تَعَارُضُ الْبَيَّنَتَيْنِ: وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ، فَإِنْ تَنَاقَضَتاَ فَالتَّرْجِيحُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ [٦٨٦/ب] تَسَاقَطَتَا، وَبَقِيَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ حَائِزِهِ مِنْهُمَا
التعارض بين البينتين: التقابل بينهما على وجه يمنع كلًا منهما صاحبه، ولا إشكال في الجمع بينهما إذا أمكن، كما في تعارض الأثرين عند أهل الأصول. مثال عدم التعارض في الشهادة: لو شهد واحد أنه أقر له بخمسين وآخر بمائة في مجلسين، وإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح، وسيأتي ما يكون به الترجيح، فإن تعذر - أي: الترجيح- سقطت البينتان وبقي المدعي في يد حائزه؛ لما رواه الدارقطني عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن وهب بن حبيب المصري وهو ثقة عن الشعبي عن جابر: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عيه وسلم للذي بيده. قال في المدونة: ويحلف الحائز، وهو مبني على قبول بينة المدعي عليه وهو المشهور، وقال عبد الملك: لا ينتفع الحائز ببينة؛ لقوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". فحصول البينة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعي عليه. وروى ابن القاسم أن هذا إنما هو إذا لم يأت المدعي عليه بمثل ما أتى به المدعين ودل كلامه على أن المتنازع فيه محوز وأن حائزه أحد الخصمين وأن الحائز يقبل.
وَإِنْ كَانَ بيَدِ غَيْرِهِمَا فَلِمَنْ يُقَرُّ لَهُ مِنْهُمَا. وَقِيلَ: يَبْقَى فِي يَدِهِ
اسم (كَانَ) عائد على المدعي فيه؛ أي: في غير المدعيين اللذين أقام كل منهما البينة على أنه له، وحكى المصنف قولين؛ أولهما: أن ذلك لمن يقر له وهو في يده منهما، وعلى هذا فإن ادعاه من هو في يده فهو له. وثانيهما: أنه يبقى في يده، فإن أراد المصنف أنه يبقى كما كان أولًا قبل قيام البينتين؛ فهو كالقول الأول، وإن أراد أنه يبقى موقوفًا بيده إلى أن يأتي
[ ٨ / ٣ ]
أحدهما بشهادة راجحة أو يصطلحان؛ هذا القول غير معروف في المذهب وإنما هو محكي عن الشافعي، وإنما في المذهب رواية ثانية بأنه يقسم بينهما لأن البينتين اتفقتا على انتزاعه من يده، وقيل: يبقى لمن هو تحت يده؛ لأنه يقول: خرج بعضها بعضًا، أو وقف بعضها بعضًا؛ أي: ذلك كان لا ينزع من يدي، وإن اعترف به أحدهما كان على القولين، فمن قال: إن من ادعاه لنفسه يقر في يديه يجعله الآن لمن أقر بيده، ومن قال أنه ينتزع منه يقول هذا كذلك، واختلف أيضًا إذا أقر لغيرهما هل يكون له أو يقسم بينهما؟
وَيُقْسَمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوِي اتَّفَاقًا
يعني: إن لم يكن المتنازع فيه بيد أحدهما، كما لو تنازعا في عفو من الأرض، ويدخل في قوله ما كان بيد ثالث على أحد القولين المتقدمين، وظاهر قوله: (يُقْسَمُ) أنه يقسم في الحال وفي تفصيل، فإن كان يخشى فساده، قال في المدونة: كالحيوان، والرقيق، والطعام؛ فإنه يستأني فإن لم يأتيا بشيء وخيف عيه قسم بينهما، وإن كان مما لا يخشى عليه الفساد كالدور، قال في المدونة: يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه. ابن القاسم: إلا أن يطول الزمان ولا يأتيان بشيء غير ما أتيا به أولًا؛ لأنه يقسم بينهما لأن ترك ذلك ووقفه ضرر. ابن نافع: إنه قال يوقف إذًا حتى يأتي أحدهما بأثبت مما أتى به صاحبه.
وقوله: (اتِّفَاقًا) راجع إلى قوله: (قَدْرِ الدَّعَاوِي) لا إلى (القسم) للاختلاف في قسم العفو من الأرض، فإن فيه رواية ابن نافع ورواية ابن القاسم المذكورتين آنفًا.
ابن عبد السلام: فإن قلت في نقله لرواية ابن القاسم نظر؛ فإنه في المدونة لم يصرح بذلك. قيل: قد نقل أبو الحسن أن ابن القاسم قال في المدونة: إنه يقسم بينهما، قال: وهو تفسير للمدونة، واختلف إذا أقام أحد المدعيين للعفو بينة أعدل، هل يحلف معها وهو مذهب المدونة، ومذهب سحنون والقرويين ومعظم الأندلسيين لا يرون عليه يمينًا.
[ ٨ / ٤ ]
وَإِنْ كَانْ فِي أَيْدِيهِمَا، فَقِيلَ: عَلَى الدَّعَاوِي، وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ
أي: فإن كان المدعي فيه بأيديهما واختلفت دعواهما فيه- كدعوى أحدهما الجميع والآخر النصف- فأقام بينة على دعواه ولم يرجح أحد البينتين، أو حلف كل منهما، فقال مالك، وابن القاسم، وعبد الملك وغيرهم: يقسم على قدر الدعاوى وهو المشهور. وقال أشهب وسحنون: يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيه في الحيازة، وإذا أراد اليمين في هذه المسألة وما يشبهها من سائر هذا الفصل مما تقدم أن يأتي، واختلفا في التبرئة، فقال بعض الشيوخ: يقرع بينهما، والمنصوص للمتقدمين: أن الحاكم يختار، ثم هل يحلف كل منهما على إثبات دعواه وإن نكل؟ أشار بعض الشيوخ إلى أن البحث يقرب فيها من مسائل اختلاف المتبايعين.
وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الدَّعَاوِي، فَقَالَ الأَكُءَرُونَ: تَعُولُ عَوْلَ الْفَرَائِضِ. وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بالزَّائِدِ
إذا فرعنا على المشهور من القسم على الدعاوي، فاختلف في كيفية القسمة، فقال مالك وأكثر أصحابه: يسلك فيها مسلك عول الفرائض؛ لتساوي أقوالهما في التداعي فيه، ولتعذر الترجيح؛ فصار كورثة زادت الأشياء الواجبة لهم على الجميع. وقال ابن القاسم، وابن الماجشون: مبني هذه المسألة [٦٨٧/أ] على التنازع، فمن أسلم شيئًا سقط حقه فيه، بخلاف مسائل العول فإن التنازع فيها منتف؛ لأن الشرع أوجب لكل من الورثة حقًا، فإذا ادعى أحدهم الدار كاملة وادعى الآخر نصفها؛ فعلى الأول يعال لمدعي النصف بمثل حقه اثنين، فيقسم المدعي بينهم أثلاثًا لمدعي اثنان، وعلى الثاني يختص مدعي الكل بالنصف ثم يقسم الآخر بينهما.
[ ٨ / ٥ ]
وَعَلَى الاخْتِصَاصِ لَوْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْنِ فَقَوْلانِ؛ أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالثَّانِي: اخْتِصَاصُهُ بمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا
الأول لابن المواز، والآخر لابن القاسم في المجموعة وهو قول أشهب، ولسحنون في كتاب ابنه: ومنشأ الخلاف هل كلام مدعي الأكثر معهما معًا أو مع كل منهما، وصوب المصنف الأول؛ لأن في كلامها منازعة.
وَإِذَا تَدَاعَا اثْنَانِ الْكُلَّ وَالنِّصْفَ؛ فَالأَكْثَرُ تَعُولُ بالنِّصْفِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بالنِّصْفِ وَيُسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
هذا مثال لقول الأكثرين وابن القاسم وقد تقدم.
فَلَوْ كَانَ ثَالِثٌ يَدَّعِي الثُّلُثَ جَاءَ الْقَوْلانِ، فَعَلَى الأّوَّلِ: يَخْتَصُّ مُدِّعِي الْكُلِّ بالسُّدُسِ، ثُمَّ يَأخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَهُ وَهُوَ رُبُهٌ وَسُدُسٌ، ثُمَّ يَخْتَصُّ مُدِّعِي النِّصفِ بمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ وَيَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ. وَعَلَى الثَّانِي: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بالنِّصْفِ، ثُمَّ يَاخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَ مَا زَادَ عَلَى الثُلُثِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ، وَيَاخُذُ مُدِّعِي النِّصْفِ نِصْفَ السُّدُسِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الْبَاقِي أَثْلاثًا لِلثَّلاثَةِ
(أل) في القولين للعهد؛ أي: هل يختص مدعي الأكثر بما زاد على مجموع الدعوتين، أو على أكثرهما؟ فعلى الأول وهو الاختصاص بما زاد على المجموع لو ادعى واحد الجميع وآخر النصف وآخر الثلث؛ اختص مدعي الكل بالسدس لأن الزائد على مجموع الدعوتين، ثم يأخذ نصف الباقي لأنه يدعيه، والاثنان يدعيانه وهو ربع وسدس؛ لأن نصف النصف ربع، ونصف الثلث السدس، ثم يختص مدعي النصف بما زاد على الثلث وهو نصف سدس، ثم يقسم الثلث الباقي بينهما، وجرى في هذه القسمة ذكر الثلث
[ ٨ / ٦ ]
والسدس ونصفه فيستغني عنهما بنصف السدس، وجرى أيضًا ذكر النصف والربع، مخرجهما داخل في مخرج نصف السدس، فيستغني بمخرجه وهو اثنا عشر لمدعي أولًا سدس وهو اثنان، ثم نصف الباقي وهو خمسة، ثم يختص مدعي النصف بواحد، ثم يقسم الأربعة بينه وبين مدعي الثلث، وهذه القسمة أحسن مما في الجواهر؛ لأن قسمها من أربعة وعشرين، لكنه تبع في ذلك النوادر.
وقوله: (وَعَلَى الثَّانِي إلخ). يعني: وعلى أنه يختص بما زاد على الدعوتين يختص مدعي الأكثر بما زاد على أكثر الدعوتين وهو النصف لا يشاركه خصمًا، ويبقى النصف الباقي يسلم قسمه مدعي الثلث ما زاد على دعواه وهو السدس؛ فيقسم بين مدعي الكل والنصف، فيكون لكل منهما نصف سدس، ثم يقسم الباقي بين الثلاثة أثلاثًا، وقد جرى هناك ذكر النصف والسدس، ونصف السدس ومقام النصف والسدس داخل في مقام نصف السدس، فيستغني به وهو اثنا عشر، وجرى أيضًا ذكر الثلث وثلث الثلث، فيستغني بثلث الثلث وهو من تسعة وهو موافق لاثني عشر بالثلث، فتضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر؛ إما ثلاثة في اثنا عشر، أو أربعًا في تسعة، كل منهما يؤدي إلى ستة وثلاثين؛ فلمدعي الكل نصفها أولًا، ثم نصف السدس، وذلك أحد وعشرون، ولمدعي النصف نصف السدس ثلاثة، ثم لكل واحد أربعة.
وَالتَّرْجِيحُ بوُجُوهٍ: الْمَزِيَّةُ فِي الْعَدَالَةِ
لما ذكر أولًا أن التعارض حيث لا ترجيح شرع في بابه، وقوله: في (الْمَزِيَّةُ) خبر ابتداء محذوف تقديره الأول؛ أي: المزية، أي: الزيادة في العدالة، وهذا هو المشهور. وروي عن مالك: أنه لا يرجح بزيادة العدالة، وعلى الأول فلابد من حلف من زادت عدالته ببينة. وفي الموازية: لا يحلف، بناء على أن زيادة العدالة هل هي كشاهد واحد أو شاهدين.
[ ٨ / ٧ ]
وَفِي زِيَادِةِ الْعَدَدِ قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكْثُرُوا جَمِيعًا.
يعني: وفي الترجيح بزيادة عدد إحدى البينتين قولان؛ عدم الترجيح حتى قال في المدونة: ولو شهد لهذا اثنان ولهذا مائة لا ترجح المائة، وحمله المازري على المبالغة، وأما لو كثروا حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بها؛ لأن شهادة الاثنين إنما تفيد غلبة الظن. وروى مطرف، وابن الماجشون: أنه يترجح بذلك، وعلى هذا فتحصل في الترجيح بمزيد العدالة والعدد. ثالثها: المشهور يرجح بالعدالة لا العدد.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكْثُرُوا جَمِيعًا) أي: فلا تراعي الكثرة حينئذ بالاتفاق، وفرق القرافي للمشهور بأن المقصود من القضاء دفع النزاع، ومزيد العدالة أقوى في التعدد من زيادة العدد؛ لأن كل واحد من الخصمين يمكنه زيادة العدد في المشهود بخلاف العدالة، واعترضه ابن عبد السلام: بأن من رجح زيادة العدد لم يقل به كيفما اتفق، وإنما اعتبره مع قيد العدالة، ولا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد أسهل الوجود، وقد تقرر في الأصول أن الوصف مهما كان أدخل تحت الانضباط وأبعد عن النقض والعكس كان أرجح، وزيادة العدد وصف منضبط محسوس لا يختلف فيه العقلاء، بخلاف العدالة؛ لأنها مركبة من قيود كما [٦٨٧/ب] تقدم، فقد يكون واحد الشاهدين أشد محافظة على توقي الصغائر، والآخر أشد محافظة على أداء الأمانة، وإن اشتركا في المحافظة المعتبرة في قبول الشهادة، وعلى هذا التقدير فضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر، فلا ينبغي أن يعتبر في الترجيح فضلًا أن يكون راجحًا على زيادة العدد.
وَفِي الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ قَوْلانِ، وَرَجَعَ عَنْهُ
يعني: وفي ترجيح الشاهدين على الشاهد واليمين قولان، وكذلك القولان في ترجيح الشاهدين على الرجل والمرأتين، ورجع ابن القاسم عنه؛ أي: عن الترجيح. وقال
[ ٨ / ٨ ]
أشهب: بالمرجوع إليه، والأظهر الترجيح فيهما، أما الأول: فالاتفاق على قبول الشاهدين والخلاف في الشاهد واليمين. وأما الثاني: فلقوله تعالى: ﴿فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإنه يدل على راجحية الشاهدين على الرجل والمرأتين؛ لأن جعل مرتبتهم عند عدم الشاهدين، واعلم أنه اختلف في الحق هل هو مستند للشاهد فقط واليمين استظهارًا وهو مستند لهما وأن اليمين كالشاهد، وتظهر فائدة الخلاف في الفرع الأول، فعلى أنها كشاهدين لا حجة للشاهدين، وعلى الآخر رجح الشاهدين، وكذلك تظهر إذا رجع الشاهد هل يغرم نصف الحق أو جميعه.
وَعَلَى التَّسَاوِي لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَلَ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا فَقَوْلانِ
أي: على تساوي الشاهدين مع الشاهد واليمين، ومع الشاهد والمرأتين لو قدرنا أن الشاهد الذي يشهد مع اليمين أو المرأتين أعدل من كل واحد من الشاهدين فقولان. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يقضي بالشاهد الأعدل دون الشاهدين. وروى ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون: أن الشاهدين أرجح. وانظر كيف جعل المصنف هذا مبنيًا على التساوي في الفرع السابق، وهو محتمل أن يبقى على الخلاف في الترجيح بالعدد.
وَفِي أَعْدَلِيَّةِ الْمُعَدِّلِينَ فِي الْمُزَكِّيينِ قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف إذا تساوت البيِّنات في العدالة، لكن معدلو أحدهما أزيد عدالة، فروى ابن القاسم وابن الماجشون عدم الترجيح بذلك؛ لأن العدالة إنما هي بالبينة، ألا ترى أن المزكين لو رجعوا لم يغرموا. وروى مطرف عن مالك: الترجيح بذلك؛ لقوة النظر بعدالة من زكاة الأرجح.
[ ٨ / ٩ ]
وَالْيَدُ مُرَجَّحَةُ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَنَّ الْحَائِزَ لا يَنْتَفِعُ بِبَيِّنَةٍ
يعني: إذا تعارضت البينتان وتساوتا فإنما تسقطان ويبقى الشيء بيد حائزه ترجيحًا لليد، هذا هو المشهور، ومقابله لعبد الملك أن بينة الحائز لا تسمع وأن البينة بينة الخارج، وتقدم وجهه.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع للترجيح باليد لا إلى اليمين. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون مقابل المشهور قولًا بالاكتفاء باليد من غير بينة وأحفظه منصوصًا، واعترض ابن عبد السلام على المصنف: بأن إيراد هذه المسألة في مسائل الترجيح بين البينتين؛ لأن البينتين تساقطتا عند المساواة فصارتا كالعدم وبقي حوزه على ما كان عليه، وكأن المصنف أتى بها لمناسبتها ما تقدم في مطلق الترجيح.
فَلَوْ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْيَدِ، وَفِي يَمِينِ الْخَارِجِ حِينَئِذٍ قَوْلانِ
يعني: فلو ترجحت بينة الخارج سقطت اعتبار اليد، واختلف في يمين الخارج حينئذٍ، أي: حين الترجيح على قولين، ورجح توجيه اليمين لليد، والمراد بالداخل الحائز، فإن قيل: هل يفهم من كلام المصنف أنه لو ترجحت بينة الحائز لا يفتقر إلى يمين. قيل: لا؛ لأن بينة الداخل فيها قولان كما تقدم، فإذا كان يحلف مع البينة المسموعة اتفاقًا؛ فلأن يحلف مع المختلف في سماعها أولى، وإذا ترجحت إحداهما قضى بها، وفي يمين من قضى له قولان.
وَاشْتِمَالُ إِحْدَاهُمَا عَلَى تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ بسَبَبِ مِلْكٍ مُرَجَّحٌ
(اشْتِمَالُ) مبتدأ، و(مُرَجِّحٌ) خبره؛ يعني: إذا شهدت إحداهما أن هذا يملكه من سنة والأخرى يملكه من سنتين؛ فإنه يقضي بأبعد التاريخين، قال في المدونة: وإن كانت
[ ٨ / ١٠ ]
الأخرى أعدل، قال فيها: ولا يبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الآخر من تاريخها بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر الآخر فتبطل دعواه، وإنما رجح بالملك السابق؛ لأن الملك قد يثبت به والأصل استصحابه.
وقوله: (أَوْ بسَبَبِ مِلْكٍ) كما لو شهدت إحداهما أنه صادها أو نتجت عنده وشهدت الأخرى بالملك المطلق، تقدمت من شهدت بسبب الملك، وهو في المعنى راجع إلى الفرع الأول، بأن يشمل التاريخ المتقدم على الملك، فلو أقام بينة أنه بيده منذ سنين وأقام الآخر بينة أنه له منذ سنين؛ لقدمت بينة الملك وإن كان متأخرًا، وخالفه التونسي ورأى أن الواجب رد ما وقع النزاع فيه إلى من تقدم حوزه حتى يثبت ما يوجب خروجه من يده، وقيد أشهب أيضًا اعتبار سبب الملك بضم الملك إليه حتى لو أقام بينة أنها ولدت عنده ولم يقولوا أنها له فلا يقضي له بها، وخالفه أيضًا التونسي وقيد الترجيح بالنتاج إذا لم تشهد البينة الأخرى للآخر أنه اشتراها. ابن القاسم: فإن شهدت بذلك كان صاحب المقاسم أحق إلا أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به ولو كانت بيد صاحب النتاج، واختلف في الشهادة بنسج الثوب، هل هي كالشهادة بالنتاج فأحرى أن ما في المدونة مجرى النتاج. وفي كتاب ابن سحنون: أن [٦٨٨/أ] بينة الملك مقدمة على بينة النسج، ويقضي لمن شهد له بالنسج بقيمة عمله بعد أن يحلف أنه لم يعمله باطلًا.
المازري: وهذا إذا كان الناسج ينسج لنفسه، وأما إن انتصب للناس فلا تنفع الشهادة له بالنسج وهكذا النسج، وقيد أيضًا مسألة النسج بأن يكون الثوب مما يستحيل في العادة أن ينسج مرتين، فأما إن صح ما يقال أنه ينسج مرتين فلا يقال على شهادة النسج في معارضة شهادة الملك.
[ ٨ / ١١ ]
وَفِي مُجَرَّدِ التَّارِيخِ قَوْلانِ
وفي الترجيح بمجرد التاريخ بأن تكون إحدى البينتين أُرِّخت والأخرى لم تؤرَّخ، والقول بتقديم المؤرخة لأشهب، زاد إلا أن يكون في شهادة التي لم تؤرخ أن الحاكم قضى بهذا العبد لمن شهدت له، والقول بنفي التقديم ذكره الشيخ والمازري ولم يعزواه.
وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْمِلْكِ بِالأَمْسِ مَثَلًا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ
قوله: (بالأَمْسِ) تنبيه منه بالأخف على الأشد؛ لأنه إذا اشترط هذا في أقرب الأيام الماضية بعدم خروج الملك عن يد مالكه في هذا الزمان القريب، فلأن يشترط في أبعد من ذلك من باب أولى، وهذا الشرط الذي ذكره هو ظاهر ما في شهادة المدونة، ففيها: من تمام شهادتهم أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، وليس عليه أن يأتي ببينة تشهد على البَتِّ أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدت البينة بذلك كانت زورًا وهذا الظاهر. قال ابن القاسم: لأنه قال وإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق فشهادتهم باطلة، وظاهر ما في كتاب العارية من المدونة أنه ليس بشرط، قال: وإن شهدوا أن الدار له ولم يقولوا لا نعلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق ويقضي له.
ابن عبد السلام: وقد أكثر الشيوخ هل كلامه في المدونة متناقض أو لا؟ وهل تقبل شهادة هؤلاء الذين قطعوا بالملك من إطلاقه عليها الزور، أو يفصل فيهم بين أن يكونوا من العلماء فلا تقبل أو يكونوا من وما الناس فتقبل، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد وأبو عمران، والذي قاله الشيخ أبو إبراهيم وأبو الحسن: أن ما في الشهادة شرط كمال.
أبو الحسن: إلا أن تكون الشهادة على ميت فذلك شرط صحة، ومراده بقوله: (كانت زورًا) أنها غير مقبولة.
عياض: ولا يختلف أنهم لايلزمهم ما لزم شهود الزور من العقاب.
[ ٨ / ١٢ ]
أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ بالإِقْرَارِ اسْتُصْحِبَ
يعني: أما لو شهدت عليه بينة أنه أقر بالأمس مثلًا أنه ملك زيدًا استصحب الإقرار، ويكتفي بهذه الشهادة وإن لم يزد الشهود: لا نعلم خروج ذلك الشيء عن ملكه إلى الآن، لأن في شهادتهم على ذلك الخصم بأنه أقر لخصمه إسقاط الملك المقر بخصوصيته، فعليه بيان صحة ملكه بعد ذلك بشراء من المشهود له أو بغير ذلك من أسباب الملك.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ مِلْكًا لَهُ بِالأَمْسِ
(أَحَدُهُمَا) أي: أحد الخصمين أن هذا الشيء المتنازع فيه الآن كان ملكًا بالأمس لخصمه، فهو إقرار منه لخصمه كما في الفرع السابق.
وَكَمَا لَوْ شُهِدَ أَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَاهُ مِنَ الآخَرِ
(شُهِدَ) بضم الشين مبني لما لم يسمَّ فاعله؛ أي: ومثل الشهادة بالإقرار في الاستصحاب لو شهد شاهدان أن أحد الخصمين اشتراه من الآخر، فإنها تستصحب ولا يقبل قول المشهود عليه أنها عادت إليه.
وَلَوْ شُهِدَ أَنَّهُ غُصِبَهُ جُعِلَ صَاحِبَ يَدٍ
أي: لو شهد شاهدان أن رجلًا غصب هذا الشيء المتنازع فيه لجعل المغصوب منه صاحب يد، ويقضي على من هو بيده أن يرده إلى المشهود له، ويكون المشهود له صاحب يد فقط، ولا يبعد ذلك بثبوت الملك.
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ
لأن الملك أقوى فتقدم بينته، ولو كانت بينة الحوز متقدمة؛ لأن الحوز قد يكون بملك وبغيره، ولهذا لو لم يعلم شهد مع طول الحيازة بالملك لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا
[ ٨ / ١٣ ]
أنه غنمها من دار الحرب وشبهه. قيل: لسحنون متى يشهد الشاهد أنها ملكه، قال: إذا طالت حيازته إياها وهو يفعل فعل المالك لا منازع له، وقد حضروا دخولها في ملكه أولًا فتشهد بالملك، قيل: فالشاهد يشهد بالملك لطول الحيازة، وإن لم يشهد بالحيازة التي بها شهد م يحكم بها، قال: وهو كذلك، ولابد من أن يكون في شهادتهم أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، وعلى هذا فللشهادة بالملك أربعة شروط: طول الحيازة، وتصرفه تصرف المالك، وعدم المنازع، وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم.
وَالنَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةِ؛ إِذْ لا تَعَارُضَ
لأن الناقلة زائدة.
وَكَذَلِكَ دَعْوَى ابْنِ دَارًا، أَوْ زَوْجَةِ أَنَّهَا أَخَتْهَا صَدَاقًا أَوْ بَيْعًا
يعني: أن من له دارًا وتوفى عنها فادعى ولده أنها لم تزل على ملك أبيه إلى الموت وقام على ذلك بينة، وادعت زوجته أنه أعطاها لها في صداقها أو اشترتها منه وأقامت على ذلك بينة، فتُقدَّم بينتُها لأنها ناقلة وبينة الابن مستصحبة، ولو قال المصنف: (كدعوى) لكان أحسن؛ لأنه مثال لتقديم الناقلة على المستصحبة، ولهذا قال ابن عبد السلام: الأولى أن يحمل كلام المؤلف هنا على المعاوضة وقعت بينهما وبين الولد لتقع المغايرة بني هذا وبين ما قبله، [٦٨٨/ب] والظاهر أن المصنف إنما أراد ما قلناه أولًا؛ لأن المسألة كذلك في الجواهر، ويغلب على الظن أن المصنف يتبعه، فإن قيل: أخذ الدار عن الصداق هو أحد أنواع البيع والمصنف قد غاير بينهما؛ قيل: هو وإن كان بيعًا لغة، لكنه في عرف الفقهاء ليس كذلك، والموثقون يسمونه تغييرًا.
[ ٨ / ١٤ ]
وَكَأَخَوَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيِّ، ادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ
يعني: أن الولدين اتفقا على أن الأب نصراني، وادعى النصراني أنه مات على ذلك، فالقول قول النصراني؛ لأنه تمسك باستصحاب الحال ولا بينة بينهما.
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ
لأنها ناقلة.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرِانِيِّ أَنَّهُ نَطَقَ بالنَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ مَاتَ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ
أي: شهدت بينة المسلم أنه نطق بكلمة الإسلام ومات حينئذٍ فهما متعارضتان فيصار إلى الترجيح، فإن لم يكن ترجيح، فيقول المصنف: أنه يقسم بينهما وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: إذا تكافأت البينة قضى بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني؛ لأن بينته زادت.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء: وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن معناه أن الرجل جهل أصله، وإذا جهل فليس ثم زيادة والأمر يرد إليه فوجبت قسمة المال بينهما، وإذا كانت بينة المسلم زادت على تأويل غير ابن القاسم لم يحتج إلى تكافؤ البينة؛ لأن من زاد قضي بزيادته وإن كانت الأخرى أعدل منها. وقال إسماعيل القاضي: يشبه أني كون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم أن أباه لم يزل مسلمًا حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أنه لم يزل نصرانيًَّا حتى مات، وكان الأب لا يُعرف حالُه فإن الشهادتان تسقطان، فأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصرانيًَّا فأسلم وشهدت بينة النصراني أنه لم يزل نصرانيًَّا إلى أن مات؛ قضى ببينة المسلم لأنها زادت حدوث الإسلام.
[ ٨ / ١٥ ]
وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَجْهُولَ الدَّينِ قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَهُمَا كَالتَّعَارُضِ
يعني: لو كان الأب مجهول الحال ولم يكن هنا إلا دعواهما، فإن المال يقسم بينهما؛ إذ ليست دعوى أحدهما أولى من الآخر.
وقوله: (كَالتَّعَارُضِ) أي: كما لو أقام كل من المسلم والنصراني بينة على صحة قوله والأب مجهول الحال.
وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَاخْتَلَفَتْ دَعَاوِيهِمْ؛ قُسِمَ الْمَالُ لِكُلِّ جِهَةٍ نِصْفٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ عَدَدُهُمْ
ولو كان المدَّعُون في هذه المسألة جماعة واختلفت دعاويهم، فادعى بعضهم أنه مات على الإسلام، وبعضهم على النصرانية؛ فالمال يقسم نصفين لكل جهة، ولو كان من أحد الجهتين عدد أكثر من عدد الأخرى.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَلَدَيْنِ طِفْلٌ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ ثُلُثُ مَا بأَيْدِيهِمَا، فَإِذَا كَبُرَ فَمَنِ ادَّعَى دَعْوَاهُ شَارَكَهُ وَيُجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ
يعني: فإن كان مع الولدين المدعيين في دين أبيهما طفل، فقال سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي دعوى أحدهما فيؤخذ ما أوقف له من سهمه ويرد إلى الآخر ما أوقف من سهمه، وظاهر قول المصنف: (شَارَكَهُ) أي: الصغير شارك من وافقه في الدعوى فيقسم بينهما نصفين، والنقل إنما هو ما ذكرته أن من وافقه يأخذ الموقوف فقط وهو ثلث ما بيد من وافقه ومصيبة الثلث الباقي من الصغير؛ لأن من وافقه ثبت له ثلث المال.
وقوله: (فَإِنْ مَاتَ) أي: الصغير قبل البلوغ حلفًا واقتسما ميراثه. سحنون: وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفوه فهم أحق بميراثه ولا يرد، وإذا كبر الصغير الصبي
[ ٨ / ١٦ ]
فادعاه كان له. وقال أصبغ في العتبية: يوقف النصف، قال: لأن كلًاّ منهما يقر بالنصف للصغير فله النصف ويجبر على الإسلام ويقسم النصف الآخر بينهما، هكذا نقل صاحب النوادر قول أصبغ، ونقله المازري على أنه يوقف نصف ما بيد كل واحد من الولدين؛ لأن هذا يجوز إذا كبر أن يدعي دعوى أحدهما فيكون الواجب قسمة المال بينه وبين الصغير، ويكون ما أخذه المخالف له في الدعوى كمال غصبه غاصب من التركة قبل القسمة، وهو مخالف لظاهر نقل أبي زيد من وجهين؛ أولهما: الاتفاق. وثانيهما: أن ظاهره في الآخر المخالف أن يسترجع ما أوقف من نصيبه. والله أعلم.
الدَّعْوَى والْجَوَابُ والْيَمِينُ والنُّكُولُ والْبَيِّنَةُ
أما البينة فقد تقدمت، وأما الأربعة التي قبلها فذكرها في القضاء أنسب، وهي مرتبة في الواقع على نحو ما ذكرها المصنف.
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقَّهِ بيَدِهِ آمِنًا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى رَذِيلَةٍ جَازَ لَهُ
يعني: إنما يحتاج إلى الدعوى من لا يقدر على أخذ متاعه، وأما إن قدر على أخذ شيئه بعينه وأمن من فتنة تترتب على أخذه؛ من قتال، أو إراقة دم ونحو ذلك من غير رفع إلى الحاكم؛ لأن المقصود من الرفع إنما هو الوصول إلى الحق، فإذا أمكن ذلك بدونه فالرفع إليه عناء، وربما لم يجد الرافع بينة فيؤدي إلى ضياع ماله، وهو ضد ما أمر به من حفظه.
وَأَمَّا فِي الْعُقَوبَةِ فَلابُدَّ مِنَ الْحَاكِمِ
يعني: انه إنما يستوفي حقه إذا كان مالًا، وأما إن كان حقه عقوبة فلابد [٦٨٩/أ] من الرفع، وكذلك إذا كان حقًا لله تعالى حدَّا كان أو أدبًا.
[ ٨ / ١٧ ]
وأَمَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِه، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ
يعني: وأما إن قدر على أن يأخذ غير حقه فثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه ظاهر، وقد تقدمت هذه المسألة آخر كتاب الوديعة وتكلمنا عليها بما فيه كفاية، لكنه إنما ذكر الخلاف في المسألة السابقة في مثل حقه، وها هنا عم الجنس وغيره، واختلف على القول بإجازة الأخذ من غير جنس حقه، هل يتولى بيع ذلك وهو اختيار بعض الشيوخ.
المازري: أو يرفع إلى الحاكم ليتولى ذلك وفيه نظر؛ لأن الرفع إلى الحاكم يوجب عدم أخذه، وقد بنينا على القول بجوازه؛ لأن القاضي لا يبيع إلا بعد ثبوت دينه وكون ما يبيع ملكًا لغريمه. واختلف أيضًا هل يكون ضمان هذا الذي يباع من ضمان البائع، أو هو كالوكيل.
وَعَلَيْهِ الْخِلافُ فِي إِنْكَارِ مَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِنْ أَنْكَرَهُ غَيْرُهُ
أي: وعلى هذا الخلاف وهو ظاهر، واشترط في الجواهر أن يكون الحقان حالين.
ابن عبد السلام: واختلف هل له أن يحلف ويؤدي؟
وَالْمُدَّعِي: مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ تَرَجَّحَ بمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ
لما كان يمين المدعي والمدعى عليه مما يشكل وجرى النظر فيه احتاج إلى تفريقهما، ويقال: إن علم القضاء يرد، وعلى تمييز أحدهما من الآخر فإن العلماء لا يختلفون في حكم كان منهما؛ يعني: أن من تمسك باستصحاب المال هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عن ذلك فهو المدعي، والظاهر أن قوله: (أَصْلٍ) يغني عن قوله: (بمَعْهُودٍ) لأن المعهود هو أيضًا أصل فيستصحب، وعرفهما معًا ولم يكتب بواحد؛ لأن القصد من التعريف البيان، وإفراد كل منهما بالتعريف أوضح، ولكنه أشكل على تمييز أحدهما عن الآخر، فقد تكون معرفة كل واحد منهما ظاهرة، وقد تظهر معرفة أحدهما دون الآخر، فإذا كان رسم كل واحد منهما معلومًا عند الفقيه وعرضت عليه مسألة؛ نظر فيها بقول كل واحد من
[ ٨ / ١٨ ]
الخصمين، فإن انطبق رسم المدعي على أحدهما ورسم المدعي عليه على الآخر فذلك غاية البيان، وإن انطبق رسم المدعي على كلام أحدهما ولم ينطبق رسم المدعي عليه على كلام آخر لم يضره ذلك؛ لأن معرفة المدعي توجب معرفة المدعي عليه وكذلك العكس.
فَلِذَلِكَ كَانَ مُدَّعِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ مَقُبُولًا لائْتِمَانِهِ، وَمُدَّعِي حُرِّيَّةِ الأَصْلِ صَغِيرًا كَانَ اوْ كَبيرًا مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ، بخِلافِ مُدّعِي الْعِتْقِ
يعني: أنه لا عبرة بلفظ المدعي عليه، وإنما المعتبر المعنى المذكور، فلأجل ذلك المعنى كان قول المدعي لرد الوديعة إذا لم يكن أصلها ببينة مقبولًا؛ لأنه ترجح بمعهود عرفي، إذ العرف في ائتمانه يقتضي تصديقه، وكان قول مدعي الحرية في الأصل مقبولًا؛ لأنه ترجح بأصل، إذ الأصل عدم الرق، اللهم إلا أن يثبت عليه حرز الملك فيستصحب، وهكذا نص عليه في كتاب العتق الثاني من المدونة.
قوله: (بخِلافِ مُدَّعِي الْعِتْقِ) أي: فإن قوله غير مقبول؛ لأنه ثبت رقه والأصل استصحابه. ابن عبد السلام: وقد قيل بمسألة الحرية ثلاثة أقوال.
فوائد:
الأولى: أن من تمسك بالأصل فهو المدعي عليه وخصمه هو المدعي، وذلك من قوله: (وَمُدَّعِي حُرِّيَّةِ الأَصْلِ).
الثانية: بين قوله: (مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ) أن الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب.
الثالثة: إذا ثبت الانتقال عن الأصل ببينة أو إقرار، فمن طلب رفعه فهو المدعي.
وَشَرْطُ الْمُدَّعَى: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا، فَلا يُسْمَعُ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ
أي: شرط المدعي به، واحترز بالمعلوم من المجهول فلا يسمع: لي عليك شيء، وبالمحقق فلو قال: أظن أن لي عنده شيئًا، أو شك فلا يسمع ذلك.
[ ٨ / ١٩ ]
المازري وغيره: إنه لو قال: لي عنده شيء، جوزنا فيه أن الطالب يقر بعمارة ذمة المطلوب بشيء وجهل مبلغه وأراد أن يجاوبه المطلوب عن ذلك؛ إما بإقرار أنه ادعى به عليه التفصيل وذكر المبلغ، وإما بالإمكان له من أًله؛ ألزم الجواب، قال: وكذلك لو سأله سؤالًا شاكًّا فيما له عليه، هل يستحق قبله شيئًا أم لا، فإن هذا يظن فيه وفي تفصيل القول فيه. وزاد المازري شرطًا آخر للدعوى؛ وهو أن تكون مما لو أقر بها للمدعي عليه للزمه، فإنه لو ادعى رجل على آخر هبة، وقلنا: إنها لا تلزم بالقول، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن الجواب لا يلزمه هناك، وكذلك الوصايا إذا رجع عنه وهو شرط ظاهر.
وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ وَبِعْتُ وَتَزَوَّجْتُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ.
يعني: أن من ادعى أمرًا معلومًا محققًا من بيع أو شراء أو تزويج فلا يلزمه بيان شروط صحته، ولا يستفصل شروط الحاكم المدعي على ذل، بل يكفيه أن يقول: اشتريت وبعت وتزوجت، وخالفت الشافعي في النكاح فقط ورأى أنه لا يقبل الدعوى فيه حتى يذكر المدعي شروط الصحة، فيقول: عقدت النكاح بصداق وولي وشاهدين، ووافق على أنه لا يلزمه في النكاح انتفاء الموانع؛ إذ لا فرق بين ذكر شروط الصحة وانتفاء موجبات الفساد.
وَلا يَحْلِفُ مَعَ [٦٨٩/ب] الْبَيِّنَةِ إِلا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ طُرُوُّ مَا يُبَرِّئُهُ مِنْ إِبْرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ
يعني: إذا أقام بينة معتبرة على دعواه فلا يلزمه مع ذلك يمين على صحتها خلافًا للشافعي، ودليله قوله ﷺ:"شاهداك أو يمينه". إلا أن يدعي المدعي عليه على المدعي أنه أبرأه من الحق أو عاوضه: فيحلف المدعي حينئذٍ، لأن البينة لم تتضمن ذلك إثباتًا ولا نفيًا، وإذا توجهت اليمين على المدعي فنكل عنه حلف المطلوب وبرئ، قاله في المدونة.
[ ٨ / ٢٠ ]
فرع:
واختلف إذا قال المدعي عليه إن قام عليه بشهادة عدول: احلف لي بأنك لا تعلم فسق شهودك، هل يحلف على ذلك، أم لا؟. ذكر المازري فيه الخلاف عن العلماء، ثم أشار إلى استظهار الوجوب، فكذلك إذاقال له: احلف لي أنك تستحلفني في هذه الدعوى فيما مضى، قال: والذي مر به القضاء والفتيا عندنا لزوم المدعي اليمين للمدعي عليه أنه ما استحلف قبل ذلك، أو يرد عليه قد استحلفه على هذه الدعوى أنه لا يحلف له مرة أخرى.
فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ الْغَائِبُ مِنَ الحَقِّ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْتَظِرُ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إِنْ كَانَ كَالْيَوْمِ، وَإِلاَّ حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ
أي، إذا قال المدعي عليه لوكيل الغائب: أبرأني موكلك الغائب من الحق، فقال ابن القاسم في المجموعة: لا يحلف الوكيل وينتظر الغائب، وفي بعض النسخ: وينتظر، فيعود على المدعي عليه أن يؤخر حتى يجتمع بالمدعي، وقال ابن كنانة في المجموعة: إن كان الطالب قريبًا من مثل اليومين فيكتب إلى الحاكم فحيكم، وإن لم يكن قريبًا حلف الوكيل أني ما علمت أنه قبض من الحق شيئًا، أوي قضي له، وقال ابن المواز: يقضي على المطلوب وترجى له اليمين على الموكل، فإذا لقيه حلف المطلوب واسترجعه، وكلام المصنف يقتضي أن قول ابن كنانة خلاف لقول ابن القاسم، وحمل غير واحد قولهما على الوفاق، وأن ابن القاسم يوافق على الانتظار في المدة القريبة، ولهذا قال في البيان: ولا خلاف في الغيبة القريبة أنه لا يقضي للوكيل إلا بعد يمين موكله.
وَمَنِ اسْتَمْهَلَ لإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ دَفْعِهَا أُمْهِلَ جُمُعَةً، وَيُقْضَى وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ، وَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ كَفِيلٍ فِي الوَجْهَيْنِ
(اسْتَمْهَلَ) أي: طلب أن يمهل، أي لإقامة بينة، هذا في حق المدعي، أو لدفعها، هذا في حق المطلوب أمهل جمعة، هو لغير ابن القاسم في المدونة، قال فيها: وإذا ادعى شهودًا
[ ٨ / ٢١ ]
حضروا على حقه أوقف الخمسة الأيام والجمعة. ابن عبد السلام: والمذهب لا تحديد في ذلك. قال غير واحد من أهل المذهب: وضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكام، وليس فيه حد محدود لا يتجاوز، وإنما هو بحسب ما يقتضيه الحال، وقد تقدم في الأقضية من كلام ابن راشد: أن العمل على أحد وعشرين يومًا، وذكر ابن سهل وغيره: إذا كان في الأصول أُجِّل المعذر إليه من طالب أو مطلوب خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم أربعة أيام، ثم ثلاثة تتمة الثلاثين يومًا، ذكره ابن العطار.
وقوله: (وَيُقْضَى وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ) ظاهره كان طالبًا أو مطلوبًا، وهو ظاهر المدونة آخر كتاب الأقضية؛ لقوله: يقبل ما أتى به بعد التعجيز إذا كان لذلك وجه، وقيل: لا تبقى له حجة طالبًا كان أو مطلوبًا، ونقله ابن عبد السلام عن الأكثر، قال في المدونة: تدل عند الأكثرين عليه، وقيل: تقبل من الطالب دون المطلوب، وقد تقدم هذا المعنى في الأقضية.
وَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ كَفِيلٍ فِي الأَمْرَيْنِ
أي: في إقامة البينة وفي دفعها، وأجمل في الكفيل؛ إذ لم يبين هل بالوجه أو بالمال، فأما المطلوب إذا أجل لدفع البينة؛ فللطالب أخذ حميل بالمال. المازري: وكذلك لو أقام عليه شاهدًا وطلب ذلك المدعي ليأتي بشاهد آخر، وأما إن طلب الدعي كفيلًا حتى يقيم البينة بالحق، فحكى المازري الاتفاق على أنه لا يلزمه حميل بالمال.
وأما بالوجه ففي الحمالة من المدونة: ومن كان بينه وبين رجل خلطة فادعى عليه حقَّا؛ لم يجب عليه حميل بوجه حتى يثبت حقه، قال غيره: إذا ثبت الخلطة بينهما فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه، وفي الشهادات: ومن ادعى قبل رجل دينًا أو غصبًا أو استهلاكًا، فإن عرف بمخالطته في معاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب؛ نظر فيه الإمام، فإما أن يحلفه أو يأخذ له كفيلًا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم
[ ٨ / ٢٢ ]
خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، ثم قيل: ما في الموضعين خلاف، وقال أبو عمران: المراد بالكفيل في الشهادات الوكيل، بمعنى أنه يوكل من يلازمه ويحرسه؛ لأنه يطلق على الوكيل كفيل، وقال ابن يونس: في الحمالة؛ يعني عن ابن القاسم: إذا لم يكن المدعي عليه معروفًا مشهورًا فللطالب عليه كفيل بوجهه ليوقع البينة على عينه، وأما لو كان المدعي عليه معروفًا مشهورًا؛ فليس للطالب عليه كفيل بوجهه، لأنا نسمع عليه البينة في غيبته، [٦٩٠/أ] وكذلك معنى قول ابن القاسم، والله أعلم.
وَإِذَا امْتَنَعَع الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَرَوَى أَشْهَبُ: يُحْبَسُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالنَّاكِلِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بالْبَيِّنَةِ طُولِبَ بِهَا وَحُكِمَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخَيَّرُ فِي الثَّلاثَةِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ عَلَى حُجَّتِهِ
يعني: إذا فرغ المدعي من دعواه كلف المدعي عليه بالجواب بأن يقر أو ينكر، فإن لم يفعل؛ فروى أشهب: يحبس حتى يقر أو ينكر واستصوبه محمد. ابن راشد: وهو الظاهر؛ لأن الخصم لم يتوجه عليه غير ذلك.
ابن عبد السلام: وبه جرى العمل ويؤدب. ابن سهل: وأفتى فقهاء قرطبة في مثل هذا بالضرب حتى يقر أو ينكر، فإن تمادى على إنكاره حلف عليه بغير يمين. وقال أصبغ: لا يخلو الذي وقع التنازع فيه إما أن يثبت بالنكول واليمين أو لا؛ فالأول: يقول القاضي إما أن تجيب، وإما أن يحلف ويحكم له عليك. وهذا بشرط أن تكون الدعوى مشبهة ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط لكونه شرطًا في مطلق الدعوى، وسيأتي تنبيه المصنف.
والثاني: وهو أن تكون الدعوى مما لا يثبت إلا ببينة، فإنه يطلب خصمه، فإن تمادى هذا على ترك الكلام حكم عليه، وهذه الزيادة أيضًا لا تفهم من كلام المصنف، وقال محمد بن المواز: يحكم عليه ولا يحتاج إلى يمين المدعين وقال اللخمي: مخير في الثلاثة
[ ٨ / ٢٣ ]
المتقدمة؛ فإما أن يحبس له المدعى عليه فيجيب بالإقرار أو الإنكار، وإما أن يحلف ويأخذ ما وقع النزاع عليه ملكًا؛ لأن امتناع المدعى عليه من الجواب امتناع من اليمين في المعنى؛ لأن الجواب سابق على اليمين وشرط فيها، وإما أن يحكم له الآن دون يمين، فإن أجاب خصمه بعد ذلك بالإنكار سمع منه وتمم الحكم بينهما.
وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السَّبَبِ، وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ اليْمِينُ
يعني: أن المدعي إذا ادعى بألف درهم مثلًا؛ فللمدعي عليه أن يسأله من أي وجه يستحقها عليَّ، فإن بيَّن الطالب وجهه؛ وقف المطلوب عليه ولزمه أن يقر أو ينكر، وإن أبى ولم يدعِّ نسيانه لم يسأل المطلوب عن شيء، قاله أشهب في المجموعة، وهو في كتاب ابن سحنون أيضًا، ووجهه: أن المدعي إذا ذكر السبب يحتمل ان يكون فاسدًا فلا يرتب على المدعي عليه غرامة.
وقوله: (وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بغَيْرِ يَمِينٍ) وقال الباجي: القياس بيمين، هذا من تمام قول أشهب، وقول الباجي أظهر.
فرع:
وإن أنكر المطلوب المعاملة كلف الطالب البينة، نقله الباجي.
وَجَوابُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ
لأنه إنما يكلف الجواب من يتوجه الحكم عليه، وفي معنى القصاص حدُّ القذف ونحوه.
وقوله: (وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ) يريد: إلا أن تقوم قرينة توجب إقرار العبد فيها بالمال، كما قال في كتاب الديات: في عبد على برذون مشى على أصبع صبي فقلعها فتعلق
[ ٨ / ٢٤ ]
به وهو يدمي، يقول: هذا فعل فيَّ، فصدقه العبد؛ أن الأرش يتعلق برقبة العبد، وأما على غير هذا من إقرار العبد فلا يقبل إلا بالبينة، وحيث قلنا إقرار العبد في القصاص يعفو عنه من يستحق القصاص على أن يأخذ العبد فليس له ذلك؛ لأن العبد يتهم على أن يكون أراد الفرار من سيده بإقراره على هذا الوجه، قاله في المدونة أيضًا.
وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هَوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ: يُزَادُ فِي رُبَُعِ دِينَارٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَاللِّعَانِ: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ظاهره أنه لابد من الاسم المعظم ووصفه بالذي لا إله إلا هو.
المازري: والمعروف من المذهب المنصوص عند جميع المالكية أنه لا يكتفي بالله فقط، وكذلك نص عليه أشهب، وكذلك لو قال: وهو الذي لا إله إلا هو، ما أجزأه حتى يجمع بينهما، وقال اللخمي: الذي يقتضي قول مالك الإجزاء إذا اقتصر على أحدهما، واختاره واستدل له بلزوم الكفارة في أحدهما بغير خلاف.
المازري: وإنما تعلق ما نسبه لمالك بما وقع في المدونة في ذكره يمين اللعان في قوله: يقول بالله، وبما قاله في يمين اليهودي والنصراني أنه يقول بالله، وهذا ليس المقصود به عند مالك﵁- أنه اللفظ الذي يذكر هنا، وإنما أراد بيان ما وقع فيه الإشكال، وإثبات الزيادة واللعان، وإثبات ذكر الذي أنزل التوراة على موسى﵇- في حق اليهودي، وإثبات الذي أنزل الإنجيل على عيسى - ﵇- في حق النصراني.
وقوله: (وَرَوَى ابْنُ كِنَانَة إلخ) ظاهر التصور، وزيد في القسامة قول ثالث؛ أن يقول: أقسم الله الذي أحيا وأمات. ويتحصل في فهم اللخمي في اللعان أقوال؛ الأول مذهب المدونة: بالله. الثاني في الموازية: أشهد بعلم الله.
[ ٨ / ٢٥ ]
اللخمي: يريد أنه جائز لا أنه لا يجزئ غيره. الثالث: القول الذي قدمه المصنف. الرابع: القول الثاني من كلام المصنف. الخامس: بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. ويتحصل فيه أقوال؛ أولها: بالله الذي لا إله إلا هو. الثاني: أن يقول الذي أمات وأحيا. الثالث: أن يقول لا إله [٦٩٠/ب] إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. الرابع: وذكر ابن رشد أنه مضى به العمل عندهم: عالم الغيب والشهادة، ولم يذكر الرحمن الرحيم، وزاد فيه أن تكون الأيمان إثر صلاة العصر يوم الجمعة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ: الْذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ. وَقِيلَ: يُزَادُ
الأول المشهور، والثاني رواه الواقدي عن مالك، ومعناه: يزاد على اليهودي؛ الذي أنزل التوراة على موسى، وعلى النصراني، الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇، وأطلق المصنف لعدم الإلباس، وإنما جمعها في القول الألو في سياق النفي. قال في المدونة: ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، وظاهر قول مالك: أن المجوسي يحلف كما يحلف المسلم بالله الذي لا إله إلا هو. وقيل: لا يلزمه أن يقول إلا بالله، ومقتضى كلام المصنف أن الكتابي يقول في يمينه: والله الذي لا إله إلا هو. وفي المدونة: ولا يحلف اليهودي والنصراني في قوله في لعان أو غيره إلا بالله.
عياض: فحمله بعض الشيوخ على ظاهره وأنهم لا يلزمهم تمام الشهادة؛ إذ لا يعتقدونها فلا يكلفون ما لا يدينون به وهو مذهب ابن شبلون، وفرق غيره بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحيد وبين غيرهم. وقال غيره: لنا يحلفون بالله فقط هنا، لما سأله عنه: أيزيدون الذي أنزل التوراة على موسى ﵇ والإنجيل على عيسى ﵇، فقال: أن يحلفوا بالله فقط لا يلزمون بما سألت عنه. وذهب بعضهم إلى أن جميعهم يلزمه هذا اعتقده أم لا، رضيه أم كرهه، ولا يعد قولهم ذلك إسلامًا، وإنما هو حكم يجريه عليه الإسلام كما يلزمون فيما تحاكموا فيه مع المسلمين بحكم الإسلام، وإليه ذهب المتقدمون الأصحاب. انتهى باختصار.
[ ٨ / ٢٦ ]
وَتُغَلَّظُ فِيمَا لَهُ بَالٌ بالْمَكَانِ. وَقِيلَ: وَبِوَقْتِ الصَّلاةِ، وَتُغَلِظُ فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ بهِمَا
الذي له بال هو ربع دينار فصاعدًا، (بالْمَكَانِ) أي: بالجامع. وأما ما دون ذلك فيحلف حيث كان.
قوله: (وَقِيلَ: وَبوَقْتِ الصَّلاةِ) فهم منه شيئان؛ أولهما: أن الأول تغلظ بوقت الصلاة. وثانيهما: أن القول الثاني وافق على التغليظ بالمكان أو لإثبات الدار.
وقوله: (بوَقْتِ الصَّلاةِ) أي: حين يحضر الناس في المساجد ويجتمعون للصلاة وتغلظ في الدماء وفي اللعان بهما؛ أي: بالزمان والمكان، وحاصله: أنه اتفق على التغليظ بهما في الدماء واللعان، واختلف في الأموال، ونزل قوله: (إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) [آل عمران:/ ٧٧] فيمن حلف بعد العصر على يمين كاذبة.
فرع:
المازري: المعروف أنه لا ينوب مناب الجامع الأعظم آخر ولو كان مسجد جماعة وقبائل، وأخذ الباجي التحليف في سائر المساجد مما رواه ابن سحنون: في امرأتين ممن لا يخرجن فأمر أن يخرجا من الليل إلى الجامع، فسئل عن تحليفهما في أقرب المساجد ولا يكلفان إلى الجامع، فأجاب إلى ذلك، ورده المازري بكونه ذكر اختصاص من يُستحلف بمعنى يوجب تغير الحكم بكون امرأتين مخدرتين لا يتصرفان، فكما نقلهما من الحلف نهارًا إلى الليل سترًا عليهما كذلك ينقلهما إلى أقرب المساجد.
وَتَخْرُجُ الْمُخَدَّرَةُ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلًا، وَيُجْزِئُ فِي تَحْلِيفِهِمَا الوَاحِدُ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى
أي: تخرج فيما له بال: لأن كلامه فيه، وظاهره أنه تخرج لربع دينار فصاعدًا.
[ ٨ / ٢٧ ]
المازري: وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون. وفي الموازية عن ابن القاسم: أنها لاتخرج إلا في المال الكثير الذي له بال، وفسره اللخمي بالدينار فأكثر.
الجوهري: والخدر الستر، وجارية مخدرة: اللازمة الستر، وظاهر كلام المصنف: أنها تخرج ليلًا ولو كان لا تخرج جملة ولا تتصرف كنساء الملوك، وهكذا قال الأندلسيون، قالوا: وإن منعت من الخروج حكم عليها بحكم الملك.
عياض: وليس بصواب؛ لأنها مكرهة فكيف تؤخذ بذنب، وقال ابن كنانة وغيره، وهو الذي ذكره عبد الوهاب: إن مثل هذه تحلف في بيتها وهو ظاهر، والمدونة محتملة للقولين؛ لقوله: وإن كانت من لا تخرج نهارًا فلتخرج ليلًا. وفي بعض النسخ: (لا تخرج) ولم يذكر نهارًا، وهذا إنما هو فيما تطلب به المرأة من اليمين وجب عليها، فأما يمينها فيما تستحق به حقها فلتخرج إلى موضع اليمين، نص عليه ابن كنانة في المدونة وغيره ولم يذكر فيه خلافًا.
وقوله: (مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ) نحوه في الجواهر عن ابن عبد الحكم، والذي في المدونة: وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج، فخص ذلك بأم الولد، وقال بإثر ذلك: وأما العبد ومن فيه بقية رق فهو كالحر في اليمين.
ابن عبد السلام: وفي المدونة: وأما المكاتبة والمدبرة فهما كالحرة في اليمين.
خليل: لم أجد هذا في كل النسخ بل في بعضها، ولم يتكلم على هذه الزيادة أبو الحسن في التنبيهات في باب الأقضية.
وقوله- يعني في المدونة-: وأما ما سألت عنه من المكاتب والمدبر وأمهات الولد؛ فسننهم سنة الأحرار، إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر؛ منهن من تخرج ومنهن من لا تخرج. حمل بعضهم الكلام الأول على الذكران دون الإناث، ولهذا استثنى أمهات
[ ٨ / ٢٨ ]
الأولاد، وعليه اختصر أبو محمد، وذهب آخرون إلى أن الكلام [٦٩١/أ] على الذكران والإناث وأنهم ما عدا أمهات الأولاد كالرجال في اليمين، وإنما استثنى أمهات الأولاد؛ لأن لهن حرمة ساداتهن وأبنائهن كحرمة الحرائر، ومن عداهن من المكاتبات والمدبرات والسراري كالذكران من الرجال، وإليه ذهب ابن محرز. ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات: وأما ما سألت عنه من المدبرات والمكاتبة وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار. انتهى. وهذايرجح سقوط التي ذكرها ابن عبد السلام، ثم قوله: (الحرة) يحتمل في نفس اليمين.
قوله: (وَيُجْزئءُ فِي تَحْلِيفِهِمَا الْوَاحِدُ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى) وهو مذهب المدونة. قال عياض: وهو أحد قوليه في هذا الأصل كالنظر في العيوب والترجمان، ونحو ذلك.
وَيَمِينُ الْمَسْجِدِ قَائِمًا مُسْتَقْبِلًا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ فِي لِعَانٍ أَوْ قَسَامَةٍ
أخذ من صريحه أن اليمين إذا كانت فيام له بال وأوقعت في المسجد يلزم فيها القيام والاستقبال، وفهم من كلامه أنه إذا لم تكن فيما له بال يحلفها كيف تيسر، وهذا قول مطرف وابن الماجشون، وهو خلاف مذهب المدونة؛ لأن فيها: وكل ما له بال فإنما يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه وليس عليه أن يستقبل القبلة، وروي عن مالك: أنه يحلف جالسًا ولا يحلف قائمًا.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ فِي لِعَانٍ أَوْ قَسَامَةٍ) أي: فيحلف فيهما قائمًا مستقبلًا، وهو قول أشهب.
وَلاَ يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إِلا فِي الْمَدِينَةِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَاكَثَر، وَيَحْلِفُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ
نحوه في المدونة، وإنما اختص منبر النبي ﷺ بهذا لأنه موضع مصلاه، وقد قال ﵇: "من حلف عند منبري آثمًا إنما تبوأ مقعده من النار".
[ ٨ / ٢٩ ]
وظاهر المدونة ألا يحلف في سائر المساجد غير مسجده ﷺ عند المنبر، وقد صرح ابن وهب في روايته بذلك، وقال مطرف وابن الماجشون: يستحلفون في ربع دينار في المدينة عند منبره ﷺ، وفي غيرها في المسجد الأعظم حيث يعظمون منه عند غيرهم أو تلقاء قبلتهم، ولو اتفق أن يكون في بعض المساجد المنبر في وسط المسجد لكانت اليمين عند المحراب دون المنبر.
المازري: والمعروف أنه يحلف في المدينة عند منبره ﷺ، وفي مكة عند الركن، وفي غيرهما من البلاد في الجامع الأعظم، وهل يختص في الجامع الأعظم بمكان المنبر؟ وقع في بعض الإطلاقات ما يشير إلى أنه لا يشترط اليمين عند المنبر إلا في منبر الرسول ﷺ، وذكر ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك أن الاستحلاف عند المنبر وتلقاء القبلة، يشير بذلك إلى أن المحراب هو أعظم حرمة مما سواه في المسجد لكونه محل من يقتدى به.
المازري: والمعروف من المذهب أنه لا يستحلف في المسجد في أقل من ربع دينار، لكن ابن الجلاب قصر هذا الاحترام على مسجده ﷺ، فقد شرط في الاستحلاف أن يبلغ الحق ربع دينار، واستحلف فيما سواه من البلدان في المسجد الأعظم في أقل من ربع دينار، وعلى هذا فقول المصنف: (وَيَحْلِفُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ) خلاف المعروف.
قَالَ: وَمَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَهُ كَانَ نَاكِلًا
أي: قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر كان ناكلًا.
وَشَرْطُ الْيَمِنِ أَنْ يُطَابِقَ الإِنْكَارَ
اليمين إذا توجهت على المدعى عليه لإنكاره فشرطها أن تكون مطابقة لإنكاره، ما لو ادعى عليه أنه اشترى منه فأنكره، فيحلف أنه اشترى نمه كذا. قال في المدونة: ولو أراد أن يحلف أنه لا حق لك قبلي، فليس له ذلك؛ لأن هذا يريد أن يوري.
[ ٨ / ٣٠ ]
ابن القاسم: يعني يلقن. وشرحه التونسي: بأنه يريد أن يتحيل على أن يكون القول قوله في القضاء بقوله: ما له عندي. واشترط ابن الماجشون المطابقة وأجاز أن يحلف أنه لا حق لك قبلي، يريد لا قليلًا ولا كثرًا، هكذا ذكر المازري عنه وهو ظاهر؛ لأن اليمين على نية المستحلف.
المازري: واختار ابن حبيب الاستظهار بقرائن الحال، فإذا كان المدعى عليه من أهل الصلاح والفضل والمدعي من أهل التهم ومن يظن به أنه ادعى الباطل؛ قنع في اليمين بما قاله ابن الماجشون، فيقول: ما لك عندي حق قليل ولا كثير، وقال: وهذا قاله ابن الماجشون.
(لا قليل ولا كثير) إشارة إلى إحدى الطريقتين ي المسألة التي أشرنا إلى اختلاف العلماء فيها إذا ادعى رجل بعشرة، فقال: مالك عندي عشرة، أنه يضيف إلى هذا ولا أقل منه.
وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى وَفْقِ الشِّهَادَةِ بِأَنَّه أَقَرَّ، وَلا يَلْزَمُهُ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا
لما تكلم على اليمين في جانب المدعي عليه تكلم فيما إذا كانت في جانب المدعي، وهي على قسمين؛ أحدهما: أن يقوم له شاهد بالحق. والثاني: أن يردها عليه، لكن المصنف ترك بيان هذا القسم الثاني استغناء ببيان يمين المدعى عليه، فإن من ردت عليه يمين فإنما يحلفها إثباتًا ونفيًا على مناقضة من ردها عليه، كما استغنى أيضًا عن باين يمين المدعى عليه إذا ردها المدعي إذا قام له شاهد للوجه الذي قلناه، ومعنى كلامه هنا: أنه إذا شهد شاهد له أن فلانًا أقر له بمائة، فإنما يحلف على [٦٩١/ب] وفق الشاهد لا على وفق دعواه. ابن عبد الحكم: وليس للطالب أن يحلف أن له عليه مائة أو غصبه مائة، ولهذا لو قال المصنف عوض قوله: (وَلا يَلْزَمُهُ) (ولا يقبل منه أن عليه كذا) كان أحسن، ثم يظهر ما قاله ابن عبد الحكم إذا قلنا أن اليمين كشاهد ثانٍ، وأما على قول من يرى أن الحق إنما هو مستند للشاهد واليمين إنما هي استظهار؛ فينبغي ألا يشترط المطابقة.
[ ٨ / ٣١ ]
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَائِبٍ زَادَ: وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ
قد تقدم في كلام المصنف في آخر باب الأقضية في هذه المسألة خلاف، لكن إذا حلف أنه باقٍ عليه إلى الآن استلزم الفصول كلها.
ويَحْلِفُ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَرَثَتِهِ كَذَلِكَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ
يعني: إذا ادعى من عليه الحق من الورثة أنهم علموا بالقضاء فيحلف من كان منهم بالغًا يوم الموت؛ لأنه يظن به أنه علم بذلك، وأما من كان صغيرًا فلا.
وقوله: (عَلَى نَفْي الْعِلْمِ) فيقول: ما علمت أنه قبض منك شيئًا، ولا يكلف البَتَّ. قال في الجواهر: وإذا حلف البالغ قضي لجميعهم، واختلف: هل لا يحلف الوارث إلا بشرط أن يدعي المطلوب عليه العلم او لا يشترط ذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنه لا يحلف كل من بلغ، والمذهب أنه لا يحلفها من البالغين إلا من يظن به منهم العلم؛ كقريب القرابة المخالط، وأما من بَعُد كابن العم والأخ الذي لا يخالط أخاه فلا يحلف كالصغير.
وَيَحْلِفُ فِي الرَّدِيءِ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ، وَفِي النَّقْصِ عَلَى الْبَتِّ
أي: في الدرهم الجيد والردئ، فحذف الموصوف، فيقول: ما أعطيته إلا جيادًا في علمي، وظاهره أن هذا في حق الصيرفي وغيره وهو قول ابن القاسم، وقيل: بل يحلف على البت، وفصل ابن كنانة وابن حبيب فقالا: يحلف الصيرفي على البت وغيره على العلم؛ لأن الصيرفي لا تشكل عليه الدراهم بخلاف غيره. قال في الجواهر، ولو قال: ما أعرف الجيد من الردئ، فقال بعض الأصحاب: يحلف ما أعطيته رديئًا في علمي، وحلف في النقص على البت؛ لأن النقص يمكن فيه حصول القطع ولا يتعذر الجزم به أو بعدمه بخلاف الجودة والرداءة.
[ ٨ / ٣٢ ]
وَمَا يُحْلَفُ فِيهِ بَتًّا يُكْتَفَى فِيهِ بظَنٍّ قَوِيًّ، أَوْ خَطِّ أَبيهِ، أَوْ قَرِينَةٍ مِنْ خَصْمِهِ وَشِبْهِهِ. وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ التَّغْييرُ
لما ذكر أولًا أن اليمين إن كانت على نفي العلم اكتفى بالظن، وإن كانت على البت فقولان؛ أولهما: الاكتفاء بالظن كالأول. والثاني: لابد من العلم. والقولان لمالك، والأول في كتاب ابن سحنون، واستقرأ من المدونة من كتاب الشهادات وكتاب الوديعة وكتاب الديات، والثاني في الموازية، واحتج للأول: بأنه لو أقام الصغير شاهدين بدين لأبيه لساغ له أخذ هذا المال والتصرف فيه مع أنه لا يقطع بصدق الشاهدين، فلما أبيح له الاعتماد على الظن أبيح له أن يحلف عليه بأن استباحة الأموال ورد الشرع بالتعويل فيها على الظاهر، ولو طلب فيها اليقين لأدى إلى ضرر عظيم لعسر تحصيل اليقين في كل وقت يحتاج الإنسان فيه قوته وغير ذلك من مهماته، ويلزم ألا يشتري شيئًا من السوق حتى يعلم صحة ملك البائع له، والبائع من البائع، بخلاف اليمين فنه لا مانع في طلب اليقين فيها، بل مقتضى تعظيم حق الله ألا يحلف به إلا مع تيقن الصدق، ومن هنا تعلم أن قول المصنف في باب الأيمان: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنِّ كَذَلِكَ) مبني على القول الثاني لا على الأول.
وَالْيَمِينُ عَلَى نِيِّةِ الْحَاكِمِ فَلا تُفِيدُ تَوْرِيَةٌ الاسْتِثْنَاءَ
أي: التي يحلفها المدعي عليه هي على نية القاضي واعتقاده لا على نية الطالب، وقد تقدمت هذه المسألة في باب الأيمان، ووقع في بعض النسخ أن ما تقدم على المشهور؛ وهي زيادة تصح على طريق بعض الشيوخ كما تقدم.
وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ: مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا وَلاَ شَيْءَ مِنْهُ، لاَ مُطْلَقًا
كما لو ادعى عليه عشرة وأنكرها فإنه يحلف: ما له عندي عشرة ولا شيء منها.
[ ٨ / ٣٣ ]
المازري: واختلف العلماء هل يكتفي بقوله: مالك عندي عشرة، لكونه مطابقًا لما سئل عنه أو لابد أن يقول: ولا شيء منها. قال: والتحقيق عندي يقتضي ألا يكلف زيادة على العشرة إلا حين يدعي سؤالًا بآخر، ويقول: فهل لي عندك بعض العشرة، ويسمي جزءًا؛ فيلزم حينئذٍ المجاوبة.
فَإِنْ ذَكَرَ السَّبَبَ نَفَاهُ مَعَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يُكْتَفَى بذِكْرِ السَّبَبِ. وَعَنْ مَالِكٍ: يُقْبَلُ: مَا لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ، ثُمَّ رَجَعَ
أي: إن ذكر سبب العشرة، كما لو قال: أسلته عشرة مثلًا، وفهم من هذا أن الكلام الأول إذا لم يذكر السبب، وقوله: (نَفَاهُ) أي: السبب معه. ابن عبد السلام: أي مع العدد ويحتمل أن يقدر بعكس هذا التقدير، فيقول المدعي عليه في يمينه: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي عشرة من سلف ولا من غيره، هكذا نص عليه أشهب وسحنون. وقال الباجي: القياس أن يكتفى بقوله: ما له عندي عشرة من سلف؛ لأن اليمين مطابقة للجواب، والجواب مطابق كنفي الدعوى، والطالب لم يطلبه [٦٩٢/أ] بغير ذلك، وفي أخذ زيادة قوله: ولا من غيره من كلام المصنف نظر، وهي زيادة لابد منها، ونص أشهب على أنه لو لم يزدها أن اليمين لا تجزئه. وعن مالك يقبل: ما له علي حق، ثم رجع، هذا هو الشاذ المقابل للمشهور وهو مذهب ابن الماجشون.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ، قُلْتُ لابْنِ عُبْدُوسٍ: فَيُضْطَرُّ إِلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ غُرْمِ مَا لاَ يَجِبُ، فَقَال: يَنْوِي شَيْئًا يَجِبُ رَدُّهُ، وَيَبْرَأُ مِنَ الإِثْمِ
نسبة السؤال إلى ابن دينار وهم؛ لأنه إما محمد بن دينار وهو من أصحاب مالك، وإما عيسى بن دينار وهو من أصحاب ابن القاسم، وكلاهما أقدم من ابن عبدوس لأنه من أصحاب سحنون، والصواب ما ذكره ابن شاس، قال ابن حارث، قال محمد بن زياد لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس: إذا أسلف الرجل الرجلَ مالًا فقضاه إياه بعد ذلك بغير
[ ٨ / ٣٤ ]
بينة وجحد القابض، فإن أراد أن يحلفه أنه ما أسلفه، فإن باطن أمره أنه قد قضى- أعني في ضميره- سلفًا يجب علي رده إليك في هذا الوقت، وبرئ من الإثم في ذلك، وانظر هذا مع قولهم أن اليمين على نية الحاكم، ووقع في بعض النسخ، قال ابن زياد: وعليها يندفع الاعتراض، ثم إن ما ذكره ابن عبدوس إنما هو مبني على القول الذي رجع إليه مالك، وأما على المرجوع عنه؛ فيكفي: ماله عندي شيء.
وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: هُوَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي، أَوْ لَيْسَ لِي، لَمْ يُمْنَعِ الْمُدَّعِي مِنَ الْبَيِّنَةِ
إذا كان المدعي فيه معينًا وكان بيد رجل فأجاب الذي هو بيده أنه وقف، أو قال: لولدي سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، أو قال: ليس لي ولم يزد، قيل للمدعي: أقم البينة بأن هذا لا ينازعك فيه، وتكون المخاصمة بين المدعي وبين الناظر في الوقف، وبينه وبين الولد إن كان كبيرًا، وبينه وبين أبيه إن كان صغيرًا.
وَلَوْ قَالَ: لِفُلانٍ الْحَاضِرِ، فَلْيَدَّعِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، فَإنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ قِيمَةَ مَا فَوَّتَهُ
هذا تفريع على قوله: (أَوْ لَيْسَ لِي) فلابد من استفساره إذا سماه، فإما أن يكون حاضرًا أو غائبًا، وتكلم المصنف أولًا على الحاضر وذكر أن الدعوى تنقل إليه إذا وافق على أنه له، ثم المدعي إما أن يقيم بينة وإما أن يحلف المقر له، فإن أقام بينة فواضح، وإن حلف فللمدعي أن يحلف المقر أنه ما أقر إلا بالحق، وإن نكل -أي: المقر-حلف-أي: المدعي- وغرم له المقر قيمة ما أتلف عليه بإقراره، أو مثله إن كان مثليًّا، وهذا ظاهر إذا حلف المقر له أولًا.
وأما إن كان المقر له نكل فانتقلت اليمين على المدعي فنكل عنها، فلا ينبغي أن يحلف المقر له؛ لأن من حجة المقر أن يقول: هب أني نكلت فلا يتعلق لك الحق بنكولي خاصة،
[ ٨ / ٣٥ ]
ولابد من اليمين معه، وقد توجهت هذه اليمين عليك بنكول المقر له فنكلت عنها، ومن نكل عن يمين فلا يعود فيها.
المازري: بعد أن ذكر ما ذكره المصنف: إن للمدعي بعد تحليف المقر له أن يحلف المقر أيضًا، قال: وعلى قول من ذهب من الناس إلى أن متلف الشيء بإقراره لغير مستحقه لا يطلب بالغرامة، لا يمين هنا على المقر؛ لأنه لم يباشر الإتلاف، وإنما قال قولًا حكم الشرع فيه بإخراج ما أقر به من يده وكان سببًا في إتلافه، فلهذا لا يمكن من تحليفه؛ لأنه إذا لم يلزمه بالإقرار حكم ولا غرامة فلا يلزمه يمين، وأشار المازري إلى أن من الناس من رأى أنه لا غرامة على المقر إذا نكل بعد القول بتوجيه اليمين عليه. ابن عبد السلام: وفيه نظر.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَزِمَهُ الْيَمِينُ أَوِ الْبَيِّنَةُ وَانْتَقَلَتِ الْحُكُومَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنْ جَاءَ الءمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ
فإن كان المقر له غائبًا غيبة بعيدة لا يلزم الإعذار إليه فيها، فلا خلاف أنه لا يسلم لمدعيه بمجرد دعواه، ولا خلاف أيضًا أنه لا يقبل قول المدعي مجردًا عن يمين وبينة ثم أقام بينة على أنه للغائب؛ كانت الدعوى بين هذا المدعي والغائب، وإن لم يقر وطلب المدعي يمين المقر؛ فقال أشهب: ما حكاه لمصنف تلزمه اليمين أو البينة. وقال المازري: يسأل المدعي عن غرضه في تحليفه، فإن كان لينكل فيحلف المدعي ويغرم المقر قيمة الثوب، جرى على الخلاف في التغريم إذا أتلفه بالإقرار، وإن كان لينكل فيحلف المدعي ويستحق على المتنازع فيه ويبطل حق الغائب فيه الآن؛ ففيه خلاف.
وذكر ابن سحنون فيمن ادعى في دار في يده، فقال: هي لفلان الغائب، أنه إن حلف بقيت في يده، وإن نكل سلمها للمدعي من غير حلف حتى يقدم الغائب فيأخذها بإقرار من كانت في يده، قال: واختار بعض أشياخي سقوط اليمين عنه إذا لم يقل المدعي أنه أودعه هذه الدار ورهنه إياها؛ لكونه لا يلزمه أن يحلف لإثبات ملك غيره، فإن ادعى
[ ٨ / ٣٦ ]
عليه هذا الطالب أنه أودعه إياها أو رهنها عنده توجهت عليه اليمين لينفي عن نفسه غرامة قيمتها الواجبة عليه بإقراره بها لغيره، قال: ومن الناس من ذهب إلى أنه إذا نكل وحلف المدعي؛ أخذ المدعي فيه حتى يقدم الائب فيخاصمه، ورأى أن هذا صيانة لقاعدة [٦٩٢/ب] الشرع؛ لأنا لو صرفنا المدعي عن اخذ الثوب وعن تحليف المدعي عليه، لكان كل أحد يمكنه أن يصرف خصمه بإضافة المدعي فيه لغائب فتفسد قاعدة الشرع، لا سيما إذا قلنا: إن النكول مع يمين المدعي كالشهادة على هذا القول، وهو أن القاضي يحكم للمدعي باخذ ما ادعاه ويمين المقر، فهل يكون ذلك حكمًا على الغائب المقر له يستوفي له حجته كما تقدم في الحكم على الغائب، أو يكون حكمًا على الحاضر فلايفتقر إلى ذلك؛ لأن الغائب لم يتحقق ملكه لجواز أن يقدم فيرد الإقرار؟
المازري: والأولى عندي أن يستظهر باليمين الواجبة في القضاء على الغائب، ولو أقام المدعي بينة أن الدار مثلًا له ولم يكن للمدعي عليه حجة، فإنها تسلم إليه ويبقى الغائب على حقه إذا قدم، ولو أراد من بيده الدار ان يقيم بينة بملك الغائب يعارض بها بينة المدعي ولم يثبت له وكالة تبيح المدافعة؛ ففي تمكينه من ذلك للعلماء خلاف، فإن زعم المدعي عليه أن هذه الدار رهن في يديه؛ فالتحقيق يقتضي أن يمكن من إقامة البينة التي للغائب حينئذٍ.
وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ) أي: المقر عن اليمين؛ أخذ المدعي المدعي فيه بغير يمين إذا جاء المقر له وصدق المقر أخذه المقر له، وهو الذي تقدم لابن سحنون في مسألة الدار، فأما إن حضر وكذب الإقرار سقط حقه ويبقى النظر هل يستحقه بيت مال المسلمين ويكون كمالٍ لا مالك له.
المازري: وهو ظاهر الروايات عندنا، أو يقال يسلم لمدعيه لكونه لا منازع له، وبيت المال حتى يدافع الإمام عنه كما قيل: يما أخذه السلابة فأخذ منهم فإنه يقضي به لمدعيه بعد الاستيناء
[ ٨ / ٣٧ ]
والإياس ممن طلبه، والتحليف على ذلك كما أشار إليه بعض العلماء في هذه المسألة، وأشار بعضهم إلى أن الإمام يضرب عن ذلك صفحًا ويبقى الثوب بيد من هو بيده.
النُكُولُ: وَيَجْرِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ
أي: نكول المدعى عليه عن اليمين المتوجهة عليه أولًا لأجل نكول يعني: يدخل نكول المدعى عليه اليمين لنكول المدعي وغير ذلك من أنواع النكول لقوله:
وَلاَ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِمُجَرَّدِهِ، بَلْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي
المازري: أشار أصحابنا إلى إجماع الصحابة على ذلك، وروى الدارقطني: أنه ﵊ رد اليمين على طالب الحق. إلا أن في إسناده إسحاق بن الفرات وهو ضعيف، ويقيد كلام المصنف بما عدا يمين التهمة، فإن الحق يثبت فيها بمجرد النكول على المشهور، وصرح به ابن رشد.
وَيَتِمُّ بِقَوْلِهِ: لا أَحْلِفُ وَشِبْهِهَا، وَيَتَمَادَى عَلَى الامْتِنَاعِ
شِبْهُ (لا أَحْلِفُ) (أنا ناكل) ويقول للمدعي: احلف أنت، ويتم أيضًا بتمادي المدعى عليه على الامتناع من الجواب، وهكذا قال ابن شاس زاد: ويحكم عليه بغير يمين، وهو يأتي على أحد الأقوال المتقدمة، وسئل ابن عتاب عمن وجبت عليه يمين فردها على الطالب بحضرته فسكت الذي ردت عليه حينئذٍ ومضى زمان ثم أراد أن يحلف، فقال له الراد: لا أريد أن أحلفك لأني مكنتك من اليمين حينئذٍ ولم تحلف وأنا أحلف، فقال: يحلف من ردت عليه اليمين طال الزمان أم قصر، وهو قول مالك وأصحابه.
وَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ بَيَانُ حُكْمِ النُّكُولِ
يعني: يقال للمدعي عليه إذا توجهت عليه اليمين: إن نكلت عن اليمين حلف المدعي واستحق ما ادعاه، وظاهر قوله وقول ابن شاس: (ينبغي) أنه مستحب، ووقع لمالك في كتاب ابن سحنون الأمر بذلك، فقال: وإذا جهل المطلوب فليذكره له القاضي.
[ ٨ / ٣٨ ]
وَإِذَا تَمَّ نُكُولُهُ، فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ
أي: تم نكول المدعى عليه ثم بدا له، فقال: أنا أحلف، لم يمكن من ذلك، رواه عيسى عن ابن القاسم؛ لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله، فلا يمكن من إبطال ما تعلق به، ومثاله ما في المدونة فيمن قام له شاهد بحق فرد اليمين على المدعى عليه أنه لا رجوع له في ذلك. أبو عمران: وهو متفق عليه، قال: وأما المدعى عليه يلزم اليمين ثم أراد الرجوع عنه إلى إحلاف المدعي فذلك له؛ لأن التزامه لا يكون أشد من التزام الله ﷾، قال: وقد خالفه في ذلك ابن الكاتب ورأى أن ذلك يلزمه وليس له رد اليمين، والصواب ما قدمناه.
فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي كَانَ كَيَمِينِ الْمَطْلُوبِ
أي: إن نكل المدعي عن اليمين التي ردها المطلوب عليه، فإن نكول المدعي كيمين المدعى عليه في سقوط الحق عنه.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَاهُ، ثُمَّ نَكَلَ بَعْدَ نُكُولِهِ لَزِمَهُ
يعني: ومثل ما قلناه في نكول المدعي بعد رد اليمين عليه أن يدعي المطلوب بالذي قضاه وينكل الطالب بتوجه اليمين على الطالب؛ لأن المطلوب مدَّعٍ، فإن حلف الطالب استحق، وإن نكل انقلبت على المطلوب، فإن حلف سقط عنه الحق، وإن نكل غرم الحق للطالب.
فقوله: (ادَّعَى أَنَّهُ) الضميران عائدان على المطلوب. وقوله: (قَضَاهُ) عائد على المطلوب أو الطالب. وقوله: (ثُمَّ نَكَلَ) أي: المطلوب (بَعْدَ نُكُولِهِ) أي: الطالب (لَزِمَهُ) أي: الغرم.
[ ٨ / ٣٩ ]
وَالْمُسْتَمْهِلُ لِحِسَابٍ وَنَحْوِهِ أُمْهِلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ بكَفِيلٍ بوَجْهِهِ، وَقِيلَ: مَا يَرَى الْحَاكِمُ
إذا طلب المطلوب من القاضي أن يمهله ليتحقق ما يجيب به من إقرار أو إنكار، فقال ابن شعبان: يمهل اليومين والثلاثة لا أكثر. ابن شعبان: ويحكم عليه بإقامة زعيم بوجهه، ولا يبعد أن يكون هذا الكفيل [٦٩٣/أ]؛ لأن المطلوب الآن شارك في وجوب الجل عليه، وفي المذهب خلاف إذا شك المطلوب: هل يقضي عليه دون يمين يلزم الطالب، أو لابد من يمينه؟ وعلى التقديرين فالحق قد توجه على المطلوب، أو هو في معنى المتوجه.
وقوله: (وَقِيلَ: مَا يَرَى الْحَاكِمُ) من الاستمهال، وهذا لابن عبد الحكم وهو الظاهر.
الدَّعْوَى ثَلاثَةٌ: مُشْبِهَةٌ عُرْفًا: كَالدَّعَاوِي عَلَى الصُّنَّاعِ، وَالْمُنْتَصِبينَ لِلتِّجَارَةِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرِ فِي الرُّفْقَةِ، وَالْمُدَّعِي لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا فَلا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ خُلْطَةٍ
يعني: أن الدعوى متنوعة على ثلاثة: لائقة بالمدعي والمدعى عليه وهو مراده بالمشبهة، وبعيدة لا تشبه حال كل واحد منهما، ومتوسطة.
وتتوجه اليمين في المشبهة دون إثبات خلطة، ولما كان الأصل عندنا عدم توجه الدعوى إلا بالخلطة كانت المشبهة خارجة للأصل، فمن الأصحاب من ضبط المشبهة بضابط كلي، ومنهم من عدد المسائل، وارتكب المصنف الطريق الأولى لأنها الأحسن؛ إذ فيه إعطاء الحكم بسببه وإلى هذا ذهب عبد الوهاب، فإنه قال: إذا كانت الدعوى تشبه أن يُدعى بها على مثل المدعى عليه، وقال بعضهم: أن يشبه أن يعامل المدعي المدعى عليه به.
المازري: وهما متقاربان، أحدهما راعى الشبهة من جنس المدعى فيه، والآخر راعاها من جهة المدعي والمدعي عليه، وذكر المصنف لهذه المسألة خمس صور:
[ ٨ / ٤٠ ]
الأولى: الدعاوي على الصناع، ونص عليه يحيى بن عمر، فقال: والصناع يتوجه عليهم الدعوى لمن ادعى عليهم في صناعتهم دون إثبات خلطة؛ لأنهم نصبوا أنفسهم للناس.
الثانية: الدعوى على التجار، وهذا ألزمه الباجي وغيره ليحيى بن عمر، وكلامه السابق، أعني: إذا ادعى عيهم غريب أو بدعي وكانوا قد نصبوا أنفسهم للبيع والشراء، وأما دعوى أهل السوق بعضهم على بعض، فقال المغيرة وسحنون: لا تكون الخلطة حتى يقع البيع بينهما. سحنون: وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والدرس والحديث، فلا يثبت بينهم خلطة في ذلك.
الثالثة: دعوى الودائع على أهلها، ونعني بالأهل أن يكون المدعى عليه الوديعة ممن يودع مثله لها، وقيده أصبغ وغيره بأن يكون المودع غريبًا، وقيد اللخمي المسألة بثلاثة قيود؛ أولها: أن يكو المدعي يتملك مثل ذلك في جنسه وقدره، وأن يكون الودع ممن يودع مثل ذلك، وأن يكون هناك ما يوجب الإيداع، وفسر ابن عبد السلام قول المصنف: (على أهلها) بذلك؛ لأنه فسر الأهل بأن يكون المودِع والمودَع معًا ممن يليق بهما ما ذكر.
الرابعة: المسافر يدعي أنه دفع مالًا لبعض الرفقة، نص أصبغ عليها، ووجهها: أن المسافر قد يخاف في سفره لأمر فيحتاج إلى إيداع غيره.
الخَامِسَةُ: الْمُدَّعِي سِلْعَةٍ بعَيْنِهَا
يعني: وإنما يحتاج إلى الخلطة فيما هو في الذمم، وهذا القول لابن شاس وغير واحد من القرويين، واستدلوا بمسائل المدونة بقوله في كتاب الشفعة: إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع أنهما يتحالفان، وفي السرقة إذا ادعى السارق شراء المسروق، قال: يحلف
[ ٨ / ٤١ ]
ربه. وفي القذف: إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها من ربها، قال: يحلف السيد، ولم يذكر في ذلك خلطة، ورده المازري: بأن المقصود بيان ما يتعلق به الحكم من ذلك المحل، ولا يلزم الفقيه تفصيل كل ما يستند إليه الحكم؛ لأنه قد يكتفي بتفصيل ذلك في موضعه، وقال بعض الأشياخ لا تتعلق اليمين في بياعات المعينات إلا بإثبات الخلطة؛ لأن التعليل بحسم تعرض السلعة للأفاضل يقتضي ذلك، وذكر ابن يونس قولًا آخر عن بعض مشايخه أن اليمين لا تجب إلا بالخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، إلا في مثل أن تعرض للرجل سلعة في السوق للبيع فيأتي رجل فيقول: قد بعتها مني، فمثل هذا تجب له يمينه بغير خلطة عرضها لما ادعى عليه فيه، وزاد أصبغ مسألة سادسة وهي المتهم بالسرقة، وسابعة وهي دعوى الرجل عند موته أن له عند فلان كذا، وزيد أيضًا: إذا باع الأذون متاعًا واقتضى الثمن هو وسيده فادعى المبتاعون أنهم دفعوا إلى السيد بعض الثمن، وقال مالك: عليه اليمين، ولعل المصنف لم ينص على هذه المسائل؛ لأنه رأى أن ما ذكره يتناولها.
وَغَيْرُ مُشْبِهَةٍ عُرْفًا: كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةَ طَوِيلَةً وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلاَ قَرَابَةٍ وَلاَ مُصَاهَرَةٍ وَشِبْهِهِ فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ
إنما لم تنك مشبهة عرفًا؛ لأن العرف يكذب مدعيها، واقتصر المصنف على المتفق عليه من مسائل الحيازة وترك ما عداه، والكلام فيه متسع؛ إذ هنا ثلاثة أركان:
أولها: المحوزات، وهي ثلاثة أنواع: عقار، وعروض، وحيوان.
ثانيها: الحائز، وهو أيضًا ثلاثة أنواع: أجانب شركاء، وأجانب غير شركاء، ومن له حرمة من قرابة أو صهر وولاء أعلى أو أسفل.
[ ٨ / ٤٢ ]
ثالثها: صفة الحوز، وهي أيضًا ثلاثة أنواع، وهو إما أن يؤثر تغييرًا في العين [٦٩٣/ب] كالهدم والبنيان والغرس، وإما أن يؤثر تغييرًا في الملك كالبيع والعتق والتدبير والهبة والصدقة ونحوها، وإما أن يؤثر في ملك المنافع كالاغتلال وسكنى الدار وحرث الأرضين وركوب الدابة ولباس الثياب، وتكلم المصنف على الدار، فقال: (كَدَعْوَى دَارٍ إلخ).
وقوله: (بيَدِ حَائِزٍ) يعم الشريك وغيره، ولا يريد القريب؛ لأنه سيذكر القرابة في الموانع والحكم في الشريك وغيره مختلف، لأن الشركاء لا حيازة بينهم في العشرة الأعوام إذا لم يكن هدم ولا بناء، ويكون في العشرة مع الهدم والبناء، ولا يختلف فيه قول ابن القاسم، وقيل: يختلف، وأما غير الشركاء ففي البيان في باب الاستحقاق: المشهور أن الحيازة تكون بينهم في عشرة أعوام وإن لم يكن هدم ولا بنيان.
وروي عن ابن القاسم: لاتكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان، ووقع في الواضحة أن الثمانية الأعوام في حكم العشرة في هذا، ولا خلاف في الحيازة بينهم مع الهدم والبنيان.
ثم تكلم على صفة الحوز بقوله: (يَتَصَرَّفُ بالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ)، وهو مقيد بما إذا لم يهدم ما يخشى سقوطه، فإن ذلك لا ينقل الملك، قيل: وكذلك الإصلاح اليسير؛ لأن رب الدار يأمر المكتري به، وسكت المصنف عن نوعين؛ أحدهما: أعلى وهو ما يؤثر في تغيير الملك، فإنه لايحتاج إلى مدة طويلة كإتلاف الشيء، وكوطء الأمة ونحوه، فإنه إذا علم الدعي بذلك ولم ينكر بحدثان وقوعه فإنه تبطل دعواه لما جبلت عليه طباع البشر بأنهم لا يسكتون عن الإنكار على متلف أموالهم. النوع الثاني: ما يؤثر في ملك المنافع بالاغتلال، وقد تقدم الآن حكمه في الشريك وغيره.
وقوله: (وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ) احترازًا من الغائب، فإن له القيام وإن طال، ولا إشكال في بعد الغيبة كالسبعة الأيام، وأما إن كانت قريبة كأربعة أيام ونحوها وثبت
[ ٨ / ٤٣ ]
عذره-من عجز ونحوه- عن القدوم أو التوكيل وعلم بذلك فلا حجة عليه، وإن أشكل أمره، فظاهر المذهب أنه على قولين؛ الأول، قال ابن القاسم: لا يسقط حقه لأنه قد يضعف عن القدوم، فقيل له: فإن لم يتبين له عجزه عن ذلك، فقال: قد يكون معذورًا ممن لا يتبين عذره، وذكر ابن حبيب أنه يسقط حقه إذا كان على مسافة قريبة إلا أن يثبت عذره.
واحترز بقوله: (سَاكِتٌ) مما لو تكلم، واشترط في الحاضر أن يعلم أنها ملكه، قال في الوثائق المجموعة: وإذا كان وارثًا وادعى أنه لم يعلم قضى له.
قوله: (وَلا مَانِعَ) قيد في السكوت، ثم فسر المانع بوجوه؛ الأول: الخوف؛ أي: خوف المدعي ممن هي بيده لكونه ذا سلطان. والثاني: القرابة، وأطلق فيها فإن كان الابن مع أبيه أو العكس، ففي البيان: لا خلاف أن الحيازة لا تكون بينهما بالسكنى والازدراع، ولاخلاف أنها تكون بالتفويت من الهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء، واختلف في الهدم والبنيان والغرس، والمشهور: أنها لا تكون حوزًا أقام أحدهما على الآخر في حياته أو بعد موته، قال: يريد- والله أعلم- إلا أن يطول الأمر جدِّا إلى ماتهلك فيه البينة وينقطع فيه العلم، والشاذ أنه يحوز عليه بذلك؛ قام عليه في حياته أو على سائر ورثته بعد وفاته، وهو قول ابن دينار ومطرف.
وأما حيازة الأقارب الشركاء بالميراث وغيره، فلا تكون بالسكنى والازدراع اتفاقًا إلا على ما تأوله بعضهم. وقوله في المدونة: أرأيت لو أن دارًا بيدي ورثتها عن أبي، فأقام ابن عمي البينة أنها دار جدي وطلب مورثه، فقال: هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك، لأنه لم يرق فيها بين الأقارب والأجنبيين وهو بعيد.
خليل: نقل في النوادر عن مطرف أنه قال: لا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزدرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر في بعض ذلك كله حضروا أو غابوا، إلا أن يطول
[ ٨ / ٤٤ ]
الزمان جدًّا الخمسين سنة أو أكثر، ثم قال ابن رشد: وتكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والوطء وإن لم تطل المدة، واختلف قول ابن القاسم في الحيازة بين هؤلاء بالهدم والبنيان، فمرة قال: العشر سنين في ذلك حيازة، ومرة قال: إنها لا تكون حيازة إلا أن يطول المد أربعين سنة.
ابن رشد: ولا فرق في حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، وإنما يفترق ذلك في الأجنبي، فقال أصبغ: السنة والسنتان في الدواب حيازة إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كُنَّ يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ شيء من ذلك بين الأجنبيين عشرة أعوام كما في الأصول.
أصبغ: وما أحدث الأجنبي فيما عدا الأصول من بيع أوعتق أو تدبير أو كتابة أو صدقة أو وطء فلم ينكر ذلك حتى يبلغه استحقه الحائز، وأما القرابة غير الشركاء والموالي والأصهار الشركاء، فاختلف إذا حصل الحوز بالهدم والبناء على ثلاثة أقوال؛ الأول: أنهم كالأجانب. والثاني: أن ذلك ليس حيازة، يريد إلا أن يطول. الثالث: الفرق ولم يبينه هنا، لكن ذكره أول كلامه؛ وهو أنه لا يكون حيازة في الأقارب ويكون حيازة في المصاهر، وسكت في هذا القسم عن الحيازة بالسكنى والازدراع، ولعله عنده ليس حيازة.
وأما الموالي والأصهار غير الشركاء، فاختلف [٦٩٤/أ] فيها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الحيازة لا تكون بينهم في العشرة أعوام بالسكنى والازدراع. الثاني: أنه لا تكون الحيازة بينهم في العشرة الأعوام إلا مع الهدم والبناء. والثالث: أنه لا تكون الحيازة بينهم بالهدم والبنيان إلا أن يطول الزمان جدًّا.
وقوله: (وَشِبْهِهِ) أي: الموالي كما ذكرنا.
وقوله: (فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ) ظاهره: ولا يمين عليه، وهو ظاهر ما نقله ابن يونس، وإذا أقام سنين ثم أقام البينة أن ذلك له صار مدعيًا لغير العرف فلا يقبل قوله ولا ينظر إلى
[ ٨ / ٤٥ ]
بينته، والقول قول الحائز أنه صار إليه ذلك ببيع أو هبة أو صدقة، واختلف في الهبة والصدقة، الصواب لا فرق، ولكن صرح ابن رشد بأنه لابد من اليمين.
فرع:
وهل يطالب الحائز ببيان وجه ملكه، قال ابن أبي زمنين: لا يطالب به. وقال غيره: يطالب. وقال: إن لم يثبت أصل الملك للمدعي لم تسمع دعواه ولا يسأل الحائز عن أصل ملكه، وإن ثبت الأصل للمدعي ببينة أو بإقرار الحائز سئل عن سبب ذلك، وقال ابن عتاب وابن العطار: لا يطالب إلا أن يكون الحائز معروفًا بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك.
وَلاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إِلا بِإسْكَانٍ، أَوْ إِعْمَارٍ، أَوْ مُسَاقَاةٍ وَشِبْهِهِ
أي: لا تسمع بينة المدعي على الحائز إلا أن تشهد البينة للمدعي بأنه أسكن الحائز أو أعمره أو ساقاه أو زارعه وشبه ذلك، فإذا أقام البينة على ذلك حلف على رد دعوى الحائز وقضى له، هذا إن ادعى الحائز أن المالك إنما باعه أو نحوذ لك، وأما إن لم يدع نقل الملك وإنما تمسك بمجرد الحيازة؛ فلا يحتاج إلى يمين.
وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي مِثْلِهِ؛ كَالنَّقْدِ، وَالْحَمُولَةِ، وَالسَّيْرِ، وَالأَبْنِيَةِ، وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ، وَوَضْعِ الْجُذُوعِ
هذا الاستدلال بالقياس على أن القول قول الحائز بشهادة العرف له كما اعتبرت هذه الشهادة فيا لنقد إذا اختلفا في النقد، فإن القول قول من ادعى عرف البلد، وكذلك الحمولة في الدابة إذا اختلف في قدرها أو صفتها، وكذلك السير، وكذلك الأبنية، وكلامه ظاهر.
[ ٨ / ٤٦ ]
وَالْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، قِيلَ: مَا يُعَدُّ طُولًا فِي مِثْلِهِ. وَقِيلَ: عَشْرٌ. وَقِيلَ: سَبْعٌ
الأول ظاهر المذهب، ابن القاسم في المدونة: ولم يحدَّ لي مالك في الحيازة والرباع عشر سنين ولا غير ذلك، وهو مقتضى النظر؛ لأن الرجوع في هذا إلى ما دارت عليه العوائد، والقول بالعشر لربيعة في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، ودليله: ما رواه أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم أنه ﵊ قال: "من احتاز شيئًا عشر سنين فهو له". ذكر في المدونة من رواية ابن المسيب أيضًا، ولابن القاسم في الموازية: والسبع والثاني وما قارب العشرة مثل العشرة، وهو التحديد في حق الأجانب في العقار، وقد تقدم الكلام على الأقارب والعروض والحيوان.
ابن عبد السلام: وقيل في السكنى بمجردها لا تكون دالة وإن طال السكوت فيها. وقيل أيضًا في الحيازة بين الشركاء ومن ألحق بهم: لاتكون دالة إلا إذا كان كالخمسين سنة ونحوها، وذكر مطرف في الشركاء أن حاز منهم مقدار سهمه أو أكثر فإنه يدل ذلك على الملك، ولو زعم بعد ذلك أن حقه فيما بقي على الشياع لم يقبل منه، وإن ادعى ما حازه صار إليه وحده عن معاوضة، ولم أقف على القول الثاني في كلام المصنف.
وَمُتَوسِّطَةٌ: كَدَعْوَى دَيْنٍ فَيُسْمَعُ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْبَيِّنَةِ وَلا يَسْتَحْلِفُ إِلا بإِثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ
هذا هو النوع الثالث من أنواع الدعاوي، واحترز بالدين من دعوى المعينات؛ فإنها لاتحتاج إلى خلطة كما تقدم، ومعنى كلامه أن هذه الدعوى تسمع ويمكن من إقامة البينة، فإن لم تقم للمدعي بينة على صحة دعواه وطلب يمين المدعى عليه؛ فلا يمكن من ذلك، إلا أن يثبت المدعي خلطة بينه وبين المدعى عليه، وهذا هو المعروف من المذهب، وقال ابن نافع باستحلافه من غير خلطة كمذهب أبي حنيفة والشافعي، ثم استدل المصنف على ما قاله بإجماع أهل المدينة، وعطف عليه المصنف الفقهاء السبعة من عطف
[ ٨ / ٤٧ ]
الخاص على العام، وقد نقل أيضًا في الموطأ على ما ذكره المصنف بـ (العمل) واستدل من قال بقول ابن نافع بالحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ: البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وخصه أصحابنا بالقياس لما يلزم عليه من التعرض لأداء أهل الفضل، ولما رواه سحنون عن نافع عن حسن بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة". وهذا نص في تصحيح المذهب، وزيادة الدول مقبولة لرجحانه بعمل المدينة.
فرع:
وما هي الخلطة؟ قال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، وغيره: الخلطة أن يبايع إنسان إنسانًا بالدين مرة، أو يبايعه بالنقد مرارًا، وبه قال أصبغ، وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء.
الباجي: فخالف ابن القاسم في المسالفة. وقال الأبهري: الخلطة أن يثبت الدعوى، أن يدعي بمثلها على المدعى عليه، وقال ابن القصار: ينظر إلى التداعي؛ فإن كان للمدعى عليه بينة [٦٩٤/ب] أن يعامل الدعي أحلف، وهل كل من أثبت خلطة وإن كانت سلفًا، أو لا تكون خلطة حتى يكون مبايعة؟ وتعلقوا بقول ابن القاسم لَّما سئل عن الخلطة أهي مسالفة أم مبايعة مرارًا، أو يقول بقول سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالمبايعة.
المازري: ومنهم من أشار إلى إنكار الخلاف في هذا ورأى أن معنى قول ابن القاسم سالفه يحتمل أن يريد به السلف الذي بمعنى السلم لا الذي بمعنى القرض، والأظهر أن المداينة تثبت بها الخلطة على أصل هؤلاء قرضًا كانت أو بيعًا. انتهى.
وفي سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن يأتي قومًا فيذكر حقًّا كتبه على نفسه لرجل غائب فأشهد بما فيه: لا أرى أن يكتب فيه؛ لأني أخاف أن يكتب الغائب ليستوجب ذلك
[ ٨ / ٤٨ ]
مخالطة فيحلفه إن ادعى عليه. بعض الشيوخ: فظاهره المرة الواحدة مخالطة، وقال غيره: إنها تفسير لرواية أصبغ المتقدمة، فيكون معناها أنها تضاف إلى معاملة قبلها. وقيل: رواية أصبغ في المعاملة المنتجزة فاشترط تكررها. وقال أصبغ: إنما الخلاف إذا بايعه بالنقد ولم يقع النقد. ففي شهادات المدونة: ليست بخلطة. وفي الموازية: أنها خلطة.
وَفَي اسْتِحْلافِ الْمُتَّهَمِ قَوْلانِ
القول بثبوتها بشاهد وامرأة من غير يمين لابن كنانة، وقاله ابن القاسم من رواية عيسى، والقول بأنها لا تثبت إلا بشاهدين مع يمين لابن المواز، والأول أظهر؛ لأن القصد إنما هو اللطخ، واعلم أن المرأة لا تعتبر شهادتها بانفرادها إلا هنا على أحد القولين، واختلف على من فسر المخالطة بالسلف والمبايعة إذا انقضت، هل يبقى حكمها أم لا؟ واختلف إذا أقام المدعي بينته فردها المدعى عليه بعداوة أو جرحة، هل تتوجه اليمين بهذه الدعوى أم لا؟ المازري: والمشهور الجرحة كالعدم.
وكُلُّ دَعْوَى لا تَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ، فَلا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلاَ تُرَدُّ؛ كَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلاءِ، وَالرَّجْعَةِ
إذ لا فائدة في توجه اليمين، فإن فائدتها إنما هي إذا نكل المدعى عليه يحلف المدعي ويستحق ذلك، ولا يمكن هنا؛ لأنه إما يفيد اليمين في النكول في الأموال، وما في معناها ممن يكون فيه الشاهد واليمين.
فرع:
توجهها، وإذا لم تتوجه لم ترد. قيل: ولو سكت عن قوله: (لاَ تُرَدُّ) ليستفيد من كلامه إلا أنها لا تتوجه، ولا يفهم من كلامه إذا وجهت مع شاهد فنكل عنها، فبين المصنف أنها لا ترد مطلقًا، واختلف في توجه دعوى الجرح من غير بيان لسبب، فقيل: يحلف المدعى عليه، وقيل: لا يحلف، وإن بين المدعي لذلك سببًا، فقيل: يحلف المدعى
[ ٨ / ٤٩ ]
عليه. وقيل: يضرب، فإن أبى أن يحلف على القول بذلك، فقيل: يسجن. وقيل: إن طال سجنه أدب إلا أن يكون مبرزًا.
المازري: وقاعدة المذهب أن كل دعوى لو أقر بها المدعى عليه لانتفع المدعي بإقراره، فإنه إذا لم يقر وأنكر تعلقت به اليمين على الجملة، يخرج بذلك أصلًا من قواعد الشرع كطلب المحكوم عليه القاضي باليمين أنه لم يشر عليه أو يطلب الشهود بأنهم لم يكذبوا في شهادتهم، فلا يختلف في سقوط هذه الدعوى، وأنه لا يلتفت إليها.
وَلَوِ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضَرَةٌ يَعْلَمُهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تُسْمَعُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: تُسْمَعُ ..
شرط في قول ابن القاسم في المدونة أني كون تاركًا لبينته، ولم يثبت هذا الشرط في كل الروايات، واختلف في معنى الترك، فقال عياض: عن أكثرهم أنه لا فرق في الترك بين التصريح والإعراض عنها، وقال آخرون: لا يكون تاركًا إلا بتصريحه بترك القيام بها. وقول أشهب هو ظاهر قول عمر ﵁: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة. ولهذا صححه ابن القاسم وغيره.
واحترز بقوله: (حَاضِرَةٌ) من الغائبة، يريد: إذا كانت الغيبة قريبة، قال في المدونة: وإن كانت على مثل اليومين والثلاثة لم يحلف إلا على إسقاطها، وفصل في موضع آخر منها: الجمعة في حد القرب.
واحترز بقوله: (يَعْلَمُهَا) مما لم يعلم بها فإن له القيام.
سحنون: والقول قوله في نفي العلم مع يمينه. قال في النكت: ولو أحلف لم يرفعه إلى السلطان وله بينة بعيدة الغيبة فله القيام ببينته إذا قدمت؛ لأنه لو رفع الأمر إلى الحاكم لكان هذا الذي يفعل، وذلك بخلاف لو صالحه المطلوب على شيء لبعد غيبته؛ لأنه قد رضي بما أخذ فلا قيام له بالبينة.
[ ٨ / ٥٠ ]