الرَّضَاع: شَرْطُ المُرْضِعُ أَنْ تَكُونَ آدَمِيَّةً أُنْثًى بِلَبَنٍ فَلَوْ كَانَ مَاءً غَيْرَ لَبَنٍ لَمْ يُعتَبَرْ
يقال إرضاع ورضاع ورضاعة بفتح الراء وكسرها.
الجوهري: ويقال رضع الصبي أمه يرضعها رضاعًا مثل سمع يسمع سماعًا، وأهل نجد يقولون رضع يرضع رضعًا مثل ضرب يضرب ضربًا.
عياض: وارتفعت أمه وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة. وذكر أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن وإنما يقال فيهن لبان واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيرًا خلاف قولهم.
وشرط المصنف في المرضعة التي ينتشر التحريم برضاعها ثلاثة أوصاف:
الأول: أن تكون آدمية، فلا يحرم لبن غيرها من سائر الحيوانات، ولا خلاف في ذلك.
الثاني: أن تكون أنثى، فلا يعتبر لبن الذكر إذا در، وهذا هو المشهور لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء٢٣] ولا يستحق وصف الأموية إلا الآدمية الأنثى. وقال ابن اللبان الفرضي: يقع بلبن الذكر الحرمة.
اللخمي: وبه قال بعض شيوخنا. وقال ابن شعبان: وروى أهل البصرة عن مالك والشافعي أنهما كرها له نكاحها. ووجه القول بالتحريم أن الحرمة إذا حصلت باللبن الناشئ عن وطئه فلأن تحصل بلبانه من باب الأولى، والآية خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها.
الثالث: أن يكون ذلك بلبن، فإن أرضعته بغيره لم يحرم. وفي كتاب ابن سحنون: لو حلب من ثدي المرأة ماء أصفر لم يحرم ما يحرم منه إلا ما كان غذاء يغني عن الطعام، ولا يقال كان ينبغي أن يستغنى بقول (آدَمِيَّةً) عن قوله (أُنْثًى) لاحتمال أن يكون المراد نفسًا آدمية والنفس تطلق على الذكر والأنثى.
[ ٥ / ١٠٦ ]
ويُعْتَبَرُ اللَّبَنُ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَمْ تُوطَا
يعني: إذا در للبكر لبن فإنه ينشر الحرمة لدخولها [٤١٦/ب] في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. قال في الجلاب: وإذا أرضعت المرأة التي لم تلد أو العجوز التي قعدت عن الولادة صبيًا فرضاعها يحرم.
وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ عُلِمَ
أي: ويعتبر لبن الميتة، والمشهور مذهب المدونة لدخولها تحت قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والشاذ حكاه صاحب الجواهر وغيره. وذكر ابن بشير أن الشاذ مما جرى في المذاكرات وعلله بأن الحرمة لا تقع بغير المباح، فإن قيل: لم أوقعتم التحريم برضاع الميتة على المشهور وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ ْ﴾ يخرجها، لأن الميتة لا توصف بأنها أرضعت فجوابه أن الإرضاع خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضًا فإنه منقوض بما لو حلب غيرها من ثديها كرهًا وأرضع به صبيًا أو رضع منها الصبي وهي نائمة، قال في المدونة: وإذ حلب من ثدي المرأة في حياتها أو بعد وفاتها فوجر به صبي أو دَبَّ فرضعها وهي ميتة وعلم أن في ثديها لبان فالحرمة تقع بذلك، ولا يحل اللبن في ضروع الميتة. قيل: فلم أوقعتم الحرمة به؟
قيل: لأن من حلف ألا يشرب لبنًا فشرب لبن الميتة أو لبنًا ماتت فيه فأرة حنث إلا أن ينوي اللبن الحلال، ويحد من وطئ ميتة.
وأخذ من هنا أن مذهبه نجاسته، وهو خلاف ما دل عليه ماله في كتاب الجنائز فيخرج من الكتب قولان.
اللخمي: وإنما وقعت به الحرمة لأن تنجيسه لا يخرجه عن كونه غذاء.
[ ٥ / ١٠٧ ]
وقوله (ويحد من وطئ الميتة) استدلال منه على الحرمة أي كما يجب الحد بوطء الميتة وكذلك يحرم لبنها. وقوله (ويحرم من وطء الميتة يريد ولا صداق لها) نص عليه محمد وغيره.
قال في النكت: وإنما قالوا بالحد ولم يوجبوا لها صداقًا لأن الصداق من حقوق الآدميين فلما وجدناه لو قطع لها عضوًا لا قصاص فيه ولا دية فكذلك هنا. وأما الحدود فمن حقوق الله تعالى فيجب عليه لعظم ما انتهكه، ولا إشكال في وجوبه إن كانت الموطوءة أجنبية على المعروف من المذهب كما سيأتي في باب الزنى إن شاء الله تعالى.
واختلف في الزوجة هي يحد على قولين: عياض وإلى الإسقاط قال أكثرهم والمحقق منهم. قال في النكت: وعاب بعض شيوخنا وجوب الحد عليه، قال: ألا ترى أنه يغسلها مجردة وينظر إليها فأي شبهة أعظم من هذا؟ وقول المصنف (إِنْ عُلِمَ).
ابن عبد السلام: لا يظهر له في كلام المصنف كبير فائدة بخلافه في المدونة.
وَفِي لَبَنِ مَنْ نَقَصَتْ عَنْ سِنِّ الْمَحَيْضِ: قَوْلانِ
يعني: أن لبن من لم تحمل على ضربين: إن كانت ممن تحيض حرم.
ابن بشير: بلا خلاف. وقد قدم المصنف ذلك بقوله ويعتبر اللبن وإن لم تحمل ولم توطأ، وإن كانت ممن نقصت عن سن المحيض فقولان حكاهما المصنف تبعًا لابن بشير وابن شاس. وفي المدونة: وإذ درت بكر لا زوج لها أو يئست من المحيض فأرضعت صبيًا فهي أم ولد.
وفي الجلاب: وإذا حدث للصبية الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لبن فأرضعها صبي لم تقع به حرمة، وحملها اللخمي على الخلاف وهو ظاهر كلام ابن يونس وهو مقتضى ما نقله المصنف وابن بشير وابن شاس.
[ ٥ / ١٠٨ ]
خليل: ولا يبعد أن يحمل ما في المدونة على ما إذا كانت في سن من يوطأ مثلها، ولا يكون ما الجلاب خلافا لما في المدونة والله أعلم.
ولا يُعْتَبَرُ لَبَنُ الذَّكَرِ إِذَا دَرَّ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذه المسألة وقعت هنا في بعض النسخ، وقد تقدم الخلاف فيها فأغنى عن إعادتها.
وَشَرْطُ الرَّضِيعِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًَا لِلَّرضَاعَ، وَصَلَ اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِهِ صِرْفًا أَوْ مَخْلُوطًا، وَفِي لَغْوِ المْغَلُوبِ بِالْمُخَالَطَةِ قَوْلانِ، لابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ
قوله (محتاجًا) أي فلا يعتبر رضاع الكبير لما في الصحيحين وغيرهما: «إنما الرضاع من المجامعة». وفي الصحيح أيضًا من حديث سهلة قالت عائشة: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال النبي ﷺ: أرضعيه، فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: قد علمت أنه رجل كبير» وفي رواية أخرى: «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه» وفي رواية أخرى: «وأبي سائر أزواجه ﵊ أن يدخلن عليهن أحد بتلك الرضاعة» وقلت لعائشة: ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، وأخذت عائشة بحديث سهلة وكانت إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من أحب دخوله.
المازري: والجمهور حملوا الحديث على الخصوص. الباجي: وقد انعقد الإجماع على أن رضاع الكبير لا يحرم.
[ ٥ / ١٠٩ ]
ابن المواز: ولو أخذ بحديث سهلة: «أرضعيه خمس رضعات» في الحجاب خاصة لم أعبه وتركه أحب إلي، ولا فرق في التحريم باللبن بين أن يصل صرفًا أو مخلوطًا كما [٤١٧/أ] قاله المصنف، وهذا إن لم يغلب اللبن بالمخالطة وأما إن كان مغلوبًا فقال ابن القاسم: لا ينشر الحرمة وهو مذهب أبي حنيفة. وقال أشهب وابن الماجشون: يحرم وهو قول الشافعي، وهذا معنى قوله (وَفِي لَغْوِ المْغَلُوبِ بِالْمُخَالَطَةِ قَوْلانِ) لأن تقديره وفي لغو المغلوب بالمخالطة وعدم لغوه قولان لابن القاسم وابن الماجشون، فابن القاسم يلغيه وابن الماجشون لا يلغيه.
وقوله: (كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ) الأول للأول والثاني للثاني، والأقرب قول عبد الملك إذ لو انفرد اللبن لحرم، وهو الذي رجحه ابن محمد السوسي واللخمي وغيرهما، ونظيرها إذا حلف ألا يأكل خلًا فأكل طعامًا فيه خلًا مستهلكًا، وهذا إنما هو إذا كان اللبن مخلوطًا بغير اللبن. وأما إن اختلط لبن امرأتين فقال مالك والشافعي: تحرم المرأتان معًا. وقال ابن يوسف: الحكم للغالب منهما. وأخذ عياض من المدونة التحريم من مسألة من حملت من زوج آخر أن اللبن يكون للزوجين. قال: وتردد بعضهم: هل يقول ابن القاسم بلغو المغلوب بلبن آخر كالطعام أم لا أو يفرق بين اللبن والطعام، انتهى. وحكى بعضهم الاتفاق على التحريم.
وَالرَّضَاعُ وَالْوَجُورُ- قَلِيلُهُمَا وَكَثِيرُهُمَا وَلَوْ مَصَّةً- سَوَاءٌ
(وَالْوَجُورُ) بفتح الواو ما يدخل في وسط الفم، وقيل ما يصب في وسط الحلق، وفعله وجر وأوجر واللدود ما صب تحت اللسان، وقيل ما صب في جانب الفم واللديدان جانبا الفم، يعني أنه لا فرق في التحريم بين الرضاع والوجور، ونبه بذلك على قول داود القائل بعدم التحريم إلا بما يرضع من الثدي. ومذهبنا أن المصة الواحدة كافية في التحريم لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
[ ٥ / ١١٠ ]
وَفِي الْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ وَشِبْهِه يَصِلُ إِلَى الْجَوفَ ثَالِثُهَا يَخْتَصُّ السَّعُوطُ
(الْحُقْنَةِ) معلومة، (وَالسَّعُوطِ) بفتح السين. قال الجوهري: هو الدواء يصب في الأنف.
قوله (وَشِبْهِه) أي وشبه ذلك ولذلك ذكر الضمير، وأراد بالشبه الاكتحال والصب في الأذن. وحكي في الجميع ثلاثة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.
أما الحقنة ففي المدونة: إن وصل إلى جوفه حتى يكون له غذاء حرم وإلا لم يحرم.
ابن المواز: معناه حتى يكون غذاءً له لو لم يطعم ولم يسق فحينئذ يحرم وإلا فلا. وأطلق ابن حبيب التحريم بالحقنة. ابن يونس: وقول ابن القاسم أصح. وفي الجلاب أن الحقنة لا تحرم وأما السعوط ففي المدونة: يحرم إن وصل إلى جوفه، قال فيها: وكان عطاء الخراساني لا يحرم السعوط ولا الكحل باللبن.
ابن يونس: وأطلق ابن حبيب التحريم به وقول ابن القاسم أصح، لأن الاعتبار في الرضاع ما يقع به الاغتذاء وهو إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه في ظاهر البدن. وأما لعين فقال ابن حبيب: إن به اكتحل الصبي بكحل فيه لبن، فإن كان دواء ينفذ مثل المر والصبر والعنزروت وشبهه حرم، وإن كان مما يبقى في العين ولا يصل إلى الجوف كالإثمد وشبهه فلا يحرم.
ابن يونس: وسواء عند ابن القاسم كان مما ينفذ أم لا فإنه لا يحرم، لأنه لا يكون منه غذاء وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب فلا يحرم حتى يكون للصبي غذاء كما قال في الحقنة. ابن رشد. وعلى هذا يجئ الجواب فيما صب من الأذن.
ابن بشير: وإن استدخل اللبن من الإحليل فهو لا يصل إلى محل الطعام فلا تقع به حرمة، وكذلك إن عمل منه فتائل.
[ ٥ / ١١١ ]
تنبيهات:
الأول: جعل المصنف محل الخلاف إذا وصل من هذه المنافذ، ومفهومه أنه لو لم يصل لم يحرم. وقد قدمنا أن ابن حبيب قال بالتحريم في الحقنة والسعوط وإن لم يصل على ما ذكره ابن يونس، وكذلك ذكر الباجي واللخمي عنه.
الثاني: مقتضى كلامه أن في المذهب قولًا بأن السعوط لا يحرم مع الوصول وذكره بعضهم.
ابن عبد السلام: وأنكر عبد الوهاب أن يكون في المذهب من يقول إن السعوط لا ينشر الحرمة إذا علم وصوله على الجوف.
الثالث: يشترط على مذهب المدونة في انتشار الحرمة بالحقنة ألا يكون اللبن مغلوبًا، لأنه إذا اشترط ذلك فيما يصل من الفم فهنا أولى، قاله عياض وغيره.
الرابع: ما ذكره من القول بالتفصيل هو مقتضى ما في الجلاب لأنه نص على أن السعوط يحرم ونص على أن الحقنة لا تحرم، وإذا لم تحرم الحقنة فالعين ونحوها أولى.
الخامس: قال اللخمي: ومحمل قول ابن القاسم في المدونة من التحريم بالسعوط إن وصل يريد أن صوله مشكوك فيه، فقوله ذلك عبارة عن الوقوف وكأنه إنما تقع الحرمة إذا وصل ولا يدري هل وصل لأنه ليس بكثير فيحس بوصوله، ورده ابن بشير بأنه ليس بشك وإنما أحل الأمر فيه على تحقيق الوصول وعدمه.
السادس: فإن قلت: لم اشترط ابن القاسم هنا في الحقنة أن تكون غذاء ولم يشترط ذلك في الصوم؟ قيل: إن المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشر العظم ولا يشترط هذا في إفطار الصائم، بل ما [٤١٧/ب] يصل إلى محل الطعام والشراب.
فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمُدَّةٍ قَريبَةٍ وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ فِصَالِهِ اعْتُبِرَ، وَفِي الْقَرِيبَةِ أَقْوَالٌ- أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ وَشَهْرٌ، وَشَهْرَانِ، وَثَلاثَةٌ
لما قدم أن شرط المرضع أن يكون محتاجًا وأنه لا عبرة برضاع الكبير أخذ يذكر الزمان الذي تنشر الحرمة فيه، وذكر أن الرضاع إما أن يكون بعد الحولين أو فيهما، فإن
[ ٥ / ١١٢ ]
كان بعدهما بمدة قريبة وهو مستمر الرضاع أو بعد يومين من فصاله نشر الحرمة لأنه لو أعيد إلى اللبن لكان له غذاء وعشاء وهذا هو المشهور، وروي عن مالك أنه يعتبر الحولان من غير زيادة.
وعلى المشهور فاختلف في حد القرب على خمسة أقوال حكاها اللخمي وغيره، قال في الحاوي: مثل نقصان الشهور وإليه ذهب سحنون. وقال في المختصر: الأيام اليسيرة. وقال ابن القصار: يحرم مثل الشهر، قال وليس بالقياس لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] يريد أن القياس لا يزاد على الحولين، وروى عنه عبد الملك أنه لا يزاد على الشهر ونحوه، وقال في المدونة: الشهر والشهرين. وروى عنه الوليد بن مسلم ثلاثة أشهر. اللخمي: وهو أحسن.
ومحمل الآية في السنتين أنها كافية للمرضع ليس أنه لا منفعة فيما زاد لقوله ﵊: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي، فعلق التحريم بما كان قبل الفطام وقبل أن ينتقل غذاؤه من اللبن، وهذا لم يفطم واللبن قوام جسمه يشبع لوجوده ويجوع لعدمه، ولم يقع القول الأول في كل النسخ ووقع في نسخة ابن راشد وسقط في نسخة ابن عبد السلام.
فَلَوْ كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، فَقَوْلانِ
يعني: إذا فصل في الحولين فإن لم يستغن نشر الحرمة باتفاق، وإن استغنى فإما بمدة قريبة أو بعيدة، فإن كان بمدة بعيدة لم يعتبر وإن كان بمدة قريبة فقولان، المشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يحرم، قال في الجواهر: إلا أن يكون زمن الرضاع قريبًا من زمن الاستغناء. والثاني لمطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة يحرم إلى تمام الحولين.
وقال بعض الشيوخ: إن كان الرضاع مصة أو مصتين لم يحرم، وإن أعيد إلى الرضاع وأسقط الطعام حرم، ولم يتعرضوا في هذا القسم إلى تحديد القريبة كالقسم الأول، ولعل لأنهما متقاربان.
[ ٥ / ١١٣ ]
وَيَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] وقوله ﵊: «يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب» رواه البخاري ومسلم وغيرهما. والمحرمات بالنسب سبع: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. فالرضاع كالنسب فأمك كل من أرضعتك أو أرضعت بواسطة أو بغيرهما وأمهاتهما، وبنتك كل من أرضعتها زوجتك بلبنك أو أرضعتها ابنتك من نسب أو رضاع، وأخواتك كل من ولدت من أرضعتك أو ولد لفحلها فإن أتى من أمك وفحلها ولد فهو أخ شقيق من الرضاعة وإن ولد لأمك من غير ذلك الفحل فهو أخ لأمك وإن ولد لأبيك من غير أمك أمًا من زوجة أخرى أو سرية فهو أخوك لأبيك، وأخوات الفحل عمات الرضيع وأخوات أم الرضيع خالات له، ولا يخفى عليك بنات الأخ وبنات الأخت.
لكن استنثى العلماء من عموم قوله ﵊: «يحرم الرضاع ما يحرم النسب» مسائل يحرمن من النسب وقد لا يحرمن بالرضاع:
الأولى: أم أخيك وأم أختك من النسب هي أمك أو زوجة أبيك وكلتاهما حرام، ولو أرضعت أجنبية أخاك لم تحرم.
الثانية: أم نافلتك والنافلة ولد الولد مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى، لأنها إما بنتك أو زوجة ابنك وهما محرمان، وفي الرضاع قد لا تكون ابنتك ولا زوجة ابنك بأن ترضع أجنبية نافلتك.
الثالثة: جدة ولدك من النسب إما أمك أو أم زوجتك وهما حرامان، وفي الرضاع قد لا تكون أمًا ولا أم زوجة كما إذا أرضعت أجنبية ولدك فهي حلال لك وأمها وإن كانت جدة ولدك إذ ليست بأمك ولا أم زوجتك.
[ ٥ / ١١٤ ]
الرابعة: أخت ولدك في النسب حرام لأنها إما بنتك أو ربيبتك ولو أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك فليست ببنت ولا ربيبة.
الخامسة: يجوز للرجل أن يتزوج أم عمه وعمته من الرضاع بخلاف النسب.
السادسة: يجوز للرجل أن يتزوج أم خاله وخالته من الرضاع بخلاف النسب.
فَيُقَدَّرُ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ، وَصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ- فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَخُوهُ نَسَبًا أُخْتَه وَأُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ
يعني: أن الحرمة إنما تنتشر بين الرضيع ومن تقدم خاصة دون أحد من قرابته، وقال (وصاحبه إن كان) لأنه قد تقدم أن البكر إذا درت على صبي ورضعها أن الحرمة تنتشر بذلك.
ابن عبد السلام: وانظر إذا كانت البكر معقودة النكاح ولم يدخل بها زوجها هل تنتشر الحرمة بين [٤١٨/أ] الرضيع والزوج؟
خليل: والمذهب في هذا أنه لا يعتبر وسيذكره المصنف في الفرع الذي يلي هذا، ولأجل أن التحريم إنما يعتبر بين الرضيع وأبويه لا في أحد من قرابته جاز لأخيه من النسب أن يتزوج الطفلة التي رضع معها أخوه والأم التي أرضعت أخاه لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع، وكذلك يجوز لصاحب اللبن أن يتزوج أخت ابن من الرضاعة. واعلم أن أخت الأخ قد لا تحرم من النسب كما لا تحرم من الرضاع، وصورتها أن يكون لك أخ من أب وأخت من أم فيجوز لأخيك من الأب نكاح أختك من الأم.
وَيُعْتَبَرُ صَاحِبُهُ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ
ويعني: أن الحكم فيما بين الرضيع والمرضعة ظاهر، وأما فيما بينه وبين الفحل فإنما يعتبر من حين وطئه. وقوله (مِنْ حِينِ الْوَطْءِ) يدل على أنه لا يعتبر اللبن فيما بين الفحل وبين الرضيع في الفرع الذي جعله ابن عبد السلام محل نظر وهو مقتضى كلام اللخمي
[ ٥ / ١١٥ ]
وابن رشد وابن بشير وابن شاس، وبذبك صرح صاحب النكت، قال: إنما يكون له اللبن إذا دخل وأما قبل بنائه فلا.
وقد صرح ابن راشد بالاتفاق على ذلك فقال: إذا تزوج الرجل امرأة لا لبن لها ثم درت فرضعها طفل فإن لم يكن وطئها قبل رضاعه لم يكن أبًا، وإن كان وطئها فهو له ولد، ولو لاعب أو قبل أو باشر أو وطئ ولم ينزل فدرت لم يكن بذلك أبًا بلا خلاف.
فَإِنْ كَانَ مِنْ وَطْءٍ يُحَدُّ فِيهِ فَقَوْلانِ
يعني: فإن كان اللبن نشأ عن وطء يحد فيه فهل ينشر الحرمة بين الرضيعة والفحل؟ قولان. وأما بين الرضيعة والمرضعة فإنه ينشر الحرمة على كل حال، والقولان حكاهما ابن حبيب عن مالك. ونص ما نقله ابن يونس عنه، قال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو حرام أو زنا تقع به الحرمة من قبل الرجل والمرأة، وكما لا تحل له ابنته من الزنا فكذلك لا تحل له من أرضعتها المزني بها من ذلك الوطء، لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به الولد. وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه فلا يحرم لبنه من قبل فحله، ثم رجع إلى أنه يحرم وهو أصح وقاله أئمة من العلماء، وبالتحريم قال سحنون وغيره وهو ظاهر من المذهب، قاله ابن عبد السلام. قال: وأجرى غير واحد القولين على القولين في المخلوقة من ماء الزاني هل يحل له نكاحها أم لا؟ وهو مناسب لولا أن ابن المواز منع الزاني من نكاح المخلوقة من مائه وكره له نكاح هذه، وإن وقع لم يحكم بفراقها. قالوا: وأما إن تزوج من لا يحل له نكاحها جاهلًا فلحق به الولد فإنه يحرم الرضاع من جهة الفحل كالنكاح في العدة، وكذلك إن كان عالمًا على القول بأنه لا حد عليه.
[ ٥ / ١١٦ ]
وَالْمَنْكُوحَةُ إِذَا وُطِئَتْ بِاشْتِبَاهٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مُحْتَمَلٍ فَلَبَنُهَا لِمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْوَلَدُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُمَا
مثاله لو وطئ السيدان الأمة في طهر واحد وألحقته القافة بأحدهما فعلى المشهور إنما تنتشر الحرمة بين الولد وبين من لحق به، وعلى قول محمد تنتشر الحرمة بين الرضيع والواطئين وإن كان الولد إنما يلحق بأحدهما، لأن اللبن ليس هو مبنيًا على لحوق الولد بدليل التحريم على ظاهر المذهب في الفرع السابق وإن كان الولد فيه غير لاحق، ومثاله أيضًا في النكاح لو نكحت المعتدة وأتت بولد محتمل لهما.
وَلَبَنُ الدَّارَّةِ لِصَاحِبِهِ إِلا أَنْ يَنْقَطِعَ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَقِيلَ: إِلى أَنْ تَلِدَ وقيل: وَإِلى أَنْ تَحْمِلَ، وَقِيلَ: إِلى أَنْ يَطَأَهَا زَوْجٌ ثَانٍ
يعني: أن لبن المرأة منسوب لواطئها عند ابتداء وجود اللبن، ولا إشكال في ذلك إذا لم تزل في عصمته أو رقه، وإن فارق الزوجة وتزوجت غيره فأربعة أقوال: الأول أنه محكوم به للأول إلى أن ينقطع، وهو مذهب المدونة لقوله: وإذا تزوجت المرضع المطلقة فحملت ثم أرضعت صبيًا فإنه لبن للزوج الأول. والثاني إن كان لبن الأول لم ينقطع لكن لم يقل فيها ولو بعد سنين كثيرة كالمصنف، ولم أر ذلك مصرحًا في الروايات لكن هو ظاهر المدونة والموازية، وتبع المصنف ابن شاس فإنه قال: ولو بعد عشر سنين.
والقول بأنه ينقطع بالولادة في مختصر الوقار، ورواه ابن نافع، وحكى ابن المنذر أن عليه إجماع العلماء، والقول بأنه ينقطع بالحمل ذكره ابن بشير وابن شاس ولم يعزواه، والقول بأنه ينقطع بوطء الثاني لابن وهب، ولسحنون خامس: أن اللبن محكوم به للأول إلى أن تمضي خمسة أعوام أقصى مدة الحمل من فراق الأول، أما لو انقطع اللبن لسقط حكم الأول.
[ ٥ / ١١٧ ]
اللخمي: إلا أن ينقطع ثم يعود فيكون الحكم فيه للثاني إن عاود الإصابة. قال: وإن أصاب الرجل زوجته وهي ذات لبن من غيره ثم أمسك عنها أو غاب وطالت غيبته أو مات وعاد اللبن إلى ما كان عليه سقط حكم الوطء.
وَحَيْثُ لَمْ يُحْكَمْ بِانْقِطَاعِهِ فَالْوَلَدُ لَهُمَا لأَنَّ الْوَطْءَ يُدِرَّ اللَّبَنَ
يعني: إذا لم يحكم بانقطاعه فالولد محكوم له بأنه ابن للأول والثاني من الرضاع، لأن هذا اللبن لهما، إذ أصله من الأول وتكثيره من الثاني، لأن وطئه يدر اللبن.
وَالْغَيْلَةُ: وَطْءُ الْمُرضِعِ، وَقِيلَ: إِرْضَاعُ الْحَامِلِ
الأكثر على [٤١٨/ب] ضبط هذه اللفظة بكسر الغين.
عياض: ولا تفتح إلا مع حذف الهاء وأصله من الضرر، وقيل: من الزيادة. وقيدها بعض شيوخنا بفتح الغين في غير المدونة وكذلك عبد الحق في المدونة، والقول الأول هو مذهب الموطأ والمدونة وهو قول الأصمعي.
وقوله: (وَطْءُ الْمُرضِعِ) ابن حبيب: وإن لم ينزل. وقال أبو عمران: إنما الغيلة الوطء مع الإنزال، والقول الثاني ذكره في المدونة أيضًا وهو قول الأخفش، والأول هو الظاهر، لأن المشاهدة تدل على أن إرضاع الحامل مضر، والنبي ﷺ قد نفى عن الغيلة الضرر. ففي الموطأ وغيره أنه ﵊ قال: «لقد هممت أن أنهى الناس عن الغيلة حتى ذكرت أن فارسًا والروم يصنعون ذلك، فلا يضر ذلك أولادهم».
وَمَنْ أَرْضَعَتْ طِفْلًا كَانَ زَوْجَهَا حَرُمَتْ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ، لأَنَّهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ
هذا الفرع وقع لابن القاسم في العتبية، ومعناه إذا عقد أبو الرضيع له على امرأة ثم خالع له وتزوجت غيره وحدث لها لبن فأرضعت به الطفل الذي كان زوجها، فصار هذا الطفل ولدًا لها ولزوجها الثاني فتحرم على زوجها، لأنها حليلة ابنه، إذ لا يشترط في
[ ٥ / ١١٨ ]
حليلة الابن دوام الوصف بدليل أن الابن لو تزوج امرأة فمات عنها أو طلقها لم يجز لأبيه أن يتزوجها، لأنها من حلائل أبنائه.
وَمَنْ أَبَانَ صَغِيَرًة حَرُمَتْ عَلَيْهِ مَنْ تُرْضِعُها، لأَنَّها أُمُّ زَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ بِنْتُ زَوْجُتِهِ وَلا يُنْظَرُ للتَّارِيخِ فِي مِثْلِهِ
يعني: إذا تزوج رضيعة ثم طلقها فأرضعتها امرأة حرمت عليه تلك المرأة، لأنها أم زوجته، ولو أبان امرأة لها لبن فأرضعت صبية حرمت عليه تلك الصبية، لأنها بنت زوجته، وهذا معنى قوله: (وَعَكْسُهُ إلخ).
ابن راشد قال: ولا ينظر إلى التاريخ في مثله ليعم هذا الفرع والفرعين قبله وما في معناهما أنه لا ينظر إلى أن تكون المرضعة في حالة الرضاع زوجته، بل ولو بانت.
وَمَنْ تَزَوَّجَ رضيعتين أَوْ أَكْثَرَ فَأَرْضَعَتْهُمُ امْرَأَةٌ اخْتَارَ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتِ الأَخِيرَةَ
اختار واحدة لأنهما صارتا أختين. قال في المدونة: ولا يفسد نكاحها كما يفسد عند من تزوج الأختين في عقد واحد لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين، وهذا هو المشهور. وقال ابن بكير: لا يجوز أن يختار واحدة، ورأى ذلك بمنزلة من تزوج الأختين في عقدة واحدة.
تنبيه:
لمرضعة الصغيرتين ثلاث صور: الأولى: أن تكون المرضعة أجنبية وحكمها ما تقدم. الثانية: أن تكون أمًا للزوج أو أختًا أو نحو ذلك فلا يجوز له أن يتمسك بواحدة منهما بالاتفاق لصيرورتهن أخوات أو بنات أخوات. الثالثة: أن تكون المرضعة أيضًا زوجة له وإليها أشار بقوله:
[ ٥ / ١١٩ ]
فَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَرُمَتْ مَعَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَنَى حَرُمَ الْجَمِيعُ
حرمت الكبيرة للأبد بالعقد على ابنتها.
وقوله: (مَعَ ذَلِكَ) أي مع تحريم إحدى الرضيعتين وإن بنى بالكبيرة حرم الجميع، أما الكبيرة فللعقد على بناتها، وأما الصغيرتان فلأنهما بنتان لزوجة مدخولًا بها.
وَتُؤَدَّبُ الْمُتَعَمِّدَةُ للِإفْسَادِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهَا
نحوه في المدونة، يعني أن الكبيرة التي أرضعتهن سواء كانت زوجة أو أجنبية إن لم تكن معتمدة للرضاع فلا أدب عليها، وإن كانت متعمدة أدبت لإفسادها عصمة أو أكثر على الزوج. ابن عبد السلام: وهذا بين إن كانت عالمة بالحكم وفي الجاهلة نظر.
قوله: (وَلا غُرْمَ عَلَيْهَا) لأن الزوج لا غرم عليه وهذا على المشهور، أما على قول ابن حبيب ومحمد فلا. وقد تقدم الكلام على ذلك كله عندما تكلم المصنف على هذه المسألة في فصل إسلام المجوسي، وتقدم أيضًا عن ابن القابسي أن الفسخ على قول ابن القاسم فسخ بغير طلاق.
وَإِذَا اتَّفَقَ الَّزْوَجانِ عَلَى الرَّضَاعِ فُسِخَ وَلا صَدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ
يعني: إذا تزوج امرأة ثم اتفق هو وإياها على أنها أخته من الرضاع، فإن كان ذلك قبل بنائه بها فسخ ولم يكن لها شيء كسائر الفسوخات، وإن كان بعد البناء فسخ أيضًا وكان لها المسمى لها بما استحل من فرجها.
والذي نص عليه ابن الكاتب وغير واحد أنه إنما لها بعد البناء ربع دينار كالتي غرت من نفسها وتزوجت في العدة ورجع عليها بالصداق إلا بالربع، زاد عبد الحق إلا أن
[ ٥ / ١٢٠ ]
تعذر بسبب ما مما يسقط كونها غارة فلا يرجع عليها بشيء. وقال اللخمي: أو يكون الزوج عالمًا فيكون لها الصداق إذا وقع الدخول.
وحمل ابن عبد السلام قول المصنف: (ولَهَا وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ) على ما إذا لم تكن عالمة، قالوا: أما إن كانت عالمة حين العقد فيسقط جميع المسمى إلا ربع دينار إن لم يكن الزوج حين العقد والدخول عالمًا وكانت كالغارة، قالوا: ولها ربع دينار، وعلى هذا فيحمل كلام ابن الكاتب وغيره على ما إذا كانت عالمة حين العقد، وكلام المصنف على ما إذا لم تكن عالمة.
وَإِنِ ادَّعَاهُ فَأَنْكَرَتْ أَخَذَ بِإِقْرَارِه، وَلَهَا نِصْفُهُ
(أَخَذَ بِإِقْرَارِه) أي يفرق بينهما لإقراره بذلك كالطلاق، فلذلك كان لها نصفه إن كان إقراره بذلك قبل البناء، وجميعه إن كان ذلك بعده.
فَإِنِ ادَّعَتْ فَأَنْكَرَهُ لَمْ يَنْدَفِعْ وَلا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ
يعني: وإن ادعت المرأة أنهما أخوان من الرضاع وأنكر ذلك الزوج [٤١٩/أ] لم يسمع منها ذلك، لأنه تتهم على فسخ النكاح فلا يفسخ، وهو معنى قوله: (لَمْ يَنْدَفِعْ وَلا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الْمَهْرِ) ولا شيء منه قبل البناء لإقرارها بفساد العقد.
فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ حُكِمَ عَلَيْهِمَا
هكذا في المدونة. ولا فرق بين أن يدعي ذلك أحد الزوجين أو لا يدعيه، وقامت البينة على وجه الاحتساب، ولا إشكال إن قامت البينة على إقرار الرجل لأن إقراره بعد العقد كافٍ في وجوب التفرقة، فأحرى هنا، ولهذا سقط الصادق عنه هنا مع قيام البينة بخلاف ما لو تقم، وأما إن قامت على إقراره المرأة فيجب قبول قولها، لأن المانع من قبوله مفقودة وهو تهمتها على فسخ النكاح.
[ ٥ / ١٢١ ]
وَإِقْرَارُ الأَبَوَيْنِ قَبْلَ النِّكَاحِ كَإِقْرَارِهِمَا، وَلا يُقْبَلُ بَعْدَهُ
يعني: أن إقرار مجموع أبوي الزوجين كإقرار الزوجين، وسيتكلم على ما إذا أقر أحد الأبوين. وقوله: (كَإِقْرَارِهِمَا)، أي ويفسخ النكاح. ابن حبيب: وعلى هذا اجتمع مالك وأصحابه، فأما بعد الدخول فلا يقبل إلا أنه يتنزه عنها.
وَيَثْبُتُ الرَّضَاعُ بشاهدين أو بامرأتين إِنْ كَانَ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَإِلا لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: ويثبت الرضاع بشاهدين ولا خلاف في ذلك، وبامرأتين، لأن هذا من الأمور التي لا يطلع عليها غالبًا إلا النساء.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنه متفق على ذلك. وقد صرح بذلك غير واحد. ونقل بعضهم عن ابن الجهم أنه لا يقبل في ذلك إلا أربع نسوة.
وقوله: (إِنْ كَانَ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهِمَا) عائد على المرأتين فقط، وأما الرجلان فلا يشترط فيهما ذلك.
قوله: (وَإِلا) أي وإن لم يكن فاشيًا لم يقبل قولهما على المشهور.
والمشهور مذهب المدونة، والشاذ لمطرف وابن وهب وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ. اللخمي: وهو أبين. وقد يكون سكوتهما، لأنه لم يحتج إلى شهادتهما، فلو توجه الأداء عليهما لشهدتا إلا أن ينعقد النكاح بحضرتهما ولم ينكرا. وقال غيره: الأول أصح، لأن من شأن النساء التحدث بمثل ذلك، فإن لم يسمع ذلك منهما إلا بعد العقد كان ذلك تهمة توجب رد شهادتهما.
[ ٥ / ١٢٢ ]
وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُمَا
أي: يشترط الفشو على المشهور. واختلف الشيوخ هل يشترط العدالة مع الفشو، أو إنما تشترط مع عدم الفشو على مذهبين، وإلى الثاني ذهب صاحب البيان، والأول مقتضى كلام اللخمي. ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم.
وَفِي الْوَاحِدَةِ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهِما، قَوْلانِ
المشهور عدم القبول، ويستحب التنزه وهو مذهب المدونة، والقول بالقبول أيضًا لمالك، ورأى أيضًا أن الفشو يقوم مقام شاهد آخر.
وَفْي انْفِرَادِ أُمِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَبِيِهِ إِذَا لَمْ يَتَوَلَّ الْعَقْدَ، قَوْلانِ
تصور كلامه ظاهر، ومراده إذا أقر بذلك قبل العقد وإلا فقد تقدم أنه لا يقبل إقرارهما معًا بعده. وما ذكره المصنف نحوه في ابن بشير وابن شاس، قالا: واختلف في أم الزوج أو الزوجة هل هي كالأجنبية في هذا أو أرفع فتقع الفرقة بقولها، لأنه لا يعرف إلا بقولها ولنفي التهمة.
وكذلك اختلف في أب الزوجة أو الزوج هل هو كالأجنبي؟ وذلك إذا لم يكن هو متولٍ عقد النكاح، فإن كان متوليه كان كالزوج أو الزوجة، وإذا أخبر ثم تولاه فسخ، فإن لم يفسخ حتى كبر الولد وصار الحكم إليه فهل يفسخ نظرًا إلى توليه أو لا يفسخ ويكون شاهدًا نظرًا إلى الحال؟ فيه خلاف.
ومذهب المدونة التفرقة بين إقرار الأب والأم، ففيها: وإذا قال الأب رضع فلان أو فلانة مع ابني الصغير أو مع ابنتي، ثم قال: أردت الاعتذار، لم يقبل منه، وإن تناكحا فرق السلطان بينهما. وفيها: وإن قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي، ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة، لم يقبل قولها الثاني، ولا أحب له أن يتزوجها.
[ ٥ / ١٢٣ ]
أبو محمد: فإن تزوجها لم يفرق القاضي بينهما، فانظر كيف فرق بين إقرار الأب وإقرار الأم.
ونقل ابن حبيب عن مالك عدم التفرقة فقال ما نقله اللخمي عنه، قال مالك وأصحابه: إذا قالت ذلك في ابنتها أو ابنها أو قاله الأب في ولده أن التفرق تقع بينهما بذلك، ويحكم بالفراق إذا قالوه قبل النكاح. وقال الشيخ أبو إسحاق: الأقرب ما في المدونة إلا أن تكون الأم وصية، أي لأنها تصير كأنها العاقدة للنكاح فكانت كالأب.
عياض: وقيل: لا فرق بين أن تكون وصية أو غيرها بخلاف الأب. قال في النكت: وينبغي أن يلحق الوصي بالأب، لأن عقد النكاح إليه فهو كالأب.
عياض: واختلف إذا فسخ نكاحهما بقول الأب، ثم كبر الابن ورشد هل ذلك القضاء تحريم وكالحكم بصحة رضاعهما، وهو قول غير واحد، وإنما هو حل للعقد لاعتراف عاقده وهو الأب بفساده ولا يسرى ذلك إلى تحريم النكاح فيها بعد إذا لم يثبت.
قال في النكت: ولو كان الأب إنما قال ذلك في ابنته الثيب أو ابنه الكبير لم يقبل ذلك لا يعقد عليها كرهًا، ولو قال ذلك في صغر الابنة، ثم كبرت وصارت ثيبًا فنكحته أمر الزوج بالفراق ولا يقضى عليه به.
ابن عبد السلام: وقال بعضهم فيما إذا قال ذلك في صغر الابن أو البنت ثم كبرا فنكحا قولين: أحدهما: أنه يقضى عليه بالفراق، والثاني: أنهما يؤمران به من غير جبر. قال: وقد قيل [٤١٩/ب] أيضًا يدخل فيه قولان إذا كان كبيرين وإن لم يتقدم له قول في حال صغرهما.
وَيُسْتَحَبُّ التَّنَزُّهُ وَلَوْ بِأَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَفْشُ مِنْ قَوْلِهَا
يعني: أنه حيث لم توجب الشهادة الحكم بالتفرقة، إما لأنه قول رجل أو امرأة أو امرأتين ولم يفش من قولهما، أو أم أحد الزوجين على القول بعدم إيجاب الفراق بذلك،
[ ٥ / ١٢٤ ]
فيستحب التنزه ولو كانت الشهادة أضعف الشهادات وهي شهادة الأجنبية التي لم يفش ذلك من قولها، لأن الصداق ممكن ولا ينبغي لشخص أن يقدم إلا على فرج مقطوع بحليته، وفي الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتًا لأبي إهاب فجاءت أمة سوداء وقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: «كيف وقد زعمت» وفي رواية: «دعها عنك» ففارقها ونكحت زوجًا غيره. وقوله: «دعها» ظاهر في وجوب التفرقة لكن قوله: «كيف وقد زعمت» ظاهر في حمل ذلك على الاستحباب.
وَيُعْتَبَرُ رَضَاعُ الْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ
يعني: كالنسب، فكما أن النسب لا يرتفع بالإسلام فكذلك الرضاع ولا خلاف فيه.
***
[ ٥ / ١٢٥ ]
النَّفَقَاتُ: وهِيَ بِنِكَاحٍ وَقَراَبٍة ومِلْكٍ
يعني: أن أسباب وجوب النفقة ثلاثة وبقي رابع وهو الالتزام، وسكت عنه لكونه إنما أراد ما تجب به في أصل الشرع.
فَتَجِبُ فِي النَّكَاحِ بِالدُّخُولِ أَوْ بِأَنْ يُبْتَغَي مِنْهُ الدُّخُولُ ولَيْسَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا مَرَضَ السِّيَاقِ، وِبمِا يَجِبُ به الصَّدَاقُ
الأصل في الوجوب ما في الصحيحين من حديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك جناح؟ فقال رسول الله ﷺ: «خذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي وَلَدَكِ».
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غَنِيٌّ، وِالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الْوَلَدُ: أَطْعِمْنِى إِلَى مَنْ تَدَعُنِي» قالوا: يا أبا هريرة هذا من رسول الله ﷺ سمعته؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة، وقال: النسائي في هذا الحديث: «ابدأ بمن تعول»، فقيل: فمن أعول يا رسول الله، قال: «امرأتك تقول أطعمنى أو فارقني، وخادمك تقول: أطعمني واستعملني، وولدك يقول: إلى من تركتني».
وقوله: (أَوْ بِأَنْ يُبْتَغَي مِنْهُ الدُّخُولُ) يعني أن النفقة تجب بأحد وجهين: إما بالدخول، وإما بأن يدعى إلى الدخول، وكل واحد منهما صحيح أو مريض مرضًا لا يبلغ حد السياق.
[ ٥ / ١٢٦ ]
واعلم أن المرض على ثلاثة أقسام: إن كانت مريضة يمكن منها الاستمتاع وجبت لها النفقة، وإن بلغت حد السياق لم تجب، وإن لم تبلغ حد السياق ولم يمكن منها الاستمتاع فمذهب المدونة الوجوب، ومذهب سحنون في السليمانية عدمه كالصغيرة.
اللخمي: وهو أحسن وهو المفهوم من قول مالك.
وكلام المصنف جارٍ على مذهب المدونة، لأن قوله: وليس أحدهما مريضًا مرض السياق، يقتضي أن أحدهما إن كان مريضًا مرض السياق لا نفقة عليه، ويقتضي أن ما دون ذلك لا يمنع النفقة.
ابن عبد السلام: وأنكر بعض المتأخرين عن اللخمي حكاية الخلاف في القسم الثالث. وقد ذكر ابن حارث الخلاف كما ذكره اللخمي، وليس قوله: وبما يجب به الصداق سببًا ثالثًا لوجوب نفقة الزوجة وإنما هو من تمام السبب الثاني، إذ لا يكفي الدعاء إلى الدخول مع السلامة من المرض، بل حتى يكون الزوج بالغًا على المشهور ومطيقًا للوطء على الشاذ وأن تكون هي مطيقة للوطء.
وفهم من كلام المصنف أن النفقة لا تجب بمجرد العقد وهو المشهور، وفهم جماعة من كتاب الزكاة الثاني من المدونة وجوب نفقة الزوجة بعقد النكاح وجعلوه خلافًا لما في النكاح. وحكى صاحب الطرر وغيره عن سحنون التفرقة بين ذات الأب واليتيمة، فتجب لليتيمة بالعقد دون ذات الأب.
وَتُعْتَبَرُ بِحَالِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، والْبَلَدِ والسِّعْرِ اتِّفَاقًا
يعني: أن الاعتبار في النفقة بحال الزوج والزوجة في العسر واليسر وكذلك أيضًا يعتبر البلد والسعر، إذ ليس بلد الجدب كبلد الخصب وليس زمان الرخاء كزمان الغلاء فإن الناس يقنعون بالقليل في زمن الغلاء بخلاف الرخص، وقد يقال: الاتفاق الذي
[ ٥ / ١٢٧ ]
حكاه المصنف منقوض بما سيأتي لابن القاسم أنه لا يلزم الحرير مطلقًا وإن كان عادتهم فانظره، إلا أن يقال: كلامه هنا إنما هو بالنسبة إلى النفقة.
وإِنْ وَقَعَ خِلافٌ فَلِتَغَيُّرِهِ
يعني: أن ما وقع في المذهب من الخلاف في قدر النفقة وشبه ذلك فإنما هو لتغير حال البلد أو السعر. وفي بعض النسخ (فلغيره) وليست بجيدة، لأنه ليس الخلاف لغير المذكور بل لما ذكر. ويحتمل ضمير فلتغيره أن يعود على المتقدم، ويحتمل عوده على البلد، ألا ترى قوله: (وَقَدَّرَ مَالِكٌ إلخ). ابن راشد: ويحتمل أن يعود على الحال، أي ليس في المذهب خلاف في اعتبار حال الزوج والزوجة.
ويحتمل أن يعود على السعر وهو عندي أصوب، لقوله: (وَقَدَّرَ مَالِكٌ الْمُدَّ [٤٢٠/أ] في اليوم إلخ) قال: ولكن ما ذكره من اعتبار حال الزوج يشكل بالمرأة الأكولة جدًا فإن الواجب عليه أن يشبعها أو يفارقها، فإذا كانت المرأة تأكل ربية وحاله مدًا ومدين فأين اعتبار حاله. وإنما ذكر ما هو الغالب، أما لو استأجر أجيرًا بطعامه فظهر أكولًا ففي المبسوط له أن يفسخ الإجارة، لأنه كعيب وجده إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط فليس عليه أن يجبره على ذلك، لئلا يضر به. بعض الأصحاب: ويحتمل أن يعطيه طعامًا وسطًا كمن استؤجر على حمل رجلين لم يرهما فأوتي بهما عظيمين فلا يلزمه حملهما ويأتي بالوسط وفيه نظر، لأن المحمول لا يتعين فلذلك ألزم فيه بالوسط.
وَقَدَّرَ مَالِكٌ الْمُدَّ فِي الْيَوْمَيْنِ، وقَدَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ويتبين ونِصْفًا فِي الشَّهْر إِلَى ثَلاثَةٍ، لأَنَّ مَالِكًا بِالمْدَيِنَةِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ بِمِصْرَ، وقَالَ: إِنْ أَكَلَ النَّاسُ الشَّعِيَر أَكلَتْهُ
هذا تمثيل للخلاف الواقع لاختلاف البلد أو السعر، والمراد بالمد هنا المد الهشامي وهو منسوب إلى هشام بن إسماعيل المخزومي وكان أميرًا بالمدينة في خلافة هشام بن
[ ٥ / ١٢٨ ]
عبد الملك، كانت المرأة تأتيه ليفرض لها النفقة فكان يستقل أن يفرض لها بالمد الأصغر فرأى الزيادة عليه فزاد ثم زاد، ثم جمعه وجعله مدًا، وتبعه على ذلك حكام المدينة وبلغ ذلك مالكًا فاستحسنه لما كان هو غالب أقواتهم.
ابن حبيب وغيره: وفي الويبة اثنان وعشرون مدًا بمد النبي ﷺ.
وقوله: (لأَنَّ مَالِكًا إلخ) بيان للوجه الذي قاله كل منهما لتوسع أهل مصر واقتصار أهل المدينة على القليل.
وقوله: (وَلَوْ أَكَلَ النَّاسُ الشَّعِيَر إلخ) تصوره ظاهر.
وَأَمْرُ الإِدَامِ كَذَلِكَ، ولا يُفْرَضُ مِثْلُ الْعَسَل، والسَّمْنِ، والْحَالُومِ، والْفَاكِهَةِ، ويُفْرَضُ الْخَلُّ، والزَّيْتُ، والْحَطُب، والْمَاءُ، والْمِلْحُ، واللَّحْمُ المْرَةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، قَالَ: ولَيْسَ الْمُرْضِعُ كَغَيْرِهَا فَتُزَادَ مَا تَتَقَوَّى بِهِ
كذلك: أي فيعتبر بحال الرجل والمرأة والسعر والبلد. ابن حبيب: ولا يفرض لها فاكهة ولا عسل ولا جبن ولا طير ونحوه، نقله اللخمي عن محمد إلا أنه لم ينص على عدم فرض الفاكهة. قال: وقول ابن حبيب: لا ترفض فاكهة، يحسن في المتوسط لا في ذي اليسار. وزاد ابن شاس عنه بعد قوله: ولا فاكهة لا خضراء ولا يابسة ولا القطنية ولا ما أشبه ذلك، ويفرض الخل والزيت للأكل والوقيد والماء للشرب والغسل والوضوء.
وقوله: (واللَّحْمُ المْرَةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ) قالوا: ولا يفرض كل يوم.
وقوله: (ولَيْسَ الْمُرْضِعُ كَغَيْرِهَا) أي فتزداد بحسب الحال.
فرعان:
الأول: لو أراد الرجل أن تأكل معه المرأة ولم ترض المرأة إلا بالفرض فالقول قولها، نص عليه غير واحد. وكذلك أيضًا تضم نفقة بنيه الأصاغر إلى نفقتها إلا أن يكون مقلًا
[ ٥ / ١٢٩ ]
فلا تضم نفقتهم معها، وينفق على ولده بقدر طاقته وإلا فهم من فقراء المسلمين، ولا يفرق بينهم وبين أمهم وجد ما ينفق عليهم أم لا، قاله المتيطي.
الثاني: لو مرضت المرأة فقل أكلها أو خرجت قليلة الأكل وطلبت قوتًا كاملًا فهل يقضى لها به أم لا يقضى لها إلا بكفايتها؟
أبو عمران: يقضى بالوسط وتصرف الباقي فيما أحبت، وتردد في ذلك ابن سهل، وقال المتيطي: الصواب عندي أنه لا يكون لها إلا ما تقدر عليه من الأكل وذلك أحق في المريضة من الصحيحة، إذ النفقة في مقابلة الاستمتاع. ابن راشد: وليس لمالك فيها نص.
وأَمْرُ الْكِسْوَةِ كَذَلِكَ
أي: فيرجع أيضًا في جنسها، وقدرها إلى حالها وحاله في النفقة، ويعتبر أيضًا الزمان والمكان.
مِمَّا يَصْلُحُ لِلشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مِنْ قَمِيصٍ، وجُبَّةٍ، وخِمَارٍ، ومِقْنَعَةٍ، وإِزَارٍ، وشِبْهِهِ مِمَّا لا غَنَاَء عَنْهُ، وغِطَاءٍ، ووِطَاءٍ، وَوِسَادَةٍ، وسَرِيرٍ، إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِعَقَارِيبَ أَوْ بَرَاغِيثَ أَوْ فِئْرَانٍ
تصوره واضح. وذكر ابن حبيب أكثر مما قاله المصنف على حسب ما اقتضته بلاده كالفرو واللفافة.
وقوله: (وإِزَارٍ) يحتمل أن يريد به ما تشده في وسطها، ويحتمل أن يريد بها ما تتأزر به في خروجها فيؤخذ من كلامه أنه يفرض عليه الإزار للخروج.
وفي اللخمي: ويختلف في ثياب خروجها كالثياب التي جرت العادة أن تخرج بها والملحقة، والظاهر من المذهب لا شيء لها، وقال في المبسوط: يفرض على الغني ثياب خروجها.
ابن حبيب: وعليه حصير من حلف أو بردي يكون تحت الفراش، وينبغي أن يرجع إلى العرف في جميع هذه الأشياء.
[ ٥ / ١٣٠ ]
قَالَ أَشْهَبُ: ومِنْهُنَّ لَوْ كَسَاهَا الصُّوفَ أَنْصَفَ، وأُخْرَى لَوْ كَسَاهَا الصُّوفَ أُدِّبَ
هذا ظاهر، لأن حكم الكسوة يختلف باختلاف أحوال الزوجات.
قَالَ مَالِكٌ: ولا يَلْزَمُهُ الْحَرِيرُ. فَعَمَّمَهُ ابْنُ الْقَاسَمَ، وتَأَوَّلَهُ ابُن الْقَصَّارِ لِلْمَدنِيَّةِ لِقَنَاعَتِهِمْ
تأويل ابن القصار هو الصواب عند جماعة من الشيوخ.
وَالأَصْلُ أَنَّ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ يُفْرَضُ، ومَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي مَعْنَى السَّرَفِ لا يُفْرَضُ، ومَا هُوَ مِنَ التَّوَسُّعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ولَكِنَّهُ عَادَتُهَا فِيهِ قَوْلانِ
هذا الضابط الذي ذكره [٤٢٠/ب] المصنف لابن بشير، ومن أمثلة ما هو من التوسع بالنسبة إليها ولكنه عادتها الحرير.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: ولا يَلْزَمُهُ مَا هُوَ مِنْ شُورَتِها الَّتِي هِيَ مِنْ صَدَاقِهَا مِنْ مَلْبَسٍ وَغِطَاءٍ وَوِطَاءٍ، وَلَهُ عَلَيْهَا الاسْتِمْتَاعُ مَعَهَا بِهِ ..
ما ذكره عن عبد الملك قاله ابن حبيب وجماعة من الشيوخ أيضًا، وهو جارٍ على المشهور أن المرأة يلزمها ان تجهز بصداقها، وأما على الشاذ فلا.
ابن حبيب: وإن طال العهد وخلقت الشورة أو لم يكن في صداقها ما تتشور به، فعليه الوسط من ذلك لما يصلح للشتاء والصيف، وكذلك قال أصبغ يفرض الوسط لمن لا شورة لها.
وَلَهَا مِنَ الزِّينَةِ مَا تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهِ كَالْكُحْلِ الْمُعْتَادِ، والْحِنَّاءِ، والدُّهْنِ لِمُعْتَادَتِهِ، ونَفَى ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُكْحُلَةَ
هو ظاهر التصور. ابن المواز: وعليه الحناء لرأسها. ابن حبيب: وعليه دهن رأسها ويسير حناء ومشط وكحل.
[ ٥ / ١٣١ ]
وروى ابن المواز عن ابن القاسم: ليس عليه نضوح ولا صباغ ولا مشط ولا مكحلة. وروى يحيي بن يحيي عن ابن وهب: لها الحناء لرأسها وليس عليه الطيب والزعفران وخضاب اليدين والرجلين إلا أن يشاء.
الباجي: ومعنى ذلك عندي أنه ليس من زينتها إلا ما تستضر بتركه كالكحل الذي يضر تركه من تعتاده والمشط بالحناء والدهن لمن اعتاد ذلك، لأن ترك ذلك لمن اعتاده يفسد الشعر ويمزقه. والذي نفى ابن القاسم إنما هو المكحلة ولم ينف الكحل نفسه، فتضمن القولان أن الكحل يلزمه دون المكحلة، وعلى هذا يلزمه ما تمتشط به من الدهن والحناء دون الآلة التي تمتشط بها.
وَلا يَلْزَمُهُ دَوَاءٌ، ولا أُجْرَةُ حَجَّامٍ
هذا أكثر نصوصهم وهو قول ابن حبيب، ونقل ابن زرقون عن ابن حبيب محمد بن عبد الحكم أنه يلزمه أجر الطبيب والمداوة، وهو الظاهر.
بِخِلافِ أُجْرَةِ الْقَابِلَةِ لِلْوَلَدِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فتلزمه، والأصح لأصبغ وهو اختيار غير واحد، لأنها مما لابد لها منه كالنفقة. ونقل المتيطي وغيره قولًا أن الأجرة كلها على المرأة. وقال محمد: إن كانت المنفعة للمرأة فعليها، وإن كانت للود فعلى الأب، وإن كانت لهما فذلك بينهما. ويمكن أن يكون مراد المصنف بـ (الأَصَحِّ) قول محمد لقوله: (لِلْوَلَدِ) والله أعلم.
وَأمْرُ السَّكنَى كذَلِك
أي: فيقدر بحالهما كما في النفقة والكسوة.
[ ٥ / ١٣٢ ]
وَلَهَا إِخْدَامُهَا بِكِرَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ إِنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ وكَانَ قَادِرًا
اختلف هل يجب الإخدام على جميع الأزواج كالنفقة والكسوة أو يشترط الاتساع لذلك؟ وكلام المصنف محتمل لكل منهما، لأنه إن أراد بالقدرة مطلق القدرة كان كالقول الأول، وإن أراد بالقدرة الاتساع كان كالثاني.
وقوله: (بِكِرَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ) يريد: أو ينفق على خادمها. الباجي: أو يخدمها هو بنفسه.
فرعان:
الأول: فإن ادعى الزوج أنه غير مستطيع للإخدام ففي كونه القول قوله أو قولها قولان حكاهما صاحب الطرر.
الثاني: إذا عجز عن الإخدام وقدر على النفقة والكسوة ففي البيان: المشهور أنه لا يطلق عليه بذلك. وروى المغيرة عن ابن الماجشون أنه يطلق به عليه. قال الجوهري: والخادم ما يقوم بأمرها مما يليق بمثلها.
وَفِي إِلْزَامِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ فِي الرَّفِيعَةِ- ثَالِثُهَا: إِنْ طَالَبَهَا بِأَحْوَالِ الْمُلُوكِيَّةِ لَزِمَهُ
القول باللزوم لمالك وابن القاسم، ومقابله لابن القاسم في الموازية وقاله أصبغ، والثالث ذكره ابن بشير.
قال ابن راشد: وجعله إسحاق بن إبراهيم على ما نقله عنه ابن مزين تفسيرًا للأول والأظهر الأول، وعندنا بمصر من يحتاج إلى خدام كثيرة.
فَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ واخْتَارَتْ بَقَاءَهَا لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا
هكذا قال مالك وابن القاسم: أنها إن طلبت الإنفاق على خادمها دون خادمه أن القول قولها.
[ ٥ / ١٣٣ ]
ابن شاس: إلا أن تضمر ريبة. قيل: ولا يكون القول قوله بمجرد دعواه ذلك إلا أن يأتي بينة على قوله أو يعرف ذلك جيرانه.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَهْلًا لِلْخَادِمِ أَوْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وكَنْسٍ وفَرْشٍ بِخِلافِ النَّسْجِ والْغَزْلِ وشِبْهِهِ
تصوره ظاهر. ابن شاس: وكذلك عليها الطبخ واستقاء الماء إن كان معها في الدار، وإن كانت ببلد عادتهم استقاء الماء فعليها ذلك، وإن كان ليس عادتهم استسقاء قال في البيان: إلا أن تكون الزوج من أشراف الناس الذين لا يمتهنون أزواجهم في الخدمة فعليهم الإخدام، وإن لم تكن زوجته من ذوات الأقدار.
ابن خويز منداد: وعلى المرأة أن تخدم خدمة مثلها، فإن كانت ذات قدر فخدمتها الأمر والنهي في مصالح البيت، وإن كانت دنية فعليها خدمة البيت.
وقوله: (بِخِلافِ النَّسْجِ والْغَزْلِ) يريد: والخياطة ونحوها، لأنه ليس من خدمة البيت، وإنما هو من أنواع التكسب وليس عليها أن تتكسب إلا أن تتطوع به.
فرع:
للزوج أن يمنع زوجته من أكل الثوم والكرات وكل ما له رائحة كريهة، وله منعها من الغزل ونحوه نقله ابن راشد.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ أَبَوِي الْمَرْأَةِ وَوَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَدْخُلُوا إِلَيْهَا، وإِنْ حَلَفَ أُحْنِثَ
إنما لم يكن له منع أبويها وولدها من غيره من الدخول إليها، لأن العادة تقتضي الدخول إليها [٤٢١/أ] والتزاور، وقد ندب الشرع إلى ذلك المشاور، فإن اتهمهما في إفسادها زاراها في كل جمعة مرة بأمينة تحضر معهما لئلا يَخْلوَا بها. وفي المتيطية: إذا كان للمرأة أولاد من غيره قضى للأصاغر بالدخول عليها في كل يوم وللكبار في كل جمعة.
[ ٥ / ١٣٤ ]
وظاهر قوله: (وإِنْ حَلَفَ أُحْنِثَ) أنه يحنث بمجرد حلفه ألا يدخلوا إليها، وهو قول مالك في سماع أشهب. وقال ابن حبيب: لا يحنث حتى يحلف ألا يدخلوا إليها ولا تخرج إليهم، وينبغي أن يكون الحال في الولد أشد ولاسيما مع صغر السن، فإن حلف على أبويها أن لا يدخلا ولا تخرج إليهما، فقيل: يجبر على تحنيثه باي الأمرين شاء، إما بدخولهما إليها وإما بخروجها إليهما، وقيل: يجبر على الدخول أو الخروج ولا يحنث حتى يزيد في يمينه، ولو حكم عليه حاكم وهما على الخلاف في إكراه القاضي هل يمنع من الحنث أم لا؟
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْعِهَا هِيَ مِنَ الْخُرُوجِ لَمْ يُحَنِّثْ
إنما لم يحنث هنا، لأنه حلف على من له عليه الحكم بخلاف ما سبق.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْهِما فِي لَوَازِمِ الْحُقُوقِ: ولُوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُحَنَّثْ
هذه المسالة لم تثبت في كل النسخ وسقطت من نسخة ابن عبد السلام وثبتت في نسخ ابن راشد، فقال: يريد ما قاله مالك أرى أن يقضى عليه بأن تشهد جنازة أبيها وأمها وتزورهما في الأمر الذي فيه الصلاح والصلة، وأما الحمام والجنائز فلا أرى عليه ذلك.
وتحقيق المذهب أن المرأة إذا أرادات الخروج إلى أبيها وأمها فإن كانت متجالة فلا خلاف أنه يقضى لها بالخروج على زيارتهما، وإن كانت شابة وهي غير مأمونة فلا خلاف أنها لا يقضى لها بذلك ولا إلى الحج، كذا رواه ابن عبد الحكم عن مالك، وإن كانت مأمونة فقولان: أحدهما: أنه يقضى عليه بذلك، والآخر أنه لا يقضى حتى يمنعها من الخروج إليهم ويمنعهم من الدخول إليها، فحينئذ يقضى عليه بأحدهما.
قال ابن حبيب: والشابة محمولة على أنها مأمونة حتى يثبت أنها غير مأمونة، وعلى هذا فقول المصنف: فلو حلف على ذلك لم يحنث، ليس على إطلاقه.
[ ٥ / ١٣٥ ]
فرعان:
الأول: قال مالك في العتبية: ليس للرجل أن يسكن أولاده من امرأة مع امرأة له أخرى، ولا يجمعهم في مسكن واحد إلا أن ترضى.
مالك: وليس له أن يسكن معها أبويه إلا برضاها. قال في البيان: لما عليها من الضرر من اطلاعهم على أمرها وما تريد أن تستره عنهم من شأنها. وقال ابن الماجشون في المرأة تكون هي وأهل زوجها في دار واحدة فتقول: إن أهلك يؤذونني فأخرجهم عني، أو أخرجني عنهم: رب امرأة لا يكون لها ذلك يكون صداقها قليلًا وتكون وضيعة القدر، ولعله أن يكون على ذلك تزوجها وفي المنزل سعة، فأما ذات القدر فلابد له أن يعزلها عنهم، وإن حلف ألا يعزلها أحمل على الحق أبره ذلك أو أحنثه. قال في البيان: وليس قول ابن الماجشون عندي خلافًا لمذهب مالك.
الثاني: إذا كان للمرأة أولاد من غير زوجها وأراد إخراجهم عنه وأبت ذلك، فإن لم يكن لأولادها من يحضنهم فليس للزوج إخراجهم، وليس له إلا البقاء معهم أو التطليق علم بهم أو لم يعلم، وإن كان للأولاد من يحضنهم فإن لم يعلم الزوج بهم فلا يلزمه أن يكونوا معه وله إخراجهم، وكذلك إذا علم بهم وأبى من البناء بها لأجلهم، وأما إن علم بهم وبنى بالأم وهو عالم أن لها ولدًا ثم أراد إزالته عنها ففي ذلك قولان، ظاهر ما في العتبية أنه ليس له إزالته، وقال ابن الماجشون: له ذلك.
وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى عَنْ جَمِيعِ لَوَازِمهَا ثَمَنًا إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ قَوْلانِ
ظاهره أن الذي على الزوج في الأصل هو ما يفرض للمرأة لا ثمنه، وأن للزوج أن يعطي الثمن عن ذلك، وهو ظاهر المذهب. وقال ابن وهب: هو بالخيار إن شاء فرض ذلك وإن شاء فرض ثمنه، واستشكله عياض وقال: القياس ألا يكون له دفع الثمن إلا
[ ٥ / ١٣٦ ]
برضاها، لأنه إنما هو وجب عليه طعام وكسوة ولم تجب عليه قيمة فلا يلزم الزوج غير ذلك، وكذلك لا يلزمها قبول الثمن لما يلزمها من مؤنة تكليف الشراء، وقد تختلف الأثمان بارتفاع الأسواق فيضر ذلك بها.
وحكى أبو الحسن في المسألة أربعة أقوال: قيل: يفرض الثمن، وقيل: العين، وقيل: إن كانت الأعيان مما يجوز بيعها قبل قبضها فرض لها الأثمان، وإن كانت مما لا يجوز بيعها قبل قبضها فرض لها الأعيان، وقيل: الإمام مخير بين أن يفرض لها الأثمان أو الأعيان. وأخذ من المدونة من قوله: إن للرجل أن يحاسب امرأته بدينه الذي له عليها من نفقتها أنه إن شاء دفع النفقة عينًا لم يجبر على غير ذلك.
وقوله: (إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ قَوْلانِ) منشأهما: هل تحريم بيع الطعام قبل قبضه غير معلل فيمنع، أو معلل بالغيبة فيجوز، لأنها مفقودة بين الزوجين؟
وَتَقْدِيرُ زَمَانِ النَّفَقَةِ عَلَى حَالِ الزَّوْجِ فَقَدْ يَكُونُ بِالْيَومِ أَوْ بِالْجُمُعَةِ أَوْ بِالشَّهْرِ وقَدْ يَكُونُ بِخُبْزِ السُّوقِ
لأن من الناس من [٤٢١/ب] يكون رزقه باليوم كصناع والأجراء فيفرض عليهم به، ومنهم من يكون بالجمعة فيفرض عليهم بها، ومنهم من يكون بالشهر فيفرض عليهم به، وأجاز ابن القاسم أن يفرض بالسنة ومنع ذلك سحنون لحوالة الأسواق، وقد يكون بخبز السوق، لأن بعض الناس لا يقدر إلا على ذلك.
اللخمي: وأما الكسوة فتفرض مرتين في الشتاء والصيف، لأنها مما لا يتبعص، وتكون بالشهر والأيام وكذلك الغطاء والوطاء.
وَتضْمَنُهَا بِالْقَبْضِ، وكَذَلِكَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا
يعني: أن المرأة إذا قبضت نفقة مدة مستقبلة فضمانها لو هلكت منها، وسواء قامت لها البينة على الضياع أم لا، هذا ظاهر المدونة ونص الموازية.
[ ٥ / ١٣٧ ]
وخرج اللخمي قولًا بسقوط الضمان مع قيام البينة على الضياع مما قيل في الصداق العين.
ابن بشير: ولا يلزم، لأن الخلاف في الصداق إنما هو إذا طلق فوجب الرجوع بنصفه، وفي المذهب قولان: هل تستحق جميعه بالعقد أم لا؟ وأما النفقة فقد وجبت لها.
وقوله: (وكَذَلِكَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا) أي تضمنها.
عياض: إلا أن تقدم لها بينة على الهلاك فلا تضمنها، لأنها لم تقبضها لنفسها ولا هي متمحضة للأمانة، لأنها إنما أخذتها لحق ولدها فتضمنها كالرهان والعواري، وهذا إنما هو فيما تأخذه لولدها من كسوة ونفقة للإنفاق عليهم، وأما ما تأخذه أجرة للرضاع بعد الطلاق فهو كنفقتها. ابن عبد السلام: وذكر بعضهم فيما تلق مما قبضته لها ولولدها من كسوة ونفقة ببينة ثلاثة أقوال: قيل تضمنه وقيل لا تضمنه، والفرق بين ما تقبضه عن نفسها فتضمنه وما قبضته عن ولدها فلا تضمنه، وقيل: كل ما تقبضه لولدها أنها مصدقة في تلفه وتحلف.
وَيُحَاسِبُهَا مِنْ دَيْنِهِ إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وإِلا فَلا
يعني: إذا كان له على زوجته دين وطلبته بنفقتها فله المقاصة ما لم يؤد ذلك إلى ضررها كما إذا كانت فقيرة. وكذلك قال في المدونة: قيل: ومعناه أن دينها من نوع ما فرض عليه. وأخذ من هذه المسألة شيئان: أولهما إلزام المتداينين المقاصة إذا دعا إليها أحدهما وهو المشهور وسيأتي، وثانيهما أن للزوج دفع النفقة عينًا ولا يجبر على غير ذلك، إلا أن هذا الثاني لا يتم على تأويل من تأول أن الدين من جنس ما وجب لها عليه والله أعلم.
وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِالنُّشُوزِ
ابن شاس: هذه هي الرواية المشهورة. وذكر ابن بشير أن الأبهري وغيره حكوا الإجماع عليها وفيه نظر، لأن في الموازية أنها لا تسقط به.
[ ٥ / ١٣٨ ]
المتيطي: وهو الأشهر. وفرق سحنون: فإن نشزت لبغضه فلها النفقة لا إن كان لدعواها الطلاق، والسقوط هو اختيار الباجي واللخمي وابن يونس وغيرهم، وهو قيد بها إذا لم تكن حاملًا، نص عليه صاحب الكافي وغيره.
وَهُوَ مَنْعُ الْوَطْءِ وَالاسْتِمتَاعِ، أَوِ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا، وأَمَّا الْقَادِرُ فَيَتْرُكُهَا فَلَهَا اتِّبَاعُهُ بِالنَّفَقَةِ
هذا تفسير للنشوز المسقط للنفقة وتصوره ظاهر، والخروج مرفوع بالعطف على منع، وكلام المصنف يقرب من كلام صاحب الجواهر. وفي كتاب الوقار: وإن حجبت نفسها من زوجها وطلبت منه النفقة لا نفقة لها ما حجبت عنه نفسها، وإن كانت معه في منزل فمنعته نفسها فعليه النفقة وعليه الاحتيال في الوصول إليها، وظاهر كلام المصنف أنها إذا منعته الوطء فهو نشوز وإن كانت معه في الدار.
قوله: (وأَمَّا الْقَادِرُ فَيَتْرُكُهَا فَلَهَا اتِّبَاعُهُ بِالنَّفَقَةِ) هكذا نص عليه ابن القابسي وهو ظاهر، لأن النشوز حينئذ لا يتحقق، إذ قدرته على الرد قدرة على الاستمتاع، ولكن يؤدبها هو أو غيره على خروجها بغير إذنه.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون وجوب النفقة لها هنا متفقًا عليه وهو ظاهر كلام بعضهم، على أن بعضهم عده قولًا آخر للقابسي.
وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا وَإِنْ كَرِهَتْ
هذا بشرط أن يكون مأمونًا عليها، وأن يكون البلد الذي يسافر إليه مأمونا، والسفر كذلك نص عليه ابن الجلاب.
[ ٥ / ١٣٩ ]
وَتَسْقُطُ بِالطَّلاقِ الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيَ
سقطت بالبائن لانقطاع الزوجية ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] والمراد المطلقة البائن، فدل على أنه لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، وأما الرجعى فهي في حكم الزوجة.
وَالْبَائِنُ فِي السُكْنَى ونَفَقَةِ الْحَمْلِ كَالرَّجْعِيَّةِ
للآية المتقدمة، واعلم أن أصحابنا حيث ذكروا نفقة الحمل فإنما يريدون حمل البائن، وأما من العصمة والرجعية والمتوفى عنها فلا نفقة لحملهن، أما الأوليان فلاندراج نفقة الحمل في النفقة عليهما، وأما المتوفى عنها فحملها وارث، وحيث ما وجبت النفقة وجبت الكسوة. ابن القاسم: وإن طلبت المبتوتة الحامل الكسوة فإن كانت في أول الحمل فذلك لها، وإن لم يبق من آخر الحمل إلا ثلاثة أشهر ونحوها قوم ما كان يصير لتلك الشهور من الكسوة لو كسيت في أول الحمل ثم أعطيت تلك القيمة دراهم. قال في البيان: وقوله: إن كانت في أول الحمل فذلك لها، إنما هو إذا كانت الكسوة مما تبلى [٤٢٢/أ] في مدة الحمل، وأما إن كانت مثل الفرو وشبهه فالوجه أن ينظر إلى ما ينقصه اللباس في مدة الحمل فيعرف ما يقع للأشهر الباقية.
فروع:
الأول: قال اللخمي: اختلف إذا بليت الكسوة قبل الوقت الذي فرض لها هل يكون كحكم مضى أم لا كالخارص يتبين خطأه والذي أخذ دية عينه ثم برئت، فقد اختلف في ذلك.
الثاني: قال في كتاب القذف من المدونة، قال مالك: وإن دفع إليها نفقة سنة أو كسوتها بفريضة أو بغير فريضة ثم مات أحدهما بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين فلترد النفقة
[ ٥ / ١٤٠ ]
بقدر ما بقي من السنة، واستحسن في الكسوة ألا ترد إذا مات أحدهما بعد أشهر لا ترد شيئًا، فقال: لا يعتدل هذا تعطيها الكسوة تلبسها ثلاثة أشهر ثم لا تتبع بشيء.
الثالث: سئل ابن عتاب عن المطلقة المرضع أو الحامل هل لها خدمة على الزوج إن كانت عنده مخدومة قبل الطلاق؟ فقال: لا خدمة لها وعليها خدمة نفسها. قال: ويحتمل أن تزاد المرضع في الأجرة لاشتغالها بالولد وما تتكلفه من مؤنته.
أبو الأصبغ: وفي المدونة في الحامل والمحضونين خلاف ما ذكره.
فَلَوْ مَاتَ فَالْمَشْهُورُ وُجوُبُهَا فِي مَالِهِ، ورَوَى ابْنُ نَافِعٍ: هِيَ والْمَتَوَفَّى عَنْهَا سَوَاءٌ
يعني: فلو طلقها زوجها طلاقًا بائنًا فوجب لها السكنى ثم مات عنها قبل أن تنقضي عدتها فالمشهور لا يسقط ما وجب لها بموته، لأن السكنى وجبت دينًا عليه.
(ورَوَى ابُن نَافِعٍ: هِيَ والْمُتَوفَّى عَنْهَا سَوَاءٌ) لا سكنى لها. واختار هذه الرواية يحيي بن عمر وصاحب البيان. وقال في البيان: لأن السكنى لم تتقرر في ذمته بدليل أنه لو أعسر في حياته لسقط عنه السكنى، قال: ولو كان الطلاق رجعيًا لم يختلف في سقوط السكنى كما تسقط النفقة لأن المرأة ترجع إلى عدة الوفاة فلا سكنى لها إلا أن تكون الدار للميت أو نقد كرائها. انتهى.
واختلف الشيوخ في فهم رواية ابن نافع، ففهمها بعضهم على أنه لا سكنى لها حيث لا سكنى للمتوفى عنها زوجها، أعني إذا لم تكن الدار للميت ولا نقد كرائها وإلا فتجب كما تجب للمتوفى عنها وهو ظاهر لفظ التسوية المذكورة في الرواية. ومن فهمها على الوجه الأول عد التفرقة قولًا ثالثًا لأنه وقع نصًا لابن القاسم في المدونة.
[ ٥ / ١٤١ ]
تنبيه: ما ذكره المصنف أنه المشهور وهو مذهب المدونة نص عليه في باب نفقة المعتدات، وعارضه فضل بما في غرخاء الستور إذا خالع حاملًا فلزمته النفقة ثم مات أنها تنقطع عنها بموته. قال فضل: هذا خلاف ما له في كتاب طلاق السنة وهو موافق لرواية ابن نافع وفرق بعض القرويين بأن النفقة حق للحمل على أبيه وبعد موت الأب صار الحمل وارثًا فلم تجب له نفقة في مال الميت بخلاف السكنى فإنها حق تعلق بذمة المطلق لمطلقته فلا يسقطها الموت كسائر الديون.
فَلَوْ كَانَتْ مُرْضِعَةً فَعَلَيْهِ مَعَ نَفَقَةِ الْحَمْلِ نَفَقَةُ الرَّضَاعِ
يعني: فلو كانت البائن الحامل مرضعة لزيد لها مع نفقة الحمل نفقة الرضاع، وظاهره أنها تأخذ جميع النفقتين على الكمال. وصرح في العتبية بذلك، قال في البيان: لأنها لا رضاع عليها إلا أن تشاء فتكونه لها الأجرة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] فليس وجوب النفقة لها بسبب الحمل بالذي يسقط ما وجب لها من الأجرة.
ابن عبد السلام: وقيل: إنما تأخذه نفقة واحدة. وحكى بعضهم الخلاف في ذلك مجملًا، قيل: وهو دليل المدونة أنه ليس لها إلا نفقة الحمل وحدها، لأن في كتاب الرضاع منها أن على المرأة أن ترضع ولدها بعد الطلاق في العدة ما دامت النفقة على الزوج. قال في البيان: فذهب بعضهم إلى أن هذا مخالف لما في التعبية وليس بصحيح.
وَلِلْمُلاعِنَةِ السُّكْنَى لا نَفَقَةُ الْحَمْلِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا
إنما وجب للملاعنة السكنى لكونها محبوسة بسببه كما تقدم.
وقوله: (لا نَفَقَةُ الْحَمْلِ) لأنه غير لاحق به كالمتوفى عنها تشبيه في الحكم فقط لا في سبب، لأن سبب عدم وجوب النفقة لحمل الملاعنة عدم لحوقه، وسبب عدم الوجوب للمتوفى عنها لأن حملها وارثًا.
[ ٥ / ١٤٢ ]
وَلا نَفَقَةَ لِحَمْلِ أَمَةٍ لأَنَّهُ رَقِيقٌ وِإنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا
يعني: أن من تزوج أمة ثم طلقها طلاقًا بائنًا فلا نفقة لحملها سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، لأن حمل الأمة ملك لسيدها ولا ينفق على عبد الغير.
وَلا عَلَى عَبْدٍ لِحَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ وإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً إِلا أَنْ تَكُونَ رَجْعِيَّةً فِيهِمَا
يعني أن العبد إذا تزوج امرأة حرة كانت أو أمة فطلقها بعد البناء طلاقًا بائنًا وهي حامل لم يكن لها نفقة لذلك الحمل، لأنه لا يجب على العبد أن ينفق على ولده، لأنه إتلاف لمال سيده فيما لا يعود على سيده منه منفعة، فإن أعتق العبد قبل الوضع فإن كانت حرة أنفق على حملها بخلاف الأمة إلا أن تعتق هي أيضًا. قاله في المدونة.
وقوله: (إِلا أَنْ تَكُونَ رَجْعِيَّةً فِيهِمَا) أي في هذ الفرع والذي [٤٢٢/ب] قبله لأن الرجعية في حكم الزوجة.
وَتَجِبُ بِثُبُوتِ الْحَمْلِ بِالنِّسَاءِ
يعني: إذا شهدت امرأتان بظهور الحمل وبتحرك الولد وهو راجع إلى المشهور. وسمعت بعض شيوخنا يقول: إنه ثالث. ونظير هذه المسألة هل تلاعن لظهور الحمل أم لا؟ قال في الجلاب: وتعطى حين يظهر حملها بحركته نفقة الحمل كله من أوله إلى آخره.
وَفِي رُجُوعِهِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ بِحُكْمٍ رَجَعَ، ورَابِعُهَا: عَكْسُهُ
أي: وإذا فرعنا على المشهور وأنفق لظهور الحمل ثم تبين ألا حمل فهل يرجع بالنفقة أم لا؟ أربعة أقوال: فالرجوع مطلقًا، قال في البيان: هو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك. واختاره ابن المواز وغيره لأنه إنما أنفق على الحمل لا على وجه الصدقة والصلة. وعدم الرجوع مطلقًا لمالك في الموازية. والثالث لمالك في العتبية: إن دفع لها بحكم رجع
[ ٥ / ١٤٣ ]
عليها لأنه قد استبان أن الأمر على خلاف ما ثبت، وإن دفع بغير حكم لم يرجع عليها لأنه متطوع.
والرابع عكسه: ووجهه أنه مع قضاء القاضي لو رجع عليها لكان في معنى نقض الحكم بخلاف ما إذا لم يقض، ونسبه ابن راشد لعبد الملك، قال: ورواه عن مالك.
خليل: وفيه نظر، فإن الذي لعبد الملك إنما هو القول الأول على ما في البيان وغيره، قال في البيان: ولهذه المسألة نظائر منها مسألة كتاب الشفعة من المدونة في الذي يثبت على الصدقة وهو يظن أن الثواب يلزمه، ومنها مسألة كتاب الصلح فيها في الذي يصالح عن دم خطأ وهو يظن أن الدية تلزمه.
وَتَسْقُطُ بِالِإعْسَارِ فِي زَمَانِ وُجُوبِهَا فَلا تَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ فِي غَيْبَتِهِ أَوْ حُضُورِهِ
يعني: أن نفقة الزوجة لا تجب إلا بشرط الملاء ولو كان الزوج قد دخل بزوجته وهو مراده بقوله: (فِي زَمَانِ وُجُوبِهَا) ودليله قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وهذا معسر لم يؤته الله شيئًا، وإذا لم يكلف بها لم ترجع عليه بما أنفقت في تلك المدة.
بِخِلافِ مَا أَنْفَقَتْهُ عَلَيْهِ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا كَالْمُنْفِقِ عَلَى أَجْنَبِيِّ إِلا أَنْ يَكْونَ بِمَعْنَى الصَّلَةِ، ولا يُقْضَي بِالسَّرَفِ مِنْ ذَلِكَ كَدجَاجٍ وخِرَافٍ ..
أي: فترجع بما أنفقته عليه ولو كان معسرًا، إذ كأنها أسلفته، والتسلف يثبت في ذمة المعسر فترجع عليه كما ترجع إذا أنفقت على أجنبي إلا أن يكون بمعنى الصلة، أي في الزوج والأجنبي فلا ترجع ولا إشكال في ذلك. وخالف اللخمي في الزوج ورأى أنها لا ترجع بما أنفقته عليه وإن لم تكن على وجه الصلة لأن ذلك مكارمة، ولأنه قيل من قول ابن القاسم إذا أسكنته دارها، ولأنه لا ثواب بين الزوجين إلا أن يشترط أو يرى ذلك.
[ ٥ / ١٤٤ ]
وقوله: (ولا يقضي إلخ) يعني إذا وجب الرجوع لها على زوجها بما أنفقته عليه أو على نفسها أو ولدها ووجب الرجوع بما أنفقته على الأجنبي فإنه ترجع عليه بالمعتاد في حق المنفق عليه، فأما ما كان سرفًا بالنسبة إليه فلا ترجع به على المنفق عليه، لأن المفهوم من قصد المنفق العطية إلا أن تكون التوسعة في زمنها كالأعياد فترجع بذلك، ولم يذكروا في ذلك خلافًا. وقد اختلف في مسألة مشترى الدار على أن ينفق على البائع حيلة هل يرجع المشتري إذا فسخ البيع بالسرف أم لا، وفرقوا بينها وبين مسألة الزوجة بأن العطية في مسألة الشراء لأجل الشراء فترجع بها على ما هو الأصل في الهبة لأجل البيع ولأجل النكاح.
ابن عبد السلام: وهذا إنما ينهض حيث تقول المرأة قصدت الرجوع بما أنفقت، ويقول زوجها أو الأجنبي إنما ظننت أن النفقة على وجه الصلة، لم يقبل ذلك منه وقضي لها، وأما إن اتفق المنفق والمنفق عليه أن النفقة على الرجوع فلا يتحقق ذلك الفرق، والله أعلم.
فرعان:
الأول: لا تسقط النفقة بما إذا تعذر الوطء من غير جهتها كمرض أو حيض أو جنون، وكذلك لو دخل على رتقها، وكذلك إذا أذن لها في حج التطوع، وأما الفريضة فإن النفقة لها ولو خرجت بغير إذنه إذا خرجت مع محرم أو رفقة مأمونة وتكون لها نفقة حضر لا نفقة سفر. ولها النفقة إذا حبست في دين، لأن المنع ليس من جهتها، ولا تسقط بحبس زوجها ولو حبسته هي في حقها، حكاه ابن الجلاب وغيره.
الثاني: قال في المدونة: ومن أنفق على صبي صغير لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكون للصبي مال حين أنفق.
ابن يونس: يريد والمنفق عالم فيرجع بما أنفق عليه في ماله، فإن تلق ذلك المال أو كبر الصبي فأفاد مالًا لم يرجع عليه بشيء. وزاد غيره ثلاثة شروط: أن يقول المنفق إنما أنفقت لأرجع ويحلف على ذلك، وأن يرجع بالمعتاد لا بالسرف. قيل: وما ذكره ها هنا في المدونة
[ ٥ / ١٤٥ ]
مناقض لما في كتاب تضمين الصناع فيمن أنفق على صبي فإذا له أب أن يرجع على الأب بما أنفق، ولا فرق بين أن يكون للصبي مالٌ لم يعلم به المنفق أو أب لم يعلم به المنفق.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ثُمَّ أَعْسَرَ اسْتَقَرَّ الْمَاضِي فِي ذِمَّتِهِ فَرَضَهُ الْحَاكِمُ أَوْ لَم يَفْرِضْهُ
يعني: أن الإعسار إنما يسقط نفقة زمانه فقط ولا يسقط ما قبل ذلك، وكلامه ظاهر.
وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْحَامِلِ
أي: تسقط بالإعسار ولا يسقط الإعسار ما قبله.
والْقَادِرِ بِالْكَسْبِ كَالْقَادِرِ بِالْمَالِ إِنْ تَكَسَّبَ ولا يُجْبَرُ عَلَى التَّكسُّبِ
يعني: والقادر بالكسب يجب عليه النفقة كالقادر بالمال بشرط أن يتكسب. ويؤخذ من قوله: (كَالْقَادِرِ) أنه لم ينفق في زمن تكسبه أن النفقة تستقر في ذمته ولا يسقط الإعسار، وإذا لم يجبر الغرماء المديان على التكسب فأحرى الزوجة، لأن الضرر اللاحق لرب الدين أقوى من ضرر الزوجة فإنها قادرة على رفع ضررها بالطلاق بخلافهم، ولا يجبر على التكسب لئلا يصير كالعبد. وذهب بعض الشيوخ إلى جبر الصانع على العمل ليوفي الدين لأنه على ذلك عومل، ولا يبعد مثله في النكاح.
وَيَثْبُتُ لَهَا حَقُّ الْفَسْخِ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ لا الْمَاضِيَةِ، حُرَّينِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ
يعني: أن للمرأة إذا عجز زوجها عن النفقة عليها في الوقت الحاضر أن تفسخ وأن تبقى معه بغير نفقة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزوجان حرين أو عبدين أو أحدهما حر والآخر عبد. وكان لها أن تفارق لقوة ضررها، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع فأشبه المعاوضة، ولا يجبر صاحب السلعة على دفع السلعة بغير ثمنها.
[ ٥ / ١٤٦ ]
ابن المسيب في المدونة: والتفريق لأجل الإعسار بالنفقة سنة.
وقوله: (لا الْمَاضِيَةِ) يعني: فلا يثبت لها حق الفسخ بالنفقة الماضية وهي كسائر الديون.
مَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ ورَضِيَتْ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مِنَ السُّؤَّالِ
يعني: إنما يكون لها الفراق إذا لم تكن عرفت حال العقد أنه من الفقراء أو من السؤال، وأما إن علمت ذلك فلا، وهذا قول مالك في المبسوط. وقال في الموازية: تطلق عليه وإن كان حال العقد فقيرًا وعلمت بذلك. واقتصر المصنف على الأول، لأنها بمنزلة من علمت بعيب زوجها ورضيت به. ونص القابسي على أنه إن كان ممن يطوف للسؤال ثم ترك ذلك أن لها القيام، ونحوه للخمي قال: وكذلك أيضًا إن كان لا يسال وكان مقصودًا مشهورًا بالعطاء ثم تعذر ذلك فلها أن تقدم بالطلاق. ونص ابن مغيث على أنه تقييد، وهو ظاهر.
فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالإِنْفَاقِ أَوْ الطَّلاقِ، فَإِنْ أبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ
إنما يأمره بالإنفاق إذا لم يثبت عنده فقره، وأما إن ثبت فلا، إذ لا يأمره بما ثبت عنده العجز عنه، وإن أبى من الطلاق والإنفاق طلق الحاكم عليه. واختلف هل الحاكم الذي يطلق عليه كما هو ظاهر كلامه؟ ابن عبد السلام: وهو الصحيح. أو يبيح للمرأة الإيقاع على قولين؟
لا يمين على الرجل إن صدقته المرأة على عسره، إذ لا يحتاج إلى إقامة بينة، وأما إن لم تصدقه فلابد من البينة على الإعسار واليمين، ثم يتلوم له القاضي على المشهور المعمول به. وقيل: تطلق عليه من غير تلوم، وعلى المشهور فاختلف في مقدار التلوم، وإلى ذلك أشار بقوله:
[ ٥ / ١٤٧ ]
وَرْوِيَ شَهْرٌ، ورُوِي ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، والصَّحِيُح: يَخْتَلِفُ بِالرَّجَاءِ
اختلف في مقدار التلوم، فلمالك في المبسوط أنه اليوم ونحوه مما لا يضر بها الجوع، ولمالك في الواضحة الثلاثة الأيام ونحوها، وفي الموازية: ما علمت أنه يضرب له الأجل إلا الأيام ولا أعلم له أجلًا.
وقال محمد: الذي عليه أصحاب مالك في التلوم الشهر. وقال ابن الماجشون في الواضحة: الشهر والشهرين. وقال أصبغ: إن لم يطمع له بمال فالشهر إذا لم تجد هي ما تنفق، ولا يبلغ بها الشهرين إلا إذا كان لها ما تنفق. وقيل: إنه لا يتلوم له بشيء إذا لم يكن لها ما تنفق على نفسها.
وما صححه المصنف صححه ابن عبد البر، وهو مذهب المدونة، قال فيها: ويختلف التلوم فيمن يرجى له ومن لا يرجى له وتطلق عليه لعدم القدرة على الكسوف.
اللخمي: وكذلك لو عجز عن الغطاء والوطاء. أشهب: ويستأنى في الكسوة الشهرين ونحوهما.
فرع:
إذا مرض وسجن في خلال الأجل فمنعه ذلك عن النظر فيما يأتيها به، فقال ابن الماجشون في المبسوط: يزداد في الأجل بقدر ما يرى ويرتجى شيئًا وإلا طلق عليه. قال: وإن غاب مختارًا طلقت عليه.
فَإِنْ وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا فَلَهُ الَّرجْعَةُ
قد تقدم في غير موضع أن كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المؤلى والمعسر بالنفقة، لكن شرط الرجعة في الإيلاء أن تنحل يمينه كما سبق في محله وفي الإعسار اليسار، أما لو رضيت الزوجة بالرجعة مع عدم يسره كانت رجعة، قاله في
[ ٥ / ١٤٨ ]
الواضحة وغيرها. وقال سحنون في السليمانية: لا تصح الرجعة. واحترز بواجب مثلها من أن يجد يسارًا يكفي دونها فإن ذلك غير معتبر لعدم حصول مقصدها.
ولم يتعرض المصنف لقدر الزمان الذي إذا أيسر به كانت له الرجعة، واختلف في ذلك، فلابن القاسم وابن الماجشون: إن أيسر بنفقة الشهر وإلا فليس له الرجعة. وفي كتب ابن مزين: قوت نصف شهر فأكثر. وعن ابن الماجشون إذا وجد ما لو قدر عليه أولًا لم تطلق عليه، وينبغي أن [٤٢٣/ب] تتأول هذه الأقوال على ما إذا ظن أنه يقد بعد ذلك على إدامة النفقة.
قال في البيان: وإذا قدر أن يجريها مياومة، فإن كان ممن يجريها قبل الطلاق مياومة فله الرجعة. واختلف إذا كان يجريها مشاهرة، فقيل: له الرجعة. وقيل: لا. ولأجل أن الطلاق هنا رجعي كان لها النفقة إذا أيسر سواء ارتجع أم لا على مذهب المدونة خلاف ما تأوله بعضهم على الواضحة، ورواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه لا نفقة على المولى في العدة حتى يرتجع، ونقله ابن شعبان عن مالك.
تبينه:
فهم من قوله: أن له الجرعة إن أيسر في العدة، أن هذا خاص بالمدخول بها، إذ لا عدة على غير المدخول بها وهو المعروف. وفي الكافي روي عن مالك: إن أيسر في العدة كان له الرجعة في المدخول بها وغيرها. ولا أدري ما هذا لأنه لا رجعة في غير المدخول بها.
خليل: ولعل هذه الرواية محمولة على ما إذا خلا بها وتصادقا على نفي الوطء وإلا فلا يصح قوله في العدة، إلا لا عدة على غير المدخول بها بنص القرآن.
ويُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنِ الْقُوتِ وعَنْ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ، قَالَ مَالِكٌ: ولَوْ مِنَ الْخُبْزِ والزَّيْتِ، وغَلِيظِ الْكَتَّانِ، غَنِيَّةً كِانَتْ أَوْ فَقِيرَةً
يعني: أن المعتبر الموجب للفراق هو العجز الموجب للفراق هو العجز عن النفقة والكسوة جملة، أما لو ضاقت حاله بعد التوسعة حتى لم يجد غير القوت لها دون خادمها من قمح أو شعير،
[ ٥ / ١٤٩ ]
ولو كان مأدومًا بزيت أو لم يجد الإدام، وإنما وجد الخبز فقط فإنه لا يفرق بينهما، وكذلك أيضًا لا يفرق بينهما إذا وجد من الكسوة ما يسترها ولو من غليظ الكتان وإن كانت ذات شرف وغنى، قاله مالك في الموازية والواضحة. وفي البيان عن أشهب: إذا عجز عما يشبهها فرق بينهما. وكذلك اختلف إذا لم يقدر إلا على الشعير وأهل بلده يأكلونه.
فَإِنْ وَجَدَ مَا يُمْسِكُ الْحَيَاَة أَوِ الصَّحَّةَ خَاصَّةً فَلا عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: فإن قصر عما ذكرنا من القوت لكن قدر على ما يحفظ حياتها خاصة فالمشهور لا يلزمها المقام معه، لأن إلزامها المكث حينئذ ضرر كثير ولاسيما إذا كان لا يرجى تغير حاله إلا بعد طول. وفي المدونة عن يحيي بن سعيد: إذا وجد الفقير قوامًا من الخبز والزيت وغليظ الثبات لم يفرق بينهما.
ربيعة: أما الشملة والعبادة فلا. والشاذ حكاه اللخمي عن مالك أنه لا يفرق بينهما حتى لا يجد أقل ما تعيش به، واستشكله لأن في ذلك حرجًا، إذ تصبح وتمسى جائعة.
وَحُكْمُ الْغَائِبِ ولا مَالَ لَهُ حَاضِرٌ حُكْمُ الْعَاجِزِ
أي: فتطلق عليه، وهذا هو المشهور. وقال ابن القابسي: لا يفرق على غائب لأنه لم يستوف حجته. وعلى الأول فلابد من أن تثبت الزوجية وأنه قد دخل بها أو دعي إلى الدخول، والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه فيه، وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه فإنه يعذر إليه ولابد أن تشهد لها بينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئًا يعدا فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه بعث بشيء وصل إليها في علمهم إلى هذا الحين ثم بعد ذلك يضرب لها أجلًا على حسب ما يراه كما تقدم، ثم يحلفها على ما شهدت لها البينة به، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها هو أو أباح لها التطليق كما تقدم.
[ ٥ / ١٥٠ ]
فرع: ولو كانت هذه المرأة أم ولد فغاب عنها سيدها وأثبتت مغيبة فإن الحاكم يتلوم لسيدها الشهر ونحوه ثم ينفذ عتقها على الغائب. هكذا قال ابن عتاب والقرشي والتميمي، وروى ذلك على بن زياد. وقال ابن الشقاني وابن العطار: لا تعتق وتسعى في معيشتها. وبه قال ابن القطان، قال: وتبقى حتى يصح موت سيدها أو ينقضي تعميره.
ابن سهل: والأول هو الصواب. واحتج الأولون بقول أشهب إذا عجز الرجل عن نفقات أمهات أولاده أنهن بمنزلة أزواجه إذا لم يقم بأمرهن، فيضرب له أجل الشهر ونحوه، فإن وجد لهن أدنى ما يكفي وإلا أعتقهن.
ابن سهل: قلت لابن عتاب: هل عليها عدة إذا حكم بعتقها؟ قال: تعتد بحيضة: قلت: فهل عليها يمين أن سيدها لم يخلف عندها شيئًا ولا أرسل إليها شيئًا كما يلزم زوجة الغائب؟ قال لي: لا يمين عليها، وبذلك أفتيت لطول أمد المغيب.
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَوْجُودٌ بِيعَ وفُرِضَ مِنْهُ بَعْدَ يَمِينِهَا أَنهَّا تَسْتَحِقّهَا
يعني: فإن كان للغائب مال بيع وفرض للزوجة النفقة من ثمنه إن لم يصلح أن يفرض منه كالدار وشبهها بعد يمينها أنها تستحق النفقة. واستغنى بقوله (أَنهَّا تَسْتَحِقّهَا) عما قاله المتيطي وغيره أنها تحلف ما ترك لها نفقة ولا بعث بها إليها ولا أسقطتها عنه. قال في المدونة: ولا يفرض على الغائب النفقة لزوجته إلا أن يكون له مال يعرى فيه وتباع فيها عروضه ورباعه إن لم يكن له عين، ولا يؤخذ منها بما تأخذه كفيلًا، ويقوم الزوج على حجته إذا قدم، وهكذا يصنع فيه لو أقيم عليه بدين وهو غائب. وإن كان للزوج ودائع وديون فرض للزوجة نفقتها في ذلك ولها [٤٢٤/أ] أن تقيم البينة على من جحده من غرمائه أن لزوجها عليه دينًا ويقضى عليهم بنفقتها. وقد علمت أن مذهب المدونة أنه تفرض نفقة الزوجة ويوفى الغريم من ودائعه.
[ ٥ / ١٥١ ]
المتيطي: وهو المشهور المعمول به. ونحوه لسحنون في أسئلة ابن حبيب، وحكى عنه ابن اللباد أنه لا يقضى منها دين ولا غيره.
أبو عمران: وهو القياس، إذ لو حضر الغائب وأنكرها لم يكن للغرماء إليها سبيل، إذ لا يجبر على قبول الصفة لقضاء دينه، ولأنه قد يقول: ليست لي ولا للمقر وهي لغيرنا.
واعلم أن الحاكم لا يبيع الدار حتى يكلف المرأة إثبات ملكية الزوج لها وتشهد البينة بأن الدار لم تخرج عن ملكه في علمهم.
ابن القاسم: ولا يجوز أن يقولوا في شهادتهم لم يبتها، وعليه العمل وجرى به الحكم. وأجاز ابن الماجشون أن يشهدوا على البت.
واختلف هل لا يبيع الحاكم الدار بعد الشهادة المذكورة إلا بعد أن يوجه شاهدين مع هذه البينة ليشهدوا بالحيازة، فكان بعض الموثقين لا يشترطون ذلك.
ابن أبي زمنين: واشترطه بعضهم. وهو الذي رأيت وأدركت عليه فقهاءنا، وصفة ذلك أن يوجه القاضي مع البينة شاهدين فتطوف البينة بالدار داخلًا وخارجًا، وتقول: إن هذه الدار التي حزناها هي الدار التي شهدنا بملكها للغائب.
ابن العطار: ولا تعمل الحيازة شيئًا حتى يقول الشهود بحضرة الحائرين عليهم: هذا الذي حزناه هو الذي شهدنا به عند فلان قاضي موضع كذا. فإن لم يقولوا ذلك جهلًا منهم أو من الموجهين معهم لم تتم الشهادة والحيازة، وكذلك لا تتم الحيازة حتى يكون الموجهون ممن يعرف العقار ويحدوه بحدوده.
فرع: وإذا أحبت المرأة أن تفرض لها النفقة إذا لم يكن له مال حاضر فقال ابن القاسم: لا يفرض عليه شيء حتى يقدم إذا لعم عدمه أو جهل أمره. وفي البيان عن ابن حبيب: إذا أحبت الصبر عليه أشهد السلطان عليه إن كان فلان زوج فلانة اليوم مليًا في
[ ٥ / ١٥٢ ]
غيبته فقد أوجبت عليه فريضة مثلها من مثله، أما إن علم أنه موسر فإنه يفرض لها نفقة مثلها. قال في الموازية: وتداين عليه ويقضى لها عليه به.
وَلَهَا طَلَبُ غُرَمَائِهِ وإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ كَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ
قد قدمنا هذا من المدونة، وإن لم يقم للزوج غير شاهد واحد حلفت معه.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي الإِعْسَارِ فِي الْغَيْبَةِ، فَثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ الْقَاسَمَ: إَن قَدِمَ مُعْسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وإِلا فَقَوْلُهَا
يعني: إذا قدم الزوج فطالبته بالنفقة في مدة الغيبة فزعم أنه كان معسرًا لا تستحق عليه في مدة الغيبة شيئًا وأنكرت ذلك المرأة فثلاثة أقوال: والقول بأن القول قوله لابن كنانة وسحنون ووجهه أن الأصل العدم. والقول بأن القول قولها لابن الماجشون وابن حبيب، قالا: عليه النفقة إلا أن يقيم البينة على ذلك. ووجهه أن الغالب الملك ولأن كل غريم ادعى العدم فعليه البينة على المذهب.
قال في البيان: وتأويله بعض أهل النظر على المدونة. واستدل ابن القاسم بحال قدومه على حال غيبته، لأن الأصل عدم تغير الحال. قال في البيان: وهو معنى المدونة. وهذا الخلاف عند صاحب البيان وغيره إذا جهل حال الزوج عند خروجه، وكذلك روي قول ابن القاسم فيه مبينًا، وأما إن علم حال خروجه من عسر أو يسر فإنه يستصحب ذلك الحال باتفاق. وتأول أن زرب على ابن كنانة وسحنون أنهما يقولان: إن القول قول الزوج وإن خرج موسرًا. قال في البيان: وهو تأويل بعيد. وقال ابن زرقون: ليس هو بشيء. ورأيت لبعض من تكلم على التهذيب أنه إن سافر مليًا وقدم كذلك فالقول قولها بالاتفاق، وكذلك القول قوله في عكسه باتفاق، ويختلف فيما إذا سافر مليًا وقدم معسرًا أو بالعكس.
[ ٥ / ١٥٣ ]
وَإِنْ تَنَازَعَا فِي إِعْطَائِهَا أَوْ إِرْسَالِهَا فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: إِنْ كَانَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ
يعني: إن قال الغائب تركت لك النفقة أو أرسلتها ولم تصدقه في ذلك وطلبت منه نفقتها، فروى عن مالك أن القول مع يمينه ولو رفعته إلى الحاكم، هكذا نقل ابن الجلاب هذه الرواية. وروى عن مالك أن القول قولها مع يمينها، والمشهور إن رفعت أمرها إلى الحاكم فالقول قولها من يومئذ، لأن رفعها قرينة تقوي قولها، وإن لم ترفع فالقول قوله مع يمينه.
مالك في الموازية: وليس له أن يحلف أنه بعث بذلك إليها، إنما يحلف أنها قبضت ذلك ووصل إليها ويبرأ.
وعلل الباجي المشهور بأنها إذا رفعت أمرها إلى الحاكم ولم تجد له مالًا وأباح لها الإنفاق على نفسها لترجع به صارت اليد لها فيما تنفقه فكان القول قولها بخلاف إذا لم ترفع فإن البيت بيته، ولهذا اختار من الروايتين اللتين رويتا عن مالك هو يتنزل رفعها إلى العدول وجيرانها منزلة الحاكم أم لا؟ الرواية بأن ذلك لا يتنزل منزلة الحاكم لأنه لم يتقدم قضاء عليه ولا حكم، واختار اللخمي أن ذلك [٤٢٤/ب] كرفعها إلى الحاكم.
بعض الموثقين: والمشهور ما اختاره الباجي وبه الفتوى والعمل. ولابن القاسم في العتبية: إذا اختلفا عند قدومه في الإنفاق على أولاده الصغار أنه يفرق في ذلك بين أن ترفع أم لا كما تقدم.
فَأَمَّا الْحَاضِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِلْعُرْفِ
حكى في البيان الاتفاق على ذلك، لأن العرف يشهد بصحة قوله ولابد له من اليمين، صرح بذلك في الكافي وفي الطرر. وقال ابن رشد: إنما يصدقه الرجل أنه دفع
[ ٥ / ١٥٤ ]
النفقة إذا ادعى بعد مضي المدة أنه كان ينفق عليها أو كان يدفع النفقة إليها شيئًا بعد شيء أو جملة واحدة، وأما لو ادعى أنه دفع إليها مائة دينار عن نفقتها فيما مضى وأنكرت ذلك فلا يصدق إجماعًا، وحكى ابن زرب خلافه وخطأه.
وَلَهَا طَلَبُهُ عِنْدَ سَفَرِهِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلِ فَيَدْفَعُهَا أَوْ يُقِيمُ لَهَا كَفِيلًا يُجْرِيهَا عَلَيْهَا
هذا مذهب المدونة. وقال ابن الماجشون: لا يقيم لها حميلًا وهي في العصمة، وإذا سافر فمن الشيوخ من حمله على ظاهره وعده خلافًا ومنهم من تأوله على المعدم فلا يكون خلافًا، فإذا اتهم أنه يقيم أكثر من السفر المعتاد حلف أنه لا يقيم أكثر من ذلك أو يقيم حميلًا. اللخمي: وأما إذا كانت المرأة مطلقة طلاقًا بائنًا وهي حامل كان مطالبًا بالأقل من مدة سفره والباقي من أمد الحمل، وإن كانت غير حامل والطلاق بائن فلا نفقة لها.
واختلف إذا طلبت حميلًا خوف الحمل: فلم ير مالك ذلك لها، وقال أصبغ في الموازية: ذلك لها.
والأول أحسن إذا كان قيامها بعد حيضة، لأن الظاهر البراءة، والثاني إن لم يكن حاضت فيقيم حميلًا بالأقل من مدة السفر أو الحمل على تقدير ظهوره، وإن كان الطلاق رجعيًا كان عليه على قول مالك أن يقيم رزق الأقل من مدة السفر أو انقضاء العدة التي هي ثلاث حيض، وعلى قول أصبغ تراعى مدة الحمل كالمطلقة طلاقًا بائنًا فيقيم حميلًا بالزائد على مدة الحيض.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُشْبِهُ، وإِلا فَقَوْلُهَا فِيمَا يُشْبِهُ وإِلا ابْتَدَأَ الْفَرْضَ
هكذا في المدونة لكنه فرضها فيها إذا مات القاضي أو عزل، لكن الأظهر أنه لا فرق بينه وبين قاضي وقتها، ولعل ذلك هو السبب في إسقاط المؤلف ما ذكره في المدونة، وإنما
[ ٥ / ١٥٥ ]
كان القول قول الزوج لغرمه. قيل: ومذهب ابن القاسم أنه لا يمين على من أشبه قوله منهما إذ لا يحلف على حكم حاكم مع شاهد. وحمل غيره المدونة على أنه يحلف.
عياض: وهو الظاهر. وهو حجة لجواز الحلف مع الشاهد في قضاء القاضي، وقد نبه على ذلك ابن سهل خلاف ما قاله بعض أصحاب سحنون وما لابن القاسم في العتبية.
عياض: وعندي أن مسالة الكتاب خارجة عن هذا الأصل المتنازع فيه، إذ قضاء القاضي فيها ثابت باجتماعهما عليه ثم وقع الخلاف في مقدار ما فرض فكانت دعوى في مال في ذمة الزوج، فالقول قول من أشبه منهما مع يمينه وليس على القضاء كما قيل.
وذكر عن سحنون: إنما هي في ما مضى من الفرض، وأما ما يستقبل إذا تنازعا فيه فالسلطان يستأنف النظر في ذلك. وقد اختار رواية المدونة هنا، والذي في روايتنا إذا لم يشبه ما قالا أعطيت نفقة مثلها فيما يستقبل يفرض لها القاضي نفقة مثلها وعليه اختصر المختصرون. وروي في بعض النسخ: (وفيما يستقبل) بزيادة واو وكانت في كتابي فغربت عليها إتباعًا لرواية شيوخي، وإثباتها أصح معنى ولفظًا ويصحح ما قاله سحنون، وعلى إسقاطها يأتي الكلام الأخير مكررًا ويشكل، هل أراد به الماضي أو الآتي؟
وَتَجِبُ عَلَى الأَبِ الْحُرِّ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الْمَحْضُونِ الْفَقِيرِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ
لما ذكر نفقة الزوجة أتبعه بنفقة الأولاد، واحترز بالحر من أن يكون الأب عبدًا أو فيه شائبة من شوائب الحرية فلا نفقة لولده عليه، وكذلك أيضًا لا نفقة للود الرقيق على أبيه كما تقدم. ولعل المصنف استغنى بما قدمه وبولده عن ولد ولده أو غيره فلا تجب نفقته، واعلم أن الاصطلاح إنما يطلق المحضون والمكفول على الولد إذا لم تكن له زوجة بأن يكون الأب ميتًا أو مطلقًا، وأما إن كان عند أبيه وأمه وهما زوجان فلا يطلق عليه ذلك، وعلى هذا فتخصيص المحضون ليس بظاهر، لأن من بين أبويه كالمحضون بالاتفاق.
[ ٥ / ١٥٦ ]
وشرط المصنف في وجوب نفقة الولد أن يكون فقيرًا، يعني وأما إن كان له مال قال في المدونة: أو يكون له كسب يستغنى به فلا تجب نفقته، وكذلك أيضًا إذا كان للبنت كسب تستغني به فلا تجب نفقتها، فإن كانت الصنعة لا تكفي أعطيا تمام الكفاية.
اللخمي: وإذا كسدت الصنعة عادت النفقة على الأب، واشترط هنا الفقر ولم يشترط في الزوجة لأن نفقة الولد مواساة بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة.
وقوله: (عَلَى قَدْرِ حَالِهِ) أي حال الولد لأن المراد سد خلته.
وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ عَاقِلًا غَيْرَ زَمِنٍ بِمَا يَمْنَعُ التَّكَسُّبَ، وقِيلَ: حَتَّى يَحْتَلِمَ
مقتضى كلامه أن المشهور هو الأول وليس كذلك بل هو الثاني وهو مذهب المدونة، والقول [٤٢٥/أ] الذي صدر به لابن شعبان. وروى ابن وهب عن مالك: إذا أثغر الغلام خرج عن حضانة الأم. ولمالك في كتب المدنيين: يخير الصبي إذا أثغر بين أ، يكون عند أبيه أو أمه. واستحسن ابن العطار وابن رشد وغيرهما من الشيوخ إسهام الأبوين على الذكر إذا أثغر على ما ورد في بعض الأحاديث، وكان المصنف التبس عليه باب الحضانة بباب النفقة وظن تساويهما، لأن المشهور أن النفقة لا تنقطع بالبلوغ بل البلوغ بشرط أن يكون عاقلًا غير زمن.
والْبِنْتِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ، وَلوْ أَسْلَمَ وبَقِيَتْ كَافِرَةً
أي: وحضانة الأنثى حتى يدخل بها زوجها ولا تنقطع حضانتها بالبلوغ كالذكر، ولم أر في ذلك خلافًا، ولو أسلم الأب بعد بلوغ ابنته البكر، وأدخل هذه الصورة في حكم ما قبلها لأنه قد يتوهم خروجها لاختلاف الدينين. وكذلك نص اللخمي على الوجوب في عكس هذه الصورة، أعني إذا أسلمت بعد بلوغها وبقي هو كافر لم تسقط نفقتها عنه لأنه حكم بين مسلم وكافر.
[ ٥ / ١٥٧ ]
وَلَوْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتِ الزَّمَانَةُ لِلذَّكَرِ لَمْ تَعُدْ
يعني: فلو زوج الأب ابنته الصغيرة ثم طلقها زوجها أو مات عنها وعادت إلى أبيها بعد البناء بالغة لم تعد نفقتها على الأب. مالك: فإن طلقت قبل البناء فهي على نفقتها. ومفهوم كلام المصنف أنها لو عادت غير بالغة لوجب على الأب الإنفاق، وهو قول سحنون، قال: تعود نفقتها ولا يسقطها بلوغها حتى تتزوج زوجًا آخر. وقال غيره: لا تعود أصلًا، وقيل: تعود إلى أن تبلغ فتسقط. وهو الذي قدمه المتيطي، قال: ولا تسقط النفقة لترشيده لابنته.
قوله: (أَوْ عَادَتِ الزَّمَانَةُ) يعني إن بلغ الابن زمنًا وقلنا باستمرار نفقته على المشهور ثم صح وحكمنا بسقوط نفقته ثم زمن فإن النفقة لا تعود إلى الأب.
واعلم أن الخلاف في هذا الفرع موجود سواء بلغ زمنًا أو صحيحًا، وفيه ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: إن بلغ زِمنًا أو أعمى لم تسقط وإن طرأ ذلك عليه بعد البلوغ لم تعد. وقال ابن وهب في الموازية: لا نفقة له بلغ على ذلك أو طرأ عليه. وذكر ابن الجلاب عن ابن الماجشون أن نفقته لأبيه بلغ على ذلك أو أحدث به.
اللخمي: وهو أحسن. ولما لم يذكر المصنف في هذه المسألة خلافًا كان انتصاره في فرض المسألة على ما إذا عادت الزمانة حسبًا، لأنه تنبيه منه بالأخف عن الأشد، لأن النفقة إذا لم تعد لأجل الصحة الواقعة بين الزمانتين فلأن لا تعود إذا بلغ صحيحًا ثم زمن أولى، إذ لقائل أن يقول: لا عبرة بالصحة الواقعة بين الزمانتين.
فرع:
نص محمد على ما إذا دخل بها وهي زمنة ثم طلقت أنه تعود نفقتها، وكذلك قال الباجي إن كان للولد الزمن مالك ثم ذهب أنه تعود نفقته.
[ ٥ / ١٥٨ ]
ثُمَّ لَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا حَيْثُ شَاءَا، إِلا أَنْ يُخَافَ سَفَهٌ فَيَمْنَعَهُمَا الأَبُ أَوِ الْوَلِيُّ
يعني: ثم للان والبنت أن يذهبا بعد بلوغهما حيث شاءا، وهكذا قال مالك في المدونة، وحمله ابن رشد على ظاهره من ذهابهما بأنفسهما ومالهما، واحتج لذلك بأنه وقع لمالك هكذا في رواية زياد، وتأوله الشيخ أبو محمد وأكثرهم على أنه يريد بأنفسهما لا بمالهما، قالوا: لأن المعروف لمالك في غير موضع أنه لا يحكم للولد بالرشد بنفس البلوغ لا سيما الأنثى ولو كانت مدخولًا بها حتى يعرف من حالهما ما يستوجبان به الرشد، فحمل المدونة على ما يعرف لمالك في المدونة وغيرها أولى من حلمه على رواية شاذة لا يعرفها كل الناس. ثم إن خيف عليهما السفه في المال فلا شك أن للأب والولي منعهما، وإن كان في الدين فلهما منعهما وللأم ولسائر المسلمين إلا أن الأب والولي أخص بالمنع من غيرهما.
ونَفَقَةُ ولَدِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَيْهَا إِنْ كَانُوا فِي كِتَابَتِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ الأَبُ فِي كِتَابَتِهِمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ
يعني: أن من كاتب أمة فحدث لها أولاد بعد كتابتها أو كان لها أولاد موجودون وكاتبت على نفسها وعليهم كتابة واحدة فإن الولد على الأم لأنها أحرزت نفسها ومالها وولدها ومالها من سيدها، وليس عندنا أنثى تجب عليها النفقة إلا هذه، وفي التحقيق أن النفقة من السيد، لأنه اشترط ذلك عليها أو كأنها من جملة الكتابة.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ الأَبُ فِي كِتَابَتِهِمْ فَنَفَقَتُهُمْ) أي الأولاد والأم (عَلَيْهِ).
وَلَيْسَ عَجْزُهُ عَنْهَا كَعَجْزِهِ عَنِ الْكِتَابَةِ والْجِنَايَةِ
يعني: ليس عجز المكاتب عن نفقة ولده كعجزه عن الجناية والكتابة، لأن الجناية والكتابة متعلقان برقبته بخلاف النفقة فإنها مواساة بشرط اليسار.
[ ٥ / ١٥٩ ]
وَيَجِبُ عَلَى الأُمِّ الإِرْضَاعُ إِنْ كَانَتْ تَحْتَ أَبِيهِ أَوْ رَجْعِيَّة ولا مَانِعَ مِنْ عُلُوِّ قَدْرٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ
إنما وجب على الأم الرضاع إذا كانت في العصمة أو رجعية بغير أجر، لأن عرف المسلمين على توالي الأعصار في جميع الأمصار على أن الأم ترضع الولد. وألحقت الرجعية بمن في العصمة، لأن أحكام الزوجية منسحبة.
وقوله: (ولا مَانِعَ) يعني: وأما أن كانت ممن [٤٢٥/ب] لا ترضع لشرفها فلا رضاع عليها، لأن العرف ألا تكلف هذه الشريفة الإرضاع، والعرف كالشرط.
قال في الجواهر: ويجب على الأم أن ترضع ولدها إذا كانت تحت أبيه إلا أن يكون مثلها لا يرضع لسقم أو قلة لبن أو لشرف وعلو قدر. ولذات الشرف أن تأخذ الأجرة من الأب إذا رضيت أن ترضعه، نص على ذلك اللخمي وابن بشير وابن عبد السلام.
خليل: وأفتى بعض مشايخ شيخي بأن الشريفة إذا تواضعت للإرضاع لا أجر لها لإسقاطها حقها، ولا كبير مؤنة عليها في لبنها.
وكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الأَبُ عَدِيمًا ولَمْ يَقْبَل غَيْرهُا
إنما يظهر هذا في الشريفة وفي معناها المطلقة طلاقً بائنًا، وأما في حق من في العصمة والرجعية فلا، لأنه إذا كان الإرضاع عليهما وإن كان الأب ذا مال فكيف إذا كان عديما؟ ولو قال المصنف إلا أن يكون الأب عديمًا كما قال في الجواهر لكان أبين. وهكذا قال اللخمي وغيره أن الأب إذا كان عديمًا كان على الشريفة الإرضاع، وهو مقيد بما إذا لم يكن للولد أيضًا مال، وأما إن كان له مال فلها الأجرة في ماله. قاله صاحب البيان وغيره.
وقوله: (ولَمْ يَقْبَل غَيْرهُا) والأحسن أن يقول أو لم يقبل، لأنه إذا لم يقبل غيرها يجب عليها الإرضاع كان الأب عديمًا أم لا، والواقع فيما رأيته في نسخ كثيرة ولم يقبل بالواو، ولعل ذلك ليكون مقابلًا لقوله:
[ ٥ / ١٦٠ ]
فإن قبل فالمشهور وجوبه بخلاف النفقة. وفي الجلاب: لا يجب
ظاهر كلامه أن هذا من تمام ما قبله، وإنما ذكره في المدونة والجلاب في الموت، ونص المدونة: وإن مات الأب وللصبي مال فلها ألا ترضعه وتستأجر له من يرضعه من ماله إلا ألا يقبل غيرها على أن ترضعه بأجرها من ماله، فإن لم يكن للصبي مال لزمها إرضاعه بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها، ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال.
وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر، لأنه لا يؤخذ منه حكم الموت أصلًا، اللهم إلا أن يقال أن المصنف لم يتكلم على مسألة الموت وإنما كلامه مفرع على ما قبله، ومعناه أن المرأة إذا كانت شريفة أو بائنًا وكان الأب عديمًا وقبل الابن غيرها فالمشهور وجوب الإرضاع عليها.
فإن قيل هو لم ينص في المدونة على هذه الصورة. قيل: لا فرق بين أن يموت الأب ولا مال للصغير وبين أن يكون الأب عديمًا في المعنى. ولهذا حكى ابن بشير المشهور وقول ابن الجلاب في الأب العديم، وعلى كل تقدير فكلامه ليس بظاهر، لأنه إن أراد مسألة الموت وهي التي في المدونة والجلاب فكلامه لا ينبئ عن ذلك، وإن أراد التفريع على مسألة الشريفة فليس بظاهر لأن التخريج وإن كان صحيحًا فكلامه لا ينبئ عن التخريج، والظاهر أنه أراد هذا الثاني، لأن كلامه لا ينبئ على الموت ولا سيما على ما وقع في بعض النسخ: (فإن قبل غيرهما) بضمير التثنية فيتعين الثاني، لأن الضمير ليس له شيء يعود إليه إلا الشريفة والبائن. وفي بعضهما: (غيرها) فيعود على الأم. وبما في الجلاب قال عبد الوهاب. ابن الجلاب: ويكون إرضاعه في بيت مال المسلمين.
وقوله: (بخلاف النفقة) أي فلا تجب على الأم بالاتفاق. وحمل بعضهم ما في المدونة وهي المشهور والذي حكاه المصنف على أن ذلك إذا تعذر الاستئجار من بيت المال، والفرق للمشهور بين النفقة والإرضاع أن اللبن مستخف.
[ ٥ / ١٦١ ]
ابن عبد السلام: ورأيت في بعض كلام ابن العربي عن ابن المواز أنه يقول: نفقة الولد على الأبوين على قدر الميراث، فقال هو: لعله أراد أنها على الأم عند عدم الأب.
ابن عبد السلام: فإن صح نسبة هذا القول لابن المواز فتأويل ابن العربي بعيد، لأنه إذا كان الأب عديمًا أو معدومًا فكيف يمكن أن يؤدى من النفقة شيئًا فضلًا عن الثلثين اللذين هما نصيبه من الميراث.
تنبيه:
قد تبين لك من كلامه في المدونة أن للأم إذا لم يقبل الولد غيرها أن تأخذ على ذلك الأجرة، وإن كلام للأم ذلك فالأجنبية أولى. قال شيخنا ﵀ وأبو الحسن: ويجري فيهما قول آخر أنهما يكون لهما شيءٌ قياسًا على أحد القولين في المواساة الواجبة بفضل طعام أو شراب، وذلك بأنه إذا لم يقبل الولد غيرهما تعين عليهما الإرضاع، والله أعلم.
وعلى وجوب في إيجاب الاستئجار عليها إن لم يكن لها لبن قولان
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من وجوب الإرضاع عليها فلو لم يكن لها لبن فهل يجب عليها أن تستأجر من يرضعه، لأنها لما كان عليها الإرضاع فعليها خلفه أو لا لأن هذا من النفقة ولا تجب عليها؟ قولان، والقول بالوجوب لمالك في الموازية وهو قول القاضي إسماعيل أبو عمران وهو قولهم كلهم، والقول بعدم الوجوب لعبد الوهاب وهو اختيار التونسي واللخمي.
وما عدا ذلك فعلى الأب
الإشارة بذلك عائدة على وجوب الإرضاع حيث قلنا أنه على الأم فعلى الأب، أي إذا طلقت طلاقًا بائنًا أو كانت شريفة وقبل الولد غير الأم وكان الأب مليًا
[ ٥ / ١٦٢ ]
فإن لم يقبل غيرها تعينت بأجرة المثل
أي: فإن لم يقبل الطفل غير أمه تعينت بأجرة المثل، وظاهر كلامه سواء كانت بائنًا أو شريفة [٤٢٦/ا] ولا إشكال في ذلك في حق البائن.
ابن عبد السلام: لقوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
وأما الشريفة فكلام المصنف موافق لما تقدم. وقد تقدم عن بعضهم أنه خالف في ذلك على أن الظاهر أنه لم يتعرض المصنف هنا للشريفة، لأن الفروع التي ذكرها بعد هذا إنما ذكروها في البائن.
فإن قبل غيرها خيرت فيه بأجرة المثل
يعني: فإن قبل الولد غير أمه المطلقة خيرت هي في أن ترضعه بأجرة المثل أو تتركه لمن يرضعه بذلك.
إلا أن يجد الأب من يرضعه عنده بدونها فتخير بذلك اتفاقًا، فإن لم يكن عندها فقولان
يعني: فإن وجد الأب من يرضعه بأقل من أجرة المثل فإن كانت الظئر ترضعه عند أمه فاتفق على أنه لا مقال لها في طلب أجرة المثل، بل إما أن ترضعه بالقدر الذي وجده الأب أو تسلمه للظئر، وإن كانت الظئر لا ترضعه عند أمه فهل يكون كما لو كانت ترضعه عندها أو لا ويكون القول قولها في طلب أجرة المثل؟ قولان.
واعلم أن هذين القولين وقعا لمالك في الموازية مطلقين، ثم اختلف الشيوخ فحكى ابن بشير عن بعضهم أنه فهم أن محلهما إذا كانت الظئر لا ترضعه عند الأم كما قال المصنف، ومنهم من جمع بين القولين فحمل الرواية بخيار الأب على ما إذا كانت الظئر ترضعه عند الأم، والرواية الأخرى على ما إذا أبت الظئران أن ترضعه عند الأم. ومنهم من جعل القولين مطلقين سواء كانت ترضعه عند الأم أم لا.
[ ٥ / ١٦٣ ]
وحمل ابن يونس وغيره المدونة على أن القول قول الأم في أجرة المثل وإن وجد الأب من يرضعه عندها بأقل من ذلك، ونصها على نقل ابن يونس: قلت: فإن قالت بعدما طلقها ألبته لا أرضعه إلا بمائة درهم كل شهر. وأصاب الزوج من يرضعه بخمسين، قال: قال مالك: هي أحق به بما ترضعه به غيرها وليس للأب أن يفرق بينها وبينه، فإن أبت أن ترضعه بذلك فلا حق لها إلا أن يكون الولد لا يقبل غيرها وخيف عليه الموت فإنها تجبر على رضاعة بأجرة مثلها.
ابن يونس: قوله إذا وجد الأب من يرضعه بخمسين وقالت الأم لا أرضعه إلا بمائة فقال مالك: الأم أحق به بما يرضعه به غيرها. يريد بأجرة مثلها لا بخمسين. وقاله بعض القرويين، وإليه رجع ابن الكاتب وهو الصواب.
وسواء وجد من يرضعه عند الأم أم لا، وإن كان عند الأم فهي لا تباشره بالرضاع والمبيت، وذلك تفرقة بين الأم وولدها، فلذلك كانت الأم أحق به بأجرة مثلها وهو أبين.
عياض: ويشهد لهذا قوله بعد: (وليس للأب أن يفرق بينه وبينها إذا أرادت أن ترضعه بما ترضعه به الأجنبية إلى قوله في آخر المسألة: (فإنها أحق بأجرة رضاع مثلها).
وقوله أيضًا آخر الكتاب: إذا وجد من يرضعه باطلًا وهو موسر لم يكن له أخذه، وعليها رضاعه بما يرضعه به غيرها ويجبر الأب على ذلك.
وحمل بعضهم المدونة على أنها إنما تكون أحق بأجرة المثل إذا لم يقبل غيرها أو لم يوجد من يرضعه عندها، وأما إن وجد من يرضعه عندها باطلًا أو بدون أجرة المثل فلا حجة لها، ونحوه في كتاب ابن سحنون لأبيه، وقد يشهد أيضًا لهذا من الكتاب قوله إذا علق بالأم لا صبر له عليها وكان لا يقبل غيرها أو خيف عليه فأمه أحق به بأجرة مثلها. واختار اللخمي التفصيل، فإن كان الزائد الذي تبتغيه الأم يسيرًا فالقول قولها، وإن تباين
[ ٥ / ١٦٤ ]
ما بين الأجرتين أو وجد من يرضع ولده فالقول قول الأب إذا كانت الظئر ترضعه عند الأم، وإن قالت أنا أرضعه عندي لم يكن ذلك للأب لأن للأم حقًا في الحضانة وليس للأب أن يحول بينه وبينها.
وإن وجده مجانًا وهو موسر فقولان
يعني: فإن وجد الأب من يرضعه مجانًا فإن كان معسرًا فله ذلك إلا أن ترضى هي أن ترضعه بلا شيء، فإن لم يكن معسرًا فهل له ذلك لأنه حق له أو لا نظرًا لحق الأم في الحضانة؟ قولين: مذهب المدونة ليس له ذلك. واقتصر في الجواهر عليه، والقول الآخر لمالك من رواية ابن وهب. قال في البيان: ومعناه عندي إذا كان الذي وجده الأب يرضعه عند أمه ولا يخرجه عن حضانتها.
***
[ ٥ / ١٦٥ ]
الحضانة
والحضانة في النساء: للأم، ثم أمها، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة لأبيه، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخت
تصوره ظاهر، وقدم بعضهم على بعض على نحو ما ذكره المصنف، لقوة الشفقة في المقدم، ولهذا قال اللخمي: لو عُلِمَ مِمَّنْ قدمناه قلة الحنان، والعطف لخلق بجفاء أو قسوة أو لأمر بينها وبين أم الولد أو أبيه، وعُلِمَ من أحدٍ مِمَّنْ أخرناه الحنان والعطف، لقدم على من علم منه القسوة أو غير ذلك.
وذكر المصنف بينت الأخت، وأسقط بينت الأخ، وهي التي في التهذيب وفي اختصار ابن يونس بعد الأخت، ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ، ولم يجعل لبنت الأخت ولا لبنت الخال، ولا لبنت العمة ملك في الواضحة حقًا في الحضانة.
اللخمي: ومعناه في العصبة وإلا فهم أحق من الأجنبيين، واستبعد ابن محرز وابن رشد وغيرهما ما في الواضحة لأن بنت الأخت رحم محرم، ولهذا قيل: بل تقدم بنت الأخ عليها للاتفاق عليها. وقيل: هما [٤٢٦/ب] سواء ينظر في أحرزهن وَأَكْفَئِهِنَّ. ونص عبد الوهاب واللخمي وصاحب المقدمات وغيرهم أن الأخت الشقيقة مقدمة على التي للأب، وكذلك الخالة والعمة، وكذلك يقدم الأخ للأم على الذي للأب، بل قيل إسقاط الأخ للأب، وروي عن مالك وابن القاسم في كتب المدنيين أنه لا حق للأخت للأب، لأن التعاطف بين الأختين للأم، والشنآن بينهما إذا كانتا للأب لاختلاف ما بين أمهاتهم. قال في المقدمات: وإنما تستوجب الحضانة بوصفين:
الأول: أن تكون ذات رحم. والثاني: أن تكون محرمة عليه. فإن كانت ذات رحم منه ولم تكن محرمة عليه كبنت الخالة، وبنت العمة وما أشبههما لم يكن لها حق في الحضانة، وكذلك إن كانت محرمة عليه، ولم تكن ذات رحم منه كالمحرمة عليه والمصاهرة والرضاع.
[ ٥ / ١٦٦ ]
وفي إلحاق خاله الخالة بالخالة قولان
يعني: اختلف على قولين: هل لخالة الخالة حق في الحضانة أو لا؟ وهي أخت الجدة للأم، قيل: وكذلك عمة العمة، وهي أخت الجدة للأب. ومذهب ابن القاسم إلحاق خالة الخالة بالخالة، وقدمها على الجدة للأب، واستشكله اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي عبارة المؤلف قلق، لأن القول بعدم إلحاق خالة الخالة لا يلزم منه سقوط حقها مطلقًا، لما علمت أن عدم إلحاقها بالخانة أعم من سقوطها بالكلية.
وفي المذكور: للأب ثم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم ابن العم ثم المولى الأعلى والأسفل على المشهور فيهما
الترتيب بين الحاضين على ثلاثة أوجه بين النساء بانفرادهن، وبين الرجال بانفرادهم، وبينهما. ولما تلكم على الأول أتبعه بآخرين.
والترتيب الذي ذكره المصنف ذكره ابن المواز أن أحق العصبة الأخ بعد الأب، ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم. قال في المقدمات: فيحتمل أن يريد أن الجد وإن علا أحق من ابن الأخ والعم، ويحتمل أن يريد أن أحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ، ثم الجد الأدنى ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم أبو المجد ثم عم العم ثم ابن عم العم، وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم جد الجد، ثم ولده ثم ولد جد الأب، ثم ولده على هذا الترتيب.
قال: فترتيب الحضانة يسن لحي على ميراث المال ولا على ميراث الولاء، والصلاة على الجنائز لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الميراث من الأخ، ولأن بني الإخوة يسن لهم حق مع الجد وإن علا، وابن الأخ في باب الولاء أحق من الجد
[ ٥ / ١٦٧ ]
اللخمي: ولم أر للجد للأم في الحضانة نصًا، وأرى أن له في ذلك حقًا، لأن له حنانًا، ولهذا غلطت الدية فيه، وأسقط عنه القود، وفي الوثائق المجموعة: إن اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم. وهو قول ابن العطار، ونص في المقدمات على أنه لاحق له، ثم المولى الأعلى- أي بعد العصبة- وهو المعتق والأسفل يريد بعد الأعلى نص على ذلك اللخمي: على المشهور فيهما، أي في الأعلى والأسفل.
والمشهور مذهب المدونة إثبات الحضانة لهما. وقال ابن محرز: لا حق في الحضانة للمولى الأعلى إذ لا رحم له. وعلى قوله فلا حق للأسفل من باب الأولى.
اللخمي: ومن شرط من له الحضانة من الرجال وجود الأهل من زوجة أو سرية، قال: وهذا في الذكر، وأما الأنثى فحق الأولياء في حضانتها على ثلاثة أقسام: ثابت، وساقط، ومختلف فيه. فيثبت فيمن بينهن وبين محرم كالأخ وابنه والجد، ويسقط في كل من ليس بمحرم إذا كان غير مأمون أو مأمونًا، ولا أهل له، لقوله ﵊: «لا يخلُ رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم».
واختلف إذا كان مأمونًا وله أهل، فقال في الموازية في الصبيةِ تتزوجُ أمُها، ولها جد وعم لهما أن يأخذاها، وأما الوصي فليس بينه وبينها محرم، وتكون مع زوج أمها لأنه صار كالمحرم منها إلا أن يخاف عليها عنده، فيكون الوصي أولى بها.
وقال أصبغ: الوصي أولى بها من الأم إذا تزوجت، ومن العم فالإناث وإن كن قد بلغن أبكارًا، والأولياء إذا لم يكن بينهم وبينها محرم كالأوصياء. وقول مالك أصوب، لأنه لا ينفك مَنْ تكون في ولايته أن يطلع منها على ما لا يحل، لأن طول الصحبة والتربية يسقط التحفظ، وهذا فيمن بلغ منهن حد الوطء، وأما فيمن كان صغيرًا فيصح أن يقال يكفلها الوصي إلى أن تبلغ حد الوطء فتزوج، ويصح أن يقال بمنع ذلك لما عليها من الضرر في التنقل من قوم إلى قوم لأنها يشق عليها نقلها عمن ألفته، وما ذكره من أول
[ ٥ / ١٦٨ ]
الفصل أن شرط الرجل في الحضانة أن يكون له أهل هو قول مالك في مختصر ابن عبد الحكم إذا تنازع الأب والخالة في الحضانة، الأب أولى إذا كان عنده من يحضنه فراعى أهله لأنهن العمدة في القيام بالأطفال، والغالب من الرجال التصرف، فإذا لم يكن لهم من يكفلهم ضاعوا، انتهى.
وقول مالك: (إذا كان عنده من يحضنه) أحسن من قول اللخمي: (إذا كان عنده زوجة أو سرية)، لصدق كلام مالك على ما إذا كانت أمة للخدمة أو قرابة، لأن الغرض من يقوم بمصالح الصبي. المتيطي: [٤٢٧/ا] ولمالك في المدونة: الوصي أحق بالولد إذا نكحت الأم وليس له جدة ولا خالة.
بعض القرويين: أراه يريد الولد الذكر. قال في الموازية: ولا يأخذ الأنثى إذ ليس بينه وبينها محرم. فجعل بعض شيوخنا ما في الموازية تفسيرًا لظاهر المدونة، وظاهر المدونة محتمل، لأن لفظ الولد والصبيان يقع على الذكور والإناث.
والأم ثم أمها أولى من الجميع
هذا هو الوجه الثالث، أعني إذا اجتمع الرجال والنساء، وقوله من الجميع، أي جميع الرجال والنساء، وحكى اللخمي والمتيطي وابن رشد وغيرهم الاتفاق على ذلك.
وفي الأب مع بقيتهن. ثالثها المشهور: يقدم على من بعد الجدة للأب
القول بتقدمة الأب على من عدا الأم وأمها لمالك في الموازية، والقول بتقدمة الجميع عليه لمالك في الواضحة. والمشهور مذهب المدونة: يقدم على من بعد الجدة للأب، فيقم على الأخت وما بعدها، وتقدم الجدة عليه، ولو كانت نصرانية. وزاد اللخمي رابعًا لابن القاسم في كتب المدنيين أن الخالة تبدأ على الأب ويبدأ هو على أمه. وزاده غيره خامسًا أن الأب يقدم على من عدا الأم، والجدة إن لم يكن مسلمات، وإن كن قدمن عليه، ونقل عن
[ ٥ / ١٦٩ ]
أشهب. وذكر في المقدمات في تقديم الأب على جميع قرابته أو تقديمهن عليه أو تقديمه على من عدا الجدة من قبله ثلاثة أقوال.
وقيل: الأب أولى من الأم عند إثغار الذكور
يعني: فأحرى أن يكون مقدمًا على غيرها، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك، ووجهه أن احتياج الولد إلى أبيه بعد الإثغار أكثر، لأنه يحتاج حينئذ إلى التربية والتعليم. واستحسن ابن القصار وابن رشد وغيرهما من الشيوخ استهام الأبوين على الذكر إذا أثغر على ما وقع في بعض الآثار، وذهب إليه بعض العلماء خارج المذهب، وذهب الشافعي إلى أن الولد الذكر يخير بين أبويه، واختاره بعض الشيوخ، وترجح في الأنثى إذا كانت عند غير الأم.
وبقية النساء أولى من بقية الذكور
ابن عبد السلام: لا خلاف في هذا في المذهب. اللخمي: وكل من ذكر أنه له حظًا في الحضانة فليس ذلك بواجب عليه، وهو في ذلك بالخيار من أب أو غيره، لأن لكل حنانًا وعطفًا، ما خلا الأم. واختلف هل تخير أم لا؟ أي بناء على أنه حق لها، أوله ابن محرز، والصواب عندي أنه حق مشترك بين الحاضن والمحضون.
وأم الولد تعتق كالحرة الأصلية على الأصح
يعني: إذا عتق أم ولده- وله منها ولد- فإنها أحق بحضانة ولدها على الأصح. والأصح هو مذهب المدونة، ووجهه أن الفرقة حصلت بين الأبوين بالعتق هنا، كما حصلت بالطلاق. وقال ابن وهب: لا حضانة لها. قال: وإنما ذلك للحرة يطلقها زوجها.
[ ٥ / ١٧٠ ]
كالأمة المتزوجة في ولدها الحر يعتق
قوله: (يعتق) - بالياء المثناه من تحت- عائد على الولد، قال في المدونة: وإذا أُعتق ولد الأمة وزوجها حر فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها، إلا أن تباع إلى بلد غير بلد الأب، فالأب أحق به، أو يريد الأب انتقالًا إلى غير بلده فله أخذه.
محمد: وكذلك أيضًا إذا تزوجت الأم فالأب أحق به. قيل: وظاهر المدونة خلافه، وفيه نظر، وليس في المدونة ما يؤخذ منه أنها إذا تزوجت لا تسقط حضانتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج فالأمة أولى، وأسقط المصنف حرف العطف من قوله: (كالأمة) لأنه قصد بذلك الاستدلال على مسألة أم الولد، وذلك لأن الأمة المطلقة إذا لم يسقط حقها في الحضانة فالحرة التي كانت أم ولد وعتقها سيدها أَولى لأن الحرة أقوى على صيانة ولدها من الأمة.
واستشكل اللخمي وجوب الحضانة للأمة، لأنها مقهورة مشغولة بحق ساداتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج لما يتعلق بها من حقوق الزوجية، فالأمة أولى لأن سلطنة الرق أقوى من سلطنة الزوجية. وقد جنح مالك إلى هذا المعنى في مختصر ما ليس في المختصر، فقال: إذا أُعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه، فأمه أحق به- دنيا-، إلا أن يكون ذلك مضرًا به. فقوله: (مضرًا به) جنوح منه إلى النظر فيمن كان في الرقم. وإلى هذا الإشكال أيضًا ذهب ابن رشد، فقال: القياس أن تكون الجدة الحرة أحق بالحضانة من الأم من أجل سيدها، كما إذا تزوجت الأم. قال: وإنما جعل الأم أحق، أي: في مسألة المختصر، لأنه رأى ألا يفرق بينه وبين أمه ورآها أحق بحضانته من الجدة الحرة، لأن سيده هو الذي ينفق عليه من أجل أنه أعتقه صغيرًا، ألا ترى أن من قول مالك وغيره في المدونة وغيرها أن من أعتق صغيرًا وأمه عنده أنه لا يبيعها إلا ممن يشترط عليه نفقته ليكون مع الأم في نفقة سيدها.
[ ٥ / ١٧١ ]
ابن هارون وابن عبد السلام: إنما يتم هذا لو كان زمان الحضانة هو الزمان الذي ينفق فيه السيد على عبده، والزمان الذي لا يعرف بينه وبين الأم وولدها المعتق، وهي أزمنة ثلاثة: زمان الحضانة في الذكر إلى الاحتلام، وزمان النفقة على هذا المعتق أقل الأجلين، إما بلوغ الحلم، وإما بلوغه قدر ما يسعى فيه على نفسه، والزمان الذي لا يفرق فيه بين الأم [٤٢٧/ب] وولدها الإثغار على ما عرف في المذهب. فالجواب على إشكال اللخمي أن المرأة إذا تزوجت حصل بين زوجها الثاني وبين مطلقها بعض العداوة له ولولده فَنُزعَ الولد من الأم لهذا المعنى بخلاف الأمة فإنها وإن شغلت بخدمة ساداتها لا يبغضون ولدها كما يبغضه الزوج، ولا سيما إن كانوا هم الذين أعتقوه. وينبهك على ما أشرنا غليه من البغض ما لمالك في الموازية: إذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه، ولا تضمهم مع أمهم. وقال سحنون في أسئلة ابن حبيب: إذا كانت الجدة لا زوج لها وهي ساكنة مع ابنتها في دار زوجها الثاني لم يلزمها الخروج من الدار، ولم يكن للزوج حجة في بقاء الولد مع الأم والزوج الثاني في موضع واحد.
ابن هشام: وبما في الموازية أفتى ابن العواد، وهي الرواية المشهورة عن مالك وأصحابه، ولعل سحنونًا أراد الصبي لأنه لا كشفة فيه، وقد يقول في الصبية الكبيرة أن أباها يكره اطلاع زوجها عليها، ويمكن أن يكون ما قاله مالك في الموازية ليس معللًا بالبغض، بل لأن للأب كما قال في المدونة تعاهد الولد عند الأم وأدبهم وبعثهم إلى المكتب، ولا يبيتون إلا عندها، فإذا سكنت الحاضنة عند أمهم لم يكن للأب تعاهدهم عندها بسبب ما يحدث بذلك مما لا يخفى.
والأب والوصي أولى من جميع العصبة على المنصوص، ويسافر بهم سفر نقله، وقيل: كولي النكاح
يعني: أن الذي نص عليه في الرواية أن الوصي أولى من سائر العصبة.
[ ٥ / ١٧٢ ]
ابن بشير: وينبغي أن يجرى الأمر على قولين، هل يكون مقدمًا أو غير مقدم. وقد قدمنا في الصلاة على الميت وفي ولي النكاح ما يقتضي الخلاف في هذا الأصل، وهي أن هذه الحقوق هل تكون كالحقوق المالية، فلمالكها أن يتصرف فيها وينقلها إلى غيره، أو لا تكون كالحقوق المالية لأنه إنما ملك بسبب موجود فيه، لا في المنقول إليه؟
وهذا معنى قوله (وقيل: كولى النكاح) وعلى هذا فيكون قوله: (وقيل: كولى النكاح) مقابل المنصوص، وكان ينبغي أن يبين أن هذا القول مخرج، وعلى هذا فقوله أولى على المنصوص، أي: ومقابله لاحق له في الولاية، وإن كان لفظه يحتمل أن له حقًا في الولاية، وليس بأولى لكن لم أرَ ذلك. وكذلك يحتمل أن يكون قوله: (وقيل: كولي النكاح) اختلاف طريقة، ويكون أشار بذلك على أنه هل يكون أولى من الولي أو الولي أولى منه، أو هما سواء، أو كالأجنبي؟ لكن لم أر نقلا يساعده.
وقوله: (ويسافر بهم سفر نقلة) ظاهر لأنه إذا كان للولي السفر بالطفل والوصي أولى منه، كان الوصي أولى بذلك.
بعض الشيوخ: وإنما يقدم الوصي على الأولياء، ما لم يعلم أن ذلك من الأب، لشنآن بينه وبين جد الولد أو أخيه، فيقدمان على الوصي. قال: ولو كان الشنآن بينه وبين عم الولد أو ابن عمه لتقدم عليه الوصي، لأنهما يتهمان في عداوته والإساءة له لعداوة الأب.
وإذا اجتمع المتساوون رجح الشقيق ثم بالصيانة والرفق
وقع في بعض السخ: (الشقيق) من الشقاقة، وهو صحيح، وقد تقدم، وفي بعضها (الشفيق) من الشفقية وهو أيضًا صحيح ظاهر المعنى، وثم يرجح بالصيانة ثم بالسن لأن الغالب أن الأسن أقرب إلى الرفق والصبر من غيره.
[ ٥ / ١٧٣ ]
فإن غاب الأقرب، فالأبعد لا السلطان
هذا ظاهر، ولا مدخل له هنا، بخلاف النكاح.
وشرط الحضانة: العقل، والأمانة، والكفاية، وحرز المكان في البنت يخاف عليها، ولو كان أبًا أو أمًا، ويأخذها منهم الأبعد
لمن يستحق الحضانة شروط:
أولها: العقل، فلا حضانة لمجنون ولو كان غير مطبق، ولا لمن به طيش.
ثانيها: الكفاية، فلا حضانة لمن به زمانة، أو بلغ به المرض أو الكبر ما لا يملكه معه التصرف.
اللخمي: أو يمكنه بمشقة.
ثالثها: الأمانة، فلا حضانة لمن يبذر ما يأخذه من نفقة المحضون، أو كان غير مأمون في دنيه، لأن من هذا حاله يخاف أن يدخل على المحضون فسادًا.
فرع:
ويحتاج الحاضن أن يثبت الأمانة على ما ذكره ابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، واحتجوا لذلك بما في إرخاء الستور من المدونة: أن الحضانة يستحقها من الأولياء من كان في كفاية وحرز وتحصين، وقد يكون الأب غير مأمون، فرب أب شريب يذهب يشرب ويترك ابنته أو يُدخل عليها الرجال، فهذا لا تضم إليه.
ابن القاسم: وينظر لها السلطان. المتيطي: فيما قيده الموثقون نظر عندي، والواجب أن يحمل على الأمانة فيهم، ولا يكلف بينة حتى يثبتوا عليه ذلك.
رابعها: المكان في البنت التي يخاف عليها، بخلاف الصبي والصغيرة التي لا يخاف عليها.
وقوله: (ولو كان أبًا) يعني: أن هذه الشروط تعتبر في الحاضن مطلقًا، ولو كان أقرب الحاضنين أو الحاضنات، ولا يقال أن قربه يسقط بعض هذه الأوصاف.
[ ٥ / ١٧٤ ]
واختلف في السفيهة، فقيل: لها الحضانة، وقيل: لا. وهو قوله في الموازية، قال: ولا حضانة لسفيهة، [٤٢٨/أ] ابن القاسم في وثائقه: ويلزم عليه العمى والصمم والقعد والخرس، وقال اللخمي: إن كانت سفيهة في عقلها ذات طيش وقلة ضبط، لا تحسن القيام بالمحضون ولا أدبه، أو كانت سفيهة فيما تقبضه، تبذره قبل انقضاء الأمر، فلا حق لها في الحضانة، بخلاف ما إذا كانت سفيهة مولى عليها ذات صيانة وقيام، ويشترط في الحاضنة ألا تكون جذماء ولا برصاء، وإن كان خفيفًا لم يمنع، وإذا كانت الحضانة لرجل روعي ذلك فيمن يتولى الحضانة من نسائه في القيام، ودفع المضرة.
قوله: (ويأخذه منهم الأبعد) أي: إذا عدم من الأقرب بعض هذه الصفات أخذه الأبعد، وهو ظاهر.
وخلو المرأة من زوج دخل بها إلا جد الطفل على الأصح
لما ذكر الشروط المطلوبة ذكر أن الحاضنة يشترط فيها أن تكون خالية من الزوج، لقوله ﵊: «أنتِ أحق به ما لم تنكحي» وسقطت حضانتها بالزواج لاشتغالها بحقوق الزوج عن المحضون، وهذا هو المعروف. وفي المتيطية عن مالك أنه ليس للوالد أخذ الولد من الأم، وإن تزوجت ودخل بها زوجها إذا كان الابن في كفاية.
قوله: (إلا جد الطفل) أي: فإن تزوج الحاضنة به لا يسقط حضانتها لشدة حنوه على الولد.
واعلم أن تزويج الحاضنة بجد الطفل لا يمكن أن يتصور ذلك في حق الأم لاستحالة أن يتزوج أم الولد بجده، وإنما يتصور في جدة الطفل ونحوها، والأصح مذهب المدونة، ومقابله لابن وهب أنه لا يستثنى عنده أحدٌ من الأزواج، بل مطلق التزويج عند مُسقط نظرًا لقوله ﵊: «ما لم تنكحي».
[ ٥ / ١٧٥ ]
وقوله: (جد الطفل) الأحسن جد المحضون، لأن الذي يتبادر إلى الذهن في العرف من الطفل أنما هو الواحد الذكر، وإن صح إطلاقه على أكثر من واحد لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١].
تنبيه:
قوله: (إلا جد الطفل) نحوه لابن شاس وابن بشير: إن تزوجت الأم أو من لها الحضانة، فإن لم يكن وليًا للطفل فقد سقطت حضانتها، وإن كان وليًا فقولان، المشهور ثبوت حضانتها، فأطلق في الولي. ونحوه للخمي وصاحب المقدمات ففي المقدمات: وإن زوجها ذا رحم من المحضون، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون محرمًا، والثاني: ألا يكون محرمًا، فإن كان محرمًا عليه فسواء كان ممن له الحضانة كالعم والجد للأب، أو ممن لا حضانة له كالخال، والجد للأم لا تأثير له في إسقاط الحضانة. وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له الحضانة كابن العم أو ممن لا حضانة له كابن الخال، فإن كان ممن له الحضانة فهي أحق ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منه فارغة من زوج، وإن كان ممن لا حضانة له سقطت حضانتها بكل حال، كالأجنبي سواء.
وإن كانت وصية فقولان
يعني: اختلف هل يستثنى من النساء إذا تزوجن المرأة الموصاة أم لا؟ قولان، وهما لمالك، وروي عن أشهب وابن نافع: إذا أرادت النكاح له أن ينتزع الولد منها إن نكحت، لأن المرأة إذا تزوجت غلبت على جل أمرها حتى تعمل ما ليس بصواب. وقال في موضع آخر: إن أفردت لهم بيتًا مع من يخدمهم، وأحسنت النظر لم ينزعوا منها.
فائدتان:
قال غير واجد: لا يُسقط التزيجُ بالأجنبي الحضانةَ في ست مسائل هذه على أحد القولين: وإذا كان الولد رضيعًا لا يقبل غير أمه، وإذا قبل وقالت الظئر لا أرضعه إلا
[ ٥ / ١٧٦ ]
عندي، لأن كونه في رضاع أمه- وإن كانت متزوجة- أرفق له من أن يسلم لأجنبية- وإذا كان من بعدها ممن له الحضانة غير مأمون، وإذا كا من بعدها عاجزًا أو غائبًا، وإذا لم يكن للولد قرابة من الرجال ولا من النساء، ويزاد سابعة وهي: إذا كان الأب عبدًا والزوجة حرة، فلا يكون للأب أن ينتزعه منها إذا تزوجت.
ابن القاسم في الموازية: إلا أن يكون مثل العبد القيم بأمور سيده، أو التاجر الذي له الكفاية، فيكون أولى بولده إذا تزوجت الأم، وأما العبد الذي يخرج في الأسواق ويبعث في الأسفار فلا.
الفائدة الثانية: قال في المقدمات: اختلف بماذا يسقط الزوج الأجنبي حضانة زوجته، فقيل بالدخول، وقيل: بالحكم عليها، وقيل: بأخذ الولد منها. وعلى هذا يأتي اختلافهم فيمن طلق امرأته وله منها ولد، فتزوجت ولم يعلم بتزويجها حتى مات عنها أو طلقها أو علم بذلك ولم تطل المدة، هل له أن يأخذ الولد منها عبد خلوها من الزوج أم لا؟
وأما إن علم بتزويجها ولم يقم حتى طالت المدة ثم طلقها الزوج أو مات عنها فليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يعد بذلك تاركًا لحقه على الخلاف في السكوت، هل هو بمنزلة الإقرار أم لا؟
ولا يشترط الإسلام على المشهور، وتضم إلى ناس من المسلمين ولو كانت مجوسية أسلم زوجها
لا يشترط في الحاضن والحاضنة أن يكونا مسلمين على المشهور، وهو مذهب المذونة، والشاذ لابن وهب: لا حق لكافرة لأنه إذا لم يكن لمن أثنى عليه بشر حضانة، فالكافر أولى، واستحسنه [٤٢٨/ب] اللخمي.
[ ٥ / ١٧٧ ]
وقوله: (وتضم إلى ناس من المسلمين) ظاهره أنها تضم مطلقًا. وفي المدونة: والذمية إذا طلقت والمجوسية يسلم زوجها وتابى هي الإسلام فيفرق بينهما، ولهما من الحضانة ما للمسلمة، وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير، وإن خيف أن تفعل ذلك ضمت إلى ناس من المسلمين ولا ينتزعوا منها، فلم يقل إنها تضم، إلا إذا خيف منها.
ولا تعود بعد الطلاق أو الإسقاط على الأشهر إلا في إسقاطه لعذر
يعني: فلو تزوجت الأم أو غيرها من الحاضنات أو أسقطه هي فهل لها أن تعود في الطفل فتأخذه إذا طلقت أو مات زوجها. فالشهر وهو مذهب المدونة أنها لا تأخذه ولا تعود لها الحضانة، والشاذ لابن وهب أنها تأخذه. وزاد في المقدمات ثالثًا: أنها تسقط حضانتها في حال تزويجها، فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجعت في ولدها. وفيه نظر، لأن هذا القول هو قول ابن وهب لأن ابن وهب لا يقول أن لها الحضانة وهي متزوجة.
وهكذا قال ابن عبد السلام: صاحب المقدمات وغيره. هذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضنة، وأما على قو ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في الحضانة للمحضون فلها أن تأخذ الولد متى خلت من الزوج.
ابن عبد السلام: واختلف في سكوت الحاضن الأقرب عن الحاضن الأبعد يأخذ الطفل أو غيره ممن كان له في الحضانة حق فتزوج مثلًا، وبقي الطفل بيده هل يكون سكوته تركًا لحقه في الحضانة؟ على قولين، إلا في إسقاطه لعذر كمرض أو لسفر حجة الفريضة ونحو ذلك، فإن لها الحضانة إذا زال عذرها.
فرعان:
أولهما: قال في الموازية: وإن تزوجت الأم فأخذتهم الجدة للأم ثم فارق الأم زوجها فللجدة أن تردهم عليها، وليس للأب في ذلك حجة. ابن محرز والمتيطي: أما لو ماتت الجدة وطلقت المرأة فهي أحق من الأب.
[ ٥ / ١٧٨ ]
الثاني: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهر أو سبعة ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي. فقالت: والله ما علمت بهذا. قال: الثاني في هذا قريب، وهو يجهل السنة. وقد سئل عمن فارق زوجته وله منها بنت فطرحتها وألحقت بأهلها، فقامت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت لا تتعرض لبنتها ولا تريدها حتى ماتت، فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها، فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها، فقد تركوها ورفضوها، فإن كان لذلك سنة إلا يسيرًا فارى لها أخذها، وإن تزوجها تزويجًا فاسدًا لا يُقران عليه، ودخل بها الزوج، ونزع منها الولد ثم علم بفساد النكاح ففسخ، فقال بعضهم: يرجع إليها الولد. وغيره: لا يرجع.
ابن يونس: وهو أصوب، وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
ويسقط حق الأم وغيرها من الحضانة إذا سافر ولي الطفل الحر أبا أو غيره سفر نقلة ستة برد، ولو كان رضيعًا لا سفر نزهة وتجارة إلا أن تسافر معه
يعني: إذا سافر ولي الطفل سواء كان الولي أبًا أو غيره، ودخل في قوله: (أو غيره) الوصيُّ وغيره، والحر أولى. يصح أن يقرأ بالخفض صفة للطفل، وبالرفع صفة للولي، لأنه إذا كان الولد أو أبوه رقيقًا لم يكن السفر مسقطًا للحضانة، بل إن كان العبد هو الولد فليس لأبيه إذا سافر كلام، بل هو تحت نظر سيده في الحضن، وكذلك للسيد أن يسافر به، ولأمه اتباعه إن أحبت، وإن كان العبد هو الأب ففي المدونة ليس له حق إذا سافر والأم أحق به، كانت حرة أو أمة، لأن العبد لا قرار له ولا مسكن.
قوله: (سفر نقلة) أي سفر انتقال، وأما إن سافر سفر نزهة أو تجارة فلا حق له، وإليه أشار بقوله: (لا سفر نزهة وتجارة) أي ونحوهما.
وقوله: (ستة برد) هو بيان للسفر المسقط، يعني: وأما لو سافر سفرًا قريبًا فأن ذلك لا يسقط حضانتها، لإمكان نظر الولي، وهذا التحديد لمالك في الموازية.
[ ٥ / ١٧٩ ]
وقوله: (ولو كان رضيعًا) مبالغة، وهو المشهور، بشرط أن يقبل غير أمه. ولابن القاسم: ليس له أخذه إلا أن يكون فطيمًا قد استغنى عن أمه. ولمالك في الموازية: لا يخرجوا بهم حتى يثغروا.
وقوله: (إلا أن تسافر معه) يعني: أنه تسقط حضانتها بالسفر المذكور إلا أن تتبعه فهي على حضانتها، ولا كلام للولي، وإنما سقطت الحضانة بهذا السفر، لأن نظر الولي لوصية عام، ونظر الأم إنما هو في أمور خاصة، فكان تحصيل ما ينظر فيه الولي أولى من تحصيل ما تنظر فيه الأم، ولهذا كان الوصي مقدمًا على الأولياء إذا أراد سفرًا بالمحضون.
بعض شيوخنا: وإن كان للولد وليان، وهما في القعد سواء، فسافر أحدهما، فليس له الرحلة بالولد، والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه، وكذلك إن لم تكن له أم، لأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
فرعان:
الأول: قال جماعة: يشترط في إسقاط الحضانة بالسفر أن تكون الطريق مأمونة، يسلك فيها بالمال والحريم، وكذلك البلد الذي ينتقل إليه، ولا يشترط أن لا يكون بين البلد الذي سافر إليه الأب وبلد الحضانة بحر على الأصح، قاله ابن الهندي [٤٢٩/أ] وغيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢].
الثاني: إذا قلنا: للولي الانتقال بالولد. فقال ابن أبي زمنين: كان بعض من أدركنا من شيوخنا المقتدى بهم في الفتوى يفتون بأن الولي لا يكون أحق حتى يثبت عند حاكم البلد الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن الموضع الذي رحل إليه. وقال ابن الهندي وابن الفخار وغيرهما: بل له الأخذ إذا أراد الرحيل. واحتجوا بقوله في المدونة: إذا أراد الأب أن يرتحل إلى بلد، أن للأب أن يخرج بولده معه إذا ارتحل، وكذلك الأولياء، فلم يكلفه بينة أنه قد استوطن. وعابوا الأول لأنه يؤدي إل المشقة في الراحل إلى البعيد، وقد آوى إلى إسقاط حقه.
[ ٥ / ١٨٠ ]
ابن الهندي: ويحلف لقد يريد استيطان ذلك البلد. بعض القرويين: وهذا يحسن في المتهم، وأما المأمون فلا يمين عليه. ووقع لسحنون في أسئلة حبيب أنه كان يكشف عن انتقاله كشفًا شافيًا، فإن تبين ضرره منع، وإن كان خروجه حقيقة لا مضارًا بالأم لم يمنع، وقيل للأم: اتبعي ولدك إن شئت. واستدل بعضهم على صدقه بقرائن الأحوال، فإن باع ربعه أو نحو ذلك صدق، وعلى أنه لابد من الاستيطان بمدة غير محدودة، بل يرجع إلى اجتهاد الحاكم. عبد الخالق: ووقع في وثائق ابن الطلاع: تحرير المدة بالعام.
وقال أصبغ: بريدين
قوله: (وقال أصبغ: بريدين) يقتضى ثبوت معطوف عليه، وهو قوله: (ستة برد).
ابن عبد السلام: ولم يثبت قوله (ستة برد) في كل النسخ، ولم أر أنا نسخة إلا وفيها ذلك. وقال أصبغ في الموازية: لأن فيها عنه: ليس للأم أن تنتجع بولدها من الأسكندرية إلى الكريون.
اللخمي وغيره: وبينهما بريدان. وقريب منه ما قاله مالك: في البعيد مرحلتان.
أبو إسحاق: وقول أصبغ ظاهر المدونة، لأنه قال: القريب البريد ونحوه.
ولمالك أن مسيرة اليوم قريب للأم أن تخرج بالولد إليه. قيل: وهو الأقرب قياسًا على سفر القصر. ولمالك: حد القريب أن يكون بموضع لا ينقطع خبر الولد منه، من غير أن يحده بأميال. اللخمي: وهو بين، فرب قريب لا ينقطع خبر الولد منه، واستعلام حاله لكثرة تردد أهله بين الموضعين، ورب قريب لا يعرف فيه حال الولد لقلة التصرف فيما بين الموضعين. وقال ابن مغيث: الذي مضت الفتوى به عند شيوخ المذهب ما ذكره المصنف أولًا: ستة برد. وقيل: إذا كان على رأس البريد هو بعيد.
وروى ابن وهب في الموطأ: حتى يرتحل من المدينة إلى مصر. ومثله عن أشهب.
[ ٥ / ١٨١ ]
وسفره أو سفر الأم به دون ذلك، لا يسقط. وفيها: كالبريدين
يعني: وسفر الولي أو سفر الأم دون المسافة المسقطة لا يسقط حق الحاضنة، لأن ذلك لا يمنع الولي من النظر في أمر الطفل. وفي المدونة: تحرير القرب بالبريد ونحوه. وقد تقدم أن أبا إسحاق أخذ منه أن البعيد بريدان كما قاله أصبغ، وكذلك قال ابن رشد في قول أشهب: لا يرحل بهم ثلاثة برد. هذا مثل ما في المدونة لا ينتجع بهم إلا في المكان القريب، البريد ونحوه. وما ذكره من تسوية سفر الولي والحاضنة نص عليه اللخمي وغيره.
ابن راشد: وحيث قلنا تخرج بهم الأم فحقهم في النفقة باق على أبيهم في ظاهر المذهب وحكى في الطرر عن ابن جماهير الطليطلي أن الأم خرجت ببنيها إلى الصائفة سقط الفرض عن أبيهم مدة مقامهم، ولو طلبت الانتقال بهم إلى موضع مصر، فشرط الأب عليها نفقتهم وكسوتهم جار ذلك، وكذلك إذا خاف أن تخرج بهم بغير إذنه، فشرط عليها إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليها، لزمها ذلك، قاله بعض الأندلسيين.
وفي استحقاق الحاضنة عنها شيئًا قولان بناء على أنه حق له أولها
قوله: (عنها) أي عن الحضانة. وما ذكر المصنف من منشأ الخلاف ذكره صاحب المقدمات وابن بشير، فقالًا: من رأي الحضانة حقًا للمحضون أوجب للحاضن الأجرة على المحضون، ومن رآها حقًا للحاضن لم ير له أجرة. وما قاله ابن عبد السلام من عكس هذا البناء ليس بظاهر. قال في المقدمات: من رأى أن ذلك من حقها لم ير لها سكنى، ومن رأي ذلك من حق المحضون رأى أن لهما كراء المسكن على الأب.
خليل: وفيه نظر، لأن المشهور أن الحق للحاضنة، والمشهور أن على الأب السكنى، وهو مذهب المدونة خلافًا لابن وهب. وعلى المشهور فقال سحنون: يكون السكنى على حسب الاجتهاد. ونحوه لابن القاسم في الدمياطية، وهو قريب لما في المدونة. وقال يحيي
[ ٥ / ١٨٢ ]
ابن عمر: على قدر الجماجم. وروي: لا شيء على المرأة ما دام الأب موسرًا. وقيل: إنها على الموسر من الأب والحاضنة. وحكى ابن بشير قولًا بأنه لا شيء على الأم من السكنى، ورأى اللخمي أن الأب إن كان في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم يزد عليه في الكراء شيئًا، لأنه في مندوحة عن دفع الأجرة في سكناه، وإن كان يزاد عليه في الكراء، وعليها هي لأجل الولد، فعليه الأقل مما يزاد عليه أو عليها لأجله، فإن كان ما يزاد عليها أقل أخذته لأنه القدر الذي أضر بها، وإن كان ما يزاد عليه غرمه لأنه مما لم يكن له بد ولو كان عنده. وفي الطرز: لا سكنى للرضيع على أبيه مدة الرضاع، فإذا [١٥٢/ب] خرج من الرضاعة كان عليه أن يسكنه. خليل: ولا أظنهم يختلفون في الرضيع.
فائدة:
في المذهب مسائل اختلف فيها، هل هي على الرؤوس أم لا؟ منها هذه، ومنها أجرة كاتب الوثيقة، ومنها كانس المراحيض، ومنها حارس الأنذر، ومنها أجر القاسم، ومنها التقويم على المعتقين، ومنها الشفعة إذا وجبت لشركاء، ومنها العبد المشترك في زكاة الفطر، ومنها النفقة على الأبوين، ومنها إذا أرسل أحد الصائدين كلبًا والآخر كلبين، ومنها إذا أوصى بمجاهيل من أنواع.
وعلى الاستحقاق فإن استغربت أزمانها فنفقة وإلا فاجرة
يعني: وعلى القول باستحقاق الحاضنة على الحضانة أجرة، فإن أشغلها ما يتعلق بالولد في جميع أزمانها وجبت لها النفقة كالزوجة، وإن لم تستغرق أزمانها وجب لها من الأجرة بحسب ما يقرره أهل العرف لها.
اللخمي: وإن كان الولد يتيمًا فللأم أجرة الحضانة إن كانت فقيرة والابن موسرًا، لأنها تستحق النفقة في ماله، واختلف إذا كانت موسرة، فقال مالك: لا نفقة لها. وقال مرة: لها النفقة إذا قامت عليه بعد وفاة أبيه. وقال أيضًا: تنفق بقدر حضانتها إذا كانت لو تركته لم يكن له بد من الحضانة. فجعل لها في هذا القول الأجرة دون النفقة.
[ ٥ / ١٨٣ ]
اللخمي: وأرى إن تأيمت لأجلهم وكانت هي الخادمة والقائمة بأمورهم أن لها النفقة، وإن كانت أكثر من الأجرة لأنها لو تركتهم وتزوجت أتى من يقف عليها- وكأن من النظر للولد كونهم في نظرها- وإن لم تكن تأيمت لأجلهم أو كانت في سن من لا يتزوج كان لها الأجرة، وإن كانت دون نفقتها، وإن كان لهم من يخدمهم واستأجرت من يقوم بخدمتهم فإنها هي ناظرة بما يصلح للولد فقط لم أر لها شيئًا.
فرعان:
الأول: إن لمن الولد في حضانتها من أم أو غيرها أن تأخذ ما يحتاج إليه الولد من نفقة أو كسوة وغطاء ووطاء. وإن قال الأب: هو يأكل عندي ثم يعود إليك لم يكن له ذلك، لأن في ذلك ضررًا على الولد وعلى الحاضنة، إذ الأطفال يأكلون في كل وقت، قاله غير واحد.
وكتب شجره إلى سحنون في الخانة الحاضنة إذا قال الأب: إنها تأكل ما أعطيه، وطلب الأب أنه يأكل عنده ويعلمه، فكتب إليه أن القول للأب، فجعل للحاضنة يأوي إليها فقط، والأول هو الأصل، ولعله ظهر صدقه في السؤال، وقد ذكر ابن يونس عن مالك هذا التفصيل نصًا في العتبية.
الثاني: اللخمي: اختلف في خدمة الولد، ففي المدونة: إن كان لابد للولد من خادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقوى على الإخدام أخدمهم. وقال ابن وهب في الدمياطية: ليس عليه أن يخدمهم، وبذلك قضي أبو بكر على عمر ﵄.
وتجب على الولد نفقة أبويه الفقيرين- صحيحين أو زمنين، مسلمين أو كافرين- صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، وإن كره زوجها
يعني: أنه يجب على الولد أن ينفق على أبويه سواء كان صحيحين أو زمنين مسلمين أو كافرين، صغيرًا أو كبيرًا، وكذلك أيضًا لو كان هو كافر وهما مسلمان، هذا هو القول
[ ٥ / ١٨٤ ]
المشهور، وروى ابن غانم عن مالك أنه لا نفقة للأبوين الكافرين، واشترط أن يكونا فقيرين، لأنه لا نفقة لهما إذا كان غنيين.
ابن لبابة: ويحلفه الولد على فقره استبراء للحكم. وقال غيره: لا يحلفه، لأنه من الحقوق، وبه الحكم.
ولا يسقطها تزويج الأم لفقير
أي: إذا تزوجت الأم فقيرًا فوجوده كعدمه، ونفقتها مستمرة على الولد، وكذلك أيضًا لو كان الزوج مليًا وافتقر، ولو كان يقدر على بعضها تمم الابن باقي النفقة ولو كان الزوج مليًا. وقال: لا أنفق عليها إن رضيت، وإلا فارقتها، فرضيت الأم. فقال الباجي: ينفق الابن. وقال اللخمي: لا ينفق، إلا أن تكون قد أسنت والزوج على غير ذلك، أو يقوم الدليل على صحة قوله.
فإن كان أولاد موسرون وزعت، وفي توزيعها على الروؤس أو على اليسار قولان
القول بأنها على الرؤوس لابن الماجشون وأصبغ، والقول بأنها على قدر اليسار لابن المواز. وقال مطرف وابن حبيب: على قدر الميراث.
فرع:
إذا كان للأب مال فوهبه أو تصدق به ثم طلب الابن بالنفقة فللولد أن يرد فعله، وكذلك لو تصدق به على أحد ولديه كان للولد الآخر أن يرد فعله، قاله اللخمي.
وكذلك خادمه وخادمها على المشهور
هذا عائد على صدر الفصل، يعني: وكذلك يجب على الولد نفقة خادم الأب وخادم الأم على المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم: ليس عليه أن ينفق على خادم أبيه. وفي المدونة: يلزمه أن ينفق على خادم أبيه وخادم زوجة أبيه، لأن خادم زوجة أبيه تخدمه.
[ ٥ / ١٨٥ ]
ويحتمل كلام المصنف من حيث اللفظة أن يكون قوله: (وكذلك خادمه) راجع إلى مسألة توزيع النفقة، وهو بعيد.
وكذلك إعفافه بزوجة
يعني: وكذلك يجب على الولد أن يعف والده بزوجة، هذا قول أشهب، واختاره ابن الهندي، قيل: وهو المشهور عن مالك وابن القاسم أنه ليس على الولد ذلك. وقاله المغيرة وابن عبد الحكم، وفي رواية [٤٣١/أ] ابن نافع وأشهب: إن كان رجلًا نكاحًا يأتي امرأة لها شأن، فما أرى ذلك عليه.
اللخمي: إن كان محتاجًا إلى النساء زوجه، وإن لم يكن محتاجًا لهن ويخدم نفسه لم يكن عليه تزويجه، وإن لم يكن قادرًا على خدمة نفسه، أو كان مثله لا يتكلف ذلك، كان تزويجه حسنًا. قال ابن راشد: لو تحققنا حاجة الأب إلى النكاح، لا نبغي ألا يختلف في وجوب ذلك على الابن، فالاختلاف إنما هو عائد إلى تصديق الأب فيما يدعيه من الحاجة إلى النكاح.
اللخمي: وينفق الابن على زوجة الأب، سواء كان الأب محتاجًا إليها في الإصابة أم لا، لأنه وإن أسن يحتاج إلى رفق من يقوم به، ولأن عليه مضرة ومعرة في فراق زوجته لعدم النفقة، قال في المدونة: وينفق على زوجة وإخوة لا أكثر. ولا إشكال في هذا إن كانتا أجنبيتين، وأما إن كانت إحداهما أمه، فاختلف في ذلك إذا كانت أم الولد فقيرة، فقيل يلزمه نفقتهما أما الأم فلفقرها، إذ لو فارقها الأب لكان عليه نفقتها، وأما الأخرى، فلأنها لو كانت وحدها لزمتها نفقتها. وقيل: لا يلزمه إلا نفقة أمه.
ابن يونس: وهو أشبه بظاهر الكتاب، إذ ليس عليه أن ينفق إلا على امرأة واحدة، وقال اللخمي: إنما ينفق على أمه فقط، إلا أن تكون أمه قد أسنت، والأخرى شابة. وفي الأبنية فعليه أن ينفق عليهما جميعًا، ونقل ابن عيشون عن ابن نافع أنه ينفق على أربع زوجات الأب.
[ ٥ / ١٨٦ ]
فرع:
ولا يلزم الولد أن ينفق على زوج أمه الفقير. وقال في الكافي: على الابن أن ينفق عليه. وفي الإرشاد أنه يجب على الابن أن ينفق على زوج الأم إن أعسر، إلا إن تزوجته فقيرًا.
فإن كانت له دار لا فضل في ثمنها لم تعتبر كما يأخذ من الزكاة
تصوره ظاهر، واختلف إذا كانت للابن دار يسكنها، وليس للأب مال، فقال ابن القاسم: لا تباع دار الابن لأجل نفقة الأب. وقيل: بل تباع. وعلى هذا فيبيع دار الأب لينفق منها على نفسه أولى.
وشرط نفقة الولد والأبوين- اليسار
يعني: كما يشترط في طالب النفقة الفقر فكذلك يشترط في معطيها اليسار.
الباجي: وتلزم نفقة الأبوين المعسرين، وإن قويا على العمل. وقال اللخمي: إن كان للأب صنعة تقوم به وبزوجته أجبر على عملها، وإن كانت تكفيه لبعض حاجته تمم الابن الباقي.
فرع:
إذا طلب الأب من الابن النفقة وادعى الفقر وأنكر الابن فقر أبيه، وادعى أنه عديم، فقال ابن العطار وابن أبي زمنين: الابن محمول على الملاء حتى يثبت خلافه، وعليه أن يثبت العدم. وقال ابن الفخار: بل على الأب إثبات ملاء ابنه. قال: وإن كان للأب ولد آخر وجب على الابن المدعي العدم إثبات عدمه، لأن أخاه يطالب بالنفقة معه.
ابن العطار: وأما الوالد في نفقة الولد إن لم يثبت أنه ملك شيئًا، فالقول قوله مع يمينه، ومن ادعى أن له ملكًا فعليه البينة.
[ ٥ / ١٨٧ ]
وتسقط عن الموسر بمضي الزمان بخلاف الزوجة
يعني: لو كان الأب عديمًان والولد موسرًا أو العكس، فتحميل الموسر في النفقة زمانًا لم يكن له الرجوع بما تحيل على من تجب عليه نفقته لأنها مواساة تدفع لسد خلة المحتاج في وقتها، وإذا انسدت تلك الخلة بوجه سقط الوجوب، بخلاف نفقة الزوجة فإنها واجبة بمعنى المعارضة، ألا ترى أنها تجب لها ولو كانت غنية.
إلا أن يفرضها الحاكم أو ينفق غير متبرع
إلا أن يفرضها الحاكم فيرجع ولو مضى زمانها، وكذلك أيضًا إذا أنفق غير متبرع، فإنه يرجع بما أنفق على الابن.
ولا رجوع بنفقة الآباء والأبناء إذا أيسروا بعد
لأنهم لو أخذوا في الفقر بوصف الاستحقاق فكان ذلك بمنزلة ما لو أخذ الفقير من الزكاة، ثم طرأ غناؤه، ولأنه لو كان له الرجوع لكان المدفوع أولًا سلفًا، والفرض خلافه.
ولا تجب نفقة جد ولا جدة ولا ولد الولد
هذا هو المذهب.
فرع:
اللخمي: ولو كان للابن صنعة فيها فضل عن نفقة لزمته نفقة أبويه، فإن كان له زوجة، فللأب ما فضل عن نفقته ونفقتها، واختلف إذا كان له ولد، فقيل: يقسم الفاضل بينهما، وقال ابن خويز منداذ: يبدأ بالابن.
وتجب نفقة ملك اليمين، وإلا بيع عليه
تصوره ظاهر.
[ ٥ / ١٨٨ ]
فرع:
إذا تبين ضرره بعبده في توجيعه وتكلفه من العمل ما لا يطيق وتكرر ذلك منه بيع عليه. وسئل ابن حارث عن مملوكة اشتكت إضرار سيدها بها وضربها، فقال: ليس الضرب- وإن صح- بالذي يدل على الضرر، إذ للمالك أن يؤدب مملوكه، وهو مصدق إلا أن يظهر تعديه فيباع، ولا يكلف مملوكه إثبات الضرب إلا أن يكون السيد مشهورًا بالشر والتعدي ويعرف بذلك، وثبت ذلك عليه مع أثر الضرب.
ابن زرب: وروي [٤٣٠/ب] عن مالك في المملوكة تطلب أن تباع: ينظر في أمرها، فإن كان ما هي فيه ضرر بيعت، وإلا فلا، قال: وكان بعض شيوخ بلدنا يفتون بأن تكرير الشكية منها يوجب بيعها، غير أن هذا إنما يكون في المجهول الحال، وأما إن كان السيد من أهل الخير فلا يجوز بيعها إلا بثبوت الضرر.
وكذلك الدواب إن لم يكن مرعى
أي: إن لم يكن مرعى فتعلق أو تباع، كذلك أيضًا إن كان المرعى لا يكفيها، ولا يكلف الدواب أيضًا فوق طاقتها.
ولا يجوز من لبنها إلا ما لا يضر بنتاجها
تصوره ظاهر.
***
[ ٥ / ١٨٩ ]