الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ
الجهاد لغة: التعب، ومنه الجهد وهو المشقة. وشرعًا: هو تعب خاص، وهو مقاتلة العدو. وكان على الكفاية لأن المصلحة تحصل بالبعض. قال في الكافي: وفرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية.
ابن عبد السلام: والصواب لو قال على الجمهور موضع الإجماع، فقد حكي عن ابن المسيب، وابن شبرمة وغيرهما أنه فرض عين. وحكي عن سحنون أنه سنة وليس بفرض. انتهى.
وما حكاه عن ابن المسيب كذلك حكاه المازري. والذي حكى اللخمي عن ابن شبرمة ليس بفرض. والذي لسحنون في كتابه ابنه: كان الجهاد فرضًا في أول الإسلام وليس اليوم بفرض، إلا أن يرى الإمام أن يغزو طائفة فيجب أن يطيعوه، ويكون جهازهم من بيت المال. وإذا تأملته تجده لا يدخل على السنية؛ لأن قوله: وليس اليوم بفرض. يحتمل أن يريد بفرض عين وهو الظاهر؛ لأنه كان في أول الإسلام فرضًا على الأعيان.
المازري- بعد أن نقل عن سحنون كما ذكرنا-: وحكي عن سحنون أيضًا أنه قال: كان في أول الإسلام فرضًا على جميع المسلمين وهو الآن مرغب فيه. وأشار إلى أنه يمكن أن يؤول على من بعدت داره عن موضع الجهاد وقام به في بعض المواضع من يكفي. وقد ذكر في المقدمات أنه قال: الآن فرض كفاية بإجماع كما قال المصنف. والله أعلم.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وَقَدْ جَاهَدَ رَسُولُ اللِه ﷺ فِي الثََّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ غَزْوَةَ بَدْرٍ، ثُمَّ أُحُدٍ، ثُمَّ ذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ بَنِي النَّضِيرِ، وَمُرَيْسِيعٍ وَفِيهَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَّةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، ثُمَّ خَيْبَرَ وَاعْتَمَرَ فِيهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ فَتْحِ مَكَّةَ وَفيهَا نَزَلَ عَلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، ثُمَّ تَبُوكَ وَهِيَ الأَخِيرَةُ، وَفِيهَا تَخَلَّفَ الثَّلاثَةُ وَجَمَاعَةٌ، وَفِيهَا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ [٢٥٨/ أ]- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ ﷺ فِي الْعَاشِرِ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ حَجِّهِ
تبع في هذا ابن بشير، ومقصدهما بذلك بيان مرتبة الجهاد في الدين؛ لمواظبته ﷺ عليه. واعلم أن المصنف- رحمه الله تعالى- إذا عطف بثم فالمراد سنة ثانية، وإن عطف بالواو فهو مع ما قبله في سنة واحدة. وقوله: (فِي الثََّانِيَةِ) أي: في السنة الثانية.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ وَفِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الإِمَامُ مُطْلَقًا
يعني: أن الجهاد وإن كان فرضًا على الكفاية فهو يتعين في حالين: الأولى: أن ينزل العدو بقوم وفيهم قوة عليهم. ابن راشد: ولا خلاف أعلمه فيما ذكره المصنف. قال في الكافي: ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم الخروج. قوله: (فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ) يريد: ما لم يخف من يليهم معرة العدو، فإن خافوا ذلك بأمارة ظاهرة فيلزموا مكانهم، قاله سحنون. والحال الثانية: أن يعين الإمام طائفة فيتعين عليها. قوله: (مُطْلَقًا) يحتمل تعينوا أم لا. ويحتمل جاوره العدو أم لا. ويحتمل كان من أهل الجهاد أم لا. كالعبد والمرأة فإنهما حينئذ يلزمهما الخروج، نص عليه ابن شاس. ويحتمل كان له مانع من أحد أبويه أو رب الدين أم لا. ويحتمل أن يريد جميع ذلك.
فرع:
ويسقط وجوب الجهاد بالعجز الحسي وبالموانع الشرعية.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
أما العجز الحسي: فكالصبا، والجنون، والأنوثة، والعمى، والعرج، والمرض، والفقر- أعني العجز عن السلاح، والركوب عند الحاجة إليه، ونفقة الذهاب والإياب- ولا يسقط بالخوف من المتلصصين؛ لأن قتالهم أهم. أبو إسحاق: وقطعة الطريق أحق بالجهاد من الروم.
وأما الموانع الشرعية: فكالرق، ومنع صاحب الدين، ومنع الوالدين. أما الرقيق فليس له جهاد دون أم سيده. وليس لرب الدين المنع بالدين المؤجل ععن الجهاد ولا عن سائر الأسفار، فإن كان يحل في غيبته وكل من يقضيه، وإن كان حالًا ولا يقدر على قضائه فله السفر بغير إذن رب المال. وللوالدين المنع ولا يبلغ الجد والجدة أن يلحقا بهما، وسفر العلم الذي هو فرض عين ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما. ولهما المنع من ركوب البحار والبراري الخطرة للتجارة، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع. والأب الكافر كالمسلم فيما عدا الجهاد من ذلك. وقال سحنون: وكذلك لهما المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا الإسلام.
وَالْقُوَّةُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ ضِعْفَهُمْ فَمَا دُونَهُمْ عَدَدًا. وَقِيلَ: قُوَّةً وَجَلَدًا
لما ذكر أن القوة شرط في تعيين الجهاد أخذ يفسرها، فذكر فيها قولين. والقول باعتبار العدد لابن القاسم وجمهور الأصحاب. ابن عبد السلام: وهو المعروف. والقول باعتبار الجلد لابن الماجشون، ورواه عن مالك، واختاره ابن حبيب. والأول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ([الأنفال: ٦٦] الآية. ولم تفرق الآية بين كافر وكافر. وأيضًا فإن الإنسان قد يقاتل من لم يعاينه إلا حين القتال، فكيف يعلم منزلة من لم يخالط في الشجاعة. اللخمي: ولا أراهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد. يريد أن هذا الاتفاق مما يقوي القول الأول؛ لأنه إذا حمل اللفظ في هذه الصورة على الحقيقة وجب حمله في سائر الصور على ذلك. ولا يقال
[ ٣ / ٤٠٥ ]
أن المصنف فسر القوة بالقوة في القول الثاني، لأنه لما قرن القوة الثانية بلفظ الجلد صار كأنه فسر القوة في الآية بالشدة والجلد. والله أعلم.
تنبيه:
يستثنى على المشهور من اعتبار العدد ما إذا لم يؤمن أن يكثر الكفار. الباجي: وأما إذا كان الكفار في بلادهم وحيث يخاف تكاثرهم فإن للعدد اليسير أن يولوا عن مثلهم؛ لأن فرارهم ليس من العدد اليسير.
فَيَحْرُمُ الْفِرَارُ إِلا مُتَحَرِّفًا أَوْ مُتَحَيِّزًا
الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إن حصلت القوة فيحرم الفرار. وهو من الكبائر عند مالك وأصحابه. ابن القاسم: ولا تجوز شهادة من فر من الزحف. ولا يجوز الفرار وإن فر إمامهم؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ([الأنفال: ١٦].
ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا، فإن بلغ اثني عشر ألفًا لم يحل الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقوله ﷺ: "لن تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة". فإن أكثر أهل العلم خصصوا بهذا الحديث عموم الآية. وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وهو قوله للعمري العابد إذ سأله: هل لي سعة في ترك مجاهدة من غيَّر الأحكام وتركها؟ إن كان معك اثنا عشر ألفًا مثلك فلا سعة لك في ذلك. انتهى.
والمتحرف: هو أن يرى من نفسه الانهزام وليس هو مقصده حتى يتبعه العدو [٢٥٨/ ب] فيرجع عليه، وهو من أحد مكائد الحرب.
والتحيز: هو الرجوع إلى الأمير أو جماعة بشرط القرب. مالك: وأما إن بعد الأمير والجيش منه فلا يجوز ذلك. قال صاحب النوادر: وفي الموازية لا يجوز لأحد الانحياز إلا عن خوف بين، وعن جيش مستطيع، أو ضعف من السلطان. وأما عن أمن متناصف
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وفي الغلبة مطمع فلا، ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم، ولهم سعة في أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة بأضعاف كثيرة وهم يجدون مصرفًا عنهم، فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا فأحب إلي أن ينصرفوا إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فإن لم يجدوا فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا، فمن احتسب نفسه على ذلك فهو الشهيد، ومن ثبت حتى قتل ولم يجد مصرفًا فإنه يرجى له فضل الشهادة كما قال عمر. وروي عن مالك الكراهة لذلك. انتهى. واختلف قول مالك في إقدام الرجل على العدد الكثير والجيش الذي يوقن أنه يقتل بشرط أن يؤثر فيهم بالجواز والكراهة. قال في البيان: والصحيح الجواز.
ابن عبد السلام: والظاهر من قوله أن ذلك إنما يسوغ بشرط أن يعلم ذلك الواحد من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية العدو وإن قتل، ويشترط أن يخلص النية لله تعالى لا لإظهار شجاعة، وإن كان كذلك حصل منه إرهاب العدو، وهما إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس بغير فائدة.
وَيَجِبُ مَعَ وُلاةِ الْجَوْرِ أَيْضًا عَلَى الأَشْهَرِ.
القولان في المدونة، والأشهر هو الذي رجع إليه مالك ارتكابًا لأخف المفسدتين، لأن الغزو معهم إعانة على جورهم، وترك الغزو معهم خذلان للإسلام.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون لا بأس به وإن لم يوفوا بعهد ولا يضعوا الخمس موضعه.
ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش إلا بإذن الإمام. وسهل مالك لمن يجد فرصة من عدو قريب أن ينهضوا إليهم بغير إذن الإمام، ولم يجز ذلك السرية ويحرمهم ما غنموا. سحنون: إلا أن تكون جماعة لا يخاف عليها فلا يحرمهم. يريد: وقد أخطؤوا. قيل: والخلاف في الجهاد مع ولاة الجور إنما هو إذا كان معهم من يقاتل، وإلا فيجب عليهم بالاتفاق.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
فرع:
روى عيسى عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده، هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم وأما غيره فلا، فدعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما.
وَفِي وُجُوبِ الدَّعْوَةِ ثَلاثُ طُرُقٍ: الأُولَى: تَجِبُ فِيمَنْ بَعْدَهُ. وَالثَّانِيَةُ: ثَالِثُهَا الأُولَى. وَالثَّالِثَةُ: رَابِعُهَا تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ الآمِنِ
تصور كلامه لا يخفى عليك. وذكر ابن بشير الأقوال الأربعة، قال: واختلف الشيوخ في ضبط المذهب. فذكر الطرق الثلاثة التي ذكرها المصنف.
ابن عبد السلام: إلا أن جعل هذا الخلاف في الوجوب لا تساعده الروايات إذا تأملت ألفاظها، وإنما يقولون: يدعى العدو إن بعدت داره أو على حالة ما، وهو محتمل للاستحباب، وربما صرحوا بذلك، والذي لم نشك فيه أنا إذا لم نعلم حال العدو وهل بلغته الدعوة أم لا كانت الدعوة مستحبة؛ لأن الغالب بلوغها إليه، وإن انضاف إلى ذلك رجاء الإجابة وجبت.
اللخمي: واتفق على وجوبها في حق من لم تبلغه. وهي في حق من بلغته على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة.
والواجبة: إذا غلب على ظننا أنهم إذا دعوا أجابوا، وكان جيش الكفار لا طاقة لهم بالمسلمين. والمستحبة: إذا شك هل يجيبوا أم لا. والمباحة: إذا علم أنهم لا يجيبون. والممنوعة: إذا كان بالمسلمين قلة ويخشى بالدعوة على المسلمين، ولا يشك في سقوطها إذا عاجلونا. المازري: وفي المدونة: الأمر بدعاء السلامة غير قتالهم، وهو يحسن على القول بأن الدعوة يؤمر بها وإن كان عالمًا؛ لأن السلابة مسلمون وهو عالمون بأنهم ظالمون.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
تنبيه:
هذا الخلاف في الروم، وأما القبط، ففي المدونة: لا يقاتلون ولا يبيتون حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم. ابن يونس: يريد أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفقهوا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة؛ لا كما قيل: إنما ذلك لأن مارية القبطية أم ولده ﷺ، وأنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس، وإنما العلة فيهم أنه كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور فنقضوا ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لم يقاتلوا حتى يدعوا ويخبرون أنهم يردون إلى ما كانوا عليه، ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط.
فرع:
فإن قوتل من لم تبلغه الدعوة قبلها فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم، فمذهبنا أنه لا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة. المازري: وهو مذهب [٢٥٩/ أ] أبي حنيفة.
وقال الشافعي: فيه الدية، وحجتنا أن النهي عن قتالهم قبل الدعوة لا توجب مخالفته الدية؛ كقتل النساء والصبيان.
وحكى المازري عن بعض أصحابنا البغداديين: أنه لو ثبت لنا أن هذا المقتول متمسك بكتابه وآمن بنبيه حسبما اقتضاه كتابه، ولكنه لم يعلم ببعثته ﷺ فقتل قبل الدعوة فإن فيه الدية.
وَهِيَ أَنْ يَدْعُوَا إِلَى الإِسْلامِ أَوْ الْجِزْيَةِ
ليس هو مخير كما هو ظاهر كلامه، بل يدعون أولًا إلى الإسلام فإن أبوا فإلى الجزية. التونسي: وفي الواضحة: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، وكذلك الجزية جملة بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا فتبين لهم. وذكر اللخمي وغيره: أن صفة الدعوة تختلف وكلها راجعة إلى أن
[ ٣ / ٤٠٩ ]
يدعى إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفر. ونص اللخمي على أن الكافر إذا أقر بالألوهية والرسالة، ثم أنكر الإقرار بالصلاة، أو بالزكاة، أو بالصوم، أو بالحج كان على حكم المرتد، فإن رجع وإلا قتل.
وذكر المتيطيعن مالك وابن القاسم وغيرهما: أن إسلام الكافر لا يصح إلا بعد إقراره بفروع الشريعة، وأنه إذا أقر بالوحدانية والرسالة ثم رجع أنه يؤدب ويشدد عليه، وإن أبى لم يكن عليه شيء، قال: وبه أخذ ابن عبد الحكم، وبه القضاء والعمل. وحكى ما ذكره اللخمي عن أصبغ قال: وإن اغتسل لإسلامه ولم يصل إلا أنه أحسن إسلامه ثم رجع عن إسلامه، فإنه يؤخذ بالصلاة فإن صلى وإلا قتل.
قال ابن القاسم: ولا يقتل حتى يصلي ولو ركعة واحدة.
ولا يُسْتَعَانُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَمًا
لقوله جل ثناؤه: (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ([النساء: ٨٩] ولما في الصحيح من قوله ﷺ لليهودي الذي اتبعه: "ارجع فلن أستعين بمشرك" واختلف إذا خرج الكفار من تلقاء أنفسهم، فظاهر ما في سماع يحيى أنهم لا يمنعون. وقال أصبغ: يمنعون أشد المنع.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَمًا) نحوه في المدونة. وينبغي أن تقيد النواتية بما إذا كانوا تبعًا لغيرهم.
ابن حبيب: ويستعملون في رمي المجانيق وهدم الحصون. قال: ولا بأس أن يقدم من سالمه من بحذاء عسكره وقربه ما لم يكونوا في داخل عسكره، وكره بعض أهل المدينة رميهم بالمجانيق قال في الجواهر: وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة، وبالمراهقين إن كانت فيهم قوة.
[ ٣ / ٤١٠ ]
وَلا بَاسَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ جُعْلًا وهُمَا من دِيوَانٍ وَاحِدٍ، مَضَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ..
يعني: إذا عين بعثًا فأراد بعض من أمر بالخروج أن يجعل جعلًا، جاز بشرط أن يكونا من ديوان واحد. مالك في المدونة: لأن عليهم سد الثغور، وربما خرج لهم العطاء، وربما لم يخرج. قال فيها: ولا يعجبني أن يجعل لمن ليس معهم في ديوان ليغزو عنه، وقد كره مالك لمن في السبيل إجارة فرسه لمن يرابط عليه أو يغزو عليه، كمن بعسقلان وشبهها، فهو إذا أجر نفسه أشد كراهة. وكان مالك﵀- أشار إلى أن الأصل منع هذه الإجارة؛ لكونها إجارة مجهولة، وإنما أجاز ذلك إذا كانا من ديوان واحد؛ لأن على كل واحد منهما ما على الآخر فليست إجارة حقيقة، وما ذكرناه من عدم الجواز إذا لم يكونا من ديوان واحد كذلك صرح به التونسي، قال هو وابن يونس وغيرهما: ولا يخرج أحد عن أحد إلا بإذن الإمام ولو كان الثاني أشجع؛ لأن الإمام قد يرى من سماه أولى.
التونسي: أما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة فأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال الإمام: إذا أخرج جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحدًا، ولو قال: يخرج جملة بعث أهل الصيف، فأراد بعضهم أن يجعل لمن يخرج في الربيع لم يجز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيره إلا بإذنه، وينبغي إذا أتاه من يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك، وهذا جائز إلا لمن وقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج، فمكروه.
ولا يُسَافَرُ بِالنِّسَاءِ إِلَيهِمْ إِلا فِي جَيْشٍ كبيرٍ آمِنٍ، ولا يُسَافَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلْيَهَا بِحَالٍ ..
إنما لم يسافر بالنساء إليهم خشية أن ينال المرأة العدو، إلا في جيش كبير آمن؛ لأن الغالب حينئذ السلامة، وقد ثبت أنه ﷺ كان يسافر في الغزو ببعض
[ ٣ / ٤١١ ]
نسائه؛ وقالت الربيع بنت معوذ: كنا نغزو مع الرسول ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم الحديث. والأمن مع النبي ﷺ موجود ومفهوم.
وقوله: (إِلَيهِمْ) جواز السفر بهن في أرضنا كالثغور وليس على إطلاقه؛ بل قيد ذلك سحنون بالمواضع المأمونة الكبيرة [٢٥٩/ ب] كالإسكندرية وتونس، وشك في صفاقس وسوسة ومثله لمالك. مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون ولم يسافر بالمصحف إليهم بحال خوفًا من أن يناله العدو، والفرق بين المصحف والنساء، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به بخلاف المرأة فإنها تذكر نفسها؛ ولأن النهي في المصحف عام. ففي الموطأ: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وذلك مخافة أن يناله العدو. وقال في الاستذكار: هكذا قال يحيى وأكثر الرواة. وقال ابن وهب عن مالك في آخره: خشية أن يناله العدو. ولم يجعله من قول مالك؛ وهو بلفظ مرفوع صحيح، وكذلك رواه جماعة.
ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى الملك أن يبعث إليه مصحفًا ليتبدره، فلا ينبغي لأنه نجس؛ هكذا نقل صاحب النوادر وابن يونس. ونقل الباجي عنه عدم الجواز وهو مقتضى التعليل. ابن الماجشون: ولا بأس أن يقرأ الرجل القرآن على الكفار ويحتج عليهم به. وقال في الاستذكار: واختلفوا في تعليم الكفار القرآن، فأجازه أبو حنيفة. وكذلك الفقه رجاء أن يرغبوا في الإسلام. وقال مالك: لا يعلم القرآن ولا الكتاب، وكره رقية أهل الكتاب، واختلف فيها قول الشافعي. وكره مالك وغيره أن يعطي الكافر درهمًا فيه آية من القرآن؛ ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة، وإنما اختلفوا فيها إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى، ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى، وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان. انتهى.
[ ٣ / ٤١٢ ]
ابن عبد السلام- بعد أن ذكر قول مالك وأبي حنيفة-: وأجاز الجميع أن يقرأ عليهم القرآن، وأن يبعث إليهم بالكتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة.
وَإِذَا تَسَاوَتِ الأَحْوَالُ عِنْدَ الْمَغْلُوبِ فِي الْعَطَبِ، فَالْمَشْهُورُ: جَوَازُ الانْتِقَالِ وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ..
قال في المدونة: وإذا حرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من موت إلى موت، وهو أحد قولي ربيعة. قال: وإن صبروا فهو أكرم. ومقابل المشهور لابن القاسم في الموازية: أنه لا ينتقل واختاره ابن المواز؛ لأن في انتقاله سببًا لقتل نفسه، وبه قال ربيعة في أحد قوليه.
وقوله: (وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ) أي: فلو رجا النجاة في أحد تلك الأحوال وجب وهو ظاهر، وكذلك عبر ابن بشير بالوجوب. وعبارة المتقدمين في هذه المسألة: فله ذلك.
وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم أيخرجون للقتال، أم يصبرون حتى يموتوا جوعًا؟ قال: بل يخرجون إلى القتال أحب إلي.
ابن سحنون: فلو بلغ بهم الجوع حتى لا يقدروا على القتال، فإن طمعوا في الأسر مفاداة أو نجاة وقد عرف ذلك من العدو، فليخرجوا إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعًا وعطشًا. التونسي: ولم يبح لهم الخروج، ولعل ذلك أروح لهم.
وقد اختلف في المركب من المسلمين يلقي الروم عليها النار، هل يثقل الرجل نفسه ليغرق؟ وكأنه اعترض عدم جواز الخروج؛ لأن القتل صبرًا أهون من الصبر للجوع، وقد يجاب عن هذا بما قاله ابن عبد السلام.
الشافعي: إنه إذا كانت إحدى الطائفين في الحالتين يطول بقاؤه معها أكثر، تعين الانتقال إليها وهو ظاهر؛ لأن حفظ الحياة واجب ما أمكن. وروى أبو الفرج عن مالك: لا حرج على من أظله العدو في البحر أن يلقي نفسه فيه.
[ ٣ / ٤١٣ ]
اللخمي: وليس بالبين، ولا أرى يلقي بنفسه مع رجاء الأسر؛ لأنه قدم الموت على الحياة مع الأسر، واستشكار اللخمي ظاهر، وهذه الرواية مخالفة لما تقدم، إلا أن يأول أن العدو إذا أسروه لا يبقوه.
وَإِذَا اؤْتُمِن الأَسِيرُ طَائِعًا لَمْ تَجُزِ الْخِيَانَةُ، وإِلا جَازَت ويَمْلِكُهُ، وكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَيَاتِي بِمَالِ غَيْرِهِ، ولا يُخَمَّسُ
يدخل في قوله: (وإِلا جَازَت) صورتان: إذا لم يؤتمن، أو اؤتمن مكرهًا، وكذلك قال ابن بشير.
وفي اللخمي: لا يهرب ولو كان مكرهًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على من بأيديهم من الأسارى ويرون أن المسلمين لا يوفون بالعهد. وتكلم الأصحاب هنا على ما إذا اؤتمن على نفسه أو مال، والظاهر أن المصنف إنما تكلم على المال؛ لأن ذلك المتبادر من لفظ الأمانة؛ ولقوله: (ويَمْلِكُهُ) فإن الملك لا يكون إلا في المال. واختلف في النفس والمال. فقال سحنون: عليه أن يؤدي أمانته في نفسه وماله. وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ويقتلهم وإن ائتمنوه، فإن أحلفوه فلا حنث عليه؛ لأن أصل يمينه الإكراه.
ونقل ابن عبد السلام وغيره عن مالك: أنه يهرب بنفسه لا بماله، وكذلك نقهل في الكافي عن مالك، وقال: عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها، وإن أكره فلا كفارة عليه، قال: وهو الصحيح. وفرق ابن المواز، فقال: إن كان ذلك بعهد ووعهد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدقة فلا يلزمه ولا حنث عليه فيه لأن مكره. وقاله ابن القاسم وزاد: وللأسير أن يسرق من مال العدو [٢٦٠/ أ] ولا يعاملهم بالربا. وقال أشهب: إن دفعوا إليه ثوبًا يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه؛ لأنه اؤتمن عليه.
[ ٣ / ٤١٤ ]
ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة، أو زنىً، أو خيانة، أو ربا. فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى به، أو خان، إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه، فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد عليه أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، وسواء زنى بحرة أو مملوكة. وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته.
قوله: (ولا يُخَمَّسُ) راجع إلى المسألتين؛ لأن الحكم فيهما عدم التخميس، إذ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهذا هو المشهور. وحكى في البيان عن ابن المواز: أن عليه الخمس إن كان أسر ببلد الحرب؛ لأنه لم يصل إلا بالإيجاف، بخلاف ما إذا أسر من بلاد المسلمين. قال: وقوله بعيد على أنه إنما ساقه في كتابه على أنه تفسير للمذهب.
وَيجِبُ فِدَاءُ الْمُسْلِمِينَ
وهذا كقول مالك في العتيبة: يجب على المسلمين فداء أسراهم بما قدروا عليه، كما يجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. الباجي: والوجوب قول جمهور الأصحاب.
وسئل أشهب عن المفاداة بالخمر، فقال: لا يدخل في نافلة بمعصية، فسماه نافلة. المازري: ولعل أشهب ما قصد ما يدل عليه حقيقة، وإنما عبر بالنافلة لأنه لما كان الفداء لا يمكن أن يكون إلا بالخمر سقط وجوبه وصار من جهة السقوط كالنافلة التي لا تجب.
صاحب البيان: ويبدأ بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال، فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم والأسير كأحدهم، فإن تعذر هذا وجب عليه أن يفدي نفسه من ماله. وفي الاستذكار: تقديم الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه، ومقتضاه أنه قول مالك. وقال اللخمي: أرى أن يبدأ بمال الأسير ثم بيت المال، فإن لم يكن أو لم يتوصل إليه
[ ٣ / ٤١٥ ]
فمن الزكاة على المستحسن من القول، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين على قدر الأموال إذا كان لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدي بجميعها.
وَفِي الْمُفَادَاةِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ وآلَةِ الْحَرْبِ، ثَالِثُهَا: يُفَادَى بِآلَةِ الْحَرْبِ، ورَابِعُهَا: بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ دُونَهَا
المنع مطلقًا لابن القاسم، والجواز مطلقًا لسحنون، قال: ويبتاع لهم الخمر للفداء، هكذا نقل الباجي عنه. ونقل اللخمي، وصاحب البيان، وابن يونس عنه أنه قال: ويأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم ليحاسبهم بذلك في الجزية. والقول بجواز المفاداة بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير وما أشبههما لابن الماجشون وأشهب؛ لئلا يتذرع إلى ملك الخمر وإشاعتها في أسواق المسلمين، والرابع عكس الثالث. ونسبه اللخمي وابن راشد لابن القاسم في الموازية؛ لأنهم يتقوون على المسلمين بآلة الحرب. وسبب الخلاف تعارض مفسدتين؛ إحداهما: إعانة الكفار بآلة الحرب والخمر. والثانية: بقاء المسلمين بأيديهم. وينبغي على هذا أن تتبع المصلحة الراجحة.
وفِي الْمُفَادَاةِ بِأَسَارَى الْعَدُوِّ الْمُقَاتِلَةِ قَوْلانِ
القول بالجواز لأصبغ؛ لما في مسلم: أنه ﷺ فدى أسيرين مسلمين بمشرك. وقيده اللخمي بما إذا لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين.
ابن عبد السلام: ولا شك أن منع المفاداة بآلات الحرب أنه يمنع المفاداة في هذا الفرع. انتهى. أما من لم يقاتل، فقال سحنون: لا بأس أن يفدوا بصغار أطفال المشركين إذا لم يسلموا، أو بالذمي إذا رضي الذمي وكانوا لا يسترقونه.
[ ٣ / ٤١٦ ]
ولا يَرْجِعُ عَلَى الأَسِيرِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وإِنْ كَانَ غَنِيًّا، إِلا مَنْ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ وفِيمَنْ يُرْجَى خَلاصُهُ
الباجي: الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يرجع على الأجنبي مطلقًا إلا أن يريد الصدقة، وعلى الأقارب الذين ليسوا من ذوي المحارم، ولا يرجع على أقاربه الذين يعتقون عليه.
ابن راشد: فجعل الرجوع على الأجنبي والقريب غير ذوي المحرم أصلًا، والمصنف جعل عدم الرجوع أصلًا إلا أن يقصد الرجوع، ويحتمل أن يكون ما قاله المصنف موافقًا للباجي بأن يريد إلا أن يقصد بضم الياء على البناء لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يرجع إلا على من يقصد الرجوع عليه في العادة وهو الأجنبي، ومن ليس بذي محرم من الأقارب، وحمله على هذا أولى؛ لمطابقة كلام الباجي. انتهى.
وانظر قول الباجي الذي عليه جمهور أصحابنا، فإنه لم يذكر مقابل الجمهور. وعلى الرجوع، فقال الباجي: يرجع بمثل ما اشتراه به إن كان مثليًا، أو بقيمته إن كان مقومًا.
ابن عبد السلام: وفي الرجوع بالقيمة هنا نظر؛ لأن الفادي كالمسلف للأسير، والسلف يقضي فيه بالمثل إن كان السلف مثليًا.
قوله: (وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ ) إلخ. هذا القول للخمي، استثنى صورتين:
الأولى: إذا أمكن الفداء بأقل مما فدى به فلا يلزمه إلا ذلك الأقل.
الثانية: أن يمكن الأسير التخلص من غير شيء فلا يلزمه شيء. ويشترط في الصورتين [٢٦٠/ ب] جميعًا عنده أن تكون قدرة الأسير على ما زعمه معلومة.
خليل: وينبغي أن يكون تقييدًا، كما قالوا في الرجل يأتي بالبقر يحرث بها أرضه، فيغلط فيحرث أرض جاره ثم يطلب أجرة الحرث من جاره، فإن كان جاره يحرثها بنفسه وعبيده فلا شيء عليه، وإن كان إنما يحرثها بالأجرة فإنه يرجع عليه بها.
[ ٣ / ٤١٧ ]
ولْيَتْبَعْ ذِمَّتَهُ إِنْ كَانَ فَقِيرًا
يعني: إذا قلنا بالرجوع فلا يسقطع فقره بل تتبع ذمته. ابن راشد: وكذلك إن علم أنه فقير وفداه فإنه يرجع عليه، وهو قول ابن القاسم. وقال في المنفق على الصبي الفقير: لا يرجع عليه بما أنفق ورآه محتسبًا. والفرق أن الكبير قادر على التكسب بخلاف الصبي. وقال بعض الأندلسيين: لا يرجع على الفقير.
وفِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ إِنْ كَانَ اشْتَرَى الْخَمْرَ لِذَلِكَ قَوْلانِ، بِخِلافِ الذِّمِّيِّ
لا إشكال أن الذمي يرجع بقيمة الخمر والخنزير ونحو ذلك، وأما المسلم فقال سحنون: لا يرجع بقيمة ذلك. الباجي: ويحتمل على قوله بإجازة الفداء بالخمر والخنزير أن يرجع على الأسير بثمن ذلك. ابن عبد السلام: ولا يوجد القول بالرجوع إلا ما قاله الباجي وجعله محتملًا.
فرع:
سحنون: ومن فدى خمسين أسيرًا ببلد الحرب وفيهم المليء والمعدم؛ فإن كان العدو قد عرف ذلك منهم قسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن جهل العدو ذلك منهم قسم عليهم بالسواء؛ وإن كان فيهم عبيد فهم سواء وساداتتهم بالخيار بين أن يفدوهم أو يسلموهم.
فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلا رُجُوعَ إِلا أَنْ يَامُرَهُ مُلْتَزِمًا عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ
قوله: (لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ) أي: هبة الثواب. وسيأتي ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. ثم قسم المسألة على قسمين: تارة يكون عارفًا به، وتارة لا يكون عارفًا به. وذكر في العارف ثلاثة أقوال- وتصورها من كلامه ظاهر-: الأول: عدم الرجوع مطلقًا. والثاني: مقابله. والثالث: التصنيف.
[ ٣ / ٤١٨ ]
ومراد المصنف بالقريب: من كان ذا محرم، وأما ذو الرحم وليس بمحرم فلا خلاف أنه كالأجنبي ويتبعه مطلقًا، قاله في المقدمات، وليس من الأقوال الثلاثة ما هو منصوص إلا القول الأول بعدم الرجوع، وهو قول ابن حبيب وسحنون.
والقول بالرجوع مطلقًا خرجه بعضهم من قول المغيرة في المكاتب يؤدي عمن معه في الكتابة أنه يرجع عليه، كان ممن يعتق عليه أم لا، وهكذا قال ابن راشد: إنه لم يقف إلا على القول بعدم الرجوع، وزعم ابن عبد السلام أن الثالث هو المنصوص، وفيه نظر؛ فإني لم أره في شيء من الأمهات، ثم كلامه يقتضي أن القول بنفي الرجوع مطلقًا ليس بمنصوص، وقد نقله ابن يونس والباجي وغيرهما.
وفي الكافي عن مالك، وابن القاسم أن من فدى قريبًا لا يعتق عليه كالخالات لا يرجع عليه، إلا أن يكون لم يعلم به حين الفداء، وأن من فدى من يعتق عليه فلا رجوع له عليه مطلقًا علم أو لم يعلم، ولا يقال هذا الثالث في كلام المصنف؛ لأن هذا القول فيه تفصيل بين العلم وعدمه، وكلام المصنف إنما هو مع العلم؛ لقوله بعد ذلك: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا) وفي المقدمات إن كان قريبًا يعتق عليه، فقال ابن حبيب: لا يتبعه. وقيل: لا يتبعه إذا علم. وهو الذي يأتي على ما في المدونة واختلف إذا كان لا يعتق عليه، فقيل، إنه كالزوجة لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره. وقيل: كالأجنبي يتبعهي في كل حال. وقوله: (إِلا أَنْ يَامُرَهُ) ابن عبد السلام: هو استثناء من تمام القول الثالث ويتعدى بالمعنى إلى القول الأول؛ يعني: أنه يقول بإسقاط رجوع الفادي إذا لم يأمره الأسير، فإن أمره الأسير بذلك ملتزمًا للأداء رجع عليه على الأصح، وسواء كان ممن يعتق عليه أو لا، وهذا الأصح، نقله الباجي وغيره عن سحنون، والقول بعدم الرجوع مطلقًا لم أقف عليه، وهكذا قال، وكأنه رأى الحكم لما اقتضى عنده عدم الرجوع وصار التزامه لذلك كالتزام المكره، فلا يلزم وفيه بعد. وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ) هذا هو القسم الثاني،
[ ٣ / ٤١٩ ]
وهو إذا فدى قريبه غير عالم بأنه قريب له بل فداه على أنه أجنبي فإنه يرجع عليه على الأصح، سواء كان ممن يعتق عليه أم لا، وهو الذي يأتي على ما في المدونة على ما في المقدمات. وفرق ابن حبيب بين من يعتق عليه فلا يرجع عليه، وبين ما لا يعتق عليه فيرجع عليه، واقتصر عليه الباجي، وابن يونس.
فداء القريب لقريبه على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه لم يرجع عليه مطلقًا؛ كان ممن يعتق عليه أو لا، وإن فداه بأمره يرجع عليه مطلقًا، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه من الأقارب الذين لا يعتقون عليه وعلى الزوجين.
والزَّوْجَانِ كَالْقَرِيبَيْنِ فَلا رُجُوعَ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذا يقتضي أن المشهور في الفرع السابق من الأقوال الثلاثة عدم الرجوع؛ لأنه إذا كان شبه القرابة مانعًا من الرجوع فالقرابة من باب الأولى، وهذا أحسن إذا ساعده النقل، والمنصوص [٢٦١/ أ] في الزوجين إذا اشترى أحدهما صاحبه وكان عارفًا به عدم الرجوع، فإن لم يكن عارفًا به اتبعه بذلك في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم وابن حبيب، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك؛ لكن أشار سحنون وغيره إلى تخريج قول بالرجوع من إحدى الروايتين بالقضاء بينهما بالعوض في الهبة، وعبد الحميد وغيره يقدحون في هذا التخريج بأن المسائل المبنية على العوائد لا تخرج عليها مسائل أخرى، إذ من الممكن أن تكون العادة جرت في أمر بصورة ولم تجر في نظيرها، ومن الممكن أن تسمح النفوس بالهدية دون الفداء، ولاسيما مع نزارة الهدية وكثرة الفداء.
وإِذَا جَعَلَ الأَسِيرُ لِفَادِيهِ جُعْلًا، فَالْمَنْصُوصُ: يَسْقُطُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَتَكَلَّفَ مَا لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ واخْتِيرَ ..
قال ابن بشير: ولو جعل الأسير لمن فداه جعلًا على فدائه، فنص الروايات أنه يسقط، وذلك ظاهر إذا لم يتكلف في ذلك مؤنة أو تكلفها وقد تعينت؛ فإن تكلف ما لا
[ ٣ / ٤٢٠ ]
يتعين عليه فينبغي أن يكون له من الأجر بحسب كلفته. انتهى. ونقل ابن عبد السلام مقابل المنصوص عن المتأخرين وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وإنما ظاهره على أن القول إذا تكلف يجب مجموع الجعل، وهو ظاهر ما علل به ابن راشد؛ لأنه قال: قاسه في القول الثاني على جواز الإجازة على الإمامة إذا انضم إليها خدمة المسجد، بجامع أن تكليف هذا ما لم يتعين عليه كتكليف الآخر خدمة المسجد، واختاره الأشياخ. انتهى.
وفِي كَوْنِ الْفَادِي أَحَقَّ مِنَ الْغُرَمَاءِ قَوْلانِ، بِخِلافِ مَا يَكُونُ مَعَهُ
يعني: إن فدي الأسير بمال وكان عليه دين، فهل يكون الفداء مقدمًا أم لا؟ أما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فالفادي مقدم؛ لأن ما دفعه في مقابلة رقبته وما في يده، وأما بالنسبة إلى ماله الذي ببلاد الإسلام، فقال سحنون وعبد الملك: هو أيضًا أولى به؛ لأن الفداء آكد بدليل أنه يفادي بغير إذنه وبأضعاف قيمته، وقال ابن المواز: هو أسوة الغرماء وهو أقيس؛ لأن الفداء تعلق بذمته كالدين، وناقض ابن يونس، وابن زرقون قول محمد في هذه المسالة بما له أيضًا في أم الولد، وذلك أن عبد الملك قال في أم الولد: أن يشتريها من العدو أولى بما في يد سيدها من الغرماء قال محمد: صواب جيد.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الأَسِيرُ والْفَادِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: اختلف في أصل الفداء وقدره، وظاهر كلام المصنف وفي جنسه؛ لكن لم أر المسألة في كتب الأصحاب إلا في أصل الفداء وفي قدره. والأصح رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، وابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ: أن القول قول الأسير في إنكاره الفداء جملة وفي إنكاره بعضه إن أتى بما يشبه، سواء أخرجه من دار الحرب أم لا.
ابن حبيب: وقيل: إذا أقر الأسير أنه فداه واختلفا في قدر الفداء، صدق الفادي ويصير كالرهن في يديه، وهذا خلاف قول مالك. وكذلك قال سحنون: القول قول الفادي إذا
[ ٣ / ٤٢١ ]
كان الأسير بيده، هكذا نقل الباجي. ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول قول الأسير، وإن كان في يديه فقولان. انتهى.
وظاهر كلام المصنف: (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ) أن القول قوله ولو ادعى غير الأشبه، وهو قول ابن القاسم في العتبية. ابن يونس: يريد مع يمينه، واحتج ابن القاسم على ذلك بما قاله مالك: أنه لو أنكر الفداء أصلًا وقد خرجا من بلاد الحرب كان القول قول الأسير؛ لكن قال في البيان: إن القول قول الأسير، وإن ادعى ما لا يشبه ليس على أصولهم مراعاة دعوى الأشبه في التداعي؛ لاتفاقهما أنه فداه بذلك، بخلاف إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنه فداه فأنكر، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا في مبلغ الفدية أن يكون القول قول الأسير إن أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الفادي إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه حلفا جميعًا وكان للفادي ما يفدي به مثله من ذلك المكان، وكذلك إن نكلا جميعًا، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله. انتهى.
واستشكل صاحب البيان قول من قال عن كون الأسير بيده: يرجح قول الفادي قال: لأنه لما كان لا يباع لم يكن كالرهن، وليس كونه بيده دليلًا على قلة الفدية أو كثرتها، وإنما كان ينتفع الفادي بكون الأسير في يده إذا اختلفا في أصل الفداء؛ لأن كونه في يده دليل على أنه فداه.
الْمُقَاتَلُ بِهِ، وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ بِكُلِّ نَوْعٍ، وبِالنَّارِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَاوخِيفَ مِنْهُمْ
المقَاتَل: هو من يجوز قتاله من الكفار، وإنما صدر كلامه بالآلة؛ لأن قتل المقاتل إنما يكون بها، وأيضًا ليبين ما يجوز به القتال وما لا يجوز؛ يعني: أن العدو يجوز قتاله بسائر أنواع الحرب من رمي المجانيق، وإرسال الماء عليهم، وقطع الماء عنهم، وبالنار إذا لم يمكن غيرها، ولا خلاف أنه إذا خيف منهم ولم يكن غير النار أنهم يقتلون بها.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
ابن راشد: والخلاف الذي حكاه إنما هو إذا لم يخف منهم وقدرنا عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقاتلون [٢٦١/ ب] بها. وقيل: يقاتلون بها، ونسبه ابن عبد السلام لمالك. ومنشأ الخلاف ما في البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأوقدهما بالنار". ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله ﷿". وحمل الحديث في القول الآخر على ما إذا صاروا في حكمهم وأما إذا امتنعوا، فيجوز عملًا بعموم الآية.
قال صاحب البيان وابن زرقون: الخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، أما إن كان العدو في سفينة ونحن كذلك، فلا خلاف في جواز رميهم وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنهم إن لم يرموا بالنار رمونا بها.
وإِنْ خِيفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ مِنَ النَّارِ تُرِكُوا مَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ، ومِنَ الآلاتِ لَمْ يُتْرَكُوا، وفِيهَا: رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَجَانِيقِ ..
يعني: إذا خفنا على ذريتهم من النار لم يرموا بها إلا أن يخاف منهم، وأما إن خيف عليهم من الآلات فإنهم لا يتركون، واستدل على ذلك في المدونة برميه ﵊ أهل الطائف بالمجانيق. قوله: (ومِنَ الآلاتِ) عطف على النار، وحكى صاحب البيان وابن زرقون: إذا كانوا في الحصن ومعهم النساء والصبيان أربعة أقوال: أجاز أصبغ تحريقهم وتغريقهم ورميهم بالمجانيق. وحكى فضل عن ابن القاسم أنه لا يفعل بهم شيء من ذلك. وقال ابن حبيب: يغرقون ويرمون ولا يحرقون. وفي المدونة: يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون. قال: وإن كان في الحصن مع المقاتلة أسرى مسلمون فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا. واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى. وفي ابن يونس: لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق. واختلف إذا كان فيهم ذرية مشركون، فقيل: إنهم كالمسلمين. وقيل: بل يغرقون ونقطع عنهم المياه. ولم يختلف في رمي حصونهم بالمجانيق، وإن كان فيهم المسلمون أو ذرية مشركون، واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية، فقيل: لا يرمون. وقيل: يرمون. وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا. وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم، وقال: ما كان فيما مضى؛ ولأن ذلك قد يعاد إلينا.
ورَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ لو خَافَتْ جَمَاعَةُ كَثِيرَةُ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ بِالنَّارِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، كَمَا انْفَرَدَ بِالْطَّرْحِ بِالْقُرْعَةِ مِنَ السُّفُنِ، وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ بِقوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
اللخمي: إذا كان العدو طالبين للمسلمين ولم يقدروا على حربهم إلا بالنار جاز قولًا واحدًا، وسواء كان معهم نساؤهم وذراريهم أو لا، وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير من المسلمين أن يكون خفيفًا؛ لأن هذه ضرورة، ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها. انتهى. فأباح قتل المسلمين بالنار معهم إذا كان العدو طالبين وخاف المسلمون منهم، وإلى هذا أشار بقوله: (لو خَافَتْ جَمَاعَةُ) أي: من المسلمين منهم؛ أي: من الكفار. قال: وهو مما انفرد به تبعًا لابن بشير وليس بظاهر، فقد تقدم من كلام ابن يونس الخلاف، وكذلك حكى ابن رشد وابن زرقون في السفينة فيها العدو ومعهم أسرى مسلمون عن ابن القاسم أنهم لا يرمون بالنار، قال: وأجازه أشهب. فقول أشهب موافق لما قاله اللخمي، فإن قلت: يغتفر في السفينة ما لا يغتفر في غيرها. قيل: لما فرض اللخمي المسألة فيما إذا كان العدو هم الطالبين لم يتأت هذا، وأما مسألة الطرح من السفن بالقرعة، فالظاهر أن اللخمي انفرد بها، وإنما لم يوافق عليها لأنه لا يلزم مما قاله ارتكاب مفسدة مخففة لأمر مظنون.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
قوله: (وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ) لأن لفظ المدونة: وإن كان مسلم في حصن العدو أو مركبه لم أر أن يحرق أو يغرق؛ لقول الله ﷿: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ([الفتح: ٢٥]. وقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (أي: تميز المسلمون من الكفار.
أَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الإِسْلامِ احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ كَالشَّافِعِيِّ
الظاهر: أنه يريد بالقولين مذهب المدونة ومذهب اللخمي؛ لأنه لما استدل فيها بقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (علم أن مذهبه المنع. وقوله: (كَالشَّافِعِيِّ) أي: كما أن في مذهب الشافعي القولين. ابن بشير: وذكر الشافعي قولين إذا اتقى أهل الحرب بالمسلمين وكنا نخاف إن تركناهم من استئصال جمهور المسلمين. انتهى.
ابن هارون: وإنما قال المصنف: (كَالشَّافِعِيِّ) إما لأنه لما ذكر انفراد اللخمي بالمسألة السابقة ذكر أن محل النظر ما صوره الشافعية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: (كَالشَّافِعِيِّ) قال: لأن الشافعي إنما يبيح الرمي مع القطع باستئصال المسلمين لا مع الخوف، وفيه نظر. وقد سألت جماعة من قضاة الشافعية، فقال كل واحد: في مذهب الشافعي قولان؛ أحدهما- وهو الصحيح-: أنه إذا خيف على استئصال المسلمين جاز قتل الترس. والثاني: أنه لا يجوز القتل إلا بأن [٢٦٢/ أ] يقطع باستئصال الإسلام. قالوا: وإنما صححنا الأول؛ لأن القطع غير ممكن. ولم يذكر ابن شاس إذا خيف على استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين خلافًا، بل قال: يسقط اعتبار الترس.
وإِذَا أَسَرُوا عُجْمًا أَوْ عُرْبًا فَالإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ، أَوْ الاسْتِرْقَاقِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ، أَوِ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ
حاصله: أنه بالخيار بين القتل والإبقاء، فإن قتل فلا تفصيل، وإن أبقى خير في أربعة أوجه: الاسترقاق، وضرب الجزية، والمفاداة، والمن.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وقوله: (بِالنَّظَرِ) راجع إلى الخمسة؛ يعني: أن التخيير إنما هو بحسب المصلحة ومتى وجد فيها أحسن تعين. ونص الباجي على أنه يجب على الإمام أن ينظر في ذلك بحسب الاجتهاد. قال في الجواهر: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرآة حاملًا من مسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه؛ فالحمل سبي. وأما المفاداة: فقد تقدم الكلام على جوازها بالأسرى، وأما بالمال فالمشهور جوازه خلافًا لسحنون. وقال ابن حارث: الخلاف إنما هو في مفاداة الرجال بالمال ولا خلاف في مفاداة النساء به.
ابن يونس: وفي المختصر الصغير ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل، قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام فيرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم. انتهى.
فإن أمسكه ليختبر ثمنه فله قتله، وإن أمسكه للبيع ثم بدا له، فقال ابن المواز: له قتله. وقال أصبغ: ليس له وهو الظاهر. اللخمي: وإن من عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده، إلا أن يكون قد اشترط عليه أن يبقى ليضرب عليه الجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادي به برضاه. وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء. وإن أبقاه للفداء لم ينتقل إلى الجزية ولا للرق إلا برضاه.
فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ، ويُقْتَلُ مَنْ لا يُؤْمِنُ، ولا يمنُ عَلَى ذِي النِّكَايَةِ
لما قال: أولًا بالنظر ذكر هنا بيانًا للنظر ومفهوم قوله: (فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ) أنه يقتل الشجيع وهو كذلك. قال في البيان: واختلف قول مالك إذا جهلت حالته في قوة النجدة هل يحمل عليها وهو ظاهر قول مالك في المدونة، ويقتل من الأسارى من لا يؤمن؟ الا ترى ما كان من أبي لؤلؤة؛ يعني: قاتل عمر بن الخطاب﵁- وقال مرة: لا يقتل إلا أن تتبين منه الفروسية، ووقع هنا نسختين؛ إحداهما: ويُمَنٌّ كما ذكرنا. والثانية: ولا يُمَنُّ، وهما على معنيين؛ فإن فسرنا صاحب النكاية بكونه ينكي المسلمين بقتاله فيأتي لا يمن، وإن فسرنا صاحب النكاية بأنه إذا قتله المسلمون حصلت لأجله نكاية، بأن يكون كبيرًا في قومه وليس فيه كبير نجدة فيأتي ويمن. والله أعلم.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
والْمُرَاهِقُ الْمُقَاتِلُ كَالْبَالِغِ
ظاهره أنه مخير فيه بالخمسة المتقدمة. وقال اللخمي: يخير الإمام في النساء والصبيان في المن، والفداء، والاسترقاق دون القتل والجزية، وإن رأى استبقاء من قارب البلوغ ليضرب عليه الجزية لم يمنع. انتهى. فلم يذكر فيه القتل، لكن في النوادر عن ابن القاسم من رواية يحيى بن يحيى أنه قال في المرأة والصبي لم يحتلم يقاتلان ثم يؤسران: إن قتلهما جائز بعد الأسر كما جاز قبل ذلك، وعن ابن حبيب كذلك إن قاتل بالسيف والرمح لا بالحجارة إلا أن يقتل فيقتل وإن أسر، إلا أن يرى الإمام استحياءه، وكذلك المرأة. وعن ابن سحنون أنه قال لأبيه: بلغني أنك قلت: إن أسر الصبي أن الإمام فيه مخير في قتله وتكره، فأنكره وقال: لا يقتل إلا أن ينبت. وذكروا خلافا فيمن أنبت ولم يحتلم، فقال ابن القاسم: لا يقتل. وقال الأكثر: بل يقتل. وهذا مبني على أن الإنبات هل هو علامة للبلوغ أو لا؟ وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
ولا يُقْتَلُ النِّسَاءُ ولا الصِّبْيَانُ، وفِي النِّسَاءِ الْمُقَاتِلاتِ، ثَالِثُهَا: إِنْ قَاتَلَتْ جَازَ. ورَابِعُهَا: عِنْدَ قِتَالِهَا. وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ
لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة، فأنكر النبي ﷺ قتل النساء والصبيان. وقال في الاستذكار: وأجمع العلماء على القول بذلك، والحكمة في ذلك- والله أعلم- أن الأصل عدم إتلاف النفوس، وإنما أبيح منه ما يقتضي دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا هو أهل القتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فيرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع، هذا مع ما في نفوس النساء والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكون عليه غالبًا، فدفع عنهم القتل لعدم المقاتلة في الحال الحاضر ورجاءهدايتهم عند بقاءهم.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
والقول بقتلها إذا قاتلت لابن القاسم في الموازية.
والقول بأنها لا تقتل في كتاب ابن سحنون لعموم النهي.
والثالث لابن حبيب قال: إذا قاتلت إلا أن يرى الإمام استحياءها.
والرابع: على ما ذكره المصنف يقتضي أن الخلاف [٢٦٢/ ب] مطلق، والذي حكاه التونسي، واللخمي، والباجي، وابن بشير أنه لا يختلف في جواز القتل في حالة المقاتلة؛ لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى قتلنا مع قدرتنا على المدافعة، وإنما الخلاف إذا أسرن وقد تقدم منهن قتال.
وقوله: (وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ) قال ابن حبيب: لا يبيح ذلك قتلها، إلا أن تكون قتلت بما رمت به، ومثله روى ابن نافع عن مالك. قال صاحب النوادر، والباجي، وقال سحنون: يرميهن المسلمون بالحجارة وإن قتلن في ذلك، وظاهره أنهن لا يقتلن بغير ذلك، وعلى هذا ففي كلام المصنف إجمال؛ لأن ظاهره على القول بأنها تقتل أنها تقتل بكل شيء، نعم ذكر ابن بشير القول على نحو ما ذكره المصنف وأما صياحها وحراستها واستعانتها فلا يوجب شيء من ذلك قتلها.
سحنون: ومن قتل من نهي عن صبي أو امرأة أو شيخ هرم، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله، وإن قتله بعد أن صار مغنمًا فعليه قيمته، يجعل الإمام ذلك في المغنم.
ويَلْحَقُ بِهِنَّ الزَّمْنَي والشَّيْخُ الْفَانِي ونَحْوُهُمْ مِمَّنْ لا رَاىَ لَهُ ولا مَعُونَةَ
يعني: ويلحق بالنساء من ذكر بشرط عدم الرأي ومراده بـ (نَحْوُهُمْ) الفلاحون والأجراء وأهل الصناعات، ولا شك في جواز قتلهم إن قاتلوا، وإن لم يقاتلوا فقال سحنون: يقتلون، قال: ولم يثبت حديث العسيف وهو الأجير، وكذلك قال في الأعمى.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
والمقعد والمريض. وقال ابن الماجشون، وابن وهب، وابن حبيب: لا يقتلون. وذكره اللخمي عن مالك قال: وهو أحسن في أهل دينهم كالمستضعفين.
وفي الموطأ: أن أبا بكر﵁- قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميرًا إلى الشام: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم قد حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حسبوا أنفسهم له، وستجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلًا ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. وقوله: فحصوا عن أوساط رؤوسهم. ابن حبيب: يعني الشمامسة. وقال بعضهم: هم رهبان الكنائس.
وكذلِكَ الرَّاهِبِ فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ غَيْرِ الْمُخَالِطِ بِرَايٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
حاصله: إن اجتمع في الراهب الانقطاع عن أهل ملته حسًا بأن كان في الصوامع أو في الأديار. أو حكمًا بأن لا يخالطهم برأي، فالمشهور أنه لا يقتل؛ لما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس عنه ﷺ: أنه كان إذا بعث جيوشه قال: "لا تقتلوا أهل الصوامع". ولوصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وروي عن مالك القتل ذكره في البيان، فإن لم ينقطع عن أهل ملته حسًا بل كان في الكنائس قتل، قاله ابن حبيب وغيره. قال في كتاب ابن سحنون: إذا وجد راهب قد نزل من صومعته وهو منهزم مع العدو فأخذ، فقال: إنما نزلت وهربت خوفًا منكم أنه لا يعرض له، وكذلك لا خفاء في قتله إذا أشار عليهم. وفي كتاب ابن سحنون: إذا مروا براهب فلا يستخبرونه عن شيء من أمر عدوهم. سحنون: ومن ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب سبيله سبيل الراهب، قيل: فكيف يعرفون أنه راهب؟ قال: لهم سيما يعرفون بها. قال: وكذلك إذا وجد الراهب في دار أو غار فهو كأهل الصوامع.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
ابن حبيب: ولم ينه عن قتل الرهبان لفضل ترهبهم، بل هو أبعد من الله من غيرهم؛ لشدة كفرهم، ولكن لتركهم أهل دينهم فكانوا كالنساء. وقيل لمالك: ربما أسرى المسلمون سرية فيعلم بهم الراهب فيخافون أن يدل عليهم فنزلونه ليكون معهم، فإذا آمنوا أرسلوه. قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته.
وعَلَى تَرْكِهِ يَكُونُ حُرًّا ويُتْرَكُ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ لا الْمَالِ الْكَثِيرِ عَلَى الأَشْهَرِ
الأشهر ومقابله لمالك، والأشهر مذهب المدونة، ففيها: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون جوعًا. فقوله: ولا تؤخذ كلها فيه دليل على أنه يؤخذ منهم ما زاد على الكفاية. وكذلك قال في العتبية: يترك لهم قدر ما يصلحهم. وكذلك قال في الجلاب: ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكون فيها فضل عن كفايتهم فتؤخذ فضولها. وفي التلقين: تترك لهم أموالهم، إلا أن تكون كثيرة فتؤخذ ويترك لهم اليسير.
وقال سحنون: يترك للراهب من ماله ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة. ونقل في البيان عنه: أنه لا يترك للراهب والشيخ إلا ما يستر عورته ويعيش بها الأيام. وقال اللخمي: قال مالك: ويترك له مثل البقرتين والغنيمات وما مثله يكفيه، والمبقلة والنخيلات، ويؤخ ذ ما بقي أو يحرق، ولكن تأول في البيان ما وقع لمالك في العتبية: أنه إنما يترك لهم ما يصلحهم، على ما إذا وجدنا عندهم أموالًا وادعو أنها لهم ولم نصدقهم. قال: وأما لو صدقناهم لتركناها لهم وإن كثرت. وأبقى غيره الرواية على ظاهرها: إنه يترك لهم ما كثر [٢٦٣/ أ] ولو علم أن ذلك لهم. وقول ابن عبد السلام: إن أكثر الروايات أنه يترك لهم الجميع، والتفصيل بين الكثير والقليل هو مذهب سحنون، ليس بظاهر لما ذكرناه.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وفِي الرَّاهِبَاتِ مِثْلُهُمْ قَوْلانِ
ألحقهن مالك في العتبية بالرجال، وقال: إنهن أحق بذلك. وقال سحنون باسترقاقهن، لأن الترهب لما منع قتل الرجال تبعه منع الاسترقاق، ودم المرأة لم يمنع منه الترهب، وإنما هو ممنوع بالشرع فلم يكن هناك أصل يتبعه الاسترقاق.
ومَنْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَيْنَ الأَرْضَيْنِ وشُكَّ فِي أَنَّهُمْ حَرْبُ أَوْ سِلْمُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَمْرُ مُشْكِلٌ
قال: (وشُكَّ) لأنه إن قامت أمارة على أنه جاء للحرب أو السلم عمل عليها؛ وأما إن لم تعلم أمارة أو قامت ولكنها تعارضت، فقال مالك في المدونة: في العلج يلقاه المسلمون ببلد العدو وهو مقبل إلينا، فيقول: جئت أطلب الأمان، هذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه. وقال في العتبية: لا يقبل منه. ابن القاسم في العتبية: وإن أخذ ببلدنا فقال: جئت أطلب الفداء، قبل قوله إن أخذ بفور وصوله ولا يكون فيئًا، وإن لم يظهر عليه إلا بعد طول إقامة بين أظهرنا لم يقبل منه قوله ويسترق، وليس هو لمن وجده، ولا يقتل إلا أن يعلم أنه جاسوس فيقتل. وقال ابن حبيب وعزاه لمالك: إن كانوا من بلد اعتادوا الاختلاف منه فيما ادعوه من الفداء، أو التجارة، أو الاستئمان قبل قولهم وردوا إلى مأمنهم، وإلا فهم فيء، وبه قال سحنون وعيسى؛ وهو قول ربيعة في المدونة. وعن سحنون: أنه فيء إذا أخذ ببلدنا، سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول. وفي كلام المصنف نظر من أوجه:
أولها: كونه أسقط من قول مالك: ورد إلى مأمنه. وهو في نص المدونة كما ذكرنا، وقد ذكره اللخمي وابن يونس على أنه من كلام مالك.
ثانيها: أن قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) هذا مشكل يقتضي أن مالكًا قال ذلك فيما إذا وجد في أرض المسلمين أو بين الأرضي، وإنما نص مالك على من أخذ ببلد العدو، وألحق ابن
[ ٣ / ٤٣١ ]
القاسم به الذي ينزل بساحتنا تاجرًا قبل أن يعطى الأمان، صرح بذلك ابن يونس وغيره. وقال ابن محرز: سمعت من يقول معنى قول مالك أنهم لقوه وقد انفصل من بلده ولم يدخل بلدنا، وأما لو وجوده في بلدهم أو بلدنا لم يقبل قوله، ولم يكن في ذلك إشكال، وعلى هذا فيكون قول ابن القاسم مخالفًا.
ثالثها: إن مفهوم كلام المصنف أن الذمي إذا أخذ ببلد العدو أنه لا يكون من محل الإشكال وليس كذلك كما ذكرنا. ابن يونس: وتحصيلها أنه إن أخذ ببلد الحرب وهو مقبل إلينا وقال: جئت لأطلب الأمان، قيل: يقبل منه ويرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه. وإن أخذ ببلد الإسلام، فقال: جئت للإسلام، فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه ورد إلى مأمنه، وإن أخذ لبعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه. وقيل: ذلك سواءُ وهو فيء ويرى الإمام رأيه، ولا خلاف فيمن أتى تاجرًا، فيقول: ظننت أنكم لا تعرضوا لمن أتى تاجرًا أنه يقبل منه ويرد إلى مأمنه، ولا خلاف أيضًا أنه إذا لم يكن معهم تجارة وتبين كذبهم، أو تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو نزلوا للعطش بلا أمان أنهم فيء.
وعَلَى أَنَّهُمْ حَرْبٌ فَلا يَجُوزُ الْقَتْلُ عَلَى الأَشْهَرِ
في هذا الكلام نظر؛ لأنه كيف يحكم على أحد المحتملين المتساويين من غير ترجيح، وكأن المصنف- والله أعلم- قصد اختصار كلام ابن بشير؛ لأنه قال: إن علم أنهم أهل حرب حكم فيهم بحكم أهل الحرب، وإن علم أنهم مستأمنون حكم فيهم بحكم المستأمنين، وإن شك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأصل إراقة دمهم فمع الشك يرجع إلى الأصل.
والثاني: لا يستبيحهم إلا مع تيقن الإباحة، وإذا شككنا فإراقة الدم لا يقدم عليها مع الشك، قال: وكل ما في المذهب من الروايات فإلى هذا التقسيم يرجع، لكن إذا قلنا: إنهم فيء فهل يقتصر فيهم على الأسر وما ذكر معه دون القتل، أو يجوز قتلهم؟ قولان:
[ ٣ / ٤٣٢ ]
أحدهما: الاقتصار على الأسر لعظم أمر الدم.
والثاني: جوازه نظرًا إلى الأصل في إراقة دمهم. انتهى.
وهذان القولان الأخيران في كلام ابن بشير هما القولان في كلام المصنف، لكن ابن بشير إنما ذكر الخلاف بعد أن ذكر أولًا قولين، والمصنف لم يذكر في المسألة خلافًا ابتداء؛ فلذلك صار كلامه مشكلًا.
أَمَّا إِذَا حَصَلَ الظَّنُّ بأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهِ عَلَى الأَصَحِّ
كلامه يقتضي حصول الخلاف مع ظن الصدق وظن الكذب ولم أر ذلك، بل صرح اللخمي فيه بنفي الخلاف؛ لأنه قال: إن قام دليل على صدقه كان آمنًا ولم يسترق، وإن قام دليل على كذبه لم يقبل قوله وكان رقيقًا. وإن لم يقم دليل على أحدهما فهو موضع الخلاف، فإن قال: جئت رسولًا ومعه مكاتبة، أو جئت لفداء ومعه من يفديه، أو لقريب لي وله قرابة بذلك البلد كان دليلًا على صدقه. وإن قال: جئت أطلب الأمان وقد خرج إليهم عسكر المسلمين فوجد على طريق جيش بلا سلاح كان أمره مشكلًا، وإن لم يكن مقبلًا إلينا ولا على طريقهم لم يصدق. ونحوه لابن يونس، قال: لا خلاف فيمن أتى تاجرًا، فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون [٢٦٣/ ب] لمن أتاكم تاجرًا أنه يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، ولا خلاف إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى الإمام فيهم رأيه من بيع، أو قتل، أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون. انتهى.
وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام: أنهما لم يقفا على مقابل الأصح، زاد ابن عبد السلام: وما وجدت أحدًا ممن تكلم على هذه المسألة ممن يعتبر قوله ذكر قولًا بالقتل في محل الإشكال وإذا انتفى القتل في محل الإشكال كان انتفاؤه مع أمارة صدق الرومي أولى، وكلام المصنف يدل على وجود الخلاف في ذلك. انتهى وقد قدمنا من كلام ابن
[ ٣ / ٤٣٣ ]
بشير قولًا بالقتل في محل الإشكال، وكذلك ذكر المازري فيه قولين، ثم قال: وهذا الخلاف إذا ادعى أنه طالب للأمان، وأما إن لم يعتذر بعذر فظاهر المذهب أنه يستباح، وكذلك ظاهر المذهب تطرق التهمة إلى من حصل في بلادنا مغلوبًا كمن ردته الريح إلينا بخلاف من لقيناه يمشي طائعًا إلينا.
التونسي: وإذا وجد في أسواق المسلمين ومدائنهم لم يقبل قوله؛ لأنه لو كان صادقًا لأخبر بذلك أول دخوله، ولو قال: فلان أعطاني الأمان فأنكر فلان لم يقبل قوله على فلان ورأى فيه الإمام رأيه. وقال أصبغ: إذا أنكر فلان، فالإمام مخير إن شاء أمنه أو رده إلى مأمنه، ولم يعجب محمدًا ما قال أصبغ، وقال: إن شاء رأى الإمام فيه رأيه.
وأَمَّا مَنْ نَزَلَ بَأَمَانٍ فَبَاعَ وَرَجَعَ فَرَدَّتْهُ الرِّيحُ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ
يعني: وأما لو نزل حربي بتجارة بأمان فباع واشترى ثم ذهب فردته الريح فهو على أمانه، وظاهر المدونة: أنهم على أمانهم سواء خرجوا من بلاد الإسلام أم لا، رمتهم الريح إلى بلد السلطان الذي أعطاهم الأمان أم لا. ففيها: وإذا نزل تجار بأمان فباعوا وانصرفا فأبينما رمتهم الريح من بلد الإسلام فالأمان لهم ما داموا في تجرهم حتى يردوا بلادهم. ولأصبغ: لهم الأمان إلا أن يفارقوا بلاد الإسلام. وقال ابن المواز: لهم حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم. وقال ابن الماجشون: الأمان مقصور على بلد السلطان الذي أمنهم، واختلف الشيوخ في هذا الخلاف، فرأى المازري أن هذا الخلاف كله راجع إلى شيء واحد، وهو ما قصده المؤمن بالتأمين هل قصده العموم أو لا؟ وعلى هذا فمتى تحقق قصد المؤمن العموم فالاتفاق على ذلك، ولعل المصنف ممن سلك هذه الطريقة لعدم تعرضه للخلاف مع شهرته، وحمل ابن يونس ذلك على الخلاف، فإنهقال: تحصيل الخلاف في هذه المسألة؛ قيل: لهم الأمان حتى يصلوا إلى بلادهم، وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم. فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بريح غالبة أو مختارين، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء
[ ٣ / ٤٣٤ ]
ردهم، وقيل: بل هم حل. وقيل: إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم، وإن كانوا مختارين فهم حل. وإن هو وقع، إذا رجع لغير السلطان الذي أمنه، فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمان له، رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع خرج منه. وأما إن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان آمنًا فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه. انتهى. ابن رشد: وإذا غنم العدو في بلد المسلمين شيئًا من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون منهم قبل أن يصلوا به إلى بلادهم، فهل يقسم إذا لم يعرف صاحبه أم لا؟ وهل يأخذه صاحبه إن قسم بثمن أم لا؟ وأنه كان يختلف عندهم في ذلك، وهذه المسألة أصل لذلك.
ويَجُوزُ قَتْلُ الْعَيْنِ وإِنْ كَانَ مُسْتَامَنًا
العين: هو الجاسوس، فيقتل ولو قدم بأمان، وهو مراده بقوله: (مُسْتَامَنًا) سحنون: إلا أن يسلم فلا يقتل ويكون كأسير أسلم.
فرع: وكذلك الذمي يكون عندنًا فيتبين أنه عين فلا عهد له. سحنون: ويقتل.
اللخمي: يريد إلا أن يرى الإمام استرقاقه.
واختلف في المسلم يظهر أنه عين على خمسة أقوال: قال مالك في العتبية: ما سمعت فيه شيئًا ويتخير فيه الإمام. وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب. وقال ابن القاسم: لا يعرف لهذا توبة، وقاله سحنون. وقال عبد الملك: إن كان معتادًا لذلك قتل، وإن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وأن مثله لا عورة عنده، وكان منه المرة وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل.
سحنون: وقال بعض أصحابنا يجلد جلدًا منكلًا ويطال حبسه وينفي من موضع يقرب فيه من المشركين.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وإِذَا دَخَلَ بِلادَ الْحَرْبِ ولَمْ تُرْجَ قُطِعَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وحُرِّقَ وخُرِّبَ
يعني: إذا دخل المسلمون بلاد الحرب ولم ترج أن تصير للمسلمين، جاز قطع أشجارهم وتحريقها وتخريب بنائهم؛ لأن ذلك من التضييق عليهم وفيه إضعاف لأمرهم، وليس ذلك أكثر من إباحة قتلهم. سحنون: وأصل نهي الصديق﵁- عن قطع الشجر وخراب العامر؛ إنما يكون ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين.
وفِي النَّحْلِ خَاصَّةً قَوْلانِ
النحل بالحاء المهملة، وهذا كالاستثناء من قوله: (حرق وخرب) يعني: أن هذا إنما هو في غير النحل. واختلف في إتلاف النحل على قولين: [٢٦٤/ أ] حكى الباجي روايتين فقال: روى ابن حبيب عنه: جواز ذلك فيه. وروى غيره: أنه كرهه. قال: وهذا إذا لم تدع إليه حاجة، وأما إن احتيج إلى ذلك ولم يمكن إلا بتحريقها أو تغريقها فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما في أجباحها، وكذلك قال التونسي. وقاس من قال بالجواز ذلك على سائر أموالهم، ومن منع تمسك بنهي النبي ﷺ والصديق عن ذلك كما تقدم. وأشار المازري إلى أن محل الخلاف إنما هو إذا كانت كثيرة بحيث يكون لهم في ذلك نكاية، وأما إن كانت يسيرة بحيث لا نكاية للعدو في إتلافها فإنها تترك.
فَإِنْ رُجِيَتْ جَازَ إِنْ كَانَ إِنْكَاءً
هذا قسيم قوله أولًا: (ولم ترج) وحاصله: أنه لا يجوز مع الرجاء إلا بشرط حصول النكاية لهم بذلك.
وما عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ أُتْلِفَ مِمَّا لَهُمْ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ
يعني: أن للمسلمين إذا قدروا على مال الكفار وعجزوا عن حمله أو عن حمل بعض متاعهم فإنهم يتلفونه؛ لئلا ينتفع العدو به، وسواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
وروى ابن وهب أنه لا يتلف الحيوان لغير مأكلة؛ لعموم نهي الصديق وهذا في غير مراكبهم، وأما مراكبهم فلا خلاف في جواز قتلها وإتلافها بكل ما يجوز به قتل راكبيها. قال المازري: وعلى المشهور فبماذا يتلف الحيوان؟ قال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب وتذبح ويجهز عليها. وقال المدنيون: يجهز عليها، وكرهوا أن تعرقب وتذبح. قال ابن حبيب: لأن الذبح مثله، والتعرقب تعذيب.
المازري: واختار بعض أصحابنا الذبح؛ لأنه أروح للحيوان. واستشكل الباجي وغيره قول ابن حبيب: الذبح مثله؛ لأنه مباح فيما نهي عن التمثيل به، وإنما كره- والله أعلم- لأنه قد يكون فيها مثل الخيل ونحوها فيكون وسيلة إلى أكلها وتشكيكًا للعوام في إباحة الأكل، ونزل ابن بشير قول المصريين والمدنيين على أنه خلاف في حال، فإن أمكن أن يحتاج إليه المسلمون لم يتلف عليهم بالإجهاز، وإن لم يحتاجوا إليه أتلف.
قوله: (فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ) كذا قال جماعة. الباجي، وابن بشير وغيرهما وهو ظاهر، وإن كان ابن القاسم قال: ما سمعت في الدواب أنها تحرق بعد عرقبتها.
فرع: وإذا عجزنا عن حمل النساء والصبيان والشيوخ، فإن كنا تركناهم في بلاد الحرب ثم جاء غيرنا فأخذهم فإنهم لمن أخذهم؛ لأنه لم يملكهم ملكًا تامًا، وأما إن تركناهم في حوز الإسلام فذلك كالإعتاق ولا سبيل لأحد عليهم، نقله ابن حبيب عمن يرضاه، واعترض ابن يونس قوله في الوجه الأول وأشار إلى أنه ينبغي أن يكونوا أحرارًا كما في الوجه الثاني، وقال: كيف لم يملكهم ملكًا تامًا وهو له أن يطأ ويبيع ولو أعتق لم يكن له فيه رجوع، وقد قال محمد عن أشهب: فيمن اشترى شيئًا من السبي فعجز عن بعضه فتركه، فدخلت خيل أخرى فأخذته فهو لصاحبه الأول. وقول محمد صواب ما لم يكن رقيقًا أعتقهم فتركهم على العتق.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
ويَجُوزُ لأَمِيرِ الْجَيْشِ إِعْطَاءُ الأَمَانِ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا قَبْلَ الْفَتْحِ وبَعْدَهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ
لأن الأمير قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقًا، أو مقيدًا بزمان أو مكان أو صفة. ابن بشير: ولا خلاف بين الأمة في ذلك، وإذا جاز هذا لأمير الجيش فلأن يجوز لأمير المسلمين أولى ووجب عليه اعتبار المصلحة؛ لأنه وكيل على المسلمين والوكيل إنما يتصرف على هذا الوجه ولا يجوز له اتباع هواه، فإن قلت: ينبغي أن يحمل قوله: (مُطْلَقًا) على ما عدا هذه الأمكنة؛ لأن المذهب اختلف في المستأمن بأمان سلطان إذا خرج إلى سلطان آخر هل يستبيحه هذا السلطان أم لا؟ قيل: إن بنينا على ما قاله المازري وغيره: من أنه لا خلاف في المسألة، كان ما ذكره المصنف من الإطلاق متفقًا عليه. وإن بنينا على ما قاله ابن يونس: أن المشهور تعميم الأمان، خلافًا لابن الماجشون في قصره ذلك على بلد السلطان، يكون كلام المصنف جاريًا على المشهور. والله أعلم.
فرع: ليس لأحد الناس أن يعقد الأمان لأهل إقليم، وإن وقع فالإمام مخير في إمضائه، وإنما ذلك للسلطان، هكذا قال غير واحد.
وكَذَلِكَ كُلُّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ، أَوْ مُجَازٍ أَجَازَهُ الإِمَامُ قَبْلَ الْفَتْحِ. وقِيلَ: إِنْ كَانَ صَوَابًا
تقدم أن الإقليم لا يعطي أهله الأمان إلا الأمير، فكلام المصنف ليس على إطلاقه، وكلامه مشتمل على خمسة شروط؛ لأن قوله: (حُرٍّ) يفهم منه الذكورية.
وقوله: (وكَذَلِكَ) أي: يجوز تأمينه وليس للإمام رده، وهو قول مالك وابن القاسم. وقال ابن الماجشون: الإمام مخير بين أن يمضيه أو يرده، وإلى حمل قول ابن الماجشون على الخلاف ذهب عبد الوهاب والباجي وغيرهما، وهو ظاهر كلام المصنف.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
الباجي: ودليل قول مالك قوله ﷺ: "يسعى بذمة المسلمين أدناهم". وقال ابن يونس: [٢٦٤/ ب] وأصحابنا يحملون قوله على أنه ليس بخلاف، خلاف ما تأوله عبد الوهاب. انتهى. وبعض من حمل كلام ابن الماجشون على الخلاف رأى أن ابن القاسم، وابن الماجشون لم يختلفا في أن الإمام مخير، وإنما اختلف في صفة التخيير، فابن القاسم يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده إلى مأمنه، وغيره يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده فيئًا.
تنبيه: نص ابن حبيب على أنه لا ينبغي التأمين لغير الإمام ابتداءً، وهو خلاف ظاهر كلام المصنف؛ لأن قوله: (وكذلك) يقتضي جواز ذلك ابتداءً، إذ لا خلاف في جوازه للإمام ابتداءً. وظاهر المدونة ككلام المصنف، ففيها: ويجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان. ويحتمل: يجوز إن وقع، وكذلك اختلف في كلام ابن حبيب هل هو موافق للمدونة أو مخالف.
وقوله: (قَبْلَ الْفَتْحِ) يريد ما لم يتعلق للمسلمين حق؛ فقد نص سحنون على أنه إذا أشرف المسلمون على أخذ الحصن وتيقن أخذه، فأمنهم رجل من المسلمين أن للإمام رد تأمينه.
وفِي أَمْنِهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ قَوْلانِ
ظاهر كلام المصنف أن الخلاف عام في حق من أمنه وفي حق غيره، وأنه عام في القتل والاسترقاق وليس كذلك، بل يجوز لمن أمنه قتله اتفاقًا، والخلاف إنما هو في القتل لا في الاسترقاق؛ لأنه صار مملوكًا. والقول بسقوط القتل لابن القاسم، وابن المواز؛ لقوله ﷺ: "يسعى بذمتهم أدناهم". قال سحنون: لا يحل لمن أمنه قتله، وأما الإمام فإن شاء قتله فعل، وإن شاء أمضى أمانه وكان فيئًا. وقوله: (وفِي أَمْنِهِمْ) يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل؛ أي: وفي أمن المسلمين للعدو. ويحتمل أن يكون مضافًا للمفعول؛ أي: وفي أمن الكفار. والمعنى سواء، والظاهر أن تقديره: وفي
[ ٣ / ٤٣٩ ]
إمضاء أمنهم؛ لأن ابن القاسم وغيره إنما تكلموا على ذلك بعد الوقوع، وكذلك نقل ابن بشير، ولفظه: وأما إذا وقع الفتح، فإن أمنه الأمير صح تأمينه، وإن أمنه غيره فهل يصح تأمينه فيكون مانعًا من القتل؟ قولان.
وفِي ثُبُوتِهِ مِنْهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلانِ
قال بعضهم: هذا الخلاف مبني على قول سحنون القائل بعدم إجازة التأمين بعد الفتح، فإذا ادعى أنه أمنه قبل الفتح فهل يقبل- لأن الأصل الصدق، وهذا قول ابن القاسم، وأصبغ- أم لا؟ ولابد في ذلك من شاهدين، وهو قول سحنون. وهذا ظاهر؛ لأن من يجيز التأمين بعد الفتح لا يحسن بناء هذا الخلاف عليه، إذ لا يتهم حينئذ؛ لأنه إن صدقه الإمام في ذلك مضى، وإن لم يصدقه استأنف له الإمام حينئذٍ. وقال ابن عبد السلام: عندي أن هذين القولين يأتيان على قول ابن القاسم أيضًا. قال ابن القاسم في ذلك: وهذا الخلاف فيما عدا الإمام، وأما الإمام فيقبل منه بغير تفصيل.
وأَمَانُ الْمَرْأَةِ والْعَبْدِ والصَّبِيِّ إِنْ عَقَلَ الأَمَانُ مُعْتَبَرٌ عَلَى الأَشْهَرِ
الأشهر مذهب المدونة، وروى أبو الفرج عن مالك: لا أمان للثلاثة؛ وقال سحنون وابن حبيب: إما أن يوفى له بذلك أو يرد إلى مأمنه، وأما القتل فلا.
ابن عبد السلام: وانظر فيما حكاه أبو الفرج هل له أن يقتل من أمنوه إذا لم يجزه؟ وعن سحنون في العبد إذا أذن له سيده في القتل صح أمانه، وإلا فلا. وقيل: إن قاتل العبد صح أمانه وإلا فلا. الباجي: ولا خلاف في اعتبار العقل في لزوم الأمان وصحته. ومعنى قوله: (عَقَلَ الأَمَانُ) أي: علم ثمرته وأنه يؤجر على الوفاء به وأن نقضه مذموم. وتجاذب المشهور، ومقابله قوله صىلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". بناءً على أن النبي ﷺ بين أنه جائز؛ وإنما جاز بإجازة النبي ﷺ
[ ٣ / ٤٤٠ ]
له. وقد يقال: عدم إمضاء أمانها أظهر، فإنه لو كان صحيحًا لما جهل ذلك علي – رضي الله تعالى عنه- فإنه أراد قتل من أجارته أم هانئ. وتمسكوا للمشهور في العبد بقوله ﷺ: "يسعى بذمتهم أدناهم". وقال: من لم يعتبر تأمينه إن أول الحديث وهو قوله ﷺ: "تتكافأ دماؤهم" يخرجه.
بِخِلافِ الذِّمِّيِّ عَلَى الأَشْهَرِ
أي: فلا يعتبر أمانه على الأشهر، ومقابل الأشهر ذكره جماعة. ففي المازري، والتبيهات: مشهور المذهب لا يجوز أمان المشرك. وقال الباجي: الظاهر من المذهب اعتبار الإسلام. والشاذ لا يرى أمانه لازمًا مطلقًا، بل يجعل الإمام فيه مخيرًا، قاله المازري، وابن عبد السلام وغيرهما. اللخمي: واختلف بعد القول أن الأمان لهم إن قالوا: ظننا أن الذي أعطانا الأمان مسلم، فقال ابن القاسم مرة: لا يقبل عذرهم. وقال مرة: ذلك لهم ويردون إلى مأمنهم. وأرى إذا كان عالمًا أنه نصراني وقال: ظننت أن جواره جائز أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك مشكل ولم يأت بما لا يشبه فلا يستباح بالشك. وإن قال: علمت أن جوار النصراني غير لازم ولم أعلم أنه نصراني لم يصدق؛ لأنهم أهل دين واحد.
ولَوْ ظَنَّ الْحَرْبِيُّ الأَمَانَ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى الإِمَامُ النَّاسَ فَعَصوا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ إِلَى مَامَنِهِ
يعني: أن الحربي إذا توهم الأمان، أو نهى الإمام الناس عن التأمين، فأمنوا نسيانًا أو عصيانًا أو جهلًا، فأتى إلينا الحربي معتمدًا [٢٦٥/ أ] على ذلك فلا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يخير الإمام في إمضائه أو يرد.
ابن راشد: وقوله: (إلى مأمنه) صوابه أن يقول: رد إلى حيث كان قبل التأمين؛ إذ قد يكون بموضع هو فيه خائف فلا يصح أن يرد إلى حيث يأمن، بل إلى حيث كان قبل التأمين، وهذا هو المنقول.
[ ٣ / ٤٤١ ]
الجزية
فرع:
الباجي: والتأمين لازم بكل لسان فهمه المؤمن أم لا، إن أراد المؤمن التأمين، وحكم الإشارة حكم العبارة. وفروع هذا الباب كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكره المصنف، وإن أحببت الوقوف عليها ففي النوادر.
وَيَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِجْمَاعًا، وفِي غَيْرِهِمْ مَشْهُورُهَا تُؤْخَذُ، وثَالِثُهَا: تُؤْخَذُ إِلا مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ، ورَابِعُهَا: إِلا مِنْ قُرَيْشِ
ينبغي أن يفهم الجواز على معنى الإذن في الإقدام لا بمعنى الإباحة، فإن الكتابي إذا بذل الجزية بشرطها حرم قتاله، والكفار ثلاثة أصناف:
الأول: أهل الكتاب، وحكمهم أن الجزية تقبل منهم بالإجماع، نقل ذلك غير واحد.
والثاني: الحبشة والترك، وحكمهم أنهم يدعون إلى الإسلام، فإن أبوا فالمشهور جواز قتالهم، فقد أباح مالك في المدونة قتال الفزازنة وهم صنف من الحبشة، وأباح ابن القاسم غزو الترك. وحكى ابن شعبان عن مالك: لا تغزى الحبشة والترك. ابن القاسم: وأخبرني من أثق به من أهل المدينة عن حرملة بن سعيد أن النبي ﷺ قال: "اتركوا الحبشة ما تركوكم". ونحوه ذكره ابن شعبان في الحبشة والترك. ومنشأ الخلاف أن من صحت عنده هذه الآثار خصص بها العمومات الدالة على قتال جميع الكفار، ومن لم تصح عنده أو حمل النهي عن قتالهم على الإرشاد- أي: أن قتال غيرهم في ذلك الزمان أولى- رأى أن قتالهم في هذا الزمان مباح.
والصنف الثالث: ما عدا ما ذكر من أهل الكفر، وحكى المصنف أربعة أقوال: المشهور: أنها تؤخذ من كل كافر يصح سباه، ولا يخرج من ذلك إلا المرتد. والقول بعدم الأخذ مطلقًا لابن الماجشون، ولا يفهم على عمومه كما هو ظاهر كلام المصنف، وابن بشير، فإنه لم يختلف في القبول من مجوس العجم، قاله صاحب المقدمات، والباجي وغيرهما؛ لما في الموطأ عنه ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
[ ٣ / ٤٤٢ ]
والثالث لابن وهب، نقله اللخمي وغيره. والقول الرابع لابن الجهم، وذكر الباجي أن ابن القصار نقل هذا القول عن مالك، وظاهر كلام المصنف: أن المذهب خلاف قول ابن الجهم، وأن في المذهب أربعة أقوال، وأن المشهور على إطلاقه، وعلى هذا الظاهر مشاه ابن راشد، وابن عبد السلام. وذكر المازري أن ظاهر المذهب كما شهره المصنف قال: وحكى المصنفون لمسائل الخلاف من أصحابنا وغيرهم أن مذهب مالك أنها تقبل إلا من كفار قريش، ونقل صاحب المقدمات الإجماع على أن كفار قريش لا تؤخذ منهم الجزية، وذكر أن ابن الجهم نقل الإجماع أيضًا، وكذلك مقتضى كلام المصنف أن المشهور أخذها من عبدة الأوثان. وذكر ابن عطية في تفسيره أن المنصوص في الوثني من العرب عدم أخذها منهم، وأنهم يقاتلون إلا أن يسلموا. قال: ويؤخذ مما في الخلاف أنها تؤخذ منهم احتمالًا لا نصًا. خليل: وفيه نظر، فإنه نص في الجلاب على أنها تؤخذم ن الوثني، وكذلك صاحب الكافي، وابن بشير وغيرهم؛ واختلف في تعليل عدم أخذها من كفار قريش، فعلله ابن الجهم بأنها لم تؤخذ منهم إكرامًا لهم لمكانهم من النبي ﷺ، وهي تؤخذ على وجه الصغار والذلة. وعلله القزويني بأن قريشًا أسلموا كلهم، فإن وجد منهم كافر فهو مرتد فلا تؤخذ منه.
المازري: وإن ثبتت الردة فلا يختلف في عدم أخذها منهم، وحكى الباجي والمازري عن ابن وهب أنه منع قبولها من العرب مطلقًا، فإن صح أنه اختلف قوله في ذلك، صار في المسألة خمسة أقوال، ومنشأ الخلاف النظر إلى قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ([التوبة: ٢٩] هل هو كالشرط فلا تقبل من غيرهم، أو لا فتقبل؟
فائدة: يؤخذ من قوله ﷺ: "سنوا فيهم سنة أهل الكتاب". أن المجوس ليسوا أهل كتاب.
ابن بشير: ولا خلاف أنهم الآن ليس لهم كتاب، واختلف هل كان لهم كتاب فرفع أم لا؟
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وتَلْزَمُ بِالنُّفْلَةِ إِلَى مَوْضِعٍ لا يُمْتَنَعُ فِيهِ عَنْهَا
يعني: أن من تمام كون الذمي من أهل الجزية أن يكون حيث تناله أحكامنا، ولا يمكن حيث يمكن أن ينقض العهد، فإن أبوا من الانتقال قوتلوا ولم يتركوا.
ولا تُؤْخَذُ إِلا مِنْ ذَكَرٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُخَالِطٍ، ولا تُؤْخَذُ مِنِ امْرَآَةٍ ولا عَبْدٍ ولا مَجْنُونٍ ولا صَغِيرٍ ولا رَاهِبٍ، وفِيمَنْ تَرَهَّبَ بَعْدَ عَقْدِهَا قَوْلانِ.
حاصله: أنها لا تؤخذ إلا ممن اجتمعت فيه خمسة شروط، وتصور كلامه ظاهر. وقوله: (رَاهِبٍ) أي: راهب الصوامع [٢٦٥/ ب] والديارات. وأما راهب الكنيسة فتؤخذ منه؛ لأنه يقتل، والأصل في هذا قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ([التوبة: ٢٩] والضمير عائد على المقاتلي، وهؤلاء الخمسة لا يقاتلون.
أبو حنيفة: وتؤخذ منهم الجزية أول الحول حين العقد. وقال الشافعي: بل في آخره.
الباجي: ولم أر في ذلك نصًا لأصحابنا، والذي ظهر لي من مقاصدهم أنها تؤخذ آخره وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأنها حق يتعلق وجوبه بالحول فوجب أن تؤخذ في آخره كالزكاة. قال صاحب المقدمات: ونقل عن بعض الأصحاب أنه قصرها على جزية العنوة، ورأى أن الصحيح في الصلح أن تؤخذ معجلة؛ لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم، ورده عليه ورأى أنه لا فرق في ذلك.
وقوله: (وفِيمَنْ تَرَهَّبَ بَعْدَ عَقْدِهَا قَوْلانِ) القول الأول بعدم زوالها بالترهيب نقله اللخمي عن مطرف، وابن الماجشون. والقول بالسقوط نسبه في البيان لابن القاسم، ووجهه أن الحكم في الأصل دائر مع الرهبانية وجودًا وعدمًا.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
فرع:
يجوز أخذ الجزية في جميع البلاد إلا في جزيرة العرب؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وهي مكة، والمدينة، واليمن. وفي رواية عيسى بن دينار: وروى ابن حبيب من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول. وأما العرض: فمن جدة وما ولاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب. وفي المشرق: ما بين يثرب إلى منقطع السماوة، ولا يمنعون من الاجتياز بها. واختلف في العبيد، فقال عيسى: يخرجون كالأحرار، قيل له: فما بال أبي لؤلؤة؟ فقال: قد أراد عمر إخراجه مع من أخرج حتى طلبه غيره بأن يقره لعلمه.
وقال ابن مزين: لا يخرج العبيد، قال: وإنما كره عمر﵁- أبا لؤلؤة ونحوه لغوائلهم.
ولاَ مِنْ حُرٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ، بِخِلافِ مَنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ
حاصله: أن المعتق يعطى حكم من أعتقه، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وأسقطها أشهب عن معتق الكافر أيضًا تبعًا لحالته الأولى، فإنه كان ليس من أهل الجزية، وتوقف مالك في الموازية في معتق الكافر. وقال ابن حبيب في النصراني يعتقه مسلم: قد اختلف فيه، وأحب إلي أن تؤخذ منهم الجزية صغارًا لهم، وعلى هذا فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور إن كان المعتق مسلمًا فلا شيء عليه، وإن كان كافرًا فعليه تبعًا لسيده.
ابن عبد السلام: وقد يقال في هذه التبعية نظر؛ فإن غاية أمر الولاء أن يكون كالنسب، والانتساب للمسلم غير مانع من أخذها. قال في المقدمات بعد أن ذكر الثلاثة الأقوال: وهذا الاختلاف إنما هو إذا أعتق في بلاد الإسلام، وأما إن أعتق في دار الحرب فعليه الجزية على كل حال.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وفِي أَخْذِهَا مِنَ الْفَقِيرِ قَوْلانِ
ابن عبد السلام: المشهور من القولين السقوط، لكن بتدريج فتؤخذ من الفقير الذي يجد من أين يؤديها ولا كبير إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها ولا على شيء منها ولا يطلب بها بعد غناه، وتخفف عمن حاله بين هذين على حسب نظر الإمام. وفي الكافي: وتؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهم وإلى هذا رجع مالك، ومن بلغ منهم أخذت منه الجزية عند بلوغه ولا ينتظر به الحول.
وقال ابن حبيب في الواضحة: لا تؤخذ الجزية من الفقير. اللخمي: وهو أحسن، وفي المقدمات: ولا تنقص عن الفقير لفقره إذا كانت له قوة على احتمالها، واختلف إن ضعف عن حمل جملتها؛ فقيل: إنها توضع عنه وهو الظاهر من قول ابن القاسم، وقيل: قد يحمل منها بقدر احتماله. قال القاضي أبو الحسن: ولا حد لذلك. وقد قيل: إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم.
وهِي أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ
لا يزاد على ذلك وإن كثر يسرهم على المشهور. ونقل في الكافي قولًا أنه يزاد على من قوي على ذلك. مالك في الموازية: ويوضع عن أهل الجزية ما كان قدره عمر- رضي الله تعالى عنه- عليهم من ضيافة ثلاثة أيام وأرزاق المسلمين؛ لما أحدث عليهم من الجور. وقال في المقدمات: معنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يأخذ ضيافتهم إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد. الباجي: وقول مالك يدل على أن ذلك لازم مع الوفاء بما عوهدوا عليه.
تنبيه:
وهذا كله إنما هو في الجزية العنوية؛ وأما الصلحية فلا حد لها إلا بحسب ما تقرر عليهم من قليل أو كثير، قاله ابن حبيب وغيره. قال في المقدمات: وفيه نظر، والصحيح
[ ٣ / ٤٤٦ ]
أنه لا حد لأكثرها، وأقلها ما فرض عمر. انتهى. فيكون أقلها أربعة دنانير أو أربعون درهمًا، ثم ذكر أنها إذا وقعت مبهمة حملت على الجزية العنوية.
وفِي [٢٦٦/ أ] التَّخْفِيفِ عَمَّنْ دُونَ الْمَلِيءِ قَوْلانِ
القول بالتخفيف لمالك وأصبغ، ومقابله لابن القاسم.
ومَنْ أَسْلَمَ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَوْ سِنُونَ، كَمَا يَسْقُطُ الْمَالُ الَّذِي هُودِنَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحُصُونِ إِذَا أَسْلَمُوا
تصور كلامه ظاهر؛ ونبه على خلاف الشافعي، فإنه قال بعدم السقوط بالإسلام؛ ووجه مذهبنا: أن الله قرن أخذها بالذلة والصغار وذلك غير ممكن بعد الإسلام.
مالك: وبلغين أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن اسلم من أهل الجزية حين يسلمون. مالك: وهي السنة التي لا اختلاف فيها؛ ولما في ذلك من التأليف على الإسلام. وقوله: (هُودِنَ) أي: صولح.
ويَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الصُّلْحِ بِالإِسْلامِ الْجِزْيَةُ عَنْهُ وعَنْ أَرْضِهِ ودَارِهِ
أهل الصلح: قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم، فما صولحوا على بقائه بأيديهم فهو مال صلح أرضًا كان أو غيرها، وما صولحوا به أو أعطوه عن إقرارهم في بلادهم أو تأمينهم أرضًا كان أو غيرها، فإنه ليس بمال صلح، قاله الباجي. وروى ابن حبيب أن الجزية الصلحية جزيتان؛ أولاهما: أن تكون عن الجماجم. والثانية: أن تكون على جملتهم، فإن كانت على الجماجم، فهذه الجزية تزيد بزيادتهم وتنقص بنقصانهم، ويبرأ من أداها وإن لم يؤد غيره شيئًا، وإن كانت عن جملتهم فلا يزاد على ذلك بزيادتهم ولا ينقص منها لنقصانهم، ولا يبرأ أحد منهم إلا بأداء الجميع؛ لأنهم حملاء؛ وجعل صاحب المقدمات الجزية الصلحية ثلاثة أوجه:
[ ٣ / ٤٤٧ ]
الأول: أن تكون الجزية مجملة عليهم.
والثاني: أن تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض.
والثالث: أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم، أو على أرضهم دون رقابهم، مثل أن يقول: على كل رأس كذا وكذا، وعلى كل زيتونة كذا وكذا. قال: ولكل وجه من هذه الوجه أحكام تخصه. فأما إذا كانت الجزية مجملة عليهم: فذهب ابن حبيب إلى أن الأرض موقوفة للجزية لا تباع، ولا تقسم، ولا تورث، ولا تكون لهم إن أسلموا عليها، وأن مال من مات منهم لورثته من أهل دينه، إلا أن لا يكون له ورثة من أهل دينه فيكون للمسلمين. وذهب ابن القاسم إلى أن أرضهم بمنزلة ما لهم يبيعونها ويورثونها ويقتسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، وإن مات منهم ميت ولا وارث له فأرضه وماله لأهل مواده، ولا يمنعون من الوصايا وإن أحاطت بأموالهم، إذ لا ينقصون من الجزية شيئًا بموت من مات منهم.
خليل: يريد بهذا الوجه: أن الصلح وقع مجملًا على البلد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل بما يخص كل واحد، وأما لو وقعت مجملة على الرقاب دون البلد، فنص ابن حبيب على أن لهم بيع الأرض وأنها تورث عنهم كما لو كانت مفصلة على الجماجم، نقله ابن يونس عنه. وعلى هذا فتصير أربعة أوجه؛ قال: وأما إن كانت الجزية مفرقة على رقابهم، فلا اختلاف أن لهم أرضهم ومالهم يبيعون ويورثون وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله للمسلمين، ولا تجوز وصيته إلا في ثلث ماله. وأما إن كانت الجزية مفرقة على الجماجم والأرض، أو على الأرض دون الجماجم، فاختلفوا في جواز بيع الأرض على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البيع لا يجوز، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والثاني: أن البيع جائز ويكون الخراج على البائع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
والثالث: أن البيع جائز ويكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع، وهو مذهب أشهب، وقوله في المدونة، ولا اختلاف أنها تكون لهم إن أسلموا عليها، وأنهم يرثونها بمنزلة سائر أموالهم وقرابتهم من أهل دينهم، أو المسلمون إن لم تكن لهم قرابة من أهل دينهم.
وتَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ الْجِزْيَةُ فَقَطْ؛ لأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
أما سقوط الجزية، فواضح لما ذكرنا؛ وأما الأرض فإنها للمسلمين؛ لأنها لم تقر بيده إلا ليعمل فيها ويكون ذلك إعانة له على أداء الجزية. الباجي: والعنوة: الغلبة.
وأَمَّا غَيْرُهَا مِمَّا تُرِكَ بِيَدِه ِفَالْمَشْهُورُ لَهُ
يعني: غير الأرض من الرقيق والحيوان والعروض، وما ذكره المصنف هنا ينبني على فرع آخر، وذلك إذا اختلف في أهل العنوة إذا أقرت بأيديهم الأرض؛ فقيل: هم عبيد للمسلمين، وعليه فلا يكونون أحرارًا بإسلامهم، ولا يملكون بإسلامهم مما بأيديهم شيئًا؛ وقيل: هم أحرار، فعلى هذا يأتي المشهور الذي ذكره المصنف: أنهم إذا أسلموا تكون لهم أموالهم، لكن لم أر من خرج بمشهوريته، وإنما حكاه الباجي وغيره عن ابن حبيب. والشاذ في كلام المصنف هو مذهب ابن القاسم. واعلم أن هذين القولين مطلقان فيما كان بأيديهم يوم الفتح وفيما اكتسبوه بعد ذلك. ولابن المواز ثالث: أنهم يملكون ما اكتسبوه بعد الفتح لا ما كان موجودًا يوم الفتح.
ابن رشد: وهو استحسان على غير قياس. ويشهد لتشهير المصنف ما قاله صاحب البيان، وابن زرقون: أن ظاهر المدونة في باب [٢٦٦/ ب] الهبة لا يمنع أهل العنوة من الهبة والصدقة، إذ لم يفرق بين أهل العنوة والصلح، خلافًا لابن حبيب الذي منعهم من الهبة والصدقة وجعلهم كالعبد المأذون له في التجارة. الباجي: ويكون على قول ابن المواز أن لهم هبة ما اكتسبوه بعد الفتح فقط.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
والْمَوْتُ كَذَلِكَ
أي: حكم موته حكم إسلامه فيما ذكر في ارض الصلح والعنوة وغيرها.
فرع: وكيف نعلم ورثتهم ونحن لا نعلم مواريثهم. وروى يحيى عن ابن القاسم: أن ذلك راجع إلى أهل دينهم وأساقفتهم، فمن قالوا: يرثه من ذي رحم أو غيره من رجل أو امرأة سلم ذلك إليه، وإن قالوأ: لا وارث له فميراثه للمسلمين. ووجه ذلك: أن طريقه الخبر عما ينفردون به من العلم، فيقبل قولهم عما يعلمونه من الأدواء وترجمتهم عن الألسنة التي لا نعرفها، قاله الباجي. ابن راشد: وأما العنوي فإن كان له وارث ورثه ويسأل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فماله لبيت المال. والله أعلم.
ولَوْ قَدِمَ حَرْبِيٌّ فَأَرَادَ الإِقَامَةَ نَظَرَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ ضَرَبَهَا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَفِي تَمْكِينِهِ قَوْلانِ ..
قد تقدم أن الحربي إذا بذل الجزية بشرطها حرم قتاله، وعلى هذا فإنما يكون نظر السلطان هنا لأجل أنه قد لا يكون قصده الإقامة عندنا على الحقيقة، بل احتمل أن يكون جاسوسًا ونحو ذلك. وقوله: (فَإِنْ ضَرَبَهَا) القول بتمكينه من الرجوع لمالك في الموازية، واستحسنه ابن القاسم. وقال محمد: إذا اختار الجزية واستلزمها الجزية لم يمكن من الرجوع، والأظهر أن الخلاف مبني على أنه يخشى منه أن يدل على عورة المسلمين أم لا. وأما إن تحقق ذلك فيمنع بلا إشكال، والأظهر المنع مطلقًا.
محمد: ولو أراد المسير إلى بلد آخر من بلاد المسلمين وتضرب عليه الجزية فيه لم يمنع.
وَمَنْ سَافَرَ فِي قُطْرِهِ الَّذِي صُولِحَ عَلَيْهِ فَلا عَزْمَ عَلَيْهِ، وإِنْ سَافَرَ إِلَى غَيْرِهِ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ مِمَّا بَاعَ بِهِ أَوِ اشْتَرَاهُ. وقِيلَ: وإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِحَقِّ الانْتِفَاعِ أَوِ الْوُصُولِ
ليس القطر عبارة عن مملكة ملك، فإن الملك الواحد قد يملك قطرين فأكثر كملك مصر، فإنه يملك الشام والحجاز وكل منهما قطر منفرد، وحاصل كلامه أن تجار الكفار
[ ٣ / ٤٥٠ ]
على ضربين: مستأمن وسيأتي حكمه، وذمي وهو إن سافر في قطره الذي يؤدي فيه الجزية فلا يؤخذ منه شيء، وفي غيره يؤخذ منه العشر، وهذا هو المشهور. وقال محمد ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منهم شيء إلا بمكة أو المدينة خاصة، حيث أخذ منهم عمر﵁- وهل لا يؤخذ منهم العشر إلا أن باعوا أو اشتروا، وإليه ذهب مالك، وابن القاسم، وأشهب وهو المشهور، أو يؤخذ منهم وإن لم يبيعوا ويكون المسلمون شركاء لهم فيما بأيديهم، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، ويبني عليه لو أراد الذمي الرجوع بعد وصوله وقبل بيعه، فعلى المشهور لا شيء عليه.
فرع: واختلف في الذمي إذا رجع من غير قطره إلى قطره، فقال مالك في المجموعة: يؤخذ منه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منه شيء.
وحُرُّهُمْ وعَبْدُهُمْ سَوَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، لا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَقِيقِهِمْ فِي اسْتِخْدَامٍ أَوْ وطْءٍ، وعَلَيْهِ لا يُؤْخَذُ فِي تِبْرٍ يَضْرِبُونَهُ إِلا أُجْرَةَ عُشْرِهِ
اشتراك الحر والعبد في ذلك ظاهر، لأنه إنما أخذ لحق الانتفاع أو الوصول؛ وذلك مشترك فيما قاله في المدونة؛ ولو قدم الذمي مائة مرة فإنه يؤخذ منه، و(عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: في أنه لا شركة لأحد معهم، فإنه لا يحال بينه وبين إمائه، وله وطؤهن واستخدامهن، وكذا قال ابن القاسم، وقال ابن حبيب: لا يمكن من ذلك؛ لأن المسلمين شركاؤه. وعلى الخلاف فإذا قدموا بتبر يضربونه دنانير أو صاغوا حليًا لم يؤخذ منه إلا عشر الأجرة؛ ووقع هنا نسختان؛ إحداهما: الأجرة عشر. والثانية: إلا عشر أجرته، وكلاهما بمعنى؛ لأن عشر الأجرة أجرة العشر. وعلى قول ابن حبيب يؤخذ منهم عشر التبر، وإذا قدموا بغزل نسجوه بأيديهم أو تبر فضربوه أيضًا بأيديهم فلا شيء عليهم، ونص عليه ابن المواز. وهكذا ينبغي لهم ذلك بهبة من غير ثواب، والظاهر أنهم إن أثابوا عليها أن حكم ذلك حكم الأجرة.
[ ٣ / ٤٥١ ]
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف وهو المنصوص لغيره، أن المأخوذ هنا إنما هو عشر الإجارة، والتحقيق على قول ابن القاسم أنه يؤخذ منهم عشر العمل؛ لأنه عوض عشر الدراهم، فحق الإمام أن يأتي بعشر تبرهم أو غزلهم فيكلفهم الاستئجار عليه.
فرع: ابن عبد السلام: ولا يسقط هذا العشر بدين يكون على الذمي؛ لأنهم أسقطوه بدين المسلم يكون عليه، وشرطوا في دين المسلم قيام البينة على صحته، ولا يقبل قول الذمي فيه كما يقبل قول المسلم في المشهور. انتهى.
وَلَوْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ سِلَعًا أُخِذَ عُشْرُ السِّلَعِ لا عُشْرُ قِيمَتِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ
لا خصوصية في فرض هذه المسألة في العين، بل وكذلك لو قدموا بسلع؛ ولا إشكال على قول ابن حبيب أن عليهم عشر ما قدموا به، وإنما الخلاف هنا مبني على المشهور، والمشهور هو نص المدونة، [٢٦٧/ أ] قال فيها: ولو قدم بعين فاشترى به سلعة أخذ منه عشر تلك السلعة مكانه، ونقلها أبو محمد: أخذ منه عشر قيمة تلك السلعة، وهذا هو مقابل المشهور عند المصنف، وقد تقدم أن مثل هذا لا ينبغي أن يعد خلافًا. ابن يونس: قال بعض شيوخنا: إن كانت السلعة تنقسم أخذ منه عشرها، وإن كانت لا تنقسم أخذ منه تسع قيمتها؛ وذلك أن لنا عشر السلعة بعينها، فإذا أعطانا قيمة العشر صار كأنه اشترى سلعة ثانية منا فلنا أيضًا عشرها، فإذا أعطانا أيضًا قيمة العشر، صار كسلعة ثالثة اشتارها منا، ثم كذلك حتى يدق العشر- فلا يعلم قدره إلا الله تعالى- فيؤخذ منه التسع في أول مرة، وهو الحق الذي لا شك فيه. انتهى. وأنكر بعضهم هذا القول ورأى أنه يلزم في التسع ما يلزم في العشر.
الباجي: واختلف أصحابنا المغاربة إذا بنينا على أخذ العشر، فقال بعضهم: إن كان ما صار لهم ينقسم أخذ منه العشر، وإن كان لا ينقسم أخذ منه ثمن العشر. وقال بعضهم: تؤخذ منه القيمة على كل حال، وإن كان مما ينقسم أو يكال أو يوزن.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
فرع: فإن استحق المشترى أو رد بعيب، ففي كتاب ابن سحنون: يرجع عشره، وهو في الاستحقاق ظاهر. وأما في الرد بالعيب فصحيح على رأي المتأخرين أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وأما على القول بأنه ابتداء بيع فهو مما ينظر فيه.
ويُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ غَلَّةِ دَوَابِّهِ وغَيْرِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وفِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ ثَلاثَةُ: مَشْهُورُهَا فِيمَا عَقَدَ فِي غَيْرِ قُطْرِهِ فَقَطْ وبِالْعَكْسِ، ومِقْدَارِ سَيْرِهِ فِي قُطْرِ غَيْرِهِ
غيرها كالسفن، والمشهور مذهب المدونة، والشاذ لأشهب وابن نافع: لا شيء عليه في ذلك، بناءً على أن هذا ملحق بالتجارة أم لا. وعلى المشهور اعتبار محل العقد، فإن عقد في قطره إلى قطر غيره لم يؤخذ منه شيء، وبالعكس يؤخذ منه، والعكس لابن حبيب.
اللخمي: ويختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقبضها في غير بلده، هل يراعى موضع العقد أو موضع القبض، وقيل: يفرض الكراء على مجموع سيره في قطره وقطر غيره، فما ناب قطره سقط عشره، وما ناب غيره أخذ عشره، وفي الجلاب عن ابن المواز: يؤخذ العشر سواء أكرى ببلده أو بغير بلده.
وفِي الاقْتِصَارِ عَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا يَجْلِبُ مِنَ الطَّعَامِ إِلَى مَكَّةَ والْمَدِينَةِ قَوْلانِ
في قوله: (الطَّعَامِ) إطلاق وليس المراد عموم الطعام، بل المراد الحنطة والزيت خاصة، صرح به ابن الجلاب وصاحب الكافي. والقول بنصف العشر رواه ابن نافع عن مالك، وهو الذي في الجلاب والرسالة. والقول بالعشر لمالك أيضًا، وقد أغنى الله مكة والمدينة بالمسلمين. ابن الجلاب: ويخفف عنهم في قرى مكة والمدينة كما يخفف عنهم فيهما، ويؤخذ منهم في ذلك العشر كاملًا فيما حملوه من البز والعروض والقطاني وسائر التجارات سوى الحنطة والزيت.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وأَمَّا الْمُعَاهَدُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَالْمَشْهُورُ اجْتِهَادُ الإِمَامِ، فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ وإِنْ لَمْ يَبِيعُوا، وقِيلَ: كَالذِّمِّيِّ
المعاهد: هو الحربي إذا قدم إلينا بعهد؛ أي: بأمان. ولا شك أنه إن قدر عليه شيء أنه يؤخذ منه ولا يزاد عليه. ابن راشد: ونقل بعضهم في ذلك الاتفاق، وإن لم يقدر شيء فذكر المصنف أن المشهور في ذلك اجتهاد الإمام؛ أي: فيما يؤخذ منهم؛ أعني: فيما ينزلون عليه. وأما إن نزلوا مبهمًا فيتعين أخذ العشر، نص عليه في الرسالة، والجلاب وغيرهما.
وفي المدونة: وأهل الحرب إذا نزلوا بتجارة أخذ منهم ما صولحوا عليه، وقاله ابن نافع، وروى علي بن زياد عن مالك أن عليهم العشر. قال في البيان: واختلاف رواية ابن القاسم ورواية علي إنما هو في الابتداء هل ينزلون على العشر أو مبهمًا؟ فابن القاسم أجاز أن ينزلوا على أقل من العشر أو مبهمًا، وعلى لم يجز أن ينزلوا على أقل من العشر، وإذا نزلوا مبهمًا اتفقت الروايات على أخذ العشر.
قال صاحب تهذيب الطالب: ظاهر رواية ابن زياد أن ذلك سواء نزلوا مبهمًا أم لا، وهم كأهل الذمة وقد بينه في المجموعة، ونصها على ما قال مالك: ويؤخذ من تجار أهل الحرب العشر مثل ما يؤخذ من تجار أهل الذمة.
عبد الحق: وهذا يبطل تأويل من تأول أن الذي وقع في المدونة معناه إذا نزلوا مبهمًا.
ابن القاسم في المجموعة: وإذا نزلوا على دراهم أو دنانير لم يحل بينهم وبين رقيقهم. مالك: ولو كان على العشر حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا. وقال ابن حبيب: وللوالي أن يقاسمهم فيما قدوا به، وإن كان مما لا ينقسم بيع كله وأخذ الوالي جزأه وخلى لهم البقية، إن شاءوا باعوا هنا أو رجعوا به. وقال مالك في الموازية: ليس للوالي مقاسمتهم رقيقًا ولا غيره حتى يبيعوا، قال فيها وفي المجموعة: فإن لم يبيعوا ورجعوا فليؤدوا العشر ويصنعوا ما شاءوا، ثم حيثما نزلوا من بلاد الإسلام فلا يؤخذ منهم شيء، إلا أن يشترط
[ ٣ / ٤٥٤ ]
عليهم شرط فيعمل عليه، وإلى ما في الموازية: أنهم إن لم يبيعوا أخذ منهم العشر [٢٦٧/ ب] أشار المصنف بقوله: (فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ وإِنْ لَمْ يَبِيعُوا) لكن في قوله: (أن يأخذ) نظر؛ لأن ظاهره أن له الترك وهو خلاف لما في الموازية، وكذلك قال أبو الحسن: ظاهر المدونة أن أهل الحرب يؤخذ منهم العشر باعوا أو لم يبيعوا، والقول بأنه لا يؤخذ منهم حتى يبيعوا كالذميين لأشهب.
فرعان:
الأول: إذا دخل أهل الحرب إلينا فباعوا واشتروا ثم مضوا إلى بلد آخر من بلاد المسلمين فباعوا واشتروا، فلا يؤخذ منهم تارة أخرى بخلاف أهل الذمة. قال في النكت والفروق: إن أهل الحرب قد حصل لهم الأمان ما داموا في أرض المسلمين وجميع بلاد الإسلام كبلد واحد، وأما أهل الذمة فإنما يؤخذ منهم لانتفاعهم؛ إذ هم غير ممنوعين من بلادنا، فكلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم.
الثاني: قال أصبغ: لا أرى أن يتركوا يدورون في سواحل الإسلام لبيع أو شراء إلا الموضع الذي نزلوه وإن لم يبيعوا؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع العورة، ولا ينبغي أن ينزلوا إلا في الموضع المجتمع الذي تؤمن عورتهم فيه، ولا يدورون أزقة موضع نزلوا فيه إلا الأسواق والطريق الواضحة لحوائجهم.
ولا يُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ لِمُسْلِمٍ، والْمَشْهُورُ تَمْكِينُهُمْ لِغَيْرِهِ
أي: لغير المسلم، وكذلك قال ابن بشير، قال: ويمكن أن يخرج الخلاف على أنهم مخاطبون فلا نمكنهم أو لا فنمكنهم. مالك في المجموعة: وإن خيف من خيانتهم في بيع الخمر ونحوه جعل عليهم أمين. ابن نافع: وذلك إذا جلبوا لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها. اللخمي: وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء بذلك ولا النزول على مثل هذا، وتهرق الخمر وتعرقب الخنازير، وإن نزلوا على ذلك وهم بحدثان نزولهم
[ ٣ / ٤٥٥ ]
قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا وإن طال مكثهم فعل ذلك وإن كرهوا. انتهى. والشاذ في كلام المصنف هو قول ابن شعبان، وعزاه في الجواهر لابن حبيب.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنهم يمكنون من القدوم بالخمر ابتداءً، لأن التمكين من البيع فرع عن التمكين من النزول، وظاهر الروايات خلاف ذلك.
خليل: والظاهر هنا الشاذ، وهو الجاري على قاعدة المذهب من سد الذرائع، وقد تحققت المفسدة في الإسكندرية أسال الله أن يزيلها منها ومن كل موضع شاركها في هذا المعنى.
والْمُسْتَامَنُ بِمَالٍ يَمُوتُ إِنْ كَانَ عَلَى الإِقَامَةِ فَمَالُهُ فَيْءٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَرَثَتُهُ، وإَنْ كَانَ عَلَى التَّخْبِيرِ رُدَّ مَعَ دِيَتِهِ إِنْ قُتِلَ، وفِي رَدِّهِ إِلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إِلَى حُكَّامِهِمْ قَوْلانِ، وإِنْ كَانَ مُطْلَقًا ولا عَادَة فَفِي تَعْيينِ مَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ قَوْلانِ
أطلق المصنف المستأمن على الحربي الآتي إلينا وإن أتى على الإقامة، والغالب في اصطلاحهم إنما يطلقونه على من أتى طالبًا الأمان لأم ثم يذهب، وذكر أن للقادم أحوالًا ثلاثة:
الأولى: أن ينزل على الإقامة، وحكمه فيها حكم سائر أهل الذمة، وإن كان معه ورثته ورثوه، وإلا فلبيت المال.
الثانية: أن يقدم لأمر ثم يعود، وهو مراده بقوله: (عَلَى التَّخْبِيرِ) وحكمه أنه لا حق للمسلمين في ماله إن مات، ولا في ديته إن قتل، بل يبعث بجميع ذلك إلى بلاده. ابن المواز: وديته كدية الذمي، وقيل غير ذلك. ومذهب المدونة: أنه يبعث إلى ورثته، ففيها: وإذا مات عندنا حربي مستأمن وترك مالًا أو قتل فماله وديته يدفع إلى من يرثه ببلده ويعتق قاتله رقبة. وقال غيره: يدفع ماله وديته إلى حكامهم، والغير هو سحنون. ونقل ابن أبي زيد كلام الغير: تدفع قيمة ديته إلى حكامهم وماله إلى ورثته، والأكثرون ذهبوا إلى أن قول الغير مخالف لقول ابن القاسم، وذهب أبو عمران إلى أنه وفاق، وأن قول ابن
[ ٣ / ٤٥٦ ]
القاسم محمول على ما إذا علمت بينة مسلمون ورثته وعددهم، وقول الغير محمول على عدم العلم، وهذا الذي قاله أبو عمران إنما يتم على النقل الأول لا على نقل الشيخ أبي محمد فتأمله. ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته فماله فيء لذلك الجيش الذي ظهروا عليه.
الحالة الثالثة: أن يقدم من غير تنصيص على إقامة ولا رجوع، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ كَانَ مُطْلَقًا ولا عَادَة) يعني: لا عادة لهم في المكث والرجوع، وهو إشارة إلى ما نص عليه سحنون: إن كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام، فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع، وميراثه إن مات يرد لورثته، إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعًا فميراثه للمسلمين، والقول الآخر ذكره جماعة ولم ينسبوه.
ولَوْ تَرَكَ الْمُسْتَامَنُ ودِيعَةً فَهِيَ لَهُ
يعني: وذهب إلى بلده، فإنها له وترد له أو لورثته؛ لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (.
فَإِنْ قُتِلَ أَوْ أُسِرَ، فَثَالِثُهَا: إِنْ قُتِلَ كَانَتْ فَيْئًا، ورَابعُهَا: عَكْسُهُ
يعني: فإن حارب المسلمين فقتل أو أسر والويعة عندنا، فأربعة أقوال، وقد حكاها ابن بشير:
الأول: أنها في الوجهين كما لو كانت معه؛ ولأن ماله لا تزيد حرمته على حرمته هو. الثاني: أنها ترد إلى ورثته وتبقى له إن أسر وفاء بالعهد. الثالث: إن قتل فهي [٢٦٨/ أ] فيء، وإن أسر فهي له. والرابع: أنها تبع لرقبته، فإن أسر كانت فيئًا، وإن قتل ردت إلى ورثته.
وقول ابن عبد السلام، والقول الثاني: ترد إلى ورثته في الوجهين ليس بظاهر؛ إذ لا يمكن أن يقال: يردها إلى ورثته مع بقائه، ووجود الأقوال هكذا منسوبة لقائلها عزيز
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وفي ابن يونس قولان؛ الأول لابن القاسم، وأصبغ في الموازية: أنها ترد لورثته إن مات أو قتل في المعركة، وإن أسر ثم قتل فهي فيء لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله. والثاني لابن حبيب: إن أسر ثم قتل فهي لمن أسره وقتله، وأما إن قتل في المعركة فهي فيء لا خمس فيها؛ لأنها لم يوجف عليها، وقاله ابن الماجشون، وابن القاسم، وأصبغ.
الأَمْوَالُ: غَنِيمَةٌ، وفَيْءٌ. فَالْغَنِيمَةُ: مَا قُوتِلُوا عَلَيْهِ. والْفَيْءُ: مَا لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ
يعني: أن أموال الكفار المأخوذة منهم قسمان: غنيمة، وفيء. فالغنيمة: ما قوتلوا عليه؛ أي: أخذ بسبب قتال، وليس مراده بأنهم قوتلوا لأجل المال؛ لأن ذلك يمنع من الشهادة في سبيل الله فكيف تفسر به الغنيمة. والفيء: ما أخذ بغير قتال، وإليه أشار بقوله: (مَا لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ) ولعله إنما عدل عن حقيقة المقاتلة بأن يقول: والفيء ما لم يقاتلوا عليه تبركًا بالآية، وهي قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ([الحشر: ٦] يقال: وجف الشيء إذا اضطرب.
وتُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ، وَخُمُسُهَا كَالْفَيْءِ، والْجِزْيَةِ، والْخَرَاج
تخمس الغنيمة؛ لقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ([الأنفال: ٤١].
وقوله: (كَالْفَيْءِ، والْجِزْيَةِ، والْخَرَاج) تشبيه ليفيد الحكم في الجميع. وقوله: (والخراج) أي: خراج الأرض سواء افتتحت عنوة أو صلحًا.
ولا يُخَمَّسُ لُزُومًا، بَلْ يُصْرَفُ مِنْهُ لآلِهِ ﷺ بالاجْتِهَادِ ومَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ
هذا ابتداء مسألة، يعني: أن الخمس، والفيء، والجزية، والخراج لا يلزم فيها التخميس، بل الأمر في ذلك إلى نظر الإمام، فإن شاء وقفه لنوائب المسلمين أو قسمه،
[ ٣ / ٤٥٨ ]
ولابن عبد الحكم: لا يوقف. وإذا قسمه فإن شاء دفعه كله لآله ﷺ أو لغيرهم، أو جعل بعض ذلك فيهم وبعضه في غيرهم بالاجتهاد كما قال المصنف، ونبه بقوله: (ولا يُخَمَّسُ لُزُومًا) على مذهب الشافعي في قوله: إنه يلزم أن يقسم خمس الغنيمة على خمسة أجزاء، وذلك مبني على اختلافهم في قوله تعالى (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (كما اختلفوا في آية الزكاة.
وفِيهَا: يُبْدَأُ بِالَّذِينَ فِيهِمُ الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً نُقِلَ إِلَيْهِمْ أَكْثَرُهُ
كالزكاة وتصوره ظاهر.
وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْمُقَاتِلِينَ
لأنه لما قال الله تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (علمنا أن أربعة أخماسها للمقاتلين، ولا خلاف في ذلك.
ويُنَفِّلُ الإِمَامُ مِنَ الْخُمُسِ خَاصَّةً مَنْ يَرَاهُ مَا يَرَاهُ مِنْ سَلَبٍ وغَيْرِهِ
النفل لغة: الزيادة. وفي الشرع: زيادة من الغنيمة
وقوله: (مِنَ الْخُمُسِ خَاصَّةً) أي: ليس هو أصل الغنيمة، ففي الموطأ عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرة، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. زاد في غير الموطأ: من الخمس.
وقوله: (مَنْ يَرَاهُ) أي: يراه أهلية لذلك لشجاعته.
وقوله: (مَا يَرَاهُ مِنْ سَلَبٍ وغَيْرِهِ) إشارة إلى أن السلب من النفل وهو كذلك.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
ويَجُوزُ أَنْ يَنُصَّ الإِمَامُ بَعْدَ الْقِتَالِ عَلَى أَنَّ سَلَبَ الْمَقْتُولِ ونَحْوِهِ لِلْقَاتِلِ، فَلَوْ نَصَّ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ، وكَذَلِكَ مَنْ تَقَدَّمَ فَلَهُ كَذَا ونَحْوُهُ
لأنه بعد القتال من النفل وهو جائز، وأما قبله ففيه إفساد لنية المجاهدين؛ ولأنه قد يلقي بعض المجاهدين بنفسه للهلاك لأجل السلب.
وفِي إِمْضَائِهِ قَوْلانِ
أي: إذا بنينا على عدم جوازه قبل الفتح، فقال ملك: فهل يمضي؟ قال سحنون: يمضي؛ لأنه حكم بما اختلف فيه أهل العلم. ابن عبد السلام: وهو الصحيح، والقائل بعدم تنفيذه هو ابن حبيب في ظاهر كلامه، إلا أنه لا يبطله مطلقًا كما هو ظاهر كلام المصنف، بل قال: يعرف قيمة ما سمي الإمام فيعطي ذلك من الخمس، وإنما أبطل إعطاءه من أصل الغنيمة. سحنون: [٢٦٨/ ب] وإذا قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه بلفظ عام ثبت هذا الحكم له ولجميع المسلمين، وإن خص نفسه فقال: إن قتلت قتيلًا فلي سلبه لم يكن له شيء؛ لأنه حابى نفسه بقوله ولم يعدل فلم يجز حكمه. ولو قال: من قتل منكم قتيلًا فله سلبه، فقد نفذ ذلك للناس دونه؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم. وإن قال بعد أنخص نفسه: من قتل قتيلًا مجملًا فإنما له في المستقبل. ولو قال: من قتل منكم قتيلًا فله سلبه، فمن قتل منهم اثنين أو ثلاثة فله سلبهم. ولو قال لرجل: إن قتلت قتيلًا فلك سلبه، فقتل اثنين أحدهما بعد الآخر، فغيرنا يجيزه ويعطيه سلب الأول خاصة، ونحن نكرهه. فإن نزل على وجه الاجتهاد مضى وله سلب الأول خاصة، فإن جهل، فقيل: له نصفهما، وقيل: أقلهما.
ابن المواز: وإن قتل قتيلين معًا، فقيل: له نصف سلبهما قسمة للمشكوك فيه على التداعي، وقيل: أكثرهما؛ لأنهما لما قتلا معًا صارًا كالقتيل الواحد فيستحق سلبه فلهذا أعطي الأكثر. وإذا قال الأمير: من قتل قتيلًا فله سلبه، فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له
[ ٣ / ٤٦٠ ]
قتله من امرأة، أو صبي، أو زمن، أو راهب إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم لإجازة قتلهم، فإن قال: من قتل قتيلًا فله سلبه ولم يقيد؛ فقتله ذمي أو امرأة فالمنصوص لا شيء لهما.
خليل: وقد يتخرج على قول من يرى الإسهام للمرأة إذا قاتلت أن يكون لها هنا السلب، إلا أن هذا يحتاج إلى أن يكون القائل بالإسهام لها يرى أن قول الإمام هنا ماضٍ. الباجي، والمازري، وابن يونس: وعلى قول أشهب أنه يرضخ للذمي، فيكون السلب له من الخمس. وإن قال: من قتل كافرًا من المسلمين فقتله ذمي فلا شيء له بالإجماع للشرط. وإن قال: من قتل قتيلًا فسمع بعض الناس دون بعض، فالسلب لمن قتل وإن لم يسمع. وإن قال الأمير: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه، لم يستحقه القاتل إلا بها، فإن جاء بشاهدين أخذه، وإن جاء بشاهد واحد، ابن عبد السلام: فله أخذه بغير يمين. وقال الشافعي: يحلف. وإن لم يشترط البينة فجاء برأس القتيل فاختلف في أخذ سلبه، وإن جاء بالسلب لم يأخذه إلا بالبينة.
وفيهَا قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إِلا يَوْمَ حُنَيِنٍ، وإِنَّمَا نَفَّلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخُمُسِ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ
هذا هو الصحيح. عياض: وعند بعضهم خيبر وهو وهم، وهذا احتجاج من مالك على أنه ليس السلب للقاتل مطلقًا، وإلا لتكرر منه ﷺ في غزواته وعمل به الخلفاء بعده. قال في الاستذكار: وأما قوله: (لَمْ يَبْلُغْنِي) فقد بلغ غيره وذكر أحاديث وردت بذلك. خليل: والظاهر أنه ليس في تلك الأحاديث حجة على المالكية؛ لأنها إنما تدل علىن السلب موكول للإمام وهم يقولون بموجبه، وفي قول مالك- رضي ال له عنه-: وإنما نفل النبي ﷺ من الخمس، جواب عنها- والله أعلم- على أنه يمكن أن يقال: إن قوله ﷺ: "من قتل قتيلًا فله سلبه" من باب الحكم منه ﷺ فلا يتعدى لغير من حكم له، وإنما يتعدى لو كان من باب الفتوى. والله أعلم.
[ ٣ / ٤٦١ ]
والْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لا يَكُونُ فِيهَا مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ سِوَارٍ، وتاجٍ، وَطَوْقٍ، وصَلِيبٍ وكَذَلِكَ الْعَيْنُ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
ما ذكر أنه المشهور ذكره سحنون عن الأصحاب، فقال أصحابنا: لا نفل في العين، وإنما هو الفرس وسرجه ولجامه، وخاتمه، ودرعه، وبيضته، ومنطقته بما في ذلك من حلية ساعديه وساقيه ورأسه والسلاح ونحوه، وحلية السيف تبع للسيف، ولا شيء له في الطوق والسوارين والعين كله ولا في الصليب. وقال ابن حبيب: يدخل في السلب كل ثوب عليه، وسلاحه، ومنطقته التي فيها نفقته، وسواره، وفرسه الذي هو عليه أو كان يمسكه لوجه القتال عليه، فأما إن كان يجنبه أو كان منفلتًا فليس من السلب. الباجي: فتحقيق مذهب سحنون: أن ما كان معه من لباسه المعتاد وما يستعان به على الحرب من فرس أو سلاح فهو من السلب، ومذهب ابن حبيب: أن ما كان عليه من اللباس والحلي والنفقة المعتادة وما يستعان به على الحرب فهو من السلب، ففهم الباجي القولين على نحو ما ذكرهما المؤلف، ورأى اللخمي القولين إنما هما في السوارين، قال: وخرج من الخلاف فيهما اختلاف فيما يشبهما مما يراد به الزينة كالطوق وشبهه.
ويُخَمَّسُ الْجَمِيعُ دُونَ الأَرْضِ، فَإِنَّهَا فَيْءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ كَالْجِزْيَةِ، وقِيلَ: يَقْسِمُهَا إِنْ رَأَى كَخَيْبَرَ، وفِيهَا: أَنَّ عُمَرَ أَقَرَّهَا ولَمْ يَقْسِمْهَا، وفِيهَا: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: وقَفَ عُمَرُ والصَّحَابَةُ- رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُمُ- الْفَيْءَ وخَرَاجَ الأَرَضِينَ، فَفُرِضَ مِنْهَا لِلْمُقَاتِلَةِ، والْعِيَالِ، والذُّرِّيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ
اللخمي: الأرض ثلاثة أقسام؛ فما كان بعيدًا عن المسلمين ولا يستطاع سكناه للخوف من العدو هدم وحرق. وما كان يقدر المسلمون على عمارته إلا أنهم لا يسكنونه إلا أن يملكوه، فإن الإمام يقطعه لهم ويخرجه من رأس الغنيمة وليس للجنيش فيه مقال، ويقطعه لمن فيه نجدة فيكون في نحر العدو عونًا للمسلمين. واخلتف فيما كان قريبًا أو
[ ٣ / ٤٦٢ ]
مرغوبًا فيه، فقال مالك مرة: لا حق للجيش فيه ولا يقسم ويوقف خراجها للمسلمين، وقال مرة: تجوز قسمتها أو وقفها، قال: ولا أعلم خلافًا أن قسمها يمضي إن قسمت ولا ينقض. انتهى بمعناه. وهذا القسم الثالث هو الذي ذكره المصنف.
قوله: (كَخَيْبَرَ) حجة للشاذ، وما حكاه عن عمر حجة للمشهور، واستحسن اللخمي وغيره الشاذ؛ لأنه ﷺ قسم أرض بني قريظة، وخيبر، وفدك، وقال عمر﵁-: لولا من يأتي من المسلمين لم أدع قرية افتتحت عنوة إلا قسمتها كما قسم رسول الله عليه وسلم، فسلم عمر﵁- أنه ﷺ قسم العنوة، وأن ذلك لم ينسخ، وأخبرأن القسم باجتهاد منه.
قال في البيان: وقيل: إن عمر﵁- إنما فعل ذلك بعد تطييب نفوس الغانمين، ومن سمحت نفسه بالخروج عن نصيبه بغير عوض قبل منه، ومن لم يسمح أعطاه العوض، فإن قلت: قول المصنف: (وقِيلَ: يَقْسِمُهَا إِنْ رَأَى) هل هو مقابل المشهور أو مقابل المشهور تحتم القسم؟ فالجواب: الأمر محتمل. وقد حكى ابن شاس القولين.
وَشَرْطُ الْمُسْتَحِقِّ: أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مُسْلِمًا، صَحِيحًا، حَاضِرَ الْوَقيعَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ
يعني: من اجتمعت فيه هذه الشروط أسهم له اتفاقًا وهي ستة، ثم أخذ يتكلم على ما إذا فقد بعضها.
والذِّمِّيُّ كَالْعَبْدِ، وثَالِثُهَا: يُسْهَمُ لَهُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ
ولا خلاف أنه لا يسهم لعبد ولا ذميإن لم يقاتلا، وأما إن قاتلا فالمشهور لا يسهم [٢٦٩/ أ] لهما؛ لأن المتبادر من قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ (الآية. إنما هو من خوطب بالجهاد.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وقال ابن حبيب: إذا نفر أهل الذمة مع طوائفنا فما صار لهم ترك ولم يخمس.
اللخمي: فجعل لهم نصيبًا مع الجيش، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف في الذمي.
المازري: وأشار بعض الأشياخ إلى حمل كلام ابن حبيب على أن الإمام أذن لهم في القتال. وقال سحنون: إذا قاتل أهل الذمة ولولاهم لم يقدر المسلمون على تلك الغنيمة أسهم لهم، ولو كان المسلمون إذا انفردوا قدروا عليها لم يسهم لهم، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنِ احْتِيجَ) وكلام المصنف يقتضي أن الثلاثة الأقوال منصوصة في العبد والذمي، والمنصوص في العبد إنما هو عدم الإسهام، والقولان الآخران مخرجان على قول ابن حبيب وسحنون، هكذا ذكر المازري وغيره.
والْمُطبقُ بَعْدَ الْخُرُوجِ كَالْمَرِيضِ
هذا راجع إلى قوله: (عاقلًا) وما ذكره المصنف نحوه لابن بشير. قال: وإن كان معه من العقل ما يمكنه به القتال أسهم له، والذي قاله المازري: أن المطبق كالعدم فهو كالميت، والفرق بينهن وبين المريض؛ أن المريض تحصل منه منفعة الرأي والتدبير، وكذلك قال الباجي: إن المطبق لا يسهم له.
وفِي الصَّغِيرِ الْمُطِيقِ لِلْقِتَالِ، ثَالِثُهَا: يُسْهَمُ لَهُ إِنْ قَاتَلَ
هذا راجع إلى قوله: (بالغًا) واحترز بالمطيق ممن لا يطيقه فإنه لا يسهم له اتفاقًا والمشهور أنه لا يسهم لغير بالغ، والقول بأنه يسهم للمطيق إذا حضر القتال سواء قاتل أم لا نقله ابن بشير ولم يعزه، وهو رأي اللخمي. والثالث يسهم للمطيق بشرط أن يقاتل لمالك في الموازية. ابن المواز: وإن حضر القتال ولم يقاتل فلا يسهم له.
ونقل اللخمي عن ابن المواز: أنه يسهم لمن راهق وبلغ مبلغ القتال إذا حضر القتال، قال: وقال محمد: لا يسهم له حتى يقاتل. وذهب ابن وهب إلى اعتبار السن فأسهم له إذا
[ ٣ / ٤٦٤ ]
بلغ خمس عشرة سنة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي تعلقًا منهم بإجازة النبي ﷺ ابن خمس عشرة سنة، وللأئمة في فهم هذا الحديث طريقان: إحداهما: أن هذه السن علامة على البلوغ. والثانية: أنه أجيز لقدرته على القتال فصادفت إطاقته للقتال هذه السن ولم تعتبر السن بمجردها.
تنبيه: ما ذكرناه أن المشهور عدم الإسهام للصبي نص عليه ابن عبد السلام، وهو ظاهر المدونة، وعلى ذلك حملها اللخمي وغيره؛ لإطلاقه فيها عدم الإسهام له. وقال الباجي: لم يعتبر مالك البلوغ في الإسهام. وفي الرسالة: ولا الصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له.
ابن الفاكهاني: والظاهر من المذهب إذا بلغ مبلغ القتال وحضره أسهم له.
فرع: نص في المدونة بعد أن ذكر أنه لا يسهم لصبي ولا امرأة ولا عبد أنه لا يرضخ لهم، ونقل ابن حبيب: أنه يرضخ لهم.
وفِي الْمَرأَةِ إِنْ قَاتَلَتْ قَوْلانِ
المشهور: أنه لا يسهم لها، ونقل الباجي، واللخمي، والمازري، وابن راشد عن ابن حبيب: إن قاتلت كقتال الرجال أسهم لها، واانظر هل يتخرج الثالث الذي تقدم في العبد هنا. وقوله: (إِنْ قَاتَلَتْ) يريد: وإن لم تقاتل فلا يسهم لها بالاتفاق.
والْمَرِيضُ بَعْدَ الإِشْرَافَ عَلَى الْغَنِيمَةِ يُسْهَمُ لَهُ اتِّفَاقًا، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ مَرِيضًا وكَذَلِكَ فَرَسُهُ الرَّهِيصُ عَلَى الْمَنْصُوصِ وإِلا فَقَوْلانِ
هذا راجع إلى قوله: (صحيحًا) يعني: أن من خرج صحيحًا ولم يزل كذلك حتى قاتل أكثر القتال، فإن مرضه لا يمنعه من الإسهام اتفاقًا، وكذلك يسهم لمن ابتدأ القتال وهو مريض ولم يزل كذلك إلى أن انهزم العدو، ومقتضى كلامه: أن هذه الصورة متفق
[ ٣ / ٤٦٥ ]
عليها كالأولى. وحكى اللخمي، وابن بشير فيها قولًا بعدم الإسهام وعزاه اللخمي لمالك من رواية أشهب وابن نافع. اللخمي: وعليه لا يسهم للفرس الرهيص وهو أحسن، وإذا لم يسهم للبراذين لضعف منفعتها عن الخيل فالرهيص أولى، وهذا مقابل المنصوص، فإن قلت لم لا يجعل قوله: (عَلَى الْمَنْصُوصِ) راجعًا للفرس والفارس؟ قيل: لو أراد ذلك لقال: على المنصوص فيهما كعادته، وأيضًا إعادته (كذلك) تقتضي فصلها عما قبلها كعادته. والرهصة: مرض في باطن حافر الدابة من حجر تطؤه من الوقرة. الكسائي: يقال رهصت الدابة بالكسر رهصًا وأرهصها الله سبحانه فهي مرهوصة. ويدخل في قوله: (وإِلا فَقَوْلانِ) أربع صور:
الأولى: يخرج من بلد الإسلام مريضًا ولا يزال كذلك حتى ينقضي القتال، وحكى الخلاف فيها اللخمي، قال: وأرى ألا شيء له إلا أن يكون له رأي؛ ورب رأي أنفع من قتال.
الثانية: يخرج صحيحًا ثم يمرض قبل الدخول في بلاد الحرب.
الثالثة: كذلك، ويمرض بعد دخولها.
الرابعة: يخرج صحيحًا ويشهد القتال كذلك ثم يمرض قبل الإشراف على الغنيمة.
وحكىبن بشير الخلاف في الجميع؛ لأنه حكى في المريض أربعة أقوال:
أحدها: عدم الالتفات إلى المرض ووجوب السهم ولو خرج من بلاد الإسلام مريضًا.
والثاني: أنه لا يسهم له إلا بعد شهود القتال والإشراف على الغنيمة.
والثالث: إن مرض وقد ابتدأ القتال وإن لم يشرفوا على الغنيمة أسهم له، وإلا فلا.
[٢٦٩/ ب] والرابع: إن كان المرض قبل الحصول في حد أهل الحرب لم يسهم له، وإن كان بعد الحصول أسهم له، قال: وإن فصلت قلت: أما إن أشرفوا على الغنيمة ثم مرض أسهم له اتفاقًا، وإن لم يشرفوا ففي كل صورة قولان. أما إن خرج مريضًا ثم صح
[ ٣ / ٤٦٦ ]
قبل دخول بلاد الحرب، أو بعد دخولها وقبل القتال، أو بعد ذلك وقبل الإشراف فإنه يسهم له، ولا تدخل هذه الصورة في كلامه؛ لأن كلامه في حصول المانع لا في زواله.
والأَعْمَى والأَعْرَجُ إِنْ كَانَتْ بِهِمْ مَنْفَعَهٌ فِي الْحَرْبِ أَوْ سَبَبِهِ فَكَالصَّحِيحِ، وإِلا فَكَالْمَرِيضِ
قال: (بِهِمْ) لأن مراده جنس الأعمى والأعرج، كقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ([الحجرات: ٩] وكقوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا ([الحج: ١٩].
وقوله: (أَوْ سَبَبهِ) كبري النبل وحبك الأحبل للطوارئ والتدبير.
وقوله: (كَالصَّحِيحِ) يقتضي أنه يسهم له بالاتفاق، وأن الخلاف إنما هو إذا لم تحصل به منفعة، وكلام غيره على العكس، وأن الخلاف فيما إذا كانت بهم منفعة في الحرب. سحنون: ويسهم للأعمى، والمقعد، والأقطع، والمجذوم؛ لأن الأعمى يبري النبل ويكثر الجيش ويدبر، وقد يقاتل المقعد والمجذوم فارسًا، وظاهر العتبية أنه لا يسهم للأعمى وبه قال اللخمي وابن يونس؛ لأنهما قالا: الصواب في الأعمى لا شيء له، وإن كان يبري النبل دخل بذلك في جملة الخدمة الذين لا يقاتلون. قالا: وكذلك أقطع اليدين لا شيء له، وإن كان أقطع اليسرى أسهم له، ويسهم للأعرج إن حضر القتال، وإن كان ممن لا يجسر على القتال بوجه لم يسهم له إلا أن يقاتل فارسًا، ولا شيء للمقعد إذا كان راجلًا، وإن كان فارسًا يقدر على الكر والفر أسهم له.
ابن رشد: ويسهم لأقطع الرجلين. ونص ابن بزيزة على أن المشهور عدم الإسهام للأعمى، والمقعد، والأقطع، والأشل، والأعرج. ابن عبد السلام: فأنت ترى كلام هؤلاء فيمن له منفعة، وظاهر كلامهم أن من لا منفعة فيه فهو أشد من المريض؛ للزوم المانع في حقهم وعرضيته في حق المريض وعدم انضباطه.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
والضَّالُّ عَنِ الْجَيْشِ فِي بِلادِ الْمُسْلِمِينَ لا يُسْهَمُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وفِي بِلادِ الْعَدُوِّ يُسْهَمُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
حاصله ثلاثة أقوال: الأول: يسهم له مطلقًا، رواه أصبغ عن ابن القاسم. والثاني: لا يسهم له مطلقًا، وهي رواية ابن نافع عن مالك. والتفصيل لابن شاس وغيره وهو المشهور؛ لأنه إذا ضل في بلاد العدو وحصلت به المنفعة، وهي تكثير سواد المسلمين في بلاد العدو. ونص في المدونة على الإسهام للضال في بلاد العدو، ومفهومها عدم الإسهام للضال ببلاد المسلمين، لكن قال أبو الحسن: يحتمل أن تكون رواية أصبغ تفسيرًا.
وكَذَلِكَ لَوْ رَدَّتِ الرِّيحُ بَعْضَهُمْ مَغْلُوبِينَ
ظاهره أنه يفصل في ذلك بين أن ترده الريح في بلاد الإسلام أو في بلد العدو، وقد شبه في المدونة من ردته الريح بالضال. ابن عبد السلام: وظاهر المدونة أنه يسهم لمن ردته الريح من غير تفصيل. وقد ذكرنا أنه لم ينص فيها إلا على من ضل في أرض العدو، وكذلك لم ينص إلا على من ردته الريح من أرض العدو، وقد ذكرنا أن أبا الحسن قال: يحتمل أن يقال بالإسهام للضال مطلقًا وهو هنا أوضح؛ لأن الغلبة تتحقق فيا لرد بالريح بخلاف الضال، وقد فرقوا بين اصطدام الفارسين والسفينتين، وروى ابن نافع عن مالك أنه لا يسهم لمن ردته الريح من أرض العدو، وبه قال سحنون، واستحسنه اللخمي.
فرع:
ابن المواز: وإن خرجت مراكب من مصر غزاة فاعتل منها مركب فتخلفوا لإصلاحه فخافوا لما بقوا وحدهم فرجعوا إلى الشام خوفًا، فلا شيء لهم فيما غنم أصحابهم، وكذلك لو مرضوا فرجعوا، أو انكسر مركبهم فرجعوا إلى الشام خوفًا، فلا شيء لهم فيما غنم أصحابهم، قلت: فإن أسهم لهم فأعطوهم؟ قال: فلا يرجع عليهم، وقد فات ذلك وأنفقوه. قلت: فإن ولجوا
[ ٣ / ٤٦٨ ]
بلاد العدو وجازوا قبرص ثم عرض لهم ما عرض فرجعوا إلى الشام خوفًا من العدو حتى رجع الجيش، قال: هذا عذر إذا بان خوفهم، فهذا مشكل ويسهم لهم.
فرع: نص أشهب في الموازية على أنه إذا ظفرنا بالعدو وفيهم مسلمون أسارى، أنه يسهم لهم وإن كانوا في الحديد؛ لأنهم إنما دخلوا أولًا للقتال وغلبوا عليه فكانوا كالضال.
ومَنْ رَدَّهُ الإِمَامُ لِمَنْفَعَةِ الْجَيْشِ أُسْهِمَ لَهُ، وإِلا فَقَوْلانِ
تبع المصنف في هذا ابن بشير، والذي ذكره اللخمي والمازري أن الخلاف إنما هو فيمن تأخر عن القتال لمصلحة الحرب وذكر القولين لمالك، وأما إن تخلف لغير عذر أو لأمر لا يعود على الحرب فلا يسهم له، وتابع ابن بزيزة ابن بشير، وفيمن رده الإمام لحاجة قولان عندنا، والأصل في ذلك رده ﷺ عثمان لمرض ابنته التي كانت تحت عثمان، وهذا الخلاف إنما هو فيمن رد الحاجة المسلمين، وأما من رده الإمام لحاجة الجيش وحده، فلا خلاف أنه يسهم له. وحكى ابن شاس عن المذهب أنه لا يقسم له وهو غير معروف. أهـ.
فرع: إذا أقر الغازي بالرجوع وزعم أنه رجع مغلوبًا أو ضالًا، فإن ادعى ما له أمارة من ريح ردت مركبًا كان فيها، أو خوفًا أو غرر طريق وظهرت أمارة صدقه قبل قوله وإلا فلا، ولو أنكر التخلف فهو مدعٍ عليه الإقرار أنه من الجيش، ولا [٢٧٠/ أ] يثبت تخلفه بقول أحد ممن يشاركه في الغنيمة؛ لأنه جار لنفسه، وفي قبول قول الأمير في ذلك قولان بناء على أنه حكم بعلمه فيما تدعو الضرورة إليه فيجوز وإليه ذهب سحنون، كالعدالة أو جار لنفسه فلا يجوز وإليه ذهب ابن القاسم، وانظر قولهم هنا لا يقبل قول أحد ممن شاركه من الجيش، مع أن المشهور أن من سرق من الجيش من الغنيمة يقطع، والمتبادر إلى الذهن عكسه.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
والتَّاجِرُ والأَجِيرُ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ أَصْلًا يُسْهَمُ لَهُمَا وإِلا فَلا، إِلا أَنْ يُقَاتِلا
يحتمل أن يريد بالأصل أنها هي الأصل وتكون التجارة أو الإجارة تابعة لها، ويحتمل أن يريد ألا تكون تبعًا فيشمل صورتين إذا كانت نية الغزو هي المقصودة، وإذا كانت هي والتجارة مقصودتين، وهذا الاحتمال هو الذي تصح عليه المسألة فيجب أن يعول عليه؛ لأنه الذي نص عليه ابن القصار، وذكر المازري أنه لا يعلم فيه خلافًا أن الأجير المملوك المنافع إذا خرج لهما يسهم له قاتل أو لم يقاتل، وإن خرج بنية التجارة فقط لم يسهم له إلا أن يقاتل، وعلى هذا اقتصر المصنف بقوله: (وإِلا فَلا، إِلا أَنْ يُقَاتِلا) ونص ابن القصار على أن هذا التفصيل إنما هو في الأجير المستحق المنافع، قال: وإن كان أجيرًا على شيء بعينه كخياطة ثوب أسهم له، حضر القتال أو لم يحضر، وحكى جماعة في الأجير ثلاثة أقوال:
الأول في الموازية: يسهم له إذا شهد القتال.
الثاني: وهو المشهور ومذهب المدونة: أنه يسهم له بشرط أن يقاتل. قال في المدونة: وكذلك التاجر.
الثالث: لمالك في العتبية: لا يسهم له وإن قاتل؛ لأن خروجه لم يكن للجهاد. سحنون مفرعًا على الإسهام: وإذا أعطي سهمه بطل من أجره بقدر ما اشتغل عن الخدمة.
بعض القرويين: وليس لمن استأجره أن يأخذ منه السهمان عوضًا عما عطل من الخدمة، بخلاف أن يؤاجر نفسه في خدمة أخرى؛ لأن ذلك قريب بعضه من بعض، والسهمان ربما كثرت فكانت أكثر مما استأجره مرارًا. ابن يونس: ولأن القتال لا يشابه الخدمة؛ لأن فيه ذهاب النفس.
ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: إن الأجير إما أن يكون على منفعة عامة للجيش أو خاصة في معنى، ولكنه لا يختص ببعضهم، أو خاصة ببعضهم. فالأول: كرفع الصواري،
[ ٣ / ٤٧٠ ]
وإمساك الأحبل في البحر، وتسوية الطرق في البر. واختلف في الإسهام لهم على قولين. والثاني: كالخياطة لهم، أو عمل آلة تختص ببعضهم، وهؤلاء اختلف فيهم على قولين؛ إذا شهدوا القتال، وإن لم يقاتلوا. والثالث: كأجير الخدمة لرجل مخصوص، فهذا فيه ثلاثة أقوال ولعلها التي تقدمت.
والْمُسْتَنِدُ إِلَى الْجَيْشِ مِنْ مُفردٍ أَوْ سَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ، وإِلا فَلهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِينَ فَيُخَمَّسُ الْمُسْلِمُ دُونَ الذِّمِّيِّ، وفِي الْعَبْدِ قَوْلانِ ..
يعني: إذا خرجت سرية من الجيش أو واحد منهم وغنمت كالجيش، فما غنمه الجيش دخلت فيه السرية، وما غنمته السرية قسم عليها وعلى الجيش جميعه، لأنها بقوة الجيش غنمت. قال في التلقين: وسواء خرجت بإذن الإمام أو بغير إذنه، فإن خرجت ابتداء من البلد فالغنيمة لها خاصة، وأشار المصنف إلى الخارجة من البلد بقوله: (وإِلا فَلهُمْ) أي: وإن لم يكن جيش يستند إليه بل خرج رجل أو جماعة متلصصون فحكمهم حكم الجيش المنفرد، فإن كانوا مسلمين خمس وكان لهم أربعة أخماسه، وإن كانوا أهل ذمة ترك لهم ما غنموه ولم يخمس، وفي تخميس ما غنمه العبيد قولان. قال ابن القاسم: يخمس، وقال سحنون: لا يخمس. واختلف في الذمي والعبد إذا وجد ركازًا، فقيل: يخمس، وقيل: لا يخمس. اللخمي: واختلف فيما غنمه النساء والصبيان إذا انفردوا بالغنيمة هل يخمس أم لا، وكأنه أشار إلى تخريجه على ما انفرد العبيد به، ولم يذكر التونسي تخريجًا ولا أشار إليه، بل تردد﵀- في ذلك، قال: ولا نعلم نص خلاف أنه يخمس ما أصابوه من ركاز.
[ ٣ / ٤٧١ ]
ومَنْ مَاتَ قَبْلَ قَسْمِهَا فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ، أَمَّا لَوْ مَاتَ قَبْلَ اللِّقَاءِ فَلا يُسْهَمُ لَهُ، ولَوْ مَاتَ بَعْدَ اللِّقَاءِ وقَبْلَ الْقِتَالِ فَقَوْلانِ، وكَذَلِكَ مَوْتُ فَرَسِهِ
حاصله: أن المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن يموت بعد الفتح وقبل قسمة الغنيمة، والحكم أنه يسهم له. ابن عبد السلام: ولا أعلم في هذا خلافًا. فإن قيل: يرد هذا ما نقلوه من أنه اختلف على قولين هل تملك الغنيمة بنفس أخذها أو بالقسمة على الغانمين؟ فجوابه: إن هذا الخلاف ليس بعام، وإنما مرادهم به إدخال من لحق الجيش قبل القسمة، أو أسلم، أو أعتق، أو بلغ، أو ما أشبه وبذلك فسروه.
والقسم الثاني: أن يموت قبل اللقاء، ولا إشكال في عدم الإسهام له إن مات قبل وصول بلاد الكفر، وكذلك إن مات ببلاد الكفر على المشهور. ونقل في البيان عن ابن المجشون: أنه يستحق الإسهام بالإدراب ببلادهم إلى حين قفول العسكر.
الثالث: أن يموت بعد اللقاء وقبل القتال، وفيه قولان كما ذكر، والقول بعدم الإسهام لمالك في الموازية وبه قال سحنون، وحكى ابن حبيب عن أصحاب مالك أن مشاهدة القرية والعسكر كالقتال. ويتحصل في [٢٧٠/ ب] هذا القسم والذي قبله أربعة أقوال:
الأول لابن الماجشون: أنه يستحق الإسهام بالإدراب في أرض العدو إلى حين القول. الثاني: أنه لا يستحق إلا بلقاء العدو ومشاهدة القتال، وهو الذي في الواضحة، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى. الثالث: أنه لا يستحق بلقاء العدو ومشاهدة القتال إذا مات بعده إلا ما غنم وافتتح بقرب ذلك، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى. والرابع لسحنون: أنه لا يستحق بمشاهدة القتال إذا مات بعد ذلك إلا ما غنم وافتتح بذلك القتال خاصة، وهل يسهم لمن مات بعد غنيمة مما غنم بعد موته؟ ففي الموازية عن مالك: إذا كانت غنيمة متتابعة فله سهمه من الجميع، مثل أن يفتحوا حصنًا فيموت ثم
[ ٣ / ٤٧٢ ]
آخر على جهة الأمر الأول. أصبغ: وأما لو رجعوا قافلين ونحو ذلك من انقطاع الأمر الأول فلا شيء له، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم. وقال سحنون: مثل أن يكون حصن تحت سور أخذ ربض ثم مات ثم أخذ ربض آخر بعده، وأما ما ابتدئ قتاله من الحصون بعد موته فلا يسهم له وإن كان قريبًا.
ابن رشد: ويشبه أن يكون هذا القول هو مذهب المدونة.
ولِلْفَرَسِ سَهْمَانِ ولِلْفَارِسِ سَهْمُ كاَلرَّاجِلِ
لما في البخاري ومسلم عن ابن عمر: أنه ﷺ جعل للفرس سهمين وللفارس سهمًا. وفي أبي داود نحوه، وهذا- والله أعلم- إما لعظم مؤنة الفرس، وإما لقوة المنفعة به، ولهذا لم يسهم للبغل ونحوه. وعن ابن وهب: أنه قال للفرس سهم واحد كراكبه. وشبه المصنف الفارس بالراجل ليفيد الحكم فيه. والله أعلم.
ولا يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ كَالزُّبَيْرِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، ولا يُسْهَمُ لِلثَّالِثِ اتِّفَاقًا
حاصله: أنه يسهم للفرس الواحدة ولا يسهم للثالث اتفاقًا، واختلف في الثاني، فالمشهور أنه لا يسهم له؛ لما ورد: أن الزبير كان له فرسان يوم حنين فلم يسهم إلا لواحد. وقال ابن وهب، وابن حبيب: يسهم له، واختاره ابن الجهم. وروي في ببعض طرق حديث الزبير أنه ﷺ فعل ذلك.
وإِنْ كَانُوا فِي السُّفُنِ ومَعَ بَعْضِهِمْ خَيْلُ فَكَذَلِكَ
وجه هذا ظاهر؛ لأن المقصود بحملها معهم القتال عليها عند الحاجة إليها. قال في المدونة: وكذا إن أسر أهل العكسر رجالة وتركوا خيلهم، فإنه يسهم للفرس كما لو كان راكبه عليه، واختار اللخمي عدم الإسهام للخيل التي في السفن.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
والْبِرْذَوْنُ والْهَجِينُ والصَّغِيرُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ والْفَرِّ كَغَيْرِهِا، بِخِلافِ الإِبِلِ، والْبِغَالُ والْحَمِيرُ
ابن حبيب: البراذين: هي العظام. الباجي: يريد الجافية الخلقة العظيمة الأعضاء. وقيل: البرذون ما كان أبوه وأمه قبطيين، وإن كانت الأم قبطية والأب عربي فهو هجين، وبالعكس مقرف. وقيل بعكسه، وقال ابن حبيب: الهجين الذي أبوه عربي وأمه من البراذين.
قوله: (يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ والْفَرِّ) شرط في الإسهام، وظاهره أنه لا يشترط مع ذلك إجازة الإمام ونحوه لابن حبيب، وشرط في المدونة والموطأ في البراذين إجازة الوالي لها، وحمل الباجي والمازري قول ابن حبيب على الخلاف. وقال التلمساني: الأول أن يحمل مطلق قوله في الواضحة على مقيد قوله في المدونة.
خليل: وقد يقال بل يحمل ما في المدونة على ما في الواضحة؛ لأنه قد اشترط في الواضحة أن يقدر بها على الكر والفر، وهي إذا كانت كذلك يجيزها الإمام، لكن قوله في الجلاب: والهجين والبراذين بمنزلة الخيل إذا أجازها الوالي وكانت سراعًا خفافًا تقارب العتاق، يرد هذا. والله أعلم. وما ذكره المصنف في الصغير نص عليه ابن حبيب.
الباجي: ولو دخل بفرس صغير فكبر وصار يقاتل عليه، أسهم له من يوم بلوغه حد الانتفاع به، قاله سحنون. كما أنه يسهم للصبي إذا بلغ مما غنموه بعد بلوغه. ويسهم لإناث الخيل كذكورها، رواه ابن عبد الحكم عن مالك. وفي البخاري: قال راشد بن سعيد: كان السلف يستحبون الفحولة في الخيل؛ لأنها أجرأ وأجسر.
سحنون: وإذا دخل بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر، فهو راجل لا ينبغي للإمام أن يجيزه.
الباجي: وهذا يدل على أن على الإمام أن يتفقد أمر الخيل، فيجيز منها ما يجب ويرد منها ما لا يمكن القتال عليه. وفي الجواهر: ويسهم للضعيف؛ لأنه يرجى برؤه. وقال أشهب،
[ ٣ / ٤٧٤ ]
وابن نافع: لا يسهم له؛ لأنه لا يمكن القتال عليه الآن فأشبه الكسير، ولا يسهم للإبل والبغال والحمير.
والْمَغْصُوبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ كَغَيْرِهِ، ومِنَ الْجَيْشِ فَقَوْلانِ
يعني: إذا غصب أحد فرسًا وغزا عليه، فإن كان الفرس من الغنيمة فسهماه للغاصب؛ أي: في غنيمة أخرى، وكذلك لو كان مغصوبًا من غير الجيش. واختلف إذا غصبه من غاز، وهو مراده بقوله: (ومِنَ الْجَيْشِ) فقال ابن القاسم: سهماه لربه، وبه أخذ محمد. وقال أشهب، وسحنون: سهماه للغاصب وعليه أجرة مثل الفرس. سحنون: إلا أن يأخذه بعد انتشاب القتال فيكون لربه.
ابن عبد السلام: ومن الشيوخ من يذكر القولين في هذه المسألة [٢٧١/ أ] على الإطلاق من غير تفصيل في الفرس هل غصب من غنيمة أو من غيرها. وفي الفرس المستعار قولان؛ أحدهما: أن سهميه للمقاتل عليه، وهو لمالك في الموازية، وأحد قولي ابن القاسم. والثاني: لربه وهو أحد قولي ابن القاسم.
المازري: وسبب الخلاف أن السهمين أضيفا للفرس، فهل يقال ذلك لأجل فارسه والفرس تبع أو هما للفرس؟ فإن قدرنا ذلك مستندًا للفرس والفارس كالتبع كان السهمان للمعير، لاسيما إذا راعينا المقصود وقلنا: لم يقصد المعير إلا هبة حركة الفرس لا هبة ما نشأ عن الحركة، وإذا قدرنا أنهما للفارس جاء القول الآخر وخرج القولين في مسألة الغصب على هذا الأصل، فعلى قول من أسند السهمين للفارس يكونان للغاصب، وعلى القول بإسنادهما للفرس يكونان كغلات المغضوب، وفي ذلك خلاف يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
خليل: وعلى هذا لا يبعد أن يخرج قول بأن يكون السهمان لربها وإن لم يكن حاضرًا في الجيش.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
المازري: وأما إن قاتل على فرس حبس، فإن السهمين للمقاتل عليه، أما على أن السهمين للفارس فواضح، وأما على أنهما للفرس؛ فلأن المحبس لما حبس هذا الفرس وأخرجه عن ملكه صار قاصدًا لتسليم حركاته وما يكون عنها. قال: ولو أن عبدًا قاتل على فرس سيده، فإن قلنا: إن السهمين مستندان للفرس كان ذلك لسيده، وإن قلنا: إنهما مستندان للفارس، فهذا العبد ممن لا يسهم له، فهذه المسألة لا أعرف فيها نصًا وفيها نظر على هذين البناءين.
فرع: إذا كان الفرس بين رجلين فسهماه لمن حضر به القتال وإن كان الآخر قد ركبه في أكثر الطريق، وعلى المقاتل أجرة نصيب شريكه، فإن شهدا القتال عليه معًا، فلكل واحد مقدار ما حضر عليه من ذلك وعليه نصف الإجارة، قاله مالك في كتاب ابن سحنون.
والْغُلُولُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ ونَحْوِهِ وآلاتِ الْقِتَالِ مُحَرَّمٌ إِجْمَاعًا، وأَمَّا الطَّعَامُ فَلِكُلٍّ أَخْذُ حَاجَتِهِ
الغلول اصطلاحًا: هو الخيانة من المغنم. واختلف اللغويون هل هو مقصور على الخيانة من المغنم وهو مذهب أبي عبيد، أو عام في كل خيانة وعليه الأكثر. وهذا فيما فعله ثلاثي وهو: غل يغل بضم الغين في المضارع، وأما الرباعي وهو: غَلَّ يَغُلُّ فهو الخيانة على الإطلاق. ابن قتيبة: وسمي بذلك لأن من أخذه كان يغله في متاعه؛ أي: يدخله. ونقل المصنف، وسحنون، وابن حبيب وغيرهم: ويؤدب الغال ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه، وإن جاء تائبًا أخذ منه ولم ينكل؛ لأن التعازير تسقط بالتوبة.
وقال مالك في العتبية: ما سمعت فيه شيئًا، ولو أدب لكان لذلك أهلًا. وحمل في البيان ما قاله ابن القاسم وغيره من السقوط على أنه تاب قبل القسم ورد ما غل في المغانم، وأما لو تاب بعد القسم لما سقط عنه الأدب عند جميعهم. واختلف هل يجوز أخذ ما قل؟ فقال في المدونة في جلود البقر تكون في المغانم: لا بأس أن يتخذ منها نعال وخفاف إذا احتيج
[ ٣ / ٤٧٦ ]
إليها. وقال ابن نافع: لا يجوز فيما له ثمن وإن احتاجوا إليها. وقول المصنف: (فِي غَيْرِ الطَّعَامِ) يوهم أنه في الطعام أيضًا غلول وليس كذلك، فإن ما يأخذه المجاهد من الطعام المحتاج إليه مباح، سواء أخذه خفية أو ظاهرًا، وربما ندب الأخذ للتقوي على العدو، ولهذا قال: وأما في الطعام فلكُلٍّ أَخْذُ حاجته، يريد بغير إذن الإمام، والأصل في هذا ما في الصحيحين عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر فقلت لا أعطي منه شيئًا، فالتفت فإذا برسول الله ﷺ يتبسم. فأقره ﷺ على أخذه. وفي البخاري عن ابن عمر: كنا نصيب في مغازين العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه.
وفِي أَخْذِ الأَنْعَامِ الْحَيَّةِ لِلذَّبْحِ قَوْلانِ، ثُمَّ يَرُدُّ مَا فَضَلَ
القول بالجواز هو المعروف ذكره في المدونة، والموطأ وغيرهما. والقول الآخر لم أره معزوًا. وإذا أخذ الأنعام للحاجة، فله أخذ جلدها إن احتاج إليه وإلا رده للمغانم.
وفِي السِّلاحِ ونَحْوِهِ بِنِيَّةِ الرَّدِّ لِلْقَسْمِ قَوْلانِ، وكَذَلِكَ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ أَوْ دَابَّةٌ يَرْكَبُهَا إِلَى بَلَدِهِ
احترز بنية الرد مما لو أخذها بنية التملك، فإن ذلك لا يجوز باتفاق، ونقله ابن بشير، والقولان في المدونة ففيها: وللرجل أن يأخذ من الغنم سلاحًا يقاتل به ويرده، أو دابة للقتال أو ليركبها لبلده إن احتاجها ويردها إلى الغنيمة، فإن كانت قد قسمت باعها وتصدق بالثمن، والسلاح كذلك، وكذلك ما يحتاج إلى لبسه من ثياب، وروى علي، وابن وهب أن مالكًا قال: لا ينتفع بدابة ولا سلاح ولا ثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين ويشتري به هذا، واختلف الشيوخ في هذا الإلزام؛ فالتزم التونسي جواز أخذ العين ليشتري بها هذه الأشياء على القول الأول إذا دعت إلى ذلك ضرورة، وفرق صاحب النكت بأن الشراء زيادة تصرف فيما أذن فيه، ولا يلزم من جواز التصرف في شيء على وجه أن يلزم [٢٧١/ ب] على سائر الوجوه، وهذا هو الظاهر، ولو كان أخذ
[ ٣ / ٤٧٧ ]
العين جائزًا لما كان لإلزام مالك معنى. نعم ذكر ابن سحنون عن بعض أصحابنا جواز أخذ الطعام وبيعه ليتوصل به إلى ما يباح له أخذه، ورأى في البيان أن القولين اللذين في المدونة إنما هما فيما عدا الانتفاع بالخيل والسلاح في معمعة الحرب، وإنما اختلفوا: هل له أن يمسكها بعد الحرب ويقفل على الخيل أم لا؟
وقول المصنف: (وكَذَلِكَ ثَوْبُ يَلْبَسُهُ) أي: ففيه القولان، ولو جمع المصنف الجميع لكان أخصر، واختار اللخمي الجواز في الفرس والسلاح دون الثوب.
ويَجِبُ الرَّدُّ لِلْجَيْشِ إِلا فِي الْيَسِيرِ
يعني: أن ما فضل للمجاهد مما أبيح له أخذه إن كان كثيرًا رده للجيش إن أمكن، وإن كان يسيرًا جاز له أكله؛ لأنه إنما أبيح للحاجة والزائد غير محتاج إليه، ولوحظ في اليسير أن قدر الحاجةلما لم يكن منضبطًا بقدر معلوم بل يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة صار داخلًا فيما دعت الحاجة إليه.
مالك: وإذا أخذ طعامًا ثم استغنى عنه فليعطه لأصحابه بغير بيع ولا قرض وما حد اليسير؟ ابن القاسم: له حبس ما لا ثمن له وما ثمنه الدرهم وشبهه. ابن شعبان: وما ساوى نصف دينار فيرد إلى المغنم.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَكَالْمَجْهُولِ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: فإن لم يمكن رد الكثير، فالمشهور أنه يتصدق به كالمال الذي جهلت أربابه كاللقطة إذا مضى لها عام ولم يعلم لها مالك فإن قلت: يلزم من تشبيه المصنف تشبيه الشيء بنفسه، إذ هو بعد افتراق الجيش ولم تعلم أعيان المقاتلين كمال جهلت أربابه، قيل: لا؛ لأن الخمس هنا لبيت المال وهو معلوم، لكنه كالتابع لما ليس بمعلوم، ومقابل المشهور لابن المواز: أنه يتصدق به حتى يبقى اليسير فيجوز له أكله، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف واستبعد؛ لأن اليسير يغتفر في نفسه ولا يغتفر مع غيره.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
وإِنْ أَوْصَى بِهِ ولَمْ يُعْلَمْ تَحَقُّقُهُ فَمِنَ الثُّلُثِ
هذا الكلام ذكروه في الغلول، ومفهومه: أنه لو تحقق لكان من رأس المال، والذي نص عليه ابن القاسم وغيره هنا: إنما يكون من رأس المال إذا كان قريبًا ولم يفترق الجيش، وأما إذا تطاول في الثلث؛ وكأن المصنف رأى أن مع القرب وعدم افتراق الجيش يعلم صدقه، ومع البعد لا يعلم صدقه.
خليل: والأظهر ما يؤخذ من كلام المصنف، وأنه إذا علم تحققه يخرج من رأس المال ولو طال؛ لأن الوارث حينئذ لا حق له فيه، لاسيما إذا كانت عينه قائمة.
ولَوْ أَقْرَضَهُ لِمِثْلِهِ لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ إِلَيْهِ
لأنه إنما أبيح له من الطعام ما هو محتاج إليه، وما أقرضه لغيره صار في معنى المستغنى عنه، وصار قابضه هو المحتاج إليه. اللخمي: وإذا لم يلزم المستقرض رد المثل لم يلزم المشتري رد الثمن. ابن عبد السلام: والكلام في هذا الفصل يشبه الكلام في طعام الضيف، وأنه كما يقالك لا يستحق إلا بالأكل لا بوضعه بين أيديهم.
خليل: وما ذكره من أن طعام الضيف إنما يملكه بالأكل ذكره في البيان في باب الأيمان والنذور؛ لأنه قال فيمن دعاه أصحابه ليأكل معهم: لو أراد كلما قطع لقمة ورفعها إلى فيه أن يجعلها في كمه ويذهب بها إلى بيته أو يطمعها لغيره، لم يكن ذلك له إذا لم يأذن فيه أصحابه.
وتَمْضِي الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ فِيهِ، كَلَحْمٍ بِعَسَلٍ أَوْ سَمْنٍ ونَحْوِهِ
يعني: إذا حصل لأحد من أهل الجيش عسل ولآخر لحم مثلًا فلكل واحد أن يعاوض صاحبه، ولا إشكال أن لكل واحد أن يمنع صاحبه مما بيده إذا كان محتاجًا إليه حتى يبادله، وانظر لو قبض العوض وامتنع من دفع المعوض، وقياس قولهم لا يجب رد المثل في القرض عدم جبره على دفع العوض، وأجاز سحنون هنا بدل القمح بالشعير
[ ٣ / ٤٧٩ ]
متفاضلًا، ومنعه ابن أبي الغمر إلا متساويًا. اللخمي: والأول أقسيس؛ لأن كل واحد منهما إنما يعطي ما استغنى عنه فللآخر أن يأخذه بغير عوض، وأشار بعضهم إلى التفرقة قال: إن وقعت المبادلةفيما يستغني كل واحد منهما عنه، فهذا لا يضر فيه التأخير؛ لأن كل واحد من الآخذ والدافع يجب عليه أن يعطيه لمن احتاج إليه، وإن وقعت المبادلة فيما يحتاجان إليه لكن حاجة كل واحد إلى ما في يد صاحبه أشد من حاجته إلى ما في يده، فهذا تجب فيه المناجزة؛ لأن كل واحد قد ملك ما في يده، ولعل الخلاف هنا كالخلاف في الربا بين العبد وسيده. اللخمي: واختلف فيمن باع طعامًا واشترى بثمنه طعامًا آخر، فكرهه ابن حبيب ورأى الثمن مغنمًا بخلاف المبادلة.
سحنون: وقال بعض أصحابنا إن باعه لحاجة ليصرف ثمنه في كسوة أو سلاح ولا شيء عنده، لا بأس به كما لو أخذه من المغنم، فإذا بلغ بلاده تصدق به، وإن باعه ليتبادل به كان ثمنه مغنمًا.
فرع: اختلف إذا جهل المستقرض أو توهم أن الرد يلزمه فقضاه من طعام بملكه، فقيل: يرجع بما دفع إن كان قائمًا، وإن فاته المدفوع إليه فلا شيء عليه، كمن عوض من صدقة فظن أن ذلك يلزمه فإنما يرجع مع عدم الفوات وإن فات فلا؛ لأنه سلط المدفوع إليه، وقال بعض القرويين: يرجع مطلقًا؛ لأنه إنما [٢٧٢/ أ] دفع العوض في الغنيمة للشرط. ابن يونس: والأول هو الصواب.
ومَنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَثَمَنُهُ لِلْغَنِيمَةِ
تصوره ظاهر. وفي العتبية عن ابن القاسم فيمن باع طعامًا بأرض الحرب ممن يأكله رد الثمن في المغنم لا على المبتاع، وحمل اللخمي ذلك على أنه باعه من غير الجيش، أو ممن خرج لغير الجهاد من أجير أو تاجر، قال: ولو باعه من بعض الجيش ليأكله رد الثمن على المبتاع.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
وَأَمَّا مَنْ نَحَتَ سَرْجًا أَوْ بَرَى سَهْمًا فَهُوَ لَهُ ولا يُخْمَّسُ
في المدونة، مالك: ومن نحت سرجًا أو برى سهمًا أو صنع مشجبًا ببلد العدو فهو له ولا يخمس. سحنون: معناه إذا كان يسيرًا. اللخمي: وقال ابن الماجشون: إن كان له قدر أخذ إجارة ما عمل والباقي يصير فيئًا. قال ابن يونس: وكذلك في الموازية. وحمل صاحب البيان قول سحنون على الخلاف؛ لأنه قال: وقد اختلف فيه إذا كان كثيرًا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه له وله بيعه. والثاني: أنه يأخذ إجارة ما عمل والباقي فيء، وهذان القولان في المدونة، ولا يكونان فيها إلا إذا كان كلام سحنون خلافًا. والثالث: أن جمعية فيء ولا أجرة له في عمله، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، وأما اليسير فلا اختلاف أنه له ولا شيء عليه فيه، وهذا الاختلاف إنما هو فيا عمل مما لا ثمن له أو مما له ثمن، على مذهب من يرى أن للرجل أن يأخذ من أرض العدو ما لم يحوزوه إلى بيوتهم من أشيائهم المباحة، مثل المسن والدواء من الشجر والطير للاصطياد إذا صادها، وهو قول ابن وهب، وابن عبد الحكم. وأما على مذهب من يرى أنه ليس له أن يأخذ شيئًا من ذلك إذا كانله ثمن، وأن ما صاده للأكل حكمه حكم طعام الغنيمة، وأن من باع منه شيئًا جعل ثمنه في المقاسم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وعزاه إلى مالك وأصحابه، فيتخرج على قولين: أحدهما: أنه يرد في المقاسم ولا أجرة له. والثاني: أن يكون له أجر مثله والباقي فيء. انتهى.
وذكر الباجيأن على قول ابن حبيب جمهور الأصحاب؛ لأنه قال: أما ما له قيمة بأرض العدو كالبازي والصقر، فجمهور أصحابنا أنه يكون مغنمًا، وحكاه ابن حبيب عن مالك، قال: وأما ما ليس له ببلد العدو إلا قيمة يسيرة، فروى أشهب عن مالك أنه قيل له: إن بأرض العدو أشجارًا لها ثمن كثير ببلاد الإسلام وحملها خفيف وشأنها ببلد العدو يسير. قال: لا بأس بأخذ هذا وإن أخذه للبيع، ولو جاء به إلى صاحب المغانم لم
[ ٣ / ٤٨١ ]
يقبله ولم يقسمه. وروى ابن حبيب عن ابن القاسمأن ما أكل من صيد أو حيتان فهو له، وما باعه كان ثمنه فيئًا، وكذلك ما حمله إلى أهله فباعه إلا اليسير.
والشَّانُ قَسْمُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا
هكذا قال في المدونة، والمراد بالشأن السنة الماضية، وقال أبو الحسن: الشأن يحتمل أن يريد به العمل، ويحتمل أن يريد به الوجه ولاصةواب؛ وهذا ما لم يعرض مانع كخوف من العدو.
وفي القسم بدار الحرب فوائد؛ منها: تغييظ الكفار. ومنها: تعجيل الفرحة للمسلمين. ومنها: زيادة الحفظ؛ لأنه إذا عرف كل واحد ماله احتفظ عليع. ومنها الرفق بهم في تفرقتهم إلى بلادهم وترك رجوعهم إلىبلدواحد؛ ولهذا قال ابن حبيب: لا ينبغي للإمام أن يبيع شيئًا من متاع الغنيمة الذي لا ينقسم إلا بالنقد.
وفي قوله: (وهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا) جواب عن سؤال مقدر؛ لأن بعض العلماء ممن اختار قسمها ببلد الإسلام زعم أن في قسمها ببلد الحرب تضييع الأموال؛ لأنها تباع هناك رخيصة، فقال الإمام: هم أحق برخصها؛ أي: لأن ذلك الرخص راجع إليهم لأنهم هم المشترون لها. وهل تقسم الأثمان أو العروض؟ قال سحنون: إن الإمام يبيع ويقسم الأثمان، فإن لم يجد من يشتري قسم العروض خمسة أجزاء بالقرعة.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قوله: (وهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا) وقال ابن المواز: تقسم السلع أولًا على خمسة أجزاء فيعطى للفيء واحد بالقرعة، ويخير الإمام في بيع البقية وقسم أثمانها وفي قسمتها من غير بيع بحسب ما تقتضيه المصلحة. اللخمي، وابن يونس: واختلف في السلع، فقيل: تجمع في القسم ابتداءً، وقيل: إن حمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع وهذا أحسن وأقل غررًا. وهل تلحق السرية بالجيش في القسم ببلد الحرب؟ أما إن خرجت من بلد الإسلام فحكمها كالجيش، وأما إن خرجت من الجيش فلا تقسم
[ ٣ / ٤٨٢ ]
حتى تعود إليه. ابن المواز: وهو قول أصحابنا إلا ابن الماجشون فإنه قال: إلا أن يخشى من تلك السرية مضرة تضييع، وطرح أثقال، وقلة طاعة والي السرية فتباع الغنيمة ويلزم كل واحد فقط حفظ متاعه وهو استحسان؛ لأنه لا يبيع على الغائب ولا يقسم عليه إلا من يلي أمره، ووالي السرية لا يلي على بقية الجيش.
وإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَبْلَ الْقَسْمِ، فَإِنْ عُلِمَ رَبُّهُ بِعَيْنِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا رُدَّ مَجَّانًا، وإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ قُسِمِ ولَمْ يُوقَفْ، بِخِلافِ اللُّقَطَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ
(ثَبَتَ) أي: بطريقة الشرع. المازري: ويحلف أنه ما باع ولا وهب، ونص البرقي وأبو عبيد على عدم قسمه إذا عرف ذلك واحد من العسكر، قالا: وإن وجد أحمال متاع وعليها مكتوب: هذا لفلان بن فلان وعرف البلد الذي اشتري منه كالكتان بمصر وشبهه، لم يجز قسمه ووقف حتى يبعث إلى ذلك البلد ويكشف [٢٧٢/ ب] عمن اسمه عليه، فإن وجد من يعرفه وإلا قسم. اللخمي: وظاهر قول مالك، وابن القاسم قسم ما علم بلده، وقسم ابن بشير المسألة على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم ربه بعينه فلا يقسم.
والثاني: أن يعلم أنه لمسلم في الجملة.
والثالث: يعرف بلده وناحيته دون عينه، وذكر في كل واحد منها قولين، ومال الذمي كالمسلم لاشتراكهما معًا في العصمة، ثم إذا عرف ربه وكان حاضرًا ولم يقسم دفع إليه مجاانًا- أي: بغير عوض- وإن كان غائبًا، فقال محمد: إن كان حمله خيرًا لربه فعل ذلك وأخذ منه الكراء، وإن لم يكن حمله أوفق بيع وينفذ الإمام فيه البيع ولا يكون لربه غير الثمن.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
وقوله: (وإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ) أي: وإن عرف أنه لمسلم أو لذمي ولكن لم يعرف بعينه، فالمشهور أنه يقسم تغليبًا لحق المجاهدين. وقال ابن المواز، وعبد الوهاب: يوقف. ابن عبد السلام: لكن مذهب ابن المواز يوقف ما رجي العلم بصاحبه، وظاهر كلام القاضي وقفة مطلقًا.
تنبيهات:
الأول: ابن عبد السلام: قول المصنف (ثبت) وشرط الثبوت مع العلم بعين المالك مخالف لعبارة أهل المذهب في هذه المسألة، وهي قولهم: فإن عرف ربه؛ لأن لفظ الثبوت إنما يستعملونه فيما هو سبب للاستحقاق كالشاهدين وما يقوم مقامهما، ولفظ المعرفة والاعتراف وشبههما يستعملونه فيما هو دون ذلك، أو فيما يشمل البينة، أو ما دونها. وفي كلام أبي عبيد والبرقي: المتقدم دليل على ذلك، ومنه استعمال لفظ المعرفة في اللقطة ومعرفة العفاص والوكاء.
والثاني: قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى ما قاله ابن راشد، والفرق على المشهور بين اللقطة وما لم يعرف ربه ينبني على قاعدة، وهي: أن المشركين إذا غنموا شيئًا من أموال المسلمين على سبيل القهر، هل يبقى له فيه شبهة الملك، وإذا أسلموا تقرر ملكهم عليه؟ وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة؛ لأن القهر والغلبة وجه يملك به المسلم مال المشرك، فجاز أن يملك به المشرك، كالبيع والصلح؛ ولأنهم لو أتلفوا شيئًا مما حصل في أيديهم ثم أسلموا لا يطالبون بذلك بالإجماع، ولولا الشبهة لغرموا، وخالفنا الشافعي فنفى الشبهة، ولعل نفى الغرامة عنه في الاستهلاك لاستئلافهم على الإسلام، وإذا تقررت هذه القاعدة ظهر لك الفرق؛ لأن الغانمين تنزلوا منزلة من له شبهة الملك، واللقطة لا حق فيها للملتقط.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وبِيعَتْ خِدْمَةُ الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ، والْمُدَبَّرِ، والْمُكَاتَبِ، بِخِلافِ أُمِّ الْوَلَدِ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ
يعني: إذا فرغنا على المشهور في بيع مال المسلم إذا لم يعلم مالكه بعينه، فكان من مال المسلم معتق إلى أجل، أو مدبر، أو مكاتب، أو أم ولد، فإنه تباع خدمة المدبر والمعتق إلى أجل؛ لأن خدمتهما ملك لسيدهما، ولا تباع خدمة المكاتب وأم الولد؛ أما المكاتب: فلأنه أحرز نفسه وماله فلم يبق لسيده فيه إلا الكتابة. وأما أم الولد؛ أما المكاتب: فلأنه أحرز نفسه وماله فلم يبق لسيده فيه إلا الكتابة. وأما أم الولد: فإنما لسيدها فيها استمتاع، وهو مما لا يقبل المعاوضة؛ ولا إشكال في بيع خدمة المعتق إلى أجل لانضباطها، وكذلك بيع كتابة المكاتب، ثم إن أدى الكتابة أعتق وكان ولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق لمشتريها. وأما المدبر: فقال سحنون كالمصنف: إنه لا يدخل من المدبر في المغانم إلا خدمته.
ابن أبي زيد: يريد يؤاجر بمقدار قيمة رقبته، فتجعل تلك القيمة في المقاسم ويتصدق بذلك إن تفرق الجيش. قال ابن عبد السلام: ظاهر كلام المصنف أنه يباع جميع خدمة المدبر وليس بصحيح؛ لأنها محدودة بحياة السيد وهي غير معلومة الغاية، وإنما ينبغي أن يؤاجر زمنًا محدودًا بما يظن حياة السيد إليه، ولا يزاد على الغاية التي تذكر في كتاب الإجارة، ثم إن عاش المدبر وسيده بعد تلك المدة تكون الخدمة الزائدة كاللقطة لافتراق الجيش وعدم العلم بأعيان من يستحقها.
ولَوْ جَهِلَ الْوَالِي أَوْ تَأَوَّلَ فَقَسَمَ مَا وَجَبَ لِمَالِكِهِ، فَثَالِثُهَا: يَمْضِي التَّأويلُ
يعني: فلو قسم الوالي مال المسلم المعين، وهو معنى قوله: (مَا وَجَبَ لِمَالِكِهِ) إما جاهلًا بالحكم، أو متأولًا في الأخذ بقول بعض العلماء، فقال سحنون: يمضي؛ لأنه حكم وافق اختلافًا بين الناس، لأن الأوزاعي قال: لا يأخذه ربه إلا بالثمن لو عرف بعينه، وعدم الإمضاء لابن القاسم وابن حبيب ويأخذه ربه بغير ثمن.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
والثالث: لم أره، وذكر ابن عبد السلام: أنه مختار الأشياخ، ولم يسقه ابن بشير على أنه خلاف، بل قال بعد القولين: وهذا في التأويل ظاهر؛ لأنه حكم بما اختلف الناس فيه، ونقضه هو المشكل إلا أن يتأول على أنه لم يتأول موافقة الخلاف، وإنما تأول القسم من غير أن يعرف كون ذلك مذهبًا لأحد. وأما إذا جهل فقد اعترض الأشياخ القول بمضيه؛ لأن الجاهل لا يعذر بموافقته للمذهب.
فَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ إِنْ عُلِمَ، وإِلا فَبِقِيمَتِهِ
هذا قسيم قوله: (قبل القسم) يعني: وإن ثبت أنه مال مسلم معين بعد القسم، فلمالكه أخذه إن شاء بثمنه؛ أي: بالقدر الذي قوم به في الغنيمة. قال صاحب الاستذكار، وغيره: وسواء دخله زيادة أو نقص، كما لو عمي أو تعيب بغير ذلك؛ لأنه [٢٧٣/ أ] إنما يستحقه بسبب قديم كالشفعة. قال في المدونة: وإن أراد به أخذه لم يكن لمن هو في يده أن يأبى ذلك. قال في البيان: ولا خلاف في المذهب أن لرب السلعة أن يأخذها إن شاء، وإن لم يعلم ذلك القدر أو يشتره أخذه بالقيمة.
ابن راشد: وتكون القيمة يوم القسم. خليل: وهو مقتضى كلامهم. وقال ابن عبد السلام: يريد- والله أعلم- بقيمته يوم أخذه، ويحتمل بقيمته يوم القسم.
وَلَوْ بِيعَ مِرَارًا فَفِي تَعَيينِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ أَوْ يُتَخَيَّرُ كَالشَّفِيعِ قَوْلانِ
القولان لسحنون: قال أولًا: إذا تداولته الأملاك أخذه بأي ثمن شاء، ثم رجع فقال: يأخذه بما وقع في المقاسم بخلاف الشفعة، إذ لو سلم الشفعة في بيع ثم بيع الشقص كان للشفيع فيه الشفعة، وهذا إذا أسلمه لم يكن له أخذه إن بيع بعد ذلك، وهو قول ابن القاسم، رواه عنه سحنون في العتبية واحتج بهذا، وصرح ابن راشد بمشهورية تعيين الثمن الأول. وخرج اللخمي وصاحب البيان في هذه المسألة قولًا ثالثًا مما وقع في الذي يشتري عبدًا من بلد الحرب ثم يقدم فيبيعه، أنه لا يكون لصاحبه إلا ما بين الثمنين وفيه نظر.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
وإِذَا قُسِمَتْ أُمُّ الْوَلَدِ جَهْلًا؛ فَفِيهَا: يَفْدِيهَا رَبُّهَا بِالثَّمَن جَبْرًا. وقِيلَ: بِالأَقَلِّ. وقِيلَ: بِقِيمَتِهَا. وقِيلَ: أَوْ الإمَام. وفِي الْمُوَطَّأِ: يَفْدِيهَا رَبُّها إِنِ امْتَنَعَ الإِمَامُ، ويَتبعُ ذِمَّتَهُ إِنْ كَانَ فَقِيرًا
قوله: (جَهْلًا) أي: بأنها أم ولد، وظن أنها فن لا أنه قسمها وهو يعلم أنها أم ولد وجهل الحكم، فإن هذه يأخذها ربها بغير ثمن اتفاقًا. وأما الوجه الأول، فمذهب المدونة: أنه يفديها ربها بالثمن جبرًا؛ أي: بما وقعت عليه في المقاسم وإن كان ذلك أضعاف قيمتها ولا خيار له، وهو معنى قوله: (جَبْرًا) وأحسن منه إجبارًا؛ لأن أكثر استعمال العرب الفعل في هذا الباب رباعي، وقال المغيرة، وأشهب: يفديها بالأقل من القيمة والثمن وهو أظهر؛ لأنه قد يزيد في الثمن لغرضه فلا يلزم ذلك ربها، وفي إلزامه القيمة إذا كانت أكثر من الثمن ضرر بالسيد.
وقوله: (وقِيلَ: بِقِيمَتِهَا) ظاهره: ولو زادت على الثمن ولم أره. وقوله: (أَوْ الإمَام) هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها إسقاطه ولا كلام على الإسقاط. وأما على إثباتها فالأولى لو قال: وقيل: الإمام؛ لأن ابن بشير وغيره ذكر قولًا بأنه يفديها الإمام. وفي الموطأ: يفديها الإمام، فإن لم يفعل فعلى سيدها أن يفديها، وهذا معنى قوله: (وفِي الْمُوَطَّأِ: يَفْدِيهَا رَبُّها إِنِ امْتَنَعَ الإِمَامُ) ولم يصرح في الموطأ بماذا تفدى، وكأنه رأى في الموطأ أن سيدها لما كان مجبرًا على افتكاكها والإمام أدخله فيها كان على الإمام أن يغرم ذلك. قوله: (ويَتبعُ ذِمَّتَهُ إِنْ كَانَ فَقِيرًا) يعني: حيث خاطبنا السيد بالفداء، فإن كان موسرًا أخذ منه، وإن كان معسرًا أتبع به.
فَلَوْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ بِهَا لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ بِشَيْء
لأن الفداء ليس بدين ثابت في ذمة السيد، وإنما هو لتخليص رقبتها، فإذا ماتت فقد تخلصت رقبتها، وكذلك إن مات سيدها لأنها تصير حرة، فلذلك لم يكن على السيد في
[ ٣ / ٤٨٧ ]
موتها ولا في تركته شيء إن مات، وهذا الفرع لسحنون. ونقله صاحب النوادر، واللخمي، وابن يونس، كما نقله المصنف؛ أعني: في جعل الغاية العلم بها، فقول ابن عبد السلام: ولم يجعل سحنون الغاية كالمصنف بل جعلها الحكم ليس بظاهر، نعم نقل الباجي عن سحنون مثل ما ذكره.
فَإِنْ قُسِمَ الْمُعْتَقُ إِلَى أَجَلٍ خُيِّرَ السَّيِّدُ، فَإِنْ فَدَاهُ رَجَعَ إِلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ إِسْلامًا لِخِدْمَتِهِ فَقَطْ إِلَى أَجَلِهِ فَقَطْ. وقِيلَ: إِلا أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ إِلَى السَّيِّدِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءُ فَفِي اتِّبَاعِ الْعَبْدِ بِهِ قَوْلانِ
لا خفاء أنه لو علم أنه معتق إلى أجل وعرف سيده أنه يوقف له، وإن لم يعرف بيعت خدمته ودخلت في المقاسم على المشهور كما تقدم. وأما إن لم يعلم أنه معتق إلى أجل وقسم ثم عرف صاحبه بعد ذلك، فإنه يخير سيده بين أن يفديه بما وقع به في المقاسم أو يسلمه؛ فإن فداه رجع إلى حاله، وإن أسلمه قال المصنف: (كَانَ إِسْلامًا لِخِدْمَتِهِ فَقَطْ وقِيلَ: إِلا أَنْ يَسْتَوْفِيَ) حاصله: أنه هل يسلم الخدمة تمليكًا أو على التقاضي، والقول بالتمليك نقله في النوادر عن ابن القاسم، ولفظه: والمعتق إلى أجل حين أسلمه صارت خدمته وإن كثرت للمبتاع حتى يحل الأجل ويعتق، فإن بقي له شيء أتبع به، قال: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في المعتق إلى أجل يتم الأجل ولم يستوف المشتري من الخدمة ما بقي له، أنه لا يتبعه بشيء وهذا هو الصواب، ورجوع منه عن قوله الأول. انتهى.
والقول بأنه إنما يأخذ القيمة على التقاضي، وأنه يرجع إلى السيد إن بقي من الأجل شيء، نقله ابن يونس عن سحنون، وإن تم الأجل ولم يوف عتق ولم يتبع بشيء. وقد ذكر اللخمي أيضًا الخلاف في الخدمة هل تعطى تمليكًا، أو على التقاضي؟ وهل يتبع إذا أعتق بما بقي أم لا؟ كما ذكر المصنف. وقول ابن عبد السلام: الموجود هنا هو قول سحنون ليس بظاهر.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
وكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الاسْتِيفَاءِ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ حُرًّا، وفِي اتِّبَاعِهِ بِبَاقِي الثَّمَنِ قَوْلانِ، ويُقَوِّمُ عَبْدًا مِنْ مَالِهِ، ولِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ عُتِقَ ثُلُثُهُ ورَقَّ [٢٧٣/ أ] بَاقِيهِ ولا قَوْلَ لِلْوَرَثَةِ بِخِلافِ الْجِنَايَةِ، وقِيلَ: يُخَيَّرُونَ كَالْجِنَايَةِ ..
يعني: إذا قسم المدبر ولم يعلم أنه مدبر، فإن فداه سيده رجع إلى حاله، وإن أسلمه فكما تقدم في المعتق، فإن مات سيد المدبر فإما أن يخرج من ثلثه أو لا، فإن خرج حكم بحريته. وهل يتبع بام بقي عليه مما وقع به في المقاسم؟ ذكر في المدونة في باب المدبر قولين: مذهب ابن القاسم اتباعه، وقال غيره: لا يتبع. وعن ابن الماجشون ثالث بالفرق بين المدبر يقع في المقاسم فلا يتبع، وبين المشتري من دار الحرب فيتبع، واستصوبه محمد.
خليل: وينبغي أن يقيد قول من قال بعدم الاتباع هنا، وفي المعتق إلى أجل بما إذا لم يكتماه، وأما إن كتماه فيرجع عليهما لغرورهما، وإن لم يخرج عتق منه محمل الثلث، وهل يتبع الجزء العتيق بما ينويه؟ القولان، وأما الجزء الذي لم يعتق، فقال ابن القاسم: يسلم رقًا لمن هو في يده، ولا يخير الورثة في إسلامه وفدائه بما ينوبه، كما يخيرون في ذلك في الجناية إذا جنى المدبر وأسلمه سيده للمجني عليه ثم يعتق بعضه، وقيل: يخيرون كالجناية، والفرق بينهما على المشهور أن المشتري في المغانم إنما اشترى الرقبة، فالسيد لما أسلمه فقد أسلم ما اشترى- وهو الرقبة- وقد آل الأمر إليها فلا رجوع، بخلاف الجناية فإن المجني عليه لم يدخل إلا على الخدمة، فإذا آل الأمر إلى الرقبة فهي شيء آخر، وفيه نظر؛ لأنه مبني على أن السيد في الغنيمة أسلم الرقبة وليس كذلك، وإنما أسلم الخدمة، إلا أن يلاحظ كونه دخل ابتداءعلى ملك الرقبة.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وَإِنْ قُسِمَ الْمُكَاتَبُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَدَّى مَا اشْتُرِىَ بِهِ عَادَ مُكَاتَبًا لِسَيِّدِهِ، وإِنْ عَجَزَ فَكَعَبْدٍ أَسْلَمَ أَوْ فُدِي كَالْجِنَايَةِ. وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنْ أَسْلَمَهُ السَّيِّدُ فَعَلَى كِتَابَتِهِ
يريد: ولم يعلم أنه مكاتب، فقال ابن القاسم: يقال له: أد ما اشتراك به هذا، كما يقال له: أد الجناية، فإن أداه رجع مكاتبًا، وإن عجز كان ذلك عجزًا عن الكتابة كما في الجناية أيضًا. ويخير سيده بين أن يسلمه عبدًا أو يفديه. ورجع سحنون إلى هذا القول بعد أن قال: يخير السيد أولًا بين أن يفديه أو يسلمه، فإن فداه بقي له مكاتبًا، وإن أسلمه قيل للمكاتب: أد ما صرت به لمن أنت في يده وتمضي على كتابتك، فإن عجز عن ذلك، فهو كماكتب عليه دين فلس به فإنه يعجز.
قوله: (وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) يعني: أن المكاتب الذي قد قسم يخير سيده في فدائه وإسلامه، فإن فداه بقي على كتابته، وإن أسلمه لم يلزم المكاتب غير كتابته فقط، يؤديها على نجومها، ويخرج حرًا ولا يتبع بشيء، فإن عجز رق لمشتريه، ولم يكن لسيده فيه خيار ولا رجعة، وترك المصنف من قول عبد الملك: ولا يتبع بشيء إذا خرج حرًا، وإن عجز رق لمشتريه ولم يكن لسيده فيه خيار ولا رجعة، وهذا مخالف لما حكيناه عن سحنون؛ لأنه على قول عبد الملك: إذا أسلمه لا يلزمه غير الكتابة، وعلى قول سحنون يقال له: أدِّ ما صرت به. قال عبد الملك: وأما إن اشترى المكاتب من العدو ولم يفده سيده، فإنه يقال للمكاتب: أد لمشتريك الثمن الذي اشتراك به وتبقى على كتابتك تؤديها إلى سيدك وتخرج حرًا، وإن لم تفعل رققت الساعة لمشتريك، وهذه الأقاويل حيث لم يؤد المكاتب لمن وقع له شيئًا، وأما إن أتى سيده وقد أدى بعضها وأراد افتكاكه، فاختلف الشيوخ؛ فمنهم من قال: يكون كبيع قد فات، فإن كان قد قبض نصف الكتابة أو ثلثها- يريد بالقيمة لا بالعدد- مضى لمن هو في يده ما قبض، وأخذ سيد المكاتب ما بقي بنصف الثمن أو ثلثه.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
ومنهم من قال: هو كبيع لم يفت، فإذا شاء سيده افتكاكه دفع لمن هو في يده جميع ثمنه وأخذ ما كان قبض من المكاتب.
ومَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ أَوْ غَيْرُهَا، وعَلِمَ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُخَيَّرَ صَاحِبُهَا
قوله: (أَوْ غَيْرُهَا) يريد من سائر السلع، وكذلك قال في المدونة. قوله: (لِمُسْلِمٍ) يريد أو ذمي كما تقدم، وإنما لم تحل؛ لأنها مملوكة للغير وانتقالها عن ملكه موهم، لاسيما في الفرج، وعلى القول بأن العلم بربها لا يمنع من قسمتها إذا كان غائبًا يجوز له التصرف هنا.
وإِذَا تُصُرِّفَ فِي الرَّقِيقِ بِالْعِتْقِ الْمُنْجَزِ أَوِ الاسْتِيلادِ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أُعْتِقَ إِلَى أَجَلٍ فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ عَلَيْهِ
يعني: أن من وقع في سهمه عبد أو أمة أو اشتراهما من حربي، فأعتق العبد عتقًا ناجزًا، أو استولد الأمة، فالمشهور أنه فوت ولا شيء للسيد، قاله في المدونة.
وفي الموازية عن أشهب: أن له نقض عتق العبد ويأخذه بالثمن. وذكر سحنون عن أشهب في الاستيلاد: أن له أن يأخذ الأمة وقيمة ولدها، وبه قال ابن القاسم أولًا كالاستحقاق، ورأى في المشهور أن هذا أضعف؛ لأن المستحق يأخذه بغير عوض بخلاف هذا. وقوله: (تُصُرِّفَ) يضبط مبنيًا لما لم يسم فاعله؛ ليعم تصرفه وتصرف من باع له أو وهب له وغير ذلك. واختلف الشيوخ على المشهور لو اشترى العبد من المقاسم على أن يرده على صاحبه فأعتقه، فقال القابسي، وأبو بكر بن عبد الرحمن: يمضي عتقه كالأول، وقال ابن الكاتب: [٢٧٤/ أ] لا يمضي؛ لأنه دخل على الرد على صاحبه. اللخمي: ويختلف إذا أعتق إلى أجل، فيمضي على قول ابن القاسم، ويرد على قول أشهب. وهذا معنى قوله: (فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ عَلَيْهِ).
ابن بشير: ويبعد أن يجري عليه لعدم إنجاز العتق، فيقوى هنا على الرد.
[ ٣ / ٤٩١ ]
ولَو قُسِمَ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُ جَهْلًًا لِكِسْوَتِهِمَا، فَثَالِثُهَا: إِنْ عُذِرَا فِي السُّكُوتِ بِأَمْرٍ لَمْ يُتَّبَعَا
لا خلاف في حريتهما، وإنما اختلف في اتباعهما، والقول بالاتباع لأشهب، وبعدمه لمالك وابن القاسم وسحنون. اللخمي: لم يفرق في هذين القولين هل كان جاهلًا أو عالمًا؟ وقال ابن القاسم: إن كان صغيرًا أو كبيرًا قليل الفطنة، كثير الغفلة، أو أعجميًا يظن أن ذلك رق له لم يتبع، وإن نودي عليه وهو ساكت بلا عذر أتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع. وقال غيره: لا يتبع ولو غر. واختلف الشيوخ في إبقاء هذه الأقاويل على ظاهرها في المسألة أو تأول، فذهب المؤلف وبعضهم إلى بقائها على ظاهرها كما ترى. وقال اللخمي: لا يختلف إذا كان المبيع صغيرًا؛ لأنه لا رجوع عليه. وقال ابن رشد: لا خلاف أنه إذا عذر بجهل لا شيء عليه، وإنما اختلف إذا لم يعذر بجهل، وطريقة ابن رشد مخالفة للخمي؛ لأن ابن رشد أخرج من يعذر بجهل مطلقًا من الخلاف، واللخمي إنما أخرج الصغير، وكلاهما خلاف طريقة المصنف وابن بشير؛ لكونهما أطلقا الخلاف. وأشار في البيان إلى أن هذا الخلاف جارٍ على الغرور بالقول.
ابن عبد السلام: وبالجاري عندي على مشهور المذهب أنه غرور بالفعل، وأنه موجب للغرم؛ لأن سكوته مع علمه وإسلامه نفسه لمشتريه فعل، ومسائل الغرور في النكاح تشهد لذلك. اللخمي: وكل هذا إذا افترق الجيش وكانوا لا يعرفون لكثرتهم، فإن لم يفترق الجيش أو عرفوا بعد الافتراق رجع عليهم المشتري أو من صار في سهمه. ابن القاسم: ينبغي للإمام أن يغرم لمن وقع في سهمه من بيت المال. وقال ابن مسلمة: على الإمام أن يؤدي ذلك من الفيء أو الخمس. وقال سحنون: لا شيء عليه ولا يعطى من الخمس أو بيت المال، وهي مصيبة نزلت به.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
ومَنْ عَاوَضَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَالٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلِمَالِكِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ اتِّفَاقًا
تقدم أن للمشركين فيما أخذوه شبهة الملك، فإذا دخل رجل دار الحرب فاشترى منهم مال مسلم لم يكن كالمشترى من الغاصب، بل إنما يأخذه ربه بالثمن؛ فإن كان عينًا دفع مثله حيث لقيه أو حاكمه، إن كان مثليًا أو عرضًا دفع إليه مثل ذلك في بلد الحرب، وإن كان الوصول إليها ممكنًا، كمن أسلف ذلك فلا يلزمه إلا مثله بموضع السلف، إلا أن يتراضيا على ما يجوز. ابن يونس عن بعض شيوخه: وإن لم يمكن الوصول إليها فعليه هنا قيمة ذلك المكيل ببلد الحرب. والاتفاق الذي حكاه المصنف حكاه ابن بشير.
وفِي أَخْذِ مَا فُدِيَ مِنَ اللُّصُوصِ مَجَّانًا قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف إذا فدي شيء من أيدي اللصوص هل لا يأخذه ربه إلا بالثمن كالمشتري من يد العدو؟ أو يأخذه هنا بغير شيء؛ لأن اللص ليس له شبهة الملك بخلاف الحربي؟ والقولان ذكرهما ابن بشير ولم أرهما معزوين.
ابن راشد: والثاني أقيس. وقال ابن عبد السلام: الذي مال إليه من أرضي من شيوخي الأول لكثرة النهب في بلدنا، فيعمد من له وجاهة عند الأعراب، فيفتك منهم ما ينهبونه بأقل من ثمنه، فلو أخذه مالكه بغير شيء انسد هذا الباب مع الحاجة إليه، وكثيرًا ما يسأل من هو منتصب لهذا هو تجوز له الأجرة؟ ولا شك في المنع إن دفع الفداء من عنده؛ لأنه سلف وإجارة، وإن كان الدافع غيره ففي ذلك مجال للنظر.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ
يعني: فإن أخذه من دار الحرب بغير شيء، وفي معناه ما أخذه من اللصوص، كما لو وهبه له الحربي، ولم يكافئه على ذلك، وأما إن كافأه فلا يأخذه إلا بذلك.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
فَإِنْ بَاعَهُ الْمُعَاِوضُ مَضَى ولِمَالِكِهِ الزَّائِدُ إِنْ كَانَ. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ تَمْكِينَهُ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وخَرَّجَهُ غَيْرَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ يُبَاعُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الْمَشْهُورُ: كَالْمُعَاوِضِ، وقِيلَ: يَاخُذُهُ بِالثَّمَنِ، ويَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لا غَيْرُ
يدخل في قوله (المعاوض) المشتري والمكافئ على الهبة. وقوله: (مَضَى) أي: البيع (ولِمَالِكِهِ الزَّائِدُ إِنْ كَانَ) كما لو اشتراه بمائة وباعه بمائتين، فلمالكه المائة الزائدة.
اللخمي: ويجري فيها قول بأنه لا يكون البيع فوتًا قياسًا على ما بيع في المغانم أن للمستحق أن يرد البيع؛ لأن للمالك في كل من الصورتين أخذ عين شيئه إذا وجده قبل البيع. وفرق ابن بشير بقوة ملك المالك في مسألة الغنيمة وضعفه في مسألة الشراء، ألا ترى أنه يأخذه في مسألة الغنيمة قبل القسمة بغير عوض، ولا يأخذه في الشراء إلا بعوض. ولهذا خرجه أبو عمران على الذي يهب له الحربي مال مسلم فيبيعه الموهوب له، فقال ابن القاسم: ليس لمالكه إلا الثمن الذي بيع به خاصة، وإليه أشار بقوله: (الْمَشْهُورُ: كَالْمُعَاوِضِ). وقال ابن نافع: له نقض البيع، ولا يأخذه من يد مشتريه إلا بعد دفع الثمن، ثم يرجع المالك على البائع؛ أي: الموهوب له فيأخذ منه جميع الثمن.
وقوله: (لا غَيْرُ) أي: ليس على الموهوب له غلة. وعلى هذا [٢٧٤/ ب] فيكون قوله: فله جميع الثمن مفرعًا على عدم الإمضاء. وجعل ابن راشد قوله: فله جميع الثمن لا غير مفرعًا على عدم القول بالإمضاء؛ أي: فإذا قلنا بإمضاء البيع فالموهوب الذي لم يكافأ عليه يرجع عليه المالك بجميع الثمن لا غير. خليل: وقد يفرق بين الهبة والبيع بأن المعاوض بذل مالًا فقوي ملكه بخلاف الموهوب.
والْمُدَبَّرُ ونَحْوُهُ إِنْ أُسْلِمَ لِلْمُعَاوِضِ اسْتُوفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ أُتْبِعَ إِنْ عَتَقَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وقِيلَ: بِمَا بَقِيَ
قوله: (ونَحْوُهُ) أي: المعتق إلى أجل، وقد تقدم في المدبر يقع في المقاسم، والمفدي من العدو ثلاثة أقوال، ولم يقدم المصنف في الواقع في المقاسم قولًا باتباعه بجميع الفداء،
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وظاهر كلام المصنف أن اتباعه بالجميع هنا هو المشهور، ولم أر من شهره. وعن ابن الماجشون الفرق بين المدبر يقع في المقاسم، فلا يتبع إن خرج حرًا، ولا الجزء العتيق إن خرج بعضه كالحر لا يتبع في الفيء، وبين من اشتري من بلد الحرب فيتبعه مشتريه بما بقي له بعد أن يحاسبه بقيمة خدمته وما استغل. قال: لأن الحر في هذا يتبع.
محمد بن المواز: وهو صواب، ولا يأخذ أكثر مم أعطى فيدخله الربا. وقريب مما قاله ابن الماجشون ما ذكره ابن سحنون إلا أنه قال: لا يحاسبه بشيء مما استخدمه ويتبعه بجميع الثمن. وقال: ولم يأخذ به سحنون. وفي المدبر الواقع في المقاسم قول بأنه لا يتبع بشيء، فانظر هل يجري هنا؟
فَإِنْ قَدِمَ بَأَمْوَالٍ مُسْتَامَنُونَ فَفِي كَرَاهَةِ شِرَائِهَا لِغَيْرِ مَالِكِهَا واسْتِحْبَابِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا قدم الحربيون بأمان ومعهم أموال المسلمين، فكره في المدونة لغير أربابها شراءها واستحبه في الموازية، وهو إنما يتوجه على أن ربها يأخذها بالثمن فيكون شراؤها سببًا لخلاصها ولاسيما إذا انضم إلى ذلك رخص في السلع. واختلف في تعليل الكراهة، فقيل: لأن في ذلك تقوية بثمنها، وقدح فيه بأنه يقتضي الكراهة في شراء سلعهم، وقيل: لما في ذلك من إغراء الحربيين على أموال المسلمين، وعلى هذا فالكراهة أيضًا في حق أربابها، وقيل: لأن شراءها يفوتها على ربها، فإن ابن القاسم نص في المدونة على أنه إذا اشترى من المستأمن أحد أنه لا يكون لربه أخذه ولو بالثمن، بخلاف ما يشتري من الحربي ببلد الحرب. قال في المدونة: لأن الحربي لو وهب عبيدًا لمسلم في بلد الحرب، فقدم بهم كان لربهم أخذهم بغير ثمن. والذي قدم إلينا بأمان لو وهبهم لأحد لم يأخذهم سيدهم. وإلى هذا الفرع أشار المصنف بقوله:
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وإِنْ اشْتُرِيَتْ أَوْ وُهِبَتْ فَالْمَشْهُورُ: كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ لا كَالأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَمَانَ يُحَقِّقُ الْمِلْكَ أَوْ لا ..
قد علمت أن المشهور هو ما في المدونة، ومقابل المشهور أنه كالأول؛ أي: كالمشترى من بلد الحرب فيأخذه ربه في الشراء بالثمن. وفي الهبة بغير شيء، وهو الذي يأتي على مذهب الموازية في الفرع السابق، وهو مذهب القاضي إسماعيل؛ لأنه قال: لم يحك ابن القاسم هذه المسألة عن مالك، والذي يشبه على مذهب مالك أن لصاحبه أن يأخذه في الشراء بالثمن، وفي الهبة بلا ثمن واستحسنه اللخمي. والفرق لابن القاسم هو ما أشار إليه المصنف من أن الأمان يحقق الملك.
وأَمَّا لَوْ أَسْلَمُوا تَحَقَّقَ الْمِلْكُ اتِّفَاقًا
يعني: وأما لو أسلم المستأمنون تحقق ملكهم لما بأيدهم من أموال المسلمين بالاتفاق تأليفًا لهم على الإسلام.
والْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ خِلافًا لابْنِ شَعْبَانَ
لأن الحر لا يسترق، فإذا أسلم المستأمن وبيده أسارى من أحرار المسلمين انتزعوا، وخالف في ذلك ابن شعبان وأحمد بن خالد؛ وهو قول مشكل، ولا وجه له. وعلى الأول فظاهر كلام المصنف، وهو ظاهر الروايات أنه يأخذه بغير عوض، وقال أبو إبراهيم من الأندلسيين أنه بعوض.
بِخِلافِ الرَّقِيقِ، وبِخِلافِ الذِّمِّيِّ
أما الرقيق فلأنهم أموال من أموال المسلمين كالسلع، وما ذكره المصنف في الذمي هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: هو بذمته كالمسلم فلا يسترق.
ابن راشد: والأول أصح؛ لأن بالذمة حقًا له علينا، ولم تعقد له الذمة على من كان بأرض الحرب.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وأُمُّ الْوَلَدِ تُفْدَى، والْمُدَبَّرَ ونَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ، ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ لأَنَّهُمْ لا يُتَّبَعُونَ بِشَيْءٍ ولا قَوْل لِلْوَرَثَةِ
ييعني: أن سيد أم الولد يفديها من المستأمن بقيمتها لقوة شبهها بالحرة، ونحو المدبر المعتق إلى أجل، يبين لك ذلك قوله بعد هذا: (ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ) يعني: وأما إن كان بيد المستأمن الذي قد أسلم مدبر أو معتق إلى أجل فإنه يكون فيهم كالمالك المحقق، وليس لسيدهما خيار، فإذا مات سيد المدبر، والثلث يحمله كان حرًا، ولو كان على السيد دين يستغرقه كان رقيقًا للمستأمن، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه، وكذلك إذا انقضى الأجل عتق. والضمير في (يُعْتَقُونَ) عائد على المدبر ونحوه؛ لأن المراد بكل واحد الجنس.
وقوله: (مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ) الأول راجع إلى الأول، والثاني إلى الثاني؛ أي يعتق المدبر من الثلث، [٢٧٥/ أ] والمعتق إلى أجل بعد الأجل، ولا يتعبون بعد العتق بشيء؛ لأنه ملك الخدمة فقط. وفي كلام المصنف حذف مبتدأ تقديره: وهو في المدبر ونحوه كالملك المحقق.
فَلَوْ قَدِمُوا بِمُسْلِمِينَ أَحْرَارًَا أَوْ أَرِقَّاءَ فَثَالِثُهَا: يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِ الإِنَاثِ
القول بإجبارهم على البيع مذهب أصحاب مالك إلا ابن القاسم.
ابن الماجشون: ويعطون في كل مسلم أوفر قيمة.
ومقابله لابن القاسم في الموازية قال: لا يمنعون من الرجوع بهم، ولا من وطء الإماء.
والثالث: حكاه سحنون عن ابن القاسم، وأجروا هذا الخلاف إذا أسلم عبيدهم، أو عوهدوا على أن من جاء مسلمًا رد إليهم.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
ابن يونس: وأنكر رجل من أهل المدينة يقال له داود القول بعدم الجبر، فبلغ ذلك مالكًا، فاحتج بما رواه البخاري ومسلم "أنه ﷺ قاضي أهل مكة عام الحديبة على أن من أتى من أهل مكة مسلمًا رده إليهم، فهرب أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله ﷺ، فطلبه أبوه في مكة فرده رسول الله ﷺ وقال: إنا لا نخفر بالعهد".
مالك: فكذلك حجة الحربي أن يقول عهدي لا ينتقض. واستصوب جماعة القول الأول؛ لأنا وإن أعطيناهم الأمان فما أعطيناهم ذلك إلا مع إقامة شرعنا، ومن إقامته تخليص المسلمين، ولا كبير مضرة عليهم إذا أخذوا قيمتهم، ويجاب عن الحديث بأن ذلك كان في أول الإسلام، وقبل أن يكثر المسلمون.
اللخمي: ولا يجوز ذلك اليوم بعد ظهور الإسلام؛ لأن فيه وهنًا للمسلمين وإذلالًا لهم.
ولَوْ سُرِقُوا فِي مُعَاهَدَتِهِمْ ثُمَّ عَادُوا بِهِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ عَادَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمْ لَمْ يُنْتَزَعْ
تصوره ظاهر. قال في البيان: والأصح أنه ينزع. ونص في المدونة على أنه يقطع إن سرق، ويقتل إن قتل. وإلى ذلك ذهب ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب وابن المواز أنه يؤخذ المستأمن بما أحدث، فإن استكره المسلمة قتل، وإن سرق قطع، وإن قذف حرًا حد، وإن زنى بمسلمة طوعًا عوقب.
ابن حبيب: عقوبة يشرف بها على الموت. وعن أشهب: أنه لا يحد ولا يقطع. قيل: ويقام عليه حد الحرابة اتفاقًا ويعاقب.
مالك وغيره: وإن أخصى عبده لا يعتق عليه، وكأنه أخصاه ببلده.
ابن المواز: وإن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى بلد الحرب، ثم عاد بأمان ثان فيؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
السبي
السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَامَنٌ فَأَسْلَمَتْ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لأَنَّهَا أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، وهِيَ ووَلَدُهَا ومَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِيْءٌ، وقِيلَ: وَلَدُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ وكَذَلِكَ مَالُهُ إِلا أَنْ يُقْسَمَ فَيَسْتَحِقَّهُ بِالثَّمَنِ
أما ما يتعلق بهدم النكاح فسيأتي في النكاح إن شاء الله تعالى فإن المصنف كرر هذا الفصل بعينه هناك، وأما هي فلا خلاف أنها فيء، قاله ابن بشير، وأما ولده وماله فالمشهور أنهما فيء، وهو مذهب المدونة.
سحنون: وقال بعض الرواة: إن كان ولده صغارًا فهم تبع لأبيهم، وكذلك ماله إن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف، وذكر ابن حارث قولًا ثالثًا في المال إن ضموه إلى أموالهم لأجل إسلامه كان فيئًا، وإن تركوه فهو له، وإن قسم أخذه بالثمن. وحكى ابن بشير في الأولاد قولًا بأنهم تبع صغارًا كانوا أو كبارًا، واختلف شراح المدونة في فهمها لقوله فيها: وإذا أسلم ثم غزا المسلمون بلاده، فغنم المسلمون ماله وولده قال: هم فيء.
قال التونسي: معناها أنه خرج، وأما إن لم يخرج فينبغي أن يتبعه ولده وماله؛ لأن غيره لم يحزه، وقد بقيت يده على ماله وولده. وقال اللخمي: ظاهر قوله أنهم فيء وإن لم يخرج إلينا وعلى الأول اختصره البرادعي. وأشار بعضهم إلى أن الخلاف في أولاده مقصور على ما تزايد منه قبل إسلامه، وأما ما حدث من وطء بعد إسلامه فلا يسترق اتفاقًا.
وإِذَا سُبِيَتِ الْمُسْلِمَةُ فَوَلَدَتْ أَوْلادًا ثُمَّ غُنِمَتْ بِهِمْ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: الصِّغَارُ أَحْرَارٌ والْكِبَارُ فَيْءٌ
يعني: إذا أسر العدو حرة مسلمة، ثم غنمت بعد أن حصل لها في دار الحرب أولاد، فلا إشكال في حريتها؛ واختلف في أولادها، فلمالك في الواضحة أنهم تبع وإن كانوا
[ ٣ / ٤٩٩ ]
كبارًا ويجبرون على الإسلام فمن أبي أجبر، فإن تمادى قتل كالمرتد؛ لأن الولد يتبع أمه في الحرية. وقال أشهب: الجميع فيء لأنهم نشئوا عن وطء فاسد، وحكى سحنون عنه مثل القول الأول. والثالث: التفرقة وهو مذهب المدونة والمشهور؛ لكن شرط في المدونة في ولدها الكبار، وفي ولد الذمية الكبار إن قاتلوا فحملها ابن أبي زيد على ظاهرها، وأن الكبار إذا لم يقاتلوا كالصغار. ورأى ابن شبلون أن هذا الشرط لا مفهوم له، وأن المقصود أن يكونوا على حال يمكن منهم القتال.
وأَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَفِي صِغَارِ أَوْلادِهَا قَوْلانِ، بِخِلافِ كِبَارِهِمْ
ظاهره نفي الخلاف عن الكبار، وبذلك صرح ابن بشير. ابن عبد السلام: وحكى بعضهم في الكبار قولًا بالتبعية، والمشهور في الصغار [٢٧٥/ ب] أنهم تبع.
وأَمَّا الأَمَةُ فَالْمَشْهُورُ: أَوْلادُهَا لِمَالِكِهَا. وثَالِثُهَا: مَا وَلَدَتْهُ مِنْ زَوْجٍ لِمَالِكِهَا، وما وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِهِ فَيْءُ ..
وجه المشهور أن الولد تابع لأمه في الرق والحرية، والقول بأنهم فيء مطلقًا لابن الماجشون تغليبًا للدار، والتفرقة لسحنون؛ لأنه إنما تتحقق تبعية الولد للأم إذا كان من تزويج، وأما إذا كان من غير تزويج فكأن الأب وطيء بحكم الملك، ومن وطيء بحكم الملك كان ولده تبعًا له دون أمه.
وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ويَفِرُّ إِلَيْنَا حُرٌّ
لأنه غنم نفسه، ولا خلاف فيه. قال في المدونة: وإن قدم معه بمال فهو له ولا يخمس.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَقِيَ حَتَّى غُنِمَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: بعد إسلامه ببلده حتى دخل المسلمون بلادهم فغنموه، فكذلك يكون حرًا على المشهور كما لو خرج إلينا. وقال ابن حبيب: وهو رقيق للجيش. ابن يونس: وهو أقيس.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
ولا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الإِسْلامِ حُرًّا خِلافًا لأَشْهَبَ وسَحْنُونٍ
خليل: تظهر فائدة هذا الخلاف لو أسلم العبد فأعتقه سيده، هل يكون ولاؤه له إن أسلم أو لا؟ وكذلك تظهر ثمرة الخلاف لو باعه بإثر إسلامه لمسلم، والمشهور مذهب المدونة، ففيها: ومن أسلم من عبيد الحربيين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا، أو ندخل نحن إلى بلادهم فنغنمه وسيده مشرك فيكون حرًا، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك.
وقد أعتق النبي ﷺ عبيد أهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالًا فأعتقه، والدار دار شرك، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء، ولم يكن ولاؤه لأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقال أشهب: إسلام العبد بدار الحرب يزيل ملك سيده، خرج إلينا أو أقام ولم يخرج، وإن اشتري كان كالحر المسلم يفدي. انتهى.
قوله: (وقد أعتق النبي ﷺ عبيد أهل الطائف) فهموه على أن النبي ﷺ حكم بحريتهم لا أنه أنشأ فيهم العتق.
وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمًا وتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِمًا فَهُوَ رِقٌّ لَهُ
هكذا قال في المدونة، وهو ظاهر إن أسلم هو وسيده معًا، أو سبق إسلام سيده، وأما إن أسلم قبل سيده فالجاري على أصل أشهب وسحنون أنه لا يكون رقًا له.
وَإِنْ خَرَجَ الذِّمِّيُّ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فَحَرْبِيٌّ
يعني: خرج طالبًا للسكنى ببلد الحرب- أي: تاركًا للعهد- فحربي، ويقتل، ولا خلاف في ذلك.
وَإِنْ أُسِرَ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمَّةَ تَقْتَضِي الْحُرِّيَّةَ بِدَوَامِ الْعَهْدِ أَوْ أَبَدًا
أي: فإن أسر هذا الذمي الناقض للعهد، فقال مالك وابن القاسم: يسترق. وهو المشهور.
[ ٣ / ٥٠١ ]
قال في البيان: واتفق على ذلك أصحاب مالك إلا أشهب فإنه قال: لا يسترق. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، وتصوره بين.
اللخمي: وقول أشهب ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم رسول الله ﷺ فقتل الرجال وسبى الذرية والنساء. قال في البيان: ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن الذي كان بين النبي ﷺ وبين قريظة وغيرهم من اليهود إنما كان مهادنة ومعاهدة، ولم يكونوا أهل ذمة، ورجح قول ابن القاسم بأن الذمي إذا أكره مسلمة على الزنى يقتل ولو كانت الذمة تقتضي التأبيد لم يقتل. واختلف على المشهور في الزمني والشيوخ، ففي العتبية: لا يستباحون. وقال ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب: يستباحون. قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا جهل رضاهم بذلك.
فَإِنْ نَقَضُوا لِظُلْمٍ لَحِقَهُمْ لَمْ يُسْتَرَقُّوا عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور مذهب المدونة والشاذ للدوادي، ووجهه بأنهم ناقضون؛ لأنا لم نعاهدهم على أنهم يظلمون المسلمين إذا ظلموهم، وفيه ضعف؛ لأن من فر بسبب ظلم لا يكون ظالمًا حقيقة ولا مجازًا، وعلى هذا فإطلاق المصنف النقض على خروجهم إنما هو مجاز، والعلاقة المشابهة.
وَلا يُسْتَرَقُّونَ بِالْحِرَابَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال في المدونة: وإن خرج قوم من أهل الذمة محاربين متلصصين، فأخافوا السبيل وقتلوا، حكم فيهم بحكم الإسلام إذا حاربوا. والقول بالاسترقاق لابن مسلمة، ووجه التونسي بإكراه المسلمة على الزنى فإنه نقض، والحرابة وقتل النفس أشد.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
وَلَوْ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ ثُمَّ ارْتَدُّوا وحَارَبُوا كَأَهْلِ الرِّدَّةِ مِنَ الْعَرَبِ فَفِي كَوْنِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ أَوِ كَالْمُحَارِبِينَ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَصْبَغَ. وخَالَفَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَرَدَّ النِّسَاءَ والصِّغَارَ مِنَ الرِّقِّ إِلَى عَشَائِرِهِمْ، وعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ
يعني: إذا أسلم جماعة أو أهل حصن ثم ارتدوا وحاربوا، وظفرنا بهم، فقال ابن القاسم في الواضحة: حكمهم كالمرتدين في المال والدم، يستتاب كبارهم، ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلوغ من غير استتابة. وقال أصبغ: "ليسوا كالمرتدين وهم كالحربيين؛ لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما كالواحد وشبهه.
ابن يونس: وقول أصبغ ليس بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة، ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري إنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر رضي الله تعالى عنهما في أهل الردة من العرب فجعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبي ذراريهم، وجعلهم [٢٧٦] عمر كالمرتدين فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم، وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم. انتهى مختصرًا.
وهذا الكلام ككلام المصنف سواء. والظاهر أن عمر لم يخالف في حياة أبي بكر ولا بعد مماته، أما الحياة فلأنه كان وزيره ومستشاره، وأما الممات فلأنه إنما فعل ذلك تطييبًا لنفوس المسلمين؛ لأن الواحد منهم يرى ابنته وزوجته مملوكة لغيره مع مساواته له في النسب أو الشرف، وفي ذلك من المشقة وتغيير النفوس ما هو معلوم. وقيل: إنما فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه بعوض، ولا بد من التأويل بهذا أو ما يشبهه، وإلا كان نقضًا لحكم أبي بكر ﵁ وهو باطل بلا إشكال.
* * *
[ ٣ / ٥٠٣ ]