجعل على كثيره، وما لا يقبل إلا الكثرة كالمغارسة فإن العمل لا يتم فيها إلا بعد سنين فلا تكون الكثرة ما نقهل منها. انتهى.
ابن المواز: ويكون عند مالك وأصحابه الجعل على الشراء فيما قل أو كثر في الحضر والسفر، لا بأس أن يجعل له على مائة ثوب ليشتريها له دينارًا إذا كان ما اشترى له يلزمه، وأما إن كان يختار عليه ما يشتري فلا خير فيه.
مالك: ولا يضمن المال محمولًا إلا أن تعرف منه محاباة أو اشترى غير ما أمره به. وفي المدونة ما يتمسك به لما قاله عبد الوهاب من المنع ففيها: ولا يجوز الجعل على كثير السلع والدواب والرقيق كالعشرة أثواب ونحوه، ولا على ما فيه مشقة سفر من قليلها، لكن أجاز فيها الجعل على شراء الكثير.
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وتأوله ابن يونس وعياض وجماعة من القرويين وغيرهم على معنى أنه لا يأخذ شيئًا معلومًا أو كانت متساوية القيمة أو دخلًا على قصد الإجارة على العدد، ولو كان على القيم لم يجز. قال: وأما لو كان لا يأخذ شيئًا إلا بشراء الجميع فلا يجوز، فالجعل على البيع والشراء سواء.
وقيد ابن يونس الجواز في البيع أيضًا بما إذا كان على أنه إن شاء أن يترك بقية الثياب ولم يسلم الثياب إليه، قال: وكذلك الشراء يجوز إذا كان كل ما اشترى أخذ بحسابه وأن يترك متى شاء، فإن وقع على هذا الشرط جاز في الجميع.
ونحوه في الموازية، ونحوه لابن رشد، فقال: وقوله إن الكثير من السلع تصلح فيه الإجارة ولا يصلح فيه الجعل، فإنما يريد في البيع خاصة؛ لأن كثيرًا من السلع إذا جاعله على بيعها ودفعها إليه، كان الجاعل قد انتفع بحفظه لها مدة كونه بيده، ولو لم يدفعها لجاز الجعل إذا جعل في كل ثوب منها جعلًا مسمى، ولزم الجاعل في الجعل في البيع جميعها، ألا ترى أن الجعل في الشراء على الثياب الكثيرة جائز إذا كان لا يتولى حفظها وكلما ابتاع ثوبًا أسلمه إلى الجاعل ووجب له فيه جعله، ولو شرط على المجعول له أن يمسك الثياب وتكون في أمانته وقبضه حتى يتم شراء العدد الذي جاعله عليه لم يجز للعلة التي قدمناها.
وَفِيهَا: مَا جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ جَازَتْ فِيهِ الإِجَارَةُ وَلا يَنْعَكِسُ
تصوره ظاهر. قال في المقدمات: والأعمال على ثلاثة أقسام: منها ما يصح فيه الجعل والإجارة، ومنها ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة، ومنها ما تصح فيه الإجارة ولا يصح فيه الجعل. فأما ما يصح فيه الجعل والإجارة فكثير، من ذلك بيع الثوب والثوبين وشراء الثياب القليلة والكثيرة وحفر الآبار واقتضاء الديون والمخاصمة والحقوق على أحد قولي مالك، وروي عنه أن الجعل في الخصومة لا يجوز.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
وأما ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة فنوعان: أحدهما: ما لا يجوز للمجعول له فعله، والثاني: ما يلزمه فعله.
وأما ما تصح فيه الإجارة ولا يصح فيه الجعل فكثير أيضًا، من ذلك خياطة الثوب وخدمة الشهر وبيع السلع الكثيرة وعلى بيع سلعة ببلد أخرى، وما أشبه ذلك مما يبقى فيه للجاعل فيه حق منفعة، وإن لم يتم المجعول له العمل، وهل يشترط في صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة أم لا؟ في ذلك قولان.
وَهِيَ [٦٣٠/أ] جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِنْ شَرَعَ لَزِمَ الْجَاعِلَ، وَقِيلَ: لازِمَةٌ فِيهِمَا بِالْقَوْلِ، وَقِيلَ: فِي الْجَاعِلِ
اختلف في لزوم عقد الجعالة على ثلاثة أقوال:
الأول: ابن عبد السلام: وهو المشهور أنها جائزة من الجانبين ولكل واحد منهما الإحلال إلا أن يشرع المجعول له في العمل فيلزم الجاعل ولا يكون له الانحلال.
الثاني: لازمة بالقول لهما قياسًا على الإجارة، وهذا القول حكاه اللخمي وغيره.
ابن راشد: وهو القياس.
والثالث: أنها تلزم الجاعل بالقول دون المجعول، وهو قوله في الواضحة.
وَنَقْدُهُ كَالْخِيَارِ
يعني: ونقد الجعل كالثمن في بيع الخيار.
سحنون: جاز التطوع له ولا يجوز اشتراطه، والتعليل فيهما واحد.
ابن عبد السلام: وهذا على القول الأول والثالث. زاد غيره ممن تكلم على هذا الموضع: وأما على القول بأنها لازمة لهما بالعقد فيجوز النقد بشرط كالإجارة.
[ ٧ / ٢٤٦ ]
خليل: والظاهر أنه لا فرق؛ لأنه قد لا يجد الآبق مثلًا فيحتاج إلى رد الجعل.
وَيَسْقُطُ بِالتَّرْكِ إِلا أَنْ يَسْتَاجِرَ الْجَاعِلُ عَلَى الإِتْمَامِ فَيَكُونَ لَهُ مَا بَقِيَ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى نِسْبَةِ عَمَلِهِ
أي: سقط جميع الجعل بترك المجعول له تمام العمل، وقد قال ذلك في الإجارة إذا هرب الصانع، المشهور في الإجارة أنها تكرى عليه، فإن استأجر العامل من أتم العمل فإن له حينئذٍ أن يرجع عليه.
قوله: (إِلا أَنْ يَسْتَاجِرَ الْجَاعِلُ) يريد: أو يجاعل؛ إذ لا فرق بينهما.
وقوله: (فَيَكُونَ لَهُ مَا بَقِيَ .. إلخ) يعني: اختلف إذا اكترى بما يجب للمجعول له؛ فقال مالك في العتبية: يكون له بنسبة ما بقي، فإذا جاعله على الإتيان بخشبة بخمسة فحملها نصف الطريق ثم ترك وجاعل عليها ثانيًا بعشرة فإنه يكون للأول خمس نسبة جعل الثاني، واعترضه ابن يونس فقال: الأول قد رضي أن يحملها جميع الطريق بخمسة فكان يجب على هذا أن يعطى نصفها؛ لأنه إنما حملها نصف الطريق والمغابنة جائزة في الجعل وغيره، وإلى هذا الاعتراض أشار التونسيز
ابن عبد السلام: وقد يجاب عنه بأن عقد الجعالة لما كان منحلًا من جانب المجعول له بعد العمل، فإذا ترك بعد حمل نصف المسافة صار تركه لها إبطالًا للعقد من أصله، فإذا اكترى ربها على حملها انتفع بالحمل الأول فتلزمه قيمته، لكن إنما يحسن هذا إذا كانت الإجارة ثانيًا بقية العمل فأقل، ولا يحسن إذا كانت بأكثر على الاعتراض المذكور فلا يجب للثاني إلا درهمان ونصف. وحمل ابن راشد القول الثاني في كلام المصنف على اختيار ابن يونس، ويحتمل أن يريد به ما كان لابن القاسم بقوله: إن له قيمة عمله يوم عمل، ويكون معناه ما لم يزد على نسبة قيمة عمله يوم عمل الأول.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
قال في العتبية: قال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم؛ أي يوم عمل الثاني كانت القيمة مثل الجعل، أو قال: وأكثر، ودخل ابن القاسم وابن كنانة على مالك فقال: بل يعطى بقدر ما انتفع بحفره؛ يعني القول الأول، وهكذا رأيته في العتبية.
وحكى اللخمي عن مالك مثل قول ابن كنانة وذكر أنه قضى لابن كنانة. فإن قلت: ما حملت عليه القول الأول من أن المراد أن يكون للأول نسبة ما بقي خلاف ظاهر كلامه، وإنما ظاهره أن يكون له ما بقي بعد إجارة الثاني، فلا يكون في المثل المتقدم شيء، قيل: نعم هو ظاهر كلامه لكن لم أر نقلًا يساعده، قاله ابن عبد السلام.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ سَقَطَ
أي: بعد أن يجده المجعول له. وقبل أن يوصله لربه وكذلك لو هرب؛ لأن العمل لم يتم.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ تَحَالَفَا وَوَجَبَ جُعْلُ الْمِثْلِ
نحوه في الجواهر وفيه نظر، لكنه إن كان تنازعهما قبل العمل فلا شك أن القول قول الجاعل لانحلال العقد، والمجعول له بالخيار بين أن يجعل بما قال له أو يترك، وإن كان بعد العمل فيكون القول قول العامل إذا كان بيده لحيازته، إلا أن يدعي ما لا يشبه فيكون القول قول ربه، فإن ادعى الآخر ما لا يشبه تحالفا كما تقدم في الصانع.
وَفِي الْفَاسِدَةِ ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ كَالْقِرَاض وَلَمْ يُبَيَّنْ
واختلف في الجعل الفاسد هل يجب فيه جعل المثل وهو قول ابن القاسم من رواية أصبغ، أو إجارة المثل وهو قول محمد بناءً على أن المستثنى من أصل إذا بطل هل يرد إلى صحيح أصله أو إلى أصل نفسه؟
والقول الثالث: التفصيل؛ أي فيرد في بعض المسائل لجعل المثل وفي بعضها لإجارة المثل، لكن لم يبين التفصيل هنا كما بين في القراض، هذا معنى كلامه.
[ ٧ / ٢٤٨ ]
ولأن المصنف- والله أعلم- لما رأى ابن شاس ذكره مجملًا ولم يبينه اعتقد أنه وقع كذلك في قوله، وقد بينه في البيان فقال: إن قال: إن وجدته فلك كذا وإن لم تجده فلك نفقتك.
فهذا يرجع إلى إجارة المثل؛ لأنه جعله في الوجهين وليس بحقيقة الجعل، وإن كان لم يسمِّ شيئًا إلا في الإتيان به ولا شيء له إلا أن يأتي به فإنه يرجع إلى جعل المثل، قال: وهو أظهر الأقوال، واختاره ابن حبيب وحكاه عن مالك مطرف وابن الماجشون، وحكى قولين آخرين أحدهما في العتبية: له جعل مثله إذا وجده وأجر مثله إذا لم يجده، والثاني في المدونة: في الذي يقول: إن جئتني بعبدي الآبق فلك نصفه، قال: له إجارة مثله إن أتى به، وإن لم يأتِ به فلا جعل له ولا إجارة، قال: لا حظَّ له في القياس. [٦٣٠/ب].
وَمُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ وَالْمُعَلِّمِ عَلَى الْقُرآنِ وَالْحَافِرِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ بِتَعْرِيفِ شِدَّةِ الأَرْضِ وَبُعْدِ الْمَاءِ، وَكِرَاءُ السَّفِينَةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْجُعْلِ وَالإِجَارَةِ
هكذا ذكر ابن شاس هذه الأربعة وزاد المغارسة وهو أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرس عددًا من الأشجار، فإذا بلغت كذا وكذا كانت الأشجار والأرض بينهما، قال: وكل هذه الفروع يختلف فيها وسبب الخلاف في جميعها ترددها بين العقدين.
ابن عبد السلام: وظاهر المذهب أن هذه الفروع كلها من الإجارة على البلاغ إلا مسألة الحافر فإنها من الجعالة، ولا يقال: إن الإجارة على البلاغ مساوية للجعل في أن الأجرة لا تستحق إلا بتمام العمل؛ لأنه لا يلزم من استوائهما في هذا الوجه استواؤهما في غيره، فإن الإجارة على البلاغ لازمة بالعقد بخلاف الجعالة.
ونص سحنون على أن الأصل في هذا الجعالة. ووجه تردد هذه الأمور بين الإجارة والجعالة بأنه لما لم يكن للعامل شيء إلا بتمام العمل شابهت الجعالة، ولما كان إذا ترك الأول العمل ثم كمل غيره يكون للأول بحسابه كما تقدم شابهت الإجارة.
قوله: (بِتَعْرِيفِ شِدَّةِ الأَرْضِ وَبُعْدِ الْمَاءِ) للمصاحبة، وهي تجري مجرى الشرطية.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ: الأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصِ
الأصل فيه قوله ﷺ: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" رواه البخاري. وفي الترمذي والنسائي عنه ﵇: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعرقِ ظَالِم حَقٌّ" وهو حسن المسند، وبدأ المصنف بتعريف الموات إما لأنه السابق في الوجود فلتقدمه طبعًا قدمه وضعًا، وإما لأن حقيقة الموات متحدة. والإحياء يكون بأمور كل منها مضاد للموات فاحتاج إلى ذكره أولًا ليذكر أضداده، والتعريف الذي ذكره تبع فيه صاحب الجواهر، وصاحب الجواهر تبع فيه الغزالي، قال: السالم عن الاختصاصات بالجمع.
واستغنى المصنف عن الجمع بالاسم المحلى بأل المفيدة للعموم وهو قريب مما قاله الجوهري: الأرض الميتة هي التي لا مالك لها من آدميين ولا ينتفع بها أحد، ومعنى (الْمُنْفَكَّةُ) المخلصة والمنفصلة، وفي بعض النسخ عِوَض (الْمُنْفَكَّةُ) (السَّالِمَةُ)، ولما قال (السَّالِمَةُ عَنِ الاخْتِصَاصِ) شرع في وجوه الاختصاص فقال:
وَالاخْتِصَاصُ عَلَى وُجُوهٍ؛ الأَوَّلُ: الْعِمَارَةُ وَلَوِ انْدَرَسَتْ، فَإن كَانَتْ عِمَارَةَ إِحْيَاءٍ فَانْدَرَسَتْ فَقَوْلانِ
العمارة عمارة ملك كما لو ملك أرضًا بإرث أو هبة أو شراء. قال في المدونة: أو خطة، والخطة هي الإقطاع من الإمام وهو أعم من أن يكون إقطاع تمليك أو إقطاع إحياء، وقلنا مراده عمارة ملك لمقابلتها بقوله (فَإن كَانَتْ عِمَارَةَ إِحْيَاءٍ فَانْدَرَسَتْ فَقَوْلانِ) أحدهما أن اندراسها يخرجها عن ملك محييها ويجوز لغيره أن يحييها وهو قول ابن القاسم. والثاني لسحنون أنها للأول وإن أعمرها غيره، حكاه صاحب البيان وغيره. وحكى عنه ثالثًا إن كان قريبًا من العمران فالأولى أولى به، وإن كان بعيدًا فالثاني أولى بها. قال: وقوله
[ ٧ / ٢٥٠ ]
عندي صحيح على معنى ما في المدونة: أما ما قرب لا يحييها إلا بقطيعة من الإمام؛ فكأنه صار ملكًا.
وسأل ابن عبدوس سحنون هل تشبه هذه المسألة الصيد إذا نَدَّ؟ قال لا والفرق بين الصيد لو ابتاعه ثم ندَّ واستوحش كان لمن اصطاده، ولا خلاف أن من اشترى أرضًا فاندرست فأحياها غيره أنها لمن اشتراها. قال في البيان: ولا أعلم نص خلاف أن من اشترى مواتًا واختطه لا يزال ملكه عنه بتركه إياه حتى تعود حالته الأولى إلا أن الاختلاف يدخل في ذلك من مسألة الصيد يند من صاحبه. وقال ابن المواز فيه: إن الثاني أحق به، ولم يفرق بين أن يكون الثاني صاده أو ابتاعه فيلزم مثله في إحياء الموات، ثم حصل في مسألة الصيد يباع والأرض الموات تباع ثم يعود إلى حالهما أقوال:
أحدها أن الأول أحق بها، الثاني عكسه، الثالث أن الأول أحق بالصيد والموات إن كان اشتراه وأن الثاني أحق بهما إن كان الأول صاد الصيد وأحيا الموات، الرابع الفرق بين الصيد والموات فالثاني أحق بالصيد والأول أحق بالموات وهو الذي يأتي على ما قاله ابن عبدوس، الخامس أن الثاني أحق بالموات والأول أحق بالصيد، قال: وإنما يكون الثاني أحق بالموات من الأول على من رآه أحق به منه حسبما بيناه إذا كانت المدة قد طالت بعد عودها إلى حالتها، وأما إن أحياها الثاني بحدثان عوده إلى الحالة الأولى فإن كان عن جهل منه بالأول فله قيمة عمارته قائمة للشبهة، وإن كان عن معرفة منه به فليس له إلا قيمة عمارته منقوضة بعد يمين الأول أن تركه إياه لم يكن إسلامًا له وأنه كان على نية إعادته. واعترض على المصنف بأن قوله: (أَوَّلًا الْعِمَارَةُ) مستغنى عنه؛ لأن مجرد الملك كاف في الاختصاص ولا يفتقر إلى العمارة، وأجيب لعله إنما ذكر العمارة ليقسمها.
[ ٧ / ٢٥١ ]
الثَّانِي: حَرِيمُ عِمَارَةٍ، وَحَرِيمُ الْبَلَدِ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ لِرَعْيِ مَوَاشِيهِمْ وَمُحْتَطَيهِمْ مِمَّا تَلْحَقُهُ غُدُوًَّا وَرَوَاحًا
أي: حد العمارة التي يمنع أن يحدث فيها أحد ما يضر بها.
عياض: والتحريم والحرام والحريم والحرمة المنع، والمحارم من النساء الممنوع نكاحهن فحريم البئر ما يتصل به من الأرض [٦٣١/أ] التي من حقها ألا يحدث فيها ما يضر بها لا باطنًا من حفر بئر ينشف ماؤها أو يذهبه أو مطمر تطرح النجاسة فيه فيصل غليها وسخها ولا ظاهرًا كالبناء والغرس.
قوله: (وَحَرِيمُ الْبَلَدِ إلخ) يعني: ما يحتاج إليه عامر الأرض من النواحي الخارجة عن الأرض التي يلحقه الخارج بمواشيه غدوًا ورواحًا.
سحنون: وما كان من العمارة على يوم وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحها فأراه من البعيد، وأما ما تدركه المواشي غدوها ورواحها وأبعد من ذلك قليلًا مما فيه الرفق للعمارة فهو من القريب، ونحوه لابن القاسم. وعن سحنون: يجتهد ويشاور أهل الرأي.
وَحَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بالْمَوَاتِ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ مِنْ مَطْرَحِ تُرَابٍ، وَمَصَبِّ مِيزَابٍ، وَالْمَحْفُوفَةِ بِالأَمْلاكِ لا تَخْتَصُّ، وَلِكُلٍّ الانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ بِمَا لا يَضُرُّ الآخَرَ
يعني: أن الدار على ضربين: فإن كانت محفوفة بالموات؛ أي: المحوطة بالموات فحريمها ما يرتفق به فيما ذكره المصنف، وإن كانت محفوفة بالأملاك فليس لربها حريم تختص به، لكن لكل واحد أن ينتفع بملكه وحريمه بما لا يضر بالآخر. ولا يقال قوله: (لا تَخْتَصُّ) يقتضي أنه لا حريم لها وهو منافٍ لقوله: (وَلِكُلٍّ الانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ) لأنه إنما نفى عنها أولًا الاختصاص بالحريم لا الحريم، فيكون لكل دار حريم لكن لا تختص به.
[ ٧ / ٢٥٢ ]
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَمَّا حَمَّامٌ، وَفُرْنٌ، وَكِيرٌ لِلْحَدِيدِ، وَرَحىً تَضُرُّ بِالْجِدَارِ فَلَهُمْ مَنْعُهُ، قَالَهُ مَالِكٌ
لقوله ﵇: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ". واستخف في المدونة وغيرها التنور. وقوله: (فُرْنٌ) يعني كان للخبز أو لسبك الذهب والفضة، قاله في المدونة وغيرها. وضرر الحمام والفرن والكير بيّن، وأما الرحى فكلام المصنف وظاهر الرواية يدل على أنها إنما تمنع لضرر الجدار ولو تضرر الجار بصورتها فقط لم تمنع، وهو قول كثير من الشيوخ.
وذهب بعضهم إلى منع ضرر الصوت، وأشار آخرون إلى أنه إنما يمنع منه وقت النوم دون ما عداه، وبالأول قال مطرف وابن الماجشون لأنهما قالا في الغسال والضراب يؤذي جاره رفع صوتها لا يمنع، لكن قيده الباجي بالصوت الضعيف أو ما يستدام وأمَّا مَا كَانَ صوتًا شديدًا كصوتِ الكمَّادِين فيمنع منه. وصرح بعضهم بأن المذهب عدم مراعاة ضرر الأصوات وأن القول بمنع ذلك شاذ، وجعله ابن رشد من المتفق على عدم اعتباره إلا على قول ضعيف.
وَقَالَ أَشْهَبُ: مَنِ اضْطُرَّ إِلَى حَفْرِ بِئْرٍ فِي دَارِهِ حَفَرَ وَإِنْ أَضَرَّ بِجَارِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِمَنْعِ جَارِهِ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مِنْ مَنْعِهِ، قَالَهُ مَالِكٌ
هذا مقيد بأن يضر ببئر جاره باعتبار تقليل مائها، وأما لو حفر بئرًا للنجاسة فأضرت بماءِ بئره لمنع وردمت عليه اتفاقًا، قاله اللخمي قال: وبلوغ النجاسة كبلوغ الدخان وغيره في الظاهر، وكذلك أيضًا يتفق على المنع إذا أضرَّ بجداره، نقله ابن رشد وذكر فيها: يضر بين الجدار أربعة أقوال: الأول قول أشهب هكذا أنه يجوز إن اضطر وإن أضر بجاره، الثاني ظاهر المدونة أنه يمنع إذا أضر بجاره وأطلق، الثالث لابن كنانة أن يحفر في داره بئرًا وإن أضر ببئر جاره وأطلق، الرابع في العتبية لا يمنع إلا أن يضر ببئر جاره ضررًا بينا وهو أن يستفرغ ماؤه ماء بئر جاره.
[ ٧ / ٢٥٣ ]
ابن عبد السلام: وترك المصنف مذهب ابن القاسم في المدونة أنه لا يجوز إحداث بئر تضرُّ بالجارِ اضطر محدثها إليها أم لا، قال: وخلاف ابن القاسم وأشهب عام في الأرض التي ملكت بإحياء أو بغيره، والأظهر مذهب أشهب والله أعلم، لأن ضررهما متقابل ويترجح من أراد الإحداث بأنه تصرف في ملكه.
وَلا تُمْنَعُ الأَبْرِجَةُ وَالأَجْبَاحُ إِلا أَنْ تُعْلَمَ الْمَضَرَّةُ للسَّابِقِ
(الأَبْرِجَةُ) للحَمَام (وَالأَجْبَاحُ) للنَّحْل.
ابن عبد السلام: والمضرة بالسابق إن كان لدخول حمام الأول أو نحله في الثاني فظاهر، وإن أُمِن ذلك لكن يقل دخول ذلك في الأول فاختلف المذهب في رعي ضرره على قولين والأقرب مراعاته والله أعلم، أما لو كانوا لغير برج وقالوا إن ذلك يضرهم في زرعهم وشجرهم وطلبوا منعه من ذلك فقولان: أحدهما أنه لا يمنع من ذلك وهو قول ابن كنانة وأصبغ، قال أصبغ: والحمام والدجاج والإوز والماشية لا يمنع من اتخاذه وإن أضرت وعلى أهل القرية حفظ زرعهم وأشجارهم وقاله ابن القاسم، وقال مطرف وابن حبيب: يمنع إلا أن تكون كالماشية، قال لأن هذه طائرة ولا يقدر على الاحتراز مها.
فَإِنْ دَخَلَ حَمَامٌ أَوْ نَحْلٌ لا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ فَهُوَ كَصَيْدٍ نَدَّ
قوله: (لا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ) يعني ولو أمكنه رده رد اتفاقًا، قاله اللخمي واستشكل لأن إيواء الحمام إلى ملك الأول لا يوجب ملكه إذا لم يزل عن حالة التوحش إذا ند قبل وضع اليد عليه إن آوى إلى نخل الرجل لا يرد للأول، وأما إن لم يمكن رده فقال في المدونة: يكون للثاني ولا يرد للأول، وإليه أشار بقوله: (كَصَيْدٍ نَدَّ) ولم يقل فهو للثاني ليدخل في كلامه قول ابن حبيب.
[ ٧ / ٢٥٤ ]
وَحَرِيمُ الْبِئْرِ مَا لا يَضُرُّ بِمَائِهَا وَلا يَضِيقُ عَلَى دَوَابِّ وَارِدِيهَا
أي: وليس له حد مخصوص، هذا مذهب مالك وابن القاسم في المدونة وغير مالك، ومن الآبار ما يكون في أرض رخوة وأخرى في أرض صلبة فإنما ذلك على قدر الضرر في البئر، هذا في آبار الماشية وكذلك في آبار الزرع منها بئر كثيرة الماء وأخرى قليلة الماء وإنما جعل لكل واحد ما يكفيها من الأرض [٦٣١/ب] وفي الوجهين. قال ابن سحنون: حريم البئر والأرض والوادي في أرض غير مملوكة عشرون ذراعًا، وقيل ستون ذراعًا، وقال ابن نافع: حريم البئر العادية خمسون ذراعًا والذي ابتدئ عملها خمس وعشرون، وعكس ذلك ابن مصعب وزاد وحريم بئر الزرع خمس مائة ذراع وحريم النهر ما لا يضر بمن يرده. وقال ابن المسيب: حريم بئر الزرع ثلاث مائة ذراع من نواحيها كلها.
ابن شهاب: وسمعت الناس يقولون حريم البئر خمسمائة ذراع وحريم الأنهار ألف ذراع.
وروى الدارقطني مرسلًا عن ابن شهاب عنه ﵇ قال: "حَرِيمُ البئرِ المحدَثةِ خمسٌ وعشرون، وحريمُ البئرِ العادِيَّةِ خمسون ذراعًا، وحريمُ بئرِ الزرع ثلاثُمِائَةِ ذراعٍ، وحريمُ العَيْنِ السَّيحِ ستُمائةُ ذراعٍ".
وسأل ابن غانم مالكًا عن حريم النخلة فقال: قدر ما يرى أن فيه مصلحتها، قال: وسأل عن ذلك أهل العلم به فقالوا اثني عشر ذراعًا من نواحيها كلها إلى عشرة أذرع وذلك حسن، وسئل عن الكرم أيضًا وعن كل شجرة أهل العلم فقالوا يكون لكل شجرة قدر مصلحتها.
[ ٧ / ٢٥٥ ]
الثَّالِثُ: التَّحْجِيرُ وَفيه قَوْلانِ؛ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَعْرِفُ مَالِكٌ التَّحْجِيرَ إِحْيَاءً، وَلا تَرْكَهُ ثَلاثَ سِنِينَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وَأَنَا أَرَاهُ حَسَنًا، وَقَالَ أَيْضًا: لا يُفِيدُهُ مَا لَمْ يَشْرَعْ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ مَا لَمْ يَمْنَعْ عُذْرٌ، أَمَّا مَا لا يَقْوَى عَلَى عَمَلِهِ فَلا يُفِيدُ اتِّفَاقًا
ما ذكره من رواية ابن القاسم نحوه في الاستذكار والجواهر والتهذيب، قال ابن القاسم: ما سمعت من مالك في التحجير شيئًا. وقال أشهب: القول الثاني. وقوله: (وَقَالَ أَيْضًا) أي: أشهب هو راجع إلى القول الأول فلذلك لم يذكر في المسألة إلا قولين. والتحجير هو ضرب حدود بإزاء ما يريده من الموات يريد بذلك منع الناس منه. وقوله: (أَمَّا مَا لا يَقْوَى إلخ) يعني: وإنما الخلاف فيما يمكن إحياؤه، ومثال هذا في كونه إحياءً عند أشهب لابن القاسم- رعي كلأ الأرض، وحفر بئر الماشية فيها.
الرَّابِعُ: الإِقْطَاعُ مِنَ الإِمَامِ وَهُوَ تَمْلِيكٌ وَلا يُطَالَبُ بِالإِحْيَاءِ
أي: الرابع من وجوه الاختصاص، وقوله: (تَمْلِيكٌ) أي: فله أن يهب ويبيع ويتصرف ويورث عنه وليس هو من الإحياء بسبيل وإنما هو تمليك مجرد. قال الأستاذ أبو بكر: هكذا روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم سواء كانت في المهامه والفيافي أو قريبة من العمران، ولا يطالبه الإمام بعمارتها بخلاف الإحياء، هكذا قال اللخمي أن ظاهر المذهب إن تملكها بشرط العمارة. ولمطرِّف وابن الماجشون أن من أقطعه الإمام أرضًا- أي أعطاه- على عمارتها فله أن يبيع ويتصدق ما لم ينظر في عجزه فيقطعها لغيره.
ابن زرقون: ورأى غير واحد أنه تفسير، وعده الباجي خلافًا والأول أظهر، إذ لا منافاة بينهما لأن الإقطاع في الأول لم يكن للعمارة.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وَلا يُقْطِعُ غَيْرَ الْمَوَاتِ تَمْلِيكًا وَلَكِنْ إِمْتَاعًا
أي: لا يقطع المعمور وهو مراده بـ (غَيْرَ الْمَوَاتِ تَمْلِيكًا) وفيه نظر، فقد نص في البيان على جواز إقطاع البئر والمعمول من غير أرض العنوة، قال وهو ظاهر ما في كتاب الداودي. ومثله حكى ابن حبيب عن مالك من رواية ابن القاسم قال: قال لا أرى للإمام أن يقطع أحدًا من أرض العنوة.
قال في البيان: ورأيت للخمي جواز إقطاع المعمورة من أرض العنوة ليس بصحيح على مذهب مالك، وأما الإحياء في أرض العنوة فقال بعض القرويين يجوز الإحياء في ما بَعُدَ من العمران وأطراف الأرض كانت أرض عنوة أو غيرها أسلم عليها أهلها.
وفي البيان: لا يصح الإحياء إلا في البور والإقطاع يكون في البور والمعمور لا في معمور أرض العنوة.
وقال ابن الهندي: لا يجوز الإحياء في أرض العنوة لأنها موقوفة لنوائب المسلمين وأطلق، ويمكن رده إلى ما قبله.
وفي النكت: الأراضي خمس: أرض عنوة لا توهب ولا تباع، وإنما تبقى لمنافع المسلمين، وأرض صلح فهي لأهلها يصنعون فيها ما يحبون من بيع أو غيره، وأرض أسروا أهلها لهم أيضًا ليس لأحد فيها شيء، وأرض خرجوا عنها أهلها وتركوها فهي للإمام يجتهد فيه ما رأى، وأرض العرب للذين كانوا فيها مثلنا قبل أن يسلموا أو بعد ذلك.
الْخَامِسُ: الْحِمَى، وَللِإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ وَقَلَّ مِمَّا فَضَلَ عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا، وَحَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَقِيعَ لِخْيلِ الْمُهَاجِرِينَ، وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ الرَّبَذَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ
يعني: يجوز للإمام أن يحمي بشرطين؛ الأول: أن يحتاج إليه، والثاني: أن يقل ويفضل عن منافع أهلها، وهكذا قال سحنون الأحمية إنما تكون في بلد الأعراب العفاء التي لا
[ ٧ / ٢٥٧ ]
عمارة فيها غرس ولا بناء وإنما تكون الأحمية منها في الأطراف حيث لا تضيق على ساكن، وكذلك الأودية والعفا التي لا مساكن بها إلا ما فضل عن نافع أهلها من المسارح والمراعي.
ووقع في بعض النسخ عوض (قَالَ) (وَقيلَ فِيهِمَا نَظَرٌ)، أما (قَالَ) فلإيهامها أنَّ مالكًا قاله وإنما هو لسحنون، وأما الثانية فلإيهامها أن الثاني خلافًا للأول وليس كذلك. وزيد شرط ثالث وهو أن يكون للجهاد ونحو ذلك.
وروى أبو [٦٣٢/أ] داود عن الصعب بن جثامة أنه ﵇ حمى البقيع وقال: "لا حمى إلا لله ورسوله" انظر ما في الحديث من قوله "حمى" وهو الذي قاله المصنف وذكره الجوهري رباعيًا فقال: وأحميت المكان جعلته حمىً.
و(الْبَقِيعَ) قيده عياض في المشارق بالنون، قال: وهو الموضع الذي أحماه النبي ﵇ والخلفاء بعده وهو صدر وادي العقيق على عشرين فرسخًا ومسافته ميل في بريد، ونحوه للخطابي. وضبطه أبو عبيدة بالباء مثل بقيع الغرقد، وكذلك ذكره البكري.
و(الرَّبَذَةَ) بتحريك الباء والذال المعجمة والنقيع بالنون مستنقع الماء والبقيع موضع القبول بالمدينة. وصح أن عمر ﵁ قال لمن ولاه على الحمى: "أدْخِلْ رَبَّ الصُّريمة والغُنيمة وإيَّاك ونَعَمَ ابنِ عفانَ وابنِ عوفٍ" وقال له فيما أوصاه: "اتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنها مجابَةٌ، والذي نفسي بيده لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم في أرضهم شبرًا، والله إنهم يزعمون أني قد ظلمتهم" والربذة اسم مكان.
السَّادِسُ: الْقُرْبُ، وَيَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى إِذْنِ الإِمَامِ فَلَوْ لَمْ يَسْتَاذِنْ لَكَانَ لِلإِمَامِ إِمْضَاؤُهُ أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا، وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يَفْتَقِرُ
(فِيهِ) أي: في القرب، مفهومه أن البعيد لا يفتقر فيه إلى إذن الإمام.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
قال في البيان: وهو المشهور، وعزاه في النوادر لمالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون.
وروى يحيى عن ابن نافع: ليس لأحد أن يفتح البعيد إلا بإذن الإمام، وعلى هذا فثالثها المشهور يفتقر في البعد.
وفي المدونة فيمن أقطع مواتًا بعيدًا أو أحياه بغير إذن الإمام: ينظر فيه الإمام. (وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يَفْتَقِرُ) أي: إلى الإذن في القريب، والمغيرة يمضي فعله، والمشهور ما قاله المصنف وهو قول مالك وابن القاسم أن للإمام إمضاؤه (أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) أي: فيعطى قيمة إحيائه مقلوعًا، ورأى اللخمي أنه يعطى قيمته قائمًا للشبهة.
اللخمي: وقال مُطرِّف وابن الماجشون: الإمام مخير في أربعة أوجه: أن يقره له أو يقره للمسلمين أو يعطه قيمته مقلوعًا أوي أمره بقلعه ويقطعه لغيره ويكون للأول قيمته منقوضًا.
ابن رشد: وهو القياس، وقال في موضع آخر: وهو معنى ما في المدونة.
فرع:
ومن أحيا أرضًا في الفيافي فليس لغيره أن يحيي بالقرب منه إلا بإذن الإمام، قاله سحنون في المجموعة قال: لأنه صار بالإحياء عمرانًا.
واعترض كلام المصنف بوجهين؛
الأول: أن فيه تداخلًا؛ لأن هذا السادس هو الوجه الثاني وهو حريم العمارة، وقيده هناك بما يرتفقون به مما يلحقونه غدوًا ورواحًا، وهذا هو القريب، وقد تقدم أن سحنون حدَّهُ هكذا وحد البعيد باليوم.
الثاني: إذا كان القرب من وجوه الاختصاص فلا يكون القريب مواتًا، إذ الموات ما انفك عن الاختصاص فلا يتصور فيه إحياء؛ لأن الإحياء إنما يكون في الموات.
[ ٧ / ٢٥٩ ]
وَأَمَّا الإِحْيَاءُ فَمَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ عِمَارَةً مِثْلَهَا كَبِنَاءٍ، وغَرْسٍ، وَحَرْثٍ، وَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِجْرَاءِ نَهْرٍ
أي: مثل تلك الأرض.
عياض: الإحياء يكون بعشرة أشياء، سبعة متفق فيها وثلاثة مختلف فيها؛
فأما الثلاثة: فالتحجير، وحفر بئر الماشية، ورعي كلأ الأرض ليس هو إحياء عند ابن القاسم خلافًا لأشهب.
وأما السبعة فتفجير الماء فيها بحجر بئر أو فتق عين، الثاني إجراء الماء من عامرها، الثالث البناء، الرابع الغرس، الخامس الحرث وتحريك الأرض بالحفر ونحوه، السادس قطع غياضها ومأشجارها، السابع كسر أحجارها وتسوية أرضها. وقول المصنف: (أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ) يريد: إذا لم تكن لماشية وإلا فحفر بئر الماشية ليس إحياء عند ابن القاسم.
وَفِي إِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ثَالِثُهَا: يَمْلِكُ إِنْ كَانَ بَعِيدًا
يعني أن الذمي إذا أحيا في جزيرة العرب لم يترك، لقوله ﷺ: "لا يبقيَنَّ دِينانِ بجزيرة العرب" وإن أحيا بغيرها فثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين القرب والبعد كما تقدم.
ابن عبد السلام: وليس الأول منصوصًا للمتقدمين لكن ركن إليه الباجي، وقيل: بل ينزع ذلك منه كجزيرة العرب، وهو قول ابن القصَّار، ونص قوله عند اللخمي: وقال ابن القصار: ولا يكون للإمام أن يأذن لأهل الذمة في الموات؛ ولم يفرق بين قريب وبعيد.
ابن عبد السلام: والثالث هو المنصوص للمتقدمين، قال في الرواية: لأن ما قرب بمنزلة الفيء، واستشكله الباجي قال: يلزم عليه ألا يصح من المرأة والعبد لأنهما ليسا من أهل الفيء، ولو قيل: إن حكمهم كالمسلمين ما بعد كما كان لهم ذلك فيما بعد، وهذا هو الركن الذي ذكرناه. انتهى.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
وذكر ابن يونس وغيره أن ابن القاسم قال في المجموعة: من أحيا من أهل الذمة أرض الإسلام فذلك له لقوله ﵇: "من أحيا أرضًا مَيْتًا فهي له" ظاهره أنه لا فرق بين القرب والبعد.
ولا يقال الثالث متحد مع الأول لأنكم قلتم في الأول أن حكمه حكم المسلمين، وحكمهم التفرقة كما في الثالث لأنهم لا حق لهم في القرب على الثالث مطلقًا، وعلى الأول يكون لهم فيه حق إذا أذن لهم الإمام.
مالك: وجزيرة العرب الحجاز ومكة والمدينة واليمن، زاد ابن حبيب والنجود فإنه قال ما معناه أنّ حدها طولًا من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلا ريف العراق وحدها عرضًا من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر وفي المغرب والمشرق ما بين سرف إلى منقطع السماوة.
وَلا تُحَازُ الشَّوَارِعُ بِالْبُنْيَانِ
لأن الطرق محبسة ولا إشكال في منع ما يضر وهدمه [٦٣٢/ب] وأما ما لا يضر فروي عن مالك الجواز والكراهة، فإن نزل لم يهدم على ظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وذهب مطرف وابن الماجشون وسحنون إلى المنع وأنه يهدم، واختلف فيه قول أشهب فكرهه مرة ومنعه أخرى وقال يهدم.
ابن عبد السلام: قيل والهدم هو المشهور، وهو مقتضى كون الطرق أحباسًا.
وَلا تُمْنَعُ الْبَاعَةُ مِنْهَا فِيمَا خَفَّ وَلا غَيْرُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَالْمَسْجِدِ
احترز بقوله: (فِيمَا خَفَّ) مما يستدام ويضر بالمار.
[ ٧ / ٢٦١ ]
خليل: وعلى هذا فلا ينبغي أن يشتري من هؤلاء الذين يغرزون الخشب في الشوارع عندنا لأنهم غُصَّاب للطريق، وقاله سيدي أبو عبد الله بن الحاج ﵀. وقوله: (فَمَنْ سَبَقَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَالْمَسْجِدِ) تشبيه لإفادة الحكم.
ابن عبد السلام: ويسقط حق الجالس بقيامه لا بنية الرجوع أن يعود، فأشار بعضهم إلى أن في المستألتين قولين قال: ولم أر ذلك له ولا لغيره في المسجد إلا ما وقع لهم في من ارتسم معرفة موضعهل سؤاله وغير ذلك.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَسْكَنًَا إِلا مُجَرَّدًا لِلْعِبَادَةِ وَلِقِياِم اللَّيْلِ، وَخُفِّفَ فِي الْقَائِلَةِ وَالنَّوْمِ نَهَارًا
هكذا ذكر ابن حبيب، والظاهر أن ينبغي هنا للوجوب؛ لأن السكنى في المسجد على غير وجه التجرد للعبادة ممتنع؛ لأنه تغيير له عما وضع له وعلى ولي الأمر وفقه الله تعالى هدم المقاصير التي اتخذوها في بعض الجوامع للسكنى. وقوله: (إِلا مُجَرَّدًا) أي: إلا لرجل مجرد للعبادة بقيام الليل وإحيائه فلا بأس أن يكون ذلك منه دائمًا.
ابن حبيب: إن قوي على ذلك.
وقوله: (خُفِّفَ) بضم الخاء مبني للمفعول؛ لأن ابن حبيب ذكر عن عبد الملك قال: ولا بأس بالقائلة في المسجد والنوم فيه نهارًا وللمسافر والمقيم، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر.
ابن حبيب: وأرخص أن يطعم الضيف في مساجد البادية، وقال ذلك شأن المساجد وكره أن يوقد فيه نار.
ابن عبد السلام: ومنهم من أجاز المبيت في مساجد المدائن، والمشهور خلافه وهو أقرب إلى ما روي من الأثر.
[ ٧ / ٢٦٢ ]
اللخمي: ولا يجوز حدث الريح فيه وإن كان مخليًا لحرمة المسجد والملائكة، ويجوز قتل العقرب فيه، وأجاز ابن رشد في أجوبته للملتجئ المبيت فيه وخاف أن يخرج لصًا أو سبعًا أن يتخذ معه آنية ليبول فيها. قال في مختصر ما ليس في المختصر: ويجب على من رأى في ثوبه دمًا كثيرًا في الصَّلاة أن يخرج عن المسجد ولا يخلعه فيه، قال: وقد قيل يخلعه ويتركه بين يديه ويغطي.
وَيُكْرَهُ فِيهِ الْبَيْعُ، وَالشِّرَاءُ، وَسَلُّ السَّيْفِ، وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ، وَالْهَتْفُ بِالْجَنَائِزِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ وَلَوْ لِعِلْمٍ
ينبغي أن تكون الكراهة هنا أيضًا على المنع، وقد ثبت عنه ﵇ قال للأعرابي الذي بال في المسجد: "إن هذا المسجِدَ لا يصلُحُ لشيء من هذا البولِ والقذرِ، وإنما هو لِذِكْرِ الله والصلاةِ والقراءةِ" وفي النسائي أنه ﵇ قال: "إذا رَأَيْتُم من يبيعُ أو يَبْتاعُ في المسجدِ قولوا: لا أَرْبَحَ الله تجارتَكَ، وإذا رَأَيْتُمْ من يَنْشُدُ الضالةَ في المسجد فقولوا: لا رَدَّهَا اللهُ عليكَ".
قوله: (وَالْهَتْفُ بِالْجَنَائِزِ) قال سيدي عبد الله بن الحاج: تسامح علماؤنا في الإعلام بالميت بأن يقف الرجل على باب المسجد عند انصراف الناس فيقول: أخوكم فلان قد مات بصوت. يجهر به على سنة الجهر يعني، وأما ما يفعله الناس عندنا من زعقات المؤذنين بذلك فهو من النعي المنهي عنه، فقد روى الترمذي عن حذيفة رضي الله أنه قال لما احتضر: إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا فإني أخاف أن أكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النهي، فإذا مت فصلوا علي وسلوني إلى ربي سلًا.
وقوله: (وَرَفْعُ الصَّوْتِ وَلَوْ بِالْعِلْمِ) أتى بـ (لَوْ) للمبالغة وهي إنما تحسن لو كان رفع الصوت بالعلم في غير المسجد غير مكروه كما قال ابن مسلمة، وأما على المشهور من
[ ٧ / ٢٦٣ ]
كراهة ذلك مطلقًا فلا، قال مالك: ما للعلم ورفع الصوت، ووجهه ما قال ابن حبيب: كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل العلم في المجلس فيقول: يا أبا مروان اخفض من صوتك وأمر جلساءك أن يخفضوا أصواتهم. واستخف أهل المذهب قضاء الدين في المسجد أن يخفضوا أصواتهم. واستخف أهل المذهب قضاء الدين في المسجد، ورأوه يسيرًا من المعاملة بالبيع والشراء. واستحسن جماعة عقد النكاح فيه ورأوه مخالفًا لعقد البيع.
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ عُلْوِ مَسْكَنِهِ مَسْجِدًا، وَلا يَجُوزُ جَعْلُ سُفْلِهِ مَسْجِدًا وَيُسْكَنُ الْعُلْوُ لأَنَّ لَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ
نحوه في المدونة في باب الصلاة والواضحة في كتاب الجعل من المدونة. وفي المدونة: وكره مالك السكنى بالأهل فوق المسجد، فإن قلت: قد صرح بالكراهة هنا خلاف ما في الواضحة، قيل: الظاهر حملها على المنع توفيقًا بين النقلين.
وَكُرِهَ دُخُولُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ عِنْدَ نَقْلِهِا إِلَيْهِ بِخِلافِ الإِبِلِ
وإنما كره مالك عند نقلها شيئًا إلى المسجد لبناء أو غيرها لنجاسة أبوال الخيل والبغال والحمير وطهارة أبوال الإبل، على أن الإجازة إنما هو للضرورة وإلا فالمسجد منزه عن أقل من هذا. وعبر المصنف بالكراهة لأن ابن حبيب نقله عن نمالك كذلك ولذلك يصح أن يقرأ (كَرِهَ) بفتح الكاف مبني للفاعل ويعود الضمير على مالك، وبضم الكاف للمفعول.
وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَلَى أَرْضِهِ وَيَحُكَّهُ وَأَنْ يُعَلِّمَ فِيهِ الصِّبْيَانَ
هذا ظاهر حكمًا وتعليلًا.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَةً فَإِلَى الإِمَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلِصَاحِبِ الأَرْضِ أَوْ لأَهْلِ الصُّلْحِ
[٦٣٣/أ] لما تكلم على المنافع المشتركة شرع في الأعيان المستفادة كالمعادن والمياه، والثلاثة الأقوال قد تقدمت وتقدم الكلام عليها في باب الزكاة، والأولان مبنيان على أن من ملك ظاهرها هل يملك باطنها أم لا؟ والفرق استحسان. وقوله: (فَلِصَاحِبِ الأَرْضِ) أي: المعين (أَوْ لأَهْلِ الصُّلْحِ) أي: فتحت صلحًا، وحاصله: إن قسم المالك قسمين وهو ظاهر، وإن كان ابن عبد لاسلام قد اعترض أيضًا قال: وعطف المصنف أهل الصلح على صاحب الأرض أنهم بعض أصحاب الأرض.
وَلا يَنْظُرُ الإِمَامُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ العَنْبَرِ وَاللُؤْلُؤِ وَغَيْرِهِ
قد تقدم أيضًا هذا في الزكاة من كلام المصنف ونص على أنه لواجده من غير تخميس. قال في المدونة: وأما التراب يوجد بساحل البحر فيغسل فيخرج منه ذهب أو فضة ففيه الزكاة كالمعدن.
وَأَمَّا الْمَاءُ فِي آنِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ فِي مِلْكِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَنْعُهُ
نبه بقوله: (فِي آنِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ) على أنه لا فرق في ذلك بين ما ينقص بالاغتراف ولا يخلفه غيره كالآنية أوي خلفه غيره كالبئر فيجوز له بيعه ومنعه على المشهور. وقال يحيى بن يحيى: أربع لا أرى أن تمنع: الماء والنار والحطب والكلأ، وقد ورد بمنع هذه الأربعة حديث ضعيف. وقيد ابن رشد هذا بالخلاف بما إذا كان البئر أو العين في أرضه بما لا ضرر عليه في الدخول إلى الاستسقاء منها، وأما البئر التي في دار رجل أو حائطه قد حط عليها فله أن يمنع من الدخول عليه.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
وقوله: (وَمَنْعُهُ) مقيد بما إذا لم يؤد ذلك إلى هلاك قوم فيجب عليه حينئذ، وهل له أن يأخذ العوض عنه؟ قولان: قال في المدونة: وكل من وجد في أرضه أو داره بئرًا فله منعها وبيع مائها وله منع المارة منها إلا بثمن معهم وإن تركوا من غير ماء هلكوا. وقال أيضًا فيها في الذي انهارت بئره وخاف على زرعه أنَّ له أن يسقي بماء جاره الذي يجوز بيعه بغير ثمن.
ابن يونس: وإحياء النفوس أعظم من إحياء زرعه بغير عوض فلا.
وَمَا يَسِيلُ مِنَ الْجِبَالِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ يُسْقَى بِهِ الأَعْلَى فَالأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ
لما في الموطأ أنه ﵇ قال لسيل مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ "يُمْسَكُ حتى الكعبين ثم يُرْسِلُ الأعلى على الأسفل". ومهزور ومذينب واديان بالمدينة يسيلان. وفي الصحيح أنه ﵊ قال للزبير لما أتى مخاصمًا لغيره: "اسقِ يا زبيرُ ثم أرسلِ الماءَ إلى جارِكَ، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلوَّنَ وجه رسول الله ﷺ ثَمَّ قال: يا زبيرُ اسقِ ثم احبسِ الماءَ حتى يبلغَ الجُدُرَ، قال الزبيرُ: فنزلت ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية" ونظرنا في قوله ﵇ "احبس الماء" حتى بلغ الجدر فكان إلى الكعبين. قال الأئمة: وكأنه ﷺ ندب الزبير إلى إسقاط حقه رعيًا للمجاورة، فلما تكلم بذلك الرجل استوفى للزبير حقه. وقوله: (الأَعْلَى) ظاهر التصور.
ابن نافع: والنيل كذلك، فإن كان الجنانان متقابلين قسم الماء بينهما وإن كان الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى حكم لمقابل الأعلى بحكم الأعلى والمقابل الأسفل بحكم مقابله. واختلف هل قوله ﵇: "إلى الكعبين" بعد ري الجنان وإليه ذهب ابن الماجشون ومطرف
[ ٧ / ٢٦٦ ]
وابن وهب، أو قبل ريه، وأما إذا روي فيرسل الجميع وهو قول ابن القاسم وابن رشد، والأول أظهر.
قال ابن كنانة: بلغنا أنه إذا سقى الزرع أمسك الماء حتى بلغ إلى شراك النعل، وإذا سقى النخل والشجر وما له أصل حتى يبلغ الكعبين، وأحب إلينا أن يمسك غيره حتى يبلغ الكعبين لأنه أبلغ في الري. وروى زياد عن مالك معنى الحديث أن يجري الأول في الماء بقدر ما يكون في ساقيته إلى الكعبين حتى يروي حائطه ثم يفعل الذي يليه كذلك، واستحسنه ابن مزين. وجوز ابن رشد أن يكون وفاقًا لرواية غيره قال: أما إذا لم يكن فيه فضل عما يسقى فيه واحد بعد واحد فإنه يكون خلافًا، قال: وهو الأظهر.
وعلى المشهور يرسل الأعلى جميع الماء في حائطه ثم ينتهي إلى الكعبين ثم من تحت كذلك هكذا أبدًا ما لم يحتج الأول إلى إعادة السقي ثانية فيكون أحق به ثم الذي تحته، فلا يكون في الماء حق لمن لم ينته إليه متى احتاج الأعلى إلى إعادة السقي، وعلى رواية زياد لا يأخذ جميعه بل يأخذ منه في ساقيته بقدر ما يكون إلى الكعبين ثم من تحته كذلك حتى يتم الماء، وأما إن لم يكن في الماء فضل ولا يتأتى به الفضل إلا الواحد فلا حق للأسفل إلا ما فضل عن الأعلى.
وَيُؤْمَرُ بِالتَّسْوِيَّةِ فَإِنْ تَعذَّرَ سَقَى كُلَّ مَوْضِعٍ عَلَى حِدَةٍ
أي: ويؤمر الأعلى بتسوية أرضه إن كان بعض أعلى من بعض.
قال سحنون: فإن تعذرت عليه التسوية سقى كل ما كان مستويًا على حدة وعد كأنه حوائط، قاله الباجي.
إِنْ حَدَثَ إِحْيَاءُ الأَعْلَى فَالأَقْدَمُ أَحَقُّ
هو كالتقييد لما ذكر من تبدية الأعلى، وهكذا قال سحنون ورأى أن هذه الصورة تخرج من عموم الحديث ضرب من الاستدلال، لكن زاد سحنون على ما ذكره المصنف
[ ٧ / ٢٦٧ ]
في فرض المسألة زيادة فقال: إن أراد أن ينفرد الأعلى بالماء ويسقي قبل الأسفل الذي أحيا قبله وذلك يبطل عمل الثاني ويتلف زرعه، فالقديم أولى بشرط في إخراج هذه الصورة من العموم أن يكون زرع الأقدم يخشى عليه فيحتمل أن يرى أن الأقدم [٦٣٣/ب] أولى إذا فقد هذا الشرط رعيًا لظاهر الحديث ما أمكن.
فَإِنْ كَانَ مَسِيلُهُ فِي مَمْلُوكِهِ فَلَهُ حَبْسُهُ مَتَى شَاءَ وَإِرْسَالُهُ
هكذا قال سحنون، يعني وإن أحب ألا يرسله فذلك له؛ لأن بدخوله في أرضه يصير أحق به من غيره كما لو صدته نيته وهذا مقابل قوله أرض مباحة أي غير مملوكة.
فَإِنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي إِجْرَاءِ مَاءٍ إِلَى أَرْضِهِمْ لَمْ يُقَدَّمِ الأَعْلَى، وَكَانَ بَيْنَهُمْ يُقَسِّمُونَهُ بِالْقِلْدِ وَشِبْهِهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ
تصوره ظاهر، ولم يقدم هنا لأن الماء ملكوه قبل وصوله إلى أرضهم بسبب أعمالهم، ويحسب ذلك العمل ويقسم بينهم عليه، ولما ذكر القلد أخذ يفسره فقال:
وَالْقِلْدُ قِدْرٌ يُثْقَبُ وَيُمْلَأُ مَاءً لأَقَلِّ جُزْءٍ وَيَجْرِي النَّهْرُ لَهُ إِلَى أَنْ يَنْفَدَ ثُمَّ كَذَلِكَ لِغَيْرِهِ
القدر لغة الحظ من الماء قاله صاحب المحكم، وإطلاقه على القدر من إطلاق الحالِّ على المحل. وذكر المصنف ثلاث صفات: الأولى أن يثقب القدر بمثقاب ويملأ ماء لأقلهم جزءًا كما لو كان الثمن، ثم يعلق على ثلاثة شعب ولا يزال النهر جميعه يجري إليه حتى ينفد ما في القلد، ثم يجعل لصاحب النصف أربعة أمثاله أربع قدور ثم كذلك، فإن اختلفوا فيمن يبدأ به فالقرعة.
[ ٧ / ٢٦٨ ]
أَوْ يُعْرَفَ مِقْدَارُ مَا يَسِيلُ مِنْهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَيُقْسَمُ عَلَى أَنْصِبَائِهِمْ، وَيَجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِقْدَارَهُ فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ بِمِثْقَابِ الأَوَّلِ وَيَجْرِي مِنَ النَّهْرِ لَهُ حَتَّى يَنْفَدَ
هذه هي الصفة الثانية، وذكر أنه ينقب القدر بثقب فيوضع على يد أمين ثم يعلق القدر مع انصداع الفجر ويجعل تحتها ما ينصب فيه، وكلما هم أن ينضب الماء زاد فيه حتى يكون سيله معتدلًا لأن النهار كله والليل كله إلى انصداع الفجر فينحيانها ويقتسمان ما اجتمع من الماء على أقلِّهم سهمًا أو كيلًا أو وزنًا ثم يجعل لكل واحدٍ قدرٌ تحمل سهمه من الماء ويثقب كل قدر بمثقاب الأول، فإذا أراد أحدهم السقي غلق قدره بمائه وصرف له الماء كله مدة سيل الماء من القدر، وكلمّا هم أن ينضب الماء من القدر زيد فيه إذا كان له أكثر من قدر واحد ثم كذلك، وإن اختلفوا في البداية اقترعوا؛ هكذا ذكر هذه الصفة ابن حبيب عن عبد الملك وغيره من علماء المدينة، وعلى هذا فقول المصنف: (فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ) ليس بظاهر لأنهم قالوا: يجعل لكل واحد نصيبه في قدر، ولهذا اعترض ابن يونس فإنهم إذا اختلف أنصباؤهم كان صاحب الكثير مغبونًا؛ لأن القدر كلما كبرت ثقل فيها الماء وكثر جريه من الثقب حتى يكون مثلي ما يجري من الصغيرة أو أكثر فيأخذ صاحب القدر الصغيرة أكثر من حقه لخفة جري الماء، قال: والذي أراه لصاحب الكثير في القدر الأول.
وقد يقال لعل المصنف أراد بقوله: (فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ) القولين؛ أي: قول المدنيين وقول ابن يونس وتكون (أَوْ) للتفصيل، لكن هو بعيد من كلامه.
عياض: واعتراض ابن يونس صحيح، وقد غفل عما هو أشد منه وهو قوله: "وكلما هم الماء أن ينضب" فهذا فيه من الاعتراض نحو ما ذكره؛ لأن صاحب القدر من الثقب وهي ممتلئة بخلاف صبها بعد نقصها، ولو قال كلما نقص من الماء شيء زاده ليكون أخلص حتى يكون جري الماء من الثقب على حد واحد، وقد تفطن لها أبو عبد الله بن
[ ٧ / ٢٦٩ ]
العطار وقال: متى نقص الماء من القدر ملأها ولعله مراد ابن حبيب، وإن كان النضوب في لسان العرف إنما هو عدم الماء وذهابه لا نقصه.
ابن العطار: وإن كان ابتداء شركهما في الأرض معلومًا من ميراث أو شراء أو نحوه وماء القدر حينئذ بينهم، ثم تقاسموا فيحسب زمان البعيد منه من وقت أرسل إليه لا من وقت وصوله إلى أرضه؛ لأن الأرض قد ضمت على حالها من القرب والبعد وإن لم يطم في الأرض التي لها ولا قسمته واشتراك قبل ولا كيف كان ملكهم، يريد وكان ملكهم لها تأخر عن قسمة الأرض فلا يحسب على البعيد لا من وقت وصول الماء إلى أرضه. وقال ابن الماجشون في ورثة قسموا أرضًا ولها ماء كثير يكفي البعيد والقريب في السفر فقلَّ ذلك صار لا يكفي البعيد فأراد نقض القسمة، فقال ينقض قسم الأرض ويرد قسم الماء فيزاد من بعد على من قرب بقدر ما يستوي القريب والبعيد في السقي، فيكون البعيد منه أكثر ما للقريب كما لو قسمت الماء قسمًا واحدًا.
عياض: وهو غير مخالف للأول، قال: وإذا كان هكذا لم تصح قسمته ماء القدر بينهم ولا يقاسمه ولا يجمع ما يخرج من القدر حتى يطلق أول الماء إلى أرضه وماء الثقب من القدر يجري في الأرض مراقًا غير مجموع ولا محبوس، فإذا بلغ أرضه أشهدوا الإناء حينئذ ببلوغه بصوت أو ضرب حتى يبلغهم لحينه فيمتدون حينئذٍ بجميع الماء في الآنية وحسابه على ما تقدم.
أَوْ يُقْسَمُ بِخَشَبَةٍ يُجْعَلُ فِيهَا خُرُوقٌ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ
هذه هي الصفة الثالثة أي ينصب خشبة وتجعل فيها خروق متساوية للأنصباء يجري منها الماء. وقوله (أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أي: مما يوصل إلى القسمة كما لو قسم بالسهام. وقد أطال عياض في هذه المسألة فانظره.
[ ٧ / ٢٧٠ ]
وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي حُفِرَتْ فِي الْفَيَافِي فَلا تُبَاعُ وَصَاحِبُهَا أَوْ وَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِكِفَايَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا حَظَّ فِيهَا لِلزَّوْجَيْنِ، وَلا يُمْنَعُ مَا فَضَلَ
قوله: (وَمَاءُ الْبِئْرِ) والماجل [٦٣٤/أ] لأنه كالبئر على المشهور. وقال المغيرة: له منعه لعظم النفقة فيه وعدم خلف ما أخذ منه فليس كالبئر.
وقوله (الَّتِي حُفِرَتْ) أي: للمواشي، وأما النخل والزرع فقال مالك: له المنع ولا يجبر إلا أن ينهدم بئر جاره ويخاف على زرعه فيقضي له عليه حتىي صلح بئره.
الباجي وغيره: ويشترط في الجبر أربعة شروط:
الأول: أن يكون زرع أو غرس على أصل ماء فانهار وأما إن كان على غير أصل ماء فلا يجبر.
الثاني: أن يخاف على زرعه وإلا فلا.
الثالث: أن يفضل ماء عن صاحب البئر.
الرابع: أن يشرع من انهارت بئره في إصلاحها وإلا فلا.
واحترز بالفيافي مما لو حفرها في ملكه فإن له المنع كما تقدم، والفيافي واحدها فيفاء وهي الصحراء الملساء.
وقوله (فَلا تُبَاعُ) إنما لا تباع؛ لأن العادة جرت فيما حفر على هذا الوجه أن ينتفع ربها بشربها ويبقى ماشيتها ثم يتركها للناس فلذلك كان هو أو ورثته أحق بكفايتهم وما فضل عنه فللناس.
فإن قيل: يباع منها مقدار حق حافرها. قيل: ذلك الحق غير منضبط وإنما يقدر بحسب عوارض الحاجات. وظاهر قول المصنف: (لا تُبَاعُ) أن البيع ممنوع، ونحوه في المجموعة والواضحة ففيها: لا يباع ولا يورث ولا يوهب وصاحبها أو ورثته أحق
[ ٧ / ٢٧١ ]
بحاجتهم، ومن استغنى منهم فليس له أن يعطيه غيره وهو قول ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب، وهو قول أصحابنا وروايتهم عن مالك. ونقل الباجي عن المجموعة أيضًا أنه قال فيها قال مالك: لا يجوز بيع بئر الماشية.
قال عبد الوهاب: وظاهر قوله ﵇ "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
الباجي: وظاهر المدونة أن المنع على الكراهة، ففي الجعل والإجارة: أراه حرامًا أي بيع الماء وبيع أصل البئر.
وصح فيها في موضع آخر بالكراهة قال: وعندي أن الكراهة إذا حفر على معنى الانفراد، وأما إذا حكم له بحكم الإباحة فالتحريم.
ولذلك حمل صاحب البيان ما في المدونة الكراهة أنَّه حفرها لنفسه، وما في المجموعة على أن مالكًا لم يصدّقه في ادعائه أنه حفرها لنفسه، قال: وعلى هذا تتفق الروايات وهو أولى من حملها على التعارض، وصاحبها أو ورثته أي بعد موته أحق بكفايته يحتمل في أنفسهم ويحتمل في أنفسهم ودوابهم، والأول أولى ففي المقدمات: يبدأ أولًا أهل الماء ثم المارة حتى تروى ثم دواب أهل الماء ثم دواب المارة ثم مواشي أهل الماء ثم الفضل لسائر الناس. وقال أشهب: دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء ثم التبدية لجميع ما يروى به إن كان الماء كافيًا للجميع، وإن لم يكن في الماء فضل بدئ بأنفس المجهدين ودوابهم وإن استووا عند أشهب بدئ بالمسافرين.
قال ابن لبابة: إذا استووا في الجهد فأهل الماء أحق بالتبدية لأنفسهم ودوابهم وإن قل الماء جدًا وخيف على بعضهم بتبدية بعض أخذ الماء بقدر ما يذهب عنهم الخوف ثم المسافرون كذلك ثم دواب أهل الماء، قال: ولا خلاف عندي في هذا الوجه، انتهى.
[ ٧ / ٢٧٢ ]
ابن الماجشون: وإن كان لورثته سنة من تقديم ذي المال الكثير أو قوم على قوم أو كبير على صغير حملوا عليه وإلا استهموا.
قال في المقدمات: وهذا عندي إذا استوى قعددهم من حافرها وأما إن كان بعضهم أقرب فهو أحق بالتبدية قَلَّتْ ماشيته أو كثرت.
قوله (وَلا حَظَّ فِيهَا لِلزَّوْجَيْنِ) هكذا قال ابن الماجشون، وتأوله الباجي وابن رشد وغيرهما على ما إذا لم يكن أحد الزوجين من بطن الآخر، وقيل لا يختص ورثة حافرها بما كان له وإنما ذلك لأنه لا تورث بئر الماشية على معنى الملك.
وَالْمُسَافِرُونَ أَحَقُّ مِنَ الْمُقِيمِينَ، وَلَهُمْ عَارِيَّةُ الدَّلْوِ وَالرِّشَاءِ وَالْحَوْضِ
يعني: بعد أهل البئر كما تقدم، ووجهه ظاهر لأنه إذا بدأ بالمسافرين خلصوا لسفرهم وشأنهم.
وقوله (وَلَهُمْ) أي المسافرين على الحاضرين (عَارِيَّةُ) الآلة.
ابن عبد السلام: وهي إطلاقات أهل المذهب أن وجوب عارية الآلة في هذا الباب عامة في حق المليء والفقير، ولعل ذلك لأن مالكًا لم يتخذها للكراء (وَالرِّشَاءِ) ممدودٌ الحبلُ.
فَلَوْ بَيَّنَ حَافِرُهَا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ مِلْكٌ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُ وَلا نَصَّ فِيهِ
أي: لو بين حافر بئر الماشية وأشهد أنه أي المالك، وكلام الباجي ظاهر. ونص في البيان على أن الحكم هنا إنما يملك ولم يذكر خلافه، بل قرره على أنه هو المذهب.
خليل: وهذا مبني على فهمه من المدونة إنما هي أنه حفرها لنفسه وأن ذلك متفق عليه كما تقدم.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
وَأَمَّا تَوَابِعُ الْمَاءِ مِنَ الصَّيْدِ وَالْكَلأِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لَمْ يُمْنَعُ أَحَدٌ
إنما كانت توابع الماء لأنها لا تكون إلا حيث يكون.
وقوله (فَإِنْ كَانَ) أي: في الأصل وهو الماء وهكذا قال في الجواهر، وهذا كالأودية والأنهار والأراضي التي ليست مملوكة وعلة هذه المسألة واضحة، لأنه لما كان الصيد والكلأ غير مملوكين وكان الماء أيضًا غير مملوك كانا كسائر المباحات فمن سبق كان أحق به، (وَالْكَلأِ) مهموز مقصور.
الجوهري: يطلق على الرطب واليابس، وقيل الكلأ بالقصر هو الربيع وبالمد هو الحشيش.
وَأَمَّا الْمَمْلُوكَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ بُحَيْرَاتٍ بِمِصْرَ يَبِيعُ أَهْلُهُا سَمَكَهَا فَقَالَ: لا يُعْجِبُنِي لأَنَّهَا تَقِلُّ وَتَكْثُرُ وَلا أُحِبُّ لَهُ مَنْعَ أَحَدٍ يَصِيدُ. وَقَالَ سُحْنُونٌ: لَهُ مَنْعُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ طَرَحُوهَا فَتَوَالَدَتْ مُنِعَتْ
يعني: وأما إن كان الماء مملوكة، وقوله في رواية ابن القاسم: لا يعجبني هو على المنع بدليل [٦٣٤/ب] تعليله بقوله (لأَنَّهَا تَقِلُّ وَتَكْثُرُ) إذ الجعل مقتضي المنع، وهذه الرواية رواية في المدونة. ورأى ابن الكاتب أنه إنما منع ذلك لأن الأرض ليست لهم وإنما هم متولون لها إذ أرض مصر أرض خراج، وأما إن كان أرض أنساب وملكه فله منع الناس. وقال غيره من القرويين: إنما لا يمنع الناس منها إذا كان لا يصيد ذلك إذ لا يجوز بيعه لأن بيعه غرر، وإلى هذا ذهب صاحب المقدمات لأنه قال: واختلف في الصيد في الغُدر والبرك التي تكون في ملك الرجل فقال ابن القاسم له المنع، ثم ذكر الثلاثة. وذكر الباجي أن ابن حبيب روى عن أصبغ أن ابن القاسم ساوى بين الناس فيما كان في ملكهم أو غير ملكهم كالكلأ.
[ ٧ / ٢٧٤ ]
قوله: (وَقَالَ سُحْنُونٌ: لَهُمْ مَنْعُهُ) أي: لأهل الأرض منع من يصطاد ورأى أنه يملك الصيد لكونه في أرضه. وفرق أشهب فقال: إن طرحوها فتوالدت فلهم المنع، وإن جره الماء فلا. زاد الباجي في قوله بعد قوله: "وإن لم يطرحوها فلا" إلا أن يضر به الصائدون. مطرف وابن الماجشون: لهم المنع فيما كان ملكًا لأهله في حوزهم قالا: وما كان في الأنهار والخلج التي لا تملك لمن له بها سكنى أن يمنع من طرأ.
اللخمي: وأرى الأرض المملوكة على أربعة أوجه: إن طرحوه فيها أو كان في مزدرع وتركها لذلك فهو أحق وإن كان في مزدرع ولم يأت أبان الزراعة ولو أتى لمسيل الماء عنها فهو كالكلأ والماء وإمساكه هنا أشبه من الكلأ ومن فضل ماء البئر لأن الكلأ يملك وفضل ماء البئر يذهب تحت الأرض فلا يمنع ما ينفع غيره وإن تركه هلك وذهب، والحرث يبقى وينمو ويتوالد فكان له منعه وبه أخذ. انتهى.
وَأَمَّا الْكَلأُ فَسَأَلَ ابْنُ دِينَارٍ ابْنَ الْقَاسِمِ، وَابْنُ حَبِيبٍ مُطَرِّفًا عَنْ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَمَا يُبَاحُ فَقَالا: لا يَبِيعُ وَيَمْنَعُ مَا فِي مُرُوجِهِ وَحِمَاهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَيُبَاحُ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِمَّا فِي فُحُوصِها مِنَ الْبُورِ وَالْعَفَا. قَالا: إِلا أَنْ يَكْتَنِفَهُ زَرْعُهُ فَلَهُ مَنْعُهُمْ لِلضَّرَر، وَسُئِلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي بَيْعِهِ إِلا مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ الْعَفَا، وَسَوَّى أَشْهَبُ فِي مَنْعِهِ، وَقَالَ: هُوَ كَالْمَاءِ الْجَارِي لا يَحِلُّ مَنْعُ مَا فَضَلَ عَنْهُ وَلا بَيْعُهُ إِلا أَنْ يَجُزَّهُ وَيَحْمِلَهُ فَيَبِيعَهُ
أي: سأل عيسى ابن القاسم عن رأي مالك وكذلك ابن حبيب سأل ابن الماجشون عن رأي مالك، هكذا صرح به جماعة.
(وَالْمُرُوجُ) جمع مفرده مرج. الجوهري: وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب يسيل فيه الماء وينبت العشب أي في مروجه وحماه مما قد بوره من أرضه، وأما ما فيه فحوصه وهي الأرض التي لم يبورها للمرعى وإنما ترك زراعتها فنبت فيها الكلأ. وحاصل ما
[ ٧ / ٢٧٥ ]
ذكره المصنف في القسمين ثلاثة أقوال، ومعنى يباع ما فضل عنه من البور والعفا يعني أن له أن يمنعه من الفحوص إن احتاج إليه وإلا فلا منع له.
وقوله (قَالا: إِلا أَنْ يَكْتَنِفَهُ زَرْعُهُ) هكذا نقل عنهما في النوادر لأنه نقل عنهما أنهما قالا إلا أن يكون عليه في وصول الناس بدوابهم مضرة مثل فدان فيه خصب وحواليه خصب وحواليه الزرع فله منعهم للضرر. قوله: (وَسُئِلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ) هو القول الثاني والسائل له هو ابن حبيب (فَسَوَّى بَيْنَهُمَا) أي: في القسمين أي بين البور والمروج، فقال: له أن يمنع إن احتاج ويبيع إن لم يحتج إلا ما فضل عنه من العفا وهو ما لا يحرث فليس له منعه. وقال في البيان: باتفاق.
وقوله: (وَسَوَّى أَشْهَبُ فِي مَنْعِ كِلاهُمَا وَبَيْعِهِ) أن يبيع إذا احتاج إليه ولا يبيعه إلا أن يجزه ويحمله ويبيعه هو من نسخة أشهب، ورأيت أن أذكر كلامه في البيان ليتبين لك ما ذكرته ولما فيه من الفوائد وإن كان فيه طول، قال: لا يخلو الكلأ أن يكون في أرض غير مملوكة كالبوادي والفيافي فلا خلاف أن الناس كلهم فيه سواء ليس لأحدهم أن يمنعه، لما في الصحيح: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
واختلف إن سبق أحدهم إليه فنزله فجعل يرعى ما حوله أو حفر بئرًا، هل يكون أحق بقدر حاجته من كلأ ذلك الموضع دون الفضل؟ فقيل ليس هو أحق الناس معه أسوة، وهو نص ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة. وقال أشهب: هو أحق وإن لم يحفر بئرًا فرآه أحق بالسبق، ومعناه إذا انتجع إليه وقصده من بعد وأما إذا مر به فلا يكون أحق بمجرد سبقه أولًا. وأول بعضهم قول أشهب على أنه أحق؛ لأن ذريعته لذلك الجنان إحياء، فيكون أحق بما يحدث فيه من الكلأ مرة أخرى وفي المسألة قول ثالث أنه لا يكون أحق بمجرد النزول إلا أن يحفر بئرًا وهو ظاهر قول المغيرة وأعدل الأقوال وأولاها بالصواب، لأنه لا يقدر على المقام على الماء إذا لم يكن له في ذلك الموضع مرعى
[ ٧ / ٢٧٦ ]
فتذهب نفقته في البئر باطلًا، وكذلك لو سبق بالنزول وبنى فيه بنيانًا أوجب على قياس هذا أن يكون أحق بقدر حاجته لئلا يذهب نفقته باطلًا، وقد قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار".
وأما إن كان في أرض مملوكة فهو على أربعة أقسام: أحدها أن تكون محظرة قد حظر عليها بالحيطان كالجنان والحوائط، والثاني أن تكون غير محظورة إلا أنه حماه من وجه التي قد بورها للمرعى وترك زراعتها من أجل ذلك، والثالث فدادينه وفحوص أرضه التي لم يبورها للمرعى وإنما ترك زراعتها لاستغنائه [٦٣٥/أ] عن زراعتها وليحبسها للحرث، والرابع العفا والمرج من أرض قريبة فالمحظرة أن ما فيها لصاحبه له أن يبيعه ويمنعه احتاج إليه أو لم يحتج وليس لأحد الدخول عليه إلا بإذنه، وأما العفاء والمرج من أرض قريبة فلا خلاف أنه ليس له أن يبيعه ولم يمنع عما فضل عن حاجته منه إلا أن يكون عليه في تخلص الناس بدوابهم ضرر من زرع يكون له حواليه فيفسد عليه بالإقبال والإدبار، وأما الأرض التي بورها للمرعى ويترك الانتفاع بزرعها مدة لأجل ذلك، فقيل: له أن يمنع إن احتاج إليها ويبيع إن لم يحتج إليه ممن يرعاه أو يحصده وهو مذهب ابن القاسم، فإن لم يحتج إليه ولا وجد من يبيعه منه جبر على أن يخلي بين الناس وبينه ولا يباح له أن يمنع الناس ويترك حتى يبس ويفسد، وقيل: له أن يمنع الناس إن احتاج إليه وليس له أن يبيع وهو قول أشهب، وأما فحوص أرضه وفدادينه التي لم يبورها للمرعى فقال ابن القاسم وأشهب: له أن يمنع إن احتاج وليس له أن يمنع إن لم يحتج إليه، فأشهب رأى أنه ليس له أن يبيع مراعي أرضه كان قد بورها للكلأ أو لم يبورها لذلك، وابن القاسم يفرق بين إجازة البيع إذا استغنى عنه وبين الأرض التي بورها للمرعى وبين الأرض التي لم يبورها للمرعى فتحصل في مجموع الطريقتين ثلاثة أقوال، وفي كل طرف منها على انفرادها قولان.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وقد اختلف فيما وقع في حريم البئر من المدونة من قول مالك: إن كانت له أرض فلا بأس أن يبيع كلأها إذا احتاج إليه وإلا فليخل بين الناس وبينه، ومن قوله فيها: لا بأس أن يبيع الرجل خصب أرضه ممن يرعى عامة ذلك بعد أن ينبت ولا يبيعه عامين ولا ثلاث فقيل إن ذلك اختلاف من قوله، فمرة رأى للرجال أن يبيع خصب أرضه كان قد وقفها للمرعى أو لم يوقفها مثل قول ابن الماجشون، ومرة رأى أنه ليس له أن يبيعه كان قد وقف الأرض للمرعى أو لم يوقفها له مثل قول ابن القاسم، وهو تأويل عيسى ابن دينار له. انتهى.
***
[ ٧ / ٢٧٨ ]
الْوَقْفُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ
الأفصح فيه وقف.
الجوهري: وفيه لغة رديئة أوقفت قال وحبست فرسًا في سبيل الله أي وقفته فهو محبوس، وحُبس والحبس بالضم ما وقف.
واختار المصنف لغة الوقف على لفظ الحبس لأنه أتمه كما سيأتي.
الْمَوْقُوفُ: يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لا الْمُسْتَاجَرِ مِنَ الأَرَاضٍي وَالدِّيَارِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَصَانِعِ وَالآبَارِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ- شَائِعًا أَو غَيْرَهُ
(الْمَوْقُوفُ) خبر ابتداء محذوف، أي الركن الأول: الموقوف ويصح وقف العقار المملوكة له رقبته لا منفعته وهو يعني (لا الْمُسْتَاجَرِ) واعترض على المصنف بأن ظاهره أن المنافع المملوكة دون الرقبة لا يصح وقفها، وفي الإجارة من المدونة: ولا بأس أن يكري أرضه على أن يتخذ مسجدًا عشر سنين فإذا انقضت كان النقض للذي بناه. (وَالْمَصَانِعِ) هو البنيان المرتفع.
وقوله (شَائِعًا أَو غَيْرَهُ) يعني يجوز وقف العقار سواء كان شائعًا كما لو وقف نصف دار أو غير شائع. ولا يريد المصنف أنه يجوز وقف المشاع من غير إذن الشريك فإن ذلك لا يجوز ابتداءً؛ أعني فيما لا يقبل القسمة. واختلف إن فعل هل تنفذ تحبيسه أم لا؟ وعلى الثاني اقتصر اللخمي آخر الشفعة، قال: لأن الشريك لا يقدر حينئذ على بيع جميعها وإن فسد فيها شيء لم يجد من يصلح معه، واختار ابن زرب الأول.
اللخمي: وإن كانت الدار مما ينقسم جاز له الحبس إذ لا ضرر عليه في ذلك.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
وسأل ابن حبيب ابن الماجشون عمَّن له شريك في دور ونخل مع قوم فتصدق بحصته من ذلك على ولده أو غيرهم صدقة محبسة، ومنها ما ينقسم ومنها ما لا ينقسم ومن الشركاء من يريد القسمة، قال: يقسم بينهم فما أصاب المتصدق منها فهو على التحبيس وما لا ينقسم يباع، وما أصاب المتصدق من الثمن في حصته اشترى به ما يكون صدقة محبسة في مثل ما سبلها فيه المتصدق. واختلف هل يقضي عليه بذلك أم لا؟
وَفِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: لا خِلافَ فِي الْخَيْلِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً
أي: وفي جواز وقف الحيوان ومنعه بحذف مضافين. والصحيح وهو مذهب المدونة الجواز، لما في الصحيحين أنَّ خالدًا ﵁ حبس أدرعه وأعبده في سبيل الله- بالباء الموحدة من أسفل، وفي رواية اعتده بالمثنات من فوق. ولما في البخاري من قوله ﵇: "من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا وتصديقًا بوعده كان شبعه وريه في ميزانه يوم القيامة". وفي البيان ثالث بالكراهة في الحيوان والعروض، ورابع بالجواز في الخيل والكراهة فيما عداها، وخامس بالكراهة في الرقيق خاصة لأنه ضيق على العبيد في العتق وهي لمالك في الموازية، وهذا هو القول الأخير في كلام المصنف.
قال في البيان: وهذا إنما هو في التحبيس المعقب أو على النفر بأعيانهم، وأما تحبيس ذلك لينتفع بعينه في السبيل أو ليجعل غلة ما له غلة من ذلك بكراء أو غيره موقوفة لإصلاح الطرق وبناء المساجد فلا خلاف في جوازه ما عدا العبيد وإلا فمكروه فيهم للتضييق.
وَلا يَصِحُّ وَقْفُ الطَّعَامِ
نحوه في الجواهر، وعلله بأن منفعته لا تكون إلا باستهلاك عينه، وإنما يكون الوقف مع بقاء الذوات لينتفع بها مع بقاء عينها [٦٣٥/ب] وفيه نظر، ففي البيان: وأما الدنانير
[ ٧ / ٢٨٠ ]
والدراهم وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه التحبيس فيه مكروه، وإن وقع كان فيه لآخر العقد مالك، إن كان معقبًا وإن لم يكن معقبًا وكان على معنيين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم. وفي المدونة في كتاب الزكاة جواز وقف الدراهم والدنانير لتسلف وقد ذكره المصنف، فالطعام ينبغي أن يكون كذلك.
وفي المتيطية وثيقة بتحبيس امرأة دراهم أو دنانير على ابنتها لتنفقها في نفسها أو نحو ذلك، وفيها أيضًا وثيقة ذلك على رجل يتجر بها.
ابن راشد: وفي الحقيقة هو قرض، ولعل مراد المصنف وابن شاس أنه لا يصح وقفه بشرط بقاء عينه.
الثَّانِي: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، فَلا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَأَهْلًا، فَإِنْ رُدَّ فَقِيلَ: يَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ مِلْكًا
أي: الركن الثاني الموقوف عليه، ويشترط قبول الموقوف عليه إذا كان غير معين كالفقراء ونحوهم إذ لو اشترط لما صح الوقف ولما صح أيضًا على المساجد وغيرها إلا المعين فيشترط قبوله.
(وَأَهْلًا) أنه لم يكن أهلًا للقبول كالصغير والسفيه يكون كغير المعين.
ابن عبد السلام وغيره: فيه نظر، وينبغي أن يقام من يقبل له كما لو وهب له أو تصدق عليه.
وقوله (فَإِذَا رُدَّ) أي: الأهل فقيل يكون لغيره وهو وقف، وهذا القول لمالك في الموازية لأن فيها: من أوصى بفرسه في سبيل الله وقال أعطوه فلانًا فلم يقبله فلان كان حبسًا وأعطي لغيره، وإن لم يقل حبسًا رد إلى ورثته والقول بأنه يرجع ملكًا منسوب لمطرف. وقيد اللخمي الخلاف بما إذا قصد بوقفه القربة وقال: أرى إن أعطاه ليركبه ليس ليغزو عليه أن يرجع ميراثًا، وإن كان ليغزو عليه فهو موضع الخلاف.
[ ٧ / ٢٨١ ]
وَيَصِحُّ عَلَى الْجَنِينِ، وَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ، وَعَلَى الذِّمِّيِّ، بِخِلافِ الْكَنِيسَةِ وَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَشِبْهِهِ، وَالْوَقْفُ فِي مَعْصِيَةٍ بَاطِلٌ
ما ذكره من صحة الوقف على الجنين نص عليه محمد بن السليم وابن العطار وابن زرب والباجي في وثائقه.
ابن العطار: وزعم بعضهم أن التحبيس على الحمل لا يجوز وذلك جائز بدليل جوازه على الأعقاب.
ولعل المصنف ذكر قوله: (وَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ) كاستدلال ابن العطار والصدقة كذلك.
الباجي: وقيل إن الصدقة لا تكون على الحمل. وقوله: (وَعَلَى الذِّمِّيِّ) لأن في الصدقة عليه أجر. ونقل ابن وهب عن مالك جواز وصية المسلم للذمي وهو كالوقف.
أصبغ: لا تجوز الوصية للحربي لأن في ذلك قوة لهم على حربهم، ولا فرق في ذلك بين الوصية والحبس.
وقوله: (بِخِلافِ الْكَنِيسَةِ) الباجي: ولو حبس على كنيسة فالأظهر عنده أنه يرد لأنه وجه معصية كما لو صرفها في شراء الخمر وإعطائها لأهل الفسق، فظاهر هذا أنه غير منصوص وهو خلاف كلام المصنف.
ابن عبد السلام: وكلام الباجي صحيح وكذلك عكس هذه المسألة، وقد قال مالك في نصرانية بعثت دنانير إلى الكعبة فقال: يرد إليها.
قوله: (وَالْوَقْفُ فِي مَعْصِيَةٍ بَاطِلٌ) ظاهر، ولو سكت عنه لأخذ مما تقدم.
وَلا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْقُرْبَةِ
لما ذكر أن الوقف في معصية باطل خشي أن يتوهم منه اشتراط ظهور القربة فبين أن ذلك غير مشترط فيه بل يصح، يعني إذ هو من باب العطية والهبة.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
وَلا يَصِحُّ عَلَى وَارِثٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
لأنه راجع إلى الوصية ولا يجوز، قال ﵇: "وإن اللهَ أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ".
وَإِنْ شَرَكَ فمَا خَصَّ الوَارِثَ فَمِيرَاثٌ، وَرَجَعَ بَعْدَ مَوْتِ الْوَارِثِ إِلَى مَرْجِعِهِ
يعني: وإن شرك المريضُ الوارثَ في الوقف مع غيره فذلك لا يوجب صحة الوقف مطلقًا وإنما يصح منه لأجنبي، وما خص لوارث على وجه الملكية إن لم يكن معقبًا، وإن كان معقبًا رجع النصيب الموقوف بين جميع الورثة. ولا يبطل الوقف بسبب ما فيه من التعقب ويبقى بيد جميع الورثة على حكم الإرث ما دام المحبس عليه موجودًا، فإذا انقرض المحبس عليه رجع إلى مرجعه.
ابن عبد السلام: وإنما يتم ما ذكره المصنف إذا كان الوارث الذي شارك مع الأجنبي بعض الورثة لا كلَّ الورثة، ولكن اتكل المصنف في بيان ذلك على المثال الذي ذكره.
فَلَوْ وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْلادٍ وَأَرْبَعَةِ أَوْلادِ وَلَدٍ وَمَاتَ وَتَرَكَهُمْ وَأُمًّا وَزوْجَةً وَالثُّلُثُ الْموْقُوفُ يَحْمِلُ فَلِوَلَدِ الْوَلَدِ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ وَقْفًا، وَالْبَاقِي لْلْوَلَدِ مَوْقُوفٌ بِأَيْدِيهِمْ يُقَسَّمُ عَلَى الْوَرَثَةِ كَغَيْرِهِ
هذه المسألة تعرف بمسألة ولد الأعيان، وقد أفرد الشيخ أبو محمد لها تأليفًا. وقال سحنون: إنها من حسان المسائل وقلَّ من يعرفها، وهي في أكثر الكتب خطأ لدقة معانيها وغامض تفريعها، وليس غرضنا بها حكاية كلامهم بل جل كلام المصنف.
وقوله: (وَلَوْ وَقَفَ) يعني دارًا أو غيرها، واحترز بمرضه مما لو وقف في صحته فإن ذلك ينفذ، والمراد المرض المخوف فيه على المريض.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
قوله: (عَلَى ثَلاثَةِ أَوْلادٍ) أي: صلب وهم أولاد الأعيان (وَأَرْبَعَةِ أَوْلادِ أَوْلادٍ) يريد: أو عقبهم فلذلك لم يبطل ما ناب أولاد الصلب لتعلق حق غيرهم به، فإنه لو مات أولاد الصلب رجع جميعه ونفى لأولاد الأولاد وأعقابهم ولأنه لو مات جميع من حبس عليهم رجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس، وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن الوقف معقب لكونه شرطًا في المسألة.
وقوله: (وَمَاتَ وَتَرَكَهُمْ) أي: السبعة وترك أمًا وزوجة والثلث يحمل ما وقفه؛ لأنه وصية التونسي وإن لم يحمل الثلث فما خرج في الثلث عمل فيه ما يعمل لما حمله الثلث.
وقوله (فَلِوَلَدِ الْوَلَدِ إلخ) يعني: فيقسم جميع الوقف [٦٣٦/أ] على سبعة: أربعة لولد الولد حبسًا.
سحنون ومحمد: إن كانت حالتهم واحدة وإلا فعلى قدر الحاجة.
ابن القاسم: والذكر والأنثى فيه سواء. قال في البيان: وهذا هو المشهور، وظاهر ما في العتبية لابن القاسم أنه لا يفضل هنا محتاج على غيره وهو مذهب ابن الماجشون، لأن الحبس في المرض كان بمعنى الوصية لا يفضل فقيرهم على غنيهم، وإذا اقتسمناه على سبعة: أعطي ولد الأعيان ثلاثة أسهم فتأخذ الأم سدسها والزوجة ثمنها ثم يقسم الباقي بينهم أثلاثًا، ودخلت الزوجة والأم لأنهم إنما أخذوه على سبيل الإرث، ولا يختص وارث عن آخر، ولهذا لو كان في ولد الأعيان أنثى لقسم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الأَوْلادِ رَجَعَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي يَقْسِمُهُ الْوَرَثَةُ وَيَدْخُلُ جَمِيعُ وَرَثَةِ الْوَلَدِ الْمَيْتِ بِنَصِيبِ وَلَدٍ لأَنَّهُ كَمِيراثٍ
يعني: (فَلَوْ مَاتَ) والمسألة بحالها أولًا: أحد ولد الأعيان (رَجَعَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الثُّلُثَانِ) وظاهره أن القسمة تنتقض وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى بن يحيى وقول سحنون
[ ٧ / ٢٨٤ ]
ومحمد ابن يونس، وهذا كما ينتقض بحدوث ولد الأعيان أو لأحد ولد الولد، قال: ولا أعلم في نقض القسمة هنا خلافًا ولا ينتقض بموت الزوجة أو الأم اتفاقًا، وإذا انتقضت القسمة قسم جميع الحبس على ستة: اثنين للباقين من ولد الأعيان وأربعة لولد الولد، وهذا معنى قوله (رَجَعَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الثُّلُثَانِ).
قوله: (وَالْبَاقِي) أي: السهمان يقسم على ورثة المحبس فلأم المحبس سدسها وللزوجة ثمنها ثم يقسم الباقي على ثلاثة فيأخذ الولدان الباقيان اثنين ويحيا الميت بالذكر فما نابه يكون لورثته من كانوا، يدخل فيه زوجة المحبس إن كانت أمه، وما كان من ولد الولد ولده وغيره ممن هو وارث له ويصير بيد ولد هذا الميت نصيب، بمعنى الحبس من جده ونصيب بمعنى الميراث من أبيه، وعلى هذا فلو مات آخر من ولد الأعيان انتقض أيضًا القسم ويقسم كله على خمسة كما تقدم، وإن مات الثالث رجع الحبس كله لولد الولد.
وروي عن ابن القاسم في العتبية قول آخر أن القسم لا ينتقض وقاله سحنون أيضًا، فإذا مات أحد أولاد الأعيان وقسم ما كان أخذه من القسمة الأولى وهو سُبُعُ الحبس بانضمام ما أخذتا منه أم الميت الأولى وزوجته، وبه يكمل السبع فيقال لهذه الأم والزوجة قد كنتما تحتجان عليه أن يستأثر بذلك وأنتما وارثان معه، وقد نزلت هذه الحجة فيقسم هذا السبع على ولد الولد وعلى الباقين من ولد الأعيان بالسواء، فما ناب ولد الولد أخذه ومن ناب الباقين من ولد الأعيان أخذت والدة المحبس وزوجته منه السدس والثمن ويقسم الباقي على الباقين، وعلى الميت أن يحيا بالذكر ويكون ما نابه لورثته.
سحنون: وإنما هذا في الثمار وأشباهها من الغلات، وأما فيما يسكن من دار أو زرع من أرض فلابد من نقض القسْم في جميع الحبس.
ورأى ابن يونس أن هذا إنما يصح على القول بعدم نقض القسْم. فإن قيل: فهل ينظر لهذا الخلاف في المعنى أثر؟ قيل: نعم، وقد بين ذلك ابن يونس فانظره.
[ ٧ / ٢٨٥ ]
فَلَوْ مَاتَ أَوَّلًا أَحَدُ وَلدِ الْوَلَدِ رَجَعَ لَهُمُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ فَلَوْ انْقَرَضُوا رَجَعَ الْجَمِيعُ كَمِيرَاثٍ لِلْوَرَثَةِ
أي: فلو مات أولًا أحد وَلَدِ الْوَلَدِ ولم يمت من أولاد الأعين شيء رجع لولد الولد النصف، ظاهره أن القسْم يُنتقض وهو أحد قولي ابن القاسم خلافًا لقوله الآخر، ولا يخفى عليك مما تقدم ما يأتي على كل قول.
وقوله: (فَلَوْ انْقَرَضُوا) أي: أولاد الولد (رَجَعَ الْجَمِيعُ كَمِيرَاثٍ) إنما قال: (كَمِيرَاثٍ) لأنه ليس بميراث حقيقة بل إنما ينتفعون به انتفاع الملك، ولو انقرض أيضًا ولد الأعيان رجعت الدار مثلًا حبسًا على أقرب الناس بالمحبس، قاله في المدونة.
قوله: (رَجَعَ الْجَمِيعُ كَمِيرَاثٍ لِلْوَرَثَةِ) أي: فتدخل الأم، هكذا روى يحيى عن ابن القاسم وابن عبدوس عن سحنون، وقاله عيسى في العتبية خلاف ما له عند ابن عبدوس، ولا تدخل فيه الأم والزوجة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله:
وَقَالَ سُحْنُونٌ: لا تَدْخُلُ الأُمُّ وَالزَّوْجَةُ لأَنَّ رُجُوعَهُ لِلْوَقْفِيَّةِ لأَنَّهُمْ أَوْلَى
قوله: (لأَنَّ رُجُوعَهُ لِلْوَقْفِيَّةِ) أي: رجوعه مرجع الأوقاف لا مرجع الميراث لأنه يكون لأقرب الناس بالمحبس، ويتضح لك قول سحنون هنا بالوقوف على كلامه في العتبية فإنه قال: وإنما تقاسم الأم والزوجة ولد الأعيان إذا هلك الأول وبقي اثنان أو هلك اثنان وبقي واحد، وأما ما يرجع إليهم من حق ولد الولد فلا تدخل فيه الأم والزوجة لأن ذلك مما يرجع إليهم من وصية قد أنفدت لوجهها ولم تكن فيها محاباة لوارث.
سحنون: ألا ترى لو أن رجلًا أوصى لولد ولده بئرًا وحبس عليهم وله ولد بصلبه وأم وزوجة لكانت وصيته نافذة لهم لأنهم غير ورثة ولم يكن للزوجة فيها مقال ولا لأم فكذلك هنا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (لأَنَّ رُجُوعَهُ لِلْوَقْفِيَّةِ) ولم يرجع على معنى الوصية.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
وقوله: (لأَنَّهُمْ) أي لأن أولاد الأعيان أولى من غيرهم بمرجع الحبس.
وفي بعض النسخ (لأَنَّهُمْ أَوْلادٌ) أي: فيكونون أحق بالمرجع؛ لأنهم أقرب الناس بالمحبس. قال في البيان: وقول ابن القاسم أن الزوجة والأم يدخلان فيما يرجع إليهم من حق ولد الولد هو [٦٣٦/ب] الصحيح لأنه وصية لوارث إذا لم يرجع إليهم مرجع الأحباس وإنما رجع إليهم بحكم تحبيس المحبس عليهم، وإلى هذا أشار التونسي كما نقله عنه المصنف بقوله:
قَالَ التُّونُسِيُّ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ صَوَابٌ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ لا يَكُونُ مَعَ وُجُودِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ
يعني: أن ما ذكره سحنون من رجوع الوقف للأولاد يعني مراجع الأحباس ليس بجيد وأنه رجع إليهم فإنهم المحبس عليهم، وإذا كانوا محبسًا عليهم امتنع الرجوع بمعنى الوقفية إذ الرجوع مشروط بانقراض من حبس عليه، وكذلك قال اللخمي أنَّ قول ابن القاسم أصوب، وهذا القدر كاف في تصور كلام المصنف، ومن أحب الزيادة فليقف على كلام الشيخ أبي محمد فيها وكلامه في البيان وكلام ابن يونس كاف فيها والله أعلم.
وَلا تَخْرُجُ لِلأُمِّ وَالزَّوْجَةِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الأَوْلادُ فَيَرْجِعَ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبَّسِ
ظاهر التصور.
وَلا يَصِحُّ وَقْفُ الإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَفْرَدَ
لأن فيه تحجيرًا على نفسه وعلى وارثه بعد الموت ولأنه لابدَّ من تغاير المعطي والمعطى، والثاني نقله الباجي وابن شاس.
ابن عبد السلام: وغيرهم عن ابن شعبان.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
وَكَرِهَ مَالِكٌ إِخْرَاجَ الْبَنَاتِ، وَقَالَ: عَمَلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِذَا وَقَعَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الشَّانُ يُبْطَلُ، وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ حَيزَ مَضَى، وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَلْيَرُدَّهُ مُسَجَّلًا، وَقَالَ أَيْضًا: إِن فَاتَ مَضَى وَإلا فَلْيَجْعَلْهُ مُسَجَّلًا، وَقِيلَ: يَجُوُز عَلَى الْبَنِينَ خَاصَّةً، وَعَلَى الْبَنَاتِ خَاصَّةً، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ مَبْنِيُّ عَلَى الْهِبَةِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ
وقع في المجموعة أن عائشة ﵂ نهت عن إخراج البنات من الحبس وقالت: ما مثل ذاك إلا كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩].
وقوله: (وَكَرِهَ مَالِكٌ .. إلخ) هو رواه علي وغيره عن مالك، فإن وقع فروى ابن القاسم عن مالك: الشأن يبطل؛ وقاله ابن شعبان، وزاد في العتبية أنه يبطل إذا شرط أن من تزوج منهن بطُلَ حقُها.
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) يوهم أنه قاله وإنما رواه، وانظر هل هذا القول مخالف للأول لأن الكراهة تقتضي الإمضاء بعد الوقوع، وهكذا فهم اللخمي عنه.
ابن عبد السلام: والمراد بالكراهة التحريم، ويدل عليه تعليله ذلك بأنه من عمل الجاهلية وليكون موافقًا للقول الثاني.
وقوله: (الشَّانُ) أي عمل الصحابة.
وقوله: (وَقَالَ أَيْضًا) ابن القاسم (إِنْ حَيزَ) عنه (مَضَى) على ما حبسه (وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَلْيَرُدَّهُ مُسَجَّلًا) أي: مطلقًا وعامًا للبنين والبنات، يقال أسجلت الشيء إذا أمكنت من الانتفاع به من غير قيد.
وقوله: (وَقَالَ أَيْضًا) تصوره ظاهر، وظاهره أن الفوات بغير حرز، وفي البيان: ظاهر قول مالك أن الحبس لا يجوز ويبطل على كل حال خلاف مذهب ابن القاسم أنه يمضي إذا فات ولا ينقض، وفوت الحبس عنده أن يحاز عن المحبس، انتهى.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وقال اللخمي: وقال ابن القاسم: إن كان المحبس حيًا فيفسخه ويدخل فيه البنات، وإن حيز أو مات كان على ما حبسه عليه، وقال: إن كان المحبس حيًا فليفسخه ويجعله مسجلًا وإن مات لم يفسخه، انتهى.
محمد: وإنما يفعل ما قال مالك من حبس الحبس وجعله مسجلًا إذا لم يأت من حُبِّس عليهم، وإن أبرأ لم يجز فسخه وبقي على ما حبس وإن كان حيًا إلا أن يرضوا برده وهم كبار.
وقوله: (يَجُوُز إلخ) هو قول ابن نافع وهو في مختصر الوقار فظاهره من غير كراهة.
وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ مَبْنِيُّ عَلَى الْهِبَةِ) يحتمل هذا أن يعود على الخلاف وأن يعود على القول الرابع فقط، لكن الباجي آلا رابعًا فيتعين الأول، على أن صاحب البيان ذكر ما يخالف إجراء الباجي فقال: إخراج البنات من الحبس عند مالك أشد في الكراهة من هبة الرجل لبعض ولده دون بعض إذ لم يختلف في قوله في الهبة. انتهى.
وخرج اللخمي الأقوال فيما إذا تصدق على بعض دون بعض.
وشَرْطُ الْوَقْفِ حَوْزُهُ عَنْهُ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِ مَوْتِهِ وَإِلا بَطَلَ
وقع هذا إلى قوله: (الصِّيغَةُ) في بعض النسخ وهي نسخة ابن راشد وابن عبد السلام. ووقع في بعضها بعد قوله: (الثَّالِثُ الصِّيغَةُ) عقب قوله: (ثُمَّ عَلَى الْفَقِيرِ) ثم بعده، (وَالْوَقْفُ لازِمٌ) وهذه النسخة هي الصواب، لأن المصنف ذكر أول الباب أن أركانه أربعة وهذا هو الرابع، وقد صرح ابن شاس بذلك؛ فإن قلت الشرط خلاف الركن، قيل: أطلقه عليه مجازًا لأنهما قد اشتركا في أن الماهية لا توجد دونهما.
فإن قلت: وكذلك على النسخة الأولى تكون الصيغة هي الركن الرابع.
قيل: وقد صرح المصنف بأنها الركن الثالث واشترط فيها الحوز؛ لأنه أحد أنواع العطايا فاشترط فيه ذلك كسائرها، وذكر أن من شرط الحوز أن يكون قبل فلسه وموته
[ ٧ / ٢٨٩ ]
ومرض موته وإلا؛ أي: وإن لم يقع قبل ذلك بطل الوقف، فقوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) غير قوله: (مَرَضِ مَوْتِهِ) لأنه لا يلزم أن تقول كل موت مرض.
فرع:
ومن هو الحائز؟ فنقول: التحبيس إذا كان على المساجد ونحوها فلا يفتقر إلى حائز إذا دخل بين الناس وبينه صح وإن كان على معين لم يكن بدٌّ من حيازته، ثم إن كان رشيدًا وحاز لنفسه فلا إشكال وإن كان محجورًا عليه فقال ابن الهندي تصح حيازته لأن القصد خروج ذلك من يد المحبس. ووقعت في أيام القاضي منذر بن سعيد فشاور فقهاء بلده فأجمعوا على أن ذلك حيازة حاشا إبراهيم بن إسحاق والقاضي في وثائقه كقول ابن [٦٣٧/أ] إسحاق: وهذا الخلاف إنما هو إذا كان له ولي.
ابن راشد: وينبغي أن يتفق على أنه حيازة إذا لم يكن له ولي، وإن حاز غير المحبس عليه بوكالة فذلك نافذ ولأن قبض الوكيل كقبض الموكل سواء غائبًا أو حاضرًا وبغير وكالة لا يخلو أن يكون غائبًا أو حاضرًا، فإن كان غائبًا وجعل المحبس أو الواهب أو المتصدق ذلك بيد من يحوز حتى يقدم فذلك جائز، وإن كان حاضرًا افترق الحال بين الحبس والهبة والصدقة ففي الحبس يجوز أن يقدم المحبس من يحوز له بجري الغلة عليه، ولا يجوز ذلك في الهبة والصدقة.
فَإِنْ كَانَ يَصْرِفُ مَنْفَعَتَهُ فِي مَصْرِفِهَا؛ فَثَالِثُهَا فِيهَا: إِنْ كَانَ غَلَّةً يَصْرِفُهَا فَلَيْسَ بِحَوْزٍ، وَإِنْ كَانَ كَفَرَسٍ أَوْ سِلاحٍ فَحَوْزٌ
وإن كان الموقوف لم يحز عنه ولكن يصرفه في مصرفه فثلاثة أقوال وكلها روايات فيها أي في المدونة، والفرق فإن كان الموقوف ذا غلة فليس بحوز كالديار والحوائط ونحوها وإن لم يكن ذا غلة كالسلاح والكتب يدفعها لمن يقاتل بها أو ينظر فيها ثم يعيدها إلى المحبس، وهو اختيار صحيح. وجرى اللخمي هذا القسم من الخلاف، قال: ويختلف
[ ٧ / ٢٩٠ ]
إذا لم يأت وقت إنفاذه للجهاد ولم يطلب القراءة حتى مات المحبس هل يبطل الحبس؟ وقيد اللخمي وغيره القسم الثاني بما إذا لم يتصرف فيه إذا عاد تصرف المالك، قال: وقراءة الكتاب إذا عاد إليه خفيف وإن أنفد بعض الحبس ما أنفد وإن قيل وهو كحوز الكبير اليسير من صدقة الأب.
وحكى في القسم الأول قولين عن مالك وقيده بما إذا كان حبسًا على غير معين وعلم أنه كان يصرف الغلة في مصرفها، وأما إن شك هل أنفد غلته في مصرفها فإنه يبطل الحبس، وتقييد اللخمي بغير المعين يدل على أنه لو كان معينًا لاتفق على إبطال الحبس. فإن قلت: ما الفرق على مذهب المدونة لقسمين؟ قيل: لأن خروجها من يده اختيارًا لها من عودها إلى يده، إنما كان بعد صحة الحوز بخلاف ما إذا كان بيده وهو يصرف الغلة في مصرفها.
أَمَّا لَوْ كَانَ وَالِيًا عَلَى مَنْ وَقْفُهُ عَلَيْهِ فَحَوْزٌ إِذّا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ فِي مَصْرِفِهَا
هو كالخرج من عموم قوله: (وَشَرْطُ الْوَقْفِ حَوْزُهُ عَنْهُ) أخرج من ذلك ما إذا كان الواقف واليًا على الموقوف عليه كالأب على صغار ولده والكبار والسفهاء وكالوصي.
ابن عبد السلام: والنص أن الحاضن لا يجوز، انتهى.
وفي البيان في الفلس الثالث: اختلف هل يتنزل منزلة الوصي مطلقًا أولًا على أربعة أقوال:
الأول: أنه يتنزل منزلته مطلقًا وهو دليل المدونة في القسم ورواية ابن غانم، فإنه روى عن مالك: إن كان ولي يقيم قريبًا أو بعيدًا فهل يجوز ما وهب له، وعليه ما ذكره ابن الهندي في وثائقه من جواز بيع المحضون على حاضنه ما له قدر وبال.
والثاني: أنه لا يكون كالوصي على حال.
الثالث: أنه كالوصي إذا كان أمًا أو جدة أو جدًا دون سائر القرابة.
[ ٧ / ٢٩١ ]
الرابع: أنه كالوصي إذا كان خلاف جده أو أخاه.
وقوله: (إِذّا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ) يعني لتمام الحبس شرطان:
أولهما أن يشهد على التحبيس وقاله ابن القاسم في العتبية.
وثانيهما: أن يصرف الغلة في منافع ولده.
ابن زرقون: ذكر الموثقون أن الأب إذا تصدق على ابنه الصغير بما له غلة وقامت البينة أن الأب يستغل ويدخل الغلة في مصالح نفسه إلى أن مات الأب فالصدقة باطلة بمنزلة السكنى إذا لم يخل الدار حتى مات، ومثله في المدونة لابن كنانة، وظاهر المدونة خلافه أن الصدقة جائزة لأن الكراء إذا كان محمولًا على أنه لابنه فإنه أنفق مال ابنه، انتهى.
وقال غيره: المشهور المعمول به البطلان، وبه كان الشيوخ يفتون ويقضون.
وَيُشْتَرَطُ فِي مُعَايَنَةِ الْحَوْزِ شَهَادَةٌ بِمُعَايَنَةِ البَيِّنَةِ
يعني: أنه لابد من معاينة البينةِ قَبْضَ الحوز عليهم، هكذا قال ابن راشد وابن عبد السلام. ولا يكفي إقرار المحبِّس؛ لأن المنازع للمحبَّس عليه إما الوارث وإما الغريم فلو اكتفى في ذلك بالإقرار لزم قبول الإقرار على غيره.
الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَخُصَّ شَخْصًا وَلا زَمَانًا فَهُوَ كَالصَّرِيحِ
الركن الثالث: الصيغة، والواو في قوله بمعنى أو، وصرح بأو في بعض النسخ ثم بين ما يقوم مقامها بقوله (فَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلاةِ مُطْلَقًا) أي إذنًا مطلقًا ويحتمل في الصلاة مطلقًا، أي ولم يخص فرضًا ولا نفلًا والأول هو الذي يؤخذ من الجواهر، وظاهر قوله: (فَلَوْ أَذِنَ) أنه لا يلزم تحبيس المسجد بمجرد بنيانه.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
الباجي: وهو ظاهر المدونة وقول مطرف فيه نظر، وكان يجب أنه يلزم بمجرد البنيان إلا أنه لا تتم حيازته إلا بالإباحة للناس.
ابن شعبان: إذا خلَّى بينه وبين الناس مضى ولا يحتاج أن يجعل بيد قيم سواء كان باب المسجد داخل باب داره أو خارج الباب، ويحتمل أن يقال لا يلزم بمجرد البنيان لمن جوز أن يبني مثل هذا البنيان مسجدًا لنفسه في داره.
وَلَفْظُ وَقَفْتُ يُفِيدُ التَّابِيدَ
الذي حكاه عبد الوهاب وغيره من العراقيين أن لفظ الوقف يفيد التأبيد بالاتفاق. وقال صاحب المقدمات وابن زرقون: لفظ الوقف والحبس سواء، ويدخل [٦٣٧/ب] في لفظ وقفت من الخلاف ما يدخل في حبست.
وَحَبَسْتُ وَتَصَدَّقْتُ إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ مِنْ قَيْدٍ أَوْ جِهَةٍ لا تَنْقَطِعُ تَأَبَّدَ وَإِلا فَرِوَايَتَانِ
(وَحَبَسْتُ) هو على حذف مضاف؛ أي: ولفظ حبست.
(وَتَصَدَّقْتُ) بذلك على ذلك. وقوله: (إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ) على التأبيد (مِنْ قَيْدٍ) أي: في الكلام كقوله: حبس أو صدقة لا يباع ولا يوهب. واختلف إذا جمع بين اللفظين فقال: حبس صدقة أو بالعكس، ففي المدونة: لم يختلف قول مالك أنه لا يباع ويرجع إلى أقرب الناس يوم المرجع حبسًا.
ابن رشد وغيره: وليس صحيحًا، فإن لمالك في المختصر أنه يرجع إذا كان على معين ملكًا كالعمرى أو هو قول ابن وهب في العتبية أنه يرجع إليه ملكًا مطلقًا إذا حبس على معين، وإن قال لا يباع ولا يوهب حياة المحبس عليهم.
وقوله: (لا تَنْقَطِعُ) أي كما لو حبس على الفقراء وطلبة العلم وإصلاح المساجد، ولا فرق في الجهة بين أن تكون محصورة أم لا، غير أنه إذا تعذر الصرف في الجهة
[ ٧ / ٢٩٣ ]
المحصورة صرف في مثلها، قاله عياض فقال: وإن جعله على وجه معين محصور كقوله في وقود مسجد كذا وإصلاح قنطرة كذا فحكمه كالحبس المبهم أي في التأبيد، وإن تعذر ذلك أي بخلاء البلد أو فساد موضع القنطرة حتى يعلم أنها لا تبقى وقف إن طمع بعوده إلى حاله أو صرفه في مثله.
عياض: فإن قال: حبس على فلان ولا يباع ولا يوهب ولا يورث فهي حبس على مذهبه في الكتاب، وله في العتبية: يرجع ملكًا كالعمرى.
وقال مطرف: لوق ال: بع هذا على فلان بعينه؛ فهو حبس، واختلف فيها في الصدقة أيضًا، فروى أشهب عن مالك أنه بتل ولا يضر الشرط. وقال أشهب وسحنون: إنه حبس محرم.
وقال مالك وابن القاسم أيضًا: هي صدقة باطلة إما بتلها أو رجعت إليه، إلا لصغير أو سفيه فيشترط له ذلك إلى رشده، وهو مذهبه أيضًا في الهبة على هذا الشرط وهو كالصدقة في هذا الاختلاف. وأما لو قال في جميع هذا لا يباع ولا يورث ولا يوهب ولا يملك لكان حبسًا محرمًا بغير خلاف لارتفاع الاحتمال، نص عليه البغداديون، انتهى.
وفي كلام المصنف نظر من جهة تسويته بين لفظ الحبس والصدقة، فإن الحكم في الصدقة على ما قال عياض وغيره أنه قال: إذا قال: صدقة للمساكين ولفلان؛ أنه تكون لهم أو له ملكًا ويباع ويصرف الناظر ثمنها على المساكين على حسب اجتهاده يوم الحكم، ولا يلزم التعميم إذ هو غير مقدور عليه ولا هو مراد المحبس.
واختلف قول مالك إذا قال صدقة على مجهولين محصورين كقوله: على فلان وعقبه؛ فعنه في المدونة أنه حبس مؤبد يرجع بعد انقراضهم مرجع الأحباس سواء قال: ما عاشوا أم لا.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
وفي رواية أشهب أيضًا: يرجع لأىخر المحبس عليهم ملكًا، وقيل بل حكمها حكم العمري. وحكى ابن الجلاب إذا جعلها صدقة في وجه كذا أنها اختلف فيها قول مالك؛ فمرة جعلها كالعمري ومرة جعلها تنفد حبسًا، قال: إلا أن يريد أنه تصدق بغير ملكه لا بمنفعته فتكون ملكًا لمن تصدق بها عليه.
عياض: وهو عندي يرجع إلى معنى اختلافه في هذا الوجه المجهول المحصور.
قوله: (وَإِلا فَرِوَايَتَانِ) أي: وإن لم يقترن به ما يدل على التأبيد، وهذا يصدق على صورتين:
إحداهما: أن يكون مجردًا عما يدل على عدم التأبيد.
والثانية: أن يكون مقترنًا بما يدل على عدم التأبيد.
الأول: وقد قدمنا أنه مجهول في الصدقة على التمليك، وأما في الحبس فنص ابن رشد وعياض على أنه إذا أطلق وقال داري حبسًا أنه لا خلاف أنه وقف مؤبد لا يرجع ملكًا، وعلى هذا فالمصنف لم يرد هذه الصورة.
ابن يونس وسند: وكذلك إذا حبسته على محصورين غير معينين كقولك: حبس على ولد فلان، أو عقبه، أو بنيه، أو نسله- فإن هذا ليس فيه اختلاف أنه مؤبد لا يرجع إلى المحبس ويكون بعد انقراض المحبس عليهم حبسًا على أقرب الناس بالمحبس إلا أن يقول حياتهم، فذهب ابن الماجشون إلى أنها ترجع ملكًا بعد انقراضهم. انتهى.
وحكى عياض في هذه المسألة خلافًا فقال: وأما إن جعله في وجه محصور غير معين يتوقع انقراضه كقوله على بني زيد وعلى عمر وولده أو عقبهما أو فرسي حبس على من يغزو في هذه الطائفة أو لطلبة العلم بمدينة كذا، فحكم هذا حكم الحبس المطلق المؤبد يمضي أبدًا ويرجع بعد انقراض الوجه الذي وجه له لمرجع الأحباس على ما تقدم، وهذا مذهبه في المدونة وغيرها.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
واختلف فيه قدماء أصحابه، ونقل اللخمي عن ابن الجلاب أنها تعود ملكًا وأراه تأوله عليه وسيأتي نقل ابن الجلاب، وقيل هي على من وجه كما لو عين وهو الذي له في المجموعة، وعلى هذا فليس هذا محلًا للروايتين وإنما محلهما إذا حبس على قوم بأعيانهم. ونقل ابن الجلاب وغيره فيما إذا حبس في وجه كذا روايتين:
إحداهما: أنه يبقى حبسًا فإذا انقرض الوجه الذي جعله فيه رجع له ملكًا في حياته ولورثته بعد وفاته.
والثانية: حبسًا على أقرب الناس بالمحبس فإذا انقرضوا رجع على الفقراء والمساكين، وهو ظاهر المذهب وهي التي اقتصر عليها في الرسالة لئلا يلزم العود في الصدقة وفيه نظر، وإنما يلزم العود في الصدقة لو كان أولًا بمعنى الصدقة وهو أعم، ولا فرق فيما إذا حبس على معين بين أن يقول حياته [٦٣٨/أ] أم لا على ظاهر المدونة وتأويل سحنون.
وقال محمد: إن قال في حياته وشبهه فلا يختلف أنه كالعمري، ونحوه لمطرف، قال مالك: وكذلك لو قال على فلان بعينه. واستبعد ابن رشد قول محمد.
المتيطي: أما لو قال وقفًا على هذه العشرة حياتهم فلا خلاف أنه يرجع ملكًا. فإن قلت قول المصنف (وَإِلا فَرِوَايَتَانِ) يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين الحبس والصدقة، قيل: يحمل على الصورة المتقدمة وهي ما إذا قال: صدقة على مجهولين محصورين. ثم فرَّع على الروايتين فقال:
وَإِذَا لَمْ يَتَأَبَّدْ رَجَعَ بَعْدَ انْقِرَاضِ جِهَتِهِ مِلْكًا لِمَالِكِهِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَإِذَا تَأَبَّدَ رَجَعَ إِلَى وَرَثَةِ الْمُحَبِّسِ مِنَ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ عَلَى عَصَبَتِهِمْ، وَيَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَوْ كَانَ رَجُلًا لَكَانَ عَصَبَةً، وَقِيلَ: لا تَدْخُلُ النِّسَاءُ، وَلا تَدْخُلُ الزَّوْجَةُ وَلا الْجَدَّةُ لِلأُمِّ
أي: حيث حكمنا بعدم التأبيد فإنه يرجع ملكًا لمالكه إذا كان حيًا ولورثته بعد موته، وإن حكمنا بالتأبيد وتعذر صرفه في ما حبس عليه رجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس
[ ٧ / ٢٩٦ ]
يوم المرجع، لأنه لما امتنع على هذه الرواية الرجوع إلى المحبس صرف إلى أقرب الناس به لما يجتمع في ذلك من الصلة وسد خلّة الفقراء، قاله ابن كنانة وشرط في الذي يرجع إليه الحبس الفقر بقوله: (مِنَ الْفُقَرَاءِ) لأن (مِنْ) للبيان.
ابن عبد السلام: وهو المشهور، وقيل إذا لم يكن أهل المرجع فقراء ولم يكن فيهم من أهل الحاجة أحدٌ أعطي الأغنياء منهم، وقيل يدخل الأغنياء في السكنى دون الغلة.
واختلف أيضًا إذا كان في مراجع الأحباس فقراء فأخذوا ما يكفيهم وبقيت بقية، هل يرجع إلى من هو أبعد منهم أو ترد عليهم؟
وقوله: (ثُمَّ عَصَبَتِهِمْ) أي: من الفقراء. ولو قال المصنف ثم عصبة الأقرب فالأقرب لأن عصبة عصبته عصبة له لكان أقرب إلى الفهم. وأجاب بعض من تكلم على هذا المحل بأنه قصد الاقتداء بعبارة الأقدمين وفيه نظر، لأني لم أر هذه العبارة للأقدمين بل الذي لمالك في العتبية أنه يرجع على عصبة المحبس. وقال ابن القاسم: يرجع إلى أولى الناس من ولد أو عصبة، وقاله مالك في الموازية.
وقوله: (وَيَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَوْ كَانَ رَجُلًا كَانَ عَصَبَةً) أي: ويدخل من النساء في مراجع الأحباس، وهكذا قال مالك في الموازية ونحوه لأصبغ، وقيل يدخل النساء هذا القول لابن القاسم في العتبية لأنه قال: يرجع إلى المحبس قال إنها ابنة واحدة قال ليس النساء عصبة إنما يرجع إلى الرجال، ولم يذكر المصنف على القولين بدخولهن إلا قولًا واحدًا وهو: أنّ من كان من النساء ذكرًا كان عصبة وهو مقتضى ما في سماع ابن القاسم، وعليه فتدخل العمات وبنات العمات وبنات العم وبنات الأخ وبنات الأخوات للأب والأم أو للأب دون الأخوات للأم، وتدخل أمه وبنات المعتق وقيل لا يدخل من النساء إلا من يرث منهن خاصة ومن البنات وبنات الأبناء والأخوات الشقائق أو لأب وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، ولا يدخل من النساء إلا من كان من جد من
[ ٧ / ٢٩٧ ]
النسب كالبنات وبنات الأبناء والأخوات ولا تدخل الأم لأنها ليست من قوم نسبه، ولا العمات لا بنات العم وبنات الأخ، ولمالك من رواية أشهب أن الأم لا تدخل فأحرى الجدة. وروي عن ابن القاسم أن الأم تدخل دون الجدة.
صاحب البيان وابن زرقون: ولا خلاف أنه لا تدخل الأخوات للأم ولا الخالات ولا بنات البنات ولا بنات الأخوات وعلى دخولهن فقال مالك في المدونة: الذر والأنثى فيه سواء وإن شرط في أصل الحبس للذكر مثل حظ الأنثيين، قال لأن المرجع ليس فيه شرط ولو لم يكن له يوم يرجع إلا ابنة واحدة لكان لها جميعه.
وَالْوَقْفُ لازِمٌ وَلَوْ قَالَ وَلِي الْخِيَارُ
لأن بقوله: "وقفت" لزم فلا يقبل قوله: (وَلِي الْخِيَارُ)؛ لأنه رجوع بعد لزومه، وهكذا في الجواهر.
ابن عبد السلام: وفيه نظر؛ لأنه إلزام له غير ما التزمه. وقال بعض من تكلم هنا: لا أعلم للمصنف موافقًا.
خليل: وقد قال جماعة أن المحبس إذا شرط في حبسه أنه إن ذهب قاض أو غيره إلى كذا يرجع إليَّ حبسي فجميع حبسه راجع إليه إن كان حيًا أو إلى ورثته أو صدقة لفلان- أن له شرطه، وكذلك قال إذا شرط أن من احتاج من المحبس عليهم باع الحبس أنه يصح هذا الشرط ولزم المحبس عليه إثبات حاجته أو اليمين على ذلك إلا أن يشترط المحبس أنه مصدق فله البيع من غير إثبات.
وَلا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ كَمَا إِذَا قَالَ: إِذَا جَاءَ رَاسُ الشَّهْرِ فَهُوَ وَقْفٌ
تصوره ظاهر.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
وَلا التَّابِيدُ بَلْ يَصِحُّ جَعْلُهَا مِلْكًا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِم بَعْدُ
هكذا قال في المدونة والمجموعة فيمن قال: داري حبس على عقبي وهي للآخر منهم أنها تكون للآخر منهم ملكًا.
وَلَوْ قَالَ: "عَلَى أَوْلادِي" وَلا أَوْلادَ لَهُ فَفِي جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْلَ إِيَاسِهِ قَوْلانِ: ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إِلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ، وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلا فَلأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ
القول بالجواز لمالك في الموازية والمجموعة، قاله فيمن حبس على ولده ثم هو في سبيل الله، والقول بالمنع لابن القاسم قال: ليس له أن يبيع حتى ييأس من الولد، قال: ولو أجزت له أن يبيع لأجزت له إن كان له ولد وماتوا أن يبيع ولا ينتظر أن يولد له، قال: وإن مات قبل أن [٦٣٨/ب] يولد له صار ميراثًا، وقول ابن الماجشون ثالث أي أن الحبس قد تم وإن لم يولد له رجع إلى أقرب الناس بالمحبس. وقوله: (فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ)، أي الحبس والثمرة، وإذا بقي وقفًا عليهم رد إليه لأنه لا يصح حوز لولده، قاله الباجي.
وَلا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ لَفْظًا، بَلْ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ صُرِفَ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ
نحوه في الجواهر؛ لأنه قال: وإن قال وقْفٌ ولم يعين المصرف صرف إلى الفقراء، قاله مالك في الكتاب.
وقال القاضي أبو محمد: يصرف في وجوه الخير، ولفظ المدونة: ومن قال داري حبس فقط؛ ولم يجعل لها مخرجًا فهو حبس على الفقراء والمساكين، إلا أن يرى لذلك وجه يصرف إليه؛ مثل أن يكون موضع رباط كالإسكندرية وجلُّ ما يحبس الناس فيها السبيل فيجتهد فيها الإمام. وفي الجلاب نحو قول القاضي.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
وقال ابن عبد السلام وقوله: (وَقِيلَ: فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ) عدَّه المصنف خلافًا وليس كذلك، وإنما هو المذهب أن يسأل المحبس إن أمكن عن قصده فيعمل عليه وإن لم يمكن كموته ونحو ذلك نظر إلى غالب ما يحبس الناس فيه ذلك الجهة، فإن لم يكن غالب صرف إلى الفقراء. انتهى.
وفيه نظر، لأنه كلام مع سؤال المحبس والغلبة وإنما الكلام إذا لم يكن واحد منهما. وقوله في الجلاب: صرف في وجوه الخير أعم من الفقراء، فهما قولان والله أعلم.
وَمَهْمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَا يَجُوزُ لَهُ اتُّبِعَ كَتَخْصِيصِ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ أَصْحَابِ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ
لأن ألفاظ الواقف تتبع كألفاظ الشارع، واحترز بقوله: (مَا يَجُوزُ لَهُ) مما لو شرط معصية، ولا يعارض هذا بأحد القولين في نقل أنقاض المسجد إذا دثر ويئس من عمارته لخراب البلد ونحوه إلى مسجد آخر، لأن شرطه إنما يتبع مع الإمكان ولأن هذا أوفق لقصده لدوام الانتفاع بوقفه. وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم في مقبرة عفت فلا بأس أن يبني فيه مسجد وكل ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، وكذلك قال ابن الماجشون في أرض محبسة لدفن الموتى فضاقت بأهلها وأرادوا أن يتوسعوا ويدفنوا بمسجد بجانبه فلا بأس به وذلك حبس كله.
وسأل ابن وضاح سحنون عن زيت المسجد يكون كثيرًا يباع ويدخل في منفعة المسجد قال: تجعل فتائل غلاظ ولم ير بيعه، قال: أيوقد به في مسجد آخر؟ قال: فلا بأس به، قال: فالخشبة تكون في المسجد قد عفت لا يكون فيها كثير منفعة أتباع ويشتري بثمنها خشب يرم به المسجد؟ قال: أما أنا فلا أجعل سبيلًا إلى بيعها أصلًا إلا ثم قولًا ضعيفًا.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
وَلَوْ حَبَّسَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْروٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَحِصَّتُهُ لِلْفُقَرَاءِ إِنْ كَانَتْ َغَلَّةً، وَإِنْ كَانَتْ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَشِبْهِهِ فَرِوَايَتَانِ
قوله: (عَلَى زَيْدٍ وَعَمْروٍ) أي: معينين، واحترز من نحو فلان وعقبه أو على بني بنيهم وهذا إن بقي واحد فله جميع الغلة.
ابن راشد: قوله: (ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ) أي: ثم جعله في آخر على الفقراء أو غيرهم ثم مات بعض الأولين، فإن كان الحبس يتجزأ بالقسمة كغلة الحائط انتقل نصيب الميت إلى المصرف الثاني، وإن كان لا يتجزأ بالقسمة كركوب الابة وسكنى دار فاختلف هل ينتقل نصيب الميت للمصرف الثاني أو لبقية الأولين؟
ابن عبد السلام: وقد كثر فيها اضطراب المتقدمين وكذلك بين فقيهي قرطبة ابن رشد وابن الحاج، وألف كل واحد منهما على صاحبه.
[ ٧ / ٣٠١ ]
بَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِ
أي: باب بيان الألفاظ الواقفة، أي باعتبار ما تدل عليه إذا عبر بها الواقف عن الموقوف عليه.
وَوَلَدِي أَوْ أَوْلادِي يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الصُّلْبِ مُطْلَقًا وَوَلَدَ ذُكُورِهِمْ وَيُؤْثَرُ الأَعْلَى، وَقِيلَ: يُسَوَّى
يعني: إذا قال هذا وقف على أولادي أو على ولدي فإنه يكون على أولاد الصلب مطلقًا ذكرًا أو أنثى وولد ذكورهم دون ولد الأنثى وهذا هو المعروف خلافًا لابن عبد البر وغيره من المتأخرين في إدخالهم. ودليل الأول الإجماع على عدم دخولهم في قوله: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. فإن قيل: قد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾ ولاشك أن ولد البنت داخل فيها، قيل: يحمل على المجاز؛ لأنَّا قد اجتمعنا على أن إطلاق الولد الذكر حقيقة، فلو كان حقيقة في ولد الأنثى لزم الاشتراك، ويرجح لك أيضًا المجاز قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
قوله: (وَيُؤْثَرُ الأَعْلَى) على مذهب مالك وابن القاسم في المدونة، والقول بالتسوية للمغيرة، وعلى المشهور فذلك مع تساوي الحال فإن كانت الحاجة في ولد الولد أوثر وتكون الآباء معهم، قاله ابن القاسم وعبد الملك ومحمد وهو استحسان، هذا على قول المغيرة القائل بدخول بني الابن في الحبس، واختار ابن المواز من قولي مالك نفي دخولهم إلا في الفضل.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
وَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي- الْمَنْصُوُص أَيْضًا: لا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ
يعني: وكذلك أولادي وأولاد أولادي، والمنصوص قول مالك وهو مذهب المدونة على ما وقع في بعض الروايات، ومقابله هو ما ذكره ابن العطار عن أهل قرطبة أنهم كانوا يفتون بدخولهم وقضى به محمد بن السليم بفتوى أكثر زمانه. قال في المقدمات: وهو ظاهر اللفظ، لأن الولد يقع على الذكر والأنثى، فإذا قال على ولدي وولد ولدي فهو بمنزلة قوله على أولادي ذكورهم وإناثهم وعلى أعقابهم.
وَأَوْلادِي: فُلانٌ وَفُلانٌ وَفُلانَةُ وَأَوْلادُهُمْ؛ يَدْخُلُونَ اتِّفَاقًا، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَأَخْطَأَ ابْنُ زَرْبٍ
يعني: إذا سمى الذكور والإناث ثم قال: وأولادهم [٦٣٩/أ] دخل ولد البنات باتفاق لما سمى الذكر والأنثى، وقال: (وَأَوْلادُهُمْ) ولم يختص اختصاص أولاد الذكور، والباجي هو ابن رشد كما تقدم. قال في المقدمات بعد التصريح بخطأ ابن زرب: وكان ابن زرب يفتي بما عليه الجماعة من دخول ولد البنات حتى نزلت فقاسها على ما روي عن موسى بن طارق عن مالك فيمن حبس على ولده، فقال: ولد البنات ليسوا بعقب، قال: ورجوع ابن زرب لهذه الرواية غلط لأ، الرواية إنما هي فيمن حبس على ولده وولد ولده بخلاف هذه، فإن تسمية البنات قد صرح به فيها.
فرعان:
الأول: وقع في سماع سحنون في من قال: داري حبس على ابنتي وعلى ولدها أن ولد الولد يدخلون فيه، قال غيره: إنما يكون حبسًا على ولد الابنة دنية فإذا ماتوا لم يكن لأولاد أولادها شيء.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
الثاني: إن قال حبست على أولادي ذكورهم وإناثهم وأعقابهم ولم يسمهم، ففي المقدمات: ظاهر المذهب دخولهم، وفي الموازية مسألة استدل بها بعضهم على أن ولد البنات لا يدخلون في المثال المذكور، وهو قوله في من حبس على ولده الذكر والأنثى وقال في من مات منهم فولده بمنزلته، قال مالك: لا أرى لولد البنات شيئًا، وهو استدلال ضعيف.
وَوَلَدِي وَوَلَدِهِم بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ
أي: أقوى من (وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي) وأضعف من (وَلَدِ فُلانٍ وَفُلانٍ وَفُلانَةَ) وقد اختلف في هذه المسألة فحكى ابن أبي زمنين عن مالك عدم دخولهم فيحتمل أن تكون من المسألة الأولى، وأدخلهم ابن السليم بفتوى أكثر زمانه فيحتمل أن تكون من الثانية.
وَبَنِيَّ وَبَنِي بَنِيَّ كَـ "وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي" عَلَى الْمَنْصُوصِ
أي: فلا يدخل ولد البنات، وهكذا في الجواهر فقال: البنون عند مالك يتناول ولد الولد الذكور والإناث. قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بنيه يدخلن في ذلك. وروى عيسى عن ابن القاسم في من حبس على بناته أن بنات بناته يدخلن في ذلك مع بنات صلبه. والذي عليه جماعة أصحابنا أن ولد البنات لا يدخلون في البنين.
ابن راشد: وعلى ما تقدم على ابن عبد البرِّ وغيره يدخل أولاد البنات، ولعل هذا هو الذي أشار إليه المصنف بمقابل المنصوص، على أن يدخل ولد البنات هنا أضعف من دخولهم هناك، لأن لفظ الولد حقيقة يطلق على الذكر والأنثى، وأما الابن فلا يطلق على البنت.
وَعَقِبِي كَوَلَدِي فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ أُنْثَى فَلَيْسَ بِعَقِبٍ
فلا يدخل ولد البنات لأن العقب من ينسب إلى الإنسان، ولم يفرق أحد بين ولدي وعقبي.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وقوله: (فَإِنْ حَالَتْ) أي: بين المحبس والذكر أنثى وهو زيادة إيضاح، ولو سكت عنه لفهم.
وَنَسْلِي كَذَلِكَ
أي: مثل العقب، وقيل ولد البنات يدخلون في النسل.
وَذُرِّيَّتِي يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ اتِّفَاقًا؛ لأَنَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵉
هكذا حكى الاتفاق ابن العطار، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ وهو ولد بنت، وأجيب بأن عيسى ﵇ لم يكن له أب وقامت الأم مقامه. قال في المقدمات: وهو جواب غير صحيح، وانظره. وفي الاتفاق نظر، لأن في المقدمات: اختلف في النسل والذرية فقيل: منزلة الولد والعقب لا يدخل البنات فيهما، وقيل يدخلون. وفرق ابن العطار فجعل النسل كالولد بخلاف الذرية.
وَعَلَى إِخْوَتِهِ يَدْخُلُ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى
هكذا قال ابن شعبان، إذا قال داري حبس على إخوتي كانت على ذكورهم وإناثهم من أي جهة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وقد أجرى الإناث في الحجب مجرى الذكور.
وَرِجَالِ إِخْوَتِي وَنِسَائِهُمْ، يَدْخُلُ الصَّغِيرُ مَعَهُمْ
قوله: (يَدْخُلُ الصَّغِيرُ مَعَهُمْ) أي والصغيرة ففيه حذف معطوف، ويحتمل أن يريد بالصغير الجنس فيعم. واستدل ابن شعبان على دخولهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] الآية. ابن شعبان: وبهذا حنث من حلف لا يكلم رجال بني فلان فكلم صبيانهم الذكور.
[ ٧ / ٣٠٥ ]
وَعَلَى بَنِي أَبِي إِخْوَتُهُ الذُّكُورُ وَأَوْلادُهُمُ الذُّكُورُ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ: هُوَ اخْتِلافٌ
لا إشكال في عدم دخول الإخوة للأم هنا، لأن قوله (بَنِي) يخرجهم. وقوله: (إِخْوَتُهُ الذُّكُورُ) أي سواء كانوا أشقاء أو لأب، وهكذا قال ابن شعبان لأنه قال: على بني أبي دخل فيه إخوته لأمه وأبيه ومن كان ذكرًا من أولادهم خاصة مع ذكور ولده لأنهم من ولد أبيه. وفي كلام المصنف نظر من أوجه:
أولها: كان ينبغي أن يزيد بعد قوله (وَأَوْلادُهُمُ الذُّكُورُ) وذكور ولده كما وقع في الرواية.
ثانيها: قوله (وَقَالَ التُّونُسِيُّ) وإنما هو ابن شعبان، وسبب وهمه أن ابن شاس إذا أراد ابن شعبان عبر عنه بالشيخ أبي إسحاق، فتوهم المصنف أنه التونسي.
ثالثها: أن ابن شعبان لم يصرح بالمعارضة وإنما أشار إليه ابن شاس، لأنه لما حكى قول ابن شعبان، قال: وهذا يشعر بأنه لا يرى دخول الإناث تحت قوله بني، وهو خلاف ما تقدم في الرواية.
ابن عبد السلام: ويمكن أن يفرق بينهما من جهة العرف لا من جهة اللغة، لأن لفظ (الابن) يستعمل عرفًا في الجنان والبنت أحق بذلك، بخلاف (بَنِي أَبِي) فإنه يستعمل في المتناصر ولا مدخل للأنثى فيه.
وَآلِي وَأَهْلِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَوَاءٌ، وَهُمُ الْعَصَبَةُ وَمَنْ لَوْ كَانَ رَجُلًا كَانَ عَصَبَةً، وَقِيلَ: الأَهْلُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا كَالأَقَارِبِ
يعني: أن ابن القاسم قال: الآل والأهل سواء، ويدخل في ذلك من النساء من لو كان رجلًا كان عصبة فتدخل الأخوات والبنات وبنات الأبناء.
الباجي: [٦٣٩/ب] وقول ابن القاسم هو المشهور من المذهب.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
وقال ابن شعبان: يدخل في الأهل من كان من جهة الأبوين بعدوا أو قربوا، هكذا روي عن مالك في الأقارب. وقال أشهب في المجموعة: لأنه قال يدخل فيه كل ذي رحم محرم من قبل أبيه وأمه، وقال ابن كنانة لأنه قال: ويدخل فيه من العمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
الباجي: ويلزم من أدخل في ذلك بني الأخت أن يدخل بني الخالات إلا أن يكون لجهة الأب مزية، وعلى هذا فيكون قوله كالأقارب استدلال لقول ابن شعبان، ويحتمل أن يقصد بذلك التشبيه في القولين، لأنه روي عن مالك في الموازية والمجموعة في من أوصى للأقارب يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد.
قال مالك: ولا يدخل ولد البنات ولا ولد الخالات. وحكى صاحب المعين وغيره فيما إذا أوصى لقرابته أو ولد قرابته: ثلاثة أقوال؛
الأول: لا دخول لقرابته من قبل النساء بحال، وهو قول ابن القاسم.
الثاني: أنهم يدخلون، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك.
ابن حبيب: وهو قول جميع أصحاب مالك.
الثالث: لعيسى أنه لا يدخل في ذلك قرابته من النساء إلا ألا يبقى من قرابته من الرجال أحد، قالوا: وأما إن لم يكن له من قبل الرجال قرابة فلا خلاف أنه لا يكون لقرابته من النساء.
وَعَلَى مَوَالِيهِ رُوِيَ: مَوَالِيهِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ فَقَطْ وَأَوْلادُهُمْ، وَرُوِي: وَمَوَالِي أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ: مَوَالِيهِ وَمَوَالِي مَوَالِيهِ، وَرُوِيَ: وَمَوَالِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَالأُمِّ وَالأَخِ، وَفِي الْجَمِيعِ يُؤْثَرُ الأَحْوَجُ فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالأَقْرَبُ
يعني: إذا وقف على مواليه فلا خلاف في دخول من أعتقهم ذكورهم وإناثهم. ثم اختلف فروى ابن القاسم عن مالك في العتبية: لا يدخل غيرهم، (وَرُوِي: وَمَوَالِي أَبِيهِمْ)
[ ٧ / ٣٠٧ ]
دلت الواو على أنه في الرواية وافق على ما في الأولى، وزاد وكذلك في الثالثة، وهذه الرواية الثانية لابن القاسم في العتبية أيضًا، (وَرُوِيَ: مَوَالِيهِ وَمَوَالِي مَوَالِيهِ) أي: يدخل في هذه الرواية مواليه وموالي أبيه وابنه وموالي مواليه.
وقوله: (وَمَوَالِي الْجَدِّ) تصوره ظاهر وهي لمالك في المجموعة قال فيه: ولا يدخل موالي بني الإخوة والعمومة، ولو دخلت موالي هذه لدخلت موالي القبيلة. قوله: (وَفِي الْجَمِيعِ)؛ يعني في جميع الروايات يؤثر الأحوج وإن كان أبعد، (فَإِنِ اسْتَوَوْا) في الحاجة أوثر الأقرب، وهكذا في المجموعة.
وَعَلَى قَوْمِهِ عَصَبَتُهُ دُونَ النِّسَاءِ
نحوه لابن شعبان. واستدل بقوله: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ [الحجرات: ١١] إلى قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وبقول زهير:
وما أدري ولسوف إخال أدري أقوم آل حصن نساء
وينبغي أن يرجع إلى العرف إن كان هناك عرف.
وَأَطْفَالِ أَهْلِي وَصِبْيَانِهِمْ وَصِغَارِهِمْ- لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ
أي: من الذكور والإناث.
وَشُبَّانِهِمْ وَأَحْدَاثِهِمْ: لِمَنْ بَيْنَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الأَرْبَعِينَ
هو ظاهر، وقاله ابن شعبان.
وَكُهُولِهِمْ لِمَنْ جَاوَزَهَا إِلَى السِّتِّينَ، وَشُيُوخِهِمْ: لِمَنْ جَاوَزَهَا، وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى فِي الْجَمِيعِ سَوَاءٌ
يعني: أن يعتمد في جميع هذا على العرف. وقوله: (وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ) أي: من الأطفال إلى الشيوخ، وهو معنى قوله: (فِي الْجَمِيعِ).
[ ٧ / ٣٠٨ ]
وَأَرَامِلِهِمْ: الذَّكَرُ وَالأُنْثَى
هكذا قال ابن شعبان أنه إذا قال لأراملهم كان الرجل الأرمل الذي لا زوجة له والمرأة الأرملة التي لا زوج لها، واستشهد بقول جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
ابن عبد السلام: ومن نسب هذا البيت للحطيئة لم يقل شيئًا.
قال ابن السّكيت: الأرامل: المساكين رجال أو نساء ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء.
وَحُكْمُ مُطْلَقِهِ: التَّنْجِيزُ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِاسْتِقْبَالٍ، وَهُوَ مِنْ رَاسِ الْمَالِ فِي الصِّحَّةِ، وَالتَّنْجِيزُ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلا فَفِي الثُّلُثِ
أي: حكم المطلق من الوقف التنجيز في الحال إلا أن يقيد باستقبال، كقوله: أوقف بعد شهر، وهو استثناء منقطع لأنه إذا قيد باستقبال لا يكون مطلقًا. وقوله: (مِنْ رَاسِ الْمَالِ فِي الصِّحَّةِ، وَالتَّنْجِيزُ) لأن الصحيح لا حجر عليه. واحترز بالصحة من المرض فإنه إنما يكون في الثلث، وبالتنجيز بما لو وقع موقوفًا على الموت فإنه إنما يكون في الثلث، وإليه أشار بقوله (وَإِلا فَفِي الثُّلُثِ).
وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَالصُّوفَ
يملك الموقوف عليه الغلة بخلاف الرقبة فإنها على ملك الواقف، وعطف الثمرة واللبن والصوف على الغلة من باب عطف الخاص على العام، أو يقال الغلة أراد بها ما ليس عينٌ قائمة.
وَنِتَاجُ الإِنَاثِ وَقْفٌ وَيُبَاعُ فَضْلُ ذُكُورِهَا عَنْ ضِرَابِها في إنَاثٍ، وَمَا كَبُرَ مِنْ إِنَاثٍ كَالذُّكُورِ
لمَّا كان المقصود من الحبس بقاء عينه لينتفع به المحبس عليه، والحيوان لا يطول مقامُه كالرّباع، وكان التناسل فيه يقوم مقام عينه، فلذلك قالوا: لا يباع إناثه وما يراد من
[ ٧ / ٣٠٩ ]
الذكور للضراب ويباع ما لا يُرجى نسله من الإناث وما استغني عنه من الذكور يريد ويجعل في إناث، كذا روى ابنُ القَاسم عن مالك في الموازية ولعله إنما سكت عن ذلك لما سيذكر في الفرس والثوب. وقوله (وَنِتَاجُ الْحَيَوَانِ) أي: الموقوف بحذف الصفة.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سِوىَ الْعَقَارِ إِذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا كَالْفَرَسِ يَهْرَمُ، وَالثَّوْبِ يَخْلَقُ- يُبَاعُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُبَاعُ وَقْفٌ وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ
ابن عبد السلام: أبقى جماعة قول ابن القاسم على إطلاقه، وقال اللخمي: إن انقطعت منفعة الحبس وصار بقاؤه ضررًا جاز بيعه، وإن لم يكن [٦٤٠/أ] ضررًا أو رجي أن تعود منفعته لم يجز.
واختلف إذا لم يكن ضرر ولا وجبت منفعته، وكذلك صرح صاحب البيان بالاتفاق على الوجهين الأولين.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ) أي: في أصل الحبس فإنه إن هرم أو فسد بيع فحينئذ يجوز بيعه بالاتفاق.
وَيَتَوَّلَى الْوَقْفَ مِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لا الْوَاقِفُ وَلَوْ شَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ
قال في الجواهر: والنظر في مصالح الوقف إلى من شرط الواقف فإن لم يولِّ تولاه الحاكم ولا يتولاه بنفسه. قال في المختصر الكبير: ولا يجوز للرجلِ أن يحبس ويكون هو ولي الحبس.
وقال في الموازية في من حبس غلة داره في صحته على المساكين فكان وليًا عليها حتى مات وهي بيده أنها ميراث، قال: وكذلك لو شرط في حبسه أنَّ يلي ذلك لم يجزه له ابن القاسم وأشهب.
[ ٧ / ٣١٠ ]
خليل: وانظر قوله في الموازية، وكذلك لو شرطه هل المراد أنه يبطل حبسه وهو ظاهر لفظًا ومعنى.
قوله: (أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ) أي: لم يجز له هذا الشرط بل يصح ويخرج إلى غيرهم. والأظهر أن معنى ما في الموازية أن المحبس مات ولم يجز عنه ولا إشكال في البطلان مع ذلك، وأما إن كان حيًا فإنه يصح الوقف ويخرج إلى يد ثقة ليتم الحوز، وهكذا فسر ابن عبد السلام كلام المصنف.
فقولُه: (لَمْ يَجُزْ) أي: الشرط ويحتمل لم يجز الوقف ويبطل ولَو كانَ حيًا، ويؤيده اختلافهم في الفرع الذي بعده، ولاشك أنَّ البطلان هنا أقوى من الفرع الذي بعده، والأول هو القياس كما قدم فيما إذا شرط الخيار أنه يصح الوقف ويبطل الشرط، والضمير في شرطِهِ عائد على (المتولي) المفهوم من يتولى، ولا يصح أن يعود على الواقف لأنه يؤدي إلى تعدي فعل المضمر إلى ضميره المتصل.
فَإِنْ جَعَلَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَيَتَسَلَّمُ مِنْهُ غَلَّتَهُا وَيَصْرِفُهَا وَعَلَى ذَلِكَ وَقَفَ- فَقَوْلانِ
الضمير في (جَعَلَهُ) عائد على الوقف، وفي غيره يعود على الواقف وفي (مِنْهُ) يعود على الغير، والقول بالجواز لمالك في الموازية وهو قول ابن عبد الحكم.
ابن المواز: وأباه ابن القاسم وأشهب.
اللخمي: وأرى أن يمضي في الوجهين لأنه حبس أنفذ في ما حبس له ولم يعد فيه محبسة وقد تقدم إذا كان الوقف بيد واقفه ويصرف غلته ويخرجه من يده وانتفع به ثم يعود إليه هل يصح الحبس أو لا؟
ابن عبد السلام: القول بالصحة يصح هنا من باب الأولى، وعلى القول بالبطلان تأتي القولان اللذان ذكرهما المصنف هنا والله أعلم.
[ ٧ / ٣١١ ]
وَيَبْدَأُ بِإِصْلاحِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَوْ شَرَطَ خِلافَهُ، لَمْ يُقْبَلْ
ويبدأ الناظر بإصلاحه إن كان عقارًا وبنفقته إن كان حيوانًا، لأ، الغرض من الوقف دوام المنفعة، ولذلك قال ابن شعبان: لو شرط خلاف البداية بإصلاحه ونفقته لبدئ بذلك وبطل شرطه، لأنه شرط يؤدي إلى بطلان الوقف وما كان كذلك من الشروط لا يوفى بها.
فَإِنْ كَانَتْ دَارًا لِلسُّكْنَى فَإِمَّا أَصْلَحَ، وَإِمَّا خَرَجَ فَتُكْرَى بِمَا تُصْلَحُ بِهِ
أي: فإن كانت العين الموقوفة دارًا للسكنى واحتاجت إلى إصلاح خُيِّر الساكن المحبَّس عليه فإما إن يصلح، وإما أن يخرج فتكرى بما تصلح به ثم يعود، قاله اللخمي، قيل: لأن المحبس لما علم أنها تحتاج إلى إصلاح ولم يوقف لذلك شيئًا فقد أذن في الكراء عند الحاجة.
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ إِصْلاحَهَا عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ
(عَلَيْهِ) أي: على الموقوف عليه (لَمْ يُقْبَلْ) أي: الشرط؛ أي: ويصح الوقف وهكذا في المدونة وعلل فيها صحة الوقف بأنها فاتت في سبيل الله وبطلان الشرط بأنه راجع إلى الكراء المجهول، قال في المدونة: ومرمتها من غلتها.
يحيى بن عمر: وإن كانت موقوفة للسكنى خير الساكن بين أن يُصلِحَ أو يخرج فتكرى بما تُصلح به وأمضى في المدة الحبس بمجرد العقد.
قال محمد: يرد الحبس ما لم يُقْبَض، قال: ولو اشترط أن يرمَّ ما اغتل منها بغير كراء جاز، نقله اللخمي.
[ ٧ / ٣١٢ ]
وَإِنْ كَانَ فَرَسًا فِي الْجِهَادِ وَشِبْهِهِ فَعَلَى بَيْتَ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيعَ وَعُوِّضَ بِهِ سِلاحٌ
أي: وإن كان الموقوف فرسًا في الجهاد وشِبْهِهِ كالرباط، واحترز بذلك مما لو كانت وقفًا على معين فإنه ينفق عليه من غلته، ويحتمل أن يقرأ (وَشِبْهِهِ) بالنصب؛ أي: وشبه الفرس العبد ونحوه، وعلى ذلك مشاه ابن راشد.
والنفقة على ذلك من بيت المال، وإن لم يكن بيت مال بيع واشتري ما لا يحتاج إلى النفقة كالسلاح ونحوه؛ لأن السلاح ونحوه أقرب من غيرهما إلى قصد الواقف.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْقَى وَلَوْ تَحَقَّقَ هَلاكُهَا
أي: تبقي العين الموقوفة ولو تحقق هلاكها؛ أي: ولا يباع الفرس ونحوه. وكلام المصنف جار على طريقة من نقل عن ابن الماجشون عدم البيع، وأما على ما نقله اللخمي وغيره كما تقدم فلا.
وَمَنْ هَدَمَ وَقْفًَا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا كَانَ لا قِيمَتُهُ
أي: لأن قيمته كبيعه، وإن كان على من هدم عين وقف إعادته كما كان على قول، وإن كان المشهور خلافه كان ذلك هنا أحرى، هكذا ذكره في النوادر إلا أنه عزاه لابن كنانة، ولا ينقض بنيان الحبس ويبنون فيه حوانيت للغلة وهو ذريعة إلى تغيير الحبس.
ومن سكن حبسًا من أهل الحبس أو غيرهم فعليه أن يرد البنيان كما كان قبل أن تؤخذ منه القيمة فتحول الدار عما كان حبسها عليه، وفي اللخمي: ومن تعدى على حبس فقطع النخل وهدم الدار وقتل العبد أو الفرس أو أفسد الثوب أغرم قيمة ما أفسد، وإن كان الحبس في السبيل أو في الفقراء جعل ما أخذ من هدم أو قطع نخل في بناء تلك الدار وغراسة تلك النخلن وفي مثل ذلك العبد والفرس [٦٤٠/ب] والثوب، وعلى قول
[ ٧ / ٣١٣ ]
أشهب يصرف فيما يرى أنه أفضل، ويختلف إذا كان الحبس على معين هل يسقط حقه فيما حبس أو يعود حقه في تلك القيمة.
وَمَنْ أَتْلَفَ حَيَوَانًا وَقْفًا فَالْقِيمَةُ وَتُجْعَلُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ
يجعل في مثله إن بلغ وإن لم يبلغ جعل في شقصه أي في بعضه. ووقع في بعض النسخ بعد النص المتقدم ما نصه: (وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَةَ عَبْدٍ قُسِمَ كَالْغَلَّةِ).
ابن راشد: ولم أقف على هذا القول. وفرق في المدونة بين الفرس والثوب، فذكر في الفرس مثل ما ذكره المصنف أنها إذا لم تبلغ فرسًا جعله في شقص فرس، وقال في الثوب المحبس: إن لم يبلغ تصدق به في السبيل.
بعض القرويين: وليس بخلاف، ومسألة الفرس محمولة على ما إذا وجد من يشاركه والثوب على ما إذا لم يجد. وقيل: بل لما كان المقصود في الخيل المنفعة بها في الغزو رجعت أثمانها في مثلها والثياب المنفعة بها للغزاة، فإذا بليت ولم ينتفعوا بها بنفسها أعطى ثمن ما يبيع من خلقها لهم.
وَفِي بَيْعِ النَّقْضِ قَوْلانِ
ابن شعبان: لا يباع نقض الوقف إذا خرب. ومن أصحابنا من أجاز بيعه ولا أقول به. وكذلك اختلف في نقل الأنقاض إلى وقف آخر، فقال ابن أبي زمنين: إذا خرب المسجد ولم ترجى عمارته أخذ وبني به في سائر المساجد ويترك منه ما يكون علما لئلا يندرس أثره. وكذلك قال عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة، ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وتوقف إن رجيت عمارتها وإن لم ترج أعين به في غيره أو صرف النقض إلى غيره، والمنقول عن ابن القاسم المنع.
[ ٧ / ٣١٤ ]
ابن عبد السلام: وأهل المذهب منع البيع والنقل والنقض الخشب وما في معناه مما ينتفع به في البنيان.
وَلا يُنَاقِلُ بِالْعَقَارِ وَلَوْ دَثُرَ وَخَرِبَ مَا حَوْلَهُ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَاثِرَةً يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا
المناقلة: بيع ربع في آخر. قال ابن شعبان: لا يناقل بالوقف وإن خرب ما حوله، وقد تعود العمارة بعد الخراب. واستدل ابن عبدوس على المنع بما ذكره المصنف من بقاء أحباس السلف داثرة أي مهدومة، وكذلك وقع هذا الاستدلال في نفس المدونة. وفي بعض النسخ: عياض: ورخص في موطأ ابن وهب في بيع داثر ويعوض منه ربع ونحوه، ويكون حبسًا.
وفي الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب، ويباع الفرس الحبس يكف ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به في مثله، واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب.
وَعَنْ مَالِكٍ: لا بَأَسَ أَنْ يُشْتَرَىَ مِنْ دُورٍ مُحَبَّسَةٍ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ لأَنَّهُ نَفْعٌ عَامٌّ، وَقِيلَ: فِي مَسَاجِدِ جَوَامِعِ الأَمْصَارِ لا الْقَبَائِلِ
القول بأن ذلك في كل المساجد نقله في النوادر عن مالك وقاله سحنون في نوازله. والقول بخصوصية ذلك في مسجد جوامع الأمصار لمطرف وابن الماجشون وأصبغ. ودليل الجواز أن مسجد النبي ﷺ زيد فيه دار محبسة والناس متوافرون في ذلك الوقت ولم ينكر ذلك أحد، حكاه ابن الماجشون. وقاس مالك في المبسوط الطريق فأفتى ابن المكوي بالرواية التي في المبسوط. وقال ابن زرب: لا يجوز ذلك إلا في مسجده خاصة.
[ ٧ / ٣١٥ ]
ووقع لأبي عمران في مسائله: إذا ضاق الجامع وإلى جانبه حبس المساكين فلا يباع لتوسعة الجامع، وإن اشترى بثمنه مثله لكن يكرى من مال الجامع، وأما البيع فلا. صاحب البيان: واختلف هل يقضى عليهم أن يجعلوا الثمن في حبس مثله، فقال مالك وابن القاسم: ولا يقضى به عليهم ولو استحقت فأخذ فيها ثمنًا فعل به ما شاء، قاله مالك وابن القاسم. وقال ابن الماجشون في الثمانية: ويقضى عليهم. واختلف إذا أبوا من البيع هل يجبرون وهو قول الأكثر أم لا؟ وقيل: يجبرون في مساجد الجوامع دون غيرها.
وَيُكْرِي الْمُتَوَلِّي بِنَظَرِهِ للسَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَنْ مَرْجِعُهَا إِلَيْهِ جاَزَتِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ ﵀ مَنْزِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ وَاسْتُكْثِرُتْ
معناه إذا كانت الدار على قوم معينين ثم هي على أولادهم وشبه ذلك، وأما إن كانت على الفقراء وشبههم فينبغي أن يجوز أوسع من هذا الأجل؛ إذ لا يتقي في ذلك سوى انهدام الدار، وهذا الاحتمال لا يمنع من طول الأجل في الدار، فإن أكراها ممن مرجعها إليه جازت الزيادة.
ابن الماجشون: ومثل الأربع والخمس، وقيل: يجوز في الأراضي الأربع سنين.
وقوله: (جاَزَتِ الزِّيَادَةُ) يعني لضعف القدر لأن الذي له المرجع إنما يعقد على نفسه بخلاف غيره. وقوله: (سَنَتَيْنِ) ولو أكريت من غير من مرجعها إليه.
قال في البيان: ويجوز كراء الأمد القريب بغير نقد باتفاق، ويختلف هل يجوز بغير نقد في البعيد وبالنقد في القريب على قولين.
ابن عبد السلام: وأجاز جماعة من فقهاء بلدنا وعمل به منذ عشرين عامًا كراء بقعة من أرض الحبس أربعين عامًا أن يبني بها دارًا، وليس الحبس فيها على معينين بعد أن بدل
[ ٧ / ٣١٦ ]
فيها مكتريها عرضًا خارجًا في الكثرة عن العادة. قوله: (وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ ﵀ مَنْزِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) أي: مرجعه إليه عشر سنين، واستكثر المغيرة وغيره العشر.
وَلا يُفْسَخُ كِرَاءُ الْوَقْفِ لِزِيَادَةٍ
قيده في الجواهر بما إذا كان الكراء وقع على وفق القبضة في الحال.
ابن عبد السلام: وأما إن كان فيه غبن فتقبل الزيادة فيه حاضرًا أو غائبًا، وأهل تونس في هذا التاريخ وقبله بسنين كثيرة استمروا على أنه يكرى ربع الحبس على قبول الزيادة فيه ويجعلونه منحلًا من جهة [٦٤١/أ] المكري ومنعقدًا من جهة المكتري، وهو قول منصوص عليه في المذهب.
ووقع في المدونة ما يقتضيه وإن كان بعضهم رأى ما في المدونة خارجًا عن أصول المذهب، واعتقد من لقيناه أن ذلك مخالف للإجماع لأن ذلك راجع إلى بيع الخيار ولم يجزه أحد إلى سنة.
وأشار ابن رشد إلى أن المسألة ليست كبيع الخيار الذي جعل أمد الخيار فيه سنة، فإن ذلك ينتقض فيه البيع من أصله إذا أراد حله من جعل له الخيار، وهنا لا ينتقض إلا ما بقي من المدة.
وَلا يُقْسَمُ إِلا مَا وَجَبَ بِالْسُّكْنَى وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ وَالْمَوْلُودَ وَالْمُتَجَدِّدَ يَسْتَحِقُّ، فَلَوْ قُسِّمَ قَبْلَهُ فَقَدْ يُحْرَمُ مُسْتَحِّقٌ وَيَاخُذُ غَيْرُهُ
ولا يقسم الناظر في كراء الوقف إذا كانت كراء عن منافع مستقبلة، وسواء كان الكراء عن سكنى أو زراعة أو غيرهما إلا ما وجب بمضي مدته، لأنه لو قسم قبل الوجوب لزم أن يعطى من لا يستحق إذا مات ولزم أن يحرم المولود والغائب وكلامه ظاهر التصور في هذا. قال ابن الماجشون: لا يكرى الحبس بنقد لأنه يوقف في وقفه
[ ٧ / ٣١٧ ]
تعرض التلف ولأن كراءه بالنقد أقل من غيره فيلزم النقض في العرض من غير فائدة، وهذا كله إذا كان الوقف على قوم معينين، وأما إن كان على الفقراء والغزاة وشبههم فيجوز كراؤه بالنقد والصرف للآمر ما أشار إليه المصنف والله أعلم.
وَإِذَا بَنَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ أَصْلَحَ بِخَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمْرُهُ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فَهُوَ وَقْفٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِوَرَثَتِهِ وَلَمْ يَرَ مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَسِيرًا كَمِيزَابٍ وَنَحْوِهِ فَوَقْفٌ، وَإِلا فَلا
أي: في الواقف فأمره له، فإن بين أنه له فهو له يورث عنه وإن بين أنه وقف فهو وقف، فإن مات ولم يذكره فثلاثة أقوال: الأول لمالك في المدونة أنه يوقف لا شيء لورثته فيه. الثاني لابن القاسم في الموازية أنه لورثته ولم ير ما قال مالك، وما كان لأبيهم حيًَّا فهو لورثته ميتأً واستصوبه أكثرهم، لأن نفس البناء لا يكون وقفًا وإنما هو على ملكه بدليل لو أوصى بما كان له فالأصل بقاء ملكه حتى يتبين خلافه. والثالث: للمغيرة الفرق وتصوره ظاهر.
التونسي: وهو الصواب.
وعن ابن القاسم مثل القول الأول، وحمله التونسي على ان العادة جرت عندهم بذلك، ووقع لمالك أيضًا في كتاب الشفعة: وإذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد ورثته بيع نصيبه من البناء فلإخوته فيه الشفعة، واستحسنه مالك وقال: ما سمعت فيه شيئًا. واختلف الشيوخ هل ما في الموضعين خلاف أو يقيد ما في الشفعة بما في الحبس ويكونوا معنى أنه أوصى على معينين؟
وَلَوْ خَرِبَ الْوَقْفُ فَأَرَادَ غَيْرُ الْوَاقِفِ إِعَادَتَهُ فَلِلْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ مَنْعُهُ لِأَنَّ عَيْنَهُ مِلْكٌ، وَإِنِ امْتَنَعَ نَقْلُهُ عَنِ الْوَقْفِيَّةِ
تصور كلامه ظاهر، وما ذكره من أن عين الوقف ملك هو المذهب، نص عليه الباجي وغيره. ويستحسن للواقف أو ورثته تمكين غير الواقف من البناء إذا كان وقفًا
[ ٧ / ٣١٨ ]
على وجه من وجوه الخير وأراد الباقي إلحاق بنائه بالوقف، لأن ذلك من باب التعاون على الخير، قوله وإن امتنع.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَلِلْمُتَوَلِّي تَفْضِيلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْعِيالِ وَالزَّمَانَةِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ بِاجْتِهَادِهِ
أي: باجتهاد المتولي، وماذ كره المصنف نص صاحب البيان على أنه المشهور، قال: وقال ابن القاسم: لا يفضل ذو الحاجة على الغني في الحبس إلاب شرط من المحبس، قال: وفرق ابن نافع بين السكنى والغلة فسوى في السكنى الغني والفقير بخلاف الغلة، وعلى الأول روى ابن القاسم: من حبس على الفقراء وفي سبيل الله وابن السبيل وللغرباء وفي قرابته غني فلا يعطى منه، ولكن ذو الحاجة.
وفي المجموعة: من حبس على قوم وأعقابهم ذلك كالصدقة لا يعطى منه الغني شيئًا ويعطى منه المسرد بقدر حاله، فإن كان للأغنياء أولاد كبار فقراء بلغوا أعطوا بقدر حاجتهم.
الباجي: يريد والمسرد الذي له كفاية وربما ضاقت حاله بكثرة عياله، وإذا تساووا في الفقر والغنى أوثر الأقرب وأعطي الفضل من يليه، وإن اختلفوا أوثر الفقير، ذكره ابن عبدوس.
الباجي: وهو إذا كان عدد المحبس عليهم لا ينحصر ولا يفضل على فقرائهم بشيء وإن فضل عن فقرائهم شيء صرف إلى الأغنياء، وقاله ابن القاسم.
وَأَمَّا عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ
أي: كمن حبس على قوم وأعقابهم، وهو لمالك في المجموعة. والقول بأن الغني والفقير سواء لعبد الملك، قال: لأنه تصدق على ولده وهو يعلم أن منهم الغني والمحتاج فلا يفضل أحدهما على الآخر إلا بنص على ذلك.
[ ٧ / ٣١٩ ]
أَمَّا إِن عَيَّنَهُمْ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ
إذا لم يكن الحبس معقبًا وكان على معينين كهؤلاء العشرة فإنه يقسم بينهم بالسواء، واعترضه ابن عبد السلام بأنه أسقط الفاء من جواب أما وهو غير جائز، وأجيب بأنه اختلف إذا وقعت إن بعد أما هل الجواب لـ (أَمَّا) وهو مذهب سيبويه أو لـ (إِنَّ) وهو مذهب الفارسي، أولهما؛ فعلى مذهب الفارسي يكون الجواب لـ (إِنَّ) والماضي إذا وقع جوابًا لا يحتاج فيه إلى الفاء والفاء محذوفة مع قول محذوف؛ أي: فقالوا يسوى بينهم على حد قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم. [٦٤١/ب].
وَمَوَالِيهِ مِثْلُهُ
يعني: بالمثلية التعيين وعدمه.
وَلا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًَّا
يعني: إذا سكن بعض المحبس عليهم لاحتياجه، ثم استغنى فإنه لا يخرج لغيره إلا أن يكون الواقف شرط ذلك وكان الأصل أن يخرج. ولعل ما ذكره المصنف وغيره إنما هو لأن عودته إلى حالته الأول لا تؤمن.
قوله (وَلا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ) قال في الجواهر: وإن كان الغير محتاجًا ولم يكن في الدار سعة، وهذا إنما إذا سكن باستحقاق، وأما لو بادر أحدهم إلى السكنى فليس له بابتداره ولكن ينظر الإمام أحوجهم وأقربهم، قاله ابن كنانة.
ابن القاسم: وإن تساووا في الغناء أو الحاجة فمن سافر فهو أحق بالسكنى وليس على العدد ولكن بقدر العيال، فليس العزب كالمعيل.
[ ٧ / ٣٢٠ ]
ابن القاسم ومحمد: وإن كان بعضهم حاضرًا فهو أولى بالسكنى من الغائب إذا لم يكن على الحاضر فضل، بخلاف الغلة فإنها تقسم بين الحاضر والغائب بل المحتاج الغائب أولى من الغني الحاضر ثم لا يسقط حق الساكن بسفره إلا أن يسافر سفر انقطاع لبعض ما يعرض للناس كان له أن يكري مسكنه إلى أن يعود، نقله الباجي وغيره. وجعل في البيان السفر البعيد يشبه سفر الانقطاع في انقطاع حقه، ثم أشار في آخر كلامه أنه إذا جهلت حالته أن ظاهر قول مالك في رواية علي أن غيبته محمولة على الانقطاع والمقام حتى يتبين خلاف ذلك. وعلى ظاهر قول ابن القاسم محمولة على الرجوع وعدم الانقطاع حتى يتبين خلافه.
ومن كان يسكن من أهل الحبس مع ابنه فباع فإن كان قويًا يمكنه الانفراد فله مسكنه من الحبس، وإن لم يتزوج وضاق عليه مسكن أبيه، فأما من ضعف عن الانفراد فلا يسكن إلا أن يتزوج فيكون له حقه في السكنى، وأما الإناث فلا سكنى لهن في كفالة الأب، قاله عبد الملك في المجموعة.
وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لا يُحَاطُ بِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ حَمْلُهُ عَلَى الاجْتِهَادِ
يعني: أن من وقف على من لا يحاط بعدده كالفقراء والغزاة فبالضرورة يقسم على من حضر منهم على الاجتهاد؛ لأن العادة دلت على أن المراد من الواقف إن فارق المحبس عليهم وسد خلتهم.
وَمَنْ خَصَّ مُعَيَّنًا مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ بُدِئَ بِهِ
لا يريد بالمعين خصوصية الشخص كزيد بل أعم من ذلك، كما لو حبس على الفقراء وخص من له عيال منهم فليبدأ بالمسمى، ولابن القاسم في العتبية: إلا أن يعمل في ذلك عامل فيكون أولى بحقه.
ابن القاسم: وكذلك في غلة المبذور.
[ ٧ / ٣٢١ ]
الْهِبَةُ أرْكَانُها ثَلاثَةٌ
الهبة مصدر وهبت له شيئًا وهبًا ووهبانًا بالتحريك وهبة، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة، وتواهب القوم إذا وهب بعضهم لبعض، ورجل وهاب ووهابة كثير الهبة؛ لأن الهاء للمبالغة.
صاحب المحكم: ولا يقال وهبك، هذا قول سيبويه. وحكى السيرافي عن أبي عمرو أنه سمع أرعابيًا يقول للآخر: انطلق معي أهبك نفلًا.
اللخمي وغيره: وهو نقل الملك بغير عوض. وأحكام الهبة والصدقة متفقة إلا في أمرين: أولهما: منع الاعتصار في الصدقات، وثانيهما: كراهة اشترائها بخلاف الهبة فيهما.
قال في المقدمات: إلا أن تكون الصدقة على الابن فعن مالك في ذلك ثالث روايات: أولهما: أن الرجوع فيها لا يجوز إلا من ضرورة مثل أن تكون أمة فيتبعها نفسه أو يحتاج فيأخذ الحاجة، وهو ظاهر ما في المدونة.
ثانيها: أن الرجوع فيها بالبيع والهبة يجوز وأن الاعتصار يكون له، وهو قول مالك في سماع عيسى؛ لأنه أجاز أن يأكل ما تصدق به على ابنه الصغير، وذلك لا يكون إلا بمعنى الاعتصار وهو لا إذن له، ولا خلاف في شرعيتها.
الصِّيغَةُ وَشِبْهُهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِي الإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
الركن الأول: (الصِّيغَةُ) وهو لفظ الهبة وما تصرف منها وشبهها. (قَوْلٍ) كأعطيتك، أو بذلت لك، (أَوْ فِعْلٍ) به كالبيع.
وقوله: (فِي الإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) أي: التمليك من قبل الواهب والقبول من جهة الآخر.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
ابن عبد السلام: ولا ينتقض ما قاله المصنف في الفعل بها، في كتاب ابن مزين في رجل قال لولده: اجعل في هذا الموضع كرمًا أو حيوانًا أو ابْنِ فيه دارًا، ففعل الابن ذلك في حياة أبيه، والأب يقول: كرم ابني وجنان ابني، أن القاعة لا تستحق بذلك وهي موروثة وليس للابن إلا قيمة عمله منقوضًا، قال: وقول الرجل في شيء يعرف له: هذا كرم ولدي أو دابة ولدي، ليس له شيء ولا يستحق منه الابن شيئًا إلا بالإشهاد بهبة أو صدقة أو بيع صغيرًا كان أو كثيرًا، وكذلك المرأة فإنا نقول: ليس كل فعل يدل على نقل الملك، فلا يلزم من كون الفعل غير دال في هذا الموضع على نقل ملك الرقبة إلا أن يكون دالًا في غيره، وأيضًا فإنه دل على نقل تلك المنفعة زمانًا حتى إن الأب لو طلب كراء أرضه في المدة التي انتفع بها الابن لم يكن له ذلك.
وَمِثْلُهَا: الْعُمْرَى كَقَوْلِهِ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كَوَقْفٍ غَيْرِ مُؤَبَّدٍ
هي بضم العين وسكون الميم مقصور. الجوهري: أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلًا إذا أعطيته إياها، وقلت: هي لك عمري أو عمرك فإذا مت رجعت إلي، قال لبيد:
وما المال إلا معمرات ودائع
والاسم العمرى.
وقوله: (وَمِثْلُهَا) أي: في أن أركانها [٦٤٢/أ] ثلاثة وأنها تنعقد بالصيغة كـ (أَعْمَرْتُكَ) وشبهها من قول كـ "أسكنتك داري مدة حياتك"، أو فعل يدك على ذلك.
وقوله: (وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ) استدلال على ما ذكره من المماثلة كأنه يقول: العمرى كحقيقة الهبة فوجب استواؤهما في الحكم؛ لأن العمرى هبة المنافع، والهبة هبة الذوات وذلك وصف طردي.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
ثم في قوله: (وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ) فائدة أخرى وذلك؛ لأنه لما قال: (كَقَوْلِهِ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي) خاف أن يتوهم قصرها على العقار فعرَّفها بما يعم العقار وغيره. فقد روى ابن القاسم عنمالك في باب العارية جواز العمرى في الرقيق والحيوان، قال: ولم أسمع من مالك في الثياب شيئًا، وهي عندي على ما أعارها من الشرط، وكذلك نص على أن الحلي عنده كذلك في باب الهبة.
قوله: (حَيَاتَهُ) أي: حياة الآخذ؛ فإذا مات المعمَر بفتح الميم اسم مفعول رجعت إلى ربها أو لورثته إن مات، ولا فرق في المذهب بين أن تكون معقبة كـ (أَعْمَرْتُكَ) أم لا.
وقال أبو حنيفة والشافعي ﵄: لا تعود لربها وهي للمعمر أعقبها أم لا. وقال ابن شهاب: مذهبنا: إن لم يعقبها، وبالثاني إن أعقبها لما رواه وغيره عنه ﵇ أنه قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها". هذا لأنه أعطاها إعطاء أوقعت فيه للمواريث، وجوابه ما قال مالك بإثره: أن العمل ليس عليه وأن المسلمين عند شروطهم. على أن بعض أصحابنا أوَّل الحديث وقال: المراد به أنه أعطى المنافع لرجل وعقبه فإنه لا تكون له ولعقبه، ولا يبطل حق عقبه بموته بل حتى ينقرض العقب.
خليل: وقول مالك في الموطأ: "ليس العمل على هذا" يقتضي أنه فهمه على خلاف هذا التأويل.
صاحب الاستذكار: وسواء عند مالك وأصحابه ذكر ذلك بلفظ العمرى أو السكنى أو الاستغلال أو الإفقار أو الإخبال ونحو ذلك من العطايا.
والرُّقْبَى غَيْرُ جَائِزَةٍ مِثْلُ: إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَدَارِي لَكَ، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي فَدَارُكَ لِي
هو بضم الراء وسكون القاف مقصور، وهي: إعطاء المنفعة لمدة أقصرهما عمرًا وهي المراقبة والانتظار؛ لأن كلًاّ منهما يرقب موت صاحبه.
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وقوله: (غَيْرُ جَائِزَةٍ) هو قول ابن القاسم؛ لأنه قال في رجلين حبَّسا دارًا بينهما على أن من مات منهما أولًا فنصيبه حبس على الآخر: لا خير فيه؛ لأنه غرر لأنهما خرجا عن وجه المعروف إلى المخاطرة.
اللخمي: ويختلف في ذلك إذا نزل فعلى القول أن مرجع الحبس إذا كان على معين يعود ملكًا فيبطل هذا الحبس ويصنعان بالدار ما أحبا، وعلى القول بأنه يرجع حبسًا يبطل السكنى خاصة وتكون ملكًا لهما حتى يموت آخرهما فتكون على مراجع الأحباس في المدونة بإثر ما تقدم، وسألته عن العبد بينهما يحبسانه على أن من مات منهما أولًا فنصيبه يخدم آخرهما موتًا مدة حياته، ثم يكون العبد حرًا بعده فلم يجزه مالك، إلا أنه ألزمهما العتق بعد موتهما.
وإن مات منهما يحرم ورثته دون صاحبه ويبطل ما أوصى به في الخدمة؛ لأنه خطر، وإذا مات أحدهما كان نصيب كل واحد حرًا من ثلثه كمن قال: إذا مت فعبدي يخدم فلانًا حياته ثم هو حر. واستشكل جمعه بين إلزامه العتق وخروجه من الثلث؛ لأنه إن كان معتقًا إلى أجل يخرج من رأس المال، وإن كان موصى به فلا يلزمه العتق لكونه له الرجوع عنه. وأجيب بأنه كالمدبر وفيه نظر، فإن أصله في مثل هذا أنه لا يكون مدبرًا حتى يقصد به التدبير، وإن لم يقصد به ذلك فهو موصى بعتقه على ما قاله في أول كتاب المحجور، قالوا: على وجه التتميم، فإن مات الأول نظر فإن حمل الثلث نصيبه خدم الورثة بقيمة الأجل، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين أن يجيزوا أو يعتقوا منهم محمل الثلث بتلًا.
الثَّانِي: الْمَوْهُوبُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ
أي الركن الثاني، واحترز بقبول النقل من أم الولد والاستمتاع بالزوجة، فإن ذلك لا يقبل النقل شرعًا، واعترض بأنه تجوز هبة ما لا يجوز نقل الملك فيه كجلد الأضحية
[ ٧ / ٣٢٥ ]
وكلب الصيد. وجوابه أن جلد الأضحية قابل النقل وإنما الممتنع نقله على وجه خاص أعني بالبيع. وظاهر قول ابن شعبان بطلان هبة جلد الأضحية ونحوها؛ لأنه قال: من وهب ما لا يحل بيعه بطلت الهبة كانتل ثواب أو غير ثواب.
فَتَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ وَالآبِقِ وَالْكَلْبِ وَالْمَرْهُونِ
هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها بالواو وبالفاء أحسن.
وقوله: (الْمَجْهُولِ) هو المعروف من المذهب وهو ظاهر المدونة وغيرها. وفي النوادر: أعرف لابن القاسم في غير موضع أن هبة المجهول جائز. نقل المتيطي عن جماعة من الموثقين: الآبق من معرفة المتصدق به وقمدره. واستحب اللخمي ألا يفعل إلا بعد المعرفة بقوله وهبته خوف الندم بعد معرفته به. قال: واختلف إن فعل ثم تبين أنه على خلاف ما كان يظن، فقال ابن القاسم في العتبية فيمن تصدق بميراثه من رجل ثم تبين أنه خلاف ذلك أن له أن يرد عطيته، وكذلك في الواضحة.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا رجوع له وأرى له مقالًا بردِّ الجميع تارة من غير شركة، وتارة يكون شريكًا، فإن كان الوارث يرى أن للموروث دارًا يعرفها في ملكه وبدلها الميت في غيبته بأفضل [٦٤٢/ب] كان له أن يرد جميع العطية إذا قال: كان قصده تلك الدار، وإن خلف مالًا حاضرًا ثم طرأ مال لم يعلم به مضت العطية فيما علم خاصة، وإن كان جميع ماله حاضرًا أو كان يرى أن قدره كذا ثم تبين أنه أكثر كان شريكًا بالزائد.
ابن عبد السلام: ولا خلاف في جواز هبة الكلب؛ لأنه يورث.
وقوله: (وَالْمَرْهُونِ) تصوره ظاهر. ثم فرع على ذلك فقال:
[ ٧ / ٣٢٦ ]
وَيُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ فِي إِمْضَائِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يُمْضِ فَفِي جَبْرِهِ عَلَى افْتِكَاكِهِ مُعَجَّلًا إِنْ كَانَ لا يَجْهَلُ أَنَّ الْهِبَةَ لا تَتِمُّ إِلا بِتَعْجِيلِهِ- قَوْلانِ، وَعَلَى النَّفْيِ يَحْلِفُ مَا قَصَدَ التَّعْجِيلَ، وَيَقْضِي فِي الأَجَلِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَاخُذُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ
إذا وهب الراهن ما رهنه خير المرتهن في إمضاء الهبة وعدم إمضائها، فإن أمضى فلا كلام ولوضوحه تركه المصنف، وإن لم يمضها ففي إجبار الواهب على افتكاك المرهون معجلًا إن كان الواهب لا يجهل أن الهبة لا تتم إلا بتعجيل الدين قولان، مذهب المدونة الإجبار.
اللخمي: وقد قيل في هذا الأصل: ليس عليه أن يعجل، وهذا هو الذي فرعه المصنف على نفي إجبار حيث قال: وعلى النفي يحلف ما قصد التعجيل. وكلام اللخمي يدل على أن هذا القول ليس نصًا في عين المسألة خلاف المصنف وابن شاس.
ومفهوم قوله: (إِنْ كَانَ لا يَجْهَلُ) أنه إن كان يجهل لم يجبر وهو ظاهر؛ لأنه لا يمين عليه؛ لأنه إنما جعل اليمين على القول بنفي الإجبار.
ويحتمل أن يقدر قوله: (وَعَلَى النَّفْيِ) أي: وعلى الحكم بنفي الجبر، فيدخل في كلامه من يجهل ومن لا يجهل على أحد القولين. وقد نص اللخمي وابن شاس على أنه إن كان ممن يجهل ذلك يحلف على ذلك ولا يجبر على تعجيل اتفاقًا.
وظاهر قوله: (فَفِي جَبْرِ الْوَاهِبِ) أنه إن رضي بالتعجيل وأجبر عليه فلا مقال للمرتهن. وقيده بعض القرويين بما إذا لم يكن الدين عروضًا مؤجلة، وأما إن كان عروضًا مؤجلة فلا يجبر المرتهن على أخذها ويبقى العبد ونحوه رهنًا وليس له أن يعطيه رهنًا آخر.
[ ٧ / ٣٢٧ ]
وقوله: (وَيَقْضِي فِي الأَجَلِ) هو مفرع على عدم إجباره، وبقي الرهن في يد المرتهن فإنه إذا حل الأجل والواهب موسر قضى الدين وأخذ الموهوب له الرهن، ثم ما ذكره المصنف إنما هو كله إذا كان المرتهن قد قبض الرهن، وأما إن لم يكن قبضه وقبضه الموهوب له فقال ابن المواز: هو أحق به من المرتهن إذا كان الواهب موسرًا ولا يعجل للمرتهن حقه؛ لأنه فرط في حيازته، وإن كان معسرًا فالمرتهن أولى به إلا أن يكون وهبه لثواب، وإن وهبه ثم مات قبل أن يحوزه واحد منهما فإن كان موسرًا جازت الهبة وكان أحق به من المرتهن وحكم للمرتهن بتعجيل حقه، وإن أعسر بعد ذلك أتبعه بحقه.
وقوله: (فَفِي جَبْرِ) صوابه إجبار؛ لأنه من أجبر.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ، وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ مَعَ إِعْلامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ
يعني: وسواء كان الدين أو غيره؛ لأن الدين عام. فإن قيل: قوله: (وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ إلخ) يدل على أنه لم يرد ذلك إلا إذا كان على غير المديان، قيل: تخصيص الضمير لا يقتضي تخصيص الظاهر على الصحيح، وقد سمع إعلام المديان زيادة بيان؛ لأن قوله: (كَقَبْضِ الرَّهْنِ) يغني عنه، ألا ترى أنه قال في كتاب الرهن: (وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ) ثم إن إعلام المديان إنما هو مع حضوره، وأما إن كان غائبًا ففي المدونة: ويصح القبض إذا أشهد وقبض ذكر الحق، وهكذا تقبض الديون.
ولم يتعرض المصنف لدفع الوثيقة. وفي المدونة في الهبة: وإن كان دينه على غيرك بوهبه لك فإن أشهد وجمع بينك وبين غريمه ودفع إليك ذكر الحق وأحالك عليه كان ذلك قبضًا. وحمله صاحب النكت على ظاهره من أنه إذا لم يدفع ذكر الحق لا تتم الهبة بموت الواهب كالدار المغلقة إذا لم يعطه مفتاحها حتى مات الواهب أنه لا يصلح للموهوب له شيء، وإن أشهد له وجعل دفع الوثيقة في وثائق ابن العطار من شروط الكمال.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
وظاهر قول المصنف: (مَعَ إِعْلامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ) وقوله في المدونة: "وجمع بينه وبين غريمه" أن ذلك شرط ويجب أن يجعل ذلك على أنه شرط كمال؛ لأنه قد حكى في البيان في الجزء الثاني من الصدقات الاتفاق على عدم اشتراطه، فقال: ولا خلاف في أن الذي عليه الحق حائز لمن تصدق عليه به إن لم يعلم المتصدق عليه غائبًا أو حاضرًا.
الثَّالِثُ الْوَاهِبُ: مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ
أي الركن الثالث: الواهب. قوله: (مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ) وهي إخراج المال من غير عوض؛ أي من لم يحجر عليه، وقد تقدم بيان المحجور عليهم في باب الحجر.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ
ظاهر.
وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا لا لُزُومِهَا الْحَوْزُ كَالصَّدَقَةِ
هذا هو المعروف أن الهبة والصدقة يلزمان بالقول ولا يتمان إلا بالقبض.
قوله: (كَالصَّدَقَةِ) تشبيه لإفادة الحكم، وروي عن مالك أنها تلزم بالقول وللواهب الرجوع فيها، وإنما تلزم بالقبض. وحكى أبو تمام أن الصدقة والحبس يتمان بالقول ولا يُفْتَقر إلى حيازة.
وعلى الأول فقال ابن القاسم: يقضى عليه بإخراج الصدقة مطلقًا.
قال أشهب: لا يجبر على إخراجها إلا إذا كانت الصدقة على معين يلي خصومته، ودليل اللزوم بمجرد القول أن هذا عقد هبة حصل بالإيجاب ولاقبول والإشارة يحتمل عودها على قوله: (وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا) ويحتمل أن تعود إلى قوله: (إِلا فِي صَدَقَةِ أَبٍ) وكلاهما صحيح على قول ابن القاسم وأشهب في افتقار الهبة إلى القبول وعدمه، فلم يكن
[ ٧ / ٣٢٩ ]
له رده قياسًا على البيع ولقوله أو جوابًا لعقده، ولما في الصحيح: "العائد في هبته كالكلب يعومد في قيئه"، فشبه الراجع بالكلب والمرجوع عنه بالقيء، وذلك غاية التنفير المقتضي للمنع.
إِلا فِي صَدَقَةِ أَبٍ عَلَى صَغِيرٍ وَعَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ
هذا الاستثناء من شرط [٦٤٣/أ] الاستقرار؛ أي إلا في صدقة أب على صغير فلا يشترط في استقرار صدقته أو هبته الحوز؛ ولو قال: إلا في عطيته ليشمل الهبة وغيرها لكان أحسن، وتخصيصه الصغير والأب ليس بظاهر؛ لأنَّ السَّفيه في هذا كالصَّغير والوصي ومقدم القاضي سيان كالأب، إلا أن يقال: إنما خصصهما؛ لأنه محل الدليل أعني موافقة علماء المدينة، فمن ذلك قول عثمان: "من نحل ولدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة".
وفي الواضحة نحوه عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وابن عباس ﵃.
ابن عبد السلام وغيره: واستثناؤه يوهم أن الحيازة تسقط في عطية الأب ابنه الصغير وليس كذلك، وإنما الذي اختص به الأب ومن يتنزل منزلته في حقّ الصَّغير والسَّفيه أن يكون حائزًا لما وهب لهما، فيقال في الإشهاد: رفع يد الملك ووضع يد الحوز، وألحقوا الأب بالأجنبي في سكناه وما يلبسه فشرطوا معاينة الشهود للدار خالية من شواغل الأب ولحوز الملبوس.
ونقل أبو محمد صالح الاتفاق على أنه إذا أشهد الأب على هبته لولده ولم يزيدوا على قوله: اشهدوا أني وهبت له كذا- فهي حيازة، وهذا فيما يعرف بعينه من الأصول والعروض، واختلف فيما لا يعرف بعينه كالذهب والفضة واللؤلؤ والمكيلات والموزونات؛ فروى ابن القاسم عن مالك وبه أخذ المصريون وغيرهم: أنه لا يتم الحوز ولو ختم عليه
[ ٧ / ٣٣٠ ]
بحضرة الشهود إلا أن يجعل على يد غيره، وذهب المدنيون إلى أنه يتم الحوز فيها بوضعها على يديه إذا أحضرها بحضرة الشهود وختم عليها بخاتمه، قالوا: وتصح أيضًا وإن لم يختمها بحضرة الشهود ولو ختموا عليها كان خيرًا وأحسن.
وروي أيضًا عن مالك وقريب منه في الموطأ: أنه يجوز إذا أبرزه وإن لم يخرجه من يده، قيل: وبالأول جرى العمل وهو مذهب الرسالة لقوله: وإنما يحوز له ما يعرف بعينه.
وَتُحَازُ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ
الضمير في (تُحَازُ) عائد على الهبة، وفي (بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعود على الواهب. وقوله: (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ) أي: الواهب على الوز إذا أباه وهذا على أنها لازمة بالقول وهو المشهور من المذهب على ما تقدم.
وفي المدونة والموازية مثل ما ذكره المصنف. وإذا فرَّعنا على المشهور اختلف المذهب في حيازة الرهن هل يشترط فيها إذن الراهن؟ واختلف في اشتراط أمر الأخذ في حيازة الهبة إذا حازها له غيره، فقال مطرف في من تصدق على ابنته وهي ذات زوج بمسكن فخزن الزوج فيه طعامًا حتى مات الأب: أن ذلك حيازة للبنت.
وقال أصبغ: لا يكون حيازة إلا أن توكله، ورواه ابن القاسم في الذي يتصدق على رجل غير سفيه بدراهم وجعلها على يد غيره وهو حاضر أنها حيازة إذا لم يشترط على المدفوع إليه ألا يدفعها إلا بأمره، ولا خلاف أنه إذا اشترط ألا يدفعها إلا بأمره أنها لا تمضي كما لا خلاف إذا قال له: خذها له، أو ادفعها له، وقال الموهوب: أمسكها عندك- أنها تمضي.
واختلف إذا لم يقل: ادفعها، ولا: أمسكها، ولو شرط إمساكها حتى يموت الواهب فلا خلاف أنها وصية ماضية من الثلث، وقاله محمد.
[ ٧ / ٣٣١ ]
وَيُشْتَرَطُ حُصُولُهُ فِي صِحَّةِ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَقِيَامِ وَجْهِهِ
أي: يشترط في تمام الهبة حصول الحوز في صحة جسم الواهب وعقله وقيام وجهه. واحترز بصحة الجسم من مرض الموت لما في الموطأ أن أبا بكر ﵁ نحل ابنته أحدًا وعشرين وسقًا، فلما حضرته الوفاة فقال: "والله يا ابنتي ما من الناس أحب إليَّ غنىً بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقرًا منك، وإنه كنتُ نحلتك بواحد وعشرين وسقًا، فلو كنت جردتيه واحتزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هم أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله".
واحترز بصحة عقله مما لو جن الواهب قبل الحوز توقف، فإن صح الواهب لزمت وإن اتصل ذلك بالموت بطلت كما سيأتي من كلام المصنف، والمراد بقيام الوجه: ألا يفلس.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامهم في غير هذا الموضع أن قيام الوجه هو السلامة من التفليس بالحكم من قيام الغرماء بدين إن أحاط دينهم بمال الغريم ولو لم يحكم القاضي بفلسه، وأما هذا الموضع فإحاطة الدين بمال الواهب مانعة من الحيازة، فقد نص الباجي على أنها لو حيزت وقد كان تداين دينًا يحيط بماله قبل العطية أنها لا تحاز؛ لأنه ليس له أن يعطي ملك غيره.
أصبغ في العتبية: وإن كانت قيمة الموهوب أكثر من قيمة الدين أن يبيع جميعه وإن بيع بقدر الدين قصر عنه فإنه يباع جميعه فيقضي منه الدين ويعطى ما بقي للواهب ولا شيء للموهوب له، كما لو استحقه مستحق؛ لأن الغرماء استحقوه من يده، وأما إن أداه بعد العطية وقبل الحيازة فقال مطرف وابن الماجشون: الدين أولى وتبطل الصدقة والهبة فاعتبر يوم الحيازة، وقال أصبغ: الصدقة أولى من الدين المستحدث وإن لم تقبض، وإنما يراعى يوم الصدقة لا يوم الحيازة.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
الباجي: وإذا قلنا بمراعاة، فقال أصبغ: إذا تقدم الدين وقد كان له وفاء يوم الصدقة أو بعده فالصدقة المقبوضة أولى، وإن كان الأب حازها لولده الصغير حتى يعرف خلاف ذلك، كما لو استغل ما تصدق به عليهم، ولم يدرَ استغل لنفسه أو لهم فالصدقة ماضية حتى يعلم أنه إنما كان استغلها لنفسه دونهم. [٦٤٣/ب].
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الصدقة المقبوضة لا يدري هل الدين قبلها أو بعدها: الصدقة أولى حتى يعلم أن الدين قبل، ونحوه في المدونة.
وَالْعَارِيَّةُ وَالْقَرْضُ كَالْهِبَةِ فِي الْحَوْزِ
يريد: وكل معروف كالعارية والمنحة والعمرى والسكنى والحبس.
ابن عبد السلام: واختلف في الكفالة، والمشهور أنها لا تفتقر إلى حيازة.
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ وَهُوَ جَادٌّ فِيهِ أَوْ سَاعٍ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْهِبَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَوْزٌ وَصَحَّتْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: بَطَلَتْ
أي: مات الواهب قبل الحوز والموهوب له جاد فيه؛ أي: في القبض، أو في الطلب المفهوم من السياق، والموهوب له ساعٍ في تزكية شهود الهبة لكون الواهب أنكره، فقال ابن القاسم في المدونة والموازية: هي تامة ويقضى بها للموهوب، واستشهد بالمفلس إذا خاطبه الرجل في غير سلعته ثم مات المفلس: أن ربها أحق بها إن ثبت ببينة.
ابن المواز: وليس له إيقافها إلا في البينة القريبة مثل الساعة، وأما ببينة بعيدة فلا يحال بينه وبين ربها إلا بشاهد.
وقوله: (حَوْزٌ وَصَحَّتْ) ويستغنى بأحدهما عن الآخر. وقال ابن الماجشون: وتبطل الهبة، ورأى أن غاية البينة أن يكون كإقرار الواهب، ورأى أن غاية البينة أن يكون كإقرار الواهب، ولو أقر له ومات قبل القبض بطلت.
[ ٧ / ٣٣٣ ]
وقال أشهب: إذا حال القاضي بينه وبينها حتى لا يجوز حكمه فيها فليقضِ بما ثبت عنده فيها، كما كان يقضي في حياته وإن لم يمنع منها المعطى ولم يطلبها فهي باطلة.
ابن راشد: وينبغي إذا لم يعلم بالهبة- فلمَّا مات الواهب دفع له عقد الهبة وعلم ذلك- ألا تبطل، وقد وقعت بتونس ووقع فيها اضطراب، ووجدت في الطراز أنه معذور بعدم علمه وهو الصواب، والله أعلم.
فَإِنْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ بَطَلَ الْقَبْضُ إِنِ اتَّصَلا بِالْمَوْتِ فَإِنْ صَحَّ فَلَهُ الطَّلَبُ الأَوَّلُ
هو ظاهر التصور ولا إشكال في المرض. وأما المجنون فوقع لابن القاسم في العتبية في امرأة تصدقت على رجل بعبد أو دين فلم يحز عنها حتى ذهب عقلها أنه كالموت والتفليس.
الباجي: يريد: فتكون موقوفة فإن برئت فهي على صدقتها، وإن اتصل ذلك بموته بطلت فهذا الحق ما ذكره المصنف.
ابن عبد السلام: وهذا إنما ينبني على الشاذ في أن الهبة لا تلزم بالقول، وأما على المشهور أنها تلزم بالقول بمقتضى القياس كون دفعها للموهوب له، والفرق بين ذهاب العقل وبين المرض والدين أن الحق في ذهاب العقل للواهب، وقد أسقط بالتزامه، والحق في المرض والدين لغير الواهب وهو الوارث والغريم. انتهى. فكأنهم يرون أن الجنون مرض.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ قَبَضَ فِيهِمَا فَثَالِثُهُمَا: وَصِيَّةٌ وَلا أَرَى قَوْلَ مِنْ جَعَلَهَا وَصِيَّةً وَلا قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَهَا
(فِيهِمَا) أي: في المرض والجنون، وأعاد الضمير عليهما؛ لأنهما يفهمان من (مَرِضَ أَوْ جُنَّ).
[ ٧ / ٣٣٤ ]
قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ) هو معطوف على ما تقدم؛ وذلك لأنه قدم أن المرض يبطل القبض، ثم قال: (وَقَالَ أَشْهَبُ) فكأنه يقول: المشهور أنه إذا مرض بطلت الهبة وإن قبض في المرض؛ وهو صحيح، وقد نقل الباجي أن ابن القاسم روى عن مالك أنه إذا قبض في المرض لا يجوز وإن كانت من غير وارث، قال: واحتج بحديث أبي بكر ﵁ ثم ذكر قول أشهب، وقوله في الموازية قال: يقضي له الآن بثلثها فإن صح قضى له بباقيها، ولا أرى قول من قال: تجوز كلها من الثلث، ولا قول من أبطلها.
ابن المواز: وأظن جوابه يعني أنه لم يراعِ غيرها فلذلك قال: ثلثها، ونقل عن أشهب أيضًا أنه قال: ذهب ربيعة ﵁ إلى أنه إذا لم يجز المعطي عطيته حتى مات المعطي أن له ثلث العطية. وقال ابن شهاب وغيره: هي للمعطى إن حملها الثلث، ولا أقول ما قالاه.
وَلَوْ فَلَّسَ وَلَوْ بِحَادِثٍ بَطَلَتْ
ولو فلس الواهب ولو بدينٍ بعد الهبة بطلت خلافًا لأصبغ، فإنه قال: تبطل بحادث، وقد تقدم.
وَبَقَاؤُهُ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ بِاكْتِرَاءٍ أَوْ إِعْمَارٍ أَوْ إِرْفَاقٍ حَتَّى مَاتَ مُنَافٍ لِحَوْزِهِ
أي: بقاء الواهب في الدار الموهوبة بأي وجه كان إلى أن يموت لا يصح معه حوز الهبة وتبطل.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ هِبَةِ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ دَارَ سُكْنَاهُمَا؛ لأَنَّ الْيَدَ فِي السُّكْنَى لِلزَّوْجِ
هو كالاستثناء من إبقاء الواهب في دار سكناه مبطل؛ أي: إلا في هبة الزوجة للزوج دارًا وهي ساكنة معه فيها فإنها في ذلك تصح الحيازة بخلاف العكس.
[ ٧ / ٣٣٥ ]
وقوله: (لأَنَّ الْيَدَ فِي السُّكْنَى لِلزَّوْجِ) تعليل للفرق، ويعلم به حكم المسألتين وإلا فالمصنف لم يصرح بحكمهما.
(وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ) في العتبية، ونسبة التفرقة له مشعرة أن هناك من يخالفه وهو كذلك؛ لأن ابن القاسم روى عن مالك أنه حوز في الوجهين، وروى أشهب أنه حوز ضعيف لا يصح في الموضعين، هكذا حكاه ابن زرقون عن ابن العطار، وإن كان صاحب البيان قال: لا أحفظ فيه كلامًا.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون نسبة هذا الكلام لابن القاسم إشارة إلى أنه كالمناقض لما بعده، وأنه يتخرج في المسألة ثلاثة أقوال من المنصوص في كل واحد منهما.
وَأَمَّا الْخَادِمُ عِنْدَهُمَا وَمَتَاعُ الْبَيْتِ يَهَبُهُ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لازِمٌ، وَرَوَى أَشْهَبُ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ
ضمير (عِنْدَهُمَا) و(أَحَدُهُمَا) عائد على الزوج والزوجة، فروى ابن القاسم؛ أي: في الموازية والعتبية: أن الهبة جائزة، وروى أشهب في الكتابين أنه ضعيف وما هو بالبيِّن. واعلم أنه لم يذكر في رواية ابن القاسم متاع البيت، وكلام المصنف يوهم ذكره في الرواية، نعم روى محمد [٦٤٤/أ] عن ابن القاسم وابن عبد الحكم أن متاع البيت كالخادم؛ أي على رواية ابن القاسم. محمد: وبه أقول.
ابن رشد وابن زرقون: والأظهر أن يغلب، فأشارا إلى تفرقة ابن القاسم في السكنى ففرقا واستدلا على ذلك باتفاقهم على أن القول قول الزوج إذا اختلفا في متاع البيت فيما يكون للرجال والنساء، قالا: وقد قيل القول قوله فيما عرف من متاع النساء وأنه لا يد له معه.
وقوله: (عِنْدَهُمَا)؛ أي يكون هذا الموهوب مستعملًا بينهما، وكذلك قال الباجي قال: وأما ما يستعمل منفردًا كعبد الخراج ففي العتبية من سماع أشهب عن مالك في امرأة
[ ٧ / ٣٣٦ ]
نحلت ابنًا لها صغيرًا عبدًا فلم يحزه الأب ولا الولي حتى ماتت الأم أن ذلك مختلف، فأما غلام الخراج فليس بحوز للصبي، وأما غلام الخدمة يخدمه ويختلف معه ويقوم في حوائجه فإنه حوز، وكذلكلو نحله أبوه الغلام وهو مع أبيه لكن اختلافه معه وخدمته للحوز، وإن خدم الأب مع الغلام إلى أن مات الأب.
وَلَوْ حَازَهَا ثُمَّ أَجَّرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَنْ قُرْبٍ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ فَقَوْلانِ
أي (لَوْ حَازَهَا) الموهوب الهبة (ثُمَّ أَجَّرَهَا) للواهب (أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ) فرجع إلى الهبة عن قرب (بَطَلَتْ) الهبة باتفاق لما دلت عليه القرينة أن ذلك تحيُّل لإسقاط الحيازة، وهكذا صرح الباجي وغيره بالاتفاق. وإن كان عن طول وهو سنة فقولان، وأقربهما أن ذلك لا يضر وهو الذي رواه محمد عن مالك وأصحابه، والقول بأن ذلك يبطلها لمطرف وابن الماجشون.
ووقع في بعض النسخ عوض قول المصنف: (قَوْلانِ) (رِوَايَتَانِ) والأولى أصح؛ لأن الثاني ليس هو رواية.
وقد رجح قول مطرف بالقياس على الرهن، ويجاب أن الرهن على ملك الراهن ولذلك اشترط فيه استدامة الحيازة بخلاف الموهوب، ويدل على هذا اتفاقهم على أنه لو رجع الواهب في الهبة مختفيًا أو ضيفًا فمات أن ذلك لا يبطل الهبة وإن كان عن قرب، وهو معنى قوله:
وَلَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَرِض فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ كَانَ عَنْ قُرْبٍ
أي: ولو بعد يوم، قاله مطرف وابن الماجشون، وهذا بخلاف الرهن فإنه يبطل بذلك.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
قوله في صدر المسألة: (وَلَوْ حَازَهَا ثُمَّ أَجَّرَهَا) يدل على أن الموهوب له يحوز لنفسه، أما إن كان صغيرًا فحاز عنه الأب أو غيره ثم رجع الأب إليها قبل أن يكبر ويحوز لنفسه سنة فهي باطلة.
محمد: لا يختلف في ذلك مالك وأصحابه، والفرق بين الصغير والكبير أن الولد الكبير يتصور منه منع الأب من الرجوع في الهبة فلا يعد رجوع الأب إليها رجوعًا في الهبة، والصغير لا يقدر على ذلك فيعد رجوعه رجوعًا في الهبة.
وما ذكره ابن المواز من الاتفاق على بطلانها بذلك إذا سكنها الأب وحده، وأما إن سكن فيها مع الولد فظاهر قول مالك أيضًا البطلان. وحكى أبو محمد مكي في كتاب الاختلاف عن ابن حبيب أنها لا تبطل؛ لأنه إنما سكن بحضانته لهم.
وَلَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ فَإِنْ عَلِمَ نَفَذَ وَالثَّمَنُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رُدَّ وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ
يعني: لو باع الواهب الهبة قبل أن يحوزها الموهوب له افترق الحكم بسبب علم الموهوب له وعدم علمه، فإن علم الموهوب له نفذ البيع والثمن للموهوب له، هكذا في المدونة على إحدى الروايتين، وذلك أنه قال في أول كتاب الصدقة: ومن تصدق على رجل بصدقة ولم يقبضها حتى بيعت تم البيع وكان الثمن للمعطي.
وروي بفتح الطاء اسم المفعول وهذا موافق لكلام المصنف، وروي بكسر الطاء اسم فاعل ومقتضى القياس خلاف الروايتين؛ إذ الهبة تلزم بالقول فكان القياس يقتضي أن يجيز الموهوب في إجازة البيع أو رده، إلا أنهم راعوا قول من يقول: إنها لا تلزم إلا بالقبض.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ)؛ أي: الموهوب له بالهبة رُدَّ البيع والموهوب له على طلبه بالحوز.
وقوله: (رُدَّ) إن أراد الموهوب له ذلك، وإن أراد إمضاءه فله ذلك كبيع الفضولي.
[ ٧ / ٣٣٨ ]
ابن يونس: وكذلك يكون له رد البيع إذا علم الموهوب له ولم يفرط حتى جاعله؛ يعني المتصدق بالبيع، ونحوه لأصبغ.
وما ذكره المصنف من التفرقة بين علم الموهوب له وعدم علمه هو مذهب المدونة، ولابن القاسم أن البيع أولى؛ لأن البيع عقد معاوضة فكان أولى، ونحوه لأشهب.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم يرد البيع ويأخذ المعطي عطيته فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور: الفرق فإن علم نفذ وإن لم يعلم رد. وزاد المتيطي رابعًا بأن المتصدق عليه أولى إن كان لم يفرط في الحيازة، وإن فرط لم يكن له شيء وهو قوله في العتبية. وخامسًا: الفرق بين ألا يمضي من المدة ما لا يمكنه فيه الحوز فيكون أحق وبين أن يمضي ما يمكنه فيه الحوز فلا يكون له إلا الثمن. وسادسًا أنه إن مضى ما يمكنه فيه الحوز لم يكن له شيء.
الباجي: وإذا قلنا ينقض فروى محمد عن ابن القاسم إنما ذلك المعطى المعين فيقضى له، وأما إن كان لغير معين مثل أن يجعل داره في السبيل ثم يبيعها فلا يبطل البيع؛ لأنه لا يقضى عليه بها، وإن قلنا بإمضاء البيع فقال أشهب وابن عبد الحكم: تبطل الصدقة ولا شيء للمعطى من الثمن.
وروى ابن حبيب [٦٤٤/ب] عن مطرف: إن كان المعطى حاضرًا فلم يقم حين علم بالبيع مضى وله الثمن، فإن مات المعطي على إثر ذلك ولم يفرط بطل البيع لكون العطية ملكًا.
مطرف وابن القاسم: ولو كان المعطي غائبًا فقدم في حياة المعطي خير بين رد البيع وأخذ الثمن.
[ ٧ / ٣٣٩ ]
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ فَفِي بُطْلانِهَا قَوْلانِ. وَاضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ
أي: فإن مات الواهب قبل علم الموهوب بالهبة وقد كان الواهب باعها فقال ابن القاسم في المدونة وغيرها: بطلت.
قال بعض من تكلم هنا: بطلت، والقول بعدم البطلان لا يكاد يوجد؛ لأن الواهب مات قبل حيازة الموهوب له، ولاسيما وقد انضم إلى هذا مبطل آخر وهو بيع الواهب لها وليس وهمه في هذا، والله أعلم أن ابن شاس ذكر مسألة البعي ثم مسألة الموت ثم قال: وقال محمد: اضطرب قول ابن القاسم فظن أن هذا الاضطراب راجع إلى الموت فذكر فيه قولين وليس كذلك، وإنما راجع إلى أول المسألة، وكذلك ذكره الباجي وغيره في مسألة البيع. انتهى.
خليل: ويمكن أن يجعل هذه مستقلة لا مفرعة على التي قبلها ويكون ضمير (مَاتَ) عائدًا على الموهوب، ويكون القول بالبطلان معللًا بعدم القبول، والقول بالبطلان معلل بالقبول كما قالوا في من أرسل هدية، والله أعلم.
وقوله: (بِخِلافِ الرَّهْنِ) ابن راشد: يعني لأنه إذا باعه قبل القبض نفذ من غير خلاف. انتهى.
وقد قال بعضهم: معناه بخلاف ما لو رهن العطية فإن الرهن يبطل وتصح العطية، ونحوه للباجي لأنه قال: ولو رهن المعطي العطية قبل القبض فقال ابن القاسم في من حبس على ابنه ثم رهنه فمات: بطل الرهن وثبت الحبس. وفي بعض النسخ بعد قوله: (بِخِلافِ الرَّهْنِ) فإنها تبطل إذا رهنها وهكذا حكى ابن شاس، أما لو رهنها الواهب ثم مات فقال ابن القاسم: ثبت الرهن وتبطل الهبة.
[ ٧ / ٣٤٠ ]
فَلَوْ كَانَ وَهَبَهَا وَحَازَهَا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لِلأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى
يعني: فلو وهب الواهب الهبة بعدما وهبها ولم يكن الأول قد حازها وحازها الثاني، فقال ابن القاسم: هي للأول، وقال أشهب- وهو اختيار محمد: الثاني أولى بحيازته؛ وروي أيضًا عن ابن القاسم.
والأول أقيس؛ لأن الهبة عندنا تلزم بالقول فلم يهب إلا ملك الأول، وظاهر هذين القولين أنه لا فرق بين أن يفرط الموهوب له أو لا، وزاد في البيان في الرابع من الصدقات قولين آخرين؛ أحدهما: أن يعلم فيفرط أو لا يعلم، والثاني: الفرق بين أن يمضي من المدة ما يمنكه فيه القبض أم لا، وعلى قول ابن القاسم فقال أصبغ في العتبية: إن علم الموهوب بالهبة وفرط فلا شيء له، وإن لم يعلم أو علم ولم يفرط وقدم المتصدق فعاجله بأن تصدق بها على غيره، فالأول أولى إن أدركها قائمة فله قيمتها على المتصدق، وهذا الفرق يقوي قول أشهب فوقه؛ إذ لم ينزل الهبة منزل البيع.
فَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الأَمَةَ أَوِ اسْتَولْدَهَا فَفِي رَدِّهِ وَتَقْوِيمِ الأَمَةِ قَوْلانِ
أي: قبل حوز الموهوب له، والقول بإنفاذ العتق والاستيلاد من غير قيمة لابن القاسم في العتق الثاني من المدونة: وسواء علم المعطي بالهبة أو لم يعلم، وقاله في الموازية والعتبية، والقول برد العتق ولزوم قيمة الأمة في الإيلاد لابن وهب وهو أقيس وله رده- راجع للعتق وتقويم الأمة للإيلاد فهو لف ونشر، وزاد في البيان ثالثًا للمغيرة: أن العتق أولى على كل حال إلا أن يكون بين الصدقة والعتق ما لا يمكن فيه الحوز من المدة.
الباجي: إذا قلنا بقول ابن القاسم فكاتب الواهب العبد أو دبره أو أعتقه إلى أجل فقال أصبغ: يمضي ولا شيء للمعطي في خدمة المدبر ولا كتابة المكاتب ولا رقبته إن عجز.
[ ٧ / ٣٤١ ]
ابن القاسم: ولو قتله رجل فالقيمة للموهوب له.
الباجي: لأن قتله ليس بمعنى الرجوع.
وَفِي بَيْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهِبَتِهِ قَوْلانِ، بِخِلافِ الْعِتْقِ
سقطت هذه النسخة من نسخة ابن راشد وابن عبد السلام هي ثابتة عندنا؛ أي: إذا وهب الموهوب له الهبة أو باعها قبل أن يقبضها فهل ذلك حوز ولا يضر بعد ذلك موت الواهب قولان؛ والقول بأنه حوز لمطرف ونحوه لمالك من رواية ابن وهب، لكن قال: إن أشهد المعطي على فعله وأعلن. وقال أصبغ: ليس حوزًا.
وروى ابن الماجشون أن البيع حوز وليست الهبة حوزًا؛ لأنها محتاجة إلى حوز، واتفقوا على أن العتق حوز، وإلى هذا أشار بقوله: (بِخِلافِ الْعِتْقِ).
وَمَنْ حَبَسَ دَارًا أَوْ دُورًا وَهُوَ فِي بَعْضِهَا وَحِيزَ الْبَاقِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ دُونَ الْبَاقِي، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ كَثِيرًا لَزِمَ الْجَمِيعُ، وَإِلا فَلا
أي: أو وهب أو تصدق، فإن سكن بيتًا صغيرًا منها؛ أي من دور كثيرة، أو دارًا صغيرة منها؛ أي من دور كثيرة، (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ) وهذا القول حكاه ابن الجلاب وقال: يبطل ما سكنه قليلًا كان أو كثيرًا. واعتبر في هذا القول كل شيء بانفراده، وقيل: إن كان المحاز كثيرًا لزم الجميع؛ يعني: ما سكن وما حيز عنه، مثل أن يسكن دارًا صغيرة من دور أو بيتًا صغيرًا من دار، هكذا حكى ابن شاس هذا القول واعتبر فيه التبعية.
وحكى ابن شاس قولًا ببطلان الجميع بمطلق [٦٤٥/أ] السكنى.
وفي المدونة: ومن حبس على صغار ولده دارًا أو دورًا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فذلك جائز وحوزه لهم حوز، إلا أن يكون ساكنًا في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها أو تورث على فرائ الله، وأما الدار الكبيرة ذات المساكن سكن أقلها وأكرى لهم باقيها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
مالك: وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵄ وسكنا منزلًا منهما حتى ماتا فنفذ حبسهما في ما سكنا وفي ما لم يسكنا.
وفرق بعضهم بين الحبس والصدقة فلم يجزه في الصدقة.
اللخمي: وإن سكن النصف وحيز النصف بطل ما سكن وصح ما لم يسكن، ونسبه لابن القاسم وأشهب بجعل القليل دون النصف والكثير ما فوقه.
وفي الواضحة: القليل ما دون الثلث. وفي الموازية عن ابن القاسم وأشهب: إن سكن قدر الثلث فأقل جاز الحبس. وفي المتيطية: إن سكن ثلث الحبس أو أقل نفذ الحبس في ما سكن وفي ما لم يسكن، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز شيء من الحبس ورد جميعه ميراثًا، هذا مذهب المدونة وبه الحكم. انتهى. ففهم أن الثلث كثير وهو خلاف ما قاله اللخمي.
ولأصبغ قول آخر بالتفصيل بين الدار والدور، فقال في الدور: ما سكن منها من دار فهي باطلة وصح غيرها قل أو كثر، وأما دار واحدة فإن سكن منها يسيرًا جازت كلها وإن سكن أكثرها بطلت، ولا يظهر لتخصيص المصنف بالحبس معنى.
وقد نص في المدونة على أن الهبة والصدقة كالحبس كما تقدم ولاسيما والباب إنما هو معقود للهبة. وقيد صاحب البين الإطلاق في سكنى الأب الأكثر من الدور وبما إذا كان هو الحائز، قال: وأما إن سكن الأب الأكثر أو الجل وحاز الكبار بقيتها فيجوز لهم ما حازوه، ولا أعرف فيه نص خلاف.
وَفِي جَعْلِ هِبَةِ الْمَغْصُوبِ كَالدَّيْنِ يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ قَوْلانِ. وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى
يعني: إذا وهب ما تحت يد الغاصب لم يكن الإشهاد حيازة عند ابن القاسم وأصبغ في المدونة. وقال أشهب: هي حيازة كالدين.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
قوله: (يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ) بيان لحكم الدين المشبه به وهي جملة في موضع الحال من الدين، وذلك لأنه لما شبه هبة المغصوب بالدين في أحد القولين- بَيَّن حكم الدين، وهي زيادةُ إيضاحٍ، وإلا فقد قام ذلك.
قوله: (وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ) اختار جعله كالدين، وضمير (أَنْكَرَهُ) عائد على الجعل أو على الاختيار المفهوم من (اخْتَارَ).
واختار محمد أيضًا قول أشهب إلا أنه خالفه في الحجة؛ لأنها ليس حوزًا، وغير هذا يرد: لا يقدر على أكثر من هذا، وقال: لأن الغاصب ضامن فهو كالدين.
اللخمي: وتعليل أشهب أحسن؛ لأن الواجب رفع يده ولا يقدر على أكثر من هذا وليس كالدين؛ لأنه إنما وهب عين المغصوب ولم يهب قيمته ولما قال في المدونة: وليس قبض الغاصب قبضًا للموهوب له، قيل له: ولِمَ والهبة ليست في يد الواهب؟ قالت: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب ولا أمره الواهب بذلك فيجوز إذا كان غائبًا.
قال بعضهم: ظاهره لو أمره جاز، وهذا إذا رضي الغاصب أن يحوز.
وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ لِيَتَرَوَّى ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ
يعني: إذا وهب رب الوديعة للمودع الوديعة بأن قال: قبلت تمت الهبة وإن لم يقل قبلت حتى مات الواهب، وفي معنى ذلك: إذا وهب الدين للمديان ولم يقل قبلت حتى مات الواهب فقولان: الأول لابن القاسم في المدونة والموازية: أنها باطلة لأنها لم تنقل إلى ملك الموهوب له قبل موت الواهب؛ إذ من شرط النقل القبول.
والثاني لأشهب: أنها جائزة؛ لأن كونها بيده أحذر للحوز، قال في الموازية: إلا أن يقول: لا أقبل، واستحسنه محمد.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
ومفهوم قوله: (حَتَّى مَاتَ) أنه لو قال: قبلت قبل موت الواهب وبعد مفارقة المجلس أنها تصح، واعترضه التونسي وقال: كان يجب على أصل ابن القاسم: إذا افترقا ألا تصح؛ لأنه كلام يقتضي جوابه على رهنه، كما لو قال: بعتك بكذا، ولم يقل له المبتاع شيئًا فليس له بعد افتراقه أن يقول رضيتها، قال: وإنما اختلفوا في التمليك بعد المجلس؛ لأنه لم يحتج إلى نظر.
قوله: (وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ .. إلخ) هو ظاهر التصور، ومقتضى كلامه أن القولين جاريان أيضًا، لكن قال ابن راشد: جعل محمد هذه المسألة حجة لقول أشهب في الوديعة، وذلك يقتضي أنها نافذة له وإن لم يقل قبلت بغير خلاف وإلا لما صح الاحتجاج بها. انتها.
وهو كلام ظاهر، والفرق ظاهر؛ لأن إنشاء القبض من الموهوب قوي في الدلالة على الرضا بخلاف الوديعة، فإنه ليس فيها ذلك.
قوله: (لِيَتَرَوَّى) أي: ليرى رأيه.
وَلَوْ تَصَدَّقَتْ بِصَدَاقِهَا فَقَبِلَهُ ثُمَّ مَنَّتْ عَلَيْهِ فَرَدَّ كِتَابَهَا أَوْ أَشْهَدَ لَهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ؛ لأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ
هو ظاهر؛ لأن صداقها عليه دين فإذا قبل سقطت فإذا رده إليها أو أشهد على نفسه كان هبة منه لها، فإذا مات لم يكن لها شيء؛ لأنها عطية لم تقبض قبل موت الواهب.
وَإِذَا وَهَبَهُ مَا تَحْتَ يَدِ الْمُودَعِ وَمَاتَ وَعَلِمَ الْمُودَعُ صَحَّتْ، بِخِلافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ إِلا مَا قَبَضَ
صوابه على مذهب سيبويه [٦٤٥/ب] وهب له كما تقدم؛ يعني إذا وهب الوديعة لغير من هي تحت يده (وَمَاتَ) أي: الواهب.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
(وَعَلِمَ) جملة في موضع الحال، زاد ابن القاسم في فرض المسألة رواية سحنون: ولم يأمر الواهب الموهوب بقبض الهبة، ولم يذكر ابن المواز هذه الزيادة، بل ذكر إذا جمع بينهما واشترط العلم ليكون حائزًا للموهوب له ولو دفعها الواهب كان رضا بخلاف ما وهب له ما تحت وكيله فإنه لا شيء له إلا ما قبضه، فلو وهبه مائة فقبض خمسين ثم مات الواهب لم يكن له إلا الخمسون؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، ومسألة الوكيل رواها عيسى عن ابن القاسم في العتبية، ورواها أبو حنيفة عن مطرف وأصبغ.
وَمَا تَحْتَ يَدِ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ كَالْمُودِعِ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَهُمَا بِخِلافِ الْمُودَعِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ لا يَحُوزَ لِلْمَوْهُوبِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الإِخْدَامُ وَالْهِبَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَهُوَ حَوْزٌ لَهُ، وَإِلا فَلا
(كَالْمُودِعِ) فيه حذف مضاف؛ أي كوديعة المودع فيكتفي بعلم من هما بيده إذا أشهد الواهب، وكذلك قال ابن شاس، وحيازة المخدم والمستعير حيازة للموهوب له إذا أشهد. ونقل في النكت عن بعض شيوخه أنه اعتبر علم المخدم ورضاه كما في فضلة الرهن.
اللخمي: ويشترط أن يبتل له الرقبة الآن وتكون المنفعة على المخدم على الواهب ولا على الموهوب له، قال: وإن وهب إليه المرجع بعد انقضاء الخدمة ليس الآن لم يكن له حوز. انتهى.
وعلى هذا فلا تشبيه بين المخدم والمستعار وبين المودع في حصول الحيازة بالعلم.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَهُمَا) هكذا قال في المدونة. وقوله: (لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ لا يَحُوزَ لَهُ) أي: المودع لما كان قادرًا على رد ما تحت يده إلى من دفعه له صار كالوكيل لمن استحفظه على ذلك، والموهوب له هو المالك الآن فلابد من علم المودع بمن هو حافظ، والمخدم والمستعير غير قادرين على رد ما قبلاه من المعطي فليسا بوكيلين لأحد فلا يشترط عملهما، وهذا القول للتونسي.
وقوله: (وَقِيلَ .. إلخ) نص في الجواهر. وقال عبد الملك: إذا تقدم الخدمة لم يكن المخدم حائزًا للموهوب، وإن أخدم ووهب في مرة واحدة كان ذلك حيازة للموهوب.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
عبد الملك: ولو كانت الهبة والإخدام في عبد فقتل بعد ذلك كان قيمته لمن وهبت له الرقبة.
وَمَا تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَاجِرِ لَيْسَ بِحَوْزٍ، إِلا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: الْمُسْتَاجِرُ كَالْمُودَعِ
الأول مذهب ابن القاسم: أن المرهون لا يتم حوزه إلا بافتكاكه كما تقدم في بابه، وأما المستأجر فلا يتم إلا أن يهب الإجارة. وقيده ابن زرقون وغيره بأن تكون الإجارة غير مقبوضة ليكون اقتضاء الموهوب منه الإجارة حيازة، وأما قبض الواهب الأجرة فلا. والفرق بين المخدم والمرتهن والمستأجر أن المخدم محوز عن ربه والمستأجر والمرهون محوز له.
قوله: (فَقَالَ أَشْهَبُ: الْمُسْتَاجِرُ كَالْمُودَعِ) ظاهره أنه لا يفتقر إلى علم المستأجر وفيه نظر؛ لأن الذي له في الموازية أن ذلك نافذ إذا أشهد وإن لم يسلم الإجارة معه، هكذا نقل اللخمي وغيره.
ابن عبد السلام: والأحسن لو زاد المؤلف فيما حكاه عن أشهب التشبيه بالمستعير فيقول كالمودع والمستعير، هكذا في الرواية عن أشهب؛ لأن اقتصاره على التشبيه بالمودع يوهم موافقة لابن القاسم في تفريقه بين المودع والمستعير من غير حاجة لذلك.
وَالْمُرْسِلُ هَدِيَّةً يَمُوتُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِهِ، فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَرْجِعُ إلى الْمُهْدِي أَوْ لِوَرَثَتِهِ، وَعُلِّلَ بِفَوَاتِ الْحَوْزِ أَوْ بِعَدَمِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ بِخِلافِ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ لِمَنْ حَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُمْ كَصِغَارِ بَنِيِه وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ مَضَتْ إِنْ أَشْهَدْ
أي: إذا أرسل هدية لغائب عنه ثم مات الواهب أو الموهوب له قبل وصول الهدية ففي المدونة ترجع إلى المهدي أو إلى ورثته. وتبع المصنف في التعليل بفوات الحوز راجع إلى موت الواهب، وبعدم القبول راجع إلى موت الموهوب.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
وفي المدونة: مقيد بما إذا لم يشهد، وأما إذا أشهد فهي للمعطى أو لورثته، وتبع المصنف في التعليل الذي ذكره ابن شاس ونسبه المؤلف للمدونة لإشكالها، أما أولًا: فلأنه أبطلها بموت الموهوب والمؤثر في بطلان الهبة إنما هو موت الواهب.
وقد نص في المدونة في باب الهبة على خلاف هذا فقال: وإن وهبت هبة لحر أو عبد ولم يقبضها حتى مات فلورثة الحر ولسيد العبد قبضها وليس لك أن تمتنع من ذلك. وإلى هذا الإشكال أشار التونسي وغيره، ولهذا قال عياض: ولعل ما في المدونة أن يقول الباعث: أنا إنما قصدت بها صلة للمبعوث إليه بعينه إن وجد حيًا، ويكون مصدقًا؛ إذ لا يلزمه إلا ما أقر به من معروفه إذا لم يشهد على أصله فيلزمه بظاهر فعله وقوله.
وأما ثانيًا: فلأنه قد أمضاها بالإشهاد وهو مبطل للتعليل، ولهذا قال ابن عبد السلام: الصواب عندهم في تعليل المسألة أنه مع الإشهاد قد فعل غاية المقدور في الحوز.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ .. إلخ) هو كما حكيناه عن المدونة في الهبة. قوله: (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ .. إلخ) هذا تأويله [٦٤٦/أ] عن مالك في رواية يحيى عنه، قال: سألت ابن القاسم عن قول مالك في الرجل يشتري المتاع في الحج لبعض أهله ثم يموت قبل أن يبلغهم ذلك المتاع أنهم لهم، قال: وإنما أراد أن يكون اشتراه لأصاغر ولده، ومثله روى علي بن زياد عن مالك أن الإشهاد لا ينفع في ذلك لمن يحوز عليه من ولده الصغير، وأما الكبير والأجنبي فلا يحوز لهم إلا أن يحوزه غيره. ورده محمد بأن الإشهاد في مثل هذا هو الحوز، ورآه أيضًا عياض بأنه لو لم يحز إلا للصغار لم يختص ذلك إلا بالحج والسفر دون الإقامة، ولا معنى لما قاله بعض الصقليين، إنما يعني ذلك إذا وهب العين ثم اشترى به فعجل الشراء يقوم مقام الحوز؛ لأن مسألة الذي وجه صلته وهبته قد جعلها حوزًا، والعلة في ذلك كله عدم التفريط في الحوز. واعترض كلام المصنف بأن ظاهر كلامه أن تأويل ابن القاسم في المسألة إنما هي في موت المهدي إذا كانت الهدية بيده، ولو أخر تأويل ابن القاسم إلى مسألة الحاج كان أولى؛ وهي قوله:
[ ٧ / ٣٤٨ ]
وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْهَدِيَّةِ لأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ كَذَلِكَ
أي: المشهور فيه الاكتفاء بالإشهاد؛ لأن غاية المقدور عليه، وتصور هذا الكلام ظاهر.
فرع:
قال مالك: وإن حلى الأب صبيًا بحلي ثم مات فهو للصبي دون الورثة؛ لأنه مظنة الحوز.
فائدة:
لا تعتبر حيازة أخ ولا غيره من غير الموهوب إلا في أربع مسائل: المتصدق بثوب في السفر، والحاج يشتري لأهله شيئًا ويشهد عليه ثم يموت، والحبس الذي لا غلة له كالسلاح إذا أخرجه مرة ثم رجع له، والدار يتصدق بها فتحاز عنه سنة ثم يكريها فيموت فيها.
وَالْهِبَةُ قِسْمَانِ: مُقَيَّدٌ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُطْلَقٌ
وقسم مطلق، وبقي عليه قسم آخر وهو مقيد بالثواب وذكره آخر الباب.
الأَوَّلُ: قِسْمَانِ: لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ فَلا رُجُوعَ إِلا لِلأَبِ والأُمِّ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَحُزْهُ الْمُتَوَلَّى عَلَيْهِ
يعني: أن القسم الأول وهو المقيد ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يراد به وجه الموهوب له وهو معنى قوله: (لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ)، والثاني: أن يريد به وجه الله. وما ذكره من أنه لا رجوع للواهب للمودة والمحبة إلا للأب أو للأم هو مذهب مالك، ودليله ما رواه أبو داود عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن
[ ٧ / ٣٤٩ ]
عباس ﵃ عنه ﵇ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يعود في قيئه" ورواه النسائي أيضًا، وقال أبو عمر: وصله حسين المعلم وهو ثقة.
وتقاس الأم على الأب. وقيل: هو لعبد الملك قال: لا تعتصر الأم إذا حاز الهبة عنها له أبوه أو وهبه أو وهو إن كان يلي نفسه، قال: ويعتصر الأب؛ لأن أصل العصرة له، قال: وإنما تعتصر ما وهبت له إذا كانت هي التي تليه ولم تخرج الهبة عن يده.
اللخمي: واختلف في اعتصار الأب إذا كان فقيرًا، فقيل: له ذلك، ومنعه سحنون قال: وإنما يعتصر إذا كان الأب في حجره أو بائنًا عنه وله مال كثير، وصح اعتصار الأم إذا كان للولد أب سواء كان الأب موسرًا أو معسرًا أو الابن موسرًا، ويختلف إذا كان الابن والأب فقيرين قياسًا على اعتصار الأب من الولد الفقير، ويصح اعتصار أم مع عدم الأب إن كان الاب موسرًا، قاله أشهب في الموازية.
ولا يصح إذا كان صغيرًا فقيرًا؛ لأنها حينئذٍ على وجه الصدقة، ويختلف إذا كان كبيرًا فقيرًا فعلى قول سحنون لا تعتصر، والمعروف من المذهب أنها تعتصر وإن كان صغيرًا فقيرًا ثم أيسر قبل البلوغ أو بعده لم يعتصر؛ لأن المراعى حين العطية هل كان على وجه الهبة أو الصدقة إن كان له أب يوم العطية، ولم تعتصر الأم حتى مات الأب كان لها أن تعتصر؛ لأنه لم تكن على وجه الصدقة، وفي الموازية: لا تعتصر، والأول أحسن؛ لأن المراعى يوم العطية. انتهى مختصرًا.
وَفِي إِلحَاقِ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ بِهِمَا رِوَايَتَانِ
الإلحاق لمالك في الموازية؛ لأن الجد يطلق عليه أب، وعدم الإلحاق رواه ابن القاسم في المدونة؛ لأن الأصل عدم الرجوع ولا يتحقق دخولها تحت الحديث.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
وَلَوْ تَلِفَ الْمَوْهُوبُ أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ أَوْ تَزَوَّجَتِ الْبِنْتُ أَوِ ادَّانَ الابْنُ لأَجْلِ الْهِبَةِ- وَقِيلَ: مُطْلَقًا- فَاتَ الرُّجُوعُ
لما ذكر الاعتصار شرع في موانعه، وامتنع مع تلف الموهوب لفوات محل الاعتصار، وكذلك إن زال ملكه عنه؛ أي ببيع أو هبة أو غير ذلك.
قوله: (أَوْ تَزَوَّجَتِ الْبِنْتُ) لعله خصصه للاتفاق عليها لما تعلق للزوج من الحق في مالها، وظاهر المذهب أن تزويج الابن كذلك، وهو مذهبه في الموطأ وبه قال ابن القاسم في العتبية من رواية عيسى، وهو ظاهر المدونة لقوله: كذلك إن بلغ الصغار ما لم ينكحوا. وقال ابن دينار: نكاح الذكر لا يمنع الاعتصار؛ لأنه دخل في أمر مخرجه بيده بخلاف الأنثى، والأظهر أن الأنثى أيضًا تعلقًا بمال الزوج بسبب النفقة والكسوة والسكنى؛ إذ ذلك كله على قدر ماله.
وقوله: (أَوِ ادَّانَ الابْنُ) لعله خصصه؛ لأنه الذي يتصرف غالبًا وإلاف لا فرق بين الابن والبنت في هذا.
وقوله: (لأَجْلِ الْهِبَةِ) مفهومه أنه لو داينوه، لا لأجلها جواز الاعتصار كما لو كان الابن [٦٤٦/ب] موسرًا أو يعلم أنه لم يداين للهبة، وهذا مذهب الموطأ ورواه مطرف وقال به، وبه قال ابن القاسم وأصبغ ومحمد.
وقوله: (وَقِيلَ: مُطْلَقًا) وقيل الدين مطلقًا سواء كان لأجل الهبة أم لا يمنع الاعتصار، ونسبه صاحب البيان لابن الماجشون، والظاهر أن المراد بقوله: (أَوِ ادَّانَ لأَجْلِ الْهِبَةِ) أن يكون رب الدين قد قصد ذلك ولا يكفي قصد الولد، هذا مقتضى كلام اللخمي وغيره لقوله: وإن دويِن أو تزوج أو تزوجت البنت لأجل الهبة امتنع الاعتصار. قال محمد: ويمتنع الاعتصار إذا داينه الناس لأجلها، وإن كان أبو الحسن قال: انظر لو
[ ٧ / ٣٥١ ]
كانت الهبة كثيرة ولم تعلم الزوجة ولا الذي داينه بها هل يصح الاعتصار إذا لم ينكح لذلك ولا داين له؟
وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ مَرِضَ الأَبُ فَلَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: فَلَيْسَ لَهُ، وَقَالَ: وَأَمَّا الابْنُ فَلا أَدْرِي
أي: الواهب أو الموهوب له (فَكَذَلِكَ) أي: يفوت الاعتصار عند مالك وابن القاسم. قال في البيان: وهو المشهور؛ لأنه لو مرض الواهب فاعتصاره لغيره وهو الوارث، وإن مرض الموهوب له فقد تعلق حق ورثته به. وروى أشهب: إن مرض الأب فله الاعتصار دون العكس؛ لأن الاعتصار له قبل المرض فلا يزول به عملًا بالاستصحاب.
ابن نافع: وللسيد أن ينتزع مال مدبره وأم ولده أقرَّا عنه على مال ولده وإن كان قد وهبه؛ لأن العبد ملك على ترقب والولد ملك حقيقة، وقدرة الأب على الاعتصار لا توجب ضعفًا في ملكه، فانظره.
وَعَلَى إِفَاتَتِهِ لَوْ زَالَ، فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ قَوْلانِ
الضمير في (إِفَاتَتِهِ) وفي (زَالَ) يعود على المرض، والقول بعود الاعتصار لابن القاسم وأشهب والمغيرة وابن دينار وابن الماجشون.
ابن القاسم: لأن المرض أمر لم يعامله الناس عليه فهو بخلاف النكاح والمداينة، والقول بعدم الاعتصار لمالك في الواضحة وقاله أصبغ. واختار اللخمي الأول، ولسحنون ثالث بعود الاعتصار بزوال ملك الأب دون الابن، أما لو حصل تزويج ثم زال فلا يعود الاعتصار، ولم يحكِ اللخمي في ذلك خلافًا. والفرق ما أشار إليه ابن القاسم كما ذكرناه؛ لأن مانعية النكاح والدين مانعية محققة، ألا ترى كيف اتفق عليها دون المرض.
[ ٧ / ٣٥٢ ]
وَلَوْ وُهِبَ له عَلَى هَذِهِ الأَحْوَالِ فَفِي إِفَاتَتِهَا الرُّجُوعَ قَوْلانِ
أي: لو وهب له وهو مزوج أو مديان أو مريض فقال ابن الماجشون: لا رجوع لها. وقال أصبغ: له الرجوع.
اللخمي: قول ابن الماجشون ليس بحسن، وهكذا قال ابن عبد السلام: الأقرب صحة الاعتصار؛ لأن الموهوب له لم يدخل أحدًا في عهدته بسبب الهبة.
وَتَغَيُّرُ الأَسْوَاقِ لا يُفِيتُ
هكذا نقل الباجي عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ.
ابن راشد: ولا يختلف فيه.
وَفِي زِيَادَةِ عَيْنِهَا وَنُقْصَانِهَا قَوْلانِ
أي: وفي تفويت الرجوع في الهبة بزيادة عينها ككبر الصغير وسمن الهزيل وانقضائها بعيب قولان. مطرف وابن الماجشون: لا يفيت، وأصبغ: يفيت.
الباجي: وهو القياس من قول مالك وابن القاسم. واختار اللخمي أنه لا يفيت في النقص، قال: لأن مضرته على الواهب بخلاف الزيادة إلا أن يكون الأب هو المنفق على العبد وبماله نما.
اللخمي: فإن كانت أمة فزوجها كان له أن يعتصرها على أحد القولين؛ لأن التزويج عيب.
مالك وابن القاسم: وإن كانت العطية دنانير فضربها حليًا فليس له اعتصاره، وكذلك قال ابن الجلاب إذا خلط الدنانير بمثلها، واستقرأ من المدونة خلافه.
وَلَوْ وَلدَتِ الأَمَةُ لَمْ يُعْتَصَرِ الْوَلَدُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إِلا بِفَوْرِ الْوِلادَةِ
(لَمْ يُعْتَصَرِ) أي: وتعتصر الأم، وقد تقدم أن اللخمي ذكر أن مجرد التزويج يمنع الاعتصار على أحد القولين، وقال اللخمي: (إِلا بِفَوْرِ الْوِلادَةِ) أي: فيعتصر الولد، وما
[ ٧ / ٣٥٣ ]
ذكره من اعتصار الأم بعد الولادة وقع لمالك في كتاب المدنيين. اللخمي: ولم يبين هل الولد من زوج أو من زنى.
وَالْحَمْلُ مِنْهُ يُفِيتُ، وَفِي مُجَرَّدِ الْوَطْءِ قَوْلانِ
أي: وإذا ولدت من الولد فات الرجوع؛ لأنها صارت أم ولد، وفي معنى ذلك لو كاتبها أو دبرها أو أعتقها إلى أجل. واختلف في مجرد الوطء، فمذهب المدونة وهو قول مالك وابن القاسم وأكثر الأصحاب يفيت وإن كان ثيبًا. وقال المغيرة: لا يفيت وبه قال ابن الماجشون، قال: وتوقف حتى تستبرأ فإن حملت بطل الاعتصار، وعلى الأول فلو خلا الابن وادعى الوطء لم يعتصر، قاله يحيى بن عمر.
ابن عبد السلام: والأقرب أن الخلاف مقصور على وطء الثيب وأن وطء البكر يتفق على التفويت به.
الثَّانِي: مَا يَقْصِدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ لِفَقِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلا اعْتِصَارَ فِيهِ لأَبٍ وَلا لأُمٍّ وَلا لِغَيْرِهِمَا لأَنَّهُ صَدَقَةٌ
أي: الثاني من قسمي القسم الأول وهو المودة؛ يعني: ما قصد به التقرب إلى الله تعالى من صلة الرحم أو صلة أو صلة لفقير أو يتيم ونحوهما مما يدل على قصد التقرب إلى الله تعالى به، فلا رجوع في ذلك لأب ولا لأم؛ لأنه صدقة، وقد ورد النهي عن العود في الصدقة.
واختلف إذا اشترط الرجوع في الصدقة، فقيل: لا رجوع؛ لأن سنتها عدم الرجوع، والذي قاله الباجي في وثائقه وابن الهندي: أن له ذلك.
ابن الهندي: قال فضل: سنة الصدقة عدم الرجوع، قيل: وسنة الحبس عدم الرجوع وإذا اشترط المحبس بيعه كان له شرطه.
[ ٧ / ٣٥٤ ]
فرع:
ويلحق في الصدقة في عدم الارتجاع ما لو وهب هبة لوجه الله الكريم، قاله ابن الماجشون [٦٤٧/أ] مثل أن يكون له ابن أو ابنة محتاجًا فقيرًا في حجره أو كبيرًا بائنًا عنه. وقال مطرف: من وهب هبة لله أو لوجه الله فله الاعتصار، وبالأول جرى العمل وبقول مطرف تعلم أن ما حكاه بعضهم من الاتفاق على عدم الرجوع في الهبة إذا أريد بها وجه الله ليس بجيد.
وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِوَجْهٍ إِلا بِمِيرَاثٍ
الضمير في تملكها عائد على الصدقة. وظاهر قوله: (وَلا يَنْبَغِي) الكراهة وهو ظاهر المدونة لقوله في الزكاة: (وأكره للرجل شراء صدقته)، والأصل فيه قوله ﵇ لعمر في الفرس الذي تصدق به: "لاَ تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ".
اللخمي: ومشهور المذهب حمل النهي على الندب، وحمله الداودي على التحريم.
وتخصيصه الصدقة يدل على الجواز في الهبة وهو قول مالك في الموازية، وكره ذلك عبد الوهاب في الصدقة وأنه لا يشتريها ممن حصلت له من المتصدق عليه.
وَلا يَاكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلا يَرْكَبُهَا
قال في المدونة: ومن تصدق على أجنبي بصدقة لم يجز له أن يأكل من ثمرها ولا يركبها ولا ينتفع بشيء منها، وأما الأب والأم إذا احتاجا فينفق عليهما ما تصدقا على الولد. وفي المدونة أيضًا: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية تبعها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه ويشهد ويستقصي للابن، وفرض المسألة في العتبية في العبد.
ابن رشد: وهو في الجارية أعذر. وقال ابن المواز: للرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه ويشرب من لبنها ويكتسي من صوفها إذا رضي الولد وكذلك الأم.
[ ٧ / ٣٥٥ ]
محمد: وهذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل، قاله مالك.
وقوله: (وَلا يَاكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلا يَرْكَبُهَا) ظاهره أنه لا ينتفع مطلقًا. وفي الرسالة: ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به.
أبو الحسن: وظاهره خلاف المدونة. وفي المعونة: إلا أن يشرب من ألبان الغنم يسيرًا أو يركب الفرس الذي جعله في السبيل وما أشبه ذلك مما يقل خطره.
وقيل: معنى ما في الرسالة إن كان بحيث لا ثمن له، وقيل: يحمل ما في الرسالة على ما ذكره ابن المواز وقد تقدم.
وقال ابن عبد السلام: يعني لا ينتفع بما تصدق برقبته، وأنه إذا تصدق بحائط فلا يأكل من ثمره وإذا تصدق بدابة فلا ينتفع بركوبها، وفي ذلك قولان أشهرهما الجواز لحديث العرايا، وقال عبد الملك: لا ينتفع بذلك.
خليل: وفيه نظر؛ لأن الجواز خلاف ظاهر المدونة.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ
هذا هو القسم الثاني منأصل تقسيم الهبة حيث قال: (وَالْهِبَةُ قِسْمَانِ).
وسمي مطلقًا؛ لأنه لم يقيد بنفي ثواب ولا بوجوده فيحمل على ما يتفقان عليه، فإن اتفق الواهب والموهوب له على الثواب أو على عدمه عمل عليه.
وَإِذَا اخْتَلَفَا حُكِمَ بِالْعُرْفِ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ
نحوه في الجواهر والجلاب، ولفظ الجلاب: ومن وهب هبة مطلقة وادعى أنه وهبها للثواب نظر في ذلك وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته قبل قوله مع يمينه، وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هبته فالقول قول الموهوب له مع
[ ٧ / ٣٥٦ ]
يمينه، وإن أشكل ذلك واحتمل الوجهين فالقول قول الواهب مع يمينه وألزمه اليمين سواء شهد العرف أم لا.
عياض: وهكذا في بعض نسخ المدونة ذهب ابن زرب وأبو عمران إلى نفي اليمين إذا شهد له العرف.
وفي المقدمات: وإن لم يتبين أنه أراد بهبته مجرد الثواب دون مكافأة أو قصد الوجهين جميعًا، وذلك مثل هبة النظراء والأكفاء من أهل الوفر والغنى. ففي المدونة: القول قول الواهب. واختلف الشيوخ في تأويلها هل بيمين أو بغيرها، قال: وأرى أنه على ثلاثة أوجه: إن قال الواهب: أردت الثواب ولم أشترط، فعلى الخلاف في يمين التهمة وله الثواب، وأما على القول الذي لا يوجب عليه اليمين في التهمة فلا يحلف بوجه، وإنقال: اشترطت عليك الثواب، وقال الموهوب له: بل بينت ألَّا ثواب، فالقول للواهب مع يمينه بنفي الثواب وذلك راجع إلى الموهوب أو الموهوب له، فالأولى كهبة الدنانير والدراهم فالهبة مردودة.
وقال في المختصر: لا ثواب له إلا أن يكون لذلك وجه كالسبائك والحلي المكسور فإن ابن القاسم نص على نفي الثواب فيهما، وجعل ابن القاسم الحلي الصحيح مما يثاب عليه خلافًا لأشهب، والثاني كهبة أحد الزوجين للآخر فإنه لا ثواب بينهما على مذهب المدونة، ففيها: ولا يقضي بين الزوجين بثواب ولا بين ولد ووالده إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم؛ كالزوجة تهب لزوجها جارية فارهة تسألها إياه لما تستجلبه من صلته، أو الزوج يهبها والابن لما يستقر من أبيه، فلذلك حكم بنفي الثواب ولو اشترطا ثوابًا لزمهما، وكذلك نص فيه على الهبة في حق الأقارب أنه لا رجوع إذا علم أنه لا يريد الثواب، وأنَّى له الثواب إن علم أنه أراده.
[ ٧ / ٣٥٧ ]
وحكى في المقدمات في الأقارب والزوجين قولين: الأول: أنه لا يصدق في الثواب إلا أن يشترطه، وروي عن مالك أيضًا وبه قال ربيعة والليث، والثاني: أنه يصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقه، حكاه صاحب [٦٤٧/ب] المعونة وكهبة الطعام، ونحوه للقادم في سفر، ففي المدونة: وإذا قدم غني من سفره فأهدى له الفقير الفاكهة والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب فلا شيء له، ولا له أخذ هبته وإن كانت قائمة بعينها.
وقال ابن عبد الحكم: يجب الثواب في المهدى للمسافر.
اللخمي: وهو أبين والشأن الثواب؛ لأن الناس على ضربين: منهم من لا يتكلم على ذلك وإن لم يطلب فهما إن وقع بينهما بعد ذلك مقابحة على الهبة لم يكن له شيء. ومنهم من يتكلم على الثواب فيقضى له به.
ونص ابن العطار على أنه يقضى بالثواب فيما يهدونه في إعسارهم من الجزاف ونحو ذلك.
الباجي: قضى قضاة بلدنا: فيقضى للمهدي بقيمة الكباش وبوزنها إن علم وزنها ويقاصه بما أكل عنده ومن جاء معه، وكهبة غني لفقير أو فقير لغني فلا يصدق في الثواب إذا لم يشترطه، بخلاف هبة الغني لغني أو فقير لفقير فيصدق في الثواب، قاله في المدونة.
وَلا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ إِلا قِيمَتُهَا قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لِلْوَاهِبِ أَنْ يَابَى إِنْ كَانَتْ قَائِمةً
يعني: أن هبة الثواب إن فاتت لم يلزم الموهوب إلا قيمتها، وإن كانت قائمة فالمشهور أن الموهوب له إذا دفع قيمتها لزم الواهب قبولها.
وقال مطرف: له أن يمتنع من قبول القيمة وأكثر؛ لأنه لو أراد قيمته أو أكثر لباعها في السوق، وللموهوب له أن يردها إلا أن تفوت.
[ ٧ / ٣٥٨ ]
واختلف بما تفوت في حق الموهوب له حتى تلزمه القيمة على أربعة أقوال: أولها: القبض، رواه ابن الماجشون عن مالك.
ثانيها: حوالة الأسواق، وهو قول ابن القاسم في الموازية.
ثالثهًا: الزيادة أو النقصان، قاله ابن القاسم في المدونة.
الباجي: وهو المشهور.
ورابعها: النقص فقط، رواه عيسى عن ابن القاسم في العتبية. واختلف أيضًا في فواتها بالنسبة إلى الواهب حتى تلزمه القيمة على خمسة أقوال:
أولها: مجرد الهبة على قول محمد الذي يقول: إنه يلزمه دفع الهبة وإن لم يقبض الثواب.
ثانيها: القبض وهو المشهور.
ثالثها: التغيير بالزيادة والنقصان في كتاب الشفعة من المدونة. رابعها: النقصان فقط، قاله أشهب. خامسها: لا تفوت إلا بذهاب عينها أو العتق ونحوه، فإن تلف بعضها فللآخذ الباقي، قاله مطرف.
ومن هذا المعنى اختلافهم متى تكون القيمة؟ فلمالك قولان: يوم القبض، ويوم الهبة، ومذهب محمد واختيار محمد يوم القبض، فعلى أن ضمانها من البائع تكون القيمة في السلعة الموهوب يوم القبض، وعلى القول بأن ضمانها من المبتاع تكون القيمة قيمتها يوم الهبة، وهو اختيار ابن القاسم وابن المواز، وهذا على القول بأن للواهب أن يمسك هبته حتى يأخذ الثواب وعلى القول بأنه ليس له أن يمسكها ويلزمه دفعها بخلاف البيع بضمانها بعقد الهبة من الموهوب له ولا يدخلها ما يدخل الحبوسة بالثمن. انتهى.
والقول بأنه يحبسها حتى يأخذ الثواب هو مذهب المدونة، ومقابله لمحمد وعلل ذلك بأنها مبنية على المكارمة.
[ ٧ / ٣٥٩ ]
وَفِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِلا فِي الْحَطَبِ وَالتِّبْنِ وَشِبْهِهِ
القول بتعيين الدنانير والدراهم لأشهب، والقول بأنها لا تتعين ويلزم الواهب قبول ما دفعه الموهوب له مما فيه وفاء بالقيمة لسحنون.
والثالث لابن القاسم: لا تتعين ولا أن يثيبه ما شاء إلا ما كان كالحطب والتبن والعبد والمخدم ما لم تجر العادة أن يثاب بمثله وهو الأقرب؛ لأن العرف كالشرط. وهل يعتبر فيما بين الهبة وعرضها السلامة من الربا؟ اعتبر ذلك في المدونة فمنع أن يعرض من الحلي دراهم ومن الطعام طعامًا مخالفًا ومن الثياب ثيابًا أكثر منها من نوعها، وأجاز في الموازية كثيرًا من هذا المعنى.
وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الثَّوَابِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ
لأنه التزمه بعينه.
وَإِذَا صَرَّحَ بِالثَّوَابِ فَإِنْ عَيَّنَهُ فَبَيْعٌ
كما لو قال: أهبها لك بمائة دينار، ولا خفاء فيه. وقال: (بَيْعٌ) ولم يقل بـ "حائز"؛ ليعلم أنه يشترط في ذلك شروط البيع كالرد بالعيب.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ
أي: وإن وهبه بشرط الثواب ولم يسمِّه فأجازه ابن القاسم في المدونة وقاله أصبغ.
الباجي: وهو أولى؛ لأن العرف كالشرط، ولأنه مبني على المكارمة، فملا أخذ شبهًا من ناحية المعروف لم يحتج إلى حيازة.
وقوله: (وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ) هو ابن الماجشون؛ أي: لأنه كبائع سلعة بقيمتها، وذلك جهل بالثمن.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
اللقطة
اللُّقَطَةُ: كُلُّ مَالٍ مَعْصُومٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ فِي عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ
اللقطة- بفتح القاف وضم اللام- ما التقط، هكذا استعمله الفقهاء. وقياس هذا أن يكون ممن يكثر منه الالتقاط كالهمزة والضحكة، وفسرها الزبير على الأصل: اللقطة- بفتح القاف وسكونها- ما التقط. وحكى ابن الأثير القولين، قال: والأول أصح.
عياض: الالتقاط وجود الشيء من غير طلب. وقول المصنف: (كُلُّ مَالٍ .. إلخ) كلية تعرف به اللقطة، واحترز بالمعصوم من غيره كمال الحربي وبمعرض للضياع مما هو في حفظ، والغامر- بالغين المعجمة- ضد العامر، ولا يقال تخرج منه الشاة الملتقطة في الصحراء لأنها غير معصوم، إذ لآخذها [٦٤٨/أ] أكلها من غير ضمان، لأنا نقول: المراد بالمعصوم في الأصل والشاة كذلك، ولأن إطلاق اللقطة عليها مجاز.
وَلا يَلْتَقِطُ الإِبلَ فِي الصَّحْرَاءِ
لما في الموطأ والصحيحين: سئل ﵇ عن لقطة الذهب والفضة فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستبقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه". وسئل عن ضالة الإبل فقال: "ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتشرب الماء حتى يجدها ربها". وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" وفي رواية حماد بن سلمة عند مسلم: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك" وعنده أيضًا من حديث سفيان وزيد بن أنيسة وحماد بن سلمة في حديث آخر: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه". وقوله: "وسقاءها" هي استعارة لصبرها عن الماء كمن حمل معه سقاء. والحذاء- بالحاء المهملة والذال المعجمة ممدودًا- ما وطأ عليه البعير من خف والفرس من حافر. قاله الجوهري وعياض. وهي استعارة لصبرها على المشي كمن لبس الحذاء.
[ ٧ / ٣٦١ ]
وأشار ابن شهاب إلى أن الإبل لم تزل على ما ذكره في الحديث من عدم التقاطها إلى زمان عثمان ﵁ فأمر بتعريفها ثم تباع، فإن جاء صاحبها أعطي الثمن لفساد الناس حينئذ. واختلف هل تلتقط حين لا يؤمن عليها السباع؟
مالك وابن القاسم وأشهب: إن كان الإمام عدلًا أخذت ودفعت إليه ليعرفها، وليس للملتقط أكلها ولا بيعها، فإن لم تعرف ردها حيث وجدها.
ابن القاسم: وهو رأي على ما روي عن عمر ﵁. قال مالك مرة فيمن وجد بعيرًا ضالًا: فليأت به الإمام يبعه ويجعل ثمنه في بيت المال. وقال في مدونة أشهب: يباع ويوقف ثمنه حتى يأتي ربه، فإن يئس منه تصدق به عنه كما جاء عن عثمان ﵁. قالوا: وإن كان الإمام غير عدل لم تؤخذ وتركت مكانها. انتهى.
وفي المقدمات بعد أن ذكر عدم التقاط الإبل: قيل: إن ذلك في جميع الأزمان. وهو ظاهر قول مالك في المدونة والعتبية. وقيل: بل هو خاص بزمان العدل وصلاح الناس، وأما في الزمان الذي فسد فيه الناس فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت ويئس منه تصدق به عنه على ما فعله عثمان ﵁.
ابن عبد السلام: وصحيح مذهب مالك عدم التقاطها مطلقًا.
وقوله: (فِي الصَّحْرَاءِ) نحوه في المدونة فيحتمل ألا يكون له مفهوم، وأنه خرج مخرج الغالب، ويحتمل أن يكون له مفهوم وهو محتمل للموافقة؛ لأنه إذا امتنع التقاطها حيث يتوهم ضياعها فامتناعها حيث لا يتوهم ضياعها أولى، ومحتمل للمخالفة فيكون معناه أنها تلتقط في العمران لسهولة وجدان ربها له بخلاف ما إذا نقلها من الصحراء إلى العمارة فلا يتأتى معرفة ربها، ولأنها في العمران لا تجد ما تأكل فتهلك.
ابن عبد السلام: والأول أسعد لظاهر المذهب، والثاني أقرب إلى لفظه، وإلا لقال لا تلتقط الإبل وسكت عن الصحراء.
[ ٧ / ٣٦٢ ]
وَفِي إِلْحَاقِ الْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: تُلْحَقُ الْبَقَرُ دُونَهَا
القول بالإلحاق لأشهب، قال: لا تؤخذ البقر والبغال والحمير، وإن أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها. وقال ابن شعبان: لا تلحق البقر وتؤكل، وعلى هذا فتلتقط الخيل والحمير ويعرف ما قاله في المدونة. والثالث مذهب المدونة، قال فيها: وضالة الإبل إن كانت بموضع يخاف عليها فهي كالشاة وإن كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع والذئاب فكالإبل، فإن وجد الخيل والبغال والحمير فليعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لم يأت تصدق بها.
وَيُلْتَقَطُ الْكَلْبُ، وَالْمَتَاعُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، وَالْمَطْرُوحُ خَوْفَ الْغَرَقِ، وَبِالْفَلاةِ لِعدْمِ الرَّاحِلَةِ لأَرْبَابِهَا وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ
يريد: المأذون في اتخاذه، وأما غيره ففي المدونة: لا شيء على قاتله فكيف يلتقط.
وقوله: (لأَرْبَابِهَا) قد تقدم في هذا خلاف في باب الزكاة وعليهم أجرة حمله إن شاءوا أخذه وإن شاءوا تركه لواجده لم يلزمهم شيء.
وَالالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ، وَفِي الْمَامُونِ الاسْتِحْبَابُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالاسْتِحْبَابُ فِي مَا لَهُ بَالٌ، والوُجُوبُ إِنْ خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ
يعني: أن حكم اللقطة يختلف بحسب الملتقط، وجعل الأقسام ثلاثة:
أولها: أن يعلم من نفسه الخيانة إن أخذها فيكون التقاطه عليه حرامًا.
وثانيها: أن يخاف على نفسه أن يستقرئ الشيطان أن يأخذها ولا يتحقق ذلك فيكون التقاطه له مكروهًا.
وثالثها: أن يتق بأمانة نفسه. ثم قسم هذا على قسمين:
[ ٧ / ٣٦٣ ]
الأول: أن تكون بين ناس لا بأس بهم ولا يخاف عليه الخونة.
والثاني: أن يخاف عليها، فإن خافهم وجب عليه الالتقاط لقدرته على حفظ مال أخيه. وحكي على ذلك الاتفاق، وإن لم يخف فثلاثة أقوال وهي كلها لمالك: الاستحباب لأن تعريفها ينبه لها ربها، والكراهة لأن صاحبها قد يأتي إليها ويذكر موضعها فيأتي إليه فإذا لم يجدها لا يطلبها.
وقوله في القول الثالث: (الاسْتِحْبَابُ فِي مَا لَهُ بَالٌ) [٦٤٨/ب] فتركه أفضل.
وقيد ابن رشد هذا الخلاف بأن يكون الإمام عدلًا، وإن كان الإمام غير عدل وكانت بين قوم مأمونين فالاختيار ألا يأخذها اتفاقًا، وإن كانت بين قوم غير مأمونين فيخير بين أخذها وتركها بحسب ما يغلب على ظنه من أحد الطرفين.
فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ
قال: (لِيَحْفَظَهَا)؛ لأنه لو أخذها ليسأل عنها من بين يديه لم يضمن كما في المدونة في واجد الكساء بأرفقة فأخذها وصاح: أهذا لكم؟ فقالوا: لا. فرده، قال: قد أحسن في رده ولا يضمن.
عياض: ولا خلاف في مسألة الكساء إذا ردها في الحين.
وقوله: (ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ) ظاهره سواء ردها في القرب أم لا، أما إن لم يردها عن قرب فمذهب ابن القاسم أنه يضمن وإليه ذهب عبد الوهاب، وقال أشهب: لا ضمان عليه وإن مكث في يده، وأما إن ردها بالقرب ففيه أيضًا خلاف.
لكن اختلف تأويل الشيوخ هل يوافق ابن القاسم قول أشهب هنا أو يقال بالضمان مطلقًا؟
[ ٧ / ٣٦٤ ]
وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبَةِ
يعني: فيضمن ولو فاتت بسماوي، ويصدق ولا يلزمه الإشهاد عليها حالة التقاطها خلافًا لبعض الحنفية.
وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً عَقِبَهُ فِي مَظَانِّ طُلابِهَا فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوْ يَسْتَاجِرُ مِنْهَا إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لا يُعَرِّفُ
(عَقِبَهُ) أي عقب الالتقاط، وظاهره لو أخر التعريف لضمن، وفي اللخمي: إن أمسكها سنة ولم يعرفها ثم عرفها فهلكت ضمنها. انتهى.
وينبغي ألا يتقيد بالسنة. وقوله: (فِي الْجَوَامِعِ)؛ هو بدل من قوله: (فِي مَظَانِّ طُلابِهَا) وظاهره أن التعريف يكون فيها، ولعل ذلك مع خفض الصوت، ويحتمل أن يكون على حذف مضاف، أي في باب الجامع والمساجد وهو أحسن، أما أولًا فلأنه كذلك في المدونة وغيرها؛ وأما ثانيًا فلأن في مسلم عنه ﵇: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" ولهذا قال مالك في العتبية: لا أحب تعريف اللقطة في المساجد.
فرع:
وإن وجدها بين مدينتين عرفها فيهما.
ابن القاسم: وإن وجدت بقرية ليس فيها إلا أهل الذمة فليدفع لأحبارهم.
وقوله: (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ) أي: مرة. هكذا روى ابن نافع عن مالك.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول تعريفه.
اللخمي: واختلف عن مالك هل يسمي جنس اللقطة إذا أنشدها أو لا يسمي أحسن، ويلفق ذكرها مع غيرها؟
[ ٧ / ٣٦٥ ]
وهو مخير بين أربع: بين أن يعرفها بنفسه أو يدفعها إلى السلطان إذا كان عدلًا، أو إلى مأمون يقوم مقامه أو يستأجر منها من يعرفها فجائز أن يعرفها للحديث. وأجاز له في المدونة أن يدفعها إلى السلطان، وأجاز ابن القاسم في العتبية أن يدفعها إلى المأمون يعرفها، وأجاز ابن شعبان أن يستأجر منها عليها يريد إذا لم يلزم تعريفها وكان مثله لا يلي مثل ذلك، يعني فإن كان مثله ممن يتولى ذلك لم يستأجر عليها إلا من مال نفسه لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لا يُعَرِّفُ).
فإن قلت: لم جاز له هنا أن يستنيب فيها ولم يجز في الوديعة والمقصود فيهما الحفظ؟
قيل: رب اللقطة لم يعن الملتقط الحفظ بخلاف المودع. ابن كنانة: وإذا دفعها لغيره وقال له اعمل بها ما شئت.
الباجي: وقد أعلمه أنها لقطة فإن ادعى الملتقط ضياع اللقطة فقال ابن القاسم: لا شيء عليه. وقال أشهب وابن نافع: عليه اليمين.
أشهب: وإن ادعى صاحبها أنه التقطها ليذهب بها فالقول لملتقطها أنه أخذها للتعريف بلا يمين، والله أعلم.
وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَهَا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا ضَامِنًا لَهَا. قَالَ الْبَاجِيُّ: إِلا مَكَّةَ فَلا تُمْلَكُ لُقَطَتُهَا لِلْحَدِيثِ، وَالْمَذْهَبُ خِلافُهُ، أَوْ يُبْقِيَهَا أَمَانَةً
أي: وللملتقط أن يتملك اللُّقَطَة بعد سنة أو يتصدق بها ضامنًا لها، أي إن جاء صاحبها فظاهر كلامه أنه مخير، وبذلك صرح في الجلاب.
ابن عبد السلام: ونصوص المذهب على رجوحية التمليك، وربما وقع المنع من ذلك؛ لأن المراد من الملتقط أن يتصرف فيها. انتهى.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
قيل: وظاهر المدونة الكراهة لقوله: لا آمره بأكلها قلَّت أو كثرت ولا يتجر باللقطة بالسنة ولا بعد السنة أيضًا كالوديعة. وقال ابن القصار: يكره أن يملكها غنيًا أو فقيرًا فإن أكلها جاز.
اللخمي: وقال ابن شعبان: له ذلك إن كان غنيًا بمثلها. وقال ابن وهب: إن كانت قليلة وكان فقيرًا أكلها.
والذي يقتضيه قول ابن القاسم في المدونة أن له أن يستمتع بها غنيًا كان أو فقيرًا. وذكر في الاستذكار أن تحصيل المذهب جواز الأكل للفقير والغني، وقال: وعليه يناظر أصحابه للحديث: "شأنك بها بعد السنة" ولم يفرق بين الفقير والغني.
وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إِلا مَكَّةَ) ابن عبد السلام: نحوه للّخمي وابن رشد وابن العربي ومذهب الداودي. والحديث المشار إليه في الصحيحين أنه ﵇ قال: "لا تحل لقطتها إلا لمنشِد" يعني: على الدوام، وإلا فلا فائدة لتخصيصه، قاله الباجي. وحفظ هؤلاء للمذهب معلوم، غير أن ابن القصار حكى عن المذهب كما حكى المصنف، وأيًا ما كان [٦٤٩/أ] فموافقة الحديث واجب لصحته، وهو خاص وغيره من أحاديث هذا الباب عام.
خليل: وفيما حكاه اللخمي نظر؛ لأن الذي فيه بعد ذكر نقل ابن القصار: ومذهب الشافعي أبين للحديث وللقياس وليس في هذا الاختيار مذهب الغير فاعلمه.
وقوله: (أَوْ يُبْقِيَهَا أَمَانَةً) هو معطوف على أول المسألة وهو قوله وله أن يتملكها بعد أن يتصدق بها.
وَأَمَّا التَّافِهُ فَلا يُعَرَّفُ
يعني: أن التعريف بالسنة يختص بالكثير، وأما القليل الذي لا يفسد فإن كان تافهًا لا قدر له بحيث يعلم أن صاحبه في العادة لا يتبعه لقلته فلا يعرف أصلًا. قال في البيان:
[ ٧ / ٣٦٧ ]
كالعط والسوط وشبه ذلك لما صح من حديث أنس ﵁ أنه ﵇ مر بثمرة بالطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". وقال المصنف: لا يعرف؛ لأنه يؤخذ منه أنه لا ضمان عليه، ولم يقل فله أكله لأنه لا يلزم من الأكل نفي الضمان.
وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ مِنْ نَحْوِ مِخْلاةٍ وَدَلْوٍ فَقِيلَ: يُعَرَّفُ أَيَّامَ مَظَنَّةِ طَلَبِهِ، وَقِيلَ: سَنَةً كَالْكَثِيرِ
(فَوْقَهُ) أي: فوق التافه ودون الكثير مما يشح به صاحبه ويطلبه.
ابن رشد: ولا خلاف في وجوب تعريفه، إلا أنه يختلف في حده فقيل: سنة كالذي له بال وهو ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة. وقيل: لا يبلغ به الحول وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة، وروى عيسى عن ابن وهب في العتبية في مثل الدريهمات والدينار أنه يعرف بذلك أيامًا، وقال: ظاهر رواية ابن القاسم لقوله من التقط دنانير أو دراهم أو حليًا مصوغًا أو عروضًا أو شيئًا من متاع أهل الإسلام فليعرفه سنة وإن جاء صاحبها، وإلا لم آمره بأكلها كثرت أو قلت درهمًا فصاعدًا.
ابن عبد السلام: وتأوله بعضهم على القول الأول من كلام المصنف وهو الذي عليه الأكثر من أهل المذهب وغيرهم.
وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ كَالطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ فِي رُفْقَةٍ فِيهِ قِيمَةٌ فَثَالِثُهَا: يَضْمَنُ إِنْ أَكَلَهُ وَلا يَضْمَنُ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا، وَإِلا أَكَلَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ
يعني: إن التقط ما يفسد بالتأخير كالفاكهة واللحم، فإن كان هذا الطعام في قرية أو رفقة له فيه قيمة فثلاثة أقوال:
الأول: يضمنها سواء أكله أو تصدق به وهو ظاهر قول أشهب لأنه قال يبيعه ويعرف به.
[ ٧ / ٣٦٨ ]
الثاني: لا ضمان عليه مطلقًا قاله صاحب المقدمات وغيره وهو ظاهر المدونة لقوله يتصدق به أعجب إلي فإن أكله فلا شيء عليه. والثالث: يضمن إن أكله لانتفاعه به ولا يضمنه إن تصدق به قاله مطرف في الواضحة. وإن لم يكن في قرية ولا رفقة- وإليه أشار بقوله وإلا أكله غنيًا كان أو فقيرًا ولا ضمان عليه قياسًا على الشاة.
وَالشَّاةُ بِمَكَانٍ يُخْشَى عَلَيْهَا وَيَعْسُرُ حَمْلُهَا كَذَلِكَ
أي: الشاة كالطعام في التفصيل، والخلاف بشرطين:
أولهما: أن تكون بمكان يخشى عليها كالفوات بخلاف ما إذا كانت بقرية أو بالقرب منها فإنها تعرف في أقرب القرى إليها، قاله في المدونة.
وثانيهما: أن يعسر حملها إلى العمارة لقوله ﵇: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وعلى هذا فحكم الشاة والطعام متفق إذا وجد بالبعد مختلف إذا وجد بالقرب من العمارة إذ بها تعرف الشاة. وتقدم أن ظاهر المدونة نفي الضمان. وقال سحنون: إن أكل الشاة واجدها بالفلاة أو تصدق بها ثم جاء صاحبها ضمنها. واختاره ابن عبد البر واستدل بقول مالك فيمن اضطر إلى طعام غيره أنه يأكله ويضمنه، وقال: والشاة الملتقطة أولى بذلك.
وإذا فرعنا على المشهور فلو ذبحها بالفلاة ثم أتى بلحمها أكله غنيًا كان أو فقيرًا.
أصبغ: ويصير لحمها وجلدها مالًا من ماله ولا ضمان عليه في ذلك إلا أن يجده صاحبه بيديه فيكون أحق به، وإن أتى بالشاة من الفلاة إلى العمارة فلها حكم اللقطة يعرفها وإن أتى ربها أخذها.
اللخمي: يريد ويعطيه أجر نقله. قال في المدونة: ويغرم ما أنفق عليها وعلى الفقر والقياس ألا شيء له في الشاة وإن كانت حية لأنه نقلها بعد أن ساغ له تملكها ولولا ذلك لم ينقلها.
[ ٧ / ٣٦٩ ]
ووقع في العتبية فيمن قدم بالطعام والإدام إلى العمران أنه يضمنه. ابن يونس: فعلى هذا يضمن اللحم إن أكله خلافًا لأصبغ.
وَأَمَّا مَنَافِعُهَا وغَلَّاتُهَا وَحِلابُهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ الْحِلابُ وَلا يُتْبَعُ إِلا بِهَا وَبِنَسْلِهَا، وَقِيلَ: إِلاأَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ
هكذا في بعض النسخ وسقط من بعضها أو غلاتها، وعلى النسختين فعطف الحلاب من باب عطف الخاص على العام. وما نسبه لمالك رواه عنه ابن نافع في الرجل يكون في غنمه وباديته فيجد شاة بفلاة من الأرض فلاه حلابها ولا يتبع إن جاء ربها إلا بها وبنسلها. قال: ويحبسها سنة فإن ذبحها قبل السنة ضمنها لربها إلا أن يخاف فوتها فيذبحها فلا شيء عليه إلا أن يقدر على بيع لحمها. والقول الثاني لمطرف قال: أما اللبن والزبد فإما بموضع يكون لذلك ثمن فليبع ويصنع بثمنه ما يصنع بثمن لبنها، وإن كان لربها قيام وعلوفة فله أن يأكل منها بقدر ذلك، وإما بموضع لا ثمن له فليأكله.
مطرف: وأما الصوف والسمن فليتصدق به أو بثمنه.
وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهَا فِي عُلُوفَتِهَا كِرَاءً مَامُونًا، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ إِلَى مَوْضِعِه، ثُمَّ إِنْ رَكِبَهَا بَعْدُ ضَمِنَهَا
هكذا روى ابن حبيب عن مطرف [٦٤٩/ب] وأصبغ، وكان له أن يكري لأن علفها غير واجب عليه وبقاؤها كذلك يضر بها وكان من المصلحة كراؤها، ولهذا لا يكريها إلا بقدر ما يدفع به الضرورة لا أزيد، ويشترط أن يكون ما تكرى فيه من العمل مأمونًا وكان له أن يركبها لموضعه، لأ، قوده يعسر وضمن إذا ركبها بعد ذلك لتعديه.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
وَلَهُ بَيْعُ مَا يَخَافُ ضَيْعَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ بِخِلافِ مَا لا مُؤْنَةَ فِي بَقَائِهِ
قوله: (بِخِلافِ) يحتمل وجهين: أولهما: فليس له بيعه مطلقًا. ثانيهما: فله البيع بإذن الحاكم. ففيه احتمال، على أن ما ذكره المصنف لا يوجب قولًا مستقلًا بل بالتلفيق لأن مذهب ابن القاسم في المدونة أن اللقطة إذا بيعت بعد السنة فليس لربها إذا جاء أن يفسخ البيع ولو بيعت بغير إذن الإمام، ولربها أخذ الثمن ممن قبضه، ولم يفصل مذهب أشهب في العتبية إن باعها بغير أمر السلطان بعد السنة فلربها نقض البيع، والآن لم يقدر فلا شيء له إلا الثمن إن باعها خوفًا من الضيعة. وإن باع الثياب وما لا مؤنة في بقائه ولا ضرورة له إلى ذلك فربه أحق به إن وجده بيد المبتاع، فإن لم يجده فله إن شاء الثمن من البائع أو القيمة يوم بيعه. قال: وكلما بيع من هذا بأمر السلطان مضى البيع وليس لربه إلا الثمن. فذكر المصنف حكم ما يخاف عليه الضيعة على مذهب ابن القاسم وما لا يخاف عليه على مذهب أشهب، وليس بسديد.
وَلَيْسَ لِحَبْسِهِ إِيَّاهَا حَدٌّ إِلا عَلَى اجْتِهَادِهِ
أي: لحبس اللقطة إن كانت تحتاج نفقةً حد بل ذلك على قدر الاجتهاد وصبره على ذلك، وهكذا قال مطرف وأصبغ في الواضحة، وظاهره قبل السنة وبعدها، وليس لحبسه بعد السنة حد.
وَربُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ غُرْمِ النَّفَقَةِ وَإِسْلامِهَا فِيهِ فَيَكُونُ كَالْبَيْعِ
يعني: أن ربها ليس له أخذها بغير شيء وإنما هو مخير بين أخذها ودفع نفقتها وبين إسلامها ولا يكون عليه شيء، وهكذا في المدونة وغيرها.
أشهب: وإن أسلمها ثم بدا له أن يطلبها فليس له ذلك، وهذا معنى قوله: (فَيَكُونُ كَالْبَيْعِ) أي فليس له الرجوع. قال في المدونة: والملتقط أحق بالنفقة من الغرماء كالرهن.
[ ٧ / ٣٧١ ]
وَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ
أما ردها ببينة فلا خلاف فيه، ويجب أيضًا ردها عندنا بالإخبار بصفتها من نحو العفاص والوكاء للحديث المتقدم، ثم فسرهما بقوله: (وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ) فالأول للأول والثاني للثاني، وهذا هو المعلوم في اللغة وعليه أكثر الفقهاء. بل نقل صاحب الاستذكار الإجماع عليه. ونقل الباجي عن أشهب عكسه. والوكاء ممدود وقيل مقصور، قيل وهو غلط.
وأشار بقوله ودفع الثياب بالصفة نحو عفاصها إلى أن ما لا عفاص له ولا وكاء من اللقطة يدفع بالإخبار بصفتها الخالصة المحصلة للعلم.
اللخمي: واختلف في دواب هل تدفع بالصفة أو لابد من البينة، ودفع الثياب بالصفة أبين لأن الصفة فيها كالعفاص والوكاء في العين.
وَفِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَوْلانِ
القول باعتباره لابن القاسم وأشهب، والآخر لأصبغ وعلله بأن ذكر العدد في حديث أُبي وأضرب عنه في حديث زيد بن خالد، والأول أظهر لأن المختار زيادة قبول العدل.
وَفِي إِلْزَامِهِ الْيَمِينَ مَعَ الصِّفَةِ قَوْلانِ
المشهور سقوطها خلافًا لأشهب واستقرأ من المدونة مثل قوله، والأول أظهر لأن اليمين لم يرد في الحديث. واستحسن اللخمي أن يحلف، فإن نكل دفعت إليه.
وَيُجْتَزَأُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ عَلَى الأَصَحِّ. وَيُسْتَانَى فِي الْوَاحِدَةِ
أي: يكتفي ببعض الصفات اثنتين فصاعدًا، يدل على ذلك قوله بعد ويستأنى في الواحدة والأصح لأشهب، قال: إن عرف وصفين ولم يعرف الثالث دفعت إليه، ومقابله
[ ٧ / ٣٧٢ ]
لابن عبد الحكم قال: أصاب تسعة أعشار الصفة لم يعطها إلا بمعنى واحد أن يذكر عددًا فيصاب أقل منه لاحتمال أن يكون قد اغتل فيه، وماذ كره المصنف في الصفة الواحدة نحوه لأصبغ قال: فإن عرف العفاص وحده فليستأن فإن جاء أحد وإلا أعطى.
الباجي: ولا يبعد أن يكون ابن عبد الحكم يوافق أصبغ لأنه إنما امتنع من دفعها إليه إذًا خطأ بأن وصف شيئًا بغير صفته فيكون ابن عبد الحكم على ما إذا أخطأ وأصبغ على ما إذا أجهل. الباجي: وقد اختلف على هذا قول أصبغ فقال: إن قال في خرقة حمراء وخيط أصفر فوجدت الخرقة حمراء والخيط أسود يستبرأ أمره. ثم رجع فقال: هذا أكذب نفسه بادعائه المعرفة فلا يصدق وإنما يصدق لو أصاب في بعض وادعى الجهل في بعض.
وفي المقدمات: إن وصف مدعي اللقطة بعض اللقطة وجهل بعضها أو غلط فيه ففي ذلك اختلاف وتفصيل؛ فأما جهله بالقدر فلا يضره، وإذا عرف العفاص والوكاء فاختلف فيه على قولين، وكذلك اختلف أيضًا إذا جهل صفة الدنانير وعرف العفاص والوكاء، وإذا غلط في صفة الدنانير فلا أعلم خلافًا أنه لا شيء له، وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعًا. والثاني: يستبرأ أمره فإن لم يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت. والثالث: أنه [٦٥٠/أ] إن ادعى الجهالة استبرأ أمره وإن غلط لم يكن له شيء. وهو أعدل الأقوال عندي. واختلف في الاعتماد على السكة وحدها، فقال سحنون: لا يستحقها بذلك حتى يذكر علامة غيرها. وقال يحيى بن عمر: لا يتبين لي قول سحنون، وأراد إذا وصف السكة وذكر بعض الدنانير إن كان فيها نقص فأصابه أن يأخذها.
اللخمي: يريد يحيى بن عمر إذا كانت دنانير البلد سككًا فإن كانت سكة واحدة لم تدفع إليه اتفاقًا. وأشار الباجي إلى أنه ينبغي أن يكون قول سحنون مقيدًا بما إذا ذكر سكة البلد، وأما لو ذكر سكة شاذة ليست منهما فينبغي أن تدفع إليه.
[ ٧ / ٣٧٣ ]
وَلَوْ وَصَفَهَا اثْنَانِ بِمَا يَاخُذُهَا بِهِ الْمُنْفَرِدُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ حَلَفَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهَا الْحَالِفُ
هذا بيِّن إذا وصف كل منهما ما وصفه الآخر، وأما لو اختلفا فعرف أحدهما العفاص والوكاء والآخر العدد والوزن فهي لمن عرف العفاص والوكاء. قال: واستحسن أن تقسم بينهما فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فهي للحالف. وإن نكلا فقال أشهب: لا تدفع إليهما؛ واختار اللخمي أن تقسم بينهما كما لو حلفا، ونقله في البيان عن ابن حبيب.
وَلَوْ دَفَعَهَا بِصِفَةٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ وَصَفَهَا ثَانٍ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَلا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِالْقَبْضِ عَلَى الْوَاصِفِ ضَمِنَ
فلا شيء على الملتقط؛ هو مذهب ابن القاسم وأشهب. ووجهه أنه فعل ما أمر به في الحديث سواء دفعها بصفة أو ببينة بصفة أو غيرها.
أشهب: وإذا أقام الثاني البينة وكان الأول أخذها بالوصف أخذها الثاني من الأول. وقال ابن الماجشون: إن دفعها للأول بصفة وأقام الثاني البينة ضمن الملتقط- إذا قال: دفعتها لمن لا أعرفه- ولم يشهد لتفريطه. هكذا نقل قول ابن الماجشون جماعة، ونقص المصنف منه وقال: ودفعتها لمن لا أعرفه. وساق صاحب الجواهر قول ابن الماجشون على أنه خلاف وهو ظاهر كلام ابن يونس.
ابن عبد السلام: والظاهر أنه خلافه ويحتمل الموافقة.
فإن قيل: ما قاله ابن الماجشون هنا بخلاف أصله في الوكيل المخصوص أن القول قوله في الدفع بغير بينة. قيل: لم يأذن له مالك اللقطة وإنما الإذن عمومًا من جهة الحكم، وأيضًا فلأن الدافع قال دفعتها لمن لا أعرفه ولو كان الوكيل مثل لضمن، والله أعلم.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
أشهب: وإن دفعها للأول ببينة ثم أقام الثاني أيضًا بينة فهي لأولهما إذا كانت بتاريخ، فإن لم يكن تاريخًا فهي لأعدلهما بينة، فإن تكافآ كانت لمن هي في يده وهو الأول بعد يمينه أنها له ما لم يعلم لصاحبه فيها حقًا، فإن نكل حلف الثاني وأخذها فإن نكل فهي للأول بلا يمين.
ابن يونس: ويحتمل على أصل ابن القاسم أن تقسم بينهما وإن حازها الأول لأنه قال: قد عرف أصله كقوله فيمن عرف رجلًا مولى يدعيه وأقام على ذلك بينة وأقام الآخر بينة أنه مولاه وتكافأت فالمال يقسم بينهما لأنه مال قد عرف أصله. قال غيره: لمن هو في يده؛ وهو نحو قول أشهب هنا، وكذلك الحكم لو أخذ الأول بالصفة فأتى آخر بحضرة دفعها وتحقق أنه لم يسمع صفة الأول لا نبغي أن تكون للأول على قول أشهب هنا، ويقسم بينهما على قول ابن القاسم. وأما لو دفعت للأول ثم أتى الثاني بعد حين وصفها فلا خلاف أنها للأول لاحتمال أن يكون الثاني سمع صفة الإمام.
وَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا بَعْدَ السَّنَةِ حَيْثُ وَجَدَهَا
(بَعْدَ السَّنَةِ) يؤخذ منه أن الحكم كذلك قبل السنة من باب أولى؛ لأنه إذا كان أخذها حيث يكون للملتقط شبهة كان له حيث لا يكون له شبهة أولًا، ولما كان هذا الاستلزام ظاهرًا في قوة النظر وحسن من المصنف أن يقول أيضًا. وقوله: (حَيْثُ وَجَدَهَا) أي: سواء وجدها بيد الملتقط أو بيد المبتاع منه، سواء نوى الملتقط تملكها أو لا تصدق على نفسه أو عن ربها.
فَإِنْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ مِنَ الْمُلْتَقِطِ لا الْمَسَاكِينِ بَعْدَ السَّنَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَاخُذُ الثَّمَنَ لا غَيْرُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ بَاعَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ
يعني: فإن وجدها بيد المشتري لها من الملتقط بعد السنة فقال ابن القاسم: البيع ماض ولا يأخذها وإن بيعت بغير أمر الحاكم. وقال أشهب: كذلك إن باعها بإذن الإمام
[ ٧ / ٣٧٥ ]
وإلا فله نقض البيع، وإن لم يقدر عليها فلا شيء له غير الثمن إن باعها خوفًا من الضيعة، وأما إن باع الثياب ولا مؤنة في بقائه ولا ضرورة بدا لي ذلك فربها أحق بها إن وجدها بيد المبتاع، وأما إن لم يجدها فله إن شاء الثمن من البائع أو القيمة يوم بيعها. هذا نص قوله، والمصنف نقص منه فوائد كما ترى.
وقوله: (لا الْمَسَاكِينِ) يحتمل أن يكون التقدير لا بيد المبتاع من المساكين، وهكذا قال ابن القاسم فإنه قال: وإن وجدت بيد من ابتاعها من المساكين فله أخذها منه ثم يرجع المبتاع على من تصدق بها عليهم. وقال غيره: يرجع بالأقل من الثمن الذي دفع للمساكين أو من قيمتها يوم تصدق بها.
ابن يونس مفرعًا على قول ابن القاسم: وإن أخذها من المبتاع من المساكين رجع المبتاع بالثمن على المساكين إن كان له بأيديهم كما يأخذ منهم عينها وإن أكلوه فأولى أن يرجع على الملتقط الذي سلطهم عليها كما لو أكلوها، وينبغي أن يرجع عليه [٦٥٠/ب] بالأقل من ثمنها أو قيمتها يوم الصدقة بها ويرجع بتمام ثمنها على المساكين لأنهم البائعون منه.
والفرق بين بيع الملتقط والمساكين أن الملتقط جعل له الشارع التصرف بقوله "فشأنك بها" ولأنه يبيعه خوفًا من الضياع، والمساكين إنما يأخذونها على أنها ملك فللمستحق نقض بيعهم كنقض بيع المشتري في الاستحقاق. وهذه المسألة على قول ابن القاسم مخصصة لقوله أولًا لصاحبها أخذها بعد السنة حيث وجدها، ويحتمل أن يكون في كلامه أولًا حذف معطوف دلت عليه هذه الصورة تقديره وله أخذها أو أخذ ثمنها، ويحتمل أن يكون أطلق أخذها على المعنى الحقيقي- وهو أخذ عينها- وعلى المجاز- وهو أخذ ثمنها- وهو المختار عنده في كتاب الأصول أن ذلك جائز بطريق المجاز.
[ ٧ / ٣٧٦ ]
فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَوْ تَصَدُّقِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ ذَلِكَ أَوْ مِثْلُهَا
يعني: بأن أتى ربها بعد أن تلفت كلها وبعد أن تملكها أو تصدق بها فعليه قيمتها إن كانت مقومة أو مثلها إن كانت مثلية يوم ذلك أي يوم التمليك أو يوم التصدق، وضمانه في التمليك صحيح على القول بتأثير النية مع بقاء اليد، وأما التصدق فهو تصرف بالفعل، قال في المدونة: لربها أخذها من المساكين إن كانت قائمة بأيديهم، وإن أكلوها فليس له تضمينهم إن شاء.
فَإِنْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً بَعْدَهُمَا خُيِّرَ: أَخَذَهَا نَاقِصَةً أَوَ قِيمَتَهَا مِنَ الْمُلْتَقِطِ
فلما فرغ من الكلام على الأولين تكلم على الثالث.
وقوله: (بَعْدَهُمَا) أي بعد التملك والتصدق. وحكى في البيان في هذه المسألة إذا نقصها بالاستعمال ثلاثة اقوال: أولها: كما ذكر المصنف. ثانيها: أنه بالخيار بين أن يضمنه قيمتها أو يأخذها وقيمة ما نقصها.
وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ
يعني: فإن اختار مالك اللقطة في المسألة المتقدمة أخذ القيمة من الملتقط لأجل ما دخلها من النقص، وإن كان تصدق بها فللملتقط أن يرجع على المساكين فيما بقي من عينها إن كان تصدق بها عن نفسه فليس له أن يأخذ ما بقي.
وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا سِوَاهَا
أي: قائمة بيد الفقراء ولم يدخلها نقص فليس لربها غيرها سواء تصدق بها عن نفسه أم لا، أي ليس لصاحبها أن يضمنه قيمته إن شاء.
[ ٧ / ٣٧٧ ]
وَإِذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَبْدًا فَمَا وَجَبَ بِالتَّعَدِّي فَفِي رَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ، وَبِغَيْرِهَا فَفِي ذِمَّتِهِ
لما قدم أن للملتقط التصرف فيما بعد السنة لا قبلها علم أن بيعها بعد السنة لا يكون تعديًا وأن قبلها تعديًا، فلذلك إذا استهلك العبد الملتقط قبل السنة تعلقت برقبته لتعديه، وإذا استهلكها بعد السنة لا تتعلق إلا بذمته كالحر.
***
[ ٧ / ٣٧٨ ]
اللَّقِيطُ: طِفْلٌ ضَائِعٌ لا كَافِلَ لَهُ
(اللَّقِيطُ) فعيل بمعنى مفعول، وقوله: (طِفْلٌ) أراد الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، وإلا فاللقيط إنما هو الذكر.
ابن سيده: وأما الأنثى فلقيطة. وكلامه ظاهر.
والمنبوذ مرادف للقيط على مقتضى كلام الجوهري والمتقدمين من أصحابنا.
عياض في المشارق: وقيل المنبوذ ما طرح صغيرًا أول ما ولد، واللقيط ما التقط صغيرًا، والشرائد في الخلاء وشبه ذلك. وقيل: اللقيط إذا أُخذ، والمنبوذ ما طرح- مطروحًا- ولا يسمى لقيطًا إلا بعد أخذه.
وَالالْتِقَاطُ فَرْضُ كِفَايَةٍ
لأن حفظ النفوس واجب، وكان على الكفاية لأن المعنى المقصود يحصل بواحد، وذلك فرض الكفاية.
وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ
أي: ظاهره الاستحباب. وقال ابن عبد السلام: ظاهره الوجوب خوف الاستغراق. انتهى.
وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ
هكذا لمالك في المدونة؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه كالنافلة.
[ ٧ / ٣٧٩ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يَعْنِي إِنْ كَانَ مَوْضِعًا مَطْرُوقًا وَيُوقِنُ أَنَّ غَيْرَهُ يَاخُذُهُ
يعني: وقال أشهب: ليس له رده إلا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم ولم يقصد تربيته، ولم يقبله الإمام لأنه لم يلزم تربيته. وتقييد الباجي ظاهر لأنه إذا لم يكن الموضع مطروقًا فلا يرده لأنه يعرض للتلف غالبًا.
وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ الالْتِقَاطُ إِلا بِإذْنِ السَّيِّدِ
لأنه يشتغل بتربيته ونفقته عن سيده، ومراده بالعبد الغني ومن فيه شائبة من الرق. وإنما نص على المكاتب لأنه قد يتوهم لما أحرز نفسه وماله أن له ذلك، ووُجِّه أنه ليس له ذلك فإن اللقيط يحتاج إلى حضانة والحضانة تبرع وليس من أهله.
وَوَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ
قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر وولاؤه لجميع المسلمين يرثونه ويعقلون عنه، لكن في الموطأ عن عمر ﵁ أن قال للملتقط طفلًا: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته.
وَيُنْزَعُ اللَّقِيطُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلامِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ
خشية أن يربيه على دينه أو يطول الزمان فيسترقه، قاله مطرف وأصبغ. ولو لم يفطن إلى ذلك حتى كبر الصبي أو الصبية على دين ملتقطه [٦٥١/أ] لم يلتفت غلى ذلك وحكم بإسلامه وإلا فهو مرتد. هذا ظاهر كلامهم. انتهى. لأنه قد سئل سحنون عن نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها، قال: إن ثبت أنها لقطة فتردها إلى الإسلام وهي حرة. واحترز بقوله المحكوم بإسلامه مما لا يحكم بإسلامه، وسيأتي تفصيل ذلك.
[ ٧ / ٣٨٠ ]
وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الأَوْلَى وَإِلا فَالْقُرْعَةُ
أي: وإن كان الآخر أولى فالسابق أحق لسيقيته، وهو مقيد بما إذا لم يؤد إلى ضياعه عند الأول. أشهب: إن كانا سواء أو متقاربين فالأول أحق به، فإن خيف أن يضيع عند الأول فالثاني أحق به إلا أن يكون طال مكثه عند الأول وليس اللقط من ضرر فالأول أحق به. وقوله: (ثُمَّ الأَوْلَى) يعني: إن تساويا في السبقية فالأقوى في الحضانة أحق به، وإن تساويا في الكفالة فالقرعة.
وَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَضَانَتُهُ
لأنه التزمها بالتقاطه.
وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَمِنْ مَا لَهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ كَانَ تَحْتَهُ أَوْ مَلْفُوفًا مِمَّا يَظْهَرُ أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَإِلا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَغْنِيَ
قوله: (فَمِنْ مَا لَهُ) هو بفتح اللام. وقوله: (مِنْ وَقْفٍ .. إلخ) بيان ذلك. وقوله: (أَوْ شَيْءٍ .. إلخ) سواء كان فرشًا أو دراهم أو دنانير. وهو ظاهر.
ابن شاس: وأما المدفون في الأرض تحته فليس هو معه إلا أن توجد معه رقعة مكتوبة أنه له.
ابن شعبان: وما وجد قريبًا منه من مال أو دابة فهي ضالة أو لقطة، فإن لم يكن له شيء مما ذكر ولم يتبرع أحد بإنفاق عليه أعطي له من بيت المال شيء، وهو معنى قوله: (وَإِلا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ) لأنه فقير من فقراء المسلمين.
قوله: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) فلمالك في الموازية: نفقته على ملتقطه حتى يبلغ ويستغني.
هكذا نقل الباجي وغيره هذه الرواية بالواو خلاف قول المصنف ويستغني. ووجبت النفقة على الملتقط؛ إما لأن العادة التزامها، أو لأنه أولى الناس به.
[ ٧ / ٣٨١ ]
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَبًا بِالْبَيِّنَةِ طَرَحَهُ عَمْدًا لَزِمَتْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً فَلا رُجُوعَ، فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ
قوله: (ثَبَتَ أَنَّ لَهُ) أي: اللقيط، (بِالْبَيِّنَةِ) لا مفهوم له؛ لأنه لو أقر أنه ولده كان كذلك، وإنما تشترط البينة أو ما يقوم مقامها في التصديق في الاستلحاق كما سيأتي. وقوله: (طَرَحَهُ عَمْدًا) هكذا في تضمين الصناع من المدونة لأنه قال: إن تعمد طرحه وهو ملي رجع عليه بما أنفق، وإن لم يطرحه فلا شيء عليه. ووجهه أنه إذا لم يطرحه الأب فالنفقة حينئذ ساقطة لأنه لا يمكنه توصيله إلى الولد.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً) هو استثناء من قوله: (لَزِمَتْهُ) أي: ألا تلزمه النفقة إلا أن يكون الملتقط أنفق حسبة؛ أي تطوعًا لله تعالى. وروى أشهب أنه لا شيء على الأب بحال لأنه أنفق تطوعًا.
وقوله: (فَإِنْ أَشْكَلَ) أي: لم يقم دليل على أنه أنفق عليه حسبة أو على الرجوع (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ) أي: الملتقط- مع يمينه أنه ما أنفق إلا ليرجع. قاله ابن شاس.
وَيُحْكَمُ بِإِسْلامِ اللَّقِيطِ مِنْ قُرَى الْمُسْلِمِينَ وَمَوَاضِعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قُرَى المُشْرِكِينَ فَمُشْرِكٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ
الأول مذهب المدونة ونص عليه في تضمين الصناع، ووجهه أن المعتبر الدار إذ يغلب على الظن أن من وجد بموضع أنه من أهله، والحكم للغالب. وروى أشهب أنه مسلم إذا التقطه مسلم تغليبًا لحكم الإسلام لأنه يعلو ولا يعلى عليه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ بَيْتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَمُشْرِكٌ إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحْكَمُ بِإِسْلامِهِ كَحُرِّيَّتِهِ لِلاحْتِمَالِ
لما تكلم على ما إذا كانت القرية كلها للمسلمين أو مشركين تكلم على ما إذا كانت القرية كلها للمسلمين مشتركة والأغلب الشرك ويعمهم من تعيين المصنف هذه الصورة
[ ٧ / ٣٨٢ ]
بالخلاف أنه لو كان المسلمون مساوين أو أكثر أو قريبًا من التساوي أن يحمل اللقيط على الإسلام ولو التقطه مشرك، لأنه لما احتمل الإسلام انبغى أن يغلب ولا عبرة بملتقطه، كما لو التقطه عبد فإنه يجعل حرًا تغليبًا لشرف الحرية ولا عبرة للعبد الملتقط، وهذا معنى قوله: (كَحُرِّيَّتِهِ لِلاحْتِمَالِ). فإن قلت: في الأصل معنى ليس في الفرع وهو كثرة الأحرار بل الفرع بالعكس، لأن المشركين أكثر. قيل: وصف الأكثرية ملغى باتفاق الضمير بدليل أنه لو التقطه مسلم عند ابن القاسم لكان مسلمًا.
وَفِي اسْتِلْحَاقِ الْمُلْتَقِطِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلانِ
أي: صحة الاستلحاق. وقوله: (بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) وأما بالبينة فيقبل باتفاق.
وقوله: (قَوْلانِ) الذي رواه ابن القاسم أنه لا يلحق به. وقال اشهب: لحق به أبو إسحاق وهو الاختيار، وربما طرح الناس أولادهم للإملاق أو غيره. ووجه القول الأول أن العرف يكذبه.
وَفِي مُسْلِمٍ غَيْرِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ أَتَى بِوَجْهٍ لَحِقَ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لأَنَّهُ لا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ أَنَّهُ إِذَا طَرَحَهُ عَاشَ
أي: وفي لحوقه بمسلم غير الملتقط ثلاثة أقوال: أولها لأشهب أنه يلحق به لأنه مجهول النسب. ثانيها: لا يلحق به إلا ببينة لأن الولد قد ثبت للمسلمين. الثالث ذكره ابن شعبان أنه لا يلحق به إلا أن يكون رجلًا تكلة لا يعيش له الأولاد فزعم أنه فعل ذلك لذلك. وأسقط المصنف منه قوله يعلم [٦٥١/ب] أنه فعل ذلك لذلك.
ابن راشد: وينبغي إذا أتى بوجه يدل على قوله ألا يختلف في قبول قوله.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْحَقُهُ إِلا بِبَيِّنَةٍ
زاد ابن شاس: ويكون على دينه إلا أن يسلم قبل ذلك وبعقل الإيمان فيكون مسلمًا.
[ ٧ / ٣٨٣ ]
وَفِي الْمَرْأَةِ ثَالِثُهَا: تُصّدَّقُ إِنْ قَالَتْ مِنْ زِنىً وَتُحَدُّ
قال ابن القاسم: لا يقبل قولها وإن أتت بما يشبه من العدم. وقال أشهب: تصدق مطلقًا. وقال محمد: إن قالت من زنى صدقت وحدت لبعد التهمة حينئذ، وأما من لها زوج فلا حتى يدعيه فيلحق به.
وَاللَّقِيطُ حُرٌّ وَلا يُرَقُّ إِلا بِبَيِّنَةٍ لا بِإِقْرَارٍ
هو ظاهر، وإنما لم يقبل إقراره لأنه ليس له أن يرق نفسه والحرية ظاهرة فيه.
***
[ ٧ / ٣٨٤ ]