[٢٧٧/ أ] بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
النكاح: حقيقته التداخل: يقال تناكحت الأشجار إذا دخل بعضها في بعض، ونكح البذر الأرض، ويطلق في الشرع على العقد والوطء، وأكثر استعماله في العقد، قال الله تعالى: (لا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ([النساء: ٢٢]. (لا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ([البقرة: ٢٢١]. (وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ([البقرة: ٢٢١]. (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ([النساء:٣] (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ ([النساء: ٢٥] وقد ورد أيضًا بمعنى الوطء في قوله تعالى: (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]. وقوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ([النور: ٣] الآية. على خلاف في تأويلها بين العلماء، قيل: وورد بمعنى الصداق في قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا ([النور: ٣٣].
عياض: والصحيح أن المراد هنا العقد؛ أي: لا يقدرون على الزواج لعسرهم.
وأما في اللغة فقال ابن راشد: لا خلاف أنه حقيقة في الوطء. واختلف في إطلاقه على العقد، فقيل: بطرق الحقيقة، وقيل بطريق المجاز، وهو أصح لأن المجاز خير من الاشتراك. واختلف في هذا المجاز فقال التلمساني في شرح المعالم الفقهية: هو مساو للحقيقة. وقيل: مجاز راجح، وهو الصحيح. وحكى ابن عبد السلام خلافًا بين أهل الشرع واللغة، هل هو حقيقة في كل واحد منهما؟ أو في أحدهما؟ وما هو على الحقيقة؟ قال: والأقرب أنه حقيقة لغة في الوطء مجاز في العقد وفي الشرع على العكس.
خليل: ويمكن أن يحمل قول من قال أنه حقيقة في العقد على أنه مجاز راجح كما هو المختار في الحقيقة الشرعية كما تقرر في محله فيتفق ونقل ابن راشد والله أعلم.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
وحكم النكاح الندب من حيث الجملة، وقد يجب على من لا ينكف عن الزنا إلا به، ويكره في حق من لا يشتهيه وينقطع به عن عبادته، وفي المقنع لابن بطال: يكره لمن لا يجد طولًا ولا حرفة له ولا صناعة.
ابن بشير: ويحرم على من لا يخشى العنت، وكان يضر بالمرأة في عدم قدرته على الوطء، أو على النفقة، أو يتكسب بموضع لا يحل.
اللخمي: ويباح لمن لا ينسل ولا أرب له في النساء، وأشار إلى أن المرأة مساوية للرجل في هذه الأقسام.
وفي النكاح فوائد أربع: الأولى: دفع غوائل الشهوة عنه. والثانية: التنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة؛ لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أنه إذا عمل الخير نال ما هو أعظم سارع في فعل الخيرات لما هو من جنس تلك اللذة، ولما هو أعظم وأتى وأبقى وهو اللذة بالنظر إلى وجه الله تعالى. والثالثة: المسارعة في تنفيذ إرادة الله تعالى ورسوله، أما إرادة الله ﷿ فإنه أراد بقاء الخلق إلى يوم القيامة ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح، وأما إرادة رسوله ﷺ فلقوله ﷺ: "تناكحوا تناسلوا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". والرابعة: بقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح. والله أعلم.
أَرْكَانُهُ الصِّيغَةُ، وَالْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالصَّدَاقُ، الصِّيغَةُ لَفْظُ يَدُلُّ عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ وَمَلَّكْتُ وَبِعْتُ وَكَذَلِكَ وَهَبْتُ بِتَسْمِيَةِ الصَدَاقِ
يعني أن أركان النكاح خمسة، ثم أخذ يتكلم على الأول منها. وما ذكره المصنف في الصيغة نحوه لابن شاس، ومقتضاه أنه لا ينعقد بالإشارة والكتابة ونحو ذلك، وهو مقتضى كلامه في الإشراف. وكذلك قال في الاستذكار: النكاح يفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه ولا خلاف في انعقاده بأنكحت وزوجت. قال المغيرة: ولا ينعقد بغيرهما. واختلفت طرق الشيوخ في نقل المذاهب فيما عداهما، فذهب ابن القصار وعبد الوهاب
[ ٣ / ٥٠٥ ]
في الإشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون التوقيت، فينعقد بملكت وبعت كما ذكر المصنف. وأشار الباجي في توجيهه لذلك إلى أنه قول مالك. واستدل جماعة لذلك بما في الصحيح من قوله ﷺ: "ملكتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية: "أنكحناكها". وذهب صاحب المقدمات إلى أنه لا ينعقد بما عدا أنكحت وزوجت إلا لفظ الهبة، فاختلف فيه قول مالك، فروي عنه أنه لا ينعقد بها، وروي عنه أنه ينعقد ويلزم فيه صداق المثل كنكاح التفويض، وقد روى ابن حبيب نحوه عن مالك. انتهى بمعناه.
ومقتضى ما نقله من رواية ابن حبيب أنه يصح، وإن لم يسم صداقًا ونقل في الإكمال عن مالك أنه لا ينعقد بلفظ الهبة.
ابن المواز: وسواء سمي الصداق أم لا. ومذهب المدونة أنه لا ينعقد بلفظ الهبة إلا بتسمية الصداق كما ذكر المصنف. ويلحق بها في اشتراط التسمية الصدقة من باب أولى؛ لأن هبة الثواب أحد قسمي الهبة، والصدقة لا عوض لها أصلًا.
ابن القصار: وسواء عندي ذكر المهر في لفظ الهبة والبيع أو لم يذكر إذا علم أنهم قصدوا النكاح.
فانظر هل ما قاله مخالف لما قاله المصنف في لفظ الهبة أم لا؟ لأن قوله: إذا علم أنهم قصدوا [٢٧٧/ ب] به النكاح يقتضي ثبوت الصداق فكان ذلك بمنزلة ذكره، وكذلك قال ابن راشد: لا ينبغيأن يعد قول ابن القصار خلافًا.
ابن القصار: قال بعض أصحابنا: ويجوز بلفظ التحليل. وقال الطرطوشي في لفظ الإباحة: قال بعض أصحابنا: إن قصد به النكاح صح.
وقوله: (عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ) احترز بذلك من العارية والرهن والوصية، فإنه لا ينعقد بذلك، نص عليه ابن القصار وعبد الوهاب لاقتضاء الأولين التمليك والتوقيت والثالث التوثق دون التمليك وعدم لزوم الرابع.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
تنبيهان:
الأول: قد يقال: إن حد المصنف للصيغة غير مانع لشموله مثل (وقفت وحبست على فلان أو أعمرته) لدلالة ذلك على التأبيد مدة الحياة.
الثاني: ما ذكره المصنف من أن الصيغة لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة صحيح كما بيناه، واعترضه ابن عبد السلام بما حاصله أنه لا يشترط دلالة الصيغة على التأبيد بل ألا تدل على التوقيت، وذكر أن ذلك هو الذي يؤخذ من كلام أهل المذهب. وذلك أعم من كونها دلالة على التأبيد، وفيه نظر لأن عبد الوهاب صرح في الإشراف بما ذكرالمصنف وكذلك غيره، والله أعلم.
وَمِنَ الزَّوْجِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ
قوله: (مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ) أي: دون صيغة معينة.
ابن عبد السلام: وكذلك الإشارة. خليل: ولا أعلم نصًا في الإشارة، والظاهر أنها لا تكفي من جهة الزوج، أما أولًا: فلأن النكاح لابد فيه من الشهادة، ولا يمكن إلا مع التصريح من الولي والزوج ليقع الإشهاد عليهما. وأما ثانيًا: فلأن قول المصنف (وَمِنَ الزَّوْجِ) معطوف على مقدر تقديره: الصيغة من جانب الولي كذا، ومن جهة الزوج كذا.
فكان قوله: (وَمِنَ الزَّوْجِ) خبر عن (الصِّيغَةُ) فلا يصدق على الإشارة. وعلى هذا فالظاهر أن مراده بقوله: (مَا يَدُلُّ) كل لفظ، ولا يشترط فيه تعيين كما في صيغة الإيجاب، فإن قيل: المصنف قد يجعل الإشارة من الصيغة كقوله في باب الوصايا: الصيغة كل لفظ أو إشارة يفهم منها قصد الوصية، قيل: هذا مجاز، والأصل عدمه.
ابن شاس: ويكفي أن يقول الزوج قبلت، إذا تقدم من الولي الإيجاب، ولا يشترط أن يقول قبل نكاحها.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
فَلَوْ قَالَ: زَوِّجْنِي؛ فَقَالَ: فَعَلْتُ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: لا أرْضَى؛ لَمْ يَنْفَعْهُ بِخِلافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ
يعني: أنه ينعقد بالاستيجاب كما ينعقد بالإيجاب، وهكذا قال صاحب الجواهر؛ لأن قوله: (زَوِّجْنِي) طلب للتزويج، وهو يقتضي رضاه بالتزويج، وقول الولي: (فَعَلْتُ) يقوم مقام الإيجاب، وهو قوله: زوجتك. ويؤخذ من كلام ابن عبد السلام أنه فهم من قوله (لا أرْضَى) أن الزوج إن شاء ما يقتضي الرضا بعد قول الولي (فَعَلْتُ) وليس بظاهر؛ لأنا قد بينا أن قول الزوج: (زَوِّجْنِي) يقوم مقام الرضا، وستأتي مسألة البيع التي أشار إليها المصنف في بابها إن شاء الله تعالى.
والفرق بين النكاح والبيع من وجهين: أحدهما: أن هزل النكاح جد على المشهور. والثاني: أن العادة جارية بمساومة السلع وإيقافها للبيع في الأسواق، فناسب ألا يلزمه ذلك في البيع إذا حلف لاحتمال أن يكون قصد معرفة الأثمان، ولا كذلك النكاح، والله أعلم.
وَالْخطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَمَا قَلَّ أَفْضَلُ
ابن راشد: الخطبة بضم الخاء واحدة الخطب، وأما بكسرها فهي عبارة عن استدعاء النكاح وما يجري من المحاورة وهي مشروعة في العقد. وما قل منها أفضل. قال بعض الأكابر: أقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، زوجتك على كذا. ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، قبلت نكاحها. وفي الذخيرة: قال صاحب المنتقى: تستحب الخطبة بالضم عند الخطبة بالكسر وصفتها أن يحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلي على نبيه ﵊ ثم يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران: ١٠٢] (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ([النساء: ١]، (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ([الأحزاب: ٧٠].
[ ٣ / ٥٠٨ ]
ثم يقول: أما بعد، فإن فلانا قد رغب فيكم وانطوى إليكم، وفرض لكم من الصداق كذا، وفي الجواهر: تستحب عند العقد. انتهى.
أو إنما استحب ذلك لما رواه الترمذي وغيره من قوله ﵊: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بحمد الله فهو أجذم". أي: ناقص. وتقليلها أفضل لأن كثرتها من التشدق المنهي عنه لاسيما إن صحب ذلك فخر ومدح للمتزوجين وآبائهما بما ليس فيهم.
الْوَلِيُّ الْمَالِكُ، ثُمَّ الابْنُ وإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الأَبُ، ورُوِيَ: الأَبُ، ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ الأَخُ، ثَمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: الْجَدُّ أَوْلَى مِنَ الأَخِ وابْنِهِ. ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ
هذا هو الركن الثاني، وخالفنا في ذلك أبو حنيفة، فلم ير الولي ركنًا، ودليلنا ما رواه الدارقطني وصححه من حيث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
وقدم المصنف (الْمَالِكُ) لأنه أقوى الأولياء، إذ هو يجبر الكبيرة والصغيرة والذكر. (ثُمَّ الابْنُ) لأنه أقوى العصبة، ورأى في الرواية الأخرى أن في الأب زيادة [٢٧٨/ أ] وشفقة. وابن الابن كالابن في عدمه، فالخلاف في الأخ مبني على هذا الخلاف. فعلى المشهور يقدم الأخ وابنه على الجد لإدلائهما بالبنوة، وعلى الرواية الأخرى يقدم الجد على الأخ. وروي عن مالك أن للأخ أن يزوج المرأة الثيب مع وجود الأب.
اللخمي: وهو قول مرغوب عنه. والمعروف من قول مالك أنه إذا عقد الأخ مضى لا أن له ذلك ابتداء.
قوله: (عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ) الضمير عائد على الجد والعم وابنه لا على كل من تقدم؛ فإن الجد في باب الميراث أولى من ابن الأخ؛ قاله ابن عبد السلام.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وَفِي تَقْدِيمِ الشَّقِيقِ مِنَ الأَخِ والْعَمِّ وابْنِهِ عَلَى الآخَرِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ والْمُدَوَنَّةِ
الروايتان إنما هما منصوصان في الأخ. ففي اللخمي: اختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب، ففي الكتاب من رواية علي: هما سواء.
قال مالك وابن القاسم وغيرهما في الواضحة: الشقيق أولى. ويجري الجواب في أبنائهما وفي العمين أحدهما شقيق والآخر لأب وفي أبنائهما على نحو ذلك، وتقديم الشقيق أحسن. انتهى.
وكذلك اختار ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين هذه الرواية قياسًا على الإرث والولاء والصلاة عليها، بل جزم سحنون بعدم صحة مقابلها. والأحسن لو قال: وابنيهما، لكن حذف في الأول ما أثبته في الثاني كأحد الوجهين في قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ([التوبة: ٦٢].
فإن قيل: ليس ما نسبه إلى المدونة صريحًا فيها لاحتمال أن يكون مراده فيها بعد الوقوع، ونصها: قال علي عن مالك في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثم أخوها لأبيها وأمها: إن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، ولا تنكح حينئذ إلا برضاه فقوله في الأخ يزوج أخته يحتمل بعد الوقوع والنزول، ويرجحه قوله بعد ذلك أن النكاح جائز، وأيضًا فإن ما قبل هذا الكلام وبعده في المدونة إنما هو في الأبعد يزوج مع وجود الأقرب، فجوابه أن غاية ما ذكرته أن اللفظ محتمل، لكن قوله: إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق فلا تنكح حينئذ إلا برضاه. ظاهر أو صريح في أن كلامه في امرأة لم تنكح، ويكفي في رد هذا أن فهم سحنون واللخمي وغيرهما من الأشياخ خلافه.
ثُمَّ الْمَوْلَى الأَعْلَى لا الأَسْفَلُ عَلَى الأَصَحِّ
أي: بعد عصبة النسب تنتقل الولاية إلى المولى الأعلى وهو من له العتاقة.
[ ٣ / ٥١٠ ]
ابن عبد السلام: وادعاء المصنف أن المولى الأسفل لا ولاية له ليس بصحيح؛ لأن جميع شراح المدونة فسروا جميع ما وقع لمالك في النكاح الأول منها بأن المولى الأسفل أحد الأولياء، ولم يذهب أحد منهم إلى نفي الولاية عنه.
خليل: وقد يقال ليس في المدونة نص على ولايته، وقد قال ابن الجلاب: ولا ولاية للأسفل على الأعلى. والقاعدة عند الشيوخ أن كل ما أطلق في الجلاب ولم يعزه لنفسه ولا لغيره فهو لمالك، وكلام مالك أولى من كلام غيره.
وفي الكافي: ولا ولية للأسفل على الأعلى. وقد قيل: إن للمولى الأسفل مدخلًا في الولاية، وليس بشيء. ونقله ابن شاس، ونقل ذلك ابن زرقون عن الموازية أنه لا ولاية للأسفل على الأعلى وأيضًا فعدم ولاية الأسفل على الأعلى هو القياس؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب.
ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَةُ مُعْتَقِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ
أي: فإن فقد المولى الأعلى انتقلت الولاية إلى عصبته ثم إلى معتق المعتق، ثم إلى عصبته على ما تقدم في ترتيب العصبات وهو ظاهر. وليس للأخ للأم ولا الجد للأم ولا لذوي الأرحام ولاية عندنا إلا من باب ولاية الإسلام.
ابن وهب: وقاله مالك، وقال علي بن زياد عن مالك: إذا زوج الأخ للأم مضى النكاح، وحكى ابن عبد الغفور في وثائقه.
فَالْمَالِكُ يُجْبِرُ الأَمَةَ والْعَبْدَ، ولا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا
لما ذكر الأولياء ومراتبهم تكلم على من له الجبر، ولا خلاف عندنا أن السيد يجبر الأمة والعبد بشرط عدم الضرر، ففي العتبية والموازية لمالك: ليس له أن يزوج الجارية الرفيعة من عبد له وغد، وقد قال مالك: وليس ينظر إلى الوغد في المنظر، فرب وغد في المنظر تكون له الخبرة والحال.
[ ٣ / ٥١١ ]
قوله: (لا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا) أي إذا طلبا الزواج وأبى هو ذلك فلا يجبر لأنه يتضرر بالتزويج، قال مالك في الموازية: وإن تبين أن العبد والمكاتب محتاجان إلى النكاح وأن السيد ضار بهما فلا يقضي على السيد بنكاحهما.
عبد الحميد: واختلف في هذه المسألة، فكان بعض الشيوخ يقول: الصواب عندي أن القول قول العبد لاشتداد الضرر به؛ إذ ذاك ضرر في الدين. وكان بعض المذاكرين يقول: انظر إلى ما قاله ابن خويزمنداد إذا كانت له القدرة له على التسري، وله حاجة إلى النكاح يخاف معها العنت أنه يجب عليه، وإذا كان واجبًا عليه فالعبد يشاركه فيها، ولأن بعض أصحابنا أوجبه للأب على ابنه. انتهى.
والظاهر أنه يؤمر بالتزويج أو البيع لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار".
وَتُوكِلُ الْمَالِكَةُ فِي أَمَتِهَا وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
وهذا كقوله في الكافي: وإذا أرادت المرأة إنكاح أمتها استخلفت رجلًا يزوجها بإذنها
وَيُوَكِّلُ الْمُكَاتِبُ فِي أَمَتِهِ [٢٧٨/ ب] وإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ بِشَرْطِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ
هذا كقوله في المدونة: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل وإن كره سيده، ولكن يلي العقد غيره بأمره ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد، وإنما جاز ذلك للمكاتب لأنه أحرز نفسه وماله.
وَالْوَصِيُّ يُزَوِّجُ رَقِيقَ الْمُوصَى عَلَيْهِ بِالْمَصْلَحَةِ
هذا ظاهر التصور، وقال هنا: (بِالْمَصْلَحَةِ) لأن المطلوب مصلحة المحجور عليه، وقد تكون بغير المال.
[ ٣ / ٥١٢ ]
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لا يُجْبَرُ ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ فِي الْوِلايَةِ والرَّدِّ
لأن بعض الحر لا تصرف له فيه. قال في البيان: ولا خلاف في ذلك.
(ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ) أي: ولكن مالك البعض كمالك الجميع في الولاية على الأمة، وفي رد نكاح العبد أو الأمة إن تزوجا بغير إذن السيد.
وَمَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ: ثَالِثُهَا: يُجْبَرُ الذُّكُورُ. ورَابعُها: يُجْبَرُ مِنْ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ
سبب الخلاف النظر إلى تغليب شائبة الحرية: فيمتنع الجبر، أو حكم الرق؛ فيصح والقولان بالجبر وعدمه لمالك. وفرق في الثالث لأن الذكر قادر على الحل عن نفسه بالطلاق، وهذا القول حكاه ابن بشير. وعلى الرابع: لا يجبر المكاتب والمكاتبة، وأم الولد والمدبر إذا مرض السيد، والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل.
وذكر ابن بشير عن بعض أشياخه أنه أنكر على اللخمي وجود الرابع، قال: وإنما الذي أرى في هذه الرواية أنه لا يجبر المكاتب لأنه لا يقدر على انتزاع ماله. فأخذ اللخمي إطلاقًا كليًا، وهو غير صحيح لأنه قد يعلل في الرواية بعلة، فإذا وقف على صورة ليست تلك العلة فيها فقد يجيب فيها معتمدًا على مراعاة أخرى، فاعتقد أن انتفاء العلة المعينة توجب انتفاء المعلول مطلقًا، وذلك غير لازم في العلل الشرعية؛ لأنها قد تجتمع على المعلول الواحد علل، فإذا انتفت واحدة منها بقي الحكم مستندًا إلى غيرها. انتهى. وفيه نظر؛ لأن حاصله الشهادة على نفي كيف، وقد نقله ابن يونس ولفظ محمد: من له انتزاع ماله فله أن يكرهها ما لم يكن يطلب بذلك ضررها، وهكذا نقله في تهذيب الطالب.
وَالأَبُ يَجْبُرُ الصَّغِيرَةَ
ظاهره ثيبًا كانت أو بكرًا، ولا خلاف في البكر، وأما الثيب الصغيرة ففيها ثلاثة أقوال: قال سحنون: يجبرها؛ لأن الثيوبة في حال الصغر كالعدم. قال أبو تمام: لا يجبرها؛
[ ٣ / ٥١٣ ]
لأن علة الجبر البكارة وقد زالت. وقال ابن القاسم وأشهب: يجبرها إن كان زوجها قبل البلوغ ولا يجبرها بعده؛ لأنها صارت ثيبًا بالغًا.
اللخمي: وهو أحسن. واستصوبه غيره، وإنما قلنا ظاهر كلامه وإن كانت ثيبًا لقوله بعد ذلك: (وفي الثيب تبلغ بعد الطلاق قولان) فمفهومه أنها إذا لم تبلغ تجبر، ولأنه لو لم يحمل كلامه هنا على العموم لزم أن يكون أسقط الكلام على الصغيرة الثيب.
وَالْبِكْرَ الْبَالِغَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا. وقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا
أي: ويجبر البكر البالغ.
اللخمي: واختلف في البكر البالغ غير المعنسة، ففي الكتاب: له أن يجبرها، وفي الموازية: وإن شاورها فحسن. وهو أحوط ليخرج من الخلاف، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يجبرها، ولما روي عنه ﵊ أنه قال: "والبكر يستأذنها أبوها" أخرجه مسلم.
وقال ابن بشير: حكى اللخمي في استحباب استئذانها قولين، والظاهر أن المذهب على قول واحد في الاستحباب للخروج من الخلاف.
خليل: وفيه نظر؛ لأن حاصله شهادة على نفي. وقد نقل الباجي عن ابن القاسم أنه أنكر أن يستأمرها الأب، لكن في كلام اللخمي نظر من وجه آخر لأنه نسب القول بعدم الاستحباب للمدونة، وهي لا يؤخذ منها ذلك لأن الذي فيها: ليست المشورة بلازمة، وذلك لا ينافي الاستحباب، والاستحباب أولى، وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب للخروج من الخلاف، ولتطييب قلبها، ولأنها قد يكون بها عيب فتظهر حينئذ.
ابن عبد السلام: ووقع في بعض الفتاوي المنسوبة للسيوري أن الأب لا يجبرها، واستدل القائل بعدم الجبر بما في الصحيح من قوله ﵊: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها".
[ ٣ / ٥١٤ ]
وجوابه أن المراد بالبكر اليتيمة، لما خرج أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز لها". قال في الاستذكار في تعليل الجبر: ولأنه لا يتهم عليها، ولقوله ﷺ: "لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها". فدل على أن ذات الأب تنكح بغير إذنها. انتهى.
فإن قيل: فقد روي في بعض الطرق: "والبكر يستأذنها أبوها" قيل: قال أبو داود لما ذكر الحديث: "أبوها" ليس بمحفوظ. وقال الباجي فيه: صوابه كما رواه مالك وتابعه عليه سفيان: "والبكر تستأذن في نفسها" وقد روي "والبكر تستأمر" وروايته أثبت ممن روى "يستأذنها أبوها"، ويجوز أن يحمل استئذان الأب إن صحت الرواية على الاستئذان المندوب وفي الموطأ أن القاسم وسالمًا كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. مالك: وعلى ذلك الأمر عننا. وهذا دليل على عدم استحباب [٢٧٩/ أ] المشاورة.
تنبيه: الجبر مقيد بما إذا لم يكن ضرر، فإن كان ضرر فلا يلزمها وله أن يزوجها من الضرير، والقبيح، ومن هو أدنى منها حالًا وأقل مالًا، وإن زوجها من مجبوب أو خصي، أو عنين، فقال ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ: ذلك يلزمها إن كان على وجه النظر علمت به أو لم تعلم.
الباجي: ورأيت لسحنون أنه لا يلزمها في الخصي، والأظهر عندي في العنين والخصي والمجبوب وما كان للمرأة أن تفسخ النكاح به من العيوب فليس للأب إلزامها ذلك. وكذلك اختاره اللخمي، أما إن زوجها الأب من مجنون يخاف عليها منه، أو أبرص متسلخ أو مجذوم متقطع، قد منع من الكلام وتغيرت رائحته فلا يلزمها اتفاقًا.
سحنون: وإن كانت مجنونة وأراد الأب أن يزوجها مجنونًا أو مجذومًا، وقال: أغتفر عيبها لعيبه لم يكن له ذلك لأنها قد تفيق، وللأب تزويجها بربع دينار ولو كان صداق مثلها ألفًا، ولا كلام لها ولا لغيرها، رواه ابن حبيب عن مالك، قال في المدونة: ولا يجوز للسلطان
[ ٣ / ٥١٥ ]
ولا للوصي ولا لأحد من الأولياء أن يزوجها بأقل من صداق مثلها، وينبغي للولي أن يختار لوليته زوجًا سالمًا، وإلى ذلك أشار اللخمي، وقد كره عمر رضي الله تعالى عنه أن يزوج وليته من الرجل القبيح.
وَالْمَجْنُونَةُ والثَّيِّبُ بِعَاِرِضٍ كَالْبِكْرِ
يجوز في (الْمَجْنُونَةُ) النصب بالعطف على (الصَّغِيرَةَ) أي: ويجبر المجنونة وإن كانت كبيرة، ويجوز فيها الرفع على الابتداء. وينبغي أن يلحق بالأب القاضي، وهذا إن كانت لا تفيق، وأما إن كانت تفيق أحيانًا فتنتظر إفاقتها.
وقوله: (بِعَاِرِضٍ) أي زالت بكارتها بغير جماع كوثبة أو عود، فلا خلاف فيما ذكره المصنف.
وَفِي الثَّيِّبِ بِحَرَامٍ قَوْلانِ
إنما عدل عن عبارة أكثر المؤلفين وهي الثيب بالزنا؛ ليدخل في كلامه المغتصبة فإنها مساوية للزانية في هذا الحكم، صرح بذلك صاحب المقدمات واللخمي وغيرهما. والقول بالجبر مذهب المدونة، والقول بعدمه في الجلاب.
واختلف في تعليل جبرها مع زوال البكارة، فقيل: لأن ذلك لا يزيدها إلا حياءً؛ ولهذا قال عبد الوهاب: ألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزني بها الحياء، فإذا تكرر منها الزنا ارتفع حياؤها، فيرتفع الجبر، فالتزمت ذلك، وقيل: لأنها لما قصدت بالزنا زوال الإجبار عوقبت بنقيض مقصودها. ورد هذا ابن محرز باتفاق المذهب على ارتفاع الجبر في حق من زوجت نفسها قاصدة لذلك. وهل قول القاضي تفسير للمدونة، وهو الأظهر، أو خلاف؟ في ذلك للشيوخ مذهبان: قال في المقدمات: واختلف إذا زنت أو غصبت، فقيل: حكمها حكم البكر في جميع أحوالها. وقيل: حكم
[ ٣ / ٥١٦ ]
الثيب في جميع أحوالها. وقيل: حكمها حكم الثيب في أنه لا تزوج إلا برضاها، وحكم البكر في أن إذنها صماتها.
وَالثَّيِّبُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ مِثلُهَا بِالصَّحِيحِ
أي: فلا تجبر لأنها لا حياء يلحقها في ذلك كالزانية، ولأن لواحق النكاح الصحيح ثبتت في هذا من لحوق الولد، ودرء الحد، والاعتداد في بيتها فوجب أن تساويها في عدم الجبر.
وَفِي الْعَانِسِ قَوْلانِ، وَهِيَ الْمُبَاشِرَةُ الْعَارِفَةُ بِالْمَصَالِحِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وسِنُّهَا أَرْبَعُونَ. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ثَلاثُونَ
القولان لمالك، وروى عنه محمد: يجبرها. قال في المتيطية: وبها القضاء وعليها العمل. وروى ابن وهب عنه أنه لا يجبرها.
قوله: (وَهِيَ) تفسير للمعنسة، وهو واضح، ومنشأ الخلاف هل العلة في الجبر البكارة وهي موجودة؟ أو الجهل بالمصالح وهذه عالمة بها؟
قال في المقدمات: وعلى الجبر؛ فللأب أن يرضى بأقل من صداق المثل، وعلى عدمه فالرضى بقليل الصداق وكثيره إليها دونه كالمرشدة.
ابن راشد: وفي معنى المعنسة البكر المرشدة. المتيطي وغيره: والمشهور أن المرشدة لا تجبر. وصوب أبو عمر بن عبد البر القول بجبرها نظرًا للبكارة، وعلى المشهور فهل يكون إذنها صماتها أو نطقًا؟ فالمشهور من القول، وهو قول ابن الهندي، وابن العطار، والباجي: لا بد من اللفظ. وقال ابن لبابة: الصمات فيها يجزئ. وفرق جماعة من الشيوخ، فقالوا: إن كان صداقها أو بعضه عرضًا كلفت الكلام، وإن كان عينًا اكتفي بالصمت.
[ ٣ / ٥١٧ ]
بعض الموثقين: هذه المسألة اجتمع فيها وجهان: من نظر إلى البكارة اكتفى بالصمت، ومن نظر إلى أن الرضا بالصداق لها، قال: لابد من الكلام. ورأى في الثالث أن الصداق إذا كان عرضًا أنه لابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت.
ابن سهل: ولا وجه لهذه التفرقة.
واختلف في حد التعنيس على سبعة أقوال:
القولان اللذان ذكرهما المصنف. وقيل: ثلاثة وثلاثون. وقيل: خمسة وثلاثون وقيل: خمسة وأربعون. وقيل: خمسون. وقيل: من الخمسين إلى الستين. هذا إذا كانت العانس ذات أب، ولا حاجة إلى [٢٧٩/ ب] ذكر حد التعنيس بالنسبة إلى المهملة هنا، فإن الكلام هنا في الجبر وهو خاص بالآباء، وأنت تعلم أن وجود دليل شرعي على مثل هذا التحديد متعذر.
وَفِي مَنْ طَالَتْ إِقَامَتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ قَوْلانِ، وَفِي تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ أَوْ بِالْعُرْفِ قَوْلانِ
القول بعدم الجبر مذهب المدونة، ففيها: ومن زوج ابنته فدخل بها الزوج ثم فارقها قبل أن يمسها لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر إن طالت إقامته معه وشهدت مشاهدة النساء، وأرى السنة طولًا؛ فأسقط المصنف قوله مشاهد النساء، ولا بد منه، وإلى ذلك أشار صاحب التنبيهات. وقيل: معنى قوله مشاهد النساء؛ أي: بالحيض والحمل. خليل: وفيه نظر؛ لأنها إذا حملت تخرج عن فرض المسألة. والظاهر أنه أراد الجلوس معهن والتحدث والاجتماع في نحو الولائم. والقول بالجبر لابن عبد الحكم نظرًا إلى البكارة، ورأى في المشهور أنها عرفت مصالح نفسها.
والمشهور تحديد المدة بالسنة؛ لأن المرأة لا تعرف الأحوال إلا بجميعها لاختلاف المآكل والملابس وأحوال القوم في السنة. والقول بالرجوع في ذلك إلى العرف رواية ذكرها
[ ٣ / ٥١٨ ]
عبد الوهاب، وهي الأصل، فإن لم يطل مكثها معه كشهر أو شهرين فالمشهور من المذهب أن للأب إجبارها. وحكى الأبهري قولًا آخر بعدم الجبر.
وأما إن قامت معه ستة أشهر ثم طلقت وقالت: ما جامعني؛ فاستحب في العتبية مؤامرتها؛ فإن لم يفعل وزوجها مضى النكاح.
فرع مرتب:
إذا قلنا بالإجبار مطلقًا أو مع عدم الطول فلابد من إقرارها بذلك قبل العقد، ولا يصدق الأب لئلا يؤدي إلى إنكاح الأب الثيب بغير أمرها، ولا يسمع في ذلك قول الزوج أنه وطئ.
ابن سعدون: ولو أكذبها الأب وهي فقيرة، والأب موسر لكان القول قولها لأنه لا يعلم إلا من جهتها. انتهى.
وكذلك نقل صاحب المتيطية عن بعض الموثقين. وقال في البيان بعد قوله: إن زوجها بعد أن قامت ستة أشهر بغير استثمار مضى النكاح: هذا إذا أقرت بذلك على نفسها قبل أن يزوجها أو بقرب تزويجها، وأما إن زوجها وهي غائبة غيبة بعيدة أو حاضرة ولم تعلم حتى طال الأمر فإنها تتهم على إمضاء النكاح بإقرارها على نفسها أن زوجها الذي دخل بها لم يصبها. فجعل الإقرار بقرب العقد بمنزلة الإقرار قبله، وهو خلاف الكلام الأول. وفي اللخمي: إذا طلقت بالقرب وادعت البكارة وخالفها الأب كان القول قوله ولا تلزمه نفقتها.
وَفِي الثَّيِّبِ تَبْلُغُ بَعْدَ الطَّلاق قَوْلانِ
تقدم الكلام على هذا الفرع.
فرع: ولا يجبر الأب الثيب السفيهة على المعروف، وحكى المتيطي قولًا بأنه يجبرها.
[ ٣ / ٥١٩ ]
وَوَصِىِّ الأَبِ وَوَصِيِّهِ بِالإِنْكَاحِ كَالأَبِ وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ، وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ، وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ. وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ، وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ
أي: ووصى الأب. ووصي الوصي؛ يريد: وإن بعد بالنكاح كالأب، فحذف بالنكاح من الأول لدلالة الثاني عليه. قوله: (كَالأَبِ) أي: فيجبر. وهذا القول ذكر اللخمي أنه المعروف، فقال: الإجباريختص بالآباء وبمن أقامه الأب في حياته أو بعد وفاته إذا عين الأب الزوج. واختلف إذا لم يعينه الأب، وجعل ذلك إلى اجتهاد من أقامه؛ فقيل: للمقام إجبارها وينكحها ممن يراه أحسن لها قبل البلوغ وبعده. وهذا هو المعروف من قول مالك.
قوله: (وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ) هذا القول هو الذي يؤخذ من المدونة، ففيها: وللوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كره الولي، ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز إلا برضا الوصي، وإن اختلفوا نظر السلطان. وقال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي، ويشاور الولي.
قوله: (وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ) أي: فيكون له الإجبار، ومقتضاه أن الأول يقول بالجبر وإن لم يفهم الإجبار.
واعترضه ابن عبد السلام وقال: كل من يرى له الجبر لا يقوله إلا إذا نص على الجبر أو على ما يستلزم الجبر. وعلى هذا فينتفي الأول. ومقتضى الرسالة أنه لا يزوجها إلا أن ينص له الأب على ذلك؛ لقوله: وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها، وقال قبل ذلك: وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها.
قوله: (وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ) ابن راشد: هو المشهور. وفهم المدونة عليه، وما قلناه من حمل المدونة على القول الثاني في كلام المصنف أولى؛ لأنا لو حملناها على هذا لزم أنه إذا
[ ٣ / ٥٢٠ ]
زوج الولي معه أن يمضي؛ لأن الذي يفهم من الأولوية أن يكونا كوليين أحدهما أقرب والآخر أبعد، فكان يمضي نكاح الولي مع الوصي، وليس كذلك.
عياض: وظاهر قوله في المدونة: ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز [٢٨٠/ أ] إلا برضا الوصي؛ أن للوصي رده، وكذلك نص في الموازية.
وهل هذا حق للوصي وأنه لا ولاية للولي معه فيها كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلته فينقضه على كل حال، أو حماية للأوصياء لئلا يفتات عليهم ويتسع الأمر فيؤدي إلى إسقاط ما بأيديهم؟ وقال الشيخ أبو إسحاق: ظاهره أنه إن أجازه الوصي جاز. ونحا بعض الشيوخ إلى أنه إن كان نظرًا منع الوصي من فسخه.
وجعل ابن عبد السلام ظاهر المدونة وما نص عليه في الموازية مفرعًا على القول الذي قدمه المصنف، وقال: الأول هو المشهور وعليه فرعوا. وفيه نظر.
قوله: (وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ) ابن راشد: لم أقف على هذا القول. قوله: (وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى) هذا القول حكاه سحنون في السليمانية عن غير ابن القاسم من الأصحاب.
قوله: (وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ) أي: فلا ولاية له. وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم. وحكى ابن مغيث في وثائقه عن العتبي أنه ليس للوصي من الإنكاح شيء إذا كان لها ولي. وكان القاضي ابن السليم يلزم الوصي بأن يأمر الولي بالتزويج ليخرج من الخلاف؛ فإن قلت: يرد على المصنف سؤالان:
الأول: ليس في كلام المصنف تعرض للوصي المطلق لكونه قيده بالنكاح. وقد نص في المدونة على أن له أن يزوج.
الثاني: مقتضى كلامه أنه إذا أوصاه على ضيعته أو تفرقة ثلثه أنه لا يجوز له أن يزوج. وقال في المدونة في الوصي على الضيعة وتفرقة الثلث: إذا زوج رجوت أن يمضي.
[ ٣ / ٥٢١ ]
فالجواب عن الأول: لا نسلم أنه إذا أوصى له وصية مطلقة أنه لم يوص له بالنكاح؛ لأن الإيصاء بالنكاح داخل في الإطلاق، فكلام المصنف شامل لهذه الصورة.
وعن الثاني: أنه في المدونة إنما تكلم بعد الوقوف لا في الجواز ابتداء.
لكن نص أشهب في ديوانه وحكاه عنه فضل أنه إذا أوصاه على ماله أنه يزوج بذلك بناته ما لم يقل: وليس إليه من بناتي شيء. وقال في البيان: والقياس ما قاله ابن حبيب؛ لأنه قال: إذا قال: فلان وصي على مالي؛ فليس بوصي على الولد في تزويجهم، وإنما يكون وصيًا في التزويج إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد. أو قال: على بضع بناتي.
تنبيهان: الأول: مقتضى كلام اللخمي أنه إذا عين الميت الزوج كان له أن يزوجها من غير خلاف، وقد صرح الركراكي بذلك.
اللخمي: وفي كتب ابن أشرس عن مالك أنه إذا عين الأب للوصي ولم يجعل التزويج بقرب موته أنه لا يجبر. وقال: إذا قال الأب: إذا بلغت ابنتي فزوجها من فلا،، لم يجز ذلك إذا بلغت فكرهت.
الثاني: قال في المدونة بإثر الكلام المتقدم: ويزوج الولي الثيب برضاها وإن كره الوصي، وإن زوجها الوصي أيضًا برضاها جاز وإن كره الولي. وليس كالأجنبي فيها، وليس لأحد أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصي إلا الأب وحده.
عياض: وذهب بعض المشايخ إلى أن هذه الثيب التي يجوز عليها عقد الولي دون الوصي إنما هي الرشيدة وأما المحجورة فكالبكر إلا أن رضاها بالقول دون الصمت.
وقد وقع هذا أيضًا نصًا لأصبغ في كتاب فضل، وابن مزين، ويحيى بن إسحاق قال: الأولياء في الثيب غير المولى عليها أولى بالبضع من الوصي، غير أنه إذا زوجها الوصي برضاها جاز ذلك على الأولياء- وإن كرهوا- وليس الوصي في ذلك كالأجنبي، وهو
[ ٣ / ٥٢٢ ]
ظاهر ما في النكاح الثاني والوصايا، ويعضده تشبيهه إياها بمسألة: إذا أنكح الأخ أخته الثيب بحضرة الأب وأجاز ذلك.
وقوله: ما للأب ولها واحتجاجه بها على هذه المسألة. وجعل فضل هذا خلافًا لما في الواضحة من أن الوصي يقوم مقام الأب، وأنه أولى بعقد إنكاحها من الإخوة والأعمام والعصبة والسلطان، وأنه أولى بإنكاح مولاة الموصي من ولد وغيره، وكذلك كل من كانت ولاية تزويجه إلىلموصي من البنات والأخوات والقرابات أبكارًا كن أو ثيبات فإنه يتنزل الوصي منزلته، وكلامه هذا بين في أنه أولى بإنكاح الجائزات الأمر لذكره الموالي والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه. وذكر أنه قول مالك وأصحابه والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه. وذكر أنه قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. وقال سحنون: ليس الوصي بولي للثيب الرشيدة. قال شيخنا أبو الوليد: هذا إذا قال الموصي فلان وصيي ولم يزد؛ يعني ولو قال: على إنكاح بناتي لكان أولى على كل حال. انتهى.
وهل يزوج الوصي كل من كان الموصي يزوجه؟ قال في البيان: إذا قال: فلان وصيي ولم يزد ففي تزويجه من لا ولاية له عليهن من قرابة الموصي ومولياته، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له أن يزوجهن وهو أولى بذلك من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم وابن حبيب.
والثاني: مثله إلا أن الأولياء أحق بذلك منه، وهو قول أصبغ.
الثالث: أنه ليس له أن يزوج التي لا ولاية له عليها، وهو قول سحنون. وأما وصي المولى عليه باسمه من رجل أو امرأة فلا تتعدى ولا يته إلى غيره ممن إلى نظره، ولا يزوج أحدًا من قرابة الموصي كان محجوره حيًا أو ميتًا إذ لا ولاية له على واحدة منهن، ولا اختلاف في هذا [٢٨٠/ب] غير أن ابن الهندي قال: إن زوج واحدة منهن مضى وهو بعيد، وأما لو قال: فلان وصيي على بضع بناتي لكان وليًا لجميع بناته في النكاح وإن كن
[ ٣ / ٥٢٣ ]
مالكات أمور أنفسهن، وإن رشدت محجورته فإنه يزوجها كما كان أبوها يزوجها وهي مالكة أمر نفسها. انتهى.
فرع: قال في المتيطية: اختلف في وصي القاضي؛ فقال ابن حبيب: ولي النسب مقدم عليه؛ لأن ولي النسب مقدم على القاضي، فيكون مقدمًا على مقدمه من باب أولى. وقال ابن حارث وإسحاق بن إبراهيم وابن السليم: وصي القاضي مقدم على ولي النسب؛ لأن القاضي لما قدم وصيًا صار كالحكم والنظر فيما أغفله الأب من التقديم عليها فينزل منزلة وصي الأب.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا قَالَ فِي مَرَضِهِ إِذَا مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي مِنْ فُلانٍ فَمُجْمَعُ عَلَى إِجَازَتِهِ وهُوَ مِنْ وصَايَا الْمُسْلِمينَ
قيد سحنون هذه المسألة بأن يقبل الزوج النكاح بقرب الموت. وقال يحيى بن عمر: سواء طال الأمر أو لم يطل. قال صاحب البيان: وهو ظاهر ما في العتبية. ونص ابن بشير على أن مذهب المدونة الصحة ولو حصل القبول بعد الطول، وأن قول سحنون خلاف.
وأشار في البيان إلى تخريج هذه المسألة على ما إذا زوجها بغير إذنها، ثم بلغها فرضيت فإنه يتخرج في هذه الثلاثة الأقوال المذكورة في النكاح الموقوف.
اللخمي وغيره: أما إذا مت فزوجوا ابنتي من فلان فهاهنا يجوز سواء رضيه فلان بالقرب أو لا؛ لأن النكاح في الأولى من الميت. ولولا الإجماع الذي نقله أصبغ، وإلا فالقياس المنع لأن المرض قد يطول فيتأخر القبول عن الإيجاب بالسنة ونحوها، وكأنهم لاحظوا أن المريض مضطر إلى ذلك، وكذلك اختلف في الصحيح. وإلى ذلك أشار بقوله:
وَفِي الصِّحَّةِ قَوْلانِ
المنع لابن القاسم، وأصبغ، وابن المواز، والإجازة لأشهب بناء على أنه نكاح مؤقت ولا ضرورة، أو هو جار مجرى الوصية؟
[ ٣ / ٥٢٤ ]
أصبغ: وإن في المرض لمغمز ولكن أهل العلم أجمعوا على إجازته.
صاحب البيان: وقول ابن القاسم أصوب لأنه إذا كان في الصحة فكأنه إلى أجل، ولعل ذلك يطول كالذي يقول إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان. وقول أشهب عندي أحسن لأنه إذا حمله على الوصية فلا فرق بين الصحة والمرض في ذلك. انتهى.
فرع: واختلف فيمن قال إن فعلت كذا فقد زوجتك ابنتي؛ فلمالك في العتبية في القائل: إن أتيتني بخمسين دينارًا فقد زوجتك ابنتي: لا يعجبني هذا النكاح ولا تزويج له. ولأشهب في الموازية في الذي يقول للخاطب: إن فارقتك امرأتك فقد زوجت ابنتي، أن النكاح يجوز؛ فجعله ينعقد بنفس الفراق. قال: ولو قال: إن فارقت امرأتك زوجتك، كانت عدة ولم يلزمه تزويجه، وأحب إلي أن يفي.
التونسي: والقياس أن يجبر على التزويج لأنه وعد أدخله بسببه في فراق زوجته كما لو قال: بع فرسك والثمن عليَّ، أو اهدم دارك وأنا أعطيك كذا، فإنه يلزمه ذلك.
قال في البيان: وهذا الخلاف عندي إذا أراد إن فعلت ذلك بالقرب، ولو قال: متى فارقت امرأتك لم يجز باتفاق.
وَبَقِيَّةُ الأَوْلِيَاءِ يُزَوِّجُونَ الْبَالِغَ خَاصَّةً، عَلَى الأَصَحِّ بِإِذْنَهَا وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً
أي: ما عدا السيد والأب والوصي إنما يزوجون البكر البالغ خاصة لا غير البالغ، ومقابل الأصح سيأتي إن شاء الله تعالى في اليتيمة، ولهذا كان الأولى أن يسقط هنا قوله: (عَلَى الأَصَحِّ) لأن ما يأتي يغني عنه قوله: (وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً) يعني أن السفيهة لا يسقط وجوب استئذانها لأنه إنما يمنع من النظر في المال، ولهذا لا يكون لوصي المرأة قيام فيما يتعلق بالضرر من زوجها إلا بتوكيل منها على ذلك.
فرع: هل لا يعقد الولي العقد إلا بتفويض من المرأة؟
[ ٣ / ٥٢٥ ]
قال فضل بن سلمة: لا بد أن يذكر في الصداق تفويض المرأة إلى الولي عند نكاحها إذا كان الزوج أخًا أو وليًا أو وكيل السلطان- ما عدا الأب وهو قول ابن القاسم- بكرًا كانت أو ثيبًا. وأنكر ابن حبيب ذلك فيهما جميعًا، وقال: هو حق له قد استخلفه الله تعالى عليه، والولي أحق به منها.
المتيطي: وإذا قلنا بقول ابن القاسم فظاهر مذهب الموثقين أنه يكفي في تفويضها صماتها. وفي المنتقى في بعض توجيهاته أنها إذا أمرت وليها أن يزوجها لم يكن بد من نطقها. قال: وانظر إذا كانت غائبة عن موضع الولي والزوج وأرادت التفويض إليه فالظاهر أنه لا بد من نطقها ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. انتهى.
وَيُسْتَحَبُّ إِعْلامُ الْبِكْرِ أَنَّ صَمْتَهَا إِذْنُ مَرَّةً، وَقِيلَ: ثَلاثًا، فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ
إنما خصت البكر بالصمات لما يلحقها من الحياء بالنطق لئلا تنسب إذا نطقت بالميل إلى الرجال.
ابن رشد: وجه استئمار البكر في النكاح أن يقول لها الولي بحضرة الشهود: إني أزوجك من فلان فتسكت. قال صاحب الوثائق المجموعة وغيره: أو يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها الشهود أو أحدهم مرة- وقال ابن شعبان: ثلاثًا- إن فلانًا خطبك على صداق مبلغه كذا وكذا، المعجل منه كذا، والمؤجل [٢٨١/ أ] كذا؛ فإن كنت رضيت فاصمتي، وبصماتك يلزمك ذلك وبه يستدل على رضاك، وإن كنت كارهة فانطقي.
ابن الماجشون: ويطيلون المقام عندها قليلًا. قال في العتبية: ولا يسألها الشهود ولا الولي إذا سكتت هل رضيت أم لا؟
قوله: (يُسْتَحَبُّ) أي: لو ترك لم يضر. ابن عبد السلام: وظاهر قول غير ابن القاسم في المدونة، وهو نص قول مالك ابن مسلمة أن ذلك واجب. انتهى. والذي في
[ ٣ / ٥٢٦ ]
البيان: روى محمد بن مسلمة عن مالك أنه ينبغي لهم أن يعلموها، إذ ليس كل بكر تعلم أن إذنها صماتها، وعلى هذه الرواية يأتي قول ابن القاسم في المدونة. وفي الباجي: بعد أن ذكر أن ظاهر قول غير ابن القاسم كما قال ابن عبد السلام غير أن أصحابنا حملوه على الاستحباب. عياض: وتردد أبو عمران في قول الغير هل هو وفاق أو خلاف؟ ونقل عن ابن سحنون أن حمله على الخلاف، وإليه ذهب ابن بشير.
قوله: (فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ) هذا صحيح وإلا لم تكن فائدة في استئذانها، ويعلم منعها بالنطق وغيره.
ابن الجلاب: وإن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على إنكارها لم يلزمها.
وفي الموازية أن بكاءها رضًا لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها، وتقول في نفسها: لو كان أبي حيًا لما احتجت إلى ذلك.
بعض الموثقين: وقعت هذه المسألة فحكم فيها بإمضاء النكاح، وأما إن ضحكت فذلك رضًا منها.
وَلَوْ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ الصَّمْتَ إِذْنٌ لمْ يُقْبَلُ عَلَى الأَصَحِّ
لأنه مشتهر، ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها، وإلا فلو كان استئذانها مستحبًا بلا خلاف لما صح أن تعذر بالجهل. واختار عبد الحميد أن ينظر إلى هذه الصبية، فإن علم منها البله، وقلة المعرفة قبل منها وإلا فلا.
فائدة: مسائل لا يعذر فيها الجهل؛ منها: هذه. ومنها: من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم له الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل. ومنها: الأمة المعتقة إذا وطئها زوجها بعد عتقها وادعت الجهل بالحكم فإنه يسقط خيارها.
ومنها: إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة؛ فإنه يحد ولا يعذر بجهالة. ومنها: من سرق ثوبًا لا
[ ٣ / ٥٢٧ ]
يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار. ومنها: من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك، فقيل له: يلزمك ما أوقعت. فقال: ما أردت إلا واحدة. ومنها: من وجب له على أبيه يمين أو حد فأخذه بذلك فلا تجوز شهادته ولا يعذر بالجهل. وقيل: لا تسقط بذلك شهادته.
ومنها: الذي يقطع الدنانير والدراهم، فلا تجوز شهادته ولو كان جاهلًا. ومنها: المرتهن يرد الرهن فتبطل حيازته ولا يعذر بالجهل.
ومنها: قول أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل.
ومنها: من قذف عبدًا فظهر أنه حر. ومنها: امرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقته من يوم الوفاة. ومنها: البيوع الفاسدة كلها حكم الجاهل فيها حكم العالم. ومنها: من ابتاع أحدًا ممن يعتق عليه جهلًا فيعتق عليه ولا يعذر بجهل. ومنها: من دفع زكاته لكافر أو غني يظن الكافر مسلمًا والغني فقيرًا فلا يجزئه. ومنها: المظاهر يطأ بالبيع وهو حاضر. ومنها: المطلقة يراجعها زوجها فتمكث حتى يطأها ثم تدعي أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها.
ومنها: المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل. ومنها: الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل. ومنها: من حاز مال رجل المدة التي تكون الحيازة عاملة فيها وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل. ومنها: البدوي يقر بالزنا أو الشرب ويقول: فعلت ذلك جهلًا. ومنها: من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك. ومنها: من وطئ في اعتكافه وادعى الجهل فلا يعذر. ومنها: العبد يزني أو يشرب قبل علمه بعتقه فإنه
[ ٣ / ٥٢٨ ]
يحد كالحر ولا يعذر بجهله. ومنها: كثير من مسائل الوضوء والصلاة والحج وكذلك أكل مال اليتيم، والمتصدي للفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب.
ومنها: الشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود. ومنها: ما في الواضحة فيمن باع جارية وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت ذلك الجارية، لم يجز للمشتريأن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك. ومنها ما قاله أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزئه ولا يعذر بالجهل. ومنها: الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ذلك ثم يريدون القيام ويدعون الجهل.
ومنها: الرجل يبيع [٢٨١/ ب] العبد على الخيار ويتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار. ومنها: الشاهدان يريان الفرج يستحل والحر يستخدم فيسكتان ولا يقومان بشهادتهما، ثم يقومان ويدعيان الجهل فلا تقبل شهادتهما. ومنها: ما في سماع عيسى في كتاب التخيير في الذي يملك امرأته أمرها فتقول: قبلت؛ ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت، ثم تقول: كنت أردت ثلاثًا لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع بشيء على الزوج، لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثًا ولا تعذر بالجهل. ومنها: المخيرة تقضي بواحدة ثم تريد أن تختار بعد ذلك، وتقول: جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة. ومنها: التي يقول لها زوجها: إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك، فيغيب عنها أو تقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت. ومنها: الرجل يجعل أمر امرأته بيد أجنبي فلا يقضي المملك حتى يطأها ثم تريد أن تقضي، ويقول: جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي. ومنها: المملكة والمخيرة يملكها زوجها ويخيرها فلا تقضي حتى ينقضي المجلس على أول قول مالك ثم تريد أن تقضي بعد، والله أعلم.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
وَالْبُلُوغُ بِالاحْتِلامِ أَوِ بِالإِنْبَاتِ أَوْ السِّنِّ وَهِيَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وَتَزِيدُ الأُنْثَى بِالْحَيْضِ والْحَمْلِ
حاصله أن للبلوغ خمس علامات، منها ثلاث يشترك فيها الذكور والإناث، ومنها اثنتان تختصان بالأنثى. وما ذكره من العلامات متفق عليه إلا الإنبات، ففي اللخمي: اختلف في البكر تشارف البلوغ، فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليه المواسي أن تزوج برضاها، وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ. ونحوه لابن يونس. وعلى المنع فهل يفسخ مطلقًا؟ وهو قول ابن حبيب، أو لا يفسخ؟
ابن عبد السلام: اضطرب المذهب في اعتبار الإنبات كثيرًا. وقال بعض متقدمي أصحابنا أنه يعتبر في الأحكام التي بين العباد كالقصاص وما ينظر فيه الحاكم من الحدود، ولا يعتبر فيما لا ينظر فيه القضاة كالصلاة والحج فيقتل من أنبت إن قتل، ولا يؤمر بحج ولا صيام. وقال بعض الشيوخ: إن هذا متفق عليه. أعني ما ذكروه في الأحكام التي بينه وبين الله تعالى. وإنما الخلاف في القسم الآخر، ويرى صاحب هذا القول أن ما جاء من الأمر بقتل من جرت عليه المواسي لا يتعدى إلى غيره من الأحكام التي بين العبد وربه تعالى، والمشهرو في السن ما قدمه. والقول بالخمس عشرة لابن وهب، ولا فرق في هذا الفصل بين الذكر والأنثى.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا تُزَوَّجُ الْيَتِيمَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ- ومِثْلُهَا يُوطَأُ- جَازَ، وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا خِيفَ عَلَيهَا الْفَسَادُ
(الْيَتِيمَةُ) من لا أب لها، والرواية المشهورة أنها لا تزوج إلا بعد البلوغ.
قال الأستاذ أبو بكر: وهو المذهب الصحيح. وقال القاضي أبو محمد: هو أظهر الأقوال وأصح الروايات، والذي يفتى به، وإليه رجع مالك.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
اللخمي: وقال مالك في الموازية في صبية بنت عشر سنين ذات حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها وإن كانت صغيرة لم تنبت. فأباح أن تزوج للحاجة، وهو أحسن، وإليه أشار بقوله: (وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ ومِثْلُهَا يُوطَأُ جَازَ).
وفي المتيطية: وروى محمد بن عبد الحكم عن مالك: أنه رجع عما في الموازية إلى الرواية الأولى، وحكى ابن الجلاب فيه ثلاثة روايات: هاتين الروايتين، والثالثة: أن النكاح جائز ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه. وجعل ابن بشير هذا الخلاف يجري في غير المميزة إذا احتاجت.
قال في البيان: ولا يجوز تزويج اليتيمة المميزة لمصالحها كارهةً اتفاقًا.
وقوله: (وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) ظاهره أنه يجوز الإقدام على ذلك، وبه صرح ابن بشير، وهو قريب من الرواية التي حكى ابن الجلاب، وفي هذا القول نظر؛ لأن الخيار عندنا مناف لصحة عقد النكاح، وما حكاه المصنف عن ابن بشير، قال ابن عبد السلام: العمل عندنا ببلدنا اليوم هو الذي عليه بشرط بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي. قال غيره: وتأذن بالقول ويكون لها ميل إلى الرجال.
قال في المتيطية: وبه جرى العمل عند الموثقين وانعقدت به الفتوى. وذكر عياض أن الحذاق على الإجبار متى خيف عليها الفساد وإن كانت ثيبًا.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُفْسَخُ وإِنْ دَخَلَ
هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها: (ما لم يدخل) وهو كذلك ابن شاس لأنه قال: وإذا فرعنا على الرواية الصحيحة فزوجت فروي: يفسخ النكاح ولا يقران عليه وإن بلغت ما لم يدخل. وقيل: ينظر فيه الحاكم، فإن رآه صوابًا أمضاه وإلا فسخه. وقيل: الخيار لها، فإن رضيت مضى، وإلا فسخ. وإنما يكون ذلك بعد بلوغها.
[ ٣ / ٥٣١ ]
ابن عبد السلام: [٢٨٢/ أ] الأولى هي الصحيحة، فإن ابن حبيب نقل عن مالك وأصحابه أنه يفسخ وإن ولدت أولادًا ورضيت بزوجها، وقيل: يفرق بينهما ما لم يطل بعد الدخول.
قال أصبغ متممًا لهذا القول: ما لم يطل وتلد أولادًا، ولم ير الولد الواحد والسنتين بعد ذلك طولًا. وفي المتيطية: المشهور إذا زوجت وكانت غنية أنه يفسخ قبل الدخول وبعده ما لم يطل بعد الدخول، ثم ذكر ما رواه ابن حبيب.
وعلى هذا فتكون نسخة (وإِنْ دَخَلَ) مقيدة بما إذا لم يطل، ويكون قوله في النسخة الثانية: (ما لم يدخل) يريد ويطول بعد الدخول. قال في البيان: وقال: ابن القاسم لا يفسخ لقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ([النساء: ٣] معناه: لا تعدلوا في تزويجهن، وهو دليل جواز العقد عليهن قبل البلوغ، إذ البالغ لا يقال له يتيم. قال: وقيل: تخير إذا بلغت ما لم يطل الأمر بعد الدخول لأنه حق لها. وقال مالك: يكره، فإن وقع لم يفسخ.
وَإِنْ تَقَدَّمَ الْعَقْدَ عَلَى الإِذْنِ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: إِنْ تَعَقَّبَهُ قَرِيبًا صَحَّ
معناه: إذا عقد ولي على امرأة نكاحًا قبل أن تأذن ثم بلغها ذلك فرضيت ففي ذلك ثلاثة أقوال، وهي أيضًا فيمن زوج ابنه البالغ ثم بلغه ذلك فرضي، نص على ذلك اللخمي، أما إن لم ترض فلا إشكال في عدم اللزوم. والثلاثة الأقوال لمالك، إلا جازة مطلقًا في الموازية، والمنع مطلقًا حكاه الجلاب، والمشهور مذهب المدونة، والضمير في (تَعَقْبَهُ) عائد على العقد، والضمير المستتر عائد على الإذن.
واختلفت طرق الشيوخ في هذه المسألة، فحكى ابن زرقون الثلاثة كالمصنف، وذكر في التنبيهات عن بعضهم أن الخلاف إنما هو في البعد.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
وقال في البيان: إنما اختلف في القرب وأما مع البعد فلا يجوز النكاح، وإن أجازه باتفاق إلا على تأويل التونسي؛ فإنه تأول أنه لا فرق على أحد قولي مالك بين القرب والبعد، وعلى هذا فيكون في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى.
وجعل الباجي المسألة على وجهين: أحدهما: أن يكون موقوفًا من الطرفين. والثاني: أن يكون موقوفًا من طرف واحد. وحكى في الموقوف من طرفين قولين: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا. قال: وهو الصحيح عندي. وقد اختاره ابن القصار، قال: وأما الموقوف أحد طرفيه على الآخر، ففي كراهة ما قرب منه قولان، وما بعد قولان: الجواز والإبطال. وعلى المنع فعن ابن القاسم: يفسخ قبل، ويثبت بعد؛ لأن جل الناس على إجازته.
قال في البيان: واختاره محمد، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم: يفسخ ما لم يطل بعد الدخول. وقال أصبغ: يفسخ أبدًا وإن طال. وقال أصبغ أيضًا: يؤمرون بالفسخ من غير حكم لاختلاف العلماء فيه. وهذا ما لم يعترف الولي بالافتيات حال العقد، أو يدعي الوكالة؛ فإن اعترف بالافتيات عند العقد فسخ النكاح أبدًا اتفاقًا، وإن ادعى الوكالة حال العقد ووافقته الزوجة صح النكاح اتفاقًا. واختلف إذا أنكرت، فقيل: تحلف، وإن نكلت لزمها النكاح. وقيل: تحلف، وإن نكلت لم يلزمها النكاح. واليمين على هذا إنما هي استظهار لعلها تعترف بالوكالة، وقيل: لا يمين عليها. وأما حد القرب، فقال في المدونة: وإن كانت بغير البلد أو فيه وتأخر إعلامها لم يجز وإن رضيت. وهذا قول مالك وأصحابه ونحوه لعيسى لأنه حد القرب بأن يعقد في السوق أو في المسجد ثم يسار إليها بالخبر من ساعته، ونحوه روي ابن حبيب عن مالك أنه اشترط ثلاثة شروط، فقال: إن كان الرضا بقرب تزويجه وكانت معه في البلد والموضع قريب جاز، وإن كانت بغير البلد أو كانت بعيدة وإن جمعهما البلد أو تباعد ما بين تزويجه ورضاها وإن كانا بموضع واحد فلا يجوز. وقال أصبغ وسحنون: اليوم واليومان قريب، والخمسة كثيرة. وجعل مالك اليوم في رواية
[ ٣ / ٥٣٣ ]
ابن حبيب من حيز الكثير، وعن سحنون: ما بين مصر والقلزم قريب، وما بين مصر والإسكندرية أو أسوان بعيد.
اللخمي: ولا أعلم له وجهًا إلا أن يقول أن الخيار إلى يوم أو يومين جائز.
واعلم أنه إنما يجوز على المشهور بالقرب إذا لم تصرح قبل ذلك بالرد، وأما إن قالت: ما وكلته ولا أرضى. ثم رضيت فلا يجوز، نص عليه في المدونة والموازية، زاد في الموازية عن مالك: وإن أقرت بعد ذلك بوكالته وأنها كانت راضية فلا يجوز ولا يثبت إلا بنكاح جديج.
وَالصُّمَاتُ هُنَا لَغْوٌ
يعني: إذا رضيت بالنكاح في هذه المسألة فلا يشهد عليها إلا من يسمع نطقها، ولا يكون سكوتها هنا رضا لأن الولي لما تعدى عليها افتقرت إلى التصريح برفع العداء، وهو مذهب المدونة، وقيل: يكتفي منها أيضًا ها هنا بالصمات.
فائدة: هذه إحدى سبع أبكار لا يكون رضاهن إلا بالنطق ذكرها الموثقون والثانية: المرشدة كان الأب أو ولي. الثالثة: المعنسة، هكذا أطلق ابن راشد القول في المعنسة. وقال الباجي والغرناطي وابن عبد السلام: اليتيمة المعنسة، وقد تقدم فيها خلاف. الرابعة: [٢٨٢/ ب] اليتيمة تزوج لعبد أو من فيه عقد حرية أو لذي عيب إذ ذاك عيب تدخل عليه ويلزمها. الخامسة: التي عضلها وليها فرفعت أمرها إلى الحاكم. السادسة: اليتيمة الصغيرة المحتاجة، ذكرها الغرناطي. السابعة: اليتيمة إذا سيق لها مال نسبت معرفته إليها إذا لم يكن لها وصي.
المتيطي: وحكى ابن لبابة وابن العطار عن كثير من شيوخنا أنه إن كان صداقها عرضًا فلابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت فلابد من نطقها لأن الولي إنما له عوض البضع لا الشراء، ثم حصل فيها ثلاثة أقوال: فرق في الثالث بين العرض فلابد من نطقها، وبين العين فيكتفي بالصمت.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
فَإِنْ أَقَرَّتْ بِالإِذْنِ، وقَالَتْ: لَمْ يزوجني صُدِّقَ الْوَكِيلُ إِنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ كَوَكِيلِ الْبَيْعِ
تصوره ظاهر لأن كلا من الزوجة وصاحب السلعة مقر بالإذن، والوكيل قائم مقامهما، ولا يكلف إقامة البينة على إقامة النكاح والبيع. ابن بشير: ويختلف إذا عزلته، وقالت: لم يعقد إلا بعد العزل وادعى هو العقد قبله.
وقَالَ مَالِكُ: وَتَكْشِفُ مَنْ لا تُعْرَفُ لِمَنْ يَشْهَدُ عَلَى رُؤْيَتِهَا
يعني: أن المرأة إذا شهد عليها الشهود في النكاح- وفي معناه سائر الحقوق- فإن كان الشهود يعرفونها بالعين والاسم والنسب شهدوا عليها ولا يحتاجون إلى النظر إليها، وإلا فلابد من نظرها، ويحتاج في ذلك إلى أن يكتب من صفاتها في الوثيقة ما تعرف بها، ولا يقول في نص الوثيقة: من يعرفها باسمها، ولكن يقول من يعرفها بعينها. ولهذا قال في البيان: وينبغي إن وجد من العدول من يعرفها فلا يشهد عليها من لا يعرفها قال: ولا يصح لمن يشهد عليها أن يشهد غيره على شهادته أن فلانة بنت فلان أشهدتهم بالرضا بالنكاح لاحتمال ألا تكون هي التي أشهدتهم فيموتوا ويشهد على شهادتهم فيلزمه نكاح ولم ترض به ولا أشهدت به على نفسها؛ لأن إشهادهم على شهادته بذلك كشهادتهم به عليها عند الحاكم، قال: وأما عند الأداء فلا يحل للشاهد أن يشهد بالإجماع إلا على من يعرف أنه هو الذي أشهده دون شك. انتهى. قال بعضهم: وإذا حضر عقد النكاح من يعرف المشهدين، ومن لا يعرفهم كان لمن لا يعرف أن يشهد، ولا يلزمه أن يبين ما يلزمه لو انفرد، قال: وبه جرى العمل عندهم. وفيه نظر.
فرع: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد، وللطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره. قالوا: ولا يباح للخاطب أن ينظر إليها إلا إلى وجهها وكفيها.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
ويحتاج في ذلك إلى إذنها في رواية ابن القاسم، وكره فيها أن يستغفلها، وروى محمد بن يحيى: لا بأس أن ينظر إليها وعليها ثيابها. قال في البيان: يحتمل أن ينظر إليها مستغفلة إذا علم أن عليها ثيابها، ويحتمل أن ينظر إليها بعد إعلامها.
ابن العربي: وينظر إلى المخطوبة قبل العقد لما في أبي داود أنه ﵊ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
فَإِنْ أَذِنَتْ ولَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ فَفِي وُقُوفِهِ عَلَى إِجَازَتِهَا قَوْلانِ، إِلا مِنْ نَفْسِهِ فَيَقْفُ عَلَيْهَا
القولان في المدونة، ففيها: قال مالك: وإن قالت امرأة لوليها زوجني ممن أحببت، فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها منه، ولها أن تجيز أو ترد، وقد قال عبد الرحمن: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه، وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت جاز.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن لأنها وكالة على ما يجوز بيعه، فأشبهت الوكالة على غير ذلك من البياعات وقياسًا على توكيل الزوج إذا لم يعين المرأة ولا أعلمهم يختلفون أن ذلك يلزمه. ويمكن أن يفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل قادر على الطلاق. واختلفت طرق الشيوخ إذا زوجها من نفسه؛ ففي البيان: لا يلزمها إلا أن تشاء باتفاق. وحكى اللخمي عن ابن القصار اللزوم. وبنى ابن بشير ذلك على الخلاف بين الأصوليين، هل يدخل المخاطب تحت الخاطب أم لا؟ قال: وكذلك اختلف في البيع هل له أن يبيع من نفسه أم لا؟ والمشهور ليس له ذلك. وقد يقال بعدم دخول المخاطب هنا، ولو قلنا أن المخاطب يدخل تحت الخطاب لأن القرينة العرفية هنا تخالفه. وإذا فرعنا على المنع فهل له أن يزوجها ممن هو في ولايته كابنه ويتيمه؟ أجراه اللخمي على الخلاف في الوكيل على البيع فبيع لولده، فرده ابن القاسم وإن لم تكن فيه محاباة، وأجازه سحنون.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
وقوله: (لَمْ تُعَيَّنْ) أي: وأما إن عينت الزوج فإنه يجوز باتفاق إذا وقف على إجازتها، ففي البيان: لها الرضا قرب الأمد أو بعد. وقال ابن حبيب: إنما يجوز ذلك إذا كان بحدثان العقد، وأما إن لم يكن بحدثانه فليس لها الرضا إلا بنكاح جديد بعد فسخ الأول على قياس المشهور في الولي يزوج وليته الغائبة ثم ترضى، وليس بصحيح لأنهما [٢٨٣/ أ] مسألتان.
وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَزْوِيجُ الْبَالِغِ إِذَا دَعَتْ إِلَى كُفْءٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ عَضَلَهَا أَمْرٌ فَإِنْ امْتَنَعَ زَوْجَهَا الْحَاكِمُ
لأنه لو لم يجب عليه تزويجها مع كونها مضطرة إلى عقده إذ ليس لها أن تعقد كان ذلك من أعظم الضرر بها. قال صاحب العمدة: ويعقد السلطان لأنه كالحاكم عليه، وإن شاء رده إلى غير العاضل فصرح بأنها تنتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد، وكذلك هو ظاهر كلامهم.
والعضل: المنع من التزويج، يقال: عضل يعضل ويعضل عضلًا.
ابن راشد: ولو عين الولي كفئًا غير الكفء الذي عينته فالأمر في ذلك إليها.
ابن القاسم: ولو رفعت أمرها إلى القاضي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يدعوه، وإن امتنع من إنكاحها سأله عن وجه امتناعه، فإن رآه صوابًا ردها إليه صاغرة ولم يجبره على إنكاحها ممن كره. وإن رآه ضررًا وكل من يزوجها بعد أن يثبت عنده من أمرها ما يجب.
ابن أبي زمنين وابن العطار: وبه جرى العمل واستمر الحكم.
وَعَضْلُ الأَبِ فِي الْبِكْرِ لا يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ خَاطِبٍ أَوْ خَاطِبَيْنِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ
نحوه في المدونة، زاد فيها: وإذا تبين ضرره قال له الإمام: إما أن تزوجها أو زوجناها عليك؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار". وخص الوالد بهذا الحكم لما جبل عليه من الحنان والشفقة ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم منها ما لا يحسن به حالها مع هذا الخاطب أو علم من حال الخاطب ذلك.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
وقال أبو الفرج: هو عاضل برد أول خاطب. وقال ابن حبيب: ليس للسلطان أن يتسور عليه في ابنته وإن طلبت ذلك الابنة، وقد منع مالك بناته من النكاح وقد رغب فيهن خيار الرجال، وفعل ذلك العلماء قبله وبعده. والظاهر أن قوله ليس بخلاف للمذهب؛ لأنه شرط في المذهب أن يتبين الضرر. وليس في كلام ابن حبيب ذلك، بل استشهاده بفعل مالك وغيره من العلماء ويبين ذلكل أنهم لا يقصدون الضرر فضلًا عن أن تبين ذلك منهم. لكن حمل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما قول ابن حبيب على الخلاف. وقال اللخمي: إن كان الأب من أهل العلم والصلاح لم يعرض له وإن لم يكن سئل الجيران، فإن لم يكن عذر زوجت.
تنبيهان: الأول: المزوج مع عضل الأب الحاكم بلا إشكال، نص عليه المتيطي وغيره، وهو مما يبين أنه إذا امتنع الولي الأقرب ينتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد.
الثاني: قوله في المدونة حتى يتبين ضرره يقتضي أنه إذا جهل أمره لم تزوج عليه. وكذلك قال في أحكام ابن زياد: في الثيب إذا قالت: عضلني أبي لغير عذر. وقال الأب: لعذر. القول قوله، وعلى الثيب إثبات ما ادعت.
وَإِذَا كَانَ أَولياء فِي دَرَجَةٍ فَبَادَرَ أَحَدُهُمْ صَحَّ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فَأَفْضَلُهُمْ ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، فَإِنْ تَسَاوَوْا عَقَدُوا جَمِيعًا
لا إشكال في الصحة مع مبادرة أحدهم لكن لا يقدم على ذلك ابتداء، فقد روى ابن وهب عن مالك في امرأة لها وليان في درجة غاب أحدهما فزوجها الحاضر برضاها: لم يكن للغائب كلام، وإن كانا حاضرين ففوضت لأحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه؛ فإن اختلفا في ذلك نظر السلطان فأجاز رأي أحسنهما نظرًا لها، ذكره صاحب الكافي والمتيطي وغيرهما، لكن مقتضى قوله في المدونة: وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن ينكح وثم
[ ٣ / ٥٣٨ ]
من هو أولى منه؛ لأن تقديم الأقرب على الأبعد إنما هو من باب الأولى، وأن لبعض الأولياء إذا كان في درجة أن يزوج ابتداء بغير إذن الباقين.
ونقل عياض عن بعض البغداديين أنهم أجازوا إنكاح الأبعد مع وجود الأقرب ابتداءً من غير كراهة.
قوله (فِي دَرَجَةٍ) أي: كإخوة وأعمام. وما ذكره المصنف من أنه يقدم بالفضل ثم بالسن وأنهم إن تساووا في الفضل والسن عقدوا جميعًا هو لمالك عند ابن حبيب، والذي رواه ابن القاسم وهو مذهب المدونة عند اللخمي والباجي وعبد الحميد وغيرهم أنه ينظر السلطان؛ لأن فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في القعدد سواء نظر السلطان في ذلك. ففهموا منها العموم.
ابن بشير: وقال سحنون: معناه في الأوصياء، وأما الأولياء فمن قدمته المرأة فهو أحق.
خليل: وفيه نظر؛ لأن سحنون إنما نص على أن ذلك في الأوصياء فقط ولم يتعرض للأولياء، وإنما قال أن المرأة تخير فيمن يتولى العقد عليها بعض القرويين على ما نقله الباجي وابن زرقون وغيرهما، ونقل عبد الحميد عن المغيرة أنه يقرع بين الأولياء إذا تساووا.
وفي الكافي: وإذا تساووا في الدرجة والفضل، وتشاحوا نظر الحاكم في ذلك فما رآه سدادًا ونظرًا أنفذه وعقده، أو رده إلى من يعقده منهم. وقد قيل: يأمر أحدهم بالعقد ولا يعقده هو مع ولي حاضر.
ابن راشد: والأول تحصيل المذهب لقوله ﷺ في الأولياء: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي [٢٨٣/ ب] من لا ولي له".
فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ
أي: في تعيين الزوج. فقال بعضهم: لهذا. وقال الآخرون: بل لهذا. وأما الأولى
[ ٣ / ٥٣٩ ]
فالاختلاف فيها فيمن يلي العقد مع الاتفاق على الزوج. قال ابن عبد السلام: وهو فهم حسن من المؤلف للمدونة في المسالة التي قال فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في العقد سواء. انتهى.
وهو حسن إن ساعدته الأنقال، وقد قال ابن سعدون: إن قوله في المدونة: اختلفوا، يحتمل أن يكون فيمن يلي الإنكاح أو في الزوج.
وَفِيهَا: وَإِذَا أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْنِ فَعَقَدَا عَلَى شَخْصَيْنِ فَدَخَلَ الثَّانِي وَلَمْ يَعْلَمْ فَهِيَ لَهُ. حَكَمَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بحضرة الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَمُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ عَلَى ابنِهِ يَزِيدَ وَلَمْ ينكروا وَقَالَ ابْنُ عبد الْحَكَمِ: السَّابِقُ بِالْعَقْدِ أَوْلَى
نسبها للمدونة لإشكالها حكمًا وتصويرًا، وللإرشاد إلى الاستعانة على فهمها بشروحات المدونة، أما إشكالها حكمًا فلأنه حكم بها للثاني مع أنها زوجة لغيره، وعدم العلم لا يمنع من كونها متزوجة، فيدخل في عموم قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاء ([النساء: ٢٤] ولهذا ذكر عمر ومعاوية رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى دليل المسألة، وإلا فليس عادة المصنف ذكر الأدلة، وبقول ابن عبد الحكم قال المغيرة وابن مسلمة، ورواه حمديس عن مالك، وهو اختيار ابن لبابة وهو أقيس، وهو قول الشافعي وأكثر العلماء، وحكى عبد الوهاب مثل المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه والحسن.
قال في الجواهر: وبه قال ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء ومكحول وغيرهم.
فإن قلت: لا يحتج بهذا على الشافعي لأنه لا يرى مذهب الصحابي حجة. قيل: هذا ليس هو مذهب الصحابي فقط بل هو إجماع سكوتي، وهو حجة على المختار، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه ليس إجماعًا ولا حجة. وبيان رجحان الأول في علم الأصول.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
ودليلنا من جهة القياس أنه قد أجمع على أن من اشترى شقصًا من أرض أن للشريك نقض البيع والأخذ بالشفعة لأجل الضرر الداخل عليه.
وإذا كانت العلة في إبطال عقد المشتري إنما هو ما يلحق الشريك من الضرر لزم أن يكون كذلك في مسألتنا من باب أولى للتطلع على العورات، وفي تغريم الزوج الثاني الصداق وفراقه ممن ذاق عسيلتها ضرر بين. ثم إن المضرة في مسألتنا واقعة وهي في مسألة الشفعة متوقعة، وأجرى اللخمي الخلاف على الخلاف في الفسخ هل ذلك من الآن أو من البلوغ؟
فمن قال: من البلوغ. حكم بها للثاني، لأنه نكاح بوكالة، ومن قال بالأول قال: الأول أحق لأن عقد الأول نسخ لوكالة من لم يعقد، فإن قلت: كيف الجواب عما رواه أبو داود عنه ﵊ أنه قال: "أيما امراة زوجها وليان فهي للأول" قيل: الجواب حمله على عدم دخول الثاني جمعًا بين الأدلة.
وأما إشكالها تصويرًا فلأنها فوضت إلى وليها، وقد علمت أن أشهر القولين في ذلك أنه لا يعقد عليها النكاح حتى يعين لها الزوج، وإذا فعل ذلك تعين الأول. ويجاب عنه باحتمال أن تكون فوضت إليهما في رجلين معينين أو لما عين لها الثاني نسيت الأول لاسيما إذا بعد ما بين العقدين ولا إشكال إذا لم يدخل الثاني في فسخ نكاحه. محمد: بغير طلاق.
تنبيه:
ألحق مالك في الواضحة تلذذ الثاني بوطئه في الفوات، وأورد على المشهور أن من وكل رجلين فزوجه كل منهما امرأة وله ثلاث نسوة، فقد قالوا: إن نكاح الأولى هو الصحيح ويفسخ نكاح الثانية، ولو دخل بها وفرق بأن الحاجة داعية في المرأة إلى التوكيل لأنها لا تستقل بعقد النكاح فناسب ألا يفسخ نكاحها بخلاف الرجل فإنه قادر على أن يتولى الزواج بنفسه. ورده صاحب الاستلحاق؛ لأنه لو صح لاطرد، فيلزم ألا يعذر مالك السلعة إذا وكل على بيعها، ثم تولى هو بيعها مع أن المشهور إمضاء البيع.
[ ٣ / ٥٤١ ]
الثاني: إن اتصل به القبض. ابن بشير: وفرق المغيرة بين البيع والنكاح، فقال: الثاني أحق في النكاح لا البيع. وأكثر الشيوخ لا يفرقون في هذه المسألة بين أن تفوض لوليين معًا أو لأحدهما بعد الآخر. وقال الباجي: إن فوضت لأحدهما بعد الآخر فالنكاح للأول ويفسخ نكاح الثاني ولو دخل.
أَمَّا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ عِلْمِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الدُّخُولُ وَكَانَتْ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا
يعني: أن من شرط كونها للثاني أن يدخل وهو غير عالم بالأول لتقوى شبهته، وأما لو دخل بعد علمه أنه ثان فلا، وهذا بين إن قامت بينة الآن على أنه كان عالمًا، وإن لم يعلم إلا من قوله فقال ابن يونس وصاحب اللباب: يفسخ نكاحه بطلقة بائنة ولها الصداق كاملًا.
قال في المقدما: وهو الصحيح. وقال عبد الملك: يفسخ بغير طلاق. وانظر على قول عبد الملك هل ترد للأول؟ محمد: ولو أقر المزوج آخرًا وهو الأب أو الوكيل أنه كان عالمًا [٢٨٤/ أ] بتزويج الأول لم يصدق على الزوج إلا أن تشهد بينة على إقراره بالعلم قبل العقد من الثاني فيفسخ بغير طلاق.
وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقًا بَعْدَهُ أَوْ مَيِّتًا بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ ولَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَكَذَلِكَ
يعني: أن الثاني إذا دخل عالمًا لا يفيده ولو كان الأول مطلقًا بعده، أي: بعد دخول الثاني، فإن تطليق الأول لا يصحح نكاح الثاني لعلمه بأنه ثان. وكذلك لو مات الأول بعد دخول الثاني أو قبل دخول الثاني بشرط عدم انقضاء عدة الأول؛ لأن الثاني حينئذ ناكح في عدة، وحينئذ تحرم عليه على التأبيد لما سيأتي.
وفي كلامه نظر؛ لأنه يقتضي أنه إن دخل الثاني بعد انقضاء العدة أنه لا يفسخ، وليس بظاهر لأن المقتضي للفسخ علمه بالأول. ولو كان دخوله بعد انقضاء العدة مصححًا لزم أن يكون كذلك إذا طلقها الأول قبل دخول الثاني، لأن الأول طلقها قبل البناء فلا عدة عليها.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
وقد نص صاحب العمدة على أنه لا يفيده. وعلى هذا التقدير الذي ذكرناه، فإن (إِنْ) من قوله: (وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقًا) بمعنى لو واسم كان عائد على الزوج الأول، والضمير في قوله: (بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ) عائد على دخول الثاني. ووقع في بعض النسخ بزيادة (فَكَذَلِكَ) بإثر الكلام المتقدم (فإن) على هذا هي شرطية وجوابها: قوله: (فَكَذَلِكَ) ويكون هذا الكلام ابتداء مسألة، ويكون المعنى أنه: ولو كان الزوج الأول مطلقًا بعد دخول الثاني أو ميتًا بعد دخوله أو قبل دخوله، ولم تنقض عدتها من الأول حتى دخل الثاني (فَكَذَلِكَ) أي: فتكون للثاني. وهذه النسخة أحسن لأن ابن المواز ذكرها كذلك، وتكلم الشيوخ عليها، فحمل كلام المصنف عليها أولى، ففي ابن يونس: قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما، أو طلق قبل أن يدخل الآخر، ثم دخل بها الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟ قال: فإ، لم يعلم بذلك حتى دخل ثبت نكاحه كما لو دخل بها والأول حي لم يمت، ولم يطلق، ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
وفي المقدمات: إن عثر على ذلك بعد دخول الثاني وقد كان الأول مات أو طلق، فلا يخلو إما أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه، أو يكون عقد ودخل بعد موته أو طلاقه.
فأما إن كان عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه بمنزلة الذي لم يمت ولا طلق على مذهب ابن القاسم.
وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة، فيفسخ نكاحه وترث زوجها الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح لأنه في غير عدة. وقال ابن الماجشون: إن كان الذي زوجها منه آخرًا بعد طلاق الأول هو الأب؛ فلا يفسخ نكاحه مطلقًا وإن لم يدخل، فإن كان الوكيل هو الذي زوجه فسخ نكاحه إلا أن يدخل. ووجه قوله أن الأب مطلق على النكاح والوكيل على النكاح تنفسخ ولايته بتزويج الأب قبله،
[ ٣ / ٥٤٣ ]
وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق ودخل بعد ذلك، فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق فينفذ نكاحها ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
والصواب أنه في الفوات متزوج في عدة، بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود، ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجًا في العدة ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.
فَإِنِ اتَّحَدَ زَمَانُ الْعَقْدَيْنِ أَوْ جُهِلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فُسِخَ بِطَلاقٍ، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُوقَفُ الطَّلاق، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلاقُ وإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُمَا وَقَعَ عَلَيْهِمَا
اعلم أني لم أر في كتب أصحابنا الفسخ بطلاق إلا فيما إذا جهل زمان العقدين وهو الذي نص عليه في المدونة، وما ذكره المصنف من أنه يفسخ بطلاق مع الاتحاد لم أره، وهو مشكل لاستحالة الشركة في الزوجة شرعًا، فلم تدخل في عصمة أحدهما، وقال ابن عبد السلام في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور أنه يفسخ النكاحان بطلاق، وهو ظاهر إذا جهل لأن أحد العقدين صحيح. الثاني لسحنون: يفسخ النكاحان بغيرطلاق، وهو ظاهر إذا اتحد زمن العقدين. والثالث قول ابن المواز: لا يعجل بالطلاق وتباح للأزواج؛ فإن أراد تزويجها وقع على كل واحد منهما طلقة لتحل للغير بيقين، وإن أراد أحدهما تزويجها لم يقع عليه شيء، ووقع على الآخر لأن المتزوج إن كان هو الأول في نفسالأمر فلم تزل في عصمته، وإن لم يكن هو الأول، فلم يتقدم له نكاح حتى يقع فيه طلاق، ولعله اعتمد في اتحاد العقدين على المصنف، فإن قلت فما الحكم لو لم يطلع في هذه المسألة إلا بعد دخول أحدهام قبل الفوات ولا إشكال فيه، ولوضوحه ترك المصنف التعرض
[ ٣ / ٥٤٤ ]
إليه لأنا إذا قلنا بالفوات بالدخول مع العلم بكونه ثانيًا، فلأن يكون كذلك مع عدم العلم من باب أولى.
اللخمي: ويأتي على قول ابن عبد الحكم أن الداخل لا يكون أحق لأنه على شك.
فإن مَاتَتْ والأَحَقُّ مَجْهُولٌ فَفِي الإِرْثِ قَوْلانِ
الأحق من يقضي له بها لو علم به وهو الأول مطلقًا على قول ابن عبد الحكم وعلى المشهور [٢٨٤/ ب] فهو إما الأول قبل الدخول، وإما الثاني بعد الدخول، فإن جهل بعينه وقد ماتت المرأة فقولان.
ابن بشير وابن شاس: للمتأخرين قولان وأكثرهم على السقوط؛ لأنه ميراث مع الشك. والآخر لابن محرز، قال: القياس أن يكون الميراث بينهما والصداق عليهما لأن الميراث ثابت للزوج منهما، وهما يتنازعانه، فيدعي كل واحد منهما أنه الأول، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيقسم بينهما، وليس هو من باب الميراث بالشك وهو كمن مات عن أم وابنتها ولم تعلم الأولى منهما، وكمن طلق إحدى نسائه ثم مات، ولم تعلم المطلقة فإن الميراث بينهما نصفان، وإلى هذا أشار المصنف بقوله:
فَإِنْ ثَبَتَ الإِرْثُ ثَبتَ الصَّدَاقُ
مفهوم كلامه أنه إن لم يثبت الإرث ينتفي الصداق، وهو خلاف ما في الجواهر لأنه قال: ويثبت الصداق حيث يثبت الميراث، وأما حيث ينتفي فإنما يكون عليه ما زاد منه على قدر الميراث.
وفي اللباب: قال بعض المذاكرين: من كان صداقه قدر ميراثه فأقل فلا شيء عليه، ومن كان ميراثه أقل غرم ما زاد على ميراثه لإقراره بثبوت ذلك عليه. ولم يصرح المصنف هل يجب مجموع كل واحد من الصداقين، فلا يستحق أحد الزوجين شيئًا من الميراث إلا
[ ٣ / ٥٤٥ ]
بعد دفعه جميع الصداق، لأنه مقر بوجوب ذلك عليه، أو نصفه؟ لأنه لو دفع كل واحد من الزوجين صداقًا كاملًا لأخذ كل واحد من الورثة ضعف حقه من الصداق.
ابن عبد السلام: والاحتمال الأول أقرب. خليل: وقد يخرج هذان الاحتمالان على الخلاف فيما إذا ادعى المسيس وأنكرته الزوجة، هل لها أن تأخذ جميع الصداق لإقراره أو لا تأخذ إلا نصفه لإنكارها؟ فانظره.
وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ فَلا إِرْثَ ولا صَدَاقَ
لأن سببهما الزوجية، وهي لم تثبت. وحكى ابن بشير الاتفاق على ذلك، وهذا ما لم يدع كل واحد منهما أنه الأول، وأما لو ادعيا ذلك وصدقت المرأة أحدهما، ففي ابن بشير: لا يثبت لها الإرث ويثبت لها الصداق لأنه أقر لها بمال.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أن لها الصداق ويختلف في الميراث، يريد لأن الصداق من الديون وهي تثبت بالإقرار، وأما الميراث فاختلف المذهب هل يثبت بالإقرار أم لا؟ وفيه نظر لأن الخلاف إنما هو في إقرار من لم يعلم له وارث.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ تَسَاقَطَتَا وَلا يُقْضَى بِالأَعْدَلِ بِخِلافِ الْبَيْعِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُقْضَي بِالأَعْدَلِ كَالْبَيْعِ
صورتها أن تقول هذه البينة: نشهد أن عقد هذا وقع في اليوم الفلاني ووقع عقد هذا بعده، وتعكس البينة الأخرى. ومنشأ الخلاف هل زيادة العدالة تقوم مقام الشاهد الواحد، أو شاهدين؟ فالمشهور أنها تقوم مقام الشاهد الواحد، فلذلك يقضي بها في البيعدون النكاح. ورأى سحنون أنها قائمة مقام شاهدين، فيقضي بها فيهما. ويقول سحنون قال البرقي، واختاره عبد الحق. وفي المسألة قول ثالث: أنه لا يقضي بالأعدل في البيع والنكاح.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
وَلا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِ الْمَرأَةِ
يعني: لا عبرة بتصديق المرأة لأحدهما أنه الأول. وعن أشهب: تصدق ما لم تدع الأرفع وأنكره أصبغ.
فائدة: وقع في المذهب مسائل كهذه يفيتها الدخول، ومسائل لا يفيتها الدخول. فالأولى تسع: الأولى: هذه. الثانية: امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل ثم يأتي زوجها بعد دخول الثاني فتفوت على المشهور. الثالثة: الكافر يسلم على أكثر من أربع فيختار أربعًا ثم يجد الأربع أخوات أو محارم، فإنه يختار من البواقي ما لم يدخل على المشهور. الرابعة: من أسلمت وزوجها كافر فتتزوج فينكشف أنه أسلم قبلها. الخامسة: الرجعية يرتجعها زوجها في العدة وهي لا تعلم فتتزوج بعد انقضاء عدتها ثم يتبين أن زوجها كان ارتجعها قبل انقضاء العدة. السادسة: المعتقة تحت العبد تختار نفسها وتتزوج، ثم يقوم زوجها ويثبت أنه عتق قبلها. قال المصنف: فكزوجة المفقود. السابعة: الأمة المتزوجة يطأها سيدها بعد انقضاء عدتها، وقد كان زوجها أشهد برجعتها ولم يعلم السيد. الثامنة: امرأة الأسير يتنصر ويشك في تنصره هل طائعًا أو مكرهًا؟ فيفرق بينهما ثم تبين أنه كان مكرهًا. التاسعة: إذا قال لها: إن غبت شهرًا فأمرك بيدك، فغاب ثم طلقت نفسها وتزوجت ثم أثبت أنه قدم قبل الشهر، ابن عبد السلام: والمشهور أنها تفوت بالدخول.
وأما المسائل التي لا يفيتها الدخول فخمس، الأولى: إذا وكل رجلين على أن يزوجه كل واحد زوجة وكان له ثلاث زوجات. الثانية: المنعي لها زوجها ثم تتزوج ويدخل بها زوجها الثاني، ثم يأتي الأول فإنها ترد إليه على المشهور. الثالثة: الذي له زوجتان اسم كل واحدة منهما عمرة؛ فقال: عمرة طالق. وادعى أنه لم يرد التي عنده وإنما يريد امرأة غائبة؛ ففرق [٢٨٥/ أ] بينه وبين هذه ثم أثبت أن له امرأة أخرى تسمى عمرة. فقال محمد: ترد
[ ٣ / ٥٤٧ ]
إليه ولو دخل بها الثاني. الرابعة: التي تطلق لعدم النفقة ثم يكشف الغيب أنها أسقطتها عنه. وفي معنى هذه الصورة إذا طلق على الغائب بعسر النفقة ثم قدم وأثبت أنه كان يبعث إليها النفقة، نص عليه أبو الحسن. الخامسة: إذا تزوجت امرأة المفقود في أثناء العدة، أعني الأربعة أشهر وعشرًا ففسخ ثم يتبين أن عدتها من المفقود قد انقضت قبل ذلك فإنها ترد إلى هذا الزوج وإن تزوجت ثالثًا فسخ نكاحه ولو بعد الدخول كالمنعي لها زوجها. قاله أبو عمران وغيره.
وَإِذَا غَابَ الأَقْرَبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ
هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المصنف تكلم على غيبة الأقرب مطلقًا أبًا كان أو غيره، ثم بين مقدار الغيبة في حق الأب، وهو الذي قاله ابن عبد السلام، ويحتمل أن يكون في غير الأب المجبر، وهو الذي قاله ابن راشد.
قوله: (غَيْبَةً بَعِيدَةً) مفهومه أنها لا تزوج في الغيبة القريبة وهو كذلك ويرسل إليه الحاكم، قاله مالك في الواضحة. وفي سماع أشهب: كتب إلى ابن غانم في امرأة تطلب التزويج فتسأل هل لها ولي؟ فتذكر أن لها عمًا أو أخًا على مسيرة الثلاث والأربع، وأنه في شأنه وضيعته، وتسأل أن يزوجها كفئًا. إني أرى إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها وكفاءة من تدعو إليه أن تزوجها ولا تضرها غيبة وليها.
قيل: ففي هذه الرواية حد الغيبة. وفي قوله: (إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها) بيان أنها غير مصدقة فيما تذكر من ذلك حتى تثبته، وكذلك قال في المتيطية أنها تثبت ذلك.
قوله: (زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ) نحوه في ابن شاس، وفيه نظر، وصوابه أن يقول: وقيل الأبعد، بغير أو لأن القائل يرى أن الولاية للولي فقط، هكذا نقل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ مِثْلُ إِفْرِيقِيَّةَ لْغَيْرِ تِجَارَةٍ. وَقِيلَ: مَا يُتَعَذَّرُ بِهِ الإِذْنُ. وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ. وَقِيلَ: لا يَصِحُّ مَعَ حَيَاتِهِ أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا. وَقِيلَ: بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فُقِدَ
لغيبة أبي البكر ثلاثة أحوال: الأولى: أن يكون قريبًا، قال في البيان: كعشرة أيام ونحوها. فلا خلاف أنها لا تزوج في مغيبه وإن زوجت انفسخ النكاح زوجها الولي أو السلطان. قاله في الواضحة، زاد في المتيطية عن ابن القاسم: يفسخ وإن ولدت أولادًا وإن أجازه الأب. الحالة الثانية: أن تكون غيبة بعيدة كما قال في المدونة: مثل إفريقية والأندلس وطنجة لغير تجارة- قال في البيان: من مصر- فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أن الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك وإن كانت نفقته جارية عليها وإن لم يخف عليها ولا استوطن أبوها ذلك الموضع الذي هو فيه وهو ظاهر ما في العتبية.
وقد تأول على ما في المدونة من قوله فيها: وأما من خرج تاجرًا وليس يريد المقام بذلك البلد فلا يهجم السلطان على ابنته، فإنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، وهو القول الثاني. والقول الثالث: أنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، ويطول مقامه فيه العشرين سنة والثلاثين، وهو قول ابن حبيب. والرابع: أنها لا تزوج أبدًا وإن طال مقامه فيه، وهو ظاهر قول مالك في الموازية وقول ابن وهب. انتهى. ففسر رحمه الله تعالى قول مالك: كإفريقية على أنها من مصر، واستبعده ابن عبد السلام، قال: لأن المسألة من كلام مالك في المدونة، ويحتمل أن يريد من المدينة.
واحترز بقوله: (لْغَيْرِ تِجَارَةٍ) مما لو خرج لتجارة فإنها لا تزوج؛ لأن الغالب فيها أن يرجع عاجلًا. قال فضل في قول ابن حبيب: ولا أعلم هذا التحديد لغيره. والقول بأنها لا تزوج مع حياته بحال لعبد الملك. وهو مشكل لا سيما إن كانت محتاجة وخيف عليها.
قال في البيان: وهو مبني على قول ابن حبيب بجواز العضل.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
وقوله: (وَقِيلَ: مَا يُتَعَذَّرُ بِهِ الإِذْنُ) أي: يكون بموضع لا ينفذ فيه كتاب حاكم الموضع الذي البنت فيه، ففي هذا يزوجها السلطان. وهذا قول حكاه عبد الحق عن الإبياني. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ) ظاهره أنه قول في المسالة، وهو مقتضى كلام ابن يونس، لأنه قال: قال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه. وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها على وجه في حياة الأب.
ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز. ثم ذكر وجه كل قول. وقال صاحب البيان وابن سعدون: لا اختلاف إذا قطع الأب عنها النفقة وخشي عليها الضياع أنها تزوج وإن كان ذلك قبل البلوغ. وإنما اختلفوا فيمن يزوجها، فالمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان لأنه حكم على غائب. وقال ابن وهب ومثله في الموازية: أن الولي يزوجها برضاها، والوجه في ذلك أن ولايته سقطت لتضييعه ومغيبه، فكان كالميت. انتهى.
وانظر هذا الاتفاق الذي حكاه صاحب البيان فيما إذا قطع عنها النفقة مع قول عبد الملك: لا يجوز تزويجها مع حياة الأب وإن ضاعت واحتاجت وخيف عليها إلا أن يفسر الحاجة بالحاجة في غير النفقة. والحالة الثالثة: أن يكون أسيرًا أو مفقودًا، [٢٨٥/ ب] فالمشهور أن الولي يزوجها وإن كانت نفقته جارية عليها ولم يخف عليها الضياع.
قال في المتيطية: وبهذا القول القضاء. وقال عبد الملك: ليس لهم ذلك إلا بعد أربع سنين من يوم فقد. وقال أصبغ: لا تزوج بحال.
وقوله: (فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا) هذا ظاهر ما في المتيطية؛ لأنه قال: قال بعض الموثقين: وإذا فرعنا على المشهور فينبغي أن يثبت الولي عند الحاكم طول غيبة الأب وانقطاع خبره والجهل بمكانه، وحينئذ يصح للولي إنكاحها.
ابن راشد: وفي الطراز: الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك. فجعل ذلك للحاكم دون الولي، وهو الصواب، وأي فرق بين هذه والتي قبلها.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
وفي البيان أنه اتفق في الأسير أن الحاكم يزوجها وإن كانت في نفقته وأمنت الضيعة عليها. وأما إن كان الأب مسجونًا أو مجنونًا فليس هو كالغائب البعيد الغيبة وإن طال أمره؛ لأن خروجه وبرءه مرجو.
والمصنف رحمه الله تعالى يؤخذ من كلامه الثلاثة الأحوال، لأن قوله: (وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ) تصريح منه بالحالة الثانية، ويفهم منه أن أقل من ذلك لا يجوز تزويجها فيه، وهي الحالة الأولى.
قوله: (أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ) هي الحالة الثالثة والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْيِرِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَجَازَهُ كَالأَبِ، وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ عَلَى الأَصَحِّ وَلَوْ كَانَ شَرِيكًا بِخِلافِ بَيْعِهَا نَفْسَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ
اعلم أن للتعدي على الولي صورتين: إحداهما أن يتعدى الولي على أقرب منه. والثانية أن يتعدى أجنبي على ولي. ثم الولي المتعدي عليه إما مجبر أو لا. صارت أربعة أقسام، وقد تكلم المصنف رحمه الله تعالى عليها كلهأ، يعني: إذا تعدى ولي على أب لم يجز النكاح ولو أجازه الأب. ومثل الأب السيد في أنه لا يجوز نكاح غيره وإن أجازه السيد على الأصح. وقيل: يجوز في الأمة لخفة الأمر فيها. والأصح ومقابله روايتان. وخرج اللخمي قولًا في الأولى بالإجازة إذا أجازه الأب من الأمة. وليس بين لما قلناه من خفة الأمر في الأمة.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ شَرِيكًا) يعني أن غير السيد إذا زوج الأمة يفسخ النكاح، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون من زوجها له فيها ملك أم لا.
فرع:
إن بنينا على المشهور أنه لا بد من فسخه فإن فسخ قبل البناء سقط الصداق عن الزوج ورجع به إن استهلكته، أو بما نقص إن تجهزت به ولم يساوه الجهاز على الذي
[ ٣ / ٥٥١ ]
زوجه إن غره ولم يعلمه أنه شريك، وإن فسخ بعده فإن أجازه الشريك فإنما له نصف المسمى وإن لم يجزه.
وفي معنى ذلك إن أجازه ولم يرض بالصداق، فالمشهور أن له الأكثر من نصف المسمى أو نصف صداق المثل، ويرجع الزوج بالزائد على الشريك الذي زوجها إن كان غره. والشاذ لأشهب: إنما له نصف المسمى.
ابن المواز: ولا شيء للعاقد من الصداق إن غره إن قال هي حرة أو هي لي وحدي. قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن رحمهما الله تعالى: وإذا رجع على الغارَّ بما دفع إليه ترك لها ربع دينار. وقيل: لا يترك لها منه شيء. وهذا إذا رضي الشريكان في الأمة بقسم المال وإن أبى أحدهما فعلى الزوج أن يكمل لها صداق المثل على المشهور ويكون بيدها، فإن اقتسماه رجع على الذي زوجه منهما بما استفضل في نصفه إن لم يكن غره، وبجميع الزيادة إن غره كما ذكرنا بخلاف بيعها فإنه يجوز إذا أجازه السيد لأنه بيع فضولي وهو يلزم عندنا بإجازة المالك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والفرق بين النكاح والبيع أن الولاية مشترطة في النكاح لحق الله ﷾.
قوله: (نَفْسَهَا) يحتمل أن يقرأ بفتح السين وتكون هي البائعة، وبكسرها على البدل من الضمير المجرور وحينئذ يحتمل أن تكون هي البائعة أو غيرها.
وَفِيهَا: لَوْ زَوَّجَ ابْنُ أَوْ أَخٌ أَوْ جَدٌّ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ أَوْ أَمَتَهُ فَأَجَازَه جَازَ إِنْ كَانَ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِجَمْيعِ أُمُورِهِ
أتى بهذه المسألة لأنها كالمخالفة لما قبلها، إذ قد حصل فيها تزويج الأبعد مع وجود مجبر، وأمضاه في المدونة بإجازة الأب. وقوله: (ابْنَتَهُ) أي بنت المجبر، وذكر فيها ثلاثة أولياء وسكت عما عداهم، وألحق ابن حبيب بهم سائر الأولياء إذا قاموا هذا المقام.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
الأبهري وابن محرز: وكذلك الأجنبي لأنه إذا كانت العلة تفويض الأب فلا فرق. وكلامه في المدونة يحتمل أن يكون مخالفًا لهما وأن يكون موافقًا لابن حبيب خاصة. وفسر سحنون ما وقع في المدونة من الإجازة إذا أجازه الأب بأن معناه: إذا كان الأب غائبًا. حمديس: وإنما يجوز إذا أجازه الأب إذا كان قريبًا ولم يطل. وقال أبو عمران: لا يراعى في ذلك قرب ولا بعد وقد أجاز عبد الرحمن ذلك بعد أن قدم من الشام.
وانظر هل يجري فيها قول بأنه لا يجوز مطلقأً من النكاح الموقوف، وأما إن لم يجزه فإنه يفسخ وإن طال، وإن ولدت الأولاد.
واعترض فضل هذه المسألة بأن تفويض الأب لمن ذكر إما أن يدخل تحته نكاح الأبكار أو لا؟
فعلى الأول لا يحتاج إلى إجازة الأب إذ لم يتعد. وعلى الثاني- وهو الصحيح- لا يجوز ولو أجازه كما في المسألة المتقدمة.
وإنما قلنا أن الثاني هو الصحيح لأن ابن أبي زيد رحمه الله تعالى نص على أن الوكيل المفوض لا ينكح البنت البكر ولا يطلق الزوجة ولا يبيع دار السكنى [٢٨٦/ أ] ولا يبيع العبد لأن العرف اقتضى إخراج هذه الأربع. وأجيب بأن المراد بالتفويض هنا التفويض العرفي لأن التفويض قسمان: تفويض نص عليه وحكمه ما تقدم، وتفويض عرفي وهذا حكمه؛ لأن الابن لما صار يتصرف والأب ساكت كان ذلك بمنزلة إطلاقه له التصرف في جميع الأشياء، وعلى هذا لا يحتاج إلى إجازته. لكن لما كان العرف إخراج نكاح الأبكار تعارضا، فأجزناه إذا أجازه الأب لعلمنا أن الأب لم يخرج ذلك.
وفيه نظر؛ لأنه إذا كان المفوض بالنص ليس له أن يزوج فمن باب أولى أن يكون ذلك في المفوض له بالعرف إلا أن يقال أن المزوج هنا لقرابته لا يتهم ولأنه ولي في الجملة.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
خليل: وينبغي أن تقيد إجازة الأب فيما إذا قال الأب: إنما أجزت النكاح لأني فوضت إليه جميع أموري، والنكاح من جملة ذلك.
وأما إن قال لم يخطر لي نكاح ابنتي ببالي في تفويضي إليه؛ فلا يجوز بإجازته، ونحوه للمتيطي. وإذا أجاز الأب النكاح فلا بد من تضمين عقد الإجازة معرفة الشهود لتفويض الأب لولده لئلا يكون ذلك داعية إلى إجازة إنكاح من لا يجوز له العقد.
قال: ولو ادعى الزوج أن الابن أو الأخ إنما عقد النكاح بإذن الأب فعلى الزوج إثبات ذلك ويضرب له أجل ويوسع عليه فإن عجز حلف الأب على نفي دعواه، فإن حلف فسخ النكاح، وإن نكل ثبت النكاح. واستدل المتيطي على وجوب اليمين بقول ابن القاسم في العتبية فيمن خطب امرأة فزوجها له وليها وأشهد له بذلك وأنكرت المرأة أن تكون علمت ورضيت أن الإشهاد إن كان بحيث يعلم أنها لا تعلم فلا يمين عليها وإن كان ظاهر. بحيث يرى أنها عالمة فإنها تحلف ما وكلته ولا فوضت إليه، ولا شيء عليها، وإن لم تحلف لزمها النكاح. وكذلك روى ابن القاسم في امرأة زوجها أخوها وأمها ثم ماتت الأم فطلب الزوج الدخول فقال الأخ: لا زوجة لك؛ لأن أختي لم تكن علمت. وأنكرت الزوجة، قال: إن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت هي وأخوها وفرق بينهما.
وَتَزْوِيجُ السُّلْطَانِ مَعَهُ كَالأَبْعَدِ مَعَ الأَقْرَبِ لا كَالْمُسَاوِي عَلَى الأَشْهَرِ
الضمير المخفوض بمع عائد على الأقرب. قوله: (كَالأَبْعَدِ) أي: فيأتي فيها من الخلاف ما يكره بعد هذا إذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب، ومقتضى كلامه أن مقابل الأشهر يجعل السلطان كالمساوي للأب، ولم أر هذا النقل. وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وكثيرًا ما سألت عنه فلم أجد علمًا به عند من سألته. انتهى.
ويحتمل أن يريد بمقابل الأشهر أنه ليس كولي الأبعد، بل يفسخ مطلقًا قبل الدخول وبعده، ويكون قوله: (لا كَالْمُسَاوِي) متفقًا عليه، ويكون الأشهر أنه يمضي، ومقابله يفسخ على كل حال، وهذا الوجه وإن كان بعيدًا من لفظه فهو أقرب من الأول.
على أني لم أر من قال: إن السلطان مع الأب كولي أبعد. وقد قدمنا عن ابن حبيب أن السلطان إذا زوجها في غيبة الأب الغيبة القريبة أن النكاح مفسوخ، وأن ابن القاسم قال: يفسخ وإن ولدت الأولاد. ورأيت في بعض التعاليق أنه اختلف في تقديم السلطان على أحد من ذوي النسب البعيد كابن العم تلتقي معه في جد بعيد، فذكر قولين. والله تعالى أعلم.
فإن لَمْ يَكُنْ مُجْبِرُ فَفِيهَا: لَمْ يَرُدَّ، وَفِيهَا: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: لَهُ الرَّدُّ مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ
المشهور هو الأول. عياض: ومشهور المذهب منعه ابتداءً، وتأول بعضهم المدونة على الجواز ابتداءً، وهو يحتمل أن يكون مبنيًا على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، ويحتمل أن يكون مبنيًا على أن تقدمة الأقرب من باب الأوجب، ولكن أمضاه بعد الوقوع مراعاةً للخلاف أو للتطلع على العورات.
والقول بنظر السلطان حكاه سحنون عن بعض الرواة، وأشار إلى أنه مبني على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، وقال: النظر على هذا القول إنما هو إذا ادعى الأقرب أنها وضعت نفسها في دناءة ولو اعترف بأنها إنما تزوجت كفؤًا لم يفتقر فيه لنظر السلطان. والقول بالفسخ ما لم يبن لابن الماجشون وابن حبيب، والقول بالفسخ ما لم يتطاول لمالك في الثمانية، واختصر فضل الواضحة عليه، وزاد في المتيطية قولًا خامسًا بالفسخ مطلقًا للمغيرة.
وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على أن تقديم الأقرب من باب الأوجب، فمن قوي عنده الوجوب ولم يلتفت إلى غيره قال بالفسخ مطلقًا، ورأى القائل بالفسخ ما لم يدخل
[ ٣ / ٥٥٥ ]
أنه بالدخول يحصل التطلع على العورات، ورأى القائل الآخر أنه إنما يقوى الضرر بالتفرقة إذا طال الأمر بينهما وولدت الأولاد.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم قولًا آخر إن كان الأبعد كالأخ للأب مع أخ شقيق مضى وإن كان كابن عم مع أخ رد؛ وأخذه من المدونة.
وعلى الإمضاء فإن أثبت الأقرب أن الزوج غير كفء فله في ذلك مقال؛ فإن أثبت الأبعد الكفاءة ففي احكام ابن زياد أن شهادة من شهد بعدم الكفاءة أتم، وليس على الحاكم أن [٢٨٦/ ب] يسأل الشهود من أين علموا عدم الكفاءة. وقيل: يقضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كان الجرح أولى. وقيل: يسقطان وينظر الحاكم في ذلك. وفي أحكام ابن حذير عن جماعة من الشيوخ: إن بين الشهود الحال التي كان بها غير كفء كانت شهادتهم أولى، وإن شهدوا مجملًا كانت شهادة الآخرين أولى.
بعض الموثقين: الذيجرى به الحكم أنه إن كانت إحدى البينتين أعدل حكم بها. وبه قال سعيد بن أحمد وابن زرب وغيرهما.
وقوله: (وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ) يعني أن الخلاف المتقدم إنما هو في ذات القدر؛ لأن النكاح قد انعقد بولي، وليس على القريب وصم في وليته الدنية؛ لأن كل واحد كوليها، والله أعلم.
وَفِيهَا: وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَته ثُمَّ أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهَا جَازَ وَإِنْ كَرِهَ وَلِيُّهَا
أي: من النسب، فيشمل الابن وغيره. واقتصر في المدونة على الولد؛ لأنه إذا جاز مع الولد فمع غيره أولى. وقوله (جَازَ) يحتمل الإقدام ويحتمل مضي النكاح، وهو الأقرب لأن سائر أولياء النسب مقدمون على المعتق. وقد تقدم أن الأولياء إذا كانوا في درجة ليس لأحدهم أن يعقد ابتداءً إلا بموافقة من استوى معه، وإذا كان ذلك مع التساوي فمع القرب أولى.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وذكر المصنف هذه المسألة بإثر الأولى؛ لأنها من فروعها إذ هي من تزويج الأبعد مع وجود الأقرب. ولقائل أن يقول: هذه المسألة أخف من التي قبلها؛ لأن هذه المعتقة من الدنيات ولسيدها له عليها بقية سلطنة الملك، وهو أولى الأكفاء لها، وعلى هذا فلا يمكن إجراء الخلاف المتقدم فيها، والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَجْنَبِيَّ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ فَكَذَلِكَ
لما تكلم على صورتي تعدي الولي على ولي أقرب منه تكلم على تعدي الأجنبي. وقوله (فَكَذَلِكَ) أي لا يجوز ولو أجازه الأب، والأليق بطريقة المصنف ألا يذكر هذا؛ لأنه إ ذا لم يجز نكاح الأبعد مع وجود المجبر فلأن لا يجوز نكاح الأجنبي مع وجود المجبر من باب أولى، لكن قصد رحمه الله تعالى الكلام على جميع الأقسام.
وَلا مُتَكَلِّمَ لأَحَدٍ الوليين عَلَى الآخَرِ فِي الْمُعْتَقَةِ
إيراده لهذه المسألة هنا غير مناسب، وهي من فروع قوله: (وإذا كان الأولياء في درجة فإذا بادر أحدهم صح). وما ذكره المصنف نص عليه في المدونة. وقال جماعة: الصواب أن مجموع المعتقين منهما هو الولي لا أحدهما كالشريكين بخلاف الأخوين؛ لأن كلا من المعتقين إنما له نصف الولاء ولا يرث إلا النصف، وهو ظاهر.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِرًا وَهِيَ ذَاتُ قَدْرٍ فَقَالَ مَالِكُ: مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ وَتَوقَفَ إِذَا أَجَازَهُ الْوَلِيُّ بِالْقُرْبِ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ إِجَازَتُهُ ورَدُّهُ مَا لَمْ يَبْنِ بها. وقَالَ أَيْضًا: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ وإِلا رَدَّ مَا لَمْ يطل بَعْدَ الْبِنَاءِ. وقِيلَ: يَرُدُّ. وقِيلَ: يَمْضِي. وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا عُوقِبَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَالْمُنْكِحُ وَالشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا ..
يعني: أن الأجنبي إذا زوج مع ولي غير مجبر فإما أن تكون المرأة ذات قدر أو دنية، فذكر المصنف في ذات القدر خمسة أقوال: أحدها: أنه ماض مطلقًا، حكاه عبد الوهاب
[ ٣ / ٥٥٧ ]
عن مالك. والثاني لسحنون: يفسخ أبدًا. اللخمي: يريد وإن تطاول بالأولاد. وهذان القولان هما اللذان ذكرهما المصنف آخرًا. والثالث: الوقف إذا أجازه الولي بالقرب، وهو قول مالك. قال في المتيطية: قال ابن سعدون: يعني توقف مالك في فسخه وفي إجازته. وقال أبو عمران: إنما توقف في إجازته ولم يتوقف في فسخه، وإنه مفسوخ، ونحوه للباجي واللخمي. انتهى. والقول الرابع لابن القاسم أن الخيار للولي في فسخه وإمضائه ما لم يدخل. والقول الخامس له أيضًا، وإليه أشار بقوله: (وقَالَ أَيْضًا: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ) ابن القاسم قاله في المدونة، وقاله مالك وزاد فيه قيدًا آخر في المدونة وقال: ما لم تطل إقامته معها وتلد الأولاد. واختلف الشيوخ في فهم هذا القول، فقال ابن التبان: إن كان قبل البناء بالقرب فللولي إجازته وفسخه وإن طال قبل البناء فليس إلا الفسخ وإن كان بقرب البناء فللولي أيضًا فسخه وإجازته، وإن طال بعد البناء فليس للولي فسخه وعليه اقتصر ابن يونس.
قال عبد الحق: وقال غير ابن التبان أنه يخير قبل البناء وإن طال على مذهب ابن القاسم. واعلم أن المصنف لم ينقل كلام ابن القاسم على ما هو عليه في المدونة بل زاد فيه قوله: (وإِلا رَدَّ) هذه الزيادة إنما تأتي على فهم ابن التبان؛ لأن قوله يقتضي تحتم الفسخ مع الطول قبل البناء. ولنذكر كلامه في المدونة ليتبين لك ذلك، قال فيها: قال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز سواء دخل الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان صوابًا. وقاله مالك. وذكر في المدونة سادسًا، فقال: وقال عنه ابن وهب أنه يفرق بينهما بطلقة دخل بها الزوج أم لا، إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
تنبيه: ما ذكره المصنف في القول الأول من قوله: (مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيِّ) [٢٨٧/ أ] هو كذلك في المدونة، لكنه لم يذكر ذلك عند ذكره هذه الأقوال وإنما ذكره
[ ٣ / ٥٥٨ ]
لما تكلم على النكاح الذي يفسخ بطلاق والذي يفسخ بغير طلاق، وهو مشكل؛ لأن الفسخ لا يقال فيه أحب إلي، إلا أن يقال أنه توقف لتعارض الأدلة. واستحب الفسخ خروجًا من الخلاف، وليستأنف عقد بولي لا خلاف فيه.
اللخمي: وجميع الخلاف الذي في هذه المسألة راجع إلى ثلاثة أقوال: هل تقدمة ولاية النسب على ولاية الإسلام من باب الأولى؟ أو هي حق له أو لله؟ فأمضاه مرة بناء على أنه أولى ومرة رآه حقًا له فخيره في الفسخ والإمضاء، ورأى مرة أن الحق لله ففسخه مطلقًا ووقف مرة لتعارض الأدلة عنده هل ذلك حق له أو لله سبحانه؟
وقوله: (وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا إلى آخره)، قال فيها: قيل لمالك: من زوج امرأة بغير إذن ولي بشهود أيضرب أحدهم؟ فقال: أدخل بها؟ قال: لا. وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا، قال: لا عقوبة عليهم.
ابن القاسم: إلا أني رأيت فيها لو دخل بها لعوقبت المرأة والزوج والذي أنكح، ويؤدب الشهود أيضًا إن علموا. ومعنى قوله: (وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا) أي: أنكروا أن يكونوا علموا أن هذا النكاح لا يجوز بدليل قوله: (وَيُؤَدَّبُ الشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا). هكذا قال أبو الحسن في معنى المدونة، وجعل بعضهم فاعل أنكر عائدًا على مالك؛ أي: وأنكر مالك أن يكون الشهود حضروا مثل هذا. وقيد الباجي عدم عقوبتهم قبل البناء بما إذا كان النكاح مشهورًا.
وقوله: (عَلِمُوا) يضبط بالبناء للفاعل لا بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأنهم إذا علموا ولم يكن عندهم علم لا يعاقبون، وقد صرح في الجلاب بذلك.
اللخمي: وأرى ألا عقوبة على الزوجين إن كانا من أهل الاجتهاد، وذلك مذهبهما، أو كانا يريان تقليد من يرى ذلك أو كانا يجهلان أو يظنان أن ذلك جائز، وكذلك البينة ينظر إلى مذهبها أو من تقلد به.
[ ٣ / ٥٥٩ ]
وَالْمُعْتَبَرُ الأَقعَدُ خَاصَّةً
هذا كما قال في المدونة: وإذا استخلفت على نفسها رجلًا فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر، فلما علما أجازه الأقعد فلا قول هنا للأبعد بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد لأن ذلك نكاح عقده ولي، وهذا نكاح عقده غير ولي، فلا يكون فسخه إلا بيد الأقعد.
فَإِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً؛ فَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَخَفُّ
هذا قسيم قوله أولًا (وهي ذات قدر) يعني: وإن كانت دنية فقال مالك: هي أخف. وظاهره فيما إذا زوج الأجنبي مع وجود الولي. ومعنى أخف أنه يمضي، وهذا هو المشهور.
ففي التنبيهات: أما الولاية العامة وهي ولاية الإسلام فلا خلاف عندنا أن الخاصة من النسب أو الحكم مقدمة عليها وأنها مع عدمها ولاية صحيحة. واختلف مع وجود الخاصة فهل تكون العامة ولاية يصح بها العقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: المشهور أنها غير ولاية في الشريفة دون الدنية، وهو مذهب ابن القاسم وروايته. الثاني: أنها غير ولاية فيهما، وهي رواية أشهب وقول ابن حبيب. والثالث: أنها ولاية فيهما، حكاه عبد الوهاب، وهو ظاهر رواية ابن وهب عن محمد. والمسألة في المدونة مفروضة إذا لم يكن لها ولي، ففيها: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسالمة ولاسوداء والمسكينة أجنبيًا فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه، أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك، وكذلك إن وكلت من أسلمت هي على يديه وذلك فيمن أخف منه في ذوات القدر، وأما إن أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى يكون لها من القدر والغنى والإباء في الإسلام وتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كأجنبي فيها.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
وقوله (ولا ولي لها) ظاهره مثل رواية أشهب عن مالك أن الدنية وغيرها لا يزوجها إلا الولي أو السلطان.
الأبهري: وإليه رجع مالك. وما ذكرناه من نص المدونة هو الذي اختصره المختصرون وليس في الأمهات: يعسر عليها تناوله، وإنما هو في الموازية وعليه اختصر أبو محمد، وأنكر ابن الماجشون هذه الرواية وقال: لا يجوز للدنية ولا غيرها أن يزوجها إلا الولي إلا أن تكون مثل المرأة الأعجمية الوغدة قد ساندت الرجل ذا المال والنعمة حتى صار لها كنفًا يأخذ لها القسم ويجري عليها النفع فإن له تزويجها إذا لم يكن لها ولي، وأما ذات النعمة والحال والنسب فلا.
ابن عبد السلام: وأما ما حكاه بعض الشافعية عن مالك أن للدنية أن تزوج نفسها فغلط بين لا شك فيه.
وَقَالَ فِي الْمَكْفُولَةِ الْمُرَبَّاةُ: وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقًا. وَقِيلَ: كَذَاتِ الْقَدْرِ
يعني: أن الدنية قد يكون الأجنبي فيها كالولي بل أولى منه، لأن معنى قوله: (وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ) لا أحد أنظر لها منه.
عياض: يعني بعد بلوغها ورضاها. قال في الواضحة: وذلك إذا مات أبوها وغاب أهلها، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة أنها غير ذات أب، وأنه من باب إنكاح الكافل والمربي لليتيمة، ولا يرون أن المكفولة يزوجها الحاضن في حياة أبيها، وذهب ابن العطار وابن زرب إلى أن للحاضن أن يزوجها في حياة الأب إذا كان غائبًا ولا يكون [٢٧٨/ ب] إنكاحهن إلا برضاهن، خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين، وتأول على المدونة أنه يكون بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه. انتهى.
[ ٣ / ٥٦١ ]
وظاهر المدونة أنه أحق من الأخ ونحوه، وبه قال ابن عيشون، فإنه قال: والكافل أحق من أخيها لأبيها وامها. وفي البيان: المشهور المعلوم من المذهب أن الولي أحق بالنكاح من الحاضن إلا أن يكون الحاضن وصيًا.
ابن عبد السلام: هل الكافل أحق من سائر الأولياء كان لها أب أم لا؟ أو إنما يكون أحق بها فيما عدا الأب؟ قولان، قال: واختلف في المرأة الكافلة هل تكون كالوصية فتقدم من يزوج أو لا؟ واقتصر ابن راشد وغيره على أن المرأة ليس لها أن توكل.
ابن راشد: وهي في ذلك بخلاف الرجل. وذكر ابن راشد في موضع آخر أنه اختلف في الرجل الكافل هل له أن يوكل أم لا؟ وكذلك اختلف في الكافل إذا زوج المكفولة ثم يموت زوجها أو يطلقها هل تعود ولايته عليها؟ فقال ابن عتاب: تعود. وقال ابن القطان: لا تعود. وقال ابن الطلاع في وثائقه: إن كان خيرًا فاضلًا عادت، وإلا لم تعد.
ابن عبد السلام: وقيل: إن عادت إلى كفالته عادت ولايته وإلا فلا.
فرعان:
الأول: ذكر بعض الموثقين أن حد الكفالة التي توجب للكافل عقد النكاح عشر سنين. أبو الحسن: وعندي أنه لا حد لذلك إلا ما يرى أنه يوجب من الحنان والشفقة مثل ما للولي أو يقرب. ونقل عن الشيخ أبي محمد صالح أن أقلها أربعة أعوام.
الثاني: اختلف في ولاية الكفالة هل هي عامة في الشريفة والدنية أو خاصة بالدنية؟ وهو ظاهر المدونة، لقوله: وأما كل امرأة لها بال وغنى وقدر فإن مالكا قال: لا يزوجها إلا وليها أو السلطان. وقياس قول مالك في إجازة نكاح الكافل أنه يجوز بيعه له، لكن نص مالك في كتاب القسم على أنه لا يجوز بيعه له ولا قسمته عليه، وأجاز في كتاب القسم قسم ملتقط اللقيط عليه ومنع ذلك أصبغ.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
قوله: (وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقًا) ابن عبد السلام: يعني أنه لا يحتاج في تزويجا لأجنبي من لا قدر لها أن يكون كافلًا.
فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْحَاكِمُ كَالْوَلِيِّ، ويَبْعَثُ إِلَيْهِ فِيمَا قَرُبَ، وَعَنْ مَالِكٍ: ينظر الْوَلِيُّ مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ
يعني: فإن زوج الأجنبي وكان الولي غائبًا وهذه المسألة ذكرها في المدونة فيما إذا كان لها وليان ففيها: وإن غاب الأقرب وأراد الأبعد فسخه نظر السلطان، فإن كانت غيبة الأقرب قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل، وإن كانت غيبة بعيدة فنظر السلطان كنظر الغائب في الرد والإجازة وكان أولى من الولي الحاضر.
اللخمي: وإذا كتب الغائب في الغيبة القريبة وقف الزوج عن المرأة.
الباجي: وكتب مالك إلى ابن غانم أن السلطان لا ينظر فيه إلا أن يقوم الولي فيطلب الفسخ إلا فيما تطاول مع الأولاد، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف.
اللخمي: ولمالك في الموازية أن السلطان لا ينظر- قربت غيبة الولي أو بعدت- حتى يقدم الولي، فإن قدم وخاصم وكانت المرأة ممن لها العشيرة وأهل البيوت لم يجز ذلك إلا في شيء قد فات وتزوجها كفء. وقال مالك أيضًا: للمرأة إذا كان الولي غائبًا أن تأمر رجلًا يزوجها فيجوز ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة. قيل له: ولا ترفع إلى السلطان. قال: ليسكل امرأة تقدر أن ترفع إلى السلطان.
وَلا وِلايَةَ لِرَقِيقٍ عَلَى ابْنَتِهِ ولا غَيْرِهَا، وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ ولِمُوَكِّلِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ
للولي ثمانية شروط، ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما، فالستة أن يكون حرًا، بالغًا، عاقلًا، ذكرًا، حلالًا، مسلمًا، أعني: إذا كانت وليته مسلمة، لأن الكافر يجوز أن
[ ٣ / ٥٦٣ ]
يعقد نكاح وليته الكافرة لمسلم. والاثنان المختلف فيهما: أن يكون رشيدًا، عدلًا. وتكلم المصنف عليها كلها. ومراده بالرقيق: القن، ومن فيه عقد حرية، وإنما قال: (ولا غَيْرِهَا) ولم يقتصر على البنت؛ لأن ولاية البنت إجبار، فقد يتوهم أنه إنما منع من الإجبار، فإن تولى العقد فقال مالك: يفسخ- ولو ولدت الأولاد- بطلقة، ولو أذن له الولي أو كانت دنية. ويتخرج فيها قول آخر أنه يفسخ بغير طلاق للغلبة على فسخه.
أصبغ: ولا ميراث في النكاح الذي تولى العبد عقده وإن فسخ بطلقة لضعف الاختلاف فيه. قال فيها: ولا يقدم المكاتب من يزوج إماءه.
وقوله: (وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ) يعني أن الشروط إنما تعتبر من جهة ولي الزوجة.
وقوله: (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعود على قوله: (لِمُوَكِّلِهِ) وإنما جاز ذلك لأنه أمر خفيف ولا مضرة على السيد فيه، ويحتمل أن يرجع إليه وإلى موكله؛ لأن عقده أيضًا على نفسه صحيح، وإنما يتوقف أيضًا على إجازة السيد.
وَلا صَبِيٍّ، ولا مَعْتُوهٍ
لاشتراط البلوغ والعقل.
وَتَنْتَقِلُ إِلَى الأَبْعَدِ
أي: إذا كان الأقرب صبيًا أو رقيقًا أو مجنونًا.
وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ولا امْرَأَةً غَيْرَهَا، بَلْ تلي عَلَى عَبْدِهَا وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْهِ
لاشتراط الذكورية. وما ذكره من أنها تعقد على عبدها أو (وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْه) أي: تقبل لهما، هو قول ابن القاسم في العتبية والواضحة، وهو المشهور المعروف، [٢٨٨/ أ] وحكى عبد الوهاب قولًا بأنها لا تقبل للذكر وكذا العبد في القولين.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
وَتُوَكِّلُ الْمَالِكَةُ وَالْمُعَتِقَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
لا إشكال في هذا في المالكة والوصية، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وصية على أيتام، فكانت تختار الأزواج وتقدر الصداق، ثم تقول: اعقدوا فإن النساء لا يعقدن. وما ذكره المصنف قرره ابن راشد ونص عليه ابن شاس وابن فتحون في وثائقه والمتيطي وابن بطال في أحكامه.
عياض: قوله- يعني في المدونة- في المرأة: إذا وكلت رجلًا يزوج وليتها جاز، فإن معناه عند أكثر أئمتنا: مولاة لها أو من تلي عليها بإيصاء. ونقله ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين من الموثقين وغيرهم.
ابن عبد السلام: والصواب أن الولاية لأولياء المعتقة دون من تقدمه هي في حياتها ودون ابنها بعد موتها، وذلك بين من الموطأ وكلام المتقدمين، وقد عرضته على من يوثق به من أشياخي فوافق عليه. انتهى.
وَيُوَكِّلُ الْعَبْدُ الْمُوصَى إِلَيْهِ
هكذا نقل الباجي عن مالك.
وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ بِلا وَلِيَّ فِي الْجَمِيعِ ولَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ والْوِلادَةِ بِطَلاقٍ عَن ابْن الْقَاسِمِ، وبِغَيْرِ طَلاقٍ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ
يعني: أن النكاح إذا انعقد بين الزوجين من غير ولي ولا أجنبي، فلا بد من فسخه أجازه الولي أم لا، طال أو لم يطل، وسيأتي مأخذ القولين في فسخه هل بطلاق أم لا؟
وَالإِحْرَامُ مِنْ أَحَدِ الثَّلاثَةِ مَانِعٌ
(الثلاثة) هي الزوج والولي والزوجة.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ كفر الْجِزْيَةِ يَسْلُبُ مِنَ الْوَلِيِّ الْوِلايَةَ عَنِ الْمُسْلِمَةِ كَغَيْرِهِ
مقتضى كلامه أن المسلمة إذا كان لها ولي كافر فإن لم يكن من أهل الجزية كالمرتد، والحربي فلا ولاية له باتفاق، وإن كان من أهلها فالمشهور كذلك. وقيل: له الولاية. والمقطوع به من المذهب أن الكافر لا ولاية له على المسلمة أصلًا، وقد حكى ابن بشير على ذلك الاتفاق.
وفي قول المصنف (كفر الْجِزْيَةِ) نظر؛ لأن المشهور عندنا أن كل كافر تؤخذ منه الجزية إلا المرتد، فليس لنا كفر لا تؤخذ فيه الجزية.
ابن راشد: وأخبرني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن الشيخ أبي عبد الله الزواوي أنهم وجدوا في بجاية كتبًا لبعض الأندلسيين وفيها أن الكافر من أهل الجزية تكون له الولية أو قال: له البنت المسلمة فإنها لا تزوج بغير أمره ورضاه. قال: ورأيت بعد ذلك المسألة في أحكام ابن بطال، ونص كلامه: قال ابن حبيب وغيره: لا يجوز للنصراني إذا كانت له بنت مسلمة أو أخت كذلك أن يزوجها ولا يستخلف من يزوجها ولا يطلب في ذلك رضاه، وليس هو ولي في حال نصرانيته، فإن جهل وزوج ابنته المسلمة أو استخلف مسلمًا زوجها فسخ النكاح أبدًا قبل البناء وبعده. وقال أصبغ: إنما لا يجوز للنصراني أن يزوج أخته المسلمة إذا كان من أهل الصلح، وأما من يصير ميراثه للمسلمين منهم إذا مات فهو يزوجها، وهذا مراد المصنف. انتهى.
الباجي عن ابن القاسم: ولا يعتبر رضا الكافر في تزويج ابنته المسلمة.
وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ عَلَى الْمَشْهُورِ
مراده بالعكس أن يكون الولي مسلمًا والمرأة كافرة، فلا ولاية لمسلم عليها على المشهور. واختلفت طرق الشيوخ في نقل هذه المسألة، فمنهم من نقل مثل المصنف أن
[ ٣ / ٥٦٦ ]
المشهور سقوط الولاية، والشاذ ثبوتها. ومنهم من حكى ثلاثة أقوال: هذين القولين، والفرق، فيزوجها من مسلم ولا يزوجها من كافر، وهو قول ابن وهب. وقال ابن حبيب: يزوجها من نصراني إذا لم تكن من نساء أهل الجزية.
وحكى في البيان في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: إن كانت من أهل الصلح لم يكن له أن يزوجها، وإن لم تكن من أهل الصلح جاز، كان عليها جزية أو لا، وهو قول مالك في العتبية على ما فسره ابن القاسم.
الثاني: لا يجوز له أن يزوجها كانت من أهل الصلح أو لم تكن، كانت عليها جزية أو لم تكن، وهو قول ابن القاسم، لأنه قال لا يزوج المسلم النصرانية كانت بنته أو أخته أو مولاته.
والثالث: له أن يزوجها، كانت من أهل الصلح فيكونوا أولى بتزويجها منه إن شاحوه؛ لأنهم إنما صالحوا وبذلوا الجزية على أن يخلى بينهم وبين نسائهم، وهو قول ابن القاسم في سماع زونان. وذهب ابن لبابة إلى أنه لا اختلاف في هذه المسألة، وأن أقوالهم ترجع إلى أنها إن كانت ممن عليه الجزية فلا يزوجها المسلم كانت من أهل الصلح أو لم تكن، وإن لم تكن عليها جزية فيزوجها. ويحمل ما وقع في القول الثاني على المولاة التي أعتقها وهو نصراني، ويحمل ما في سماع زونان على أنها معتقة لمسلم.
إِلا الْمُسْلِمَ فِي أَمَتِهِ ومُعْتَقَتِهِ
قوله: (إِلا الْمُسْلِمَ فِي أَمَتِهِ ومُعْتَقَتِهِ) هو المشهور، وعن أبي مصعب لا يزوج أمته النصرانية، وخرجه اللخمي في المعتقة.
عياض: ولا يلزم إذ قد تكون علة أبي مصعب ألا يعقد نكاح أمته لنصراني بخلاف عقد نكاحه للمعتقة من مسلم.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
اللخمي: والقياس في الأمة المنع. فإن قيل: إنما جاز في الأمة لأنها ماله. قيل: النكاح يفتقر إلى ولاية بدليل أنها لو كانت لعبد أو امرأة لم يجز لهما أن يعقدا. والمشهور هنا [٢٨٨/ ب] شبيه بالمشهور في سقوط الجزية عن معتق المسلم كما تقدم.
وَعَلَى السَّلْبِ يُزَوِّجُ الْكَافِرَةَ ولِيُّ كَافِرُ ثُمَّ أَسَاقِفَتُهُمْ لِكَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ
أي: وعلى المشهور من سلب ولاية المسلم عن وليته الكافرة يتولى العقد عليها وليها الكافر. وما ذكره المصنف من أنه يعقد وليها الكافر لمسلم نص عليه في المدونة.
خليل: وانظر ما معنى العطف بقوله (ثُمَّ أَسَاقِفَتُهُمْ) وإن كان المصنف قد تبع ابن شاس ونحوه لأصبغ إذا أنا لا نتعرض لهم في أحكامهم إلا أن يكون عندهم أن الولي يقدم على الأساقفة، فعطف بـ (ثُمَّ) على ما هو الواقع عندهم. قالوا: ولا يتولى السلطان ذلك إذا لم يكن لها ولي، ويجبر أهل دينها على ذلك إن دعت إلى كافر لأنه من التظالم، ولم يجبرهم على إنكاحها من مسلم.
فَإِنْ عَقَدَ لَهَا وَلِيُّهَا الْمُسْلِمُ لِكَافِرٍ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ
لأنا لم نتعرض لهم في الزنا إذا لم يعلنوه، فأحرى النكاح.
ابن القاسم: وقد ظلم المسلم نفسه لما أعان على ذلك.
فرع: وأما إن عقد لها على مسلم فإنه يفسخ. وقال أصبغ: لا يفسخ.
وَاخْتُلِفَ فِي السَّفِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَعْقِدُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ. وقَالَ أَشْهَب: يَعْقِدُ إِنْ كَانَ ذَا رَايٍ إِذَا لَمْ يُوَلَّ عَلَيْهِ. وقَالَ ابْنُ وَهْبِ: يَعْقِدُ وَلِيُّهُ، فَإِنْ عَقَدَ فَلَهُ إِجَازَتُهُ ورَدُّهُ
حاصله أن ابن وهب رأى أن الحجر عليه يمنع من عقد النكاح. واتفق ابن القاسم وأشهب على أن له الولاية، ثم اختلفا، فقال ابن القاسم في الموازية: لا يستقل بها ولكن
[ ٣ / ٥٦٨ ]
يعقد بإذن وليه. زاد الباجي في قوله: إلا السفيه الضعيف فهو كالميت. وقال أشهب في العتبية: يتولى العقد بشرطين: أن يكون ذا رأي، وأن يكون مهملًا لا وصي عليه ولا تحجير من جهة الحاكم.
ونقص المصنف من قول ابن القاسم ولا السفيه الضعيف، والمراد بالسفيه الضعيف هو الذي لا رأي له، ونقص أيضًا من قول ابن وهب أمرين: أحدهما أنه قال بإثر ما نقله المصنف عنه: ويستحب للولي أن يحضره ولا تضر غيبته. وثانيهما أنه قال: وإن لم يكن له ولي فإنكاحه ماضٍ إن كان صوابًا.
محمد: وقوله صواب، إلا قوله: فإن لم يكن له ولي جائز، وذلك سواء كان له ولي أم لا، ينظر فيه بالاجتهاد فيرد أو يجيز، وذكر ابن مغيث في وثائقه عن أشهب أن إنكاح السفيه لوليته جائز، وإن كان مولى عليه.
الباجي: ففرق ابن وهب بين المحجور عليه وغيره، وسوى محمد بينهما وقال: لا يرد إلا بوجه بين.
ابن زرقون: وقال أبو مصعب في المحجور عليه أن النكاح فاسد، يفسخ قبل البناء وبعده، وهو راجع للاختلاف في النكاح الموقوف.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْفِسْقَ لا يَسْلُبُ إِلا الْكَمَالَ
الباجي: مذهب مالك وأبي حنيفة أن الفسق لا ينافي الولاية. وفي اللخمي: أجاز ابن القصار أن يكون فاسقًا. وكرهه عبد الوهاب مع وجود عدل وإن عقد جاز، والشاذ حكاه ابن شاس ولم أره إلا أن ابن بشير قال: هل يصح أن يكون الفاسق وليًا أم لا؟ وذكر اللخمي القولين، والذي في المذهب الخلاف في كونها شرطًا في الكمال لا في الإجزاء، ولعل هذا الخلاف في شهادة لأن من الناس من لا يرضى لوليته إلا بما يعود لصلاحها لا نفقته وحميته، ومنهم من لا يلتفت إلى ذلك، والذي رأيته في اللخمي هو ما قدمته.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
ابن عبد السلام: وبقي في تصوير المشهور أن سلب الكمال إن أريد به تقديم الأبعد العدل على الأقرب الفاسق فبعيد، وإن أريد رجحان العدل المساوي في القرابة على مساويه الفاسق فيها فقريب.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الزَّوْجِ الْعَبْدَ، والصَّبِيِّ والْمَرْأَةَ والنَّصْرَانِيَّ عَلَى الأَصَحِّ، بِخِلافِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ لا يُوَكِّلُ إِلا مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لَوْ كَانَ وَلِيًّا
يعني: يشترط في توكيل ولي الزوجة أن يصلح أن يكون وليًا، وأما الوكيل من جهة الزوج فلا يشترط فيه ذلك على الأصح. وقيل: يشترط في وكيله ما يشترط في وليها. وأنكر بعضهم وجوده في المذهب.
ابن شاس: ثم يقول الولي للوكيل بالقبول: زوجت من فلان. ولا يقل زوجتك. وليقل الوكيل: قبلت لفلان. ولو قال قبلت لكفى إذا نوى بذلك موكله.
وَلابْنِ الْعَمِّ والْمُعْتَقِ والْحَاكِمِ ووَكِيلِهِمْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالإِذْنِ لَهُ مُعَيَّنًا عَلَى الْمَشْهُورِ
لم يثبت في كل النسخ قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) وهي زيادة صحيحة، ثم هي يحتمل أن تعود إلى قوله (يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ) ويحتمل أن يعود إلى قوله (مُعَيَّنًا).
وحكى اللخمي عن المغيرة منعه إلا أن يوكل غيره يزوجها منه. وعلى المشهور ففي الجلاب: فينبغي للولي أن يشهد على رضاها احتياطًا من منازعتها، فإن لم يشهد على ذلك والمرأة مقرة بالنكاح فهو جائز، ولفظ ذلك أن يقول لها: قد تزوجتك على صداق كذا وكذا وترضى به.
وقد تقدم أن المشهور: ليس له أن يزوجها من نفسه إلا أن تأذن له معينًا، وأن في المذهب قولًا آخر: أن له ذلك وإن لم تعين. والاحتمال الأول أقرب إلى هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة تقدمت.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
فإن قيل: إنما أعادها ليؤخذ منه القول الشاذ. قيل: لا شك أن الأول أكثر فائدة؛ لأنه يؤخذ منه حكم مسألة مستقلة. ويقع في بعض النسخ ما نصه: بالإذن على المشهور معينًا، وحينئذ يتعين حمله على الوجه الثاني؛ لأن قوله: [٢٨٩/أ] معينًا؛ من صلة المصدر وهو الإذن، فلو حملناه على الأول لزم الفصل بين المصدر وصلته بأجنبي، وهو غير جائز.
فروع:
الأول: الوصي يلحق بمن ذكر، لكن كره مالك لوصي الأب أن يزوج محجورته من نفسه أو من ولده. قيل: ومقدم القاضي أشد في الكراهة، فإن فعل نظر السلطان فيه، فإن كان غبطة لها أمضاه.
محمد: ينظر فيه عند البناء، وروى ابن حبيب عن مالك أنه يكمل لها صداق المثل. وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك ابتداءً، فإن فعل نظر في ذلك السلطان، كما قاله مالك في اشترائه مال محجوره. وقال غير واحد: وإذا تزوج فلابد أن يضمن العقد معرفة السداد، ومعرفة الإيصاء والصداق؛ لأن الوصي يتهم في محاباة نفسه.
الثاني: إذا وكل الأب من يعقد نكاح ابنته البكر فهل على الوكيل أن يستأمرها أم لا؟ روايتان، والذي ذهب إليه عبد الملك والتونسي أنه لا يستأمرها ولا يسمع منها. وفي وثائق ابن عفيف: ليس للوكيل تزويجها إلا بسامعين برضاها إلا أن يقول الأب في توكيله أنه وكيله وكالة تامة مفوضة أقامه بها مقام نفسه، وأنزله منزلته، فلا يحتاج إلى السماح حينئذ.
وظاهر الخلاف أنه في حضور الأب وغيبته، لأن ابن عات قال: إذا غاب الأب بعد التوكيل كان ذلك يعني دخول الخلاف أحرى.
الثالث: إذا كان الولي في غير بلد وليته، فأراد أن يوكل على عقد نكاحها، وطلب من القاضي الخطاب، فعلى القاضي أن يكلفه إثبات ولايته ومنزلته من المرأة، فإذا ثبت ذلك عنده فحينئذ يخاطبه.
[ ٣ / ٥٧١ ]
الرابع: إذا طال أمد الوكالة ستة أشهر ونحوها لم يعقد حتى يجددها إلا أن ينص الموكل أنها بيده على الدوام.
وَالإِشْهَادُ شَرْطُ فِي جَوَازِ الدُّخُولِ لا فِي صِحِّةِ الْعَقْدِ
لما في المدونة من رواية ابن وهب أن حمزة بن عبد الله خطب إلى سالم بن عبد الله ابنته فزوجه إياها وليس معهما غيرهما. قال فيها: وقد ذكر مثل ذلك عن رسول الله ﷺ حين قال لرجل: "ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث. فقال: بلى يا رسول الله. فقال: قد أنكحتك إياها. ولم يشهد".
قال ابن المواز: وقد فعل ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين زوج ابنته سودة من عروة. أخبرنا به غير واحد، وما ذكرناه من لفظ المدونة آمنة، كذلك رواه جماع’.
عياض: والمعروف (أميمة)، بميمين. وقد قيل في غير المدونة (أمامة)، وكذلك ذكره البغوي في هذا الخبر بعينه، والبخاري في تاريخه، وإذا لم يشترط الإشهاد في العقد فهو أفضل.
ابن عبد السلام: ويتخرج في المذهب قول آخر بعدم صحة النكاح الذي لم يشهد فيه من الخلاف في تفسير نكاح السر. انتهى.
وفي التنبيهات: مشهور مذهبنا أن الإشهاد ليس بشرط في صحة العقد. وفي كتاب القزويني عن مالك ما ظاهره أن الإشهاد شرط في العقد كقول المخالف.
اللخمي وابن يونس وابن رشد: ويستحب إعلان النكاح وإشهاره وإطعام الطعام عليه وروى الترمذي والنسائي عنه ﵊ أنه قال: "أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف". وروي أيضًا عنه ﵊ أنه قال: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت".
[ ٣ / ٥٧٢ ]
فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَهُ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وقِيلَ: وَيُحَدَّانِ إِذَا ثَبَتَ الْوَطْءُ مَا لَمْ يَكُنْ فَاشِيًا. وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا لَمْ يَجْهَلا
ما ذكره من الفسخ بطلقة بائنة نص عليه مالك في الموازية، وهو واضح. أما كونه بطلاق؛ فلأن عقده صحيح عندنا، وأما كونها بائنًا فلأنه من الطلاق الحكمي. وقاعدة المذهب أن كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة.
ودلت الواو في قوله (وقِيلَ: وَيُحَدَّانِ) على أن هذا القائل يضم إلى الفسخ بطلقة بائنة الحد إن ثبت الوطء بإقرار أو بينة، ما لم يكن فاشيًا. وأن ابن القاسم لا يعتبر الفشو في إسقاط الحد، وإنما يعتبر جهلهما بحكم الشهادة خاصة. ومقتضى كلامه أن المذهب سقوط الحد عنه في كل صورة، وهذا شيء لا يقوله أحد، بل إن حصل الفشو والجهل فالاتفاق على سقوط الحد، وإن انتفيا فالاتفاق على ثبوته. قاله ابن بشير وابن عبد السلام.
واختلف إذا وجد أحد الوصفين، والقول باعتبار الفشو في إسقاط الحد لابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب، والقول باعتبار الجهل لابن القاسم كما ذكر المصنف.
ابن الماجشون وأصبغ: والشاهد الواحد لهما بالنكاح أو باسم النكاح كالفشو في إسقاط الحد.
وَلا تُفِيدُ شَهَادَةُ الْوَلِيِّ لهما كَمَا لا تُفِيدُ عَلَى إِذْنِهِا
يعني أن الولي إذا شهد لهما بالتزويج لا تفيد شهادته شيئًا؛ لأنه يتهم على إرادة الستر على وليته، وكذلك أيضًا لا تعتبر شهادة الولي على أنها أذنت له؛ لأنه يتهم على تصحيح فعل نفسه.
وَنِكَاحُ السِّرِّ بَاطِلُ
لما ثبت عنه ﵊ أنه نهى عن نكاح السر.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْمُتَوَاصَى بِكَتْمِهِ وإِنْ أَشْهَدَا فِيهِ، [٢٨٩/ ب] فَيُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَإِنْ طَالَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وقِيلَ: هُوَ الَّذِي دَخَلَ ولَمْ يُشْهَدْ فِيهِ
المشهور مذهب المدونة أن نكاح السر هو المتواصى بكتمه ولو كانوا مائة شاهد.
وقال يحيى بن يحيى: لا يكون نكاح سر ما عقد بشاهدين، وإنما هو ما عقد بغير بينة، أو بشهادة امرأتين، أو رجل وامرأتين. يريد: ودخل فيه من غير شهادة، وإنما يفسد على المشهور إذا أوصى بالكتمان قبل العقد. ولو أمر الشهود بالكتمان بعد العقد فإنه صحيح ويؤمرون بإشهاره.
وأشهب: وهذا إذا لم تكن له نية، وإن نكح على نية الاستكتام بعد العقد فليفارق.
وقال أصبغ: لا أرى أن يفسخ إذا لم يكن إلا ضمير نفسه؛ لأنه لا بأس أن يتزوج ونيته أن يفارق. واختلف هل الأمر بذلك على قول أشهب استحباب وهو مذهب ابن رشد؟ أو وجوب وهو مذهب التونسي؟
ابن حبيب: وإن اتفق الأولياء والزوج على الكتمان، ولم يعلموا الشهود فهو نكاح سر.
مالك في الواضحة: ولا فرق بين أن يسالوا الشهود أن يكتموا ذلك من امرأة أخرى، أو يكتموا ذلك في المنزل الذي نكح فيه، ويظهروه في غيره، أو يكتموا ثلاثة أيام ونحوها، وذلك كله نكاح سر. وإذا فرعنا على المشهور فلو وقع، ففي البيان: المشهور: يفسخ بعد البناء، إلا أن يطول بعده فلا يفسخ. وكذلك نقل ابن حبيب عن مالك وأصحابه، قال: وقيل أن النكاح صحيح يثبت قبل البناء وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح، وهو قول يحيى بن يحيى. انتهى.
وهذا لا يحسن أن يكون مقابل المشهور في كلام المصنف، لأن يحيى يخالف في تفسير نكاح السر ابتداءً، والخلاف الذي حكاه المصنف إنما هو مبني على المشهور، وإنما مقابل.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
المشهور في كلام المصنف على رأي اللخمي أنه يمضي بالعقد. فإن قيل: هل يصح أن يكون الشاذ في كلام المصنف ما قاله ابن الجلاب أنه يعلن في ثاني حال ويصح؟ قيل لا، لقوله بعد ذلك: إذا لم يرد به نكاح السر.
وصاحب الكافي وإن لم يذكر هذه الزيادة فينبغي أن يقيد كلامه بها؛ لأنه كثيرًا ما يأخذ من الجلاب. وفي الاستلحاق عن بعض من أكد به أنه رأى لأصحاب مالك أن نكاح السر جائز، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. انتهى.
وهذا يحتمل أن يكون إشارة إلى قول يحيى، ولم أر من قال بالفسخ بعد البناء والقول كما قال المصنف، غير أنه وقع في المدونة والمبسوط لمالك أنه يفسخ وإن دخلا.
وفي سماع أشهب: يفرق بينهما وإن دخل بطلقة، ولها صداقها إن كان أصابها. ولم يقل فيه (وَإِنْ طَالَ) كالمصنف.
ابن راشد: ولعل المصنف رأى هذه الرواية فحملها على الإطلاق.
خليل: ويؤخذ من كلام صاحب الاستلحاق أن ما وقع لمالك في سماع أشهب محمول على إطلاقه ونص أبو الحسن على أن ما حكاه ابن حبيب تفسير للمدونة، وكذلك أشار إليه المازري ونص على أن ما وقع في المبسوط يقيد أيضًا بعدم الطول بعد البناء. وقد ظهر لك أن قوله (عَلَى الْمَشْهُور) راجع إلى قوله: (بَعْدَ الْبِنَاءِ) وأن مقابله للخمي، ولا يرد إلى قوله: (وَإِنْ طَالَ) وإن كان ابن عبد السلام زعم أنه الأولى، قال: وقد ذكر الخلاف كذلك غير واحد. لأنه تبين لك أن المشهور لا يفسخ بعد البناء والطول، ولكن يبقى. الشاهدان إن جهلا ذلك، وإن أتيا بمعرفة أنه لا يصح عوقبا.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
وَرَجَعَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لا يُفْسَخُ نِكَاحُ الْخِيَارِ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَلِيِّ أَوْ لَهُمْ بِخِلافِ النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ
يعني: أن نكاح الخيار ممنوع؛ لأن الخلاف في الفسخ بعد البناء مستلزم للمنع قبله.
اللخمي: وعلى القول بإجازة الخيار في الصرف اليوم واليومين يجوز مثل ذلك هنا، والنكاح في هذا أوسع من الصرف؛ لأن النكاح غير منعقد حتى تمضي أيام الخيار. وقال: ويجوز على خيار المجلس وبعد الافتراق فيما قرب، وهو في هذا أوسع من الصرف. قال صاحب الاستلحاق: ومن شيوخنا من يقول: إن كان الخيار في المجلس، فلم يختلف أصحابنا في جوازه، وإن كان الخيار يفترقان عليه كالبيع، فلا يختلف أصحابنا في منعه. ولابن القاسم في الموازية: إن شرط لها مشورة فلان الشيء القليل وهو حاضر بالبلد ويأتي من فوره جاز. وأخذ ابن القاسم بالقول المرجوع إليه أنه إنما يفسخ قبل البناء، وكان أولًا يقول بالفسخ أيضًا بعده، وهو أظهر؛ لأن فساده في عقده. قال في المدونة: ولها المسمى دون صداق المثل. عياض: وفي الأسدية لها صداق المثل.
وقوله: (بِخِلافِ النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ) يعني فإنه يفسخ بعد البناء باتفاق، وهو نكاح المتعة بغير طلاق. وقيل: بطلاق، ويعاقب الزوجان ولا يبلغ بهما الحد، والولد فيه لاحق، وهل لها المسمى بالدخول أو صداق المثل؟ قولان.
اللخمي: والأحسن المسمى لأن فساده في عقده.
فرعان:
الأول: قال مالك: [٢٩٠/ أ] لا خير في نكاح النهارية؛ وهو أن يتزوج على أن لا تأتيه إلا نهارًا أو ليلًا.
ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل، فإن دخل ثبت ولها صداق المثل ويسقط الشرط.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
قال في البيان: وهو الذي يأتي على مذهب المدونة، وبه قال أصبغ، وحكاه عن مالك وأصحابه. وقال عيسى: يفسخ قبل الدخول وبعده.
واختلف: هل لها صداق مثلها أو المسمى؟ والقول بصداق المثل أظهر لما في الشرط من التأثير في الصداق، ومن أهل العلم من يجيز نكاح النهارية، وهو قول الحسن وعطاء، ومنهم من يكرهه، وهو قول الحكم وابن سيرين. انتهى.
والفرق بينه وبين نكاح المتعة على قول ابن القاسم أنه دخل هنا على أن يكون النكاح بيده إلى أن يموت.
الثاني: أن يتزوج المسافر المرأة ليستمتع بها، ويفارقها إذا سافر، فإن شرطا ذلك فهو متعة، وإن لم يشترطاه ولكن فهمت المرأة ذلك، ففي جوازه ومنعه قولان لمالك ذكرهما اللخمي وغيره.
مالك: وإن تزوج لغربة أو ليقضي إربه ثم يفارق فلا بأس، وإن كان من النساء من لو علمت بذلك لم ترض.
وَفِي إِنْ لَمْ يَاتِ بِالصَّدَاقِ إِلَى أَجَلِ كَذَا قَوْلانِ: مِثْلُهُ، وجَائِزٌ
(مِثْلُهُ، وجَائِزٌ) تفسير للقولين، والضمير المضاف إليه مثل عائد على نكاح الخيار، ويتبين لك ذلك بكلامه في المدونة، ونص التهذيب: ومن نكح على أن له الخيار أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يومًا أو يومين لم يجز، وفسخ قبل البناء لأنهما لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا، فإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى.
وكذلك الجواب في من تزوج المرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا، وإلا فلا نكاح بينهما. وقد كان مالك يقول فيها: إن النكاح يفسخ بعد البناء؛ لأن فساده في عقده. ثم رجع؛ فقال: أرى أن يثبت بعد البناء؛ فقول المصنف: (مِثْلُهُ) هو تشبيه
[ ٣ / ٥٧٧ ]
بالمشهور والذي رجع إليه مالك؛ لأنه قد تقدم أن المصنف إذا قدم مشهورًا ثم شبه فإنما يشبه في المشهور، ويبعد أن يريد بمثله جريان القولين، إذ لا يقال إن القول الأول في المسألة قولان، وإنما يحسن ذلك في الطريقة. ولمالك في الموازية في إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بيننا: أنه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل. فجعل لها صداق المثل خلاف ما في المدونة. قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا أتى الزوج بالصداق قبل الأجل المشروط، وإن لم يأت الزوج بالصداق حتى انقضى الأجل أو حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما قولًا واحدًا.
وقول المصنف: (وجَائِزُ) لا يؤخذ منه هل يبطل الشرط أم لا؟ وقد حكى في البيان الأول عن أشهب، وذكر عنه أنه قال: عليه المسمى. وحكى الثاني- أي أنه يجوز ويلزمه الشرط- عن سحنون، وقال: ومثله روى أشهب عن مالك. وقد روي مثله عن ابن القاسم وأشهب وهو أظهر الأقوال. وفهم اللخمي والأكثر المدونة على أن النكاح منعقد. وحكى ابن عبد السلام عن بعضهم أنه فهمها على أن النكاح منحل، وإنما ينعقد عند إتيان الأجل، وليس بصحيح؛ لأنه لو لم ينعقد النكاح لم يقل مالك يفسخ؛ لأن فسخ غير المنعقد لا يصح؛ ولأنه لو كان كذلك لم يأت في المدونة بإثرها بمسألة تأجيل العقد؛ لأنها على هذا هي في المعنى. فإن قيل: قد نص مالك فيمن اشترى سلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما على صحة البيع وبطلان الشرط، فلم لا يكون هنا كذلك؟ قيل: لأن الخيار ينافي عقد النكاح بخلاف البيع.
فرع:
إذا قال في عقد النكاح: إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فأمرها بيدها؛ فروى ابن القاسم عن مالك في الموازية يفسخ قبل البناء ويثبت بعده. قال في البيان: وإذا ثبت بعده بطل الشرط وكان فيه المسمى.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
وروى أشهب عن مالك أنه جائز والشرط لازم. وقاله ابن القاسم وسحنون وأصبغ، وهو قول المدنيين. قال في البيان: وهو أظهر. ومثله روى أشهب عن مالك، وروى أيضًا مثله عن ابن القاسم.
وَكَذَلِكَ تَاجِيلُ الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِثْلَ أَنْ يَتَرَاضَى الثَّلاثَةُ عَلَى أَنَّهَا زُوِّجَتْ بَعْدَ شَهْرٍ
قوله (كَذَلِكَ) أي: مثل نكاح الخيار في المنع تأجيل العقد على المشهور. و(الـ) في (الثَّلاثَةُ) للعهد، والمراد بالثلاثة الزوج والزوجة والولي. وقلنا للعهد لتقدم ذكرهم في نكاح الخيار.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون المعهود هنا المعهود الذهني، وذلك لأنه علم أن النكاح لا يتم إلا بالثلاثة. والمشهور مذهب المدونة؛ ففيها: ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا متزوجك. فرضيت هي ووليها، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه. واختلف في فهمها، ففهم الأكثرون أن المنع إنما هو لتوقيت الإباحة بزمان دون زمان، فكان كالمتعة، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، ونقله صاحب النكت عن غير واحد من القرويين. وفهمها صاحب البيان على أنه ليس هناك عقد منبرم، وإنما هو عقد فيه خيار، والبطلان فيه إنما هو من معنى [٢٩٠/ ب] المسألتين اللتين قبله، ويقوي ذلك ما وقع في أصل المدونة: فأنا أتزوجك. والعقود إذا وقعت بصيغة المضارع لا يلزم بها حكم، وغايتها أن تكون وعدًا، ولو كان العقد منبرمًا لقال: قد تزوجتك. وللأول أن يقول: لا فرق هنا بين الماضي والمضارع؛ لأنهما واقعان في جواب الشرط، والشرط وجوابه لا يكونان إلا مستقبلين في المعنى. ابن راشد: ولم أقف على مقابل المشهور.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
الزَّوْج
يشترط فيه شروط الصحة وشروط اللزوم، فشرط الصحة أن يكون مسلمًا لامتناع استيلاء الكفار على المسلمين، وأن يكون خاليًا من الموانع التي يأتي بيانها في باب الزوجة كالإحرام والمرض.
وأن يكون مميزًا، فلا ينعقد نكاح المجنون والصغير غير المميز. وفي انعقاد نكاح السكران خلاف. ثم هل الخلاف فيمن معه تمييز؟ وأما من لا تمييز معه فلا يلزمه بالاتفاق والخلاف فيمن لا ميز له، وأما من معه ميز فيلزمه طريقان، وألا يكون خنثي مشكلًا، فإن كان كذلك فالمنصوص أنه لا ينكح ولا ينكح.
ابن راشد: وقيل يطأ السراري.
ابن أخي هشام: فإن مات اشتريت له جارية تغسله. واستحسنه أبو عمران.
وأما شروط اللزوم: فالرشد والبلوغ والحرية، فإن تزوجوا بغير إذن وليهم فله الرد، وكذلك أيضًا يشترط الطوع.
محمد: وأجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، ولا يجوز المقام عليه. وفي قياس بعض مذهب مالك أنه يجوز للمكره إمضاؤه آمنًا مطمئنًا، وفي قياس بعض مذاهبهم أنه يجوز بحدثان ذلك وإلا لم يجز، وكذلك أولياء المرأة، وإنما للمكره أن يجبر على هذا القول على المسمى، وإن كان أكثر من صداق المثل؛ لأن بذلك رضيت، فإن لم يكن وطئ- يعني بإذنها- وكذلك يكون لولي المرأة إجازة نكاحها على ما رضي به وإن كان أقل من صداق مثلها.
وَيُزَوِّجُ الأَبُ والْوَصِيُّ والْحَاكِمُ الْمَجْنُونَ والصَّغِيرَ إِنِ احْتَاجَ
يعني: لمن له النظر على الصغير أن يزوجه، سواء كان له النظر بالأصالة وهو الأب، أو بنيابة وهو الوصي والحاكم.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
عياض: ولا خلاف في جواز إنكاح الأب ابنه الصغير والمجنون، وقيد ذلك في كتاب الخلع، وذلك بما إذا كان فيه غبطة ورغبة كنكاحه من المرأة الموسرة. وفي إجبار الوصي الصغير ثلاثة أقوال: ألحقه بالأب في المدونة، وكذلك وصي الوصي، وقال في الموازية: ليس في هذا نظر، ولا يعجبني. وفرق المغيرة فقال: إن كانت المرأة ذات شرف أو ابنة عم فله الإجبار وإلا فلا.
عياض: وإليه يرجع ما في المدونة والموازية بدليل كلامه في كتاب الخلع.
خليل: وأجرى بعضهم هذه الثلاثة في الأب.
ابن راشد: ولم أر في الحاكم خلافًا، وينبغي أن يجوز له ذلك بلاخ خلاف، لأن الحاكم لا يفعل ذلك إلا بعد أن يثبت عنده أن في ذلك مصلحة.
عياض: ولا يزوج الصغير غير الأب والوصي على المشهور من المذهب، إلا ما وقع في كتاب يحيى بن إسحاق. ولابن كنانة في أخٍ زوج أخًا له صغيرًا يليه، وليس بوصي عليه أنه يمضي ويلزمه، وذكر عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول.
وأما المجنون فلمالك في مختصر ما ليس في المختصر: أعجب إليَّ ألا يزوج المغلوب على عقله، وما رأينا أحدًا زوجه. وقال اللخمي: إن خيف منه الفساد زوج لأن الحد وإن سقط عنه فلا يعان على الزنا. وإليه أشار بقوله: (إِنِ احْتَاجَ).
وَفِي جَبْرِهِمْ السَّفِيهَ قَوْلانِ
القول بالجبر لابن القاسم في العتبية وابن حبيب، وأخذ من قوله في المدونة في النكاح الأول آخر مسألة من يزوج ابنه البالغ أنه لا يلزمه إذا كان الابن قد ملك أمره. ونص الباجي على أنه المشهور، والقول بعدم الجبر هو منصوص عليه في كتاب إرخاء الستور، وهو قول عبد الملك وصححه صاحب النكت وغيره، وهو الصغير لأنه يلزمه الطلاق، فإذا أجبر على ما لا يجب طلق، ويلزمه نصف الصداق من غير منفعة حصلت له.
[ ٣ / ٥٨١ ]
وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ فَقِيرًا فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الأَبِ حَيًّا وَمَيِّتًا مُعَجَّلُهُ ومُؤَخَّرُهُ، ولا يَنْتَقِلُ إِنْ أَيْسَرَ. وقِيلَ: إِلا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الابْنِ
لما ذكر تزوج الصغير ذكر على من يكون الصداق، وذكر أن الابن إذا كان فقيرًا أن الصداق على الأب سواء اشترط على الأب أو على الابن، أو لم يشترط على واحد منهما وقيل: إن بين أنه على الابن فهو عليه. واكتفى المصنف بذكر الخلاف مع الاشتراط على الابن لأنه إذا كان المشهرو أنه على الأب ولو اشترط على الابن فلأن يكون على الأب مع عدم الاشتراط، أو اشترط أن يكون عليه من باب أولى. وما ذكره أنه المشهور هو نص قول ابن القاسم في الموازية، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه أطلق فيها كونه أنه على الأب، ووجهه بأنه لا مصلحة للابن في تعمير ذمته بالصداق مع فقره وعدم حاجته في الحال.
والشاذ لابن القاسم، وبه قال أصبغ وابن حبيب.
المتيطي: فهم جماعة المدونة عليه، وب جرى العمل عند الشيوخ، أما إن كانا معًا [٢٩١/ أ] عديمين فروى أصبغ: لا شيء منه على الأب.
الباجي: والذي يقتضيه المذهب أنه مع الإبهام على الأب لأنه يتولى العقد.
واحترم بقوله (فَقِيرًا) من الغني، فإنه فيكون على الابن سواء اشترطه عليه أو لم يشترطه إلا أن يشترط أنه على الأب، فيكون عليه على المعروف. وحكى بعض الموثقين أن الابن إذا كان له مال وحمل الأب الصداق عنه أن المرأة تخير إن شاءت أخذت به الحامل أو المحمول عنه، وكان هذا نحى به منحى الحوالة إذا كانت على غير أصل دين، فإنها تنقلب حمالة على المعروف. وتخييره المرأة على هذا مبني على أحد قولي مالك أن لرب الدين أن يتبع الضامن أو المضمون عنه كما سيأتي.
وقوله: (الصَّغِيرَ) احترازًا من الكبير فإنه يكون على الابن، يريد: إذا كان رشيدًا وأما السفيه فكالصغير نص عليه اللخمي وغيره، وما قلناه من أن الصداق على الرشيد
[ ٣ / ٥٨٢ ]
هو قول يحيى بن سعيد في المدونة على فهم أكثر الشيوخ؛ لأن فيها: قال يحيى بن سعيد: ومن زوج ابنه صغيرًا أو كبيرًا ليس له مال، فالصداق على الأب عاش أو مات. فتأوله أكثرهم على الكبير السفيه، وكذلك نص عليه في الواضحة. وقال ابن يونس: ذلك سواء في السفيه والرشيد؛ لأن الأب تولى العقد، كالوكيل يشتري سلعة فالثمن عليه إلا أن يقول: هو ينقدك دوني.
عياض وغيره: وهو ضعيف؛ لأن حكم الوكالة في النكاح مخالف لحكم الوكالة في البيع؛ لأن الوكيل إنما يلزمه دفع الثمن؛ لأنه يملك قبض العوض.
فرع:
ولو زوج الأب الرشيد فقال الابن: إنما ظننت أن يكون على الأب. وقال الأب: إنما أردت أن يكون على الابن، فقال مالك: يفسخ النكاح ولا شيء على واحد منهما.
محمد: بعد أن يحلفا، ومن نكل منهما كان الصداق عليه.
ابن بشير: وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا لقول مالك، ويحتمل أن يكون خلافًا، ويجري على حكم أيمان التهم؛ لأن الزوجة ووليها لا يحققان الصداق على أحد منهما.
وقال اللخمي: أرى إن نكلا أن يثبت النكاح ويغرم كل واحد منهما نصف الصداق، وإن لم ينظر في ذلك حتى دخل الابن حلف الأب وبرئ، ثم إن كان صداق مثلها مثل المسمى أو أكثر غرمه الزوج بغير يمين، وإن كان المسمى أكثر حلف الزوج وغرم صداق المثل.
فروع:
الأول: لو كان الصغير موسرًا بالبعض دون البعض، فقال الباجي: لم أر فيه نصًا، وعندي أنه يكون في ماله من المهر قدر ما هو مليء به، ويكون في الزائد حكم من لا مال له.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
الثاني: إذا زوج الصغير- ولا مال له- نكاح تفويض، ولم يفرض لها حتى بلغ فالصداق في مال الأب حيًا وميتًا، قاله عيسى؛ يريد لأن الصداق كان ثابتًا حين العقد على الأب، وإنما تأخر تعيينه.
الثالث: إذا أذن لولده الفقير فعقده، وكتب الصداق ثم مات الزوج فطلبت الزوجة صداقها من الأب، فقالت: إذنك له في العقد كعقدك عليه.
قال ابن راشد: نزلت عندنا بقفصة، فأفتى الشيخ عبد الحميد بن أبي الدنيا بألا شيء على الأب، وهو الظاهر، وقد قالوا في السيد يأذن لعبده أنه لا يكون ضامنًا بمجرد الإذن. انتهى.
الرابع: إذا زوج الصغير ولا مال له، وشرط الأب في عقد نكاحه أن يعطيه دارًا أو مالًا، فقال بعض شيوخنا: الصداق على الابن لأنه صار موسرًا بما أعطاه الأب. قال: وفي المسألة نظر؛ لأنه لم يتقدم يسره بهذا المال قبل النكاح.
ابن يونس: والصواب ما قاله الشيخ؛ لأنه معلوم أنه لم يتم العقد إلا بيسره فهو كما لو أيسر قبل العقد.
فَلَوْ بَلَغَ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ رَجَعَ إِلَى الأَبِ النِّصْفُ
يعني: حيث كان الصداق على الأب فبلغ الابن فطلق المرأة قبل البناء، فإن النصف يرجع إلى الأب؛ لأنه لم يلزمه إلا على حكم الصداق.
وقيل: وهذا إنما هو على القول بأن المرأة إنما تستحق بالعقد النصف، وأما على القول بأنها تملك الجميع فالقياس أن يرجع نصف الصداق للزوج، وقوى هذا القائل هذا التخريج، باختلاف ابن القاسم وابن الماجشون إذا خالع الابن قبل البناء على رد جميع الصداق، فقال ابن القاسم في الواضحة: جميعه للأب. وقال ابن الماجشون: للأب النصف وللزوج النصف.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
اللخمي: والأول أصوب، لأن قصد الأب بحمل الصداق أن يراه ذا زوجة، فإن لم يتم ذلك عاد الصداق. قال في المتيطية: وبقول ابن القاسم الحكم.
ابن حبيب: ولو ألفي النكاح فاسدًا لرجع الجميع للأب.
وَمِثْلُهُ مِنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وضَمِنَ الصَّدَاقَ، وذُو الْقَدْرِ يُزَوِّجُ رَجُلًا وَيَضْمَنُ الصَّدَاقَ
يعني: إذا طلق الزوج في هاتين المسألتين قبل الدخول، فإن النصف يرجع إلى الزوج.
وَلا يَرْجِعُ أَحَدُ مِنْهُمْ لأَنَّها حَمْلُ صِلَةٍ ولَيْسَ كَحَمَالَةِ الدَّيْنِ، ولا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ فَرَسَكَ مِنْهُ والثَّمَنُ عَلَيَّ، أَوْ بِعْهُ بِالْعَشَرَةِ الَّتِي وَهَبْتُهَا لَهُ وعَلَيَّ دَفْعُهَا إِلَيْكَ فَفَعَلَ فَلا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، ولا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ فِي مَوْتٍ وَلا فَلَسٍ
قوله: (مِنْهُمْ) أي: من [٢٩١/ ب] المزوج ابنه الصغير والمزوج ابنته. في ذي القدر؛ يعني: لا يرجع هؤلاء الثلاثة بما أدوا عن الزوج من نصف الصداق؛ لأنه حمل صلة وليس كحمالة الدين. والحمل: عطية لا رجوع فيها لمعطيها، ولا يطلب فيها إلا القربة. والحمالة هي الضمان. ولا يصح أن يحمل كلام المصنف: (وَلا يَرْجِعُ أَحَدُ مِنْهُمْ) على معنى لا رجوع لأحد عن حمله؛ لأن قوله: (ولَيْسَ كَحَمَالَةِ الدَّيْنِ) يرده قوله: (ولا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ) يحتمل أن يريد لا رجوع للخروج في المسائل الثلاثة على الزوج بما أدى. لكنه يبقى تكرار مع قوله أولًا: (وَلا يَرْجِعُ أَحَدُ مِنْهُمْ) ويحتمل أن يكون المعنى ولا شيء على الزوج؛ أي للزوجة. ويكون ذكره لدفع توهم أن يقال أن الزوجة ترجع على الزوج لكونه لم يدفع لها شيئًا من عنده. ثم شبه ذلك بقوله (كَمَا إلخ) ثم إن وقع النص على الحمل أو الحمالة فلا إشكال.
ابن عبد السلام: وإلا فأكثر الشيوخ يقولون: إن ما كان في العقد محمول على الحمل، وما كان بعده مختلف فيه هل على الحمل أو على الحمالة؟
[ ٣ / ٥٨٥ ]
وذكر بعض الموثقين أنه مختلف فيه في العقد، فإن مذهب ابن القاسم أنه محمول على الحمل. وروى عيسى أنه على الحمالة، وزعم بعضهم أن هذا الخلاف إنما هو في لفظ الضمان. انتهى.
وهذا الأخير هو لصاحب البيان، قال: وإن كان بلفظ الضمان وإن كان في عقد النكاح أو البيع فمذهب المدونة وابن حبيب وابن القاسم في العتبية أنه محمول على الحمل حتى يتبين أنه أراد الحمالة، وروي عن ابن القاسم أنه على الحمالة حتى يتبين أنه أراد الحمل، ولو ضمن بها الصداق بعد عقد النكاح أو الثمن بعد عقد البيع لحمل على الحمالة حتى ينص أنه أراد الحمل اتفاقًا. انتهى.
وعلل ابن يونس المنسوب للمدونة بأن العرف في ضمان الصدقات أنه على الحمل حتى ينص على الحمالة، وذكر أنه لا فرق بين أن تنازع الزوجة الضامن أو ورثته، ثم إن كان بلفظ الحمل في عقد البيع أو النكاح لزم، ولم يفترق إلى حيازة إلا على ما ذكر ابن العطار من الخلاف في النكاح، وذكر مثله في أصل عقد البيع.
واختلف إذا لفظ بذلك بعد عقد البيع أو النكاح؛ فعن ابن القاسم ومثله في الواضحة أنه يلزمه في الحياة ويسقط عنه بعد الوفاة كالهبة إذا لم تقبض. وقال ابن الماجشون: ذلك لازم له في الحياة وبعد الوفاة كالحمالة. قال: لأنها ثمن لما ترك المحمول له من ذمة غريبمه من حقه.
اختلف كذلك في لفظ الضمان إذا لفظ به في عقد النكاح، وأما بعده أو في عقد البيع أو بعده فهو محمول على الحمالة. واختلف في الغريم المتحمل عنه على ما هو محمول، فقيل: على الملاء. وقيل: على العدم.
[ ٣ / ٥٨٦ ]
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وتَعَذَّرَ أَخْذُهُ فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ
أي: فإن لم يدخل الزوج وتعذر أخذ الصداق من الحامل فللمرأة منع نفسها من الدخول حتى تقبض الصداق؛ لأنها دخلت على إتباع غير الزوج، لا على تسليم سلعتها بغير عوض، وهذا قول مالك وابن القاسم.
وهكذا الحكم في السلعة إذا بقيت بيد البائع حتى فلس الحامل، أو مات ولم يترك وفاءً، نص عليه أحمد بن خالد وخالفه أبو عمران، وقال: ليس للبائع أن يحبس السلعة لأن السلعة المبيعة بثمن إلى أجل لا تكون رهنًا بالثمن المؤجل. هكذا قيل: والأقرب أنه ليس بخلاف بل كلام أبي عمران مخصوص بما إذا كان البيع إلى أجل، وكلام أحمد بن خالد بما إذا كان البيع نقدًا، والله أعلم.
وقال اللخمي: إن كان الحمل برضاها لم يكن لها منع نفسها، لأنها تحولت بصداقها في ذمة الحامل، فإذا فرعنا على المذهب ومنعت الزوجة نفسها فدفع الزوج الصداق رجع به على الحامل.
بعض الموثقين: ولو أن المرأة أباحت نفسها حين أعدم الحامل ثم مات عن غير مال لم يكن لها قبل زوجها شيء، لأنها قد بذلت نفسها ورضيت بإسقاط الطلب عنه. وكما جعلوا للمرأة منع نفسها حتى تقبضه جعلوا للزوج الخيار بين دفع الصداق والدخول أو يفارق ولا شيء عليه، ولم يجبروه على دفعه وإن كان له مال.
فرع: فلو فارق الزوج ومات الحامل اتبعت المرأة تركته متى يطرأ له مال على قول مالك وابن القاسم. وعلى قول ابن نافع: لا شيء لها، ويعود ميراثًا. قاله ابن عبد السلام وغيره.
اللخمي: فلو كان صداقها مائة؛ النقد نصفها، والمؤخر نصفها، وخلف الحامل مالًا أخذت المرأة مائة لأن بالموت يحل المؤجل، فإن لم يخلف شيئًا فللزوج إذا أتى بالمعجل أن
[ ٣ / ٥٨٧ ]
يبني بها، وإن خلف خمسين أخذتها وكان للزوج أن يدخل بها إذا دفع خمسة وعشرين؛ لأن الخمسين المأخوذة نصفها للخمسين المؤخرة. قال: ويختلف إذا حاصصت المرأة الغرماء، ونابها من المائة خمسون، ثم فارقها الزوج هل ينتقص الحصاص الأول أم لا؟ فمن قال: إن الصداق وجب بالعقد لم ينتزع شيئًا، ومن قال: إنما يجب النصف، قال: عليها أن ترد نصف ما قبضته من المعجل، وهو خمسة وعشرون، ثم تضرب فيها هي والغرماء بما بقي لهم؛ لأنه قد تبين لهم أن دينها [٢٩٢/ أ] خمسون فقط، وإن كان جميع الصداق مؤجلًا كان للزوج أن يبني بها، ولم يكن لها أن تمنع نفسها كالمشهور فيما إذا حل ما على الزوج، لأنها دخلت هنا على أن تسلم وتتبع ذمة أخرى.
فَإِنْ ضَمِنَ فِي مَرَضِهِ فَوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ، فَيَنْظُرُ وَصِيُّهُ فِي بَقَائِهِ وفَسْخِهِ، فَإِنْ صَحَّ لَزِمَهُ وَإِنْ ضَمِنَ لابْنَتِهِ فَوَصِيَّةُ لأَجْنَبِيِّ عَلَى الأَصَحِّ
إذا كان الحامل مريضًا فلا يخلو إما أن يكون أبا الزوج، أو أبا الزوجة، أو أجنبيًا، فإن كان أبا الزوج فلا يجوز حمله باتفاق، قاله في البيان؛ لأنه وارث ولا وصية لوارث، فإن مات الأب من مرضه نظر الابن إن كان كبيرًا، أو وليه إن كان صغيرًا، فإن رأى المصلحة له في النكاح أعطى النقد من ماله، وإلا فارق ولم يلزمه شيء، وإن صح الأب ثبت الحمل عليه، ولو دخل بها الابن في مرض أبيه ردت ما أخذته من مال الأب إن أخذت شيئًا وتتبع به الزوج، قاله مالك.
محمد: فإن لم يبق بيدها من ذلك ربع دينار منع منها حتى يدفع ربع دينار.
الباجي: يريد لأنها لما سلمت نفسها فليس لها الامتناع إلا لحق الشرع.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم في هذا الأصل- أعني هل يحال بينهما أو لا- قولين، وهذا كله مبني على صحة النكاح. وفي المدونة في هذا النكاح قولان: الأول: أن النكاح جائز.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
والثاني: قال: لا يعجبني هذا النكاح. وحمله الأشياخ على أنه يرى فساد النكاح إن وقع، وأنه من الخيار في النكاح، إلا أنه خيار أوجبه الحكم. واختار اللخمي وغيره الأول، وعليه فرع ابن القاسم في المدونة بقوله: فإن صح الأب لزمه.
وأما إن كان الحامل أبا الزوجة ففي الموازية: النكاح صحيح غير مختلف فيه.
واختلف في الصداق، فلمالك روايتان: الأولى: أنها وصية للأجنبي فيجوز من ثلثه رواها مطرف وابن الماجشون، وبها قال ابن الماجشون وابن وهب وابن القاسم في رواية أبي زيد.
ابن الماجشون: وهذا إذا كان الذي سمى لها وحمله عن زوجها صداق مثلها فأقل. قال في البيان: وأما إن كان أكثر فالزائد على المثل وصية لها، لا تجوز باتفاق إلا إذا أجازه الورثة، فإن لم يجيزوا ذلك كان الزوج مخيرًا بين أن يخرجه من ماله، أو يترك النكاح ولا يلزمه شيئ. وهذه هي التي قال المصنف أنها الأصح. والرواية الثانية أن حمله ذلك لا يجوز، لأن ذلك راجع إلى ابنته- رواها ابن القاسم، وبها قال أشهب وأصبغ.
بعض الموثقين: وهو مذهب المدونة، وبه الحكم.
ومن هنا تعلم الحكم فيما إذا كان الزوج أجنبيًا، أو قريبًا لا يرث، أو كان زوج البنت وارثًا كابن أخيه، وهو: أن يصح في الأجنبي وغير الوارث، وتكون الوصية من الثلث، ويبطل إذا كان زوج البنت وارثًا لأنه كالابن في المسألة السابقة.
فرع مرتب: إذا قلنا بالرواية الأولى ففارق قبل البناء فقال مالك وابن الماجشون: لها النصف من ثلث أبيها ولا شيء للزوج من النصف الثاني.
ابن المواز: وهو الصواب. بعض الموثقين: وبه الحكم. وقال ابن دينار: لا شيء لها من تركة الأب لأنه إنما أعطى على أن تدخل بزوجها، فلما طلقها حكمنا في ذلك بحكم الوصية
[ ٣ / ٥٨٩ ]
للوارث. وناقض ابن المواز قول أشهب هنا بأنها وصية للبنت بقوله فيمن أقر في مرضه أنه قبض صداق بنته ولم يدخل بها زوجها، ثم مات الأب فإنه إن ترك مالًا أخذ من ماله.
محمد: فلو كانت الأولى عطية لكانت مسألة الإقرار مثلها؛ لأنه إنما يخرج من ماله في المسألتين معًا.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يفرق بينهما بأن مسألة الضمان بني الأمر فيها على المعروف، وظاهر الأمر فيها أن الأب لو لم يضمن لما تزوج الزوج ابنته؛ فالمنفعة عائدة فيها للبنت بخلاف الأخرى.
وَلَوْ تَزَوَّجَ الصَّغِيرُ بِنَفْسِهِ وهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ، فَفِيهَا: إِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ مَضَى كَبَيْعِهِ، وأَنْكَرَهُ سَحْنُونُ، وقَالَ: لَيْسَ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ رَدَّهُ فَلا مَهْرَ ولا عِدَّةَ وإِنْ وَطِئَ
يعني: وإن عقد الصبي على نفسه بغير إذن وليه، وقوله: (وهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ) كذا ذكره في المدونة في فرض المسألة، ثم أجاب بأنه يجوز إن أجازه الولي قياسًا على بيعه وشرائه، وأن للولي إمضاؤه، ورأى سحنون أنه ليس كالبيع، وأنه لابد من فسخه؛ لأن الصبي لا منفعة له في النكاح في الحال بخلاف البيع. وفيه نظر؛ لأن ابن القاسم لا يسلم عدم المنفعة بالنكاح في الحال، ألا ترى أن للأب والوصي أن يجبراه على النكاح، وكان المصنف نسبها للمدونة؛ لأنه لما ذكر قوله: (وهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ) في السؤال كان ظاهره اشتراط ذلك، ولا يظهر له كبير فائدة، والأظهر أنه ذكره تنبيهًا بالأشد؛ لأنه إذا لم يلزمه مهر مع كونه يقوى على الجماع فأحرى إذا لم يقو عليه.
قوله: (فَلا مَهْرَ) لأنه سلطته وأولياؤها.
(ولا عِدَّةَ) لأن وطئه كالعدم. ابن المواز: إذا لم يرد نكاح الصبي حتى كبر وخرج عن الولاية جاز النكاح.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
ابن راشد: وينبغي أن ينتقل النظر في ذلك إليه فيمضي أو يرد. وهذه المسألة يدخلها الخيار الحكمي، فانظر هل يجري فيها ما تقدم.؟
وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ شُرُوطًا مِنْ [٢٩٢/ب] طَلاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَبَلَغَ فَكَرِهَهَا فَفِي خِيَارِهِ فِي الْفَسْخِ أَوْ لُزُومِهِ قَوْلانِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ وَلِيُّهُ
يعني: إذا تزوج الصغير لنفسه فشرط عليه ولي المرأة شروطًا من طلاق من يتزوجها، أو تق من يتسرى بها أو نحو ذلك، فأجاز ذلك وليه على تلك الشروط ثم بلغ، فإن أقر الشروط فواضح، وإن كرهها فهل يلزمه أو لا قولان. والقولان أيضًا فيما إذا زوجه أبوه أو وصيه بتلك الشروط، وهو معنى قوله: (كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ وَلِيُّهُ) والقول باللزوم لابن وهب في العتبية، وبعدمه لابن القاسم في الموازية، وعلى عدم اللزوم فهل تسقط عنه مطلقًا؟ وهو قول ابن العطار، أو يخير في التزامها فيثبت النكاح – أو عدم التزامها فيفسخ النكاح؟ وهو قول ابن القاسم، وإذا انفسخ فهل بطلاق؟
الباجي: وهو ظاهر قول ابن القاسم. أو بغير طلاق؟ وهو ظاهر قول أصبغ. وعلى الطلاق فهل عليه نصف الصداق؟ وهو قول ابن القاسم في الكتاب، أو لا وهو قوله في المجالس؟
بعض الموثقين: وعلى الأول العمل، وقال بعضهم: العمل على الثاني.
ثم الفسخ بطلاق أو غيره إنما هو إذا تمسكت المرأة بشرطها، وأما إن رضيت بإسقاطه فلا كلام لأبيها ولو كانت محجورًا عليها. ورأى ابن العطار أن ذلك في الحجر للأب، واختار الأول ابن الفخار، واحتج بقول مالك في البكر يشترط لها زوجها ألا يخرجها إلا برضاها، فرضيت بترك شرطها أن ذلك جائز ولو كره الأب. ولو فارق قبل علمه بالشروط، فقال محمد: يلزمه نصف الصداق. يريد لأنه لم يفارق لأجل الشروط. وروي عن ابن القاسم: لا شيء عليه. وقد اختلف في هذا الأصل وهو: من طلق ثم علم بعيب هل يرجع بالصداق أم لا؟ وإذا اختلفا فقال الزوج للمرأة: عقدت بالشروط، وأنا
[ ٣ / ٥٩١ ]
صغير. وقالت الزوجة أو الولي: عقد وأنت كبير. فقال ابن القاسم في العتيبة: على الزوج البينة، وإلا حلف الولي. وووجهه أن النكاح متفق على انعقاده، فمن ادعى ما يوجب حله فهو مدع. وهذا كله إذا لم يحصل الدخول، فإن دخل فإما أن يكون قبل البلوغ أو بعده، فإن دخل بعد بلوغه لزمته الشروط إن علم بها.
ابن القاسم: ولو ادعى أنه لم يعلم بها فالقول قوله مع يمينه. وقال ابن العطار: لا يقبل قوله في ذلك وتلزمه بدخوله.
وأما إن دخل قبل البلوغ، فذكر المتيطي وغيره أن الشروط تسقط عنه وإن علم بها؛ لأن المرأة مكنت من نفسها من لا تلزمه الشروط. وقال ابن بشير: لو دخل الصبي وقد بلغ وهو عالم بالشروط، فهل تلزمه أو لا؟ قولان: أحدهما: لا تلزمه، وهذا على القول بسقوط الشروط. والثاني: تلزمه، وهذا على القول بأنه مخير.
فإذا دخل مع العلم فهو التزام لما شرط عليه، وإن دخل قبل العلم فثلاثة أقوال: أحدها: تلزمه، وهذا بناء على أن الشرط لازم. والثاني: لا تلزمه، وهذا بناء على سقوط الشرط. والثالث: يخير الآن، وهذا بناء على التخيير.
وَلَوْ تَزَوَّجَ السَّفِيهُ فَلِلْوَلِيِّ فَسْخُهُ وَيَسْقُطُ الصَّدَاقُ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَثَلاثَةُ: رُبُعُ دِينَارٍ، واعْتِبَارُ حَالِهَا، والسُّقُوطُ ..
يعني: بغير إذن وليه، فللولي فسخه وإمضاؤه. وفهم من كلام المصنف أن للولي إمضاؤه من قوله: (فَلِلْوَلِيِّ فَسْخُهُ) لأنه إذا كان له فسخه فله إمضاؤه؛ فإن قيل: فلم لم يقل (للولي إمضاؤه)؟ قيل: لأن ما ذكره من سقوط الصداق إنما ينبني على الفسخ، وهو معنى قوله: (فَيَسْقُطُ الصَّدَاقُ) أي: بالفسخ قبل البناء. واختلف إذا دخل بها وهو مراده بقوله: (فَإِنْ أَصَابَهَا) على ثلاثة أقوال. والقول بربع دينار لمالك وأكثر أصحابه، وبه أخذ ابن القاسم.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
ابن يونس وغيره: وهو الجاري على مذهب المدونة، كالعبد يتزوج ويبني بغير إذن سيده. والقول بالسقوط لابن الماجشون.
ابن حبيب: وهو القياس. وقول مالك استحسان. والقول باعتبار حالها وقع في المذهب عبارات، ذهب ابن بشير والمؤلف إلى أنها راجعة إليه، وذهب الباجي واللخمي وابن يونس وغيرهم إلى حملها على الخلاف.
قال مالك: يترك لها مثل ما يستحل به مثلها. ولم يحده. وقال مالك أيضًا وابن القاسم في الدنية: يترك لها ربع دينار ولذات القدر أكثر من ذلك. وقال ابن القاسم في المدنية: يترك لها من المائة ثلاثة دنانير أو أربعة. وقال ابن نافع: عشرة. وقيل: تعاض بما هو دون صداقها، ولا يبلغ صداقها تامًا.
ابن المواز والقاضي إسماعيل: فإن لم يعلم الولي بنكاحه حتى خرج من الولاية فإنه يثبت النكاح. وقال بعض القرويين: ينتقل إليه ما كان بيد الوصي من النظر فيمضيه إن رآه صوابًا.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَتَّى مَاتَتْ فَإِنْ أَجَازَهُ ثَبَتَ الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ وَإِلا فَلا وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَتَوَارَثَانَ ويَثْبُتُ الصَّدَاقُ لِفَوَاتِ النَّظَرِ، وعنه خلافه
الضمير في (مَاتَتْ) عائد على الزوجة؛ أي: إذا لم يعلم الولي بنكاح السفيه حتى ماتت الزوجة فإن وليه ينظر في ذلك، فإن رأى الأصلح له إجازة النكاح، بإن كان ميراثه أكثر من الصداق أجازه ودفع الصداق وأخذ الميراث. [٢٩٣/أ] وهذا لابن القاسم، ونصه في العتبية: أصبغ: سئل ابن القاسم عن السفيه ينكح بغير إذن وليه ثم ماتا أيتوارثان؟ فقال: إن مات هو: فلا ترثه، وإن ماتت هي فالنظر إلى وليه، إن رأى أن يثبت النكاح ويأخذ له الميراث أخذه، وإن رأى أن يرده رده. وقاله سحنون، وذكره الباجي عن ابن القاسم في الموازية، وعن ابن الماجشون ومطرف وابن حبيب، وابن يونس.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان، ويمضي الصداق؛ لأن النظر للسفيه قد فات بالموت، وذكر ابن المواز عنه خلاف هذا. وهو معنى قوله (وعنه خلافه) يعني: كالقول الأول من كلام المصنف.
وبهذا تعلم بأن قول ابن عبد السلام: الضمير في (عنه) عائد على أصبغ؛ ليس بظاهر؛ لأن أصبغ لم يتقدم له ذكر.
قوله (يَتَوَارَثَانَ) أي: سواء ماتت الزوجة أو الزوج؛ لأن الموارثة إنما تتم من الجانبين. ويقع في بعض النسخ (مات) على التذكير، فيحتمل أن يعود على الزوج، ويحتمل أن يعود على أحد الزوجين، وعوده على الزوج ليس بجيد لأنه إذا مات كان النظر في حقه عدم إجازة نكاحه، لأن إجازته توجب في ماله الصداق والميراث من غير فائدة له ولا لورثته.
ابن عبد السلام: وأيضًا فالمشهور: لا شيء لها. وأشار بالمشهور إلى قول ابن القاسم في العتبية الذي قدمناه، ومقابل المشهور هو القول بتوارثهما. وعوده على أحدهما يلزم منه ما لزم في الأول، وعلى هذا يكون فيما إذا مات أو ماتت، قولان. أما إذا ماتت فكما قال ابن عبد السلام أن المشهور لا شيء لها. وأما إذا ماتت، فقيل: ينظر وليه. وقيل: يرثها. الباجي: وقيل: معنى قوله: (لِفَوَاتِ النَّظَرِ) أن النظر في ماله إنما هو لحقه، وذلك يختص بحال حياته، ولذلك جازت وصيته ولم تجز هبته. وروى ابن المواز عن أصبغ: ترثه، وينظر الولي فإن رآه مما كان صلاحًا يجيزه فلها الصداق وإلا فلها الميراث دون الصداق، وإن بنى بها فلها ربع دينار. فرأى أصبغ أن النظر إنما يتعلق بالصداق خاصة، وأما الميراث فحكم من أحكام النكاح، والنكاح قد تم بينهما بالموت، وفات النظر فيه. وحصل في البيان في هذه المسألة ثمانية أقوال: الأول: ما ذكره أولًا عن العتبية.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
والثاني: أنهما يتوارثان ويمضي الصداق على القول بأن النكاح محمول على الإجازة حتى يرد، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت من مات منهما حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم.
والثالث: أنهما لا يتوارثان ويبطل الصداق إلا أن يكون أصابها فيكون لها منه قدر ما يستحل به الفرج، على القول بأن النكاح محمول على الرد حتى يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما.
والرابع: الميراث بينهما ثابت مراعاة للخلاف، ويبطل الصداق إلا أن يكون قد دخل بها فيكون لها منه قدر ما يستحل به الفرج على القول بأن النكاح محمول على الرد حتى يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما. وهو قول ابن القاسم.
والخامس: أن الميراث بينهما مراعاة للخلاف، وينظر في النكاح فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي يوم وقع أجازه كان لها الصداق، ثم إن كان غير ذلك بطل الصداق إلا أن يكون دخل بها فيكون لها قدر ما يستحل به الفرج، وهو قول أصبغ في الخمسة.
والسادس: أن الميراث بينهما مراعاة للخلاف، ويبطل الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة، فإن كان غبطة كان لها الصداق، وإن لم يكن نكاح غبطة بطل الصداق إلا أن يكون الزوج قد دخل بها، فيكون لها قدر ما يستحل به الفرج. وهذا القول يتخرج على القول بأن النكاح على الرد حتى يجاز، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج لا بموت الزوجة.
والسابع: أن الميراث بينهما ثابت مراعاة للخلاف ويثبت الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة على ما ذكرنا في القول الذي قبل هذا، وهذا يتخرج على القول بأنه على الجواز حتى يرد، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج لا بموت الزوجة.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
والثامن: أنه ينظر في النكاح، فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي أجازه كان الميراث بينهما، ووجب لها الصداق، وإن كان على غير ذلك لم يكن بينهما ميراث ولا صداق إلا أن يكون دخل بها فيكون لها قدر ما يستحل به الفرج.
فَلَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ وشِبْهُهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ فَلَهُ وَلِوَرَثَتِهِ فَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وقِيلَ: وَبِالْبَتَاتِ طَلْقَتَيْنِ ..
فهم من قوله (فَلَهُ فَسْخُهُ) أن له إمضاءه، وهو المشهور. وقال أبو الفرجك القياس الفسخ؛ لأنه نكاح فيه خيار. وهما على الخلاف في الخيار الحكمي هل هو كالشرطي أم لا؟ الباجي: وقول أبي الفرج عندي هو الصحيح. وانظر هل يتخرج هذا القول في السفيه؟ وعلى المشهور فالفسخ بطلاق لصحته، وعلى قول أبي الفجر بغير طلاق، قاله اللخمي. وشبه العبد والمكاتب والمدبر والمعتق بعضه، والمعتق إلى أجل.
اللخمي: وعلى الطلاق. فحمله عند [٢٩٣/ ب] مالك إن لم ينو عددًا على واحدة. واختلف قوله: إذا طلقها طلقتين. فقال مرة: ذلك له. وقال مرة: لا يلزمه إلا واحدة؛ لأن الواحدة تبينها وتفرغ له عبده، وهو أحسن؛ لأن الواحدة تزيل ضرر السيد واستحسن أن تكون له الرجعة إن عتق في العدة. انتهى.
وذكر ابن يونس أن أكثر الرواة رووا لزوم واحدة فقط، قال غيره: وهو اختيار الجمهور. ولهذا قدمه المصنف. ودلت الواو من قوله: (وقِيلَ: وَبِالْبَتَاتِ) على أن هذا القائل لا يحصره في الاثنتين، وهو كذلك.
وَإِنْ أَجَازَهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ ولَمْ يُرِدِ الْفَسْخَ جَازَ إِنْ كَانَ قَرِيبًا
نحوه في المدونة، ففيها: وإن كلم السيد في إجازته فامتنع أن يجيب ثم أجاز فإن أراد بأول قوله فسخًا تم الفسخ، وإن أراد أنه لم يرض ثم أجاز فذلك جائز إن كان قريبًا.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
وهذا الكلام وإن ذكر في المدونة في العبد فالمكاتب ونحوه كذلك. وأسقط المصنف قوله: كلم في إجازته؛ لأنه وصف طردي. واشترط القرب لأن عدم الرضا واستدامة ذلك حتى يطول قرينة في الفسخ.
ابن القاسم: ويصدق بأنه لم يرد الطلاق في المجلس، ما لم يتهم. قال بعضهم: يريد ما لم يطل.
ابن المواز: وإن شك السيد على أي وجه خرج منه فهو فراق واقع. زاد ابن محرز بعد قوله فراق بالبتات: وهو احتياط كمن تيقن بالطلاق وشك في العدد.
ابن المواز: وإن قال: لا أجيزه اليوم أو لا أجيزه حتى أنظر فهو غير عازم على الطلاق. وأما إذا قال: لا أجيزه؛ فذكر مثل قول ابن القاسم، وزاد: إلا أن يفترقوا على قوله: لا أجيزه؛ فيكون فراقًا ما لم يبين فيقول: اليوم أو حتى أنظر؛ فيكون ذلك وإن افترقوا، إلا أن يستمتع العبد بزوجته بعد علم السيد بنكاحه، وكان السيد يقدر على منعه فلا يكون له الفسخ بعد ذلك؛ لأنه قد تمتع بإذن سيده أو ما يقوم مقام إذنه من التمكين. وخالف المغيرة ابن القاسم، فجعل امتناع السيد فسخًا، ورأى ابن القاسم أن الامتناع من الإجازة أعم من إرادة الفسخ إلا بعد الطول.
فَإِنْ بَنَى بِهَا تَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ
أي: فإن دخل العبد والمكاتب ثم علم السيد ففسخه فلها ربع دينار، وهذا مذهب المدونة. وقال ابن الماجشون: لا يترك لها شيئًا. وقد تقدم نكاح السفيه بغير إذن وليه
ابن عبد السلام: والفقه فيهما قريب.
وَتَتَّبِعُهُ بِالْبَاقِي إِنْ أُعْتِقَ إِلا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ أَوْ السُّلْطَانُ قَبْلَ عِتْقِهِ كَالدِّيْنِ بِغَيْر إِذْنِهِ
أي: وتتبع الزوجة العبد بما بقي لها من الصداق إذا عتق. قال في المدونة: وكذلك إذا أدى المكاتب، وهذا بخلاف السفيه فإنه لا يتبع بالباقي إذا فك الحجر عنه. قال في
[ ٣ / ٥٩٧ ]
الجلاب: لأن العبد إنما حجر عليه من أجل سيده، فإذا أعتقه سيده سقط حقه وزال حجره، والسفيه حجر عليه من أجل نفسه، فإذا فك حجره لم يتبع بشيء مما استدانه في حال حجره؛ لأنه لو ثبت ذلك عليه لم ينفع الحجر شيئًا. واختلف الشيوخ هنا هل يتبع العبد والمكاتب بعد التق سواء غرَّا أو لا؟ وقال أبو عمران: إنما يتبعان إذا غراها، وأما إن أخبرها كل واحد بحاله فقال لها العبد: أنا عبد. وقال لها المكاتب: أن مكاتب؛ فلا يتبعان. وعليه اقتصر المتيطي، وعليه اختصر المدونة ابن أبي زمنين وابن أبي زيد والبرادعي. وقال أبو بكر ابن عبد الرحمن، وصاحب النكت، وغيرهما: يتبع العبد مطلقًا سواء غر أو لم يغر، إلا أن يسقط ذلك السيد من ذمته، وأما المكاتب فإن لم يغرها اتبع إلا أن يسقط ذلك السيد من ذمته؛ وإن غرها فيوقف الأمر، فإن عجز كان كالعبد له أن يسقطه عنه، وإن أدى فهو عليه وليس للسيد أن يسقطه.
وقال ابن الكاتب: إن لم يغر يحتمل ألا يسقط عنه إلا بإسقاط السيد، وأما إن غر فلا يختلف أن ذلك عليه ولا يسقط.
وقوله: (إِلا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ) إنما كان للسيد الإسقاط؛ لأن بقاء الدين في ذمة العبد عيب، فكان للسيد إسقاطه.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم أنه إذا غرها العبد، هل يصح إسقاط السيد أم لا؟
قوله: (أَوْ السُّلْطَانُ) نحوه في المدونة، ولعل معناه أن السيد طلب من السلطان أن يسقطه عن العبد. وفهم أبو الحسن المدونة على أن معناها: في الغائب؛ لأن السلطان يذب عن مال الغائب.
فَلَوْ عُتِقَ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ مَضَى، فَإِنْ رُدَّهُ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ
يعني: فإن أعتق السيد عبده المتزوج بغير إذنه قبل علمه بالتزويج مضى النكاح، ولأن حق السيد قد زال.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
وأما إذا باعه فقال المصنف (مَضَى) أي: لا فسخ له حينئذ؛ لأنه قد صار في ملك غيره، ويقال للمشتري: إن كنت علمت بالتزويج فهو عيب دخلت عليه، وإلا فلك الرد. فإن تمسك فواضح، وإن رد كان للبائع الفسخ، وهو معنى قوله: (فَإِنْ رُدَّهُ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ) أي: فإن رد العبد بعيب التزويج فللبائع الفسخ، وفي بعض النسخ: فإن رده فله الفسخ؛ أي: فإن رد المشتري العبد بسبب عيب التزويج فللبائع فسخ النكاح، فالضمير في (فَلَهُ) عائد على البائع، والهاء في (رُدَّهُ) عائد على العبد، وضمير الفاعل [٢٩٤/ أ] المستتر في (رُدَّهُ) عائد على المشتري. وفي بعض النسخ: (فسخه)؛ أي: فسخ النكاح. وفي كلام ابن عبد السلام نظر.
وخرج ابن محرز قولًا بعدم بطلان حق البائع من الفسخ إذا باعه قبل علمه بالنكاح على القول بأن من باع شقصًا وجبت له به الشفعة قبل علمه ببيع الشريك أن حقه في الشفعة باق. ورده ابن بشير بأن الشفعة حق مختلف في سببه، فهل هو رفع الضرر عن الشريك؟ أو هو محض تعبد؟ فلعل القائل لم يتحد لاحتمال أن يكون القائل ببقاء حق الشريك في الشفعة بعد بيعه يرى ذلك تعبدًا. ومسألة العبد معللة بالضرر، فلا يمكن قياسها على التعبد. ورده ابن عبد السلام بأن القائلين بعدم سقوط الأخذ بالشفعة إذا باع نصيبه اختلفوا هل يشترط عدم علمه ببيع شريكه إلى حين بيعه هو نصيبه أو لا يشترط ذلك؟ قال: فمن يشترط عدم العلم فهو كالنص منه على تعليل الشفعة بالضرر، ويلزم منه صحة التخريج المذكور. وقوله: (قَبْلَ عِلْمِهِ) مفهومه أنه لو باعه بعد علمه لكان دليلًا على الرضا، فليس له الفسخ إذا رد عليه، وهكذا قال القرويون. وذكر بعض الأندلسيين قولًا أن ذلك لا يسقط حق البائع في النكاح، ولا إشكال أن المشتري لا حق له في فسخ النكاح. نص عليه ابن الجلاب وغيره.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
وقال بعضهم: يدخل في ذلك الخلاف من الخلاف فيمن أحدث عليه في ملكه ضرر فباعه بعد علمه بالضرر، هل يكون للمشتري قيامًا على محدثه؟ فقيل: ينتقل للمشتري ما كان للبائع. وقيل: لا ينتقل؛ لأن بيعه بعد علمه رضا. وقيل: إن كان بيعه بعد أن خاصم فإن للمشتري القيام؛ لأن خصومته تدل على عدم رضاه به، وإن لم يخاصم فلا قيام للمشتري، ولو رضي المشتري بعيب النكاح، ثم اطلع على عيب قديم فله أن يرد بما اطلع عليه، وهل يرد أرش عيب النكاح لأنه بإقراره يثبت فيصير كأنه فعله؟ أو ليس عليه ذلك؟ وليس الإقرار كالابتداء، حكى ابن بشير عن المتأخرين في ذلك قولين. وخرجها أبو بكر بن عبد الرحمن على الخلاف في الرد بالعيب هل هو فسخ له من أصله أم لا؟ وكذلك اختلف المتأخرون لو لم يعلم المشتري حتى أعتق هل له قيمة العيب على البائع كسائر العيوب إذا اطلع عليها بعد العتق؟ أو لا يرجع بشيء إذا فوت على السيد الأول رد النكاح؟
وَلِلْعَبْدِ الْمَاذُونِ وَالْمُكَاتِبِ التَّسَرِّي فِي مَالِهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ
أي: المأذون له في التجارة. وقوله (فِي مَالِهِمَا) احتراز من مال السيد، فإنه لا يتسرى فيه لأنه حينئذ كالوكيل. قاله مالك في المختصر. وما حكاه المصنف أن للعبد المأذون التسري، وإن لم يأذن له سيده هو المشهور، وحكى أبو الحسن قولًا بأنه ليس له ذلك إلا بإذن السيد.
وَالْمَهْرُ والنَّفَقَةُ عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ مِمَّا لَيْسَ بِخَرَاجِهِ وَلا كَسْبِهِ، ولا يَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ
يعني: ونفقة الزوجة ومهرها يحسبان على العبد مما يوهب له أو يوصي له به لا من خراجه ولا مما أباه سيده بيده. قاله علماؤنا. وهذا ما لم تجر عادة بخلافه، فإن جرت عادة
[ ٣ / ٦٠٠ ]
بالنفقة من الخراج أنفق عليها منه. فقوله: (عَلَى الْعَبْدِ) يتعلق بمحذوف كما قدرنا؛ لأنه خبر، والخبر يجب تعلقه بمحذوف، قال في المدونة: ونفقة زوجة العبد في ماله إن كان له مال ولا نفقة لها من كسبه وعمله، وذلك إلى سيده، فإن لم يجد غيره فرق بينهما، إلا أن يتطوع السيد بالنفقة، ولا يباع العبد في نفقة زوجته. ولا فرق بين عبد الخراج وغيره، ولو فضل بعد الخراج شيء؛ لأن الفاضل مال لسيده، إلا أن يأذن في ذلك السيد أو تكون العادة النفقة منه. وقال محمد: إن عجز عن النفقة، وعليه خراج لسيده فلا شيء لها حتى يبدأ بخراج سيده، فجعل الإنفاق من فاضل الخراج، فيحتمل أن يكون ذلك خلافًا ويحتمل أن يكون ذلك عادتهم. قاله اللخمي وغيره.
وقوله (ولا يَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِنًا إلخ) أي: في التزويج؛ لأن العبد هو المتولي للشراء فيكون الثمن عليه.
اللخمي: والمدبر والمعتق إلى أجل كالعبد، والمكاتب كالحر؛ لأنه بان عن سيده بماله، فإن عجز طلق عليه، والمعتق بعضه في اليوم الذي يخصه كالحر، وفي اليوم الذي يخص سيده بمنزلة العبد.
وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الْبَالِغَ أَوْ أَجْنَبِيًّا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، فَقَالَ: مَا أَمَرْتُهُ. حَلَفَ، وسَقَطَ الصَّدَاقُ عَنْهُمَا. فَإِنْ نَكَلَ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ. وقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ شَيْءُ. وقِيلَ: تُطَلَّقُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ
يعني: أن الأب إذا زوج ابنه المالك لأمره، أو أجنبيًا سواءً كانا حاضرين أو غائبين، ثم أنكرا بعد علمهما، وقالا: ما أمرناه ولا نرضى الآن بالتزويج. فقال المصنف: (حَلَفَ) أي: الابن أو الأجنبي ما أمرناه. (وسَقَطَ الصَّدَاقُ عَنْهُمَا) أي: عن الأب والأجنبي، وكذلك نص في المدونة على اليمين في حق الحاضر. وحملها ابن يونس على إطلاقها، وأنه
[ ٣ / ٦٠١ ]
إن نكل الحاضر يلزمه النكاح، فإن شاء طلق وأدى الصداق، وإن شاء ثبت عليه. واستدل على ذلك بما وقع لابن القاسم في العتبية: إذا زوج الولي وليته فأنكرت المرأة أن تكون رضيت، فقال: إن كان الإشهاد في المسجد حيث يرى أنها لم تعلم فلا يمين عليها، وإن كان الإشهاد ظاهرًا أو إطعام الوليمة في دارها، وحيث يرى أنها عالمة [٢٩٤/ ب] فأرى أن تحلف بالله ما وكلته ولا فوضت إليه ذلك، ولا ظننت أن ذلك اللعب وذلك الإطعام الذي صنع إلا لغيري، ثم لا شيء عليها، فإن نكلت عن اليمين لزمها النكاح.
ابن يونس: وكذلك مسألة الابن. وقيدها صاحب النكت واللخمي بما إذا سكت بعد عقد النكاح، قالا: ولو قال عند عقد النكاح: لم أرض. لم تكن عليه يمين، قالا: ولو طال سكوته بعد عقد النكاح. زاد اللخمي: وقبل التهنئة على جري العادة لزمه النكاح.
اللخمي: ويغرم نصف الصداق ولا يمكن منها لإقراره أنها غير زوجته.
صاحب النكت: وعرضته على بعض شيوخنا فصوبه.
خليل: وينبغي على هذا أن الغائب إن أنكر بمجرد حضوره أن تسقط عنه اليمين، وإن علم وطال لا يقبل منه الإنكار، والله أعلم؛ لأنه بعد حضوره كالحاضر. وأنكر سحنون تعلق اليمين بالزوج، ورآها ساقطة عنه. وقوله (فَإِنْ نَكَلَ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ) هو كما قال ابن يونس، وحكاه صاحب اللباب عن ابن القاسم. وقيل: لا يلزمه شيء. وهو قول أبي محمد، وعليه فاليمين إنما هي استظهار، لعله أن يقر. وصوبه أبو عمران؛ لأنه أقر أنه ليس بعقد. وقيل: تطلق عليه، ويلزمه الصداق.
ابن راشد: وجعل هذا القائل نكوله طلاقًا، وهذا القول حكاه ابن سعدون عن بعض شيوخه، وحكي في المتيطية عن ابن القاسم أنه إنما تلزمه اليمين إذا ادعى
[ ٣ / ٦٠٢ ]
أبو الصبية أن مخبرًا أخبره أن الابن أمر أباه أن يزوجه، فإذا حلف برئ، وإذا نكل حلف الأب ولزمه النكاح.
ابن عبد السلام: وقيل: إن لم يكن إلا مجرد الدعوى لم تتوجه اليمين، فإن كان ثم سبب تقوى معه الدعوى توجهت.
تنبيه:
قولنا في فرض المسألة: (ابنه المالك لأمره) هكذا فرض في المدونة المسألة، وأقاموا منه أنه لو كان سفيهًا لزمه النكاح، فيؤخذ منه جبر السفيه على النكاح. واعلم أنه زاد في المدونة بعد قول الزوج: ما أمرته ولا أرضى، ثم قال: صدق مع يمينه. وظاهره أنه يحلف على نفي الأمر والرضا والحلف على نفي الأمر يمين تحقيق، وعلى نفي الرضا يمين تهمة، ولا شك أن الابن إذا رضي يدخله الخلاف الذي في النكاح الموقوف، وينبغي أن تقيد المسألة بما إذا لم يقل الأب أن الابن وكلني أن أعقد، والابن حاضر في المجلس، وإلا فإن قال ذلك، وأنكر الابن فإنكاره كالعزل عن الوكالة.
بعض الشيوخ: ويحتمل أن يقال: تلزمه اليمين على الوكالة، وأما إذا افترقا والحالة هذه لزمه النكاح، وهو ظاهر.
وَالْكَفَاءَةُ حَقٌّ لها ولِلأَوْلِيَاءِ فَإِذَا تَرَكُوهَا جَازَ إِلا الإِسْلامَ
يعني: أن الكفاءة مركبة من قيود كما سيأتي، منها ما هو حق لله فلا يجوز تركه، ومنها ما هو حق للمرأة ولأوليائها فإذا تركوها جاز.
فقوله: (إِلا الإِسْلامَ) مستثنى من قوله (حَقٌّ لها ولِلأَوْلِيَاءِ). ابن هارون: إلا الإسلام، فإنه ليس حقًا لهم بل لله ﷿. ويمكن أن يكون قوله (إِلا الإِسْلامَ) مستثنى من قوله
[ ٣ / ٦٠٣ ]
(فَإِذَا تَرَكُوهَا جَازَ إِلا الإِسْلامَ) ويؤخذ من لازم كلامه أن الإسلام حق لله؛ لأنه لو كان حقًا لهم لجاز تركه مع الرضا، لأنه من له حق فله إسقاطه، والتقدير الأول أولى، ولو رضيت المرأة بغير كفءٍ وليس لها ولي، فقال ابن راشد: الذي عليه عمل القضاة أنهم لا يزوجونها حتى تثبت الكفاءة، وإن كانت ثيبًا فلا يطلبها الحاكم بإثباتها. وقيل: لابد من الإثبات. وبه أخذ الباجي.
ابن أبي زمنين: وشاهدت بعض أشياخنا يذاكره بذلك ويحتج عليه بأنها مالكة لأمرها ناظرة في مصالحها، فقال: وإن كانت كذلك فلا يلزمني أن أعينها على ذلك.
* * *
انتهى المجلد الثالث من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد الرابع وأوله
وَالنَّظَرُ فِي الدِّينِ، والْحُريَّةِ، والنَّسَبِ، والْقَدْرِ
[ ٣ / ٦٠٤ ]
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلّد الرابع
[ ٤ / ١ ]
وَالنَّظَرُ فى الدِّينِ، والْحُرِّيَّةِ، والنَّسَبِ، والْقَدْرِ، والْحَالِ، والْمَالِ، واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ، فَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ، وَيُؤَدَّبُ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ
يعنى: أن الكفاءة مركبة من قيود: أولها: الدين، والمراد به الإسلام مع السلامة من الفسق، ولا تشترط المساواة لها فى الصلاح. ثانيها: الحرية. ثالثها: النسب، ويعبر عنه بالحسب، ومعناه: ألا يكون الزوج مولى. ورابعها: القدر. ابن راشد: والمراد به المنصب والجاه. خامسها: الحال.
ابن راشد: والمراد بة أن يساويها فى الصحة، أى: مساويها سالما من العيوب الفاحشة.
خليل: وهذا هو الذى يؤخذ من كلام ابن بشير وابن شاش وغيرهما من الأصحاب.
ابن عبد السلام: والأولى تفسير الحال هنا بالجاه. ويحتمل أن يفسر بما يرجع إلى حسن العشرة، وطيب الخلق.
ويلزم ابن عبد السلام التداخل، لأنه على ما ذكر أنه الأولى فى تفسير الحال يصير الحال والقدر واحدا، وأيضا إذا فسره بما ذكره يلزم أن يكون اختلف فى الجاه وحسن العشرة لما قال المصنف: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ) ولم أر قولًا باشتراط ذلك.
سادسها: المال.
وقوله: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ) اعلم أنه: إن ساواها الرجل فى الستة فلا خلاف فى كفاءته وإن فقد بعضها، فقال المصنف: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع) قيل: والكفاءة المعتبرة عند ابن القاسم الحال والمال. وفى الوثائق المجموعة: الكفاءة عند مالك فى الحال والدين، وعند] ٢٩٥/ أ [غيره الحال والمال.
[ ٤ / ٣ ]
المتيطى: ويجوز الاتفاق على تركها. وحكى الإسفرايينى عن ابن الماجشون أنها شرط فى صحة النكاح، فلا يجوز تركها، ونحوه فى الإشراف، وهو اختيار ابن القاسم، وبه القضاء.
وانظر قوله: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع) مع ماحكاه ابن بشير من الاتفاق على عدم كفاءة الفاسق، وقد ذكره المصنف بعد، إلا أن يريد بالخلاف مقابل المنصوص.
وأما الحرية فلم يسمع ابن القاسم من مالك فيها شيئًا، وقال غير واحد: وظاهر ما قاله فى المدونة أن العبد كفء، وحكاه القاضى أبو محمد عن ابن القاسم نصًا، وقال المغيرة وسحنون: ليس العبد كفئًا للحرة، ويفسخ النكاح.
عبد الوهاب وغيره: وقول المغيرة هو الصحيح.
ولا إشكال أن قول المغيرة خلاف لابن القاسم إن ثبت النص عن ابن القاسم، وإن كان القاضى إنما اعتمد فى حكايته على ظاهر المدونة، لأنه لما سئل ابن القاسم عن نكاح العبد العربيةَ فقال: قال مالك: أهل الإسلام بعضهم لبعض أكفاء، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾] الحجرات: ١٣ [فيكون أيضًا قول المغيرة خلافًا. وإليه ذهب اللخمي وغيره، وقال ابن سعدون وغيره من القرويين: ليس قول المغيرة خلافًا لابن القاسم لقوله بعد هذا: إذا رضى الولي بعبد فليس للولي أن يمنع منه بعد ذلك، إلا أن يأتي منه حدث من فسق أو لصوصية. فقوله (إذا رضى) يدل على أن للولي فى ذلك حقًا، وأما النسب فالمعروف أن المولى كُفءٌ للحرَّة.
المازرى: والمشهور أن الحسب غير معتبر عندنا لحديث فاطمة بنت قيس فى تزويجها أسامة.
وأما القدر فلم أر قولًا باشتراطه، كما أشار إليه المصنف، نعم فهم ابن راشد الاتفاق عليه من قول المصنف بعد هذا. وعن ابن القاسم فيمن دعت إلى كفء فى القدر والحال والمال: زوجها السلطان. وفيه نظر.
[ ٤ / ٤ ]
وأما الحال فقد تقدم تفسيره بالصحة، فلم أر الخلاف فيه إلا فى البكر ذات الأب، وقد تقدم عند الكلام على جبر الأب البكر.
وأما المال ففى المدونة أن امرأة أتت إلى مالك، فقالت له: إن لي ابنة فى حجرى موسرة مرغوب فيها، فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير لا مال له، أترى لى فى ذلك كلامًا؟ قال: نعم، إنى لأرى لك فى ذلك متكلما. على الإثبات. وفى بعض الروايات: لاأرى لك، على النفى.
قال بعض الشيوخ: الأولى أصح، لأنه قال أولا نعم، ولو كان الثانى نفيا تناقضا لاسيما وقد وقع فى كثير من النسخ: إنى أرى لك. وكذلك اختصرها بعضهم.
ابن القاسم: وأنا أراه ماضيا إلا أن يأتى من ذلك ضرر فيمتنع. واختلف هل قول ابن القاسم خلاف؟ وإليه ذهب سحنون، لقوله: ويقول ابن القاسم أقول: ولا أرى الفقر ضررًا.
ابن محرز: وذهب بعض المذاكرين أنه لا يعده خلافًا لأن ابن القاسم تكلم عن فقير صالح لا يخشى على المرأة منه أن يفسد متاعها ويتلفه، ومالك تكلم على من يخشى منه ذلك.
وذكر صاحب النكت عن غير واحد من القرويين، وكذلك قال أبو عمران أنه ليس هو خلافًا لأن ابن القاسم إنما تكلم بعد الوقوع، ومالك تكلم قبل الوقوع، وقال: لها متكلم، ولم يقل أن النكاح مفسوخ. ومعنى المتكلم الذى لها أن تنظر فى ماأراده الأب، هل هو صواب ام لا؟
قوله: (إِلا الإِسْلامَ) لان الإجماع متفق على تحريم إنكاح الكافر المسلمة.
قوله: (وَيُؤَدَّبُ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ) ابن عبد السلام: ظاهره: ولو أسلم إذا لم يعذر بجهل بسبب جرأته وإقدامه على هتك حرمة الإسلام، لكن ظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾] الأنفال: ٣٨ [خلافه. ونص ابن راشد على أن إسلامه يسقط عنه الأدب. واختلف فى حد المرأة إذا تزوجته عالمة بأن ذلك لا يجوز، ففى المدونة: لا أرى أن يقام
[ ٤ / ٥ ]
في ذلك حد وإن تعمداه، ولكن العقوبه إن لم يجهلوا. وفى رواية: لا أرى أن يقام عليه. ومقتضاها إقامته عليها. ومن الشيوخ من يرى أن المذهب كله على أنها لا تحد.
ابن محرز: والصواب حدها. وهى كالمسلم يتزوج مجوسية عالمًا بذلك، فقد قال مالك أنه يرجم، يعنى إذا كان محصنًا، وقال ابن المواز فيمن ارتدت زوجته، ووطئها مكرهة عالمًا بالتحرين أنه يرجم. واختلف إذا زني بها طائعة، فقال مالك رحمه الله تعالى: ليس ذلك بنقض، ولا يلحق به الولد. وقال ابن حبيب: ذلك نقض. وفى سماع عبد الملك أنه يضرب ضربًا يموت منه، وقال أشهب: يضرب الضرب الموجع لما لم يوف لهم بالعهد.
وفى كلامه ما يدل على أنه لو وفَّى لهم بالعهد لكان ذلك نقضًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يكون ذلك نقضًا للعهد وإن وفى لهم به. ابن نافع وأبو مصعب وغيرهما: فإن غرها بالإسلام فذلك نقض منه للعهد.
وَفِيهَا: الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ. وَفُرِّقَ بَيْنَ مَوْلىً وعَرَبِيَّةٍ فَاسْتَعْظَمَهُ، وتَلا:﴾ يَا أَيُّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ ﴿إِلَى﴾ أَتْقَاكُمْ ﴿. والْعَبْدُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: إِلا الْعَبْدَ
قد تقدم مايتعلق بذلك. وقوله: (إِلا الْعَبْدَ) ابن عبد السلام: أي: وإن الخلاف إنما هو بين الحرة والمولى، وأما العبد فلا يختلف أنه ليس بكفء للحرة، وحاصله أنها طريقة. واعترض اللَّخْمِيّ الاستدلال] ٢٩٥/ب [بالأية على هذا، وقال: لا مدخل لهذه الآية هنا، لأن متضمنها الحال عند الله تعالى فى الآخرة، ومنازل الدنيا وما تلحقهم فيه المعرة غير ذلك.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: ولا خِلافَ مَنْصُوصٌ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ ولِمَنْ قَامَ لَهَا فَسْخُ نِكَاحِ الْفَاسِقِ
أي: الفاسق بالحوارح لمقابلته له بالفاسق بالإعتقاد. ولفظ ابن بشير: والمطلوب من الزوج أن يكون كفؤًا فى بلا خلاف، وان كان فاسقًا فلا خلاف منصوص أن تزويج
[ ٤ / ٦ ]
الأب من الفاسق لا يصح، وكذلك غيره من الأولياء، وإن وقع وجب للزوجة ولمن قام لها فسخه، وكان بعض أشياخي يهرب من الفُتيا فى هذا، ويرى أن ذلك يؤدي إلى فسخ كثير من الأنكحة. انتهى.
ابن عبد السلام: وقول ابن بشير وإن توقع يحتمل أن يكون داخلًا فى غير المختلف فيه، وهو ظاهر، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام وتأسيس مسألة مع عدم التعرض لنفي الخلاف.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ بِالاعْتِقَادِ فَقَالَ مَالِكٌ: لا يُزَوَّجُ إِلَى الْقَدَرِيَّةِ ولا يُزَوَّجُونَ
هذا لمالك فى الموزاية. ولا يتأتى هنا توقف الشيخ المتقدم في الفاسق بجوارحه، لأنه لا يؤدي إلى فسخ كثير من الأنكحة، ويشارك القدري من يساويه فى البدعة.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ دَعَتْ إِلَى زَوْجٍ فَأَبَى وَلِيُّهَا إِذَا كَانَ كفئًا لَهَا فِى الْقَدْرِ وَالْمَالِ والْحَالِ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وعَلَى هَذَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ مَالِكٍ
تصوره ظاهر، وقد تقدم أن ابن راشد فهم منه اتفاق الأصحاب على مراعاة هذه الثلاثة، وفيه نظر لجواز أن يكون الاتفاق هنا إنما هو على الحر لحصول الكفاءة فى الحال والمال فقط، ثم إن هذا الاتفاق إنما يصح إن كان مساويًا لها فى النسب والحرية، وإلا فقد تقدم فيهما الخلاف.
وَالنِّكَاحُ والْمِلْكُ الْمُبِيحُ يُبيحُ نَظَرَ الْفَرْجِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلطِّبِّ
أي: أن الرجل يباح له أن ينظر إلى فرج امرأته وأمته، ويباح لزوجته وأمته النظر إلى فرجه. واحترز بالمبيح من نظر العبد لفرج سيدته مما لو ملك بعض محارمه. وقد وقع لأصبغ فى العتبية لما سئل: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى فرج المرأة؟ قال: نعم، ويلحسه بلسانه. قال فى البيان: إنما أراد تحقيق إباحة النظر، وليس من مكارم الأخلاق أن يلحسه بلسانه.
[ ٤ / ٧ ]
وقد روى النسائى عن معاوية بن حيدة، قال: قلت: يارسول الله، عوراتنا ما نأتى منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك".
وقوله: (وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلطِّبِّ) لم أره، ولعله يريد فرج المرأة خاصة، لأنه قيل: إن النظر إليه يورث العمى، لأنه يصعد منه بخار يؤذى البصر.
ابن القاسم: ولا بأس أن يكلم امرأته عند الجماع. وسئل القاسم بن محمد عن النخر عند الجماع، فقال: إذا خلوتم فاصنعوا ما شئتم.
وظاهر كلامه فى البيان كراهته. وصرح السيد أبو عبد الله ابن الحاج بكراهته.
وَيَحِلُّ كُلُّ اسْتِمْتَاعٍ إِلا الإِتْيَانَ فِى الدُّبُر، ونُسِبَ تَحْلِيلُهُ إِلَى مَالِكٍ فِى كِتَابِ السِّرِّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وعَنِ ابْنِ وَهْبٍ: سَأَلْتُ مَالِكًا عنه، وقُلْتُ: إِنَّهُمْ حَكَوْا أَنَّكَ تَرَاهُ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ. وتَلا:﴾ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴿، وقَالَ: لا يَكُونُ الْحَرْثُ إِلا فِى مَوْضِعِ الزَّرْعِ
لما خرجه النسائى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "استحيوا من الله حق الحياء، ولا تأتوا النساء فى أدبارهن". ولما خرجه أيضًا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة فى الدبر".
ولما خرجه أبو داود عن أبى هريرة أيضًا، عنه ﵊ أنه قال: "ملعون من أتى المرأة فى دبرها". فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة: ٢٢٣ [يقتضى إباحته، لأن المعنى حيث شئتم. قيل: هذا غير صحيح لما رواه مسلم وغيره عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل المرأة من دبرها فى قبلها كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة: ٢٢٣ [قال جابر: إن شاء مجبية وإن شاء غير أن ذلك فى صمام واحد.
[ ٤ / ٨ ]
وعلى هذا فمعنى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ كيف شئتم. والمفسرون وإن اختلفو فى تفسير الآية فينبغي أن يعتمد على ما ذكرناه لموافقته الحديث الصحيح. وقد تقدم ما يتعلق بكتاب السر فى المسح على الخفين.
ابن عبد السلام: ولمالك فى اختصار المبسوط جوازه، وقال: هو أحل من شرب الماء البارد.
وحكى عن ابن عمر مثله.
وَالإِتْيَانُ فِى الدُّبُرِ كَالْوَطْءِ فِي إِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ، ووُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، والْكَفَّارَةِ، والْحَدِّ، ووُجُوبِ الْعِدَّةِ، وحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَلا يُحْلِلُ، وَلا يُحَصِّنُ. وفِى تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ بِهِ قَوْلانِ
تصوره واضح. وقوله (مِنَ الْجَانِبَيْنِ) عائد على (إِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ، ووُجُوبِ الْغُسْلِ) ولا يقال: وجوب العدة به مشكل، كما قيل، لأنها تجب بمجرد الخلوة، وسبب القولين فى تكميل الصداق به أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾] البقرة: ٢٣٧ [هل يحمل على المس الشرعى؟ ولم يحصل، أو على مطلق المس؟ وقد حصل.
وَلا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلا بِإِذْنِهَا، وَلا عَنِ الزَّوْجَةِ الأَمَةِ إِلا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا بِخِلافِ السَّرَارِيِّ
العزل: هو أن يطأ إلى أن يأتي المني فينزع ذكره حتى لا ينزل فيها. والمشهور من المذهب جوازه على الصفة التي ذكرها المصنف، وذكر عن مالك كراهته.
وظاهر قوله فى (الزَّوْجَةِ الأَمَةِ إِلا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) أنه يكفي بإذن السيد، وكذا هو ظاهر كلام غيره. ورأى الباجي أنه لا يعزل عن الزوجة [٢٩٦/أ] الأمة إلا بإذنها وإذن مواليها، ولا يكتفي بإذن سيدها لأن لها حقًا فى الوطء. وكان شيخنا ﵀ يذهب إلى أنه تقييد، وهو ظاهر لأن لها حقًا فى القسم، ويتبين لك ذلك بما ذكره الباجى فى باب
[ ٤ / ٩ ]
الإيلاء: أن الزوجة إذا كانت أمة ورضيت بترك الوطء أن للسيد إيقافه، رواه ابن القاسم عن مالك فى العتبية.
الباجي: ووجه ذلك ما احتج به أصبغ فى ثمانية أبي زيد: ليس للزوج أن يعزل عنها وإن رضيت بذلك إلا بإذن السيد.
أصبغ: وإن رضي السيد بترك الوطء ولم ترض بذلك الأمة لم يكن لسيدها ذلك وكان لها القيام ومطالبة الزوج وتوقيفه. قال فى الطرر: وللمرأة أن تأخذ من زوجها مالًا على أن يعزل عنها إلى أجل، ولها أن ترجع فى ذلك متى أجبت، وحكاه عن المشاوّر.
الزَّوْجَةُ: والْمَوَانِعُ: قَرَابَةٌ، ورَضَاعٌ، وصِهْرٌ، ولِعَانٌ، والْمُتَزَوِّجَةُ غَيْرُ الْمَسْبْيَّةِ، والْمُعْتَدَّةُ وشِبْهُهَا مِنْ غَيْرِهِ، والْمُرْتَدَّةُ، والْكَافِرَةُ غَيْرُ الْكِتَابِيَّةِ، والأَمَةُ الْكَافِرَةُ، وأَمَتُهُ، وأَمَةُ وَلَدِهِ، وسَيِّدَتُهُ، وأُمُّ سَيِّدِهِ، والأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ يَجِدُ نَاكِحُهَا الطّوْلَ ولا يَخْشَى الْعَنَتَ، والْمُسْتَوْفَاةُ طَلاقًا، والْمُحَرَّمَةُ الْجَمْعَ مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ مَعَ أَرْبَعٍ، والْمَرِيضَةُ مَرَضَ حَجْرٍ، والرَّاكِنَةُ لِلْغَيْرِ، وَالْيَتِيمَةُ
هذا هو الركن الرابع. ولما كان المباح غير منحصر حصر الممنوع ليعلم أن ما عداه جائز. و(الموانع) مبتدأ على حذف مضاف، أي: ذوو الموانع (قرابة)، والتقدير أصحاب الموانع ذوو قرابة، ففى كل من المبتدأ والخبر حذف مضاف، وقلنا هذا ليصح قوله: (المتزوجة) لأنه معطوف على قرابة ولا يصح أن يخبر بالمتزوجة عن الموانع إذ لا يخبر عن المعنى بالجثة. وعدة الموانع عشرون، ثم أخذ المصنف يتكلم على الأول منها فالأول، فقال:
وَالْقَرَابَةُ: هِىَ: السَّبْعُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وَهِيَ أُصُولُهُ، وَفُصُولُهُ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَإِنْ عَلا.
أى فى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾] النساء: ٢٣ [الآية.
[ ٤ / ١٠ ]
ثم ضبط المصنف هذه السبعة بقوله: (وَهِيَ أُصُولُهُ .. إلخ). فالأصول كل من له عليك ولادة سواء كان بمباشرة أم لا، فيدخل فى ذالك: الأم، وأمها وإن علت، وأم الأب وإن علت.
والفصول: كل من لك عليها ولادة، فيدخل: البنات، وبنات الأبناء وإن سفلن لابن أو بنت.
وفصول أول الأصول هم الأخوة، إذا أول أصولك أبوك، فتحرم الأخوات مطلقا كن أشقاء أو لأب أو لأم، وبناتهن وإن سفلن.
(وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ) أي: ما عدا الأصل الأول؛ لأن ثاني الأصول وثالثها وإن علا، ذلك فإن فصولهم أعمام وعمات، وأخوال وخالات، وبنات الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، حلال بالإجماع.
واعلم أنه يتصور الخال والخالة من جهة الأب، والعم والعمة من جهة الأم، لأن أخا الجدة للأب خال للأب، وأختها خالة له، وأخو الجد للأم عم، وأخته عمة.
وَيَحْرُمُ نِكَاحُ الزَّانِي لِلْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَائِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا تَحْرُمُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: هَذَا خَطَأٌ صُرَاحٌ
بالتحريم قال أبو حنيفة، وبعدمه قال الشافعي، وقول سحنون أنه خطأ ليس بظاهر لأنها لو كانت بنتًا لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح، وذلك كله منتف عندنا. وعلل بعض الحنفية المنع بأنها ربيبة لأن الزنا عندهم محرم. وسيأتي ما فيه عندنا.
وَيَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرِّضَاعِ، وبَنَاتُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِى حِجْرِهِ وإِنْ سَفَلَتْ لابْنٍ أَوْ بِنْتٍ.
هذا هو المانع الثالث. وأخر المصنف المانع الثانى وهو الرضاع لطوله وتبعًا لكتب أصحابنا.
[ ٤ / ١١ ]
وأمهات الزوجة: كل من له على الزوجة ولادة، سواء كان من جهة أبيها أو أمها، وسواء كان من جهة النسب أو الرضاع، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾] النساء: ٢٣ [الآية. وحاصله أن العقد على البنت يحرم الأم، ولا تحرم البنت بالعقد على الأم بل بالدخول بها.
وفى الموطأ أن ابن مسعود استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم يمس البنت فأرخص فى ذلك، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وأن الشرط إنما هو فى الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذى أفتاه، فأمره أن يفارق امرأته، ولم يكن ﵁ يرجع عن فتواه إلا لنص أو ظاهر قوي، لأن القاعدة: منع جمع الوصفين إذا اختلف عاملهما بصفة واحدة. و﴿نِسَائِكُمْ﴾ فى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بالإضافة، وفى قوله ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بحرف الجر، فلا يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة لمجموع الوصفين.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِى حِجْرِهِ) لأن قوله تعالى: ﴿اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وَحَلائِلُ الآبَاءِ، وَحَلائِلُ الأَبْنَاءِ
هذا أيضًا من المانع الثالث، وكون المرأة حليلة فى النكاح يحصل بالعقد، وأما الملك فلا تكون به حليلة عندنا] ٢٩٦/ب [إلا بالوطء أو ما يقوم مقامه، لا بمجرد الملك، خلافًا للشافعى فى قوله أنها بمجرد الملك حليلة، ولا خلاف أن حليلة ابن الابن وابن البنت وإن سفل داخلة فى حلائل الأبناء.
[ ٤ / ١٢ ]
وَلَوْ قَالَ الأَبُ: نَكَحْتُ الْمَرْاَةَ أَوْ وَطِئْتُ الأَمَةَ بِشِرَاءٍ عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذَلِكَ وَأنْكَرَ الابْنُ لَمْ يُقْبَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ فَاشِيًا قَبْلُ كَشَهَادَةِ الأُمِّ فِى الرَّضَاعِ، ويَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ
قوله: (عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذَلِكَ) أى: نكاح الحرة ووطء الأمة.
وقوله: (لَمْ يُقْبَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ فَاشِيًا) حاصله أنهلم يكن فاشيًا لم يقبل، ويستحب التنزه، وان كان فاشيًا قبل، ويجب الإجتناب، ويفسخ النكاح إن وقع، وشهادة الأم فى الرضاع كذالك. وهذا الذى ذكره المصنف هو أحد التأويلين فى مسألة المدونة فى كتاب النكاح والرضاع. ونص ما فى النكاح: قلت فيمن اشترى جارية أو أراد شراءها أو خطب امرأة فقال أبوه: نكحت الحرة أو وطئت الأمة بشراء، وكذبه الابن فقال: قال مالك: لا تجوز شهادة امرأة واحدة فى الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف.
مالك: وأحبُّ إلي ألا ينكح ويتورع. ولا تجوز أيضًا شهادة امرأتين فى الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف فى الأهلين والمعارف والجيران، فتجوز حينئذ شهادتهما.
ابن القاسم: فشهادة الوالد فى مسألتك كشهادة الأم فى الرضاع، فلا يقبل قول الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشيًا قبل الشراء أو النكاح، وأرى له أن يتنزه عن ذلك بغير قضاء، وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: أرضعت فلانة، فلما كبرت أراد الابن أن يتزوجها فلا يفعل.
ونص ما فى الرضاع: وإذا قالت امرأة عادلة: كنت أرضعت فلانًا وزوجَتَه، لم أقض بفراقهما، ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح أمرته بالتنزه عنها إن كان يثق بقولها، ولو شهدت بذلك امرأتان بعد العقد وهما أم الزوجة وأم الزوج أو أجنبية لم أقض بالفراق إلا أن يفشو ذلك قبل النكاح من قولهما عند الجيران والمعارف. والتأويل الثاني لأبي عمران
[ ٤ / ١٣ ]
أنه لا يجب الفراق مطلقًا، وإنما يتأكد استحباب التنزه إذا فشا ويقوي هذا التأويل قوله فى الثانية: ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح أمرته بالتنزه عنها إن كان يثق بقولها.
فرع: إن صارت إليه جارية أبيه أو ابنه بعد موته ولم يقر مالكها بوطء ولا غيره: قال ابن حبيب: لا تحل.
اللخمي: وهو يحسن فى العلي، وإن كانت من الوخش ندب إليه ألا يصيب ولا تحرمظن وكذلك إذا باعها ثم غاب قبل أن يسأل.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اللّذَّةَ بِالْقُبْلَةِ والْمُبَاشَرَةِ والنَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ كَالْوَطْءِ فِى تَحْرِيمِ الْبِنْتِ
لما قدم أن البنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم بين أن مقدمات الجماع تتنزل منزلة الوطء فى التحريم، سواء كان ذلك فى نكاح أو ملك.
ابن القاسم: في سماع أبي زيد: ولو ماتت زوجته قبل البناء فقبلها حرمت ابنتها. واشترط المصنف اللذة بالمباشرة لأنه لو حصلت المياشرة بغير لذة لم تحرم، فقد روى محمد عن كالك: إن مرض فقامت عليه واطلعت على عورته ومست ذلك منه، أو مرضت فقام هو عليها، أن ذلك لا يحرمها على أبيه وابنه.
أصبغ: وذلك إذا لم يكن شئ من اللذة بقبلة ولا نظر.
وقوله: (والنَّظَرِ) يقرأ بالخفض عطفًا على القبلة والمباشرة، ويكون التقدير: واللذة بالنظر. ولا تصح قراءته بالنصب لأنه حينئذٍ يؤخذ منه أن مجرد النظر محرم، وليس كذلك. وظاهر قوله (وَالْمَشْهُورُ) إلى آخره، أن الخلاف فى الجميع، ولم أره إلا فى النظر، ولذلك يحك ابن لشير وابن شاس الخلاف إلا فيه، ونقل الباجى الشاذ فيه عن ابن القصار. واحترز المصنف بقوله (النَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ) مما لو نظر إلى وجهها، فإنها لا تحرم بإتفاق، حكاه ابن بشير.
[ ٤ / ١٤ ]
وفى الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهب لابنه جاريةً وقال: لا تمسّها فإنى قد كشفتها. ويريد نظر إلى بعض ماتستره من جسدها على وجه طلب اللذة والاستمتاع.
ابن حبيب: ومن تلذذ من أمته بتقبيل أو تجريد أو ملاعبة أو مغامزة أو نظر إلى شئ من محاسنها نظر شهوة حرم على ابنه وأبيه التلذذ بشئ منها إن ملكها. رواه محمد عن مالك، وزاد: وكذلك إن نظر إلى ساقها أو معصمها تلذذًا.
ابن عبدالسلام: ظاهر رواية ابن حبيب بخلاف تقييد المؤلف النظر لباطن الجسد، وقد يقال: إنما احترز بالباطن من الوجه كما قاله ابن بشير، فإن قالت: ماحكا ابن بشير من الاتفاق مخالف لرواية ابن حبيب، فغن قوله فى الرواية: أو نظر إلى شئ من محاسنها للذة يدل على أنه لا فرق بين الوجه وغيره فى ذلك. فالجواب أن الأمر كما ذكرت من أن ظاهر رواية ابن حبيب تنقض الاتفاق، ويمكن الجمع بينهما بوجهين: أولهما: أن يحمل كلام ابن بشير على ماإذا نظر للوحه لا على قصد الالتذاذ. والثاني: أن يقيد مافى رواية ابن حبيب بغير الوجه، والله أعلم.
وَإِذَا انْفَرَدَ الْوَطْءُ فَإِنْ كَانَ حَلالًا كَمِلْكِ الْيَمينِ فَكَوَطْءِ الْعَقْدِ
(انْفَرَدَ الْوَطْءُ) أى: من غير عقد ولا تحصل الإباحة فيه في ملك اليمين. ويعنى بالحلال أن تكون المرأة مباحة الوطء [٢٩٧/أ] ولو وطئتها فى حيض أو صيام، لأنه إذا انتشرت الحرمة بمقدمات الجماع فلأن تنتشر بالجماع أولى. واختلف إذا وطئ الصغير بملك اليمين أو قبَّل أو باشر، فقال مالك في الموتزية: إن قبَّل أو باشر لم تحرم إذا كان صغيرًا. وقال محمد: إذا بلغ أن يلتذ بالجواري فإنها تحرم.
وَإِن كَانَ بِزِنا فَفِيهَا: يُفَارِقُهَا، وأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ
(وَإِن كَانَ بِزِنا) عطفًا على قوله (فَإِنْ كَانَ حَلالًا) أي: فإن زنا بأم زوجته أو زوجتها فليفارق زوجته. وحمل الأكثر (يُفَارِقُهَا) على الوجوب، وأنه يحرم عليه
[ ٤ / ١٥ ]
الاستمرار، وحملها اللَّخْمِيّ وصاحب البيان على الكراهه، واختصرها البرادعى بلقظ التحريم، وتعقب عليه ذلك.
ونص مالك في الموطأ أنه: لا يحرم بالزنا حلال. ونحوه فى الرسالة.
سحنون: وأصحابه كلهم على ما في الموطأ ولا اختلاف. وذكر ابن عبد السلام أنه المشهور، وذكر ابن حبيب فى الواضحة عن مالك أنه رجع عما في الموطأ، وأفتى بالتحريم إلى أن مات. وكذلك ذكر المازري فى كشف الغطاء، وزاد أنه قيل له أفلا تمحو الأول من كتابك؟ أي: مافى الموطأ، فقال: سارت به الركبان. واختار جماعة ما في الموطأ، أما أولًا: فلأن الأصل الإباحة، وأما ثانيًا: فلأن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية في كلام الشارع.
ابن عبد السلام: ولا تكون المرأة من نساءه شرعًا إلا بالوطء المباح.
وَإِنْ كَانَ بِاشْتِبَاهٍ حَرُمَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني (وَإِنْ كَانَ) الوطء (بِاشْتِبَاهٍ) أي: غلطًا، كمن زطئ أجنبية يظنها زوجته أو أمته فإنها تحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه أمهاتها وبناتها.
أبو عمران: ولا أعلم خلافًا فى من وطئ بوجه شبهة أمها تحرم إلا ما روى يحيي عن سحنون فيمن مد يده إلى زوجته في الليل فوقعت على ابنتها غلطًا، أنها لا تحرم عليه زوجته. وقال ابن عبد السلام بعد أن نقل عن سحنون: إن وطئ شبهة لا يحرم، وهذا الخلاف إنما هو على القول بأن الزنا لا يحرم، وأما على أنه يحرم فلا إشكال أن وطئ الاشتباه يحرم.
[ ٤ / ١٦ ]
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ حَاوَلَ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِزَوْجَتِهِ فَوَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى ابْنَتِهَا فَالْتَذَّ فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ، واخْتَارَ الْمَازِرِيُّ خِلافَهُ وأَلَّفَ فِيهَا كَشْفَ الْغَطَا عَنْ لَمْسِ الْخَطَا
قوله (عَلَى ابْنَتِهَا) يريد سواء كانت ابنته أم لا، هكذا هو منصوص عليه، وقال بالتحريم ابن شعبان، والقابسي، وأبو عمران، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والتونسي، واللخمي، وابن العطار، والسيوري، وعبد الحميد، وبه أخذ ابن التبان، ففارق زوجته حين نزلت به. وقال ينفى التحريم سحنون، وأبو سعيد ابن أخي هشام، وابن شبلون. واختاره ابن محرز وألف فيه تأليفًا، وكذلك المازري وألف فيها كشف الغطا عن لمس الخطا، واعتمد المازري فى تصنيفه على تصنيفه على تصنيف ابن محرز عن الشيخ أبي محمد القولان، واحتج المازري بأنه لا رافع للحل المستصحب فى الزوجة إلا آية تحريم المصاهرة، وهى لا تتناول البنت، إذ ليست من نسائه فى الحال كالزوجة، ولا تصلح أن تكون من نسائه فى المآل كالأجنبية، وكذلك اختار صاحب البيان، قال: هو الصحيح، واختلف فى مراد الأشياخ باجتناب الزوجة، وظاهر إطلاقاتهم وجوب الفراق والأجبار عليه. قال فى الجواهر: وهو مذهب جمهورهم. ورأى القابسي وأبو عمران أن ذلك على وجه الاستحباب، لا على الإجبار، وهو مذهب أبي الطيب عبد المنعم فإنه أمر بالفراق، وتوقف في الإجبار. وجمهور القائلين بالتحريم على أن المذهب فيه على قول واحد لا يختلف بإختلاف ماوقع من ذلك عن قصد اللمس أو لا.
المازري: وقال ضعفاؤهم: بل يتخرج على الروايتين فى انتشار الحرمة بالزنا.
عبد الحميد: وهو وهم فاسد ممن حكي عنه؛ لأنه لم يقصد هنا ممنوعًا وإنما قصد الالتزاز بزوجته أو لم يقصد ذلك وحصلت له اللذة.
[ ٤ / ١٧ ]
وقول المصنف (الْتَذَّ) احترز به مما لو لم يلتذ فإنها لا تحرم عليه، وهو الصحيح. وذهب بعض فقهاء صقلية إلى أنّ لمس الابنة ينشر الحرمة وإن لم يلتذ إذا كان أصل لمسه لقصد اللذة.
المارزى: وهو مذهب ضعيف لا يتخرج على أصل، ولا ينبنى على تحقيق. والمسألة قابلة لأكثر من هذا؛ ولذلك احتملت التآليف.
فَإِنْ وَطِئَ مُكْرَهًا فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ زَانٍ أَوْ مَعْذُورٌ كَالْغَالِطِ
تصوره واضح.
وَكُلُّ نِكَاحٍ اخْتُلِفَ فِيهِ اعْتُبِرَ عَقْدُهُ وَوَطْؤُهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِنَصٍّ أَوْ سُنَّةٍ فَفِى عَقْدِهِ قَوْلانِ
لما قدم الكلام على النكاح الصحيح أتبعه بالنكاح الفاسد، وهو على قسمين: مجمع على فساده، ومختلف فيه، وبدأ بالمختلف فيه، ومعنى كلامه أن كل نكاح اختلف العلماء فى صحته وفساده، والمذهب قائل بالفساد، فإنه يعتبر عقده فيما يعتبر فيه العقد، ووطؤه فيما يعتبر فيه الوطء، فتحرم بالعقد أمهاتها، وتحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه البنت بالدخول بالأم فيه. [٢٩٧/ ب]
وقوله (مَا لَمْ يَكُنْ بِنَصٍّ أَوْ سُنَّةٍ) يعنى أنه يعتبر العقد والوطء إلا أن يكون الفساد بنص كتاب أو نص سُنة، فحذف من الأول ما أثبت نظيره فى الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
(فَفِى عَقْدِهِ قَوْلانِ) يعني: ويعتبر وطؤه بالاتفاق. وقال فى المقدمات: والمشهور أن الحرمة تقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه. ونفى غيره الخلاف ورأى أن المذهب كله على التحريم، فإن قلت: فكيف يكون فيه نص كتاب أو نص سُنة ويُختلف فيه؟ قيل: النص
[ ٤ / ١٨ ]
فيه ثلاثة اصطلاحات: الأول: ما احتمل معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا. والثانى: ما احتمل معنى قطعًا وإن احتمل غيره. والثالث: ما احتمل معنى كيف كان. ولا يأتى الاختلاف على الاصطلاح الأول، فإن قلت: فما مثل ذلك؟ قيل: أما ما فيه نص سنة فكنكاح المحرم وإنكاح المرأة نفسها، وأما مافيه نص كتاب فكنكاح الخامسة، فإن قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:؟] نص في عدم الزيادة. وقد أجاز بعض الظاهرية الزيادة.
وَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيِه إِنْ دَرَأَ الْحَدَّ اعْتُبِرَ وَطْؤُهُ لا عَقْدُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمُعْتَدَّةٍ أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْرَأ لَمْ يُعْتَبَرْ عَقَدُهُ، وفِي وَطْئِهِ قَوْلانِ لأَنَّهُ زِنا
يعنى: وإن اجتمع على فساده فهو على قسمين: (إِنْ دَرَأَ الْحَدَّ اعْتُبِرَ وَطْؤُهُ) كما لو وطئ معتده أو ذات محرم أو رضاع غير عالم، وأما لو علم حد فى ذات المحرم أو الرضاع، وفى حد العالم فى نكاح المعتدة قولان سيأتيان. والمشهور عدم اعتبار عقده، ومقابل المشهور لعبد الملك. وذكر ابن الجلاب عنه فيما إذا تزوج أمًا وابنتها فى عقد واحد، فقال عبد الملك: تحل له البنت ويحرم عليه نكاح الأم.
اللخمي: والعقد إن كان حرامًا مجمعًا على تحريمه لم يحرم. هذا هو الصحيح من المذهب، ووقع فى بعض المسائل فى هذا الأصل اختلاف. ويختلف إذا كان مختلفًا فى فساده، والمشهور أن التحريم يقع به. وقوله (وَإِنْ لَمْ يَدْرَأ) إلخ، تصوره ظاهر.
وَإِذَا عَقَدَ عَلَى أُمَّ وابْنَتِهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُسِخَ أَبَدًا
أي: قبل الدخول وبعده، ولا خلاف فيه، والفسخ بغير طلاق.
فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا حَرُمَتَا أَبَدًا
يريد: غير عالم بالتحريم، وأما العلم به فإنه زان، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ١٩ ]
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ لَمْ تَحْرُمِ الْبِنْتُ
لأن العقد الصحيح على الأم لا يحرم البنت، فالفاسد أولى.
وَفِي الأُمِّ قَوْلانِ
فعلى المشهور تحل لأن العقد فاسد لا أثر له خلافًا لعبد الملك.
وَإِنْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى دُونَهَا. وفِي الأُمِّ الْمَدْخُولِ بِهَا القَوْلانِ
أي: فإن دخل إما بالنت أو بالأم (حَرُمَتِ الأُخْرَى) أي: غير المدخول بها دونها؛ أي: دون المدخول بها، ولا خلاف فى هذا إن دخل بالبنت، وأما إن دخل بالأم فالمشهور أن الأم لا تحرم عليه. وعلى قول عبد الملك الأم تحرم أيضًا عليه للعقد الفاسد على ابنتها. و(ال) فى (القولين) للعهد، وقد تقدما.
فَإِنْ تَرَتَّبَتَا غَيْرَ عَالِمٍ فَوَاضِحٌ
(تَرَتَّبَتَا) أي: تزوج واحدة بعد واحدة فواضح؛ لأن البنت إذا كانت السابقة فعقدها صحيح، وعقد الأم فاسد ويفسخ قبل الدخول وبعده، ولا أثر له في تحريم البنت اتفاقًا. وإن كانت الأم السابقة فعقد البنت فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده، ولا تأثير له فى تحريم الأم على المشهور، وهذا والله أعلم هو الى قصد بقوله: (فَوَاضِحٌ). وأما إن دخل بهما أوبإحداهما فذلك على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن يدخل بهما فيفرق بينه وبينهما، ويكون لك واحدة منهما بالمسيس، ويكون عليهما الاستيراء بثلاث حيض، ولا تحل له واحدة أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ميراث.
الوجه الثانى: أن يدخل بالأولى فالحكم أن يفرق بينه وبين الثانية، ولا تحل له، ويبقى وع الأولى إن كانت البنت باتفاق، وإن كانت الأم على المشهور.
[ ٤ / ٢٠ ]
الوجه الثالث: أن يدخل بالثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينها، ويكون لها صداقها، ويكون له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد إن كانت البنت، وإن كانت الأم لم تحل له واحدة منهما، ولا يكون لواحدة منهما ميراث.
الوجه الرابع: أن يدخل بواحدة منهما معروفة، ولم يعلم أهي الأولى أو الثانية، فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول بها منهما أن يفرق بينه وبينها، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت البنت البنت هي المدخول بها فرق بينهما، ثم يتزوج البنت إن شاء بعد استبرائها بثلاث حيض، ويكون للتى دخل بها صداقها بالمسيس، وإن مات الزوج فيكون على المدخول بها من العدة أقصى الأجلين، ويكون لها جميع صداقها.
ابن حبيب: ونصف الميراث. وقال ابن الموز: لا شيء لها من الميراث. قال فى المقدمات: وهو الصواب. وأما التي لم يدخل بها فلا عدة عليها ولا شيء لها من الصداق ولا من الميراث.
وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ السَّابِقَةُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ بَنَى بهِمَا فَلا مِيرَاثَ، ويَجِبُ كُلَّ الصَّدَاقِ
أما سقوط الميراث فلأن نكاحهما مفسوخ، وأما وجوب الصداق فللدخول.
وَإِنْ لَمْ يَبْنِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا، ولِكُلِّ نِصْفُ الصَّدَاقِ
وأما وجوب الميراث فلأن نكاح إحداهما صحيح، [٢٩٨/أ] وأما أن لكل واحدة نصف صداقها فلأنه قد وجب عليه صداق كامل بالموت وهو غير معلوم. وقوله (نِصْفُ الصَّدَاقِ) يعنى سواء اتفق الصداقان أم لا، هكذا صرح به فى المدونة. قال فى المقدمات: والقياس أن يكون عليه الأقل من الصداقين، يقسم بينهما على قدر مهريهما.
تنبيه:
لم يذكر المصنف ما إذا كان الزوج حيًا. وقد ذكره فى المقدمات، فقال: وإن لم تعلم الأولى منهما. يريد: وقد تزوج واحدة بعد واحدة ولم يدخل بهما فرق بينهما، ويتزوج
[ ٤ / ٢١ ]
البنت أن شاء وتكون عنده على طلقتين، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقتها، وقيل: ربع صداقتها. والقياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع أقل الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها الأولى، ولا ادعت عليه معرفة ذلك، فإن ادعت عليه كل واحدة منهما أنه علم أنها هي الأولى، قيل له: احلف أنك ما تعلم أنها هي الأولى. فإن حلف على ذلك وحلفت كل واحدة منهما أنها هي الأولى كان لهما نصف الأكثر من الصداقين يقتسماه بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه كان لهما نصف الأقل من الصداقين فاقتسماه كالأول. وإن نكلت إحداهما وحلفت الأخرة بعد حلفه كان للحالفة نصف صداقها. وإن نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعًا كان لكل واحدة نصف صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت الثانية بعد نكوله كان للحالفة نصف صداقها ولم يكن للناكلة شئ. وإن نكلتا جميعًا بعد نكوله لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين يقسم بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلف على ذلك وأعطاها نصف صداقها ولم يكن للثانيه شيء. ولو نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعًا غرم لكل واحدة منهما نصف صداقها. وإن حلفت الواحدة ونكلت الأخرى بعد نكوله كان للتى حلفت نصف صداقها، ولم يكن للتى نكلت شيء لأن الحالفة قد استحقت نصف الصداق بيمينها. انتهى.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَعْلَمِ الْخَامِسَةُ
أي: فإن كان بنى بالجميع فلكل واحدة صداقها، ولهن الميراث؛ لأن نكاح أربع صحيح، وإن لم يبن بواحدة فلهن الميراث وعليه أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن. وإن دخل بأربع فللمدخول بهن أربعة أصدقة ولغيرهن نصف صداقها؛ لأنها إن كانت رابعة استحقت الصداق كاملًا، وإن كانت خامسة فلا شئ لها، فيقسم الصداق بينهما وبين الورثة. وإن دخل بثلاث فلهن ثلاثة أصدقة وللأخرتين صداق ونصف، ثم كذلك.
[ ٤ / ٢٢ ]
وَأَمَّا الْعَالِمُ فَفِيهَا: إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا يُحَدُّ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ
هذا قسم قوله اولا (فإن ترتبنا غير عالم)
وقوله (إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا) أي: بعد عقده على البنت. وقوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ) قيد ذلك بأن يكون بعد وطء الأم؛ لأنه لو لم يطأها لم يجد لأجل وطئه البنت؛ لأنها ليست محرمة عليه على التأييد.
وَإِذَا جَمَعَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَازَ، وَأَيَّتَهُمَا وَطِئَ حَرُمَتِ الأُخْرَى
لأن وطء الملك كوطء النكاح، ومقدمات الوطء كالوطء.
فإن جَمَعَ إِحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ وَالأُخْرَى بِالْمِلْكِ حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزًا، فَإِنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ، أَوْ كَانَتِ الصُّغْرَى حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ أَبَدًا
قوله: (حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزًا) يعنى: واستمر على الزوجة أما كانت أو بنتًا، ثم إن دخل بالزوحة، أو كانت الزوجة البنت، وإن لم يدخل بها، وهو مراده بالصغرى، حرمت المملوكة على التأييد، وأما إن لم يدخل بالزوجة وهي الكبرى فله إذا أبانها أن يطأ البنت لأن العقد على الأم لا يحرم البنت.
وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَضَاءِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ
هذا راجع إلى ما تقدم فى الموانع من قوله: (وَالْمُعْتَدَّةُ). وقوله: (أَوْ شِبْهِهِ) يحتمل أن يريد به الاستبراء من الأنكحة الفاسدة التى تفسخ بعد البناء، ويحتمل أن يريد به استبراء أم الولد من وفاة سيدها، فإنه سوى فى المدونة بينهما وبين المهتده من نكاح. وقوله: (إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ) ظاهر.
[ ٤ / ٢٣ ]
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) يعني أن المشهور تحريمها على التأبيد. وقيل: لا تحرم، وله أن يتزوجها بعد ذلك. والمشهور ومقابله لمالك.
ففي الجلاب: ومن نكح امرأة في عدتها من طلاق أو وفاة وهو يعلم بتحريمها، ودخل بها، فراويتان: إحداهما: أنه زان، وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها. والرواية الأخرى: أن الحد ساقط عنه، والمهر له لازم، والولد به لاحق، ويفرق بينه وبينها، ولا يتزوجها أبدًا. وعين صاحب الاستذكار وغيره المشهور كما قال المصنف. وأما إن وطئها جاهلًا فلا أعلم خلافًا في التحريم.
ابن حبيب: وإن تزوج في العدة ووطئ، أو قبَّل، أو باشر، [٢٩٨/ ب] أو غمز، أو نظر على وجه اللذة، فعليهما العقوبة، وعلى الولي والشاهد إن عُلم أنها في عدة، إلا إن جُهل. وقال ابن المواز: يحد الزوجان إن تعمدا ذلك.
الباجي: فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة وجهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور، وعلى ذلك ضربه عمر بالمخفقة، وعلى قول ابن المواز على أنهما علما بالتحريم وتعمدا ارتكاب المحظور. وقوله (لِقَضَاءِ عُمَرَ) أي: بالتأبيد من غير مخالف. هكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أنه لم يخالف عمر غيره، وأن عليًا وافقه. لكن ذكر في الاستذكار أنه روي عن علي خلاف ذلك من وجوه، وأنه يتزوجها بعد العدة، قال: روي عن ابن مسعود مثله. قال: وروى الثوري أن عمر رجع عما ذكر عنه المصنف. وما ذكره المصنف من القضاء هو في الموطأ.
وَفِي غَيرِ الْبَائِنِ قَوْلانِ
القول بأنها لا تحرم لابن القاسم؛ لأن الرجعية زوجة، وكان ذلك بمنزلة من وطئ زوجة الغير. قال في المدونة: وقال غير ابن القاسم: هو نكاح في عدة.
مالك: وللأول الرجعة قبل فسخ نكاح الثاني وبعده.
[ ٤ / ٢٤ ]
فَإِنْ لَمْ تُوطَا أَوْ وُطِئَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَفِي التَّأبِيدِ قَوْلانِ
أي: فإن حصل العقد فقط، فهل تحرم بذلك على التأبيد؟ حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين، ولا شك في فسخ النكاح، وما إذا عقد في العدة ووطئ بعدها فذكر المصنف قولين، وهما في المدونة، ففيها: قال مالك وعبدالعزيز: ومن نكح في العدة وبنى بعدها فسخ نكاحه، وكان كالمصيب فيها. وقال المغيرة لا يحرم عليه نكاحها إلى بالوطء في العدة. وقال ابن القاسم: عن مالك: يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين. قال في الكافي: وقول مالك وعبدالعزيز هو تحصيل المذهب. ولا يخفى عليك توجيه هذه الأقوال.
فرع: فإن تزوج امرأته المبتوتة في عدتها، فقال ابن نافع: تحرم عليه كالنكاح في عدة الغير. وقلل ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك: لا تحرم؛ لأنه لم يكن ممنوعًا للعدة بل لكونها لم تتزوج غيره.
وَفِيهَا: فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِلأَبَدِ
يعني: في العدة؛ لأن مقدمات الوطء كالوطء. واختلف قول ابن القاسم في الموازية، فقال مرة: تحرم. وقال مرة: أحب إليَّ ألا ينكحها بغير قضاء. وقال: في الموطأ نفسه اختلاف، فكيف بما دونه.
محمد: وإن أرخيت الستور ثم تقررا أنه لم يمسها، لم تحل أبدًا. وفي البيان أن القبلة والمباشرة بعد العدة لا يقع التحريم بهما اتفاقًا.
خليل: وفيه نظر؛ لأنه قد تقدم أن عبدالوهاب حكى رواية بأنها تحرم بمجرد العقد، فكيف بالمباشرة والقبلة بعد العدة؟ قال: وقد حكى صاحب البيان هذا القول إلا أن يقال: لعل مراده بالاتفاق اتفاق من عدا هذا القول، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٥ ]
فَإِنْ كَانَ مِنْ زِنىً أَوْ مِلْكٍ فَقَوْلانِ
يعني: إذا نكح المستبرأة من زنا أو ملك فقولان. والقول بالتحريم في المستبرأة من زنا لمالك، وبه أخذ مطرف؛ لأن العلة وهي الاستعجال قبل الأوان واختلاط الأنساب حاصلة. والقول بعدم التحريم لابن القاسم وابن الماجشون، لأن الزاني لا يلحق به الولد فلم يكن وطء هذا يدخل اشتباهًا في الولد.
ابن القاسم: وسواء كانت حاملًا أو لا. ثم رجع فقال: أما في الحمل فتحرم عليه ولا تحرم على غيره. وروي ذلك عن مالك. وقال أصبغ: أكرهه في الحمل. والقياس أنه وغيره سواء، ولا أحب أن يتزوجها في ذلك كله.
قال في البيان: والقول الذي رجع إليه ابن القاسم لو عكس لكان أصوب؛ لأن فيه إذا وطاء غير الحامل اختلاط الأنساب، وأما من زنت زوجته فوطئها زوجها في ذلك الماء فلا شيء عليه.
ابن المواز: ولا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء. وقال أشهب: الحامل من زوجها حملًا بينًا إذا وطئت غصبًا لم أر بأسًا أن يطأها زوجها فيه.
أصبغ: أكرهه، وليس بحرام، وأرى مالكًا كرهه.
ابن حبيب: وإن لم تكن بينة الحمل فلا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض. أما القولان فيمن وطاء المستبرأة من ملك اليمين فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه إذا دخل نكاح على ملك أو ملك على نكاح فهو كالمصيب في العدة. وقاله سحنون، وروي أيضًا عنه أنه ليس كالتزويج في العدة فرده في الأول إلى نكاح على نكاح، وفي الثاني إلى ملك على ملك.
فَإِنْ وُطِئَتْ بِمِلْكٍ فَقَوْلانِ
المشهور التحريم كما ذكرنا.
[ ٤ / ٢٦ ]
فَإِنْ وُطِئَتْ بِزِنىً أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ لَمْ يَتَأَبَّدْ
يعني: فإن زنا بالمعتدة أو وطاء المشتري المستبرأة من البائع (لَمْ يَتَأَبَّدْ) وهو ظاهر.
تنبيه:
الصور أربع: نكاح على نكاح، وملك على ملك، ونكاح على ملك، وملك على نكاح. والمصنف تكلم على الأربعة، فأشار إلى النكاح على النكاح بقوله أولًا: (والمعتدة من نكاح إلخ).
وأشار إلى الملك على الملك بقوله: (أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ)، وإلى النكاح على الملك بقوله: (وإن كان من زنى أو ملك فقولان)، وإلى عكسها بقوله: (فإن وطئت بالملك فقولان) والله أعلم.
وَتَصْرِيحُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، والتَّعْرِيضُ [٢٩٩/أ] جَائِزٌ. قَالُوا: ومِثْلُ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، ولَكِ مُحِبٌّ، وَبِكِ مُعْجَبٌ: تَعْرِيضٌ
قوله: (الْمُعْتَدَّةِ) يشمل كل معتدة من وفاة أو طلاق، وحرم التصريح لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
فتضمنت الآية الكريمة إباحة التعريض، وما يضمره في النفس، والمنع من المواعدة بالنكاح. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿سِرًّا﴾. فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والشعبي والسدي وقتادة وسفيان: لا يأخذ ميثاقها وهي في عدتها ألا تتزوج غيره.
وقيل: السر ههنا الزنا.
اللخمي: وليس بحسن؛ لأن الزنا محرم في العدة وغيرها.
الماجشون. ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
[ ٤ / ٢٧ ]
والتعريض: ضد التصريح، مأخوذ من عرض الشيء وهو جانبه، وهو أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلا أن إشعاره بالمقصود أتم، ويسمى تلويحًا، والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض ما ذكرناه، والكناية هي التعبير عن الشيء بلازنه كقوله في كريم: شخص طويل النجاد كثيرُ الرماد.
ابن عبد السلام: والمذهب جواز التعريض في كل معتدة سواء كانت من وفاة أو طلاق، وأجازه الشافعي في عدة الوفاة، ومنع منه في عدة المطلقة طلاقًا رجعيًا. واختلف قوله في عدة الطلاق الثلاث.
وتبرأ المصنف بقوله (قَالُوا) لإشكاله؛ لأن هذه الألفاظ قريبة من التصريح، وكهذه الألفاظ: إن النساء من شأني، وإنك علي لكريمة، وإذا حللت فأذني لي، وإن قدر الله خيرًا يكن، وإن الله لسائق إليه خيرًا، وإنك لنافعة. وأشد من ذلك ما أجازه مالك من الإهداء لها، ورآه من التعريض، قال: ولا أحب أن يفتى به إلا من تحجزه التقوى عما وراءه. ومنع ابن حبيب الإهداء إلا لذوي النهى.
المتيطي: والذي يكره وجهان: أحدهما: العدة. والثاني: المواعدة. فأما العدة فهي أن يعد أحدهما بالتزويج دون أن يوعده الآخر بذلك، وهي تكره ابتداءً باتفاق مخافة أن يبدو للواعد منهما فيكون قد أخلف العدة، فإن وقع وتزوجها بعد العدة مضى النكاح ولم يفسخ، ولا يقع به تحريم بإجماع.
وأما المواعدة فهي التي نهى الله تعالى عنها، وهي أن يعد كل واحد منهما صاحبه، وهي مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين. ثم ذكر ما ذكره المصنف.
فَإِنْ صَرَّحَ كُرِهَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ
لأجل ما ارتكبه من النهي. وعلى القول بفسخ هذا النكاح يكون تزويجها ممنوعًا، وسيأتي.
[ ٤ / ٢٨ ]
ابن المواز: ومواعدة الأب في ابنته البكر والسيد في أمته كمواعدة المرأة، وأما الولي الذي لا يزوجها إلا بإذنها فيكره، وإن وقع لم يفسخ.
فَإِنْ تَزَوَّجَ فَالْمَشْهُورُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ فِرَاقُهَا بِطَلاقِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْهُ إِنْ دَخَلَ، ثُمَّ يَخْطُبُهَا إِنْ شَاءَ. ورَوَى أَشْهَب: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
أي: فإن تزوج من صرح لها بالخطبة في العدة، وتصوره ظاهر.
وقوله في رواية أشهب: (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أي: وجوبًا، علم ذلك من مقابلته له بالمشهور، قال في الرواية: ولو دخل.
المتيطي: قال أشهب: ولا تحلُّ له أبدًا. وذكر ابن يونس وغيره أن قول ابن القاسم اختلف في هذه المسألة في غير المدونة، فقال مرة: يفسخ بقضاء. وقال مرة: بغير قضاء.
وَتَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ لِلْغَيْرِ، وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وذَلِكَ فِي الْمُتَقارِبَيْنِ، فَأَمَّا فَاسِقٌ وصَالِحٌ فَلا
لما في الموطأ وغيره أن النبي ﵊ قال: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه». واشترط الركون؛ لأن النبي ﷺ أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة وقد كان خطبها معاوية وأبو جهم، وأيضًا فلأنها لما ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية وأبا جهم خطباها، ولم ينكر ذلك ﵊، ومن العادة أنهما لا يخطبان دفعة دل ذلك على جواز الخطبة على الخطبة، وقد يقال: إن أسامة لم يخطب وإنما أرشدهما ﷺ لنكاحه، فإذا نكحها لم تنكح من خطبها على خطبة غيره، والركون: ظهور الرضا. والقول باشتراط تقدير الصداق لابن نافع، وهو ظاهر الموطأ، والمشهور قول ابن القاسم، وابن وهب، عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون. ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
[ ٤ / ٢٩ ]
فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ). وقوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) إلخ، تصوره ظاهر. وقد تقدم أن للمرأة ومن قام لها فسخ نكاح الفاسق.
فرع: قال مالك في سماع ابن أبي أويس: أكره إذا بعث الرجل رجلًا يخطب له امرأة أن يخطبها الرسول لنفسه وأراها خيانة، ولم أر واحدًا رخص في ذلك.
فإن عَقَدَ فَثَالِثُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ لا بَعْدَهُ
القول بالفسخ [٢٩٩/ ب] قبل البناء وبعده لابن القاسم، ومقابله لسحنون. والثالث: قال في الاستذكار والكافي: هو المشهور. والأقوال الثلاثة لمالك على عدم الفسخ. قال ابن وهب: يستحب للعاقد أن يتوب ويعرضها على الخاطب أولًا، فإن حلله رجوت له في ذلك مخرجًا، فإن أبي فليفارقها، فإن أنكحها الأول وإلا فلهذا أن يستأنف نكاحها وليس يقضى عليه بالفراق. عيسى: وإن لم يطلقها فليستغفر الله ولا شيء عليه.
وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وهُوَ حَرْبيٌّ أَوْ مُسْتَامَنٌ فأسلمت فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لأَنَّهَا أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، وهِيَ ووَلَدُهَا ومَالُهُ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، وقِيلَ: وَلَدُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ، وكَذَلِكَ مَالُهُ إِلا أَنْ يُقْسَمَ فَيَسْتَحِقّهُ بِالثَّمَنِ
قد تقدم هذا في الجهاد، وتقدم لنا فيه كلام على الولد والمال. والاستثناء في قوله: (إِلا إِذَا سُبِيَتْ) وأخرنا الكلام على فسخ النكاح إلى هنا، وفيه أربعة أقوال:
ابن راشد: والمشهور ما ذكره المصنف وهو أن السبي يهدم النكاح سواء سبيا معًا أو أو مفترقين، قدم أحدهما بأمان أم لا، ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد. انتهى. وفهم المدونة على هذا ابن لبابة وأبو إسحاق. والثاني: أن السبي يبيح فسخ نكاحهم إلا أن يقدم أحدهما بأمان، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثالث: أنهم على نكاحهم إلا أن
[ ٤ / ٣٠ ]
تسبى هي فيفوتها سيدها بوطء قبل أن يقدم زوجها. وهو قول محمد، وفهم أبو بكر بن عبد الرحمن المدونة على هذا.
الرابع: إن سبيا معًا أو سبي هو واستبقي من القتل فهو على نكاحهم، وإن سبيت هي قبل حلت لمالكها. وهو مروي عن مالك أيضًا. ودليل المشهور قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] وهن ذوات الأزواج ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهن المسبيات. وقال جماعة من أهل التفسير: المحصنات هن جماعة من النساء لا يحللن إلا بالتزويج أو بملك اليمين.
والأول هو الظاهر لما في الصحيح أنه ﵊ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوًا فقاتلوهم وظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وكُلِّ محرمتين– محرِّمٌ، وضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَرَابَةِ أَوِ الرِّضَاعِ مَا يَمْنَعُ نِكَاحَهُمَا لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا– وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ؛ لأَجْلِ الْمَرأَةِ مَعَ أُمِّ زَوْجِهَا وَمَعَ ابْنَتِهِ– فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ.
هذا راجع إلى قوله في المحرمات: (والمحرمة الجمع) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. وروى الترمذي وصححه أنه ﵊ نهى أن تنكح المرأة على عمتها، والعمة على بنت أخيها، والمرأة على خالتها، والخالة على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى.
والعلة في المنع كونه يؤدي إلى التقاطع والتدابر للغيرة التي بين الضرائر. وضبطه
[ ٤ / ٣١ ]
أصحابنا بما ذكره المصنف وهو (كُلُّ امْرَأَتَيْنِ إلخ) ولم يكتف بالضابط عن ذكر الأختين أولًا؛ لأن الأختين هما الأصل في هذا الباب، لأنهما متضمن الآية الكريمة، وشأن العلماء ذكر الأصول أولًا كقول ابن الجلاب: يستحب لمن استيقظ من نومه غسل يديه قبل أن يدخلهما في إنائه، وكذلك كل منتقض الطهارة.
وقوله (وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ) يعني: وزيد في الضابط قولنا (مِنَ الْقَرَابَةِ)، لتخرج المرأة مع أم زوجها، لأنك لو قدرت أم الزوج ذكرًا لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة ابنه لكن ليس بينهما قرابة، وكذلك المرأة مع بنت زوجها فأنك لو قدرت البنت ذكرًا لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة أبيه لكن ليس بينهما قرابة. فزاد قوله (مِنَ الْقَرَابَةِ) ليخرج هاتين الصورتين، فإن الجمع فيهما جائز. وأخرج عبد الوهاب هاتين الصورتين بغير هذه الزيادة، فقال: لو قدرت كل واحدة ذكرًا. لأنك إذا قدرت أن المرأة في المثال الثاني ذكرًا جاز له أن يتزوج البنت لأنها ابنة رجل أجنبي.
وقوله: (فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ) أتى بالفاء لأنها كالنتيجة عما قبله.
قوله (لأَبٍ أَوْ أُمٍّ) يحتمل معنيين: أحدهما: أن العمة قد تكون أخت لأبيه خاصة، أو أخته من أمه خاصة، فإذا حرم بأحدهما فأحرى إذا اجتمعا. والثاني: أن العمة كما تكون من جهة الأب كذلك تكون من جهة الأم؛ لأن أخت الجد للأم تسمى عمة عندهم، وأخ الجد لأم عم، هكذا قال ابن عبد السلام.
فَإِنْ اجْتَمَعَتَا فُسِخَا أَبَدًا
أي: فإن جمع الأختين ونحوهما في عقد فسخ العقد قبل الدخول وبعده ولو ولدت الأولاد ولا خلاف فيه.
[ ٤ / ٣٢ ]
وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ أَبَدًا بِغَيْرِ طَلاقٍ، ويُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ
لا إشكال في الفسخ بغير طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، فإن جهل التاريخ، قال المصنف قبل قوله في تعيين الثانية إن وافقته الثانية على ذلك. هكذا قال أَشْهَب ومحمد.
اللخمي: والجاري على مذهب المدونة من عدم قبول تعيين المرأة، الأول في مسألة الوليين عدم قبول قوله هنا.
وقوله: (إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ [٣٠٠/أ] فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ) ونحوه لمحمد والباجي.
وقوله (لِلْمَهْرِ) أي، لأنه مدع لسقوط نصف صداقتها، وعندي أن فسخ نكاحها يكون طلاقًا.
اللخمي: وهذه المسألة على سبعة أوجه: إما أن يقول الزوج: لا علم عندي. وتدعي كل واحدة أنها الأولى، أو لا علم عند الجميع أيتهما الأولى، أو تدعي واحدة أنها الأولى وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يدعي الزوج العلم دونهما، أو تخالفه كل واحدة وتقول: أنا الأولى أو تخالفه إحدهما وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يكون العلم عند جميعهم، فإن قال الزوج: لا علم عندي وادعت كل واحدة منهما أنها الأولى فسخ النكاحان جميعًا.
مالك في الموازية: ولكل واحدة نصف صداقها، وعليه فيكمل لها الصداق في الموت. وقال ابن حبيب: إذا مات يكون لكل واحدة نصف صداقها والميراث، وعليه فيكون عليه في الحياة ربع الصداق فقط، وتحلف كل واحدة لصاحبتها أنها الأولى، فإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى الصداق لمن حلفت منهما، وهو أقيس. وإن ادعت إحداهما العلم،
[ ٤ / ٣٣ ]
وقالت الأخرى: لا علم عندي حلفت المدعية العلم واستحقت النصف، ولا شيء للأخرى، فإن نكلت اقتسمتاه، وإن اعترف الزوج لواحدة غرم للتي اعترف لها نصف الصداق، وحلف للأخرى وبراء، فإن نكل غرم لها نصف صداقها، وإن ادعى جميعهم العلم: الزوج والأختان، كان الجواب كالتي قبلها تأخذ التي أقر لها بغير يمين ويحلف الزوج للأخرى ويبرأ، فإن نكل حلفت التي أنكرها واستحقت، وإنما تخالف هذه التي قبلها في رد اليمين. وإن ادعى الزوج الجهل بالأولى فسخ النكاحان، ولا ينظر إلى ما عند الأختين من علم أو جهل. وإن ادعى العلم، وقال: هذه الأولى، فذكر ما ذكره المصنف بقوله: (ويُقْبَلُ قَوْلُهُ إلخ) وإن شهدت عليه البينة بالنكاحين فأقر بإحداهما وكذب الأخرى فسخ النكاحان بخلاف التي قبلها. انتهى بمعناه.
وَيَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِبَيْنُونَةِ الأُولَى بِخُلْعٍ أَوْ بَتٍّ أَوِ انْقَضَاءِ عِدَّةٍ
يعني: أن التحريم بين الأختين إنما هو تحريم جمع، فإذا أبان الواحدة حلت الأخرى، وبينونتها بأحد ثلاثة أوجه، كما ذكر المصنف وهي: الخلع، والبت وهو الطلاق الثلاث، وانقضاء الطلاق الرجعي.
فَإِنْ قَالَ انْقَضَتْ وَأَكْذَبَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَإِنْ أَمْكَنَ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى
إنما لم يقبل قوله؛ لأن ذلك لا يعرف إلا من قولها، وهن مأمونات على فروجهن.
وقوله (كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى) أي: سواء كما تلزمه النفقة والسكنى، إذا قالت: عدتي لم تنقض. ويكون القول قولها.
ابن محرز: قال بعض المذاكرين: ويكون عليها اليمين في النفقة والسكنى، وأما في العدة فلا. ونقل ابن بشير هذا عن الأشياخ، قال في النكت: قال بعض شيوخنا من القرويين في المرأة التي طلقها زوجها طلاقًا رجعيًا، فإن أراد أن يتزوج أختها أو خامسة، فقالت:
[ ٤ / ٣٤ ]
احتبس الدم عني، فهي مدقة فيه حتى تنقضي لها سنة، فإن ادعت التحريك بعد السنة لم تصدق على الزوج؛ لأن ذلك يظهر فينظر إليها النساء، فإن صدقنها وإلا لم يلزم الزوج أن يتربص إلى أقصى الحمل. ومن هذا ما وقع لابن زرب فيمن مات وادعت امرأته أنها حامل، وورثته عصبته، فأرادوا القسمة، ومر لها عام فأكثر، فأرى أن ينظر إليها النساء، قال: والنظر أحسن إذا استبان اللدد.
وَفِي مَعْنَى النِّكَاحِ وَطْءُ مِلْكِ الْيَمِينِ
لما كان جمع الأختين على ثلاثة أقسام: بنكاح، وبملك، وبنكاح وملك، وتكلم على الأول شرع في الأخريين. يعني إن وطئهما بالملك حرام كنكاحهما. ولا خلاف فيه عندنا.
وَإِذَا وَطِئَ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى مَا لَمْ يُحَرِّمِ الْمَوْطُوءَةَ بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ أَوْ عِتْقٍ نَاجِزٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ، أَوْ إِبَاقِ إِيَاسٍ
قوله (حَرُمَتِ الأُخْرَى) لأنه لو لم تحرم لجاز الجمع، والحكم خلافه. ثم بين ما تحرم به الأولى بقوله: (بِبَيْعٍ إلخ).
وقوله (بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ) أما البيع فظاهر، وأما الكتابة فلأنها أحرزت نفسها ومالها وليس للسيد وطؤها، والأصل عدم إعجازها. واختار اللخمي أن الكتابة غير كافية في التحريم لأنها قد يظهر بها حمل.
وقوله: (أَوْ تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ) احترز بالصحيح من الفاسد كالمتعة، (ويُقَرَّانِ عَلَيْه) من الصحيح الذي لا يقران عليه كنكاح العبد بغير إذن السيد، والصبي كذلك، ونكاح المغرور بالعيب. وقول ابن عبد السلام أن كون التزويج صحيحًا يستلزم أن يقرا عليه. فلفظ (يُقَرَّانِ عَلَيْه) كالحشو ليس بظاهر.
[ ٤ / ٣٥ ]
وَلا أَثَرَ لِعَارِضٍ كَحَيْضٍ، وَعِدَّةِ شُبْهَةٍ، وَرِدَّةٍ، وَإحْرَامٍ، وَظِهَارٍ
لأن زمان الحيض يسير، ولأن مقدمات الجماع لا تحرم فيه، وكذلك عدة الشبهة؛ أي: إذا غلط بها، والردة وإن كانت تحرم الوطء في الحال، إلا أن زمان الاستتابة قصير، وهو ثلاثة أيام والغالب مع تقدم الإسلام، والخوف الرجوع إلى الإسلام، والإحرام أيضًا قصير الزمان، والظهار لأنه قادر على رفع التحريم بالكفارة.
وَلا بِهِبَتِهَا لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ وَلَوْ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ إِذْ لَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ بِالْبَيْعِ
تصوره ظاهر، وقد ذكر ﵀ الحكم وعلته، فإن تصدق بها على ولده، وحيزت له جاز له وطء الأخرى، لأنه لا اعتصار في الصدقة، وإن لم تحز فلا.
قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: لأن الواهب لو أعتق قبل القبض أو أجلها لمضى فعله وانتقضت الهبة.
وَلا بَيْعَ فَاسِدٌ إِلا أَنْ يَفُوتَ
لأنه قبل الفوات لا ينتقل ملك البائع عنه وستعلم هذا في البيوع.
بِخِلافِ صَحِيحٍ دَلَّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ
أي: فإنها تحل، وهذه النسخة هي الصحيحة لا ما وقع في بعضها ولا صحيح؛ لأن في التهذيب في آخر كتاب الاستبراء: وإن باعها وبها عيب حلت له أختها، وهو بيع تام حتى يردها. ووقع في بعض النسخ زيادة على المشهور، وهي زيادة صحيحة لأن في الموازية أن ذلك ليس بتحريم كما نقله اللخمي وغيره.
وَلا اسْتِبْرَاءٍ وَلا خِيَارٍ ولا عُهْدَةٍ؛ يَعْنِي الثَّلاثَ
تصوره ظاهر، وقوله: (الثَّلاثَ) أي: عهدة الثلاث بخلاف عهدة السنة لطول زمانها.
[ ٤ / ٣٦ ]
فرع: ابن حبيب: ولو أخدمها شهرًا أو سنة أو شبه ذلك لم تحل له أختها، وإن أخدمها سنين كثيرة، أو حياة المخدم، فذلك تحل له أختها.
فَلَوْ وَطِئَ مُنِعَ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ
أي: فلو وطاء الثانية بعد وطء الأولى منع منهما حتى يحرم أيتهما شاء، فإن حرم الثانية استمر على وطء الأولى.
اللخمي: وإن عاود الأولى قبل التحريم لم يطأ واحدة منهما إلا بعد الاستبراء، وله أن يطأ إحداهما ويؤتمن على ألا يصيب الأخرى.
وَلَوْ مَلِكَ وَوَطِئَ ثُمَّ عَقَدَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُمْنَعُ، فَإِنْ وَقَعَ حَرَّمَ مَنْ شَاءَ. وقَالَ أَشْهَب: لا يُمْنَعُ، والْعَقْدُ مُحَرَمٌ لِلأَمَةِ. وقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُفْسَخُ
هذا هو القسم الثالث، وله صورتان: إحداهما: أن يتقدم الملك ووطء المملوكة. والثانية: أن يتقدم النكاح. وذكر المصنف في الصورة الأولى ثلاثة أقوال، والثلاثة في المدونة، ففيها: ومن وطاء أمة بملك، ثم تزوج أختها لم يعجبني ذلك إذ لا يجوز له أن ينكح إلا في الموضع الذي يجوز له فيه الوطء إلا أنه لا يفرق بينه وبين امرأته، ويوقف عنها حتى يحرم أيتهما شاء. فإن اختار فسخ النكاح قبل البناء، فهل يلزمه نصف الصداق أم لا؟ فيخرجه بعضهم على المجوسي يسلم على عشرة واختار أربعة على ما سيأتي بعد من يكون لها صداقتها.
سحنون: وقد قال عبد الرحمن: إن النكاح لا ينعقد، وهو أحسن قوليه. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطأ أم لا. انتهى.
وقال بالفسخ عبد الملك، ومطرف، وابن الماجشون، وأصبغ. وهو أقيس لما أشار إلى توجيهه في الرواية أنه لا يجوز النكاح إلا حيث يجوز الاستمتاع، ولا يستثنى من ذلك إلا
[ ٤ / ٣٧ ]
الحيض والنفاس. قال ابن دينار على القول الأول: وأحبُّ إليَّ أن يحرم فرج التي كان يطأ ثم له حينئذ وطء الثانية.
وَلَوْ عَقَدَ ثُمَّ اشْتَرَى وَطِئَ الأُولَى فَلَوْ وَطِئَ الْمُشْتَرَاةَ كَفَّ عَنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ مَنْ شَاءَ
هذه هي الصورة الثانية من القسم الثالث. قوله: (وَطِئَ الأُولَى) أي: الزوجة. وكلامه ظاهر، وهل يكفي في تحريم الأمة أن يقول لها: إن وطئتك فأنت حرة؟ وفي تحريم الزوجة أن يقول: أن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا؟ نص عبد الملك على أن ذلك في الأمة ليس بتحريم لأن أول الإصابة حلال.
اللخمي: وعلى القول بعدم التمكين من الإصابة يكون ذلك تحريمًا. وزعم ابن بشير أن المذهب عدم التمكين، وحاول رد تخريج اللخمي بوجه ليس ببين.
وَالزَّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ مُمْتَنَعَةٌ عَلَى الْحُرِّ والْعَبْدِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الثَّالِثَةُ لِلْعَبْدِ كَالخَامِسَةِ لِلْحُرِّ
لا خلاف بين أهل السنة في تحريم ما زاد على الأربع لحديث غيلان الثقفي وغيره خلافًا لبعض المبتدعة. ووجه المشهور في إباحة الأربع للعبد عموم قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. الآية. وقاس ابن وهب ذلك على طلاقه، ويحتمل أن يكون منشأ الخلاف اختلاف الأصوليين في دخول العبيد تحت الخطاب وعدم دخولهم.
فَلَوْ نَكَحَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ فَكَالأُخْتَيْنِ
أي: فيفسخ أبدًا.
وَأَمَّا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعٍ وسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا صَحَّ
وهذا لا خلاف فيه. وقال ابن لبابة: لا أحسبهم يختلفون فيه.
[ ٤ / ٣٨ ]
عياض: ما لم يكن شرط أنه إنما يتزوج إحداهما بشرط الأخرى. فإن كان بالشرط.
ابن عبد السلام: يريد: ولم يكن ما سمي لكل واحدة صداق مثلها، فاختلف المتأخرون في ذلك، فأجازه ابن سعدون ولم يره كالبيوع، وخالفه غيره، ورآه كالبيوع فلا يجوز إلا أن يكون ما سماه لكل واحدة صداق مثلها. وهذه المسألة لا تناسب هذا الفصل والأليق بها باب الصداق.
فَإِنْ أَجْمَلَهُنَّ فِي صَدَاقٍ وَاحِدٍ فَفِيهَا: الْمَنْعُ. وقَالَ أَصْبَغُ بِالْجَوَازِ
إنما فيها: لا يعجبني، وفهم المصنف والأكثرون منها المنعَ، وعلى ذلك اختصرها الرادعي، وحملها بعضهم على الكراهة.
ابن محرز: وينبغي أن تجري على الخلاف في جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وكان ينبغي أن يخفف في النكاح لكونه مبنيًا على المكارمة وأما في البيوع فلا؛ لأنها مبنية على المكايسة، لأن المعاوضة وقعت بينهما لمكان الشرط، لأنها معاوضة بشيء مجهول، إذ لا يدري أحدهما هل حط من ثمن سلعته شيئًا لمكان الشرط أم لا، وإن حطه لا يدري أحدهما هل حط من ثمن سلعته شيئًا لمكان الشرط أم لا، وإن حطه لا يدري مقدار الحطيطة، وهذا بالنظر إلى البائع وأما بالنظر إلى المشتري بما يظهر للمنع لمكان ربه، والفرق بينه وبين النكاح ما تقدم.
ونص في المدونة على نقل ابن يونس: وإن جملهما في صداق لم يعجبني ذلك، وقد بلغني أن مالكًا كرهه لأنه لا يدري ما صداق هذه من صداق هذه. قيل: فإن طلق إحداهما أو مات عنهما قبل البناء، كم يكون صداقها؟ [٣٠١/أ] أيقسم عليهما على قدرهما؟ قال: نكاحهما غير جائز؛ فقوله: (غير جائز) يفهم منه المنع لأن لفظ (لا يعجبني) كثيرًا ما يستعمله مالك في التحريم، ولا يوجد له استعمال (لا يجوز) في الكراهة. وبقول أصبغ قال ابن دينار، وابن نافع، وسحنون، وحكي عن مالك: لأن النكاح مبني على المكارمة.
[ ٤ / ٣٩ ]
وَعَلَى الْمَنْعِ فَفِي فَسْخِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلانِ
يعني: فإن دخل مضى، وإنما اختلف قبل البناء فمذهب الشيخ أبي محمد أنه يفسخ ولا شيء لها، وكذلك قال ابن محرز. وظاهر قول ابن القاسم أن النكاح فاسد، وأن المطلقة والمتوفى عنها لا شيء لهما، ومقتضى قوله أن النكاح يفسخ. وقال بعض المذاكرين: لهما ما يخصهما من تلك التسمية؛ لأن النكاح أخف من البيوع، ومقتضى هذا أنه لا يفسخ، وكذلك قال في التنبيهات: ظاهره على أصله أنه لا شيء لهما؛ لأنه عنده من باب غرر الصداق؛ إذ لا يدري ما صداق هذه من صداق هذه.
ابن يونس: ويحتمل أن يقال على قوله في من نكح بدرهمين وطلق قبل البناء أن لهما نصف المسمى؛ لأنه إذا راعى قول من يجيز بالدرهمين وألزمه نصفهما بالطلاق فمراعاة قول نفسه وقول غيره أولى.
ابن عبد السلام: وهذان القولان عند المتأخرين مبنيان على المنع ابتداءً، هل هو على الكراهة أو على التحريم؟
وَعَلَى الْجَوَازِ أَوِ الإِمْضَاءِ فَفِي تَعْيينِ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ فَضِّ الْمُسَمَّى قَوْلانِ
أي: إذا قلنا بجواز النكاح ابتداءً وفرَّعنا على الإمضاء إما بعد البناء، وإما قبله على أحد القولين، وتصور كلامه ظاهر. والقول بفض المسمى هو للقائلين بالجواز، ولا يمكن أن يأتي على الجواز خلافه وإن كان ظاهر كلامه أن القولين أيضًا يأتيان على القول بالجواز، وعلى هذا فالقول بصداق المثل إنما هو بعد البناء، وأما قبل البناء فلا شيء لها على مذهب ابن القاسم على ما قاله ابن يونس وغيره، ولهذا قال بان عبد السلام: قال غير المصنف: إنما يوجد القولان بفض المسمى أو تعييين صداق المثل بعد الدخول، وأن الفض مبنى على الكراهة وتعيين صداق المثل مبني على المنع.
[ ٤ / ٤٠ ]
وقد يجاب عنه بأن قوله: (فَفِي تَعْيينِ .. إلى آخره)، من باب اللف والنشر، وأن قوله: (فَفِي تَعْيينِ) راجع إلى قوله (أَوِ الإِمْضَاءِ) وقوله: (أَوِ فَضِّ الْمُسَمَّى) راجع إلى قوله (وَعَلَى الْجَوَازِ) وفيه بعد، والله أعلم.
فرع:
ابن يونس: يجوز أن يتزوج امرأتين إحداهما على صداق مسمى، والأخرى على تفويض في عقد واحد، وكذلك لو جمعهما في عقد واحد تفويضًا. قاله أبو عمران.
وَالْمُسْتَوْفَاةِ طَلاقًا– وَهُوَ ثَلاثَةٌ لِلْحُرِّ واثْنَانِ لِلْعَبْدِ– لا تحلّ بِعَقْدٍ وَلا مِلْكٍ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا لازِمًاَ وَيَطَأُهَا وَطْئًا مُبَاحًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ فِي الْحَيْضِ وَالإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ.
هذا راجع إلى قوله في الموانع (وَالْمُسْتَوْفَاةِ طَلاقًا) وقوله (لا تحلّ) خبر عن (الْمُسْتَوْفَاةِ).
وقوله: (وَهُوَ ثَلاثَةٌ) جملة وقعت بين المبتدأ والخبر وهي تفسير لقوله: (طَلاقًا).
وقوله: (لا تحلّ بِعَقْدٍ وَلا مِلْكٍ) يحتمل معنيين: الأول: لا تحل بعقد الغير عليها أو بوطء سيدها للذي طلقها ثلاثًا، وهو الأقرب.
والثاني: لا تحل بعقده هو عليها، ولا يمكله هو لها، ولا خلاف في ذلك كله عندنا لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولما في البخاري والموطأ ومسلم أن رفاعة طلق امرأته على عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض ولم يستطع أن يمسها ففارقها وأرادت الرجوع إلى رفاعة، فقال لها ﷺ: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته".
[ ٤ / ٤١ ]
وذكر المصنف خمسة قيود لتحليل المبتوتة لمطلقها:
الأول: النكاح. والثاني: الصحيح. والثالث: اللزوم. والرابع: الوطء. والخامس: أن يكون مباحًا.
وبدأ بالكلام على الأخير طلبًا للاختصار، وهو إباحة الوطء، وذكر أن المشهور اشتراطه خلافًا لابن الماجشون، قال: لأنه وطء في نكاح لا حد عليه فيه، وذاقت عسيلته فوجب أن تحل.
وظاهر كلامه أن هذين القولين في كل صيام سواء كان واجبًا أو تطوعًا، أو في قضاء رمضان أو غيره، وهو رأي الباجي. ورأى غيره أنه ظاهر المدونة والموازية، واختاره ابن رشد، وقال ابن حبيب بعد أن اختار قول ابن الماجشون: إن القولين فيما عدا صيام التطوع، وقضاء رمضان، والنذر غير المعين، وأن الوطء في هذه يحل اتفاقًا. واختاره اللخمي، وهو عنده مذهب المدونة، لأن الصيام يفسد في الثلاثة بأول الملاقاة ولأن القضاء والنذر غير المعين مضمون بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه وإن فسد بأول الملاقاة لكنه مخاطب بالإمساك عن التمادي. وفي العتبية عن ابن القاسم أنه لا يحلها الوطء في رمضان ولا في نذر، ووقف في صيام التطوع، وعده ابن رشد ثالثًا. أبو عمران: وإن وطئها قبل أن تغتسل من الحيض جرى على الخلاف في جواز وطئها حينئذ.
وَلا تَحِلُّ بِوَطْءِ مِلْكٍ
هذا راجع إلى القيد الأول وهو قوله: (نِكَاحًا).
وَلا بِنِكَاحٍ غَيْرِ صَحِيحٍ كَنِكَاحٍ الْمُحَلَّلِ
[٣٠١/ ب] هذا راجع إلى قوله (صَحِيحًا). ومثل المصنف بنكاح المحلل لشهرته وللاختلاف فيه، ولأنه هو الغالب هنا، وإلا فكل نكاح فاسد مساو له في عدم التحليل،
[ ٤ / ٤٢ ]
ولا إشكال في عدم الحلية في النكاح الذي يفسخ قبل الدخول وبعده، وأما ما يفسخ قبل البناء فقط، فقال الباجي: إن وطاء بعد المرة الأولى وقع به الإحلال، وأما أول وطء وهو الذي يفوت به النكاح فلم أر فيه نصًا، وعندي أنه يحتمل الوجهين: الإحلال وعدمه. ولعله أشار إلى الخلاف المعلوم، هل النزع وطء أم لا؟ ودليلنا على فساد نكاح المحلل ما صححه الترمذي وخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وخرج الدارقطني وابن ماجه عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار. قالوا: بلى. قال: هو المحلل. ثم قال: لعن الله المحلل والمحلل له".
عبد الحق: وإسناده جيد. ولا يقال أنه ﷺ سماء محللًا، لأنا نقول إنما سماه على زعمهم.
وَالْمُعْبَبَرُ نِيَّةُ الْمُحَلَّلِ لا الْمَرْأَةِ
وإنما اعتبرت نية المحلل لأن الطَّلاق بيده، وهذا هو المعروف. وفي الطرر: إذا نوى الإحلال من غير شرط لم تحل عند مالك، وأحلها ذلك عند غير واحد من أصحابه، وهو قول سالم والقاسم وأبي الزناد ويحيى بن سعيد قالوا كلهم: يجوز للرجل أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجين وهو مأجور، ونحوه في الزاهي لابن شعبان. انتهى. وقال صاحب الكافي: وقد قيل: ينبغي للأول إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها، أن يتنزه عن مراجعتها، وكذلك المرأة إذا اشترطت ذلك أو نوته، وقد قيل: إذا علم أحد الثلاثة بالتحليل فسخ النكاح وهذا شذوذ. وفي المتيطية: إن نوى الناكح الإحلال للأول لم تحل له، وعوقب هو ومن علم بذلك من الزوجة والولي والشهود.
ابن حبيب: وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان احتسب تحليلها للأول لم يجز ولا تحل للأول لما خالط نكاحه إياها من نية التحليل.
[ ٤ / ٤٣ ]
محمد: ولو قال المطلق: تزوجي فلانًا فإنه مطلاق، حلت إن تزوجته، وكذلك إن تزوجته هي لذلك، وإن تزوجها ليمين لزمت. ففي البيان: في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا، لأنه نكاح، ولو شاء أن يقيم عليه لأقام، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. الثاني: أنه لا يحلها مطلقًا غير أنها إن لم تشبه مناكحه لم يبر، وإن أشبهت بَرَّ، وهو قول ابن دينار، وأحد قولي ابن كنانة، ولو أقامت عنده سنتين أو أكثر. الثالث: الفرق بين أن تشبه مناكحه أو لا، وهو أحد قولي ابن كنانة.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ بِتَطْلِيقَةٍ بِائِنَةٍ، وَلَهَا الْمُسَمَّى إِذَا أَصَابهَا عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ صَدَاقُ مِثْلِهَا
نص مالك على أنه يفرق بينهما قبل البناء وبعده، ولم يتعرض للطلاق، وفسر ابن المواز بأنه يفسخ بطلاق إن أقر بذلك قبل البناء وبعد العقد، قال: وأما إن أقر بذلك قبل النكاح فليس بنكاح. يعني: فيفسخ بغير طلاق.
الباجي: وعندي أنه يدخله الخلاف في النكاح الفاسد المختلف في فساده، هل يكون بطلاق أم لا؟ وهو تخريج ظاهر. وقول المصنف: (بَائِنَةٍ) ظاهر، لأنه من الطَّلاق الذي يوقعه الحاكم. واختلف إذا فسخ بعد البناء، فروى ابن عبد الحكم: لها صداق المثل. وقال ابن المواز: بل المسمى، وهو قول مالك.
الباجي: وهو الأظهر لأن فساده في عقده، وهو الذي قال المصنف أنه الأصح.
ابن عبدالسلام: وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في الأنكحة الفاسدة للشرط فأنتج له ذلك؛ أنا إذا فسخناه لنية الزوج الثاني التحليل، ولا شرط هناك أن يكون لها المسمى إتفاقًا، وإليه أشار. انتهى.
[ ٤ / ٤٤ ]
وإذا فرق بينهما فأراد المحلل أن يتزوجها بعد ذلك، فقال مالك: له ذلك. وروى أشهب: أحب إلي ألا ينكحها أبدًا. قال: ويجب عليه أن يأتي الأول فيعلمه أنه قصد تحليلها ليمتنع من نكاحها.
وَلا تَحِلُّ الذِّمِّيَّةُ بِنِكَاحِ الذِّمِّيِّ لِفَسَادِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذا من معنى الذى قبله، ومعناه: إذا كانت ذمية تحت مسلم، وطلقها ثلاثًا وتزوجها ذمي فلا تحل لمسلم بعد فراق الذمى لها على المشهور. والقول: بتحليلها لأشهب، وهو مبني على الشاذ عندنا فى أن أنكحة الكفار صحيحة. و(عَلَى الْمَشْهُورِ) يحتمل أن يتعلق بـ (لا تَحِلُّ) ويحتمل أن يتعلق بـ (فَسَادِهِ).
ابن عبد السلام: وهو الأظهر لأنه لو تعلق بـ (لا تَحِلُّ) كان الخلاف منصوصًا فى نفى الحلِّية مع فساد أنكحتهم، فلا يكون القول الشاذ سببًا. انتهى.
وقد يقال: إن قوله: (لِفَسَادِهِ) إنما هو تعليل للمشهور فقط. وليحيي بن يحيي قول ثالث: إن مات الذمي حلت وإن طلقها فلا.
وَلا بِنِكَاحِ غَيْر لازِمٍ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ الْمُتَعَدِّي، ونِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ، أَوْ الْمَغْرُورَةِ أو ذِي الْعَيْبِ، أَوِ الْمَغْرُوِرِ إِلا إِذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ ورِضَا الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ.
] ٣٠٢/ أ [هذا راجع إلى القيد الثالث، وقوله (الْمَغْرُوِرِ أو الْمَغْرُورَةِ) أى: بالحرية، (إِلا إِذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ) راجع إلى العبد.
وقوله (ورِضَا الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ) راجع إلى صورتي العيب والغرور.
وقوله (وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ) يعنى فى الخمسة، وهذا أعنى أنها لاتحل إذا أجيز النكاح بوطء سابق هو المشهور، وعن أشْهَب فى العبد أنها تحل فى الوطء المتقدم إذا أجازه السيد.
[ ٤ / ٤٥ ]
ومنشأ الخلاف هل الخيار الحكمى كالشرطي أو لا؟ فإن قلنا ليس كالشرطي والأصل فيه اللزوم أحل وإلا فلا. وانظر هل يتخرج على هذا قول بالإحلال وإن لم يجزه السيد؟
وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي الْقُبُلِ وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا عَلَى الْمَنْصُوصِ.
قوله: (وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ) أي: ولا يتوقف الإحلال على الإنزال. وفسر مالك ﵀ فى الموازية العسيلة المشترطة بالإيلاج، وروى نحوه ابن مزين عن عيسى بن دينار سواء أنزل أو لم ينزل.
وقوله (فِي الْقُبُلِ) ظاهر، لأنها لا تذوق العسيلة إلا فيه. وفهم من قوله: (وَيَكْفِي إِيلاجُ الْحَشَفَةِ) أن دون ذلك لايكفى، لأنه بين أنه أقل ما يكون به الإحلال.
ابن القاسم: ولو وطئ فوق الفرج، فأنزل ودخل ماؤه فى فرجها فأنزلت هى فلا يحصنها ولا يحللها.
قوله: (وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا) يعني قائم الذكر مقطوع الخصيتين. والمنصوص مذهب المدونة، قيل: وسواء كان مقطوع الحشفة أو غير مقطوع. وذكر بعضهم قولًا آخر أنها لاتحل، وأما المجبوب فنص فى المدونة أنها لا تحل به، قال فيها: لأنه لا يطأ.
وَالانْتِشَارُ شَرْطٌ فِي الْمَشْهُورِ
لأن العسيلة لا تحصل إلا به، والشاذ لابن القاسم فى الموازية.
وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُ الزَّوْجِ عِنْدَ الوَطْءِ وَإِطَاقَةُ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ
قيد بلوغ الزوج بأن يكون عند الوطء؛ لأنه لو حصل العقد قبل البلوغ، والوطء بعده أحلَّ، فإن وطئ قبل البلوغ لم تحل، وهو بين على المشهور من عدم حده لو زنى حينئذ، وأجرى اللَّخْمِيّ وغيره على الشاذ القائل بحد المراهق قولًا بأن يكون وطؤه محللًا.
[ ٤ / ٤٦ ]
قوله: (وَإِطَاقَةُ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ) أي: ولا يشترط بلوغها واحترز بذلك ممن لاتطيقه فإنه لاينفع فهو كالعدم.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجَةِ خَاصَّةً بِالْوَطْء، وَقَالَ أَشْهَب: عِلْمُ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ حَلَّتْ
الأول لابن القاسم، ورأى أن الله سبحانه لما أضاف النكاح إليها بقوله ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾] البقرة: ٢٣٠ [الآية، كانت هى المعتبرة. ورأى أَشْهَب أن الزوج هو المعتبر لأنه الفاعل، ورأى ابن الماجشون أن الوطء سبب في الحلية من باب خطاب الوضع، وهو لا يشترط فيه علم المكلف وهو أقيس.
ورأى اللَّخْمِىّ أنها لا تحل إلا بأن يكونا عالمين لقوله ﷺ "حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك".
فَلَوِ ادَّعَتِ الْوَطْءَ بَعْدَ الدُّخُولَ وأَنْكَرَهُ فَثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلاق فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. وَرَابعُهَا يَبْنَى عَلَى الْمَسِيسِ في الصَّدَاقِ
القولان الأولان فى المدونة، ففيها: قال مالك: ومن بنى بزوجته ثم طلقها فادعت المسيس وأنكره لم يحلها ذلك لزوج كان طلقها ثلاثًا إلا بتقاررهما على الوطء. وقال ابن القاسم: أما فى الإحلال فلا أمنع المطلق منها وأدنيه، وأخاف أن يكون إنكار الزوج ليَضُرَّ بها فى نكاحها ولا تكون بذلك محصنة. وحكى المصنف القول الثالث عن ابن القاسم، وحكاه الباجى عن ابن وهب وهو قريب المالك فى الموازية، إلا أنه جعل اختلافهما بقرب الطَّلاق كاختلافهما قبله. والرابع للباجى. ومعنى (يَبْنَى عَلَى الْمَسِيسِ في الصَّدَاقِ) أي حيث يكون القول قولها فى تكميل الصداق تحل، والصداق يكمل بقولها غن خلا بها خلوة الاهتداء، وأما إن خلا بها خلوة زيارة، فالقول قول الزائر منهما، وسيأتى.
[ ٤ / ٤٧ ]
اللخمي: وقول مالك أحسن لأن الحرمة متيقنة، وإنكار الثانى يوجب شكًا. قال: والإحلال يصح بثلاثة شروط: بشاهدين على نكاح المحلل، وامرأتين على الخلوة، وتصادق الزوجين على الإصابة. فإن لم يعلم التزويج إلا من قول المطلقة لم يقبل قولها فى الأمد القريب، ويقبل فى البعيد إذا كانت مأمونة. واختلف فى غير المأمونة، فقال محمد: لايقبل قولها ولا يتزوجها الأول حتى يستخبر لنفسه ولو منعه السلطان حتى يعلم خبرها رأيت ذلك له. وقال ابن عبد الحكم: لا يمنع إذا طال الأمد مما يمكن موت شهودها وهى كالغريبة، وإن كانا طارئين قبل قولهما ومنعت فى الأمد القريب؛ لأن عقد النكاح والدخول لا يخفى فى الغالب على الجيران، والمرأة تتهم فى الرجوع إلى الأول، وإذا طال الأمد تضعف التهمة ودينت الطارئة لتعذر إثبات ذلك إلا أن يكون الموضع قريبًا، وإذا علم النكاح ولم يعلم الدخول حتى طلق لم تصدق أنه بنى بها لأن ذلك مما لايخفى وقد أتت بما لايشبه.
أشهب فى المدونة: ولو صدق الثانى لم تصدق، ولا تحل حتى تعلم الخلوة.
وَفِيهَا: إِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَمَاتَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ طَرَقَهَا لَيْلًا لَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ
تصوره ظاهر، ولعله نسبها للمدونة، لأنها تقتضى بحسب] ٣٠٢/ب [المفهوم أنه لو كان حيًا لصدقت إن وافقها الزوج، وليس كذلك كما تقدم عن أشهب.
الرِّقُّ قِسْمَانِ: مَانِعٌ مُطْلَقًا فَلا يَنْكِحُ أَمَتَهُ وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ
هذا راجع إلى أحد الموانع المتقدمة، وهو ينقسم إلى قسمين كما ذكر: الأول: (مانع مطلقًا) أى: فلا يجوز بوجه من الوجوه. وحكى اللَّخْمِيّ وابن يونس وغيرهما الإجماع على أن الملك والزوجية لا يجتمعان لتنافي الحقوق، لأن المرأة إذا تزوجت عبدها تطالبه
[ ٤ / ٤٨ ]
بالنفقة للزوجية والخدمة للرق، ويطالبها هو أيضًا بالنفقة للرق والخدمة الزوجية. وقوله (وَلَوْ مَلَكَ) يعني أن ملك أحد الزوجية لصاحبه مناف للنكاح، ولو طرأ الملك إما بميراث أو غيره.
وينبغى أن يفهم قوله (فَلا يَنْكِحُ أَمَتَهُ) على القن ومن فيها شائبة الحرية، لأن أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل والمعتق بعضها كالقن، وكذلك نص مالك على أن المرأة لا تتزوج مكاتبها، وأما من دفعت إليه جارية ليستخدمها فرأى بعضهم أنه يجري جواز نكاحها على الخلاف في حده إذا زنا بها، فمن يقول بحده هنا يقول بصحة النكاح، ومن يقول بسقوط الحد يقول بمنع النكاح.
ابن عبد السلام: وفيه نظر لأنه لا يلزم من كون الحد ساقطًا بالشبهة فسخ النكاح بها. وحيث ملك أحد الزوجين صاحبه ففي الموطأ: هو فسخ بغير طلاق، وهو المعروف. ونقل ابن سحنون أن الفرقة في ذلك طلاق.
فرع:
وهل يجوز للمكاتب والعبد أن يريا شعر سيدتهما، أجازه مالك في المدونة بشرط أن يكونا وغدين. وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز ولو كانا وغدين، ولا يخلوان معها فى البيت. قال في المدونة: وإن كان لها فيه شرك فلا يرى شعرها وإن كان وغدًا.
اللخمي: واختلف فى عبد زوجها وعبد الأجنبى هل يدخل عليها ويرى شعرها؟
واختلف فى العبد الخصي الوغد، قال مالك: لا بأس أن يرى الخصي شعر سيدته وغيرها، وإن كان له منظر فلا أحبه، وأما الحر فلا، وإن كان وغدًا. وقال مالك فى العتبية: لا بأس أن يدخل على المرأة خصيها، وأرجو أن يكون خصي زوجها خفيفًا، وأكره خصيان غيره. وقال أيضًا: لا بأس بالخصي والعبد أن يدخلا على النساء ويريا شعورهن
[ ٤ / ٤٩ ]
إن لم يكن لهما منظر. فجعل الخصي فى القول كغيره ممن لم يخص فمنعه إلا أن يكون ملكا لها ولا منظر له، وأباحه فى القول الأخر إذا كان لزوجها، وإن لم يكن وغدًا، ثم أجازه وإن كان لأجنبي، وأجاز دخول الخصي عليهن وإن كان حرًا. انتهى.
وَلا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ
لأنه فسخ قبل البناء، وكل فسخ قبل البناء فلا شيء فيه إلا نكاح الدرهمين على أصح القولين.
وَبَعْدَهُ كَمَالها
أي: فإن استثنى الزوج المشترى المال كان الصداق له وإلا فهو لبائعها.
وَالْمَرْأَةُ فِي زَوْجِهَا كَذَلِكَ
يعني: فلا يجوز أن تتزوج عبده وما في معناه من مكاتب ونحوه، ولو ملكته بشراء أو غيره انفسخ النكاح بغير طلاق.
فروع: قال ابن القاسم في الموازية: وإن اشترى ابن زوج أمه أو امرأة أبيه انفسخ النكاح. وعن أشهب: لا ينفسخ.
وَلَوْ دَفَعَتْ لِسَيِّدِهِ مَالًا عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْهَا فَكَذَلِكَ خِلافًا لأَشْهَبَ
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، ومعناها أن الزوجة الحرة إذا دفعت مالًا لسيد زوجها ليعتقه عنها، (فَكَذَلِكَ) أي: يفسخ النكاح كما لو اشترته. وهو مذهب ابن القاسم، وروى أَشْهَب أنه لم يستقر لها ملك عليه، وليس لها إلا الولاء كما لو أعتقه السيد عنها من غير سؤالها.
[ ٤ / ٥٠ ]
وَلَوِ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا وهِيَ غَيْرُ مَاذُونٍ لَهَا فَرَدُّهُ السَّيِّدُ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا
لأنها لم يأذن لها سيدها فى التجارة، ورد السيد لم يتم الشراء.
وَقَالَ سَحْنُونً: لَوْ تَعَمَّدَ فَسْخَ نِكَاحِهِمَا بِبَيْعٍ لَمْ يَنْفَسِخْ
هذا الكلام لسحنون فى المدونة، ونصه: وإن اشترته قبل البناء فلا مهر لها. سحنون: إلا أن يرى أنها وسيده اغتزيا فسخ نكاحه فلا يجوز ذلك، وتبقى زوجته. إذ الطَّلاق بيد العبد فلا تخرج من عصمته بالضرر، وقول سحنون تفسير.
وإذا وهب السيد لعبده زوجته لينتزعها ففيها لا يجوز له ذلك ولا تنتزع واستدل به على جبر العبد على الهبة وقيل: تنتزع
أي: أنه لا تتم الهبة ولا يفسخ النكاح، ومن لازم عدم الفسخ عدم الانتزاع، فيكون المصنف اكتفى بذكر اللزوم عن ذكر الملزوم. وقول ابن عبد السلام: وتعبير المصنف عن فسخ النكاح بالانتزاع- وهو خلاف الاصطلاح- ليس بظاهر، لأنا نقول: لانسلم أنه عبر بالانتزاع عن الانفساخ، وإنما ذكر لازم عدم الانفساخ، وإنما لم ينتزع لأن السيد قصد الضرر بالعبد بإخراج زوجته والضرر متف لقوله ﷺ: "لاضرر ولا ضرار".
قال فى الجواهر: ولأصبغ أنه يكره له ذلك ابتداء، فإن فعل جاز. وقال ابن الماجشون: إن كان مثله يملك مثلها فذلك له ويفسخ النكاح.
محمد: ولو لم يملك مثله مثلها فالهبة باطلة. وقال ابن عبد الحكم: إن قصد الفرقة لم يجز. انتهى.
والأظهر هو المشهور، ولعل هذا] ٣٠٣/ أ [الخلاف محمول على ما إذا قصد السيد إزالة عيب النكاح عن عبده، إلا أن يحلها لنفسه. ومثل المشهور فى هذه المسألة ما وقع لمالك فى المرأة ترتد تريد بذلك فسخ النكاح أنها تبقى على عصمته.
[ ٤ / ٥١ ]
ابن يونس: وأخذ به بعض أشياخنا، قال: وهى كاشترائها زوجها. تقصد به فسخ نكاحها. ونسب المصنف المسألة للمدونة لوجهين: أحدهما: إشارة إلى أن قول سحنون في المسألة السابقة هو المذهب، لأن هذه تشبه تلك، وعلى هذا فيتخرج الخلاف الذي في هذه على تلك. والثاني: إشارة إلى أخذ ابن محرز منها أن للسيد أن يجبر عبده على الهبة. ووجه هذا الاستدلال أن يقال: إنما منع السيد من الإنتزاع لقصده الضرر فيقتضي أن السيد لو لم يقصد ضررًا لم يكن للعبد مقال، وهو دليل على أن له الجبر وإلا لكان للعبد أن يقبل الهية مطلقًا.
وَلا يَنْكِحُ أَمَةَ ابْنِهِ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا
لأن أمة ابنه كأمته لقوة شبهة ملك الأب في مال الابن، ولذلك قلنا: إذا وطئها لا يحد، واسم (كَانَ) يحتمل أن يعود على الأب وهو الأقرب لأن المسألة في المدونة وغيرها كذلك، ويحتمل أن يعود على الابن.
المتيطى: وكره ابن عبد الحكم أن يتزوج الرجل أمة ابنه، وإن وقع لم أفسخه. وخالفه جميع أصحابه، وأجاز في العتبية للرجل أن يتزوج جارية زوجتة، وعن ابن كنانة كراهته.
قال فى البيان: مراعاةً لقول من رأى أن للزوج شبهة في مال زوجته فدرأ الحد عنه فى وقوعه بجاريتها، روى ذلك عن ابن مسعود وهو شذوذ، والصحيح أنه لا كراهة في تزويجه إياها، وأنه يحد إن واقعها كما روى عن عمر وعلي ﵄. انتهى.
وهذا فى جارية لم تكن من الصداق، وأما جارية الصداق فيجوز ذلك فيها بعد الدخول، ومنع منه في العتبية قبل الدخول. وخرج فيها صاحب البيان قولًا بالجواز من أحد القولين اللذين فى ثمانية أبى زيد بوجوب الحد عليه لو زنا بها حينئذ.
[ ٤ / ٥٢ ]
وَيَمْلِكُهَا بِوَطْئِهِ، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ ويَغْرَمُ قِيمَتَهَا، وتُبَاعُ إِنْ أَعْسَرَ مَا لَمْ تَحْمِلْ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِلابْنِ التَّمَاسُكُ فِي عُسْرِ الأَبِ ويُسْرِهِ مَا لَمْ تَحْمِلْ
أي: يملك الأب جارية الابن بوطئه بغير نكاح، وتحرم بذلك على الولد لما له في مال ابنه من الشبهة، وتلزمه قيمتها حملت أم لا، كان مليئًا أو معدمًا. ونص سحنون على أنه إذا أعطى قيمتها لا يطؤها إلا بعد أن يستبرئها من مائه الفاسد.
قوله: (وتُبَاعُ إِنْ أَعْسَرَ مَا لَمْ تَحْمِلْ) يعني: إذا ألزمنا الوالد القيمة فإن كان مليئًا أخذت منه، وإن كان معدمًا يبعت عليه إلا أن تكون حملت فلا تباع، وهي له أم ولد لا يحل نقل ملكه عنها، ورأى ابن عبد الحكم أن للابن أن يتماسك بجاريته إذا لم تحمل فى عسر الأب ويسره، لأن الأب قد عيب ملكه، وإخراج ملكه عنه بغير اختياره ضرر.
قال هو وعبد الملك: وذلك إذا كان الابن مأمونًا عليها.
فَإِنْ كَانَ الابْنُ وَطِئَهَا وَقَدِ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا وَتُعْتَقُ
هذا من باب اللف والنشر، فإن الحرمة عليهما مرتبة على الوطء، والعتق مرتب على الاستيلاد، وإنما عتقت بالولادة لأن كل أم ولد حرم وطؤها ينجز عتقها، كما لو أولد محرمًا غير عالم، ثم تبين ذلك لأن أم الولد إنما لسيدها فيها الاستمتاع، فإذا حرم لم يبق لبقائها فائدة.
وبهذا التقدير يندفع قول ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنها لا تحرم إلا بمجموع وطئها والاستيلاد. ولم يبين المصنف على من تعتق؛ والحكم أنها تعتق على الابن إن كان أولدها قبل وطء والده، والأب قد أتلفها بوطئه فيغرم قيمتها أم ولد لأنا لو أعتقناها على الأب كنا ناقلين ولاء أم ولد عمن استولدها. وإن كان الابن وطئها ولم تحمل منه ثم وطئها أبوه وحملت منه غرم قيمتها أمة وعتقت عليه.
[ ٤ / ٥٣ ]
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ ابْنَةَ سَيِّدِهِ. وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ
هذا فى المدونة، ويتصل بقول ابن القاسم فيها: برضا مولاه ورضاها به. فأخذ منه أن العبد ليس بكفء للحرة، وأنه لابد من رضاهما.
عياض: وأخذ منها بعضهم أيضًا أنه ليس له أن يجبر البكر لاستراط رضاها. قال: والظاهر أنه في غير البكر، والله أعلم.
واستثقال مالك على الكراهة. ابن محرز: لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ومؤدٍّ إلى التنافر، لأن الطباع مجبولة على الأنفة من ذلك.
وقال ابن يونس: إنما استثقله خوف أن ترثه الابنة فيفسخ النكاح. وانظر على الأول هل يتعدى ذلك إلى عبد غير أبيها؟ ابن عبد السلام: وفيه احتمال.
عياض: الأول هو الصحيح؛ لأن مالكًا أجاز للرجل أن أمة أبيه، وقد يموت أبوه فيرثها. وأجاب في النكت عن هذا بأن النكاح إذا انفسخ هنا لم يبطل الوطء، لأنها تبقى له يطأها بملك اليمين بخلاف الأولى. ورد ابن محرز جواب عبد الحق بوجهين: الأول: أن الابن قد يكون معه ورثة غيره فلا [٣٠٣/ب] يحل له وطؤها، وقد أجاز أن يتزوج الرجل أمة زوجته وهو لا يجوز ميراثها إذا مات فوطؤها لا يحل له بالميراث. والأحسن أن التعليل بكراهية النكاح إنما هو لما يعرض له من الحل بالميراث، فلا فرق بين أن تصير بعد الفسخ مباحة الوطء أو محرمة؛ لأن الفسخ حاصل.
قال فى النوادر: عن ابن القاسم: ومن زوج ابنته لمكاتبه أو ابنه لمكاتبته فلا بأس به، وقد استثقله مالك، قال: فإن مات السيد فسخ النكاح والكتابة قائمة.
وحكى اللَّخْمِيّ قولًا آخر أنه لايفسخ لأنه إنما ورث الكتابة وهى دين، فإن عجزت فحينئذ يفسخ النكاح، وكأنه سلك فى القول الأول مسلك الاحتياط لأنه لو
[ ٤ / ٥٤ ]
ورث كتابة أخيه فإنه يسقط عنه الأداء، وإن كان مالًا خاصة، ولم يجبروه مجرى الديون فكذلك هنا.
الثَّانِي: مَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ، فَلا يَنْكِحُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ مَمْلُوكَةَ الْغَيْرِ إِلا بِشَرْطِ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَكَوْنِهَا مُسْلِمَةً، ورُوِيَ: بِشَرْطِ الإِسْلامِ فَقَطْ
يعني: أن هذا القسم لا يستقل الرق فيه بالمانعية بل لا بد من أوصاف: الأول: أن يكون الزوج حرًا، فلو كان عبدًا جاز له أن يتزوج أمه الغير من غير شرط، وقوله: (الْمُسْلِمُ) زيادة بيان، وإلا فالكافر لا يجوز له أن يتزوج المسلمة أصلًا. الثاني: أن يعدم الطول. الثالث: أن يخاف العنت. الرابع: أن تكون الأمه مسلمة. ولا خلاف في اشتراط الإسلام لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وأما عدم الطول وخوف العنت فالمشهور اعتبارهما لقوله ﷻ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]. إلى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. وأكثر قول مالك موافق للمشهور، وأكثر قول ابن القاسم موافق للشاذ، قاله اللخمي، ونص ابن حبيب وغيره على أن هذه الآية محكمة.
عبد الحق: وهو قول علي وابن عباس وابن مسعود ﵃، وهو قول أصحاب مالك، ورواه ابن وهب عن مالك. وقال سنحون ومحمد: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ناسخة لها. وحكاه محمد عن مالك.
الباجي: وفيه نظر؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل، ولأن قوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] عامة و﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [النساء: ٢٥] خاصة، والخاص مقدم على العام وتقدم أو تأخر.
وذهب بعضهم– وهو اختيار ابن لبابة– إلى أن الآية لا تقتضي منع نكاح الإماء مطلقًا، وإنما هو لما كانوا عليه من الكراهة والتنزيه عن ذلك لأجل استرقاق منع نكاح الإماء مطلقًا، وانما هو لما كانوا عليه من الكراهة والتنزيه عن ذلك لأجل استرقاق الولد،
[ ٤ / ٥٥ ]
أعلمهم الله أن ذلك خير من الزنا، وما قاله بعيد من لفظ الآية قاله فى التنبيهات. وإذا فرعنا على المشهور من المنع إلا بالشرطين فهل هو تحريم أو كراهة؟
الباجى: وفي المدونة ما يدل على القولين لأن مالكًا قال فيمن تزوج أمة على حر فرق وبين الأمه، وبه قال أشهب وابن عبد الحكم، ثم رجع فقال: تخير الحرة. وأجازه ابن القاسم. فقوله بإيجاب الفسخ يقتضى التحريم، ومنع الفسخ مع منع النكاح أولا يقتضى الكراهة.
خليل: ولقائل أن يقول: لا يلزم من عدم الفسخ الكراهة لاحتمال أن يقول ابتدأ بالمنعَ وبعدم الفسخ مراعاة للخلاف فانظره.
وَالطَّوْلُ: قَدْرُ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ. وقِيلَ: أَوْ يَشْتَري بهِ أَمَةً. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقُدْرَتُه عَلَى النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى. وَقِيلَ: أَوْ وُجُودُ الْحُرَّةِ فِي عِصْمَتِهِ لا الأَمَةِ. وقِيلَ: أَوِ الأَمَةِ. فلِذَلِكَ جَاءَ فِي نِكَاحِهِ الأَمَةَ مَعَهَا عَاجِرًا عَنْ حُرَّةٍ أُخْرَى قَوْلانِ، وجَازَ مَعَ الأَمَةِ اتِّفَاقًا. وَقِيلَ: الطَّوْلُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْعَنَتِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً يَخَافُ الْعَنَتَ فِيهَا وَاجِدًا أَوْ مُتَزَوِّجًا
هذا تفسير للطول، والطول لغة: الفضل والسعة، قال تعالى: ﴿اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]. واختلف علماؤنا في المراد في قولة تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] ففي المدونة: الطَّوْل: المال. وليست الحرة تحته بطَوْل. وروى ابن المواز عن مالم أن الطول وجود حرة فى عصمته. ومقتضى كلام المصنف أن هذا القول يوافق الضمير قبلة لعطفة بـ (أَوْ)، واستشكله الباجي بأنه لا يعلم اسم الطول يقع على الحرة فى كلام العرب، ولأنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل الطول يتواصل به إلى إنكاح الحرة، ولو كانت الحرة طولًا لم يجعله شرطًا فى الوصول إليها، لأنه لا يصلح أن بقال: ومن لم يستطيع منكم حرة أن ينكح حرة. قال: فمن قال: إن الطول المال، فالنكاح عندة بمعنى العقد، ومن قال الطول الحرة فالنكاح
[ ٤ / ٥٦ ]
عنده بمعنى الوطء. واذا فرعنا على أن الطول المال، فروى محمد: أنه إذا لم يجد إلا مهر حرة ولا يجد ما ينفقه عليها ليس له أن يتزوج الأمة، وهذا هو القول قدمه المنصف.
ابن حبيب فى واضحته: وقال لي أصبغ: وعدم الطول ألا يجد ما يصلح به نكاح الحرة من مهر ونفقة ومؤونة. على هذا ففى قولة قال ابن حبيب نظر لأنه لم يقله وإنما رواه.
اللخمي: وهو أبين لأن القدرة على الصداق دون النفقة لا تفيده، لأن من حق الزوجة أن تقوم بالطلاق إذا علمت أنه عاجز، إلا أن يجد من يتزوجه [٣٠٤/أ] بعد علمها بذلك، قال صاحب المقدمات: إن ما رواه ابن حبيب أصح مما رواه محمد. وكذلك حمل غيرهما قول ابن حبيب على الخلاف، والقول بأن الطول ما يشترى به أمة لم أقف عليه، وكذلك القول بأن وجود الأمة فى عصمته طول، وقال ابن رشد.
والقول بأن الطول (مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْعَنَتِ) وهو الذى حكاه المصنف أخر كلامه لأشهب. وقوله: (فلِذَلِكَ جَاءَ فِي نِكَاحِهِ الأَمَةَ مَعَهَا عَاجِرًا عَنْ حُرَّةٍ أُخْرَى قَوْلانِ) أتى بالفاء المؤذنة بترتيب هذا على قبله، والضمير فى (مَعَهَا) عائد على (الحُرَّة) أي: أن بنينا على المشهور من وجود الحرة تحته ليس طولًا جاز له نكاح الأمة، وإن بنينا على أنه طول لم يجز ذلك.
الباجي: ويتحصل فى نكاح الأمة على ثلاث روايات:
إحداهما: لا يجوز وإن عدم الطول الذي هو المال وخاف العنت لأن الحرة تحته طول.
والثانية: يجوز وإن لم يعدم طولًا ولا خاف العنت.
والثالثة: يجوز مع عدم الطول وخوف العنت، ولا يجوز مع وجود الطول وأمن العنت. والأولى بطريق المصنف في الاختصار إسقاط هذا الفرع؛ لأنه لو سكت عنه أخذ مما قبله، وعلى هذا التقدير فيكون كلام المصنف: فلذلك جاء في جواز نكاح الأمة
[ ٤ / ٥٧ ]
مع الحرة. ويحتمل أن يقدر: جاء في صحة. ويكون هذا أولى، لأن كلامه أولًا لا يستلزم الكلام على الصحة، ويؤيد هذا التقدير ما بأتي له بعد من قوله (واذا تزوج الحر الأمة على الحرة وأمضى على المشهور).
تنبيه: قوله فى أول المسأله (مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ) يقتضي أنه لو قدر على حرة كتابية لا يكون طولًا، وهو كذلك، نص عليه ابن العربى. وفي التنبيهات: اختلف العلماء فى القدرة على نكاح حرة كتابية هل هو مع ذلك طول أم ذلك خاص بحرائر المسلمات؛ لأنهن بمعناهن، ولأن علة المنع إرقاق الولد فى الإماء، وهو غير موجود في حرائر الكتابيات. وقد نص مالك في المبسوط على هذة العلة- أعني: إرقاق الولد في الإماء- وطرد أصله عليه فأجاز نكاح الابن أمة أبيه؛ إذ ولده منها يعتق على جده، وكذلك يأتي في إماء الأجداد والأمهات والجدات، وعلى هذا المعنى حمل مسألة الابن في المدونة حذاق شيوخنا أنها جائزة ابتداء مع وجود الطول وأمن العنت. وقال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف من اشتراط الإسلام هو خلاف إطلاقاتهم، واختار بعضهم ما قاله المصنف، بل نص بعضهم على أنه متفق على عدم اشتراطه، وظاهر الآية يوافق ما قاله المصنف. انتهى.
ولأجل أن العلة إرقاق الولد قال اللخمي: يجوز نكاح الأمة في ثلاث صور: الأولى: إذا كان الولد حرًا كما فى أمة الأب. والثانية: نكاح من لا يخشى منه الحمل كالعنين والشيخ الهرم. والثالثة: الهبد.
ابن بشير: ما قاله فى الثالثة صحيح، وأما فى الأوليين فقد يقال: لا يلتزم ذلك لاحتمال أن يقال إنما مستند القائل بالمنع الآية، ثم عضد ذلك بالتعليل، ولو سلم استناد الحكم إلى التعليل فبين الأصوليين خلاف فى لزوم عكس العلة الشرعية.
[ ٤ / ٥٨ ]
وأيضًا فقد ذكر اللَّخْمِيّ علة أخرى للمنع وهي أن الأمة تنقطع إلى السيد فلا يؤمن عليها، وقد علم قلة تصونهن، قال: وهذه العلة ترد ما قاله من الجواز في الصورتين الأوليين.
خليل: وفى قول ابن بشير هذه العلة ترد ما قاله من الجواز في الصورتين الأوليين نظر، وما حمله عليه الحذاق كما تقدم من كلامه في التنبيهات.
وذكر في البيان الاتفاق على جواز نكاح الحصور وغيره ممن لم يولد له الأمة بدون الشرطين.
وقوله: (وجَازَ مَعَ الأَمَةِ اتِّفَاقًا) أي: المملوكة. ولا يقال: هذا يناقض ما تقدم له من قوله (وقِيلَ: أَوِ الأَمَةِ) لأن الكلام المتقدم في الأمة المتزوجة وهذا في المملوكة، وكذلك أيضًا لا يقال: هو يرد ما تقدم له، وأن الطول ما يشترى به أمة؛ لأن الثمن إذا عد طولًا فهي أولى كما قاله ابن رشد، ولأنا نقوله هذه الأمة لما كانت مملوكة تحقق فيها عدم الكفاية، بخلاف الثمن فإنه يحتمل إذا اشترى به الأمة أن تعفه وتكفيه.
وقوله: (فَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً يَخَافُ الْعَنَتَ فِيهَا وَاجِدًا أَوْ مُتَزَوِّجًا) هو تفريع على القول الأخير، والله اعلم.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلا مُغَالِيَةً بِسَرَفٍ نَكَحَ الأَمَة عَلَى الأَصَحِّ
معناه إذا بنينا على أن الطول المال، وكان له مال، ولكنه لم يجد إلا من طلبت مالًا كثيرًا يخرجه الى السرف، فالأصح أن ذلك عذر يبيح له نكاح الأمة قياسًا على الماء في التيمم والنعلين في الحج. وقيل: لا يكون عذرًا قياسًا على قولهم في الظهار أنه يلزمه شراء الرقبة ولو بجميع ما معه، ولا ينتقل إلى الصوم، وكذلك فى [٣٠٤/ب] كفارة اليمين،
[ ٤ / ٥٩ ]
ويرجع الأول بأن رده الى التيمم أولى، لأن كلًا منهما لم يدخله المكلف على نفسه، ولأن الظهار لما كان محرمًا فعله عوقب بذلك، ويعترض على هذا باحتمال أن يكون في التيمم لتكرره.
تنبيه:
لا فرق فيما يقدر به على نكاح الحرة بين أن يكون عرضًا أو نقدًا أو دينا على مليء، أو مما يمكن بيعه أو إجارته، رواه عبد الملك عن مالك.
عبد الملك: والكتابة طول؛ لأنها يمكن بيعها كالدين المؤجل، وليس المدبر والمعتق إلى أجل طولًا؛ لأنه لا يمكن بيعه. واستشكله الباجي بأنه يمكن بيع منافعه وإجارته المدة غير الطويلة، وليس الدين على العديم طولًا ولا عبده الآبق وإن قرب إباقه.
فرع:
إن بنينا على الفول بحوز نكاح الأمة بدون الشرطين جاز أن يتزوج أربع إماء، وإن قلنا أنه لا يجوز إلا مع وجودهما، فكم يباح له؟ أما إن لم يأمن العنت إلا بنكاح أربع فله نكاحهن، وإن تزوج واحدة واستغنى بها، فهل يجوز أن يتزوج ثانية؟ حكى ابن بشير وابن شاس في ذلك خلافًا، والقول بعدم الجواز في الواضحة، والقول بالجواز في الواضحة، والقول بالجواز هو ظاهر الموازيه.
تنبيه:
والذي رأيت في الباجى في معنى قولنا: واستشكله الباجي- أن مراده إن لم يكن عنده ما يتوصل به إلى نكاح حرة، ومعنى ذلك أن ما أمكن أخذ ثمنه والمعاوضة به فيبلغ به طولًا ولم يبلغ، ولم يمكن، فليس بطول، والمدبر لا يمكن بيع رقبته، ولا منافع المدة الطويله لأن أمره مترقب لجواز أن يموت أو يمرض، فترد الإجارة؛ فلذلك لا يعد طولًا. انتهى.
[ ٤ / ٦٠ ]
وَالْعَنَتُ الزِّنَا
لما فسر الطول فسر (الْعَنَتُ) وهو ظاهر.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ فِي عَقْدٍ بَطَلَ فِي الأمَةِ، وفِي الْحُرَّةِ قَوْلانِ
يعني: لو تزوج حرة وأمة في عقد واحد، وكان ممكن لا يجوز له الجمع لفقدان الشرطين بطل نكاح الأمة لعدم شرطه، (وفِي الْحُرَّةِ قَوْلانِ): الصحة لابن القاسم، والبطلان لسحنون. واحتج بأنها صفقة جمعت بين الحلال وحرام، وما هذا شأنه يبطل الجميع على المشهور.
وهل قول سحنون محمول على عدم التسمية؟ وأما لو سمى لصح أو ولو سمى للشيوخ قولان، أرجحهما الثاني؛ لأن التسمية لكل واحدة لا توجب امتيازها بعقدة، وبعض من تأوَّل على سحنون التفرقة بين التسمية وعدمها لم يجعل بين ابن القاسم وسحنون خلافًا، وحمل كلام ابن القاسم على التسمية وكلام سحنون على عدمها.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ فَكَجَمْعِ أَرْبَعٍ
هذا الفرع يأتي على القول بأن الطول ما يتوصل به إلى ذفع العنت، فعلى هذا القول يجوز له الجمع.
ابن شاس: وكذلك يأتى على المشهور. واذا قلنا أن الطول المال، وعدم طول حرتين ولم تكفه واحدة قيل لا خيار لها. وقوله (فَكَجَمْعِ أَرْبَعٍ). أي: إن سمى لكل واحدة صداقًا صح .. إلخ، وقد تقدم.
[ ٤ / ٦١ ]
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الْحُرَّةَ عَلَى الأَمَةِ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُ الأَمَةِ عَلَى الأَصَحِّ، ورَجَعَ عَنْهُ، وقَالَ: لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ مَا لَمْ تَعْلَمْ. وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نكاح الأمة. وقِيلَ: لا خِيَارَ لَهَا لِتَفْرِيطِهَا فِي الاسْتِعْلامِ
يعني: إذا تزوج أمة بوجه جائز، ثم تزوج حرة، فهل يفسخ نكاح الأمة؟ الأصح وهو المشهور أنه لا يفسح؛ لأن الشروط المتقدمة إنما هي في ابتداء النكاح لا في استدامته، ومقابل الأصح حكاه اللَّخْمِيّ عن ابن حبيب. وحكى ابن رشد قولًا بأنه يفارق الأمة بمجرد حصول الطول، قال: وأما إن ذهب عنه العنت بزواج الأمة فليس عليه أن يفارقها قولًا واحدًا.
وفى المصنف: (ورَجَعَ عَنْهُ) نظر؛ لأنه يقتضي أن مالكًا رجع عن الأصح إلى الفسخ، وهذا لا يعلم لمالك، وإنما مراده أنه لا يفسخ ولا خيار للحرة، ثم رجع عنه الثبوت الخيار للحرة، وهكذا ذكر اللَّخْمِيّ وغيره. وعلى هذا فالقول المرجوع عنه هو القول الذي حكاه المصنف بقوله (وقِيلَ: لا خِيَارَ لَهَا لِتَفْرِيطِهَا فِي الاسْتِعْلامِ) واستشكل اللَّخْمِيّ هذه العلة، فقال: ليس هذا التعليل بالبين؛ لأن تزويج الحر الأمة نادر، والنادر لا حكم له، وأشار إلى أنه يمكن أن يعلل قول مالك بعد الخيار باختلاف العلماء فإن بعضهم أجازه.
ابن عبد السلام: ويوهم قول المصنف: (وقَالَ: لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ) مع قوله (وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نكاح الأمة) أن الوجه الذي خيرها فيه مالك غير الوجه الذى خيرها فيه ابن الماجشون، وليس كذلك بل هما شيء واحد.
خليل: قوله يوهم ليس بظاهر، بل هو صريح فى ذلك، وكأنه- والله أعلم- إنما قاله لأنه لم يجد قول ابن الماجشون مثل ما حكاه المصنف عنه من أن الحرة تخير فى فسخ نكاح الأمة، فإنه قال: وإذا قلنا أن للحرة الخيار فهل فى نفسها؟
وهو قوله فى المدونة، أو فى نكاح الأمة؟
[ ٤ / ٦٢ ]
وحكي عن ابن الماجشون وفي اللباب: قال بعض المعترضين: هذا ما نقله ابن يونس عن عبد الملك، ولم يقله عبد الملك ولا أحد من أهل العلم.
وقد قال بن الحارث: الاتفاق على أن للحرة الخيار في نفسها إن شاءت أقامت، وإن شاءت طلقت نفسها. ولم يذكر أن لها الخيار فى فراق الأمة. ويؤيده ما حكاه الباجي. قال ابن الماجشون والمغيرة: إنما يكون الخير للحر في أن تقيم أو تفارق إذا كانت هي الداخلة على الأمة، وأما إن كانت الأمة هي الداخلة على الحرة فالخيار لها في نكاح الأمة. فهذا نص قول ابن الماجشون في أن الخيار لها في نفسها لا في الأمة. انتهى كلام راشد بمعناه.
تنبيهان:
[٣٠٥/أ] الأول: ما نقله عن ابن الماجشون إن كان مستنده فيه غير كلام ابن يونس فظاهر، وإن كان إنما مستنده كلام ابن يونس، وهو الذى يؤخذ من كلامه ففي ذلك نظر؛ لأن ما نقلة ابن يونس عن عبد الملك يحتمل أن يعود على هذه الصورة وعلى عكسها.
الثاني: إن ثبت قول عبد الملك كما ذكره ابن راشد فيصح كلام المصنف كما قدمناه من نص كلامه، وكذلك رأيته في بعض النسخ، ولكن الذى رأيت في النسخ المنسوبة إلى الصحة: وقال ابن الماجشون: تخير في نفسها. فيقتضي أن يكون مالكًا خيرها في نكاح لأمة، فيكون المصنف نسب لمالك عكس مذهبه.
ووقع في بعض النسخ: وقال ابن الماجشون: تخير في نفسها كما تقدم. أي تقدم في القسم، فإن الباحثون يرى أن للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة، ولا اعتراض عليه على هذا.
[ ٤ / ٦٣ ]
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَأُمْضِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَفِيهَا: تُخَيَّرُ فِي نَفْسِهَا وَلا يُقْضَى إِلا بوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ بِخِلافِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ. وَقِيلَ: كَالْمُعْتَقَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُخَيَّرُ فِي نِكَاحِ الأَمَةِ
هذه المسأله عكس الأولى، والمشهور الإمضاء بناء على أن الحرة تحته ليست بطول، وعلى القوم بأنها طول بأنها طول يفسخ النكاح، وقد تقدم ذلك، ثم ذكر أن مذهب المدونة أنها تخير في نفسها إن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت. ووجهه أن الخيار لإزالة الضرر عنها، ولا تخير فيما يضر غيرها. ووجه قول ابن الماجشون أن الضرر الذي ذخل عليها إنما هو من جهة الأمة، فيكون لها إزالته. وما الخيار في فسخ نكاح نفسها ذلك إزالة، ضرر، بل زيادة فيه.
صاحب البيان: وهذا التخيير إنما هو بناء على القول بأنه لا يجوز نكاح الأمه إلا بشرطين، وأما على القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجدًا للطول آمنًا من العنت كالعبد، فلا كلام للحرة إذا تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمه لأن الأمة على هذا القول من نسائه كالعبد، هذا الذي تدل عليه ألفاظ المدونة لصعوبة الفرق بينها وبين المعتقة تحت العبد.
وتأول التونسي أن الحق فى ذلك للحرة على القوانين جميعًا، وهذا إنما يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى أن الخيار للحرة إذا تزوج العبد عليها أمة أو تزوجها على الأمة. ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لصعوبة الفرق بينها وبين المعتقة تحت العبد، والجامع بينهما ظاهر، وهو أن الطلاَّق فيهما شرع لدفع الضرر، وقد سلم في المدونة ذلك إلا أنه فرق لوجود الحديث في مسألة المعتقة على خلاف القياس، أعني حديث زيد. والشاذ حكاه ابن يونس عن محمد فقال: وقال ابن الواز: إن فسخت بالثلاث لزمت، وقد أساءت. وقاله أصبغ.
[ ٤ / ٦٤ ]
قَالَ مَالِكٌ: والْخِيَارُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْكِتَابِ حِلُّهُ. قَالُوا: يَعْنِي ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ الآيَةَ.
هذا فى المدونة متصل بالمسألة الأولى، وهى ما إذا تزوج الحر الحرة على الأمة، ونص المدونة: وإنما جعلنا لها الخيار لما قلت العلماء قبلي، ولولا ذلك لأجزته لأنه حلال في كتاب الله ﷿.
واختلفوا هل أراد مالك بالحلال في كتاب الله تعالى نكاح الأمة بدون الشرطين، وهو تأويل المتقدمين وأكثر المتأخرين، أو أراد به عدم تخبير الحرة إذا تزوجها على الأمة، لأنه قد تزوج الأمة بوجه جائز، وتزويج الحرة بعد ذلك داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وهو تأويل اللَّخْمِيّ. واختلف الأولون في تعيين محله من كتاب الله ﷿ فتمسك أكثرهم بالعمومات كقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وقال محمد: أراد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقد تقدم أن محمدًا قال: هذه الآية ناسخة لآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] وقد تقدم ما يتعلق بالنسخ. وسئل ابن القاسم عن الآية التي أرادها مالك، فقال: لا أدري. ولما كان التمسك بهذه الآية ضعيفًا لأنه ليس فيها إلا الأمر بالنكاح في كل أيم، وهو مطلق في كل من ينكح منه، هل هو حر أو عبد، أو امرأة؟ إذ الأيم يطلق على الرجل والمرأة، فيكون مضمون الآية: أنكحوا الأزواج الذين لا زوجات لهم، والزوجات اللاتي لا أزواج لهن. ولأنه قيل أن المراد بالأيم المتوفى عنها قال المصنف: قالوا تبرأمن ذلك.
تنبيه: قد يتوهم من قول مالك: ولولا ذلك لأجزته، أنه قلد العلماء وليس كذلك، بل المعنى: ولولا ما قالته العلماء واطلعت على مدرك أقوالهم، ورأيتها صوابًا ووافق اجتهادي اجتهادهم لأجزته.
[ ٤ / ٦٥ ]
وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثَانِيَةً وَكَانَتْ عَالِمَةً بِوَاحِدَةٍ لا اثْنَتَيْنِ فَكَذَلِكَ
أي: فيكون لها الخيار، لأنها تقول: إنما رضيت بواحدة، وإنما علمت بواحدة.
ابن الجلاب: ولو كانت تحته أمتان، فعلمت الحرة بإحداهما، ولم تعلم بالأخرى لكان لها الخيار على إحدى الروايتين، ولا خيار لها على الرواية الأخرى. وقد يؤخذ هذا من قول المصنف (فَكَذَلِكَ).
وَلا خِيَارَ لِلْحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
قوله (فِي الْجَمِيعِ) أي في الأربع صور فيما إذا تزوجها على أمة، أو تزوج أمة عليها، أو تزوجها [٣٠٥/ب] على أن تحته أمة فإذا له أمتان، أو تزوج ثانية عليها. قال في المدونة: إذ الأم من نسائه.
وقال ابن الماجشون: إذا تزوج أمة عليها أو تزوجها على أمة فلها الخيار. وهذا مقابل المنصوص، لا يقال: كيف يصح أن يكون مقابل المنصوص قولًا منصوصًا، لأنا نقول: قد تقدم غير مرة أن المصنف لم تطرق له قاعدة في ذلك، وأيضًا فإنه لم ينص عبد الملك على الخيار إلا في الصورتين المذكورتين وخرج من قوله الخيار في بقية الصور صح أن
يقال (عَلَى الْمَنْصُوصِ) إذا لم يوجد في جميع الصور قول مخالف للمشهور إلا بالتخريج.
وَلا يَبْطُلُ اسْتِخْدَامُ الأَمَةِ بِالتَّزْوِيجِ
يعني: أن حق سيد الأمة في استخدامها لا يبطل بتزويجها لأن زوجها الحر أو العبد دخل على ما ثبت لسيدها، ولأن حق الزوج إنما هو في الاستمتاع.
وَلا تَتَبَوَّأُ مَعَهُ بَيْتًا إِلا بِشَرْطٍ فَإِنْ تَشَاحَّا فَعَلَى الْعُرْفِ
التبوُّء: هو أن تنفرد معه في بيت. يعني: على الزوج أن يأتي إليها في بيت السيد، ولو طلب التبوء لم يكن له ذلك، لأن ذلك، لأن ذلك يبطل حق السيد في جميع الخدمة أو أكثرها.
[ ٤ / ٦٦ ]
ابن عبد السلام: وإن شرط الزوج أن تتبوأ معه فظاهر كلامهم أن لسيدها فيها من الاستخدام ما لا يشغلها عن زوجها. وقال ابن الماجشون: ترسل إلى زوجها ليلة بعد فتكون عنده تلك الليلة، ويأتيها زوجها عند أهلها فيما بين ذلك.
وقوله: (فَإِنْ تَشَاحَّا) أي: طلب السيد خدمتها وطلب الزوج الاستمتاع بها فإنه يحكم في ذلك بحكم العادة الجارية في ذلك.
وَلِلسَّيِّدِ السِّفَرُ بِهَا، ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ صُحْبَتِهَا
يعني: وله أيضًا بيعها ممن يسافر بها، وسواء شرط أن تأوي إليه ليلًا أو لا، إلا أن تتبوأ معه بيتًا فلا يكون للسيد السفر بها. نقله ابن عبد السلام عن غير واحد.
وَنَفَقَتُهَا تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: ونفقة الزوجة الأمة تلزم الزوج (مُطْلَقًا)، أي: سفرًا وحضرًا على المشهور.
المتيطي: ولا خلاف أعلمه إذا تزوج حر أمة، وشرط أن تكون الزوجة عنده أو شرطت النفقة عليه أنَّ للزوجة على الزوج النفقة. ونحوه للخمي، قالا: واختلف إذا لم تكن عنده ولا اشترطت عليه على خمسة أقوال، فقال في المدونة: لها النفقة لأنه من الأزواج. يريد: لأنها داخلة في عموم الآية. وقال في كتاب محمد: لا نفقة لها، ولو كانت تأتيه إذا أرادها. وقال أيضًا: لا نفقة لها إن كان يأتيها، وإن كانت تأتيه فذلك لها. قال ابن المجاشون: لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده. وقال في الواضحة: نفقتها وكسوتها على أهلها، وعليهم أن يرسلوها في كل أربع ليال، وعليه نفقة تلك الليلة ويومها، وإذا ردها في صبيحتها فجعل لها النفقة في ذلك اليوم بغير كسوة. والأول أحسن لعموم الآية.
اللخمي: ويختلف إذا كان عبدين فعلى القول ألا نفقة على العبد للحرة لا تكون لها وإن كانت أمة، وعلى القول أن ذلك عليه للحرة يختلف إذا كانت أمة، والمدبر والمعتقة إلى
[ ٤ / ٦٧ ]
أجل كالأمة يختلف فيهما، والمكاتبة وأم الولد كالحرة. وهذا الكلام مخالف لكلام المصنف أما أولًا: فلأن المصنف أطلق الخلاف، وظاهره سواء تبوأت أو لا.
أما ثانيًا: فلأن كلامه يقتضي أن هذه الأقوال إنما هي إذا كان الزوج عبدًا، لأنه سيحكيها فيه، واللخمي والمتيطي إنما ذكرا الخلاف في الحر. وجعل اللخمي ذلك في العبد مخرجًا، وكذلك حكى ابن بشير هذه الأقوال فيما إذا كان الزوج حرًا، ولم يجعل إذا تبوأت بيتًا متفقًا عليه بل جعله قولًا بالفرق.
فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَفِي مَالِهِ كَالْمَهْرِ، وَثَالِثُهَا: إِنْ تَبَوَّأَتْ مَعَهُ بَيْتًا لَزِمَتْهُ. وَرَابِعُهَا: إِذَا بَاتَتْ لَزِمَتْهُ
قد تقدم أن مجموع الأقوال إنا هي إذا كان الزوج حرًا، وأن اللخمي أشار إلى تخريج الخلاف. والذي رأيت هنا قولين: أحدهما: مذهب المدونة الوجوب، ففيها: وتلزم العبد نفقة امرأته حرة كانت أو أمة، ولو كانت الأمة تبيت عند أهلها. وأشار المصنف إلى توجيه المشهور بقوله: أي (كَالْمَهْرِ) أي: كما أن المهر الذي هو عوض عن أول الاستمتاع على الزوج فكذلك تكون النفقة عليه التي هي عوض عن دوام الاستمتاع.
اللخمي: وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه. وقال في الموازية: أحب إلى إذا نكح أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده. ويرى أن ذلك إشكال فتشترط ليندفع الإشكال. واختلف في اشتراط النفقة على السيد، فمنعه في الموازية، وأجازه أبو مصعب.
اللخمي: وأرى للزوجة النفقة على العبد إذا كان تاجرًا أو متصرفًا لنفسه بماله، فإن كان عبد خدمة لم تطلق عليه لعدم النفقة، وقد قال مالك في الحر يتزوج الحرة وهي تعلم أنه فقير: فلا تطلق عليه. فالعبد أحرى. وحيث أوجبنا النفقة على العبد فقد تقدم أنها لا تكون في خراجه ولا كسبه.
[ ٤ / ٦٨ ]
وَمَهْرُ الأَمَةِ كَمَالِها. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، فَقِيلَ: اخْتِلافٌ، وَقِيلَ: إِنْ تَبَوَّأَتْ بَيْتًا
قوله: (كَمَالِها) أي وله [٣٠٦/أ] انتزاعه، وهو ظاهر ما في النكاح الثاني من المدونة، فقد نص مالك على أنه إذا باعها السيد لغير الزوج أن الصداق للبائع، بنى بها الزوج أم لا، إلا أن يشترطه المبتاع. ونص أيضًا على أنه إذا أعتقت أمة تحت عبد بعد البناء وقد كان زوجها فرض لها أن المهر لها إلا أن يشترطه السيد فيكون له، وكذلك إذا أعتقها فمهرها يتبعها إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق أو اشتراطه فذلك له.
ابن يونس: وهذا يدل على أن للسيد حبس صدقاها ويتركها بلا جهاز. وقال في كتاب الرهون: ما ذكره المصنف بقوله: (وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ)، وذهب الأكثرون إلى أن ذلك خلاف قول.
ووفق بعضهم بينهما فحمل ما في الرهن على أنها تبوأت بيتًا، وما في النكاح على أنها لم تتبوأ، وبعضهم يحمل ما في النكاح على أن السيد جهزها من ماله، وما في الرهون على أنه لم يجهزها من ماله.
وما في الموازية: أنه له أن ينتزعه إلا قد ربع دينار.
أصبغ: وهذا عندى في عبده، وأما الأجنبي وعبد أجنبي فعليه أن يجهزها. وقال ابن عبد الحكم، وصرح بعضهم بأن قول أصبغ قول ثالث في أصل المسألة.
وفي الموازية فإن باعها سيدها كان الصداق له بخلاف إن لم يبع، يريد فيجهزها به، ووجهه أن السيد مالك لعين الصداق، ولكن للزوج فيه حق وهو التجمل كالحرة، فرجح جانب الزوج قبل البيع لأن فيه جمعًا لحقيهما، أما الزوج فظاهر، وأما السيد فلأن ما في ملك أمته كملكه، وأما إذا باع فيتعذر الجمع بينهما فيقدم السيد ترجيحًا لمالك العين على مالك المنفعة. وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن حمل مسألتي المدونة على هذا.
[ ٤ / ٦٩ ]
وَلَوْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ لَمْ يَسْقُطْ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ
هكذا في الموازية، ووجهه أنه لا يتهم السيد في قتل أمته ليأخذ الصداق.
اللخمي: ويلزم عليه لو كانت حرة فقتلت نفسها ألا يسقط الصداق عن الزوج، والقياس في جميع هذه الأشياء ألا شيء على الزوج، لأن البائع إذا منع المبيع فلا يستحق الثمن وبمنزلة أن لو كانت حية فمنعت نفسها.
وفي المدونة: إذا باعها بموضع لا يصل إليها الزوج، فعلى الزوج الصداق للبائع ويتبعه به أو بنصفه إن طلق قبل البناء، ويقال للزوج: إن منعوك منها فخاصمهم.
عياض: ومعناه أن مشتريها سافر بها إلى موضع يشق على الزوج إتيانه لضعفه، ولو كان لا يصل إليها لظلم مشتريها أو لكونه لا ينتصف منه لم يكن على الزوج صداق، بل إن قدر البائع قضى عليه برده إن كان قبضه، ويبقى النكاح منعقدًا، فمتى قدر على الوصول إلى زوجته دفع الصداق. وقاله أبو عمران.
وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ حَتَّى يَقْبِضَ صَدَاقَهَا
نحوه في المدونة، يعني: ولسيد الأمة منع الزوج منها حتى يقبض الصداق، كما أن ذلك للحرة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وَلَهُ أَخْذُهُ إِلا قَدْرَ مَا تَحِلُّ بِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
يعني: لسيد الأمة أخذ جميع الصداق إلا ربع دينار على المنصوص، أي المنصوص لمالك في الموازية ولسحنون. وأشار ابن عبد السلام إلى أن مقابل المنصوص مخرج من قوله في المدونة: ومهر الأمة كمالها، أي: فيتخرج منه أنه له أخذ الجميع. وأشار إلى أن كلامه ليس تكرارًا مع ما قدمه من قوله (وَمَهْرُ الأَمَةِ كَمَالِها) بل أفاد بها فائدتين:
[ ٤ / ٧٠ ]
الأولى: يعلم من هذا أن مذهبه حمل القولين المتقدمين على الخلاف. والثانية: التنيبه على القول المقابل للمنصوص.
خليل: ولا شك أن قوله: (وَلَهُ أَخْذُهُ إِلا قَدْرَ مَا تَحِلُّ بِهِ) مخالف للقول الذي يقول أنه يلزمه تجهيزها به. وعلى كلام ابن عبد السلام فيكون الراجح في فهم ما وقع في النكاح الثاني أن مهر الأمة كمالها، حمله على الموافقة لما في الموازية، وفيه نظر. بل ظاهر قوله: (كَمَالِها)، أن له أخذ الجميع، وهو الذي نص عليه صاحب البيان، أعني: أن ما في الموازية مخالف لما في المدونة، وكذلك المفهوم من كلام ابن يونس وغيره.
نعم ما قاله ابن عبد السلام هو الذي يؤخذ من كلام المصنف، لأنه إن لم يحمل كلامه هنا على أنه مقيد للقول بأن مهر الأمة كمالها لزم أن يكون ما ذكره هنا مخالف لما ذكره في المدونة في النكاح والرهون، ومثل هذا لا يقال فيه منصوص.
وَلَهُ أَنْ يَضَعَ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا
يريد بشرط ألا ينقص عن ربع دينار. وزاد ابن عبد السلام شرطًا آخر وهو ألا يكون عليها دين يغترق مالها.
وَلَوْ بَاعَهَا سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدَيْنِ مِنْ مَنْعِ تَسْلِيمِهَا لتأخيره لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ، ولا مَهْرَ لِلْمُشْتَرِي
يعني: لو باعها سيدها قبل الدخول سقط حق السيدين البائع والمشتري من منع تسليمها للزوج حتى يقبض صداقها، لسقوط تصرف البائع لكونها لم تبق في ملكه ولا مهر للمشتري، لأن الأمة إذا بيعت فمالها للبائع، وعلى هذا فيكون للمشتري المنع إذا اشترط المال.
[ ٤ / ٧١ ]
ولو بَاعَهَا لِلزَّوْجِ قَبْلَ الْبِنَاءِ سَقَطَ الصَّدَاقُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَو اشْتَرَاها مِنَ الْحَاكِمِ لِتَفْلِيسٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَلا يَرْجِعُ بِهِ. فَقِيلَ: اخْتِلافٌ. وَقِيلَ: لا يَرْجِعُ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ لأَنَّهُ [٣٠٦/ب] إِنَّمَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبَيْعِ
المنصوص في المدونة، ونصها: ومن تزوج أمة ثم اشتراها من سيدها قبل البناء فلا صداق لها، ولو قبضه السيد رده لأن الفسخ من قبله.
وروى عن أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في من تزوج أمة ثم فليس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها: أن الصداق للبائع.
ابن يونس: يريد نصف الصداق. ولا يرجع به الزوج لأن السلطان هو الذي باعها بخلاف بيع السيد. وإلى هذا أشار بقوله (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) والذي حمله على الخلاف أبو عمران، ورأى أن بيع الحاكم وصف طردي، وضعف ما في العتبية. وعلى هذا فيتخرج من كل واحدة قول في الأخرى، وإلى هذا أشار المصنف بقوله (عَلَى الْمَنْصُوصِ) وقيل: ليس بخلاف، ومراد المصنف من قوله (لا يَرْجِعُ بِهِ) النفي المقيد، أي: لا يرجع به الآن من الثمن، وليس من مراده أنه لا يرجع به مطلقًا. ثم ذكر المصنف السبب في ذلك، فقال: (لأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبَيْعِ) أي: النكاح إنما يفسخ بعد حصول البيع وتقرره، والبيع موجب لدفع الثمن بكماله، وأخذ الصداق إنما طرأ بعد فسخ النكاح المتأخر عن البيع.
ابن عبد السلام: وهو أقرب لأصل ابن القاسم لما نص عليه في كتاب العتق من المدونة في من باع عبده سلعة بأمره ثم أعتقه السيد، ثم استحقت السلعة ولا مال للسيد فليس للمبتاع رد العتق لأنه دين لحق السيد بعد انفاذ العتق.
وكلامه في البيان يدل على أن المسألتين ليستا بخلاف مع إبقاء كل واحدة على ظاهرها لأنه قال: قوله ولا يرجع بالصداق يريد بنصفه لكون المسمى لا يجب جميعه إلا
[ ٤ / ٧٢ ]
بالموت أو بالدخول، وإما لم يرجع بالنصف لأن الفراق جاء من قبله إذا اشتراها وهو يعلم أنها امرأته وتحرم عليه باشترائه إياها فأشبه الطلاَّق قبل الدخول.
ولو اشتراها من السلطان وهو لا يعلم أنها امرأته لحرمت ورجع بجميع الصداق على السيد لأنه تحريم لم يتعمده. يبين هذا ما في كتاب النكاح من المدونة: أن الرجل إذا تزوج المرأة ولم يدخل بها حتى تزوج أمها وهو لا يعلم فبنى بها أن البنت تحرم عليه، ولا يكون لها عليه من الصداق نصف ولا غيره لأنه تحريم لم يتعمده، وهو محمول على أنه لم
يعلم أنها زوجته حتى يعلم أنه علم، فإن ادعى أنه لم يعلم أنها زوجته حلف على ذلك ورجع بجميع الصداق، وفي كتاب النكاح الثاني من المدونة: أن السيد لا شيء له من الصداق إذا باعها منه قبل الدخول، وهو دليل قوله هنا، لأن السلطان هو الذي باعها عليه وإنما لا يكون له من الصداق شيء إذا باعها منه، وإن كان الزوج عالمًا أنها زوجته لأنه لما كان أملك بالبيع غلب أمره على أمر الزوج، فجعل كون الفسخ والتحريم جاء من قبله دون الزوج. ولو باعها السيد ممن اشتراها للزوج وهو لا يعلم لكان له نصف الصداق بمنزلة ما إذا باعها السلطان. ولعيسى في كتاب القطعان: أن بيع السلطان كبيع السيد، ويرجع بجميع الصداق، وهو بعيد. انتهى.
خليل: وتحصيل المسألة أن في بيع السلطان قولين: ما في العتبية وقول عيسى، ثم اختلف هل ما في العتبية مخالف لما في المدونة؟ وأن الجاري على ما في المدونة في مسألة السلطان ألا شيء على الزواج أو لا؟ تأويلان. وعلى الثاني: فاختلف في كيفية الجمع هل لأنه دين طرأ بعد انفساخ النكاح؟ أو لأن التحريم في مسألة السلطان لم يتعمده السيد؟ وذكر ابن عبد السلام أن ابن الجلاب حكى في المسألة الأولى إذا اشترى الزوج من السيد وجوب نصفه الصداق، ولم أر ذلك في شيء من نسخ ابن الجلاب، بل نص فيها على خلافه.
[ ٤ / ٧٣ ]
وَمَهْرُ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ كَمَالِ ذَاتِ شَرِيكَيْنِ يُقَرُّ بِيَدِهَا، وَلا يُنْتَزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلا برِضَاهَا بِخِلافِ أَرْشِ جِرَاحِهَا فَإِنَّهُ يُقَاسِمُهَا
يعني: ومهر الأمة التي بعضها حر كمهر الأمة المشتركة، لأنها كشريك لسيدها، والحكم في الأمة المشتركة أنه يبقى بيدها، وليس لأحدهما انتزاعه إلا بإذن صاحبه. قالوا: والقول قول من أبي القسمة، ولا يجبر عليها كما يجبر في سائر مال الشركة، لأن ذلك عيب في الأمة، فصال كالمشترك الذي يتعيب بالقسمة.
وقوله (إِلا برِضَاهَا) عائد على (مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ) وفي بعض النسخ إلا برضاها، فيعود على الشريكين. ويعلم منه الحكم فيمن بعضها حر، بخلاف أرش جراحها فإنه يقاسمها، لأن الأرش ثم عضو هو بينهما، وما ذكره في الجناية من المقاسمة هو المشهور الذي رجع إليه مالك في المدونة، قال فيها: وكان يقول بأخذ الأرش كله من له رق.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكِ لِتَتَزَوَّجِينِي؛ لَمْ يَلْزَمْهَا الْوَفَاءُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لِعَبْدِهَا
لأنها ملكت نفسها بالعتق، والوعد لا يقضي به
قال في المتيطية: وعدم اللزوم هو المشهور المعمول به، وأنه لابد من رضاها. وحكى بعض الأندلسيين في أحكامه عن ابن القاسم: أنه يتزوجها من نفسه بغير رضاها وليس عليه العمل.
الْكُفْرُ: كِتَابيٌّ وَمَجَوُسِيٌّ فَيُقَرَّانِ وَزِنْدِيقٌ وَمُرْتَدٌّ فَلا يُقَرَّانِ
هذا أيضًا من الموانع، وفيه حذف مضاف، أي: ذو الكفر، لأن الكتابي صاحب [٣٠٧/أ] الكفر لا نفس الكفر.
ابن عبد السلام: وجعل من عدا الكتابي من الكفار مجوسيًا، وهو اصطلاح منه، وقد يؤخذ ذلك من كلام كثير من الفقهاء، والمجوسي أخص من ذلك لأن الوثني ليس بمجوسي، والأمر في ذلك قريب، وهذا كالمقدمة لأن الكلام في النكاح فرع الثبوت على ذلك الدين.
[ ٤ / ٧٤ ]
وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ إِلا الأَمَةَ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا
دليله قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولا يجوز نكاح الحرة المجوسية على المعروف. وحكى ابن القصار وغيره قولًا بالجواز بناء على أحد القولين أن لهم كتابًا.
اللخمي: واختلف في الصابئة والسامرية، فقيل الصابئة: صنف من النصارى، والسامرية: صنف من اليهود. وقيل: ليسوا منهم. فعلى الأول تجوز مناكحتهم، وعلى القول الآخر لا تجوز. فلا يجوز أيضا نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى منع نكاح المشركات ولم يستثن إلا الحرائر، ولأنه يلزم منه إذا كانت ملكًا لكافر إرقاق الولد له.
قال في المتيطية: وهذا هو المشهور من قول مالك وابن القاسم المعمول به. وقال أشهب في كتاب محمد في من أسلم وتحته أمة كتابية: لا يفرق بينهما. ونقله أيضًا اللخمي وغيره.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَنِيسَةٍ، وَلِذَلِكَ كَرِهَهُ مَالِكٌ.
لأنه لم تزوج الكتابية فقد دخل على أنها باقية على دينها، واستيلاء الزوج على زوجته كاستيلاء الإمام على أهل الذمة، فكما أن عقد الذمة لهم لا يمنعهم من ذلك، فكذلك عقد النكاح.
ونص مالك في العتبية على أن من تزوج نصرانية فصامت مع أهل دينها أنه لا يفطرها.
مالك: ولا أرى أن يكرهها على ما عليه أهل دينها، ولا على أكل ما يجتنبون في صيامهم أو ما يجتنبون أخذه رأسًا. قال في البيان في باب الصيام: وهذا مما لا اختلاف فيه أنه ليس له أن يمنعها مما تتشرع به.
واختلف هل يمنعها من شرب الخمر وأكل الخنزير؟ ففيها: لا يمنعها.
[ ٤ / ٧٥ ]
وفي الموازية: له منعها من الخمر والخنزير لأن ذلك ليس من دينها، وله أن يمنعها من
الكنيسة إلا في الفرض.
قوله: (وَلِذَلِكَ كَرِهَهُ مَالِكٌ) يقتضي أن مالكًا إنما يكره نكاح الكتابيات لذلك، لأن تقديم المعمول يشعر بالحصر، وهو كذلك، ففي المدونة: ويجوز للمسلم نكاح حرة كتابية وإنما كرهه مالك، ولم يحرمه لما تتغذى به من خمر أو خنزير وتغذي به ولده وهو يقبل ويضاجع. فإن قلت: ذكر في المدونة للكراهة ثلاثة أسباب: أكلها للخنزير، وتغذية
ولدها به، وكونه يقبل ويضاجع. قيل: أما الثالث وهو كونه يقبل ويضاجع فلا حاجة إلى ذكره، لأن ذلك لازم مع الزوجية. وأما الثاني وهو تغذية الولد به فهو غير محقق لعدم تحقق سببه، وهو وجود الولد، فلذلك اقتصر المصنف على الأول.
ومقتضى في كلامه في المدونة أن ابن القاسم لا يوافق مالكًا على الكراهة.
المتيطي: وقيل: إنما كره ذلك لأنهن قد يمتن وهن حوامل من المسلم فيدفن في مقابر المشركين وهي حفر من حفر النار. وقال عبد الحميد: إنما كره ذلك لأنه سكون إلى
الكفار ومودة لهن، لأن الله تعالى قال في الزوجين: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الروم:٢٢] الآية. فهذا إن لم ينتج التحريم فلا أقل من الكراهة.
وَيُكْرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَلَدِ
قال في المدونة: وكره مالك نكاح نساء أهل الحرب لترك ولده بدار الكفر، وأنا أرى أن يطلقها ولا يقضى عليه. ولما كانت المفسدة التي تنشأ في تربية الولد بدار الحرب شديدة ذكرها المصنف، وإن كان قد أسقط التعليل بها في دار الإسلام كما تقدم.
[ ٤ / ٧٦ ]
عياض: والكراهة عند مالك هنا أشد من الكراهية عنده ببلد الإسلام، وأجاز في العتبية للأسير أن يطأ زوجته وجاريته ببلد الحرب إذا أمن وصول أهل الحرب إليها مع كراهة ذلك للولد أيضًا.
وَلَوْ مَلَكَ مَجُوسِيَّةً لَمْ يَحِلَّ لَهُ مِنْهَا اسْتِمْتَاعٌ بِخِلافِ الْكِتَابِيَّةِ
القاعدة في ذلك أن كل من جاز له وطء حرائرهن بالنكاح جاز وطء إمائهن بالملك، وكل من لم يجز وطء حرائرهن بالنكاح لم يجز وطء إمائهن بالملك.
قوله (لَمْ يَحِلَّ لَهُ مِنْهَا اسْتِمْتَاعٌ) أي: بجماع ومقدماته. وقوله (بِخِلافِ الْكِتَابِيَّةِ) أي: فيجوز له ذلك إذا ملكها. وكل من جاز منه الاستمتاع بالوطء، جاز منه الاستمتاع بالقبلة وما في معناه، وبالعكس. ولا يعترض على ذلك بالحيض، لأن الحيض طارئ ويزول عن قرب.
وَالرِّدَّةُ تَقْطَعُ الْعِصْمَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَكَانَهَا بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةٌ بِتَوْبَتِه. وقِيلَ: يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّةِ بَعْد الْبِنَاءِ كَالْمُشْرِكِ تُسْلِمُ زَوْجَتُهُ
(مِنَ الْجَانِبَيْنِ) تتعلق بـ (الرِّدَّةُ) لا بـ (تَقْطَعُ) لأن القطع لا يتأتى من أحد الجانبين دون الآخر، ولأن مراده أن ارتداد أحد الزوجين يوجب قطع العصمة سواء كان الرجل أو المرأة. وعلى هذا فيشكل، لأنه فرق بي (الرِّدَّةُ) وهو مصدر وبين صلته بالخبر وهو أجنبي، لأن قوله (تَقْطَعُ) [٣٠٧/ب] خبر عن (الرِّدَّةُ). واستعمل المصنف هنا لفظ (الْعِصْمَةَ) لأنه لفظ الإمام في المدونة، ولأن علماءنا استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فكان ذلك كالإرشاد إلى محل الدليل.
وقوله (بِتَطْلِيقَةٍ) هو المشهور، وروى ابن أبي أويس وابن الماجشون أن ذلك فسخ. وكونها (بَائِنَةٍ) هو مذهب المدونة.
[ ٤ / ٧٧ ]
وقوله: (ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ) ظاهر.
الجلاب: ولو ارتدت قبل الدخول بها سقط صداقها، وكذلك لو ارتد زوجها. ويتخرج فيها رواية أخرى وهي أن لها نصف الصداق. وقال اللخمي: إن ارتد الزوج فلها النصف على القول بأنه طلاق. ويختلف على القول أنه فسخ، فقال مالك في المبسوط: لها نصف الصداق. وقال عبد الملك: لا شيء لها. والأول أحسن. والقول بأنها: (رَجْعِيَّةٌ بِتَوْبَتِه) للمخزومي، ومعنى (بِتَوْبَتِه) أي: تكون رجعية بشرط التوبة كما قلنا أن طلاق المولي والمعسر بالنفقة رجعي، وشرط الرجعية الفيئة واليسر، والقول بأنه ينتظر في العدة نقله اللخمي عن ابن الماجشون، وبه قال أشهب في أحد قوليه، وروى عنه أيضًا كالمشهور.
فَإِنِ ارْتَدَّ إِلَى دِينِ زَوْجَتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُسْلِمَةِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحالُ بَيْنَهُمَا
كما لو كانت تحته نصرانية فارتد إلى النصرانية هذا ظاهر لفظه، وهو الذي في الجواهر.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك فإن مقصوده إنما هو الفرق بين أن تكون مسلمة فيفسح النكاح وبين ألا تكون كذلك فيختلف فيه، وهو ظاهر ما حكاه غير المؤلف. وصرح في التنبيهات بمشهورية قول ابن القاسم.
ورأى أصبغ أن سبب الحيلولة بينه وبين المسلمة إنما هو استيلاء الكافر على المسلمة، وعلى قول أصبغ فلا تحرم عليه الكتابية إن عاد إلى الإسلام.
فرع:
فإن تهود نصراني أو بالعكس أقر، وحكى ابن العربي رواية بالقتل لخروجه عن العقد الذي انعقد له إلا أن يسلم. وأما لو تزندق يهودي أو نصراني، فقال أصبغ في الواضحة: لا يقتل لأنه خرج من كفر إلى كفر. وقاله مطرف وابن عبد الحكم، وقال ابن الماجشون: يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد، ولا تؤخذ عليه جزية.
[ ٤ / ٧٨ ]
ابن حبيب: ولا أعلم من قاله غيره ولا أقول به.
الباجي: يحتمل أن يريد بالزندقة هنا الخروج إلى غير شرعية مثل التعطيل ومذاهب
الدهرية، وحكى الشيخ أبو محمد عن أبي بكر بن محمد قال: روى عبد الرحمن بن إبراهيم
الأندلسي في النصراني أو اليهودي يتزندق أنه يقتل، لأنه خرج من ذمته إلى غير ذمته، ولو
أسلم لقتل كمسلم يتزندق ثم يتوب.
وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا وكَانَا عَلَى صِفَةٍ لَوِ ابْتَدَأ عَلَيْهَا لَصَحَّ قُرِّرَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَيُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحٍ بِلا وَلِيٍّ ولا صَدَاقٍ ولا عَقْدٍ وَفِي الْعِدَّةِ والنِّكَاحِ الْمُؤَجَّلِ إِلا إذَا أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ وَالأَجَلِ بِخِلافِ الْمَحَارِمِ
هذا شرع من المصنف في الكلام على إسلام الزوجين الكافرين، وفي ذلك ثلاث صور: الأولى: أن يسلما معًا. والثانية: أن تسلم الزوجة وحدها. والثالثة: أن يسلم الزوج وحده. وتكلم المصنف هنا على الأولى. وقوله (أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا) يحتمل في وقت واحد، وهو ظاهر لفظه. ويحتمل أتيا معًا إلينا مسلمين، وإن افترق إسلامهما في الزمان، وهو ظاهر كلام الباجي لأنه قال: وإذا أسلما قبل البناء في وقت واحد مثل أن يأتيا جميعًا مسلمين، ففي النوادر أنهما على نكاحهما.
قوله: (وكَانَا عَلَى صِفَةٍ .. إلى آخره) حاصله إن كان المنع لصفة في الزوجين، كما لو كانا محرمين لم يقر نكاحهما، وإن كان لسبب خارج عنهما قررا على نكاحهما، فيقران على نكاح بلا ولي ولا صداق ولا عقد، وعلى النكاح في العدة ونكاح المتعة وهو مراده بقوله (والنِّكَاحِ الْمُؤَجَّلِ) ونص اللَّخْمِيّ على أنه لو كان زنا ثم تراضيا على البقاء على وجه الزوجية أنهما يبقيان إذا أسلما.
وقوله (إِلا إذَا أَسْلَمَا إلى آخره). أي: فإنه يفسخ في هاتين الصورتين وإن كان الفساد فيهما ليس لصفة راجعة إلى الزوجين. نص على الأولى- وهي إذا أسلما قبل
[ ٤ / ٧٩ ]
انقضاء العدة- ابنُ القاسم وأشهب في الموازية، ولا إشكال فيهما لأن التمادي على النكاح
هتك لحرمة العدة، وفيه سقي مائه زرع غيره.
ونص على الثانية أَشْهَب في الموازية، ورأى أنا لو أبحنا لهما التمادي إلى الأجل لكنا أمضينا نكاح المتعة في الإسلام. هكذا أشار ابن عبد السلام إلى تعليل المسألة. وينبغي أن يفهم ما قالوه من عدم التمادي في هذه الصورة على ما إذا قالا: نحن نتمادى إلى بقية الأجل. وأما لو تماديا على الإطلاق فينبغي أن يصح النكاح، لأنهما إذا تماديا على الإطلاق لا يكون نكاح متعة، وهو الذي يؤخذ من كلام اللخمي فإنه قال: يثبت نكاحهما سواء كان أصله فاسدًا أو صحيحًا، دخل أو لم يدخل، وإن كان اصله نكاح متعة ثم تراضيا بعد الأجل على البقاء جاز. أشهب: ولو أسلم بعد الأجل ثبت النكاح بنى أو لم يبن.
قوله (بِخِلافِ الْمَحَارِمِ) هو مقابل لقوله (وكَانَا عَلَى صِفَةٍ لَوِ ابْتَدَأ عَلَيْهَا لَصَحَّ).
وَالْمَشْهُورُ [٣٠٨/أ] أَنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالإِسْلامِ مَا ذَكَرْنَاهُ
المشهور كما ذكر فساد أنكحتهم؛ لأن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم كالولي، ورضا المنكوحة، وألا يكون في عدة، وبصداق يجوز تملكه، وبشهود. قاله ابن يونس. وفيه نظر، لأنه يقتضي أنه لو انعقد نكاحهم بالشروط المعتبرة في الإسلام لصح، وليس كذلك. وقال ابن راشد بعد ذكره المشهور: وقيل: بل ينظر، فإن وقعت على الشروط المعتبرة فهي صحيحة، وإلا فهي فاسدة، وهو اختيار شيخي القرافي. انتهى.
وحكى صاحب الاستلحاق الشاذ عن بعض مذاكريه، وبناه ابن بشير على القول بعدم خطاب الكفار. واستشكل القرافي في الذخيرة المشهور، لأن ولاية الكافر للكافرة صحيحة، والشهادة عندنا ليست شرطًا في العقد حتى نقول لا تصح شهادتهم لكفرهم، وقد يشهدون للمسلمين. ونص ابن عبد السلام على أن الخلاف حاصل فيما اجتمعت
فيه الشروط كغيره.
[ ٤ / ٨٠ ]
وَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثلاثًا، فَإِنْ أَسْلَمَا فِي الْحَالَ قُرِّرَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبَانَهَا لَمْ يُقَرَّ، ولَكِنَّهُ يَعْقِدُ مِنْ غَيْر مُحَلَّلٍ
لأن الطَّلاق فرع صحة النكاح، فإن أبانها صارت كالأجنبية. وقال المغيرة: طلاقالمشركين طلاق، ولا تحل له إلا بعد زوج. يريد، إذا طلقها ثلاثًا، وهو إما بناء على صحة أنكحتهم، وإما أن النكاح المختلف في فساده يلزم فيه الطَّلاق. وعلى هذا فيقال: كان ينبغي على المشهور لزوم طلاقهم للخلاف في صحة أنكحتهم، إلا أن يراعى هذا
النكاح. وهذا كله إذا لم يتحاكموا إلينا، فإن تحاكموا إلينا ففي المدونة: إذا طلق الذمي ثلاثًا فرفعت المرأة أمرها على الحاكم فلا يحكم بينهما إلا أن يرضيا بحكم الإسلام، فالحاكم مخير إن شاء حكم وإن شاء ترك، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام. قال: وأحب إلى ألا يحكم بينهم، فطلاق المشرك ليس بطلاق.
صاحب الاستلحاق وابن محرز: ظاهره أنه لا يلتفت في الحكم بينهم إلى رضا أساقفتهم. وفي التعبية لابن القاسم: لابد من رضا أساقفتهم.
عبياض: وظاهره يحكم بحكم الإسلام أن حكم بينهم: أن يتركهما ولا يفرق بينهما إذ هو حكم الإسلام في طلاق أهل الكفر كما قال.
وعلى هذا تأول المسألة ابن أخي هشام وابن الكاتب، وغير واحد، وهو أظهر، وحملها القابسي وغيره على ظاهر اللفظ، وعلى أنه يحكم بينهم بالفراق إذ هو حكم الإسلام الذي تراضوا به، ثم اختلفوا، فأما القابسي فلم يرد أن يزيد الحاكم شيئًا على أن يفرق بينهما فراقاُ مجملًا دون الثلاث، وذهب ابن شبلون إلى الحكم بالثلاث، كما يحكم
بين المسلمين، ويبينها منه. وكان الشيخ أبو محمد يقول: إن كان العقد صحيحًا لزمه الطلاق، وإن كان مخالفًا لشروط الصحة لم يلزمه شيء، وقد يحتج لهذا بما وقع في كتاب
[ ٤ / ٨١ ]
العتق الثاني في النصراني يعتق عبده ويتمسك به أنه لا يعرض له إلا أن يرضى السيد بحكم الإسلام، فيحكم عليه بحريته، والظاهر أنه والطلاق سواء. انتهى.
خليل: وفرق في الاستلحاق بأنه في العتق عتق ما يملكه بملك ثابت، فلذلك حكم عليه بخلاف النكاح. قيل: ومنشأ الخلاف بين ابن شبلون وابن الكاتب الاختلاف في معنى قول مالك حكم بينهم بحكم الإسلام هل معناه بحكم الإسلام في الإسلام فيلزم الطلاق، أو بحكم الإسلام في أهل الشرك فلا يلزم؟
وَإِصْدَاقُهَا الْفَاسِدُ كَالْخَمْرِ أَوِ الإِسْقَاطِ إِنْ كَانَ قُبِضَ ودَخَلَ مَضَى، وإِلا فَصَدَاقُ المِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: قِيمَتُهُ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ. وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ إِنْ كَانَ قَبَضَ وَمَا دَخَلَ رُبُعُ دِينَارٍ وَالسُّقُوطُ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ كَنِكَاحِ تَفْوِيضٍ ابْتِدَاءً
حاصله أنه إذا أصدق الكافر زوجته الكافرة صداقًا فاسدًا كالخمر ونحوه فله أربعة أقسام، وقد تقدم أنه يبتدأ في القسمة الرباعية بإثباتين ثم بنفيين، ثم بإثبات الأول، ونفي الثاني، ثم بالعكس، فيكون الأول: قبض ودخل، والثاني: لم يقبض ولم يدخل، والثالث: قبض ولم يدخل، والرابع عكسه.
ولأجل أن المصنف أراد هذه الأقسام الأربعة، قال: (وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ) قوله: (مَضَى) لأنها مكنته من نفسها وقبضت العوض في وقت يجوز لهما المعاوضة به.
وقوله (وإِلا فَصَدَاقُ المِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ) يدخل فيه الثلاثة الأقسام، أي: وإن لم يحصل القيدان فيلزم فيه صداق المثل على المشهور، وهو مذهب المدونة ونصها: وإن نكح نصراني نصرانية بخمر أو خنزير أو بغير مهر أو شرط ذلك، وهم يستحلونه في دينهم، ثم أسلما بعد البناء ثبت النكاح، فإن كانت قبضت قبل البناء ما ذكرنا فلا شيء لها غيره، وإن لم تكن قبضت وقد بنى بها فلها صداق المثل، فإن كان لم يبن بها حتى أسلما وقد قبضت ما ذكرناه أو لم تقبض
[ ٤ / ٨٢ ]
خير بين إعطائها صداق المثل ويدخل بها، أو الفراق، ويكون طلقة، ويصير كمن نكح على تفويض. وقال غيره: إن قبضته مضى ولا شيء لها غيره بنى بها أو لم يبن.
وإلى ما ذكره في المدونة من أنها إذا لم تقبضه ودخل الزوج [٣٠٨/ب] بها يكون لها صداق المثل، ومن أنها إذا لم يدخل الزوج بها سوء حصل القبض أو لم يحصل يخير الزوج، أشار إليه المصنف بقوله (وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ كَنِكَاحِ تَفْوِيضٍ ابْتِدَاءً) لأن نكاح التفويض إذا دخل فيه الزوج يلزمه فيه صداق المثل، وإذا لم يدخل يخير الزوج فإن فرض صداق المثل لزمها، وإن فرض اقل منه لم يلزمها، ولا يلزمه هو أن يفرض صداق مثلها. قوله: (وَزيد فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ) إلى آخره، حاصله أنه فيه أربعة أقوال على المشهور: يخير الزوج كنكاح التفويض. الثاني: أن لها قيمته لو جاز بيعه، وهو قول ابن عبد الحكم لكنه لم يجزم به، بل قال: القياس أن لها قيمة الخمر بمنزلة من تزوج بثمرة لم يبد صلاحها، فلم تجذ حتى أزهت، أن النكاح لا ينفسخ ولها قيمة ذلك.
اللخمي: وهو أحسن، فإن كانت قيمة الخمر عشرين وصداق مثلها عشرة لم يلزمها قبول عشرة، لأنها دون ما رضيت به، وإن كان صداق مثلها ثلاثين لم يلزمه ثلاثون، لأنها فوق ما رضيت به. الثالث: أن لها ربع دينار، وهو قول أشهب في الموازية، قال: وإن لم يعطيها ربع دينار فسخ. الرابع: لا شيء لها، وعزاه المتيطي لابن القاسم وعبد الملك، وهو أقيس لأن طريان ما أسقط ملكها عنه كطريان موت عبد أو دابة أخذته في صداقها، وهذا هو القول الذي ذكره في المدونة عن غير ابن القاسم.
ابن محرز وغيره: هو المستحسن، وهو خير من قول ابن القاسم في المدونة، لأنهم لا يختلفون أن النصراني إذا أسلم وله ثمن خمر أو خنزير أن الثمن له حلال، والبضع هنا ثمن الخمر، فهو له حلال. وصرح اللَّخْمِيّ بأن هذا القول هو المعروف من المذهب.
ابن يونس: وعلى قول الغير هنا إن قبضت نصفه قبل البناء كان لها نصف صداق المثل، وكذلك في جميع الأجزاء على هذا الحساب.
[ ٤ / ٨٣ ]
تنبيه:
قول المصنف (إِنْ كَانَ قُبِضَ ودَخَلَ مَضَى) لم يشترط فيه ما قال في المدونة: وهم يستحلونه في دينهم. إما لأنه وصف طردي لا على سبيل الشرط، وإما لأنه لا يوجد كافر لا يستحل ذلك، وإلى هذا ذهب بعضهم، ورأى بعضهم أنه شرط مقصود من ابن القاسم، فقال: يزيد أنه لو دخلوا عليه وهم لا يستحلونه لم يدخلوا على النكاح بل على الزنا، فلا يثبت ذلك العقد بعد الإسلام إلا أن يكونوا قد تمادوا عليه على وجه النكاح، وهو ظاهر إن وجد من الكفار من لا يستحل ذلك. وقيل: إنما قال: (وهم يستحلونه) تنبيهًا بالأخف على الأشد، لأنه قد تتوهم الصحة إذا كانوا يستحلونه، فبين أنه لا فرق.
وَالإِسْقَاطُ وَالدُّخُولُ كَقَبْضِ الْفَاسِدِ، وَقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثْلِ وَإِنْ دَخَلَ
قوله (كَقَبْضِ الْفَاسِدِ) أي فلا شيء لها، و(الْفَاسِدِ) صفة لمحذوف، أي: كقبض المهر الفاسد، وقوله في القول الثاني: (وإن دخل) لا حاجة إليه، لأن المسالة مفروضة مع الدخول، وليس في المدونة في هذه المسألة نص صريح، لأنه جمع فيها بين مسألة الذمي الذي يتزوج بخمر، والذي يتزوج بلا صداق، ثم أجاب عن مسألة الخمر، واختلف في مذهب الكتاب في ذلك، فقال ابن ابي زيد واللخمي وغيرهما: إن دخل بها فلها صداق المثل كما إذا لم تقبض الخمر أو الخنزير. وهو مذهب ابن القاسم في الواضحة. وهذا هو القول الثاني من كلام المصنف.
عياض: وذهب غير ابن أبي زيد إلى أنه إن دخل بها فلا شيء لها. وهو مذهب محمد.
عياض: وهو الصحيح. وهذا هو الذي قدمه المصنف، وإليه ذهب صاحب النكت.
ابن يونس: وهو ظاهر المدونة.
عياض: وأما قبل الدخول، فقالوا: لا يختلف أنه لا يدخل بها إلا أن يفرض مهر مثلها.
[ ٤ / ٨٤ ]
وقوله: لا يختلف أنه لا يدخل بها إلا أن يفرض؛ أي: ولا يجبر الزوج الزوجة على ذلك. صرح به اللَّخْمِيّ. واختار اللَّخْمِيّ أنه لا شيء لها إلا ربع دينار لحق الله تعالى.
فرع:
واختلف قول ابن القاسم إذا أسلمت قبل البناء بعد أن قبضت الخمر، ولم يسلم زوجها، فقال في العتبية: ترد قيمة ما قبضته من خمر فات أو لم يفت، ويكسر الخمر عليها. وقال في الواضحة: لا شيء عليها لا نصف ولا غيره.
اللخمي: وأرى إن أسلمت والخمر بيدها أن يرد إلى الزوج ولا يكسر عليها؛ لأن إسلامها يفسخ النكاح ويسقط ملكها عن الصداق، ويعود ملكًا للزوج ويرجع في عينه. وإن فاتت الخمر غرمت قيمتها، لأن إسلامها يوجب رد الصداق إذا كان دنانير أو سلعة.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَةُ كِتَابِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٍّ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا اتِّفَاقًا
قد تقدم لإسلامها ثلاث صور، تكلم المصنف على الأولى، وهذا الكلام على الثانية. وما حكاه المصنف من الاتفاق حكاه ابن يونس، وحكى اللَّخْمِيّ في ذلك خلافًا، فقال: واختلف إذا أسلم عقب إسلامها نسقًا، فقيل: بانت منه. وفي العتبية: أنه أحق بها. وكذلك حكى ابن بشير وابن راشد إذا أسلم عقيب إسلامها قولين، وبناه انب بشير على
أن ما قرب من الشيء هل له حكمه أم لا؟ وأجراه اللَّخْمِيّ على من طلق زوجته ثلاثًا قبل البناء واحدة بعد واحدة هل تلزمه الثلاث أو واحدة؟ وعلى هذا فالاتفاق إنما هو مع الطول. وأشار الباجي إلى أن الخلاف مع القرب إنما هو مخرج. [٣٠٩/أ]
ابن عبد السلام: وهو الأقرب. وكان الأولى أن يقول موضع (اتِّفَاقًا) على المشهور أو على المنصوص.
[ ٤ / ٨٥ ]
وَبَعْدَ الْبِنَاءِ يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّة اتِّفَاقًا لِلسُّنَّةِ
أي: وإن أسلمت الزوجة فقط (بَعْدَ الْبِنَاءِ) فإن الزوج (يَنْتَظِرُ فِي الْعِدَّة) للسنة اتفاقًا، فإن اسلم في عدتها كان أحق بها. وأشار بقوله (للسنة) إلى ما في الموطأ من إقراره ﵊ صفوان بن أمية على بنت الوليد بن المغيرة بعد شهر من إسلام زوجته ولما فيه أيضًا من إقراره ﵊ عكرمة بن أبي جهل على أم حكيم.
وما رواه أبو داود عن ابن عباس من أنه ﵊ رد ابنته زينب إلى أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وفي رواية بعد ست سنين.
ابن عبد البر: وفي بعض طرقه بعد سنتين. وروى الدارقطني والترمذي عن حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﵊ رد ابنته زينب إلى أبي العاص بنكاح جديد. وصحح صاحب الاستذكار هذا وضعفه غيره.
ابن عبد البر: وإن صح ما رواه الدارقطني فإما لأنها لم تحض ثلاث حيض حتى أسلم زوجها، وأما لأن الأمر فيها منسوخ عند الجميع بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في عدتهن، ولا يجوز رجوعها إليه بعد العدة عند الجميع، إلا شيء روى عن النخعي وشذ فيه، ولم يتابعه عليه إلا بعض أهل الظاهر.
وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ إِسْلامِهِ كَانَ لَغْوًا
إذ لا ملك له عليها حينئذ، وطلاق الكافر غير معتبر، وقد تقدم عن المغيرة أن الكافر يلزمه الطلاق في الكافرة، فأحرى أن يقوله هنا لأنه حكم مسلمة وكافر. قاله ابن عبد السلام. وقد يقال: إن المرأة هنا في حكم البائنة، وإنا أقر عليها إذا أسلم تأليفًا بخلاف الكافر إذا طلق الكافرة التي في عصمته، والله أعلم.
[ ٤ / ٨٦ ]
فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قُرِّرَ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ الْحُرَّةِ ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً زَوَّجَهَا أَبُوهَا
هذه هي الصورة الثالثة إذا أسلم الزوج فقط قرر عل نكاح الكتابية الحرة لأنه إذا كان يجوز له ذلك ابتداءً فلأن يجوز له التمادي من باب الأولى.
قوله (ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً زَوَّجَهَا أَبُوهَا) هو كذلك في المدونة، وزاد فيها: ولا خيار لها إن بلغت. ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أنه قال: يكره التمادي على نكاح الكتابية هنا، كما يكره للمسلم نكاحها ابتداءً.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتِ الْكِتَابِيَّةُ وَلَمْ يَبْعُدْ مَا بَيْنَهُمَا ثَبَتَ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ
يعني: وأما غيره الحرة الكتابية فيدخل في ذلك الأمة الكتابية والمجوسية حرة كانت أو أمة، (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَسْلَمَتْ). يعني: المجوسية (أَوْ عُتِقَتِ) يعني: الأمة الكتابية، وسيأتي تفسير قوله (وَلَمْ يَبْعُدْ).
وَإِلا فُسِخَ بِطَلاقٍ، وَفِيهَا: مَا فُسِخَ لإِسْلامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَبِغَيْرِ طَلاقٍ
أي: وإن لم تسلم بالقرب فسخ، وهل بطلاق؟
ابن عبد السلام وغيره: والمشهور ما في المدونة أنه يفسخ بغير طلاق وهو الذي في الرسالة وغيرها.
ابن المواز: والفرق بين إسلام أحد الزوجين أنه فسخ بغير طلاق وبين ردته أن الردة طرأت عل نكاح صحيح، وأيضًا المسلم يلزمه طلاقه، فكذلك يلزمه لما أحدث من الردة الطلاق، والكافر لو طلق لم يلزمه وإن أسلم فلم يلزمه بما فعل طلاق.
[ ٤ / ٨٧ ]
وَقَالَ: فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُمَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ فَلَيْسَ بَكَثِيرٍ. وَعَنْهُ: إن أَسْلَمَتْ مَكَانَهَا ثَبَتَ وَإِلا فَلا، وَفَرَّقَ أَشْهَب بَيْنَ مَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ كَمَا قيل: فِي إِسْلامِ الزَّوْجَةِ قَبْلَهُ سَوَاءً
هذا تفسير لقوله: (وَلَمْ يَبْعُدْ). وقوله: (وَقَالَ: فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُمَا) فيه نظر؛ لأن ابن القاسم لم يذكر في قوله غفلة، وإنما تأول ذلك عليه، ونص التهذيب: وإن أسلم مجوسي أو ذمي وتحته مجوسية عرض عليها الإسلام حينئذ، فإن أبته وقعت الفرقة بينهما.
محمد: يريد إن لم تسلم مكانها. ثم قال في التهذيب: فإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلامها، ولم يجد مالك البعد، وأرى الشهر وأكثر من ذلك قليلًا ليس بكثير. وفي بعض الروايات: وأرى الشهرين.
المتيطي: وكذلك في الموازية، وروي خارج المدونة: أقل من الشهر. وتأول ابن اللباد وغيره من القرنين المدونة على أنها لا توقف هذه المدة، وإنما معناها: غفل عن إيقافها، وجعلوا قول ابن القاسم موافقًا لقول مالك أنه إن عرض عليها الإسلام ولم تسلم فرق بينهما ولم توقف. وقال ابن أبي زمنين: المعروف أما إن وقفت إلى شهر أو بعده فأسلمت أنها امرأته.
عياض: ظهر كلامه خلاف ما تأوله القرويون.
وقوله (وَعَنْهُ: إن أَسْلَمَتْ مَكَانَهَا ثَبَتَ وَإِلا فَلا) أي: وعن ابن القاسم. وتصوره ظاهر. وقال أشهب في الموازية: لا يفرق بيتها في الدخول حتى تخرج من العدة، يعني: وأما قبل البناء فتبين بمجرد إسلامه.
محمد: وأصحابنا عل قول ابن القاسم، قال أيضًا أَشْهَب، وعن أشهب: أنه يعرض عليها الإسلام بعد البناء اليومين والثلاثة. وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يعرض عليها
[ ٤ / ٨٨ ]
الإسلام اليومين والثلاثة، فإن أبت استبرأت نفسها [٣٠٩/ ب] بحيضة، ويؤخذ من هذا أن الاستبراء في إسلام أحد الزوجين حيضة.
اللخمي: قال مالك وابن القاسم: تستبرأ بثلاث حيض. وقال ابن القاسم في العتبية في النصرانية يطلقها النصراني فتحيض حيضة ثم تزوج مسلمًا: لا أفسخ نكاحه لأن مالكًا يقول: تجزئها حيضة.
تنبيه: قوله: (أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ) ليس مقيدًا بالقلة، وينبغي أن يقيد بها كما في المدونة.
وَإِذَا سَبَقَ سَقَطَتْ نَفَقَةُ مَا بَيْنَهُمَا
أي: سبق الزوج بالإسلام وذلك بعد الدخول. قوله: (مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين إسلام الزوج وإسلامها، وإنما سقطت نفقتها لأن الامتناع من سببها.
وَإِذَا سَبَقَتْ فَقَوْلانِ
هما لابن القاسم بناء عل أنها محبوسة من أجله لما كان أحق بها في العدة فتجب لها، أو هي منعت نفسها إسلامها والنفقة في مقابلة الاستمتاع.
ابن أبى زمنين: وهو الصحيح في النظر. وكذلك قال اللَّخْمِيّ: عدم النفقة أحسن. وقال ابن راشد: هو أقيس. وأخذ أصبغ بالقول بالوجوب، وأفتى به، وهذا ما لم تكن حاملًا، وأما إن كانت حاملًا فلها النفقة والسكنى بالاتفاق. قاله ابن عبد السلام، قال: وليس ما وقع في بعض نسخ ابن بشير من الخلاف في السكنى صحيحًا. واعلم أن القولين فيالنفقة موجودان، سواء أسلم الزوج أو لم يسلم، وليس كما يعطيه كلام المصنف أنهما مقصوران على ما بين إسلامهما.
[ ٤ / ٨٩ ]
لو أَسْلَمَ صَغِيرٌ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةً لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى يَحْتَلِمَ لأَنَّهُ لَوِ ارْتَدَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَمْ يُقْتَلْ
لا إشكال أن إسلام أحد الزوجين إذا كان في سن من لا يميز لا يوجب فراقًا، وأما إن كان يعقل الإسلام قالوا؛ وهو من الإثغار فما فوقه. فإن أسلم الزوج وتحته مجوسية لم يفسخ نكاحه حتى يحتلم، لأنه لو ارتد قبل ذلك لم يقتل، وقاله في المدونة. وفيها أيضًا ما يدل عل خلاف هذا، وأنه يعم إسلام المميز، ففي التجارة إلى أرض الحرب أنه يُجبر الكافر عل بيع عبده الصغير إذا أسلم، وفي الجنائز أنه يصل على الصغير يجيب إلى الإسلام. وقد حكى اللَّخْمِيّ في مسألة المصحف هذه قولين منصوصين: أحدهما: ما ذكره المصنف. والثاني: أن إسلامه إسلام. قال: فعليه إن كانت بالغة عرض عليها الإسلام على مذهب ابن القاسم، ثم يختلف هل تؤخر ثلاثة أيام؟ ويختلف إذا غفل عنها، ولم يعرض لها الشهر والشهرين هل يكون أحق بها؟ وعلى قول أشهب تقع الفرقة بينها مكانه، وسواء دخل بها أم لا لأن دخول من لم يبلغ كَلا دُخول.
فرع: وأما إن أسلمت الزوجة الصغيرة فقط فعلى القول بأن اعتبار إسلامها إن كان الزوج دخل وهو بالغ فعليها العدة، وهو أحق بها إن أسلم في عدتها، وإن لم يكن دخل بها أو دخل ولم يبلغ بانت، وإن أسلم بعد ذلك إلا أن يكون إسلامه عقب إسلامها
فيختلف فيها. وعلى القول بأنه لا يعتبر إسلامها فيوقف زوجها البالغ عنها ولا تكون عليها عدة، فإذا ثبتت على إسلامها بعد البلوغ فالعدة عليها حينئذ ويكون أحق بها إن أسلم في عدتها. قاله اللخمي. وعن سحنون أن الفرقة تقع بين الزوجين إذا أسلمت، يعني في صغرهما أو في صغر أحدهما، كما تقدم. قال: كما يباع العبد على سيده بخلاف ما إذا كان هو أسلم وزوجته مجوسية. واعترضه ابن عبدوس، وقال: كيف تقع التفرقة بإسلامها، ولا تقع بإسلامه.
[ ٤ / ٩٠ ]
التونسي: ولا فرق بينها. وقال ابن رشد للإسلام حرمة، وإن كان قبل البلوغ فعليها إذا أسلمت ضرر في البقاء عل عصمة كافر، ولا ضرر عليه هو إذا أسلم في البقاء على عصمة كافرة، وفيه نظر.
اللخمي: وإن أسلم أبواهما والزوجان صغيران في سن من لا يميز كانا بإسلام الأبوين في حكم المسلمين، وإن أسلم أبوها وقعت الفرقة لأنه ليس ثم دخول. ويختلف إذا أسلم
أبوه، فعلى قول ابن القاسم يعرض على أبيها الإسلام، وعلى قول أشهب وقعت الفرقة وإن أسلم أبواهما. وأما إن عقلا دينهما لم يكن إسلام الأبوين إسلامًا لهما.
وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرٍ اخْتَارَ أَرْبَعًا، أَوَائِلَ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَ
لحديث غيلان الثقفي أنه أسلم وعنده عشر نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعا منهن. وبين أهل الحديث في صحته وضعفه- وعليه الأكثر- خلاف. ونبه بقوله: (أَوَائِلَ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَ) عل خلاف أبي حنيفة في قوله: يتعين الأوائل، وفيه ضعف؛ لأن التخيير ينافي التعيين. ابن عبد السلام: وخرج بعض الشيوخ لأشهب مثلة قول أبى حنبفة.
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلا مَهْرَ لِلْبَوَاقِي، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ خُمُسُ صَداقَِها؛ لأَنَّهُ لَوْ فَارَقَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ صَدَاقَانِ. وقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: نِصْفُ صَدَاقِهَا؛ لأَنَّهُ فِي الاخْتِيَارِ كَالْمُطَلِّقِ
قوله: (فَلا مَهْرَ لِلْبَوَاقِي) أي: المتروكات؛ لأنه مغلوب عل الفراق.
ابن محرز وغيره: وعليه فالفسخ بغير طلاق، وعلى قول ابن المواز وابن حبيب يكون طلاقًا، وفي التنبيهات: قالوا: مذهب ابن القاسم أنه يفسخ بغير طلاق، خلاف ما في الواضحة. واحتج ابن المواز بما ذكره المصنف أنه (لَوْ فَارَقَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ صَدَاقَانِ)
[ ٤ / ٩١ ]
[٣١٠/ أ] وإذا قسم اثنان على عشرة كون لكل واحدة خمس، فيكون للست اللاتي فارقهن حظهن من الصداقين. ورأى ابن حبيب أنه لما اختار الأربع دون غيرهن عُدَّ في الاختيار كالمنتقل، فكان كالمطلِّق. وفيه نظر؛ لأنه لو كان كالمطلِّق للزم إذا اختار أربعًا فوجدهن محارم ألا يختار بقية الأريع من الست، لأنهن بِنَّ عنه بالطلاق، ولا يقال: لم يجعله ابن حبيب مطلقًا، وإنما قال: كالمطلِّق؛ لأنا نقول؛ إنما يلزم نصف الصداق من طلَّق أما شبهه فلا، وأيضًا فلأنه إذا طلق بعد اختيار فيكون طلاقه مانعًا من التمسك بهذه الأربع.
فَإِنْ مَاتَ ولَمْ يَخْتَرْ فَعَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ لكل واحدةٍ خُمُسُا صَدَاقِهَا. وعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ لأَرْبَعٍ وَثَلاثٍ لِسِتٍّ يَقْتَسِمْنَ الْجَمِيعَ أَعْشَارًا
لأنه إذا مات ولم يختر فليس في عصمته شرعًا غير أربع، فيلزمه لكل واحدة صداق، وليست واحدة من العشر بأولى من الأخرى، فتقسم الأربعة عل عشرة، فيكون لكل واحدة خُمسَا صداقها. وعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة سبعة أعشار صداقها. وما ذكره المصنف من أنه على قول محمد يكون الواجب عليه أربعة أصدقة كالشهور، نحوه للخمي وابن بشير، ونقله ابن شاس عن محمد، واستشكل؛ لأن الموت كالدخول في تكميل الصداق، وهو لو بنى بأربع منهن، وجهلت أعيانهن، لكان لمجموع العشر عند محمد خمسة أصدقة، وخمس صداق؛ لأن للأربع أربع صدقات، ولكل واحدة من الست خمس صداق، وهكذا نقله ابن يونس وغيره.
[ ٤ / ٩٢ ]
وَمَنْ بَنَى بِهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا، وَمَنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ
لا إشكال في أن من بنى بها لها الصداق، ومن لم يين بها فعلى ما تقدم، أي: فإن اختارها كان لها الصداق، وإن اختار أربعًا فبنى بهن وفارق غيرهن لم يكن لهن شيء على المشهور، ويأتي قول ابن المواز وقول ابن حبيب، وهو ظاهر.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ رَضِيعَاتٍ فَأَرْضَعَتْهُنَّ امْرَأَةٌ اخْتَارَ وَاحِدَةً ولا شَيْءَ لِلْبَوَاقِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجِيءُ الْقَوْلانِ عَلَيْهِمَا
يعني: أن الأربع في هذه المسألة كالعشرة في التي قبلها، فيمسك واحدة ويفارق ثلاثًا، ولا شيء لهن عند ابن القاسم؛ لأنه مغلوب على الفراق. وعلى قول ابن المواز لكل واحدة ثمن صداقها، إذ لو فارق الجميع، لم يلزمه إلا نصف صداق. وعلى قول ابن حبيب لكل واحدة نصف صداقها.
ابن يونس: قال بعض فقهائنا: ولو مات الزوج قبل أن يختار واحدة من الأربع لم يجب عليه إلا صداق واحد للجميع اتفاقًا؛ لأن واحدة يصح نكاحها والثلاث محرمات، فوجب عليه صداق واحد يقسم على سائرهن، وكذلك يتفق على وجوب النصف إذا طلق الأربع قبل أن يختار واحدة، وما ذكره المصنف من أنه يختار واحدة هو المشهور، وقال ابن بكير وابن الكاتب: إن أرضعت واحدة بعد واحدة، فلا يجوز له أن يختار واحدة منهن، وهو بمنزلة من تزوج الأختين في عقدة واحدة. هكذا نقل ابن عبد السلام هذا القول، وإذا فسخ النكاحان عليه إذا أرضعت واحدة بعد واحدة فمن باب الأولى إذا أرضعتها معًا. وفرق في المدونة بين ما قاس عليه ابن بكير، فإن العقد هنا صحيح بخلاف من تزوج الأختين.
[ ٤ / ٩٣ ]
ابن القابسي: ومن اختار فراقها فهو فسخ بني طلاق عند ابن القاسم؛ لأنه لا يرى لها صداقًا، ومن رأى لها من الصداق شيئًا فسخ بطلاق. وقال غيره: بل الفرقة، على قول ابن القاسم بطلاق؛ لأنه الذي يختار الفسخ فيمن أراد.
ابن يونس: يريد: وليس كل موضح يكون فيه الفراق بطلاق يلزم فيه الصداق لما يوجد في غير مسألة من الفسخ بطلاق ومن غير صداق.
فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِمَا يَغْرَمُ
هذا تفريع على قول محمد وابن حبيب، وأما على المشهور فلا غرامة، وما ذكره المصنف من رجوع الزوج عل المرضعة المتعدية قاله ابن الكاتب؛ وظاهره أنها لو لم تتعمد كما لو أرضعت غالطة تظن أن الرضيعة ابنتها لم تغرم، وقد يقال بوجوب الغرم عليها وإن لم تتعمد؛ لأن القاعدة أن العمد والخطأ في الضمان سواء. وفي المدونة ما يؤخذ منه قولان في هذا الأصل، وذلك لأن في باب الرضاع: ومن تزوج امرأة ورضيعتين في عقدة واحدة، وسمى لكل واحدة صداقها، أو في عقود مفترقة فأرضعت الكبيرة إحداهما قبل
بنائه بالكبيرة، وهي في عصمته، أو فارقها حرمت عليه الكبيرة للأبد، وثبت على الصغيرتين، وإن كان بعد بنائه حرمت الكبيرة والصغيرة التي أرضعت، ولا صداق للمرضعة، وإن تعمدت الكبيرة الإفساد وللكبيرة الصداق بالمسيس.
وفي النكاح الثالث: وإن نكح الأم آخرًا يعني: بعد نكاح البنت، وهو لا يعلم وبنى بهما أو بالأم خاصة فارقهما وحرمتا عليه للأبد، ولا صداق للابنة إن لم يبن بها، وإن كان الفسخ من قبله لأنه لم يتعمده. وظاهره أنه لو تعمد ذلك لكان عليه الغرم، وهو خلاف ما قاله في الرضاع.
[ ٤ / ٩٤ ]
ابن عبد السلام: وليس لك أن تقول: هذا مبني عل المفهوم، وهو ضعيف لا سيما في كلام الفقهاء؛ لأن مثل هذا المفهوم قوي جدًا؛ لأنه [٣١٠/ب] ذكر الصفة أولًا، وهي قوله (وهو لا يعلم) وذكر العلة آخرًا وهي قوله (لأنه لم يتعمده).
اللخمي: ويختلف في المرضعة هل يغرم النصف للزواج إذا غرمه؟ أو للصغيرة إن لم يغرمه الزوج على قول ابن القاسم؟ فأما غرمها للزوج فيختلف فيه قياسًا على ما لو شهدت عليه بطلاق قبل الدخول، ثم رجعت البينة، فقال ابن القاسم: يرجع عل البينة بنصفه. وقال أشهب: لا رجوع له عليها؛ لأنه لم يوجب عليه إلا ما كان يلزمه لو طلق. والأول أحسن، قال: وأما غرمها للصغيرة فإن عللنا بأن البيع بيد البائع لم يكن لها شيء، وإن عللنا بأن الكبيرة إنما أسقطت لها دينها يفعلها لزمها الغرم.
وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ، ومَاتَ قَبْلَ التعيين لَمْ يُوقَفْ شَيْءٌ مِنَ الْمِيرَاثِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِمُسْلِمَةٍ وكِتَابِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ. ومَاتَ ولَمْ يُعَيِّنْ
لم يكن لهن من الميراث شيء؛ لأنه لا ميراث بشك، والمسلمات هنا مشكوك في بقاء عصمتهن لاحتمال أن يختار الكتابيات لو كان حيًا. وقوله (كَمَا لَوْ قَالَ لِمُسْلِمَةٍ وكِتَابِيَّةٍ) إلى آخره، يعني؛ وكان ذلك قبل البناء أو بعده والطلاق بائن، وأما إن كان رجعيًا فيشترط أن تنقضي العدة.
بِخِلافِ مَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ طَلْقَةً، وَدَخَلَ بإِحْدَاهُمَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، وَجَهَلَتِ الْمُطَلَّقَةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ وَكُلُّ الصَّدَاقِ، وَلِلأُخْرَى رُبُعُ الْمِيرَاثِ وَثَلاثَةَ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ
صورة المسألة من كلام المصنف بينة، واستشكل بعضهم ما فرض فيها من جهل عين المطلقة، قال: لأن الطَّلاق إما أن يعلم من جهة الورثة، ولا يفيد لأنه محض دعوى
[ ٤ / ٩٥ ]
على الزوجتين أو إحداهما، وإما أن يكون من جهة الشهود، ومثل هذه النهابة لا تقبل لعدم الضبط. ثم أجاب: لعل الشهود شهدوا بأنه قال: إحداكما طالق، وقصد التعيين، ولم يبينه لهم، ووقع النزاع بين الزوجين، وإنما ثبت الميراث هنا لعدم الشك، لأن المدخول بها ترث، ولا بد لأنها إن كانت المطلقة فعدتها لم تنقض، وإن كانت غير المدخول بها هي الطلقة فالمدخول بها زوجة، ولا إشكال في وجوب جميع الصداق للمدخول بها، وأما الميراث فيقع بينها وبين غير المدخول بها التنازعُ فيه، فهي تقول؛ جميع الميراث، لي لأنك أنت المطلقة. وغير المدخول بها تقول للمدخول بها: بل أنت المطلقة فالميراث بيننا نصفين. فنصف الميراث، للمدخول بها محقق، ووقع التنازع بينها في النصف الثاني، فيقسم بينهما. ثم غير المدخول بها تقول للورثة: لي الصداق كاملًا لأن الطلقة غيري. ويقول الورثة: بل أنت المطلقة قبل البناء، فليس لك إلا نصفه. فيكون نصف صداقها محققًا، ويقسم النصف الآخر بينها وبين الوارث. وهذا التفريع إنما هو على المشهور، وذلك أن من ادعى جميع المال وادعى غيره نصفه فعلى الشهور يقال لمدعي النصف قد سلمت لمدعي الكل في النصف، وإنما تنازعه في النصف الثاني، فيتحالفان، ويقسم النصف بينهما. ومذهب أشهب أن الجميع يقسم بينهما على قدر دعواهما، وروي ذلك عن مالك أيضًا. واحترز المصنف بقوله (ولم تنقض العدة) مما لو انقضت، فإن الحكم في ذلك أن يكون الميراث بينهما نصفين، قاله في المدونة، قال فيها; والصداق على ما ذكرنا.
وَلَوِ اخْتَارَ أَرْبَعًا فَإِذَا هُنَّ أَخَوَاتٌ فَلَهُ تَمَامُ الأَرْبَعِ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ. وَقِيلَ: وَلَوْ دَخَلْنَ. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: أَمَّا لَوْ كَانَ بِطَلاقٍ وَبَانَتْ فَلا تَمَامَ لَهُ
الأول لابن الماجشون، والثاني لابن عبد الحكم. وهي إحدى نظائر المفقود. وقول اللَّخْمِيّ ظاهر لبادئ الرأي، لأن فيه بعد التأمل إشكالًا، لأنه كالمناقض لما سيقوله المنصف أن طلاقه لبعضهن يعد اختبارًا، فعلى هذا إذا طلق أربعًا لم يكن له التمسك
[ ٤ / ٩٦ ]
بواحدة من العشر، إلا أن يفهم كلامه عل أن المعنى أنه طلق يعد اختياره فقال مثلًا في فور واحد: اخترت هذه الأربعة وطلقت البواقي. ولقائل أن يمنع وقوع الطلاق هنا؛ لأن بمجرد اختياره تبين البواقي منهن، والله أعلم.
فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى أُمٍّ وابْنَتِهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عَقْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِهِمَا حَرُمَتَا، وإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ اخْتَارَ وَاحِدَةً. وقَالَ أَشْهَب: تَتَعَيَّنُ الْبِنْتُ. وقِيلَ: بِنِكَاحٍ إِنْ شَاءَ
وإنما حرمتا بعد الدخول؛ لأنَّا وإن لم نصحح أنكحتهم على المشهور فوطؤهم وطء شبهة، ووطء الشبهة ينشر الحرمة كما تقدم، وإن لم يدخل بواحدة، اختار واحدة إما البنت وإما الأم؛ لأن العقد الفاسد لا أثر له، وعقدهم فاسد على المشهور. وقال أشهب: تعين البنت. وهو إما بناء على صحة أنكحتهم، وإما لأنه يرى فسادها، ولكن الإسلام صححها. ونقل في المدونة عن بعض الرواة أنه لا يجوز له أن يحبس واحدة منهما.
عياض: وهو أشبه. قيل: ومعناه: إذا كانا في عقدة واحدة، وإلا أمسك الأولى، ولا يكون أشد حالًا من المسلم. زاد في بعض الروايات في قول غيره: ولا بأس أن ينكح الابنة نكاحًا جديدًا.
ابن عبد السلام: والزيادة الواقعة في بعض الروايات هي القول الذي حكاه المصنف آخرًا؛ أعني قوله (وقِيلَ: بِنِكَاحٍ إِنْ شَاءَ).
فَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ تَعَيَّنَتْ
[٣١١/أ] أي: لا يجوز له نكاح الأم بعد الدخول بالبنت؛ يعني: وسواء كانا في عقد أوفي عقدين كما فرض المصنف أولًا.
خليل: وينبغي على هذا أيضًا أن تتعين البنت في الفرع السابق، إذا تقدم عقدها لأن العقد على البنت محرم للأم، وإنما يأتي الخلاف إذا عقد عليها عقدًا واحدًا، أو كانت الأم هي
[ ٤ / ٩٧ ]
السابقة، إلا أن يقال: عقود الكفار فاسدة. وفيه نظر؛ لأنا وإن قلنا أن عقودهم فاسدة، فالإسلام يصححها، وعلى القول بصحة أنكحتهم فهذا الكلام واضح، والله أعلم.
وَإِنْ دَخَلَ بالأُمِّ، فَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ. وقِيلَ: تَنْدَفِعَانِ
الأول مذهب المدونة، والثاني لمالك وأشهب، وهو مبني على أن العقد الفاسد يحرم.
وَلا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ أَوْ أَبُوهُ مَنْ فَارَقَهَا
أي: إذا فارق الأم لاختياره البنت أو العكس، أو فارقها معًا، أو فارق إحداهما لتعيين الأخرى، فإن حرمة المصاهرة تنشر بين الأب وابنه وبين من فارقها. وظاهر كلامه أن ذلك عل التحريم. والذي في المدونة: إذا حس الأم وأرسل الابنة لا يعجبني لابنه أن يزوجها. وفهم منه عياض ما فهم المصنف، وقال: جعل للعقد هنا تأثرًا في الحرمة. والذي لابن القاسم في الموازية خلافه، وأنه لا محرم بعقد أهل الشرك. وكذلك الذي يؤخذ من كلام ابن يونس حمل كلام ابن القاسم عل أنه ينشر الحرمة كما قال المصنف، فإنه قال بعد قول ابن القاسم (لايعجبني): يريد لأنه عقد شبهة. وقال ابن عبد السلام: لا يبعد حمل ما في المدونة على الكراهة لوجهين: أولهما: ليتفق ما في المدونة والموازية. وثانيها: لو انتشرت حرمة المصاهرة فيما بين الأب وابنه وبين هذه لانتشرت بينه وبين أمها.
فَإِنْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ وَشِبْهَهُمَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مُطْلَقًا
قوله (وَشِبْهَهُمَا) أي: كالمرأة وعمتها والمرأة وخالتها، (اخْتَارَ وَاحِدَةً مُطْلَقًا) أي: سواء بنى بها أو بواحدة منها أو لم يبن بواحدة في عقد أو في عقدين؛ لأنه إنما يحرم الجمع فقط.
[ ٤ / ٩٨ ]
وحكى المتيطي وغيره عن ابن الماجشون أته إذا أسلم على أختين انفسخ نكاحهما جميعًا، قال: هو قول من أرضى من علمائنا. ودليل المشهور ما رواه الترمذي أن فيروز الديلمي أسلم على أختين فأمره النبي ﷺ أن يختار واحدة.
وَالْمَجُوسِيُّ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرٌ أَوْ أُمٌّ وَابْنَتُهَا أَوْ أُخْتَانِ مَجُوسِيِّتَانِ قَدْ أَسْلَمْنَ كَذَلِكَ
هذا مستغنى عنه، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى أن الكلام المتقدم خاص بالكتابي، وبين هذا أن المجوسي شاركه في ذلك.
وَيُعْتَبَرُ فِي الاخْتِيَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدةً أَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى أَوْ وَطِئَ تَعَيَّنَتْ
يعني: لا يشترط في الاختيار الصريح، بل يكون بالتصريح وبما يستلزمه كما إذا طلق واحدة أو ظاهر منها أو آلى أو وطئها بعد إسلامه، إذ لا يفعل ذلك الرجل إلا في زوجته، وينبغي أن تكون مقدمات الوطء كالوطء، ولا يقال يصح عندنا الإيلاء من الأجنبية لأن العرف أن الإيلاء إنما يكون في الزوجة، والمعتبر في الدلائل إنما هو العرف كما في الأيمان والإقرار.
وَلَوْ قَالَ: فَسَخْنتُ نِكَاحَهَا تَعَيَّنَ غَيْرُهَا
إن أراد بقوله (تَعَيَّنَ غَيْرُهَا) للاختبار فظاهر، وهذا الذي يؤخذ من الجواهر. وإن أراد تعيين الرضا بالغير فبعيد. قال في الجواهر: ولو قادت فسخت نكاحها؛ انفسخ نكاحها؛ لأنه أوقع بالفسخ عليها أن لا يختار نكاحها. ل
وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ الْكِتَابيُّ لَمْ تَزَلْ عِصْمَتُهُ قَدِمَ أَوْ بَقِيَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ ولَمْ تُسْلِمْ لأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ
تزل العصمة لأن التي تحته كتابية، وللمسلم أن فتزوج الكتابية. وقوله (ولَمْ تُسْلِمْ) وأما إن أسلمت بقيت في عصمته، وكذا نص عليه في المدونة.
[ ٤ / ٩٩ ]
واعترض إطلاقه بقاء العصمة مع احتمال أن يكون واجدًا للطول ولا يخشى العنت، وأجيب بأن مراده التقييد.
الإِحْرَامُ: وَلا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ وَلا لِمُحْرِمَةٍ نِكَاحٌ ولا إِنْكَاحٌ بِخِلافٍ الرَّجْعَةِ وشِرَاءِ الإِمَاءِ
لما في الموطأ وغيره: عن عثمان ﵁ أنه ﵊ قال؛ (لا ينكح الحرم ولا ينكح ولا يخطب). وسواء كان الإحرام بحج أو بعمرة. ولم ير أبو حنيفة ﵁ الإحرام مانعًا، واحتج بها في الصحيح عن ابن عباس ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم. وفي بعض طرقه: وبنى بها وهو حلال. وأجيب بأنه أيضًا في الصحيح عن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة أنه ﵊ تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. وبها خرجه النسائي مسندًا ومالك مرسلًا عن أبي رافع أنه ﵊ تزوج ميمونة وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما. حديث أبي رافع أولى من حديث ابن عباس؛ لأنه المباشر للقصة، لاسيما وابن عباس كان حينئذ صغيرًا، وإن مسلم مساواة حديث ابن عباس لحديث أبي رافع فيتعارضان، ويسلم حديث عثمان من التعارض. وقوله (ولا إِنْكَاحٌ) الظاهر أنه يريد به الولاية فيكون مقصورًا على الرجل؛ لأن المرأة ليست أهلًا لها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من الولاية ومن التسبب في النكاح كالخطبة، فيكون عوده على المحرم والمحرمة.
الباجي: في قوله ﵊ في حديث عثمان "ولا يخطب"، يحتمل أن يريد به السفارة في النكاح، [٣١١/ب] ويحتمل أن يريد به الخطبة حال النكاح، أما السفارة فممنوعة. فإن سفر فيه وتناول العقد غيره، أو سفر فيه لنفسه وأكمل العقد بعد التحلل فلم أر فيه نصًا، وعندي أنه أساء ولا يفسخ، ويتخرج على قول أصحابنا في من خطب في
[ ٤ / ١٠٠ ]
العدة وعقد بعدها القولان، وأما من خطب في عقد النكاح وتناول العقد غيره فكما ذكرنا، وقد أساء من حضر العقد، رواه أشهب عن مالك، وقال أصبغ؛ لا شيء عليه.
وقوله: (بِخِلافٍ الرَّجْعَةِ وشِرَاءِ الإِمَاءِ) أي: فيجوز، ولا أعلم في ذلك خلافًا عندنا.
وَيُفْسَخُ وَإِنْ وَلَدَت الأَوْلادَ بِغَيْرِ طَلاقٍ ثُمَّ قَالَ بِطَلاقٍ
تصوره ظاهر والمشهور الرواية المرجوع إليها.
وَفِي تَابِيدِ التَّحْرِيمِ رِوَايَتَانِ
المشهور نفي التأبيد، وهو الأصل، وقاسه في الرواية الأخرى عل النكاح في العدة بجامع الاستعجال قبل الأوان.
فَلَوْ وَكَّلَ ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَقَدَ لَهُ فُسِخَ
لا خلاف فيه. خليل: وانظر إذا وكل المحرم حلالًا ليعقد له الوكيل إذا حل، وقد يتخرج عل قولين، هما: إذا خطب في العدة وعقد بعدها.
فرع: منتهى المنع في الحج إلى طواف الإفاضة، ولو نكح بعد الطواف وقبل ركعتيه فإن عثر عليه بالقرب فسخ بطلقة، وإن تباعد جاز.
الْمَرَضُ: وَلا يَجُوزُ نِكَاحُ مَرِيضِ مَخُوفٍ عَلَيْهِ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى الاسْتِمْتَاعِ، وَيُفْسَخُ وَلَوْ دَخَلَ. وَرُوِيَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَعَلَى الْمَشْهُورِ لا صَدَاقَ لَهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ
هو أحد الموانع المتقدمة. وقسم اللَّخْمِيّ نكاح المريض على ثلاثة أيام: جائز، وممنوع، ومختلف فيه. فإن كان غير خوف أو مخوفًا متطاولًا كالسلِّ والجذام وتزوج في أوله جاز، وإن كان محوفًا أشرف صاحبه على الموت لم يجز، واختلف إذا كان مخوفًا غير متطاول ولم يشرف صاحبه على الموت على ثلاثة أقوال، والمشهور من قول مالك
[ ٤ / ١٠١ ]
وأصحابه أنه فاسد ولا ميراث بينهما، وذكر ابن المنذر عن مالك والقاسم وسالم وابن شهاب جوازه إن لم يكن مضارًا، أي إن كانت له حاجة لمن يقوم به أو في الإصابة جاز وإن لم تكن له حاجة إلى شيء من ذلك فهو مضار. وذكر عن مطرف أنه أجاز ذلك جملة من غير تفصل. ونحوه للمتيطي، وزاد: وعلى المشهور العمل وبه الحكم. وعلى هذا فلم يذكر المنصف المشهور، لكن قوله (وَعَلَى الْمَشْهُورِ لا صَدَاقَ لَهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ) يقتضي أن ما قدمه هو المشهور، ونحوه لابن شاس. وما ذكره المصنف ظاهر، سواء قلنا هو فسخ بطلاق أم لا؛ لأنها مجبوران على ذلك.
فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ
القول بأن لها المسمى رواه أشهب وعلي بن زياد عن مالك، وبه قال عبد الملك وابن نافع وأشهب وأصبغ. قوله (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ) هذا مذهب المدونة، ففيها في النكاح الثاني: إن دخل كان لها صداقها. وزاد في كتاب الأيمان بالطلاق: فإن كان ما سمي أكثر من صداق مثلها فلها صداق مثلها.
عياض: فتأوله أبو عمران على أن لها الأقل. وقال سحنون: هو غلط، ولها صداق مثلها. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وَهُوَ مِنَ الثُلُثِ اتِّفَاقًا
فيه نظر؛ لأن القابسي حكى عن المغيرة أنه من رأس المال.
أبو عمران: ورأيت كتاب المغيرة فلم أجده، وإنما نص أنه من الثلث، قال: ولا أدري عن أين أخذه. واختار القابي أن يكون ربع دينار من رأس المال. وهو الذي يذكره المصنف بعد. وعلى هذا ففي المسألة ثلاثة أقوال، ولا يلزم ما ذكره أبو عمران لاحتمال أن ينقل عنه بواسطة دون كتاب. ولا يقال: القول بربع دينار يعارض ما حكاه المصنف من الاتفاق
[ ٤ / ١٠٢ ]
لأنه إنما حكى الاتفاق في كل الصداق، وهذا القول إنما هو في ربع دينار لجواز أن يكون الصداق كله ربع دينار.
وَيُبدِّي عَلَى الْوَصَايَا والْعِتْقِ، وَفِى مُحَاصَّتِهَا بِالْبَاقِي فِي الْوَصَايَا قَوْلانِ
هكذا قال في المدونة أنه يبدى على الوصايا والعتق. ثم إنه يحتمل أن يريد بقوله (والْعِتْقِ) الموصى به، ويكون من عطف الخاص على العام، وتكون فائدته الاهتمام بهذا الفرع لئلا يتوهم خروجه، ويحتمل - وهو الظاهر - أنه يبدى على الوصايا وعلى العتق الذي يخرج من الثلث إما بتلافي المرض وإما آيلًا إليه كالمدبر في الصحة والمرض. وإنما قلنا أنه الظاهر؛ لأن فائدة قوله حينئذ (والْعِتْقِ) التأسيس، وعلى الأول التأكيد، والتأسيس أولى. وعلى الاحتمال
الثاني: يكون صداق المنكوحة في المرض مقدمًا على المدبر، وهو أحد قولي ابن القاسم، وبه قال سنحنون، والمشهور أن المدبر في الصحة مقدم عليه. وثالثها: يتحاصان.
وقوله: (وَفِى مُحَاصَّتِهَا بِالْبَاقِي) هذا فرع على قول ابن القاسم، أي: إذا قلنا أنها تقوم بالأقل فهل يسقط الزائد، وهو قول ابن القاسم، أو تحاص به في الوصايا، وهو قول أصبغ.
ابن يونس: وهما بيان على الميراث فمن رأى أنها لا يتوارثان رأى لها الزائد عل صداق المثل إذ ليس فيه أكثر من أن يكون وصية لغير وارث، ومن رأى أنها ترثه لم يعطها الزائد لأنها وصية لوارث. وما ذكرناه من أنه أراد بالقولين قول ابن القاسم وأصخ هو الراجح هنا، وجوز فيه ابن عبد السلام وجهًا آحر، وزعم أنه الأرجح، وهو أن يريد قول أصبغ وعبد الملك وهو أنه يبدأ بالجميع على الوصايا.
وقلنا: الأول أولى؛ لأن قوله (بِالْبَاقِي) ينافيه، إذ ظاهر قوله (بِالْبَاقِي) أن الحكم هو الأقل ابتداء، فيكون هذا مفرعًا عل قول ابن [٣١٢/أ] القاسم، وعبد الملك أنما خالفه في أصل المسألة، فقال: لها جميع المسمى. ومن لازم ذلك أن يكون مدى بالجميع، ولا يقال
[ ٤ / ١٠٣ ]
أن قول ابن القاسم تقدم، ولا وجه لتكراره، لأنا نقول: ذكر ذلك لإفادة قول أصبغ.
واعترض التونسي قول ابن القاسم بأن هذا الصداق إن غلب عليه حكم المعارضة فيجب من رأس المال؛ لأنه ثمن الفسح، كأكل المريض وشربه، وإن كان البضع لا ثمن له فلا يخرج من الثلث أيضًا لأنها عطية أريد إخراجها من رأس المال، وما كان كذلك فلا يخرج من ثلثه ولا ضره. وأجيب بأن ما زاد على صداق المثل عطية في المرض قصد بها رأس المال، فتبطل مطلقًا، وصداق المثل من حيث إنه عن عوض يجب أن يكون من رأس المال، ومن حيث إنه عن عوض متمول يجب كونه كالعطية فوجب التوسط فيه فيكون من الثلث.
وَقِيلَ: أَمَّا رُبُعُ دِينَارٍ فَمِنْ رَاسِ الْمَالِ
تقدم. واستحسن عبد الحق هذا القول، إذ لا يباح البضع بأقل منه كالعبد يتزوج بغير إذن سيده.
وَلا تَرِثُهُ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَرِيضَةِ فِي الْفَسْخِ وَنَفْيِ الإِرْثِ
لا ترثه لفساد النكاح ولأنا إنما فسخناه لأجل الإرث، وعلى القول بإجازة هذا النكاح ترثه.
وقوله: (وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَرِيضَةِ فِي الْفَسْخِ وَنَفْيِ الإِرْثِ) أي: كما أن نكاح المريض الصحيحةَ لا يصح، فكذلك نكاح الصحيح المريضة. وقيد المصنف الشبه بينهما في الفسخ ونفي الإرث؛ لأن حكم الصداق مختلف فيهما.
فرع:
فإن مات هو في هذه المسألة فالقياس أنها لا ترثه. وقد نص مالك في الموازية على عكسها، إذ قيل له من رواية أشهب في الذي ينكح في مرضه حرة مسلمة– يريد
[ ٤ / ١٠٤ ]
صحيحة- فماتت هي، أيرثها هو؟ فقال: كيف يرثها ولا ترثه. واعترضه التونسى بأن نكاح المريض إنما منع لزيادة الوارث، وقد أمن ذلك بموتها. والذي ذكره مالك هو القاطع؛ لأن النكاح نسبة بين المتناكحين، فإذا بطل أحدهما بطل الآخر.
فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى
لأن الزوج هنا صحيح لا حجر عليه، ولا خلاف فيه، وإنما وجب المسمى لأن الفساد هنا في العقد.
وَلَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ مَضَى وَرَجَعَ إِلَيْهِ وَقَالَ: امْحُ الْفَسْخَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَسَادَهُ لَحِقَ الْوَرَثَةَ أَوْ لِعَقْدِهِ
هذه إحدى الممحوات الأربع، وقد تقدمت في الأضحية. وقوله (بِنَاءً .. إلى آخره)، أي: فإن قلنا أن فساده لحقِّ الورثة صح النكاح؛ لأنه لم يبق للوارث حق. وإن قلنا (لِعَقْدِهِ)، أي: لمخالفته الستة فسخ ولو صح، وعلل بعضهم ذلك بأنه فاسد لصداقه، إذ لا يدري هل يخرج من الثلث أو يعضه؟ ورد بأنه لو كان كذلك لمضى بعد البناء كغيره. وأجيب بأن غيره إذا وجب فيه صداق المثل بالدخول زال العذر لتعلق صداق المثل بالذمة، بخلافه هنا، ورد أيضًا بأن إخراج الصداق من الثلث معلل بفساد النكاح، فلو جعل الإخراج من الثلث علة للفساد للزم الدور.
فرع:
وإذا فرعنا على القول بالصحة فهل يعجل بالفسخ قبل الصحة إذا اطإع عليه؟ وهو الذي في الموازية، قال فيها: ويفسخ وإن دخل. وقال ابن كنانة: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده. وقال ابن القمار: الفرقة استحسان؛ لقول مالك: إذا صح ثبت النكاح.
[ ٤ / ١٠٥ ]
اللخمي: وهو أصوبها، فيؤمران الآن، ولا يجبران؛ لأنا لا نقطع أنه مرض موت، ويمكن أن يصح فينكشف أن العقد صحيح فيوقف عنها، ويتربص حتى ينظر ما يؤول إليه أمره.
ابن عبدالسلام: والذي في الموازية أشهرها.
وَمُقْتَضَى الأَوَّلِ صِحَّتُهُ فِي النَّصْرَانِيِّةِ وَالأَمَةِ، وَأُجِيبَ بِجَوَازِ الإِسْلامِ وَالْعِتْقِ
أبو مصعب: يصح للمريض نكاح الكتابية والأمة. وهو مقتضى التعليل بأن الفساد لحق الورثة إذ هما لا يرثان، وهذا معنى قوله (وَمُقْتَضَى الأَوَّلِ صِحَّتُهُ فِي النَّصْرَانِيِّةِ وَالأَمَةِ).
ابن محرز: وأكثر المذهب على خلاف قوله، وأنه لا يصح فيهما لأن الأمة قد تعتق والنصرانية قد تسلم قبل الموت، فتصيران من أهل الميراث.
بعض البغداديين: وهذا القول أصح. وقال اللَّخْمِيّ وغيره من القرويين: قول أبي مصعب أحسن؛ لأنه أوقع النكاح في حال لم يدخل به على الورثة محررًا، وما يترقب من الإسلام والعتق مشكوك فيه، وهو نادر، والأصل عدمه.
فرع:
وإذا أذن له الورثة الرشداء أن يتزوج حرة مسلمة، فقال محمد: لا يجوز لاحتمال موت الآذن ومصير الميراث لغيره. واعترض تعليله بجواز إيصاء المريض بأكثر من الثلث إذا أذن له ورثته مع احتمال أن يصير الميراث للغير. وأجيب بأن باب الوصية أوسع أبواب العطايا، والعطية لا يضر فيها الغرر ولا الخيار، وباب النكاح معاوضة يفسده الغرر القوي والخيار. والله أعلم.
الخيار: ولِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ والْغُرُورِ، ولِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ بِالْعِتْقِ
يعني: أن للخيار ثلاثة أساب؛ اثنان يستوي فيها الرجل والمرأة، وهما العيب والغرور بالحرية، والثالث خاص بالمرأة وهو العتق إذا كان زوجها عبدًا، ثم أخذ يتكلم عليها أولًا فأولًا، فقال:
[ ٤ / ١٠٦ ]
وَالْعَيْبُ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَدَاءُ الْفَرْجِ مَا لَمْ يَرْضَ بِقَوْلٍ، أَوْ تَلَذُّذٍ، أَوْ تَمْكِينٍ، أَوْ سَبَقَ عِلْمٌ بالْعَيْبِ
يعني: أن العيوب الموجبة للرد أربعة، [٣١٢/ب] منها ثلاثة يستوي فيها الرجل والمرأة، وهي الجنون والجذام والبرص، وأما داء الفرج فمختلف فيها كما سيأتي.
المتيطي: ولا خلاف أعلمه بين مالك وأصحابه أن للزوج رد المرأة بالعيوب الأربعة، وقاله عمر وعلى ﵄. بعض الموثقين: ولا مخالف لهما.
وقوله: (مَا لَمْ يَرْضَ) فالاستثناء راجع إلى غير مذكور، وهو لازم العيب الذي هو وجوب الخيار، ولا يرجع إلى العيب؛ لأنه وإن حصل الرضا فهو عيب، وفاعل (يَرْضَ) ضمير عائد على أحد الزوجين، وكذلك قوله: (أَوْ سَبَقَ عِلْمٌ) يريد: من أحدهما بعيب الآخر. وهو ظاهر.
والْجُنُونُ: الصَّرَعُ أَوْ الْوَسْوَاسُ الْمُذْهِبُ لِلْعَقْلِ
نحوه للباجي. اللخمي: وإن كان الصرع في بعض الأوقات، ولو في كل شهر مرة؛ لأن المروع تغر منه النفوس وتخافه.
وَقَلِيلُ الْجُذَامِ والْبَرَصِ، وَكَثِيرُهُمَا فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ، وَرَوَى أَشْهَب أَنَّ الْبَرَصَ فِي الرَّجُلِ مُحْتَمَلٌ وإِنْ غَرَّهَا
أما قليل الجذام فنص اللخمي والمتيطي أن المرأة ترد منه كما قال المصنف.
ابن وهب في العتبية: وذلك إذا كان جذامًا لا شك فيه، وإن لم يكن فاحشًا ولا مؤذيًا؛ لأنه لا تؤمن زيادته، وإن شك فيه لم يفرق بينهما. وظاهر ما حكاه المصنف عن أَشْهَب في البرص الإطلاق، سواء كان يسيرًا أو كثيرًا، وهكذا حكاه عبد الوهاب. وقال في البيان: إن كان البرص قبل العقد وكان شديدًا كان لها رده باتفاق، وإن كان يسيرًا ردته على رواية
[ ٤ / ١٠٧ ]
ابن القاسم، وإن أمنت زيادته. وقال أشهب: لا يرد به إلا أن لا تؤمن زيادته. قال: وإن حدث به البرص بعد العقد، فإن كان يسيرًا فلا يفرق بينهما باتفاق، وإن كان كثيرًا، فهل يفرق بينهما أو لا؟ خلاف.
وأما البرص في المرأة، فإن كان قبل العقد كان للرجل ردها به، وإن كان كثيرًا أو يسيرًا إذ لا تؤمن زيادته باتفاق، وإن كان يسيرًا تؤمن زيادته فعلى اختلاف، وأما إذا حدث بها بعد العقد فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق ولزمه نصف الصداق، وإن شاء أمسك.
فرع:
ظاهر المذهب أنه لا يرد بجذام أحد الأبوين، قاله ابن راشد.
وأخذ اللَّخْمِيّ من تعليله في مختصر ما ليس في المختصر وجوب الرد بالجذام لقلة سلامة الولد والنسل منه، أن جذام أحد الأبوين عيب، قال: ورأيت ذلك في امرأة كان والدها أجذم، ولم يظهر فيها وظهر في عدد من أولادها.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الأَجْذَمِ: إِنْ رُجيَ بُرْؤُهُ ضُرِبَ لَهُ الأَجَلُ
هكذا قال في الاستذكار أن ابن القاسم وأصحاب مالك قالوا: يؤجل المجنون إذا أمن عليها سنة، وكذلك المجذوم. قال: وقال ابن عبد الحكم عن مالك: يحبس المجنون في الحديد، فإن راجعه عقله وإلا فرق بينهما، ولم يذكر تأجيل سنة. وفي المتيطية: الحر يؤجل عامًا في الاعتراض والجنون والجذام والبرص. والتأجيل ليس خاصًا بالرجل، فقد حكى الباجي أنه يضرب للمرأة أجل في معالجة نفسها من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج. وقد أشار إليه ابن حبيب في معالجة الرتقاء نفسها.
الباجي: ويؤجل في الجنون والجذام السنة، وأما الرتق فبحسب الاجتهاد في ذلك.
[ ٤ / ١٠٨ ]
فرعان:
الأول: ابن راشد: وإذا أجل المجنون سنة قبل البناء، فهل لها نفقة إذا دعت إلى البناء؟ ابن رشد: الظاهر لا نفقة لها؛ لأنها منعت نفسها لسبب لا قدرة له على دفعه، فكان معذورًا بخلاف التي منعت نفسها حتى يؤدي صداقها؛ إذ لعل له مالًا فكتمه.
الثاني: إذا كان للأجذم إماء، فقال ابن القاسم في العتبية في الشديد الجذام: يمنع من وطئهن إذا كان في ذلك ضرر. وقال سحنون: لا أرى أن يمنع، إذ قد يؤول ذلك به إلى الزنى.
وَدَاءُ الْفَرْجِ فِي الرَّجُلِ مَا يَمْنَعُ الْوَطْءْ كَالْجَبِّ، وَالْخِصَى، وَالْعُنَّةِ، وَالاعْتِرَاضِ. فَالْمَجْبُوبُ: الْمَقْطُوعُ ذَكَرُهُ وَاُنْثَيَاهُ. وَالْخَصِيُّ: الْمَقْطُوعُ أَحَدُهُمَا وَإِنْ كَانَ قَائِمَ الذِّكَرِ. وَالْعِنِّينُ: ذُو ذَكَرٍ لا يَتَأَتَّى بِه الْجِمَاعُ. وَالْمُعْتَرِضُ: بِصِفَةِ الْمُتَمَكِّنِ وَلا يَقْدِرُ، ورُبَّمَا كَانَ فِي امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَقَدْ يُفَسَّرُ الْعِنِّينُ بِالْمُعْتَرِضِ.
قوله: (مَا يَمْنَعُ الْوَطْءْ) هو على حذف مضاف؛ أي: لذة الوطء، وعلى حذف صفة؛ أي: الوطء الكامل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الخصي إذا كان قائم الذكر يمكنه الوطء فلا يصح قوله: (يَمْنَعُ الْوَطْءْ) ولا يقال: ينبغي للمصنف أن يسقط الكلام على المجبوب هنا؛ لأنه إذا ثبت الرد للمرأة بقطع إحداهما لزم أن يكون كذلك مع قطعهما؛ لأنا نقول إنما القصد هنا بيان معاني هذه الألفاظ، فقوله: (لا يَتَأَتَّى بِه الْجِمَاعُ) أي: لصغر. ويقال للمعترض المربوط، ويقال: إن سببه السحر، وما ذكره المصنف في تفسير الخصي هو المعروف، وقيل: الخصي: المقطوع الأنثيين.
وقوله: (وَقَدْ يُفَسَّرُ الْعِنِّينُ بِالْمُعْتَرِضِ)؛ أي: وقد يطلق الأصحاب لفظ العنين ويكون مرادهم به المعترض.
[ ٤ / ١٠٩ ]
فَفِي الْجَبِّ وَالْخِصَي والْعُنَّةِ الْخِيَارُ. وَقِيلَ: إِلا فِي الْقَائِمِ الذِّكرِ إِلا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ ..
أي: الخيار للمرأة؛ إما أن تقيم أو تفارق، وقوله: (وَقِيلَ: إِلا فِي الْقَائِمِ الذِّكرِ) هو لسحنون، وصرح في بعض النسخ باسمه، وهو مشكل؛ لأن كمال اللذة لا يحصل [٣١٣/ أ] للمرأة إلا بالإنزال، وإذا لم يكن للزوج أن يعزل إلا بإذن زوجته كما تقدم، فهنا أولى.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ)؛ أي: فيوافق سحنون على أن للمرأة حينئذ رده، وكذلك قال اللخمي: إن كان مجبوبًا أو حصورًا أو عنينًا أو مقطوع الحشفة ردته. واختلف في الخصي القائم الذكر، وهل المحصور من لا ذكر له ألبته، أو له ذكر صغير، فيرجع إلى العنين؟ قولان، وفسر ابن عباس الحصور بالذي لا ينزل الماء، وقتادة ومجاهد بالذي لا يأتي النساء.
وَأَمَّا الْمُعْتَرَضُ فَيُؤَجَّلُ- إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ وَطْءُ لَهَا- سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ، وَفِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ: مِثْلُهُ، وَنِصْفُهَا ..
احترز بقوله: (لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ وَطْءُ لَهَا) مما لو تقدم له فيها وطء، ثم اعترض بأنها مصيبة نزلت بها.
اللخمي: ويجري فيها قولًا آخر أن لها القيام قياسًا على أحد قولي مالك إذا وطئها مرة ثم قطع ذكره، ومقتضى كلام ابن بشير أن هذا القول منصوص.
وقوله: (سَنَةً) أي: لتمر عليه الفصول الأربع، فإن الدواء قد ينفع في فصل دون فصل. وقال بالتأجيل سنة عمر وابن مسعود وعلي ﵃ وأكثر الصحابة، بل نقل ابن يونس إجماع الصحابة على ذلك، وروي عن علي أنها مصيبة نزلت بها.
[ ٤ / ١١٠ ]
وقوله: (مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ) هكذا قال ابن المواز.
الباجي: وهكذا عبارة أصحابنا، وتحقيق ذلك عندي أن أول السنة من يوم يحكم السطان؛ وذلك أن رفعها للسلطان لا يوج لها الحكم إلا بعد إقرار الزوج أو إثبات ما يوجب ذلك لها.
وقوله: (وَفِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ) المشهور النصف، وهو مذهب المدونة قياسًا على طلاقه، واختار غير واحد الرواية بالسنة؛ لأن المعنى الذي قدره بالسنة لأجله موجود فيهما.
فرع:
فإذا كان مريضًا فقال ابن القاسم: لا يضرب له الأجل حتى يصح. واختلف فيمن ضرب له الأجل فمرض، فقال ابن القاسم: إن مضت السنة وهو مريض أو مرض بعضها طلق عليه عند انقضاء السنة ولم يستأنف له أجل. وقال أصبغ وغيره: إن مضت السنة وهو مريض لم يطلق عليه ويستأنف السنة. وقال ابن الماجشون: إن مضى بعض السنة وهو مريض لم يطلق عليه عند انقضائها، هكذا حكى المتيطي وغيره هذا الفرع.
خليل: وينبغي أن يفهم قول أصبغ على أنه إن مضى بعض السنة وهو مريض أن ذلك يحسب عليه، وإلا لتداخل مع قول ابن الماجشون.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْوَطْءِ مَعَ يَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ حِينَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ
إذا ادعى المعترض أنه وطئ، فحكى المتيطي في تصديقه خمسة أقوال، وروى ابن القاسم عن مالك ما ذكره المصنف أن القول قوله بيمين، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب.
ابن عبد السلام وغيره: وهو المشهور. ولمالك في الواضحة: يصدق بغير يمين. وبه قال عبد الوهاب، وروى ابن وهب يُدَيَّن في الثيب وينظر النساء البكر، فإن كانت ساقطة العذرة
[ ٤ / ١١١ ]
صُدِّق وإلا فلا، وروى الواقدي عن مالك أنه لا يصدق في الثيب أيضًا، ويجعل معها أمينة فتنظر إذا غشيها، وأجاز قبول امرأة واحدة، وهو محل ضرورة، وروى الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي أنه يخلى معها وبالباب امرأتان، فإذا فرغ نظرتا فرجها، فإن كان فيه مني فهو صادق وإلا فهو كاذب. لكنه إنما حكي هذا الخلاف فيما إذا أنكر الاعتراض ابتداء، وقال: أصبتها قبل ذلك. أما إذا أقر في الأولى بتعذر الوطء، ثم ادعى الوطء بعد ذلك في الأجل، فالظاهر من المذهب أنه لا يصدق؛ لأنه مدَّعٍ لأمر قد ثبت إنكاره فيه، فيجب أن يكون القول قولها، وتحلف على دعواه، إلا أن يقال هو موكول إلى أمانته أولًا وآخرًا فقريب، لكن الصواب- إن شاء الله- ما قدمناه، ونحوه ذكر الباجي في منتقاه. انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْوَطْءِ مَعَ يَمِينِهِ) إنما هو إذا أنكر ذلك ابتداء.
خليل: لكن ظاهر المدونة وابن يونس وغيره من الأشياخ يخالف ما قاله المتيطي؛ لقوله في المدونة: وإذا قال المعترض في الأجل جامعتها دين وحلف، فإن نكل حلفت وفرق بينهما، فإن نكلت بقيت زوجة. وتوقف فيها مالك مرة إذ نزلت بالمدينة، وأفتى غيره بأن تجعل الصبرة في قبلها، وقال ناس: يجعل النساء معها. انتهى. فقوله: في الأجل، يقتضي أن ذلك بعدما أقر أولًا بالاعتارض؛ إذ لا يضرب له الأجل إلا بذلك، وكلام ابن يونس نحوه. ونقل اللخمي عن مالك فيمن أقر بالعنة وادعى بعد الأجل أنه أصاب أن القول قوله، وهو خلاف ما نص عليه المتيطي أنه لا يقبل.
اللخمي: واختلف بعد القول أنه يُدَيَّن إذا أنكر العنة من الأصل، فهل يحلف، وأما إن أقر وادعى زوال ذلك حلف قولًا واحدًا.
[ ٤ / ١١٢ ]
وقول المصنف: (بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ حِينَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ) هو نحو ما ذكرناه عن المدونة. وأشار ابن عبد السلام إلى أن هذا التوقف ليس كغيره، من أنه مضى له زمان في التوقيف ثم أجاب، وإنما توقف في مجلس الأمين ثم أجاب.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ، فَإِنْ نَكَلَتْ بَقِيَتْ زَوْجَةً
هذا كلفظ المدونة المتقدم. وفي الموازية والواضحة: إذا نكل طلق [٣١٣/ ب] عليه. قال في الموازية: ولو سأله اليمين قبل الأجل فأبى ثم حل الأجل، فقال: أصبت، وأراد أن يحلف فذلك له، وليس الحكم قبل الأجل بشيء، وإن نكل الآن طلق عليه.
وَرُوِيَ: يَنْظُرُ النِّسَاءُ الْبِكْرَ
قد قدمنا هذه الرواية، وظاهرها أنه لا يكتفي بالمرأة الواحدة.
المتيطي وغيره: وظاهر إطلاقات الأشياخ أن النساء ينظرن إلى نفس الفرج. وقال بعض الأشياخ: تجلس المرأتان خلفها وتجعل مرآة أمام فرجها، ويقولان لها: افتحيه. وينظران ذلك في المرآة. مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم تفريعًا على المشهور: وإن أتت المرأة بامرأتين يشهدان بعذرتها لم يقبلا؛ لأنه يؤول إلى الفراق.
فَإِنْ تَقَارَرَا، أَوْ صُدِّقَتْ الْبِكْرُ خُيِّرَتْ فَيُؤْمَرُ بِطَلاقِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ الْحَاكِمُ طَلْقَةً بَائِنَةً ..
أي: فإن تقارر الزوجان على عدم الإصابة بكرًا كانت أم ثيبًا، أو صدقت البكر على الرواية الشاذة أنه ينظرها النساء، فإن وافقنها على بقاء البكارة خيرت؛ أي: في البقاء والفراق.
وقوله: (فَيُؤْمَرُ بِطَلاقِهَا) أي: فإن اختارت الفراق أمر الزوج أن يطلقها؛ لأن الطلاق بيده، فلا ينتقل إلى الحاكم إلا بامتناعه، وله أن يوقع ما شاء، فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقة بائنة.
[ ٤ / ١١٣ ]
أصبغ: وإن طلق الإمام هنا، وفي النفقة والإيلاء أكثر من واحدة، لم يلزمه إلا واحدة. واختلف هل يوقع الحاكم الطلاق بنفسه أو يملكه المرأة فتوقعه هي؟ وكذلك كل ما في معنى هذه من امرأة المولي والمعتقة تحت العبد على قولين، وانظر حججهما في أحكام ابن سهل.
فَإِنِ اخْتَارَتْهُ ثُمَّ أَرَادَتِ الْفِرَاقَ فَلَهَا ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهَا تَقُولُ: رَجَوْتُ عِلاجَهُ
يعني: فإن اختارت المقام معه، ثم بدا لها وطلبت الفراق، فلها ذلك، بخلاف غير المعترض من الأزواج من ذوي العيوب؛ لأنها في المعترض تقول: رجوت أن يبرأ. وهكذا قال في المدونة، إلا أنه فرض المسألة في ابتداء النكاح لا بعد الأجل، ففيها: وإن علمت به حين تزوجته أنه مجبوب أو خصي أو عنين لا يأتي النساء رأسًا أو أخبرها بذلك، فلا كلام لها، وإن لم تعلم ذلك في العقد ثم علمت به وتركته وأمكنته من نفسها فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، وأما العنين فلها أن ترافعه؛ لأنها تقول تركته لرجاء علاج أو غيره، إلا أن تتزوجه وهي تعلم به كما وصفنا فلا كلام لها بعد ذلك، وظاهر ما حكاه المصنف أن لها الفراق سواء قامت بإثر اختيارها للمقام أو بعد طول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية والموازية، لكنه قال في الموازية: يوقف مكانه بغير ضرب أجل، وليس لها أن تفارق دون سلطان.
وقال في العتبية: ولها أن تطلق نفسها وإن لم ترفع إلى السلطان. فرأى في الموازية أنه أمر مختلف فيه، فلابد من حاكم يحكم بصحته، ورأى في الثاني أن الحاكم لما ضرب الأجل كان كالحكم. ولابن القاسم في المبسوط: لا قيام لها بعد الرضا. وقال عبد الوهاب: يضرب له الأجل ثانيًا، فإن أصاب وإلا فلها الخيار. وقال ابن حبيب: إن قامت بحدثان رضاها لم يكن لها ذلك، وإن كان بعده بزمان، وقالت: رجوت أنه ألا يتمادى به كان لها القيام، ونحوه لابن كنانة.
[ ٤ / ١١٤ ]
فرعان:
الأول: إذا انقطع ذكر المعترض قبل الأجل، فقال ابن القاسم في الموازية والعتبية: يتعجل الفراق. وروى محمد عن أَشْهَب وعبد الملك وأصبغ أنه لا فراق في ذلك، وهي مصيبة نزلت بالمرأة. وحكى في البيان ثالثًا عن مالك أنه لا يعجل بالفراق حتى تنقيض السنة؛ إذ لعلها سترضى بالإقامة.
الباجي: وأجمعوا في المولي يقطع ذكره أنه يبطل الأجل، وتثبت الزوجية. ونقل في البيان عن مالك رواية في المولي أنه إذا آلى منها قبل البناء وضرب له الأجل ثم انقطع ذكره أنه يفرق بينهما، بخلاف ما لو انقطع بعد البناء، قال: ولا خلاف بينهم فيمن انقطع ذكره بعد البناء ولم يكن مؤليًا أنه لا يفرق بينه وبين زوجته. فانظره مع كلام الباجي.
الثاني: إذا كان لرجل ذكر كبير فلم تقدر المرأة عليه.
ابن راشد: وقد نزلت هذه عند قاضي الجماعة في عصرنا، فنحا في الجواب أن يلبد ويبقى منه قدر معتاد، فقلت له: حين الإصابة لا يراه أحد فقد يزيد ويضر بالمرأة، والذي أراه أن يفرق بينهما؛ لأنا إنما نوجب لها الخيار في العنين لعدم انتفاعها بوطئه، وهذه لا تنتفع بوطئه بل تتضرر، إلا أن تساعده المرأة على أنه لا يضرُّ بها بعد تبقية البعض، ثم إذا لفَّه فما المقدار الذي يبقى، فلم أر نقلًا إلا في ورقة من ورق ذكر فيها أنه يبقى منه اثنا عشر أصبعًا.
ولَهَا الصَّدَاقُ بَعْدَ الأَجَلِ كَامِلًا كَالْمَجْبُوبِ والْعِنِّينِ والْخَصِيِّ يَدْخُلُونَ؛ لأَنَّهُ قُدْرَتُهُمْ مِنَ الْمَسِيسِ، ورُوِيَ نِصْفُهُ ..
القول بأن لها الصداق بعد الأجل كاملًا مذهب المدونة؛ لأنها مكنته من نفسها وطال مقامها معه، وتلذذ وأخلق شورتها.
أبو عمران: جعل مالك الحجة في التكميل التلذذ وإخلاق الشورة. وظاهر هذا أنه متى انخرم أحدهما لم يكمل، واختار [٣١٤/ أ] ابن القصار الرواية بالنصف؛ لأن المتبادر من
[ ٤ / ١١٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الوطء. واحتج المصنف للرواية الأولى بالقياس على المجبوب وما في معناه، والجماع حصول انتفاع كل منهما بحسب الإمكان، وقد يفرق الثانية بأن المجبوب إنما دخل على التلذذ فقد حصل، بخلاف المعترض فإنه إنما دخل على الوطء التام ولم يحصل، وقول ابن الجلاب: فغن طال مقامه فلها الصداق كاملًا رواية واحدة ليس بظاهر لما ذكره المصنف وغيره من الرواية بالنصف. وفهم من قوله: (بَعْدَ الأَجَلِ) أنه لو لم يطل مقامه معها لا يكمل، وهو المشهور. وعن مالك والمغيرة وابن كنانة أنه يجب لها الجميع بنفس إرخاء الستر، وإن لم يمسها ولا طالت إقامتهأ. وروي عن مالك: إن ضرب لها الأجل بقرب البناء فلها نصف الصداق. وبه أخذ ابن عبد الحكم، وروى أَشْهَب: إن رفعته بعد طول مدة فلها الصداق كله.
وَدَاءُ الْفَرْجِ فِي الْمَراةِ مَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ لَذَّتَهُ كَالرَّتَقِ، والْقَرَنِ، والْعَفَلِ. وزِيدَ الْبَخَرُ والإِفْضَاءُ ..
عياض: الرتق بفتح الراء والتاء: التصاق موضع الوطء والتحامه. والعفل بفتح العين المهملة وفتح الفاء: في النساء كالأدرة في الرجال، وهو بروز لحم في الفرج. والقرن بفتح القاف وسكون الراء: مثله، لكنه قد يكون خلقة غالبًا، ويكون عظمًا، وقد يكون لحمًا. وقال غيره: وأما القرن بفتح الراء فهو المصدر، وهو الأحسن هنا ليكون موافقًا لباقي العيوب في أنها كلها مصادر، ومن عد الفتح خطأ فقد أخطأ.
قوله: (وزِيدَ الْبَخَرُ والإِفْضَاءُ) زادهما في الجلاب، فالبخر نتن الفرج؛ لأن المصنف أخبر بذلك عن داء الفرج، وهو قريب من قول اللخمي: ترد المرأة بعيب الفرج إذا كان مما يمنع الجماع كالرتق والقرن، أو لا يمنع كالعفل والنتن والاستحاضة والإفضاء وحرق النار. انتهى. فزاد الاستحاضة وحرق النار. وبكلام اللخمي يظهر لك كلام قول المصنف: (مَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ لَذَّتَهُ).
[ ٤ / ١١٦ ]
وكذلك نص محمد على أن حرق النار عيب.
اللخمي: ويختلف في أربعة: السواد، والقرع، والبخر، والخشم. والظاهر من قول مالك: لا ترد بها. وقال ابن حبيب: ترد بالسواد إذا كانت من قوم لا سواد فيهم، فهو كالشوط، وبالقرع. ويأتي على ما في الجلاب من الرد بنتن الفرج أن ترد بالبخر والخشم؛ لأن نتن الأعلى أولى لقرب مضرته. وقال ابن بشير: المشهور في القرع والسواد نفي الرد، وكذلك قال الباجي: لم أر ما قاله ابن حبيب لغيره، وظاهر المذهب أنها لا ترد بذلك كالجرب. وزاد صاحب البيان عن ابن حبيب: أنها ترد بالعرج. قال في الموازية: ولا ترد إذا وجدها عجوزًا.
اللخمي: وأرى أن ترد إذا وجدها كبنت الأربع سنين لامتناع الوطء حينئذ، والمضرة عليه في الصبر. ابن راشد: والظاهر لا رد له بالصغير.
فرعان:
الأول: إذا كان شيء من هذه العيوب خفيفًا يجامع معه، فقال في المدونة وغيرها: ترد إذا كان عند أهل المعرفة من العيوب؛ إذ المجنونة والبرصاء والجذماء يقدر على جماعهن وهي ترد به. وقال ابن حبيب: لا ترد بذلك إلا أن يكون عيبًا يمنع اللذة. اللخمي: والأول أحسن. وقد أبان مالك العلة في ذلك.
الثاني: نص اللَّخْمِيّ على أن لأحد الزوجين أن يرد صاحبه إذا وجده عذبوطًا، وهو الذي يحدث عند الجماع، قال: وقد نزل ذلك في زمان أحمد بن نصر صاحب سحنون، وادعاه كل من الزوجين على صاحبه، فقال أحمد: يطعم أحدهما تينًا، والآخر فقوسًا، فيعلم من هو منهما. والعذبوط: بكسر العين وفتح الباء بواحدة من تحتها، وبالذال والواو ساكنتين، هكذا ضبطه الجواليقي، وذكره ابن فارس في مجمله، والجوهري بالياء، ويقال للمرأة عذيوطة.
[ ٤ / ١١٧ ]
إِلا أَنْ يَكُونَ الرِّتَقُ مِمَّا يُعَالَجُ إِلا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الْعِلاجِ ولا تُجْبَرُ إِنْ كَانَ خِلْقَةً
هذا استثناء مما تقدم؛ أي: الرتق عيب ترد به المرأة إلا أن يكون الرتق مما يعالج، ولا تجبر على العلاج إن كان خلقة. وفهم من كلامه أنها تجبر إذا لم يكن خلقة، كما يفعله بعض السودان، وبذلك صرح في الموازية، وزاد فيها: إذا قال النساء أن ذلك لا يضر بها. قال: وأما إن رضيت في الخلقة بالبط فلا خيار للزوج.
اللخمي: والرتق على أربعة أوجه، فإن كان لا ضرر في قطعه ولا عيب في الإصابة بعد القطع فالقول قول من دعا منهما إلى القطع، وإن طلق بعد رضاها وقبل القطع لزمه نصف الصداق، وإن كرهته فطلق الزوج لذلك فلا شيء عليه، وإن كان في القطع ضرر عليها ولا عيب بعد ذلك في الإصابة فالخيار لها دونه، وإن كان لا ضرر عليها في القطع وفي الإصابة بعد ذلك عيب فالخيار له دونها، وإن كان القطع فيه الضرر وفي الإصابة أيضًا عيب فالخيار لكل واحد منهما. أصبغ: وإن قامت للعلاج وهو يستمتع بها، فإنطال كطول أمد العنين في علاجه فلها جميع الصداق كالسنة، وما قاربها من كثير الأشهر.
المتيطي: وفي قول أصبغ نظر. وإذا تمتع بها ولو مرة واحدة [٣١٤/ ب] فلم لا يكون تمتعه بها رضا منه بدائها؟
ابن عبد السلام: قال بعضهم: وأجل العلاج في داء الفرج بحسب الاجتهاد. وأجل فيه بعضهم شهرين، وهو بعيد.
وَإِذَا أَنْكَرَتِ الْمَرأَةُ دَاءَ الْفَرْجِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَنْظُرُ إِلَيْهَا النِّسَاءُ. وَأَنْكَرَهُ سُحْنُونُ
احترز بداء الفرج مما لو أنكرت البرص ونحوه، فإنهم قالوا: إن كان بالوجه والكفين فثبت بالرجال، وإن كان في غير ذلك من الجسد ثبت بالنساء على ظاهر المذهب. وقيل: يبقى الثوب على ذلك الموضع وينظر إليه الرجال. وبقول ابن القاسم (لا ينظر إليها النساء) قال ابن حبيب. قيل: وهو مذهب مالك.
[ ٤ / ١١٨ ]
قال ابن حبيب: قيل: وهو مذهب مالك وجميع أصحابه حاشا سحنون.
ابن الهندي في مقالاته: والقول قولها مع يمينها. وقال الشيخ أبو إبراهيم: ولها رد اليمين على الزوج. قال: وقد شهدت من مضى يفتي بهذا. انتهى. وروى علي بن زياد عن مالك مثل قول سحنون وإليه ذهب ابن لبابة، وصوبه سحنون، وقد جاء أنها ترد بعيب الفرج، وكيف يعرف ذلك إلا بنظر النساء، وهذا هو الإنكار الذي أشار إليه المصنف، وروي أيضًا عن سحنون مثل قول ابن القاسم، وقال بعض الأندلسيين: ينظر إليها في المرآة.
فرع:
إذا فرعنا على قول ابن القاسم أنه لا ينظرها النساء، فإن جاء الزوج بامرأتين تشهدان برؤية رتقها مثلًا قبلتا ولا تجرحان بالنظر، إما لأنه مختلف في إباحته، وإما لعذرهما بالجهل. وإنما قبلتا وإن كان ما شهدتا به غير مال؛ لأنه يؤول إلى المال، وهو سقوط الصداق، ولا يوجب طلاقًا، لأن الطَّلاق بيد الزوج.
وَإِذَا أَنْكَرَ الرَّجُلُ الجِبَّ وشِبْهَهُ جُسَّ عَلَى الثَّوْبِ، وصُدِّقَ فِي الْعُنَّةِ، قَالَهُ مَالِكَ لَمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ..
قوله: (فِي الْعُنَّةِ) أي: في الاعتراض. وهذا من المواضع التي أطلق فيها العنة على الاعتراض، وما حكاه عن مالك تقدم، ولهذا كان الأولى إسقاط هذا لأنه تكرار مع ما تقدم، وأما ما ذكره من قوله: (جُسَّ عَلَى الثَّوْبِ) فنحوه في المتيطية وغيرها، وعزاه لابن حبيب.
الباجي: وعندي أنه يجوز للشهود أن ينظروا إليه. قال: وقد ينظر النساء إلى فروج النساء للضرورة. وخرج اللخمي النظر إليه على قول سحنون المتقدم في المرأة، وفيه نظر لأن الجس في المرأة لا يعلم به شيء بخلافه هنا، وهذا إنما هو في عيب الفرج، وأما الجنون والجذام والبرص فيعلم ذلك بالمشاهدة.
[ ٤ / ١١٩ ]
فرع:
إذا كان خنثي وحكم له بحكم الرجال، هل يكون لزوجته رده؟
عبد الحميد: والأقرب أنه لا رد لها، وإن كانا معيبين بجنسين كما لو كان أحدهما مجنونًا والآخر مجذومًا، فقال بعض أهل النظر: لكل منهما الخيار.
عبد الحميد وغيره: وهو الصواب. وإن كانا بجنس واحد ففيه نظر، قاله غير واحد.
وَالْعَيْبُ الْمُقْتَضِي لِلْخِيَارِ مَا وُجِدَ قَبْلَ الْعَقْدِ لا بَعْدَهُ، وفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً بَعْدَهَا، ثَالِثُهَا: إِلا فِي الْبَرَصِ. ورَابِعُهَا: إِلا فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ ..
لما قدم أن كلًا من الزوجين يرد بأحد العيوب الأربعة، بين أن ذلك إنما هو إذا كان العيب قبل العقد بحيث يكون من به العيب غارًا، وأما إن حدث بعده، فإن حدث بالمرأة فلا مقال للرجل، وهي مصيبة نزلت به، وإن حدث به فهل لا خيار لها قياسًا عليه، أو تخير في كل عيب؟ والفرق بينها وبين الرجل أن الرجل يقدر على الفراق، أو يفرق أربعة أقوال، وتصورها من كلام المصنف ظاهر.
ابن عبد السلام: والقول بالخيار في كل عيب يعزُّ وجوده في المذهب؛ لأن ظاهر كلام المصنف يقتضي أن الاعتراض إذا حدث بعد الدخول فلها الخيار، وهو غير معلوم في المذهب، وإنما يعلم فيه على شذوذ في الجب خاصة.
تنبيهان:
أولهما: ما حكاه المصنف هنا مخالف لما تقدم من كلامه في البيان، لأن صاحب البيان ذكر أنه لا يرد بالبرص اليسير إذا حدث به بعد بالاتفاق، والمصنف قد حكى فيه الخلاف، بدليل أنه جعل الرابع تفصيلًا.
الثاني: جعل اللَّخْمِيّ الجنون الحادث بعد العقد وقبل الدخول كالكائن قبل العقد، في وجوب الرد به، ولم يذكر في ذلك خلافًا.
[ ٤ / ١٢٠ ]
وَأَمَّا جُنُونُهُ الْحَادِثُ فَيُعْزَلُ سَنَةً، فَإِنْ صَحَّ وإِلا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وقِيلَ: إِنْ كَانَ يُؤْذِيهَا
قوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ يُؤْذِيهَا) راجع إلى قوله: (فُرِّقَ) وليس يرجع إلى قوله: (فَيُعْزَلُ سَنَةً) لأن العزل متفق عليه، وحاصله أنه إذا لم يصح بعد السنة فإن كان يؤذيها فرق بينهما، وإن لم يؤذها فقولان: أحدهما لمالك وابن القاسم بثبوت الخيار، والثاني لأشهب وابن حبيب بنفيه، وصرح أشهب بنفي خيارها وإن كان لا يفيق من جنونه أصلًا، لكن قيد اللخمي قوله بما إذا كان يحتاج إليها، وإلا فرق بينهما؛ لأن في بقائها ضررًا عليها من غير منفعة.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْذُومِ الْبَيِّنِ كَذَلِكَ
أي: فيعزل سنة إذا رجي برؤه، ثم يفرق بينهما إن شاء. وأشار بقوله: (وَعَنْ مَالِكٍ) إلى ما قاله أشهب أنه لا يفرق بينهما، إلا أن يتفاحش وتغض الأبصار دونه، فإن رضيت بالمقام معه ثم أرادت الفراق، فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك [٣١٥/ أ] إلا أن يزيد. وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد. وحكى في البيان ثالثًا: ليس لها رده ولو زاد.
فرع:
قال في الجواهر: إذا ظهر بعد مدة من عقد النكاح عيب بها فتنازعا في أنه كان موجودًا حال العقد، فالبينة على الزوج وصدق الأب.
محمد: مع يمينه. ابن حبيب عن مالك: وإنما يحلف الولي إذا كان أبًا أو أخًا، وإن كان غيرهما فاليمين عليها، فجعل محمد محل اليمين محل الغرم، ووافق على هذا بعض الموثقين إذا كان الزوج دخل، وإن كان لم يدخل فإنما تجب اليمين عليها لا على الولي؛ لأن الولي لم يفوت على الزوج شيئًا، ونص المتيطي على أن منازعة الزوج تكون مع الزوجة إن كانت ثيبًا، ومع الولي إن كانت بكرًا.
[ ٤ / ١٢١ ]
وَلا خِيَارَ بِغَيْرِ هَذَا إِلا بِشَرْطٍ، وَلَوْ كَانَتْ لِغَيَّةٍ أَوْ مُفتَضَّةً مِنْ زِنًي
الإشارة بهذا إلى العيوب المتقدمة، فلا رد له بغيرها، ولو تبين أنها ابنة زنى، وهو معنى قوله: (لِغَيَّةٍ) أي لزنية، أو تبين أن بكارتها زالت بزنى، وهو معنى قوله: (أَوْ مُفتَضَّةً مِنْ زِنًي) وفي المتيطية قال بعض الموثقين: إذا وجدها مفتضة من زنى فله الرد، وهو خلاف المدونة.
و(لِغَيَّةٍ) بكسر اللام وفتح الغين المعجمة وتشديد الياء، وحكى بعض اللغويين فيه كسر الغين، ولا إشكال أنه إذا اشترط السلامة فله الرد.
ابن أبي زيد: ولو كتب في العقد صحيحة العقل والبدن لم يكن ذلك شرطًا، ولو قال سليمة البدن لكان شرطًا، فترد بالسواد والعمى والشلل وغيرها. قال: وبهذا كان يفتي علماؤنا ونفتي نحن.
قال بعض المتأخرين: إنما فرق بينهما لأن الأولى عادة جارية من تلفيف الموثقين، ولم تجر العادة بالثاني. وللباجي في وثائقه: إذا قيل صحيحة البدن فهو شرط، وله أن يرد بغير الأربعة. وذكر أبو عمران في رواية الدمياطية عن ابن القاسم: لا رد له في شيء من العيوب كلها غير الأربعة، وإن اشترطت السلامة. وعلى الأول فلو قال الولي: هي سليمة؛ فهل يكون كالشرط؟
اللخمي: وفي الموازية إذا قال الخاطب: قيل لي: إن ابنتك سوداء. فقال: كذب من قاله، بل هي بيضاء. فوجدها سوداء، أو قال: ليست عمياء ولا عرجاء، فوجدها كذلك، فله الرد لأنه غره.
أصبغ: هو كالشرط. وفي الموازية: قال ابن القاسم: إذا رفع الولي في الصداق فأنكر عليه ذلك، فقال: إن لها كذا. وسمى رقيقًا وعروضًا، فيصدقها الزوج ما سأل ثم لا يجد لها
[ ٤ / ١٢٢ ]
شيئًا، قال: فالصداق لازم له، ولا حجة له مثل ما لو قال: هي بيضاء جميلة شابة، فيجدها سوداء، فلا كلام له ما لم يشترط ذلك، فيقول: أنكحها على أنها بيضاء.
اللخمي: فجعله ابن القاسم من جهة الغرور فألزمه ذلك مرة، ومرة لم يلزمه، والمختار أنه كالشرط لمقارنته العقد، وقال صاحب البيان: لا اختلاف أن علمه في أن الخاطب إذ قال للمخطوب منه: قد قيل لي إن وليتك سوداء أو عوراء، فقال له: كذب من قال سوداء، بل هي بيضاء، أن ذلك شرط ويردها بذلك، وإنما اختلفوا إذا وصفها الولي عند الخطبة بالبياض وصحة العينين ابتداء، على غير سبب، وهي عوراء أو سوداء، فقيل: إن ذلك لازم للزوج ولا كلام له؛ لأنه فرط إذ لم يتثبت، وهو قول أصبغ في الخمسة، ومذهب ابن القاسم في رواية يحيى عنه، واختيار ابن المواز. وقيل إنه بالخيار قبل الدخول، إن شاء تقدم على أن عليه جميع الصداق، وإن شاء فارق ولم يكن عليه شيء، وإن لم يعلم حتى دخل ردت إلى صداق مثلها على ما بها من العيوب، ورجع بالزانئد عليها، وهو قول ابن وهب وعيسى بن دينار. وقيل: إنه يرجع به على الولي الذي غره، إلا أن تكون ثيبًا وقد علمت بكذب وليها، فتقدمت على معرفة بذلك فيرجع عليها إن كان لها مال، وإلا رجع على الولي، وهو قول ابن حبيب.
ابن القاسم في الدمياطية: ولو قال له غير الولي الذي يزوجها منه: أنا أضمن لك أنها ليست سوداء ولا عرجاء ولا عوراء، فدخل ووجدها بخلاف ما ضمن لكان له الرجوع بما زاد على صداق المثل، وليًا كان أو غيره، وكذلك الذي يزوج وليته على أن لها من المال كذا، يفرق فيه بين أن يسمي ذلك ابتداء أو لا؟ وهو خلاف طريقة اللَّخْمِيّ. وما ذكره المصنف من أنه إذا وجدها لغية لا رد له منصوص عليه في المدونة، قالوا: وكذلك إن تبين أن الزوج لغية.
وفي المبسوط: إن انتمى إلى ذي الحال والهيئة في موضعه ونسبه أو انتمى إلى قوم لهم هيئة في أنفسهم وأحسابهم، رد نكاحه وعوقب.
[ ٤ / ١٢٣ ]
ابن يونس: وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة على نسب انتسب إليها إلى فخذ من العرب، فوجد من غيرهم، فإن كان مولىً وهي عربية فلها الخيار، وإن كان عربيًا فلا خيار لها إلا أن تكون قرشية فتتزوجه على أنه قرشي، فإذا هو من قبيل من العرب. انتهى.
ولو اشترط أنها بكر فوجدها غير عذراء، فقال ابن حبيب عن مالك: لا قيام له. وبه قال أَشْهَب وأبو بكر بن عبد الرحمن، وهو دليل ما في المدونة في كتاب الرجم.
المتيطي: لأن العذرة قد تذهب من القفزة والحيضة. وقال ابن العطار: له ردها بذلك. بعض الموثقين: وليس في هذا شك لأنه تزوجها على شرط فوجد [٣١٥/ ب] خلافه وقال غيرهم من الموثقين: الصواب قول مالك المتقدم؛ لأن اسم البكارة واقع عليها وإن زنت، إلا أن يشترط أنها عذراء، فإن شرط ذلك كان له الرد. قاله أصبغ وغيره. وقال ابن العطار: ولا حد على زوجها في دعواه أنها ثيب، لأن البكارة قد تزول من غير وطء، إلا أن يصرح بأن ذلك من زنى، فعليه الحد إلا أن يأتي بالمخرج، وينبغي إذا ذهبت عذرة وليته من قفزة ونحوها أن يعلم الزوج بما جرى، فإن ترك إعلامه فهل يجب له الرد؟ فلأشهب فيمن زعم أنه وجد زوجته ثيبًا فأقر له الأب وادعى أنها كانت تكنس فذهبت عذرتها، أن للأب أخذ الصداق ولا شيء للزوج. وقال ابن العطار: إن لم يبين ذلك فله الرد.
بعض الموثقين: وهو الصواب لأنه عيب قد علمه.
وَلا يَجِبُ إِعْلامُهُ بِغَيْرِ الأَرْبَعَةِ
أي: لا يجب على الولي أن يعلم الزوج أن بوليته عيبًا، خلاف الأربعة المتقدمة، ونفي الوجوب لا ينفي الاستحباب، فكلامه هنا محتمل، ولعل المصنف إنما عبر بذلك تبعًا للفظ مالك، فقد نقل اللخمي وغيره أنه ليس على الولي أن يخبر أنها عمياء أو عرجاء أو مقعدة، وأنه أجاز أن يكتم ذلك. ونقل المتيطي عن مالك في الموازية أنه قال: لا يجوز له أن
[ ٤ / ١٢٤ ]
يخبر من عيوب وليته بشيء مما لا يجب ردها به من العور والعمى والسواد ونحوها، واستشكله بعض الشيوخ، والإشكال فيه ظاهر. ولا يقال: النكاح مبني على المكارمة؛ لأن المكارمة بحسب العادة إنما هي في الصداق. وفي العتبية: لا ينبغي لرجل علم من وليته فاحشة أن يخبر بشيء من ذلك إذا خطبت. قال في البيان: ويجب عليه أن يستر عليها؛ لأن الفواحش يجب على الرجل أن يسترها على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القْاَذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صفحته أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ". وفي الموطأ أن رجلًا خطب إلى رجل أخته فذكر أنها كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر فضربه أو كاد أن يضربه.
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ لَيْسَ فِي أَهْلِهَا أَسْوَدُ كَشَرْطِ الْبَيَاضِ
تبرأ من هذا؛ لأنه مخالف لما قدمه في التي توجد لغية أو مفتضة من زنى؛ لأنه كما أن الغالب فيمن ليس في أهلها أسود البياض، كذلك الغالب صحة أنسابهم، والبكارة في حق من لم يعلم لها زوج، وقد تقدم أنه لا رد له بذلك، وكلام المصنف يقتضي أنه لم يطلع على خلاف هذا، وقد فرضنا أن المشهور خلافه، فإن وجدها سوداء أو عرجاء أو عمياء، وادعى أنه تزوجها على السلامة، فالقول قول المرأة، حكاه ابن الهندي في مقالات ابن مغيث.
وَإِذَا رَدَّهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلا صَدَاقَ
لأن البضع لم يفت، وهي المدلسة أو وليها.
وَفِي سُقُوطِهِ بِرَدِّهَا قَوْلانِ؛ لأَنَّهُ غَارُّ
(سُقُوطِهِ) أي: الصداق. (بِرَدِّهَا)؛ أي: برد المرأة الرجل بسبب عيبه، (قَوْلانِ)؛ أحدهما: لا شيء لها لأنه فسخ جاء من جهتها، وقياسًا على الفرع المتقدم، وهذا ظاهر المذهب. والقول الثاني: لها نصفه، والفرق بين هذا والذي قبله ما أشار إليه المصنف
[ ٤ / ١٢٥ ]
بقوله: (أَنَّهُ غَارُّ) أي: لأن الزوج لما تزوجها عالمًا بعيبه وغرها فقد دخل على أنها ترده بذلك، ويلزمه نصف الصداق.
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَالْوَلِيُّ قَرِيبُ لا يَخْفَى عَلَيْهِ كَأَبٍ أَوْ أَخٍ ثَبَتَ لَهَا وَرَجَعَ بِالصَّدَاقِ كُلُّهِ عَلَيْهِ، ولا يَرْجِعُ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ
يعني: وأما بعد الدخول فيثبت الصداق إن كان الخيار لها؛ لأنها استحقته بالمسيس، ولا عذر له لأنه غار، وإن كان الخيار للزوج لكون العيب بها، فإن كان الولي قريبًا لا يخفى عليه العيب لزم الزوج الصداق للمرأة، ثم يرجع بجميع ما دفعه لها على الولي إذ لم يخبره بالعيب.
قال في البيان: والقريب الذي يحمل على العلم هو الأب والأخ والابن، قاله مالك في الموطأ وابن حبيب في الواضحة، وسواء كان العيب جنونًا أو جذامًا أو برصًا أو داء الفرج خفيًا أو ظاهرًا، وحكى فصل في داء الفرج الخفي عن عيسى بن دينار أن الرجوع في ذلك لا يكون إلا على المرأة، ونسبه إلى العتبية، هذا هو المنصوص في المذهب.
وجعل اللخمي العيوب على ثلاثة أقسام: قسم يحمل الجميع فيه على العلم؛ وهو الجنون والجذام والبرص إذا كان في الوجه والذراع، وقسم يحمل فيه الأب والأخ على العلم دون من عداهما؛ وهو البرص الذي تستره الثياب، وقسم يحمل على الجهل في حق الجميع؛ وهو داء الفرج الباطن. ولم يرتض صاحب البيان تقسيم اللخمي، وقال فيما حكاه الفضل: ولم يقع عندنا في العتبية ما نسبه الفضل إليها.
أصبغ: البكر والثيب في هذا سواء.
قوله: (ولا يَرْجِعُ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ) أي: إذا غرم الصداق فلا يرجع على المرأة بشيء؛ لأنه هو الغارّ، وهذا إنما هو إذا لم تكن المرأة حاضرة حال العقد. قال في البيان: ولو زوجها بحضورها ولم يخبر واحد منهما بالعيب لكانا جميعًا غارين، يرجع الزوج على من
[ ٤ / ١٢٦ ]
وجد منهما، وليًا أو امرأة، فإن رجع على الولي رجع الولي على المرأة، وإن رجع على المرأة لم ترجع المرأة على الولي، ونحوه في اللَّخْمِيّ والمتيطية.
فَإِنْ غَابَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَخْفَى عَنْهُ خَبَرُهَا فَقَوْلانِ
أي: فإن غاب الولي القريب الذي يُظن [٣١٦/ أ] به علم حالها، بحيث يظن خفاء ذلك عليه. فقوله: (بِحَيْثُ يُعْلَمُ) يريد: يظن كما قلنا، وكذلك صرح بالظن هنا جماعة، (فَقَوْلانِ) أحدهما لأشهب: أن ذلك لا يسقط عنه حكم الرجوع ربطًا للحكم بالمظنة. والثاني لابن القاسم وابن وهب وابن حبيب، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك: أنه يسقط عنه الغرم، ويرجع على المرأة ويترك لها ربع دينار. ابن القاسم: بعد يمينه بجهله ذلك.
فَإِنْ أَعْسَرَ الْوَلِيُّ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ قَوْلانِ
يعني: إن وجب الرجوع على الولي فوجد عديمًا، فقال مالك وابن القاسم ومحمد: لا يرجع على المرأة بشيء. وقال ابن حبيب: يرجع عليها إذا كانت موسرة ولا ترجع هي به، فإن كانت عديمة رجع على أولهما يسرًا.
وَإِنْ كَانَ كَابْنِ الْعَمِّ رَجَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ لا عَلَيْهِ، وَتَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ
هذا قسيم قوله في صدر المسألة: (وَالْوَلِيُّ قَرِيبُ) أي وإن لم يكن قريبًا كالعم وابنه أو من العشيرة أو من الموالي أو السلطان، فإن الزوج يرجع على المرأة لا عليه، لكن يترك لها ربع دينار لحق الله تعالى، بخلاف ما إذا رجع على الولي في القسم الأول، فإنه لا يترك له شيئًا، وهذا مقيد بأن لا يعلم، أما إن علم فإنه يرجع عليه كالولي القريب. قاله ابن المواز وغنيره.
وَفِي تَحْلِيفِهِ قَوْلانِ
أي: وفي تحليف هذا الولي البعيد على عدم العلم، والقول بأنه لا يمين عليه لابن المواز. وقال ابن حبيب: إن اتهم حلف. والخلاف مبني على الخلاف في توجيه يمين
[ ٤ / ١٢٧ ]
التهمة، أما إن ادعى الزوج على الولي البعيد العلم حلف، فإن نكل حلف الزوج: لقد علم، وغرمه، فإن نكل فلا شيء له عليه ولا على المرأة، وقد سقطت متابعته للمرأة لإقراره بعلم الولي به وأنه غره. وقال ابن حبيب: إن حلف الولي رجع على المرأة. اللخمي: وهو أصوب.
وَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ خِيَارٍ فَكَالْمَعْدُومِ، وَلَوْ مَاتَ تَوَارَثَا. وقَالَ سُحْنُونُ: يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ ..
قوله: (فَكَالْمَعْدُومِ) أي: فكأن العيب لم يكن، ولا خيار له لأنها بانت منه، وهو مفرط، ويدل على ذلك أنهما لو ماتا توارثا، فكما أن الخيار يفوت بالموت فكذلك يفوت بالطلاق؛ لأن العصمة فيهما قد انقطعت. ولم ير ابن سحنون الطلاق أو الموت فوتًا، بل أوجب له الرجوع على الولي الغار، فإن كانت هي الغارة رجع عليها، وترك لها ربع دينار. وانظر ما نقهل المصنف هنا مع قوله في الخلع: (فإن تبين له عيب خيار رد ما أخذه على المشهور مضى الخلع).
الغرور: وَإِذَا غُرَّ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ بِعَيْبٍ ثَبَتَ لِلْمَغْرُورِ الْخِيَارُ ولا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاء ..
جرت عادة أصحابنا أن يخصوا هذه الترجمة بالكلام على عيب الرق وما يتعلق بذلك من أحكام الصداق والولد، والمصنف لم يفعل ذلك، ألا ترى أنه أدخل تحت الترجمة من غر بالتزويج في العدة، ولأن قوله: (بِعَيْبٍ) يشمل الأربعة المتقدمة وغيرها، لكن الأربعة يرد بها من غير شرط، وما عداها إنما يرد به بالشرط كما تقدم.
وقوله: (ولا صَدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاء) يعني: سواء كان هو المغرور أو هي المغرورة، أما إن كان هو المغرور فظاهر، وأما إن كانت هي المغرورة فظاهر المذهب كما تقدم، ووجهه أن الطلاق وقع قبل البناء من جهتها؛ إذ لو شاءت لمكنت من نفسها.
[ ٤ / ١٢٨ ]
وَأَمَّا بَعْدَهُ، وَالْخِيَارُ لَهُ فَفِيهَا: إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْغَارَّ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِهِ لا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا تَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ ..
يعني: أن من غر بالحرية ثم ظهر على ذلك بعد البناء فإنه يفرق بين أن يكون الولي قريب القرابة أم لا كما تقدم في العيوب الأربعة.
عياض، وذهب بعض الشيوخ إلى أنه يترك أيضًا للولي إذا رجع عليه ربع دينار ولا وجه له. وقال غيره: هو ظاهر؛ لأن الزوج إذا أخذ الجميع كان وطؤه من غير صداق منه.
ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لهذا الإشكال. وليس قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا) راجعًا إلى مسألة الأمة؛ لأن الحكم في الأمة خلاف هذا، وهو أنه يلزمه الأقل من المسمى وصداق المثل، كما سيقوله المصنف، لكن كلامه كالنص في إرادة الأمة؛ لقوله: (لا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ)، وذلك لا يكون إلا فيها. وعلى هذا ففي كلامه تعارض، وكان الأولى أن يسقط المصنف هذا؛ أعني قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا ) إلخ؛ لأنه ليس في الأمة، وإنما هو في العيوب، وقد قدم المصنف ذلك في العيوب.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا) فصل الضمير؛ لأنه المختار عند الأكثر.
وَكَذَلِكَ مَنْ غُرَّ بِالتَّزْوِيجِ فِي الْعِدَّةِ
هذا كقوله في المدونة: ومن غر من وليته فزوجها في عدة ودخلت، فسخ النكاح وضمن الولي الصداق، وإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار، وردت ما بقي.
اللخمي: وإن لم يعلم الولي رجع عليها، وإن علم فكلاهما غار، فيخير بين أن يرجع على الولي أو عليها.
ابن عبد السلام: ولأجل هذا الفرع يكتب الموثقون أنها خلو من زوج وفي غير عدة منه، ولو سكت عنه وكانت ثيبًا، وقالت بعد ذلك: أنا حامل ولم يأتني قرء. فقال ابن عتاب:
[ ٤ / ١٢٩ ]
إذا لم يأت لها من الوقت الذي دخل [٣١٦/ ب] فيه ما يتبين فيه الحمل فالنكاح مفسوخ. وقال ابن القصار: لا يقبل قولها إذ لعلها ندمت على النكاح.
وَلَوْ غَرَّهُ مُخْيرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِلا أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ إِلا أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيِّ ..
(لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لأنه غرور بالقول، وهو مفرط إذ لم يثبت لنفسه. وقال جماعة: هذا على المشهور أن الغرور بالقول لا يوجب غرمًا، وأما على القول بأنه يوجب الغرامة فيضمن هنا، وينبغي أن يؤدب، ويتأكد أدبه على القول المنصوص بعدم الغرامة، ففي كتاب تضمين الصناع من المدونة: وإن سألت خياطًا قياس ثوب فزعم أنه يقطع قميصًا فابتعته بقوله، ولم يقطع قميصًا، فقد لزمك ولا شيء لك عليه ولا على البائع. وكذلك الصيرفي في درهم تريد إياه جيدًا، فتلفيه رديئًا. فإن غرا من أنفسهما عوقبا ولم يغرما، فأنت ترى كيف حكم بالعقوبة فيهما، ففي الفرج مع غرامة الصداق أولى.
قوله: (إِلا أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ) أي: إلا أن يتولى الأجنبي العقد، فيكون غرورًا بالفعل ويلزمه الضمان.
ابن المواز: ولا يترك له ربع دينار، وكأنه باعه البضع فاستحق. وحكى ابن بشير في تعلق الغرامة وعدمه ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، وهو المشهور فيغرم في الغرور بالفعل دون القول.
قوله: (إِلا أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيِّ) أي: إلا أن يخبر هذا الأجنبي المتولي النكاح بأنه غير ولي للمرأة، وإنما ولي لها عقد النكاح بمقتضى ولاية الإسلام، ويصير حينئذ مكن غر بالقول. وعلل اللخمي السقوط فيما إذا أخبره أنه غير ولي، بأن الزوج دخل على أن النكاح يفسخ؛ لكونه تولاه غير ولي. وعلل ابن راشد بأنه كالسمسار ينادي على السلعة فيتولى البيع، ويقول: ليست لي بل هي لغيري.
[ ٤ / ١٣٠ ]
وَفِيهَا: فِي الأَمَةِ تُغَرُّ بِالْحُرِّيَّةِ لَهَا الأَقَلُّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوِ الْمُسَمَّى. وقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثْلِ وَإِنْ زَادَ. وقِيلَ: الأَكْثَرُ. وأَنْكَرَهُ أَشْهَب إِذْ لا يَزِيدُ عَلَى الزِّنَى طَوْعًا. وقِيلَ: رُبُعُ دِينَارٍ ..
(الأَقَلُّ) لأنه إن كان المسمى أقل فقد رضيت به على أنها حرة، فلأن ترضى به وهي أمة أولى، وإن كان صداق المثل أقل فلأن من حجة الزوج أن يقول: إنما أعطيت هذا المسمى لأجل الحرية، والحكم بالأقل إنما هو إذا لم يمسكها، وأما إن أمسكها فالمسمى، ذكره في الجواهر.
وما ذكره المصنف عن المدونة من الأقل هو تأويل صاحب البيان، و(الأَكْثَرُ) وهو نص ابن القاسم في العتبية، ومنهم من فهمها على القول الثاني، وهو نص ابن القاسم في الموازية، ووجهه أنه إتلاف لمال الغير، وتصور القول الثالث من كلامه ظاهر.
قوله: (وأَنْكَرَهُ أَشْهَب) اللخمي وابن يونس: وقال أشهب في الموازية: ليس لها سوى المسمى، كما لو زنى بها طائعة.
ابن يونس: يريد: فلا يكون لها عليه شيء فكذلك ما زاد على المسمى لا شيء للسيد فيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. انتهى.
ففهم عن أشهب أن الواطئ لا شيء عليه في الزنى إن طاوعته، وكذلك نقل ابن عبد السلام عنه، وقال: سواء كانت بكرًا أو ثيبًا. وقال في البيان: وقال- يعني ابن القاسم-: إنه إن أصدقها أدنى من صداق مثلها لم يكن لها إلا ذلك. قال أشهب: كما لو زنى بها طائعة لا يكون لها إلا قدر ما يستحل به فرجها كالحرة إذا غرت من نفسها بجنون أو جذام. وهو قول ابن أبي حازم. انتهى.
فنقل عن أشهب أنه يكون عليه في الزنى ربع دينار، وكذلك نقهل عنه ابن راشد، وقال محمد في مسألة الأمة الغارة قولًا بأنه ليس لها إلا ربع دينار، ووجه إنكار أشهب
[ ٤ / ١٣١ ]
واضح، وهو أن يقال: لو كان لها الأكثر في مسألة الغرور لكان لها الصداق إذا زنى بها طوعًا؛ لأنه قد عابها على ربها بالزنى أشد مما عابها عليه بالنكاح. ومذهب ابن القاسم في المدونة في الأمة الزانية الفرق بين البكر والثيب، ذكره في كتاب الرهن.
وَتَزْوِيجُ الْحُرِّ الأَمَةَ، والْحُرَّةِ الْعَبْدَ- مِنْ غَيْرِ تَبْيينٍ- غُرُورُ
لأن الغالب على الحر والحرة أنهما إنما يتزوجان مثلهما، وبهذا جرى العرف، والعرف كالشرط.
فرع:
وإذا غر العبد حرة، فقال في العتبية: لها أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان. قال في البيان: يريد أنها إن فعلت ذلك جاز إذا كان الزوج مقرًا بأنه غرها، وأما إن نازعها فليس لها أن تختار إلا أن يحكم به السلطان لذلك. قال: وهو تفسير للمدونة.
بِخِلافِ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ الأَمَةَ، وَتَزْوِيجِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّةَ
يعني: أن العقد إذا وقع هنا من غير تبيين ليس بغرور لحصول المساواة في تزويج العبد الأمة، وحصول الأحسن للنصرانية، وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويكون العبد والمسلم الغاري، ويحتمل أن يكونا مغرورين، ويكون المصدر مضافًا للمفعول.
وَلَوْ غَرَّ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ بِأَنَّهُ نَصْرَانِيُّ فَلَهَا الْخِيَارُ
هذا قول مالك في العتبية والموازية، وله في المبسوط من رواية ابن نافع أن النكاح ثابت ولا خيار لها، وهو قول ربيعة؛ لأن الإسلام ليس بعيب.
اللخمي وابن رشد: الأول أظهر لأجل الشرط، وهذا إذا قال لها: أنا على دينك. وأما إن ظنت هي ذلك فلا رد لها اتفاقًا.
[ ٤ / ١٣٢ ]
وَإِذَا غَرَّ الْحُرُّ بِالْحُرِّيَّة فَالْوَلَدُ حُرُّ
لدخول الأب على الحرية، فيوفى له بما دخل عليه. قال في البيان: وكان القياس أن يكون الولد رقيقًا لسيد الأمة؛ لأن كل أمة تلد من غير السيد فولدها بمنزلتها، إلا أنهم تركوا القياس في هذا؛ لإجماع الصحابة على أنهم أحرار، وعلى أن على الأب [٣١٧/ أ] قيمتهم.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَوَلَدُهُ رَقِيقُ، وَقِيلَ: كَالْحُرِّ
قوله: (فَوَلَدُهُ رَقِيقُ) هو مذهب المدونة، قال فيها: إذ لابد من رقه مع أحد الأبوين، فجعلهم تبعًا للأم؛ لأن العبد لا يغرم قيمتهم.
وقوله: (وَقِيلَ: كَالْحُرِّ) أي: فيكون أولاده أحرارًا. وأشار بقوله: (كَالْحُرِّ) إلى توجيه هذا القول، وهو أن العبد دخل على أن ولده حر فيوفى له بذلك كالحر.
ابن عبد السلام: واختار هذا القول غير واحد. ابن راشد: ولم أره معزوًا. ونقله عبد الحميد عن الشيخ أبي إسحاق، واحتج بدخوله على الحرية، قال: والتفرقة بين العبد والحر لكون العبد لا يقدر على دفع قيمة الولد ليست بظاهرة؛ لأن الحر أيضًا قد يكون عديمًا، وقد يعتق العبد، كما يوسر المعدم، إلا أن يقال: للسيد إبطال ما في ذمة العبد، وليس ببين، هذا معنى كلامه.
وَتَجِبُ قِيمَةُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجِ لا عَلَى الْوَلِيِّ الْغَارِّ يَوْمَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ حَيًّا فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلا قِيمَةَ، وَانْفَرَدَ الْمُغِيرَةُ بِيوْمِ الْوِلادَةِ ..
يعني أن الولد لما حكم بحريته فلا يسقط حق السيد من قيمته، بل تجب له قيمته على الزوج، لا على الولي، لأنهما وإن تساويا في إتلاف الولد على السيد، فالزوج مباشر، فكان أولى بالضمان.
عبد الحميد: وكان بعض الشيوخ يغرم الغار قيمة الأولاد.
[ ٤ / ١٣٣ ]
قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ) يعني أن وجوب القيمة يعتبر يوم الحكم. وهذا مذهب المدونة، وعليه فلو مات الولد قبل ذلك لم يجب فيه شيء؛ لأنه معدوم يوم الحكم، فلا قيمة له. وما ذكره من انفراد المغيرة باعتبار القيمة يوم الولادة ليس بظاهر؛ لأنه في البيان ذكر أن أشهب موافق له، وضعف ابن المواز قوله بأنه لو صح اعتبار القيمة يوم الولادة لما سقطت بموته بعد ذلك، وهو تضعيف ظاهر، لو وافق المغيرة على ذلك. والمنقول في البيان وغيره أن عند المغيرة وأشهب لا تسقط القيمة بموت الولد قبل الحكم، ونحوه للخمي.
ابن عبد السلام: وخرج بعضهم في المسألة قولًا ثالثًا أن القيمة تعتبر يوم القيام من أحد الأقوال في الأمة المستحقة، أنها تعتبر قيمتها يومئذ، وهو تخريج صحيح.
فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا أَخَذَ مِنْ دِيَتِهِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْهَا ومِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ، فَإِنْ كَانَ جَنِينًا فَيَوْمُ الْوِلادَةِ. وَقَالَ أَشْهَب: لا شَيْءَ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي الْجَمِيعِ كَمَا لَوِ اقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ هَرَبَ.
يعني: فإن قتل هذا الولد، فإن اقتص الأب من القاتل أو هرب لم يكن على الأب من قيمته شيء؛ لأنه قتل قبل الحكم، وإن أخذ فيه دية فالدية أو ما أخذ منها يتنزل منزلة عينه، فيكون على الأب للسيد الأقل من قيمته، أو ما أخذ من ديته؛ لأنه إن كانت القيمة أقل فليس للسيد غيرها، كما لو كان حيًا، وإن كانت الدية أو ما أخذ منها أقل لم يكن على الأب ما أخذ.
فرع:
ولو استهلك الأب الدية ثم أعدم لم يكن للسيد رجوع على القاتل بشيء؛ لأنه إنما دفعها بحكم، قاله أصبغ وغيره.
[ ٤ / ١٣٤ ]
وقوله: (وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ إلخ) أي: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنينًا فوجبت فيه الغرة، فأخذها الأب تنزلت الغرة منزلة الدية، وعشر قيمة الأم تنزله منزلة القيمة، فيلزم الأقل منها. قال في المدونة: والقيمة يوم ضربت.
ابن وضاح: كان في المختلطة عشر قيمة أمه يوم استحقت، ولم يعجب سحنونًا، وأمرنا أن نكتب يوم ضربت؛ يعني أن القيمة إنما تجب فيه إذا قتل يوم القتل، فكذلك تقويم الأم؛ لأن به تعرف قيمته.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ جَنِينًا فَيَوْمُ الْوِلادَةِ) أي: فلو وقع التنازع وهي حامل، فعلى الوالد قيمة أول زمان يمكن التقويم فيه، وهو يوم الوضع، ولو قال: فلو كان حملًا فيوم الولادة، كان أبين.
وقوله: (فِي الْجَمِيعِ) في قول أشهب؛ أي في المسائل الثلاثة؛ أعني مسألة الجنين، ومسألة وجوب الغرة، ومسألة قتل الولد. ولم ير أشهب أن الدية تتنزل منزلة عين الولد، فكان ذلك كما لو اقتص الأب من القاتل أو هرب.
أشهب: وكما لو مات الابن وترك مالًا كثيرًا لكان ذلك لأبيه خاصة.
ابن عبد السلام: وهذا الذي قاله أشهب هنا إنما يتمشى على أن يكون أشهب موافقًا للجماعة في أن القيمة تلزم يوم الحكم لا يوم الولادة، وأما على ما حكيناه عن بعضهم من أن أشهب موافق للمغيرة، وأن المغيرة لم ينفرد بذلك فالمناقضة فيه ظاهرة، إلا أن يكون ذهب المغيرة أن القيمة تسقط عن الأب بموت الولد، فقد تسقط المعارضة، لكن يخلفها إشكال آخر، وهو ما رد به ابن المواد قول المغيرة فيما تقدم.
وَإِن كَانَ الأَبُ عَدِيمًا فَفِي أَخْذِهَا مِنَ الْوَلَدِ قَوْلانِ
أخذها من الولد لابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: لا يرجع عليه.
[ ٤ / ١٣٥ ]
عياض: ويتخرج من قوله أنه يرجع على الولد أن الولد يقوم بغير ماله. كما ذهب إليه غير واحد؛ إذ لا يمكن أن يكون في أموالهم قيمتهم بأموالهم. وقال آخرون: إن تقويمهم بأموالهم. وحكوها رواية ولم يوقف عليها، ولا إشكال أنهما إذا كانا موسرين أن القيمة تؤخذ من الأب ولا يرجع بها الأب على الولد، وإن كانا عديمين أتبع أولهما يسرًا.
فَلَوْ كَانَتِ الأَمَةُ لِجَدِّهِ مَثَلًا فَلا قِيمَةَ؛ لأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ عُتِقَ، وَلا وَلاءَ لأَنَّهُ حُرُّ
فإن كانت الأمة الغارة لم يعتق عليه [٣١٧/ ب] ولد المغرور، كما لو كانت لجده؛ أي: لجد الولد، فلا قيمة للجد في الولد؛ لأن الجد لو ملك هذا الولد عتق عليه، ولا ولاء للجد على الولد؛ لأنه حر بالأصالة لا بإعتاقه.
ابن يونس: وقال ابن المواز: يكون ولاؤهم لأبيهم. وقال المصنف (مَثَلًا) لأن هذا الحكم لا يختص بالجد، بل يعم كل من يعتق على المالك، كما لو غرت أمة الابن والده؛ لأن ولد الأمة يكون أخًا للمستحق. فإن قلت: ما فائدة ذكر الولاء هنا والجد يرث بالنسب؟ قيل: لأنه لو قيل به لظهرت فائدته في الجد للأم؛ إذ لا يرث بالنسب، أما لو زوج الأب أمته لابنه لكان ولاء الأولاد الكائنين من الأمة لجدهم؛ لأنهم عليه عتقاء، ألا ترى أنه لو كان الزوج أجنبيًا لكانوا أرقاء، بخلاف مسألة المصنف. نص عليه صاحب النكت وابن يونس. وقال ابن محرز في تبصرته: لا فرق بين المسألتين سواء زوج الأب أمته من ابنه أو غرته ولا ولاء للجد.
وَتُوقَفُ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ زَادَتْ وَإلا رَجَعَتْ إِلَى الأَبِ
يعني: إذا غرت مكاتبة بالحرية، وعثر على ذلك بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم. ابن المواز: على أنه عبد.
[ ٤ / ١٣٦ ]
ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يد رجل، فإن أدت كتابتها رجعت تلك القيمة إلى الأب؛ لأنه قد انكشف الأمر أنها كانت حين التزويج حرة، وإن عجزت أخذها السيد وهذا مذهب المدونة، وه والمشهور.
اللخمي: ولا معنى لوقف القيمة، بل تدخل القيمة في الكتابة ويتعجلها السيد، فإن وفت عتقت وولدها، وإلا حبست من آخر الكتابة. يريد: وليس على الأب إلا الأقل من قيمة الولد وبقيت الكتابة. وهكذا نقل ابن يونس عن محمد، ووجهه ظاهر؛ لأن المكاتبة أمة والحرية مشكوللا ك فيها، فيلغي المشكوك. واختار اللخمي التفرقة، وإن كان الزوج مأمونًا ولا تخاف غيبته أو أتى بحميل، ألا يخرج المال من ذمته لئلا يضيع فيذهب مجانًا تركت تحت يده، وإلا وقفت.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى غَرَرِهِ لِعِتْقِهِ بِمَوْتِ سَيِّدِ أُمِّهِ، وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ ..
يعني: أن أم الولد إذا غرت بالحرية، ولم يعثر على ذلك إلا بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم على غرره لو جاز بيعه؛ لاحتمال موته قبل سيد أمه، فيموت رقيقًا واحتمال موت سيد أمه قبله فيكون حرًا، هذا هو المشهور. وقال ابن الماجشون: يغرم قيمته عبدًا أي لأن السيد يستخدمه كما يستخدم العبيد، وحريته مشكوك فيها. وعلى القولين فالقيمة يوم الحكم خلافًا للمغيرة. ولمالك في ثمانية أبي زيد: إن كان صغيرًا لا خدمة فيه فلا شيء على الأب، فإن أطاق الخدمة غرم أجرته كل يوم، وإن مات قبل أن يبلغ ذلك فلا شيء عليه، وإن استحق بعد أن صار رجلًا كان عليه الأجرة من يوم استحق.
مطرف: وإن مرض لم يكن عليه شيء حتى يصح. فإذا فرعنا على مذهب المدونة فقتل هذا الولد قبل الحكم فيه، فهل تجب قيمته لسيد أمه على أنه رقيق؛ لأن الترقب قد فقد؟
[ ٤ / ١٣٧ ]
عياض: وإليه ذهب معظم الشيوخ أو قيمته على ما فيه من الرجاء والخوف؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد في المختصر. واستشكله أبو عمران وصوبه غيره، وأما لو جرح فتردد بعض القرويين، هل تكون عليه القيمة على الترقب، ثم جزم بوجوبها على الترقب لبقاء النفس التي تترقب فيها بقاء الحرية.
قوله: (وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ) أي: ولأجل اعتبار الترقب في قيمة الولد لو مات السيد قبل القضاء أسقط التقويم. اللخمي: وتتفق الأقوال إذا مات السيد إلا قول المغيرة أن القيمة يوم الولد، فلا تسقط بموت السيد ولا بموت الولد.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ عَلَى غَرَرِهِ لِجَوَازِ عِتْقِهِ
أي: إذا غرت. وقوله: (عَلَى غَرَرِهِ) أي: لجواز عتقه بموت السيد إذا حمله الثلث، ولا دين على السيد، ولجواز ألا يحمل الثلث الجميع، ولجواز رقه إذا كان على السيد دين أو يموت قبل ذلك، فالرق فيه أشد منه في ولد أم الولد، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة والمشهور، وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمته رقيقًا.
اللخمي: وهو مثل قول عبد الملك في ولد أم الولد، وذكر المازري في باب الاستحقاق أن المشهور الذي عليه الأكثر من أصحاب مالك خلاف قول ابن القاسم في المدونة وأنه يقوم رقيقًا، ألا ترى أنه لو اشترى المدبر رجلًا فعتقه لكان العتق فوتًا ولا يرجع على البائع بشيء من الثمن على إحدى الروايتين.
عبد الحميد: فإن قتل ولد المدبرة جرى فيه من الخلاف ما جرى في ولد أم الولد.
وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الْغُرُورَ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَفِي تَعْيينِ الْمَقْبُولِ قَوْلانِ
قال أشهب: القول قول الزوج؛ لأنه ادعى الغالب. ونحوه حكى ابن يونس عن ابن القاسم إذا قال الزوج: ظننت أنها حرة. وقال سحنون: بل القول قول السيد؛ لأن الزوج مدع لحرية ولده.
[ ٤ / ١٣٨ ]
الْعِتْقُ: وَإِذَا عُتِقَ جَمِيعُهَا تَحْتَ الْعَبْدِ حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ بِخِلافِ الْحُرِّ
هذا راجع إلى قوله: (وللزوجة خاصة الخيار بالعتق).
وقوله: (جَمِيعُهَا) يريد إما في دفعة أو أكثر، فقد نص في الموازية والعتبية فيما إذا تزوجت وهي معتق بعضها، وأكمل عتقها بعد [٣١٨/ أ] ذلك على أن لها الخيار، ومراده بـ (الْعِتْقُ) العتق الناجز، ولأنه لا يجب لها الخيار بالكتابة والتدبير والعتق المؤجل والاستيلاد، هكذا نصوا، ولا يستبعد الاستيلاد؛ لأنه نص في المدونة في غير موضع على أن السيد إذا وطئ أمته المتزوجة، وكان الزوج معزولًا عنها أنها تكون له أم ولد.
قوله: (حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ) نحوه في المدونة في غير ما وضع، ودليله ما في الصحيحين في حديث بريرة أنها عتقت فخيرها النبي ﷺ، وروى البخاري وغيره أن زوجها كان عبدًا، وورد أنه كان حرًا، ولكن ضعفه البخاري وغيره، ولهذا لم يقل مالك ﵀: لها الخيار إذا كان زوجها حرًا. وعلى هذا فيكون الموجب لخيارها نقص العبد عنها بالرق، لا ما قاله الحنفية من أن موجبه جبر الخلل الواقع في النكاح بإجبار السيد أمته على النكاح، حتى أوجبوا لها الخيار تحت الحر أيضًا. ويحقق عندك عدم مراعاة أصحابنا ما قالوه من أن العلة في الخيار الجبر ما في الموازية إذا طلبت الأمة أن تتزوج هذا العبد ثم عتقت أن لها الخيار.
وَفِيهَا: لَوْ وَقَفَتْ سَنَةً وَلَمْ تُمَكِّنْهُ، وَقَالَتْ لَمْ أَسْكُتْ رِضًي صُدِّقَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالتِّمْلِيكِ
لأنها تقول: سكت لأرى رأيًا، ولو اخترته لمكنته من نفسي.
ابن عبد السلام: ولم يذكر في المدونة من أوقفها هذه المرة، فإن من المعلوم أن الحاكم لا يوقفها هذا القدر، ولعله السبب المقتضي لنسبة المصنف لها.
[ ٤ / ١٣٩ ]
ابن عبد السلام: وحكى بعضهم قولًا بسقوط الخيار لطول المدة، وإن أوقفها الزوج بحضرة العتق. وقال: إما أن تختاري المقام أو الطلاق. فقالت له: أنظر وأستشير. فالقولقولها، واستحسن أن تؤخر ثلاثة أيام.
وقوله: (بِغَيْرِ يَمِينٍ) هو مذهب المدونة، وفي العتبية: تحلف، وهو على الخلاف في أيمان التهم.
فَلَوْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ سَقَطَ كَمَا لَوْ عُتِقَا مَعًا
أي: إنما سقط خيارها؛ لأن الموجب لخيارها رقه، فإذا زالت العلة زال المعلول، ولا إشكال فيما إذا أعتقا معًا، وأما إذا أعتق بعدها قبل أن تختار، فمن الشيوخ من جرد المسألة من الخلاف نصًا وتخريجًا، ومنهم من أثبته تخريجًا فقط، وهو ابن زرب؛ لأن عارضها بمسألة الحيض الآتية، وهي أنها إذا أخرت للحيض فعتق الزوج، فقال ابن القاسم: هي على خيارها.
وخرج من كل واحدة رواية في الأخرى، وفرق بينهما بأنها في الحيض ممنوعة شرعًا، فعذرت إذ لا تفريط منها، بخلاف هذه ومنهم من أثبته نصًا، وذكره عن ابن زياد، ونقله ابن عبد البر عن ابن القاسم.
فَلَوْ أَبَانَهَا سَقَطَ، بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ
أي: فلو أبانها قبل أن تختار سقط الخيار لاستحالة وقوع الطلاق منها وهي بائنة، بخلاف الرجعي فإنها زوجة.
اللخمي: ولو قيل إنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: أنا لا أرتجع، لرأيته حسنًا.
فَإِنْ اخْتَارَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلا صَدَاقَ، ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ
لأنه فراق قبل الدخول من جهتها.
[ ٤ / ١٤٠ ]
وقوله: (فَلا صَدَاقَ) يعني: لا يكون لها نصف؛ لأنه قد علم أن المرأة لا تستحق قبل البناء إلا النصف، وقوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) يعني: إن قبضه.
فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا لأَنَّ ثُبُوتَهُ يُسْقِطُهُ، وقِيلَ: يَثْبُتُ وَتُبَاعُ فِيهِ لِمَا أَوْجَبَهُ الْحُكْمُ. وقِيلَ: يَثْبُتُ وَلا تُبَاعُ لأَنَّهُ طَارِئُ بِالاخْتِيَارِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
هذا مفرع على قوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) وقوله: (فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا إلخ.) أي: لأنه صار دينًا على السيد وهو عديم، فيرد عتقه لتقدم الدين عليه، فكان ثبوت خيارها يفضي إلى بطلان عتقها، وإذا بطل عتقها بقيت زوجة.
وهذا القول هو المختار الذي به الحكم، قاله المتيطي وغيره، وعمل بذلك وثيقة. وتصور القول الثاني من كلامه ظاهر، ورأى في الثالث أن الزوج إنما وجب له الرجوع بالصداق بعد العتق، فصار كدين طرأ بعد العتق فلا يرد له العتق، فالضمير في قوله: (لأَنَّهُ طَارِئُ) عائد على الدين المفهوم من السياق، وهو أقيس.
ابن عبد السلام: وهو أشبه بأصل ابن القاسم في المدونة، لما في العتق الأول منها: إذا باع عبدك سلعة بأمرك ثم أعتقته ثم استحقت السلعة ولا مال لك، فليس للمبتاع رد العتق؛ لأنه دين لحق السيد بعد إنفاذه.
لكن تأول محمد هذه المسألة على أن الثمن كان بيد السيد حتى أعتق، قال: وأما إن تلف أو أنفقه قبل العتق فليرد العتق؛ لأن السلعة لم تكن له ملكًا.
فَإِنْ اخْتَارَتْ بَعْدَ الْبِنَاءِ فالْمُسَمَّى ويَكُونُ كَمَالِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَبَضَهُ أَوِ اشْتَرَطَهُ ..
لا إشكال في وجوب المسمى بعد الدخول، ويكون كمالها فيتبعها؛ لأن العبد إذا عتق تبعه ماله، إلا أن يشترط السيد. وجعل المصنف قبض السيد كاشتراطه، ونحوه في المتيطية والجواهر.
[ ٤ / ١٤١ ]
وينبغي أن يقيد بما إذا قبضها على سبيل الانتزاع، وهو الذي يدل عليه لفظ المدونة، فإنه قال: إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق أو اشترطه فيكون له.
وإِنْ رَضِيَتْ وَهِيَ مُفَوَّضَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَفُرِضَ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلا سَبِيلَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ
لأنه قبل الفرض لم يتقرر لها شيء، بدليل أن المفوض لو طلقت قبل البناء لم يكن لها شيء، فصار كمال وهب له بعد العتق.
ابن بشير: وإذا استثنى صداقها قبل البناء، وكان تفويضًا في الروايات لا يصح [٣١٨/ ب] استثناؤه؛ لأنه لم يجب لها بعد، وقال بعض الأشياخ: يجري على القولين فيمن قال لعبده: أنت حر وعليك ألف. هل يكون حرًا ولا شيء عليه، أو يتبع بما جعل عليه؟ وأنكر ابن محرز هذا، ورأى أنه لا يختلف في أن الاستثناء لا يصح؛ لأنه اشترط لنفسه ما لا تملكه المرأة هنا.
وَاخْتِيَارُهَا طَلْقَةُ بَائِنَةُ كَالْعَيْبِ، ورُوِيَ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ إِنْ عُتِقَ فِي الْعِدَّةِ
يعني: أن اختيار طلقة بائنة، سواء بينت الواحدة أو لم تبين، بل قالت: اخترت نفسي فقط. وهكذا قال في المدونة. والرواية بأن له الرجعة إذا عتق في مختصر ما ليس في المختصر، وقاسه فيه على طلاق المولي والمعسر بالنفقة، والقول الأول هو المشهور.
فَإِنْ قَضَتْ بِاثْنَتَيْنِ طَلاقَ الْعَبْدِ فَفِي لُزُومِهِ رِوَايَتَانِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ
نحوه في المدونة، ففيها: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات، على حديث بريرة، وكان مالك يقول مدة: ليس لها أن تختار إلا واحدة بائنة. وهو قول أكثر الرواة. ابن يونس: ووجه الأول أنها ملكت ما كان ملكه من الفراق، فلها أن تفارق بما شاءت كهو، ووجه الثاني أن الواحدة تبينها، فالزيادة على ذلك ضرر. انتهى.
[ ٤ / ١٤٢ ]
فقوله كهو إشارة إلى أنها إنما تؤمر ابتداء على القولين بواحدة، ألا ترى أن الرجل يؤمر ألا يطلق إلا واحدة. وعلى هذا فالخلاف إنما هو في لزوم الزائد على الواحدة بعد الوقوع، كما ذكر المصنف.
وحكي عن مالك وابن القاسم في المدونة أن للمعتقة تحت العبد أن تطلق نفسها ثلاثًا، فمن الشيوخ من نسب قائله إلى الوهم؛ لأن الطلاق إنما يعتبر بالرجال، ومنهم من صححه، ووجهه بأن الزوجة لما انتقل إليها الطلاق وهي حرة اعتبرت.
وَتُؤْمَرُ بِالتَّاخِيرِ فِي الْحَيْضِ
لأن اختيارها طلاق، والطلاق في الحيض منهي عنه.
فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعُتِقَ الزَّوْجُ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ عَلَى خِيَارِهَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الصَّوَابُ أَلا خِيَارَ لَهَا ..
قد تقدم أن ابن زرب عارض بين هذه المسالة وبين ما إذا أعتق بعد عتقها، وما يتعلق بذلك. وما صوبه اللخمي ظاهر لزوال سبب الخيار وهو لحاق العار بسبب حريتها ورق زوجها.
فرع:
فإن اختارت في الحيض فلا تجبر على الرجعة على المشهور؛ لأن الطلاق بائن.
ابن رشد: وعلى أنه طلاق رجعي إن أعتق زوجها قبل انقضاء العدة تخير. وتردد اللخمي في هذا؛ لأن الطلاق ليس بيد الزوج، وإنما هو حق عليه، فتشكل صحة رجعته أو جبره عليها.
وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا بِقَوْلِهَا وبِتَمْكِينِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ.
قوله: (بِقَوْلِهَا) بأن تصرح بالمقام مع الزوج أو بتمكينها؛ أي: تمكن من نفسها من الاستمتاع.
[ ٤ / ١٤٣ ]
وقوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أي: تستمتع بالزوج. وهذا أقوى في الوكالة من التمكين؛ لأن هذا فعل وهذا ترك.
وقوله: (إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ) يعني أن السقوط مشروط بأن تعلم بأنها عتقت وان لها الخيار، وهو معنى قوله: (الْحُكْمِ).
وَالْجَاهِلَةُ بِالْعِتْقِ تُخَيَّرُ اتِّفَاقًا
لأنها معذورة. ابن عبد السلام: وينبغي أن يعاقب الزوج إذا علم بالعتق والحكم، كما قالوا: إذا وطئ المملكة والمخيرة وذات الشرط.
وَالْجَاهِلَةُ بِالْحُكْمِ: الْمَشْهُورِ سُقُوطُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَالِكُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ اشْتَهَرَ وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَمَةٍ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ جَهْلُهَا فَلا
الأقرب أن قول ابن القصار تقييد، وأيضًا فإن ما نسب المصنف لابن القصار وقع نصًا لمالك في المختصر والمدونة، وإذا كنا نقيد قول الإمام بقول غيره، فتقييده بقول نفسه أولى، لكن قول المصنف وابن شاس وصاحب الذخيرة: المشهور سقوط الخيار يقتضي أن قول ابن القصار خلاف.
فرع:
قال في الجواهر: وإذا اختلفا في المسيس فإن أنكرت الخلوة فالقول قولها مع يمينها، وإن اعترفت بالخلوة فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس وادعى الطوع وادعت الإكراه فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس والطوع واختلفا هل علمت بالعتق فالقو قولها. محمد: بغير يمين.
وَإِذَا عُتِقَتْ واخْتَارَتْ وتَزَوَّجَتْ وَقَدِمَ وَثَبَتَ أَنَّهُ عُتِقَ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا فَكَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ
قد تقدمت هذه المسألة مع نظائرها في مسألة الوليين.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وَإِذَا عُتِقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ تَعْلَمْ حَتَّى بَنَى بِهَا فَلَهَا الأَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى أَو صَدَاقُ حُرَّةِ مِثْلِهَا ..
لأنه إن كان المسمى أكثر فقد رضي الزوج به على تقدير أن يكون أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به على تقدير أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به دوام العصمة؛ لأن الصداق إنما يقابل الوطأة الأولى، وإن كان صداق مثلها أكثر وجب دفعه لها؛ لأنه قيمة بعضها.
وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَلا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة، فأنكرته أو بالعكس، فلا يمين على المنكر. قال المصنف: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) اي لانتفاء ثمرة اليمين وهي انقلابها على المدعي فيقضي له بيمينه مع نكول المدعي عليه، وهو مراده بقوله: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) وليس مراده أنه يقضي على المدعى عليه بنكوله دون يمين المدعي؛ لأن النكول لا يقضي به في المال، فما بالك بغيره.
ابن عبد السلام: [٣١٩/ أ] قال جماعة: وهذا إنما هو في غير الطارئين، وأما الطارئان فتتوجه اليمين على المنكر؛ لأنهما لو تصادقا على النكاح لنفذ قولهما. وفيه نظر؛ لأن مراد أصحابنا من تصديق الطارئين على النكاح إنما هو إذا قدما مصطحبين اصطحاب الزوجين؛ لأنا لو كلفناهما البينة على النكاح لشق ذلك عليهما، ولأنا لو منعناه منها بأن منعناها أيضًا هي من غيره، كان ذلك من أشد الحرج، وإن لم نمنعها كان ذلك أقوى ريبة؛ لأن فيه ترك الظاهر الراجح واستعمال المرجوح.
واختلف في غير الطارئين إذا أقر الزوج والولي بالنكاح وأنكرت المرأة هل يحلف أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفصل في الثالث بين أن يكون ثم منع وعلامة أم لا؟
[ ٤ / ١٤٥ ]
فروع:
الأول: إن أتى المدعي منهما ببينة بسماع فاش من العدول وغيرهم بصحة النكاح واشتهاره بالرق، فقال المتيطي: المشهور المعمول به أنه يثبت النكاح. وقال أبو عمر: إنما تجوز شهادة السماع حيث يتفق الزوجان على الزوجية.
الثاني: قال أبو عمران: الذي يدعي نكاح امرأة ولا بينة له لا يمكن من نكاح خامسة، إلا أن يطلقها؛ لأنه زعم أنها في عصمته وقد ظلمته في إنكارها النكاح.
ابن راشد: ويلزم على قوله ألا تمكن المرأة من النكاح إذا ادعته وأنكرها؛ لأنها معترفة أنها ذات زوج.
الثالث: إذا دعى رجل نكاح ذات زوج، وقال: تزوجتها قبل ذلك. لم يسمع قوله، فإن أتى بشاهد واحد أمر الزوج باعتزالها حتى يأتي بشاهد آخر إن ادعى أمدًا قريبًا، فإن لم يأت بشاهد لم يلزم واحد من الزوجين يمين.
فَإِنْ أَتَى بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ، وَلا يُقْضَى بِنُكُولِهِ، لَكِنْ إِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ غَرِمَ الصَّدَاقَ
أي: فإن (أَتَى) المدعي للنكاح (بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ) أحدهما: أن اليمين لا تتوجه، وهو قول مالك في المدونة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، لانتفاء ثمرتها كما تقدم.
المتيطي: وهو قول مالك وجميع أصحابه.
والقول الثاني لابن القاسم في الموازية: يحلف المنكر ثم إن نكلت المرأة لم يثبت النكاح ولا تحبس، وإن نكل الزوج غرم الصداق. واستشكل هذا القول لأنه إذا وجب اليمين لأجل المال فينبغي أن تحلف مع شاهدها أولًا.
والضمير في (نُكُولِهِ) يعود على المدعي عليه منهما، ومعنى قوله: (وَلا يُقْضَى) أي: بالنكاح.
[ ٤ / ١٤٦ ]
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنِ ادَّعَى الزَّوْجِيَّةَ: لا تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِانْتِظَارِهِ إِلا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً قَرِيبَةً، فَإِنْ أَعْجَزَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَهُ نَكَحَتْ أَوْ لا، وَمَضَى الْحُكْمُ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة فلا يلتفت إلى دعواه ولا تؤمر المرأة بانتظاره، وكذلك إذا ادعى بينة بعيدة، وإن كانت قريبة لا يضر بالمرأة انتظارها. ورأى الإمام لذلك وجهًا، أمرت بالانتظار.
قوله: (فَإِنْ أَعْجَزَهُ) ثم جاء ببينة فقد مضى الحكم، نكحت أو لم تنكح، وهكذا روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وأسقط المصنف من الرواية كون القريبة لا يضر بالمرأة انتظارها، وكون الإمام يرى لذلك وجهًا، كأنه رأى أن القريبة لا تضر بالمرأة.
قال في البيان: وقوله: إنه لا تقبل منه بينة إن أتى بها بعد التعجيز خلاف ما في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبان وخلاف ظاهر المدونة إذا لم يفرق بين تعجيز الطالب والمطلوب.
وقال ابن القاضي: يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز، كان طالبًا أو مطلوبًا، وفرق ابن الماجشون في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان وفي تعجيز الطالب أقوال، قيل: وهذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام. وقيل: بل ذل كفيه وفي من بعده من الحكم، وهذا الاختلاف إنما هو إذا عجزه بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار السلطان وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله: قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه. انتهى.
فرع:
ثم حيث أمرت بالانتظار فطلبها الزوج بحميل بوجهها ليقيم البينة على عينهأ، ففي وثائق ابن الهندي وابن العطار وغيرهما: يلزمها ذلك، وفي أحكام ابن العطار لابن لبابة وغيره من الشيوخ: أنه لا حمالة في ذلك.
[ ٤ / ١٤٧ ]
المتيطي: والذي جرى به العمل عند شيوخنا وانعقدت الأحكام عليه أن تجعل عند امرأة صالحة تتحفظ عليها، أو تجعل المرأة عندها، وإلا فتسجن في الحبس حتى يحق الحق، وعمل وثيقة على هذا القول.
فروع:
الأول: إذا أقامت المرأة على الزوج المنكر شاهدين، ولم يأت بمدفع لزمه النكاح والدخول والنفقة، ولا ينحل عنه إلا بطلاق، فإن طلق قبل البناء لزمه نصف الصداق، فإن أبى من الدخول أو الطلاق، فقال ابن الهندي: كان بعض من أخذت عنه العلم أن السلطان يطلق عليه بعد أربعة أشهر من وقت إبايته، ويكون بمنزلة الولي لأنه مضار.
خليل: وفيه نظر؛ لأن مشهور المذهب فيمن ترك وطء زوجته بغير يمين أنه يطلق عليه بغير أجل.
المتيطي: ولم يجعل ابن الهندي وابن العطار وغيرهما من الموثقين إنكار الزوج للنكاح طلاقًا، وهو أصل مختلف فيه، فقد وقع لأصبغ في الواضحة إذا قال الزوج أنكحتني [٣١٩/ ب] فلانة، وقال الأب بل فلانة، فإن النكاح يفسخ، ولا أيمان بينهما. قال: وإن رجع أحدهما إلى تصديق صاحبه لم يقبل منه، ولزم الزوج أن يغرم نصف صداق كل واحدة، الأولى بإقراره والثانية برجوعه إليها، فجعل الإنكار طلاقًا. وكذل كاختلف في مسألة الابن الذي زوجه أبوه وه وساكت، هل يكون نكوله طلاقًا أم لا؟ وفي مسائل ابن زرب في وصي أنكح يتيمته من رجل ثم إن الزوج أنكر ذلك، فقال له القاضي: طلقها. فقال: وكيف أطلق من لم أنكح؟ فقال: ولعلك فعلت فطلاقها خير لك ولها. فلم ير الإنكار طلاقًا، وقال ابن القاسم فيمن قال في جارية بيده: اشتريتها؛ وقال سيدها: بل زوجتكها-: إنهما يتفاسخان بعد تحالفهما ولا تكون زوجة ولا أم ولد، وترجع الأمة إلى سيدها؛ لأن المشتري أقر أنها ليست بزوجة، فهو كالمطلق، وادعى أنها أمة فلا يصدق.
[ ٤ / ١٤٨ ]
ابن زرب: وقوله: كالمطلق، ليس هو على أصله، وليس إنكاره لها طلاقًا. انتهى كلام المتيطي.
الفرع الثاني: لو ادعى رجلان نكاح امرأة وأنكرتهما أو أقرت بهما أو بأحدهما فأقام كل منهما البينة على ذلك، ولم يعلم الأول منهما يفسخ النكاحان بطلاق، ولا يقضي بالأعدل خلافًا لسحنون، ولا عبرة بتصديق المرأة خلافًا لمحمد، وهذه المسألة كمسألة إذا زوجها الوليان ولم يعلم السابق منهما، وقد تقدمت.
الفرع الثالث: قال في الجواهر: ولو أقام رجل بينة أن هذه زوجته فأنكرت واقامت هي بينة أن فلانًا زوجهًا فأنكرها ولم يوقتا تاريخًا، فقال أشهب: لا أنظر إلى التكافؤ في العدالة وأفسخ النكاحين. وقال أصبغ: ما لم يدخل أحدهما، فإن دخل قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر أقم البينة أنك الأول.
أشهب: ومن أقام بينة أنه تزول فلانة وهي تنكره، وأقامت أختها البينة أن هذا الزوج تزوجها وهو منكر، ولم يوقتوا فإن النكاحين يفسخان ولا ينظر إلى التكافؤ، قال: وكذلك لو شهدت كل بينة قبل البناء لفسخا، ولهما الصداق.
محمد: وهذا لإنكاره نكاح الأخرى، ولو كان مقرًا ويدعي أنها الأخيرة لقبل قوله؛ لأن البينة لا تكذبه، ولا ينفع التي تزعم أنها الأولى جحوده؛ لأن البينة أثبتت نكاحها. قال: وهذا تقويه المسألة الأولى حين ذكر عنه أنه جعل الإقرار كالإنكار.
وإِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا بِالنِّكَاحِ عَلَى مَيِّتٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لا تَرِثُ. وَتَوَقَّفَ أَصْبَغُ ..
يعني: (إِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا) على النكاح لرجل ميت (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ) لأنه بعد الموت لا يكون لها إلا المال.
ورأى أشهب أن الميراث يتوقف على ثبوت الزوجية، والزوجية لا تثبت بالشاهد واليمين، وقاله ابن القاسم أيضًا، وهو أقيس بناء على أن الدعوى إذا لم تكن مالًا وتؤول
[ ٤ / ١٤٩ ]
إليه، هل يقبل فيه الشاهد الواحد أم لا؟ والأكثر أن التوقف لا يعد قولًا، وهو الصحيح؛ لأن التوقف يستلزم عدم الحكم. وعلى قول ابن القاسم الأول فإنها تحلف مع شاهدها وترث إذا لم يكن ثم وارث معين ثابت النسب، وأما إن كان فلا، حكاه صاحب المغمز. ولا يقال: يلزمه عليه أن يكون الحكم كذلك في الحياة؛ لأنه في الحياة تترتب عليها أحكام أخر غير المال، كلحوق النسب وغيره، فإن أثبتا النكاح فبشاهد ويمين، فإما أن يثبت كل تلك الأحكام وهو باطل بالاتفاق، أو يثبت الأحكام المالية خاصة مع ثبوت الزوجية، وهو تناقض، والله أعلم.
وَتَرِثُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ الطَّارِئِ، وَفِي غَيْرِ الطَّارِئِ قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ يُقِرُّ بِهِ فَتَرِثُ حِينَئِذٍ مَعَهُ ..
لأن الطارئ بعده على الزوجية التي ادعاها ومكنه منها.
ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي إذا أقرت هي، ولم يعلم منه إنكار أن يرثها. وأما غير الطارئ فلعل منشأ الخلاف فيه هل بيت المال وارث فلا ينفع إقراره، أو حائز للأموال الضائعة فيقبل؟ وعلته أنه أوصى به، والجاري على مشهور المذهب عدم القبول؛ لأن المشهور أن بيت المال وارث، وبعدم القبول قال سحنون، ولو في الصحة.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب. زاد (المتيطي) ابن راشد.
ويفسخ قبل البناء وبعده، إلا أن يطول بعد البناء جدًا. وظاهر ما نقله اللخمي عن محمد أنه يقبل دعوى التزويج في غير الطارئين.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ) أي أن الخلاف حيث لا يكون ولد معها، فإن كان معها ولد فترثه؛ أي المقر معه، أي مع الولد؛ لأنه لما كان الشرع متشوفًا إلى لحوق النسب جعلوا استلحاقه قاطعًا للتهمة.
[ ٤ / ١٥٠ ]
وَفِي الإِقْرَارِ بِوَارِثٍ غَيْرِ الزَّوْجِ والْوَلَدِ قَوْلانِ
يعني: إذا أقر رجل أو امرأة بأخ أو ابن عم ونحوه. وقيد ابن راشد هذا الخلاف بما إ ذا لم يعلم أنه وارث. وقال: إن القبول يجري على أصل ابن القاسم؛ لأنه أقر بمال، لكن لا يثبت بذلك نسبه. وعلى أصل أشهب لا يرث؛ لأن الإرث فرع ثبوت النسب.
وَإِقْرَارُ أَبَوَيْ غَيْرِ الْبَالِغين فِي النِّكَاحِ مَقْبُولُ عَلَيْهِمَا
أي: أبو الصبي وأبو الصبية، وقبول قولهما ظاهر؛ لأن كل واحد من الأبوين قادر على إنشاء ما أقر به فلا يتهمان ..
فرع:
قال في الجواهر: ومن احتضر فقال: لي امرأة بمكة، وسماها ثم مات، فطلبت ميراثها [٣٢٠/ أ] منه، فذلك لها، ولو قالت هي ذلك ورثها.
ابن راشد: وعلى ما حكاه في المغمز إن كان في عصمته امرأة غيرها لم ترثه؛ لأن هذه حازت الميراث.
وَإِذَا قَالَ: أَلَمْ أَتَزَوَّجْكِ؟ فَقَالَتْ: بَلَى. فَإِقْرَارُ مِنْهُمَا
لأنه إقرار لغة وعرفًا، ولابد هنا من إجازة الولي والإشهاد عليه لتصحيح ميراث النكاح.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ. فَأَنْكَرَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَنْكَرَ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ
لأنها لم أنكرت أولًا لم يصح إقرار، ثم قولها بعد: نعم، كابتداء دعوى منها عليه بالزوجية، وأنكر هو ذلك فلم يتفقا في زمان.
[ ٤ / ١٥١ ]
الصداق
وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ
أي: قالت طلقني أو خالعني في جواب قولها قد تزوجتك فإقرار؛ لأن المرأة لا تطلب ذلك إلا من زوجها.
وَلَوْ قَالَ: اخْتَلَعْتِ مِنِّي فَإِقْرَارُ
أي: في جواب قولها: قد تزوجتني.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامُ، أَوْ بَائِنَةُ، أَوْ بَتَّةُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ إِلا جَوَابَ طَلَّقْنِي. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرُ فَإِقْرَارُ بِخِلافِ أَنْتِ عَلَيَّ كَمظَهْرِ أُمِّي ..
هكذا قال ابن سحنون: إنه إن قال لها أنت حرام أو بائن أو بتة، فليس بإقرار بالنكاح؛ لأن الأجنبية عليه حرام، إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بهذا، فهو إقرار بالنكاح في إجماعنا، قال: وكذلك قوله لها أنا منك مظاهر، بخلاف قوله أنت طالق أو أنت علي كظهر أمي؛ لأن مظاهر اسم فاعل، ولا يصدق ذلك إلا في زوجته بخلاف أنت علي كظهر أمي، فإن ذلك يصدق على الأجنبية، واعلم أن ما ذكره المصنف هنا من الإقرار إنما يفيد في الطارئين. وكذلك ذكر ابن عبد الحكم لما تكلم على بعض الفروع التي ذكرها المصنف، وأما غيرهما فلا؛ لأنه قد تقدم أنهما لو تصادقا على الزوجية لم يقبل على الظاهر.
الصَّدَاقُ: وَأَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتُهَمَا وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لأَمَتِهِ
لما قدم المصنف أن أركان النكاح خمسة، وتكلم على أربعة منها تكلم على الخامس وهو الصداق. ويقال بفتح الصاد وكسرها، والفتح أفضل، ويقال: صدقة.
الجوهري: ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصدقة مثله بالضم وتسكين الدال.
[ ٤ / ١٥٢ ]
عياض: ويقال له: فريضة ونحلة وأجر، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال: (اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب: ٥٠]، ويسمى أيضًا عقرًا وعلاقة ومهرًا، ولا يقال: عده ركنًا لا يصح لصحة نكاح التفويض مع عدم الصداق، ألا ترى أنه لو مات أو طلق قبل البناء لم يكن عليه شيء، وهو يدل على صحة النكاح بدون الصداق؛ لأنا نقول ما ذكرته من عدم الصداق غير صحيح بدليل أنه لو صرح بإسقاطه فسد، وعلى هذا فالصداق موجود وإنما المعدوم تسميته، وما استدللت به على العدم من سقوطه بالموت أو الطلاق ليس بجيد؛ لأن عقد النكاح أحد عقود الشروع، ونكاح التفويض أحد تحكمات الشرع وتحكماته مألوفة.
ونقل عن غير واحد الإجماع على أنه لا حد لأكثره.
ابن الهندي وغيره: وتكره المغالاة فيه، ولا شك أن التغالي أمر نسبي، فرب صداق هو كثير في حق امرأة دون أخرى أو رجل دون آخر، وأما أقله فالمشهور أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
المتيطي وغيره: ويشترط فيها أن تكون خالصة، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن تخريج الخلاف في اشتراط الخلوص من الزكاة.
وقوله: (أَوْ قِيمَتُهَمَا) أي: أو ما يقوم بهما. وهذا قول مالك.
اللخمي وغيره: قال مالك: أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوي أحدهما. وقال ابن شعبان: ما يساوي ثلاثة دراهم.
اللخمي: وهو موافق لقول ابن القاسم في السرقة أنها إنما تقوم بالدراهم. ووقع في بعض نسخ ابن الحاجب: أو قيمتها، فيكون عائدًا على الفضة، والنسخة الأولى أصوب لموافقتها النقل كما ذكرنا. وذهب ابن وهب إلى أنه لا حد لأقل الصداق وأنه يجوز النكاح بالقليل والكثير، ونص على جوازه بنصف درهم، واستحب كونه ربع دينار وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل العلم، ووجه أصحابنا المشهور بالقياس على السرقة والجامع بينهما
[ ٤ / ١٥٣ ]
استحلال العضو المحترم، ولهذا قال الدراوردي لمالك: تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي: ذهبت مذهب أهل العراق في الأخذ بالقياس.
(وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لأَمَتِهِ) يعني: فلابد من هذا القدر لحق الله تعالى. ونبه على هذه الصورة؛ لأنه قد يتوهم خروجها من حيث إن صداق الأمة إن كان مالًا لسيدها جاز له تركه، وإن كان لها فله انتزاعه.
فَإِنْ نَقَصَ وَلَمْ يَدْخُلْ أَتَمَّهُ، وَإِلا فُسِخَ، وَإِنْ دَخَلَ أَتَمَّهُ جَبْرًا، وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ
يعني: فلو نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن لم يدخل الزوج فالمشهور- وهو مذهب المدونة- ما ذكره المصنف: يخير الزوج بين أن يتمه أو يفسخ. وقيل: لابد من فسخه، وأما إن دخل فالمشهور أنه يتم لها ربع دينار ولا يفسخ. قال في المدونة: للاختلاف فيه.
قوله: (وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ) ظاهره أنه يثبت بعد البناء بصداق المثل، ويحتمل أيضًا أنه يفسخ بعده؛ لأن الفسخ بعد البناء أحد الأقوال في الصداق الفاسد، وهذان الاحتمالان قد تؤولا على قول غير ابن القاسم في المدونة في هذه المسألة.
المتيطي [٣٢٠/ ب] وغيره: وغير ابن القاسم الذي أشار إليه في المدونة هو ابن الماجشون.
أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الأَصَحِّ
أي: في هذا النكاح الذي انعقد بأقل من ربع دينار اختيارًا، والأصح مذهب المدونة، وعلى قول ابن القاسم في المسألة السابقة لا يكون لها شيء. وكذلك اختلف إذا لم يرض بالإتمام، فقال ابن القاسم: يكون فراقًا بطلقة بائنة ولها نصف الدرهمين؛ لأنه صداق مختلف فيه. وقال ابن حبيب: لا شيء لها. واختاره ابن الكاتب واللخمي وغيرهما، قالوا: لأن الفسخ إنما جاء من قبل أنه غير صداق، فكيف تعطي نصف ما وقع الفسخ لأجله.
[ ٤ / ١٥٤ ]
وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلًا
أي: مال يصح تملكه، ولهذا قال ابن القاسم فيمن تزوج امرأة بقصاص وجب له عليها: إن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده كسائر الأنكحة الفاسدة لصداقها، لكن اتفق المذهب على أنه يجوز النكاح إذا قالت المرأة: أتزوجك على أن تهب عبدك لفلان أو تتصدق به عليه. وحكى في البيان فيما إذا تزوجها على أن يعتق أباها عنها أو عن نفسه ثلاثة أقوال: أجازه مالك فيهما، ومنعه ابن الماجشون، وقال ابن القاسم: إن كان على أن يعتقه عنها جاز النكاح، وإن كان على أن يعتقه لم يجز.
ورجح قول مالك بالاتفاق على الفرع الأول، وقول مالك في الثاني قد ينقض قول المصنف: (أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلًا) لأنه إذا وهب عبده لفلان أو عتق عبده عن نفسه لم يحصل لها مال، وقد يقال: لا نسلم خلو النكاح هنا عن المال؛ لأنها لما دخلت على عتق العبد عنه أو هبته للغير فكأنها ملكته ثم أعتقته عن الزوج أو وهبته للغير، وفيه نظر.
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ فِي مَا تَقَدَّمَ
أي: يشترط أن يكون طاهرًا منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، معلومًا.
وقوله: (فِيمَا تَقَدَّمَ) أي: في الذي يقوم بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وشبه المصنف بـ (الْمَبِيعِ) وإن لم يقدم ذكره؛ لأنه قد يفعل مثل ذلك كما قال في الشركة: (الْعَاقِدَان كَالْوكِيلِ والمَوكُل).
ولأجل أنه كالبيع قال ابن القاسم في المدونة في من تزوج امرأة أو اشترى سلعة بدراهم بعضها غائبة: لا خير في ذلك، إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح والبيع.
[ ٤ / ١٥٥ ]
فَيَجُوزُ عَلَى عَبْدٍ تَخْتَارُهُ لا يَخْتَارُهُ هُوَ كَالْبَيْعِ
لأنها إذا كانت هي المختارة فقد دخل على أنها تأخذ الأحسن فلا غرر، بخلاف ما إذا كان الزوج هو المختار.
وقوله: (كَالْبَيْعِ) تشبيه لإفادة الحكم، لكن المصنف لم يذكر هذه المسألة في البيع.
وهذا كقوله: (ويُسِرُّ كَالْمَامُومِ والمنْفَرِد)، وما ذكره المصنف من المنع إذا كان الخيار للزوج والبائع هو المشهور. وقال سحنون: يجوز ذلك فيهما.
وقوله في النكاح أظهر؛ لأنه مبني على المكارمة بدليل أنهم أجازوا فيه الغرر اليسير كما سيأتي.
وَلا يَجُوزُ بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ، ولا مَجْهُولٍ، ولا غَرَرٍ؛ كَآبِقٍ، وشَارِدٍ، وجَنِينٍ، وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا، وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا ..
هذا كالبيان لما خرج من قوله: (حكم المبيع).
وقوله: (بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ) أي: سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية. واختلف إذا استهلكت الذمية الخمر، فقال ابن القاسم: لها صداق المثل ولا تتبع بشيء؛ وقال أشهب: تعطى ما يستحل به الفرج وهو ربع دينار.
اللخمي: وهو أحسن لأن حقها في الصداق سقط بقبضها الخمر، وإنما بقي الحق لله تعالى.
وقوله: (وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا) يريد: على التبقية، وأما على القطع فهو جائز كالبيع.
محمد: وإن غفل عنها حتى بدا صلاحها لم يفسخ؛ لأنه كان جائزًا أولًا، ولا يتممان على ذلك ويكون لهما قيمة ذلك يوم عقد النكاح، وترد الثمرة التي طابت للزوج.
[ ٤ / ١٥٦ ]
وقوله: (وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) نحوه في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه من الترادف، وكان شيخنا ﵀ يفرق بينهما، فيقول: قوله (عَلَى دَارِ فُلانٍ)؛ أي: يشتري رقبتها ليجعلها صداقًا لها.
وقوله: (أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) للمرأة من مالها ويجعل مهرها سمسرته فيها، وبذبلك فسر أبو الحسن الصغير المدونة، وإنما لم يجز ذلك للغرر أن لا يصلح هل يحصل ذلك أم لا؟ وهذا هو المشهور، وروى أبو عبيد عن مالك أن النكاح على عبد فلان جائز.
إِلا أَنْ يَخِفَّ مِثْلَ: شَوْرَةِ الْبَيْتِ، أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَيَكُونُ الْوَسَطُ مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا، ومِنْهَا ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا حَالًا ..
أي: إلا أن يخف القدر فيجوز ذلك في النكاح كالصور التي ذكرها وإن كانت لا تجوز في البيوع؛ لأن النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة، فلذلك جاز في النكاح ما لم يجز في البيع، وعلى هذا فيقال: كل ما صح أن يكون ثمنًا أو مثمونًا في البيع صح أن يكون صداقًا.
وقد يجوز الصداق بما لا يجوز في البيع، وهو جوازه على الوصف كشورة البيت أو عدد من الإبل أو الغنم أو صداق المثل، ويكون الوسط من جميع ذلك، وإليه أشار بقوله: (مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا) فإن كانت حضرية فلها الوسط من شورة مثلها في الحاضرة، وإن كانت بدوية فالوسط من أهل البادية.
عياض: والشورة والشوار بفتح الشين: [٣٢١/ أ] المتاع وما يحتاج إليه البيت، والشورة بالضم الجمال.
وقوله: (ومِنْهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ)؛ أي: ويكون لها الوسط من الإبل والغنم، قال في التهذيب: وعليه الوسط من الأسنان. وفي المدونة: الأهلية وعليه الوسط من ذلك، فقيل: معناه وسط ما يتناكح به الناس، ولا ينظر إلى كسب البلد،
[ ٤ / ١٥٧ ]
وقيل: وسط من الأسنان من كسب البلد. واختلف هل يشترط في جواز النكاح بالرقيق ذكر الجنس وهو قول سحنون، أو لا يشترط وهو قول محمد؟ قال: ولها الوسط من الأغلب في البلد من الحمر أو السودان، فإن استووا نظر وسط السودان ووسط الحمران فأعطيت نصف ذلك.
ابن يونس: يريد من كل جنس نصفه. ابن القاسم: وتكون القيمة يوم عقد النكاح.
فرع: قال في العتبية: وتعطى الإناث دون الذكور، وذلك شأن الناس. يريد: إذا لم يسم ذكرانًا ولا إناثًا.
وقوله: (ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) أي: يكون عليه الوسط من صداق مثلها إذا تزوجها على صداق المثل.
فائدة: قد علمت أن النكاح يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيع، والرهن أوسع من النكاح، فإنه يجوز رهن الآبق ونحوه إلى الجنين فلا يجوز عنه على المشهور، والهبة والخلع أوسع من الرهن لجواز الجنين وغيره فيهما، والله أعلم.
وقوله: (حَالًا) راجع إلى الجميع؛ لأن الأصل في الصداق الحلول.
فرعان:
الأول: لو تزوج على عبد غير موصوف مثلًا فطلقها قبل البناء، فقال ابن المواز: على الزوج نصف قيمة عبد يوم زوجت. وقيل: يحضر الزوج عبدًا وسطًا ويكون شركًا بينهما.
الثاني: قال صاحب تهذيب الطالب وابن يونس وغيرهما: ذكر عن أبي عمران فيمن تزوج امرأة ببيت على أن يبنيه للمرأة: فإن كانت بقعة بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائز، وإن كان البيت الذي يبنيه مضمونًا عليه، فقد أفتى أبو محمد وغيره بعدم الجواز، قال: كما لو أسلم في بيت.
[ ٤ / ١٥٨ ]
ابن يونس: لأن ذلك يرجع إلى السلم في الشيء المعين؛ لأنه يصف البناء والموضع فيؤدي ذلك إلى تعيينها وهو ظاهر الواضحة، وفي الموازية ما يدل على خلافه، قيل: والجواز ظاهر المدونة، خلاف ما أفتى به ابن أبي زيد من قوله: (وإن كان على بيت) وعطف عليه (شَوْرَةِ الْبَيْتِ)
فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَمِثْلُهُ
أي: استحق الصداق في هذه الأمثلة الثلاثة، فيجب على الزوج مثله؛ لنه مضمون في الذمة.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا يَجُوزُ إِلا عَلَى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ.
أي: كالبيع، فلا يجوز عنده الأمثلة الثلاثة وشبهها.
أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِبًا فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ
يعني: أن ما قدمه من الجواز في العبد غير الموصوف على المشهور إنما هو إذا كان في الذمة وأما إن كان معينًا غائبًا فلابد من وصفه لقوة الغرر حينئذ.
وَأَمَّا الْبَعِيدُ جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنَ الأَنْدَلُسِ مُمْتَنِعُ بِخِلافِ الْمَدِينَةِ مِنْ مِصْرَ
لما كان قوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِبًا فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ) يوهم الجواز في الغائب مطلقًا، بين أن ذلك إنما هو في القريب، وأما البعيد جدًا فلا يجوز، وما ذكره هو قول ابن القاسم في الموازية ففيها قال ابن القاسم: وأما إن تباعدت الغيبة كخراسان من الأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز.
محمد: وسواء في ذلك العبد أو الدار، وعن ابن القاسم أنه قال: يجوز في مسيرة الشهر، والضمان من الزوج حتى تقبضه المرأة.
[ ٤ / ١٥٩ ]
ابن حبيب: والشهر قريب، ومثل إفريقية من المدينة بعيد، ويفسخ كان معه غيره أو لم يكن. وقال أصبغ: ما بين إفريقية والمدينة قريب، وحكى ابن مزين أن ما بين إفريقية ومصر قريب.
وَفِي دُخُولِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ثَالِثُهَا: يَجُوزُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَالْبَيْعِ
يعني: وإن أجزنا النكاح لقرب الغيبة، فهل يجوز الدخول قبل القبض؟ ثلاثة أقوال وهي مخصوصة بما إ ذا كانت الغيبة متوسطة، أما القريبة جدًا فيجوز فيها اشتراط الدخول.
ابن بشير: والمشهور عدم صحة اشتراط الدخول في المتوسطة. وقيل: تصح لأن النكاح مبني على المكارمة، والقول بجواز الدخول مطلقًا قبل القبض لابن حبيب، واستحب أن يقدم ربع دينار، والقول بالمنع مطلقًا حكاه في تهذيب الطالب عن ابن القاسم، فقال: قال ابن القاسم: وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في الغيبة البعيدة وإن قدم لها ربع دينار وإن سماه مع البعد؛ لأن النقد في هذا البعد لا يجوز، والدخول انتفاء.
عبد الحق: وفيه نظر؛ وذلك أن النقد في بعيد الغيبة بغير شرط جائز فهلا كان الدخول مثله، ففهم أن ابن القاسم قال بالمنع مطلقًا. وفهمها ابن يونس كالقول الثالث من كلام المصنف، وأنه إنما منع إذا كان على شرط الدخول.
ابن عبد السلام: ومنهم من حد الغيبة في هذا باليومين والثلاثة، ومنهم من يقول بالجمعة.
وَإِذَا عَقَدَ بِخَمْرٍ وشِبْهِهِ فَمَشْهُورُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ
أي: فيه ثلاثة أقوال، والثلاثة لمالك، والمشهور مذهب المدونة.
خليل: وهل الفسخ قبل الدخول إيجاب وهو قول المغاربة، أو استحباب وهو قول العراقيين؟ وفي المسالة رابع وسيحكيه المصنف بعد هذا، إن كان مع الفاسد ما يتمول مما قيمته ربع دينار فأكثر، فرضيت المرأة به أو رضي الزوج بإعطائها قيمة الآبق مثلًا على أنه غير آبق وتراضيا بما يجوز صح قبل البناء، وإن بنى بها فلها صداق المثل وهو قول أصبغ.
[ ٤ / ١٦٠ ]
تنبيه: لم يقف ابن عبد السلام على أن القول بعدم الفسخ مطلق لمالك، وقد نقله عنه صاحب الأشراف، ووجهه أنه إذا لم يجز النكاح بذلك صار كنكاح التفويض، ونقله ابن الجلاب أيضًا وغيره.
فرع: ولو دعي الزوج في هذا النكاح إلى البناء والنفقة فأنفق بناء على أنه صحيح، ثم عثر على الفساد ففسخ، فقيل: يرجع عليها، كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق عليه حياته فإنه يفسخ البيع ويرجع عليه بما أنفق. وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها؛ لأن الفسخ قبل البناء واجب؛ إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار.
وَتَرُدُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ مُتَمَوَّلٍ
أي: إذا فسخ فترد ما قبضته من متمول كالآبق والشارد. واحترز بمتمول من الخمر والخنزير وشبههما.
وَتَضْمَنُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ لا قَبْلَهُ كَالسِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلذَلِكَ لَوْ فَاتَ فِي بَدَنٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ نَحْوِهِ كَانَ لَهَا، وتَغْرَمُ الْقِيمَةَ. وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ مُتَمَوَّلُ بِرُبُعِ دِينَارِ فَرَضِيَتْ بِهِ أَوْ رَضِيَ هُوَ بِإِعْطَاءِ قِيمَةِ الآبِقِ وَنَحْوِهِ، أَوْ قَدِمَ فَرَضِيَ بِإِعْطَائِهِ لَمْ يُفْسَخْ ..
أي: وتضمن المتمول بالقبض في النكاح الفاسد كما تضمنه في البيع الفاسد بالقبض، وما ذكره من ضمان الزوجة بالقبض هو قول ابن القاسم وهو المشهور. وحكى ابن حبيب عن أصحاب ابن القاسم أنهم خالفوه هنا وقالوا: لا ضمان عليها؛ لأنها لو قبضت عبدًا في نكاح صحيح فطلقها قبل البناء وقد مات فلا يرجع عليها بشيء. ونحوه لابن المواز، فإنه قال: إذا أصدقها المريض جارية ودفعها إليها فماتت الجارية بيدها لا تتبع بشيء. وفرق بعض القرويين بين أن يكون النكاح فاسدًا لعقده فيكون كالصحيح، وبين أن يفسد لصداقه فتضمنه بالقبض.
[ ٤ / ١٦١ ]
وقوله: (فَلذَلِكَ إلخ) أي: ولأجل أنه ملحق بالبيع الفاسد لزم إذا فات بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة سوق أو غيرها أن يبقى ذلك الذي قبضته من آبق أو شارد ملكًا لها، وتعطي قيمته يوم قبضته كما في البيع الفاسد.
وقوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ إلخ) تقدم.
وَلَوْ عَقَدَ بِمَغْصُوبِ فَكَذَلِكَ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُفْسَخُ ولَوْ تَعَمَّدَهُ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَعِيبًا فَرَدَّتْهُ ..
ظاهره أن الإشارة بذلك إلى الخلاف المتقدم، وتصوره ظاهر، ولم أر نقلًا يساعده، وها أنا أذكر ما رأيته في العتبية: قال سحنون: إن كانت الزوجة لم تعلم أن العبد مغصوب أو حر فالنكاح ثابت، وإن علمت ذلك فسخ قبل البناء لا بعده.
أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يتزوج بالحر أو بالعبد لغيره: لا يفسخ على كل حال دخل أو لم يدخل، تعمد ذلك أو لم يتعمده.
أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية العبد ولم يعلم الزوج مثله. قال: ولو علما جميعًا أنه حر وعليه نكحها فسخ قبل الدخول وثبت بعده. انتهى.
قال في البيان: وقال سحنون: إن كانت عالمة بغصبه أو بحريته فسخ النكاح. يريد: والزوج عالم أيضًا، وأما لو علم أحدهما بذلك دون صاحبه لم يفسخ النكاح على مذهبه، فليس قوله بخلاف لابن القاسم ونقل ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون وابن كنانة: إن علم أحدهما بحرية العبد يفسد النكاح ويوجب فسخه قبل الدخول وصداق المثل بعده. انتهى.
وعلى هذا اتفق ابن القاسم وسحنون على أن الزوجين إذا علما أنه يفسخ قبل البناء، واتفقا أيضًا على أن علم أحد الزوجين دون الآخر لا يفسخ به النكاح على ما فسر به
[ ٤ / ١٦٢ ]
أصبغ قول ابن القاسم، وما فسر به صاحب البيان قول سحنون، وخالفهما في ذلك ابن الماجشون وابن كنانة ورأيا أن علم أحدهما موجب للفسخ كعلمهما، وما ذكرناه عن ابن القاسم في العتبية هو الذي ذكره المصنف عنه. وقال ابن بشير: إن علمت الزوجة بالغصب فقالوا: النكاح فاسد، وهو يجري على القولين فيمن اشترى من غاصب وهو يعلم بالغصب، وإن لم يعلم بالغصب ففيه قولان مخرجان أيضًا، والمنصوص في النكاح الجواز وهو المشهور في البيع، فجعل المعتبر على الزوجة فقط، وفيه نظر لما ذكرناه.
وَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا. وقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثلِ
يعني: إذا استحق الصداق المغصوب. وأما غير المغصوب فسيأتي الكلام عليه، وإنما قلنا: إن النكاح لا يفسخ؛ لأنها ترجع عليه بالقيمة في المقوم وبالمثل في المثلي، وهذا هو المشهور. قاله صاحب البيان وغيره. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: في العبد إذا استحق ترجع بمثله. ونحوه في كتاب ابن شعبان، وإليه أشار بقوله: (وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا)؛ أي: في المقوم والمثلي. وقيل: ترجع بصداق [٣٢٢/ أ] المثل مطلقًا. وهو قول مالك في العتبية، قال في البيان: وهو الصحيح؛ لأن العبد عوض البضع، فإذا استحق العبد وجب أن ترجع بقيمة بضعها لفواته بالعقد، وكان العقد في النكاح فوتًا وإن لم يدخل فيه لما يوجب من الحرمة. وقد قيل: إنه ليس بفوت، ويفسخ النكاح إذا كان الصداق عرضًا بعينه واستحق قبل الدخول، وهو قول يحيى في العشرة. انتهى.
وعلى هذا ففي المسألة أربعة أقوال، وحكى في البيان في موضع آخر خامسًا لسحنون والمغيرة بالفرق، فإن استحق العبد بالحرية فصداق المثل وفرق فقيمته، وذكر ابن حارث عن سحنون: إن غرها بالعبد وكان حرًا في أصله أنه يفسخ النكاح قبل الدخول، قال: ومن أصحابنا من يفسخه بعد الدخول. وقال اللخمي: لو قيل: يرجع بالأقل من قيمته وصداق المثل، لكان وجهًا، إلا أن يعلم أنها تزوجت بعين لم ترض إلا بما يكون قيمته العبد.
[ ٤ / ١٦٣ ]
وَإِذَا وَجَدَتْهُ مَعِيبًا أَوْ مُسْتَحَقًا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْمِثْلِى
أي: مستحقًا في غير الغصب. وهذا الكلام مما يبين لك أن المراد بالاستحقاق في المسألة السابقة الاستحقاق في الغصب، لكن حكايته في الأولى الخلاف دون هذه يوهم اختصاص الأولى بالخلاف، وليس كذلك، بل الخلاف فيهما واحد. وكذلك أيضًا الخلاف حاصل في المعيب، صرح به ابن بشير وغيره.
فَإِنْ فَاتَ الْمَعِيبُ فَكَالْبَيْعِ كَالزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ
يعني: إن فات المعيب في يد الزوجة رجعت بقيمة العيب كما إذا اطلع المشتري على عيب بعد الفوات، وكما لو اطلع الزوج في الخلع على عيب بعد الفوات فإنه يرجع عليها بقيمة العيب. وهذا من المواضع التي شبه المصنف فيها لإفادة الحكم، ولم يتقدم له حكم البيع والخلع. قال في المدونة: وإن حدث به عندها عيب مفسد فلها رده، وما نقصه أو حبسه وأخذ الأرش القديم، وكذلك الزوج في الخلع.
فرع: وإن تزوجها بقلل من خل فوجدتها خمرًا، ففي المدونة: هي كمن تزوجت على مهر فأصابت به عيبًا فلها رده، وترجع بمثله، يريد: إما بمثلها بعد تطهيرها إن طهرت، أو بمعرفة ما تحمل من ماء إن لم تطهر، ثم يكال ذلك الماء، ويرفع من الخل قدره، ثم تكسر القلال لأنها لمسلم. ونقل أبو عمران عن سحنون أنه نحا في هذا إلى ما ذكره ابن المواز أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علما بعد ذلك كيلها، ثم استحقا ما في يد البائع، أنه يرجع بقيمة صبرته لا بمثلها ولو عرف كيلها.
أبو عمران: والأول أصوب. ونقل اللخمي عن سحنون في هذا وفيما إذا تزوجت بعبد فوجدته حرًا أن النكاح يفسخ.
[ ٤ / ١٦٤ ]
اللخمي: ولو تزوجت بالقلل على أن فيها خمرًا فوجدته خلًا ثبت النكاح إن أحبا؛ كالمتزوجة وهي ترى أنها في عدة ثم تبين أنها في غير عدة، وقد اختلف فيها، وإن كرهه أحدهما فسخ النكاح في مسألة القلل؛ لأنه إن رضي الزوج دونها فمن حجة الزوجة أن تقول: إنما لم أشتر خلا، وإنما رضيت الزوجة دونه، فمن حجة الزوج أن يقول: أنا لم أبعك خلا. وهي في هذه الوجوه تفارق المعتدة؛ لأن المعتدة هي العين المشتراة، وإنما كان يظن أنه كان يتعلق بالمنع حق لله وقد تبث خلافه.
وَأَمَّا مَا اسْتَحَقَّ بَعْضُهُ مِنَ الْعُرُوضِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرَتْ بَيْنَ الرَّدِّ وقِيمَةِ الْجَمِيعِ وبَيْنَ قِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ وإِلا فَقِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ، والْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الرَّقِيقِ كَالْكَثِيرِ ومَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَةِ ثِيَابٍ أوْ رَقِيقٍ بِعَيْنِهَا فَكَالْبَيْعِ ..
حاصله: أن لاستحقاق البعض صورتين:
الأولى: أن يستحق جزء شائع. انتهى كلامه عليها عند عند قوله: (كَالْكَثِيرِ).
والثانية: أن يستحق جزء معين.
ثم الصورة الأولى إما أن يكون الصداق عرضًا أو رقيقًا، ومراده بالعرض العقار وسائر العروض، وإن كان عرضًا وكان أكثر من الثلث خيرت بين رد الباقي وأخذ جميع القيمة، وبين التمسك وأخذ قيمة المستحق، وإن كان الثلث فأقل فليس لها إلا قيمة المستحق. ولم يفصل في القليل بين أن يكون فيه ضرر أم لا، وقد نص في المدونة على الرد فيما فيه ضرر.
عياض وغيره: ولو كان العشر. كما لو استحق العشر من دار ذات مساكين والذي اشتراها لا يمكن أن يسكن معه أحد لكثرة حشمه، فله أن يردها، وإنما يتم ما ذكره المصنف في مثل الفنادق. وهكذا فسر سحنون المسألة.
[ ٤ / ١٦٥ ]
نكاح الشغار
قوله: (والْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الرَّقِيقِ كَالْكَثِيرِ)؛ أي: فيوجب الخيار. ابن يونس: لضرر الشركة في العبد من منع السفر به ومن الوطء في الأمة.
خليل: وينبغي أن يشارك الرقيق في هذه المسالة سائر الحيوان، وهو الذي يؤخذ من كلامه.
وقوله: (ومَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَةِ ثِيَابٍ .. إلخ)، هذه هي الصورة الثانية، وما ذكره من أن حكم هذه الصورة كالبيع نحوه في المدونة، وهو مقيد بما إذا استحق منها شيء معين قليل، وأما إن كان كثيرًا مما يضر به في صفقته ويوجب له ترك جميع الصفقة فيفترق النكاح من البيع، ففي البيع لا يجوز له التملك بما بقي؛ لأن حصته مجهولة، وفي النكاح يجوز له؛ لأنه في البعض. وفي الجميع إنما يرجع بقيمة ما استحق، هكذا قال ابن يونس وغيره، وهو [٣٢٢/ ب] ظاهر؛ لأن الصداق لو استحق جميعه لم يفسخ النكاح، فأحرى في استحقاق البعض.
فرع:
وهل للزوجة إذا استحق الصداق من يدها منع الزوج من وطئها؟ أما إن استحق قبل البناء، فلا شك أن لها ذلك، وإن كان بعده، فقال مالك في العتبية: يحال بينهما. قال في البيان: وهو أظهر الأقوال. وقال ابن القاسم في الموازية: لا يحال بينهما. وقال أصبغ: يمنع حتى يعطيها ربع دينار. وقيل بالفرق بين أن يغرها فيمنع أم لا فلا يمنع. هكذا قال جماعة، ورأى صاحب البيان الخلاف إنما هو إذا لم يغرها، وأما إذا غرها فلها منعه اتفاقًا.
وَنِكَاحُ الشِّغَارِ: يُفْسَخُ أَبَدًا عَلَى الأَصَحِّ وإِنْ وَلَدَتْ أَوْلادًا، وهُوَ مِثْلُ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، ولا مَهْرَ بَيْنَنَا ..
أصله في اللغة الرفع، من قولهم: شغر الكلب رجله إذا رفعها للبول. ثم استعملوه فيما يشبهه، فقالوا: أشغر الرجل المرأة، إذا فعل بها ذلك للجماع. ثم استعملوه في النكاح
[ ٤ / ١٦٦ ]
بغير مهر إذا كان وطئًا بوطء وفعلًا بفعل، فكان الرجل يقول للآخر: شاغرني؛ أي: أنكحني وليتك وأنكحك وليتي، بغير مهر.
قال في المقدمات: وقيل: إنما سمي نكاح الشغار لخلوه عن الصداق. وثبت عنه ﵊ النهي عنه، وجاء في الحديث مفسرًا بما ذكر المصنف، وهل التفسير من كلامه ﵊ أو من كلام الراوي وهو نافع؛ لأنه رواه عن ابن عمر؟ قولان. ثم إن أصحابنا قسموه إلى قسمين: صريح الشغار، وهو ما ذكرنا، ووجه الشغار وهو أن يكون مع ذلك تسمية مهر.
وما صححه من الفسخ أبدًا ولو ولدت الأولاد هو المشهور، ومقابل الأصح رواه علي بن زياد أنه يفسخ قبل البناء لا بعده. وخرج السيوري وابن شبلون من قوله في المدونة: (فيه الميراث ويفسخ بطلاق) قولًا ثالثًا وهو إمضاؤه بالعقد. وخرجه أيضًا غيرهما على أحد قوليه فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد وإن نزلوه كحكم حاكم. واختلف الشيوخ في علة فسخه بعد البناء، فقال أبو عمران: النهي عنه. والنهي يدل على الفساد، وقيل: لفساده في عقده لكون كل بضع صداقًا للأخرى، فهو للزوج غير تام الملك لمشاركة المرأة الأخرى له فيه، فكان كمن زوج وليته رجلين أو تزوج نصف امرأة، أو عند بيع في سلعة بين رجلين على أن لكل واحد منهما جميع السلعة. ونحا القاضي إسماعيل والباجي إلى أن علته عروه عن الصداق وشرطهما ذلك. وقال القابسي: إنما اختلف قول مالك في فسخه لاختلاف الناس في معنى الشغار؛ لأن المتفق عليه من لفظ الحديث قوله: "نهى عن الشغار" وبأن الحديث من تفسير نافع.
ابن عبد السلام: وكونه من تفسير نافع هو الصحيح.
الباجي: والظاهر أنه من جملة الحديث حتى يدل دليل على خلافه. ولا يظهر لقول القابسي كبير معنى، وكذلك لا يظهر للذي قبله؛ لأنه لو كان لعروه عن الصداق وشرطهما ذلك لصح بعد البناء.
[ ٤ / ١٦٧ ]
فَإِنْ سَمَّى شَيْئًا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فُسِخَ مَا سُمِّيَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وفُسِخَ الآخَرُ أَبَدًا
يعني: فإن سميا لكل واحدة من المرأتين، فإن قال: زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة، وهو المراد بقوله: (سَمَّى فِيهِمَا) أي في المرأتين، ويحتمل في النكاحين، وهذا هو وجه الشغار.
وقوله: (أَوْ فِي أَحَدِهِمَا) أي: أو سميا في أحدهما، فسخ ما سميا فيه قبل البناء، وفسخ الآخر الذي لم يسم فيه في صورة ما إذا سمي لإحداهما دون الأخرى أبدًا؛ لأنه من صريح الشغار.
وقال ابن أبي حازم: كما يفسخ نكاح المسمى لها قبل البناء. وظاهر ما حكاه المتيطي عنه عند جواز الإقدام عليه؛ لأنه قال: وقال ابن أبي حازم في المدونة: لا بأس به.
قال في البيان: ولم يختلف قول مالك في المسمى لها؛ لأنه لا يفسخ بعد البناء. وأجرى غيره قولًا بالفسخ بعد البناء من الصداق الفاسد، وهو ظاهر. قال جماعة: ولا شك أنه صداق فاسد فيجري عليه. فانظر هذا.
وَصَدَاقُ المِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِمَا مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا سُمِّيَ لَهَا، كَمَنْ نَكَحَ بِمائَةِ دِينَارٍ وخَمْرٍ ..
قد علمت أن صور هذه المسألة ثلاث: الأولى: أن لا يسمي فيهما. والثانية: أن يسمي فيهما. والثالثة: أن يسمي في إحداهما دون الأخرى.
ولا خلاف في الصورة الأولى أنه إن حصل الدخول يكون لكل واحدة صداق مثلها بالغًا ما بلغ.
وأما الصورة الثانية: أعني: إذا سمى لكل واحدة منهما- فقال ابن عبد السلام: المشهور أن لكل واحدة الأكثر من صداق المثل أو المسمى، وقيل: صداق المثل
[ ٤ / ١٦٨ ]
مطلقًا. ولابن لبابة: إن دخل بهما فلكل واحدة الأكثر، وإن دخل بواحدة فصداق المثل مطلقًا. انتهى.
وتؤول على المدونة القولان الأولان، ومقتضى كلام ابن عبد السلام أن المشهور فيما إذا سمى لهما أن يكون لكل واحدة الأكثر، وإن لم يدخل إلا بواحدة لجعله الثالث تفصيلًا، وكلامه في التنبيهات يدل على أن ظاهر المذهب فيما إذا لم يدخل إلا بواحدة أن يكون للمدخول بها صداق المثل مطلقًا؛ لأنه نقل عن ابن القاسم أنه فسر المسألة كذلك في رواية يحيى بن يحيى، قال: وقال عيسى بن دينار في المبسوط خلافه [٣٢٣/ أ] وأن لها الأكثر كما لو لم يدخل بها.
وأما الصورة الثالثة: أعني: إذا سمى لإحداهما فقط- فإن دخل بالتي لم يسم لها فلها صداق المثل، وإن دخل بالتي سمى لها فتأول ابن أبي زيد على المدونة أن لها الأكثر، وتأولها ابن لبابة على أن لها صداق المثل مطلقًا، نقله ابن عبد السلام، وقال: والضمير في قوله: (فِيهِمَا) يحتمل عوده على نكاح المرأتين المسمى لهما، وهي الصورة الثانية وهو ظاهر التشبيه في قوله: (كَمَنْ نَكَحَ بِمائَةِ دِينَارٍ وخَمْرٍ) أي: فكما إذا تزوجها بمائة وخمر يكون لها الأكثر من صداق المثل والمائة كذلك يكون هنا، وشبهها أيضًا في المدونة بما إذا تزوجها بمائة نقدًا، وبمائة إلى موت أو فراق، ويحتمل أن يعود على الصورتين الأخيرتين؛ أعني: إذا سمى لهما أو لإحداهما، ويكون قوله: (مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا سُمِّيَ لَهُمَا) أي حيث سمى، ويكون كلام المصنف على هذا دالًا على الحكم في التي سمى لها والتي لم يسم لها بالمطابقة، وعلى الاحتمال الأول يكون دالًا على التي لم يسم لها بالالتزام، والله أعلم.
فرعان:
الأول: الشغار في الأختين والأمتين كالبنتين، وقد صرح بذلك في أصل المدونة، ولعل المصنف اقتصر على البنتين تبعًا للحديث، وبذكر الأختين يعلم أن الشغار لا
[ ٤ / ١٦٩ ]
يختص بالوليتين المحجورتين، قال في تهذيب الطالب: وذهب بعضهم إلى أن الشغار إنما يكون في من تجبر على النكاح، وهو غلط.
الثاني: قال أبو عمران في رجلين عقد كل منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلس واحد: هو جائز إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر. ومثله لابن لبابه قال: وإن قال: زوجني وأزوجك، وعقدا على ذلك وسميا صداقًا جاز. قال: والذي يشبه الشغار: زوجني على أن أزوجك، أو إن زوجتني زوجتك.
وَفِي كَوْنِهِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَعْلِيمِهِ قرآنًا مَنَعَهُ مَالِكُ وكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَهُ أَصْبَغُ، وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَنَافِعِ شَيْءُ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، ووَجَبَ صَدَاقُ مِثْلِهَا بَعْدَهُ، وإِنْ كَانَ خَدَمَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا
تبع في نسبة هذه الأقوال ابن شاس، ونسب اللخمي لمالك الكراهة، والمنع لابن قاسم، ونسب في البيان لأصبغ الكراهة، والظاهر أن لكل واحد قولين، ويؤخذ من كلام المصنف القولان لابن القاسم؛ لأنه حكى عنه الكراهة، ثم حكى عنه الفسخ إذا لم يكن مع المنافع شيء، والفسخ إنما يتصور مع المنع، واستدل اللخمي للجواز بقضية موسى مع شعيب ﵉ التي ذكرها الله تعالى في كتابه: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) الآية [القصص: ٢٧] وقد استدل بها مالك ﵀ في العتبية على جبر الأبابنته البكر على النكاح من غير استئمار.
اللخمي بعد نسبته المنع لابن القاسم، وقال- يعني ابن القاسم-: ما ذكره الله ﷿ في نكاح موسى ﵇، فإن الإسلام على غيره. انتهى. وهذا مبني على مسألة أصولية؛ وهي: أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ واستدل أيضًا للجواز بما رواه مالك وغيره أنه ﵊ زوج امرأة لرجل بأن يعلمها ما معه من القرآن.
[ ٤ / ١٧٠ ]
قوله: (وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ) هذا تفريع على ما نسبه لمالك من المنع، وأما على الكراهة والجواز فلا يختلف في الإمضاء، وإنما مضى على المشهور لما فيه منا لخلاف وما شهره المصنف، قال في الجواهر: هو قول أكثر الأصحاب، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وروى عنه يحيى: إذا لم يكن مع المنافع صداق فسخ قبل البناء وثبت بعده، ويكون لها صداق مثلها وتسقط الخدمة، فإن كان خدم رجع عليها بقيمة الخدمة، وعلى هذا فقوله: (وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) هو مقابل للمشهور، وكذلك قال.
وقول ابن عبد السلام: أن الإمضاء دليل على أن المشهور في حكم ابتداء الكراهة ليس بظاهر؛ لجواز أن يكون الحكم ابتداء المنع، وكم من مسألة الحكم فيها ابتداء المنع وإذا وقعت صحت، وهذا هو الظاهر من كلام المصنف؛ لأنه إنما نسب المنع لمالك فكيف يكون المشهور خلاف قوله؟ ولم يذكر المصنف تمام قول ابن القاسم، وهو: (إذا كان مع المنافع شيء)، إلا أن يقال: استغنى عن ذلك بالمفهوم، وهو أنه إذا كان معه ربع دينار جاز النكاح، لكن قال في البيان: تفرقة ابن القاسم فيه بين أن يكون معها شيء أم لا، على وجهين: أحدهما: إن كان معه نقد جاز ولم يفسخ، وإن لم يكن معه نقد فسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان فيه صداق المثل.
والثاني: إن لم يكن معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده وكان فيه صداق المثل، وإن كان معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده بالمسمى من النقد.
وَعَنْهُ فِي احْجَاجِهَا كَذَلِكَ، وأَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ لأَنَّ فِيهِ نَفَقَةً وكِرَاءً فَهُوَ كَصَدَاقِ مِثْلِهَا ..
الضمير في (وَعَنْهُ) عائد على ابن القاسم، قال في الجواهر: وروى عنه يحيى أيضًا في نكاحها على إحجاجها أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويجب صداق المثل إلا أن يكون مع الحجة غيرها فيجوز.
[ ٤ / ١٧١ ]
ابن حبيب: وليس يعجبني ولا رأيت أصبغ ولا غيره من أصحاب [٣٢٣/ ب] مالك يعجبهم، ورأيتهم مرارًا يرونه جائزًا؛ لأن ذلك يرجع إلى حجة مثلها في النفقة والكراء والمصلحة، مثل نكاح المرأة على شورة مثلها وعلى صداق مثلها فيجوز ويكون لها الوسط. انتهى.
والظاهر أن نفقة الحج لا تنضبط غالبًا لاختلاف الأزمان والأحوال فكان ذلك غررًا، وحكى اللخمي في إحجاجها الثلاثة السابقة في المنافع.
ابن القاسم في الرواية السابقة: وإذا بنى بها وكان مع الحجة مسام كان لها المسمى وقيمة ما ينفق على مثلها من الكراء والنفقة والكسوة وما يتكلف لمثلها في حجها، قال: وقد قال مالك في التي يكون صداقها شيئًا معلومًا والحج فتموت قبل أن يحج بها بعد البناء: أنه يعطي ورثتها ما كان ينفق على مثلها في حجها، قال: وأنا لا أرى إلا أن يحمل لهم مثلها إلا أن يتراضى الزوج والورثة على أمر يجوز بينهم إن كان الكراء لازمًا للزوجين، وقاعدة المذهب أن الكراء لا ينفسخ بموت أحد المستأجرين فليس على الزوج إلا الحملان، ولما ذكرناه من الفروع، ولو قالت المرأة ابتداء: أنا لا أحج فأعطني ما كنت تنفقه علي، لم يكن لها ذلك، وكذلك لو أراد أن يعطيها نفقة مثلها ويبرأ من حملها لم يكن له ذلك. وقول ابن القاسم مبني على المنع دون النكاح بالإجارة، لأن حكمه بالفسخ إذا لم يكن مع الحج شيء إنما يحسن على ذلك ولا يحسن على الكراهة، وزعم ابن عبد السلام أن الإنكار إنما يحسن على القول بالكراهة، وأما على المنع فلا، وفيه نظر لما ذكرنا.
فرعان:
الأول: اختلف في بنائها قبل أن يحجها، فمنعه ابن القاسم إلا أن يقدم ربع دينار، وقال أشهب: له أن يبني بها ويجبرها على البناء، لأنه قال: ذلك بمنزلة من تزوج بمائة دينار إلى سنة فله أن يبني بها، يريد: ويجبرها على البناء، وإذا أتى أوان الحج حج بها إلا أن يأتي أوان الحج قبل البناء فلا يكون له البناء حتى يحجها.
[ ٤ / ١٧٢ ]
الثاني: قال في البيان: لا خلاف في منع النكاح بالجعل؛ لأن الجعل لا يلزم المجهول له، وله أن يتركه متى شاء، فالنكاح به نكاح فيه خيار.
وَكَرِهَ مَالِكُ الْمُؤَجَّلَ وقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزُ كُلُّهُ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءُ مِنْهُ مُؤَخَّرًا فَلا أُحِبُّ طُولَهُ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: خَمْسِينَ وسِتِّينَ ..
ظاهر كلام مالك كراهة الأجل مطلقًا، وقد صرح في المدونة بكراهة الأجل في بعض الصداق ولو إلى سنة، ووجهه ما ذكره من مخالفة أنكحة الماضين، وأيضًا فلئلا يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق، ويظهرون أن هنالك صداقًا ثم تسقطه المرأة، وأخذه الباجي من حديث: "زوجتكها بما معك من القرآن" بعد أن سأله: "هل تجد شيئًا"، وبالغ معه في ذلك حتى قال له: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فقال: هذا يقتضي أن حكم الصداق التعجيل، وإلا كان زوجها له بشيء مؤخر، وعن أشهب جواز الأجل فيه إلى اثني عشر عامًا وكذلك زوج ابنته، وعن ابن القاسم إجازة الأربعة، وابن وهب الخمسة، وأصبغ العشرين، ابن عبد السلام: وقيل بجواز العام وكراهة ما فوقه. ابن عبد السلام: ولا خلاف أنه لا يفسخ في العشرين.
خليل: وفيه نظر فقد حكى ابن حارث وغيره عن ابن وهب أنه قال: يفسخ النكاح إذا جاوز العشرة، وقاله ابن القاسم ثم رجع إلى ما نقله المصنف عنه.
اللخمي: ولو زاد على الستين فسخ على كل حال.
ابن عبد السلام: وحكي عن ابن القاسم أيضًا: لا يفسخ إلا إلى السبعين والثمانين.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ أَوْ بَعْضُهُ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ وشِبْهِهِ فَفَاسِدُ، وقَالَ أَصْبَغُ: إِلا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمُعَجَّلِ، أَوْ يُعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ
قوله: (أَوْ بَعْضُهُ) يعني: لا فرق بين جميع الصداق أو بعضه، والفساد هو مذهب المدونة والمشهور، ووجهه بين للضرر.
قال شيخنا: ويقوم منها منع من يشتري سلعة إلى الميسرة، كقول بعض الفقراء: إلى أن يفتحا لله في الثمن، وهذا إذا صرح بذلك ابتداء، وأما إن اشتراها ولم يذكر ذلك ابتداء فهو جائز، وهو محمول على الحلول، وقول أصبغ بين التصور.
فَإِنْ بَنَى فَقَالَ مَالِكُ: لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا مُعَجَّلُ كُلُّهُ وإِنْ زَادَ عَلَيْهِمَا ولا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ. وَعَنْهُ: قِيمَةُ الْمُؤَجَّلِ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَمَا لا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ لا يُزَادُ عَلَيْهِمَا ..
مثاله: لو تزوجها بمائة معجلة وبمائة إلى موت أو فراق، فإن اطلع على ذلك قبل البناء فسخ ولم يكن لها شيء، وإن بنى فقال مالك: إنما لها صداق مثلها؛ لأنه صداق فاسد، وإنما جعله معجلًا؛ لأن الأصل في الصداق التعجيل، والضمير في عليها عائد على المعمجل والمؤجل، فلو كان صداق مثلها في المثال المفروض ثلاثمائة أخذتها، فلو كان مائة وخمسين أخذتها، فإن نقص عن المائة لم تنقص منها؛ لأن من حجة الزوجة أن تقول له: أنت رضيت بها مع مائة أخرى، فلأن ترضى بها مفردة من باب الأولى.
(وَعَنْهُ) أي: وعن مالك أنه يلزمه قيمة المائة المؤجلة إلى الأجل المجهول، فتكون تلك القيمة مع المعجل صداقها، وهذا القول إنما ذكره في المدونة في جميع الصداق المؤجل بأجل مجهول، لكن لا فرق، وحكى اللخمي قولًا آخر أنه ينظر إلى قيمتها من المائة المعمجلة، فإن كانت ثلثها أخذت المائة المعجلة وثلث صداق المثل.
[ ٤ / ١٧٤ ]
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَمَا لا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ لا يُزَادُ عَلَيْهِمَا) أي عن المعجل والمؤجل، ووجهه ظاهر؛ لأنه إذا زاد عليهما فمن حجة الزوج أن يقول: أنت رضيت بمائة معجلة ومائة إلى موت أو فراق، فلا ترضي بهما معجلتين من باب الأولى. وحكى في البيان قولًا آخر: أن لها صداق المثل وإن كان أقل من مائة أو أكثر من مائتين، قال: وهو ظاهر قول أصبغ وأبي زيد.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا تَاجِيلُ مَعْلُومُ قَدْرَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِهِ ثُمَّ يَاتِي الْقَوْلانِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْجَمِيعِ ..
كما لو تزوجها بثلاثمائة معجلة ومائة إلى سنة ومائة إلى موت أو فراق.
وقوله: (قَدْرَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِهِ) أي بالمؤجل إلى الأجل المعلوم، وكذا فسر المسألة أبو سعيد ابن أخي هشام، فلا ينقص صداق مثلها عن المائة المعجلة والمائة المؤجلة إلى سنة إن نقص عنهما، ويختلف إذا زاد على الثلاثمائة، فعلى قول مالك يكون لها الزائد، وبه قال مطرف وابن الماجشون، وعلى قول ابن القاسم يسقط وبه قال محمد، وهو معنى قوله: (ثُمَّ يَاتِي الْقَوْلانِ) أي: قولي مالك وابن القاسم في الزيادة على الجميع على الثلاثمائة، أما إن زاد صداقها على المائة المعجلة والمائة المؤجلة إلى سنة فلها الزائد حالًا مع المائة الحالة وتبقى المائة إلى أجلها.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: يَجُوزُ إِلَى الدُّخُولِ لأَنَّهُ مَعْلُومُ عِنْدَهُمْ
هذا جواب سؤال مقدر، فإنه لما قدم أن الأجل المجهول لا يجوز، وكان ظاهر قول مالك هذا يخالفه أجاب عنه أن مالكًا إنما أجازه؛ لأنه رآه إلى أجل معين لأن الدخول معلوم عندهم، وقد نص مالك على هذا الجواب في رواية يحيى وهو الظاهر هنا، لا ما أجاب به ابن المواز من أن ذلك يرجع إلى الحال؛ لأن الدخول بيد المرأة متى شاءت لأن
[ ٤ / ١٧٥ ]
ذلك جواب عن مالك بما نص مالك على خلافه، من أن كلًا من الزوجين إذا دعا الآخر إلى الدخول بإثر العقد وأبى الآخر أنه يحكم لمن طلب التأخير ويؤخر القدر الذي يقوله أهل العرف بما لا مضرة فيه على واحد منهما، نعم وقع في الرواية في الحالف بطلاق زوجته: ليدخلن ليلة كذا بها، والليلة تأتي قبل الأجل الذي قدره أهل العرف، أنه يقضي له ولا يحنث ارتكابًا لأخف الضررين. وفي سماع عيسى أن الدخول مجهول، فلا يكون أجلًا للكافي. وقاله أبو زيد وأصبغ، ويفسخ النكاح عندهما قبل البناء وهو خلاف قول مالك.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَى أَنْ تَطْلُبَهُ أَوْ إِلَى مَيْسَرَتِهِ إِذَا كَانَ مَلِيًا لأَنَّهُ رَأَىهُ حَالًا، وخُولِفَ
هو أيضًا جواب عن سؤال مقدم وتصوره ظاهر، والذي خالفه ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب ورأوا أنه لا فرق بين المؤجل المؤخر إلى موت أو فراق، وبين المؤخر إلى أن تطلبه الزوجة أو إلى اليسار، ويعكر على الجواب الذي ذكره المصنف عن ابن القاسم ما نص عليه ابن القاسم في العتبية من أنه يؤخر بقدر ما يرى من التوسعة عليه.
وقوله: (إِلَى مَيْسَرَتِهِ) يريد: وهو موسر وهو معنى قوله: (إِذَا كَانَ مَلِيًا) وكذلك صرح به ابن القاسم في العتبية، قال: وإن كان يومئذ معدما فسخ ما لم يبن فيثبت بصداق المثل. ابن عبد السلام: ولا خلاف في ذلك.
وَمَتَى أُطْلِقَ فَمُعَجَّلُ
لأن الأصل التعجيل.
فرع: واختلف إذا لم يؤرخ أجل الكلام فقال المتيطي: المشهور من مذهب مالك وأصحابه وعليه العمل والحكم أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وقال ابن وهب: لا يفسخ قبل البناء، ويعجل المؤخر إلى موت أو فراق وهو قول الليث. وقال أصبغ: يخير الزوج فإن عجله أو رضيت الزوجة بإسقاطه صح النكاح وإلا فسخ، ويجوز
[ ٤ / ١٧٦ ]
في الأجل أن يقدر بما يؤجله الناس، سئل ابن زرب عمن نكح بنقد معلوم وكالأ إلى ما يكفي الناس، فقال: لا يجوز؛ لأن الناس يختلفون في التأجيل، وذكر ابن الهندي عن بعض معاصريه أنه لا يفسخ قبل البناء ويجعل أجله على ما مضى عليه الناس في الكالئ، فإن اختلف الأجل ضرب له أجل وسط.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ تَرُدَّ لَهُ أَلْفًا فَبَعْضُ الْعَبْدِ مَبِيعُ، وبَعْضُهُ صَدَاقُ مَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا تَحَقَّقَ بَقَاءُ رُبُعِ دِينَارٍ، وأَجَازَهُ أَشْهَب مُطْلَقًا كَالسِّلْعَتَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فَضَلَ فَضْلُ ..
المنع مذهب المدونة كما ذكر وهو المشهور، وعليه فيفسخ قبل البناء وإن دخل كان لها صداق المثل.
ابن القاسم في العتبية: وترد السلعة إلا أن تفوت بحوالة سوق فأغلى مما يفوت به البيع الفاسد فيلزمها قيمتها يوم قبضها.
وقوله: (وَأَجَازَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا تَحَقَّقَ بَقَاءُ رُبُعِ دِينَارِها) كذا حكى عنه اللخمي وعياض، وحكى عنه أيضًا في النكاح الثالث من البيان قولًا آخر: أنه لا يكتفي بفضل ربع دينار بل الفضل الكثير، وهذا هو الذي حكاه المصنف في كلامه آخرا بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فَضَلَ فَضْلُ)، وبه تعلم أن ما وقع في بعض النسخ (فصل) بالصاد المهملة من التفصيل ليس بجيد.
قوله: (وأَجَازَهُ أَشْهَب مُطْلَقًا كَالسِّلْعَتَيْنِ)، كما لو أعطاها سلعة في صداقها وباعها أخرى، ووجه قوله أنه لم يأت في منع البيع والنكاح قرآن ولا حديث فالأصل الجواز، وقال ابن عبد السلام: قول أشهب بأن يكون ما أعطاه الزوج يساوي [٣٢٤/ ب] نصف دينار فأكثر، أما إذا كان يساوي ربع دينار وزيادة يسيرة فلا يمكن أشهب أن يقول بالجواز، لكن المثال الذي ذكره المصنف لا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأنه
[ ٤ / ١٧٧ ]
فرض المسألة أن العبد يساوي ألفين، ولهذا كان قول ابن الماجشون وما بعده خارجًا عن فرض المسألة.
وجرت عادة الشيوخ هنا بتكثير الأمثلة، فيقولون: إن كان العبد يساوي ألأفًا جاز عند أشهب فقط، وإن كان يساوي ألفًا وربع دينار جاز على قول أشهب ومطرف، لكن المصنف ﵀ قد يأتي بأقوال أعم من فرض المسألة للاختصار.
قيل: وإنما يقضي على قول أشهب على النكاح وما أعطته المرأة إذا كان المدفوع مقاربًا لهما جميعًا، وأما إن كان أكثر منهما جميعًا بكثير، فيحمل على أن الزوج زادها ذلك رغبة في نكاحها، وكذلك إن كان أقل نمهما بكثير، حمل على أن المرأة نقصته لرغبتها في نكاحه.
قال في البيان: وهو معنى حسن لو ساعده ظاهر اللفظ.
واختلف في تعليق المشهور، فقال أصبغ: حماية من النكاح بغير صداق؛ لأن بعض النساء ترضى أن تتزوج الرجل على أن تعطيه.
وقيل: لأنه عقد جمع بين متضادين؛ لأنا لبيع مبني على المكايسة وتجوز فيه الهبة بخلاف النكاح فلذلك فسد.
وقيل: للجهل بما ينوب النكاح وهو تعليل ابن الكاتب، ولهذا قال: لو قوم المدفوع قبل العقد، فأحسبهم لا يختلفون في جوازه؛ لأنه يصير للبضع شيء معلوم، كما لو تزوج امرأتين في عقد واحد وسمى لكل واحدة صداقها.
فرع: إذا أعطت المرأة الرجل شيئًا ليتزوجها به، فإن كانت ثيبا وزاندها ربع دينار جاز النكاح؛ لأنها مالكة نفسها، وإن زادها أقل أو لم يزدها شيئًا كان بمنزلة من تزوج بأقل من ربع دينار أو بلا شيء وقد تقدم حكمه، وأما البكر فلا تجوز عطيتها؛ لأنها مولى عليها. واختلف قول ابن القاسم في الذي يلزم الزوج سواء زادها أم لا، فمرة قال: النكاح ثابت لا خيار له فيه دخل أو لم يدخل، ويؤخذ منه قدر ما كان أصدقها وإليها
[ ٤ / ١٧٨ ]
رجع ومرة قال: إن كان قبل الدخول كان مخيرًا في إعطائها ذلك أو فسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول كان لها صداق مثلها.
وَكَذَلِكَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الأَبُ دَارًا
أي: في كونه ممنوعًا لاجتماع النكاح والبيع، ويفسخ أيضًا، قال في الجواهر: وهو من باب جمع الرجلين سلعتيهما، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. وما ذكره المصنف هو نص كلام ابن القاسم في العتبية، ولا يريد أن الأب يأخذ عوض الدار بل قرروا أن الأب وهب تلكا لدار لابنته ثم باع الدار وزوج الابنة في عقد واحد، ووجه الشبه بين هذه المسألة والتي قبلها ظاهر؛ لأن الزوج كما خرج منه في الأولى عبد في مقابلة البضع وألف، كذلك خرج منه ههنا ألف في مقابلة بضع ودار، أما لو تزوجها على غير صداق مسمى بأن تزوجها تفويضًا على أن أعطاه الأب دارًا لصح النكاح وفرق بينهما.
ابن محرز: بأن الدار ههنا هبة خالية عن العوض، وفي المسألة الأولى كانت مقابلة لبعض الصداق.
وَإِذَا جَعَلَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ فَسَدَ مُطْلَقًا لأَنَّ إِثْبَاتَهُ يَرْفَعُهُ بِخِلافِ الْخَمْرِ
يعني: إذا زوج الرجل عبده امرأة وجعل صداقها رقبته فسد مطلقًا؛ أي: قبل الدخول وبعده؛ لأن إثبات النكاح يوجب كون الصداق الذي هو العبد ملكًا للزوجة، وثبوت ملكها له يرفع النكاح؛ لما تقدم أن النكاح والملك لا يجتمعان، وهذا معنى قوله: (لأَنَّ إِثْبَاتَهُ يَرْفَعُهُ).
وقوله: (بِخِلافِ الْخَمْرِ) أي فإن النكاح يثبت بعد البناء.
[ ٤ / ١٧٩ ]
وَفِيهَا: وإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّ مَا وَلَدَتْ حُرُّ لَمْ يُقَرَّ، ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وقِيلَ: الأَصَحُّ صَدَاقُ الْمِثْلِ.
أي: يفسخ قبل البناء وبعده، ونقل في البيان الاتفاق على ذلك، قال: ولا يبعد دخول الخلاف فإنه يفسخ قبل البناء فقط؛ لأنه فسد لشرط فيه. انتهى. ولعله إنما لم يقر؛ لأنه بيع الأجنة بزيادة في الصداق، كذل كيشكل مذهب المدونة في إيجاب المسمى.
المتيطي: لأن مقصود الزود لم يحصل ولم يرض بدفع ذلك القدر إلا على استدامة النكاح، فإذا لم يوف له بذلك وفسخ النكاح وجب أن ينقص الزوج بقدر ما فاته.
وقوله: (وقِيلَ: الأَصَحُّ صَدَاقُ الْمِثْلِ)، هذا القول حكاه ابن يونس، وقال: إنه الأقرب، وكذلك قال ابن بشير: إنه الأقيس.
خليل: وفيه نظر؛ لأن صداق المثل قد يكون أكثر من المسمى، فالذي يظهر هنا أن يكون لها الأقل من المسمى وصداق المثل، وهل هذا الإشكال هو الذي أوجب عدم جزم المصنف بأن الأصح صداق المثل ولم يتعرض المصنف الولد، ونص في المدونة وغيرها على أنه حر بالشرط وولاؤه لسيده ولا قيمة على الزوج فيه.
فرع: فإن استحقت أخذها المستحق وولدها ورد عتقه؛ [٣٢٥/ أ] لأن العتق فيه إنما كان من السيد لا من الأب، قاله ابن القاسم في العتبية، وليس للأب أن يعطي السيد القيمة إلا برضاه، ولا للسيد أن يلزم الأب ذلك بخلاف الأمة الغارة، والفرق أنه هنا شرط حرية الولد غير مالك الرقبة، ومتزوج الغارة أنها تزوج حرة في ظنه وأن ولده منها حر من أصله، فوجب أن يكون حرًا وبذلك قضى عمر.
فرعان:
الأول: لو زوج أمته على أن أول ولد تلده حر، ففي سماع عيسى ويحيى أنه يفسخ مطلقًا كالأول، وقال ابن الماجشون: إذا لم يعثر على ذلك حتى ولدت فلا يفسخ؛ لأن
[ ٤ / ١٨٠ ]
الشرط قد ذهب، قال في البيان: وقوله: يأتي على رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في نكاح المريض والمريضة أنهما إذا صح قبل الفسخ ثبت النكاح لذهاب علة الفسخ.
الثاني: إذا زوج عبده من أمة غيره على أن ما تلده يكون بينهما، فروى ابن المواز أنه يفسخ مطلقًا، قال: والولد لسيد الأمة، وحكى أبو الفرج أن الولد بينهما ولها مهر المثل بالمسيس، فإن كان أكثر من المسمى فقال بعض القرويين: لا يزاد على المسمى على رواية محمد؛ لأن الزوج زاد في مهرها على شرط لم يحصل له، وعلى ما قاله أبو الفرج يكون له الزائد لحصول غرضه.
وَإِذَا شَرَطَ مَا يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مِثْلَ: أَنْ لا يَقْسِمَ لَهَا، أَوْ يُؤْثِرَ عَلَيْهَا فَكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ، وما لا يُنَاقِضُهُ يُلْغَى، فَإِنْ كَانَ لَهَا فِيهِ غَرَضُ مِثْلَ: أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، ولا يَتَسَرَّى، أَوْ لا يُخْرِجُهَا مِنْ بَلَدٍ أَوْ بَيْتٍ فَمَكْرُوهُ. قَالَ مَالِكُ: لَقَدْ أَشَرْتُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْهَي النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِلازِمٍ.
حاصله: أن الشروط في النكاح على ثلاثة أقسام:
الأول ما يناقض مقتضاه مثل ألا يقسم لها أو يؤثر عليها أو لا نفقة أو لا ميراث لها فالكصداق الفاسد؛ أي يفسخ قبل البناء ويثبت بعده على المشهور، وهكذا قال في الجواهر.
ابن عبد السلام: ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك وأشار إليه، ونقل ابن القاسم فيما إذا تزوج على ألا نفقة أو لا ميراث أنه يفسخ بعد البناء، وحكى اللخمي فيها وفي نكاح النهارية، أو على أن يؤثرها على غيرها، أو ألا ي عطيها الولد، أو على أن أمرها بيدها، بعد أن ذكر أن هذه الشروط لا يصح الوفاء بها ثلاثة أقوال، فقيل: يفسخ قبل البناء فقط، وقيل: يفسخ قبله وبعده.
ابن زياد: إن تزوجت على ألا ميراث لها، أو لا يعطيها الولد، أو على أن أمرها بيدها، فعلم بذلك قبل الدخول أو بعده، قيل للمرأة أمرك بيدك الآن، فإن اختارت فراقه
[ ٤ / ١٨١ ]
كان ذلك لها، وإن لم تختر فلا شيء لها ويقيمان على نكاحهما، وإن مسها بعد أن جعل الأمر إليها فلا خيار لها.
اللخمي: وهذا هو أحد الأقوال في الشروط الفاسدة في البيع أن مشترطها بالخيار بين أن يسقطها فيمضي البيع أو يتمسك بها فيفسخ، وهذا هو المنقول، وسلك ابن بشير طريقة أخرى فقال: الشرط إن عاد بخلل في العقد فسخ قبل البناء، وفي فسخه بعد البناء قولان، وإن عاد بخلل في الصداق فثالثها: يفسخ قبله لا بعده، وهي حسنة من جهة الفقه إلا أن الأنقال لا تساعده.
القسم الثاني: ما لا يناقضه بل يكون العقد يقتضيه وإن لم يذكر، كشرطه أن ينفق عليها أو يبيت عندها ولا يؤثر عليها ونحو ذلك، فوجد ذلك وعدمه سيان، ولا يوقع في العقد خللًا ويحكم به ترك أو ذرك، وإلى هذا أشار بقوله: وما لا يناقضه يلغى.
القسم الثالث: ما لا تعلق له بالعقد فلا يقتضيه ولا ينفيه، وللمرأة فيه غرض كشرط ألا يتزوج عليها، فذكر المصنف أنه مكروه ملغى، وقسمه اللخمي وغيره على ثلاثة أقسام: جائز، ومكروه، ومختلف فيه.
الأول: أن يشترط ألا يضر بها في نفسها ولا مالها ولا في نفقة ولا كسوة وكل ذلك جائز وداخل في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
والثاني: أن يشترط إسقاط ما له أن يفعله دون أن يعلقه بشيء، مثل ألا يتزوج عليها ولا يتسرى أو لا يخرجها من بلدها أو بيتها، فهذا مكروه لما فيه من التحجير، فإن نزل فالنكاح جائز.
مالك: والشرط باطل، وله أن يخرجها ويتزوج ويتسرى ويستحب له الوفاء بذلك. وقال ابن شهاب: يلزمه ذلك وهو أحسن لما في الصحيحين: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".
[ ٤ / ١٨٢ ]
والثالث: أن يشترط إسقاط ما له أن يفعله بعتق أو تمليك أو طلاق، فاختلف في ذلك، فقال مالك في الموازية: لا يحل الشرط ابتداء فإن وقع الدخول رأيته جائز النكاح ولزم الشرط، وقال ابن القاسم في الموازية: فيمن تزوج امرأة على أنه إن أضر بها أو شرب خمرًا أو غاب عنها فأمرها بيدها فذلك يكره أن يعقد عليه، فإن وقع الدخول رأيته جائزًا.
اللخمي: وأجاز ذلك سحنون ابتداء وزوج [٣٢٥/ ب] غلامه أمته، على أنه إن سرق زيتونة فأمر امرأته بيدها، وأنكر ابن بشير على اللخمي وجود هذا القول، وقال: فعل سحنون لا يدل على أن مذهبه الجواز؛ لأنه قد يستخف مثل هذا للضرورة، وأيضًا فإن فعل أحد لا يدل على الجواز إلا من وجبت له العصمة وفيه نظر؛ لأن العلماء لم تزل تستدل على مذاهب العلماء بأفعالهم لاسيما مثل سحنون الذي هو أشد الناس ورعًا، بل فعل أهل الورع أقوى في الجواز من قولهم؛ لأنه يفتي الغير بالجوار ويتورع هو من فعله. وقوله: (إن فعل أحد) لا يدل على الجواز، إن أراد أنه لا يكون حجة فصحيح، وإن أراد أنه لا يدل على أن مذهبه الجواز فممنوع لما ذكرنا، وقول المصنف في القسم الثالث: (مَكْرُوهُ) سبب الكراهة فيه واضح؛ لأن فيه تفويت غرض المرأة، ولهذا قال ابن شهاب وغيره بلزوم الشرط هنا.
وقوله: (وقَالَ مَالِكُ .. إلخ) هذا مختصر من العتبية ونصها: أشرت على القاضي منذ دهر أن ينهى الناس ألا يتزوجوا على الشروط وألا يزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كتب بذلك كتابًا وصيح به في الأسواق.
ولمالك في العتبية أيضًا: لا ينبغي لأحد أن يشهد كتابًا فيه شروط بحرية أو طلاق أو مشي إلى مكة. ونص ابن شعبان على معاقبة الشاهد في نكاح فيه شروط من ترك نكاح غيرها أو طلاق أخرى.
[ ٤ / ١٨٣ ]
سحنون: ولا ينبغي للموثق أن يكتب أن الداخلة طالق ثلاثًا، ولا ينبغي لأحد أن يكتب شهادته فيه وكان يستحق فالداخلة طالق واحدة.
فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ رَجَعَتْ بِهِ إنْ خَالَفَ، وإِنْ خَفَّفَتْ قَبْلَهُ ولَمْ تُعَيِّنْ لَمْ تَرْجِعْ، وقِيلَ: تَرْجِعْ إِنْ كَانَ نَقَصَ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وإِنْ عَيَّنَتْ فَقَوْلانِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى يَمِينٍ عَلَيْهِ لَمْ تَرْجِعْ فِي الْجَمِيعِ ..
حاصله: أنها إن وضعت شيئًا من صداقها على ألا يتزوج عليها أو لا يتسرى ونحو ذلك، وفرعنا على قول مالك بعدم اللزوم فتزوج، فإن كان الشرط معلقًا بطلاق أو عتق أو تمليك فليس لها رجوع للزوم الطلاق والعتق، وإلى هذا أشار بقوله آخر المسألة: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى يَمِينٍ عَلَيْهِ لَمْ تَرْجِعْ فِي الْجَمِيعِ) أي في جميع الصور سواء كان ذلك بعد العقد أو قبله، وإن لم يكن معلقًا بيمين فثلاث صور:
الأولى: أن تضع له شيئًا معينًا من صداقها بعد العقد، كما إذا كان صداقها ألف فوضعت منه شيئًا، إما عددًا أو جزءًا فإنها ترجع إن خالف، وهذا معنى قوله: (فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ رَجَعَتْ بِهِ) يريد: أو أعطته شيئًا من مالها، وإنما ذكر الصداق؛ لنه قد يتوهم أن أمره خفيف، فنبه ﵀ بالأخف على الأشد، وكلام المصنف في هذه الصورة قريب من كلامه في المدونة، وذلك يدل على أن ذلك عقد جائز، ومنعه في السليمانية وكتب المدنيين؛ لأن له أن يوفي وألا يوفي، فصار ما تعطيه تارة ثمنًا وتارة سلفًا، ووجه الأول أنهما دخلا على الوفاء بالشرط وإن خالف بعد ذلك فأمر طارئ.
الصورة الثانية: أن تخفف قبل العقد ولم تعين، بل قالت له: أتزوجك مثلًا بألف، وعلم أن صداق مثلها ألفان، فالمشهور أنها لا ترجع، وبه أخذ أصبغ وغيره، وحكى في الجواهر ثلاثة أقوال: الأول: ترجع بما تركته، وفي الكتاب: لا ترجع. وقال علي بن زياد:
[ ٤ / ١٨٤ ]
ترجع إن كان ما وضعته من صداق المثل دون أن يكون من الزائد، رواه ابن نافع، وعلى الرجوع بتمام صداق المثل، فلو تنازعا فالقول قولها: أنها تركت لأجل الشرط، وكأن المصنف أسقط القول بالرجوع مطلقًا؛ لأما قاله ابن بشير: أن الأشياخ ردوه إلى الثالث.
الصورة الثالثة: أن تضع بعد التعيين وقبل العقد، مثاله: لو تقرر أن صداقها ألف ثم قالت له: أنا أسقطت عنك مائتين على ألا تتزوج عليَّ، فالمشهور أيضًا أنها لا ترجع، ومقابله رواه أشهب عن مالك: أنها ترجع بما وضعت، وصوبه ابن يونس.
ابن عبد السلام: وحكى غير واحد أنها ترجع بالأقل مما نقصت ومن تمام صداق المثل.
ففي المسألة على هذا ثلاثة أقوال، وظاهر كلام المصنف وكلام غيره فيما إذا وضعت بعد العقد: أنها تخرج عليه سواء خالف عن قريب أو بعد تحقيقًا للوضيعة، وقاله ابن عبد السلام: وأشار ابن عبد السلام إلى أنه ينبغي أن يفرق في ذلك بين القرب والبعد، كما فرقوا إذا أراد طلاقها فوضعت من صداقها أو سألها الحطيطة، فقالت: أخاف أن تطلقني، فقال: لا أفعل، فخففت ثم طلقها، أو أعطت زوجها مالًا على أن يطلق ضرتها فيطلقها ثم يريد مراجعتها، وكما قالوا: إذا سأل البائع المشتري الإقالة، وقال المشتري: إنما مرادك البيع لغيري لأجل إن اشتريتها برخص، فيقول له البائع: متى بعتها فهي لك بالثمن الأول، أنه إن باع عقيب الإقالة أو قريبًا منها فللمبتاع شرطه، فإن باع بعد الطول أو بحدوث سبب اقتضاه فالبيع ماضٍ، والكلام على الشروط متسع، انظر المتيطية، واقتصرنا على ما ذكره المصنف تبعًا له.
أَمَّا لَوْ أَصْدَقَهَا أَلْفًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةُ أُخْرَى فَأَلْفَانِ فَصَدَاقُ فَاسِدُ
لأنه لا ندري حين العقد ما يصح لها فصار [٣٢٦/ أ] صداقها مجهولًا.
[ ٤ / ١٨٥ ]
وَإِذَا قَالَ: زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ فَزَوَّجَهُ بِأَلْفَيْنِ ولَمْ يَعْلَمْ وَاحِدُ بِالتَّعَدِّي قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِأَلْفٍ أَوْ رَضِيَ بِأَلْفَيْنِ لَزِمَ، وإِنْ لَمْ يَرْضَيَا لَمْ يَلْزَمْ ..
هذه المسألة في النكاح الأول من المدونة وأكثر الناس الكلام عليها، وذكر المصنف منها جملة صالحة، ومعنى كلامه: إذا وكل رجلًا على أن يزوجه بألف فزوجه بألفين ولم يعلم واحد من الزوجين بالتعدي قبل العقد، وعلم بذلك قبل الدخول، وقامت على التوكيل بالألف بينة وعلى التزويج بالألفين بينة، أو حصل التصادق في ذلك، أو قامت البينة على أحد الأمرين وحصل التصادق في الآخر، فالحكم كما قاله المصنف: إن رضيت المرأة بألف أو رضي الزوج بألفين لزم النكاح، وإن لم يرض واحد منهما بقول الآخر فسخ النكاحن قال في المدونة: بطلاق.
ابن يونس: وقال المغيرة: بغير طلاق.
ابن القاسم: وسواء في ذلك قال له: زوجني فلانة، أو قال: زوجني، ولم يقل فلانة.
ابن عبد السلام: وعدم التفرقة في المرأة بين أن تكون معينة أم لا هو ظاهر المذهب. وقال أصبغ: إذا لم يعين الزوج ينبغي أن يكون القول قول الأم إذا أشبه ودخل؛ لأنها فرطت، وإذا عين له امرأة ولا يشبه ما قال أن يكون صداقها فالقول قول الرسول، هكذا نقل التونسي عنه واختاره.
قال ابن عبد السلام: وإن كان لفظه هكذا فليس فيه كبير مخالفة للمشهور، قيل: وإن أقر الوكيل هنا بالتعدي- يعني: قبل الدخول- لزمته الألف الثانية، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يفوت بتعديته شيئًا فلا يضمن، والثاني: أنه لو ضمن بالإقرار لضمن مع قيام البينة.
[ ٤ / ١٨٦ ]
وَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ: أَنَا أَغْرَمُ الزَّائِدَ، فَفِي إِلزامِ الزَّوْجِ قَبُولَهُ قَوْلاَنِ
هذا مذهب المدونة وهو المعروف، ولم يلزم الزوج قبول الزائد لوجهين: أحدهما: أن ذلك عطية من الوكيل فلا يلزم قبولها، والثاني: لما عليه في ذلك من ضرر زيادة النفقة، فإن نفقة من صداقها ألفان غير نفقة من صداقها ألف، وذكر ابن بشير قولًا آخر باللزوم، ووقع في بعض النسخ التنبيه عليه.
وَلِكُلِّ فَسْخُهُ، وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ حَيْثُ لا يُعَدُّ نُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ، وإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةُ بِذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَ ..
يعني: ولكل من الزوجين فسخه إذا لم يرض بقول الآخر كما تقدم.
قوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) اعلم أن هذه المسألة لها أربع صور: الأولى: أن تقوم للرجل على التوكيل بالألف بينة وللمرأة على التزويج بالألفين بينة. والثانية: ألا يقوم على كل منهما بينة. والثالثة: أن تقوم للرجل بينة على التوكيل بالألف وليس على التزويج بألفين بينة، وإنما الوكيل يصدقها. والرابعة: عكس الثالثة، والحكم في الجميع ما قدمه المصنف أن لكل منهما الرضا بقول الآخر وإلا انفسخ.
وقوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) فيما يصير إقراره إن لم تقم بينة خاص بالثلاث الأخيرة.
فإذا لم يكن على الوكيل بالألف بينة كان للزوجة أن تحلف الزوج أنه لم يأمره إلا بالألف، فإن نكل لزمه النكاح بالألفين، وإن حلف قيل للزوجة: إما أن ترضي بالألف وإلا انفسخ النكاح، وكذلك إن قامت له بينة ولم يكن على التزويج بالألفين بينة فله أن يحلفها أنها لم ترض بالألف، فإن نكلت لزمها النكاح بالألف، وإن حلفت قيل للزوج: إما أن ترضى بألفين وإلا فسخ النكاح.
[ ٤ / ١٨٧ ]
وكذلك إن قامت له بينة ولم يكن على التزويج بالألفين بينة فله أن يحلفها أنها لم ترض بالألف وإن نكلت لزمها النكاح بالألف، وإن حلفت قيل للزوج: إما أن ترضى بألفين وإلا انفسخ النكاح. وعلى هذا فقوله: (فَإِنْ نَكَلَ لَزِم) أي: وإن نكل من توجهت عليه اليمين من الزوجين (لَزِمَ) أي: النكاح بما ادعاه عليه الآخر، وهذا ظاهر إذا قامت لأحدهما بينة دون الآخر، وإن لم تقم لواحد منهما بينة، فنص ابن يونس وغيره على أن الحكم فيها كاختلاف الزوجين في الصداق قبل البناء، فتحلف الزوجة أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: ارض بذلك أو احلف أنك ما أمرته بألفين، ويفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بألف، وكلام المصنف لا ينافيه؛ لأن قوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) لا دلالة فيه أن لمن شاء منهما أن يحلف صاحبه أولًا.
وَلا تُرَدُّ لأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ إِلا أَنْ يَدَّعِىَ تَحْقِيقًا فَتُرَدَّ
يعني: إذا توجهت اليمين على أحد الزوجين ونكل لزم لكل منهما ما ادعاه الآخر بنكوله، وليس له أن يرد اليمين على صاحبه؛ لأنها يمين تهمة وأيمان التهم لا ترد، فإن ادعى أحدهما على صاحبه التحقيق بأن تقول: أنا أتحقق بأنك أمرت الوكيل أن يزوج بألفين، أو يقول الزوج: أنا أتحقق أنك رضيت بألف، فحينئذ لا يلزم الحكم بمجرد النكول وترد اليمين.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَزِمَ بِأَلْفٍ، وقِيلَ: بِصَدَاقِ الْمِثْلِ
ما صدر به هو مذهب المدونة، زاد فيها: ولا يلزم المأمور شيء؛ لأنها صدقته وهو المشهور، وقيده ابن المواز بما إذا حلف الزوج، قال: وأما إذا نكل حلفت الزوجة وأخذت الألفين.
ابن محرز: وهذا إذا لم تكن لها بينة على عقد النكاح بألفين، فإن كان لها بينة لم تحلف وغرم الزوج الألفين، والقول بإلزام الزوج صداق المثل لعبد الملك، [٣٢٦/ ب] وينبغي أن
[ ٤ / ١٨٨ ]
يقيد بما إذا كان صداق المثل ألفًا فأكثر، وأما إذا كان أنقص فلا ينقص؛ لأن الزوج رضي به، وكذلك إذا زاد على الألفين فلا يزاد عليهما؛ لأنها رضيت بهما.
تنبيه:
ما ذكره في المدونة من أنه لا يلزم الوكيل شيء، إنما هو إذا لم يقر بالتعدي أو لم تقم عليه بينة، وأما إذا أقر بالتعدي أو قامت عليه بينة فقد بين المصنف حكمه بقوله:
وَفِي إِلْزَامِ الْوَكِيلِ الزَّائِدَ بِالإِقْرَارِ وبِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْبَيِّنَةِ قَوْلاَنِ
المشهور الغرم، قال في المدونة: وإن أقر المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية والنكاح ثابت، والقول بعدم اللزوم لمالك في مختصر ما ليس في المختصر وهو مبني على أن الغرر بالفعل لا يوجب غرامة، وقيام البينة على الوكيل بالتعدي كالإقرار، واعلم أن المصنف سلك هنا طريقة غير ما سلكها اللخمي وابن بشير وابن شاس؛ لنهم حكوا: إذا دخل وأقر الوكيل بالتعدي أو قامت عليه البينة ثلاثة أقوال: المشهور، وما في المختصر، وإلزام الزوج صداق المثل والوكيل الباقي، وكأن المصنف عدل عن ذلك؛ لأنه رأى أن ما ذكره أعم فائدة؛ لأن قوله: (إِلْزَامِ الْوَكِيلِ الزَّائِدَ) يشمل الألف الثانية وما زاد من صداق المثل على الألف، على القول بإلزامه ذلك بخلاف ما قاله اللخمي؛ لأنه لا يتناول ما زاد على صداق المثل، فكانت طريقة المؤلف أولى، وهذا وإن كان حسنًا لكن هذه الفائدة وأمثالها ليس مدركها الاستدلال وإنما تؤخذ من النقل، فإن وجد عدم إلزام الوكيل الزائد، على القول بأن الزوج يغرم صداق المثل؛ كانت طريقة المؤلف أولى وإلا فلا.
فَفِي تَحْلِيفِهَا لَهُ قَوْلانِ
الفاء للسببية؛ أي: لما اختلف في غرم الوكيل، نشأ عن ذلك خلاف في تحليف المرأة له، فعلى القول بأن لها أن تغرمه لها أن تحلفه إن اتهمته أو حققت عليه العداء، وعلى القول
[ ٤ / ١٨٩ ]
بعدم التغريم فلا تحلفه؛ لأن غاية النكول أن يعد كالإقرار، وهو لو أقر به لم يلزمه شيء، والقولان اللذان ذكرهما المصنف في تحليفها الوكيل حاصلان فيما إذا قامت البينة على عقد النكاح بألفين، وحصل الدخول ولم يقم على التوكيل بينة، وكذلك هما حاصلان إذا لم تقم على عقد النكاح بينة، وحلف الزوج وأدى ألفًا، وأما إن نكل فقال أصبغ: للزوج إن نكل وغرم الألف الثانية أن يحلف الرسول فإن نكل أغرمه ما غرم.
محمد: وهو غلط ولا يمين على الرسول؛ لأنه لو نكل لم يحكم عليه إلا بعد يمين الزوج، والزوج قد نكل عن اليمين حين لم يحلف للمرأة.
فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعَدِّي قَبْلَهُ فَالزَّوْجُ أَلْفَانِ والزَّوْجَةُ ألْفُ
يعني: أن ما تقدم إنما هو إذا لم يحصل علم من أحد الزوجين، فإن علم أحدهما بتعدي الوكيل قبل الدخول، فإن كان الزوج فقط فعليه ألفان؛ لأن دخوله رضا بالألفين، وإن علمت الزوجة فتمكينها من نفسها رضا منها بالألف؛ لأن الألف الأخرى محض عداء.
فَإِنْ عَلِمَا وعَلِمَ كُلُّ بِعِلْمِ الآخَرِ فَأَلْفَانِ
أي: فإن علم كل واحد من الزوجين بالعداء، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه بأن الوكيل تعدى بالواجب، للزوجة ألفان؛ لأن الزوج لما علم بتعدي الوكيل ودخل على ذلك، والمرأة علمت بأن الزوج دخل على ذلك وجب أن يكون لها ألفان، وينبغي ألا تكون لها الألف الثانية بكمالها، بل تقسم بينهما كما في المسألة التي بعد هذا؛ وهي قوله:
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا بِعِلْمِ الآخَرِ فَالرِّوَايَةُ: أَلْفَانِ، وَقِيلَ: الْعَدْلُ أَنْ يَكُونَ الزَّائِدُ بَيْنَهُمَا ..
قوله: (فَالرِّوَايَةُ) نظرًا إلى ما دخل عليها الزوج.
[ ٤ / ١٩٠ ]
قوله: (وَقِيلَ) هو قول اللخمي وتبعه غير واحد من المتأخرين؛ لأن الزوج وإن دخل على ألفين فالزوجة أيضًا قد دخلت على أن لها ألفًا فتقسم الألف الزائدة بينهما.
وَبِالْعَكْسِ أَلْفَانِ
يعني: إذا علم الزوج بتعدي الوكيل، وعلمت المرأة بتعديه وبأن الزوج علم بالتعدي ولم يعلم هو بعلمها، فعلى الزوج ألفان؛ لأنها تقول له: أنت دخلت على ذلك.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْجَمِيعِ لُزُومُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ
هذا من المصنف ﵀ بيان للعلة في جميع المسائل المتقدمة، والله أعلم.
وَإِذَا أَذِنَتْ بِالتَّزْويجِ خَاصَّةً فَزُوِّجَتْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَقْدُ بِخِلافِ الأَبِ يُزَوِّجُ الْمُجْبَرَةَ ..
يعني: إذا أذنت اليتيمة المالكة لأمرها لوليها في التزويج خاصة ولم تسم له قدر المهر؛ فإن زوجها بمهر المثل لزمها، وإن زوجها بأقل لم يلزمها النكاح باتفاق نقله في البيان، كتوكيلها على بيع سلعة في الوجهين، وانظر لو رضي الزوج بتمام صداق المثل بعد أن أبت، والأقرب لزوج النكاح إن كان بالقرب.
وقوله: (بِخِلافِ الْمُجْبَرَةَ) أي: فإن للأب أن يزوج ابنته بأقل من صداق مثلها، وقد تقدم ذلك.
وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى صَدَاقِ السِّرِّ وأَعْلَنَا غَيْرَهُ فَالصَّدَاقُ مَا فِي السِّرِّ
يعني: إذا أظهر الزوجان صداقًا وأخفيا دونه أو مخالفًا له في الجنس أو الصفة فالعمل على ما في السر، وهذا ظاهر إن اتفق الزوجان على ذلك، وأما إن ادعت الزوجة الرجوع عنه إلى ما في العلانية، فإن كان شهود [٣٢٧/ أ] السر شهدوا أن العلانية لا أصل لها وأن المعمول على ما أسرَّا فلا يمين على الزوج، وإن كان إنما شهدوا بأن النكاح وقع بخمسين
[ ٤ / ١٩١ ]
نكاح التفويض
مثلًا ثم أعلنوا مائة ولم يشهدوا بإبطال ما في العلانية، فإن الزوج يحلف، قاله اللخمي وعياض وابن شاس وأقام بعض المتأخرين من هنا إعمال شهادة الاسترعاء.
فرع: إذا تزوجها بثلاثين دينارًا عشرة منها نقدًا وعشرة إلى سنة وسكت عن العشرة الثانية، فالروايات: أن العشرة المسكوت عنها ساقطة، ولو كان ذلك في البيع لكانت العشرة الأخرى حالة، والفرق أن النكاح قد يظهر فيه غرر ويكون في السر دونه، فيكون سكوتهم عن تلك العشرة دليلًا على إسقاطها، ولا كذلك البيع.
وَنِكَاحُ التَّفْوِيضِ: جَائِزُ؛ وهُوَ إِخْلاءُ الْعَقْدِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ.
لقوله تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: ٢٣٦] فأباح الطلاق في النكاح الذي لم يفرض فيه يدل على صحته، وأيضًا فإنه قد رفع الجناح مع عدم الفرض وذلك يقتضي رفع الإثم عن العقد.
الباجي: ولا خلاف في جوازه وصحته، قال: وصفته أن يصرحوا بالتفويض أو يسكتوا عن ذكر المهر قاله أشهب وابن حبيب. وهذا معنى قوله: (وهُوَ إِخْلاءُ الْعَقْدِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْر).
فَإِنْ صَرَّحَ بِإِسْقَاطِهِ فَسَدَ كَالْخَمْرِ
أي: فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل على المشهور، وأفاد تشبيهه بالخمر أن في هذه المسألة الثلاثة الأقوال المتقدمة وهو صحيح، فقد حكى في المدونة في فسخه بعد البناء قولين، واستحسن ابن القاسم فيها عدم الفسخ، وحكى ابن شعبان أن هذه الصورة كنكاح التفويض، وعليه فلا يفسخ قبل البناء ولا بعده ويكون لها صداق المثل، وقال ابن حبيب: يخير الزوج قبل البناء بعد أن يفرض ربع دينار أو يفارقها ولا شيء عليه، وقال: لا يجبر على فرض ربع دينار؛ لأنه دخل على ألا شيء عليه، وفي تشبيهه بالخمر أيضًا فائدة أخرى، وذلك أنه لو اقتصر على قوله: (فَسَدَ) لتوهم أن فساده لعقده.
[ ٤ / ١٩٢ ]
وَلَفْظُ: وَهَبْتُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ مِثْلُهُ
أي: ولفظ الهبة من غير ذكر الصداق كالتصريح بالإسقاط، ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس الموهوبة إذا لم يسموا معها صداقًا كالتفويض، وكأنه قال في الهبة: قد زوجتكها بلا صداق، فلا يصح ولا يقر هذا النكاح ما لم يدخل بها، فإذا دخل بها فلها صداق مثلها ويثبت النكاح.
سحنون: وقد كان قال: يفسخ وإن دخل بها، ابن المواز: وقاله أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
أصبغ: لأن فساده في البضع. أشهب: ويكون لها إذا فسخ ثلاثة دراهم. وقال ابن وهب: بل صداق المثل. ابن راشد: والأول أقيس؛ لأن الثلاثة من حق الله والزائد قد وهبته للزوج.
وَفِيهَا: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ فَمَسَّهَا يُعَاقَبَانِ وَيَفُرَّقُ بَيْنَهُمَا
اعلم أن الصورة الأولى قصد فيها ولي النكاح وهبة الصداق، وهذه قصد فيها هبة نفس المرأة، ونص في هذه على الفسخ قبل البناء والثبات بعده، واعترضه الباجي وقال: يفسخ قبل البناء وبعده، وهو زنى يجب فيه الحد وينتفي الولد وهو ظاهر. لكن ظاهر قول ابن شهاب: (يُعَاقَبَانِ) أنه لا يبلغ معاقبتهما الحد.
ربيعة: ويفرق بينهما وتعاض، وسواء وهبت نفسها أو وهبها أهلها قاله في المدونة.
ابن عبد السلام: وأشار بعض الشيوخ أن كلام ربيعة إنما يناسب أن يكون في المسألة الأولى لا في مسألة ابن شهاب.
وَالْمُفَوَّضَةُ تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْوَطْء لا بِالْعَقْدِ ولا بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ
أما استحقاقها مهر المثل بالوطء فلا خلاف فيه كما بالعقد، فلو طلقها قبل الفرض فلا تستحق شيئًا؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧] مفهومه: فإن لم تفرضوا لهن شيئًا لم يكن لهن شيء.
[ ٤ / ١٩٣ ]
قوله: (ولا بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: ولا تستحق المهر بالموت على المشهور؛ لأنه إنما يتكمل بالموت ما يتشطر بالطلاق، وحكى عبد الحميد قولًا شاذًا أنه يجب لها بالموت، وهو قول ابن مسعود وجماعة، والمشهور قول علي وابن عمر وزيد بن ثابت وأكثر الصحابة.
مالك في الموازية: وليس العمل على قول ابن مسعود. واختار ابن العربي وغيره الشاذ؛ لما رواه الترمذي وصححه أنه ﵊ قضى به.
وَلا تَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالطَّلاق إِلا أَنْ يُفْرَضَ شَيْءُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيَكُونُ كَمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ..
أما إذا طلق قبل الفرض فلا خلاف أنه لا شيء لها، قاله ابن عبد السلام.
وقوله: (إِلا أَنْ يُفْرَضَ شَيْءُ) يعني: فإنه إن فرض ثم طلق فإنه يتشطر ذلك المفروض، ولا إشكال فيه إن فرض صداق المثل أو دونه ورضيت، وأما إن كان أقل من صداق المثل ولم ترض به فإنه إذا طلق يرد عليه.
محمد: ولا يقبل منها بعد الطلاق أنها رضيت به قبله إلا أن تقدم بينة.
مالك: وإن قدم الزوج شيئًا ثم أدخلوها عليه ثم طلبوا بقية مهرها فلا شيء لهم إلا أن يكون ذلك المقدم لا يشبه أن يكون صداقًا كالدرهمين والثلاثة، ومثل الطعام يبعث فترجع عليه بصداق مثلها.
واستشكل بعض القرويين قوله: (إذا طلبوا البقية فلا شيء لهم)؛ لأن لهم أن يقولوا: أردنا اتباعه ببقية الصداق.
وَلِلْمَرْأَةِ طَلَبُ التَّقْدِيرِ قَبْلَ الدُّخُولِ [٣٢٧/ ب] فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ إِلا أَنْ يبذل صَدَاقُ مِثْلِهَا فَيَلْزَمُهَا ولا يَلْزَمُهُ كَوَاهِبِ سِلْعَةٍ لِلثَّوَابِ فَيَلْزَمُهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَلا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ له الْقِيمَةُ ..
يعني: أن من حق المرأة ألا تمكن من سلعتها حتى تعلم ثمنها، ولابن شاس نحوه لقوله: وللمرأة طلب الفرض لتقدير التشطير أو لتعرف ما تستحق بالمسيس، ولها حبس
[ ٤ / ١٩٤ ]
نفسها للفرض. وقال ابن عبد السلام: إنما جعل لها في المدونة طلب التقدير إذا أراد الزوج البناء، والذي قاله في المدونة هو الصحيح، وعليه يتأول قول المؤلف، وإلا فلا فائدة فيما قاله المؤلف إن حمل على ظاهره.
خليل: ولم أر ما ذكره عن المدونة فيها. وقوله: (لا فائدة فيما قاله المصنف) ليلس بظاهر؛ لأن الفائدة ظاهرة مما تقدم من كلام ابن شاس، والله أعلم.
قوله: (فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ النكاح) أي: بطلاق؛ لأنه صحيح إلا أن يبذل الزوج صداق مثلها فيلزمها ولا مقال لها.
(ولا يَلْزَمُهُ) أي: ولا يلزم الرجل ابتداءً أن يفرض صداق مثلها؛ لأن المرأة هنا بمنزلة من وهب لرجل سلعة للثواب، فإن الموهوب له إن دفع القيمة لزم الواهب قبولها، ولا يلزم الموهوب له أن يعطي القيمة، وعلى هذا فالزوج هنا كالموهوب له، وقد يفهم من قوله وقول صاحب الجواهر: (وللمرأة طلب التقدير) أن لها أن تمكن من نفسها قبل الفرض؛ لأن اللام تقتضي أن ذلك من حق المرأة، ومن له حق جاز له تركه. وعلى هذا فلا يكون التقدير قبل البناء واجبًا.
وفي المدونة: ليس للزوج البناء حتى يفرض، وقريب منه في الرسالة، لكن نص أبو الحسن أن ذلك على الاستحباب، وفي المقدمات: إنما يجب تسمية الصداق عند الدخول، فظاهره أن التقدير قبل البناء واجب. ابن حبيب وغيره: ولا ينبغي أن يبني بالمفوضة ولا يخلو بها حتى يقدم ربع دينار فأكثر.
وَفِيهَا: فَإِنْ فَرَضَ فِي مَرَضِهِ فَمَاتَ لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّهَا وَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلا أَنْ يَطَأَ فَتَرُدَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِثْلِ خَاصَّةً ..
لأنها لم لم تستحق الصداق بالموت، جعلوا ما فرضه لها وصية لوارث فتبطل إلا أن يجيزه الورثة ولا خلاف في إرثها لصحة النكاح. واختلف إذا لم يدخل وكانت ذمية أو
[ ٤ / ١٩٥ ]
أمة، فقال ابن المواز ونقله عن مالك: يكون لها ما فرض من الثلث. وقال ابن الماجشون: يبطل؛ لأنه لم يسم لها ذلك على سبيل الوصية، وإن دخل كان لها المسمى من رأس المال إن كان صداق المثل أو أقل بلا اختلاف، وإن فرض لها أكثر من صداق مثلها كان صداق المثل من رأس المال وبطل الزائد إلا ان يجيزه الورثة. وهذا معنى قول المصنف: (إِلا أَنْ يَطَأَ فَتَرُدَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلث خَاصَّةً).
فرع:
إنما يبطل ما زاد على صداق المثل إذا مات كما تقدم، فإن صح منه وهي حية ثبت لها الجميع باتفاق حكاه في البيان، واختلف إذا فرض ولم يدخل ولم يصح من مرضه حتى ماتت على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شيء لورثتها مات من مرضه أو صح منه وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه إن صح من مرضه كان لورثتها، وإن مات منه كان لهم من الثلث؛ لأنه يصير وصية لغير وارث، وإلى هذا ذهب الفضل. والثالث: إن صح من مرضه كان لورثتها، وإن مات منه لم يكن لهم شيء؛ لأن الموصى له إذا مات قبل الموصي بطلت وصيته وهو قول أصبغ ودليل قول ابن القاسم في العتبية، ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لإشكالها وذلك والله أعلم لأحد أمرين:
أولهما: وهو الظاهر أن الحكم بالبطلان إذا فرض ولم يدخل ليس بظاهر؛ لأنهم عقدوا على صداق مجهول وكل تعيينه إلى الزوج، فإذا فرض فقد عين ما وقع العقد عليه فكيف يكون وصية لوارث.
ثانيهما: وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام: أن مقتضى إبطالهم للصداق قبل الدخول ألا يكون لها شيء بالدخول لإجرائهم ذلك مجرى الوصية، ويجاب عن الثاني بأنه إنما كان لها المسمى بالدخول ما لم يزد على صداق المثل من باب قيم المتلفات، ونقض
[ ٤ / ١٩٦ ]
ابن عبد السلام هذا الجواب؛ لنكاح المريض إذا دخل فإنهم جعلوا لها الصداق في الثلث ولم يعدوه من باب قيم المتلفات
خليل: ويجاب عن هذا بأن العقد في مسألتنا وقع صحيحًا، فلما استند الدخول إليه لزم أن يكون فيه المسمى من رأس المال بخلاف نكاح المريض لوقوع العقد فيه فاسدًا.
وَفِي رِضَا السَّفِيهَةِ غَيْرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا بِدُونِهِ قَوْلانِ
نحو هذا في ابن بشير وابن شاس وابن راشد. وقال ابن عبد السلام: حكى في المدونة الوقلين ولم يصرح فيها بسفه المرأة وإنما فرضها في البكر التي لا أب لها ولا وصي. والمسألة محمولة عند الشارحين على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، والمشهور فيها وهو قول ابن القاسم أنه لا يجوز رضاها بأقل من صداق المثل، وكذلك لا يجوز لها أن تضع منه شيئًا بعد الطلاق. وقال غيره فيها: يجوز رضاها، وطرحه سحنون.
واختلف أيضًا إذا تزوجت بصداق مثلها فأكثر واختلفت مع وليها، فقال ابن حبيب: الرضا لمن يزوجها دونها. وقيل: الرضا إليها دونه. ونسبه فضل للعتبية، قال في البيان: ولم أره فيها. قال: والقياس إذا اختلف ألا يثبت ما رضي به أحدهما صداقًا إلا بعد نظر السلطان، قال: وأما ثبوت ما اجتمعا على الرضا به صداقًا دون نظر السلطان إلا استحسانًا.
وَالْمُولَّى عَلَيْهَا الْمُجْبَرَةُ لا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا
يشمل قول المجبرة البكر ذات الأب والأمة والموصى عليها [٣٢٨/ أ] على أحد الأقوال، ولا خفاء في عدم اعتبار رضاهن.
تنبيهات:
الأول: قولهم المجبرة يشمل المعنسة على أحد القولين، وأما على القول بعدم الجبر فيكون الرضا بقليل الصداق وكثيره إليها دون أبيها، وحكى في المقدمات هذين القولين.
[ ٤ / ١٩٧ ]
الثاني: اختلف هل للأب الرضا بأقل من صداق المثل مطلقًا قبل البناء وبعده، وهو تأويل اللخمي، أو إنما له ذلك إذا كان قبل البناء، وأما بعده فليس له أن يرضى بأقل من صداق المثل وهو تأويل ابن يونس وابن رشد.
الثالث: وقع في بعض النسخ إثر الكلام المتقدم ما نصه: ويعتبر رضا وليها ولا إشكال عليها في ذات الأب والسيد، وأما ذات الوصي فالظاهر أن المصنف لم يردها بهذا الكلام بل أشار إليه بقوله:
وَأَمَّا غَيْرُهما فَالْمَشْهُورُ يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا مَعًا بِدُونِهِ إِنْ كَانَ نَظَرَا
لأنه لم يبق غيرها وهكذا قال ابن راشد: أن مراده بغير الموصي عليها، لا يقال: لا نسلم أنه لم يبق إلا الموصى عليها، ولم لا يجوز أن يكون أراد المرأة التي ليست بمجبرة مع أن لها وليًا غير وصي؟ لأنا نقول إذا كانت غير مجبرة ولم يكن لها وصي كانت سفيهة مهملة، وقد أشار إليها المصنف أولًا بقوله: (وَفِي رِضَا السَّفِيهَةِ غَيْرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا .. إلخ).
وقوله: (غَيْرُهما) هكذا وقع في بعض النسخ بضمير التثنية؛ أي: غير السفيهة والمجبرة، وفي بعضها (غيرها) بالإفراد فيعود على المجبرة، وما ذكره من اعتبار رضاهما مخالف لابن شاس فإنه قال: وإن كانت السفيهة مولى عليها فإن كان الفرض قبل الدخول وهو من حسن النظر صح رضا الولي به، فظاهره: إنما يعتبر الولي.
وفي التهذيب: وإن زوج البكر غير الأب فرضيت بذلك؛ أي: بأقل من صداق مثلها لم يجز رضاها والرضا للولي، ولو رضي الولي ما جاز أيضًا.
ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك نظرًا لها فيجوز مثل أن يعسر الزوج ويسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق ويرى مثله رغبة لها، فيجوز ذلك إن رضيت وما كان على غير هذا لم
[ ٤ / ١٩٨ ]
يجز، وإن أجازه الولي فظاهره اشتراط رضاها ككلام المصنف لقوله إذا رضيت: والمراد بالولي الوصي، لكان كلام عياض يرد هذا، ويصحح نقل ابن شاس، فإنه قال: ظاهر المدونة لا يتم إلا برضاهما معًا بالصداق، والصحيح عند شيوخنا على منهاج المذهب أن يمضي على رضا الوصي وهو الذي في كتاب ابن حبيب، ولا يلتفت إلى رضا البكر؛ إذ النظر في المال له، بخلاف ما لو لم ترض حين العقد فلها ألا ترضى بالزوج إلا بالوجوه التي ترضيها من إضعاف الصداق وغيره مما تشترطه ولا يتم العقد ما لم ترض، بخلاف ما ٍإذا رضيت بالتفويض ثم نازعت في الفرض. انتهى.
وكذلك قال في المقدمات: إن ذات الوصي لا يجوز له أن يزوجها بعد بلوغها بأقل من صداق مثلها وإن رضيت، وله أن يزوجها وإن عنست برضاها ويكون إذنها صماتها بما رضي به من صداق مثلها فأكثر وإن لم ترض؛ إذ ليس لها مع الوصي من الرضا بالمهر شيء، وله أن يراضي الزوج في نكاح التفويض على صداق مثلها بأكثر، فيجوز ذلك عليها ويلزمها رضيت أو لم ترض، فإن لم يرض هو بذلك ورضيت هي لم يكن ذلك إلا بحكم السلطان، وليس له أن يراضي الزوج على أقل من صداق مثلها عند مالك، خلاف مذهب ابن القاسم أن ذلك جائز على وجه النظر، إلا أنه شرط رضاها وفي ذلك من قوله نظر. انتهى باختصار.
وعلى هذا فتشهير المصنف ليس بظاهر، لكن حكى أبو الحسن عن بعضهم أنه رأى أن قول ابن القاسم تفسير لقول مالك، وأن شروط الجواز عندهما ثلاثة: رضا الولي، ورضاهما، وأن يكون ذلك نظرًا. فعلى هذا يتم كلام المصنف، وكلام ابن عبد السلام على هذه المسالة ليس بظاهر.
تنبيهان:
الأول: لا إشكال أن المرأة إذا كانت ثيبًا رشيدة أنه يعتبر رضاها فقط، ويؤخذ ذلك من قول المصنف أولًا: (فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ).
[ ٤ / ١٩٩ ]
الثاني: جعل الأندلسيون قول ابن القاسم هنا حجة في المحجورة إذا رضيت إسكان زوجها معهافي دارها وإنفاقها على نفسها رغبة في الزوج مخافة طلاقها ولغبطتها به، وأنه إن فارقها رجعت تسكن دارها وتنفق على نفسها وتفقد ما رغبته من وزجها أن ذلك لها إذا طلبته، وبذلك أفتى ابن عتاب.
عياض: وقاله شيخنا هشام بن أحمد الفقيه والقاضي محمد بن حمديس، وهو الذي يوجبه النظر، وخالفهم أبو مطرف الشعبي في إنفاقها على نفسها خاصة، وقال: يلزم عليه أن يكون لها الرضا بما طلب من مالها إذا خشيت فراقه، وفرق عياض بين ما تنفقه على نفسها وبين ما تعطيه له، فإنه لو طلقها لعادت نفقتها على نفسها، فإذا كانت نفقتها على نفسها في الموضعين فبقاؤها مع زوجها أولى، ولا كذلك ما تعطيه؛ لأنه إذا طلقها بقي لها ذلك القدر، وهو فرق ظاهر إن طلب منها شيئًا كثيرًا.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ يَصِحُّ فِي الأَبِ دُونَ غَيْرِهِ
أي: فإن دخل بذات الأب وذات الوصي قبل الفرض ثم فرض لهن أقل من صداق المثل فقيل: يصح رضا الأب والوصي بذلك. وقيل: لا يصح. والثالث: يصح من الأب دون الوصي وهو المشهور لقوة تصرف الأب. وقد حكى هذه الأقوال هكذا جماعة.
وَإِذَا أَبْرَأَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ خَرَجَ عَلَى الإِبْرَاءِ عَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ دُونَهُ
يعني: إذا أبرأته قبل البناء ثم طلبته بعده بالصداق [٣٢٨/ ب] فهل لها ذلك أم لا؟ أجرى ذلك على قولين في الإبراء.
(عَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ دُونَهُ) أي دون الوجوب هل يلزم نظرًا لتقدم سبب الوجوب وهو ههنا العقد أم لا؟ لأنها أسقطت حقها قبل وجوبه كما لو أسقط الشفيع الشفعة قبل الشراء، وفي ذلك قولان وكالمرأة إذا أسقطت نفقة المستقبل عن زوجها هل
[ ٤ / ٢٠٠ ]
يلزمها لأن سبب وجوبها قد وجد أو لا يلزمها لأنها لم تجب بعد؟ قولان حكاهما ابن راشد، وكعفو المجروح عما يؤول إليه الجرح، وكإجازة الورثة الوصية للوارث او بأكثر من الثلث للأجنبي في مرض الموصي، وأمثله هذا كثيرة، أما إن لم يجز سبب الوجوب لم يعتبر بالاتفاق حكاه القرافي.
وَتَزُوَّجْتُكِ عَلَى حُكْمِي أَوْ حُكْمِ فُلانٍ أَوْ حُكْمِكِ: تَفْوِيضُ لا فَاسِدُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَا عَلِمَ من قَوْلَ مَالِكِ، وقَالَ أَشْهَب: إِلا عَلَى حُكْمِكِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهَا لَمْ يَلْزَمَهَا مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا ..
اعلم أنه اختلف في نكاح التحكم ابتداء على أربعة أقوال: الجواز وهو قول مالك ورجع إليه ابن القاسم بناء على إلحاقه بالتفويض وعدمه.
ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده وهو الذي رجع عنه ابن القاسم في المدونة؛ لأنه خرج عن حد ما أرخص فيه من التفويض، ولم يذكر المصنف غير هذين القولين، وقيل: إن كان المحكم الزوج جاز وإن كان المحكم الزوجة أو الولي أو أجنبيًا لم يجز. وقيل: يجوز إلا أن يكون المحكم الزوجة، وما ذكرناه من إطلاق الخلاف هي طريقة التونسي واللخمي وابن رشد وغيرهم.
وذهب ابن الكاتب إلى أنه لا يختلف في الصحة إذا كان المحكم الزوج. قال في المقدماـ: ولا خلاف إذا كان الزوج هو المحكم على القول بجوازه أنه كنكاح التفويض إن فرض صداق المثل فأكثر لزم الزوجة، ولا يلزمه أن يفرض صداق المثل. انتهى.
واختلف إذا كان المحكم الزوجة أو الولي أو الأجنبي أو أشرك أحد منهم مع أحد في التحكين على خمسة أقوال: أولها: للقابسي أن التحكم عكس التفويض، ينزل المحكم في التحكيم منزلة الزوج في التفويض، إن فرضت الزوجة صداق المثل فأقل إن كانت هي
[ ٤ / ٢٠١ ]
المحكمة، أو فرض ذلك المحكم برضاها لزم ذلك الزوج، وإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر لم يلزم ذلك الزوجة إلا أن ترضى به كانت هي المحكمة أو غيرها، وتأوله على المدونة.
وثانيها: لأبي محمد وابن رشد وغيرهما أن معنى الكتاب: أن النكاح لا يلزم إلا برضا لازوج والمحكم زوجة كانت أو غيرها فرض الزوج أكثر أو المحكم أقل. قال في المقدمات: وهو ظاهر الكتاب. واستبعدوا تأويل القابسي.
ثالثها: حكاه في الواضحة عن ابن القاسم وأصبغ وابن عبد الحكم أنه كنكاح التفويض في كل الوجوه إن فرض الزوج صداق المثل لزم النكاح، وإن رضي المحكم بصداق المثل أو أقل لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء، وتأوله أيضًا بعض الصقليين على الكتاب، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف لقوله: (تَفْوِيضُ) وأطلق.
والقول الرابع: لعبد الملك: أنه كنكاح التفويض إلا إذا كان المحكم المرأة فإنه لا يلزمها الرضا بصداق المثل، ولابن القاسم وأشهب نحوه أيضًا.
القول الخامس: في الموازية أنه لا يلزم إلا بتراخي الزوجين كان أحدهما المحكم أو غيرهما، وحكي عن أشهب أيضًا.
وَمَهْرُ الْمِثْلِ: مَا يَرْغَبُ بِهِ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهَا، ويُعْتَبَرُ الدِّينُ والْجَمَالُ والْحَسَبُ والْمَالُ والزَّمَانُ والْبَلاءُ. وفِيهَا: ويُنْظَرُ الرَّجُلُ فَقَدْ يُزَوَّجُ فَقِيرُ لِقَرَابَتِهِ، وأَجْنَبِيُّ لِمَالِهِ فَلَيْسَ مَهْرُهُمَا سَوَاءً ..
يعين: يراعي في صداق المثل هذه الصفات المذكورة، وذكر في المدونة أنه ينظر إلى أشباهها في قدرها وجمالها وموضعها. قال في البيان: أي موضعها في النسب. فيحتمل ما قاله ويحتمل ما قاله المصنف من اعتبار المكان، ولابد من اعتبار الاثنين.
مالك: ويعتبر حالها في زمانها. قال في البيان: وتأول بعضهم عن مالك أنه ينظر إلى أمثالها من النساء في جمالها ومالها وعقلها، ولا ينظر إلى نساء قومها، وليس ذلك بصحيح على ما
[ ٤ / ٢٠٢ ]
بينا من مذهبه في المدونة، قال: ونساء قومها اللاتي يعتبر بصداقهن أخواتها الشقائق أو للأب، ولا تعتبر أمهاتها ولا خالتها ولا أخواتها من أمها ولا عماتها للأم؛ لأنهن من قوم آخرين، فقد تكون قرشية وأمها من الموالي. انتهى.
وقال عبد الوهاب: باعتبار عشيرتها وجيرانها كن عصبتها أو لا. قال: خلافًا للشافعي في مراعاة العصبة، وينبغي أن يراعي في ذلك العرف، فإن جرى العرف بالنظر إلى صداق الأم وغيرها كما هو في زماننا فيجب اعتبار، وأشار اللخمي وغيره إلى ذلك، وبقية كلام المصنف ظاهر التصور.
ومَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْفَاسِدِ يَوْمَ الْوَطْءِ
يعني: أن نكاح التفويض الفاسد بخلاف التفويض الصحيح؛ يعتبر فيه مهر المثل يوم العقد والفاسد يعتبر فيه يوم الوطء. واستغنى المصنف عن ذكر الحكم الصحيح المفهوم على ما علم من ملاءمته، وظاهر المذهب كمفهوم كلام المصنف، وقيل: يعتبر في الصحيح يوم البناء إن دخل ويوم الحكم إن لم يدخل، وبنى الاختلاف على الاختلاف في الهبة للثواب إذا فاتت هل تجب قيمتها يوم القبض أو يوم الهبة؟
وفرقوا هنا على المشهور كما قالوا في البيع الصحيح بسبب ما يطرأ من عيب أو استحقاق أن المعتبر يوم العقد، وفي البيع الفاسد يوم القبض.
فإن قيل في اعتبار [٣٢٩/ أ] مهر المثل في نكاح التفويض يوم العقد نظر؛ لأنه لم يكن ثابتًا حينئذ بدليل سقوطه بالطلاق والموت، فالجواب أن العقد لما كان صحيحًا وترتبت عليه الأحكام من الميراث ولحوق الولد ألحقوا ذلك به.
وَإِذَا اتَّحَدَتِ الشُّبْهَةُ اتَّحَدَ الْمَهْرُ كَالْغَالِطِ بِغَيِرِ الْعَالِمَةِ
نحوه في الجواهر؛ يعني: أن الوطء إذا استند إلى شبهة متحدة اتحد المهر، ويعد كوطأة واحدة فلا يجب إلا مهر واحد، كما لو وطئ أجنبية مرارًا يظنها زوجته أو أمته.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وقوله: (بِغَيِرِ الْعَالِمَةِ) وأما لو كانت عالمة فلا شيء لها؛ لأنها زانية، ومفهوم كلام المصنف أنه لو تعددت الشبهة تعدد المهر كما لو وطئها مرتين ظنًا في واحدة زوجته وفي الأخرى أمته، وهكذا ينبغي إذا تخلل بين الوطأين وطء مباح ظاهرًا أو باطنًا، فوطئها غالطًا ثم تزوجها فوطئها غالطًا أو لم يطأها ثم طلقها ووطئها غالطًا ما لم يكن وطؤه بعد ابلصداق بشبهة مستندة للطلاق، كما قالوا: إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، فتزوجها ووطئها فلا شيء عليه إلا صداق واحد على المشهور. وقيل: عليه صداق ونصف وهو القياس، وكما لو خاطب امرأته بكلام يعتقد أنه لا يلزم به شيء واسترسل على وطئها ثم سأل مفتيًا عن ذلك، فقال: وقع عليك الطلاق به، فالمذهب أيضًا أنه لا يلزمه إلا صداق واحد، وظاهر كلامهم أنه لا فرق في الحكم بين أن يكون المسمى مساويًا لصداق المثل أو أقل.
وَإِلا فَفِي كُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرُ كَالزِّنَى بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ أَوْ الْمُكْرَهَةِ
نحوه في الجواهر، وتصوره ظاهر، ولولا تمثيله بالصورتين المذكورتين لكان كلامه مشكلًا؛ لأنه اشترط في اتحاد المهر الشبهة واتحادها، ثم قال: وإلا فيدخل فيه ما إذا انتفت الشبهة وكان الوطء زنى محضًا، ومن صور الزنى المحض ما لا يجب فيه المهر فلا يصدق قوله: (فِي كُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرُ).
التَّسْلِيمُ: وَيَجِبُ تَسْلِيمُ حَالِّهِ ومَا يَحِلُّ مِنْهُ بِإِطَاقَةِ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ وبُلُوغِ الزَّوْجِ لا بُلُوغِ الْوَطْءِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
أي: ويجب تسليم حال المهر وما كان منه مؤجلًا، فحل عند زمان إطاقة الزوجة الوطء وعند بلوغ الزوج الحلم على المشهور، ولمالك في كتاب ابن شعبان: عند بلوغه القدرة على الوطء كالمرأة، والفرق المشهور أن من يمكن وطؤها يحصل منها كمال اللذة
[ ٤ / ٢٠٤ ]
بخلافه، وإنه لا يحصل له كمال اللذة إلا ببلوغ الحلم، والباء في قوله: (بِإِطَاقَةِ الْوَطْءَ) باء السبب، وهذا إذا لم يكن من الزوجين تمانع في المبدأ منهما، أما لو تنازعا في البداية ففي الجواهر وهو ظاهر كلام المصنف أن الزوج يبدأ بتسليم المهر وهو مقتضى المدونة؛ لقوله فيها: وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها.
وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أن الصداق يوقف ولا تأخذه المرأة حتى تمكن من نفسها.
وفي الواضحة: وإذا طلبت قبل البناء أخذ النقد وأبى الزوج إلا عند البناء فللزوج ذلك إلا أن تشاء تعجيل البناء فلها قبضه.
إِلا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا كَدَارٍ أَوْ عَبْدٍ فَيَجِبُ بِالْعَقْدِ
أي: إلا أن يكون الصداق شيئًا معينًا لا مضمونًا كدار أو عبد فيجب تسليمه للمرأة بالعقد، ولا ينظر بلوغ الزوج ولا إطاقة الزوجة الوطءن ولا يجوز تأخيره كما لا يجوز بيع معين يتأخر قبضه للغرر؛ إذ لا يدري على أي صفة يقبض، ونظير الصداق في أنه لا يجب تعجيله إلا أن يكون معينًا الأجرة فإنه لا يجب تعجيلها إلا بشرط، إلا أن تكون شيئًا معينًا.
وَالْمَرِيضَةُ كَالصَّحِيحَةِ
يعني: أنه لا يجوز له الامتناع في دفع الصداق لمرضها ولو بلغت حد السياق، وأما النفقة فمذهب المدونة وجوبها وإن لم يقدر الزوج على الجماع ما لم تكن في السياق. والفرق بين النفقة والصداق أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، والاستمتاع من التي بلغت حد السياق متعذر، وأما الصداق فلا يصلح أن يكون المرض مانعًا منه؛ لأن غاية حصول الموت معه، والموت موجب التكميل.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وَالرَّتْقَاءُ والْمَجْنُونَةُ ونَحْوُهُمَا مِمَّا طَرَأَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ رَضِيَ بِهِ بَعْدَهُ كَغَيْرِهِنَّ، وإِنْ لَمْ يُمَكِنْ وَطْؤُهُنَّ ..
لأن العيب الطارئ بعد العقد لزمه كما تقدم، وإذا لزمه كان لها من الحق ما للسالمة.
وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يَجِبُ مُؤَجَّلُ يَحِلُ إِلا بِالدُّخُولِ. وَأَلْزَمَ الأَجَلَ الْمَجْهُولَ.
قول سحنون راجع إلى صدر المسألة؛ وهي قوله: (وَيَجِبُ تَسْلِيمُ حَالِّهِ ومَا يَحِلُّ مِنْهُ) أي: وخالف سحنون فيما حل منه، وقال: لا يجب إلا بعد الدخول. وروى عن مالك أيضًا قوله: وألزم الأجل المجهول. يعني: وألزم سحنون على قوله هذا بوجهين:
الأول: أنه لما كان جواز أن يكون الصداق إلى أجل مجهول من إلزامه التأخير إلى الدخول، والدخول غير معلوم، والموقوف على المجهول مجهول، وأجيب بوجهين: الأول: أنه لما كان الدخول بيد المرأة في كل وقت صار حالًا، والثاني: أن الدخول كان معلومًا عندهم كما تقدم.
وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنَ الدُّخُولِ ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ، ومِنَ السَّفَرِ مَعَهُ حَتَّى تَقْبِضَ مَا وَجَبَ مِنْ صَدَاقِهَا ..
ما وجب يعني الحال أو ما حل، وظاهر قوله: (وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا) أن ذلك حق لها، فيجوز إذا رضيت بالدخول من غير أن تقبض شيئًا، وليس بظاهر؛ بل ذلك مكروه عند مالك إلا بعد [٣٢٩/ ب] تقديم ربع دينار، نص على ذلك صاحب البيان وغيره.
وقوله: (ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ) يريد: بعد اختلائه بها وقبل أن تمكنه من نفسها، وأشار بذلك إلى ما وقع في العتبية أن رجلًا سأل مالكًا فقال له: إن امرأتي أذنت لي بالدخول عليها والمبيت معها وأنا أضجع إلى جانبها في اللحاق وتمنعني نفسها حتى أعطيها صداقًا، فقال: لها ذلك.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
فإن قلت: لما حملت قوله: (ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ) على أن المراد بعد الخلوة، ولم تحمله على أن المراد بعد الوطء؛ لأن ذلك هو الدخول المعروف عند الفقهاء، فالجواب يمنع من ذلك وجهان:
الأول: أن قوله: بعد ذلك في آخر المسألة: (فإن وطئها لم يبق لها إلا المطالبة) يدل على أنه هنا لم يتقدم له منها وطء.
الثاني: أنا لو حملنا كلامه على ما فهمت لكان مخالفًا لقول ابن القاسم، فإن ابن القاسم نص في العتبية على أنها بعد الوطء ليس لها أن تمنع، نعم وهو قول محمد.
ابن عبد السلام: وأما امتناعها من السفر معه قبل قبض صداقها فإنما يكون لها ذلك قبل الدخول بها.
فرع: كره ابن القاسم في العتبية الدخول بالهدية، قال: لأنها ليست من الصداق.
قال في البيان: لأنه لو طلقها لم يكن له منها شيء ولو كانت قائمة. قيل لابن القاسم: فإن ألفى النكاح مفسوخًا هل يرجع ويأخذ هديته؟ قال: إن أدرك منها شيئًا أخذه وإن فاتت لم يكن له قبلها قليل ولا كثير. قيل: هل يدخل بها إذا رهنها في الصداق؟ فقال: نعم. قيل: هل يجوز أن يتحمل عنها بالصداق ويبني بأهله؟ قال: أخبرني من أثق به أن بعض أهل العلم أجازه، وأحب إلي أن يقدم لها ربع دينار.
قال في البيان: وأجاز له ابن حبيب الدخول بالهدية. ومثله لمالك في المبسوط من رواية ابن نافع، وفي الموازية لمالك أن من تزوج امرأة فلا يدخل بها حتى تقبض من ذلك ثلاثة دراهم.
وقال أيضًا: له أن يدخل وإن لم يعط شيئًا لأنه حق له. فعلى القول بأنه لا يدخل بها في الدين حتى يعطي ثلاثة دراهم لا يجوز أن يبني بها بالرهن، قال: وأخف هذا المسائل
[ ٤ / ٢٠٧ ]
الدخول بالدين، والأظهر أن الدخول به جائز، لأنه قد وجب لها ولو شاءت باعته وأخذت ثمنه، ويليه الدخول بالرهن لأنها قبضت ما هي أحق به في الموت والفلس، وأشدها الدخول بالحمالة.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تُلُوِّمَ لَهُ بِأَجَلٍ بَعْدَ أَجَلٍ، ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ
يعني: إذا طلب الزوج بالصداق فإن صدقته المرأة أو أقام بينة على إعساره ضرب له الأجل.
المتيطي: ويؤجله في إثبات عسره أحدًا وعشرين يومًا، ستة ثم ستة ثم ستة ثم ثلاثة، وللمرأة أن تطالبه بحميل بوجهه، فإن عجز عنه فلها أن تسجنه، لأن الصداق دين كسائر الديون، فإذا أثبت إعساره أو صدق اجله الحاكم وتلوم له.
قال في المدونة: ويختلف التلوم فيمن يرجى وفي من لا يرجى، أي: فيطول في الأجل في حق من يرجى دون غيره.
واختلف الشيوخ فرأى ابن بشير أن المذهب كله على ما حكيناه عن المدونة، وأن ما وقع في الروايات من الخلاف إنما هو بحسب الأشخاص، ورأى اللخمي والمتيطي وابن يونس وغيرهم ذلك خلافًا حقيقيًا. اللخمي: واختلف في مواضع:
أحدها في قدر التلوم، والثاني: هل يؤخر بشرط النفقة؟ الثالث: هل يطلق على من لا يرجى بغير أجل؟ ففي المدونة: يتلوم له على حسب ما يرجى له ولم يوقت، وفي الموازية، يؤخر السنتين ولا يعجل بعد السنتين حتى يتلوم له تلومًا آخر السنة وشبهها. وقال ابن حبيب: إن اتهم أن يكون أخفى ماله لم يوسع في الأجل، وإن تبين عجزه عن الصداق وعن النفقة لم يوسع أيضًا في الأجل، ويؤخر الأشهر والسنة أكثره. وقال سحنون في كتاب ابنه: في من ملك ببيع الفاكهة وأقام بينة بعدم الصداق، وقامت الزوجة بالفراق وقال الزوج أجلوني، فلا يؤجل مثل هذا لأنه لا يرجى له شيء. وقال مالك في المختصر
[ ٤ / ٢٠٨ ]
ما ليس في المختصر: إن أعسر بالصداق قبل البناء فإن عرف بالخلابة فرق بينهما وإن كان من أهل الهيئة والحال انتظر به، يريد في الأولى أنه يفرق من غير أجل. انتهى
وذكر المتيطي الذي اختاره الموثقون في مقدار الأجل: ثلاثة عشر شهرًا، ستة أشهر، ثم أربعة، ثم شهران، ثم شهر، ونقله ابن سحنون.
ولمالك في المختصر أنه يضرب له السنة والسنتين ثم يفرق بينهما وإن كان يجري النفقة.
وإذا ضرب الأجل فقال ابن مالك في أحكامه: لا يعد اليوم الذي يكتب فيه الأجل.
خليل: ولا يبعد أن يختلف فيه لعهدة السنة والكراء ونحوهما، واختلف الشيوخ في قول ابن القاسم في المدونة، الذي حكيناه عنه في صدر المسألة، ففهم منه فضل أنه إذا لم ييرج له شيء لا يضرب له أجل، وحكى ذلك عن ابن القاسم، وفهمه الأكثر على التلوم في الجميع كما قاله ابن حبيب. عياض والمتيطي: وهو الصواب.
واعلم أنه إن كانت الزوجة ثيبًا فالحق لها دون أبيها وإن كانت بكرًا فهل للأب ذلك وإن لم تطالبه البتة.
المتيطي وغيره: ظاهر المدونة يدل أن ذلك للأب، قال: وإليه ذهب بعض شيوخنا وقال: إنه مقتضى المذهب.
وقال أبو المطرف الشعبي: وكما له أن يجبرها على النكاح كذلك له جبرها على الدخول وتسليمها لزوجها، وذهب ابن عتاب وابن رشد وغيرهما إلى أنه ليس له ذلك إلا بتوكيلها على ذلك.
وقوله: ثم يعرف فإن ضرب الأجل ولم يقدر عن الصداق وعجز عن جميع الصداق أو بعضه فرق بينهما بطلقة.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وَفِي نِصْفِ الصَّدَاقِ حِينَئذٍ قَوْلانِ
أي: [٣٣٠/ أ] حين التفريق بالإعسار بالصداق، وظاهر المذهب الوجوب لاحتمال أن يكون أخفى ما له، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وأصبغ وابن عبد الحكم، والقول بأنه لا يلزمه شيء لابن نافع لأن الفراق جاء من قبلها.
بِخِلافِ الْمَجْنُونِ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ
أي: إذا ردته بجنونه فلا شيء لها بالاتفاق لأنه فراق جاء من جهتها ويشارك المجنون كل من به عيب كالخصي والمجبوب والعنين والمختارة لعتقها، والفرق للمشهور هو ما تقدمت الإشارة إليه وهو إتمام المعسر على إخفاء المال، فيكون الطلاق من جهته.
فَإِنْ وَطِئَهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا إِلا الْمُطَالَبَةُ
يعني: أن ما ذكرناه من التطليق بالإعسار بالصداق وفي معناه التفريق للنفقة إنما هو إذا كان قبل الوطء، وأما إن وطئها فلا تطلق عليه بذلك وليس لها إلا المطالبة.
وَإِذَا قَبَضَتْهُ أَمْهِلَتْ قَدْرَ مَا يُهَيِّئُ مِثْلُهَا أُمُورَهَا فِيهِ
لما قدم أنه يجب على المرأة تسليم نصيبها بإعطاء مهرها، بين هنا أنها تمهل (قَدْرَ مَا يُهَيِّئُ مِثْلُهَا أُمُورَهَا فِيهِ) أي: من الشراء لما يصلح لجهازها والمرجوع في ذلك إلى العادة.
فرعان:
الأول: إذا غاب وليها وأراد الزوج البناء ففي الضرر قال بعض المعتبرين: إذا كان الولي قريبًا أعذر إليه في ذلك، فإن أتى أو جاوب بالآيات عن قرب لمثل ما تجهز فله ذلك، وإن لم يرجع أو كان بعيدًا قضي للزوج بالبناء ولم ينتظر رجوع الأب.
الثاني: إذا نكحها ببلد وشرط عليها البناء ببلد آخر فقال بعض الأندلسيين: على الولي حملها إلى بلد البناء ومؤنة الحمل عليه والنفقة إلى وقت البناء وإن كانت
[ ٤ / ٢١٠ ]
ثيبًا كان ذلك عليها إلا أن يشترطوه على الزوج فيكون عليه. قالوا: ولو كان على الطوع لكان أحسن.
وَلا تُمْهَلُ لِحَيْضٍ
إذ له الاستمتاع بما فوق الإزار
وَتُمْهَلُ للصَّغَرِ والْمَرَضِ الْمَانِعَيْنِ مِنَ الْجِمَاعِ
إذ لا منفعة له في الدخول، قال في المدونة في الذي شرطوا عليه الدخول إلى سنة: إن كان لصغر والاستمتاع أهلها لتغذية الزوج بها فذلك لازم وإلا بطل الشرط. وقال أصبغ: ما ذلك بالقوي إذا احتملت الوطء. وقال في العتبية والموازية: إذا اشترطوا عليه خمس سنين فبئس ما فعلوا، والنكاح جائز والشرط باطل.
وَلَيْسَ لِوَلِيِّ النِّكَاحِ قَبْلَ الصَّدَاقِ إِلا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍ بِخِلافِ وَكِيلِ الْبَيْعِ
يعني: إذا وكلت المرأة وليها على عقد نكاحها لم يستلزم ذلك التوكيل على قبض الصداق، وإنما له قبضه إذا وكلت عليه، وأما وكيل البيع فوكيل على قبض الثمن وفرق بينهما بوجهين:
أحدهما: أن العادة جارية بقبض الوكيل في البيع دون النكاح.
الثاني: أن الوكيل في البيع لما كان يدفع المبيع كان له قبض الثمن ووكيل النكاح لا يدفع العوض الذي هو البضع، فلا يكون له قبض عوضه.
وقوله: (إِلا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍ) أي: في حق من يصح منه التوكيل، لأن البكر لا تتولى قبض الصداق كما سيأتي، فلا توكل على قبضه.
[ ٤ / ٢١١ ]
فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ فَتَتْبَعُهُ أَوِ الزَّوْجَ
أي: فإن قبض من ليس له القبض فإنه يضمن؛ قاله في المدونة ابن القاسم وإنما ضمنه مالك لأنه كان متعديًا في القبض إذ لم توكله البنت على قبضه، فكان كدين لها على رجل قبضه الأب بغير أمرها فلا يبرأ الغريم والأب ضامن، ولها أن تتبع الغريم. وقيد ابن حبيب ضمان الأب بما إذا لم يكن رسولًا للزوج. قال: وأما إن كان رسولًا له فلا يضمن وهو ظاهر، لأنه إذا كان رسولًا له فهو أمينه، ولهذا أنكر سحنون الضمان هنا، قال: لأنه إن كان رسولًا من الزوج فهو أمينه وإن من الزوجة فلا يضمن أيضًا لأنه وكيلها. وأجيب لعله قبضه من غير إرسال من الزوج ولا توكيل من المرأة بل لأنه يظن أنه له القبض والزوج يعتقد ذلك، كالوكيل على بيع سلعة وفيه نظر حينئذ لأن الزوج سلط على ماله جهلًا منه كمن أثاب من صدقة، بل الولي أقوى شبهة منه.
وقوله: (فَتَتْبَعُهُ أَوِ الزَّوْجَ): الزوج معطوف على الهاء فهو منصوب، يعني: إذا قبض من لم يكن له القبض تبعته المرأة إن شاءت أو تبعت الزوج، لأن الزوج لم يبر بدفعه إلى غير صاحب الحق وكيله، ويحتمل أن يضبط (الزوجُ) بالرفع، أي: فتبعته هي لأن الزوج إذا لم تبرأ ذمته ورجعت على الزوج، كان للزوج الرجوع عليه بما قبض منه، وللمرأة أن تتبعه لأنه غريم غريمها، وفي هذا الوجه الثاني العطف على الضمير المرفوع، وقد حصل شرطه وهو الفصل بمفعول (تَتْبَعُهُ).
وأَمَّا قَبْضُ الْمُجْبِرِ أَوِ الْوَصِيِّ فَمَاضٍ
يعني: أن ما قدمه إنما هو في الولي غير المجبر والوصي، وأما هما فلا يعطى الصداق إلا لهما.
وفي قوله: (مَاضٍ)، إيهام أنه لو قبضته هي لجاز وليس كذلك.
[ ٤ / ٢١٢ ]
فَإِنِ ادَّعَيَا التَّلَفَ ولا بَيِّنَةَ عَلَى الْقَبْضِ فَفِي رُجُوعِهِمَا عَلَى الزَّوْجِ قَوْلانِ
قيد القولين بقوله: (ولا بَيِّنَةَ) لأنه لو قامت البينة على القبض لم يكن للزوجة كلام، وأما إذا لم تقم بينة، فقال ابن القاسم: الأب مصدق في الضياع وهو من الابنة.
المتيطي: قال بعض الموثقين وهو دليل المدونة وبه الحكم.
ابن عبدوس: وهو أصل ابن القاسم في الوكيل المفوض أو الوصي يقر أحدهما بقبض الدين ويدعي التلف أنه يقبل قوله.
ابن يونس: وهو القياس لأن الأب الذي له قبضه بغير توكيل [٣٣٠/ ب] عليه أقر بقبضه فوجب أن يبرأ بذلك الزوج كوكيل البيع فإنه مصدق، وصوبه أيضًا ابن شبلون وابن محرز.
ابن شبلون: لأن مالكًا ذكر في كتاب الديات والشهادات أن الوصي إذا أقر بقبض ما على الغرماء وضاع أنه يصدق ويبرأ الغرماء، فالأب في إقراره بقبض صداق ابنته وضياعه أحرى أن يصدق، والقول بعدم براءة الزوج لمالك في الموازية، قال: عليه دفعه ثانية ولا شيء للزوج على الأب، وبه قال ابن وهب وأشهب وأصبغ وابن حبيب.
القابسي: وهو أصوب لأن الأب يتهم أن يكون وضع الصداق من غير طلاق، ولأن من حق الزوجة ألا تسلم سلعتها إلا بقبض ثمنها.
ابن يونس: وهذا القول أحوط، وهو جار على مذهب المدونة. وحكى بعضهم قولًا ثالثًا ببراءة الأب وعدم براءة الوصي، فإذا قلنا بتصديق الأب وبراءة الزوج وهو الظاهر، فقال غير واحد من الموثقين: على الأب اليمين لحق الزوج في تجهيز زوجته بالمهر، كان الأب مشهورًا بالصلاح أم لا، ولم يبينوا هل القبض ببينة أو بغير بينة.
بعض الموثقين: وكلاهما عندي سواء، قيل: والوصي ملحق به في ذلك.
[ ٤ / ٢١٣ ]
فروع مرتبة:
الأول: لو طلقها الزوج قبل البناء وكان لها مال يوم دفع صداقها إلى أبيها كان نصفه في مالها وإن لم يكن حينئذ مال، فمصيبته حينئذ من الزوج ولو حدث لها مال بعد ذلك قاله ابن عبدوس.
الثاني: إ ذا ادعى الأب أنه دفع إليها الصداق عينًا لم يبر بذلك، لأن البكر لا يدفع لها العين وإنما يريد أن يشتري به جهازًا. ابن حبيب: والموثقون ويبرئ الأب من الجهاز ثلاثة أوجه:
الأول: أن يدفعه إلى الزوجة ويشهد الشهود على معاينة القبض، كان الدفع ببيت البناء أم لا؟
الثاني: أن يحضره بيت البناء ويوقف الشهود عليه.
والثالث: أن يوجه ذلك إلى بيت البناء بحضرة الشهود بعد أن يقدموه ويعاينوه ولا يفارقوه حتى يوجه إلى بيت البناء فإنه يبرأ وإن لم تصحبه البينة إلى البيت.
ابن حبيب: وليس للزوج أن يدعي أن ذلك لم يصل إلى بيته وإن ادعاه لم يسمع.
قال بعضهم: ويكفي في قبضها معاينة الشهود دون نطقها بالقبض.
الفرع الثالث: إذا قامت البينة على إقرار الأب والوصي بقبض الصداق ثم ادعى أنه لم يقبض، وقال: ظننت به الخير فلذلك أشهدت له بالقبض. ففي تحليف الزوج ثلاثة أقوال: قال في الموازية: يحلف. وبه قال أصبغ وابن حارث وابن لبابة لأن ذلك مما يجري بين الناس، وحكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أنه لا يحلف إلا أن يأتي الأب بسبب يدل على ما ادعاه ويقع على الزوج تهمة فيحلف ونحوه لابن عبد الحكم، قال: ولو جاز له تحليفه لما كان للوثائق معنى.
[ ٤ / ٢١٤ ]
المتيطي: والذي جرى به العمل بين المفتين وقاله غير واحد من الموثقين، إن قام الأب على قرب من تاريخ النكاح كالعشرة أيام ونحوها حلف، وإن قام على بعد لم يلزمه.
وَيَتَقَرَّرُ كَمَالُ الْمَهْرِ بِوَطْءِ الْبَالِغِ أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَفِي تَقَرِيرِهِ إِذَا افْتَضَّهَا بِالأُصْبُعِ قولان، وكَذَلِكَ طُولُ الْمَقَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وفِي تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ أَوْ بِالْعُرْفِ قَوْلانِ ..
يعين: أنه يجب جميع المهر على الزوج بأحد ثلاثة أشياء، الأول: وطء الزوج البالغ الحلم ثم زوجته البالغة حد الوطء كما تقدم.
وقوله: (بِوَطْءِ الْبَالِغِ) مصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بلوغ الحلم، يريد ويشترط أن تكون المرأة مطيقة للوطء.
الثاني: موت أحدهما إما الزوج أو الزوجة.
الثالث: طول المقام بعد البناء على الرواية المشهورة، وروي عن مالك، ليس لها إلا نصفه بناء على أن طول المقام يتنزل منزلة الوطء أولًا، لقوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧].
وفي المسألة قول ثالث: أن لها النصف وتعاض من تلذذه بها، وقد تقدم أن في مسالة المغترض قولًا بالتكميل وإن لم يطل.
وقوله: (وفِي تَحْدِيدِهِ .. إلخ) تصوره ظاهر، والتحديد بالعام مذهب المدونة.
فرع: فإن أصابها بأصبعه، فإن كانت ثيبًا فلا شيء لها، وإن كانت بكرًا أو افتضها به فاختلف قول ابن القاسم في العتبية في تكميل الصداق عليه، ومال أصبغ إلى عجم التكميل واستحسنه اللخمي، وعليه فيكون عليه أرش البكارة.
[ ٤ / ٢١٥ ]
وَدُخُولُ الْمَجْبُوبِ والْعِنِّينِ كَوَطْءِ غَيْرِهِمَا
أي: فيكمل الصداق عليهما وإن لم يطل مقامهما، وحكى اللخمي عن المغيرة أن الصداق إنما يكمل في المجبوب ومن في معناه بشرط الطول وفيه بعد، لأن من هذا حاله دخل على عدم الإصابة وقد حصل قصده بخلاف المعترض.
والمذهب أن القول قولها في الوطء إذا خلا بها خلوة الاهتداء، ولو كانت محرمة أو حائضًا أو في نهار رمضان، وكذلك المغصوبة تحتمل ببينة وتدعى الوطء لها الصداق كاملًا، ولا حد عليه. وقيل: إن كانت بكرًا نظر النساء ..
يعني: إذا اختلف الزوجان في الإصابة فإن ادعتها المرأة وأنكر ذلك الرجل فالقول قولها إذا خلا بها خلوة اهتداء إذا خلا بينه وبين امرأته، وهو مراد علماءنا بإرخاء الستر، وليس المراد [٣٣١/ أ] إرخاء ستر ولا إغلاق باب، قاله ابن أبي زمنين. وبالغ المصنف في تصديقها بقوله: (وَلَوْ كَانَتْ مُحْرِمَةً أَوْ حَائِضًا أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) وهكذا قال في المدونة، ولعل المصنف نسب المسألة للمذهب تبريًا من تصديقها بقوله: (وَلَوْ كَانَتْ مُحْرِمَةً) مع قيام المانع الشرعي، ورأى أن ذلك كالمخالف لأصل المذهب في اختلاف المتبايعين وغيرهما أن القول قول مدعي الصحة.
وأجيب بأنه إنما رجح مدعي قول الفساد هنا لأن الحامل على الوطء أمر جبلي، لأن العادة أن الرجل إذا خلا بامرأته أول خلوة مع الحرص عليها والتشوف إليها قلما يفارقها قبل الوصول إليها، ورأى بعضهم أنها لا تصدق مع المانع الشرعي إلا على من يليق به ذلك، وأما الصالح فلا، ولم يتعرض المصنف لقبول قول المرأة هل بيمين وهو الظاهر، وهو قول ابن المواز قال: فإن نكلت حلف الزوج ولم يلزمه إلا النصف أو بغير يمين وهو قول ابن المعذل، وحكاه القنازعي عن ابن القاسم.
ابن بشير: ومنشأ الخلاف هل الخلوة كشاهد أو شاهدين.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وقوله: (وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوبَةُ تَحْتَمِلُ .. إلخ)، نحوه في المدونة، زاد في الواضحة: بيمين.
وعن مالك في التي تعلقت برجل وهي تدمي أن لها الصداق بغير يمين واستحسنه اللخمي، واختار ابن يونس وغيره الأول، وإنما ثبت الصداق ولم يثبت الحد، لأن الشرع جعل لإثبات الحقوق المالية طريقًا غير طريق إثبات الزنى، ويكفي في البينة التي تشهد باحتمال المغصوبة اثنان، وفي العتبية ما في ظاهره أنه لا يكتفي إلا بأربعة.
ابن عبد السلام: وليس بصحيح. ابن المواز: وعليه الأدب الوجيع.
قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ النِّسَاءُ): هذا القول مقابل المذهب، أي: المشهور قبول قول المرأة في دعواها الوطء مطلقًا بكرًا كانت أو ثيبًا، وقيل: ينظر النساء البكر، وما ذكره المصنف من الخلاف في البكر هي طريقة اللخمي وابن بشير وغيرهما، وععن ابن بشير الشاذ لمالك من رواية ابن وهب وإسماعيل بن أبي أويس، وبعضهم جردها على الخلاف كالثيب.
وفِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ: مَشْهُورُهَا قَوْلُ الزَّائِرِ مِنْهُمَا لِلْعُرْفِ بِخِلافِ خَلْوَةِ الاهْتِدَاءِ
واختلف إذا ادعت عليه الوطء في خلوة الزيارة وأنكره، فحكى اللخمي وابن يونس وغيرهما أربعة أقوال: الأول: أن القول قولها قياسًا على الفرع المتقدم.
الثاني: أن القول قوله: والفرق أن خلوة الاهتداء تنتشط فيها النفوس بخلاف الزيارة.
الثالث: وهو المشهور: إن زارته فالقول قولها لأن العرف أن الرجل ينتشط في بيته، وإن زارها فالقول قوله لأن العرف أنه لا ينتشط إليها، وهذا معنى قوله: (لِلْعُرْفِ).
الرابع: الفرق بين البكر والثيب كما تقدم، ولعل المصنف استغنى عنه بما قدمه.
[ ٤ / ٢١٧ ]
وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْوَطْءِ- لَهَا وعَلَيْهَا- وإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ أَمَةً عَلَى الْمَشْهُورِ لأَنَّهُ لا يُعْرَفُ إِلا بِقَوْلِهِا ..
يعني: أن قولها يقبل سواء ادعت الوطء كما تقدم أو نفيه، ولا خلاف في ذلك إن كانت ثيبًا رشيدة. واختلف في السفيهة والبكر الصغيرة والأمة، فالمشهور أنهن كذلك لأنه لا يعرف إلا بقولها فتصدق فيه كما تصدق في انقضاء العدة.
والقول بأن السفيهة لا يقبل قولها لمطرف في الثمانية؛ لأنها تسقط حقًا وجب لها. وقال سحنون في السفيهة والأمة: وقد تقدم أن الكبيرة لا تأخذ الصداق إلا بعد اليمين على الظاهر، وأما الصغيرة فلا تحلف في الحال، ويقال للزوج: احلف فإن نكل غرم الجميع، وإن حلف دفع النصف فإن بلغت حلفت وأخذت النصف الآخر، وإن نكلت لم يحلف الزوج ثانية، وبالجملة فهي كالصغيرة يقوم لها شاهد، وقيل لا يمين على الصغيرة بخلاف الكبيرة وهو بين.
وَإِذَا أَقَرَّ بِهِ وَأَنْكَرَتْهُ ثُمَّ أَبَانَهَا فَلَهَا تَكْذِيبُ نَفْسِهَا لِلْمَهْرِ
تصوره ظاهر. ابن عبد السلام: وليس لقوله: (ثُمَّ أَبَانَهَا) كبير فائدة، وفي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: لمالك في العتبية وهو قول سحنون في نوازله: لها أن تأخذ الجميع وإن بقيت على إنكارها لاعترافه بذلك.
الثاني: ليس لها إلا النصف وإن رجعت إلى قوله إلا أن يشاء لإقرارها لأنها لا تستحق إلا النصف.
الثالث: أن لها ذلك بشرط أن ترجع إلى قوله، وهو قول لسحنون وغيره من الأشياخ، وبه فسر المدونة، وهو الذي اقتصر عليه المصنف.
[ ٤ / ٢١٨ ]
ابن بشير مفرعًا على هذا القول: وهذا ما دام مقرًا بالوطء، فإن أنكر أيضًا فلا صداق لها.
قال الأشياخ: ومن سبق منهما بالرجوع إلى قول الآخر قبل قوله وحكم بمقتضاه. انتهى. يريد ولا يتلفت إلى رجوعه بعد ذلك.
ابن راشد: ولو كانت سفيهة لم يقبل قولها ووجب لها صداقها. وقاله ابن محرز في خلوة الزيارة، وأشار إلى أنه لا يختلف فيه، وذلك في خلوة البناء آكد، وأوجب. انتهى.
خليل: وفيه نظر، وليس في كلام ابن محرز ما يقتضي الاتفاق، وقد حكى اللخمي وغيره في البكر قولين: أحدهما: أنها كالثيب وهي بالخيار أو وليها في أخذه. والثاني لمطرف: لا خيار لها وعلى وليها قبض ذلك.
اللخمي: وهو أحسن إذا كانت خلوة بناء وإن كانت خلوة زيارة لم تأخذه إلا أن تصدقه، وحكى ابن عبد السلام في الأمة والسفيهة القولين.
وَيَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ بِالطَّلاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، ويَسْقُطُ الْجَمِيعُ بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ، وفِي سُقُوطِهِ لاخْتِيَارِهَا لْعَيْبِهِ: قَوْلانِ ..
أما تشطره فلقوله تعالى [٣٣١/ ب] (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧].
وقوله: ويسقط الجميع بالفسخ قبله، يستثنى من ذلك نكاح الدرهمين كما تقدم هذان القولان في آخر العيوب.
وَزِيَادَتُهُ ونُقْصَانُهُ لَهُمَا وعَلَيْهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ- كَثَمَرِ الْحَائِطِ، وَغَلَّةِ الْعَبْدِ، وَوَلَدِ الأَمَةِ، ومَا يُوهَبُ لَهُمَا، وَنَتَاجِ الْحَيَوَانِ، وغَلَّتِهِ- لأَنَّ ضَمَانَهُ إِذَا طَلَّقَهَا مِنْهُمَا وقِيلَ: لَهَا وعَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَى نِصْفِهِ أَوْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَتْهُ.
ما ذكر أن المشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة في كتاب النكاح الثاني والزكاة الثاني منها، والقول بأن الغلة لها والنقصان عليها لعبد الملك.
[ ٤ / ٢١٩ ]
وقوله: (كَثَمَرِ الْحَائِطِ .. إلخ) هي أمثلة للزيادة، وعطف المصنف نتاج الحيوان على غلته يدل على أن الولد ليس بغلة وهو المشهور في المذهب خلافًا للسيوري في قوله أن الولد غلة، وقد نص في المدونة على أن ولد الأمة ونسل الحيوان يكون في الطلاق بينهما.
ابن الكاتب: فوجه قول ابن القاسم قوله ﵊: "الخراج بالضمان"، فلما كان ضمان هذه الأشياء قبل البناء منهما بإجماع أصحاب مالك، كانت الغلة بينهما، ووجه قول غيره أنه لما كانت لو هلكت هذه الأشياء قبل النكاح كان للزوج أن يدخل ولا شيء عليه بإجماعنا، كان الصداق في يدها أو في يد الزوج، صح أن ضمانه من الزوجة فوجب أن تكون الغلة لها. وقول ابن القاسم أصح لأن ملك الزوجة للصداق ملك غير مستقر قبل البناء، وإذا وقع البناء صح ملكها ووجب عليها ضمانه ولها غلته، فإذا طلق الزوج قبل البناء صح ملكها للنصف وملكه للنصف، فوجب أن تكون الغلة بينهما ونحوه لابن يونس، ووقع لابن القاسم في الرهن من المدونة ما ظاهره موافقة هذا القول لأنه قال: ومن رهن امرأته رهنًا قبل البناء، ويمكن تأويل هذا على أنها تملك الجميع ملكًا ظاهرًا لا حقيقة، ألا ترى أن لها الهبة والبيع الصدقة والإعتاق بشرط أن يكون ذلك ثلث مالها فأقل، ولهذا أوجب عليها في المدونة زكاة الفطر، وقول المصنف لأن ضمانه إذا طلقها منهما هو توجيه لابن القاسم لأن القائل الآخر يوافقه على ذلك.
الضمير في قول المصنف: (أَوْ رَجَعَ) عائد على النصف، التقدير: أو رجع النصف للزوج بعد أن ملكته، وهذا ينبني على أن المرأة تملك الجميع بالعقد، وهذا الكلام كله يقتضي أن المشهور أن المرأة تملك بالعقد النصف وهو خلاف ما شهره صاحب الجواهر وابن راشد فإنهما قالا: المشهور لا تملك المرأة بالعقد شيئًا. وعلله ابن راشد بجواز طروء الفسخ ولو تقرر لها شيء لما سقط ملكها عنه.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
ويقع في بعض النسخ: (وزيادته ونقصانه له وعليه)، ولعل ذلك ليوافق كلامه في الجواهر. والصحيح هنا ما قدمناه، وفي كلام صاحب الجواهر نظر لمخالفته للمدونة، ثم إن البناء الذي ذكره المصنف لا يوافق هذه النسخة، واخلتف إذا أصدقها جارية ثم وطئ تلك الجارية قبل البناء، فهل يحرم أم لا؟ بناء على القولين اللذين ذكرهما المصنف.
وفِي مَعْنَى الصَّدَاقِ مَا يَنْحَلُهُ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ أَوْ لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ لأَجَلِهِ إِذَا شَرَطَهُ لأَنَّ لِلزَّوْجَةِ أَخْذَهُ مِمَّنْ نَحَلَهُ ..
أي: يلحق بالصداق في التشطير ما ينحله، أي: يهبه الزوج للمرأة أو وليها أو غيرهما في العقد أو قبله إذا كان ذلك على شرط النكاح لأن الهبة للجميع، والنكاح داخله في العوض، واستدل المصنف على ذلك بأن للزوجة أخذه، ولو لم يجب لها لم يكن لها أخذه.
ابن حبيب: ولو أن المرأة أجازت ذلك لوليها ثم طلقها الزوج قبل البناء رجع الزوج بنصف ذلك الحباء على وليها أبًا كان أو غيره، كانت المرأة مولى عليها أم لا، ثم للمرأة أن تأخذ النصف الآخر إن كانت مولى عليها، والدليل على أن لها أخذه ما خرجه أبو داود عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ، قال: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرجل: ابنته أو أخته" وفي الموطأ: أن عمر بن عبد العزيز كتب لبعض عماله أن ما اشترطه الولي من الحباء فهو للمرأة إن أحبته، واحترز المصنف بقوله: في العقد أو قبله، مما بعد العقد فإنه للولي كما نص عليه في الحديث وكذلك نص عليه في البيان.
فروع:
الأول: لا إشكال في الهدية المشترطة في العقد أنها كالصداق تتشطر بالطلاق ويلزم الجميع بالموت أو بالدخول، وإن لم تشترط فاختلف قول مالك في العتبية، هل يقضي بما
[ ٤ / ٢٢١ ]
جرى العرف أن يهدى عند الأعراس، واختار ابن القاسم عدم القضاء، قال: ومما يبين ذلك لو مات أو ماتت لما كان لها فيه شيء فهذا يدلك أنه لا يقضى له وإن كان ذلك مما جروا عليه، وسئل ابن عتاب عن الهدية التي يهديها الأزواج للوزجات كالخفين والجوربين ونحوهما، هل يقضي على الزوج به إن امتنع، فقال: يقضي بهما عليه على قدره وقدرها وقدر صداقها وليس عليها أن تثيبه إلا أن تشاء [٣٣٢/ أ] قيل: فهل يقضى عليه بالعرس والأجرة للخلوة المتعارفة عندهم، فقال: لا يقضى عليه بذلك إن امتنع منه ويؤمر ولا يجبر.
ابن القاسم: ولا تلزمه الوليمة إن أباها لأنها حسنة وليست بواجبة وبه قال ابن لبابة، وقال أبو الأصبغ: الصواب عندي أن يقضى بالوليمة لقوله ﵊ لعبد الرحمن: "أو لم ولو بشاة" مع العمل به عند الخاصة والعامة، بخلاف ما يعطى للمشاطة على الجلوة هذا مما لا يقضي به عندنا ولا بأجرة ضارب ولا كبر.
خليل: وينبغي أن يجري على هذا الخلاف ما يهديه الأزواج للزوجات في المواسم كعيد الفطر والأضحى، والظاهر القضاء لأن العرف عندنا كالشرط.
الفرع الثاني مرتب، اختلف على القول بالقضاء بالهدية على قولين:
الأول: لابن حبيب أنها تجري مجرى الصداق في التشطير بالطلاق والتكميل بالموت.
والثاني: لمالك إبطالها عن الزوج في الموت والطلاق، وعلى قياس قوله هذا؛ إن طلق بعد أن دفعها لم يرجع بشيء منها، وعلى القول بعدم القضاء بها فهي هبة لابد لها من حيازة وتكون كالهدية المتطوع بها بعد عقد النكاح.
واختلف في المتطوع بها بعد العقد، فحكى المتيطي في رجوع النصف إليه إ ذا طلق قبل البناء قولين: ظاهر المذهب أنه لا شيء له وإن كان قائمًا لأنه طلق باختياره، قاله ابن القاسم ورواه ابن نافع عن مالك.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
والثاني لمالك أيضًا أنه إن طلق قبل البناء رجع بنصفها، وإن طلق عليه لعدم النفقة فأجراها بعضهم على القولين في القضاء للمرأة حينئذ بنصف الصداق، فمن أوجب لها النصف لم يجعل له رجوعًا في الهبة ومن لم يحكم بالنصف جعل له الرجوع فيه بشرط قيامها، وإن كان النكاح فاسدًا وفسخ قبل البناء فقال ابن القاسم: له ما أدرك من هديته، وإن فسخ بعد البناء فقال أصبغ: إن أهداه قبل البناء فلا شيء له وإن وجدها قائمة لأن الذي أهدى عليه قد وصل إليه، ولو كان إنما أعطاها ذلك بعد البناء ثم فسخ نكاحها بحدثان ذلك فله أخذ ما أعطاها لأنه إنما أعطاها على ثبات الحال والعشرة، وإن كان الفسخ بعد طول الزمان سنتين أو سنين فلا أرى له شيئًا، وإن وجدها بعينها، لأن الذي أعطى له قد نتج وانتفع به، فالفسخ كطلاق حادث منه.
ابن عبد السلام: وإن كان النكاح صحيحًا واطلع على عيب في المرأة فردها قبل الدخول رجع في الهبة على ما في كتاب الصرف من المدونة في الذي يهب لأجل البيع خلافًا لسحنون، وهذا إن كانت الهبة قائمة، فإن دخلها نقص أخذها على حالها ولا شيء له، وإن زادت كان لها أن تدفع قيمتها يوم أعطاها، قال بعضهم: والقياس أنها له بزيادتها وإن فاتت بهلاك، فمن الشيوخ من قال: لا شيء عليها، كمن أثاب عن صدقة ظنًا منه أنه يلزمه، ومنهم من أنكر هذا التشبيه.
الثالث: إذا شور الأب ابنته بجهاز من ماله أو وهب لها ذلك وأورده بيت البناء صح للبنت ملك الهبة حيًا أو مات أو إيراده في بيت البناء من أعظم الحيازة بل لها ذلك بالإشهاد وإن لم يجزه في بيتها، فقد سئل ابن أبي زمنين عن الجارية البكر تتخذ الشورة في بيت أبيها بصنعة أو يد أمها أو يشتري ذلك لها أبوها ثم يموت الأب فيريد ورثة الأب الدخول مع الابنة، فقال: أما ما كان من ذلك قد سماه لها وأشهد أنه شورة لابنته أو لم يشهد عليه إلا أن الورثة يقرون أن ذلك كان لابنته مسمى ومنسوبًا إليها فلا دخول
[ ٤ / ٢٢٣ ]
للورثة فيه، وحوز مثل هذا أن يكون بيد الابنة أو الأم لا يستطاع حوزه إلا بمثل هذا، لأنها لو كلفت كلما عملت شيئًا أو اشترى لها أبوها شيئًا أن يخرجه الأب لشق ذلك لأنه مما يستفاد شيئًا بعد شيء.
الرابع: لو أشهد أن الذي شور ابنته به إنما هو على وجه العارية نفعه ذلك ولو أن يسترده متى شاء ولو طال ذلك وإن جهزها ولم يصرح بهبة ولا عارية ثم ادعى أنها عارية عندها، فإن قام عن قرب من البناء فالقول قوله مع يمينه كان ما ادعاه معروفًا له أم لا سواء أقرت بذلك البنت أم لا إذا كان فيما ساق لزوجها وفاءً بما أعطاها سوى هذا الذي ادعاه الأب وإن بعد فلا قيام له. قال في الواضحة: وليس السنة بطول، وقال غير واحد من الموثقين، إن قام قبل العام فالقول قوله بغير يمين لأن مثل هذا عرف بين الآباء وإن قام بعد العام أشهرًا لم يلتفت إلى قوله، وقال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم: العشرة الأشهر عندي كثيرة تقطع حجة الأب. بعض الموثقين: وإن كان قيام الأب على بعد من البناء والأصل له معروف أم لا، ثم قام فليس له ذلك وهو للابنة بطول حيازتها ولا ينفعه إقرار الابنة إذا أنكر ذلك الزوج. ابن الهندي: إلا أن تكون خرجت من ولاية أبيها فيلزمها الإقرار في ثلثها وللزوج مقال فيما زاد على الثلث، ولا تقبل دعوى العارية إلا من الأب في ابنته البكر فقط وأما الثيب فلا لأنها لا رضى للأب في مالها.
وَمَا زَادهُ فِي صَدَاقِهَا طَوْعًا بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ لَمْ تَاخُذْ [٣٣٢/ ب] مِنْهُ فِي الْمَوْتِ شَيْئًا لأَنَّهَا عَطِيَّةُ لَمْ تُقْبَضْ، وتاخُذُهُ أَوْ نِصْفَهُ فِي الطَّلاقِ
يعني: إذا زاد الرجل زوجته شيئًا في صداقها بعد العقد فإنه يبطل في الموت أو الفلس لأنها عطية لم تقبض، وهذا هو المشهور. وقال ابن الجلاب: القياس عندي أن تجب لها الزيادة ونحوه للأبهري وغيره من شيوخنا العراقيين، ووجهه أنكم لما حكمتم بالتشير للطلاق دل على أن الزيادة محكوم لها بكونها من الصداق إذ لو كانت عطية لما تشطرت
[ ٤ / ٢٢٤ ]
بالطلاق، وإذا حكم لها بحكم الصداق يلزم ألا تبطل بالموت، والجواب لابن القاسم أنها عطية لكن إنما التزمها على صفة أن تكون صداقًا، فلأجل هذا أبطلناها بالموت، وقلنا أنه لا يلزمه في الطلاق إلا النصف لأنه لم يلتزم إلا ذلك.
قوله: (وتاخُذُهُ أَوْ نِصْفَهُ فِي الطَّلاقِ) أو للتفصيل، أي: تأخذه كله إن وقع الطلاق بعد البناء أو نصفه إن وقع قبله.
وَتَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ فِي الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوهَا يَوْمَ أَفَاتَتْهُ، وَقِيلَ: يَوْمَ قَبَضَتْهُ بِنَاءً عَلَيْهِمَا، أَوْ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ
يعني: إذا وقع الطلاق بعد الفوات فإن الزوج يرجع عليها في المثلي بالمثلي، وفي المقوم بالقيمة.
فإذا وهبت العبد أو دبرته أو أعتقته أو باعته رجع عليها بنصف القيمة يوم الإفاتة على المشهور، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال: غيره فيها بل بنصف قيمته يوم القبض.
وقوله: (بِنَاءً عَلَيْهِمَا) أي: على القولين السابقين أو التعليلين، أي: هل تملك النصف أو الجميع؟ وهو ظاهر.
قوله: (أَوْ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ) معطوف على القيمة، أي: تتعين القيمة في الهبة والعتق ونصف الثمن في البيع يريد بشرط عدم المحاباة، ونبه بقوله: (نِصْفَ) على أن لفظ القيمة المذكورة أولى من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، لأنه إن أوجب نصف الثمن في البيع فبالضرورة يجب نصف القيمة في الهبة ونحوها. ولو قال المصنف: وتتعين القيمة في الهبة والعتق والتدبير إلخ، وسكت عن البيع لكان أحسن؛ لأن ذكره البيع أولًا يقتضي أنه يتعين فيه نصف القيمة وليس كذلك.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وقوله: (أَوْ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ) ينافيه ولا يقال: أن (أَوْ) في قوله: (أَوْ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ) للتخيير، وأنه في البيع مخير في أن يرجع بنصف القيمة أو الثمن لأن النقل لا يساعده والله أعلم.
ولا يُرَدُّ الْعِتْقُ إِلا أَنْ يَرُدَّهُ الزَّوْجُ لِعُسْرِهَا يَوْمَ الْعِتْقِ، فَلا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءُ، فَانْ طَلَّقَهَا عتِقَ نِصْفُهُ كَالْمُفْلِسِ يعْتقُ ثَمَّ يَوسِرُ، وفِي الْقَضَاء عَلَيْهَا قَوْلانِ ..
يعني: وليس للزوج رد العتق إلا أن تكون معسرة حين العتق، يريد أو كان العبد أكثر من ثلثها فإن للزوج أن يرد ذلك، فإن علم ولم يرد جاز لعدم إنكاره. قال ابن القاسم في المدونة: ولا يختص هذا بالعتق بل وكذلك الصدقة والهبة.
وقوله: (فَلا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءُ) هو كقوله في باب الحجر: (وإذا تبرعت بما زاد فله أن يجيز الجميع أو يرده)، وقيل: أو يرد ما زاد على الثلث خاصة كالمريض سوى العتق لأنه لا يتبعض، وظاهره أنه يتفق في العتق على رد الجميع، ونقل ابن يونس عن ابن القاسم قولًا بأنه يعتق الثلث وإن كره الزوج، قال: ورواه عن مالك.
وقوله: (فَانْ طَلَّقَهَا عتِقَ .. إلخ)، هو قول ابن القاسم وهو المشهور ووجهه أن المانع وهو حق الزوج قد زال. وقال أشهب: لا يعتق منه شيء لأن الزوج رد عتقها فيه. وعلى المشهور فنص ابن القاسم في المدونة على أنها لا تجبر على العتق بل تؤمر به، وقال غيره: تجبر عليه.
وَيَتَعَيَّنُ مَا اشْتَرَتْهُ مِنَ الزَّوْجِ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ، أَوْ غَيْرِهِ نَمَا أَوْ نَقَصَ أَوْ تَلِفَ، وكَأَنَّهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُعْطِيَهُ نِصْفَ الأَصْلِ إِلا بِرِضَاهُ بِخِلافِ غَيْرِهِ ..
يعني: إذا أصدقها عينًا فاشترك به من الزوج شيئًا لا يصلح لجهازها من عبد أو دار أو نحوه فالصداق في الحقيقة ما أخذته وذكر العين مبلغًا وسواء نما ما اشترته أو نقص فيتعين ما
[ ٤ / ٢٢٦ ]
أعطى فلا يكون له إذا فسخ إلا هو ولا إذا طلق قبل البناء إلا نصفه، وهذا مذهب المدونة وقال عبد الملك: إذا طلقها قبل البناء يرجع عليها بنصف الأصل، وقيد القاضي إسماعيل ما في المدونة بما إذا قصدت بأخذ ما اشترته التخفيف، وفهمها الأكثرون على الإطلاق.
قوله: (ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلخ)، ولأجل ما قلنا من أن الصداق في الحقيقة ما اشترته لو أرادت إمساكه، وإعطاء نصف الأصل، أي: العين لم يكن لها ذلك إلا برضا الزوج، وهذا إنما ذكره في المدونة فيما اشترته من غير الزوج ما يصلح للجهاز لكن لا فرق.
وقوله: (بِخِلافِ غَيْرِهِ): ما لو اشترت من غير الزوج ما لا يصلح للجهاز، فإنه يرجع عليها بنصف الأصل لتعديها بشرائها إذا لم يأذن لها فيه.
وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَتْهُ مِنْهُ ومِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِهَازِ مِثْلِهَا
يعني: أن ما تقدم من مخالفة الشراء من الزوج للشراء من غيره إنما هو إذا اشترت ما لا يصلح للجهاز كما ذكرنا، وأما إذا [٣٣٣/ أ] اشترت ما يصلح للجهاز فلا فرق بين الزوج وغيره، فلا يرجع إلا بنصفه لأنها مجبورة على شراء ذلك، وهذا ما لم تكن ذات عيب، وأما إن كان بها عيب يوجب الرد فله الخيار في أخذ العين أو الجهاز لأنها كانت في حكم المتعدي قاله اللخمي، وهذا إذا علم بالعيب فطلق، ويختلف إذا لم يعلم حتى طلق.
فرع: من حق الزوج أن يلزم الزوجة أن تتجهز بصداقه. قاله مالك وجميع أصحابه إلا ابن وهب فإنه لم يلزمها التجهيز به، وحكى ابن لبابة أنها تمسك منه ربع دينار لئلا يعرو البضع عن صداق، وأنكر لأنها إذا تجهزت بجميعه كان في حكم مالها.
مالك في الموازية: وإن كان العرف أن تشتري منه خادمًا فعل ذلك، ويلزمها أن تصرفه فيما جرى العرف به وتفعل الأوكد فإن وكد قيل: لا، لو جعلت الجميع في طيب ثم تطالبه بعد ذلك بالكسوة لكان ضررًا على الزوج.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
اللخمي: وإن كان الصداق دارًا أو خادمًا فليس عليها أن تبيع ذلك لشورتها، وعلى الزوج أن يأتي عند البناء بما يحتاج إليه من غطاء ووسد وهذا مع العادة، وإن كانت العادة أن الأب يأتي بمثل ذلك أو هي إن لم يكن أب ولم يره في الصداق لأجل ذلك، جرى على الخلاف بالقضاء بهدية لاعرس هل تبقى علاصله مكارمة ويقضي به للعادة، وإن زيد في الصداق لأجله أجبر الأب أو هي، قال: وكذلك إن أصدقها شيئًا يكال أو يوزن لها أن تحبسه وليس عليها أن تتشور به.
المتيطي: وقال بعض الموثقين: إن كان النقد عوضًا أو حيوانًا أو طعامًا أو كتابًا أو ثيابًا وجب عليها بيعه والتجهيز به، ونص ابن زرب على أن المرأة يلزمها بيع العقار للتجهيز بثمنه كما قاله اللخمي، وهل للأب بيع ما ساقه الزوج لها من الأصول قبل البناء؟ حكى القاضي محمد بن بشير أن هليس له ذلك للمنفعة التي للزوج فيه، وقال غيره: له أن يفعل في ذلك ما شاء على وجه النظر ولا مقال للزوج فيه، أما إن أرادت الزوجة أو أبوها بيع المسوق إليها في صداقها وتشتري بثمنه جهازًا من حلي وغيره فليس للزوج في ذلك متكلم، رواه عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وإذا كان الصداق عينًا وحكمنا بوجوب التجهيز فإنها تمنع أن تنفق منه أو تكتسي. مالك: إلا أن تكون محتاجة فتأكل وتكتسي بالمعروف. قال في الديات من المدونة: ولا تقضي منه دينًا قبل البناء إلا الشيء الخفيف كالدينار ونحوه، وأما بعد البناء فلها قضاء دينها من شوارها وكالئ صداقها وليس لذلك بعد البناء حد، رواه يحيى عن ابن القاسم.
ابن حارث: وأما القديم فلا، ولا يلزم الزوجة أن تتجهز بكالئها إذا بر قبضته بإثر البناء، فإن تأخر البناء حتى قبضت كالئها لزمها أن تتجهز به، وإن أبت أخذه لئلا يلزمها التجهيز به ودعاها الزوج إلى قبضه والتجهيز به لزمها ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، وقال بعض الموثقين: ليس عليها أن تجهز بكالئها إذا قبضته قبل البناء.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وَلَوْ أَصْدَقَهَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا وهُوَ عَالِمُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ، ورَجَعَ إِلَيْهِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ ..
قوله: (وهُوَ عَالِمُ) إن علم أنه يعتق عليها كذا فسره ابن القاسم، يعني: إذا تزوجها بمن يعتق عليها فالنكاح صحيح ولا يعتق، ثم إن طلق قبل البناء فاختلف قول مالك، هل يرجع عليها بنصف قيمته أم لا؟ فوجه عدم الرجوع أنه لما علم أن ملكها ألا يستقر عليه فقد دخل على ألا شيء له، وكأنه دخل على الإعانة على العتق، فلو رجع كان في ذلك رجوعًا عما أراد، ووجه اختيار ابن القاسم أنه لما خرج من يده لأجل البضع، وقد استقر ملكها عليه، ولولا ذلك لم يصح النكاح ولم يعتق عليها وقد انتفعت بعتق قريبها فكان ذلك كاشترائها له.
قوله: (ورَجَعَ إِلَيْهِ) يقتضي أن مالكًا قال أولًا بالرجوع ثم رجع إلى عدمه، وهذه المسألة في المدونة وليس فيها ما يدل على أولية الزمان وإنما ذكر الأولية بحسب الذكر، فنقل عن مالك الرجوع ونقل بعده استحسان عدم الرجوع.
قال: وقوله (الأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَ) فالأول هنا إنما هو باعتبار الحكاية لا باعتبار الزمان، هكذا قال ابن عبد السلام: وحكى في البيان الاتفاق على جواز النكاح إذا تزوجها على أبيها أو أخيها أو من يعتق عليها، وظاهر كلام المصنف وكلامه في المدونة على ما أشار إليه فضل أنه لا فرق في ذلك بين البكر والثيب، وقال ابن حبيب في الواضحة: وقول من كاشفت من أصحاب مالك، وذكر في التنبيهات عن بعضهم أنه تأول المدونة على أنه يعتق على البنت الرشيدة، وأما البكر والسفيهة فلا يجوز ذلك للولي لأن العتق ضرر، كما لا يجوز للوصي أن يشتري لمن يلي عليه من يعتق عليه.
ابن يونس وعياض: وهو خير من كلام ابن [٣٣٣/ ب] حبيب في البكر، واعلم أن لهذه المسألة أربع صور: إما أن يعلما؛ أو يجهلا؛ أو يعلم الزوج فقط؛ أو الزوجة فقط، ونص
[ ٤ / ٢٢٩ ]
اللخمي على جريان القولين اللذين حكاهما المصنف فيما إذا علما أو جهلا، قال: وعدم الرجوع في جهلهما أبين، لأنه بمنزلة ما لو هلك بسماوي وذكر عياض أن حمديس فسر المدونة: بما إذا كان الزوج عالمًا وأن أكثرهما اختصرها كذلك ولم يقيد بعلم الزوج، فيشكل القول بعدم رجوعهعلى المرأة، ونص ابن حبيب على أنه يعتق عليها في الأوجه الأربعة قال: وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا لما قدمنا عنه. قال في البيان بعد كلامه: وهذا في البكر إذا لم يعلم الأب أو الوصي، وأما إذا علم فلا يعتق عليها.
واختلف هل يعتق عليه هو على قولين، وأما إذا أعتق عليها ولم تعلم وعلم الزوج رجعت عليه بقيمته لأنه غار، وقيل: أنه لا يعتق عليها إذا غرها به، وترد إليه ويكون لها قيمته أو نصف قيمته إن طلقها قبل البناء، واختلف في ذلك قول ابن الماجشون، وقال ابن كنانة: إذا غرها يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل وتغرم له قيمته ويعتق عليها، وأما إن علمت ولم يعلم الزوج فلا رجوع لها عليه، وله هو إن لم يعلم وعلمت هي، أو لم تعلم إن لم يكن لها مال أن يرد عتقه ليباع في جهازها، وأن يرجع في نصفه إن طلقها قبل الدخول.
وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خُيِّرَتْ فَإنْ فَدَتْهُ لَمْ يَاخُذْ نِصْفَهُ إِلا بِنِصْفِ فِدَائِهِ أَوْ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَتْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ إِلا أَنْ تُحَابَي ..
أي: إذا جنى العبد الصداق وهو في يد المرأة خيرت في فدائه أو إسلامه، فإن فدته فإما أن تفيده بمثل أرش الجناية أو أقل أو أكثر، فإن فدته بمثلها أو أقلفليس له إذا طلق أن يرجع في نصف العبد إلا إذا دفع نصف ما فدته به، وهذا معنى قوله: (بِنِصْفِ فِدَائِهِ) وإن فدته بأكثر فلا يلزم الزوج الأكثر بل له أن يدفع نصف الجناية ويأخذ نصف العبد لأنها متبرعة بالزائد، وهذا معنى قوله (أَوْ جِنَايَتِهِ) فتكون (أَوْ) للتفصيل؛ أي يكون على الزوج نصف الفداء إن كان مثل أرش الجناية أو أقل، ونصف الأرش إن فدته بأكثر،
[ ٤ / ٢٣٠ ]
هكذا قرر ابن راشد هذا الموضع، ويدل عليه أنها لو أسلمته لم يرجع بشيء إلا أن تحابي بأن تكون قيمة العبد أكثر من أرش الجناية.
قال في المدونة: وإن أسلمته فلا شيء للزوج إلا أن تحابي، فلا يجوز محاباتها على الزوج في نصفه.
ابن المواز: إذا حابت كان الزوج على خيار، إن شاء أجاز دفعها وإن شاء غرم نصف الجناية وكان به نصف العبد، وحمل ابن عبد السلام كلام المصنف على أنه إذا فدته بأكثر من الأرش لا يكون له أخذه إلا بعد دفع ما فدته به كما في المثل والأقل، قال: لأنها كالمشترية له بالفدية، وقد صرح الشيخ أبو محمد بخلافه ويتبين لك ذلك بكلام ابن يونس قال: ومن المدونة: ابن القاسم: وإن كانت المرأة قد فدته – يريد قبل الطلاق- لم يأخذ الزوج منها نصفه إلا أن يدفع إليها نصف ما فدته به.
ابن المواز: وإن حابت. أبو محمد: يريد إلا أن تعطيه أكثر من الأرش. وكذلك قال اللخمي مثل الشيخ أبي محمد، ومعنى كلام ابن المواز: وإن حابت؛ أي تفديه بقيمة الأرش وهو أكثر من قيمة العبد. كذا فسره ابن يونس وأبو الحسن.
ابن يونس: وإنما لم يرجع في نصف العبد إلا بعد دفع نصف الأرش وإن كان أكثر من قيمة العبد، لأنها لو أسلمته في الأرش لم يكن للزوج أن يأخذ نصفه إلا بعد دفع نصف الأرش، ولعل ابن عبد السلام اعتمد على ظاهر كلامه في المدونة، وكلام ابن المواز.
ويقع في بعض النسخ بإثر هذه المسالة ما نصه: ولو جنى وهو في يد الزوج فليس له دفعه، وإنما ذلك للمرأة وهو كذلك في المدونة، ووجهه ظاهر لأن الصداق قبل الطلاق من حقوق المرأة.
[ ٤ / ٢٣١ ]
وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَمَا لا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وما يُغَابُ عَلَيْهِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَديْهِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةُ فَقَوْلانِ ..
لهذه المسألة نظائر في ضمان ما يغاب عليه وعدم ضمان ما لا يغاب عليه، وهي الرهن والعارية والمبيع بالخيار والمحبوسة في الثمن على المشهور في المحبوسة، وما ذكره من عدم الضمان في ما لا يغاب عليه هو المشهور، وذكر ابن حارث أنهم اختلفوا إذا مات العبد في يدها ثم طلقها قبل البناء على قولين:
روى أشهب أنه يرجع عليها بنصف قيمته.
وقال أشهب وابن نافع: لا يرجع عليها بشيء، وهل يحلف من هو بيده فيما لم يغب عليه ما فرطت ولا ضيعت فينبغي أن يجري فيه الخلاف الذي في الرهن وفي سائر أيمان التهم.
ثالثها: تتوجه على المتهم دون غيره. ورأى عبد الحق أن اليمين تتوجه، وإن قلنا أن أيمان التهم لا تتوجه في غير هذا الموضع لأنه قبض لحق نفسه.
وقوله: (وما يُغَابُ عَلَيْهِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَديْهِ) أي: ضمانه ممن هو في يديه من الزوجين، وأما لو كان بيد أمين فهو كالأول، فإن قامت بينة بهلاك ما يغابعليه، فقال ابن القاسم: يبرأ؛ لأن الضمان عنده بالتهمة وقد زالت بقيام البينة، وقال أشهب: لا يبرأ لأن الضمان عنده [٣٣٤/ أ] في هذا القسم بالأصالة، وظاهر هذين القولين التعميم؛ أي أعني سواء كان لهذا الذي يغاب عليه مكيلًا أو موزونًا أو عينًا. وحكى في البيان ثالثًا: أن العين تضمن مطلقًا والمكيل الموزون يضمن إلا أن تقوم البينة.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
وَمَا أَنْفَقَ عَلَى الثَّمَرَةِ مِنْ سَقْيٍ وعِلاجٍ عَلَيْهِمَا، وفِي رُجُوعٍ مَنْ أَنْفَقَ مِنْهُمَا عَلَى الْعَبْدِ قَوْلانِ ..
نحوه في الجواهر، وهو يقتضي الاتفاق على الرجوع في الثمرة، وقال اللخمي: النفقة تابعة للغلة. فخرج على قول عبد المالك أنها لا ترد الغلة قولًا بأنها لا ترجع بنفقة الثمرة، والقول بأنها ترجع بنفقة الثمرة وبما أنفقت على العبد لابن المواز وعبد الملك، ونصا مع ذلك على أنها ترد نصف الغلة. اللخمي: ولا وجه له.
والقول بأنها ترجع بنفقة العبد هو الجاري على المشهور، هكذا أشار إليه اللخمي وابن راشد.
اللخمي: وترجع عليه بنصف النفقة ما لم تكن له غلة فلا رجوع عليها بشيء.
ابن عبد السلام: واختلفت طرق الشيوخ فمنهم من جعل الرجوع بالنفقة تابعًا للغلة، ومنهم من جعل الغلة بينهما والنفقة على المرأة، ومنهم من قال: أما الأصول وشبهها فعلى القول بأنها تملك نصف الصداق فترجع بنصف الغلة، وعلى القول بأنها تملك الجميع اختلف على قولين، على الخلاف فيمن أنفق فيما استحق عليه بالشفعة وشبه ذلك، واختلف أيضًا إذا أنفقت عليه في تعليم صنعة أو تأديب، فنقل اللخمي عن مالك في المبسوط: أنها ترجع بنصف ما أنفقت على العبد والجارية إذا ارتفع ثمنهما كذلك. وقال بعض الشيوخ: لها الأقل من نصف ما أنفقت أو نصف ما زاد الثمن بذلك ونقل ابن يونس عن ابن القاسم ومالك أنها لا ترجع بما أنفقت عليه في تعليم صنعة، وقال: وهو يدل أنها لو أنفقت عليه في طعام وملبس أنها ترجع عليه، وجعل هذا خلافًا لقول ابن حبيب الذي نقله عنه بعدم الرجوع بما أنفقته على العبد.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
اللخمي: وأرى لها الأقل من نصف ما أنفقت أو نصف ما زاد ثمنها، والفرق على أحد القولين بين النفقة على الثمرة والعبد من وجهين:
أولهما: أن الثمار إنما نشأت عن السفر والعمل بخلاف العبد، فإن النفقة إنما حفظت قوته.
ثانيهما: أن العبد يخدم ويتجمل به فكانت النفقة في مقابلة ذلك.
اللخمي: ويختلف إذا كان العبد صغيرًا لا غلة له أو دابة لا تركب أو شجرًا لا يطعم فانتشأ كل ذلك بنفقة الزوجة ولم تأخذ غلة، هل للزوج نصف ذلك ويدفع النفقة أو يكون فوتًا ويأخذ قيمة نصيبه يوم قبضه؟
فرع: إذا قبضت المرأة الغلة فقال محمد: ما اغتلت فهلك بيدها من غير سببها لم تضمن، وهي فيه مصدقة مع يمينها إن أخذت في الغلة حيوانًا، ولا تصدق في هلاك العين إلا ببينة، وأما الزوج فهو ضامن لما اغتل من عين وغيره لأنه متعد في استغلاله.
وَإِذَا وَهَبَتْهُ جَمِيعَ صَدَاقِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْضَهُ رَجَعَ أَوْ رَجَعَتْ بِنِصْفِ الْبَاقِي.
يعني: إذا وهبت الزوجة صداقها لزوجها ثم طلقها قبل البناء لم ترجع عليها بشيء، ويصح أن يقرأ (ترجع) بالتاء المثناة من فوق، وهو أيضًا ظاهر إلا أن تدل قرينة على أن قصدها بالهبة واستصلاح عشرته ودوام عصمته، فيكون حكمه حكم ما لو أعطته مالًا على ألا يطلقها فطلقها وقد تقدم، وكذلك قال جماعة: إذا أقرضت زوجها وأخرته بذلك أجلًا ثم طلقها، أنه يحل عليه ما أجلته لأن مقصوده بالتأجيل حسن عشرتها وذلك مناف لطلاقها.
خليل: وينبغي أن يقيد جواز هبتها للزوج بما إذا لم يتفقا على النكاح بغير صداق، ولذلك قال مالك في الموازية: إذا وهبته قبل البناء جميع الصداق أجبر على ألا يدخل بها حتى يعطيها ربع دينار فأكثر، فإن لم يفعل حتى طلق فلا شيء عليه.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
وقوله: (وَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْضَهُ) مثاله: لو كان الصداق مائة فوهبته خمسين يرجع عليها إذا طلقها بخمسة وعشرين إن كان دفع إليها الصداق، وإن لم يدفع إليها شيئًا رجعت بخمسة وعشرين، وحاصله أن ما بقي بعد الهبة كأنه جميع الصداق، قال صاحب المحكم: ولا يقال وهبتك هذا قول سيبويه، وحكى السيرافي عن أبي عمران أنه سمع أعرابيًا يقول للآخر: انطلق معي أهبك نيلًا.
فقول المصنف (وَهَبَتْهُ) لا يأتي على مذهب سيبويه، ولم يقع في القرآن إلا معدًا باللام كقوله لأهب لك، ووهبنا له وهب لي، إلى غير ذلك.
وَلَوْ وَهَبَتْهُ لأَجْنَبِيِّ ويَحْمِلُهُ الثُّلُثُ وقَبَضَهُ قَبْلَ الطَّلاق رَجَعَ عَلَيْهَا دُونَهُ، وإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ قَبْلَهُ أُجْبِرَتْ هِيَ، وَيُجْبَرُ الْمُطَلَّقُ إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً يَوْمَ الطَّلاقِ، وقِيلَ: أَوْ يَوْمَ الْهِبَةِ.
يعني: ولو وهبت صداقها لأجنبي وحمله الثلث، فإن قبضه الموهوب له قبل الطلاق فلا رجوع للزوج على الموهوب له، وإنما يرجع عليها بنصفه واشترط أن يحمله الثلث لأنه إن جاوزه بطل جميعه إلا أن يجيزه الزوج.
وقوله: (ويَحْمِلُهُ الثُّلُثُ) ينبغي أن يكون خبر مبتدأ مضمر لأن الجملة حالية، والجملة الحالية إذا صدرت بمضارع لا يكون فيها واو، [٣٣٤/ ب] كما فعلوا في قول العرب: قمت وأصك عينه، وفي بعض النسخ: (وحمله الثلث) أي: وإن لم يقبض الموهوب له والمسألة بحالها أجبرت هي على إمضاء الهبة، ولا يجبر المطلق على دفعه إلا بشرط أن تكون موسرة يوم الطلاق، سواء كانت معسرة يوم الهبة أم لا، ولا شك في عدم إجباره إن كانت معسرة يوم الطلاق ويوم الهبة، لأنه قد تبين أن النصف له.
اللخمي: وعلى القول بأنها تملك بالعقد الجميع لا مقال للزوج فارق هو، وإن لم يكن له مقال من وجه ملكه لنصف الصداق فله مقال من جهة مال الزوجة، قيل: إذا طلق سقط
[ ٤ / ٢٣٥ ]
مقاله في مال الزوجة، وعاد مقاله من باب الدين والدين طرأ بعد الطلاق، وكانت وهبت ولا دين عليها، واختلف إذا كانت موسرة يوم الهبة ومعسرة يوم الطلاق، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجبر، وقال غيره فيها: يجبر، وهذا معنى قوله: إن كانت موسرة يوم الطلاق، وقيل: أو يوم الهبة، قيل: وقول ابن القاسم أصح لأن للزوج أن يقول لم يوجب لها الشرع غير نصف الصداق، كأن طلقت قبل البناء وما وهبته من النصف الآخر قد انكشف أنها لا تملكه وهو بيده فلا أدفعه وأتبع ذمة خربت كما لو كانت معسرة يوم الهبة والطلاق.
فرع: واختلف إذا قبض الموهوب له من المرأة جميع الصداق ورجع عليها الزوج بنصفه لأجل طلاقه، هل ترجع على الموهوب له بالنصف، ففي الموازية: لها أن ترجع عليه، وقال ابن الكاتب: دليل المدونة أنها لا ترجع لقوله فيها: وعلى الزوج دفع جميعه إلى الموهوب له فلو وجب لها الرجوع على الموهوب له لما دفع الزوج إليه شيئًا، ثم ترجع المرأة به إذ لا فائدة في ذلك.
خليل: وصرح في أصل المدونة بأنها لا ترجع بالنصف على الموهوب له. ونقله عياض وذكر عن بعضهم أنه تأول المدونة على ما إذا وهبت هبة مطلقة، وقالت للموهوب له: اقبضها من زوجي، ولو صرحت بهبة الصداق فلها أن ترجع كما في الموازية.
وَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ شَيْءٍ تُعْطِيهِ لَمْ يَبْقَ لَهَا طَلَبُ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
يعني: إذا خالعت الزوجة زوجها قبل البناء على أن تعطيه شيئًا من مالها عبدًا أو غيره وسكتا عن الصداق، فالمشهور أنها لا يبقى لها طلب بالنصف وسواء قبضته أم لا، وترده إذا قبضته لأنها لما دفعت من مالها دل على إسقاط حقها من نصف الصداق، والشاذ يحتمل أن يكون لها النصف سواء قبضته أم لا وهو قول أشهب، ويحتمل أن يكون لها النصف بشرط القبض وهو قول أصبغ، وقول أشهب أظهر من المشهور إذ لا يستباح
[ ٤ / ٢٣٦ ]
ملك أحد إلا بالنص منه أو الرضا، أما إذا نصت على الاتباع بنصف الصداق، أو اشترط عليها الاتباع، لاتبع الشرط بالاتفاق.
بِخِلافِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ رَدَّتْهُ
أي: وأما لو خالعت المدخول بها على شيء فإنه لا يسقط ذلك صداقها لتقرره بالدخول وسواء قبضته أم لا، نص على ذلك سحنون، وقال ابن عبدوس: إنما ذلك إذا قبضته وإن كانت لم تقبضه فلا شيء لها منه.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ إلخ)، هو راجع إلى الفرع الأول أعني: إذا لم يحصل دخول وقد تقدم.
ابن عبد السلام: ويقرب من مسألة ابن عبدوس وسحنون ما في المبسوط، في من خالع امرأته على أنها إن ولدت منه فعليها نفقته في الحولين، فقال مالك في المبسوط: ليس لها أن تطلبه بنفقة الحمل ولا بصداقها، وقال المغيرة: لها نفقة الحمل ولا شيء لها من الصداق، وقال بعضهم معناه والله أعلم أنها لم تكن قبضته يعني: الصداق وأما لو قبضته لم ينزع منها.
أَمَّا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ صَدَاقِهَا فَلَهَا نِصْفُ مَا بَقِيَ
ما لو كان صداقها ثلاثين دينارًا وخالعته على عشرة، فلها النصف الذي بقي أي: عشرة.
اللخمي: وسواء قالت له: خالعني أو طلقني إذا اشترطت العشرة من الصداق.
وَإِنْ لَمْ تَقِلَّ مِنْ صَدَاقِهَا لَزِمَهَا، ولَهَا تَمْلُكِ نِصْفَهِ
أي: تلزمها العشرة ولها النصف كاملًا وهو خمسة عشر فيتقاصان في عشرة وتأخذ منه خمسة فقط، وحاصله أن العشرة ساقطة في الصورة الأولى من جميع الصداق وفي الثانية من نصفه.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
واعلم أن هذه المسألة إذا لم تقل من صداق على وجهين، إن قالت طلقني على عشرة فاتفق ابن القاسم وأشهب على أن لها نصف صداقها، وإن قالت خالعني على عشرة، فاختلف فيها، فقال أشهب: لها نصف الصداق كالتي قبلها، وقال ابن القاسم: لا شيء لها وإن قبضته ردته، وكأنه رأى أن بعض الخلع يقتضي خلع ما لها عليه من حق وزادته عشرة دنانير.
وقال أصبغ: إن قبضته كان لها وإن لم تقبضه لم يكن لها منه شيء، وسواء قالت: خالعني أو طلقني، هكذا حكى اللخمي هذه الثلاثة الأقوال واستحسن قول أشهب؛ لأن قولها خالعني إنما يتضمن خلع النفس والإبراء من العصمة، ليس الاختلاع من المال، وعلى هذا فهذه المسألة بمنزلة ما إذا خالعته على عبد وشيء لأنه في كل من المسألتين حصل الخلع على شيء وسكت عن الصداق.
وعَفْوُ أَبِي الْبِكْرِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلاق مَاضٍ لا قَبْلَهُ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلا بِوَجْهِ نَظَرٍ ..
لقوله تعالى: [٣٣٥/ أ] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: إلا أن يعفو النساء المالكات لأمرهن عن النصف الذي لهن أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح.
ومذهب مالك أن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب في ابنته، ومذهب أبي حنيفة والشافعي أن الزوج ينبغي له أن يكمل لها الصداق، وقال بكل من القولين جماعة، ورجع مذهبنا بأن الذي بيده عقدة النكاح في المطلقة إنما هو الولي، ولا يقال أن المراد من بيده عقدة النكاح قبل الطلاق لأن الزوج إنما بيده وبأنا نحمل قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] على الأزواج وغيرهم فيكون أكثر فائدة، وبأن الخطاب كان من الأزواج لقوله: (فَرَضّتُمْ)، وهو خطاب مشابهة، فلو كانوا مرادين بقوله تعالى
[ ٤ / ٢٣٨ ]
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] للزم تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة وهو خلاف الأصل، وبأن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل، فلو كان المراد الزواج لقيل: إلا أن يعفون أو تعفوا عما استحق لكم.
وقوله: (بَعْدَ الطَّلاق) يعني للعفو شرطان: الأول: أن يكون قبل الدخول، فلا يجوز له أن يعفو بعده. والثاني: أن يكون بعد الطلاق؛ لأنه إنما ورد كذلك، ولأنه إذا كان بعد الطلاق؛ لأنه إنما ورد كذلك، ولأنه إذا كان بعد الطلاق تحصل للبنت بعد ذلك المصلحة وهي رغبة الأزواج فيها. وأجاز ابن القاسم عفو الولي قبل الطلاق أيضًا، ورأى أنه أجاز ذلك لأجل تحصيل زوج في المستقبل، فلأن يجوز للزوج الحاصل الذي لم يطلقها أولى.
ابن عبد السلام: ونقل المؤلف هو الصحيح لا ما قاله ابن بشير أنه لم يختلف ابن القاسم ومالك في جواز التخفيف قبل الطلاق إذا ظهرت المصلحة، كما لا يختلفان في عدم جوازه إذا علم مصلحته، ولم يختلفا إذا جهل الحال.
وقول المؤلف: (مَاضٍ) لا يفهم منه الجواز والمذهب الجواز.
تَمْيِيزُ مَا يُفْسَخُ بِطَلاقٍ مِنْ غَيْرِهِ: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ إِمْضَاؤُهُ وفَسْخُهُ، فَفَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، كَإِنْكَاحِ الأَجْنَبِيِّ يَرُدُّهُ الْوَلِيُّ، ومَا كَانُوا مَغْلُوبِينَ عَلَى فَسْخِهِ، فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلاقٍ، كَولايَةِ الْمَرْأَةِ والْعَبْدِ، وكَالشِّغَارِ، والْمَرِيضِ، والْمُحْرِمِ، وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وكَالْمُجْمَعِ عَلَى فَسْخِهِ
هذا قول مالك الأول وعليه أكثر الرواة، ورأى أن كل نكاح للزوج أو للزوجة أو للولي إمضاؤه وفسخه فهو منعقد حتى ينحل، فيكون حله بطلاق.
وقوله: (كَإِنْكَاحِ الأَجْنَبِيِّ) يرده الولي، مثال: لما الخيار فيه للولي، ومثال ما الخيار فيه للزوج إذا كان بالزوجة عيب وإن كان به فالخيار للزوجة. وعن أبي جعفر الأبهري: إذا وجد الزوج المرأة مجنونة أو مجذومة أن الرد بغير طلاق.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
اللخمي: ويلزمه أن يكون الحكم كذلك إذا كان العيب بالزوج والمعروف أن الفسخ للعيب بطلاق.
وقوله: (وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ) هو طريقة المغاربة.
وَعَنْ مَالِكٍ وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّ مَا اخْتُلِفَ فِي إِجَازَتِهِ وفَسْخِهِ، فَفَسْخُهُ بِطَلاقٍ كَوِلايَةِ الْعَبْدِ والْمَرْأَةِ، وكَالشِّغَارِ والْمَرِيضِ والْمُحْرِمِ وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ، ومَا فُسِخَ بِطَلاقٍ يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ، والطَّلاقُ والْمُوَارَثَةُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْفَسْخُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، ومَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلاقٍ، ولا يَقَعُ بِهِ طَلاقُ. وَلا مُوَارَثَةَ كَالْخَامِسَةِ وأُخْتِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا ..
راعى في هذا قول من قال بالصحة والاختلاف في نكاح المريض والصداق الفاسد قبل البناء في المذهب، والخلاف في نكاح المحرم وإنكاح المرأة نفسها لأبي حنيفة ﵁ فإنه يجيزهما.
وذكر في المدونة أن نكاح الشغار من المختلف فيه، وفي النكت قال بعض شيوخنا في مثل نكاح المحرم والشغار ونحوه مما لا ينعقد عندنا ويجوز عند غيرنا: تقع فيه الحرمة بلا اختلاف. وفي الباجي عن أبي عمران أن الشغار لا خلاف في منعه وإنما اختلف في فسخه، وكذل كقال غيره وقاله ابن عبد السلام.
خليل: وعلى هذا فيكون ما أشار إليه من الخلاف في المدونة في نكاح الشغار إنما هو بعد الوقوع لا في الجواز ابتداءً كما قال أبو عمران وغيره، وبه تعلم أن قول ابن عبد السلام أن ابن القاسم إنما قال بالفسخ بطلاق في المختلف في جوازه ابتداءً ليس بظاهر، ولا أعلم من قال بجواز كون العبد وليًا. ولم يتعرض للنكاح المختلف فيه ليفصل في الخلاف هل هو شاذ أو مشهور؟ ورأى ابن بشير أنه لا يختلف في مراعاة القول الشاذ من سلم مراعاة الخلاف المشهور، وقد تبين لك من كلام المصنف أن كل ما يفسخ بطلاق على القول
[ ٤ / ٢٤٠ ]
الأول يفسخ بذلك على الثاني، وليس كل ما يفسخ بطلاق عن الثاني يفسخ به على الأول وهو واضح.
وقوله: (يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ) أي تحريم المصاهرة من كونها تحرم على أبنائه وآبائه، وتحرم عليه أمهاتها وبناتها كما تقدم.
وقوله: (والطَّلاقُ) أي إذا أوقعه الزوج قبل الفراق، ويتوارثان قبل الفسخ إلا أن يكون الفسخ لحق الورثة في نكاح المريض فلا إرث فيه، لأنا لأجل الإرث فسخناه.
وقوله: (ومَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسْخِهِ إلخ) ظاهر التصور، واعلم أن ابن بشير وغيره ذكروا عن بعض القرويين أن ابن القاسم وإن قال بمراعاة الخلاف في هذا الباب، فإنه لا يضره ذلك حتى يفسخ نكاحًا صحيحًا على مذهبه لمراعاة مذهب غيره، مثاله: أن يتزوج تزويجًا مختلفًا فيه، ومذهبنا أنه فاسد، ثم إن طلق فيه ثلاثًا فابن القاسم يلزمه الطلاق ولا يتزوجها [٣٣٥/ ب] إلا بعد زوج، فلو تزوجها قبل زوج لم يفسخ نكاحه؛ لأن التفريق حينئذ إنما هو لاعتقاد فساد نكاحها، ونكاحها عنده صحيح، وعند المخالف فاسد، ولا يمكن الإنسان ترك مذهبه لمراعاة مذهب غيره، يريد: أن منعه من تزويجها أولًا إنما كان مراعاة للخلاف، وفسخ النكاح ثانيًا لو قيل به لكان مراعاة للخلاف أيضًا، فلو رعي الخلاف فيهما لكان ترك المذهب بالكلية، وشرط مراعاة الخلاف عند القائل به لا يترك المذهب بالكلية.
ابن عبد السلام: وهو كلام لا بأس به إن كان موجب الطلاق عند ابن القاسم مراعاة الخلاف ليس إلا، وأما إذا كان لحصول شبهة النكاح المقتضية للحوق الولد ودرء الحد وغير ذلك من الأحكام التي ساوى فيها هذا النكاح الصحيح، فالطلاق حينئذ واقع كوقوعه في النكاح الصحيح، فيفسخ النكاح إن تزوجها قبل زوج، ولا يقال: لا يصح أن تكون الشبهة هي المقتضية لوقوع الطلاق لحصولها في النكاح المجمع
[ ٤ / ٢٤١ ]
على فساده؛ لأن الشبهة في المجمع فساده لا تساويها في المختلف فيه، فيجوز لاختلاف الشبهة اختلاف آثارها.
وَمَا فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلا صَدَاقَ، وبَعْدَهُ الْمُسَمَّى
قوله: (فَلا صَدَاقَ) أي إلا نكاح الدرهمين فلها نصفهما.
قوله: (وبَعْدَهُ الْمُسَمَّى) إن كانت هناك تسمية، وإلا فصداق المثل، وليس متوقفًا عليه كما ترى.
فرع: إذا طلق الزوج قبل البناء أو مات: ابن رشد في نوازله: الفاسد قسمان: فسد لصداقه، وقسم فسد لعقده، فأما الفاسد لصداقه فالصحيح من المذهب لا شيء للمرأة فيه إلا بالدخول، وروي عن أصبغ فيمن تزوج بغرر ثم مات قبل البناء فإن لها صداق مثلها، وإن طلقها فلا شيء لها، فجعله كنكاح التفويض، فعلى قول من أوجب فيه صداق المثل بالموت، وأما الفاسد لعقده فإن اتفق على فساده كنكاح ذات محرم والمعتدة والمرأة على عمتها أو خالتها، وما أشبه ذلك فلا صداق فيه بالموت، ولا نصف بالطلاق اتفاقًا وإنما يوجبه الدخول، وإن كان مختلفًا فيه فهو قسمان: قسم لا أثر لعقده في الصداق كنكاح المحرم والمرأة بغير ولي، فهل يقع فيه الطلاق وتجب فيه المواريث ويفسخ بطلاق أو لا؟ في الثلاثة قولان.
فعلى القول بوجوب الميراث والطلاق يجب المسمى بالموت ونصفه بالطلاق؛ إذ لا يصح أن يفرق بين الميراث والطلاق، فيجب أحدهما ويسقط الآخر؛ إذ لا مزية لأحدهما على صاحبه؛ لأن الله تعالى نص على وجوب الصداق للزوجة، كما نص على وجوب الميراث، وعلى القول الآخر لا يلزم الصداق بالموت ولا نصفه بالطلاق، ولا خلاف أنه لو عثر على هذا النكاح وفسخ قبل البناء أنه لا شيء لها، ولو قلنا أن فسخه طلاق لأن الفرقة هنا مغلوب عليها.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وقسم له تأثير في الصداق كنكاح المحلل، ونكاح الأمة على أن ولدها حر، وعلى أن لا ميراث بينهما، فقيل: للمرأة بالدخول صداق المثل؛ لأن للفساد تأثيرًا في فساد الصداق، وقيل: المسمى لأن فساده في عقده والصداق فيه صحيح؛ فهذا القسم لا يجب فيه للمراة من صداقها شيء بالموت أو الطلاق قبل البناء، وذها بين على القول بأن لها صداق المثل بالبناء، وأما على القول بالمسمى فينبغي ألا شيء لها إلا بالدخول، وقد يقال: لها نصفه بالطلاق، إذ ليس الصداق عوضًا عن البضع، وإن كان لا يستباح إلا به، لأن الله تعالى سماه نحلة، والنحلة الهبة. انتهى بمعناه.
وَتَمْيِيزُ مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِمَّا يُفْسَخُ بَعْدَهُ أَنَّ مَا لا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ يُفْسَخُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، ومَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِنْ كَانَ بِنَصِّ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ كَالْمَرِيضِ فَكَذَلِكَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِخَلَلِ عَقْدِهِ فَفِي فَسْخِهِ بَعْدَهُ قَوْلانِ، وإِنْ كَانَ لِخَلَلِ صَدَاقِهِ فَمَشْهُورُهَا يُفْسَخُ قَبْلَهُ لا بَعْدَهُ نَحْوَ عَقْدِ الدِّرْهَمَيْنِ ..
أي: أن ما لا يختلف فيه يفسخ مطلقًا، وكذلك ما اختلف فيه وقلنا فيه بالفساد لنص كتاب أةو نص سنة أو لحق الورثة فكذلك؛ أي يفسخ بعد البناء.
وقوله: (ونص كتاب أو سنة) فيه حذف مضاف إليه من الأول وحذف مضاف من الثاني كما قررنا، ومثال ما فيه نص كتاب: الخامسة، ومثال ما فيه نص سنة: نكاح المحرم، وإنكاح المرأة نفسها ونكاح المحلل، وإن لم يكن كذلك فإن كان لخلل عقده كنكاح الخيار، أو إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا ففي فسخه بعد البناء قولان، وإن كان لخلل صداقه فثلاثة أقوال، تصورها بين مما تقدم.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
المتعة
الْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ فِي نِكَاحِ لازِمِ غَيْرِ الْمُخْتَلِعَةِ والْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وقَدْ فُرِضَ لَهَا، ولا مُتْعَةَ لِمُلاعِنَةٍ ولا مُخْتَارَةٍ لِعِتْقِهَا ونَحْوِهِ، بِخِلافِ مَنْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..
المتعة: ما يعطيه الزوج لزوجته عند طلاقه لها؛ جبرًا لألم الفراق، والمشهور أنها مستحبة، يؤمر بها المطلق ولا يجبر عليها، وحكى ابن مسلمة وابن حبيب الوجوب، واختاره السيوري لقوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: ٢٣٦] ففي الآية دليل الوجوب من أوجه الأمر، وقوله: (حَقًّا) و(عَلَى) فإنهما من ألفاظ الوجوب، وتعلقها بمال الموسع والمقتر، ورأى في المشهور أنها لما قيدت بالمحسنين والمتقين على أنها مستحبة، لأن الواجب لا يتقيد، وأجيب بأن هذا من [٣٣٦٧/ أ] باب التهييج، ولأن الإحسان والتقوى أمر بهما في غير ما آية.
وقوله: (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ) احترز به من الفسوخات فلا متعة فيها، سواء فسخ قبل البناء أو بعده، قاله ابن القاسم؛ لأن المتعة إنما وردت في المطلقات، وسواء كان الفسخ لفساد النكاح أو لا، وقد نص ابن القاسم في الموازية فيمن اشترى زوجته على عدم المتعة: ورأى اللخميالوجوب إذا كان الفسخ من جهة الزوج فقط، كما لو تزوج رضيعة وأمر أخته وأمه أن ترضعها، واحترز بقوله: (فِي نِكَاحِ لازِمِ) من المردودة بعيب فإنها لا متعة لها لأنها غارة، ولم يشترط المصنف أن يكون النكاح صحيحًا؛ لأن الفاسد لصداقه تجب فيه المتعة إذا طلق بعد الدخول.
وقوله: (غَيْرِ الْمُخْتَلِعَةِ إلخ)، يعني أنها مستحبة لكل مطلقة إلا أربع نسوة: الأولى: المختلفة لأن المتعة إنما شرعت جبرًا الألم الطلاق ومضرة الألم عندها لإعطائها على الطلاق شيئًا من مالها.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
الثانية: المطلقة قبل البناء وقد فرض لها لأنها أخذت النصف، ولم يصب سلعتها شيء، فإن لم يعرض لها شيء فلها المتعة. الثالثة: الملاعنة لأنه حصل بينهما من الشنئان ما لا تجبره متعة، وذكر الملاعنة زيادة في البيان، وإلا فقد خرجت بقوله: (الْمُطَلَّقَةِ) لأن فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق على الصحيح من المذهب. الرابعة: المختارة لعتقها ونحوه أم زوجها، واخلتف في المخيرة والمملكة، فعن مالك روايتان: ثبوت المتعة؛ لأن أصل الطلاق من جهته، وسقوطها نظرًا إلى أن تمام الطلاق منها، ومقتضى كلام المصنف أن المشهور ثبوت المتعة لقوله: (بِخِلافِ) وهذا على هذه النسخة، وفي بعضها: (وَلا مَنْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ) وهي أحسن، لأن ابن بشير وابن شاس صرحا بأن المشهور أنهما لا متعة لهما، وأن الرواية بالمتعة لهما شاذة.
وَلا يُقْضَى بِالْمُتْعَةِ، وَلا يُحَاصُّ بِهَا الْغُرَمَاءُ.
هذا بين على المشهور أنها مستحبة.
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْعَبْدِ مِنْهَا
لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه كالارتجاع.
وَلا مُتْعَةَ لِلرَّجْعِيَّةِ إِلا بَعْدَ الْعِدَّةِ
أي: بعد انقضائها؛ لأنها زوجة ما دامت فيها، وهكذا قال فضل، وقال أبو عمران: ينظر فإن كانت نيته رجعتها لم تمتع، وإن كانت نيته ألا يراجعها متع، وإن لم تخرج من العدة ثم بدا له فراجعها لم يرجع بها؛ لأنها كالهبة المقبوضة، واختلف إذا لم تمتع الرجعية حتى فاتت ثم تزوجها، واختلف أيضًا إذا طال الزمان أو ماتت، فقال ابن القاسم: إذا جهل المتعة حتى مضت أعنوامًا فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت، وإلى ورثتها إن ماتت. وقال أصبغ: لا شيء عليه إن ماتت لأنه عوض لها وتسلية من الطلاق وقد انقطع ذلك، وإن مات الزوج قبل أن تمنع فإنها لا تسقط.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
وَمِقْدَارُهَا عَلَى قَدْرِ حَالِهِ
أي: لا مدخل لحال الزوجة، بخلاف النفقة لأنها هبة، واعتبر ابن خويزمنداد حالها كالنفقة لأن المقصود تطييب نفسها، وذات القدر لا تطيب بالقليل.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَهْرِ أَوْ صِفَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ولا طَلاقٍ تَحَالَفَا وتَفَاسَخَا، ويَجْرِي الرُّجُوعُ إِلَى الأَشْبَهِ، وانْفِسَاخُ النِّكَاحِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ وغَيْرُهُ كَالْبَيْعِ ..
في قدره كما لو قالت بألفين وقال هو بألف، أوصفته كما لو قالت بعبد تركي وقال هو بعبد زنجي، واحترز بـ (قَبْلَ الْبِنَاءِ) من بعد البناء وسيأتي حكمه.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ولا طَلاقٍ) مما لو حصل أحدهما وسيأتي، وذكر المصنف أن الحكم التحالف والتفاسخ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ثبت النكاح، ولزم الناكل ما حلف عليه الآخر، وكان الأظهر أن عقد النكاح يتنزل منزلة الفوات في البيع لما يترتب هنا من الأحكام عليه من تحريم المصاهرة وكون المرأة فراشًا وغير ذلك، لكنهم لم يتعرضوا لشيء من ذلك فيما رأيت.
وقوله: (تَحَالَفَا) أي يشترط أن تكون مالكة أمر نفسها، وإلا فيحلف من عقد النكاح عليها من أب أو وصي أو ولي إن كانت محجورًا عليها، قاله المتيطي وغيره.
قوله: (ويَجْرِي الرُّجُوعُ إلخ) أشار ﵀ إلى مسائل:
الأولى: إذا ادعى أحدهما ما يشبه هل يكون القول قوله ويتحالفان؟ لمالك في ذلك قولان. اللخمي: والأول هو الصواب لأن ذلك كالشاهد يحلف معه من قام له.
والثانية: هل ينفسخ النكاح بتمام التحالف كاللعان قول سحنون وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أو لا ينفسخ ولكل منهما الرجوع إلى قول الآخر وهو قول ابن حبيب والقاضيان ابن القصار وعبد الوهاب وبه جرى عمل الأندلسيين واستمرت أحكامهم.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
ابن محرز: وهو أصوب لأن الأيمان في التحالف في الصداق ليست موضوعة لفسخ النكاح واختاره اللخمي ولا شك على قول ابن حبيب أنه يفسخ بطلاق وانظر على قول سحنون الذي يقول أنه يفسخ بتمام التحالف كاللعان هل ينفسه بغير طلاق أم لا؟ وقد قال بعضهم: إن ظاهر المدونة فسخه بغير طلاق ونوزع في ذلك.
الثالث: المشهور تبرئة الزوجة لأنها بائعة نفسها، ولمالك في المختصر أنه بيد الزوج.
الرابعة: إذا نكلا، قال اللخمي: فقيل: إن ذلك بمنزلة إذا حلفا. وقيل: القول قول المرأة، وهذا كله داخل تحت قوله: وغيره كالبيع إلى غير ذلك من المسائل التي تقف عليها في البيع إن شاء الله تعالى.
ولفظ (انْفِسَاخُ) من كلام المصنف وكذلك (وغَيْرُهُ) مرفوعان بالعطف على فاعل (يَجْرِي).
فَإِنْ تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لأَنَّهُ فَوْتُ، وقَالَ ابْنُ حَبِيبِ: يَتَحَالَفَانِ مَعَ الْعِصْمَةِ، وَيجِبُ صَدَاقُ الْمِثْلِ. وقِيلَ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ ..
أي: فإن تنازعا بعد البناء في القدر أو الصفة فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنها مكنته من نفسها، وهذا مذهب المدونة، فإن نكل فالقول قول المرأة مع يمينها.
المتيطي: وهو المشهور [٣٣٦/ ب] من مذهب مالك وأصحابه، وأشار المصنف إلى توجيهه بقوله: (لأَنَّهُ فَوْتُ) أي أن البناء هنا كفوات السلعة في البيع، والمشهور في اختلاف المتبايعين في المقدار ترجيح قول المشتري؛ لفوات المبيع عنده، وانظر هل القول قول الزوج مطلقًا، وهو أكثر إطلاق نصوص أهل المذهب، أو مقيد بما إذا وفق العرف؟ وهو الذي ذكر اللخمي وهو الذي يؤخذ من كلام صاحب الإشراف لأنه أشار فيه إلى
[ ٤ / ٢٤٧ ]
تشبيه حكم الصداق بعد البناء بالبيع، وإنما وقع التشبيه من كلام غيره بالبيع في قبول دعوى الأشبه قبل البناء والله أعلم، وما حكاه المصنف عن ابن حبيب من التحالف مع بقاء العصمة، ويجب صداق المثل حكاه في الكافي عن مالك.
قوله: (وقِيلَ) أي وفي المسألة قول ثالث بالتفصيل، فإن اختلفا في الصفة تحالفا مع بقاء العصمة ووجب صداق المثل، وإن اختلفا في القدر فالقول قول الزوج مع يمينه.
فرع: فإن اختلفا في الجنسبعد البناء فحكى اللخمي والمتيطي في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما يتحالفان ويفسخ النكاح إن كان تنازعهما قبل البناء كان مما يصدقه النساء أم لا، وإن كان بعد البناء ثبت النكاح وترد المرأة إلى صداق مثلها ما لم يكن فوق ما ادعت أو دون ما ادعى الزوج إلا أن يرضى الزوج أن يعطيها ما ادعت وهذا كله قول مالك، وقال ابن القصار: القول قول الزوج مع يمينه بعد البناء ولا يكون عليه إلا ما أقر أنه تزوج به، ووافق إذا اختلف قبل البناء، وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: فالقول قول الزوج إن كان مما يصدقه النساء، وإن ادعى ما لا يشبه كالجلود والخشب، وادعت المرأة ما يشبه مما يتزوج به النساء فالقول قولها إذا كانت قيمة ذلك مثل ما يتزوج به فأقل، وإن كان لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وكان لها صداق المثل، وإذا قلنا بالتحالف ورد المرأة إلى صداق المثل، فهل يثبت النكاح وهو المعروف في المذهب ورواه ابن وهب عن مالك، أو يفسخ وهو الذي في الجلاب؟
وَإِنْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَتَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فِيهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وإِنِ ادَّعَى تَفْوِيضًا
(فِيهِمَا) أي: في القدر والصفة، وكان القول قوله مع يمينه، أو قول ورثته لأنه غارم، وقاعدة الشرع ترجيح قوله.
قوله: (وإِنِ ادَّعَى تَفْوِيضًا) أي: القول قول الزوج مع يمينه ولو ادعى تفويضًا، وهكذا قال في المدونة وله الميراث.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
اللخمي: ومحمل قول مالك على أن العادة عندهم على التسمية والتفويض، ولو كانت عادتهم التسمية خاصة لم يصدق الزوج.
وَإِذَا تَنَازَعَ أَبُو الْبِكْرِ، والزَّوْجُ تَحَالَفَا ولا كَلامَ لَهَا
إنما لم يكن لها لأن تقدير الصداق للأب لا لها، ابن حبيب: وإنما حلف الأب لأنه كوكيل مفوض.
وقوله: (ولا كَلامَ لَهَا)؛ أي سواء خالفت الأب أم لا.
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةَ عَلَى صَدَاقَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ لَزِمَا
يعني: لو ادعى قدرًا أو جنسًا أو صفة وادعت خلافه، وأقام كل منهما البينة على دعواه، وعينت كل بينة زمانًا غير الذي عينته للأخرى لزم الصداقان، وحمل على أنه طلقها ثم عقد عقدًا آخر، ووقع بعد الكلام المتقدم في نسخة ابن راشد ما نصه: وقدر تخليل طلاق بينهما، ثم هل يقدر قبل المسيس ويكون على المرأة أن تبين وقوعه بعد الدخول، أو على الرجل على العكس؟ فيه خلاف. انتهى.
نص النسخة ونحوها في الجواهر: ولم ير هذين القولين معزوين، صاحب الجواهر وابن راشد: ومنشأهما: هل يستقر بالعقد النصف فيكون على المرأة البينة لدعواه ما يسقط الواجب عليه؟
وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهَا مِلْكًا لَهُ فَقَالَ: أَصْدَقْتُكِ أُمَّكِ، فَقَالَتْ: بَلْ أَبِى، تَحَالَفَا وعُتِقَتِ الأُمُّ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وعُتِقَا جَمِيعًا ..
هذه المسألة لسحنون في كتاب ابنه قال: إن تزوج امرأة فادعى أنه تزوجها على أمها وهي عالمة بها، وقالت المرأة: بل على أبي وهو مالك لأبويها، وحفظت البينة العقد ولم تحفظ على أبيها عقد، قال سحنون: الشهادة ساقطة فإن لم يدخل تحالفا وفسخ النكاح،
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ويلزمه عتق الأم لأنه أقر أنها حرة، وكذلك إذا نكلا، وإن كان قد دخل بها أيضًا حلف وعتقت الأم عليه ويكون بإقراره.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب، إذا اختلفا في نوع الصداق بعد البناء أنهما يتحالفان ويكون لها صداق المثل.
وقوله: (تَحَالَفَا وعُتِقَتِ الأُمُّ) يريد وإن نكل حلفت وعتقا معا ويكون ولاؤهما لها، قاله المتيطي، والظاهر أن المصنف إنما تكلم على المسألة إذا تنازعا قبل الدخول لقوله: (تَحَالَفَا) فما قلناه أتم.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ مُعَجَّلِ الصَّدَاقِ أَوْ مَا يُعَجَّلُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وبَعْدَ الدُّخُولِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وفِي الْمُؤَجَّلِ: قَوْلُهَا، وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ كَانَ الْعُرْفُ أَلا يَتَأَخَّرَ الْمُعَجَّلُ عَنِ الدُّخُولِ، وإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِنْ كَانَ فِي كِتَابِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ
يعني: إذا اختلفا في قبض معجل الصداق أو المؤجل الذي حل، فقال الزوج: قد دفعته، وقالت هي: لم أقبضه، ففي المدونة إن كان النزاع قبل البناء فالقول قول المرأة، وإن كان بعده فالقول قوله، والمشهور افتقار من جعل القول قوله إلى يمين، اللخمي وعياض: وقال ابن الماجشون: إن كان قريبًا حلف وإن طال فلا يمين عليه، وجعل في المدونة ورثة كل واحد من الزوجين يتنزل منزلة موروثه [٣٣٧/ أ] سواء ماتا معًا أو أحدهما، قال في المدونة: وإن قال لورثة الزوج في المدخول بها: قد دفعه، أو قالوا: لا علم لنا فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثتها عليهم العلم حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع ولا يمين على غائب ومن يعلم أنه لا علم عنده، وقال القاضي إسماعيل وغيره من شيوخنا: إنما قال مالك أن القول قول الرجل بعد البناء بالمدينة لأن عادتهم جرت بدفعه قبل البناء، وأما في سائر الأمصار فالقول قولها، وإلى هذا أشار بقوله:
[ ٤ / ٢٥٠ ]
(وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ .. إلخ)، وقال عبد الوهاب تبعًا للأبهري: إنما قاله مالك حيث لم يكن المعجل مكتوبًا في كتاب، وإن كان في كتاب فالقول قولها، وهذان قولان إنما قصد قائلهما تقييد قول مالك، وينبغي أن يحمل قولهما على التقييد، ولا يؤخذ ذلك من كلام المصنف بل ظاهره حمل قولهما على الخلاف، ولابن وهب إن طالبته بالحال أو ما حل بإثر البناء فلا براءة للزوج منه إلا بالبينة، وإن طالبته بذلك بعد طول لم يقبل قولها، عياض: وما قاله مالك إنما هو إذا ادعى دفعه قبل الدخول، وأما إذا ادعى دفعه بعد الدخول فلا يصدق فيه كسائر الديون، واستقرأ من قوله: (أن القول قوله مع دفع المعجل) ما حل بعد الدخول أن للمرأة منع نفسها حتى تقبضه، وهو نص لعبد المالك عن محمد، وفي المنتخبة خلافه، وكذلك ذكر فضل عن يحيى بن يحيى، وإن أخذت بالصداق رهنًا ثم سلمته، فالقول قول الزوج مع يمينه أنه دفع ويبرأ وسواء دخل أو لم يدخل، واختلف إذا دخل وبقي الرهن بيدها، فقال سحنون: القول قول الزوج مع يمينه، وقال يحيى في المنتخبة: القول قولها مع يمينها واختاره اللخمي وغيره.
فرع: إذا قال الموثق في الكتاب: النقد من الصداق كذا فهو مقتض لبقائه في ذمة الزوج، واختلف إذا قال: نقدها كذا، فقال سحنون: ذلك براءة للزوج من النقد، وقال محمد: لا يبرئه ذلك حتى ينص على الدفع.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ ولا بَيِّنَةَ قُضِيَ لِلْمَرْأَةِ بِمَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ: كَالطَّسْتِ، والْمَنَارَةِ، والثِّيَابِ والْحِجَالِ والْفُرُشِ، والْبُسُطِ والْحُلِيِّ، والرَّجُلِ بِمَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ، وبِمَا يُعْرَفُ لَهُمَا، لأَنَّهُ بَيَّنَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا
يعني: إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق وبعده في متاع البيع سواء كانا حرين أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد، أو مسلمين أو مختلفين بأن كل الزوج مسلمًا والمرأة
[ ٤ / ٢٥١ ]
كتابية، فإن قامت للمرأة بينة بما يعرف للنساء قضي لها به من غير يمين، وكذلك هو وإن لم تقم لأحدهما بينة، وإليه أشار بقوله: (ولا بَيِّنَةَ) فإنه يقضي للمرأة بما يعرف للنساء، وللرجل بما يعرف للرجال خاصة، ويقضي له أيضًا بما يعرف للرجال والنساءلأن البيت للرجل وهذا هو المشهور، وروي عن ابن القاسم مثله إلا فيما يعرف لهما فإنه قال أنه يكون بينهما بعد أيمانهما، وإليه أشار المصنف بقوله: (عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا) لأن الضمير (أَنَّهُ) عائد على ما يصلح لهما، ونقل عن ابن وهب والمغيرة مثله، ولابن وهب أيضًا: يفسخ بينهما ما اختلفا فيه بعد أيمانهما كان من متاع النساء فقط، أو الرجالفقط، أو من متاعهما، وقال ابن مسلمة: القول قول الرجل وإن كان ما ادعاه من متاع النساء فقط، ووجه المشهور العرف، وإذا فرعنا عليه فهل بيمين وهو قول ابن حبيب؟
ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة عندهم.
المتيطي: وهو قول المشيخة السبعة ولا يحتاج إليها وهو قول سحنون، هكذا حكى اللخمي وابن يونس والمتيطي وابن بشير وغيرهم، ورأى صاحب البيان أنه لا يختلف في توجه اليمين إذا ادعت المرأة شيئًا من متاع النساء وكذبها الرجل أو بالعكس، وإنما الخلاف في توجه اليمين إذا تنازع ورثة الزوجين أو ورثة أحدهما مع الآخر دون تحقيق الدعوى في أيمان التهم وهذه هي التي تشهد لها أصول المذهب، والطريقة الأولى أسعد بنقل المتقدمين.
ومثل المصنف ما يعرف للمرأة بالطست والمنارة والحجال والفرش والبسط والحلي ونحوه في المدونة، والطست: إناء مبسوط القاع معطوف الأطراف يعمل في الغالب من النحاس، يعد في الغالب لغسل اليدين، والمنارة: الشيء الذي يوضع عليه السراج، والقباب: جمع قبة، والحجال: قال بعض الفقهاء: هي الستور، قال الجوهري: الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهي بيت تزين بالثياب والأسرة والستور.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
أصبغ وأبو عمران وغيرهما: وهذا محمول على العرب بمصر في أن المرأة تأتي بها وإن طال الأمر، فالرجل هو يخلفها.
ابن راشد: وعندنا أنها معروفة للرجال، قال في المدونة: ويقضي للمرأة بجميع الحلي إلا السيف والمنطقة والخاتم فإنه للرجل، وللرجل جميع الرقيق ذكرانًا وإناثًا، وأما أصناف الماشية وما في المرابط من خيل أو بغال فلمن حاز ذلك قبل وإن لم يكن حوز فالمركوب كله للرجل.
وقوله: الخاتم؛ ابن يونس: أي الفضة [٣٣٧/ ب] يعني: وأما الذهب فهو للمرأة.
خليل: وجرت العادة عندنا أن صياغة خاتم الرجل لا تشابه صياغة خاتم المرأة فيرجع إلى ذلك، وأما الرقيق فما قاله في المدونة ظاهر في الذكور، وأما الإناث فقد يكن للنساء وقد يكن للرجال فيأتي في ذلك القول الذي ذكره المصنف آخرًا، مالك في المدونة: وإن اختلفا في الدار قضي بها للرجل.
قال صاحب البيان: العرف عندنا في ذوات الأقدار أن المرأة تخرج بالدار فإذا اختلفا يجب أن يقضي لها بها، قال: وكذلك حفظت عن شيخنا ابن رزق، وإذا اختلفا في الغزل فإن عرفت البينة أن الكتان له أو أقرت له به، كانا شريكين فيه هو بقيمة الكتان وهي بقيمة الغزل، أو إن لم تعرف البينة ذلك ولا أقرت به فالغزل لها، وإن تولت المرأة نسج شقة فادعى الزوج أنها له فقال مالك: على المرأة البينة أن الغزل لها، وقال ابن القاسم: هيلها وعليه البينة أن الغزل له، فإن أقام البينة كانت الشقة بينهما، هذا بقدر قيمة الغزل وهذه بقدر قيمة النسج بعد أن تحلف: ما نسجتها له.
فرع: وإذا طلقها وعليها ثياب وطلبته بالكسوة، وقال لها: ما عليك فهو لي، وقالت: بل هو لي، أو عارية عندي.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
ابن راشد: فللأندلسيين في ذلك ثلاثة أقوال: قال ابن الفخار: القول قول الزوج كما لو تنازعا في رقيق البيت، وقال ابن دحون: القول قول المرأة إذ ليست الكسوة شيئًا موضوعًا في البيت.
وقال المشاور: إن كانت من كسوة البذلة فالقول قوله مع يمينه وإلا فقولها مع يمينها، فإذا حلفت كساها، ولو اشترى لزوجته ثيابًا فلبستها في غير الذلة ثم فارقها وادعى أنها عارية وأنكرته، فقال الداودي: إن كان مثله يشتري ذلك لزوجته على وجه العارية فالقول قوله مع يمينه، وإلا فقولها، وسواء كان لباسه أو لا، قليلًا كان أو كثيرًا، قريبًا أو بعيدًا، وقال غيره: القول قوله مطلقًا انتهى كلام ابن راشد.
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شِرَاءِ مَا لا يُقْضَى لَهُ بِهِ حَلَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ
يعني: إذا أقام الرجل بينة على أنه اشترى ما يصلح للمرأة ولا يصلح له كالحلي أو العكس كالسيف، ونص في المدونة على الرجل يحلف أنه اشتراه لنفسه وسكت فيها عن يمين المرأة فتأول ذلك جماعة على أنه إنما سكت اكتفاءً بذكر اليمين في الرجل لعدم الفارق بينهما، وعلى هذا اقتصر المصنف، وتأول بعضهم ذلك على ألا تحتاج إلى اليمين بخلافه، قال: لأن الرجال هم القوامون على النساء دون العكس، قال في تهذيب الطالب: ومنع بعض مشايخنا هذا التأويل وأنكره، وقال لسحنون: إنما تقبل البينة إذا أقامها على أنه إنما اشتراه لنفسه، وأما على مطلق الشراء فلا؛ لأنه يمكن أن يكون اشتراؤه للزوجة.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
الْوَلِيمَةُ مَنْدُوبَةُ
الثعالبي والجوهري: الوليمة طعام العرس، وقال صاحب العين: الوليمة: طعام النكاح، وقيل: طعام الإملاك وقيل: طعام العرس والإملاك.
وقوله: (مَنْدُوبَةُ) هو المذهب، وقد تقدم أن ابن سهل قال: يقضي بها فتكون واجبة.
ووَقْتَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ
هذا ظاهر المذهب، واستحبها بعض الشيوخ قبل البناء.
اللخمي: وواسع قبله وبعده، ولمالك في العتبية: لا بأس أن يولم قبل البناء وبعده، وقال ابن يونس: يستحب الإطعام عند عقد النكاح وعند البناء، والمباح من الوليمة ما جرت به العادة من غير سرف ولا سمعة. الباجي: والمختار منها يوم واحد.
ابن حبيب: أكثر من يوم. ويكره استدامة ذلك أيامًا، وأما أن يدعو في اليوم الثالث من لم يكن دعاه فذلك واسع.
وَنَصَّ مَالِكُ أَنَّ الإِجَابَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ
التعيين أن يلقى صاحب العرس الرجل فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلانًا بعينه، قاله الباجي وغيره، أما إن قال له: ادع لي من لقيت فلا بأس على من دعي بمثل هذا أن يتخلف.
ومن المنكر فرش الحرير أو يكون على جدران الدار صور أو ساتر، قاله صاحب الجواهر وغيره، ولا بأس بصور الأشجار.
ابن عبد السلام: وإذا كان هناك منكر فالمشهور أن الوجوب يسقط، ولا يجوز له الإتيان. وقيل: يجوز الإتيان. وهذا كاللعب الذي لا يجوز وإن كان اللعب مباحًا، فإن كان المدعو من غير ذوي الهيئات فالوجوب وإن كان منهم فقولان، ومقتضى النظر إذا كان الإتيان
[ ٤ / ٢٥٥ ]
واجبًا لا يسقط باللعب الذي لا يجوز بل يذهب وينكر بيده أو بلسانه أو بقلبه، كما لو عارضه منكر في طريق الجمعة. انتهى.
والأرذال من يتأذى بحضوره ومجالسته من السفلة الذين تزري به مجالستهم، قاله في الجواهر؛ لأن هؤلاء لا يؤمن معهم على الدين، قال في الرسالة: وأرخص مالك في التخلف لكثرة الزحام.
قوله: ولا إغلاق باب دونه، لأن إغلاق الباب دونه يحط من قدره. وقال ابن القصار: ومذهبنا أن الوليمة غير واجبة، والإجابة غير واجبة ولكن يستحب. وصصرح الباجي بمشهورية الأول.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح ويعضده ما في الصحيح من حديث أبي بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وهذا الذي [٣٣٨/ أ] يجب الإتيان إليه هو طعام العرس لا طعام الإملاك، رواه ابن القاسم وغيره.
وَوُجُوبُ أَكْلِ الْمُفْطِرِ مُحْتَمَلُ
أصله للباجي لأنه قال: لم أر فيه لأصحابنا نصًا جليًا، وفي المذهب مسائل تقتضي القولين، وهل عليه أن يأتي وهو صائم؟ روى محمد عن مالك: أرى أن يجيب وإن لم يأكل أو كان صائمًا، وقال أصبغ: ليس بالوكيد، قال: فقول مالك مبني على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على وجوب الأكل، ولذلك أسقط وجوب الإتيان عن الصائم الذي لا يأكل.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يكون القولان مبنيان على وجوب الأكل، إلا أن مالكًا رأى أن الإجابة واجب مستقل وكذلك وجوب الأكل، فإذا تعذر الأكل للصائم أو غيره بقي
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وجوب الإجابة لقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا ما استطعم"، وقول أصبغ مبني على أن الإجابة إنما وجبت وسيلة للأكل، فإذا سقط المقصود وهو الأكل سقطت الوسيلة.
وَيُكْرَهُ نَثْرُ اللَّوْزِ والسُّكَّرِ وشِبْهِهِ
أي: يكره ذلك إذا جيء به للنهبة، وهذا قول مالك خلافًا لأبي حنيفة، ويحرم حينئذ أن يأخذ بعضهم ما حصل لصاحبه، ولو جيء به للأكل لا للنهبة، فذلك جائز وتحرم حينئذ النهبة.
فرع: قال في البيان: اتفق أهل العلم على إجازة الغربال في العرس، وفي الكبر والمزهر ثلاثة أقوال: قال ابن حبيب: يجوزان قياسًا على الغربال. وقال أصبغ: لا يحمل واحد منهما محمله ولا يجوز استعماله في عرس وغيره، وعليه يأتي في سماع سحنون عن ابن القاسم أن الكبر إذا بيع فسخ بيعه، وإذا قال ذلك في الكبر فأحرى في المزهر لأنه المعني منه.
والقول الثالث: أنه يحمل محمله الكبر دون المزهر، وهو قول ابن القاسم في العتبية، ولابن كنانة في المدنية: إجازة البوق في العرس، فقيل: معنى ذلك في البوقات والزمارات التي لا تلهي.
واختلف فيما أجيز من ذلك، فقيل: هو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه، وقيل: من الجائز الذي تركه أولى من فعله فهو من قبيل المكروه، وهو قول مالك في المدونة: أكره الدفاف والمعازف في العرس وغيره.
واختلف هل يجوز ذلك للرجال والنساء، وهو المشهور، وقول ابن القاسم في العتبية: وقال أصبغ في سماعه: إنما يجوز للنساء فقط.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
القسم والنشوز
أصبغ في العتبية: وإذا ضرب النساء الدف فلا يعجبني التصفيق بالأيدي وهو أخف من غيره.
الْقَسْمُ والنُّشُوزُ: ويَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ دُونَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ، والْعَبْدُ والْمَجْنُونُ والْمَرِيضُ كَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَرِيضُ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ
يعني: ويجب على كل من له زوجات أن يعدل بينهن لقوله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) [النساء: ١٢٩] وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣] المعنى إن خفتم ألا تقدروا على العدل فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم وذلك يدل على أن العدل واجب، وروى الترمذي حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط".
ابن بشير: وأجمعت الأمة على وجوب القسم من حيث الجملة.
وقوله: (دُونَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ) لا أعلم فيه خلافًا، قال في المدونة: وليس لأم الولد مع الحرة قسم، وجائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار. ووقع في نسخة ابن عبد السلام هنا: والأولى العدل وكف الأذى، ومعناه القسم وإن لم يكن واجبًا بين الزوجة والمستولدة، إلا أن الأولى ما ذكره، قال: وظاهر المدونة أن كف الأذى ليس من باب الأولى وإنما هو واجب، وذكر ما ذكرناه عنها، ولم يقع ما زاد ابن عبد السلام عن المصنف عندنا.
قوله: (والْعَبْدُ والْمَجْنُونُ) هكذا وقع في أكثر النسخ بنونين وفي بعضها بياءين، والحكم في الجميع سواء.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَرِيضُ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ) لما خرجه أبو داود أن رسول الله ﷺ بعث إلى نسائه- يعني: في مرضه- فاجتمعن، فقال: "إني لا أقدر أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن"، فأذن له.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وهذا منه ﷺ إنما هو تشريع لأمته، وتطييب لقلوبهن، وإلا فالقسم عليه ليس واجبًا على ما نص عليه العلماء.
وَالصَّغِيرَةُ الْمَوْطُوءَةُ، وَالْمَرِيضَةُ، والْجَذْمَاءُ، وَالرَّتْقَاءُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، والْمُحْرِمَةُ والْمُولَى مِنْهَا، وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا، وشِبْهُهُنَّ كَغَيْرِهِنَّ ..
يعني: أن من قام بها مانع لا يسقط حقها وسواء كان المانع شرعيًا كالظاهر أو عقليًا كالرتقاء وكلامه ظاهر.
وَعَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ
لما قدم أن المجنون كالصحيح، بين أن ذلك على الولي لأنه كالناظر في مصالحه.
أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَلا يَجِبُ الْمَبِيتُ عِنْدَهُا
هكذا في الجواهر، زاد: ولكن يستحب ذلك ليحصنها، وهذا مقسيد بعدم الضرر.
فرع: ولو خاصمها الرجل في الجماع، ففي الضرر عن المشاور: أنه يقضي له عليها بأربع مرات في الليل وأربع مرات في اليوم، ونقله صاحب المعيد عن عبد الله بن الزبير، ونقل عن المغيرة: أنه يفرض له أربع مرات بين اليوم والليلة، وعن أنس بن مالك: أنه يفرض له عليها عشر مرات في اليوم والليلة.
وَلا يَدْخُلُ عَلَى ضَرَّتِهَا [٣٣٨/ ب] فِي زَمَانِهَا إِلا لِحَاجَةٍ، وقِيلَ: إِلا لِضَرُورَةٍ
يعني: أنه ليس له أن يأتي في يوم واحدة ليقيم عند غيرها، واختلف هل يدخل لقضاء حاجة؟ فأجاز مالك في الموازية: أن يأتي عابرًا أو لحاجة أو ليضع ثيابه عندها، وليس عند الأخرى شيء من ثيابه إذا كان منه ذلك على غير ميل ولا ضرر، وقال أيضًا: لا يقيم عند إحداهن إلا عن عذر لابد منه من اقتضاء دين أو تجارة أو علاج.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
ابن الماجشون: ولا بأس أن يقيم بباب إحداهما يسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل ما تبعث به إليه. واختلف إذا أغلقت إحداهما بابها دونه، فقال مالك في الموازية: إن قدر أن يبيت في حجرتها وإلا ذهب إلى الأخرى، وقال أبو القاسم: لا يذهب إلى الأخرى وإن كانت هي الظالمة.
أصبغ: إلا أن يكثر ذلك منها ولا مأوى له سواهما.
وَيَبْدَأُ بِاللَّيْلِ اخْتِيَارًا، ولا يَزِيدُ عَلَى يَوْمٍ ولَيْلَةٍ إِلا بِرِضَاهُنَّ إِلا أَنْ يَتَبَاعَدَ بَلَدَاهُمَا فَيَقْسِمُ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ ..
قال مالك في الموازية: له أن يبدأ بالليل قبل النهار وبالنهار قبل الليل.
الباجي: لأن الذي عليه أن يكمل لكل واحدة يومًا وليلة، قال: والأظهر من قول أصحابنا يبدأ بالليل. محمد عن مالك: ولا يجوز أن يقسم لكل واحدة يومين، ولو جاز لجاز ثلاثة وأربعة.
قوله: (إِلا بِرِضَاهُنَّ إِلا أَنْ يَتَبَاعَدَ .. إلخ)، ظاهر التصور ونحوه في الباجي والجواهر.
وَلا يَجْمَعُ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَكَانٍ
أما الجمع بينهما في دار واحدة ويكون لكل واحدة منزل فذلك من حقهن، فيجوز إذا رضيا.
اللخمي والمتيطي: ولا يطأ واحدة وفي البيت أخرى، ولا يجوز أن يصيب الرجل زوجته أو أمته ومعه في البيت أحد يقظان أو نائم، واختلف في جمع المرأتين في فراش واحد من غير وطء برضاهن، فمنعه مالك في كتاب محمد وكرهه ابن الماجشون، واخلتف أيضًا في الإماء، فمنعه مالك في الموازية، وكرهه مرة، وقال ابن الماجشون: لا بأس به بخلاف الحرتين، ومنع محمد بن سحنون أن يدخل الحمام بزوجتيه جميعًا، وأجازه بالواحدة.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
وَلا يَسْتَدْعِيهُنَّ إِلَى بَيْتِهِ عَلَى التَّنَاوُبِ إِلا بِرِضَاهُنَّ
لأن من حقهن أن يأتي غليهن فإن أسقطنه جاز، وقد كان ﷺ مع جلالة قدره يدور على نسائه.
وَلَيْسَت التَّسْوِيَةُ فِي الْوَطْءِ بِوَاجِبٍ مَا لَمْ يُقْصَدِ الضَّرَرُ، وكَذَلِكَ لَوْ كَفَّ لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ فِي الأُخْرَى ..
بل يبقى على سجيته فمن دعته نفسه إليها أتاها، ولأن الوطء ينشأ عن المحبة، والمحبة لا تدخل تحت الاختيار، ومن الضرر الممنوع إذا دعته نفسه فكف لتتوفر لذته في الأخرى، وهل يتطوع لواحدة بأكثر مما يجب لها من النفقة والكسوة؟ فاختاره ابن حبيب، وقال مالك في الموازية: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز والحلي، ما لم يكن على وجه الميل، وقال أيضًا: لا بأس بالشيء اليسير ما لم يكن على وجه الميل.
اللخمي: وهو أحسن، ولا تجب المساواة بينهما في النفقة والكسوة لأن إحداهما قد تكون ذات قدر ومنصب.
وَإِذَا تَجَدَّدَ نِكَاحُ بِكْرٍ بَاتَ عِنْدَهَا سَبْعًا، والثَّيِّبُ ثَلاثًا، سَوَاءُ الْحُرَّةُ والأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ والْكِتَابِيَّةُ، وَلا يُقْضَى ..
لما في الصحيحين عن أنس قال: "إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا. قال خالد الحذاء: ولو قلت: رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذا.
وفي الموطأ أنه ﵊ قال لأم سلمة حين تزوجها وأصبحت عنده: "ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت. فقالت: ثلث".
[ ٤ / ٢٦١ ]
ابن عبد البر: وهو حديث متصل صحيح. قال صاحب الإكمال وغيره: والمراد بالأهل في قوله ﵊: "ليس بك على أهلك" هو ﷺ.
المتيطي: والمشهور أن هذا إنما يكون إذا كانت عنده امرأة غيرها، وقد يفهم ذلك من قول المصنف (تَجَدَّدَ) وحكى أبو الفرج عن مالك أن ذلك لها وإن لم يكن عنده غيرها، وقاله ابن عبد الحكم.
وقوله: (سَوَاءُ الْحُرَّةُ والأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ والْكِتَابِيَّةُ)، ظاهر قوله: (وَلا يُقْضَى) أي: لبقية نسائه مثل ما مكث عند الجديدة.
وَفِي الْقَضَاءِ لَهَا بِهِ قَوْلانِ
حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب في كون الإقامة المذكورة حقًا للزوج للاستمتاع بالجديدة، أو حقًا لها لتزيل ما عندها من الوحش بمفارقة أهلها روايتين.
عبد الوهاب: وفائدة ذلك أنها إن كانت له جاز له فعله وتركه، وإن كانت حقًا لها لم يجز له تركه إلا بإذنها، وحكى ابن القصار: أنها لهما جميعًا، قال الباجي: وإذا قلنا أنها حق للزوجة هل يقضي بها؟ قال محمد بن أصبغ: هو حق عليه ولا يقضى بها عليه كالمتعة، وفي النوادر عن محمد بن عبد الحكم، يقضى بها عليه، والذي ذهب إليه ابن القاسم في المدونة واختاره اللخمي وغيره، أنها حق لازم على الرجل للمرأة.
وَفِي إِجَابَةِ الثَّيِّبِ إِلَى سَبْعٍ قَوْلانِ، وعَلَى الإِجَابَةِ يَقْضِي سَبْعًا سَبْعًا
القول بعدم الإجابة رواه ابن المواز عن مالك، والإجابة حكاها القاضي أبو الحسن، قال: وإذا اختارت السبع قضى لسائر نسائه سبعًا سبعًا، لقوله ﵊: "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن".
اللخمي: وبهذا قال أنس بن مالك والشافعي والنخعي وابن حنبل وإسحاق.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ونقل ابن عبد السلام عن جماعة [٣٣٩/ أ] من محقق أهل العلم أنهم فهموا الحديث على أنه إن شئت سبعًا عندك بعد الثلاث، لأنه لو حسب الثلاث في السبع ثم قضى لهن سبعًا سبعًا لم يكن للجديدة شيء اخصت به، ويدل عليه أن في بعض طرق الحديث أم سلمة، أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا ثم أراد أن يدور فأخذت بثوبه، فقال: "ما شئت، إن شئت أزيدك ثم قاصصتك به بعد اليوم".
وله بعد التسبيع والتثليث أن يبدأ بأيهما أحب. ابن المواز: أحب إلى أن يبدأ بالقديمة.
ابن يونس: وقاله مالك في القادم بإحداهن من سفر. ولا يتخلف العروس في هذه المدة عن الجماعة والجمعة.
ابن يونس: ويتصرف في حوائجه. وقال بعض الناس: لا يخرج وذلك حق لها عليه، وتأوله في تهذيب الطالب، فقال: يريد أنه لا يخرج لصلاة الجماعة، أما الجمعة فلا يدعها لأنها فرض عين.
وَالْمَشْهُورِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحُرَّةِ والأَمَةِ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: رَجَعَ مَالِكُ إِلَى لَيْلَتَيْنِ لِلْحُرَةِ ..
المشهور هو اختيار ابن القاسم في المدونة.
وَإِذَا ظَلَمَ فِي الْقَسْمِ فَاتَ، فَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا كَفَوَاتِ خِدْمَةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ بِأبَقٍ، واسْتَقْرَأَ اللَّخْمِيّ فِي مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ شَهْرَيْنِ ثُمَّ حَلَفَ لا يَطِأَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوَفِّيَهُنَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمول إِذَا قَصَدَ الْعَدْلَ أَنَّهُ لا يَفُوتُ.
القول بالفوات مذهب المدونة، وهو المنصوص لأن من حجة المقيم عندها أن تقول ليس الظلم من قبلي وحقي في القسم ثابت.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وقوله: (فَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا) مبالغة لأن ظلمه على وجهين، أحدهما: أن يذهب بيوم إحداهما ولا يمضي إلى الأخرى، والثاني: أن يمضي إلى الأخرى.
وتخريج اللخمي إنما في الثاني، فأشار المصنف إلى أنه لا فرق بينهما على المنصوص، والمسألة التي استقرأ منها اللخمي في السليمانية، وهي إذا كان عنده أربع نسوة فأقام عند إحداهما شهرين وأراد أن يدور على البواقي، فقالت التي أقام عندها شهرين لا تزيد على ليلة فحلف لا يطأها ستة أشهر حتى يوفي البواقي، فقال مالك: ليس بمول لأنه لم يرد الضرر وإنما أراد العدل.
اللخمي: فلو لم يلزم القضاء لكان موليًا، ورد بأنه لم يقصد الضرر بذلك بل أراد العدل، فيكون كمن حلف ألا يطأ زوجته حتى تفطم ولدها، وأجيب بأن المرضع يعود النفع إلى ولدها بخلاف هذه.
وقوله: (أَنَّهُ لا يَفُوتُ) مفعول باستقراء.
وَإِذَا وَهَبَتْ وَاحِدَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتَهَا فَلِلزَّوْجِ الامْتِنَاعُ لا لِلْمَوْهُوبَةِ
له الامتناع لأنه قد يكون له غرض في هذه والحق له، وفي الصحيح أن سودة لما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة.
فَإِنْ وَهَبَتِ الزَّوْجَ قُدِّرَتْ كَالْعَدَمِ ولا يُخَصِّصُ هُوَ
يعني: إذا وهبت لضرتها بقسية أيام القسم على حالها ويكون للموهوبة يومان، وأما إذا وهبت للزوج فإنها تكون كالعدم فلا يخصص هو بذلك اليوم غيرها، فإن كانت النسوة أربعًا، كان أيام القسم في المسألة الأولى أربعة على حالها، وفي الثانية ثلاثة، وينبغي إذا وهبت للزوج أن تسئل هل أرادت الإسقاط أو تمليك الزوج؟ فإن أرادت الثاني فله أن يخصص بيومها من يشاء.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ
يعني: في الصورتين. اللخمي: وسواء كانت الهبة مقيدة بوقت أو للأبد لأن ذلك مما تدركها فيه الغيرة، ولا تقدر على الوفاء بما وهبت إلا أن يكون اليوم أو اليومين، واختلف في بيعها اليوم وشبهه، فقال مالك في الموازية: لا أحب أن تشتري من صاحبتها يومًا ولا شهرًا، وأرجو أن يكون في ليلة خفيفًا.
قيل له: فإن أرضى إحدى امرأتيه بشيء أعطاها ليومها ليكون فيه عند الأخرى، فقال: إن الناس لا يفعلون ذلك وغيره أحب إلي، وإن أذنت له أن يطأ الأخرى في يومها فلا بأس.
ابن عبد السلام: والأقرب جواز البيع ولو طلب إذنها في إجبار غيرها فلم تأذن له فيخيرها بين الطلاق وألا بيات عليها فأذنت له بسبب ذلك، ففي ذلك قولان.
خليل: وانظر هل يقيد رجوعها في هذه المسالة بما إذا لم تدخل ضرتها الأخرى في شيء كما قالوا في اعتصار الأب ما وهب لولده.
وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا بِإِحْدَاهُنَّ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ غَزْوًا أَوْ حَجًّا أَقْرَعَ وإِلا اخْتَارَ
يعني: وإذا أراد أن يسافر فهل لابد من القرعة وهي رواية ابن عبد الحكم، لما روي أنه ﵊ كان إذا هم بسفر يقرع بين نسائه، أو له أن يختار وهو أيضًا مروي عن مالك، لأن المصلحة قد تكون في إقامة إحداهن إما لثقل جسم، أو لكثرة عيالها، أو لحفظها لماله، إلى غير ذلك.
ابن بشير متممًا لهذا القول: إلا أن يكون في السفر عليها معرة ومضرة فلا يجبرها عليها، أو يقرع في الحج والغزو دون غيرها وهو أيضًا لمالك، وظاهر المدونة أنه لا يقرع إلا في الغزو فقط لقوله فيها: وإن سافر لحاجة أو حج أو غزو سافر بأيتهن شاء بغير قرعة إذا كان على
[ ٤ / ٢٦٥ ]
غير ضرر ولا ميل، وإن كانت القرعة في الغزو وحده، لما روي أن النبي ﷺ فعله فيه، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، لكن فهم صاحب البيان وغيره المدونة [٣٣٩/ ب] على أنه يختار مطلقًا، فلا يكون في المسألة إلا ثلاثة أقولا، وطريق عبد الوهاب تخالف هذه، فإنه قال: إن كانت إحداهن تصلح دون الأخرى كان له الاختيار وإن كن كلهن يصلحن فإن كان سفر حج أو غزو أقرع، وفي سفر التجارة روايتان، ولا يحاسب من سافر بها بعد رجوعه بل يبتدئ القسم.
وَإِذَا نَشَزَتْ وَعَظَهَا ثُمَّ هَجَرَهَا ثُمَّ ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مَخُوفٍ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لا يُفِيدُ لَمْ يَجُزْ ضَرْبُهَا أَصْلًا
لقوله تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] الآية، ولما كان في الآية حذف مضاف، والتقدير: تخافون ضرر نشوزهن، قال المصنف: (وَإِذَا نَشَزَتْ) ولا يقال عطفه بـ (ثُمَّ) مخالف للآية للعطف فيها بالواو والمقتضية لجواز الجمع لأن العطف في الآية باعتبار جماعة النسوة، فمنهن من يصلحهن الوعظ، ومنهن من يصلحهن الهجران، ومنهن من لا يصلحهن إلا الضرب.
وتقييد المصنف الضرب بأن يكون (غَيْرَ مَخُوفٍ) صحيح، وإذا غلب على ظنه أن الضرب لا يفيد لم يجز له ضربها، لأن المقصود صلاح الحال، والوسيلة عند ظن عدم مقصدها لا تشرع.
عياض: والنشوز: الامتناع من الزوج والاستعصاء عليه، والنشوز أصله الارتفاع، والنشز ما ارتفع من الأرض، والنشوز يطلق على الرجل والمرأة، قال الله تعالى: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) [النساء: ١٢٨].
[ ٤ / ٢٦٦ ]
فَإِنْ كَانَ الْعُدْوَانُ مِنْهُ زُجِرَ عَنْهُ
أي: زجره الحاكم، وأما إن كان العدوان منها فإن رجا الحاكم إصلاحًا زجر الزوج كما تقدم وإلا زجرها هو، وإن كان العدوان منهما فإن الإمام يزجرهما.
فَإِنْ أَشْكَلَ ولا بَيِّنَةَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَى الإِصْلاحِ أَقَامَ الْحَاكِمُ أَوِ الزَّوْجَانِ أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِمَا حُكْمَيْنِ ..
قوله: (ولا بَيِّنَةَ): لأنه لو قامت لها بينة أنه يضر بها كان لها أن تفارق.
ابن الهندي في وثائقه الكبرى: ولها تطليق نفسها وإن لم تشهد البينة بتكرر الضرر، وقيل: ليس لها ذلك حتى تشهد بتكرره، فإن لم تقم بينة وادعى كل واحد إضرار صاحبه زجرًا معًا، فإن تكرر تردادهما أمره القاضي أن يسكنها بين قوم صالحين وكلفهم تفقد خبرها، وإن كان ساكنًا بها بين قوم هذه صفتهم لم يكلفهم نقلها عنهم، وليس عليه أن يرحلها من البادية إلى الحاضرة، ولا من طرف المدينة إلى وسطها، إلا أن لا يجد فيمن حولهما من يضمها إليه، وإن شكت الوحدة ضمت إلى الجماعة والأمن إلا أن يتزوجها على ذلك، ثم إن خفي عن الإمام الخبر وطال التكرر ولم يتبين الظالم فظاهر المذهب وهو الظاهر في النظر أنه يعمل بأمينة بل بالحكمين، والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: ٣٥] قيل: ولا يكون الحكمان معهما ملازمين وإنما يدخلان عليهما المرة بعد المرة، قال جماعة: والآية محكمة.
المتيطي وغيره: ولم يترك العمل بها غير يحيى بن يحيى.
ابن عبد البر في تاريخه: وكان ذلك مما ينكر عليه وتابعه عليه ولده عبيد الله، وأنكر بعث الحكمين على من استفتاه فيه من القضاة، وقال: لم يحكم بذلك أحد ممن كان قبلك من
[ ٤ / ٢٦٧ ]
أئمة العدل، وجهل فإن عمر بن الخطاب ﵁ حكم بذلك ذكره ابن حبيب، وبعث عثمان في ذلك عليًا ومعاوية، رواه ابن وهب عن ربيعة في المدونة، وقال في الكافي: يحيى بن يحيى يفتي في الحال التي يحتاج فيها إلى إرسال الحكمين بدار أمين، وجرى العمل بذلك عندنا.
خليل: وفيه نظر، وكيف يعمل بغير مقتضى الآية ويترك مدلولها، ودعوى النسخ ضعيفة فإنه لم يثبت، وقال بعض من الأندلسيين من أصحابنا ممن وافق على الحكمين: بإنه يعمل بقول أمينة أو أمين قبلهما.
ونقل عن مطرف وأصبغ وابن دينار ويقضي بذلك عليهما، وقال غيره: لا يقضي بذلك، وإنما يكون إذا اتفق الزوجان ونفقتهما عند من يقول بهما على الزوجين.
قيل: وإن وجه الإمام أمينة فإنه يقبل قولها وحدها وهي ضرورة، ونقل في الطرر عن المشاور أن الزوج إذا ادعى أنها تضر به، ودعي إلى دار أمين كان ذلك له بأي وجه ادعاه.
قوله: (أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِمَا): أي الأبوان أو الوصيان وليس للعصبة في ذلك مدخل، ومذهبنا أن للحاكم وللزوجين ولمن يلي عليهما إقامة الحكمين، وفي المدونة: قال ربيعة: لا يبعثهما إلا السلطان.
ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكِ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا
لا شك إذا اجتمعت في الحكمين هذه الصفات أن يجوز تحكيمهما، وأما إذا اختل بعضها ففي المدونة: لا يجوز في ذلك تحكيم عبد ولا صبي ولا مشرك أو سفيه أو امرأة ولو بعثها الإمام؛ لأن ذلك خارج عما أراده الله تعالى من الإصلاح إلى الضرر وهو لا يجوز منهم اثنان فكيف بواحد؟ ثم قال: ولو حكم الزوجان من ذكرنا أنه لا يحكم ففرق، لم يمض ذلك ولا يكون طلاقًا، لأن ذلك لم يكن على وجه تمليك الطلاق، ويدل على
[ ٤ / ٢٦٨ ]
ذلك دخول الزوجة فيه بتحكيمهما ولا مدخل للزوجة في تمليك الطلاق، وروي عن عبد الملك وأشهب وأصبغ أن تحكيم المرأة والعبد العارفين المأمونين جائز، وحكمهما لازم ما لم يكن خطأً بينًا.
وقال ابن المواز: يمضي حكم المسخوط، وحكى في تحكيم المرأة والبد والصبي الذي يعقل ثلاثة أقوال، الجواز [٣٤٠/ أ] والمنع في العبد خاصة، ولا خلاف في النصراني والصبي المسلم الذي لا يعقل لا يجوز تحكيمهما.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَمِنْ غَيْرِهِ
أي: فإن لم يوجد أحد الحكمين على هذه الصفة من أهلها أو لم يوجدا معًا.
(فَمِنْ غَيْرِهِ) أي: غير الأهل، وظاهر كلام المصنف وهو ظاهر الآية أن كونهما من الأهل شرط واجب، وقد نص المتيطي على ذلك، وتردد اللخمي في نقض الحكم إذا حكم القاضي أجنبيين مع وجود الأهل.
ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ أن هذا الشرط وكونهما فقيهين من شروط الكمال.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الزَّوْجَانِ أَوْ الْوَلِيَّانِ خَاصَّةً وَاحِدًا عَلَى الصِّفَةِ لا عَلَى غَيْرِهَا
ما ذكره من أن للوليين إقامة الواحد مخالف للباجي فإنه نص أن إقامة الواحد خاص بالزوجين، قال: ولا يجوز ذلك للسلطان ولا لولي اليتيمين؛ لأن في ذلك إسقاطًا لحق الزوجين، وقال اللخمي: للسلطان أن يحكم رجلًا أجنبيًا لأنه إنما جعل رجلان إذا كانا من الأهل، لأن كل واحد يستبطن علم من هو من قبلهِ، فإذا خرجا عن أن يكون من الأهل أجزأ واحد، وأجزأت امرأة على الأصل.
ففي الأحكام: إنها تجزئ بالواحد، وفي هذا أيضًا مخالفة لكلام المصنف لكونه جعل للسلطان إقامة واحد، والمصنف منع من ذلك لقوله: (خَاصَّةً) فإن قيل: لم جاز هنا
[ ٤ / ٢٦٩ ]
تحكيم واحد، ولم يجز في تحكيم جزاء الصيد إلا اثنان، وقد جاء النص بتحكيم اثنين في الموضعين؟ فالجواب أن جزاء الصيد حق لله تعالى فلم يجز إسقاطه، والتحكيم هنا حق للزوجين فكان لهما إسقاطه.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ
يعني: سواء كانا من الأهل أو من غيرهم، لأن الجيران لا يخفى عليهم في الغالب أمرهما.
وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا كَذَلِكَ.
أي: في النشوز وإقامة الحكمين لأن الآية عامة في الزوجين لكن الغالب إنما يحصل ذلك في المدخول بها، ونص في المدونة والموازية على ما ذكره المصنف واحتج بعضهم على صحة قول ابن لبابة في التي شرط لها زوجها في عقد نكاحها ألا يضر بها، فإن فعل فأمرها بيدها فقامت عليه بذلك قبل الدخول بها، قال ابن لبابة: لها الأخذ بشرطها، وقال غيره من معاصريه ليس لها الأخذ بذلك.
وهُمَا حَكَمَانِ وَلَوْ كَانَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ لا وَكِيلانِ عَلَى الأَصَحِّ.
يدل على أنهما حكمان دخول الزوجة في التحكيم وهي ليس لها من الطلاق شيء حتى توكل عليه.
ابن راشد: ولم أقف على القول بأنهما وكيلان. انتهى. وحكاه في الجواهر ابن عبد السلام، ولعل محل الخلاف إن ثبت أن حكمهما الزوجان لا القاضي.
فَيَنْفُذُ طَلاقُهُمَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ وحُكْمِ الْحَاكِمِ
لأن حكم الحاكم لا يتوقف على رضى المحكوم عليه.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
وَعَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرَا فَإِنْ كَانَ الْمُسِيءُ الزَّوْجَ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةَ ائْتَمَنَّاهُ عَلَيْهَا أو خَالَعَا لَهُ بِنَظَرِهِمَا، وإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا خَالَعَا لَهُ بِمَا يَخِفُّ بِنَظَرِهِمَا ..
يعني: أنهما ينظران أولًا بالإصلاح والألفة وحسن المعاشرة، وإن لم يمكنهما ذلك انتقلا إلى الفراق، قال جماعة: ولا يعذر الحكمان قبل حكمهما.
ابن رشد: لأنهما لم يحكما في ذلك بالشهادة القاطعة وإنما يحكمان بما خلص إليهما بعد النظر.
قوله: (فَإِنْ كَانَ الْمُسِيءُ الزَّوْجَ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا) يريد من غير أن يسقطا شيئًا من الصداق، وقاله اللخمي وغيره. وفي الكافي: ليس لهما أن يأخذا من الزوج على أن يطلق، وقد قيل ذلك جائز.
قوله: (وإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةَ) أي: فإن كان المسيء الزوجة فقط ائتمناه عليها وتقر عنده.
اللخمي: إلا أن يحب هو الفراق فيفترقان ولا شيء لها من الصداق. وقال عبد الملك في المبسوط: لو حكما عليها بأكثر من الصداق جاز ذلك إذا كان سدادًا.
قوله: (وإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا) أي: الإساءة خالعا له بما يخف بنظرهما، كقول ربيعة في المدونة أعط الزوج بعض الصداق. واختلف في قول ربيعة هل هو وفاق المذهب؟ فقال أبو عمران: معنى ظلمه لها في هذا الوجه أي: بدعواها ولم يثبت ذلك، ولو ثبت ظلمه لم يجز أن يأخذ منها شيئًا على الفراق، ولو حمل كلام ربيعة على ظاهره كان مخالفًا للمذهب، فقد قال بعض شيوخ إفريقية: لا يجوز أن يخالع الرجل زوجته على أن يأخذ منها إذا كان الضرر منهما جميعًا، وهو منصوص لعلمائنا وخالفه الأكثرون منهم، وحمل كلامه على ظاهره ورآه موافقًا للمذهب، وأشار اللخمي إلى أنه إن كان ضررهما متساويًا أخذ له نصف الصداق، وإن كان الإضرار منها أكثر أخذ منها أكثر من ذلك، وفرق بين ما أشار إليه أبو عمران هنا وبين الخلع بأن الحكم ها هنا بغير الزوجين يحكمان في ذلك بالاجتهاد بخلاف الخلع.
[ ٤ / ٢٧١ ]
فرع: قال في الموازية: وإذا تنازع أحد الزوجين أو نزعا جميعًا قبل حكم الحكمين بذلك لمن نزع إلا أن يكون السلطان هو الباعث، أو يكون النزوع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم، فلا يعتبر نزوع من نزع ويلزمه الحكم.
ابن يونس: لعله يريد إذا نزع أحدهما وأما لو نزعا جميعًا ورضيا بالإصلاح والبقاء، فينبغي ألا يفرق بينهما. وذكر بعضهم قولين في نزوع الزوجين قبل الحكم بخلاف نزوعهما بعده.
وَإِذَا حَكَمَا بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يَلْزَمِ الزَّائِدُ
وفي بعض النسخ (وقيل: يلزم).
وقوله: (يَلْزَمِ الزَّائِدُ) أي: وإنما تلزم واحدة. قال في [٣٤٠/ ب] المدونة: لأن ما زاد على الواحدة خارج عن معنى الصلاح.
المتيطي وابن راشد: وقال ابن القاسم في الموازوية: يلزمه ما أوقعا عليه وإن كان ثلاثًا إذا اجتمعا على ذلك وقاله أصبغ، وروى مطرف عن مالك في ثمانية أبي زيد: إذا اجتمعا على أكثر من واحدة لم يلزم الزوج شيء، يريد لأنهما قضيا بغير المشرع، وبنى الباجي القولين على الخلاف في العبد يتزوج بغير إذن السيد فيفرق بينهما بثلاث، والأمة تعتق تحت العبد فتختار نفسها بثلاث، هل يلزم البتات أو واحدة؟
وَإِذَا طَلَّقَهَا واخْتَلَفَا فِي الْخُلْعِ فَلِلْغَارِمِ الْمَنْعُ
الغارم هو المرأة. اللخمي: ولا يلزم الزوج طلاق.
عبد الملك: إلا أن تعطي له الزوجة المال فيلزم الزوجة الطلاق وتبين بذلك، ويجري فيها قول آخر: لا يلزمه الطلاق ولو أمضت له المال، قياسًا على اختلاف الحكمين في العبد، فقال ابن القاسم: لا يجزئه وإن أخرج ما حكما به، وكأنه أخرج بغير حكم لأن الحكم لم يصح.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وفِي الْعَدَدِ: مَشْهُورُهَا وَاحِدَةُ، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمُخَالِفُ حَكَمَ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ فَوَاحِدَةُ وَإِنْ حَكَمَ بِالْبَتَّةِ وشِبْهِهَا لَمْ يَلْزَمْ شَيْءُ ..
يعني: فإن اختلف الحكمان في عدد الطلاق فحكم أحدهما بواحدة والآخر باثنين أو ثلاث أو البتة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
المشهور: لزوم الواحدة لأنهما قد اجتمعا عليها، وبناء على أن البتة تتبعض.
والثاني: عدم اللزوم لأنهما لم يتفقا. والقول الثالث: إن حكم المخالف باثنتين أو ثلاث فكالمشهور واحدة، وإن حكم بالبتة لم يلزم شيء بناءً على أنها لا تتبعض.
تنبيه:
ذكر المتيطي أن الحاكم إذا وجه الحكمين وحكما بالطلاق أنهما يأتيان الحاكم ويخبرانه بما حكما به فينفذ حمكهما، قال: وكذلك ينبغي لمن استحلفه على شيء أن يخبره.
بعض الموثقين: ورأيت لابن العطار وغيره من الموثقين أنهما يشهدان بذلك عند القاضي، ولست أرى ذلك لأن طريقهما الحكم ليس الشهادة.
وحكى ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يثبت عند القاضي بشهادتهما أنهما رأيا اتفاقًا وأنهما حكما بكذا، وعن غيره: إنما يثبت ذلك بشهادة شاهدين عدلين يحضران إصلاحهما للقاضي بذلك.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
الطلاق
الطَّلاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بِعِوَضٍ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى خُلْعًا وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ
أصله في اللغة انطلاق والذهاب، ومنه انطلق فلان في كذا، ثم استعمل في إرسال العصمة لأن المرأة تذهب عن الزوج، وحقيقته في الشرع معلومة، وهي حل العصمة الكائنة بين الزوجين بصيغة تقتضي ذلك فإذا أعطته شيئًا سمي خلعًا، ونص المصنف على أن الخلع طلاق تنبيهًا على قول ابن عباس وغيره أنه فسخ.
ولعل المصنف قدم الكلام على الخلع وإن كان أكثر المصنفين يؤخرونه، لأن أحكام الخلع معنوية وأكثرها معنوي. والطلاق الذي ليس خلعًا أكثر ما يتكلم فيه على الألفاظ ومدلولها والمعنى أشرف، فكان تقديم الكلام عليه أولى.
ونقل اللخمي وغيره عن مالك جواز الخلع ابتداءً.
ابن يونس: قال مالك: ولم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر الصداق لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] ولإباحته ﵇ أن يأخذ قيس بن شماس من زوجته حبيبة بنت سهل ما أعطته إذ كرهته، وقد زادت على حديقته التي أخذتها منه.
وقال ابن القصار: هو مكروه. واقتصر عليه صاحب المقدمات وجعله من طلاق البدعة، ولعل الاختلاف في كون طلاق الخلع ليس سنيًا هو المقتضي لتقديم الكلام على القسم الآخر عند من قدمه.
ولم يفصل المصنف فيما افترق بالعوض وسمى الجميع خلعًا.
وفي المدونة: والمبارئة هي التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك واتركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها، وكذلك المصالحة.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
وروي المبارئة التي تأخذ شيئًا ولا تعطي شيئًا، والمختلعة التي تعطيه ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها وكذلك المصالحة. وقيل: المبارئة تترك ما لها عليه من الحق، أو يترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق والمفتدية التي تترك جميع ما أعطاها، ولعل المصنف لما لم ير بهذا جدوى ومعنى تركه.
وقوله: (وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ) لأن المرأة إنما أعطته على ذلك، وهذا هو المعروف. قال في البيان: وكان ابن عتاب يفتي بأن من باري امرأته المباراة التي جرى بها عرف الناس ثم طلقها بعد ذلك أن الطلاق يرتدف عليها ما لم تنقض العدة، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة لقول من رآها طلقة رجعية.
المتيطي: والمشهور أن الزوج يملك العوض ملكًا تامًا لا يفتقر فيه إلى حيازة لأنه أخذه في مقابلة عوض فأشبه البيع، وفي الموازية ما يدل على افتقاره إلى الحيازة؛ وهو قوله: إذا حال الزوج رجلًا بدين على المرأة فيما خالعها به فماتت قبل أن يقبض المحال دينه فله الرجوع على الزوج، فهذا دليل على بطلانه بالموت.
فَلَوْ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى رَجْعِيَّةِ بِبِدَلٍ فَبَائِنُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا أعطته شيئًا على أن يطلقها طلقة رجعية فالمشهور- وهو مذهب المدونة- أنه يقع بائنًا لأن حكم الطلاق على العوض البينونة فلا ينتقل عنه، وروي عن مالك [٣٤١/ أ] أنه يقع رجعيًا، وبه أخذ سحنون عملًا بالشرط.
وَعَكْسُهُ لَفْظُ: الْخُلْعُ مِنْ غَيْر بَدَلَ، ثَالِثُهَا: ثَلاثُ، وفِيهَا: سُئِلَ مَالِكُ عَنِ الْمُطَلِّقِ طَلاقَ الْخُلْعِ أَوَاحِدَةُ بَائِنَةُ أَوْ رَجْعِيَّةُ أَمِ الْبَتَّةَ؟ فَقَالَ: بَلِ الْبَتَّةَ لأَنَّهُ بَائِنُ ولا يَكُونُ باَئِنًا إِلا بِخُلْعٍ، أَوِ الأَقْصَى ..
يعني: وعكس الفرع الذي قبله عدم البدل مع وجود لفظ الخلع، اتفق فيه على وقوع الطلاق، واختلف فيما يلزمه على ثلاثة أقوال:
[ ٤ / ٢٧٥ ]
الإيلاء
الأول: لمالك وابن القاسم تلزمه طلقة بائنة، وكأن الزوج أسقط العوض، المتيطي: وبه القضاء.
والقول الثاني: أنها طلقة رجعية، ونصه عند ابن يونس، وقال مطرف: قوله: أنت طالق طلاق الخلع كقوله: أنت طالق واحدة لا رجعة لي عليك فيها فهي واحدة، وله الرجعة؛ لأن الخلع لا يكون إلا بشيء أخذه منها، ابن حبيب: وبه أقول. اللخمي: وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.
والقول الثالث: تلزمه الثلاث ووجهه ما ذكره المصنف.
وكلام المصنف ليس بظاهر لإبهامه، أن المذهب لزوم الثلاث؛ لأنه هو الذي حكاه عن المدونة دليلًا وتقوية على عادته، ولم يبين كما فعل فيها أن هذا قول غير ابن القاسم، أي ابن الماجشون، ومذهب ابن القاسم ومالك هو ما قدمناه.
عياض عن بعضهم: وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها، وأما غيرها فلا خلاف أنها واحدة.
تنبيه
وهذا ما لم يقل: أنت طالق طلقة بائنة، وأما لو قال ذلك لزمه الثلاث نص عليه في المدونة وقيل: تلزمه واحدة وقيل: بائنة، وقيل: رجعية.
وَفِيهَا فِيمَنْ طَلَّقَ وأَعْطَى: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: رَجْعِيَّةُ
لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وفرق ابن المواز فقال: إن كان ذلك على وجه الخلع فهي طلقة بائنة، وإن لم يجر بينهما ذلك فله الرجعة.
وتأول ابن الكاتب القول الذي وقع في المدونة بالبينونة عليه.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
أبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الحق: وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب، والأسدية، والموازية فيمن صالح وأعطى، ليس فيمن طلق وأعطى. قال في النكت: وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة؛ لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء.
ابن عبد السلام: ونقل عن غير واحد أنهم صححوا الأقوال الثلاثة، أي: المتقدمة في الخلع من غير عوض في ثلاث مسائل وهي: إذا طلقت طلاق الخلع من غير عوض، وإذا صالح وأعطى، وإذا طلق وأعطى.
ولَوْ أَعْطَتْهُ مَالًا فِي الْعِدَّةِ عَلَى أَنْ لا رَجْعَةَ فَقَالَ مَالِكُ: أَرَاهُ خُلْعًا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وقَالَ أَشْهَبِ: لَهُ الرَّجْعَةُ ويَرُدُّ مَالَهَا. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَبِينُ بِالأُولَى ..
تصور كلامه ظاهر، فوجه قول مالك أن عدم الرجعة ملزوم للطلاق البائن، والأولى قد وقعت فصار كأنه أوقع أخرى، ورأى أشهب وابن وهب أن ما فعله ليس صريحًا في الطلاق ولا من كنايته غير أن أشهب رأى أن هذا شرط مخالف للرجعة التي ثبتت بالطلاق الأول فيلغي، فإذا ألغي لزم أن يرد المال إليها، ورأى ابن وهب أن الرجعة حق للزوج فكان له أن يسقطها على عوض كما لو أسقطت حقها في القسم لشيء تأخذه.
وَشَرْطُ الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا أَوْ وَلِيًّا لِصَغِيرٍ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ السَّفِيهِ الْبَالِغِ ولَوْ كَانَ أَبًا وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..
اعلم أن الخلع خمسة أركان: الموجب، والقابل، والمعوض، والعوض، والصيغ’.
وتكلم المصنف على الأول: ومراده بـ (الْمُوجِبِ): الزوج، واشتراطه الإسلام مع كون المرأة مسلمة لا يظهر له كبير معنى، وأخرج بقوله: (مُكَلَّفًا) الصبي والمجنون. وشمل كلامه السفيه والرشيد لكنه لما تكلم على السفيه بعد هذا بمفرده علم أن مراده هنا بالمكلف الرشيد.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وقوله: (أَوْ وَلِيًّا) عطف على قوله: (زَوْجًا) وقوله: (أَوْ غَيْرَهُ) أي: تجوز مخالعة ولي الصبي عنه كان أبًا أو وصيًا أو حاكمًا إذا كان على وجه النظر، ونقل بعضهم الاتفاق على أن للأب والوصي والسلطان أن يخالعوا عن الصغير، وإنما اختلف هل يطلقون عليه بغير عوض، والذي ذكره اللخمي عن مالك وابن يونس عن ابن القاسم أنهم لا يطلقون عليه بغير عوض.
قوله: (بِخِلافِ السَّفِيهِ) فيه حذف مضاف تقديره ولي السفيه، يدل عليه قوله: (ولَوْ كَانَ أَبًا) يعني: وليس لولي السفيه ولو كان أبًا أن يخالع عنه على المشهور؛ لأن الطلاق بيد السفيه، والذي شهره المصنف في السفيه هو مذهب المدونة، لكن نص اللخمي على أنه من قول ابن الماجشون. قال: وأجاز ابن القاسم في العتبية للوصي أن يخالع عن السفيه.
ابن عبد السلام: واتفق على أنه ليس للأب والوصي أن يطلقا عليه بغير عوض.
وقوله: (وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ) أي فليس له أن يخالع عنه على المشهور.
ابن عبد السلام: ومراده العبد البالغ. ثم قال: وحكم العبد البالغ حكم السفيه البالغ. وقال ابن بشير: وهل [٣٤١/ ب] يجوز الخلع عن العبد والأمة بغير اختيارهما؟ قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه، وهما خلاف في النظر إلى الجبر على النكاح وهذا من توابعه كون العبد قد استقل ولا حكم للسيد فيه؛ ولهذا رأى أبو الحسن اللخمي أنه يخالع عن الأمة التي ليست العصمة بيدها دون العبد. انتهى.
فانظره مع كلام ابن عبد السلام، إلا أن يكون مراد ابن بشير العبد الصغير، وقد نص في المدونة على أن العبد الكبير ليس للسيد أن يخالع عنه، ولم أقف على القول بأن للسيد أن يخالع عنه، وإن ثبت فهو مشكل. وفي المدونة: إذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له. روى ابن نافع عن مالك فيمن زوج وصيفه أو وصيفته ولم يبلغ أنه جائز، فإن فرق السيد بينهما على النظر والاجتهاد جاز ذلك ما لم يبلغا. وقال
[ ٤ / ٢٧٨ ]
ابن نافع: لا يجوز ذلك إلا ما كان على وجه الخلع. فظاهره أنه يتفق على جواز المخالعة ويختلف في طلاقه عليه بغير عوض. عياض: ومذهب ابن القاسم في الكتاب في تطليق السيد على عبده الصغير طلاق السنة عند غير واحد، وروايته عن مالك مثل مذهب ابن نافع أنه لا يجوز إلا ما كان على وجه الخلع، فإن رواية ابن نافع تخالف ذلك إذا لم يشترط الخلع، ويجوز إذا كان نظرًا بغير خلع إ ذا حمل على ظاهره وهو قول أكثرهم، وحمل بعضهم الكل على الوفاق. وقال ابن لبابة: وقيل: لا يجوز وإن كان على وجه الخلع، لأن للسيد انتزاعه، فكأنه أخذه لنفسه.
تنبيه:
وفهم من هنا أن ما يفعله الأب في خلع الصغير لازم له، وكذلك هو النص، لكن عورض ذلك بالنكاح إذا عقد على شروط، فقد قال ابن القاسم: إذا بلغ ونزع عنها أنه لا يلزمه. قيل: وقول ابن وهب باللزوم فيها أقيس.
وَفِي خُلْعِ السَّفِيهِ قَوْلانِ
نحوه في الجواهر، زاد: وإذا صححناه فلا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه بل إلى وليه، والظاهر صحته لأنه إذا كان له أن يطلق من غير عوض فلأن يكون له ذلك مع العوض أولى. واقتصر المتيطي وغيره على هذا القول.
وَخُلْعُ الْمَرِيضِ نَافِذُ
عبر بالنفوذ ولم يعبر بالجواز لأن الإقدام عليه لا ينبغي لأنه طلاق في المرض، قال في المدونة: ومن خالع زوجته من مرضه جاز له ما أخذ منها، فإن مات في مرضه ذلك ورثته، وإن ماتت هي لم يرثها، وكذلك إذا ملكها في مرضه أو خيرها، وكذلك أي طلاق طلقها فإنها ترثه ولا يرثها.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
محمد وأبو عمران: وترث مما اختلعت به، لأنه من جملة تركته، وروى مالك أنها لا ترث منه.
أبو عمران: والأول مذهب المدونة، وروى زياد بن جعفر في المملكة في المرض لا ترث، وهو مذهب المغيرة في المخيرة، وخرج بعضهم منه قولًا آخر بعدم الميراث في المختلعة، وهو ظاهر لأن سبب الطلاق في جانب المرأة في مسألة الخلع أقوى منها في مسألة المملكة لبدلها المال.
القَابِلُ شَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الْتِزَامِ الْمَالِ فَيَلْزَمُ فِي الأَجْنَبِيِّ والْمَالُ عَلَيْهِ
يعني بـ (القَابِلُ) من يدفع العوض، وذلك جائز من كل ما فيه أهلية التزام المال من أجنبي أو غيره، فقد نص في المدونة على أن من قال لرجل: طلق زوجتك ولك علي ألف، أنه إذا طلقها يلزمه الألف.
واحترز بقوله: (أَهْلِيَّةُ) من المحجور عليه، وينبغي أن يقيد ما قاله أهل المذهب في الأجنبي بما إذا كان في ذلك حصول مصلحة أو درء مفسدة مما لا يقصد به إضرار المرأة، وأما ما يفعله بعضهم من التزام الأجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط نفقة العدة فلا ينبغي أن يختلف في منعه وفي انتفاع المطلق به بعد الوقوع نظر، قاله ابن عبد السلام.
فَإِنْ وَكَّلَتْهُ فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ
أي: فإن وكلت الزوجة من يخالع لها (فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أي: فإن خالع بخلع المثل فأقل لزمها الخلع ودفع العوض، وإن خالع بأكثر لم يلزمها. ويفهم من قوله: (كَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أيضًا أن العوض وعهدته عليه إلا أن يشترط أن ذلك عليها. ابن راشد: وإذا وكلته على عدد فزاد عليه غرم الزائد.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وَلا يَلْزَمُ فِي الأَمَةِ والسَّفِيهَةِ والصَّغِيرَةِ، ويَقَعُ الطَّلاق ويُرَدُّ الْمَالُ، ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّغِيرَةِ يُبْنَى بِهَا: يَنْفُذُ إِنْ كَانَ يُصَالَحُ بِهِ مِثْلُهَا ..
أي: ولا يلزم دفع العوض إذا خالعته الأمة أو الصغيرة أو السفيهة، لكن يقع الطلاق بائنًا. قاله في المدونة.
وينبغي أن يفهم قول المصنف: (الأَمَةِ) على كل من فيها شائبة رق، غير أن أم الولد والمدبرة إذا خالعها في مرض السيد وقف المال؛ فإن مات السيد صح الخلع لعدم منفعة السيد، وإن صح بطل ورد المال.
ابن عبد السلام: وهذا هو المشهور في أن السيد يمنع من انتزاع مالها في مرضه. قال في المدونة: ويجوز ما خالعت به المكاتبة أو وهبت من مالها بإذن السيد.
سحنون: وذلك في الشيء السيير التافه، وأما ما له القدر فلا؛ لأن ذلك داعية إلى عجزها.
قوله: (ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ) ابن عبد السلام: أي الإذن في التجارة؛ لأن إذن السيد لأمته في التجارة [٣٤٢/ أ] لا يستلزم الإذن في الخلع لعدم منفعة إذن السيد به.
وقد نقل في البيان: الاتفاق على أنه لا يجوز للمأذون لها أن تخالع بغير إذن سيدها. وفي الإشراف: المأذون لها في التجارة يمضي خلعها إذا وقع. فكأنه يرى أن ذلك ليس بمجرد عطية، لأنه قد يكون طلاقها من ذلك الرجل أحسن لها ولسيدها.
خليل: وانظر هل يمكن أن يكون الإذن راجعًا إلى الخلع كما تقدم أن السيد لا يكون ضامنًا للمهر بمجرد الإذن في التزويج، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر فإنه قال: القابل شرطه التزام المال والتزام الأمة فاسد وخلعها بإن السيد صحيح ولا يكون السيد ضامنًا للمال.
[ ٤ / ٢٨١ ]
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) يعني أن المشهور: لا ينفذ خلع الصغيرة. وقال ابن القاسم في العتبية: ينفذ.
ابن اللباد: المعروف الأول. وكذلك صاحب البيان والمتيطي أن الأول هو المشهور، زاد المتيطي: وبه العمل. وحكى في الطراز أن العمل على قول ابن القاسم. واختار اللخمي التفصيل في الصغيرة فيمضي الخلع إن كان الفراق لها أحسن وترد المال وينفذ الطلاق إن كان بقاؤها زوجة أحسن. وكذلك اختلف في رد خلع السفيهة غير المولى عليها بناء على أن رد التصرفات للسفه أو للحجر. ولسحنون قول ثالث بالتفصيل: يمضي خلع البالغة السفيهة دون البكر الصغيرة.
خليل: وينبغي على قول ابن القاسم بلزوم خلع الصغيرة أن يمضي خلع السفيهة، ولو كانت مولى عليها.
وَصُلْحُ الأَبِ عَنِ الْمُجْبَرَةِ بِالصَّدَاقِ كُلَّهِ نَافِذُ بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ
أما صلح الأب عن ابنته البكر الصغيرة أو البالغة فجائز.
الباجي: بلا خلاف. وألحق اللخمي بها البكر المدخول بها إذا لم تطل إقامتها وطلقت قبل المسيس، لأن له الجبر على النكاح والصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ على القول بجبرها، ولعل المصنف عبر بالمجبرة لهذا. وفي بعض النسخ وصف المجبرة بالصغيرة، وفيه نظر لأنها تقتضي لو كانت بالغة لم يمض خلعه عليها، وليس كذلك.
وقوله: (بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: فليس له أن يخالع عن البكر على المشهور.
الباجي: وهو مشهور قول ابن القاسم ورواية عن مالك أنه لا يجبرها على النكاح إلا الأب وحده.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
ومقابل المشهور رواه ابن نافع عن مالك أن الوصي يخالع عن اليتيمة، وهو لابن القاسم، وألحق السلطان بالوصي في ذلك، وأنكر سحنون رواية ابن نافع وأسقطها عند السماع.
عياض: وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين. وقال ابن لبابة: رواية ابن نافع أحسن، ولم أر أحدًا تعجبه رواية ابن القاسم أنه لا يبارئ عنها إلا برضاها.
ابن عبد السلام: وعلى الشاذ فاختلف في إذنها إذا كانت بالغًا على قولين.
وَعَنِ السَّفِيهَةِ قَوْلانِ
أي: وفي صلح الأب عن ابنته البالغة الثيب السفيهة قولان، الأول لابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين: لا يجوز له ذلك إلا بإذنها.
وقال ابن أبي زمنين وابن لبابة: جرت الفتيا من الشيوخ بجواز ذلك، ورأوها بمنزلة البكر ما دامت في ولايته على المشهور.
اللخمي: وهو الجاري على قول مالك في المدونة. ابن راشد: والأول هو المعمول به.
ابن عبد السلام: وهو أصل المذهب.
واختلف في خلع الوصي عنها برضاها، وفي ذلك روايتان لابن القاسم، والقياس المنع في الجميع.
وَصُلْحُ الْمَرِيضَةِ لا يَمْضِي إِلا قَدْرَ مِيرَاثِهِ، فَفِي تَعْيينِ يَوْمِ الْمَوْتِ أَوْ يَوْمِ الْخُلْعِ قَوْلانِ، وفَائِدَتُهُ الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ، ولا يَتَوَارَثَانِ. وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقًا. وقِيلَ: خُلْعُ الْمِثْلِ ..
هذه مسألة المدونة ففيها قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
ابن القاسم: وأنا أرى أنها إذا اختلعت منه على أكثر فله قدر ميراثه، فإما على قدر ميراثه منها أو أقل فذلك جائز ولا يتوارثان.
وكذلك قال ابن نافع وحمل ابن المواز قول مالك لا يجوز، على أنه خلاف لقول ابن القاسم، وأنه أبطله على الإطلاق، ولم يجز منه شيئًا كالمرأة تهب جميع مالها أنه لا يجوز منه إلا الثلث على المشهور، والمسألة عند محمد على ذلك.
عياض: وأكثرهم يرون قول ابن القاسم مفسرًا لقول مالك.
وكذا جاء في العتبية من رواية ابن القاسم عنه كقول ابن القاسم في المدونة، وإذا فرعنا عن قول ابن القاسم فهل يعتبر قدر ميراثه يوم الموت؟
اللخمي: وهو قول ابن القاسم في الموازية.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة أو يوم الخلع؟ اللخمي: وهو قول ابن القاسم في العتبية لأنه موجب للتهمة.
اللخمي وغيره: والأول أصوب؛ إذ لو أعطى يوم الخلع ثم تلف المال لكان هو الوارث وحده، وإن نقص كان أخذ أكثر من ميراثه، ولأجل أن هذا مفرعًا على قول ابن القاسم أتى المصنف بالفاء المؤذنة لذلك. قوله: (وفَائِدَتُهُ) أي: فائدة هذا الخلاف تظهر في اختلاف ما لها ما بين زماني الخلع والموت.
فرع: وهل يوقف قدر الميراث أو يعجل؟ قال ابن نافع في المدونة: يوقف. واختلف قول أصبغ في ذلك وقول صاحب النكت ذلك على الخلاف المتقدم، أي: إن اعتبر يوم الخلع عجل وإن اعتبر يوم الموت وقف، ورأى اللخمي أنه إذا كان الخلع على دنانير أو دراهم لا توقف وإن على عبد أو دار وقف ومنعت من بيعه والتصرف فيه، فإن صحت أخذه
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وإن ماتت كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوه أو يردوه [٣٤٢/ ب] ميراثًا، لأنهم شركائه ويكون على حقه في الميراث على الوفاء شائعًا، وإن كانت قيمة ما خالع أقل من ميراثه لأن الزوج لم يترك الفضل إلا لغرضه في عين ما خالع عليه، وإن كان ذلك العبد أو الدار أفضل مالها كان أبين في رد الورثة. ابن عبد السلام: وتعطي قوة كلام المصنف أن المال المخالع به إذا كان مثل الثلث فأقل أن يدفع للزوج بدليل قوله: (الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ) وقوله: (وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقًا) أي: يمضي خلعها مطلقًا سواء كان قدر الميراث أو أكثر. وذكر في الجواهر: أن هذا القول رواه ابن وهب عن مالك، والقول بأن له خلع المثل رواه ابن الحكم. اللخمي: وقال عبد الوهاب: له ما خالعها عليه إذا حمله ثلثها يريد أن الطلاق كان بطوعه فسقط أن يكون وارثًا وصح أن يأخذ من الثلث على أحكام أفعال المريض فيما لم يأخذ له عوضًا مع غير الوارث، ورأى مالك أنها معاوضة لأنها اشترت نفسها.
وعلى هذا فيتحصل في المسألة خمسة أقوال.
البطلان مطلقًا، وهو مذهب الموازية، وأخذ التأويلين على قول مالك.
والثاني: أن لها الأقل، والثالث: الإمضاء مطلقًا، والرابع: خلع المثل، والخامس: أنه يكون من الثلث.
وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِظُلْمِهِ أَوْ لِضَرَرِهِ فَلَهَا اسْتِرْجَاعُهُ، ويَنْفُذُ الطَّلاق
يعني: إذا خالعته ثم ادعت أنها خالعته لظلمه لها في بدنها أو لضرره بها كما لو كان يمنها من زيارة والدها على أن الظلم والضرر كالمترادفين، ولعله تبع في عطفه الضرر على الظلم المدونة، فإن فيها: كذلك فإن أثبتت ذلك فلها استرجاع مالها، وينفد الطلاق بائنًا لأن الله تعالى شرط في حلية ما تدفعه أن يكون عن طيب نفس فقال تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]
[ ٤ / ٢٨٥ ]
ابن القاسم: وليس من الإضرار بها البغض لها، وإنما الإضرار الإيذاء بضرب أو إيصال شتم في غير حق أو أخذ مال من غير مشاورة.
مالك: وليس عندنا في قلة الضرر وكثرته شيء معروف.
وروى ابن القاسم عن مالك في من علم من امرأته الزنا فليس له أن يضارها حتى تفتدي؛ وقال ابن القاسم في الناشزة تقول: لا أصلي ولا أصوم ولا أغتسل من جنابة؛ لا يجبر على فراقها إن شاء فارقها وأحل له ما افتدت به.
قال في البيان: وله أن يؤدبها على ترك الصلاة ويمسكها. قال ف يالمقدمات: ولا يحل له أن يضيق عليها وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء، قال: ولا خلاف بين مالك وجميع أصحابه في ذلك، ورأيت في بعض كتب أصحابنا المغاربة عن ابن القاسم أنه يجوز له المضارة في تركها حتى تخالعه.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ
أي: على الضرر. والمعمول به عند الشيوخ وهو قول ابن القاسم أن الشاهد يشهد فيه بالقطع، وغمز ذلك ابن القاسم وقال: من أين للشهود القطع بمعرفة ذلك؟ ولهذا قال أصبغ أن الشاهد يقول: أحاط بذلك علمي وصح عندي.
ابن القاسم: وصفة الشهادة أن يقولوا: سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على ألسنة النساء والخدم والجيران. قال: ويكفي في ذلك عندي عدلان، والعدول الكثير أحب إلي.
ابن راشد: وهذا هو المشهور والمعمول به. وعندي أيضًا أن السماع إنما يكون من العدول إلا في الرضاع فيجوز أن يكون على يقين القرابة والأهلين والجيران وإن لم يكونوا عدولًا كالنساء والخدم.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وعن مالك: تجوز شهادة السماع في ضرر الرجل بامرأته إذا سمع بذلك الرجال والنساء سماعًا فاشيًا وإن لم يسمع بذلك الرجال والنساء فليس بفاش.
وإِنْ شَهِدَ وَاحِدُ أَوِ امْرَأَتَانِ بِالضَّرَرِ حَلَفَتْ واسْتَرْجَعَتْ لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ
يعني: وإن شهد واحد على أنه يضر بها أو شهد لها امرأتان بذلك حلفت على ذلك واسترجعت المال.
وقوله: (لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ) جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا قال: شهادة الرجل أو المرأتين مع اليمين إنما تفيد في المال، وإضرار الرجل بامرأته ليس بمال. فأجاب عن ذلك بأنه وإن لم يكن مالًا ولكن آيل إلى المال، وهذا أصل مختلف فيه في المذهب، وإن شهد لها بالضرر ولم يقيد أنها خالعته طائعة أعذر للرجل في الشهادة، فإن سلمها وادعى مدفعًا فعجز عن إثباته حكم عليه وإن اعترفت في عقد الخلع بالطوع وكانت استرعت فلها الرجوع بالاتفاق، وكذلك إن لم تسترع وقامت لها بينة لم تكن علمت بها، وأما إذا كانت تعلم بها ففيه نظر. والذي قاله ابن الهندي وابن العطار وغيرهما أن لها الرجوع ولا يضرها ذلك، ولا يضرها أيضًا إسقاط البينات المسترعيات وغيرها، وهو أصوب لأن ضرره بها يحملها على أن تعترف بالطوع، ومن ابتلي بالأحكام يكاد يقطع بذلك.
ابن بطال: وإذا كان لفظ الطوع لا يفيد فلا معنى لذكره في العقد.
فرع:
وإن خالعها وأخذ منها حميلًا بالدرك فقال ابن العطار: إذا أثبتت الضرر لا تسقط التبعات عن الحميل، لأنه غير مكره، وقد أدخل الزوج في زوال العصمة ولا يرجع الحميل عليها بشيء. وإليه ذهب بعض فقهائنا الصقليين، وذكر ابن يونس في ذلك خلافًا بين القرويين، وأن منهم من يقول هكذا، ومنهم من يقول: إذا أثبتت
[ ٤ / ٢٨٧ ]
المرأة [٣٤٣/ أ] الضرر يسقط الطلب عن الحميل، لأنه إذا سقط المال عن الأصل تسقط عن الحميل المطالبة.
وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهُ عَلَى إِمْسَاكِهَا أَوْ يُعْطِيهَا عَلَى الأَثَرَةِ، ولا إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ رِضَاهَا بِشَيْءٍ أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ..
أي: إذا أراد أن يطلقها فأعطته شيئًا على أن يترك طلاقها فإن ذلك جائز، وكذلك يجوز أن يعطيها على الأثرة، أي: يعطيها ليؤثر ضرتها عليها في المبيت وكلامه ظاهر التصور.
فرع:
وإذا أعطته مالًا على أن يمسكها ثم فارقها عاجلًا فقالوا: لها الرجوع، وأما إن كان بعد طول بحيث يرى أنها بلغت الغرض في مقامها لم ترجع، وإن طال ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لأجله كان له من المال بقدر ذلك على التقريب فيما يرى، وهكذا قال مالك فيمن أسقطت صداقها عن زوجها على أن لا يتزوج عليها فطلقها بحضرة ذلك أن لها أن ترجع، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لمكان ذلك لم ترجع.
أصبغ: إلا أن يكون الطلاق بحدثان الإسقاط ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين فلا شيء عليه. ورأى اللخمي أن لها الرجوع ولو كان الطلاق ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين، وقد تقدم لهذه المسالة نظائر عند الكلام على شروط النكاح.
الْمُعَوَّضُ شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ فَلا يَصِحُّ خُلْعُ الْبَائِنَةِ والْمُرْتَدَّةِ وشِبْهِهِمَا بِخِلافِ الرَّجْعَيَّةِ ..
هذا هو الركن الثالث، فإذا كانت الزوجة في عصمته أو طلقها طلاقًا رجعيًا جاز له أن يخالعها لأن البضع في حكمه، وأما البائن والمرتدة ومن كان نكاحها مفسوخًا فلا ملك
[ ٤ / ٢٨٨ ]
له عليه فلا يصح له أخذ العوض عنه، ولهذا الشرط وقع في الموازية وكتاب ابن سحنون في امرأة فقدت فبذل أبوها لزوجها مالًا على أن يطلقها ففعل ثم قال الأب: لعلها ماتت قبل هذا فرد علي ما أخذت. فإنه يوقف المال ويؤخر أمرها إلى وقت لا تجيء إلى مثله فذلك للزوج، فإن تبين أنها ماتت قبل الفراق أخذه الأب وورثها الزوج، وإن مات الزوج قبل كشف ذلك لم يوقف لها من ميراثه لها شيء، لأنه مات بعد أن طلق إن كانت حية أو مات بعد موتها. وقال ابن المواز: لا أرى أن ينزع ذلك من يد الزوج حتى يتبين باطل ما قبض بأن تقوم بينة بموتها قبل الطلاق، ألا ترى أنها لو كانت رابعة ما منعته نكاح غيرها لأن فراقه بائن، فإن قيل: لم قلتم إذا خالعها ثم تبين أنه كان أبانها يرد المال بخلاف ما إذا كاتب عبده وتأدى منه ثم تبين أنه كان أعتقه وهو منكر فيهما؟ قيل: لأن للسيد أن ينزع مال عبده ويستسعاه، ولا يزيل ملكه عنه إلا بالحكم عليه، والزوجة ليس له سبيل إلى مالها وهو أجنبي، فلا يصل إليه إلا بحق، فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حق. والله أعلم.
العِوَضُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلًا
أي: الذي تدفعه الزوجة عوضًا عن عصمتها، والمراد بالمتمول ما يصح تملكه، ليحترز من الخمر ونحوه، وليس المراد أن غير المال لا يصح فإنه لو خلعها على أن تعتق عبدها جاز، قاله مالك، قال: وإن جعل خلعها خروجها إلى أمها فذلك لازم.
وَيُغْتَفَرُ الْغَرَرُ والْجَهَالَةُ كَعَبْدٍ آبِقٍ، أوْ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أَوْ مُعَيَّنٍ غَائِبٍ، أَوْ نَفَقَةِ حَمْلٍ إِنْ كَانَ أَوْ جَنِينٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ الصَّدَاقِ ..
قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى جميع ما تقدم لا إلى الجنين وحده. ومقابل المشهور عدم الجواز كالنكاح. والفرق للمشهور أن الأصل أنه لا يستباح البضع إلا بعوض
[ ٤ / ٢٨٩ ]
بخلاف الطلاق فإن الأصل فيه عدم العوضية. وانظر عطف المصنف نفقة الجنين على نفقة الحمل، وإنما قلنا: مقابل المشهور عدم الجواز. وإن كان اللخمي حكى ثالثًا بالكراهية لأن المنع هو الذي يقابل الاغتفار حقيقة. وحكى في البيان رابعًا بالجواز في الغرر الذي يقدر على إزالته وبالمنع في الذي لا يقدر على إزالته، وعلى التحريم فلو وقع فقال مالك مرة: لا شيء. وقال مرة: يرجع إلى خلع المثل إن بطل الجميع، وإن بطل البعض رجع بما ينوب ذلك البعض. وحكى بعضهم ثالثًا: أنه يرجع بقيمة ما خالع عليه ولو جاز بيعه.
قوله: (بِخِلافِ الصَّدَاقِ) تقدم، ونظير هذه المسألة في جواز الغرر فيها الهبة والرهن على المشهور إلا في الجنين، فإنه يمتنع رهنه على المشهور.
واختلف هل يجوز الغرر في صلح العمد؟ والمنع هو قول ابن القاسم.
وَلا يَجُوزُ بِحَرَامٍ كَخَمْرٍ وشِبْهِهِ اتِّفَاقًا ويَنْفُذُ
لما قدم أنه يجوز بالغرر خشي أنه يتوهم جوازه بالخمر ونحوه فبين أن ذلك لا يجوز بالاتفاق، ولعل مراده بشبه الحرام المغصوب، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. فإن قلت: كلامه هذا يلزم منه تحصيل الحاصل، لأنه قدم أن شرط العوض أن يكون متمولًا.
قيل: الكلام الأول يحتمل أن يكون في جواز الإقدام أو في النفوذ، فكان مجملًا بخلاف هذا فإنه صريح في عدم الجواز ابتداءً.
فرع:
وتكسر الخمر وتقتل الخنازير كان ذلك في يده أو في يدها، فإن تخللت في يده فقال ابن القاسم: عادت حلالًا كانت الزوجة مسلمة أو كتابية.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وقوله: (ويَنْفُذُ) أي الطلاق بائنًا. وحكى بعضهم عن مطرف أنه يقول في هذا الأصل: إنه إذا لم يصح ما عاوض عليه [٣٤٣/ ب] تكون الطلقة رجعية.
والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ
هكذا وقع في بعض النسخ، ونحوه في الجواهر لقوله: أما لو خالعت بخمر أو خنزير أو بمغصوب فلا يختلف المذهب في منعه ابتداء ونفوذه إذا وقع. والمنصوص أنه لا شيء للزوج فيه. واستقرأ اللخمي إيجاب خلع المثل من خلع المريضة، وأفادت الواو من قوله: (ولَيْسَ) أن المنصوص أيضًا نفوذ الطلاق، و(فِيهِ) من كلام المصنف تحتمل الظرفية والسببية.
وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْكَنِ أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ أَوْ تُعَجِّلَ لَهُ دَيْنًا مُطْلَقًا
يعني: ومثل المخالعة بالخمر، لأن سكنى المعتدة في موضعها من حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطه على عوض ولا غير عوض، فالمعاوضة عليه كالمعاوضة على الخمر، وأما إن أراد كراء المسكن فذلك جائز.
قوله: (أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ) لأنه سلف جر منفعة، وهو ملكها لعصمتهأ. قال في المدونة: ويمضي الطلاق ويرد السلف.
قوله: (تُعَجِّلَ لَهُ دَيْنًا مُطْلَقًا) أي: من بيع أو سلف كان مما يجبر على قبوله أم لا، وعلة المنع فيها أيضًا السلف بزيادة؛ لأن من عجل ما أخر عد مسلفًا على المشهور، فتصير المرأة مسلفة، وازدادت العصمة.
أَوْ يُعَجِّلَ لَهَا مَا لا يَجِبُ قَبُولُهُ
لأن فيه حط الضمان وإن بدت العصمة.
[ ٤ / ٢٩١ ]
أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى
ظاهر التصور، ومن الشيوخ من تأول منع هذا؛ لأنه في المدونة: إذا كان لأحد الزوجين قبل الآخر دين فتخالعا على تعجيله قبل محله يقع الطلاق ويرد الدين إلى أجله. ولم يفرق بين أن يكون الدين مما يجب قبوله أم لا.
فمن الأشياخ من حمل ذلك على إطلاقه، ومنهم من فصل كما ذكر المصنف، وعلل ابن الكاتب المنع في تعجيل الزوج الدين فإنه سلف جر منفعة، إذا كانت مدخولًا بها، لأنه انتفع بذلك في إسقاط نفقة العدة.
وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرَ دَيْنًا.
لأن من أخر ما عجل عد مسلفًا اتفاقًا، فصارت مسلفة وازدادت، وهذا على أن تؤخر بالتاء المثناة من فوق. ويصح أن يقرأ ويؤخر بالياء المثناة من تحت ويكون التشبيه في قوله: (وكَذَلِكَ) عائد على قوله (أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى) لأنه إذا طلق وأخر يكون قد طلق وأسلف، والسلف كالإعطاء.
وخَرَّجَ اللَّخْمِيّ خلْعَ الْمِثْلِ مِنْ خلْعِ الْمَرِيضَةِ.
أي: في الصور الممنوعة بجامع المنع فيها، وهو مقابل قوله: (والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ) كما تقدم، ولا حاجة إلى هذا التخريج لأنه أحد القولين عن مالك كما تقدم.
وَلَوْ خَالَعَهَا بِحَلالٍ وحَرَامٍ سَقَطَ الْحَرَامُ
كما لو خالعته بسلعة وزق خمر فإن له السلعة ولا شيء له في زق الخمر.
ابن المواز: ومن تزوج بعشرة نقدًا وعشرين إلى أجل فصالحته قبل البناء على إن عجل العشرة النقد وأسقطت العشرين لم يجز ذلك، وجاز الطلاق، وترد إليه خمسة
[ ٤ / ٢٩٢ ]
تأخذها منه إذا حل الأجل، فالوضعية حلال والتعجيل حرام، فترد إليه الخمسة لتأخذها منه عند الأجل.
ولَوْ خَالَعَهَا بِمَالٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَانَ حَالًا
نحوه في المدونة، وزاد فيها: كمن باع إلى أجل مجهول فالقيمة فيه حالة. وظاهر كلام المصنف أنه يجب للرجل جميع ما خلعت به حالًا وهو أحد التأويلين على المدونة.
ووجهه أن المال في نفسه حلال وكونه إلى أجل مجهول حرام فيبطل الحرام، والتأويل الثاني أنها تدفع القيمة، ووجهه أن في الأول ظلمًا للمرأة لأنها لم تلزمه حالًا، وبأن الأول خلاف ما يقتضيه التشبيه.
ابن محرز: وقوله هنا بالحلو مخالف للأصل، وهو جواز الخلع بالغرر.
قال: فينبغي أن يكون لها خلع أو قيمة ما خالع به.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى ويَزِيدُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ جَازَ بِخِلافِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلأَلْفِ أَوْ أَقَلَّ فَكَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّانًا أَوْ خَالَعَ وأَعْطَى ..
يعني: يجوز اجتماع الخلع والبيع، بخلاف اجتماع النكاح والبيع كما تقدم، فإن كان العبد يساوي أكثر من الألف فلا شك أنه خلع، وإن كان مساويًا للألف فكما لو خالع مجانًا- أي: بغير شيء- فتأتي فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، وإن كان مساويًا للألف أو أقل من ألف فكما لو خالع وأعطى فأكثر الروايات أنها طلقة رجعية، وما ذكره المصنف نحوه في المدونة.
ابن بشير: واعترض ذلك اللخمي، ورأى أن الواجب كونه خلعًا صحيحًا مطلقًا، لأنه قد يعطي في العبد فوق قيمته لغرض له فيه، وما قاله بين، وقد علمت أن في كلام المصنف لفًا ونشرًا فإن قوله: (كَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّانًا) راجع إلى قوله: (مُسَاوِيًا لِلأَلْفِ) وإن قوله: (خَالَعَ وأَعْطَى) راجع إلى قوله: (بأقل).
[ ٤ / ٢٩٣ ]
فَإِنْ كَانَ آبِقًا رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وكَانَ لَهُ نِصْفُهُ. وقَالَ مُحَمَّدُ: وكَانَ لَهُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الأَلْفِ بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ، وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ ..
أي: فإن كانت المسألة بحالها إلا أن العبد آبق لا تجوز المعاوضة عليه في البيع ردت المرأة الزيادة وهي الألف، وكان للزوج نصف العبد، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة. وقال محمد: إنما له ما زاد على الألف بتقويمه بعد وجدانه، فإن كانت قيمته ألفين كان له النصف، وإن كانت ألفًا وخمسمائة كان له الثلث، وإن كان ألفًا ومائتين كان له السدس.
قوله: (وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ) أي: وإن لم يزده على الألف فلا شيء للزوج في العبد، وهذا الخلاف [٣٤٤/ أ] مبني على الخلاف في الشيء المعلوم إذا وقع في مقابلة معلوم ومجهول هل يكون بينهما على السواء؟ ففيكون نصف العبد في مقابلة الخلع ونصفه في مقابلة البيع، فإذا أنقص ما قابل البيع لزم أن يكون له نصفه، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي الشقص المصالح به عن موضحتي العمد والخطأ وإنما يكون المعلوم في مقابلة معلوم، فإن فضل شيء كان في مقابلة المجهول، وعلى هذا يأتي قول محمد، وهو مذهب ابن نافع فيمن صالح بشقص عن موضحتي العمد والخطأ.
ونقل ابن راشد عن بعضهم أنه جعل قول محمد تفسيرًا، ولم أر إلا من حمله على الخلاف.
وفهم من قول المصنف: (بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ) أن القيمة إنما تعتبر عند محمد يوم وجدان الآبق.
محمد: وكذلك الجنين يوم خروجه والثمرة يوم تجذ. قال في الجواهر: وهو المشهور وقال أصبغ: القيمة في الآبق يوم الخلع وكذلك الثمرة القيمة يوم الصلح إن كانت مؤبرة، وإن لم تؤبر فيوم تؤبر، ووافق في الجنين أن قيمته يوم ولد.
اللخمي: والقيمة في جميع ذلك يوم الصلح أحسن، لأن فيه وقع البيع.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا فَوَجَدَهَا فَارِغَةً أَوْ كَالْفَارِغَةِ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق قَوْلانِ، فَلَوْ وَجَدَ فِيهَا مُتَمَوّلًا لَزِمَهُ ..
أي: إذا كانت يدها مقبوضة فخالعها على ما في يدها، فإن وجد فيها ما له قدر كالدينار وشبهه لزم، وإن وجدها فارغة أو كالفارغة مثل أن يجد حجرًا أو وجد فيها درهمًا فحكى اللخمي وغيره ثلاثة أقوال:
اللزوم لابن الماجشون وسحنون؛ لأنه طلق بشيء يأخذه أو لا يأخذه. محمد: وهو أحب إلي لأنها لم تخدعه.
ونفي اللزوم وحكاه ابن حبيب عن مالك، قال: وهذا مما لا يجوز على أحد.
والثالث: لأشهب بالفرق، فإن وجدها فارغةً أو وجد فيها حجرًا لم يلزم وإن وجد فيها درهمًا لزمه.
وظاهر كلام المصنف أنه إذا وجد في يدها الدرهم يتفق على اللزوم لأن الدرهم مما يتمول، وحكى ابن حبيب عن مطرف أنه إن كان في يدها ما ينتفع به كان خلعًا وإن كان مما لا ينتفع به فليس بخلع وتكون طلقة له فيها الرجعة.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ لَزِمَهُ ويَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَها فِيهِ شُبْهَةُ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ قَوْلانِ ..
يعني: إذا خالعها على عبد فاستحق فإن كان لها فيه شبهة لزم الخلع ورجع بقيمته، وسواء استحق إلى رق أو إلى حرية. وحكى في الجواهر قولًا بعدم الرجوع إذا استحق إلى حرية ويرجع على المشهور بالقيمة ولم يرجع لخلع لأنه لم يدخل عليه. وحكى ابن عبد السلام عن ابن عبد الحكم أنه يرجع بخلع المثل.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
أبو الحسن: وهنا سبع مسائل يرجع فيها العبد بعده، ومن نكح بعبد بعينه فاستحق أو صالح من دم عمد على عبد، أو باع السيد عبده من نفسه بعبد، أو باع السيد قطاعة مكاتب له بعبد أو كان عوضًا عن عمد أو صالح على الإنكار وإن لم تكن لها فيه شبهة، كما لو قالت: أخالعك علي هذا العبد أو الدار، فإذا بالعبد أو الدار كغيرهما، ولا شبهة لها في ذلك، فقال عبد الملك: لا يلزمه الطلاق؛ لأنه طلق على أن يتم له ذلك.
ولم يحك الباجي وابن يونس وصاحب الجواهر وغيرهم هذا القول، والقول باللزوم بعيد وهو للخمي، قال: ويلزمه الطلاق وتغرم القيمة إن كانت موسرة، وإن كانت فقيرة فحينئذ تعود زوجته.
وقول المصنف: (فَيَرْجِعُ) عطفه بالفاء ليؤذن أن ذلك مرتب على القول بلزوم الطلاق.
ولَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَرَتْهُ إِيَّاهَا فَوَجَدَهَا زُيُوفًا فَلَهُ الْبَدَلُ كَالْبَيْعِ
كذا في المدونة، وقيدها بعضهم بأن تصالحه على دراهم طيبة، ولو اشترطت عليه أنك تأخذها دون تقليب لما لزمها بدل.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَلا سُكْنَى لَهَا فَإِنْ أَرَادَ كِرَاءَ الْمَسْكَنِ وهُوَ لِغَيْرِهِ لَزِمَ، وإِنْ كَانَ لَهُ وسَمَّى الْكِرَاءَ لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا
فاعل (لَزِمَ) في الموضعين من كلام المصنف عائد على الكراء، أي لزمها الكراء ووقع الخلع.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا) أي: الخروج وأما الطلاق البائن فقد وقع.
اللخمي: وقال ابن القاسم في المدونة في التي خالعت على أن لا سكنى لها: إن كانت في مسكن الزوج لم تخرج، ولا شيء للزوج عليها. قال: لأن مالكًا قال: إذا وقع الخلع بحرام مضى الخلع ورد الحرام.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
اللخمي: وأرى أن لا يرجع عليها بالأقل من كراء المسكن أو ما كانت تكري به، لأن أخذ العوض عن السكنى يجوز، وهو بمنزلة من خالع على شيء فاستحق من يده، إلا أن يكون انتقالها إلى أبيها أو إلى مسكنها، وهو الآن لا كراء له لأنها لم تنتفع بشيء.
وفهم ابن عبد السلام أن فاعل (لَزِمَ) عائد على الخلع، واعترض كلام المصنف وقال: إنما قال في المدونة: جاز، وهو أحسن؛ لأن تسمية الكراء شرط في جواز الخلع ابتداء لا في لزومه، لأنه لازم؛ سمى الكراء أو لم يسمه. وعلى ما قررناه يندفع هذا على أن قوله: تسمية الكراء، شرط في جواز الخلع إنما اعتمد فيه على مفهوم المدونة. وقد يقال: هذا المفهوم غير مراد، لأن غايته إذا لم يسم الكراء يكون غررًا، والخلع بالغرر جائز إلا أن يفهم قوله فيها سمى الكراء على أن المراد ذكر الكراء لا ذكر قدره، ويكون احترز بذلك مما لو أراد إسقاط الكراء. والله أعلم.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى [٣٤٤/ ب] أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهُ لَزِمَ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهِ ..
وقعت هذه المسالة هنا في أكثر النسخ، ولا حاجة إليها، وستأتي من كلام المصنف بأتم من هذا، فلنترك الكلام على هذه لذلك.
ولَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ وتُنْفِقَ عَلَيْهِ حَوْلَيْنِ وَتَحْضُنَهُ صَحَّ
قوله: (حَوْلَيْنِ) أي حولي الرضاع، وليس المراد حولين مطلقًا.
وقوله: (صَحَّ) أي الخلع، ولا إشكال في ذلك. ونقل في التنبيهات عن ابن وهب أنه قال في المبسوط: إنما يجوز من ذلك صلحها في الحولين على الرضاع وحده، وأما على نفقته فلا يجوز في الحولين ولا بعدهما.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
فَإِنْ أَضَافَ إِلَيْهِ نَفَقَةً مُدَّةً أُخْرَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ سَقَطَتْ، وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: لا تَسْقُطُ، وصُوِّبَ ..
أي: فإن زيد على نفقة الولد ورضاعه نفقة مدة أخرى، إما على الطفل وإما على الزوج، فمذهب المدونة سقوط الزائد، وقال اللخمي والمغيرة وابن الماجشون وأشهب وابن نافع وسحنون: لا تسقط. وهو صواب عند جماعة الشيوخ حتى قال ابن لبابة: والجل على خلاف ابن القاسم وروايته.
المتيطي: قال غير واحد من الموثقين والعمل على هذا القول، ووجهه ظاهر لأن غايته أنه غرر، والغرر جائز هنا، ولذلك أقام بعضهم من المدونة خلافًا في جواز المخالعة على الغرر، وقال: هذه تدل على المنع. وفرقوا بين هذه وغيرها من الغرر بفروق ضعيفة لم أرتض شيئًا منها. وفي المسألة قولان آخران:
الأول: رواه ابن زياد عن مالك: أنه يجوز في العامين وما قاربهما لا فيما كثر.
الثاني: قال أصبغ: أكرهه ابتداءً، فإن وقع أمضيته.
اللخمي وغيره: وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع الخلع على ذلك ولم يشترط ثبات ذلك إن مات الولد ولا سقوط وأما إذا اشترط الأب نفقة الولد مدة معلومة عاش الولد أو مات فيجوز عند ابن القاسم وغيره، وإن مات الولد أخذ الأب ذلك منها مشاهرة حتى يتم الأجل وكذلك الأب.
وعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ مَاتَتِ الأُمُّ قَبْلَهُمَا فَفِي مَالِهَا، وَلَوْ مَاتَ الطِّفْلُ فَقَوْلانِ
(قَبْلَهُمَا) أي: قبل الحولين. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي مذهب المدونة: إذا خالعها على رضاع ولدها ونفقته مدة حولي الرضاع، لو ماتت الأم قبل تمام الحولين وقف منمالها بقدر مؤنة الولد إلى انقضائهما لأنه دين ترتب في ذمتها فوجب أن يكونفي تركتها كسائر الديون، فإن مات الطفل فالمشهور وهو مذهب المدونة عدم الرجوع.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
مالك في المدونة: ولم أر أحدًا طلبه. وكأنه سلم أن القياس الرجوع إلا أن العرف عدم الرجوع فترك القياس لذلك.
محمد- موجهًا لهذا القول-: بمنزلة من صالح على أن عليها نفقة الحمل ورضاعه فأسقطته سقطًا فلا تتبع.
والقول الثاني: رواه أبو الفرج عن مالك، ولا شك أيضًا على قول المخزومي أنها إذا ماتت أنه يكون ما بقي في مالها، ولا أعلم إذا مات الطفل ما يقوله المخزومي؟ ولعل المصنف لهذا خصص التفريع على المشهور.
فروع:
الأول: قال ابن المواز لو ولدت في المسألة المتقدمة ولدين لزمها إرضاعهما، ولا تعذر إن قالت: لا أقدر على رضاعهما.
الثاني: إذا انقطع لبنها لزمها أن تشتري له لبنًا. نقله ابن راشد.
الثالث: قال محمد: لو شرط عليها أن تكفل ولده بعد فطامه ثلاث سنين ولا تتزوج، لم يلزمها ذلك قربت المدة أو بعدت، كما لا يلزم الزوج اشتراط ذلك عليه، وأما لو اشترط ألا تنكح حتى تفطم ولدها، فنقل ابن رشد عن مالك: ليس لها النكاح.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا كان يضر بالصبي منعت. وقال الأبهري: لها أن تتزوج وشرطه باطل، ولعله محمول على إذا لم يضر ذلك بالطفل فيتفق مع قول ابن القاسم.
وحكى ابن عبد السلام أن لها أن تتزوج وإن ضر ذلك بالصبي ولم يعزه، وهو بعيد، قالوا: ومذهب المدونة ليس لها أن تتزوج وإن لم يشترط عليها عدم التزويج إذا شرط إرضاعها الصبي كما قال في المرأة إذا أجرت نفسها ظئرًا.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
ابن عبد الغفور: فإن تزوجت قبل أمر الحضانة فسخ قبل البناء.
الرابع: اختلف إذا خالع امرأته على أنها إذا ولدت فعليها نفقته في الحولين، فقال مالك في المبسوط: ليس لها أن تطلبه بنفقة الحمل. وقال ابن القاسم وابن الماجشون والمغيرة: لها نفقة الحمل. واختاره اللخمي لأنهما حقان أسقطت أحدهما وبقي الآخر، زاد الباجي في قول مالك: وليس لها أن تطلبه بالصداق. وكذلك نقل عن المغيرة، ووجه قولهما لما لم تشترط بقاء الصداق كان الظاهر إسقاطه لأنه لم يرض منها بترك ما كان في ذمته حتى زادت نفقة الحمل.
فَإِنْ عَجَزَتْ فَعَلَيْهِ ويَتْبَعُهَا
يعني: فإن عجزت المرأة عما التزمته من النفقة على الطفل في الحولين، فعلى الأب أن ينفق عليه لأن نفقته بالأصل على أبيه، فله أن ينقلها عنه بشرط أن لا يضر ذلك بالطفل فإن عجزت رجعت إلى الأب وإلا لحصل الضرر للطفل. وإذا أنفق فهل يتبع الأم بما أنفقته إذا أيسرت؟ وهو قول مالك في العتبية. قال ابن يونس: وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك لأنه أدى عنها حقًا قد لزمها، أو لا يتبع وهو قول ابن القاسم أيضًا وأصبغ.
واقتصر المصنف على الأول، ووجه الثاني أن الأم [٣٤٥/ أ] إنما التزمت نفقة الولد على الوجه الذي كان يجب على الأب فتسقط بالعسر.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَسْقُطَ حَضَانَتُهَا فَالْمَشْهُورُ: تَسْقُطُ إِلا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ، وتَنْتَقِلُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ. وقِيلَ: لا تَسْقُطُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقُّ لَهَا أَوْ لِلْوَلَدِ ..
هذا هو الذي ذكرناه أنه أتم مما قبله ومعناه: أن الأم مقدمة في حضانة ولدها، فإذا خالعها على أن تسقط حضانتها فإن كان في ذلك ضرر إما لعلوق الولد بأمه أو لأن مكان
[ ٤ / ٣٠٠ ]
الأب غير حصين لم تسقط حضانتها بالاتفاق ويقع الطلاق بائنًا، وهكذا قال في المدونة. وأقام الشيوخ منها أن من طلق امرأته وله منها ولد رضيع فتزوجت وطلب الأب الولد أنه إن خيف على الولد إن نزع من أمه لم يكن له ذلك حتى ينتفي الضرر كما هنا، وإن لم يكن في ذلك ضرر فالمشهور سقوط حضانتها.
ابن يونس: وقال عبد الملك: لا تسقط. وقاله في كتاب المدنيين، ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف: هل الحق للحاضنة فيكون لها إسقاطه، أم للولد فلا يكن لها الإسقاط؟ واختار اللخمي قول عبد الملك إن كان الصبي رضيعًا ونحوه.
خليل: لأنه حينئذ لا يقوم به أحد كأمه، والمشهور وهو مذهب المدونة الحجة لأحد القولين في باب الحضانة إذا ترك من له الحق في الحضانة حقه إلى من هو في ثالث درجة أنه لا يكون للثاني القيام.
أبو عمران: والقياس خلافه وعارض فضل قوله في المدونة أن الحضانة حق للحاضن برواية ابن القاسم، يمنع أن يبيع الرجل الأمة برضاها على أن يفرق بينها وبين ولدها الذي لم يثغر، فمنعه من البيع مخالف للمشهور، وموافق لقول عبد الملك ففرق بينهما بأن الولد انتقل في مسألتنا إلى من له الحضانة وهو الأب، بخلافه في مسألة البيع فإنه ينتقل إلى من لا حضانة له.
ونَفَقَةُ الآبِقِ والشَّارِدِ عَلَى الزَّوْجِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وفِي نَفَقَةِ ثَمَرَةِ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا قَوْلانِ ..
مراده بالنفقة الجعل على طلب الآبق والشارد، وإلا فالنفقة عليهما مع الجهل بموضعهما أو مع عدم القدرة على تحصيلهما بحال.
وقوله: (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أي على المرأة فيكون عليها، وهذا متفق عليه. والقولان في نفقة الثمرة التي لم يبد صلاحها لشيوخ عبد الحق.
[ ٤ / ٣٠١ ]
أحدهما: أن ذلك أيضًا على الزوج، لأن الملك قد انقتل ولا جائحة في الثمرة هنا فلا موجب لكونها على المرأة.
وثانيهما: أن ذلك على المرأة كالبيع، لأن الشرع لما اغتفر الغرر هنا صار الخلع على من يبدو صلاحه، يتنزل منزلة البيع فيما بدا صلاحه. قال هذا القائل: وليس للمرأة أن تجبر الزوج على جذ الثمرة، لأنه إنما دخل على بقائها.
ابن عبد السلام: وأشار بعض من سلك هذه الطريقة إلى إلزام حكم الجائحة. وسكت المصنف عن نفقة الأم إذا خولع على جنينها، قال غير واحد: والنفقة في ذلك على المرأة إلى خروج الجنين.
ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي أن يكون السقي على المرأة إذا كانت الثمرة لم تؤبر أو لم تخلق.
ابن المواز: وإذا خالعها على جنين في بطن أمه فهو له إذا خرج ويجبر على الجمع بينهما فيباع مع أمه.
وَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ النِّكَاحِ إِجْمَاعًا رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وفِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قَوْلانِ.
لأن ما أجمع على فساده يفسخ بالاتفاق فلا ملك للزوج في البضع لأنه يفسخ بغير طلاق، والخلع طلاق فلا يمكن الجمع بينهما، وأما المختلف فيه فالقولان فيه مبنيان على الخلاف في أن الفسخ فيه هل بطلاق فيلزم الخلع؟ أو بغير فلا يلزم.
والقولان في المدونة، لأن في إرخاء الستور إذا خالعها ثم تبين أنه تزوجها وهو محرم أنه يرد المال، وفي النكاح الثاني إذا تزوجها بغرر أو بغير ولي وخالعها قبل البناء قولان: أولهما: كما في إرخاء الستور، والثاني: أنه لا يرد المال.
ابن القاسم: ولو رأيت الخلع فيه غير جائز ما أجزت الطلاق. يريد: ولكن الطلاق فيه لازم.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فَإِنْ تَبَيَّنَ بِهِ عَيْبُ خِيَارٍ رَدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ومَضَى الْخُلْعُ
يعني: أن الخلع متفق على إمضائه، بمعنى أنه يقع الطلاق البائن، وإنما اختلف في رد ما أخذه، والمشهور رده، وهو مذهب المدونة، وهو في كتاب إرخاء الستور. وقول المصنف: (عَيْبُ خِيَارٍ) يشمل العيوب الأربعة.
وقوله: (بِهِ) احترزًا مما لو تبين بها فإنه لا يرد ما أخذه، صرح بذلك في المدونة، وعلل ذلك فيها بأن له أن يقيم على النكاح.
ابن المواز: وليس له الرجوع بالصداق على من غره لعيب ذهب وعارض سحنون هذه المسألة بما قاله في النكاح الثاني في الذي تزوج بغرر أو بغير ولي قبل البناء أن له ما أخذ وقال: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع ووجه المعارضة أنه إذا كانت تأخذ منه ما دفعت إليه في العيب الذي لها الرضى به والمقام على ذلك النكاح فلأن يكون لها أخذه بما دفعت إليه حيث يكونان مجبورين على الفسخ- أولى.
وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.
وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.
وأجيب بأن ما في إرخاء الستور إنما هو لعبد الملك وأنه لا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن يظهر العيب بالزوج أو بالزوجة لا يرد المال في الوجهين، وحينئذ تسقط المعارضة [٣٤٥/ ب] لعدم اتحاد القائل لكن قال عياض: وكلام سحنون برد مسألة النكاح إليها يدل على خلاف ذلك حينئذ تتحقق المعارضة وقد يجاب عنها بأنه لما اتفق العلماء على الرد بعيوب النكاح صار كالمجمع على فسخه، فلذلك قال ابن القاسم برد المال بخلاف إنكاح المرأة نفسها فإن أبا حنيفة يخالف في ذلك بخلاف النكاح بالغرر فإن الخلاف عندنا فيه شهير.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
والقول بأنه لا يرد إذا كان به عيب خيار لابن المواز قال: وإن تزوجها بغرر أو بغير ولي ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كقول سحنون وجعله ابن يونس ثالثًا قال: وهو أبينها. والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا بِمائَةٍ فَنَقَصَ لَمْ يَقَعْ طَلاقُ، وَلَوْ قَالَتْهُ فَزَادَ وَقَعَ وَالزِّيَاَدةُ عَلَى الْوَكِيلِ ..
يعني: إذا وكل رجل من يخالع له زوجته بمائة مثلًا فإن خالعها بها أو زيد فلا شك في وقوع الطلاق البائن، فإن نقص لم يقع الطلاق، لأنه معزول عن ذلك، وهو ظاهر في النقص الكثير، وأما اليسير فينبغي أن يختلف فيه كالبيع.
قوله: (وَلَوْ قَالَتْهُ) أي ولو قالت المرأة ما قاله الرجل فقالت: خالع لي زوجي بمائة، فإن خالعه بها أو أقل لزمها ذلك، وإن زاد وقع الطلاق البائن، وكانت الزيادة على الوكيل وينبغي أيضًا أن يقيد الزيادة بالزيادة الكثيرة، وأما اليسيرة فيلزمها كالوكيل على شراء سلعة.
وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا فَنَقَصَ عَنِ الْمِثْلِ حَلَفَ أَنَّهُ أَرَادَ خُلْعَ الْمِثْلِ
أي: لو وكل الزوج رجلًا على أن يخالع له زوجته فإن خالعها بخلع المثل فأكثر لزمه، وإن نقص عن المثل. ففي الجواهر: القول قوله أنه أراد خلع المثل ولم يذكر يمينًا، ولم يذكرها أيضًا مالك في المجموعة.
ابن عبد السلام: ولا تكاد تجد النص على اليمين، قال: وظاهر الرواية سقوط اليمين كما في البيع وهو الأقرب، وقد يقال بثبوتها هنا، لأن السلعة في البيع لها قيمة كالمعرفة ولا قيمة هنا.
خليل: والظاهر أن اليمين هنا يجري الخلاف في توجيهها على الخلاف في أيمان التهم، وقد نص مالك في العتبية على اليمين في من قال لامرأته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك فأنت طالق فدعته إلى دينار فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت نصف ما تملكينه.
فقال: لا يلزمه الخلع، ويحلف ويخلى بينه وبينها.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
ابن القاسم: وإن لم تكن له نية فلم يجبها حنث. لكن قال في البيان: قوله: (يحلف) يدل على أنه لم يكن مستفتيًا في يمينه وإنما كان مخاصمًا ويحلف لأنه ادعى نية تخالف ظاهر اللفظ، ولو كان مستفتيًا لقبل ذلك منه بغير يمين. ونقل ابن بشير مسألة العتبية هذه وذكر أنه لم يجب عليه في الرواية يمينًا قال: وقد تجري على أيمان التهم.
وعند ابن شعبان: له أن يطالبها بجميع ما تملكه، وأنكره اللخمي ورأى أن ذلك ليس من مقاصد الناس، وإنما يقصدون بعض المال لا كله، وانظر قول ابن بشير مع ما تقدم ولم يوجب في الرواية يمينًا إلا أن يكون حمل ما في الرواية على المرافعة كما ذكر صاحب البيان.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي أَصْلِ الْعِوَضِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَتَحَالَفَانِ وَتَعُودُ زَوْجَةً ..
إذا اختلفا على الطلاق وقال الزوج: كان على عوض ولم تدفعيه لي. وقالت الزوجة: إنما كان على غير عوض، فقال مالك وابن القاسم: القول قولها مع يمينها ولا شيء عليه.
ابن راشد: وهو المشهور. وقال عبد الملك: القول قوله وتعود زوجته بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقًا بغير عوض.
اللخمي: والأول أحسن، ولا يرتفع الطلاق بعد وقوعه ومنشأ الخلاف هل تتبعض الدعوى ويؤخذ الزوج بما أقر به أم لا؟ ولأصبغ ثالث: إن أقر بالخلع وسبق إقراره بقوله: إنما أردت أن لا يتم حتى تعطيني، فالقول قوله، وإلا فالقول قولها.
وَفِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ
(وَفِي جِنْسِهِ) أي فإن اتفقا على الخلع واختلفا في جنس ما وقع الخلع به كما لو قال: بعبد. وقالت: بل بدينار أو قدره كما لو قال: بدينارين. وقالت: بل بدينار، حلفت وبانت لأنه مقر بالطلاق ومدع عليها فإن نكلت حلف وأخذ ما ادعاه.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي وَقْتِ مَوْتِ غَائِبٍ خُولِعَ عَلَيْهِ، أَوْ عَيْبِهِ فَهْيَ مُدَّعِيَةُ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ فَلا عُهْدَةَ بِخِلافِ الْبَيْعِ ..
هكذا قال ابن القاسم ونص ما نقله ابن يونس عنه: قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبد غائب فمات أو وجد به عيبًا، فقالت: كان ذلك به بعد الصلح. وقال هو: قبل الصلح. فالمرأة مدعية وعليها البينة، وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عهدة فيه بخلاف البيع.
وإلى هذا أشار بقوله: (فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) أي الموت أو العيب بعد الخلع فلا عهدة على الزوجة.
وقوله: (بِخِلافِ الْبَيْعِ) ظاهره أن المخالفة راجعة إلى قوله: (ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) ووجه المخالفة على هذا أنها بائعة للعبد بالعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منها، لأن المشهور أن ضمان المبيع على الصفة من البائع، إلا أن يشترطه على المشتري، ويحتمل أن تعود المخالفة إلى قوله، فتكون مدعية، ويكون وجهها على هذا أن يجعل الزوج هو البائع للعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منه، لأن المشهور في المبيع الغائب، وإطلاق البائع عليه أولى، لأن لها أن تخالع عوضًا عن العبد بدارهم وحينئذ لا يقال عرفًا أنها باعت الدراهم، وهذا [٣٤٦/ أ] يعين أن يكون قول المصنف: (فَهْيَ مُدَّعِيَةُ) ثابتًا في متن كلامه كما في الجواهر وكلام ابن القاسم المتقدم. وسقط ذلك في بعض النسخ وليس يجيد فإن قيل: ما الفرق على هذا بين البيع والخلع؟
فالجواب: إنما لم نقل أن الضمان منه لكونه لا يدفع العبد، بخلاف البائع في البيع.
هذا ما ظهر لي، ولم أجزم بمراد المصنف، والمراد هنا بالعهدة عهد الدرك والاستحقاق لا عهدة الثلاث وعهدة السنة. والله أعلم.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وَلَوْ ثَبَتَ مَوْتُ الآبِقِ قَبْلَهُ فَلا عُهْدَةَ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ دَخَلَ، إِلا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ ..
يعني: أن ما قدم هو في الغالب غير الآبق، وأما الآبق يتبين بعد الخلع أنه مات قبل الخلع فلا شيء عليها وهو معنى قوله: (فَلا عُهْدَةَ) أي على المرأة لأن الموت بعض ما دخل عليه الزوج وهو معنى قوله: (عَلَيْهِ دَخَلَ) إلا أن تكون حين المخالعة علمت بموته فتكون غارة، وتعد كالملتزمة بقيمته، وهكذا نقل عبد الحق عن غير واحد من شيوخه.
الصِّيغَةُ: وهُوَ كَالْبَيْعِ فِي الإِيجَابِ والْقَبُولِ.
هذا هو الركن الخامس وهو كالبيع أي في أنه لابد من الإيجاب والقبول ولا يشترط فيه أن يكون بصيغة خاصة بل تكفي المعاطاة، قال في المدونة: وإن أخذ شيئًا منها وانقلبت، وقالت ذلك بذلك ولم يسميا طلاقًا فهو خلع.
إِلا أَنْ يَقَعَ مُعَلَّقًا مِنْهُمَا فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزًا ولَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مِثْلَ: مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقُ، أَوْ مَتَى طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفُ ..
قوله: (مِنْهُمَا) أي منه أو منها ولابد أن يكون التعليق وقع منهما جميعًا.
وقوله: (مَتَى أَعْطَيْتِنِي)، تعليق من جهة الزوج و(مَتَى طَلَّقْتَنِي) تعليق من جهتها، وذكر المثالين مما يبين لك أن مراده بقوله: (مُعَلَّقًا مِنْهُمَا) ما ذكرناه.
وقوله: (فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزًا) يقتضي أنه إذا لم يكن معلقًا يحتاج إلى القبول ناجزًا وهو كذلك كما في عقود المعاوضة.
وفي المدونة: إن قال لها أنت طالق على عبدك هذا فإن قبلت قبل التفرق لزمها وإلا فلا قبول لها.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
عبد الحق: وسألت بعض القرويين: هل هذا على أحد قولي مالك في التمليك؟ فقال: لا يدخل الاختلاف هنا لأن هذا ضرب من المبايعة فيقتضي الجواب في الحال، فإذا افترقا ولم يجب فلا كلام لها. وقال في الجواهر: إذا علق بالإقباض والأداء والإعطاء لم يختص بالمجلس، إلا أن يدل ليل على اختصاصه به وإن كان يقتضي الجواب ففي بقائه لها وإن تفرقا خلاف.
اللخمي: وإن قال: أنت طالق على عبدك أو إن اعتني أو إذا أعطيتيني أو متى أعطيتني عشرة دنانير فأنت طالق، كل ذلك لازم إذا أعطته، ويفترق الجواب في الوقت الذي إذا أعطته لزمه أخذه، والطلاق؛ فإن قال: أنت طالق على عبدك فلم ترض في المجلس لم يلزمه شيء لأنه يقتضي المجاوبة في الحضرة، وإن قال: إذا أو متى؛ كان ذلك بيدها وإن افترقا ما لم يطل ويرى أنها تاركة أو يمضي ما يرى أن الزوج لن يجعل التمليك إلى ذلك الوقت.
واختلف إذا قال: إن أعطيتني هل يحمل ذلك على المجلس وإن افترقا؟ وأرى أن ذلك بيدها إذا قالت: نعم وانصرفت على ذلك وإن سكتت ضعف قولها انتهى.
ابن راشد: اختلف إذا تراخى القبول عن الإيجاب في البيع، أشار ابن العربي في ذلك ثم قال: والمختار جواز تأخير ما تأخر، ومقتضى هذا أن يجوز ذلك في الخلع أيضًا لأنه قال في الأصل: هو كالبيع في الإيجاب والقبول فتأمله.
ابن عبد السلام: ومراد المصنف بالقبول دفع المال لا التزام دفعه من المرأة والرضى بذلك من الرجل، فإن ذلك لابد منه عند سماع كلام من طلب ذلك منهما، إلا أن المؤلف تجوز في العبارة فعبر بالقبول الذي هو سبب عن دفع المال الذي هو مسبب.
وَمِثْلَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا خَالَعْتُكِ، إِنْ فُهِمَ الالْتِزَامُ لَزِمَ، وَإِنْ فُهِمَ الْوَعْدُ وَدَخَلَتْ فِي شِيْءٍ بِسَبَبِهِ- فَقَوْلانِ
(لَزِمَ) أي الطلاق البائن بدفع المال إن فهم الالتزام.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ابن راشد: بلا خلاف وإن فهم الوعد ودخلت في شيء بسببه كما لو باعت قماشها أو كسرت حليها فقولان: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يلزمه.
ابن عبد السلام: وهو المعروف. وقيل لا يلزمه ويحلف ما أردت طلاقًا، ومفهوم كلامه أنها إن لم تدخل في شيء بسبب الوعد فلا يلزمه الطلاق وهو جار على المشهور في عدم الوفاء بالوعد، وعلى الشاذ بلزوم الوفاء يلزم الطلاق هنا، قال في البيان: وعليه فيحلف.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي مَا أُخَالِعُكِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّافِهِ، وَيَلْزَمْ بِالْمِثْلِ عَلَى الأَصَحَّ
يعني إذا قال: إن أعطيتني ما أخالعك به فقد خالعتك أو فأنت طالق لم يلزم بالتافه. قال في المدونة: ويخلى بينه وبينها، ولم يوجب عليه يمينًا وفي قوله: (بِالتَّافِهِ) نظر.
والذي قاله ابن بشير: فأعطته نصف دينار. وقال اللخمي: فأعطته دينار وأما لو أعطته ما يخالع به مثلها فقال المصنف: الأصح اللزوم، لأنه إذا تقيد الكلام بالعرف وخرج عنه القليل فكذلك يتقيد بالعرف إذا طلب هو الزائد عن خلع المثل، ومقابل الأصح لابن شعبان: أن القول قوله إلى قدر ما تملكه المرأة وليس بالبين ولا يؤخذ مقابل الأصح من كلام المصنف.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ
قال في الجواهر: وإن قال إن أعطيتني عبدًا؛ بغير تقييد بصفة، طلقت بكل [٣٤٦/ ب] ما يطلق عليه اسم عبد من السليم، فقيده بأن يكون سليمًا ولابد من ذلك، وظاهر كلامه في الجواهر وكلام المصنف أنه لا فرق في اللزوم بين أن يكون العبد قليل القيمة أو لا وفي المدونة: ولو خالعته على ثوب مروي ولم تصفه جاز وله ثوب وسط من ذلك، فانظر هل يؤخذ من هذا أنه يشترط في العبد أن يكون وسطًا؟
[ ٤ / ٣٠٩ ]
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ
لأنه لما عينه بالإشارة ودفعته إليه لم يقدح في ذلك خطاه على نفسه لتفريطه في ذلك.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ فَإِذَا هُوَ هَرَوِيُّ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا ثُمَّ خَالَعَهَا فَالْمَنْصُوصُ يَرُدُّ مَا أَخَذَ، وأَجْرَاُه اللَّخْمِيّ عَلَى الشَّاذُّ فِي: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرُّ، وتَبِينُ ثَلاثًا فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ فَطَلْقَتَانِ وأَجْرَاهُ اللَّخْمِيّ عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ أَتْبَعَ الْخُلْعَ طَلاقًا
يعيني: إن علق طلاقها على خلعها ثم خالع فإن كانت يمينه باثلاث ففي المدونة وغيرها أنه يرد ما أخذ منها ويقع عليه الطلاق الثلاث، وقاسها في الموازية على قول مالك في القائل لعبده: إن بعتك فأنت حر، وكذلك أجراه اللخمي في الخلع قولًا بعدم الرد من الخلاف في القائل إن بعت عبدي فهو حر، ثم باعه.
والمشهور أنه يرد البيع ويعتق على البائع، والشاذ أن البيع ماض ولا عتق لأنه إنما يلزمه العتق إذا حصل في ملك المشتري ولا يمكن إلزامه العتق وهو في ملك الغير.
اللخمي: فجعل هذا القائل البيع يسبق الحنث، وكذلك يكون الطلاق الثلاث بعد الخلع فلا يكون عليه رد المال، وهو أحسن لأن الفاء للتعقيب. والمشهور جار على أن الشرط والمشروط يقعان معًا.
ابن راشد: والحق هو المشهور لأنه لما علق على فعله لا على فعل غيره لقوله: إن بعتك فأنت حر وبيعه إنما هو صدور الإيجاب، وصدور الإيجاب هو السبب في العتق لكن لا يتحقق كونه سببًا إلا بقبول المشتري فإذا قبل المشتري تحققنا تقدم سبب العتق فلذلك قلنا بفسخ البيع وإمضاء العتق.
[ ٤ / ٣١٠ ]
كذلك مسألة الخلع فقوله: (إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا) علق الطلاق على خلعه فتبين إن صدر منه الإيجاب وصدر منها القبول وقع الطلاق مستندًا لإيجابه لا لقبولها. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن المعلق علق بوجود البيع وحقيقة البيع لا تحصل إلا بمجموع الإيجاب والقبول.
قوله: (فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ) يعني وإن يقيد يمينه بالثلاث بل قال: إن خالعتك فأنت طالق فقال في المدونة وغيرها يلزمه طلقتان واحدة بالخلع وأخرى باليمين وأجرى اللخمي قولًا بلزوم واحدة فقط من الشاذ فيمن أتبع الخلع طلاقًا، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. وقد يفرق بينهما، فإن قوله: إن خالعتك فأنت طالق قد يقال فيه بوقوع الشرط والمشروط معًا، وذلك أن المعلق عليه علة شرعية للمعلق أجراها العلماء مجرى العلة العقلية، فكما أن العلة العقلية لا يتأخر عنها معلولها في الزمان كحركة الخاتم والإصبع، فكذلك العلة الشرعية بخلاف من أتبع الخلع طلاقًا، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. فإن وقعت الطلقة الثانية متأخرة عن الأولى بالزمان، ثم في القياس على من أتبع الخلع طلاقًا- نظر؛ وذلك أن الخلاف ليس منصوصًا فيمن اتبع الخلع طلاقًا، إنما الخلاف فيمن قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. والصحيح عن أهل الأصول المنع من قياس فرع على فرع مقيس على أصل، وبيان ذلك في محله، وقوله: (طَلْقَتَانِ) يعني ولا يرد العوض.
وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ ثَلاثًا عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً عَلَى ثلثه لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَبِلَتْ بِأَلْفٍ وقعت
إنما لم يقع إذا قبلت واحدة على ثلث الألف لأن الزوج يقول لم أرض بخلاصك مني إلا بالألف، وأنت إذا قبلت واحدة بثلث الألف تريدين أن تتخلصي مني بدون
[ ٤ / ٣١١ ]
ذلك، ولأن الزوج قد يكون مقصوده في مجموع الألف، ولهذا قلنا باللزوم إذا قبلت واحدة على الألف لأن مقصوده حصل ولا يتعلق بوقوع الثلاث غرض شرعي.
وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاثًا عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ واسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا لأَنَّ مَقْصُودَهَا حَصَلَ ..
يعني: إذا سألته أن يطلقها ثلاثًا على ألف فطلقها واحدة على ذلك، أو سألته أن يطلقها واحدة على ألف فطلقها ثلاثًا على ذلك، وهو معنى قوله: (أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ) أي الطلاق البائن فيهما.
(واسْتَحَقَّ ذَلِكَ) الألف (عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا) أي: الفرعين.
والصورة الأولى منصوصة في الموازية، والثانية في المدونة وغيرها إلا أنه فرضها في المدونة إذا سألته طلقتين، وعلل المصنف ذلك بأن (مَقْصُودَهَا حَصَلَ) أي: مقصودها في الأولى البينونة وقد حصلت والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي، ولا شك في حصول مقصودها في الثانية بل وزيادة، وقال اللخمي: أرى إذا أعطته على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثًا أن ينظر إلى سبب ذلك، فإن كان راغبًا في إمساكها وهي راغبة في الطلاق لا مقال لها، وإن كان راغبًا في طلاقها فأعطته على أن يكون طلاقه واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته، لأنها إنما أعطته على ألا يوقع إلا اثنتين لتحل إن بدا له من قبل من الزوج، وكذلك إن أعطته على أن يطلقها [٣٤٧/ أ] ثلاثًا فطلقها واحدة، ينظر فإن كان عزامًا على طلاقها واحدة كان لها أن ترجع بجميع ما أعطته لأنها للاثنين أعطت، وإن كان راغبًا في إمساكها فأعطته على أن يطلق ثلاثًا جرت على قولين فيمن شرط شرطًا لا ينفعه هل يوفى له به أم لا؟
وحكى ابن عبد السلام: في قوله: جرى على القولين في شرط ما لا يفيد: فقد يقال في هذا الوجه أنه من شرط ما يفيد، لأنه إذا كان راغبًا فيها وهي كارهة كان مقصودها من
[ ٤ / ٣١٢ ]
إعطاء العوض البعد عنه على أتم الوجوه بحيث لا يبقى له فيها طلب، وذلك إنما يحصل مع الثلاث، وأما الواحدة فقد يتوسل إلى مراجعتها بمن لا يمكنها رده، قال وقول اللخمي مقابل للمنصوص الذي أشار إليه المصنف، إلا انه لا يفهم من كلامه مفصلًا، ويحتمل أن يريد المصنف بمقابل المنصوص في الصورة الأولى ما قاله عبد الوهاب في الإشراف فإنه قال بعد أن نقل عن ابن المواز ما تقدم من اللزوم إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فقال: طلقتك واحدة بالألف، قال: عندي أن النظر أن الخلع يقع ولا يستحق شيئًا من الألف.
وَالطَّلاقُ الُّسنِّيُّ: أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَاحِدَةً، وهِيَ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
لما قدم أن الطلاق على ضربين أحدهما بعوض، وفرغ منه شرع في الكلام على الضرب الآخر وهو الخالي عن العوض، وليس المراد بالسني أنه راجح الفعل كما هو المتبادر إلى الذهن من النسبة إلى السنة، بل على أنه الذي أذنت فيه السنة مقابلًا للبدعي ونحوه لعبد الوهاب وغيره.
وطلاق البدعة: ما وقع على غير الوجه المشروع، والطلاق مباح من حيث الجملة. وقال بعض الشيوخ: إنه مكروه لما في أبي داوود عنه ﵊: "أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الطَّلاَقُ".
ولا إشكال أنه قد يعرض له الوجوب والتحريم والندب، وثبت أنه ﵊ طلق حفصة واحدة ثم راجعها وطلق العالية بنت سفيان وهي التي كانت تدعى أم المساكين.
وذكر المصنف لطلاق السنة أربعة قيود:
[ ٤ / ٣١٣ ]
الأول: أن يطلق في طهر فلو طلقها في حيض كان مطلقًا للبدعة.
عبد الوهاب: وهو حرام بإجماع.
واختلف هل المنع في الحيض تعبدًا أو لطول العدة عليها؟ وهو المشهور كما سيذكره المصنف، لأنه إذا طلقها في حيض لا تعتد به فيلغي بقية أيام الحيض.
القيد الثاني: أن لا يجامعها في ذلك الطهر، فإن جامعها ثم طلقها كان مطلقًا للبدعة، وليس ممنوعًا كطلاق الحيض. فقد صرح في المدونة بكراهيته وفي الاستلحاق عن بعض الشيوخ: أنه محظور كالطلاق في الحيض، واختلف في وجه الكراهة، فقال عبد الوهاب: لأنه ليس عليها عدة، فلم تدر هل تعتد بالوضع أو بالإقراء؟ لأنه يندم إن خرجت حاملًا. وقيل لخوف الندم خاصة إن خرجت حاملًا، وقيل: لتكون مستبرأة فيكون على يقين من نفيالحمل إن أتت بولد وأراد نفيه. وضعف اللخمي الأول لعدم اللبس في العدة، وكذلك لأن العدة لا تفتقر إلى نية وهي تنتظر في المستقبل فإن رأت حيضًا بنت عليه، وإن ظهر حمل انتظرت الوضع.
القيد الثالث: أن يطلقها واحدة.
اللخمي: وإيقاع الاثنتين مكروه والثلاث ممنوع لقوله تعالى: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [الطلاق: ١] أي: من الرغبة في المراجعة والندم على الفراق، ونقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على لزوم الثلاث في حق من أوقعها؛ لما خرجه ابن أبي شيبة أن ابن عباس أتاه رجل فقال له: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا فقال: إن عمك عصى الله. فأندمه ولم يجعل له مخرجًا، وعن أنس أن عمر ﵁: كان إذا أتي له برجل طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد أوجعه ضربًا وفرق بينهما وقال عمران بن الحصين نحوه قال: ولا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة.
[ ٤ / ٣١٤ ]
وحكى في الإشراف عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم موقع الثلاث واحدة، وعن بعض الظاهرية أنه لا يلزمه شيء.
الباجي: وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق، وتعلقوا بحديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ وسنين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأمضاه عليهم. وهو خبر صحيح رواه الأئمة، وطاوس إمام وابنه إمام، وقال بعضهم: هو وهم.
الباجي: وعندي أن الوهم وقع في التأويل، ومعناه عندي أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاثًا بدليل قوله: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.
وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة.
فإن حمل حديث طاوس على ما تأولناه فلا كلام، وإن كان على غير ذلك فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، وحكى التلمساني عندنا قولًا بأن إذا أوقع الثلاث في كلمة أنه إنما تلزمه واحدة؛ وذكر أنه في النوادر ولم أره، وشذ بعض المبتدعة أيضًا فقال بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض، وبذلك قال بعض البغداديين.
ويرده ما جاء في الصحيح في بعض طرق حديث ابن عمر لما طلق في الحيض قال: فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها. ذكره مسلم، وفي البخاري: [٣٤٧/ ب] وحسبت علي تطليقة، لكن خرج أبو داوود عن ابن الزبير أنه سمع ابن عمر قال: فردها على رسول الله ﷺ ولم يرها شيئًا.
أبو داود: والأحاديث كلها على خلافه ولعل هؤلاء لاحظوا كون النهي يدل على الفساد.
القيد الرابع: أن تكون غير معتدة منه، يتحرز من أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يرتجعها فإن فعله فالأولى للسنة والأخيرتان للبدعة، وهذا مذهب المدونة وقال أشهب:
[ ٤ / ٣١٥ ]
له أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يراجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك لأنه تطويل للعدة عليها ويضر بها وهذا مقابل المشهور ورأى في المشهور أن ذلك بمنزلة من طلق ثلاثًا في دفعة ورأى أنه ليس في ذلك تطويل.
عياض: ولأشهب قول آخر أنه لا بأس إن ارتجع بنية الفراق ولا خلاف أنه لو ارتجع بنية البقاء ثم بدا له فطلق هكذا في كل طهر لما كره له الرجعة ولا الطلاق.
وَالْبِدْعِيُّ عَلَى خِلافِهِ
أي: فقد منه القيود، إما بأن يكون في حيض، أو في طهر مس فيه، أو أكثر من واحدة، أو طلقها وهي معتدة ويحسب ما فقد منه من القيود من الكثرة والقلة يبعد عن السنة ولا يمكن أن يفقد جميع القيود لأن أحد القيود أن يكون في حيض، والآخر أن يكون في طهر جامع فيه فلا يمكن اجتماعهما، ولا يلحق بالطهر المجامع فيه الحيض المجامع فيه لأنه الوطء في الطهر يكون عنه الحمل فيحصل اللبس، نعم يمكن أن يتكلف إلحاقه به إذا كان الجماع في أواخر الحيض كما يقال في كتاب الاستبراء.
فَلا بِدْعَةَ فِي الصَّغِيرةِ والْيَائِسَةِ والْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ إِلا فِي العدَدِ، وفِي الْمُمَيِّزَةِ قَوْلانِ ..
لأنهن لا حيض عليهن، والقولان في المستحاضة المميزة مبنيان على القولين في عدتها هل هي بالأقراء أو بالسنة؟ فعلى المشهور أنها تعتد بالأقراء فيكون طلاقها في الحيض بدعيًا. وعلى أنها تعتد بالسنة لا يكون بدعيًا. ونقل الباجي عن عبد الوهاب أنه قال: من جاز طلاقها في كل وقت كالصغيرة واليائسة لا يوصف بسنة ولا بدعة.
وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ مُعَلَّلِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما.
أما قوله: (وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ) وقيل: غير معلل، وقد تقدم التنبيه عليه.
[ ٤ / ٣١٦ ]
(وعَلَى الْمَشْهُورِ) أي التعليل. (يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما) إذ لا تطويل في حقهما لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، والحامل في عدتها بالحمل فلا أثر لحيضتهما، وما ذكرناه جار على المشهور هو في المدونة فقد نص فيها على طلاق غير المدخول بها والحامل متى شاء ونص ابن شعبان وأبو عمران على الجواز في الحامل ومنعه ابن القصار لما عورض بقول المخالف لو كانت الحامل تحيض لكان الطلاق فيه حرامًا فقال: كذلك أقول.
ابن عبد السلام: وروي عن مالك أيضًا منع طلاق الحائض غير المدخول بها وعن أشهب كراهته فقط.
فرع:
فإن طلق من ولدت ولد وبقي في بطنها آخر، فقال أبو عمران: إن قلنا بطلاق الحامل حال الحيض لم يجبر على الرجعة.
تنبيهان:
الأول: ما ذكر المصنف من أن المشهور التعليل بتطويل العدة، قال اللخمي الظاهر من المذهب خلافه، وأنه غير معلل قال: ولو كانت العلة التطويل لجاز أن يطلقها في الحيض برضاها لأنه حق لها ويلزم أيضًا ألا يجبر على الرجعة إلا أن تقوم بحقها في التطويل، لأنه حق لأدمي فلا يقتضي به حتى يقوم به، ولا يجبر على الرجعة إذا طهرت لأن المدة لاتي كان فيها التطويل قد ذهبت.
الثاني: إنما تعرض المصنف لعلة المنع في الطلاق في الحيض دون سائر الطلاق لأن كتابه ليس موضوعًا لبيان التوجيه، وذكر الأسباب وإنما هو موضوع للأحكام فلذلك ذكر هذا لما يترتب عليه من الأحكام دون غيره.
[ ٤ / ٣١٧ ]
والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ، وقِيلَ: لا، لأَنَّهُ بِرِضَاهَا
قوله: (والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ) أي فيمتنع وهو قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور، وقيل: ليس الخلع كالطلاق فيجوز وهذا القول هو الجاري على التعليل بتطويل العدة قال في الجواهر: واختلف في علة الجواز على هذا القول فقيل: لأن ذلك تطويل برضاها، وقيل: لأنه معلل بضرورة الافتداء، ويخرج على تحقيق العلة فرعان: جواز الطلاق برضاها وأن يكون عوض، واختلاع الأجنبي، وإلى هذين الفرعين أشار بقوله:
فَيَتَخْرَّجُ عَلَيْهِ جَوَازُ طَلاقِهَا فِي الْحَيْضِ بِرِضَاهَا، ومَنْعُهُ فِي اخْتِلاعِ الأَجْنَبِيِّ
تصوره ظاهر.
وَإِذَا وَقَعَ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَةِ شَيْءُ، وقَالَ أَشْهَب: مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الثَّانِيَةِ ..
الأصل فيه ما خرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، فتغيظ، ثم قال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله ﷿".
قال في الاستذكار: هكذا روى جماعة عن ابن عمر، وبه أخذ فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي [٣٤٨/ أ] فقالوا: إذا طلقها أنه يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلق إن شاء.
ورواه جماعة عن ابن عمر وقالوا فيه مرة: فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرًا قبل أن يمسها أو حاملًا، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأكثر العراقيين وللرواية الأولى أوجه حسان منها: أنه لما طلق في الوضع الذي نهي عنه لئلا تطول العدة أمر بالمراجعة
[ ٤ / ٣١٨ ]
ليوقع الطلاق على سنته، فلو أبيح له أن يطلق إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في معنى المطلقة قبل البناء، أو كانت تبني على عدتها الأولى فيتم مقصوده، فأمر بالوطء ليقطع حكم الطلاق الأول وإذا طلقها لم يكن طلاقها في ذلك الطهر لأنه ﵊ نهى أن يطلقها في طهر مسها فيه ومنها أن الطهر الثاني جعل للإصلاح الذي قال الله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) [البقرة: ٢٢٨] لأن المرتجع لا يرتجع رجعة ضرر لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا) [البقرة: ٢٣١] فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء فإذًا لم يجز له أن يطلق في ذلك الطهر. ومنها: أن المراجعة لا تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح والمراجعة في الأغلب. انتهى.
قوله: (ابْتِدَاءً) أي طلقها طلاقًا مبتدئًا في حيض أو نفاس أو حنث كما لو علق طلاقها على دخول الدار فدخلت وهي حائض أو نفساء أجبر على الرجعة لحديث ابن عمر وهو وإن ورد في الحيض فلا فرق بينه وبين النفاس كما في سائر الأحكام، والمشهور أنه يجبر ما بقي من العدة شيء معاقبة له ولا طلاق لقوله ﵊: "مره فليراجعها" وقال أشهب: يجبر على الرجعة ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر وهو معنى قوله: ما لم تطهر من الثانية، ووجهه: أن في هذه الحالة أباح النبي ﷺ طلاقها فلم يكن للإجبار معنى، وفهم من قول المصنف: (أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ) أن الإجبار مختص بالطلاق الرجعي وهو الصحيح.
وقال في المقدمات: كان أبو المطرف يفتي بالإجبار في طلاق الخلع، وكان شيوخ عصره يخطئونه في ذلك.
فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالأَدَبِ، فَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ
ابن القاسم وأشهب وابن المواز: يجبر عندنا بالضرب والسجن والتهديد، ويكون ذلك في مجلس واحدلأنه على معصية فإن أبى أجبره الحاكم عليه.
[ ٤ / ٣١٩ ]
ابن راشد: وحكى الباجي في وثائقه قولين في سجنه أحدهما: أنه يسجن، والآخر: أن الحاكم يرتجع عليه ويتم القضاء.
وفي المقدمات عن ابن القاسم في العتبية: إن أبى حكم عليه بالرجعة قال: ولم يذكر سجنًا ولا ضربًا قيل: وظاهره خلاف الأول، ووجهه: أنه إذا كانت الرجعة تحصل من الحاكم فلا معنى لجبره، ورأى في القول الآخر أن من شرط إلزام الحاكم له تحقق الإباية ولا يتحقق ذلك إلا بالسجن والضرب.
وَلَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا يَتَوَارَثَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ
قوله (بِذَلِكَ) أي بارتجاع الحاكم على الأصح والأصح قول أبي عمران وقاسه على المتزوج هازلًا، أنه يلزمه النكاح وله الوطء، قال في المقدمات: وهو الصحيح قياسًا إلى من يجبر على النكاح من أب أو وصي أو سيد فيجوز للمتزوج الوطء إن غلب على ظنه النكاح، ومقابله لبعض أصحابنا البغداديين: أنه ليس له الوطء إلا أن يستمتع منها حال حيضتها بما فوق الإزار إذا لم يكن نوى الرجعة.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: وعلى هذا إذا انقضت العدة ولا نية له في الرجعة فليس له وطئها ولا أن يبيت معها ومن يقول بهذا لا يبعد أن يخالف فيما احتج به المصنف من الميراث ومقتضى كلام المصنف أنه يوافق على الميراث وإلا لم يحسن الاستدلال بذلك.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ
دليله حديث ابن عمر المتقدم وقد تقدم وجه ذلك.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
فَإِنْ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ الأَوَّلِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ أَوْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَمْ يُجْبَرْ ..
يعني: أنه إذا طلق طلاق بدعة فلا يجبر إلا في الحيض فقط، لأن الجبر على خلاف الأصل فيقضي به على مورده فقوله: (لَمْ يُجْبَرْ) راجع إلى الجميع ولا يلزم من نفي الأمر وفي أصل المدونة: لم يؤمر.
واختصر أبو محمد المدونة على نفي الجبر. وذكر عبد الوهاب قولًا بأمر من طلق في طهر مس فيه بالمراجعة من غير جبر.
عياض: وظاهر الكتاب خلافه، وحكى بعض المغاربة قولًا بالجبر فيما إذا طلق في طهر مس فيه.
قال في المدونة: ولا تطلق التي رأت القصة البيضاء حتى تغتسل بالماء فإن فعل لزمه ولا يجبر على الرجعة: وإن كانت مسافرة لا تجد ماء فتيممت فلا بأس أن يطلقها بعد التيمم لجواز الصلاة لها.
قال في النكت: قال بعض شيوخنا: وسواء صلت بالتيمم أو لم تصل به له طلاقها. فقول المصنف: أو ما يقوم مقامه أي مقام الغسل وهو التيمم كما جاء في المدونة ويحتمل أن يكون الضمير في مقامه عائدًا على الحيض، ويكون مراده النفاس لأنه يشاركالحيض في هذا وفهم من قول المصنف: (لَمْ يُجْبَرْ) منع الطلاق بعد الطهر وقبل الغسل وهو صحيح كما ذكرنا في المدونة. وحكى ابن عبد السلام قولًا بجواز الطلاق إذا رأت القصة قال: وهو الظاهر إما على أن الطلاق منع في الحيض لتطويل العدة فلا تطويل هنا إلا قدر الاغتسال، وإما على التعبد فلانتفاء الحيض وتعذر القياس، فإن انقطع الدم فطلقها فعاودها الدم بالقرب فهل يجبر على [٣٤٨/ ب] الرجعة؟ - وإليه ذهب أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمان؛ لأنه دم يضاف إلى الأول- أو لا يجبر؟
[ ٤ / ٣٢١ ]
الباجي: وهو الأظهر عندي لأنه طلق في وقت يجوز له فيه الوطء ويجوز صومها وقد رأيت ذلك لبعض الصقليين انتهى. ولأنه لم يقصد التطويل.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّهَا حَائِضُ، وَلا تَكْشِفَ
يعني: إذا اختلفا فقالت: طلقتني وأنا حائض، فقال: بل وأنت طاهر، فلا تكشف بالاتفاق، قاله ابن عبد السلام.
واختلف هل تصدق عليه كما في عيوب الفرج ويجبر على الرجعة؟ وإليه ذهب ابن القاسم وسحنون.
أو لا تصدق عليه ويكون القول قوله؟ وهو أيضًا لابن القاسم ووجهه أنه أدعى حلالًا وادعت حرامًا.
ابن عبد السلام: ابن المواز وهذا الخلاف إنما هو إذا تنازعا وترافعا إلى الحاكم حين الحيض، وأما لو كانت حينئذ طاهرًا فالقول قوله، ونحوه للباجي، وذكر ابن راشد قول ابن المواز على أنه ثالث.
ابن يونس: ولو قيل تنظر إليها النساء بإدخال خرقة، ولا كشفة في ذلك ورأيته صوابًا، ولأن ذلك حق للزوج كعيوب الفرج والحمل ولأنها تتهم على عقوبة الزوج بالارتجاع ولا ضرر عليها في الاختبار فوجب أن تختبر.
فرع:
قال محمد في النكاح الفاسد إذا كان مما يفرق فيه بعد الدخول ولا يحتاط فيه بالطلاق كنكاح المحرم فإنه يفسخ في الحيض لأن إقراره أعظم من الطلاق في الحيض.
محمد: ولا يطلق على المجنون والمجذوم والعنين ومن عدم النفقة في الحيض والنفاس.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
اللخمي: وإن أخطأ الحاكم وطلق حينئذ لم يقع بخلاف الزوج نفسه، لأن الحاكم كالوكيل فلا ينفذ في غير ما وكل عليه ولأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق عليه أخرى إذا ظهرت فتلزمه تطليقتان وفي هذا ضرر إلا على العنين فإنه يمضي عليه الطلاق لأن الطلاق بائن.
وعن مالك في التطليق على المولي في الحيض وتأخيره روايتان، وكلام اللخمي يقتضي أن الطلاق الذي يوقع على المجنون والمجذوم رجعي وهو قول التونسي وهو خلاف أصل المذهب، ففي المقدمات ذهب التونسي إلى أن تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والأبرص إنما هي طلقة رجعية وأن الموارثة بينهما قائمة ما دامت في العدة ولو صحوا في العدة من دانهم كانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب إن كان طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن، إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة فقال: فعلى قوله لو أخطأ الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دانه.
وَإِذَا قَالَ لِلْحَائِضِ: أَنْتِ طَالِقُ لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ مَكَانَهَا وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ مِثْل: إِذَا طَهُرَتْ ..
لأن قوله: (لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق إذا طهرت، والقاعدة أن من علق الطلاق على غالب تنجز في الحال كما سيأتي، وقوله: (وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ) ظاهر.
وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثلاثًا لِلسُّنَّةِ طُلِّقَتْ ثلاثًا مَكَانَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مثل: كلَّما طهرت
لأن قوله: (أَنْتِ طَالِقُ ثلاثًا لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق في كل طهر طلقة؛ فلما لزمه أن يطلقها في الطهر الأول طلقة، وفي الثانية أخرى، وفي الثالثة أخرى نجزت عليه الثلاث للقاعدة.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) لم يقع في كل النسخ وهو في الجواهر وهو ينبني على أصل وهو أنه: إذا علق الطلاق على آت، فهل ينجز؟ وإن لم يبن وقع في أجله، ولا يقدر واقع في أجله وهو المشهور وعليه يلزم الثلاث أو لا ينجز وإلا ما لو أتى زمنه كان واقعًا؛ وهو قول ابن الماجشون وسحنون وعليه فلا يلزمه إلا اثنتان لأن المرأة تحل للغير بدخولها في الحيضة الثالثة فلا يأتي الطهر الثالث إلا وهي بائنة، ولا فرق على المشهور بين أن تكون المرأة حال كلامه طاهرًا أو حائضًا، صرح بذلك في المدونة وظاهر كلام ابن عبد السلام أن الشاذ أيضًا كذلك.
خليل: وفيه نظر؛ لأنه إذا قال لها وهي حائض: أنت طالق كلما طهرت؛ ينبغي أن يتفق على لزوم الثلاث لأنه يلزمه بالطهر الأول طلقة، وكذلك بالثاني وكذلك بالثالث لأنها لم تخرج من العدة إلى الآن لأن المرأة إذا طلقت في حيض أو نفاس لا تحل بالدخول في الحيضة الرابعة، ولم ينقل اللخمي وغيره قول سحنون إلا فيما إذا قال لها ذلك وهي طاهر.
فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَوَاحِدَةُ
هذا الفرع ذكره ابن سحنون عن أبيه. ابن عبد السلام: والأقرب أنه أجراه على أصل ابن الماجشون لأنها لا عدة عليها فكأن الطلقتين أوقعهما على غير زوجة، وأما على أصل ابن القاسم فتلزمه الثلاث.
وَلَوْ قَالَ: خَيْرُ الطَّلاقِ وَشِبْهِهِ فَوَاحِدَةُ، وَشَرُّهُ ثَلاثًا
شبه (خَيْرُ الطَّلاقِ) أحسنه وأجمله وأفضله نص عليه في كتاب ابن سحنون.
وقوله: (وَشَرُّهُ ثَلاثًا) يريد بذلك أسوأه وأقبحه وأقذره وأنتنه وأبغضه نص عليه في كتاب ابن سحنون أيضًا.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
وكذلك إن قال: أكثر الطلاق، وقالك بإثره عددًا أو لم يقل.
سحنون: وأكمل الطلاق عندي كأكثره قال: وإن قال: أنت طالق خلاف السنة أو على خلافها فهي واحدة إن لم تكن له نية، وكأنه قال أنت طالق إذا حضت أو في طهر وطئتك فيه.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يختلف فيه لأن من الطلاق البدعي الثلاث.
سحنون: من قال لامرأته: أنت طالق واحدة عظيمة أو كبيرة أو شديدة أو طويلة أو خبيثة أو منكرة أو مثل الجبل أو مثل القصر، أو أنت طالق إلى البصرة [٣٤٩/ أ] أو إلى الصين فذلك كله سواء تلزمه واحدة، وله الرجعة إلا أن ينوي أكثر.
ابن عبد السلام: وهذا أبين على من يرى أن البينونة لا تحصل إلا مع العوض وأما من لا يشترط العوض فلا يبعد إلزامه هنا واحدة بائنة.
وَأَرْكَانُهُ أَهْلُ، وَمَحَلُّ، وقَصْدُ، ولَفْظُ
يعني: أن أركان الطلاق- أعم من أن يكون بعوض أو غيره- أربعة، ثم أخذ يتكلم على الأول، فالأول فقال:
الأَهْلُ مسلمُ مُكلَّفُ
مراده بالأهل موقع الطلاق.
فرع:
إذا طلق رجل زوجة الغير فأجازه زوجها فذلك طلاق، ويتصور على ذلك أن يطلق الرجل في ساعة واحدة خمس زوجات فأكثر نقله ابن راشد، وحاصله صحة طلاق الفضولي كالبيع، ثم أخذ المصنف يتكلم في ذكر من احترز منه فقال:
[ ٤ / ٣٢٥ ]
فَلا يَنْفذُ طَلاقُ الْكَافِرِ وإِنْ أَسْلَمَتْ وَكَانَت مَوْقُوفَة
أي: لا ينفذ طلاق الكافر زوجته الكافرة، واختلف إذا تحاكموا إلينا على أربعة أقوال قد تقدمت في أنكحة المشركين، وما ذكره في نفوذ طلاق الكافر هو المشهور.
اللخمي: وقال المغيرة: يلزمه الطلاق ويحكم عليه به الآن، وإن أسلم بعد ذلك احتسب.
وقوله: (وإِنْ أَسْلَمَتْ) مبالغة، يعني أنه لا ينفذ طلاق الكافر ولو أسلمت زوجته وطلقها في العدة، وإذا أسلم قبل انقضائها كان أحق بها كما يطلق وإنما بالغ بهذه الصورة لأنه قد يتوهم فيها اللزوم لكونه حكمًا بين مسلم وكافر، وما ذكره نص عليه في المدونة وغيرها، وتأول ذلك اللخمي على أن المرأة لم تقم بحقها قال: وإن قامت حكم لها بما أوقع عليها من واحدة أو ثلاث، وإن طلقها ثلاثًا كان لها أن تمنعه من الرجعة لأن الطلاق يتضمن حقًا لله- تعالى- وحقًا لها فلا يسقط حق الله تعالى بإسقاطها حقها، قال: ويحكم عليه بذلك لأنه حكم بين مسلم وكافر.
ابن راشد: وفي كلامه نظر، وقد نص ابن القاسم على أنه لا يلزمه، وإذا لم يلزمه لم يكن لها القيام.
خليل: ولأنه يلزم ألا يجوز البقاء على الزوجية إن لم تقم بحق الله تعالى.
وَلا الصَّبيِّ، ولا الْمَجْنُونِ.
لانتفاء التكليف عن كل واحد منهما، والمشهور عدم لزوم الطلاق للمراهق، وفي كتاب ابن شعبان في من ناهز البلوغ إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها يفرق بينهما.
قوله: (الْمَجْنُونِ) أي في حال جنونه، وأما لو أفاق وطلق في حال إفاقته لزمه قال في المدونة، وألحق مالك في الموازية بالجنون المريض يهذي فيطلق في هذيانه، ولو طلق وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك وقال: لم أعقل، حلف ولا شيء عليه، قاله مالك في الموازية، وكذلك عنه في العتبية إلا أنه قال: ثم إن صح فأنكر وزعم أنه لم يكن يعقل.
ونص اللخمي وغيره على عدم لزوم طلاق المعتوه.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
بِخِلافِ السَّكْرَانِ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُطْبَقُ بِهِ كَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقًا إِلا فِي الصَّلاةِ
(بِخِلافِ السَّكْرَانِ) أي فإن طلاقه لازم، ثم قال في الجواهر: وأما السكران بخمر أو نبيذ فالمشهور نفوذ طلاقه، قاله المازري وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق.
ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المختلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب قال: وأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا اختلاف أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى- إلا فيما ذهب وقتته من الصلوات، فقيل أنها لا تسقط عنه، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها. انتهى.
ابن عبد السلام: ويظهر من كلام غير واحد من الشيوخ أن الصلاة يقضيها السكران سواء كان مطبقًا أم لا، وأنه لا يختلف في ذلك، وتحصيل القول في السكران أن المشهور تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا تلزمه الإقرارات والعقود، قال في البيان وهو قول مالك وعامة أصحابه وأظهر الأقوال اللخمي.
وذكر أبو الفرج أنه لا يجوز طلاقه، فعلى هذا لا يجوز عتقه ولا يحد إذا زنا أو افترى ولا يقطع إن سرق ولا يقتل إن قتل، وقال ابن نافع: يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره، يريد: النكاح والهبات وغيرها.
وروى ابن نافع وأشهب عن مالك أنه قال: إن استوقن أنه سكران لم يجز بيعه وأخاف أنه إن ربح قال: كنت صحيحًا، وإن خسر قال: كنت سكرانًا قيل له: أترى نكاحه مثل ذلك؟ قال: نعم.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
ومن يعلم أنه سكران يقتل هذا ويقع في الحدود ويسرق متاع هذا ويقول: إني سكران لا أدري ما هذا؟ فوقف في الجواب لإمكان أن يكون السكر لم يستغرقه، وأرى إ ذا صح اختلاطه أن يجري في جميع أحكامه كالمجنون. انتهى.
وقال الباجي: ولم يختلف أصحابنا في أن الحدود والطلاق تلزمه وفيه نظر كما تقدم، وظاهر كلام اللخمي أن الخلاف في السكران مطلقًا سواء كان معه ميز أم لا، وكذلك حكى ابن راشد عن المازري أنه قال: المشهور لزوم طلاقه والشاذ عدم لزومه؛ ولم يفصل.
وقال ابن بشير: إن كان في حال تمييز لزمه الطلاق بالاتفاق، وإن كان مغمورًا فالمشهور اللزوم ونقل بعضهم ذلك عن ابن شعبان وعياض وهذه عكس طريقة ابن رشد، [٣٤٩/ ب] ويتحصل في المسألة ثلاث طرق، وإذا فرعنا على المشهور من عدم إلزامه بالنكاح، ففي البيان اختلف إذا قالت البينة أنها رأت منه اختلاطًا ولم تثبت الشهادة بسكره، على قولين: أحدهما- وهو المشهور-: أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، وروى ذلك زياد عن مالك وقاله في المبسوط.
والقول الثاني: أنه لا يصدق ولا يمكن من اليمين ويلزمه النكاح، وهو دليل قوله في رواية أشهب عنه، وكيف يعلم ذلك؟ وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحًا، وإن خسر قال: كنت سكرانًا إلى آخر قوله. انتهى.
ففهم منه اللزوم خلاف ما تقدم للخمي، وحمل في البيان قول مالك: لا رأى نكاح السكران جائزًا، وقال سحنون: لا يجوز بيعه ونكاحه وهباته وصدقاته وعطياته، على معنى أنه لا يلزم ذلك وله أن يرجع عنه قال: ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك أنه غير منعقد، وإنما يقال أنه غير لازم انتهى.
وكلام ابن شعبان يدل على أن عقوده غير منعقدة لأنه جعل بيعه من الغرر ونص اللخمي على أنه لا فرق بين أن يسكر بخمر أو غيرها، قال: ولا يجوز أن يشرب شيئًا يصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وفي شرح البخاري لابن بطال: من سكر بلبن أو طعام حلال أو دواء فقذف غيره فمحمله محمل المجنون والمغمى عليه، وقد بلغني عن ابن الفخار الفقيه أنه كان يقول: من شرب من لبن أو طعام حلال أنه لا يلزمه طلاق إن طلق في حال ذلك.
وحكى الطحاوي أنه إجماع الفقهاء، وقال أصبغ: إن شرب سيكرانًا ولم يعلم به فلا شيء عليه، وكذلك إن علم به وشرب تداويًا.
ابن بشير: وإن شربه تعديًا فيه نظر هل يكون كالخمر نظرًا إلى عدواه أو لا؟ لأن النفوس لا تدعو إليه بخلاف الخمر.
سحنون في العتبية: وإذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا لقوم فإن ذلك لا يجوز على حال.
قال: وإذا بت عتق عبيده في مرضه جاز ذلك عليه لأنه لو صح مضى وهو بحال عتقه في صحته، فكل ما أعتق السكران مما له فيه الرجوع مثل الوصية فلا يجوز وكل ما أعتق مما ليس له فيه الرجوع فذلك جائز عليه، ثم رجع سحنون بالعشي في وصية السكران فقال: أرى وصيته جائزة مما أوصى به من عتق أو غيره ولا يكون أسوأ حالًا من الصبي والسفيه فإن وصيتهما جائزة.
قال في البيان: وقول سحنون الأول أن وصية السكران لا تجوز غلط ولهذا أسرع في الرجوع عنه، وكذلك تفرقته فيه بين ما مثل في مرضه من العتق وغيره إن مات في مرضه غلط، والصحيح على ما ذهب مالك إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية وإن صح من مرضه نفذ عليه العتق ولزمه وكان له الرجوع فيما بث له من الهبة والصدقة من أجل السكر.
واعلم أن اصطلاحه في الجواهر إذا أراد الباجي قال: القاضي أبو الوليد، وإن أراد ابن رشد قال: الشيخ أبو الوليد فقوله هنا: ونزل الشيخ أبو الوليد على هذا، فهو ابن رشد
[ ٤ / ٣٢٩ ]
وقد التبس هذا على المصنف فقال في مواضع: قال في الجواهر قال الشيخ أبو الوليد قال الباجي، أولها هذا الموضع.
ثانيها: قوله في القراض، قال الباجي: لو قامت بينة لم تبع.
ثالثها: قوله في آخر المزارعة، وقال الباجي في الفاسدة ستة أقوال.
رابعها: قوله في الوقف، قال الباجي: وأخطأ ابن زرب.
خامسها: قوله في الأقضية، وقال الباجي: العالم من الثالث.
سادسها: قوله في الشهادات، وصوبه الباجي إلا في الأحباس ونحوها.
سابعها: قوله بأثر هذا الموضع، وقال الباجي: فلا ينبغي أن يختلف فيه لما قد تساهل الناس.
ابن عبد السلام: ولو عكس ابن شاس ما وصف به كل واحد من الشيخين لكان أولى لأن ابن رشد ولي قضاء قرطبة شبيهًا بالمكره، ولم يزل يسعى في العزل حتى عزل. والباجي إنما ولي قضاء أوريولة وليس لها قدر قرطبة، غير أن بعضهم حكى أن الباجي ولي قضاء حلب في رحلته. انتهى.
ولا يقال لا اعتراض على المصنف في هذا الموضع لأن الباجي أيضًا نص على أن السكران المطبق لا يختلف في عدم اللزوم، ولعل المصنف لم يتبع ابن شاس ويكون إنما اعتمد على الباجي لأنا نقول قوله: (إلا في الصلاة يرده) لأن الباجي لم يتكلم على الصلاة وإنما تكلم عليها ابن رشد. والله أعلم.
وَطَلاقُ الْمَرِيضِ وإِقْرَارُهُ بِهِ كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ، وتَنْصِيفِ صَدَاقِهِ، وعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وسُقُوطِهَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِلا أَنَّهُ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا هِيَ خَاصَّةً إِنْ كَانَ مَخُوفًا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ لامْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
لما ذكر من يلزمه الطلاق ومن لا يلزمه، وكان المريض يترتب على طلاقه بعض الأحكام دون بعض أشكل بسبب ذلك كونه أهلًا للطلاق، وأخذ يذكر حكمه وبين أن
[ ٤ / ٣٣٠ ]
طلاق المريض سواء أنشأه في المرض أو أقر أنه فعله في الصحة كطلاق الصحيح في أحكامه، وعطف المصنف تنصيف الصداق وسقوط العدة عن غير المدخول بها على قوله: (كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ)، من باب عطف الخاص على العام وحسن ذلك إما لأن قوله: (فِي أَحْكَامِهِ) قد يتوهم أنه أراد بالأحكام ما قدمه من طلاق السنة والبدع’، وإما للتنبيه على الخلاف فيهما، أما عدم تكميل الصداق فالخلاف فيه خارج المذهب لأنه روي عن الحسن البصري [٣٥٠/ أ] أن لها الصداق كاملًا وأما سقوط العدة عن غير المدخول بها فهو المعروف في المذهب، وحكى أبو عبيد عن مالك أن عليها العدة.
ابن عبد السلام: ويلزم مذهب الحسن البصري.
وقوله: (إِلا أَنَّهُ .. إلى آخره) بيان لما يخالف فيه طلاق المريض طلاق الصحيح، يعني أن المريض الذي طلق زوجته أو أقر بطلاقها لا ينقطع بذلك ميراثها منه، بل ترثه إن مات من مرضه ذلك لأنه لما اتهم على حرمانها من الميراث عوقب بنقيض قصده، وإن ماتت هي قبله لم يرثها، وأخذ عدم إرثه منها من قول المصنف: خاصة، وترثه سواء كان طلاقه بائنًا أو رجعيًا، ثلاثًا أو واحدة، انقضت عدتها أم لا.
قوله: (إِنْ كَانَ مَخُوفًا) ابن عبد السلام: ولا خلاف في اشتراطه عند من أثبت لها الميراث واستدل على وجوب إرثها بقضاء عثمان لامرأة عبد الرحمن، وهو في الموطأ: وهو أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان ابن عفان منه بعد انقضاء عدتها وفي الموطأ أيضًا: أن عثمان ورث نساء ابن مكمل منه، وكان طلقهن وهو مريض وبذلك قال عمر وعلي وعائشة. قال في الاستذكار: ولا أعلم لها مخالفًا من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير.
[ ٤ / ٣٣١ ]
وَلَوْ كَانَ بِخُلْعِ أَوْ تَخْبِيرِ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ إِيلاءٍ أَوْ لِعَانٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِخِلافِ الرِّدَّةِ
يعني: أن لها الميراث ولو كان لها في الطلاق تسبب، كما لو بذلت مالًا حتى طلقها.
محمد: ولها الميراث في ماله، وفيما اختلعت به، وكما لو خيرها أو ملكها فاختارت الفراق. أو كانت الفرقة بينهما بلعان.
ونبه المصنف باللعان على أنه لا فرق بين أن يكون فراقه بطلاق أم لا، فإن فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق، وهذا هو مذهب المدونة المعروف.
وفي الجواهر قول آخر بعدم الميراث في هذه الصورة لعدم التهمة فيها لأن الفراق وإن كان ابتداؤه منه لم يستقل به وإنما تممته هي أو غيرها وهذا مقابل المعروف.
فرع:
ابن محرز وغيره: وإذا لاعن في المرض انتفى الولد لأن الأنساب لا تهمة فيها، ألا ترى أنه لو استلحق ولدًا في مرضه ألحق به ولم يتهم، فكذلك إذا نفاه.
وقوله: (بِخِلافِ الرِّدَّةِ) نحوه في المدونة ففيها: وارتد في مرضه فقتل على ردته لم يرثه ورثته المسلمون ولا ترثه زوجته، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.
يريد: وكذلك لو مات على كفره قبل رجوعه إلى الإسلام، وقد يقال: إذا أوجبتم الميراث في اللعان مع كونه فسخًا فلأن توجبوه في الردة مع كون الفرقة فيها طلاقًا على الأشهر من باب الأولى، لأن الفسخ أولى في حل العصمة، وجوابه لما كان اللعان خاصًا بالزوجة اتهم، بخلاف الارتداد فإنه لا تهمة فيه لأنه يمنع سائر الورثة من الميراث.
اللخمي: ولو عاد للإسلام ثم مات بقرب ذلك ورثه ورثته المسلمون دون زوجته على مذهب ابن القاسم، لأن الردة عنده طلاق بائن، والإسلام ليس مراجعة وترثه على مذهب أشهب وعبد الملك لأنهما يريان إذا عاد إلى الإسلام أنها تعود زوجته على الأصل من غير طلاق. انتهى.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وقيل: لا يرثه ورثته على قول عبد الملك.
ابن عبد السلام: وألحق الشيخ أبو إسحاق بالردة ما إذا طلق عليه في المرض بسبب جنون أو جذام أو لعان أو لنشوز منها في المرض.
وفي الباجي: أن المطلقة لنشوز منها كالمخالعة والملاعنة في أن حكم الميراث باق خلافًا لأبي حنيفة ولم يذكر في ذلك خلافًا.
وَلِذَلِكَ حُكِمَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهَا وعَلَيْهَا، وقَتلُهَا إِيَّاهُ كَحُكْمِ الْوَارِثِ
أي: ولأجل أن المطلقة في المرض وارثة (حُكِمَ) لها في الوصية إذا أوصى لأجنبي بزائد عن الثلث، ولوارث غيرها ولو بدون الثلث وقف على إذنها.
(وعَلَيْهَا) أي: إذا أوصى لها بشيء بطل لأنها وراثة، وإذا قتلته خطأ ورثت من المال دون الدية، وعمدًا لم ترث منهما، كما في الوارث، وكلام المصنف هنا ظاهر منصوص في المدونة وغيرها.
وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ، وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ، وكَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ، هِي أَوْ غَيْرُهَا أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ بَعْدَ الطَّلاق
يعني: هل يشترط في الطلاق الذي لا يقطع الميراث أن يكون من سببه؟ لم يشترط ذلك في المدونة لقوله فيها: وإن قال لها في صحته إن قدم فلان أو قال: إن دخلت بيتًا فأنت طالق، فقدم فلان أو دخلت في مرضه لزمه الطلاق وورثته.
الباجي: وهو المشهور، وروى ابن زياد بن جعفر عن مالك: أنه لا إرث لها، لعدم التهمة بالكلية، ورأى المشهور ربط الحكم بالمظنة، ألا ترى أن عبد الرحمن ﵁ أنزهه الله عن أن يقصد منعها من الميراث. وإنما الحكم إذا ثبت بعلة غالبة اكتفى بغلبتها عن تتبعها في أحد الصور، وهذا في الشريعة كثير لمن تأمله لا سيما على مذهبنا بسد
[ ٤ / ٣٣٣ ]
الذراع، ولأنه قد يبدي لها ما يحملها على الدخول، وخرج اللخمي على رواية زياد عدم الإرث في الخلع، وفصل المغيرة في مسألة الحالف فقال: إذا حلف ليقضين فلان حقه، فمرض الحالف ثم حنث في مرضه ومات إن كان بين الملأ فلم يقضه فامرأته ترثه، وإن كان عديمًا فطرأ له مال لم يعلم به حتى مات فقد حنث ولا ترثه.
سحنون: ولا أعرف هذا ولا أراه وقد قال أصحابنا: إنها ترثه بكل حال.
قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ .. إلى آخره)، أي [٣٥٠/ ب] لو تزوج كتابية أو أمة وطلقها طلاقًا بائنًا وهو مريض ثم أسلمت النصرانية وعتقت الأمة ثم مات من مرضه ذلك، ففي ذلك أيضًا قولان، وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية أنهما ترثانه وبه قال محمد، وقال سحنون: لا ترثانه ولا يتهم في ذلك، قال: وكذلك لو طلقها البتة إلا أن يطلقها واحدة ويموت في العدة بعد أن أسلمت هذه وعتقت هذه فترثانه.
وعلل أصبغ ما رواه عن ابن القاسم بأنه يتهم أن يمنعها الميراث لما خشي أن تسلم امرأته أو تعتق.
والقولان في هذا الفرع يشبهان القولين في تزويج المريض أمة أو نصرانية، وفي كلام المصنف لف ونشر؛ لأن قوله: (كَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ)، راجع إلى قوله: (وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ) وقوله: (أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ) راجع إلى قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ).
ثُمَّ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بَلْ وَلَوْ تَزَوَّجَتْ جَمَاعَةً وَطُلِّقَتْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَرِثَتْ مَنْ مَاتَ وَلَوِ الْجَمِيعَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً ..
هكذا في المدونة، وأخذ اللخمي منه أنها ترث في المرض الطويل لأنها تحتاج للعدة من كل شخص، وهو قول عبد الوهاب، وخالف ابن الماجشون في الأمراض المتطاولة
[ ٤ / ٣٣٤ ]
كالسل والربع والطيحال والبواسير ورأى أنها تجري بعد تطاولها مجرى الصحة، وإن كان الموت قبل المطاولة ورثته زوجته وكان فعله في ثلثه. اللخمي: وهو أحسن. ورد عياض ما أخذه اللخمي من المدونة بأنه قد يتفق هذا في المدة القريبة بأن يكون جميعهم لم يدخل بها، واتفق مرض كل منهم إثر نكاحه، أو تفترق حالاتهم بأن يكون الأول طلقها حاملًا فولدت للغد ثم تزوجها آخر فمرض بعد العقد في القرب.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً) يعني أنها ترث من طلقها في المرض ولو كانت تحت زوج آخر.
ويَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ فَيَقْدِرُ كَأَنَّهُ طَلَّقَ صَحِيحًا
لأن المقتضي للإرث مرضه المخوف فإذا وجدت الصحة ارتفع الميراث لارتفاع سببه، وهذا كما لو أعتق المديان فإن للغرماء رد العتق إلى أن يحصل له مال قدر دينه فينفذ عتقه ويقدر كأنه أوقعه مليًا.
فَلَوْ صَحَّ ثُمَّ مَرِضَ فَطَلَّقَهَا ثَانِيًا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى وَرِثَتْهُ، وإِلا لَمْ تَرِثْهُ
يعني: إذا طلقها في المرض طلاقًا رجعيًا ثم صح من مرضه فلم يرتجعها حتى مرض وهيفي العدة فطلقها طلقة ثانية فالحكم إن مات قبل انقضاء العدة من الطلقة الأولى ورثته؛ لأن الطلاق في الصحة لا يمنع الميراث إن مات المطلق في العدة؛ فأحرى الطلاق في المرض.
وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه لأن ميراثها قد انقطع بسبب الصحة الكائنة بعد الطلاق ولا عبرة بالطلقة الثانية لأنها لا تستأنف العدة من يومها وإنما تحتسب من الطلقة الأولى- إن كان قول المصنف: (قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى) قد يوهم أن ثم عدة أخرى- أما لو راجعها انفسخت العدة ثم إن طلقها بعد ذلك في المرض فلها حكم المطلقة في المرض.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وَلَوْ صَحَّ فَأَبَانَهَا لَمْ تَرِثْهُ.
يعني: ولو طلقها في المرض ثم صح فأبانها لا ترثه، وسواء كان ارتجاعها أم لا، وهو ظاهر وهو مما يبين أن مراده في الفرع الذي قبل هذا أن الطلقتين كانتا رجعيتين.
وَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صِحَّتِهِ، فَالْمَنْصُوصُ كَمَنْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ يُفْسَخُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَيصِحُّ مُطْلَقًا ..
(الْمَنْصُوصُ) مذهب المدونة ففيها: وإن طلق مريض زوجته قبل البناء ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.
وقوله: (كمن نكح في المرض) يدل على أنه يفسخ بعد البناء، والقول بفسخه قبل البناء لسحنون، ورأى أن فساد هذا النكاح إنما هو لصداقه فكان كالمتزوج بغرر ونحوه، وما كان كذلك يثبت بعد البناء على المشهور، ووجه سحنون الغرر هنا بأن صداق المنكوحة في المرض إنما هو في الثلث، ولا يدري ما حمل الثلث. قال: وليس هو كنكاح المريض لأن الموجب للفساد في نكاح المريض زيادة الوارث، وهذه المطلقة قد يثبت لها الميراث، ورده بعض القرويين بالتفرقة بين هذا والنكاح بالغرر؛ فإن الغرر إذا بنى فيه وجب صداق المثل لا ينقص منه، وهذا من الثلث ولا يدري ما حمل الثلث منه.
ابن يونس: إلا أن يكون له مال مأمون يكون ثلثه أضعاف صداقها فيصح قول سحنون.
أبو عمران: ولو حمل أجنبي على الزوج فلا يفسخ النكاح لأن الصداق قد ثبت للمرأة في مال الأجنبي والميراث ثبت بالنكاح الأول ولو كان ذلك على وجه الحمالة، فهي كمسألة الكتاب لأن الأجنبي إنما يطالب بالصداق في عدم الزوج وهو إنما يقوى على قول سحنون، وأما على مذهب المدونة، ففيه نظر لأن ظاهر المدونة أن فساده لعقد وقد تبين لك أن قوله: (وقِيلَ) هو قول سحنون وهو مقابل المنصوص، وسحنون وإن كان إنما قاله على وجه التقييد، لكن كلام ابن يونس وعياض وغيرهما يدل على أنه ليس بتقييد.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
فرع: قال الباجي: لو مات فشهد الشهود أنه كان طلقها البتة في صحته فقد جعله ابن القاسم كالمطلق في المرض، لأن الطلاق إنما يقع بعد الحكم ولو لم يقع بعد الحكم لكان فيه الحد إذا أقر بالوطء وأنكر الطلاق، وهذا الذي علل به الباجي في المدونة نحوه، لأن فيها: في من [٣٥١/ أ] طلق امرأته في السفر وأشهد على ذلك، ثم قدم الشهود فشهدوا عليه ثم أنكر أن يكون أشهدهم وأقر بالوطء أنه يفرق بينهما ولا شيء عليه.
واستشكل الشيوخ سقوط الحد، واختلفوا في الجواب عن ذلك، فقال الأبهري: ولم ير عليه الحد لأنهما على حكم الزوجية حتى يحكم الحاكم بالفراق.
ابن المواز: لأنها تعتد من يوم يحكم بالفراق.
وقال المازري: لم ير عليه الحد لأنه كالمقر بالزنا الراجع عنه. وقيل لم ير عليه الحد لأنه جوز عليه أن يكون نسي ولم يرتض سحنون شيئًا من هذه الوجوه وأوجب الحد إذا شهد عليه أربعة بالطلاق ثم أقر بالوطء.
عياض: وظاهر الكتاب أنها تعتد من يوم الحكم، وهو دليل قوله: (لا حد عليه).
ويشهد لما في المدونة الأمة يعتقها في السفر، وتشهد بينة بذلك ثم يقدم فيطأها ويستغلها، فقد اتفق على أنه لا حد عليه واختلف في رد العلة.
المحَلُّ: شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ تَحْقِيقًا أَوْ تَعْلِيقًا، فَلَوْ قَالَ لأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بَائِنٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ فَنَكَحَهَا فَدَخَلَتِ الدَّارَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَلَوْ قَالَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ، وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ، ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ، وقِيلَ: صَدَاقُ ونِصْفُ ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ والْمَخْزُومِيُّ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، وكَانَ أَبُو الْمَخْزُومِيِّ حَلَفَ بِهِ عَلَى أُمِّهِ ..
هذا هو الركن الثاني، والمراد بـ (المحَلُّ) هو الزوجة، والضمير في (شَرْطُهُ) عائد على
[ ٤ / ٣٣٧ ]
المحل ويحتمل على بُعْد أن يعود على الطَّلاق المفهوم من الكلام، والضمير في (قَبْلَهُ) عائد على الطَّلاق.
والتحقيق أن يكون مالكًا للعصمة قبل إنشاء الطلاق، والتعليق أن يطلق امرأته على تقدير نكاحه لها. فلأجل هذا الشرط لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا شيء عليه لعدم ملك عصمتها تحقيقًا أو تعليقًا، إلا أن ينوي إن تزوجتك، فيلزمه لأنه قد ملك عصمتها تعليقًا.
وفي قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ) دليل على أن الشرط يصح أن يلتزم قصدًا دون لفظ.
وقوله: (فَلَوْ قَالَ: إِنْ تزوجتك فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ) هو مستفاد مما قبله، وإنما أعاده لإفادة الشاذ وليفرع على المشهور؛ يعني أن المشهور لزوم الطلاق المعلق.
وروى ابن وهب والمخزومي عن مالك: أنه لا يلزمه، وبه قال ابن وهب ومحمد بن عبد الحكم.
ابن بشير: ولم أر أحدًا من أشياخي إلا ويختار هذا القول، وبعضهم يصرح بالفتوى، وبعضهم يقف كراهة مخالفة المشهور والمشهور يحكي في الموطأ عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وسالم والقاسم وابن شهاب، والشاذ قول الشافعي وجماعة.
قال في الاستذكار: وروي على نحو هذا القول أحاديث، إلا أنها عند أهل الحديث معلولة ومنهم من يصحح بعضها. قال: وأحسنها ما خرج قاسم قال رسول الله ﷺ: "لا طلاق إلا من بعد نكاح أنثى" وروى أبو داود أنه ﵊ قال: "لا طلاق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك ولا وفاء بنذر فيما لا تملك" البخاري: وهو أصح شيء في الطلاق قبل النكاح.
وأجيب عنهما بأنا تقول بموجبهما لأن الذي دل عليه الحديثان إنما هو انتفاء وقوع الطلاق قبل النكاح، ونحن نقول به.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
ومحل النزاع إنما هو التزام الطلاق ثم فرع المصنف على المشهور بقوله: (وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ) أي ولا يفتقر إلى حكم.
(ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ) لأنه طلاق قبل البناء والمذهب أنه يباح له زواجها، وبعض الفقهاء يمنعه، لأن ما لا يترتب عليه مقصده لا يشرع، وجوابه أن فائدته تحصل فيما بعد ذلك لأنها إذا طلقت عليه الآن ثم تزوجها لم يلزمه شيء، إلا أن يكون لفظه مقتضيًا للتكرار، وإن بنى فالمشهور أنه يلزمه المسمى فقط، إن كان هناك مسمى وإلا فصداق المثل.
وقوله: (كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ) أي فليس عليه إلا صداق واحد، وقيل: صداق ونصف.
ابن عبد السلام: هو قول ابن نافع، وظاهره أنه أوجب لها صداقًا كاملًا من نسبة النصف والقياس أنه يجب لها نصف المسمى ثم يلزمه الأكثر من صداق المثل أو المسمى لأنه إذا كان صداق المثل أكثر فقد قدم على وطء فاسد فيجب عليه قيمته، وإن كان المسمى أكثر فيلزمه لأنه أقدم على الوطء راضيًا بالمسمى، وألزم ابن المواز هذا القائل أن يقول في كل وطأة مهرًا.
فرع:
لو أتى في لفظه بما يقتضي التكرار، فقال قبل النكاح: كلما تزوجت فلانة فهي طالق، فظاهر كلام ابن المواز أنه يلزمه نصف الصداق ولو بعد ثلاث تطليقات. وقال التونسي وعبد الحميد وغيرهما: الصواب أن لا شيء عليه بعد الثلاث قوله: (وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ) أي بالشاذ، ونص ما نقله أبو محمد في هذه الرواية وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رجل تزوج امرأة حلف بطلاقها إن تزوجها، هل يفسخ نكاحه؟ فكتب إليه: لا يفسخ، وقد أجازه ابن المسيب، ولا يؤخذ من كلام المصنف أن فتوى ابن القاسم إنما هي بعد الفسخ لاحتمال أن يحمل كلامه على أنه أفتى بالجواز ابتداءً، وليس
[ ٤ / ٣٣٩ ]
[٣٥١/ ب] ما رواه ابن وهب كما أفتى به ابن القاسم ويتبين لك ذلك بكلام الباجي فإنه قال: وقد روى ابن وهب عن مالك أنه أفتى رجلًا حلف إن تزوج فلانة فهي طالق أنه لا شيء عليه إن تزوجها ثم قال: وليست هذه الرواية بالمشهورة، والمشهور رواية أبي زيد عن ابن القاسم أنه لا يفسخ إن وقع.
وقد صرح غيره أيضًا بأن قول ابن القاسم مخالفًا لرواية ابن وهب وأن في المسألة ثلاثة أقوال.
وفي البيان: المشهور أنه يفسخ وإن دخل ولا يراعى الاختلاف في هذه، ومراعاته شذوذ في المذهب وإنما الاختلاف المشهور المراعى في الميراث والطلاق والعدة، فقيل: أنهما لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر عليه، وإن كان هو الميت لم تلزمها عدة إلا أن يدخل فتعتد بثلاث حيض وهو قول مالك في الموازية واختيار ابن القاسم في سماع عيسى ودليل المدونة على هذا لا يكون الفسخ طلاقًا ولا يلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه.
وقيل: إنهما يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ ويلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه، وإن مات هو اعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ويكون الفسخ فيه طلاقًا ويكون لها نصف الصداق إن فرق بينهما قبل الدخول، وإنما يراعى الاختلاف في وجوب الحد ولحوق النسب فيدرأ فيه الحد ويلحق فيه النسب على المشهور من المذهب.
وشذ ابن حبيب فلم يراعي الاختلاف في ذلك وأوجب الحد وأسقط النسب إذا كان الذي فعل ذلك عالمًا غير جاهل. ونص ابن بشير على أن المشهور فسخ هذا النكاح.
وزعم ابن عبد السلام: أن ما تقدم من كلام الباجي مخالف لكلام ابن رشد.
خليل: وقد يقال لا مخالفة بين كلاميهما لأن الباجي إنما شهر الرواية بعدم الفسخ بالنسبة إلى الرواية بالجواز ابتداءً وهو بين من كلام الباجي، وإنما تقع المخالفة لو قال الباجي
[ ٤ / ٣٤٠ ]
المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، فانظره فإن قلت قد حكى ابن عبد السلام عن الباجي أنه قال: المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، قيل: ليست حكايته بظاهرة ولفظه كما تقدم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ- لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْحَرَجِ
أي: إذا فرعنا على المشهور من لزوم الطلاق لمن قال لامرأة معينة: إن تزوجتك فأنت طالق، فلو عمم في يمينه وقال: كل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه. والفرق أن هنا إلزامه اليمين حرجًا وربما أدى ذلك إلى العنت ولم يلزموه اليمين وإن كان أبقى لنفسه التسري إما لأن التسري لا يقدر عليه كل واحد، وإما لأن الزوجة أضبط لمال الرجل وولده من السرية.
ابن بشير: وقد أخذ اللزوم في مسألة العموم من القائل: كل بكر أتزوجها طالق، ثم قال: وكل ثيب أتزوجها طالق، وليس بظاهر لأنه ليس من عمم أولًا كمن آلت يمينه إلى التعميم. ونقل ابن بزيزة قولًا باللزوم إذا عمم ومقتضاه أنه منصوص.
وَلَوْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا كَثِيرًا فَذَكَرَ جِنْسًا أَوْ بَلَدًا أَوْ زَمَانًا يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِرًا لَزِمَهُ إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ إلا إذا طَلَّقَها ثُمَّ تَزَوْجَها ..
يعني: فإن لم يعمم بل أبقى لنفسه شيئًا كثيرًا كما لو التزم طلاق جنس كالسودان أو الترك أو البيض أو طلاق من تزوجها من بلد كالإسكندرية مثلًا، لو التزم ذلك باعتبار زمان مقيد كسنتين وهو مراده بقوله: (يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِرًا) أي يبلغ ذلك الزمان في ظاهر الحال، واحترز بذلك مما لو قال: إلى مائتي سنة، أو ما يعلم أنه لا يعيش إليه، لأنه لا يلزمه شيء صرح بذلك في المدونة، وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في من قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين أو عشرين سنة إن كان ممن يشبه أن يعيش إلى مثل ذلك لزمه، وإلا لم يلزمه.
[ ٤ / ٣٤١ ]
ابن الماجشون: ويعمر في هذا تسعين عامًا، ونقل ابن بشير في من ضرب أجلًا لا يبلغه إلا في حال الهرم والشيخوخة قولين: أحدهما: لا يلزمه لوجود الحرج، والثاني: أنه يلزمه، لأنه أبقى لنفسه زمانًا.
ووقع لمالك في غلام عمره عشرون سنة حلف في سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق أن اليمين لازمة له.
اللخمي: والقياس في هذا لا شيء عليه؛ لأنه قد عمم المعترك من العمر وأوان الشبيبة والوقت الذي يحتاج فيه إلى الاستمتاع ولم يبق إلا موت أو قلة حركة، ورأى اللزوم إذا قال إلى ثلاثين سنة أو عشرين وهو ابن عشرين لأنه أبقى لنفسه زمنًا يحتاج فيه إلى ذلك، وعدم اللزوم إذا قال إلى أربعين سنة، قال: واختلف إذا كان الأجل حياة فلان، فقيل يلزمه، لإمكان أن يموت فلان قبله، وقال في كتاب ابن شعبان: لا شيء عليه. يريد لإمكان أن يموت هو قبل فلان فيكون كمن عمم جميع الأزمنة.
ابن عبد السلام: وكلام اللخمي صحيح لو كان المعتبر عند أهل المذهب إنما هو الجماع ولم يعتبروه؛ ألا ترى أنه لم يلزمه الطلاق في كل امرأة وإن كان أبقى لنفسه التسري.
واعلم أنه إذا علق المنع ببلد كالإسكندرية، فتارة يقول: لا أتزوج من الإسكندرية؛ وتارة يقول: لا أتزوج بالإسكندرية، فأما الأول فيلزمه سواء كانت بإسكندرية أم بغيرها نص عليه في المدونة محمد في المصرية.
محمد: ولو حلف لا يتزوج مصرية فلا بأس أن يتزوج بمصر غير مصرية.
اللخمي: يريد ما لم يطل مقامها وتصير على طباعهم وسيرتهم.
الباجي: وإن حلف أن لا يتزوج من أهل مصر فتزوج امرأة أبوها مصري وأمها [٣٥٢/ أ] شامية فقال ابن أبي حازم: يحنث، والأم تبع للأب.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وأما الثاني فقال الباجي: إن نواها وعلمها لزمه ذلك، وإن نواها خاصة فقال ابن حبيب عن ابن كنانة وابن الماجشون وأصبغ: يلزمه في من على مسافة الجمعة، قالوا وإن لم ينو شيئًا لزمهفي من على مسافة القصر ثمانية وأربعين ميلًا.
وقال ابن القاسم: استحسن أن يتباعد إلى حيث لا تلزمه الجمعة.
أصبغ: والقياس أن يتباعد إلى حيث يقصر الصلاة إذا خرج في ظعنه ولا يتم في الصلاة إذا قدم.
والأول استحسان ولو تزوج في الموضع الذي إذا برز إليه لم يقصر حتى يجاوزه لم أفسخه، وروى ابن سحنون عن أبيه في الحالف ألا يتزوج من قرطبة لا يلزمه إلا في قرطبة وأرباطها، ولو قال: بالغير وإن لم يلزمه إلا في المدينة نفسها ولو تزوج من منزل العلويين لم يلزمه شيء.
وجه الأول: أن من حلف ألا يتزوج من الإسكندرية فقد حلف ألا يتزوج امرأة بموضع يقع عليه هذا الاسم وفي حكم ما يقع عليه، فإذا لم ينو شيئًا لزمه في كل من تلزمه الجمعة، لأنه في حكمها.
وقد قال أصبغ: أن ذلك على وجه التحري، ومن تزوج من موضع تقصر فيه الصلاة لم أفسخه، ووجه قول سحنون: أن الاسم إنما يتناول المصر وأرباطه المتصلة إليه.
ومن حلف بطلاق من يتزوجها من المدينة، فقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس أن يواعدها بالمدينة ويعقد نكاحها بغيرها. انتهى بمعناه.
وقوله: (إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ) استثناء من اللزوم، أي فإنه يلزمه الطلاق في كل امرأة من البلد أو الجنس الذي قد التزم فيه الطلاق إلا المرأة التي تحته فإنه لا يلزمه طلاقها لأن قوله: (أتزوجها) يقتضي الاستقبال وقوله: (إلا إذا تزوجها) أي أن هذه التي تحته إذا قلنا
[ ٤ / ٣٤٣ ]
أنه لا يلزمه فيها طلاق فإنما ذلك ما دامت تحته، فأما إذا أبانها ثم تزوجها فإنها تطلق عليه كما لو تزوج من ذلك الجنس ممن لم يتقدم له عليها نكاح.
فَلَوْ أَبْقَى قَلِيلًا فَقَوْلانِ
يعني: فلو لم يعم النساء وأبقى جنسًا (قليلًا) أو بلدة صغيرة أو قبيلة صغيرة.
(فَقَوْلانِ) أحدهما: اللزوم لكونه لم يعم. والثاني- وهو مذهب المدونة-: نفى اللزوم، ففيها: وإن قال: إلا من قرية كذا- لقرية صغيرة ليس فيها ما يتزوج، أو قال: إلا من فلانة، وهي ذات زوج أم لا، أو قال: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه في ذلك وسبب الخلاف الشهادة بوجود الحرج ونفيه.
وأنكر ابن عبدوس تسويته في المدونة بين المسألتين، ورأى أن الأولى أي: كل امرأة أتزوجها إلا فلانة، فيها الحرج والتضييق، لأنه لا يقدر أن يتزوج غير فلانة لا قبلها ولا بعدها بخلاف الثانية أي: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فإنه لا كبير حرج فيها لأنه قادر على أن يتزوجها أولًا ثم يتزوج بعدها ما أحب، فصار كمن صرح في يمينه بطلاق من يتزوج قبل فلانة أو قبل دخول الدار، ولا شك في لزوم ذلك، وقد يقال لما علق طلاق هذه على عدم زواجها وقد لا ترضى صار كمن عمم.
فرع:
أشهب في العتبية إن قال: كل امرأة أتزوجها تفويضًا فهي طالق لزمه، ولو قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضًا لم يلزمه لأن التفويض غير مقدور ولا مرجو.
وَعَلَى اللُّزُومِ فَفِي إِبْقَاءٍ واحِدِةٍ قَوْلانِ
أي: إذا فرعنا على المشهور من عدم اللزوم إذا بقي قليلًا فمن باب الأولى لا يلزمه إذا أبقى واحدة، وإذا فرعنا على اللزوم فهل يلزمه في الواحدة؟ قولان، وزاد ابن بشير وابن
[ ٤ / ٣٤٤ ]
شاس قولًا ثالثًا، وهو نفي اللزوم ما دامت متزوجة ولزمه أو إذا تزوجت، ولزومه إن لم تكن متزوجة.
وَلَوْ خَشِيَ الْعَنَتَ فِي التَّاجِيلِ، وتَعَذَّرَ التَّسَرِّي نَكَحَ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ
يعني: إذا ضرب أجلًا يبلغه ظاهرًا وألزمناه اليمين فخشي العنت، وتعذر عليه التسري يريد أو لم يعفه تزوج ولا شيء عليه، وهكذا في المدونة، ابن القاسم لأن نكاحه خير من الزنا. قال: وقد أجاز هذا النكاح سعيد بن المسيب وغيره.
ابن القاسم في الموازية: ولا حد لمقدار ما يعذر فيه ولا شك أن عشرين سنة كثير ويتزوج. أصبغ بعد تصبر وتعفف، وقال أشهب وابن وهب: لا يتزوج وإن خاف العنت في الثلاثين سنة وقال مالك: يتزوج فيها إن خاف العنت.
والعجب من ابن عبد السلام كيف حكى عن أشهب وابن وهب ما ذكرناه وقال: ولم أر خلافًا في أن خشية العنت عذر.
وانظر هل مرادهم بالعنت المشقة أو الزنا؟ وهو الظاهر كما قالوا في نكاح الأمة، وقول ابن القاسم: نكاحه خير من الزنا يدل عليه.
وَلَوْ تَكَرَّرَ التَّزْوِيجُ فِي وَاحِدَةٍ تَكَرَّرَ الطَّلاقِ وإِلا لَمْ يَكُنْ حَرَجًا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ
يعني: حيث ألزمناه اليمين إما بأن خصص قبيلة أو بلدًا أو نوعًا فإنه إذا تزوج امرأة مما التزمه لزمه الطلاق، وكذلك ولو بعد زوج، وهكذا بخلاف ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم يأت في لفظه بأداة تقتضي التكرار، فإنه لا يلزمه إلا الطلاق أول مرة. وقرر المصنف التكرار فإنه لو لم يتكرر لم يكن حرجًا في قوله: (كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ) لأنه حينئذ يمكنه أن يعقد النكاح على امرأة فتطلق عليه بمقتضى يمينه ثم يكون له أن يتزوجها وكانت اليمين تلزمه، وقد تقدم أنه لا يلزمه.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، فَثَالِثُهَا: يَلْزَمُهُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي ..
من نظر إلى لزوم التعميم قال: بعدم اللزوم، وهذا القول حكاه جماعة واختاره اللخمي. ومن نظر [٣٥٢/ ب] إلى الخصوص قال: باللزوم وهو مروي عن مالك وابن وهب.
والثالث لابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن كنانة وأصبغ وسحنون وابن المواز وغيرهم.
ابن بشير وابن راشد: وهو الجاري على المشهور.
ابن عبد البر وغيره: وهو أصح؛ لدوران الحرج مع الثانية وجودًا وعدمًا، ولا وجه لعدم لزوم اليمين الأول وانحلالها بعد انعقادها.
فرعان:
الأول: قال ابن القاسم في العتبية في الحر يقول: كل حرة أتزوجها فهي طالق يلزمه وله نكاح الإماء، وقاله ابن حبيب قال: لأنه أبقى الإماء وهو بيمينه كعادم الطول.
وقال محمد: لا يلزمه إن كان مليًا، قيل: والأول المشهور.
ابن القاسم: وإن قال كل امرأة أتزوجها من أرض الإسلام طالق إن كان يقدر على التزويج من أرض الشرك وإخراجها لزمته اليمين وإلا فلا. وخالف أصبغ كمن استثنى قرية صغيرة.
الثاني: في الموازية: لو قال كل امرأة أتزوجها حتى انظر إليها طالق فعمى رجوت ألا شيء عليه، وكذلك حتى ينظر إليها فلان فمات فلان.
محمد: وإن مات من استثنى نظره فلا يتزوج حتى يخشى العنت ولا يجد ما يبتاع به أمة.
وقال: مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الذي قال: حتى أراها له أن يتزوج من كان رآها قبل العمى، واليمين عليه قائمة فيمن لم يكن رآها.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً فَتَحِلُّ لَهُ الأُولَى، ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي ..
اللخمي: وإن قال: أول امرأة أتزوجها طالق لزمه، لأنه أبقى ما بعد الأولى ثم لا يحنث فيها ولا في غيرها. واختلف إذا قال: آخر امرأة أتزوج بها طالق، فقال ابن المواز: لا شيء عليه، قال في العتبية: وهو مثل من حرم جميع النساء لأنه كلما تزوج امرأة فرق بينه وبينها، ولعل تلك المرأة آخر امرأة يتزوجها فلا تستقر معه امرأة.
وقال محمد وسحنون: يلزمه ذلك ويوقف عنها خوف أن لا يتزوج غيرها، فإن تزوج غيرها حلت الأولى ويوقف عن الثانية، فإن تزوج ثالثة وقف عنها وحلت الثانية.
اللخمي: والصواب لا شيء عليه في الأولى لأنه لما قال: آخر امرأة علمنا أنه جعل لنكاحه أولًا لم يرده باليمين، وبالثاني قال ابن الماجشون أيضًا.
وجزم المصنف بأنه الحق لأنه لما التزم طلاق الأخيرة ولسنا على يقين إذا تزوج واحدة أنها الأخيرة فصار شكًا مقدورًا على تحقيقه، وما كان كذلك فإنه يوقف مثل: إن لم أدخل الدار فأنت طالق.
ابن راشد: وما قاله ابن القاسم أصوب لأنا إذا قلنا باللزوم ولم يصح له أن يعقد لأنه ممنوع من الوطء إثر العقد حتى يتزوج أخرى، على ما قاله ابن الماجشون وغيره.
والمقصود بالعقد الوطء، إذا امتنع لم يترتب على العقد مقصوده فلا يشرع، ولما أبحنا له العقد وجب أن يباح له الوطء.
قوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) هو تفريع على القول الثاني.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
محمد: والأجل من يوم الرفع. ابن الماجشون مفرعًا على قوله: فإن تزوج امرأة فماتت وقف ميراثه منها حتى يتزوج ثانية فيأخذه أو يموت قبل أن يتزوج فيرد إلى ورثتها، وإذا طلق عليه بالإيلاء فلا رجعة له، لأنه لم يبن بها.
وقوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) مقتضى اللسان إظهار الفاعل فيقال وهو في الموقوفة عنها، لأن الوقف إنما هو من وصف الرجل لا المرأة ألا ترى إلى قوله: (والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى) وقوله: (ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ).
خليل: وقد يجاب عنه بأنه إذا وقف عنها فهي أيضًا موقوفة عنه فليس من باب جريان الصفة على غير من هي له فانظره. وإن قال: آخر ما أتزوج إلا واحدة طالق، يريد تطليق التي تلي الأخيرة، فإن تزوج وقف عنها وعن الأولى إذ لا يدري ما تلي الأخيرة منهما، فإن مات فالأولى المطلقة وإن تزوج حلت له الأولى، ثم إن مات فالثانية المطلقة ثم كذلك.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ غَيْرِهَا طَالِقُ فَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا أَوَّلًا تَنَجَّزَ الطَّلاق عَلَى الْمَشْهُورِ وقيل: بنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنى المولي مِنْ غَيْرِهَا أَوْ تَعْلِيقِ مُحَقَّقٍ .. َ
اختلف في قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فكل امرأة أتزوجها طالق فحمله في المشهور على أن معناه التزام طلاق من ليست من المدينة وكأنه قال كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق لأنه الذي يقصد في العرف، إذ المقصود عرفًا الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرها.
وحمله سحنون على ظاهره لغة من التعليق، وهو التزام طلاق من يتزوج من غير المدينة بشرط أن لا يتزوج من المدينة.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
سحنون: ويوقف عن التي تزوج من غير المدينة حتى يتزوج من المدينة، بمنزلة قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فامرأتي طالق، وعلى ما قررنا فيكون المشهور إلزام الطلاق في غيرم ن تزوج من غير المدينة سواء تزوج من المدينة قبلها أو بعدها، وكذلك يؤخذ من الجواهر.
ابن راشد: وهو الذي يفهم من المدونة لأنه سوى بين ذلك وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، وكلام اللخمي يدل على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غير المدينة قبل أن يتزوج منها لأنه قال: وقول ابن القاسم أشبه، لأن قصد الحالف في مثل هذا أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق.
وقاله ابن محرز أيضًا، [٣٥٣/ أ] إلا أنه رده بأن ظاهر المدونة تسويته بين هذه المسألة وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، كما ذكرنا وظاهر قول المصنف أولًا يوافق كلام اللخمي لكن قوله: في البناء بناء على أنه بمعنى المولي من غيرها يرده. والله أعلم.
والْمُعْتَبَرُ فِي الْوِلايَةِ حَالُ النُّفُوذِ فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ شَيْءُ ..
يعني: الولاية على المحل الذي يلتزم فيه الطلاق، إنما يعتبر وقت وقوع المحلوف عليه لا وقت الحلف، فإن كانت المرأة زوجته وقت وقوع المحلوف عليه لزمه الطلاق.
ابن عبد السلام: وإلا فلا، فلذلك لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا ثم أبانها ودخلت، لم يقع عليه الطلاق لأنها حال وقوع المحلوف عليه لم تكن زوجة.
فَلَوْ نَكَحَهَا فَدَخَلَتْ أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وقَدْ بَقِيَ شَيْءُ وَقَعَ- تَزَوَّجَتْ أَو لا- بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ وكَذَلِكَ الظَّهَارُ ..
يعني (فَلَوْ) تزوجها بعد أن أبانها (فَدَخَلَتْ) الدار (أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) إن كانت يمينه أولًا على ترك أكله لزمه ما حلف به وسواء (تَزَوَّجَتْ)
[ ٤ / ٣٤٩ ]
غيره في الزمان الذي كانت بائنة فيه (أَو لا) لأن نكاح الأجنبي عندنا لا يهدم الطلاق السابق قبله، وإذا راجعها الزوج ترجع عنده على بقية الطلاق وقوله: (بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ) يعني ثم تزوجها فإنه لم يبق له مما علقه قبل ذلك شيء.
(لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ) ورجعت بملك مستأنف، وحاصل كلامه – وهو المذهب- أن اليمين تلزمه ما بقي من العصمة الأولى شيء.
قوله: (وكَذَلِكَ الظَّهَارُ) أي: إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فأبانها فدخلت لم يلزمه ظهار، فإن راجعها فدخلت لزمه إلا أن يكون قد طلقها ثلاثًا فلا تعود عليه اليمين.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ؛ اخْتَصَّ بِالْمِلْكِ الَّذِي علَّقَ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
يعني إن قال لامرأته: (كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ) ثم طلق امرأته ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج ثم تزوج عليها فلا شيء عليه، نص على ذلك في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة ورأى كما قال المصنف أن هذا الالتزام اختص بالملك الذي علق فيه المحلوف بها وأنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغيرهما.
ورأوا أن المذهب ما في كتاب الإيلاء أن الاختصاص بالملك إنما يكون في المحلوف بطلاقها مثل المسألة التي قبل هذه وأما المحلوف لها أو عليها فإن اليمين منعقدة عليه في الإيلاء: ومن قال: زينب طالق ثلاثًا أو واحدة إن وطئت عزة؛ فطلق زينب واحدة، فإن انقضت عدتها فله وطء عزة، ثم إن تزوج زينب بعد زوج أو قبله عاد موليا في عزة، وإن وطئ عزة بعد ذلك أو وطئها في عدة زينب من طلاق واحد حنث ووقع على زينب ما ذكر من الطلاق، ولو طلق زينب ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج لم يعد عليه في عزة إيلاء لزوال طلاق ذلك الملك، ولو طلق عزة ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج وزينب عنده عاد
[ ٤ / ٣٥٠ ]
مؤليًا في عزة ما بقي من طلاق زينب شيء كمن آلى وظاهر ثم طلق ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج، فذلك يعود عليه أبدًا. فأنت تراه كيف لم يفرق في عزة المحلوف عليها بين أن يتزوجها بعد الثلاث أم لا.
ابن عبد السلام: والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي ذكر المؤلف أنه الشاذ، وأن الذي وقع في كتاب الأيمان بالطلاق لم يقل به أحد.
وَفِيهَا: ولَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طُلِّقَتِ الأَجْنَبِيَّةُ ولا حُجَّةَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا عَلَيْهَا ولَوِ ادَّعَى نِيَّةً لأَنَّ قَصْدَهُ أَلا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ..
هذه المسألة متصلة في المدونة بمسألة كتاب الأيمان بالطلاق التي فرع المصنف منها ونصها: وأما إن طلق المحلوف لها وانقضت عدتها ثم تزوجها، ثم تزوج عليها أجنبية، أو تزوج الأجنبية ثم تزوجها فإن الأجنبية تطلق عليه في الوجهين ما بقي من طلاق الملك الأول شيء، ولا حجة له إن قال: إنما تزوجتها على غيرها ولم أنكح غيرها عليها ولا أنويه؛ ادعى نية ذلك لأن قصده ألا يجمع بينها.
وخالف أشهب إذا ابتدأ بنكاح الأجنبية ثم راجع مطلقته بعدها وقال: لا شيء عليه لأنه لم ينكح عليها، وراعى اللفظ ولم يعتبر ما قاله في المدونة من قصد الجمع.
وقال مطرف: إن كان شرطًا في أصل العقد فكالمدونة وإن كان طوعًا فله نيته هكذا نقل ابن عبد السلام وغيره.
وفي المتيطية: إن كان الشرط على الطوع قبلت نيته قاله ابن القاسم، وإن انعقد ذلك على الشرط في أصل النكاح، فقال المغيرة: لا تعود اليمين عليه لأنه لم يتزوج عليها وأنما تزوج الثانية عليها.
وروى مطرف وابن الماجشون: أنها تعود لأن نيته ألا يجمع بينهما.
[ ٤ / ٣٥١ ]
وفي كلامه في المدونة نظر، لأن الحالف يقول: نويت ألا أتزوج عليها، ونحن نقول: بل قصدك ألا تجمع بينهما، وكذلك مخالفة له في قصده وليس بظاهر، وهذا للنظر إنما هو [٣٥٣/ ب] إذا أجرينا المدونة على ظاهرها من العموم سواء قامت عليه بينة أو جاء مستفتيًا، لصدق فلا إشكال.
أبو الحسن: وقيل: إنما لم ينوه لأنه حالف للزوجة والحلف على نية المحلوف.
فرع:
قال في المدونة: وإن قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق؛ لزمه، كانت فلانة تحته أم لا، فإن كانت تحته فطلقها فإن نوى ما عاشت ما دامت تحته فله أن يتزوج، فإن لم تكن له نية فلا يتزوج ما بقيت إلا أن يخشى العنت.
وقوله: (فإن نوى فله أن يتزوج) أي وتقبل نيته في القضاء والفتوى.
وفِي: إِنْ دَخَلْتَ فَأَنْتَ حُرُّ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ بِغَيْرِ إِرْثٍ. ثَالِثُهَا: إِنْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ لِفَلَسٍ لَمْ يَعُدْ ..
ليست هذه المسألة من هذا الباب وأتى بها المنصف لأنها تشبه مسألة الطلاق السابقة، يعني أن من حلف بحرية عبده على دخول الدار، إما على دخوله هو أو دخول العبد، فعلى هذا يصح أن تضبط التاء من قوله: (دَخَلْتَ)، بالفتح والضم، ثم باع العبد وملكه (بِغَيْرِ إِرْثٍ) يعني وإن ملكه بإرث لم تعد عليه اليمين بالاتفاق، وإنما اختلف إذا عاد إليه بأحد وجوه الملك إما بهبة أو شراء أو نحو ذلك، هل تعود عليه اليمين سواء باعه اختيارًا أم لا؟ وإليه ذهب ابن القاسم. أو لا تعود عليه مطلقًا، وإليه ذهب ابن بكير، أو يفرق.
فإن باعه اختيارًا عادت عليه اليمين، وإن باعه السلطان عليه لم تعد عليه، وإليه ذهب أشهب.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
والسؤال على قول ابن بكير لأنه سوى بين العتق والطلاق، وأما ابن القاسم فإنما أعاد اليمين للتهمة أي لاحتمال أن يكون إنما باعه قصدًا لحل اليمين بخلاف الزوجة فإن أحدًا لا يتهم فيها على ذلك.
ولمراعاة التهمة، استحسن جماعة قول أشهب لعدم التهمة ببيع الحاكم فكان كالميراث. واختار المازري قول ابن بكير، لأنه اتفق على أن السيد لو دخل الدار والعبد مبيع قبل اشترائه أنه لا يحنث بذلك الدخول، ولو اشترى العبد بعد ذلك، وذلك لأن البيع الواقع اختيارًا هو الموجب للتهمة عند من اتهمه، إما أن يقدر ناقلًا لملك العبد أولًا، فإن قدر الأول يلزم منه المطلوب، والثاني يلزم منه أن يعتق عليه العبد بالشراء لأنه دخل في حين كان يملك فيه العبد وإنما منع فيه من تنجيز العتق حق المشتري وقد زال. واختار ابن المواز قول ابن القاسم. والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا ثُمَّ عُتِقَ فَدَخَلَتْ طُلِّقَتْ ثَلاثًا، ولَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ ..
لأن المعتبر في الولاية حال النفوذ لا حال التعليق، وهو حال النفوذ مالك للثلاث لأنه حر.
وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عُتِقَ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ لأَنَّهُ طَلَّقَ النِّصْفَ
تصوره ظاهر، وشبه ذلك في الموازية فمن ذهبت له طلقة ونصف طلقة، قال ابن القاسم: ولو طلق العبد طلقتين ثم ثبت أنه عتق قبل الطلاق فله الرجعة.
وَلَوْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَنْفُذْ
يعني: إذا تزوج أمة أبيه، وقال لها: إن مات أبي فأنت طالق، لم ينفذ الطلاق، لأنه بموت أبيه يملكها فيفسخ النكاح فلا تصير زوجة فيعدم محل الطلاق.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
الْقَصْدُ: ولا أَثَرَ لِسَبْقِ اللِّسَانِ فِي الْفَتْوَى
هذا هو الركن الثالث، ومعنى (سَبْقِ اللِّسَانِ) أنه أراد أن يلفظ بغير الطلاق فزل لسانه فتلفظ به.
وقوله: (فِي الْفَتْوَى) أي إذا جاء مستفتيًا احترازًا مما لو رفع إلى الحاكم وقامت عليه البينة وأقر؛ فإنه يلزمه الطلاق وقيد ذلك بعضهم بأن الشهود إذا فهموا من قرينة الحال صدقه وأنه أراد أن يتكلم بغير الطلاق فزل لسانه أنه ينفعه ذلك، وهو ظاهر، ولمراعاة القصد قال مالك في الموازية: ومن اعتذر في شيء سئل فيه بأنه حلف بالطلاق أو العتق ولم يحلف لا شيء عليه في الفتوى.
وقال: ومن حكى للناس يمين بالبتة، فقال: امرأتي طالق البتة وإنما أراد أن يقول: قال فلان، فإن ذكر في ذلك مستفتيًا نسقًا لم يقطعه فلا شيء عليه.
وفي العتبية: في امرأة كتبت إلى أبيها ليزورها فأبى، فقالت لزوجها: اكتب إليه أنك طلقتني لعله يأتي، فكتب بذلك إليه، ولم يرد طلاقًا قال: إن صح ذلك وجاء مستفتيًا فلا شيء عليه.
قال في الموازية: وإن أقيم عليه بخطه وشهد عليه لم ينفعه ما يدعي إلا أن تشهد قبل أن يكتب بالذي أراد فلا شيء عليه، فإن لم يكن أشهد وصدقته الزوجة فأرى أن يستحلف إن كان مأمونًا قال في العتبية: إن قالت أردت خديعته بذلك وأردت الطلاق، وأنكر هو ذلك وقد علم ما ذكر من شأنها لا شيء عليه وإن لم يكن إلا قوله وقد ظهر كتابه وثبت عليه لزمه الطلاق، قيل: كم؟ قال: ينوى وتكون واحدة.
أبو محمد: انظر قوله ينوى وأعرف لأشهب نظيرها: يحلف أنه لم يرد طلاقًا وتكون واحدة.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وفي الموازية ما يوهم إلغاء القصد إذ فيها في من قال لامرأته: قد كنت طلقتك البتة، ولعبده قد كنت أعتقتك ولم يكن فعل ذلك، قال أبو الزناد: أما في الفتوى فلا شيء عليه، وقال مالك: ذلك يلزمه، كمن قال: أنت طالق. أو قال: أنت حر لا يريد طلاقًا ولا عتقًا، وقال ربيعة وابن شهاب.
ربيعة: إلا أن يأتي بعذر بين له وجه. فقول أبو الزناد ظاهر، وقول مالك يوهم عدم اعتبار القصد، إلا أن يتأول على أنه في معنى طلاق الهازل وإعتاقه وفي اللخمي [٣٥٤/ أ] قال مالك في من قال أنت طالق فزل لسانه، فقال البتة، قال: هي ثلاث. فألزم الطلاق باللفظ من غير نية وقال سحنون: لا شيء عليه في ذلك، وهو أحسن. انتهى.
فحمل قول سحنون على الخلاف وسياقه في التهذيب يدل على خلاف ذلك ولفظه: وإن قال لزوجته أنت طالق البتة، وقال: والله ما أردت بقولي البتة، وإنما أردت واحدة فزل لساني فلفظت بالبتة فهي ثلاث.
سحنون: وهذا الذي قال البتة قد كانت عليه بينة فلذلك لم ينوه مالك.
عياض: وقد اختلف ابن نافع وغيره عن مالك في قبول قوله في الفتوى، ويتخرج من هذه المسألة وأخواتها القولان اللذان حكاهما البغداديون في إلزامه بمجرد اللفظ دون النية على ما خرجه الشيوخ من الكتاب، فأما إلزامه الطلاق بمجرد اللفظ فمن إلزامه الطلاق في مسألة: أنت طالق وقال: أردت من وثاق ولا بينة عليه ولم يعذره وإن جاء مستفتيًا.
ومن قوله: يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا ينفعهم نياتهم، ومن الذي أراد واحدة فزل لسانه فقال البتة، ومن خلاف أهل المدينة في الذي قال لامرأته وهو يلاعبها: هو عليك حرام، ومن مسألة هزل الطلاق. انتهى.
وإنما ذكرنا هذا لتعلم أن ما ذكره المصنف ليس متفقًا عليه، وأن قول ابن راشد: لا خلاف في المذهب إن قصد إنشاء الصيغة؛ شرط ليس بظاهر. والله أعلم.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
ولا لِقَصْدِ لَفْظٍ يَظْهَرُ مِنْهُ غَيْرُ الطَّلاق كَقَوْلِهِ لمن اسْمُهَا طَالِقُ يَا طَالِقُ
هو معطوف على قوله: (لسَبْق) أي: ولا أثر (لِقَصْدِ لَفْظٍ) وهو كلام ظاهر، قال في الجواهر: وإذا كان اسم زوجته طارق فقال: يا طالق، ثم قال: انفلت لساني قبل ذلك في الفتوى.
وَلا أَثَرَ لِلَّفْظِ يَجْهَلُ مَعْنَاهُ كَأَعْجَمِيِّ لُقِّنَ أَوْ عَرَبِيِّ لَقِّنَ
أي (كَأَعْجَمِيِّ لُقِّنَ) الطلاق بالعربية (أَوْ عَرَبِيِّ لَقِّنَ) الطلاق بالعجمية، أما لو فهم معناه لزمه بلا إشكال.
وَفِي الْهَزْلِ: فِي الطَّلاق، والنِّكَاحِ، والْعِتْقِ- ثَالِثُهَا: إِنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ لَمْ يَلْزَمْ
يلحق بالثلاث الرجعة، والمشهور اللزوم لما في الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" قال: وهو حسن غريب، والقول بعدم اللزوم في السليمانية لكن إنما ذكره في النكاح، والقول الثالث في كلام المصنف نقله ابن شاس عن اللخمي.
ابن عبد السلام: والذي يحكيه غير واحد إنما هو قولان، وما ذكره من القول الثالث هو شرط قيام الدليل على عدم اللزوم يعدونه من تمام القول الثاني، لأن الهزل لا يثبت بمجرد الدعوى، لكن ذكر بعض المتأخرين أنه اختلف إذا قال: تزوجني وليتك؟ أو تبيعني سلعتك؟ فقال: قد بعتها من فلان أو زوجتها من فلان على أربعة أقوال:
يلزم ولا يلزم، والفرق بين أن يدعي ذلك بأمر متقدم أو لا يدعيه إلا بذلك اللفظ والفرق، فيلزم في النكاح لا البيع. والقول الثالث: يشبه الثالث من كلام المصنف.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
أَمَّا لَوْ قَالَ: يَا عَمْرَةُ فَأَجَابَتْهُ حَفْصَةُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقُ يَحْسَبُهَا عَمْرَةَ- فَأَرْبَعَةُ
نظيرتها إذا قال: يا ناصح فأجابه مرزوق، فقال: أنت حر. والأقوال الأربعة منصوصة في مسألة العتق والكلام في المسألتين واحد، والقول بعتقهما لأصبغ.
والقول بعدم عتقهما حكاه ابن سحنون ولم يسم قائله. وقال أشهب يعتق المجيب في القضاء والفتوى ولا عتق للمدعو لأن الله حرمه العتق، وقال ابن القاسم: إن قامت عليه بينة عتقًا معًا، وإن لم تقم عليه بينة عتق المدعو، ولا يفهم هذا القول من كلام المصنف أربعة ولهذا يلقيها الطلبة في المعايات، فيقولون: ما مذهب ابن القاسم في من له عبد إن دعى أحدهما فأجابه الآخر فمن لا علم عنده بقوله يخطئ لأنه إن قال: يعتقان أو لا يعتقان أو يعتق المدعو والمجيب كان خطأ.
ولا أَثَرَ لِطَلاقِ الإِكْرَاهِ كَنِكَاحِهِ وعِتْقِهِ وغَيْرِهِ، أَوْ الإِقْرَارُ بِهِ أَوِ اليَمِينُ عَلَيْهِ أَوِ الْفِعْلُ الَّذِي يَحْنَثُ فِيهِ بِهِ ..
المذهب وهو مذهب الأكثر كما ذكر المصنف أن نكاح المكره وطلاقه لا يلزم.
وقوله: (وغَيْرِهِ) أي غير ما ذكر من بيعه وسائر عقوده، وقوله: (أَوْ الإِقْرَارُ بِهِ) يعني أنه لا فرق بين أن يكره على إيقاع الطلاق أو على الإقرار أو على اليمين أو الحنث في يمين لزمت به، كل ذلك لا يلزمه.
فروع:
إن أكره على اليمين في ما هو معصية، أو ليس بطاعة ولا معصية لم تلزمه اليمين باتفاق، وحكاه في البيان: وإن أكره على يمين فيها طاعة مثل أن يأخذ الوالي من يشرب الخمر فيحلفه بالطلاق أن لا يشربها أو لا يفسق، أو لا يغش في عمله، أو لا يتلقى
[ ٤ / ٣٥٧ ]
الركبان، أو يحلف الوالد ولده على شيء من ذلك. فقال مطرف وابن حبيب: تلزمه اليمين، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا تلزمه.
الثاني: لو أبان بعد أمنه ما طلقه في الإكراه فالذي رجع إليه سحنون اللزوم لاختلاف الناس في لزوم طلاق الإكراه، وكان يقول أولًا: لا يلزمه؛ لأنه لزم نفسه ما لم يلزمه.
الثالث: قال ابن سحنون: أجمع أصحابنا على بطلان نكاح المكره، وكذلك نكاح المكرهة، ولا يجوز المقام عليه لأنه لم ينعقد، ولو انعقد لبطل لأنه نكاح فيه خيار.
ابن سحنون: وفي قياس بعض مذهب مالك أن للمكره إمضاء ذلك النكاح إذا أمن، [٣٥٤/ ب] وكذلك لأولياء المرأة المكرهة، وفي قياس بعض مذاهبهم: إنما تجوز إجازة المكره بحدثان ذلك.
وَفِي حِنْثِهِ بِمِثْلِ تَقْوِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ فِي الِعْتِق- قَوْلانِ
هذا كقوله في الجواهر: إذا حلف في نصف عبد لا باعه فأعتق شريكه نصفه. فأعتق عليه حنث إلا أن ينوي: إلا أن يغلب على بيعه، وقال المغيرة: لا حنث عليه، لأنه إنما أراد لا بعته طوعًا.
ابن عبد السلام: والأول أصل المشهور وهو مذهب المدونة على ما أشار إليه في كتاب التخيير والتمليك، ومنشأ الخلاف: هل إكراه القاضي كغيره أم لا؟ ويمكن أن يبني ذلك على الخلاف في من حلف أن لا يبيع سلعة فبيعت عليه وأتلفت فأخذ قيمتها هل يحنث أم لا؟
وَقِيلَ: إِنَّمَا الإِكْرَاهُ فِي الْقَوْلِ
هذا القول عزاه في الجواهر لسحنون، وقال ابن عبد السلام: وقع لسحنون وعبد الملك أنه مقصور على القول ما لم يخف القتل لأنه لا تأثير له في المعاني والذوات، بخلاف الفعل فإنه يؤثر.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وقِيلَ: إِنْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا حَنِثَ
حاصله في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور، وقول سحنون، والقول الثالث: اللزوم إذا أمكنه أن يوري عن ذلك ويأتي بلفظ فيه إيهام على السامع فلم يفعل ذلك وأتى بلفظ صريح فإنه يحنث، وعده المصنف ثالثًا، وهو ظاهر كلام ابن شاس لقوله: ولا يقع طلاق المكره ولا يلزمه شيء.
هذا مطلق الروايات، وقال بعض المتأخرين: الحكم كذلك إلا أن يترك التورية مع العلم بها والاعتراف بأنه لم يدهش بالإكراه، وكذلك قال ابن بشير: أن المذهب عدم التفصيل، وفصل في ذلك اللخمي والمذهب خلافه. انتهى.
والظاهر أن كلام اللخمي تقييد لأنه قال: إن طلق المكره باللفظ دون النية لم يلزمه. والصحيح من المذهب فيمن وقع منه طلاق بغير نية أنه لا يلزمه وإن لم يكن مكرهًا فالمكره أولى. وإن نوى الطلاق وهو عالم ذاكر أن يجعله لفظًا بغير نية لزمه لأن النية لا تدخل تحت الإكراه وهو طائع بالنية وإن لم تكن متصلة عند الإكراه فيجعله نطقًا بغير نية أو كان يجهل إخراج النية لم يلزمه على الظاهر من المذهب.
ويتَحَقَقُ الإِكْرَاهُ بِالتَّخْوِيفِ الْوَاضِحِ بِمَا يُؤْلِمُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ ..
يعني: أن الإكراه الذي لا تلزم معه الأحكام (يتَحَقَقُ) حصوله (بِالتَّخْوِيفِ الْوَاضِحِ).
(مِنْ قَتْلٍ) أي خوف قتل لا حصوله، لأنه لو حصل ذهبت النفس المكرهة، وإذا كان القتل مخوفًا لا واقعًا فالضرب والصفع المعطوفان عليه في كلام المصنف يكونان كذلك، وهو قريب من كلام اللخمي فإنه نص على أنه إذا هدد بقتل أو بقطع أو بقيد أن
[ ٤ / ٣٥٩ ]
ذلك إكراه، قال: واختلف في التهديد بالسجن، فأراه إكراهًا في ذوي الأقدار وليس إكراهًا في غيرهم إلا أن يسجن أو يهدد بطول المقام فيه.
ابن محرز: ولا خلاف في المذهب فيما علمته أن الإكراه بما يلقى المكره نفسه إكراهًا ويرفع أحكام اليمين.
وفي الواضحة قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وابن أبي أويس: من أكره على أن يحلف بيمين وهدد بضرب أو سجن وجاء من ذلك وعيد بين تقع فيه المخافة أو خاف ذلك، وإن لم يقف عليه مثل ما يفعلون في البيعة أو أشباهها لا يمين عليه وكأنه لم يحلف، ورواه مالك وأكبر أصحابه.
وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وهو قول ابن القاسم وأشهب وكذلك في كتاب ابن سحنون أن التهديد بالضرب أو السجن أو القيد إكراه، وقول ابن عبد السلام أن ظاهر المنصوص في المذهب أن الإكراه إنما يكون بحصول الضرب والصفع لا بتحقق وقوعهما، ليس بظاهر.
وقوله: (أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ) مقيد بما ذكره صاحب الجواهر وغيره بأن يكون في الملاء لا في الخلاء.
واحترز بذي المروءة من غيره فإن الصفع في حقه ليس إكراهًا، وهذا كله إذا كان الإكراه على طلاق أو عتق أو ما أشبه ذلك، وأما إن أكره على أن يكفر بالله أو يشتم النبي ﷺ أو يقذف مسلمًا، فقال سحنون وغيره لا يسعه الإقدام على ذلك إلآ مع خوف القتل وحده قال: وله أن يصبر حتى يقتل ولا يفعل ذلك، وهو مأجور وهو أفضل له.
سحنون وغيره من أصحابنا: أما لو أكره بوعيد بقتل أو قطع عضو أو بضرب يخاف منه تلف بعض أعضائه ولا يخاف منه تلف نفسه، أو بقيد أو بسحن على أن يفعل ما ذكره فإنه لا يسعه ذلك.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
ابن عبد السلام: ووقع لسحنون أنه إذا أكره بما ذكرنا على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر فإنه لا يجوز له شربه، والصحيح جواز شربه كما يجوز له شربه على الصحيح أيضًا عند الضرورة والغصص.
وَفِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ أَجْنَبِيِّ قَوْلانِ بِخِلافِ قَتْلِ الْولَدِ
يعني: إذا طلب بإحضار أجنبي ليقتل فأنكر أن يكون عالمًا به وأحلف على ذلك، أو يقال له: احلف وإلا قتلنا زيدا، فهل يعد ذلك إكراهًا أو لا؟ والقول بأنه تلزمه اليمين لمالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ قالوا: ويؤجر إن حلف ويلزمه الحنث. والقول بأنه إكراه لأشهب. ابن بزيزة: وهو المشهور.
قوله: (بِخِلافِ قَتْلِ الْولَدِ) مقتضاه أنه يتفق على أن قتل الولد إكراه، ونحوه في الجواهر فإنه قال: والتخويف بقتل الولد.
واختلف في التخويف بقتل أجنبي ونحوه، ابن راشد: لأنه قال: أما [٣٥٥/ أ] التخويف بقتل الولد، فلا يختلف أنه إكراه لأن ما ينزل بالنفوس من قتل الولد أشد مما ينزل بها من ألمها.
وقال ابن عبد السلام: والمنقول في المذهب خلاف ما في الجواهر.
قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: وإن قال له السلطان: احلف لي وإلا عاقبت ولدك، فحلف له كاذبًا فهو حانث، وإنما يعذر بالمداراة عن نفسه.
خليل: وفيه نظر؛ لأن المصنف وابن شاس وابن راشد إنما قصدوا قتل النفس لا ما دونها والله أعلم.
وَفِي التَّخْوِيفِ بِالْمَالِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ كَثِيرًا تَحَقَّقَ
القول بأنه إكراه لمالك وأكثر الأصحاب، ومقابله نقله اللخمي وغيره عن أصبغ وابن محرز عن ابن الماجشون. والثالث نقله ابن عبد السلام عن ابن الماجشون. وحكى
[ ٤ / ٣٦١ ]
في البيان عن مطرف رابعًا، بالفرق بين أن يقال له: إن لم تحلف على هذا الشيء أنه ليس متاعك أخذناه، وبين ألا يأمن العقوبة على جسده، مثل أن يهدده اللصوص بالضرب أو القتل على أن يطلعهم على ماله ليأخذوه، فهو إن لم يحلف ضربوه أو قتلوه، وإن أطلعهم على ماله ذهبوا فأخذوه وهو قول مطرف.
ابن راشد: وبعضهم يجعل الثالث تفسير للأولين، وقوعه ونحوه لابن بشير.
ابن بريزة: والصحيح أنه إكراه، إلا في المال اليسير الذي لا قدر له.
اللخمي: وعلى هذا يختلف إذا مر على عاشر بجارية فقال له: هي حرة لئلا يغرمه عليها فأبى أن يتركه حتى يقول له: إن كانت أمة فهي حرة، فعلى قول أصبغ تعتق وعلى قول ابن الماجشون لا تعتق.
وقال ابن القاسم في المدونة: لا شيء عليه إذا قال ذلك وهو لا يريد حريتها.
اللخمي: ولو نوى الحرية وهو عالم أن له ألا ينوي لزمه العتق، وإنما الاختلاف إذا كان عاميًا يجهل ذلك، أو لم تكن مهلة ليخرج النية.
اللَّفْظُ صَرِيَحُ، وَكِنَايَةُ، وغَيْرُهُما؛ الصَّرِيحُ: مَا فِيهِ صِيغَةُ الطَّلاق، مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقُ أَوْ: أَنَا طَالِقُ فَلا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ ..
هذا هو الركن الرابع، وقسمه على ثلاثة أقسام: صريح وكناية وغيرهما، وعدل المصنف عن طريقة أكثر الفقهاء، وهي أن الطلاق ينقسم إلى قسمين فقط: صريح وكناية، لأن المصنف رأى أن: اسقني الماء ونحوه لا ينبغي عده في الكناية لأن الكناية استعمال اللفظ في لازم المسمى لكن هذا اصطلاح ولا مناقشة فيه.
ثم أخذ يتكلم على الأول فالأول فذكر أن الصريح ما فيه الطاء واللام، والقاف، كقوله: أنت طالق أو مطلقة أو أنا طالق والطلاق لازم لي، أو علي الطلاق، فلا يفتقر إلى
[ ٤ / ٣٦٢ ]
نية لا يريد به أن الطلاق يلزم بمجرد جريان هذا اللفظ على لسان هذا الرجل من غير قصد إليه، فإن ذلك لا يلزم على الصحيح من القول وقد تقدم ذلك، وإنما يريد به أنه لا يقبل منه إذا أسرته البينة ولذلك لا يقبل منه في الفتوى إذا أقر على نفسه أنه أتى بهذا اللفظ قاصدًا إلى النطق به وإن لم يرد به الطلاق.
تنبيه:
استشكل القرافي قول الفقهاء أن الصريح ما فيه الطاء واللام والقاف بأنه يبطل باتفاقهم على أنه لا يلزم الطلاق لمن قال لزوجته: أنت مطلقة إلا بالنية، وأشار إلى أنهم إنما لم يلزموه ذلك بأنت مطلقة لأن الأصل كان لا يلزم بقوله: أنت طالق، لأنه خبر والخبر لا يلزم به الطلاق، وإنما يلزم بالإنشاء، لكن العرف نقل أنت طالق إلى إنشاء الطلاق، ولم ينقل أنت متطلقة.
وفِيهَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ، وقَالَ: أَرَدْتُ مِنْ وَثَاقٍ طُلِّقَتْ، ولَوْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا ولا بَيِّنَة، ولا تَنْفَعُ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ إِلا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا.
هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقول لها: أنت طالق وليست موثقة، فلا خلاف أنه لا ينوي.
الثاني: أن تكون موثقة، وتقول له: طلقني، فيقول: أنت طالق، فلا خلاف أنه يدين، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن تكون هنالك بينة أم لا.
والثالث: أن تكون في وثاق بحضرة البينة ولم تسأله إطلاقها، فقال: أنت طالق، وادعى أنه أراد من الوثاق، فقال مطرف: يصدق فيما ادعاه، وقال أشهب: لا يصدق.
قيل: وإن أتى مستفتيًا صدق على كل حال إلا على مذهب من يرى أن مجرد اللفظ دون النية يوجب الطلاق واختلف في تأويل المدونة، فمنهم من تأولها كقول مطرف،
[ ٤ / ٣٦٣ ]
ومنهم من تأولها كقول أشهب. ومقتضى كلام المصنف في هذا الوجه الثالث أنه لا يصدق لكونه حكم باللزوم، إلا إذا كان كلامه جوابًا.
وَهِيَ وَاحِدَةُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا أَكْثَرَ
يعني أن قوله: أنت طالق ونحوه، صالح للواحدة وللاثنتين وللثلاثة، لكنه محمول على الواحدة إلا أن ينوي أكثر من اثنتين أو ثلاث. المتيطي ويحلف في قوله: أنت طالق، وقال أصبغ: هي الثلاث ولا ينوى.
وزَادَ أَبُو الْحَسَنِ خَمْسَةُ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ
أي: وزاد أبو الحسن بن القصار في صريح الطلاق خمسة ألفاظ وهي: السراح والفراق والحرام وبتة وبتلة، وهي الخمسة المذكورة في أول الكنايات من كلام المصنف.
وقوله: (فِي غَيْرِ الْحُكْمِ) يعني إنما ألحق الخمسة في التسمية فقط لا في الحكم لأن الحكم في الطلاق أنه تلزمه واحدة إلا أن ينوي أكثر، وهذه الثلاث كما سيأتي وعلى هذا فهو خلاف في الاصطلاح لا يترتب [٣٥٥/ ب] عليه حكم في الخارج. والله أعلم.
وَالْكِنَايَةُ: قِسْمَانِ- ظَاهِرُ ومُحْتَمَلُ فَالظَّاهِرُ مَا هُوَ فِي الْعُرْفِ طَلاقُ مِثْلُ: سَرَّحْتُكِ، وَفَارَقْتُكِ وأَنْتِ حَرَامُ، وبَتَّةُ، وبَتْلَةُ، وخَلِيَّةُ، وبَرِيَّةُ، وبَائِنُ، وحَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ، وَكَالْمَيْتَةِ وكَالدَّمِ، وكَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَوَهَبْتُكِ، ورَدَدْتُكِ إِلَى أَهْلِكِ، وهِيَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي غَيْرِ الطَّلاقِ
يعني: أن الكناية تنقسم أيضًا إلى قسمين: (ظَاهِرُ ومُحْتَمَلُ) وذكر أن الظاهر ما يعد في العرف طلاقًا، وذكر أربعة عشرة لفظًا وبعضها أبين من بعض في التحريم.
وقوله: (كَالصَّرِيحِ إلخ آخره) ظاهر التصور وقد ذكر في المدونة أكثر الصيغ التي ذكرها المصنف، إلا أنه لم يجمعها كما فعل المصنف بل ذكرها مفرقة، وظاهر المدونة يدل
[ ٤ / ٣٦٤ ]
على أن بعضها مخالف للبعض الآخر في بعض الأحكام، لكن حمل المصنف على ذكرها جملة الاختصار ففيها: إن قال: أنت حرام، فهي ثلاث في المدخول بها ولا ينوى وله نيته في التي لم يدخل بها.
وفيها: إن قال: بنت منك أو بنت مني أو أنت خلية وقال: لم أرد بذلك طلاقًا فإن تقدم كلام يكون هذا جوابه يدل على أنه لم يرد به طلاقًا صدق، وإلا فقد بانت منه إذا كان كلامًا مبتدأ.
وفيها: وإن قال لها: أنت علي كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، فهي ثلاث وإن لم ينو به الطلاق.
وفيها: وإن قال: حبلك على غاربك، فهي ثلاث ولا ينوي.
اللخمي: ومقتضى قوله في: (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ) في مادون الثلاث في غير المدخول بها ويحلف.
ونص في المدونة على أنه إذا قال: وهبتك أو رددتك إلى أهلك، أن ذلك ثلاث في المدخول بها وينوى في غيرها، وإذا قلنا أنه ينوي في (وَهَبْتُكِ) في غير المدخول بها ففي كتاب التفسير ليحيى أنه يحلف، وفي العتبية: هي واحدة، ولم يذكر يمينًا وليس في المدونة التصريح بحكم سرحتك- عن الإمام، لكن نص عبد الوهاب وصاحب الكافي على أن سرحتك كهذه الألفاظ، ونص في الموازية على أنه يقبل قوله في نفي الطلاق إذا قال: سرحتك.
ابن المواز: ويحلف إلا أن يكون ذلك جوابًا لسؤالها الطلاق، وكذلك قال في فارقتك وخليتك.
وقال أشهب: إن (سَرَّحْتُكِ) محمول على الواحدة إلا أن ينوي أكثر.
وفي عد المصنف (فَارَقْتُكِ) مع هذه الكنايات نظر سيأتي التنبيه عليه.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
فرع:
روى ابن القاسم عن مالك فيما إذا قال لأهلها شأنكم بها، وقال: نويت الطلاق، أنها واحدة إلا أن يريد أكثر من ذلك في غير المدخول بها، وأما المدخول بها فإنها ثلاث ولا نية، كما لو قال: وهبتكم إياها.
والْمُحْتَمَلَةُ: مِثْلُ اذْهَبِي، وانْصَرِفِي، واغْرُبِي، وأَنْتِ حُرَّةُ، ومُعْتَقَةُ، والْحَقِي بِأَهْلِكِ أَوْ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ، فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نَفْيِهِ وعَدَدِهِ
أي والكناية المحتملة، ومعنى (فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نَفْيِهِ) أي إذا ادعى أنه لم يرد الطلاق قبل منه.
ابن القاسم في الواضحة: ويحلف في ذلك كله، وكذلك نص في المدونة على الحلف في أنت سائبة أو عتيقة أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام.
وقوله: (وفي عَدَدِهِ) يعني وإن قال: أردت الطلاق وقصدت واحدة أو أكثر قبل ذلك منه.
أصبغ: فإن نوى به الطلاق ولم ينو عددًا فهي البتة مدخولًا بها أم لا، وما ذكره المصنف في (أَنْتِ حُرَّةُ) هو مذهب المدونة، وقال ابن الماجشون: إن قال لامرأته: أنت مني حرة، أو قال لأمته: أنت مني طالق وأنت طالق لوجه الله، فأمته حرة وامرأته طالق، ولا أسأله عن نيته.
وما ذكره في: (الْحَقِي بِأَهْلِكِ) نحوه في ابن بشير، وفي الموازية عن مالك في القائل: الحقي بأهلك فليس لك عندي سعة فإلى أهلك لا إلي. فليس بالطلاق البين ويحلف ما أراد طلاقًا، ولكن أردت أن تذهب إليهم لتعيش، وقريب من هذا عنه في العتبية والموازية إذا قال لامرأته: انتقلي إلى أهلك، أو قال لأمها: انقلي إليك ابنتك.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
وقوله: (أَوْ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ) نحوه في المدونة ففيها: وإن قال لها: لست لي بامرأة، أو ما أنت لي بامرأة، أو لم أتزوجك، أو قال له رجل: ألك امرأة؟ فقال: لا. فلا شيء عليه إلا أن ينوي به الطلاق، وإن قال لها: لا نكاح بيني وبينك، أو لا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك، فلا شيء عليه، إذا كان الكلام عتابًا، إلا أن ينوي بقوله هذا الطلاق.
عياض: وظاهر قوله: عتابًا ولم ينوي شيئًا أنه طلاق، مثل قوله ذلك لعبده في كتاب العتق، ونحوه للخمي.
تنبيه:
ما ذكرناه في لست لي بامرأة خاص بما إذا لم يكن معلقًا، وأما المعلق كقوله: إن دخلت الدار فلست لي بامرأة، فالصحيح أنه يلزمه به الطلاق لأنه يصح حمل كلامه عند عدم التعليق على الكذب لظهور ذلك فيه، ولا يصح ذلك مع التعليق، وبذلك أفتى ابن أبي زيد، وتوقف فيها أبو بكر النعالي سنة، ولم يجب بشيء، ولا يفرق فيها هكذا في لا عصمة لي عليك بين المعلق وغيره كما ظنه ابن بشير، فقد قال سحنون في كتاب ابنه في من اشترت [٣٥٦/ أ] من زوجها عصمته ورضي بذلك أنها ثلاث لأنها ملكت جميع ما كان يملك من عصمتها وقال ابن القرطبي والأبياني في القائل لامرأته: لا عصمة لي عليك أنها الثلاث، إلا أن يكون معها فداء فتكون واحدة حتى يريد ثلاثًا.
أبو محمد: وذلك صواب، واستدل بما في العتق الأول من المدونة إذا قال لعبده ابتداء: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك؛ عتق عليه، وإن علم أن هذا الكلام جواب لما كان قبله صدق في أنه لم يرد عتقًا ولم يلزمه عتق.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْكِنَايةِ الظَّاهِرَةِ فَجَاءَ: ثَلاثُ فِيهما ولا يُنَوَّى، وجَاءَ: ويُنَوَّى، وجَاءَ ويُنَوِّى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وهُوَ الْمَشْهُورُ، وجَاءَ: وَاحِدَةُ بَائِنَةُ فِيهِمَا، وجَاءَ رَجْعِيَّةُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وجَاءَ: ثَلاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ووَاحِدَةُ فِي الأُخْرَى ..
لما أراد المصنف أن يذكر وجه الأقوال أفردها وإلا فهي راجعة إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنها الثلاث واختلف على هذا القول هل هي الثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى، أو الثلاث وينوى فيهما، أو ينوى في غير المدخول بها فقط؟
والثاني: أنها طلقة، واختلف عليه فقيل: بائنة، وقيل: رجعية.
والثالث: أنها ثلاث ف المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها.
وقوله: (فِيهِمَا) أي في المدخول بها وغيرها، وفي بعض النسخ: (فيها) فيعود الضمير على الكنايات الظاهرة. ثم أخذ المصنف يوجه الأقوال الأول فالأول فقال:
فَالأَوَّلُ: رَأَى دِلالَتَهَا عَلَى الثَّلاثِ نَصًّا عُرْفيًّا
أي: القائل أنها (الثَّلاثِ نَصًّا عُرْفيًّا) رأى هذه الكنايات نصًا من حيث العرف على الثلاث.
والثاني: رَأَهَا ظَاهِرًا
أي: (رَأَهَا) تدل على الثلاث (ظَاهِرًا) فلذلك تدل عليها عند عدم النية، ثم إنما ينوى على هذا القول إذا لم تكن عليه بينة على ما تقدم في الأيمان إذا خالف ظاهر اللفظ النية.
وَالثاَّلِثُ: رَأهَا لِلْعَدَدِ ظَاهِرًا ولِلْبَيْنُونَةِ احْتِمالًا
هكذا وقد في كثير من النسخ، وإنما كان نصًا كما في بعض النسخ، يعني فلما كانت نصًا في البينونة لزم أن لا ينوى في الدخول بها لأنها تبين منه بعد الثلاث، ولما كانت للعدد ظاهرًا لزم أن ينوى في المدخول بها لكونها تبين بالواحدة.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
رَأَىهَا لِلْبَيْنُونَةِ خَاصَّةً ورَأَى الْبَيْنُونَةَ بِوَاحِدِةٍ
تصوره ظاهر وهو ينبني على صحة الطلاق البائن من غير عوض.
وَالْخَامِسُ: رَأَىهَا لْمُجَرَّدِ الطَّلاقِ ظَاهِرًا
أي: فتكون رجعية في المدخول بها.
وَالسَّادِسُ: رَأَىهَا لِلْبَيْنُونَةِ
أي: ورأى أن البينونة لا تقع في المدخول بها إلا بخلع أو الثلاث في المدخول بها ولا عوض فتعينت الثلاث.
وَكُلُّهَا غَيْرُ الأُولَى جَاءَتْ فِي: الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامُ، وجَاءَ الأَوَّلُ وغَيْرُهُ فِي غَيْرِهِ مُفَرَّقًا
أي: وكل هذه الأقوال الستة إلا القول الأول جاءت في قول القائل: (الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامُ). (وجَاءَ) القول (الأَوَّلُ وغَيْرُهُ) في غير: الحلال علي حرام (مُفَرَّقًا).
وأشار إلى أن جميع هذه الأقوال لم تأت في صيغة واحدة وإنما جاء منها في البعض ما لم يأت في البعض وبالعكس، فيتخرج من كل واحدة ماجاء في الأخرى، ولا يقال إن قول المصنف: غير الأول، ليس بصحيح لما قاله ابن الماجشون في المبسوط في من قال لزوجته: أنت حرام، يلزمه الثلاث قبل الدخول وبعده ولا ينوى، لأن المصنف لم يقل: وكلها جاءت غير الأول في: أنت حرام، وإنما قال جاءت في: الحلال علي حرام، نعم نقل المازري الستة في الحلال علي حرام.
تنبيهان:
الأول: ما ذكره المصنف أنه المشهور من أنه ينوى في الكنايات كلها في غير المدخول بها خلاف المدونة والرسالة، فإن فيهما أنه لا ينوى في البتة مطلقًا مدخولًا بها أم لا، وإنما ينوى فيما عداها من الكنايات.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
وقد صرح ابن بشير أن المشهور في البتة أنه لا ينوى في غير المدخول بها، لكن صرح ابن غلاب بتشهير ماشهره المصنف.
الثاني: لا شك أن هذه الألفاظ بعضها أقوى من بعض في التحريم، فتخريج الثلاث أو البينونة من اللفظ الضعيف إلالقوي جيد دون العكس، فينبغي أن تتأمل الأقوال المنصوصة في كل واحد من تلك الألفاظ، وينظر مايصح تخريجه منها وما لا يصح وهذا يحتاج إلى بسط نبهناك على أوائله.
وَقِيلَ: يُنَوَّى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِاتِّفَاقٍ إِلا أَلْبَتَّةَ
هذه طريقة لبعض الشيوخ وفيها بعد، لأن اللخمي والمازري وغيرهما حكوا خلافها.
وقوله: (إِلا أَلْبَتَّةَ) يحتمل أن يكون استثناء من قوله: (بِاتِّفَاقٍ) فتكون البتة مختلفًا فيها هل ينوى قائلها قبل الدخول أم لا؟
ويحتمل أن يكون من قوله: (يُنَوَّى) فتكون البتة محتملة للاتفاق والاختلاف.
ابن عبد السلام: والاحتمال الأول أولى لأن قول مالك اختلف هل ينوى المتكلم بها قبل الدخول أم لا؟
فرعان:
الأول: الباجي إذا قلنا ينوى قبل البناء فإنه يحلف ما أراد إلا واحدة، قاله مالك في البتة والبائنة والخلية والبرية.
سحنون وابن الماجشون: وإنما يحلف إذا أراد نكاحها وليس عليه يمين قبل ذلك لأنه قد لا يرتجعها.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
الثاني: إذا نويناه قبل البناء، فلو حلف قبل البناء وحنث بعده ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه في من [٣٥٦/ ب] حلف بالحلال عليه حرام قبل البناء فحنث بعده ونوى واحدة وقامت عليه البينة بالحنث بعده لا ينوى، ولأنه يوم الحنث ممن لا ينوى.
الباجي: ووجه ذلك أن اليمين إنما تنعقد ويقع الطلاق بها يوم الحنث فيجب أن يراعى.
ابن سحنون وقال بعض أصحابنا: إلا أن يعلم ذلك منه البينة قبل البناء فلا يلزمه إلا طلقة، وله الرجعة. وقال سحنون: إذا حلف قبل البناء بالحرام أو الخلية أو البرية ثم حنث بعد البناء وقال: نويت واحدة فله ذلك وله الرجعة. وانظر هل ما نقله ابن سحنون تقييد للقول الأول أم لا؟
وَأَمَّا: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامُ، وَ: مَا أَعِيشُ فِيهِ حَرَامُ؛ فَقِيلَ: ظَاهِرُ، وقِيلَ: مُحْتَمِلُ ..
لو قال ظاهرة ومحتملة لكان أبين.
ابن عبد السلام: فعلى أنهما من الكنايات الظاهرة تأتي الستة الأقوال، وعلى أنهما من المحتملة فيقبل قوله في نفيه وعدده؛ وفيه نظر ولم أر القولين في كتب الأصحاب، هكذا والذي في اللخمي وغيره أنه اختلف إذا قال: وجهي من وجهك حرام، فقال ابن القاسم في العتبية: تحرم عليه زوجته، وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناسفي قول: عيني من عينك حرام ووجهي من وجهك حرام يريدون بذلك البغض والمباعدة، قيل: وأما لو قال: وجهي على وجهك حرام فهو طلاق، ونص اللخمي على عدم اللزوم. ولو قال: وجهي على وجهك حرام، وأما ما أعيش فيه حرام ولا نية له فقال محمد: لا شيء عليه، قال في تهذيب الطالب: وأعرف فيه قولًا آخر أن زوجته تحرم عليه، ورأيت في بعض التعاليق على الشيخ أبي عمران أنه سئل عن القائل: كل ما يعيش فيه حرام، فقيل له: قد صار هذا عند الناس طلاقًا في عادتهم
[ ٤ / ٣٧١ ]
ويقصدون به تحريم الزوجة، فقال: إذا صار ذلك عادة لزم الطلاق، فالقون منصوصان في كل من الفرعين اللذين ذكرهما المصنف.
فرع:
إذا قال لزوجته: يا حرام، فقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه.
أبو عمران: وليس لغيره فيها نص.
ابن يونس: وكذلك إذا كان ببلد لا يريدون به الطلاق، وهو كقوله: أنت سحت أو حرام، وكذلك نص أصبغ على عدم اللزوم إذا قال: علي حرام، ولم يقل لزوجته أنت ولم يقصدها، وكذلك نص اللخمي وابن العربي على عدم اللزوم إذا قال: الحلال حرام ولم يقل: علي. زاد ابن العربي إذا قال: حرام فقط، أو حرام علي، لعدم ذكر الزوجة وكذلك أفتى أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن بعدم اللزوم لمن قال: جميع ما ملكت حرام.
أبو بكر المذكور: إلا أن يدخل الزوجة.
ابن العربي: ويلزمه إذا قال: ما أنقلب إليه حرام، ما يلزمه في قوله: الحلال علي حرام وهو الطلاق، إلا أن يحاشيها. وقاله اللخمي وزاد: إلا أن يقول: ما أنقلب إليه من أهلي حرام.
ابن عبد السلام: فإنه لا يصدق حينئذ في المحاشات، وذكر ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يختلف إذا قال: ما أنقلب إليه حرام، وما أنقلب إليه من أهلي ومالي حرام، قيل: ينوى، وقيل: لا ينوى إذا نص الأهل، قال: ويختلف أن يحلف أم لا؟
فرع:
واختلف إذا قال: ما انقلب إليه حرام إن كنت لي بامرأة، أو إن لم أضربك، فقال ابن القاسم: لا يحنث في زوجته لأنه أخرجها من يمينه حين أوقع يمينه عليها، قال: وكذلك إذا قال: إن لم أبعك اليوم فرقيقي أحرار فإنه يحنث في رقيقه ولا يحنث فيه.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وقال أصبغ: لا يحنث في الزوجة والعبد ولو أضاف التحريم إلى جزء من أجزائها، فحكمه كالطلاق يلزمه في اليد والرجل، ويختلف في الشعر والكلام، ولا يلزمه في البزاق والسعال.
وفِيهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وفَارَقْتُكِ- ثَلاثًا بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ
كأنه أتى بهذه المسألة استشهادًا للقول بإلزام الثلاث في الكنايات الظاهرة مطلقًا، وليس ما ذكره المصنف عن المدونة فيها وإنما فيها: وإن قال لها: قد خليت سبيلك وقد بنى بها أو لم يبن فله نيته في واحدة فأكثر، فإن لم تكن له نية فهي ثلاث.
ابن وهب عن مالك: وقوله: وقد خليت سبيلك، كقوله: قد فارقتك.
فأنت تراه كيف نواه في خليت سبيلك مطلقًا، ولم يعط جوابًا في: فارقتك وشبهها، في رواية ابن وهب لفارقتك وذكر أن معناه: وفارقتك واحدة.
ابن المواز: روي عن مالك في: خليت سبيلك وفي: فارقتك- أنها واحدة حتى ينوي أكثر؛ بنى أو لم يبن وهذا أصح قوله، قاله ابن القاسم وأشهب.
أبو محمد: وقاله ابن عبد الحكم واشهب في خليت سبيلك أنها ثلاث، ولا أنويه إلا أن تكون غير مدخول بها وهذا يقتضي أن المذهب في فارقتك أنها الواحدة إلا أن ينوي أكثر خلاف ما تقدم للمصنف في عده فارقتك من الكنايات الظاهرة.
وفي الجلاب: وقد اختلف قول مالك في فارقتك؛ هل هو من صريح الطلاق أو من كناياته؟ فإن جعلناه صريحًا فهو كقوله: أنت طالق، وإن جعلناه كناية، لزم به الطلاق ورجع إلى نيته في عدة المدخول بها وفي اللخمي: واختلف في فارقتك فحمله [٣٥٧/ أ] مالك مرة في الموازية على الثلاث، قل وبعد إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضًا: إن لم يدخل
[ ٤ / ٣٧٣ ]
بها فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر، وبعد الدخول ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضًا: هي واحدة وإن دخل إلا أن ينوي أكثر.
والقول بأنها واحدة دخل أم لا أحسن لأن الفراق واحد فرجح أيضًا القول بالواحدة، لكن قال في البيان: المعلوم من قول مالك في فارقتك أنها ثلاث في المدخول بها إذا لم تكن له نية، واختلف في التي لم يدخل بها فقيل: ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقيل: واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا.
ابن بشير: ولا خلاف أنه ينوي في غير المدخول في: خليت سبيلك، وإنما الخلاف في المدخول بها.
اللخمي: وفي: خليت سبيلك. ثلاثة أقوال: أحدها أنه ثلاث في المدخول بها وغيرها إلا أن يقول أردت فيهما واحدة، وإن قال: لم أرد طلاقًا فهو أشد وهي البتة.
وقال محمد: في قوله خليت سبيلك وسرحتك ذلك سواء وهي واحدة إلا أن يقول فيهما: لم أرد طلاقًا فيكون ذلك في سرحتك إذا حلف، ولا يقبل قوله في: خليت سبيلك؛ أنه لم يرد طلاقًا.
وقال ابن حبيب في: خليت سبيلك وخلية وسرحتك وفارقتك، سواء وهي الثلاث في المدخول بها حتى ينوي أقل فيحلف وإن لم يدخل فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر.
واعلم أنهم فرقوا بين قوله: خلية وخليت سبيلك وخليتك، فخلية من الكنايات الظاهرة كما تقدم، وفي خليت سبيلك ما ذكرناه، وأما خليتك فنص ابن المواز على قبول قوله فيها أنه لم يرد طلاقًا بخلاف خليت سبيلك، لأن استعمال هذه اللفظة في غير الطلاق أكثر من خليت سبيلك.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
الثَّالِثُ: مِثْلُ اسْقِنِي الْمَاءَ- فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الطَّلاقَ وَقَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وفِيهَا: كُلُّ كَلامٍ يَنْوِي بِهِ الطَّلاقَ فَهي به طالقُ ..
أي: الثالث من الأقسام الثلاثة السابقة وهو غير الصريح والكنايات، والشهور مذهب مالك وابن القاسم، ومقابله لأشهب قال: إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت ذلك.
قوله: (وفِيهَا: كُلُّ) استشهادًا للمشهور ونصها قيل فإن قال لها: حياك الله، يريد بذلك التمليك أو: لا مرحبًا يريد بذلك الإيلاء أو الظهار، قال مالك: كل كلام ينوي به الطلاق فهي به طالق فكذلك هذا.
ونص فيها على أنه إذا قال: اخرجي أو اتقنعي أو خزاك الله أو كلي واشربي ونوى بها الطلاق فإنه يلزمه الطلاق وكذلك يلزمه العتق إذا نواه بمثل هذه الألفاظ.
وقال القابسي في قوله في المدونة: لا مرحبًا بك، يريد بذلك الإيلاء هذا إذا قال: والله لا مرحبًا، وقصد بقوله: لا مرحبًا لا وطئتك وأما إن لم يذكر الله تعالى بلسانه فليس بيمين فيحتمل أن يكون ذلك مبنيًا على قول أشهب، ويحتمل أن يكون قال ذلك في الإيلاء وحده لأنه يمين، وغالب أيمان الناس إنما هي بأسماء الله تعالى، ومثل هذا اللفظ لا يصلح أن يقع موقع اسم الله تعالى بخلاف الطلاق والظهار قال في النكت: لأنه لا تكون لا مرحبًا عبارة عن اسم الله تعالى فأما إن قصد بلفظه لا مرحبًا مجردة على رقبة ولا وطئتك أو نحو هذا فيلزمه ذلك انتهى.
لكن ظاهر قول القابسي أنه شرط النطق باليمين ولم يكتف بالنية وذلك مذهب أشهب ونقل ابن راشد خلافًا بين المتأخرين في مسألة المصنف هل ذلك طلاق بالنية أو باللفظ والنية؟
[ ٤ / ٣٧٥ ]
الباجي: ومذهب ابن القاسم يقتضي أنه إنما وقع عليه الطلاق بالنية واللفظ، واستدل على ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك فيمن أراد أن يقول: أنت طالق، فقال: كلي واشربي، أنه لا يلزمه شيء. انتهى.
وفِيهَا: إِنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِالطَّلاقِ فَلَفَظَ بِهَذَا غَلَطًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ أَنَّهَا بِمَا تَلَفَّظَ بِه: طَالِقُ، وكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا أُمِّي، أَوْ يَا أُخْتِي، وشِبْهَهُ
تصوره ظاهر. ابن محرز وعبد الحميد: واختلف المذاكرون في هذه فرأى بعضهم أن عدم اللزوم هنا مبني على أن الطلاق بالنية لا يلزم، وعلى القول باللزوم بالنية يلزم هنا وأبى بعضهم ذلك لأنه لم يعقد أن يطلق بمجرد النية وإنما عقد أن يطلق بالنية واللفظ.
عبد الحميد: وهذا الأخير أظهر. ولم يأت في المدونة بقوله: يا أمي ويا أختي، على ما أورده المصنف ونصها: وإن قال لها يا أمي أو يا أختي أو يا عمتي أو يا خالتي، فلا شيء عليه وذلك من كلام أهل السفه.
وَالإِشَارَةُ الْمُفْهَمَةُ: مِنَ الأَخْرَسِ كَالصَّرِيحِ- كَبَيْعِهِ، وشِرَائِهِ، ونِكَاحِهِ، وقَذْفِهِ- ومِنَ الْقَادِرِ كَالْكِنايَةِ ..
نحوه في الجواهر وقوله: (ومِنَ الْقَادِرِ كَالْكِنايَةِ) أي فإن كانت لا تحتمل غير الطلاق حملت عليه، كما إذا قال: أنت طالق وأشار بأصابعه الثلاثة.
ابن عبد السلام: والتفرقة بين الأخرس وغيره ليست بظاهرة لأن الفعل لا يدل بذاته كما تقرر في أصول الفقه، وعلى هذا فينظر إلى القرائن التي انضمت إلى الإشارة فإن انقطع من عاين تلك الإشارة أنه فهم منها الطلاق كانت كالصريح في الأخرس وغيره وإلا فكناية فيهما. والله أعلم.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وإِذَا كَتَبَ بِالطَّلاقِ عَازِمًا عَلَيْهِ وَقَعَ نَاجِزًا
نحوه في المدونة.
ابن راشد وابن عبد السلام: ولا خلاف في ذلك لأنه [٣٥٧/ ب] وجدت النية والكتابة كالنطق وسواء أخرج الكتاب أم لا، وأقاموا من هذه المسألة أن من أتى إلى الموثق مع زوجته وقال: اكتب لهذه طلقة، فقال له الموثق: لا تفعل، فإن قال ذلك مجمعًا على الطلاق لزمه، ولا ينفعه قول الموثق: لا تفعل، ولم يفعل.
وكذلك إذا قال للشاهد: اكتب لهذه ثلاث تطليقات فقال: لا تفعل اجعلها واحدة، فإن كان مجمعًا لزمته الثلاث وكل ذلك يقع بنفس الكتابة.
وغَيْرَ عَازِمٍ بَلْ لِيُشَاوِر أَوْ يَنْظُرَ- فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ ولَمْ يَصِلْ فَرَدَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُصُولَهُ كَالنُّطْقِ أَوْ إِخْرَاجِهِ ..
يعني: إذا كتب لزوجته بالطلاق غير عازم بل ليشاور فله ثلاثة أحوال:
الأول: ألا يخرجه فلا يلزمه شيء، قال في الموازية وغيرها ويحلف أنه ما أراد به إنفاذ الطلاق ويدين.
الثانية: أن يصل إليها فيلزمه الطلاق من غير إشكال.
الثالثة: أن يخرجه من يده ويرده قبل أن يصل المشهور وهو مذهب المدونة: أنه لا يلزمه شيء.
والموازية والعتبية يلزمه، وقاله أشهب وأصبغ قال في الموازية: وسواء كان في الكتاب: أنت طالق أو إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، ويمكن أن يقال: بناءً على أن إخراجه قرينة في التزام الطلاق أم لا.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
فرع:
فإن لم تكن له نية ففي البيان: هو محمول على العزم، وقال اللخمي: هو محمول على عدمه وذكر فيه القولين السابقين، واختلف في صفة الكتاب إذا أحب الطلاق على ثلاثة أقوال:
قال ابن القاسم إذا كانت من ذوات الأقراء فيكتب: إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك، فإن كانت طاهرًا وقعت طلقة وإلا بقيت زوجة، قال: وإن كانت حاملًا كتب: إن كنت حاملًا أو طاهرًا بعد أن وضعت فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك.
وأجاز أشهب أن يكتب: إن كنت حائضًا فأنت طالق إذا طهرت بناء على أصله أن من علق الطلاق على الحيض أو الطهر لا ينتجز.
وقال ابن المعدل: يكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب ولا يكتب إذا طهرت. وأشار اللخمي وغيره إلى منشأ الخلاف إن قلنا أن منع طلاق الحائض غير معلل فيكتب كما قال ابن القاسم، وإن قلنا: معلل بالتطويل، فيجوز أن يوقع عليها الطلاق الآن إذ قد لا يصل الكتاب إلا بعد انقضاء عدتها.
بِخِلافِ قَوْلِهِ لِلرَّسُولِ يُبَلِّغُهَا فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ نَاجِزًا وإِنْ لَمْ يُبَلِّغْهَا
ابن راشد: لا خلاف في ذلك. ابن عبد السلام: ثم إن كان الزوج تقدم له الطلاق وكان كلامه للرسول إخبارًا عن ذلك فلا إشكال وإن كان إنما تكلم الآن بهذا الكلام مع الرسول فانظر هل هو طلاق بالنية فقط أو بالنية واللفظ؟ كقوله: اسقني الماء وهو الظاهر. والله أعلم.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
وَإِذَا بَاعَهَا أَوْ زَوَّجَهَا- فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ جَادًّا فَظَاهِرُ وَإِلا فَمُحْتَمَلُ
يعني: إذا باع زوجته، أو زوجها فقيل: ذلك من الكنايات الظاهرة، سواء كان جادًا أو هازلًا. وعلى هذا يختلف في اللازم بسبب ذلك. وقيل: من الكنايات الخفية، وعلى هذا فقيل قوله في نفيه وعدده.
وقيل: بالفرق بين الجاد والهازل، وهو ظاهر ولم يذكر الأصحاب الأقوال هكذا والذي ذكروه في البيع أربعة أقوال:
الأول لمالك وابن القاسم وابن نافع وسحنون: أنها بائنة، زاد سحنون: إن غاب عليها المشتري أو لم يغب.
ابن القاسم: فإن فعل ذلك لمسغبة أو أقرت له بالرق فإنهما يعذران بالجوع ولا تحد وتكون طلقة بائنة.
وبلغني ذلك عن مالك ويرجع عليه المشتري بالثمن.
الثاني لابن وهب: أن بيعه لها لا يكون طلاقًا، فإن طاوعته وأقرت أن المشتري أصابها طائعة فعليها الرجم.
الثالث لأصبغ: إن باعها أو زوجها هازلًا فليس بطلاق وإن كان جادًا في الوجهين فهو البتات.
الرابع لابن عبد الحكم: أنه ببيعها قد حرمت عليه كالموهوبة وبه قال أصبغ أيضًا.
عبد الحميد: وينبغي أن يحلف بالهزل في عدم اللزوم على قول أصبغ كما إذا أتى مستفتيًا، وقال: ليس عليه بينة، وقال: لم أرد الطلاق ولا التحريم.
وصوب اللخمي قول ابن وهب وقال: وهو قول مالك لأن البيع إنما يتضمن التمكين منها ولا خلاف أن من مكن من زوجته من غير بيع أنه ليس بطلاق، وقد يبيعها
[ ٤ / ٣٧٩ ]
ويواطؤها على أن تهرب، أو يأمرها أن تثبت حريتها. وفي ما قاله نظر؛ لأن بيعها يتضمن التمليك المؤبد ولا يكون ذلك إلا بالبينونة.
اللخمي وغيره: وتتخرج هذه الأقوال في ما إذا زوجها. قال بعضهم: اختلف في من باع زوجته أو زوجها أو مثل بها فقيل: ذلك الطلاق الثلاث، وقيل: وليست هذه الأقوال منصوصة في كل مسألة من هذه الثلاث، ولكن نص في بعضها ما لم ينص في البعض ويتخرج من بعضها في بعض.
وَلَوْ أَوْقَعَ الطَّلاقَ بِقَلْبِهِ خَاصَّةً جَازِمًا- فَرِوَايَتَانِ
قال القرافي: من عزم على طلاق امرأته ثم بدا له فلا يلزمه إجماعًا، وكذلك من اعتقد أنها مطلقة ثم تبين له أنها غير مطلقة لم يلزمه الطلاق إجماعًا.
والخلاف إنما هو إذا أنشأ [٣٥٨/ أ] الطلاق بقلبه بكلامه النفساني، والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل الخلاف من أهل المذهب.
القرافي: وهو المشهور، والقول باللزوم لمالك في العتبية؛ قال في البيان والمقدمات: وهو الصحيح.
وقال ابن راشد: هو الأشهر.
ابن عبد السلام: والأول أظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنيةوالقول فوجب أن يكون حلها كذلك، وإنما يكتفي بالنية في التكاليف المتعلقة بالقلب لا في مابين الآدميين.
وَلِلْحُرِّ ثَلاثُ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى الْحُرَّةِ والأَمَةِ، ولِلْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانٍ فِيهِمَا
هذا مذهبنا أن الطلاق معتبر بالرجال فقط، والعدة معتبرة بالنساء لأن الله تعالى أضاف الطلاق للرجال فوجب أن يعتبر بهم قال الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
[ ٤ / ٣٨٠ ]
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ﴿إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى غير ذلك من الآي، وفي معنى العبد كل من فيه شائبة حرية.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً ونَوَى الثُّلاثَ وَقَعَتْ
نحوه في الجواهر، ويحتمل قوله: (وَاحِدَةً) على أنه أراد إيقاع الثلاث مرة واحدة، أو كلمة واحدة.
وفي المدونة: وإن قال لها: أنت طالق تطليقة ونوى اثنتين أو ثلاث فهو ما نواوإن لم ينو شيئًا فهي واحدة. وهذه المسألة أشد من مسألة المصنف لأنه لا يبعد ذلك التقدير في قوله: (تطليقة) وقد تردد بعضهم في ما زاد على الواحدة هل يلزم ذلك بالنية؟ أم النية واللفظ؟ فكان كـ (اسقيني الماء).
وَفِيهَا: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ بِالثَّلاثِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وسَكَتَ فَهِيَ وَاحِدَةُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِطَالِقُ الثَّلاثَ ..
تصوره واضح، وحكى ابن حارث في من قال: أنت طالق ونيته أن يقول البتة، فقيل له: اتق الله، فسكت عن البتة. عن المدونة أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعن مالك من رواية ابن نافع أنه تلزمه البتة بالنية.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ، أَنْتِ طَالِقُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقُ طَالِقُ طَالِقُ فَثَلاثُ ويُنَوَّي فِي التَّاكِيدِ، وكَذَلِكَ لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقًا عَلَى مُتَّحِدٍ بِخِلافِ الْيَمِينِ بِاللهِ والظِّهَارِ ..
إنما لزمه الثلاث إلا أن ينوي التأكيد، لأن الأصل التأسيس، ومثل بمثالين تنبيها على أنه لا فرق بين أن يعيد المبتدأ وهو (أنت) أم لا، ومثل قوله: (أَنْتِ طَالِقُ طَالِقُ طَالِقُ) لو قال: اعتدي اعتدي اعتدي، قاله في المدونة، وروى مالك في تكرار اعتدي أن ذلك
[ ٤ / ٣٨١ ]
واحدة إلا أن ينوي الثلاث، وكذلك قال ابن نافع في تكرار قوله: أنت طالق، أنه محمول على التأكيد حتى ينوي بالثانية طلقة أخرى وقال في الواضحة في تكرار أنت طالق ثلاثًا ولا ينوي، وقوله: (وكَذَلِكَ لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقًا عَلَى مُتَّحِدٍ) مثاله أن يقول مرتين أو ثلاثًا أنت طالق إن كلمت فلانًا ويدخله الخلاف المتقدم.
وقوله: (بِخِلافِ الْيَمِينِ بِاللهِ والظِّهَارِ) أي فإنه محمول على التأكيد ما لم ينو كفارات، وقد تقدم الفرق بين ذلك في باب الأيمان قال في المدونة: ولو قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن كلمت فلانًا، فكلمته طلقت ثلاثًا إلا أن ينوي واحدة ويريد بالبقية إسماعها وذكر في العتبية عن مالك في هذه أنها تطلق ثلاثًا ويحتمل تعليقه بالشرط ندمًا.
أَمَّا لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقًا عَلَى مُخْتَلِفٍ تَعَدَّدَ ولا يُنَوَّي
كما لو قال إن كلمت زيدًا فأنت طالق وإن خرجت اليوم فأنت طالق، وإن لبست الثوب الفلاني فأنت طالق، فلبست الثوب وخرجت ذلك اليوم وكلمت زيدًا. وإنما لم ينو هذا لأنه مع الاختلاف ولا يحتمل التأكيد.
إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وكَانَ مُتَتَابِعًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وإِلا فَوَاحِدَةً
أي: فإن كانت الزوجة غير مدخول بها وكان كلامه متتابعًا فإن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق نسقًا، فالمشهور أنه كذلك تلزمه الثلاث إلا أن ينوي التأكيد، واحترز بمتتابع مما لو لم يتابعه فإنه لا تلزمه إلا واحدة بالاتفاق لبينونتها بالأولى فلا تجد الثانية لها محلًا وإليه أشار بقوله: وإلا فواحدة.
ومقابل المشهور للقاضي إسماعيل ومنشأ الخلاف هل الكلام بآخره؟ وكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا أو بمجر قوله: أنت طالق، قد بانت فلا يمكن وقوع الثانية بدليل أن له يتزوج خامسة وأختها بإثر نطقه بالقاف من قوله: أنت طالق من غير مهلة، ومثل هذه المسألة ما لو أتبع الخلع طلاقا هل يلزمه أم لا؟
[ ٤ / ٣٨٢ ]
فرع:
واختلف إذا قال أنت طالق ثلاثًا أنت طالق إن فعلت كذا، فقال مالك: يلزمه بقوله الأول، والثاني ندم. وقال ابن القاسم يحلف ما كان ذلك منه إلا تكرارًا ثم هو على يمينه. اللخمي وهو أبين.
وَبِالْفَاءِ وثُمَّ ثَلاثُ- فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ولا يُنَوَّى-، ووَاحِدَةُ فِي غَيْرِهَا، قَالَ مَالِكُ: وفِي النَّسَقِ بِالواو إِشْكَالُ، قال ابن القاسم: رأيت الأغلب عليه أنه مِثْل ثُمَّ ولا يُنوّى وهو رأيي.
يعني: إذا كرر الطلاق (َبِالْفَاءِ) أو (ثُمَّ) فقال: أنت طالق فطالق فطالق، أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق فتلزمه ثلاث في المدخول بها ولا ينوي في إرادة الواحدة، وهكذا قال [٣٥٨/ ب] في المدونة، وقيل: ينوى في العطف بالفاء أو ثم ووجهه أن العطف قد سمع في التأكيد كقولك: والله ثم والله لأفعلن ويلزمه طلقة واحدة في غير المدخول بها، وهكذا قال في الجواهر. ولم أر نصًا يوافقهما.
ووجهه ما قالا أن غير المدخول بها تبين بالواحدة والعطف بثم أو بالفاء يقتضي التراخي وقد يعترض علي ذلك بأن المهلة المستفادة منهما إنما هي في غير الإنشاء كقولنا في الإخبار: طلقت فلانة، ثم طلقتها يخبر بذلك على أمر قد وقع وأما إذا كان الكلام إنشاءً فلا؛ لاستلزام الإنشاء الحال على أن الفاء وثم قد لا يأتيان للترتيب كما في الحديث: "توضأ فغسل وجهه ويده ومسح رأسه وغسل رجليه".
وكقول الشاعر:
جرى في الأنابيب ثم اضطرب
[ ٤ / ٣٨٣ ]
وقوله: (قَالَ مَالِكُ: وفِي النَّسَقِ بِالواو إِشْكَالُ .. إلى آخره). يعني أن مالك ﵀ قال: وفي العطف بالواو إشكال، هل ذلك كالفاء، وثم فيلزمه الثلاث في المدخول بها أو لا ينوى لأن العطف يقتضي المغايرة أو لا تلزمه إلا واحدة.
والفرق بين الفاء وثم وبينها أن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب ولا للمعية. فكأن ذلك كغير العطف، هذا تقرير الإشكال وهو يدل على سعة علم مالك بالعربية، وتبحره فيها، ولا يقال العطف يمنع التأكيد، ويوجب أن يكون ذلك كـ (ثم) لأن القاضي إسماعيل حكى أن الرجل من العرب يقول: أنت محسن وأنت محسن يريد الإحسان الأول.
ولما كان هذا مرجوحًا كان الأغلب على مالك أنها كـ (ثم) فتلزمه الثلاث ولا ينوي وهو رأي ابن القاسم. وحكى ابن شعبان قولًا أنه ينوي في النسق بالواو.
ورأى اللخمي أنه ينوي في العطف بالواو إذا جاء مستفتيًا، قال: وليس قبح عطف الشيء على نفسه مما يوجب عليه طلاقًا لم ينوه.
وروي عن الحسن في من قال لامرأته: أنت طالق فاعتدي، فهي واحدة وإن قال: أنت طالق واعتدي، فهي اثنتان. وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا قال أنت طالق واعتدي فهي طلقتان ولا ينوى وإن قال: أنت طالق اعتدي، أو أنت طالق فاعتدي لزمه اثنتان، إلا أن ينوي واحدة.
عبد الحق: والذي تقدم للحسن إذا قال أنت طالق فاعتدي أنها واحدة أصوب ونقل اللخمي عن ابن عبد الحكم مثل قول الحسن؛ فقال: وقال ابن عبد الحكم: إذا قال أنت طالق اعتدي، أو فاعتدي ليس عليه إلا طلقة بائنة.
اللخمي: وهو أبين. أي من قول ابن القاسم.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَهُ لأَجْنَبِيَّةٍ، وقَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ
يعني: أن حكم الأجنبية في التعليق حكم الزوجة، فإذا قال: أنت طالق طالق طالق إن تزوجتك لزمه الثلاث إلا أن ينوي واحدة وإذا عطف بالفاء أو بـ (ثم) لم يلزمه إلا واحدة.
أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ مَعَ طَلْقَتَيْنِ وشِبْهِهِ وَقَعَتِ الثَّلاثُ فِيهِمَا.
أي: في المدخول بها وغيرها (وشِبْهِهِ) أي مما يدل على المعينة كقوله: مصحوبًا أو مقرونًا بطلقتين، أو: أنت طالق فوق طلقتين وإن قال: أنت طالق قبل طلقة، أو: بعد طلقة؛ طلقت اثنين.
قال في الجواهر: ولو قال أنت طالقة مع طلقة أو معها طلقة أو تحت طلقة وقعت طلقتان بعد الدخول كان ذلك أو قبله.
ولو قال: للمدخول بها أنت طالق قبل طلقة أو بعد طلقة أو بعدها طلقت طلقتان.
ابن عبد السلام: وقيد بعضهم مسائل القبلية والبعدية بالمدخول بها، ولا يظهر هذا التقييد بإن اجتماع الطلقتين والطلقات حصل في كل واحدة من الصور إما بلفظ مع وهو ظاهر وإما بلفظ قبل أو بعد وهو كحرف العطف وقد سبق.
وَالتَّجْزِئُة تُكَمَّلُ ويُؤَدَّبُ
يعني: من جزأ الطلاق فقال: أنت طالق نصف طلقة أو ربع طقة أو غيرها من الأجزاء كملت عليه تلك الطلقة لأن الطلاقة لا تتبعض كما كملناها للعبد وجعلنا طلاقه اثنتين وكما كملنا عدة الأمة وجعلناها حيضتين، ورأى بعض الأئمة خارج المذهب أنه لا يكمل عليه الطلقة.
ابن القاسم وغيره: ويوجع ضربًا وهو معنى قوله: (ويُؤَدَّبُ) قالوا لأنه ليس على أحكام المسلمين. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون لمخالفته سنة الطلاق، لأن الله عز
[ ٤ / ٣٨٥ ]
وجل بين عدد الطلاق وزمانه وقال بعد بيان زمانه: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [الطلاق: ١].
أَمَّا لَوْ قَالَ: نِصْفَيْ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ فَوَاحِدَةُ
لأنه إذا قال: نصفي طلقة فقد أتى بمجموع أجزاء طلقة فكان كمن قال: أنت طالق طلقة، وإذا قال: نصف طلقتين احتمل أن يريد طلقة واحدة لأنها نصف طلقتين طلقة وهو المتبادر إلى الفهم، واحتمل أن يريد نصف كل طلقة. وعلى هذا الاحتمال فكان يلزمه اثنتان غير أنه مرجوح فلذلك لم يعتبر.
وَقَالُوا فِي نِصْفٍ ورُبُع طَلْقَةٍ: طَلْقَةُ، وفِي نِصْفِ طَلْقَةٍ ورُبُعِ طَلْقَةٍ: طَلْقَتَانِ
كأنهم رأوا في المثال الأول أن الجزئين أو الأجزاء راجعان إلى ماهية واحدة فتلزمه طلقة واحدة، ومثال آخر: لو قال أنت طالق نصف وربع وثمن طلقة.
ورأوا في المثال الثاني إذا أضاف كل جزء إلى طلقة لتعدد لأن الاسم إذا كرر بلفظ التنكير كان محمولًا على التعدد بخلاف تكرير المعرفة أو إعادة النكرة [٣٥٩/ أ] بلفظ المعرفة فإن ذلك محمول على عدم التعدد. مثال تكرير النكرة والمعرفة قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: ٥ - ٦] ولهذا قال ﵊ "لن يغلب عسر يسرين".
ومثال إعادة النكرة بلفظ التعريف قوله تعالى: (َمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١٥ - ١٦] ويلزم على هذا لو قال: أنت طالق نصف طلقة وربع الطلقة أنه لا يلزمه إلا واحدة، وكأن المصنف استشكل الفرق ببين المثالين ألا ترى إلى قوله: (قَالُوا) لأن النصف في المثال الأول مضاف في التقدير إلى مثل ما أضيف إليه الربع كما في قول الشاعر:
بين ذراعي وجبهة الأسد
[ ٤ / ٣٨٦ ]
والمنوي عند أئمة اللسان في حكم الملفوظ به، فلا فرق بين المثالين على هذا التقدير، وانظر لو ذكر في المثال الأول أجزاء تزيد على طلقة هل تلزمه طلقتان؟ أو يكون ذلك قرينة في أن كل جزء يختص بطلقة كما لو قال: أنت طالق نصف وثلث وربع طلقة.
وَلَوْ قَالَ: الطَّلاقُ كُلُّهُ إِلا نِصْفَ الطَّلاقِ فَثَلاثُ لأَنَّ مَعْنَاهُ إِلا نِصْفَ كُلٍّ طَلْقَةٍ
لأنه لما أكد الطلاق الأول بقوله: (كُلُّهُ) ولم يؤكد الطلاق الثاني، ولا أتى به بضمير كان ذلك قرينة تدل على أن المراد بالثاني غير الأول، والأول الطلاق المحمول على الثلاث فيتعين أن يكون المراد بالثاني الطلاق المحمول على الواحدة فيصير كأنه قال: أنت طالق طلقتين ونصف أو أنت طالق الطلاق كله إلا نصف طلقة، ولعل هذا أقرب من تعليل المصنف أن معناه إلا نصف كل طلقة ولو قيل في المثال المذكور بلزوم طلقتين فقط ما بعد، ومقتضى كلامه في الجواهر: أنه قول منصوص؛ لأنه قال: وإن قال الطلاق كله إلا نصف الطلاق لزمه طلقتان ولو قال: إلا نصف الطلاق وطلقت ثلاثًا من جهة أن هذا الطلاق يصح أن يكون واحدة فيصير كأنه استثنى نصف طلقة فتصير ثلاثًا وقيل: يصح أن تكون هذه المسألة كالتي قبلها وتكون الألف واللام في الطلاق للجنس. انتهى.
وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعٍ: بَيْنَكُنَّ وَاحِدَةُ إِلَى أَرْبَع؛ طُلِّقَنْ طَلْقَةً طَلْقَةً
قوله: (إِلَى أَرْبَع) أي إلى أربع طلقات لأنه إذا قال لأربع: بينكن طلقة ناب كل واحدة ربع طلقة، ولو قال: بينكن طلقتان ناب كل واحدة نصف طلقة، وإن قال: بينكن ثلاث، ناب كل واحدة ثلاثة أرباع الطلقة فيكمل لكل واحدة طلقة طلقة، وإن قال: بينكن أربع ناب كل واحدة طلقة كاملة، وهذا مذهب المدونة وهو مبنى على اعتبار أنه يحصل لكل واحدة من الجملة، وقيل: يعتبر ذلك من كل طلقة، فإن قال لأربع: بينكن أربع؛ طلقن ثلاثًا ثلاثًا؛ قال في البيان: وهذا الخلاف مبني على الخلاف في من صرف دراهم بدنانير فيوجد فيها درهم زائف، هل ينتقض صرف دينار واحد أو الجميع؟
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وعلى الأول فإن قال لأربع: بينكن خمس إلى ثمان، وقع على كل واحدة اثنتان وإن قال تسع إلى اثنى عشر بانت كل واحدة بثلاث.
وَقَالَ سَحْنُونُ: إِذَا قَالَ: شَرَكْتُكن طُلَّقنَّ ثَلاثًا ثَلاثًا
هذا الفرع لسحنون في كتاب ابنه، ونص في الكتاب المذكور على موافقة سحنون للمذهب في المسألة الأولى، والفرق بينهما عنده أن الشركة تقتضي الاشتراك في أجزاء كل طلقة بخلاف ما إذا قال: بينكن يقسم الجملة المسماة عليهن.
ابن يونس: ولو قال قائل: إن الفرعين سواء؛ لم أعبه إذ لا فرق بين (بينكن) أو (شَرَكْتُكن).
ونسب المصنف هذا الفرع لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا ولأُخْرَى: وأَنْتِ شَرِيكَتُهَا، ولأُخْرَى: وأَنْتِ شَرِيكَتُهُمَا- طُلَّقَتِ الْوُسْطَى اثْنَتَيْنِ، والأُخْرَيَانِ ثَلاثًا ثَلاثًا ..
هذا الفرع لأصبغ في العتبية، وأتى به غير منسوب لقائله وكأنه عنده موافق لأصل المذهب، بخلاف قول سحنون. ووجهه ظاهر لأنه طلق الأولى ثلاثًا ولما أشرك الثانية معها فكأنه ألزم نفسه فيها طلقة ونصفًا فتكمل عليه طلقتان، ثم أشرك معها الثالثة فيخصها من الأولى طلقتان ومن الثانية طلقة.
وحكى بعضهم قولًا آخر بلزوم الثلاث في الوسطى أيضًا ولعله أخذه من قول سحنون.
وَنَحْوَ: يَدُكِ، أَوْ رِجْلُكِ كَالتَّجْزِئَةِ
يعني: أن الطلاق كما يكتمل بتجزئته فكذلك يقع إذا طلق عضوًا، ولا أعلم في هذا خلافًا عندنا.
سحنون: وكذلك لو طلق ثلثها أو غير ذلك من أجزائها.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
وَفِي نَحْوِ: شَعْرُكِ أَوْ كَلامُكِ- قَوْلانِ
القول باللزوم لأصبغ فيهما، قال: وشعرها من محاسنها حتى يزايلها، قال: وكذلك ريقها.
وقاله أشهب في الكلام. والقول بعدم اللزوم فيهما لسحنون، وقاله ابن عبد الحكم في الكلام. وشبه ابن عبد الحكم الكلام بالسعال.
محمد: وليس كلامها بمنزلة شيء من جسدها، قال وقد أمر أزواج النبي ﷺ بالحجاب وكان يسمع كلامهن ويكتب عنهن الحديث.
ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر.
اللخمي: ولا تحرم بالسعال لأنه ليس مما يلتذ به ولا بالبزاق، لأن البزاق إنما يقع على ما فارق [٣٥٩/ ب] الفم وطرح، وتحرم بتحريم الريق لأنه يقع على ما في الفم قبل المفارقة وهو مما يلتذ به.
وأما الكلام فإن قصد تحريم استماعه لم تحرم، وإن قصد تحريم الالتذاذ به حرمت، لا سيما إذا كانت رخيمة الكلام، وكذلك الشعر وهو مما يلتذ به. وأشار الباجي إلى أنها لا تحرم بالدموع.
ابن عبد السلام: وحكى بعضهم في السعال والبزاق قولين، ولم أقف في السعال للمتقدمين إلا على عدم اللزوم.
وَالاسْتِثْنَاءُ مُعْتَبَرُ بِشَرْطِ الاتِّصَالِ وعَدَمِ الاسْتِغْرَاقِ
قد تقدم في باب الأيمان أنه يشترط في الاستثناء الاتصال وأنه لا يقدح في ذلك سعال ونحوه.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
وقد حكى العلماء الإجماع على بطلان الاستثناء المستغرق ولا يقال هذا الإجماع منقوض بما حكاه ابن طلحة أن المشهور في من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا- لزوم الثلاث.
وقيل: لا يلزمه شيء لأن الطلاق والإقرارات مبنية على العرف، فلعل القائل بعدم اللزوم إنما قال ذلك للعرف لا لصحة هذا الكلام في اللغة.
والاستغراق عبارة عن أن يكون العدد المستثنى منه أو أكثر.
وَلا يُشْتَرَطُ الأَقَلُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ
لا يشترط في صحة الاستثناء أن يكون الباقي أكثر مما أخرج على المنصوص، بل يجوز استثناء الأكثر، وحكى اللخمي قولًا آخر بأنه لا يصح استثناء الأكثر قال: وقاله عبد الوهاب في مقدمة الأصول.
اللخمي: ويختلف في هذا إذا طلق اثنتين إلا واحدة لكن الواحدة من الاثنين ليست الأقل.
وَلذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً واثْنَتيْنِ إِلا اثْنَتَيْنِ- فَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَمِيعِ فَطَلْقَةُ وإِلا فَثَلاثُ ..
أي: ولأجل بطلان الاستثناء المستغرق وصحة استثناء الأكثر (لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً واثْنَتيْنِ إِلا اثْنَتَيْنِ) فإن أعاد المتكلم الاستثناء إلى الجميع لزمه طلقة واحدة لأنه أخرج اثنتين من الثلاث وإن لم يعده للجميع بل أعاده للاثنتين لزمه الثلاث لكونه حينئذ مستغرقًا وكذلك تلزمه الثلاث إذا أعاده للأول من باب أولى.
وَلَوْ قَالَ: ثَلاثًا إِلا ثَلاثًا إِلا وَاحِدَةً طُلِّقَتِ اثْنَتيْنِ وفِيهِ نَظَرُ، والأَوْلَى وَاحِدَةُ
(طُلِّقَتِ اثْنَتيْنِ) لأن قوله: (إِلا ثَلاثًا) مستغرق فبطل ثم أخرج من الثلاث واحدة فلذلك لزمه اثنتان.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
قال المصنف: (وفِيهِ نَظَرُ، والأَوْلَى وَاحِدَةُ) وكلامه يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد الأولى في النظر مع كونه لم ير ذلك لغيره ويحتمل والأولى مع كونه قد رآه لغيره.
وقد نقل المازري في شرح التلقين عن بعض العلماء ما ذكره المصنف أنه الأولى ووجهه أنه يلزم من المذهب- الأولى مخالفة قصد المتكلم؛ لأن الناس إنما يقصدون إخراج الثالث من الثاني وعلى هذا فيكون قد أبطل الثلاث بقوله: (إِلا ثَلاثًا) ثم أثبت واحدة، فإن قيل: يلزم على ما اختاره المصنف صحة الاستثناء المستغرق؛ قيل: عد المصنف جميع أجزاء هذا الكلام جملة واحدة ورأى أن الاستثناء المستغرق هو الذي يقتصر المتكلم عليه، وفي هذه الصورة لما أخرج منه واحدة لم يبق مستغرقًا وحكى المازري قولًا ثالثًا عن بعض العلماء بإلزام الثلاث، لأن قوله: (إِلا ثَلاثًا) لغو، لاستغراقه؛ وما هو لغو يمنع الاستثناء منه وهذه المذاهب كلها مبنية على القواعد اللغوية وينبغي هنا الإقرار أن يراعى في ذلك العرف فقط.
وَلَوْ قَالَ: ثَلاثًا إِلا اثْنَتيْنِ إِلا وَاحِدَةً طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ
لأن القاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس، فقوله: أنت طالق ثلاثًا، إثبات فيكون قوله: إلا اثنتين، نفيًا أخرج به اثنتين فصار اللزوم واحدة ثم أثبت أخرى بقوله: (إلا واحدة).
وَكَذَلِكَ الْبَتَّةَ عَلَى الأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَتَبعض أَمْ لا
يعني: أن الأصح أن البتة مرادفة للثلاث فإذا قال: أنت طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة طلقت اثنتين وكذلك سائر الأمثلة هي كالثلاث، وبه قال أشهب وسحنون، ولسحنون أيضًا: لا يصح الاستثناء منه فتلزمه الثلاث بناءً على أنها لا تتبعض.
[ ٤ / ٣٩١ ]
فَلَوِ اسْتَثْنَى مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ- مِثْلَ: خَمْسًا إِلا اثْنَيْنِ، فَقِيلَ: ثَلاثُ، وقِيلَ: وَاحِدَةُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الزَّائِدِ أَوِ الْغَايَةِ وعَلَيْهِمَا: أَرْبَعًا إِلا ثَلاثًا، أو مئة إلا تسعًا وتسعين
نحوه في الجواهر ومعنى إلغاء الزائد أو اعتباره أنه ليس في الشرع إلا ثلاث تطليقات، فهل يكون ما زاد عليها ملغي؟ ويعد المتكلم كأنه لم يتكلم به لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا. وهو قول سحنون الأول، أو يقال: المتكلم قصده فلا يلغى، وهو الذي رجع إليه سحنون في المجموعة. وهو الأقرب لما قدمنا أنه ينبغي الرجوع في هذا الباب إلى العرف، ولأن محاشاة الزوجة في: الحلال علي حرام؛ يصح على المذهب كما تقدم في باب الأيمان، وإن كان غير الزوجة لا يصح أن يراد شرعًا.
قوله: (فَقِيلَ: ثَلاثُ) أي بناءً على اعتبار الزائد، (وقِيلَ: وَاحِدَةُ) بناءً على الغاية لأن ما زاد على الثلاث عند هذا القائل ملغي فكان كمن استثنى الاثنتين من الثلاث وعليهما أربعًا إلا ثلاثًا فعلى اعتبار الزائد تلزمه واحدة وعلى الغاية تلزم الثلاث، ومثل بتسعة وتسعين أيضًا، ولم يكتف بالمثالين الأولين إشارة إلى أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة في طرف المستثنى منه أو في طرف المستثنى [٣٦٠/ أ] والمستثنى منه. والله أعلم.
ولَوْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى مُقَدَّرٍ فِي الْمَاضِي فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعًا عَقْلًا أَوْ عَادَةً حَنِثَ
أي: إذا (عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى مُقَدَّرٍ) أي على فعل يقدر وقوعه على صفة في الزمان الماضي فإن كان المقدر (مُمْتَنَعًا) في العقل أو العادة (حَنِثَ) مثال الممتنع عقلًا: علي الطلاق لو جئتني أمس لجمعت بين وجودك وعدمك، أو لجمعت بين الضدين، ومثال الممتنع في العادة: لو جئتني أمس لدخلت بك الأرض أو لرفعتك إلى السماء حنث؛ لأنه حلف على ما لا يبر فيه، ومثل ابن عبد السلام الممتنع عقلًا بما مثلنا به الممتنع عادة وليس بظاهر لأن العقل يجوز كل شيء لو فرض لم يلزم منه محال لذاته.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
وَكَذَلِكَ الشَّرْعِيُّ، مِثْلُ: لَوْ جِئْتُ أَمْسِ لأَقْتُلَنَّك عَلَى الأَصَحِّ، مَا لَمْ يَقْصِدْ مُبَالَغَةً فِي جَائِزٍ فَكَالْجَائِزِ ..
أي: وكذلك يحنث في الممتنع شرعًا (عَلَى الأَصَحِّ) ومثاله ما ذكر، والأصح مذهب المدونة قال فيها في من قال لرجل: امرأتي طالق لو كنت حاضرًا لشرك مع أخي لفقأت عينك-: هو حانث لأنه حلف على شيء لا يبر فيه.
ونقل حمديس عن مالك قولًا آخر في هذه المسألة بعدم الحنث، ووقع لمالك في رجل جذب ثوب آخر فقال: امرأتي طالق لو شققته لشققت بطنك، أنه قال: يستغفر الله ولا شيء عليه.
ابن بشير: ولم يذكر عليه يمينًا ونقل ابن راشد أن ابن يونس نقل في هذه المسألة أن مالكًا قال: يحلف بالله لو خالف ليفعل ثم لا شيء عليه. وقال ابن القاسم: لا يعجبني وهو حانث كالذي حلف لو كنت حاضرًا لشرك مع أخي لفقأت عينك، ولم أر ما نقله في ابن يونس عند كلامه على هذه المسألة.
عياض: ولو حلف على مثل هذا فيما يأتي لا يختلف في أنه لا يمكن من ذلك، وتطلق عليه إلا أن يتجرأ فيفعله قبل فيبر في يمينه، وأما ما يمكن فعله أو يباح في المستقبل فلا يحنث بالاتفاق.
وقوله: (لأَقْتُلَنَّك) صوابه لقتلتك بلفظ الماضي لأن (لو) لا يكون جوابها إلا ماضيًا كما قرر في علم العربية قاله ابن عبد السلام.
وجوابه إن لأقتلنك جواب قسم محذوف. وقوله: (مَا لَمْ يَقْصِدْ إلى آخره) يعني في جائز عقلًا فيكون كالجائز شرعًا فلا يحنث به على أحد القولين في الجائز، وإنما يحنث إذا أراد حقيقة الفعل.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
ابن بشير: وإذا أخرجت الأيمان على قصد المبالغة والتفتا إلى المقاصد لم يقع حنث وإن لم يحصل جميع ما يتناوله اللفظ، وإن التفتنا إلى الألفاظ وجب الحنث، واستدل من التفت إلى المقاصد بقوله: ﷺ في أبي جهم "لا يضع عصاه عن عاتقه" ومن هذا أن يحلف أن هذا الطير لا يسكت وإنما يريد كثرة صياحه. انتهى.
وعلى هذا فيكون قوله: (كَالْجَائِزِ) أي فيجري فيه قولان، ولم يحك ابن بشير في هذه المسألة خلافًا بل قال: وإن شرطه بصفة ممتنعة عادة أو شرعًا كقوله: لو جئت أمس لأدخلنك، يريد في الأرض أو لأقتلنك، فإن أراد حقيقة الفعل حنث، وإن أراد المبالغة لم يحنث.
وقال ابن عبد السلام: يعني ما لم يقصد في كل واحد من القسمين السابقين، أو في أحدهما المبالغة فيعبر مثلًا عن القصاص الذي وجب لأخيه على هذا المحلوف عليه بالقتل أو بالدخول في الأرض وما أشبه ذلك، وهو مراده بقوله: (في جائز منكرًا) احترازًا من أن يعبر بذلك عن ممتنع شرعًا أيضًا أو عادة كضربه ألف سوط مثلًا، فإذا عبر بذلك عن جائز شرعًا أو عادة وهو الذي يلي هذا الكلام.
قال ابن عبد السلام: وعلى هذا فاستعمال المصنف الجائز في القدر المشترك بين الجائز في الثلاثة وقد اجتمعت الثلاثة في قوله:
وَإِنْ كَانَ جَائِزًا مِثْلَ: لَوْ جِئْت أَمْس لأَقْضِيَنَّكِ حَقِّكِ حَنِثَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ
لما شبه بالجائز أراد أن يبين حكمه، فإن قيل: لا نسلم أن هذا جائز شرعًا بل واجب، قيل: المسألة أعم من الوجوب والجواز، لاحتمال أن يكون الدين لم يجب قضاؤه وحينئذ إما لأن الأجل لم يحل أو لغير ذلك.
وفي قوله: (عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ) إشارة أنه لا يحنث عند غيره، وهو كذلك فإن عبد المالك قال: لا يحنث، ورأى ابن القاسم أنه لما احتمل أن يقضيه وحصل الشك فتطلق
[ ٤ / ٣٩٤ ]
عليه إذ لا يقدم على فرج مشكوك فيه. ورأى عبد الملك أن الشك لا عبرة به استصحابًا للعصمة المحقق وجودها. وقوله: (لأَقْضِيَنَّكِ) هو كقوله: (لأقتلنَّك).
وإِذَا عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ- فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعًا مِثْلَ أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمَسَتِ السَّمَاءَ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَصَحِّ، وكَذَلِكَ إِنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ أَوِ الْمَيِّتُ أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ ..
لم يحنث على الأصح لأنه علق الطلاق بشرط لا يوجد والمشروط لا وجود له بدون شرطه، وحنث في مقابل الأصح إما لهزله وإما لأنه لما طلق ندم فعلقه بلمس السماء ونحوه، والأصح قول ابن القاسم في المدونة، ومقابله لسحنون، وروى مثله عن ابن القاسم. ومثل: (إن لمست السماء)، إن ولجت في سم الخياط.
قوله: (أو الحجر) الأصح فيه مذهب المدونة، ومقابله لسحنون، [٣٦٠/ ب] وذكر عبد الوهاب في ذلك روايتين وقال: اللزوم أصح. وقال المازري: المشهور لزوم الطلاق وفيهما نظر لمخالفة المدونة والله أعلم.
وقوله: (أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ) يريد ولم يشأ ففي المدونة: وإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم أو كان ميتًا فلا حنث عليه. ونص اللخمي على أنه إن مات فلان قبل أن يقضي أو يعلم هل قضى بشيء أم لا؟ لأنه لا شيء على الحالف. وفي الكافي: إن علق المشيئة بآدمي، لم تطلق حتى يعلم أنه شاء، فإن لم يعلم مشيئته لم تطلق عليه.
ابن عبد السلام: والأقرب أنه إن علم أن فلانًا نظر في اليمين ولم يعلم هل شاء الطلاق أم لا؟ أن يجري على الشك في الحنث كما سيأتي.
فَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقًا ويُشْبِهُ بُلُوغُهُمَا عَادَةً مِثْلَ: إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ إِذَا مَاتَ فُلانُ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزًا ثُمَّ لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد لأَنَّهُ عَجَّلَ حِنْثَهُ
أي: فإن كان الشرط المستقبل المعلق عليه الطلاق محقق الوقوع وهو مع ذلك يشبه حال الزوجين مع البلوغ في العادة مثل: أنت طالق (إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ) أو (قَبْلَ
[ ٤ / ٣٩٥ ]
مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزًا) أي حين التعليق لأنه شبيه بنكاح المتعة في توقيت الحل، وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم ورأوا عدم اللزوم لأن الطلاق معلق على شرط غير محقق الوقوع لاحتمال ألا يبلغ كل من الزوجين أو أحدهما الأجل المذكور، وتقدير هذا في المثال الثالث وهو إذا مات فلان أظهر، إذ من الممكن حياته بعد كل منهما لاسيما إذا كان أصغر.
وأيضًا فالفرق بين هذا ونكاح المتعة أن توقيت الحل في نكاح المتعة واقع في العقد بخلاف هذا والمفسد إنما هو ما وقع في العقد لا ما تأخر عنه وخالف أشهب في المثال الآخر غير أنه ذكره فيما إذا قال: قبل موتك بشهر على ما نقله اللخمي وغيره لكن لا فرق بين أن يكون قبل موتي أو موتك على ما نص عليه في المجموعة.
وقوله: (لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد) أي إذا عجلنا عليه الطلاق ثم جاء الأجل فلا يحنث به أيضًا لأنه لما عجلناه لم يبق شيء حتى يقع عند الأجل.
وَمِثْلُهُ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ، وشِبْهِهِ
أي: (وَمِثْلُهُ) في التنجيز، والتنجيز هنا واضح في المثال السابق يحتمل أن يموت كل من الزوجين قبل بلوغ الأجل فكان من الطلاق بالشك، وأما هنا فالطلاق واقع وإنما يرفعه حصول شرط لا يمكن أن يقع ولهذا اتفق هنا على وقوع الطلاق، حكى ذلك ابن بشير.
وشبه (إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ) أنت طالق إن لم أشرب البحر أو أحمل الجبل.
وَفِي مِثْلِ: إِنْ أَكَلْت، أَوْ شَرِبْت، أَوْ قُمْت أَوْ قَعَدْت، مِمَّا لا صَبْرَ عَنْهُ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَمِثْلُ إِنْ مَاتَ، وإِلا فَمِثْلُ إِنْ دَخَلْت ..
يعني: أنه اختلف إذا قال: (إن أكلت) أنا (أو شربت) أو أكل فلان أو شرب أو نحو ذلك من الأفعال التي لا صبر عنها فأنت طالق فتأول اللخمي وابن يونس وغيرهما على
[ ٤ / ٣٩٦ ]
المدونة أنها تطلق عليه في الحال. وذهب ابن محرز وغيره إلى أن ظاهر المدونة خلاف هذا ولا تطلق عليه حتى يفعل ما حلف عليه لقوله فيها: إذا قال لها: إن أكلت أو شربت أو لبست فأنت طالق. أنها أيمان. وحملها الأولون على ما إذا قيد يمينه بزمن يمكن الصبر فيه على المحلوف به.
وهذان القولان الأولان من كلام المصنف وقد تقدم أن مثل هذا لا ينبغي عده خلافًا.
خليل: وفي قول من حمل المدونة على عدم التنجيز بعد لأنه إذا كان المشهور فيها إذا علقه على الحيض أو الطهر، التنجيز كما سيأتي فلأن ينجز هنا من باب الأولى وما يفرق به بينهما بأن الفعل هنا داخل تحت المشيئة بخلاف الحيض والطهر ليس بظاهر.
وثالثها إن أسندها إلى غيره كانت طالق إن قام فلان أو أكل فمثل (إن مات) فينجز لأن الغير لا يصبر لحلفه (وإلا) أي وإن علقه بفعله فمثل إن دخلت فلا يتنجز لاحتمال اختياره الصبر عن ذلك الفعل ولو أداه إلى الموت.
اللخمي: وهذا إذا لم يضرب أجلًا أو ضرب أجلًا لا يمكنه الصبر إليه وإن كان مما يمكن الصبر إليه لم يحنث.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُشْبِهُ بُلُوغُهُ لَمْ يَحْنَثُ عَلَى الأَصَحِّ
هذا قسيم قوله: (وإن متحققًا ويشبه بلوغهما عادة).
وفي الجلاب: وإن طلقها إلى أجل لا يبلغه عمره مثل قوله: أنت طالق بعد الف سنة وما ِأشبه ذلك من الزمان البعيد فإنها يتخرج على روايتين إحداهما: أنها تطلق عليه في الحال. والأخرى: أنها لا تطلق عليه بحال. وبعدم الحنث قال ابن القاسم في العتبية وابن الماجشون وعيسى: قال في الكافي: هو القياس، قال في البيان: وعليه فالمعتبر الأعمار التي يعمر إليها المفقود على الاختلاف بينهم في ذلك.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
واللزوم مبني على أن قوله: بعد ألف سنة؛ كالندم والاستدراك.
فإن قيل: إذا كان هذا قسيمًا لقوله: (يشبه بلوغهما) فلم ثنى الضمير أولًا وأفرده ثانيًا؟ قيل: لأنه لو ثناه ثانيًا لتوجه النفي على مجموع الجزئين لا على كل واحد منهما، والمراد إنما هو [٣٦١/ أ] لا يبلغه أحدهما فأفرد الضمير وخص الرجل دفعًا لذلك، ولأنه لزم أن يكون الحكم كذلك في المرأة لأنه إذا لم يلزم الطلاق لعدم بلوغ عمر الرجل لذلك الأجل المضروب لعدم المطلق فكذلك لا يلزم لعدم بلوغ عمر المرأة لعدم وجود محل الطلاق على أنه يمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائد على أحد الزوجين لا بعينه، ويمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائدًا إلى الأجل، ويقرا على هذا بلوغه بفتح الغين، ويكون التقدير وإن كان مما لا يشبه حالة الزوجين بلوغ الأجل لم يحنث، وهذا أظهر والله أعلم.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنْ إِذَا مِتُّ مِثْلُ إِنْ مِتُّ فِي أَنَّهُ لا يَحْنَثُ، بِخِلافِ يَوْمَ أَمُوتُ
حاصله أن للتعليق على موته ثلاث صور، إن قال: إن مت فأنت طالق، لم تطلق عليه لأنه علق الطلاق بموته ولا يطلق على ميت.
اللخمي وغيره: إلا أن يريد أنه لا يموت ويعاند في ذلك فيحنث. وإن قال: يوم أموت حنث ناجزًا لتعليقه على أجل لابد منه قال في المدونة، وقال أشهب: لا شيء عليه في مسألة يوم أموت. واختلف قول مالك في إذا مت، هل ذلك بمنزلة إن أو يوم؟ لأن إذا ظرفوشرط فإن غلبنا الظرفية كانت كـ (يوم) وإن غلبنا الشرطية كانت كـ: (إن).
اللخمي: ويلزم مثل هذا الخلاف إذا قال: إن مت وقد اختلف في من قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ولزوجته: وإن خالعتك فأنت طالق البتة؛ فباع أو خالع فقيل: يحنث فيهما، فيعتق العبد ويرد ما أخذ في الخلع والعتق، والحنث سبق البيع والخلع. وقيل: لا شيء عليه لأن العتق والبيع قبل الحنث وهو أحسن.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا غَالِبًا مِثْلَ: إِذَا حِضْتِ أَوْ طَهُرْتِ تَنَجَّزَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَالْمُحَقَّقِ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا يَتَنَجَّزُ، وقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ تَنَجَّزَ، وعَلَى الْحِنْثِ فِي افْتِقَارِهِ إِلَى حُكْمِ قَوْلانِ ..
هذا قسيم قوله أولًا: (فإن كان متحققًا) أي وإن لم يكن متحققًا بل (كَانَ مُحْتَمَلًا غَالِبًا) فالمشهور أنه يتنجز. وقال أشهب: لا يطلق عليه وينتظر ما علق عليه من حيض أو طهر وبه قال عبد الملك والمخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم. وكلا القولين مروي عن مالك.
ومنشأ الخلاف هل الغالب كالمحقق أو كالمحتمل غير الغالب؟ فيتوقف على الشرط كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وفرق أصبغ فقال كالمشهور إن كانت يمينه على حنث وكقول أشهب إن كانت يمينه على بر.
ابن عبد السلام: والمثال الذي ذكره المصنف يعني إذا حضت أو طهرت مما يعسر تصور القول الثالث فيه.
خليل: وليس بعسير ومثاله: إن لم تحيضي فأنت طالق؛ فإنه علق الطلاق على الطهر، أو: إن لم تطهري؛ فإنه علقه على الحيض، وإن أراد بالحنث والبر خلاف المصطلح عليه في كلام الفقهاء فيحتاج إلى ثبوته أولًا ليتكلم عليه ثانيًا.
وسلم جماعة قول أشهب في: إذا حضت، واستشكلوا قوله في: إذا طهرت؛ لأنه محقق.
وعلى هذا ففي تمثيل المصنف للغالب بالطهر نظر؛ لأنه محقق إلا أن يقال: إنما ذكره ليبين أن أشهب قائل بعدم التخيير في الطهر والحيض لا لأنه من صورة المسألة وأجاب التونسي عن أشهب بأن الطهر ليس بمحقق لأن الموت قد يتأتى قبل انقضاء الحيض وهو ضعيف فإن احتمال الموت ملغى إذا قال: بعد شهر. إلا أن يقال إن الجواب جار على قول أشهب فيما إذا قال: قبل موتي بشهر، فإنا قدمنا عند اللزوم في ذلك.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
قوله: (وعَلَى الْحِنْثِ .. إلى آخره) أي إذا فرعنا على المشهور من التخيير يريد وعلى أحد شقي قول أصبغ فاختلف فقال مالك وابن القاسم يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك ولا يفتقر إلى حكم اللخمي وقيل في هذا الأصل لا يقع عليه الحنث بنفس اللفظ بل يفتقر إلى الحكم وهو أحسن لأنه أمر مختلف فيه والحكم يرفع الخلاف.
تنبيه:
هذا الخلاف إنما هو إذا كانت المرأة ممن تحيض.
اللخمي: وأما إن كانت يائسة أو شابة وهي ممن لا ترى حيضها لم يعجل بالطلاق بحال.
وَلا يَحْنَثُ فِي مِثْلِ: إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِلا إِذَا وَطِئَهَا لأَنَّهُ بِيَدِهِ، وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً، ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ ..
يعني: إذا قال: إن حملت فأنت طالق؛ فإنه لا يحنث (إِلا إِذَا وَطِئَهَا) لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء والضمير في قوله (لأَنَّهُ) يحتمل عوده على الحمل وإن لم يكن حقيقة بيد الحالف لكن سببه وهو الوطء بيده وأتى المصنف بهذا المثال في الغالب لأن الغالب على النساء الحمل ثم بين وجه المخالفة بينه وبين ما تقدم بقوله (لأَنَّهُ بِيَدِهِ) أي بخلاف الحيض والطهر في المثال السابق فلذلك عجلنا عليه الحنث هنالك ولم نعجله هنا.
وقوله: (وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً) لا خلاف في ذلك قاله ابن عبد السلام.
عياض: وقوله لا يمنع من وطئها مرة معناه إن لم يمكن وطؤها في ذلك الطهر ولو وطئها فيه طلقت عليه عند ابن القاسم وروايته: واختلف بعد الوطء فقال في المدونة: يعجل عليه الطلاق بإثر الوطء [٣٦١/ ب] وقال ابن الماجشون: لا يعجل وينتظر ثم يطأها في كل طهر مرة، كقوله في المدونة في العتق، وقال أشهب: لا شيءعليه حتى يكون ما شرط ابن يونس فوجه قول ابن القاسم إذا وطئها صار حملها مشكوكًا فيه فيعجل الطلاق لأن
[ ٤ / ٤٠٠ ]
من شك هل حنث أم لا فهو حانث، ووجه قول أشهب أن من أصله أن لا يطلق إلا على من علق إلى أجل آت لابد منه فكان هذا عنده بمنزلة من قال: إذا أتى فلان فأنت طالق، ووجه قول ابن الماجشون أنه لا يحصل الحمل من كل وطء فوجب أن لا تطلق عليه حتى يختبر أمر هذا الوطء، ويمسك عن وطئها إذ لا يدري هل حملت منه أم لا؟ قياسًا على الأمة، إذ قال لها: إذا حملت فأنت حرة.
والفرق عند ابن القاسم بين الأمة والحرة أنهم أجمعوا أنه لا يجوز الطلاق إلى أجل ويجوز العتق إلى أجل.
وقوله: (ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) يعني إذا قال لها: إن حملت فأنت طالق، لا يحنث إذا كانت حاملًا وإنما يحنث في المستقبل كما ذكر وهذا تأويل الأكثر على المدونة، وتأولها بعضهم على أنه يحنث بحمل هي عليه. ولا يؤخذ من كلام المصنف أن قوله: (ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) أن ذلك في المدونة.
ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن هذا في المدونة وليس هو في التهذيب ليس بظاهر.
وَفِيهَا: إِذَا حَمَلْتِ ووَضَعْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِنْ كَانَ وَطِئَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ مَرَّةً حَنِثَ مَكَانَهُ ولا يُنْتَظَرُ أَنْ تَضَعَ، فَقِيلَ: اخْتِلافُ، والصَّحِيحُ: إِنْ كَانَ وَطِئَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، وقِيلَ: الْقَصْدُ هُنَا الْوَضْعُ ..
أتى بهذه المسألة لمخالفتها الأولى أو لأنها تحتمل ذلك وكذلك أتى بها في المدونة بإثر الأولى.
وقوله: (فَقِيلَ: اخْتِلافُ) هو مذهب اللخمي فإنه قال: واختلف في من قال: إذا حملت فأنت طالق؛ وهي غير ظاهرة الحمل، فظهر بها حمل بعد ذلك، فقال ابن القاسم: لا يمنع من وطئها وإذا وطئها مرة وقع عليه الطلاق، وقال أيضًا: في من قال: إذا حملت ووضعت فأنت طالق إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها لحنثه لما تقدم من
[ ٤ / ٤٠١ ]
الوطء قال المصنف: (والصَّحِيحُ) في فهم المدونة أنها ليست خلافًا للأولى وأن في كلامه في هذه إضمار تقديره: إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة بعد اليمين حنث، وفيما زعم أن المصنف أنه الصحيح بعد من جهة اللفظ.
وقال ابن شبلون: إنما المعلق عليه هنا الوضع وذلك لأن الطلاق مغيا بغايتين وقد علم في أصول الفقه أن الحكم المغيا بغايتين أن المعتبر منهما الأخيرة، وأن تسمية الأولى منهما غاية إنما هو لقربها من الأخيرة كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالغاية الحقيقة هي التطهير، ويسمى الطهر غاية إما لقربه من التطهير وإما لكونه سببًا فيه فكأنه قال: هذا إذا وضعت وقد وجدت مظنة الحمل المسبب عنه الوضع بوطئها قبل اليمين فنجز لذلك وليس كذلك الأولى.
خليل: وعلى ما تقدم من نقل عياض أنه لو وطئ في المسألة السابقة قبل اليمين طلقت عليه في قول ابن القاسم، وروايته تدفع المعارضة بالكلية لأن الأولى حينئذ توافق الثانية في الحنث بالوطء قبل اليمين.
وَعَلَى الْحِنْثِ، لَوْ قَالَ: كُلَّمَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَنَجَّزُ الثلاث، وقَالَ سَحْنُونُ: اثْنَتانِ ..
هذا الفرع مبني على المشهور، أي إذا علق الطلاق على غالب وبنينا على المشهور من التنجيز فلو قال لها: كلما حضت فأنت طالق، وأتى بما يقتضي التكرار، فقال ابن القاسم: تطلق ثلاثًا، ورأى أن الطلقة الثالثة تقع مع الحيضة الثالثة.
ورأى سحنون وقوعها بعد بينونتها بدخولها فيها فلا يقع وهو قول ابن الماجشون، ووجه قولهما أنه يعجل ما لو حصل زمنًا كانت فيه زوجة، وعلى هذا فسحنون موافق على التعجيل.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
ونقل اللخمي عن مالك في الموازية أنه لا يعجل عليه وإنما تطلق في الحيضة الأولى طلقة، وفي الثانية طلقة فقط.
وقيد ابن يونس قول سحنون بما إذا كانت طاهرًا، فقال: وقال سحنون: إذا قال لها ذلك- أي كلما حضت- وهي طاهر لزمه طلقتان، قال: ووجهه كأنه قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت الثانية فأنت طالق، وإذا حضت الثالثة فأنت طالق، وهي إذا حاضت فقد بانت منه فكأنه أوقع الثالثة بعد أن بانت منه، فلا يلزمه ونحو هذا التعليل لسحنون، والله أعلم.
وفيها: إنَّ (مَتَى مَا) مِثْلُ (إِنْ) إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا مَعْنَى (كُلَّمَا)
تقدم الكلام على هذا في باب الأيمان.
وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا غَيْرَ غَالِبٍ يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ- فَإِنْ كَانَ مُثْبَتًا انتُظِرَ ولَمْ يَتَنَجَّزْ إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ التَّنْجِيزِ.
لما قدم الكلام على المحقق والغالب تكلم على المحتمل غير الغالب بشرط أن يمكن الإطلاع عليه، ويعلم وقوعه ثم قسمه إلى قسمين أحدهما أن يكون مثبتًا كقوله: إن دخلت الدار أو جاء زيد فامرأته طالق، فهذا ينتظر بلا خلاف، ثم استثنى من هذا القسم ما كان واجبًا، فقال: (إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز) لأنه وجوبه يمنع من تركه فيصير كالمحقق، وهكذا قال ابن سحنون [٣٦٢ /أ] عن أبيه أنه لو قال: أنت طالق إذا صليت أنت أو إذا صليت أنا فهو سواء وتطلق الساعة لأنه أجل آت ولابد من الصلاة.
خليل: وينبغي أن يجري على الخلاف فيما لا يمكنه تركه وهو قوله: (إن أكلت أو شربت) وهو مقتضى كلامه في المقدمات، وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يختلف فيه من الخلاف
[ ٤ / ٤٠٣ ]
في الغالب الوقوع، وقال ابن راشد في قول المصنف إلا أن يكون واجبًا مثل إن صليت فيتنجز نظر لأن مذهبه في المدونة أن التنجيز لا يفتقر إلى حكم ويقع بنفس الحلف وها هنا قال أنه إن لم يصل لم يتنجز، والقياس أنه لا فرق بينه وبين إن دخلت لأن كليهما يفعله باختياره وليس وجوبه مما يضره غالبًا فتأمله.
قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ) مثاله لو قال: إن صليت اليوم فأنت طالق فمضى اليوم ولم يصل.
فَإِنْ قَالَ: بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرِ طُلِّقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ
لأن التعليق في هذه المسالة على قدوم زيد وهو من المحتمل غير الغالب، فلذلك انتظر وحكم بالتنجيز عند قدومه لأن الشهر أجل لابد منه.
وَإِنْ كَانَ نَفْيًا يُمْكِنُهُ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ لفِعْلٍ لَهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أَوْ لِغَيْرِهِ مُطْلَقًا غَيْرِ مُؤَجَّلٍ مُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يَقَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ ولَيْسَ وَقْتَ سَفَرٍ، أَوْ لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَلَدِ كَذَا وكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا فَيُتْرَكُ حَتَّى يُمْكِنَهُ.
هذا قسيم قوله: (فإن كان مثبتا انتظر) ومراده بالنفي أن تكون الصيغة على حنث، كقوله: إن لم أفعل، ومعناه لأفعلن، ولهذا لم يقل المصنف منفيًا، وإن كان مقابل قوله: (مثبتًا)، وقابل اسم المفعول بالمصدر لكونه ليس منفيًا في الحقيقة، واحترز بتمكن دعوى تحقيقه من نحو: إن لم تمطر السماء غدًا، فإنه (يتنجز).
وبغير محرم من مثل: إن لم أشرب الخمر فامرأتي طالق، فإنه يتنجز عليه لمنعه مما حلف عليه أو لغيره مطلقًا أي محرمًا كان أم لا، فعلى هذا لا فرق بين إن لم يخل زيد الدار أو لم يشرب الخمر فامرأته طالق في عدم التنجيز.
وما ذكره ليس بظاهر. والظاهر أنه لا فرق في التنجيز في المحرم بينه وبين غيره لمنعهما معًا من ذلك، بل ينبغي أن يكون الأمر في الأجنبي أشد، لأن الزوج قد يفعل
[ ٤ / ٤٠٤ ]
المحرم لرغبته في الزوجة وأن المشهور إنما يضرب أجل الإيلاء له إذا حلف على فعل نفسه وأما على غيره فلا، ويتلوم له القاضي ثم يطلق عليه، ولم يحك القرويون غيره. وحكى صاحب المقدمات الخلاف فقال: وحلف الإنسان بالطلاق على فعل غيره على وجهين: الأول: أن يحلف عليه ألا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال:
أحدهما أنه كالحالف على فعل نفسه ليفعلن فيمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه يتلوم على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، واختلف هل يطأ في هذا التلوم؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب أجلًا. لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء.
والثالث: الفرق بين أن يحلف على غائب أو حاضر، وهو الذي يأتي على ما في سماع عيسى.
قوله: (غَيْرِ مُؤَجَّلٍ) احترازًا من المؤجل كما لو قال: إن لم أدخل الدار بعد شهر فأنت طالق، فإنه لا يمنع من الوطء قبل الشهر لأن القاعدة: أن من ضرب أجلًا فهو على بر إليه.
وقوله: (مُنِعَ مِنْهَا) هو جواب الشرط.
وقوله: (إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ إلى آخره)، يعني أن المشهور منعه مطلقًا وهو قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء، والشاذ وهو قول غيره فيها أنه يمنع من الوطء إلا في مثل قوله: إن لم أحج في هذا العام وذلك الوقت ليس وقت سفر لأنه في معنى المؤجل، ولأن الأيمان إنما تحمل على المقاصد ولا يقصد أحد أن يسافر إلى الحج إلا في وقته المعتاد.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
ابن عبد السلام: والأظهر عندي أنه تقييد وإن كان شراح المدونة اختلفوا هل هو تقييد أو خلاف؟ وفي المقدمات: إن كان الفعل لا يمكنه فعله في الحال مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدهما: أنه يمنع من الوطء من الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية.
والثاني: لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك.
والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل.
والرابع: أنه لا يمنع حتى يفوته فعل ذلك الفعل.
فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَكَالْمُولي مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ
ظاهره سواء حلف على نفسه أو فعل غيره، وقد تقدم أن المشهور المعروف خلافه، وقوله: (مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ) لأن ترك الوطء إنما جاء بطريق اللازم، وما كان كذلك فالأجل فيه من يوم الرفع بخلاف ما لو كانت يمينه على ترك الوطء صريحًا كقوله: والله لا أطأك فإن أجله من يوم اليمين، وقيل في الأول: أن الأجل أيضًا من يوم [٣٦٢/ ب] اليمين، وقيل: بل من حين يتبين ضرره لا من حين المرافعة.
وإن حَبَسَهُ عُذْرُ فِي الْمَنْفِيِّ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلانِ
هذان القولان ذكرهما في البيان في باب الأيمان فقال: ومن حلف أن لا يفعل فعلًا فأكره على فعله فلا يحنث بلا اختلاف، وإنما اختلف إذا حلف ليفعلن فعلًا فمنع وحيل بينه وبينه، فالمشهور أنه حانث إلا أن ينوي إلا أن يغلب. وقال ابن كنانة: لا حنث عليه، فلو قال: فلو حبسه عذر في النفي لكان أحسن ليكون موافقًا لقوله: أولًا: (وَإِنْ كَانَ نَفْيًا).
[ ٤ / ٤٠٦ ]
تنبيه:
يستثنى من هذه القاعدة، ما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها، فإنه لا يمنع من وطئها. قال في المقدمات: وله أن يطأها أبدًا حتى يحبلها، لأن بره في إحبالها وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك، له أن يطأها لأن بره في وطئها، وإن وقف عن وطئها كان مؤليًا عند مالك والليث فيما يروى عنهما. وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب.
وإنما في مِثْلِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ مُطْلَقًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ إِذْ لا برَّ لَهُ إِلا بِالطَّلاقِ، وقِيلَ: يُمْنَعُ فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَفِي ضَرْبِ الأَجَلِ أَوِ التَّعْجِيلِ: قَوْلانِ
لما قدم أنه إذا كانت يمينه على نفي يمكن دعوى تحقيقه يمنع منها ولا ينجز الطلاق خشي أن ينقض عليه بمثل هذه الصورة فذكرها، وذكر الوجه الذي خالف لأجله تلك القاعدة، وهو أنه لا بر له هنا إلا بالطلاق فلم يكن للإيقاف فائدة.
وقوله: (مُطْلَقًا) أي من غير ضرب أجل كما لو قال: إن لم أطلقك بعد شهر فأنت طالق، وهذا هو المشهور ومذهب المدونة. وحكى اللخمي قولًا آخر: أنه لا يلزمه طلاق حتى ترفعه ويوقعه السلطان، وإليه أشار بقوله: (وقِيلَ: يُمْنَعُ) قيل: وهو أقيس لأن المرأة قد تصبر.
ثم فرع المصنف على الشاذ بقوله: (فَإِنْ رَفَعَتْهُ إلى آخره). يعني اختلف إذا رفعت هل يطلق عليه بالحضرة، إذا لا فائدة في الصبر أو بعد ضرب أجل المولي رجاء أن ينحل عزمها عن القيام بالطلاق، وهذان القولان ذكرهما اللخمي وغيره وكذا صرح ابن بشير وابن شاس بأن هذين القولين مبنيان على الشاذ وأما على المشهور فلا يأتي هذا لأنه يقع عليه الطلاق بمجرد كلامه كما صرح به في المدونة.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ولا إشكال أنه على القولين بضرب الأجل وعدمه أنه لا يمكن من الوطء لأنه على حنث في يمينه.
عياض: فإن اجترأ ووطء سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له، ولا يلزمه استبراء من هذا الوطء متى جاز له تطليقها ومراجعتها للاختلاف في منعه من الوطء في يمين الحنث.
وَكَذَلِكَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ أَلْبَتَّةَ، وقَالَ مُحَمَّدُ: لَهُ أَنْ يُصَالِحَ قَبْلَ الشَّهْرِ فَلا يَلْزَمُه إِلا طَلْقَةُ ..
(وَكَذَلِكَ) أي التنجيز على المشهور لو قال: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فإنها تطلق عليه أَلْبَتَّةَ لأن إحدى البنتين لابد منها لأنه إن طلقها أَلْبَتَّةَ فواضح، وإلا وقعت أَلْبَتَّةَ المعلقة فكان بمنزلة من قال: أنت طالق رأس الشهر أَلْبَتَّةَ، وقد تقدم أن ما علق الطلاق على مثل هذا يعجل عليه، ورأى محمد أن له أن يصالح أي يخالع قبل الشهر فتبين منه، ثم يراجعها بعد الشهر على ما بقي له من الطلاق.
وقول محمد إنما يتحقق على عدم التنجيز وإذا تأملته وجدته منتزعًا من قول المؤلف في المسألة التي قيست هذه المسألة عليها، وإنما نجز في مثل: إن لم أطلقك فأنت طالق، إذ لابد له منه، وأما هذه فله الخروج منها عن عقدة اليمين بطلاق غير الطلاق الذي حلف به.
فإن قيل: قول محمد مشكل، لأنه لم يقل فيما إذا قال لزوجته ابتداءً: أنت طالق رأس الشهر البتة إن لم يخالع، وهذه المسألة راجعة إلى هذا المعنى كما قررته، قيل: قد يقال في هذه المسألة الحلف أن للحالف أن يطلب ما حلف على فعله رأس الشهر فيؤخر لطلب ذلك، وإذا صح له التأخير صحت له المخالعة.
وأما من قال ابتداءً من غير حلف: أنت طالق ألبتة رأس الشهر؛ فلا معنى للانتظار، وفيه نظر.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
فإن قيل: لم قررتم الكلام على أن معناه إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة وما المانع من أن يكون المراد إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة؟
قيل: لأنه لو كان المراد هذا لما لزم الحالف شيء بوجه لأنه إذا حلف على إيقاع البتة رأس الشهر بوقوع البتة الآن فله طلب تحصيل المحلوف عليه وهو إيقاع البتة عند رأس الشهر، فإذا جاء رأس الشهر فله ترك ذلك الطلب واختيار الحنث كما لكل حالف، فإاذ اختاره لم يكن له وقوع الحنث عليه لانعدام زمان البتة المحلوف بها هكذا قال ابن عبد السلام.
خليل: وما قاله من عدم وقوع الطلاق لمضي زمانه، يأتي على ما قاله ابن عبد الحكم في من قال لزوجته: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا؛ أنه إن كلمه غدًا فلا شيء عليه لأن الغد الآن مضى وهي زوجة وقد انقضى وقت وقوع الطلاق.
ومثله لابن القاسم في الموازية في من قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق غدًا؛ فتزوجها بعد غد: لا شيء عليه، وإن تزوجها قبل غد طلقت عليه، لكن قال أبو محمد: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك والطلاق يلزمه إذا كلمه وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه.
وفي العتبية: في أنت طالق اليوم إن دخل [٣٦٣/ أ] فلان الحمام غدًا لم تكن طالقًا إلا أن يدخل فلان الحمام غدًا وله وطؤها. نقل ذلك كله عياض في باب الظهار، وعلى هذا تلزمه ألبتة ولو مضى زمانها، وأيضًا فالمسألة التي ذكرها المصنف بإثر هذه مما يرد ما قاله ابن عبد السلام، لأنه لو كان ما قاله صحيحًا لزم فيما إذا قال: إن لم أطلقك واحدة بعد ذشهر فأنت طالق الآن البتة لا يلزمه شيء لما ذكره ولا كان يحسن الخلاف في تعجيل الواحدة فانظره.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
وإذا قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلَّقْكِ وَاحِدَةً بَعْدَ شَهْرٍ فَأَنْتِ طَالِقُ الآنَ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ الأَجَلِ، فَوَقَفَ فِيهَا مَالِكُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُجْزِئُهُ، وقَالَ مُحَمَّدُ: إِنْ كَانَ الْقَصْدُ غمَّهَا بِهِ أَجْزَأَهُ
إذا أراد تعجيل الواحدة قبل الشهر فقال ابن بشير وابن شاس كالمصنف وقف مالك في ذلك.
وقال أصبغ: لا يجزئه لأن المشروط لا يتقدم على شرطه.
أصبغ: فإن طلق ثم جاء رأس الشهر فلم يطلق واحدة لزمته البتة.
ونظر محمد إلى المقاصد ونص قوله عند اللخمي: وقال محمد إذا سألته أو سأله أهلها أن يطلقها في غير هذا الحين فحلف لهم، ثم عجل الطلقة لم ينفعه وإن كان ذلك ابتداءً ليغمها أجزأه.
اللخمي: ولو حلف عند سؤالهم أنه لا يؤخر الطلاق عن رأس الهلال لجاز له أن يعجلها، وهذا إن كانت يمينه ليطلقها رأس الشهر، وأما إن قال: إلى رأس الشهر فليس له أن يعجل الطلقة لأن إلى غاية يثبت ألا يوقع الطلاق إلى رأس الشهر فإن أوقعه قبل ذلك وقع الطلاق ولم يبره المعجل. انتهى.
ولم يتعرض المصنف لحكم هذه المسألة ابتداءً وإنما تكلم على أنه هل له تعجيل الطلقة المحلوف على إيقاعها بعد شهر وذكر فيها قولين، هذا إن لم يعد التوقف قولًا وهو الظاهر، لأن الوقف ليس فيه حكم، وإن عددناه قولًا كان في المسألة ثلاثة أقوال: واعترضه ابن عبد السلام فقال في قوله (ووقف مالك)، تغيير ونقص: أما التغيير فنسبته الوقوف لمالك والواقف هو ابن القاسم، وهكذا ذكره الشيخ أبو محمد عن الموازية ونص ما ذكره: ومن قال: أنت طالق البتة لا طلقتك في الهلال واحدة ثم أراد تعجيل الحنث
[ ٤ / ٤١٠ ]
بالواحدة فوقف فيها ابن القاسم، وقال: لا أرى أن تجزئه ولو جاء الهلال ولم يطلقها طلقت البتة، ولم يحك عن مالك في هذا الفصل شيئًا.
وتأمل قوله: ولا أرى أن تجزئه فإن كان بأثر الوقف فيكون توقيفه، كلا توقف، وإنما تردد في أول نظره ثم جزم، وإن كان تردده استمر ثم في زمان آخر جزم صح الوقف.
وأما النقص فهو أنه لم يذكر عن ابن القاسم قوله: ولا أرى أن تجزئه. انتهى. وهذا فيه تعسف والأحسن في مثل هذا تحسين الظن بالمصنف، وحاصل كلامه كشهادة على نفي، وقد ذكر اللخمي أن ابن القاسم روى عن مالك التوقف كما قال المصنف، وقد ذكر صاحب البيان حكم المسألة ابتداءً فقال: اختلف في قول القائل: امرأتي طالق ثلاثًا إن لم أطلقها عند رأس الهلال على ثلاثة أقوال:
أولها: لابن القاسم إن عجل الطلقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى – وقف، وقيل له: إما عجلت التطلقة الآن وإلا بانت منك بثلاث، وهذا يأتي على مذهبه في المدونة في الذي يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها، أنه يعجل عليه بالطلاق.
والثاني: أنه إن عجل التطليقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى أن يعجلها، ترك ولم يوقف على الإطلاق، فإن لم يطلق حتى يحل الشهر بانت منه بالثلاث وهو قول أصبغ وسحنون.
والثالث: أنه يوقف حتى يأتي الشهر فيبر بالطلاق عنده أو يحنث، وإن عجل التطليقة قبل أن يأتي الشهر ولم يخرجه ذلك عن يمينه، ولم يكن له بد من أن يطلق عند رأس الهلال وإلا حنث وهو قول المغيرة.
[ ٤ / ٤١١ ]
وإذا قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَفِي لُزُومِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ: قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ
لأنه لما طلقها واحدة طلقت عليه أخرى بالتعليق، واختلف هل تلزمه ثلاثة؛ ينبني على أن فاعل السبب هل هو فاعل المسبب أم لا؟ فإن قلنا إنه فاعله طلقت عليه ثلاثًا، لأنه فعل الأولى وهي سببًا للثانية وإلا لم يلزمه، وهذا معنى قوله: (بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ) والقولان في مسألة المصنف لسحنون، والذي رجع إليه واختاره ولده لزوم الثلاث. وألحق سحنون بـ (كلما) في ما ذكرناه: (إذا ما)، و(متى ما).
أَمَّا لَوْ قَالَ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلاقِي فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ
لأنه لم يشترط في الطلقة التي هي سبب أن تكون من فعله فتقع الثانية لوقوع الأولى عليها والثالثة لوقوع الثانية ولا خلاف في هذه.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْخُلْعِ فَقَالَ سَحْنُونُ: تَقَعُ وَاحِدَةُ عَلَى أَصْلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنْ الْمَشْرُوطَ مُقَدَّرُ بَعْدَ الشَّرْطِ أَمْ لا
يعني: فإن قال لامرأته كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم أوقع عليهخا طلقة قبل البناء، أو أوقع عليها طلقة بعوض، فقال سحنون: لا يلزمه فيها إلا واحدة بناءً على أن المشترط يقع بعد شرطه، ويأتي على أصل غيره لزوم الثلاث، بناءً على أن الشرط والمشروط يقعان معًا.
ونظير هذه المسألة ما إذا قال: [٣٦٣/ ب] إن خالعتك فأنت طالق البتة أو قال لعبده: إن قاطعتك فأنت حر، ثم خالعها أو قاطعه فقال ابن القاسم: يرد ما أخذ فيهما.
قال في البيان: وحكى البرقي عن أشهب أنه لا يرد فيهما شيئًا. وكان عبيد يعجب بها ويقول: إنما رضي بالحنث لما أخذ.
[ ٤ / ٤١٢ ]
ابن رشد: وكذلك أقول أنه الصحيح في القياس لأن المشروط إنما يقع بعد شرطه، وكذلك قال الصحيح في: إن بعتك فأنت حر، أنه لا يلزم البائع عتق.
وَلَوْ قَالَ: مَتَى طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ قَبْلَهُ ثَلاثًا فَقَبْلَهُ لَغْوُ
هذه المسألة تلقب بالسريجية نسبة لابن سريج الشافعي؛ لقوله هو وجماعة من أصحاب الشافعي: لا يلزمه شيء.
وما ذكره المصنف نحوه في ابن شاس، وقوله: (فَقَبْلَهُ لَغْوُ) أي فيكون بمنزلة ما لو لم ينطق بـ (قبله)، فإذا طلقها طلقت ثلاثًا، وعلى هذا فترجع إلى المسألة التي قبلها، ويفرق بين قبل البناء وبعده، وهذا مذهب أبي حنيفة.
الطرطوشي في تعليقه: وهو الذي يختاره فيقع عليه المباشر وتمام الثلاث من المعلق، لأنه طلاق من مالك صادق ملكه فوجب أن يقع أصله إذا لم يسبق منه هذا الشرط، واحتج ابن سريج وغيره بأن إثبات الطلاق مؤد إلى رفعه وكل ما أدى إثباته إلى نفيه فهو منتف من أصله وذلك لأنها لو طلقت لطلقت قبله ثلاثًا ولو طلقت قبله ثلاثًا لم ينفسخ.
ويشهد لهذا مسائل منها: إذا كانت لرجل أمة فزوجها وقبض صداقها وتصرف فيه ثم أعتقها وكان الزوج لم يدخل بها فلا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يرفعه إذ لو اختارت لسقط الصداق، ولو سقط الصداق لبطل عتقها لصيرورة السيد مدينًا، وإذا بطل عتقها بطل خيارها.
ومنها: من زوج عبده من حرة بصداق ضمنه لها، ثم باعها العبد بالصداق قبل الدخول لا يصح البيع لأنه لو صح لملكت زوجها، ولو ملكته فسخ النكاح. ولو فسخ لسقط مهرها، وإذا سقط المهر بطل البيع.
ومنها ما وقع لمالك في من أعتق عبديه فادعاهما غيره فشهد له العبد أنه قال: لا تقبل شهادتهما، لأنا لو قبلناها لصارا رقيقًا وبالرق تبطل الشهادة، فلو صحت لبطلت فتبطل.
[ ٤ / ٤١٣ ]
خليل: ومذهبنا هو الصحيح؛ لأن ما قاله ابن سريج وغيره مؤد إلى اتخاذ آيات الله هزوًا؛ إذ يلزم عليه أن كل شخص فعل مثل ذلك لا يمكنه الطلاق في البتة ويبقى يطلق ولا يلزمه وهو خلاف ما شرعه الله تعالى من الطلاق في حق كل زوج. والله أعلم.
فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يُمْنَعْ
لما قال أولًا: (فإن كان نفيًا يمكن دعوى تحقيقه لفعل له غير محرم إلى آخره) وكان مشتملًا على قيود أخذ يتكلم عليها. يعني: فإن كان الفعل المنفي مؤجلًا كقوله: إن لم أدخل الدار إلى شهر فأنت طالق لم يمنع منها لأنه على بر؛ لأن القاعدة: أن كل من ضرب أجلًا فعلى بر إليه، وهذا هو المشهور، وحكى اللخمي قولًا آخر بالمنع. والقولان هنا كالقولين الذين لمالك في كتاب العتق الأول من المدونة في القائل: أمتي حرة إن لم أفعل كذا إلى أجل سماه هل يمنع من وطئها في ذلك الأجل أم لا؟
وإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا، مِثْلَ: إِنْ لَمْ أَقْتُلْ زَيْدًا تَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجِيزِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
هذا مقابل قوله أولًا: (غير محرم) أي وإن كان الفعل محرمًا كقوله: إن لم أقتل زيدا اليوم فأنت طالق فإنه يتنجز عليه الطلاق، لأنه لا يمكن من قتل زيد إلا أن يوقع الحالف الفعل المحرم قبل تعجيل الطلاق فقد أثم ولا يلزمه الطلاق وهذا معنى قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ إلى آخره) والمشهور منصوص في المدونة وغيرها، وكلامه في المقدمات يدل على نفي الخلاف في هذا، وكذلك قال ابن عبد السلام: لست أحفظ الشاذ.
خليل: ويمكن تخريجه مما تقدم في باب الأيمان فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضًا هل يبر أم لا؟ بناء على المعدوم شرعًا هل هو كالمعدوم حسًا أم لا؟
[ ٤ / ٤١٤ ]
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ، مِثْلَ: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَدًا طَلُقَتْ نَاجِزًا عَلَى الْمَشْهُورِ لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ بِخِلافِ مَا تَقَدَّمَ إِذْ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهُ والْقُدْرَةَ عَلَيْهِ ..
هذا مقابل قوله أولًا: (يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ) أي وإن لم يمكن دعوى تحقيقه، مثل: إن لم تمطر السماء غدًا، أو إلى شهر، أو إن لم تمطر في الشهر الفلاني طلقت ناجزًا على المشهور.
اللخمي: وقيل لا يحنث حتى ينظر ما يكون غدًا، ولابن القاسم في الواضحة قول ثالث في كل من حلف بطلاق على شيءلا يدري أحق هو أم باطل؛ مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة بالإسكندرية وهو بالفسطاط، أو: إن لم تمطر غدًا؛ فإنه إن رفع إلى السلطان طلق عليه ولا يؤخره، وإن لم يرفع حتى وجد ذلك الشيء حقًا لم يكن عليه في يمينه شيئ.
وقال أصبغ: إن قال: إن مطرت السماء غدًا؛ فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة من قال: إن قدم فلان غدًا فأنت طالق.
اللخمي: يريد لأنه عنده على بر وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غدًا؛ تطلق عليه لأنه على حنث، وهذا موافق للمشهور وليس هو رابع لأن المشهور يوافق في البر على عدم التنجيز كذلك بين في الواضحة في إذا مطرت أو إن ولدت جارية، وكذلك ساق عياض ما في الواضحة تقييدًا ثم إن هذا الخلاف إنما هو إذا قيده بأجل قريب كما ذكرنا، وأما إن قال: إن لم تمطر ولم يقيد فلا شيء عليه.
اللخمي: [٣٦٤/ أ] وسواء عمم أو سمى بلدًا لأنه لابد أن تمطر في زمن ما، وكذلك إذا ضرب أجل عشر سنين أو خمس سنين، وقيد بعض الشيوخ وقوع الطلاق على من قال به بما إذا لم يكن يحلف لعادة وأما إن حلف على ذلك لعادة له وعلامات عرفها واعتاد بها ليس من جهة الحرز وتأثير النجوم عند من زعمها لم يقع الحنث حتى يكون ما حلف عليه ويحتج عليه بقوله ﵇: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمتفتلك عين غديقة".
[ ٤ / ٤١٥ ]
وقوله: (لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ إلى آخره) جواب عن سؤال تقديره: ما الفرق بين هذا على المشهور من أنه ينجز الطلاق وبين ما تقدم في أنه لا يتنجز الطلاق؟ وتقرير الجواب أن هذا حالف على الغيب فأمره دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن معرفته بمقتضى العادة وهو قادر على فعله.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ، مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ- طُلِّقَتْ، وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ ..
وهذا أيضًا مقابل قوله: (لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ) يعني وإن لم يمكن الإطلاع مثل: أنت طالق إن شاء الله، طلقت ناجزًا لما تقدم في باب الأيمان أن الاستثناء بالمشئة لا يفيد في غير اليمين بالله لا طلاق ولا عتاق. قوله: (وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ) ولعل الخلاف بين الأصح ومقابله مبني على الخلاف في الشك.
وقوله: (بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ) أي فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد ذلك. وانظر هل ذلك من باب التمليك فيزول من يد من جعل بيده بانقضاء المجلس أم لا؟
فَإِنْ قَالَ: إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ فَمِثْلُ إِنْ شَاءَ عَلَى الْمَشْهُور
يعني: إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فهو بمنزلة ما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد على المشهور، فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد لأن الطلاق موقوف على مشيئته، ورأى في الشاذ لزوم الطلاق، والفرق أن الكلام في صورة الثانية اقتضى وقوع الطلاق إلا أن يشاء زيد رفعه بعد وقوعه، والطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بخلاف الصورة الأولى، فإن وقع الطلاق فيها مشروط بالمشيئة، ومن هذه المسالة ما وقع لأصبغ في من قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فيمنعه فلا شيء عليه. واستشكله بعضهم لأن الطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بإرادة أبيه، إلا أن يريد التعليق.
[ ٤ / ٤١٦ ]
بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي عَلَى الأَشْهَرِ
يعني: فإنه إذا قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، يقع عليه الطلاق على الأشهر. ورأي مقابل الأشهر عدم اللزوم كالمشهور في إلا أن يشاء زيد، والفرق للأشهر قوة التهمة في: إلا أن يبدو لي، بخلاف إلا أن يشاء زيد، فإنه لا يتهم على ذلك.
وقول ابن عبد السلام: في الفرق؛ لأن (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) يمكن رده إلى الشرط (بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) ليس بظاهر، لأنه كما يرد إلا أن يشاء زيد كذلك يمكن رد إلا أن يبدو لي إلى إن بدا لي.
ابن راشد: ولم أقف على القول بعدم اللزوم في: إلا أن يبدو لي، وهو بعيد في النظر. انتهى.
وصرح في البيان بنفي الخلاف في هذا، وكذلك صرح بنفيه في أنه ينفعه إذا قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو لي أو غير ذلك.
كَالنّذرِ والْعِتْقِ فِيهِمَا
أي في: (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) و(إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) فإذا قال على هذي: إلا أن يشاء زيد توقف اللزوم على مشيئته على المشهور وإذا قال: على هذا أو عتق عبدي فلان إلا أن يبدو لي لزمه على الأشهر.
ويحتمل أن يريد بقوله: (فِيهِمَا) مشيئة الله تعالى ومن لا تعلم مشيئته كالملائكة.
وَفُرِّقَ بَيْنَ الطَّلاقِ والْيَمِينِ بِاللهِ تَعالى بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ حُكْمًا قَدْ شَاءَهُ اللهُ فَلا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهَا لِتَحَقُّقِهَا فَلا يَرْتَفِعُ، بِخِلافِ لَفْظِ الْيَمِينِ، والثاني: أنه متحقق فكان كاليمين على الماضي ..
لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في الطلاق وقد تقدم له أن ذلك يفيد في اليمين بالله تعالى، وكان للأصحاب في الفرق بين ذلك طريقان أراد أن يذكرهما:
[ ٤ / ٤١٧ ]
الطريق الأول: أن لفظ الطلاق جعله الله سببًا لحل العصمة فحيث ما وجد ذلك السبب ترتب عليه مسببه فلا يقبل التعليق لأن المتعلق على الشيء ينعدم عند عدم الشيء، وذلك الشيء هنا لا يقبل العدم لأنه حكم شرعي وجد سببه، بخلاف لفظ اليمين فإنه لا يوجب فعل ما حلف عليه بل خيره في وفي تركه، والإتيان بالكفارة تارة ومنعه تارة.
والطريق الثاني: للبغداديين أن الطلاق لما كان موجبًا لحل العصمة لزم أن يقع الطلاق إذا تلفظ بلفظه، وإذا وقع فلا يصح فيه الاستثناء لأنه بمنزلة من حلف بالله تعالى على ما مضى. وهذا إذا تأملته هو في الحقيقة راجع إلى الأول، ويرد عليه أنه لو كان كما قالوه من تحقيق وقوع الطلاق بالتلفظ بالصيغة لزما لطلاق فيما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وهذا خلاف الاتفاق، وإذا قبل الطلاق والتعليق بمشيئة زيد ونحوها وجب أن يقبله في مشيئة الله تعالى.
وأيضًا فإن قوله: (أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ .. إلى آخره) إن أراد بقوله: (قَدْ شَاءَهُ اللهُ) أي حكم به فصحيح، ولكن لما قلتم إنه لا يقبل التعليق؟ فإن هذا لم ينص الشرع [٣٦٤/ ب] عليه وإلا أومئ إليه، وإن أراد أن كل ما حكم الله قد شاءه فليس بصحيح وهو خلاف مذهب أهل السنة لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة، لا يقال إنما قلنا يقبل التعليق في مشيئة زيد ونحوها لإمكان الإطلاع على مشيئته، بخلاف مشيئة الله تعالى فإنا لا نطلع عليها، فلذلك أوقعنا الطلاق، لأنا نقول: لو عكس هذا لكان أولى لأن مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل معدوم وجد نعلم أن الله تعالى أراده، وكل ما لم يوجد نعلم أن الله تعالى لم يرده.
وأن مشيئة غيره فلا تعلم لأن غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن، وفرق ابن المنير على ما نقله ابن راشد عنه بين الطلاق وغيره بأن الأصل في اليمين بالله تعالى والطلاق اللزوم، وإن كان واحد منهما لا ينحل بالاستثناء بالمشيئة خالفنا الأصل في اليمين بالله للحديث الوارد فيه، فيبقى الطلاق على أصل اللزوم.
[ ٤ / ٤١٨ ]
المازري: وتحقيق قوله إن شاء الله؛ إن أراد بذلك إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به فيلزم قولًا واحدًا، وإن أراد إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق في المشكوك في وقوعه.
وإليه أشار مالك ﵁ بقوله: علق الطلاق بمشيئة من لا يعلم مشيئته.
وإن قصد بقوله: إن شاء الله إلزام الطلاق مع الاستثناء فهو من أشكل الوجوه والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين، هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب ونحن غير عالمين به فيرجع إلى القول الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات أو ليس له حكم؟ بل كل مجتهد مصيب؛ فيكون الحق في المسألة معلقًا باجتهاد المفتي.
فَإِنْ صَرَفَ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ لأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أو إن دخلت الدار إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يُفِدْ عَلَى الأَصَحِّ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وأَصْبَغُ: يُفِيدُ ..
لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد إذا ادعاه على الطلاق تكلم على ما ادعاه على الفعل الذي علق عليه الطلاق، وذكر أن الأصح لا يفيده، وهو قول ابن القاسم.
ابن عبد السلام: وهو المشهور ويلزمه الطلاق إن لم يدخل إذا كانت يمينه على حنث بانعدام الدار مثلًا، أو إن دخلها إن كانت يمينه على بر.
واختار جماعة قول ابن الماجشون حتى زعم ابن رشد أنه هو الجاري على مذهب أهل السنة، وأن المشهور إنما يجري على مذهب القدرية، لأن معنى قوله: أنت طالق لأدخلن الدار إن شاء الله، إذا صرف المشيئة إلى الدخول هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله فلا شيء عليه.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وكذلك قوله: امرأتي طالق إن دخلت الدار إن شاء اللهن هو إن شاء الله دخولي الدار، فلا شيء عليه، وقد علم من مذهب أهل السنة أن كل واقع في الوجود هو بمشيئة الله تعالى، فامتناع إذا من الدخول أو عدمه هو بمشيئة الله فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه.
أما من قال بلزوم الطلاق فمقتضى قوله: أن بالفعل المعلق عليه الطلاق قد فعله والله تعالى لا يشاء أن يفعله. قال في المقدمات: وذلك مستحيل إلا على مذهب القدرية، فعلى قول ابن القاسم في قوله أن الاستثناء لا ينفعه وأن صرفه إلى الفعل درك عظيم.
وأشار صاحب الذخيرة إلى أنه لا ينبغي أن يختلف في صحة كلام ابن الماجشون، وذلك بعد أن قرر قاعدة وهي: أن الأسباب منها ما لم يكله الله إلى خلقه كالزوال. ومنها ما وكله إلى خلقه فإن شاءوا جعلوه سببًا وإلا فلا، وهو التعليقات كلها فدخول الدار ليس سببًا لطلاق امرأة، ولا لعتق عبد في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ذلك فيجعله سببًا للتعليق.
وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سببًا إلا بجزمه، وإذا تقرر هذا فإذا عاد الاستثناء إلى الفعل المعلق عليه كان معناه أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببًا للطلاق، بل فوضت سببيته إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء جعله سببًا وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سببًا ولا يلزمه شيء إجماعًا ولا يمكن أن يخالف ابن القاسم في هذا، ولكن ساق صاحب المقدمات قول ابن الماجشون على أنه خلاف.
وقرر ابن عبد السلام مذهب ابن القاسم بأن قال: يمكن أن يقال إن دخول الدار وعدمه المعلق عليهما لما كان لا يخرجان على المشيئة ولا واحد منهما فذكر المشيئة لا يعيد لأنه لم يقصد التبرك كما في اليمين ولا في حل اليمين لأن الطلاق لا ينحل بها كما مر، ولا إخراج بعض المعلق عليه لأن جمعيه داخل تحت المشيئة كما هو مذهب أهل السنة، فلم
[ ٤ / ٤٢٠ ]
يبق إذًا في ذكرها هنا فائدة فيكون الحكم مع ذكرها كالحكم مع عدم ذكرها، فوجب ترتب الطلاق على عدم الدخول في قوله: لأدخلن، وعلى الدخول في قوله: لا دخلت.
خليل: وفي كلام القرافي ما هو جواب عن هذا وهو أن يقال إنما معنى ذكر المشيئة هنا أن الفعل المعلق عليه لم أجزم بكونه سببًا بل فوضت سببيته إلى الله تعالى.
أَمَّا لَوْ قَالَ فِي مُعَلَّقٍ عَلَيهِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي [٣٦٥/ أ] فَذَلِكَ لَهُ.
كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن لم أدخل الدار إلا أن يبدو لي، لن معناه حينئذ إن لم أصمم على جعل الدخول أو عدمه سببًا، بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فلهذا نفعه، لأن كل سبب وكل إلى إرادته لا يكون سببًا إلا بتضمينه على جعله سببًا.
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى حَالٍ وَاضِحَةٍ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ فِيهَا هَازِلًا، مِثْلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الإِنْسَانُ إِنْسَانًا وهَذَا الْحَجَرُ حَجَرًا حَنِثَ لِهَزْلِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ
هكذا وقع في بعض التي رأيتها، وعلل المصنف الحنث بهزله وهو ظاهر، ولا يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه فإن المعلق عليه هنا الطلاق هو نفي الإنسانية ونفي إنسانية الإنسان عنه لا يمكن، فلو كان الوقوع للتحقق لم يقع طلاق وقول ابن عبد السلام: يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه ليس بظاهر ولعل الواقع في نسخته: (إن كان هذا الإنسان إنسانًا) بإسقاط حرف النفي، ولهذا قال: وإذا اقترن بالكلام ما يدل على أن المراد وهو تمام الأوصاف الإنسية كالكرم والشجاعة وغير ذلك، وكون الحجر صلبًا بحيث لا يتأتى للحديد، فعلق المتكلم على وجود هذه الأوصاف أو عدمها فلا يحصل الطلاق إلا بحصول الشرط.
[ ٤ / ٤٢١ ]
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ) أي فيلزم، وهذا أيضًا متردد بين الهزل والإخبار، لأن ما يقع الآن يستحيل أمس، فيكون هذا الاعتبار هازلًا، ويحتمل أن يريد به الإخبار أي أخبر أنه طلق أمس فيلزم أيضًا الطلاق.
فَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ حَالًا ومآلًا طُلِّقَتْ
أي: فإن كانت الصفة المعلق عليها الطلاق (لا تَعْلَمُ حَالًا ومآلًا طُلِّقَتْ) كما لو قال: إن لم يكن خلف جبل قاف كيت وكيت. أو إن لم يكن في وسط البحر المالح كيت وكيت. فأنت طالق.
وكما لو حلف أن فلانًا من أهل الجنة أو النار فأنت طالق، أعني في غير الذين ثبت لهم ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف في قوله: أنت طالق إن شاءت الملائكة أو الجن.
وَإِنْ أَمْكَنَ حَالًا وادَّعاه دُيِّنْ
كما لو قال ليلة تسع وعشرين والسماء مغيمة: علي الطلاق إن لم أكن رأيت الهلال وقوله: (دُيِّنْ) أي وكل إلى دائنه وحلف إن رفع إلى حاكم.
وتفسير ابن عبد السلام: قوله: (دُيِّنْ) فيحلف ليس بظاهر لأن النظر في الأيمان تختص بالأحكام.
وكَذِلِكَ لَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلَى النَّقِيضِ فِيهِمَا، مِثْلَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا وإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقينًا طُلِّقَت عَلَى الأَصَحِّ ..
يعني: لو حلف شخصان (عَلَى النَّقِيضِ) أي حلف كل منهما على نقيض ما حلف عليه صاحبه (فِيهِمَا) أي فيما لا يعلم حالًا ومآلًا، أو ما يعلم حالًا، ومثل المصنف بمثال واحد إما لأنه رآه صالحًا للصورتين فإنه إذا حلف أحدهما بالطلاق أنه غراب، والآخر
[ ٤ / ٤٢٢ ]
ليس بغراب، فإن كان الطائر لا يعرف لبعده حنثا، وإن كان قريبًا بحيث يمكن كل منهما أن يدعي يقين ما حلف عليه الآخر صدقا، وهكذا قال ابن راشد، وإما لأنه مثل ما يمكن حالًا، وسكت عن تمثيل الذي لا يمكن حالًا ومآلًا، فيكون مثاله كما لو حلف شخص بالطلاق أن فلانًا من أهل الجنة وحلف غيره أنه من أهل النار.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقينًا).
ابن راشد: أي وإن لم يدع كل واحد منهما أنه حلف على يقينه وإنما حلف على ما يظن أو يشك، حنث على الأصح، والقول بعدم اللزوم مشكل.
ابن راشد: ولا يبعد ما نقله المصنف عن أصول المذهب، وعكس بعضهم النقل فأتى بما ظاهره العكس، أعني أنه جعل القولين فيما إذا جزم كل واحد من الحالفين بصحة ما حلف عليه، وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على أن المسألة مختلف فيها من حيث الجملة، وكأن المصنف اختصر المدونة ونصها: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت كذا، وقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته؛ فليدينا ويتركا إن ادعيا يقينًا. واختلف قول مالك خارج المدونة هل يحلفان أم لا؟
وبني ذلك على الخلاف في توجيه يمين التهمة، قيل: ومحل الخلاف إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وأما لو جاءا مستفتيين فلا وجه لليمين، ونظير هذه المسألة في العتق من المدونة في العبد بين الشريكين فقال أحدهما: هو حر إن كان دخل المسجد، وقال الآخر: هو حر إن كان لم يدخل، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقينًا فإن شكا عتق عليهما بغير قضاء.
وقال غيره بالقضاء فإن قيل: كيف جرى الخلاف هنا في الشك، وقد تقدم في باب الصيد والذبائح أنه متى شك هل مات من الزكاة أو غيرها لم يؤكل بالاتفاق، وإنما الخلاف في الظن قيل: لأن الأصل هنا استمرار النكاح بخلاف ما ذكرت.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
أما لو كان لرجل امرأتان فرأى طائرًا فقال: إن كان هذا غرابًا فزينب طالق وإن لم يكن غرابًا فعزة طالق؛ والتبس عليه الأمر وتعذر التحقيق طلقتا عليه، وكان ذلك كاختلاط الميتة مع الذكية قاله بعضهم.
وَفِيهَا: إِنْ قَالَ: فَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ كَاذِبًا صُدِّقَ بِيَمِينِ
[٣٦٥/ ب] مثاله لو قال لزوجته: تزوجت أو اشترين جارية ثم حلف لامرأته إن كنت فعلت ذلك فأنت طالق، ثم قال: كنت كاذبًا في قولي أولًا، لم يلزمه الطلاق لأن كلامه أولًا لا مدخل له في الطلاق. قوله: (صُدِّقَ بِيَمِينِ) أي يحلف أنه كان كاذبًا وإنما حلف لأن كلامه أولًا يوجب التهمة.
بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْيَمِينِ: فَعَلْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ
كما لو حلف بالطلاق لا يدخل الدار ثم قال: دخلتها؛ لزمه الطلاق وقضى عليه به؛ لأنه أقر بانعقاد اليمين، وأقر بعد ذلك بالحنث، قالوا: ولو شهد عليه شهود بأنه فعل كذا فحلف بالطلاق لقد كذبوا في ذلك، لم يلزمه الطلاق لأنه حلف على رد قولهم، وفيه نظر، قالوا: ولو شهد عليه غيرهما، أنه فعل ذلك الفعل فإنه يحنث، وقالوا لو شهدت بينة أنه وجد منه ريح الخمر فحلف بالطلاق ما شربها لم يحنث.
وَلا يَسَعُ زَوْجَتَهُ- إِنْ عَلِمَتْ إِقْرَارَهُ- الْمُقَامُ إِلا كُرْهًا إِنْ بَانَتْ كَمَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا طُلِّقَتْ ثَلاثًا ولا بَيِّنَةَ لَهَا إِذْ لا يَنْفَعُهَا مُرَافَعَتُهُ ..
المسألة متصلة بالتي قبلها في المدونة كما هنا، ففيها: فإن كان علم أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه حل له المقام فيما بينه وما بين الله تعالى ولم يسع امرأته المقام معه إن سمعت إقراره هذا إن لم تجد بينة ولا سلطانًا فهي كمن طلقت ثلاثًا ولا بينة لها فلا تتزين
[ ٤ / ٤٢٤ ]
له ولا يرى لها شعرًا ولا وجهًا إن قدرت، ولا يأتيها إلا كارهة ولا تنفعها مرافعته ولا يمين عليه إلا بشاهد.
وقوله: (إِلا كُرْهًا) معناه مكرهة وهو أحسن من قوله في المدونة: كارهة؛ إذ لا ينفعها كراهة إتيانه فيما بينها وبين الله تعالى، وإنما ينفعها أن تكون مكرهة ولتبعد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.
وقال سحنون: لا تقتله ولا تقتل نفسها، واختاره بعض الشيوخ، واعترض قياس ابن المواز بأن شرط القياس أن يثبت في الفرع مثل حكم الأصل، والمثلية هنا غير حاصلة، لأن الحكم في الحرابة التخيير بين ممانعة المحارب أو تسليم المال له، والحكم هنا متحتم الممانعة، ولأن قتله إما أن يكون قبل الوطء وهو لا يجوز لعدم حصول موجب الحد أو بعده وذلك لا يجوز لها أيضًا، لأن الواجب عليه الحد وذلك للأئمة، وأجيب عن الأول بأن مراد محمد الاستدلال الذي هو محاولة الدليل عن القواعد الشرعية لا حقيقة القياس، وذلك لأن حرمة الفروج أقوى من حرمة المال، وإذا جازت المدافعة في الأضعف ففي الأقوى أولى.
وعن الثاني باختيار أن لها القتل قبل الوطء إذا لم يمكنها دفعه إلا بذلك، كما لو أراد قطع عضو منها.
ابن عبد السلام: وأجاب بعضهم عن كلام ابن المواز أيضًا بأنه مبني على أحد القولين في تقييد المنكر بالقتل، وفيه نظر. والله أعلم.
فَإِنْ أَمْكَنَ مَآلًا مِثْلَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا. أو: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقُ، فَقَالَ مَالِكُ: هِيَ طَالِقُ، لأَنَّهُ لا يَدْرِي أَحَامِلُ هِيَ أَم لا؟ وقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ وُقِفَتْ فِيهِمَا، وإِلا خُلِّيَ فِي الأُولَى، وطُلِّقَتْ فِي الثَّانِيَةِ ..
يعني: وإن طلق الطلاق على صفة يمكن الإطلاع عليها في المآل وذكر اللخمي في هذه المسألة أربعة أقوال فقال: إن قال لها: إن كنت حاملًا فأنت طالق وإن لم تكوني حاملًا
[ ٤ / ٤٢٥ ]
فأنت طالق، فإن كانت في طهر لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة، فإن قال: إن كنت حاملًا لم تطلق. وإن قال: إن لم تكوني حاملًا طلقت.
وكذلك إن كان يعزل لأن الحمل نادر. واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقولا، قال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها، وسواء قال: إن كنت حاملًا، أو: إن لم تكوني حاملًا.
وفي الواضحة: لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم. وقال أشهب: لا شيء عليه الآن ويؤخر أمرهما حتى تنظر هل هي حامل أم لا، وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو حنث، وقال إن كنت حاملًا لم يقع الطلاق لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، وإن قال: إن لم تكوني حاملًا عجل الطلاق لأنه على حنث.
واختار اللخمي قول أشهب، والقول الثاني من كلام المصنف هو قول أصبغ إلا أنه زاد: إن أنزل وقفت فيهما، أي في الصورتين، لكن في كلام المصنف مخالفة للخمي؛ لأن المصنف إنما ذكر القول الثاني إذا لم ينزل، واللخمي ذكره إذا أنزل. والله أعلم.
وَإِذَا وَقَفَتْ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهُا: تَرِثُهُ لا يَرِثُهُا
يعني: إذا فرعنا على مذهب المدونة من التخيير فلا ميراث، وإن فرعنا على القول بالوقوف أو على افتقاره إلى حكم حاكم، فمات أحدهما، فقيل يتوارثان.
ابن عبد السلام: وهو الأصح استصحابًا لحال الزوجية؛ لأن الطلاق لم يقع إلى الآن بل وقوعه متعذرًا لأجل الموت.
والقول الثاني: أنهما يتوارثان لحصول الشك في العصمة.
والثالث لسحنون: ترثه ولا يرثها لأنه مرسل العصمة من يده بسبب يمينه. وفيه نظر؛ لأن الشك إن نهض مانعًا منع الجانبين وإلا لم يمنع منهما. وقيد اللخمي قول
[ ٤ / ٤٢٦ ]
سحنون بما إذا تبين له أنه كان بارًا، قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت [٣٦٦/ أ] يمينه بالثلاث، ولو كانت اليمين بطلقة توارثا بالاتفاق لأنه وإن كان حانثا فهو طلاق رجعي.
وَمِثْلُهُ: إِنْ كَانَ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِكِ غُلامُ- فِي التَّنْجيز والْوُقُوفِ
أي: فيأتي الخلاف المتقدم، قوله: (والْوُقُوفِ) يعني: وعلى الوقوف تأتي الأقوال في الميراث كما تقدم وسكت عن ذلك للعلم به.
وقول ابن عبد السلام: إنما أراد التشبيه في التنجيز والوقوف ولو أراد الإرث لقال: والإرث ليس بظاهر، وهكذا كان شيخنا ﵀ يقول.
فرع:
إذا قال: إن ولدت ولدًا فأنت طالق اثنتين فولدت ولدين، طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني، ولو قال: كلما ولدت ولدًا فكذلك.
ابن سحنون عن أبيه: وإن قال: إن كان حملك جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلامًا فأنت طالق اثنتين، فولدت غلامًا وجارية، فإن ولدت الغلام أولًا طلقت اثنتين وتنقضي العدة بوضع الجارية ولا يلزمه بوضعها، وإن ولدت أولًا الجارية لا يلزمه إلا طلقة.
وفِي مِثْلِ: إِنْ كُنْتِ تُجِيِّبنِي أَوْ: إِنْ كُنْتِ تُبْغِضِينِي؛ يُؤْمَرُ بِفِرَاقِهَا، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجَابَتْهُ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ حَنِثَ، ورَابعُهَا إِنْ أَجَابَتْهُ وصَدَّقَهَا
اعلم أنه لا خلاف في أمره بالفراق صرح بذلك ابن بشير وابن شاس، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، وإنما اختلف هل الأمر مع الجبر أم لا على أربعة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.
واختلف هل مذهب المدونة عدم الجبر مطلقًا أو التفصيل بين أن تجيبه بما يقتضي الحنث فيجبر، وبين ما لا يقتضيه فلا يجبر؟ وما ذكره المصنف من تعميم الخلاف هي
[ ٤ / ٤٢٧ ]
طريقة بعضهم، وجعل بعضهم الثالث تفسيرًا للأولين، ورأى بعضهم أنه لا يختلف في الجبر إذا أجابته بما يقتضي الحنث، وإنما اختلف إذا أجابته بخلافه.
قال عبد الحميد: إن قصد لفظها فلا طلاق عليه إن جاوبته بما لا يقتضيه، وإن قصد ما في قلبها فهو من باب وقوع الطلاق بالشك فيأتي الخلاف.
خليل: وينبغي إن ظاهر من قرائن أحوالها بغضه أو محبته أن يعمل عليه، وإن لم يظهر شيء فيكون محل الخلاف.
وَإِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى أَصْلٍ لَمْ يُؤْمَرْ
فهم من قوله: (لَمْ يُؤْمَرْ) عدم الجبر من باب الأولى، وحكى صاحب البيان وعياض الاتفاق على عدم الجبر هنا، وحكى التونسي في حنثه قولين، وخرج اللخمي الحنث على القول بوجوب الوضوء في حق من تيقن الطهارة وشك في الحدث، قال: وعلى القول بأن الوضوء مستحب يؤمر هنا بالفراق استحبابًا، وفرق غيره بين الشك في الطلاق والحدث بفرقين:
أولهما: عظم المشقة الناشئة عن الطلاق لو أمر به، ويسارتها في الوضوء.
ثانيهما: أن المشكوك فيه يجب طرحهن فالشك في الوضوء شك في المشروط، وذلك يمنع من الدخول في الصلاة. والشك في الطلاق شك في حصول المانع من استصحاب العصمة فيطرح المانع.
فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَنْ حَلَفَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أن الشك إذا استند إلى سبب أقوى منه لأنه إذا لم يستند جرى مجرى الوسوسة، ومثل المستند بمن حلف ثم شك.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
ابن عبد السلام: وفي مثاله نظر، وليس مراد العلماء بالسبب هذا المعنى، لأنه لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لأن من حلف بالطلاق لا يدخل زيد داره ثم شك هل دخل زيد داره أم لا؟
فهذا من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وإن رأى إنسانًا دخل تلك الدار وشبهه بزيد ثم غاب ذلك الإنسان بحيث يتعذر تحققه، هل هو المحلوف على الدخول أم لا؟ ففيه الخلاف، والمشهور عند أبي عمران وجماعة من الشيوخ كما ذكر المصنف، والمشهور عند الشيخ أبي محمد الأمر من غير جبر.
اللخمي: وهو المعروف وهو الذي في الخلاف، ونقله في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم.
واحترز بقوله: (وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ) مما لو كان ذا وسوسة فإنه لا شيء عليه، قاله في المدونة. قال في البيان في باب طلاق السنة: الشك في الطلاق على خمسة أوجه: وجه لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به اتفاقًا، ووجه لا يجبر عليه، ويؤمر به اتفاقًا، ووجه لا يجبر فيه، واختلف هل يؤمر به أم لا؟ ووجه اختلف فيه، هل يجبر أم لا؟ ووجه يجبر عليه باتفاق.
فأما الذي لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به فهو أن يحلف على رجل لا تفعل كذا ثم شك هل فعل أم لا؟ لغير سبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر فيه على الطلاق ويؤمر به باتفاق فهو أن يحلف ألا يفعل فعلًا ثم شك هل فعل أم لا؟ لسبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر على الطلاق واختلف هل يؤمر به أم لا؟ فهو أن يشك هل طلق أم لا؟ وهل حلف وحنث أو لم يحلف؟ فقال ابن القاسم: لا يؤمر بالطلاق. وقال أصبغ: يؤمر به.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
وأما الوجه الذي اختلف فيه هل يجبر على الطلاق أم لا؟ فهو أن يشك في عدد الطلاق، ومن هذا إذا قال لزوجته: أنت طالق إن كانت فلانه حائضًا، فقالت فلانة: ما أنا حائض، أو حلف لصدقته، فقالت له: صدقتك، أو قال لها: إن كنت تبغضيني فقالت: لا أبغضك.
وأما الوجه الذي يجبر فيه على [٣٦٦/ ب] الطلاق باتفاق، فهو أن يقول: إن كان أمس كذا فأنت طالق لفعل يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون وقد عمي خبره، وكذلك إذا طلق إحدى نسائه ولم يعينها، أو قال: عينتها ونسيتها انتهى. فالوجه الثاني من كلامه الذي حكى فيه الاتفاق على أنه يؤمر ولا يجبر هو الذي ذكر المصنف أن المشهور فيه الحنث وعلى هذا فيتحصل في المذهب في هذا الوجه ثلاثة طرق:
طريقة أبي عمران وهي طريقة المصنف أن المشهور الحنث، وطريقة الشيخ أبي محمد واللخمي أن المشهور عدم الحنث، وطريق صاحب البيان.
وَفِيهَا: وكُلُّ يَمِينٍ بِالطَّلاقِ لا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ فِيهَا بَارُّ فَهُوَ حَانِثُ يَعْنِي يَشُكُّ
هذا استشهاد منه رحمه الله تعالى على أن مذهب المدونة موافق لما شهر، وبهذا اللفظ تمسك أبو عمران.
وقوله: (يَعْنِي يَشُكُّ) هذا تفسير منه للمدونة، ولعل المصنف اعتمد في هذا التفسير على ما قاله ابن المواز: كل من حلف ثم شك في بره وحنثه فهو حانث ما لم تكن يمينه بالله تعالى.
وأخرج المصنف بقوله: (يَشُكُّ) الظن والاعتقاد.
خليل: وانظر هل لا يؤمر بشيء إذا ظن البر كما يفهم من تفسير المصنف، أو يكون أخف؟ فعلى القول بالجبر مع الشك يؤمر هنا بغير جبر، وعلى القول بالأمر مع الشك لا يؤمر هنا.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
وَلو قَالَ: إِنْ كَتَمْتِنِي أَوْ كَذَبْتِنِي فَتُخْبِرُهُ ولا يَدْرِي أَكَتَمَتْهُ أَمْ كَذَبَتْهُ أَمْ لا؟ أمر بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وفِيهَا: ولَوْ حَلَفَ بِطَلاقٍ فَلَمْ يَدْرِ أَحَنِثَ أَمْ لا أُمِرَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ
ذكر أيضًا هاتين المسألتين حجة للقول بعدم الحنث، وينبغي أن يجري في مسألة (إن كذبتني) الأقوال التي تقدمت في: إن كنت تحبيني أو تبغضيني.
فَإِنْ شَكَّ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمِ اثْنَيْنِ أَمْ ثَلاثًا فَفِيهَا: قَالَ مَالِكُ: لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ كَانَ أَمْلَكَ بِهَا، ويُصَدَّقُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ- بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ التَّحْرِيمُ، وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ، أَوْ تَحَقَّقَ مِلْك الثَّلاثُ، وسُقُوطُ اثْنَيْنِ مَشْكُوكُ
يعني: إذا تحقق وقوع الطلاق وشك عدده، فقال مالك في المدونة: تطلق عليه ثلاثًا بمعنى إيقاع ما زاد على الواحدة لم يقع على معنى التحقيق بل على طريق الاحتياط كما سيأتي، واختلف هل على هذا القول يحكم عليه بالثلاث؟ وهو الذي فهمه أكثر الشيوخ من المدونة كعبد الحق واللخمي، ومنهم من فهمها على الأمر بذلك فقط.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ) نحوه في المدونة، ولا إشكال فيه على الأمر بالثلاث من غير جبر، وأما على الحكم بالثلاث فلا يكون أحق، قاله بعض القرويين، وصدق لأنه شيء ما علم إلا من جهته.
ابن عبد السلام: ولا يمين عليه، قال في المدونة: وإن ذكر ذلك بعد العدة كان خاطبًا ويصدق في ذلك.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ) نحوه في الجواهر.
ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا القول بعض المتأخرين، وأنكر غيرهما من حفاظ الشيوخ وجوده في المذهب، وأصول المذهب تشهد لوجوده.
[ ٤ / ٤٣١ ]
وقوله: (بنَاءً .. إلى آخره) يعني ومنشأ الخلاف أن المشهور نظر إلى أن بالطلاق حصل التحريم، والتحريم لا يرفعه إلا الرجعة إن كانت الزوجة مدخولًا بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها فتلك الرجعة، وذلك العقد يشترط في صحتهما بقاء بعض أهل العصمة الأولى وبقاء البعض مشكوك فيه، فحصل الشك في صحة الرجعة والعقد فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما وهو التحريم، ورأى في الشاهد أن ملك الثلاث متيقن وقد وقع الشك فيما زاد عليها، والأصل انتفاء ما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتبقية فلا يقع غيرها. وفهم من قوله: (وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ) أن الرجعة محرمة وهو المذهب كما سيأتي، وفهم أيضًا أن هذا الخلاف إنما هو في المدخول بها لأنها التي فيها الرجعة، وأما غيرها فالواحدة تحرمها وقد تحقق ذلك.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ أَبَدًا لِدَوَرَانِ الشَّكِّ مَا لَمْ يَبُتَّ، ورَوَى أَشْهَبُ زَوَالَهُ بَعْدَ ثَلاثِةِ أَزْوَاجٍ وتَطْلِيَقَتَيْنِ ..
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من إيقاع الثلاث ثم زوجها بعد زوج، ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك في زوج ثالث ورابع، قال في المدونة: ومائة زوج، لأنه إذا تزوجها ثانيًا وطلقها واحدة، قلنا يحتمل أن يكون طلقت اثنتين، فتكون هذه الطلقة مكملة الثلاث. فإذا تزوجها ثالثًا بعد زوج ثان فكذلك، لأنه يحتمل أن يكون المشكوك في عدده أولًا واحدة، وكذلك يفعل فيما بعد ذلك.
عياض: ويجرى على هذا ولو بعد ألف زوج، ولهذا تلقب هذه المسألة بالدولابية لدورانها هكذا، وكذلك إذا طلقها اثنتين، ولا يحصل الدوران مع الاختلاف وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك إذا طلقها طلقتين في الثاني وفي الثالث طلقة وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثًا فهذه الأخيرة هي أول عصمة مستأنفة، فإن فرض اثنتين فتكون ثانية، وذلك إن فرض واحدة فاعلمه.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
وقوله: (مَا لَمْ يَبُتَّ) أي ما لم يطلق ثلاثًا فيزول الشك حينئذ، وإذا تزوجها بعد زوج ترجع عنده على عصمة مستأنفة.
خليل: ويمكن أن يزيل [٣٦٧/ أ] الشك أولًا بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثًا فقد أوقعت عليه تكملة الثلاث، لأنه بين أحد أمرين إما أن طلقها ثلاثًا فلا شك، وإن طلقها دون ثلاث فهي في عصمته فيقع بقية الثلاث، اللهم إلا أن تنقضي العدة أو تكون غير مدخول بها، وإلى هذا أشار عبد الحميد. والله أعلم.
وروى أشهب أن الشك يرتفع بعد ثلاثة أزواج.
ابن يونس: ووجهه أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة أو اثنتين أو ثلاثًا، فإن كان ثلاثًا فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج فصارت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كان واحدة فقط طلقها بعد الزوج الأول واحدة، وبعد الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج.
قال في البيان: وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب وقال يحيى بن عمرو: قد تدبرته فوجدته خطأ وقال ذلك فضل أيضًا، وهو كما قالا لأنه لا يرتفع الشك. ونقل ابن يونس في المسألة قولًا ثالثًا عن ابن وهب أنه إذا طلقها ثلاثًا وإن كن متفرقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ. وأشار عياض إلى أنه وهم في ذلك وأنه راجع إلى القول الثاني وليس بثالث، لأنه إن طلق ثلاثًا مجتمعة في كلمة واحدة فلا خلاف، وأما المفترقات فمعناها من الأزواج وهو قول أشهب.
فَإِنْ شَكَّ أَهِنْدُ هِيَ أَم غَيْرُهَا طُلِّقَنْ كُلُّهُنَّ بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ
يعني: فإن طلق واحدة معينة من نسائه ونسي عينها، أو حلف بطلاقها فحنث فإن نسائه الجميع يطلقن عليه.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
قال في الكافي: واتفق على ذلك قول مالك.
قوله: (بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ) نحوه في المدونة، قال في الجواهر: ويوقف ليتذكر ولا يعجل عليه بالاتفاق لرجاء التذكر وإن طال الأمد ورفعناه ضرب له أجل الإيلاء، ونحوه للخمي وزاد: وقيل: يطلقن عليه من غير أجل.
اللخمي: والصبر أحسن لأنه يرجو أن يتذكر، فإن طلق ونوى التي لم يطلق حلتا للأزواج، وإلا طلق السلطان عليه ونوى التي لم تطلق أي لتحل للأزواج، وعلى هذا فيلزم إذا لم يتذكر أن يطلق التي لم يقع عليها طلاق، فيقول: امرأتي التي لم يقع عليها طلاق طالق. خلاف قول مالك يطلقن عليه من غير استئناف طلاق، وهو مذهب أبي حنيفة، واستحسنه ابن عبد السلام.
ولعل الخلاف مبني على اختلاف الأصوليين في اختلاط الميتة بالذكية هل يحرمان معًا أو إنما تحرم الميتة؟ فعلى الثاني لابد من استئناف الطلاق.
وَفِي إِحْدَاكُنَّ طَالِقُ، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقُ، ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً مُعَيَّنَةً- قَالَ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ: يُطَلَّقْنَ، وقَالَ الْمَدَنِيُّونَ: يَخْتَارُ كَالْعِتْقِ ..
قال في البيان: المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه أن الجميع يطلقن وقال المدنيون: ويختار واحدة كالمشهور في العتق.
والمشهور أن العتق أحق، لأنه يتبعض ولا يتنجز إذا علق على زمان آت، ويعتق فيه بالقرعة، بخلاف الطلاق، فإن قيل: فلم لم يقل المدنيون في الأولى أيضًا يختار كهذه؟ قيل: لأن الطلاق في الأولى وقع على واحدة معينة، وذلك التعيين مانع من نقله منها إلى غيرها، ولهذا قلنا: إذا تذكر المطلقة لم يلزمه في غيرها شيء، فإذا لم تعلم المطلقة احتجنا إلى طلاق الجميع، بخلاف هذه فإنه إنما ألزم نفسه الطلاق في غير معينة فكان تعيين له.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وفهم من قوله: (ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً) أنه لو نوى معينة لصدق. ابن بشير: بلا خلاف.
قال في المدونة: ويصدق في القضاء والفتيا وظاهرها نفي اليمين لتسويته بين القضاء والفتيا. وحكى اللخمي وغيره في ذلك قولين، وهما على الخلاف في أيمان التهم، وقال اللخمي: إن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال، وإن كانت عليه بينة وقال: أردت فلانة وكان كلامه نسقًا صدق بغير يمين، وإن لم يكن نسقًا وقال: نويت الشابة أو الحسنة أو من يعلم منه الميل إليها لم يحلف وإن قال: نويت الأخرى حلف. ابن بشير: وهذا إن كان التعيين والزوجتان في الحياة، فإن عين بعد الموت فقال: المطلقة هي الميتة، قبل قوله، واستظهر عليه باليمين.
وإن عكس فقال: المطلقة هي الحية، وليس للميتة مال قبل قوله، ولا يمين أيضًا، وإن كان لها مال. فقال اللخمي لا يقبل قوله، لأنه يريد الميراث، والأصل قبول قوله ويستظهر عليه باليمين، لأنه كان مقبول القول فلا يرجع قبول قوله بموت الميتة.
فَإِنْ شَكَّ أَطَلاقُ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ فَفِي أَمْرِهِ بِالْتِزَامِ جَمِيعِ مَا يَحْلِفُ بِهِ عَادَةً قَوْلانِ
يعني: إذا تيقن أنه حلف يمينًا ثم نسي ما حلف به، والقول بالأمر مذهب المدونة ففيها من لمي در بها حلف أبطلاق أو عتق أو مشي أو صدقة؟ فليطلق نسائه ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، وليمش إلى مكة، يؤمر بذلك من غير قضاء، وإذا تأملت كلام المصنف وجدته مخالفًا للمدونة، لأنه في المدونة إنما أمره بالتزام ما يحلف [٣٦٧/ ب] به عادة كالمصنف، وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر لكنه تبع ابن شاس.
وقال أصبغ: إن لم يدر بأي يمين حلف أبطلاق أو عتاق أو إيلاء أو مشي أو ظهار؟ فإنه تلزمه ولا تجري على لسانه. واعترضه اللخمي وقال: قول أصبغ أنه يجبر على المشي والصدقة خلاف المعروف من المذهب، ولعل ابن شاس رأى قول أصبغ إلا ما كان منها
[ ٤ / ٤٣٥ ]
ليس من أيمانه، فجعله تقييدًا للمدونة وفيه بعد. وقول اللخمي إن المعروف من المذهب في المشي والصدقة عدم الجبر صحيح إلا أن ينص على الجبر فيهما إذ يحتمل أن يريد بلزوم ما ذكره في القضاء والفتيا أي يقضي عليه بما علم في غير هذا الموضوع أنه يقضي عليه به، وذلك الطلاق والعتق المعين والظهار على أن الصقة ليس لها ذكر في كلام أصبغ.
التَّفْوِيضُ: تَوْكِيلُ، وتَمْلِيكُ، وتَخْبِير
يقال: فوض الأمر إليه إذا رده إليه وهذا مشترك بين التوكيل والتمليك والتخيير فلذلك جعل التفويض جنسًا والثلاثة أنواعًا له، والفرق بين التوكيل وغيره أن التوكيل يفعل على طريق النيابة بخلاف غيره.
وأما الفرق بين التخيير والتمليك فقيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه، فقولهم: في المشهور كما سيأتي أن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما ذلك مستفاد من العرف، وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف، وقيل: هو وإن كان تابعًا للعرف إلا أن العرف موافق للغة أو قريب منها؛ لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلًا، فلذلك قلنا أن للزوج أن يناكرها، لأن الأصل بقاء ملكه بيده.
أما التخيير فقال أهل اللغة: خيرت فلانًا بين الشيئين إذا فوضت إليه الخيار، فيكون على هذا معنى تخيير الزوجة أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على ما لا يبقي للزوج معها رجعة.
ففِي التَّوْكِيلِ: يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ توقِعَ
تصوره ظاهر، ونحوه في التلقين وهو مقيد بما إذا لم يتعلق للمرأة حق صرح بذلك ابن بشير كما إذا قال لها إن تزوجت عليك فقد جعلت أمرك بيدك أو أمر الداخلة بيدك توكيلًا لا تمليكًا فهنا قد تعلق للمرأة حق في التوكيل فلا يكون له عزلها وهذا كما قلنا أن للموكل عزل الوكيل ما لم يتعلق به حق الغير.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
واقتضى كلام المصنف أنه ليس للموكل له عند وكيله ما لم يتعلق به حق الغير- الرجوع في التمليك وهو كذلك في التلقين ليس له أن يرجع إلى أن يبطل تمليكها.
الباجي: وهو مما انفرد به.
وَالتَّمْلِيكُ: مِثْلُ: مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَطَلاقُكِ بِيَدِكِ، وطَلِّقِي نَفْسَكِ، وأَنْتِ طَالِقُ إِنْ شِئْتِ أَوْ كُلَّمَا شِئْتِ؛ فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا، وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ حَتَّى تُجِيبَ ..
هذه صيغة التمليك وقدم (مَلَّكْتُكِ) لأنها صريح هذا الباب فلما كان (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أقرب في باب التمليك من (طَلاقُكِ بِيَدِكِ) جعل (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إثر (ملكتك) ولا يقال: لا ينبغي عد (أمرك بيدك) لأن الأمر هو الشأن وشأنها بيدها قيل قوله لأن أمرك بيدك في هذا الباب المراد منه الإنشاء.
وقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) أي إذا ملكها وتخصيصه هذا للتمليك يقتضي أنها ليس لها ذلك في التوكيل وهو ظاهر لأن للزوج عزلها وإذا كان لها المنع فليس لها أن تطول على زوجها وإنما لها ذلك في المجلس وشببهه كما سيأتي.
وقوله: (حَتَّى تُجِيبَ) يحتمل أن يكون غاية للجملة الأخيرة وهي (وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ) ويحتمل أن يكون غاية لها ولقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) وهو الأقرب.
وَالْجَوَابُ قَوْلُ صَرِيحُ وَمُحْتَملُ، وفِعْلُ، فَالصَّرِيحُ يُعْمَلُ بِهِ فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ والطَّلاقِ
يعني: وجواب المرأة إذا صدر من الرجل التمليك ينقسم إلى (قَوْلُ .. وفِعْلُ) والقول ينقسم إلى (صَرِيحُ وَمُحْتَملُ) لأنه إذا كان نصًا في المراد فهو صريح وإلا فهو محتمل وينبغي أن يكون الفعل أيضًا ينقسم كذلك لأنه وإن لم تكن له دلالة بالوضع بل بالقرائن المحتفة به فتلك القرائن إما أن تحتمل النقيض أو لا.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
ولعل المصنف ترك تقسيمه اكتفاءً بما سيذكره.
وقوله: (فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ) كما لو قالت: رددت ما جعلت إلي أو لا أقبله (والطَّلاقِ) عطف على (رَدِّ) تقديره، وإيقاع الطلاق كما لو قالت: طلقت نفسي أو بنت منك أو بنت مني.
مَا لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي قَصْدِهِ عَلَى الْفَوْرِ ويَحْلِفُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقًا وقع ما زَادَته، فَإِنْ رَجَعَ فَفِي قَبُولِ قولِهِ قَوْلانِ، أَمَّا لَوْ شَرَطَ عِنْدَ نِكَاحِهِ أَوْ قَبْلَهُ- مثل: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ- فَلا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِي الثَّلاثِ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ ..
يريد إذا أجابت صريحًا بالطلاق فإن صرحت بالواحدة إن لم تنو شيئًا وإنما صرحت بمجرد الطلاق وقعت واحدة وإن أوقعت أكثر فله مناكراتها بأن يكون: إنما قصدت واحدة بشروط أن يناكرها بالفور، فإن تراخى أي لزمه ما اوقعته وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عن من ملك امرأته فقضت بالثلاث فلم يناكرها [٣٦٨/ أ] هل يدخل في مناكرتها بعد المجلس الخلاف الذي في المرأة ببطلان خيارها بانقضاء المجلس أم لا؟
فقال: لا يدخل وسكوته التزام بما قصدت بخلاف المملكة وإلى هذا أشار بقوله (عَلَى الْفَوْرِ).
ثانيها: أن يحلف، فإن لم يحلف ففي المبسوط عن القاضي إسماعيل تلزمه الثلاث.
مالك في العتبية: ولا تنقلب اليمين على المرأة لنكوله، قال في البيان ولا خلاف في ذلك إذا لم يعلم صدقه من كذبه في ما ادعاه من النية، قال وليس في حلفه خلاف.
ابن عبد السلام: وأصله من يمين التهمة.
فرع:
ومتى يحلف؟ قال ابن المواز: إن كانت مدخولًا بها حلف مكانه إذ له الرجعة، وإن كانت غير مدخول بها لم يحلف إلا إذا أراد أن يتزوجها ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا
[ ٤ / ٤٣٨ ]
يتزوجها قال الباجي وغير: لا يحلف في المدخول بها إلا عند إرادة الارتجاع إذ لعله لا يرتجعها، ولعل ابن المواز إنما ألزمه اليمين ناجزًا لتحقيق أحكام الزوجية الحاصلة في المطلقة طلاقًا رجعيًا للنفقة وموارثة واستمتاع عند من يراه.
ثالثها: أن ينوي واحدة عند التمليك، فلوى نوى بعده أو لو لم ينو شيئاص وقع ما أوقعته وإلى هذا أشار في قوله:
(فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ) وأشار إلى اشتراط القطع من التمليك بقوله أولًا (فِي قَصْدِهِ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أنه لو نوى اثنتين أن يقع الثلاث ولو كان كما في المدونة إلا أن يناكرها الزوج مكانه فيحلف ويلزمه ما نوى من واحد فأكثر لكان أحسن.
رابعها: أن يقصد بالتمليك الطلاق وإليه أشار في قوله: (فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقًا وقع ما زَادَته) وزادته بالزاي المعجمة وفي بعض النسخ (أرادته) من الإرادة والمعنى متقارب وقوله: (فَإِنْ رَجَعَ .. إلخ) يعني فإن أنكر أن يكون قصد الطلاق فقلنا يلزمك ما أوقعته من الثلاث فرجع وقال إنما نويت واحدة. فهل تقبل هذه النية منه؟ وهو رواية ابن القاسم عن مالك بعد حلفه أو لا يقبل منه وهو ندم من قائله وهو قول أصبغ.
أصبغ: والقول الأول وهم من ناقله واختاره غير واحد وهو الذي يأتي على المشهور في ما إذا أنكر المودع الوديعة فأقام ربها البينة على الإيداع فقال المودع: رددتها؛ فلا يسمع قوله ولا بينته على الرد وكذلك إذا أنكر المدين الدين أو المشتري الشراء وأقيمت عليهما البنية بالدين والشراء فزعما الوفاء، بل قبول قوله في هذه المسألة أولى من قبول قوله في مسألة التمليك، لأن الوديعة التي قامت على ردها البينة وكذلك الدين وثمن السلعة قد يسوغ في الشرع أو يظن كثير من العوام أنه سائغ ويقول: إنما أنكرت لعلمي أنه لا
[ ٤ / ٤٣٩ ]
شيء له عندي وخفت متى أقررت له بذلك أن يطالبني فأتكلف إقامة بينة وهي الغائبة أو تزكيتها ونحو ذلك.
وأما إنكار إرادة الطلاق بقوله (ملكتك) مع أنه يعلم من نفس إرادة الطلاق، فلا يجهله أحد فناسب ألا يعذر.
أصبغ: وإنما تنفعه النية التي خرج لفظ التمليك عليها لا ما حدث له بعد القول.
محمد: إلا رواية أشهب عن مالك في من ملك امرأته وهو يلاعبها فتقول: قد تركتك؛ فيقول الرجل: كنا لاعبين ولم أرد طلاقًا.
قال مالك: يحلف ما أراد إلا واحدة.
وفي مسألتهم شبهة قيل: أعليه حرج أن يحلف والله يعلم أنه لم يرد شيئًا قال: لا، قد أمر بذلك ويحلف ما أراد الطلاق وتكون واحدة.
محمد: وليس بأصل مالك لأنه ملكها ولم يرد واحدة، والله أعلم.
خامسها: أن لا يكون التمليك مشترطًا عليه في أصل العقد، فإن كان مشترطًا ففي المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق: لها أن تطلق نفسها بالطلاق ولا مناكرة له، بنى أو لم يبن، فإن طلقت نفسها واحدة وقد بنى بها فله الرجعة وإن لم يبن بها فقد بانت وإلى هذا أشار في قوله (أَمَّا لَوْ شَرَطَ إلخ) وهذا هو المشهور، وفي سماع عيسى: إن لم يبن بها طلقت نفسها واحدة لا أكثر لأنها تبين بها وقد علمت أن مذهب المدونة إذا طلقت المدخول بها نفسها واحدة أن له الرجعة، وقال سحنون وغيره: لا رجعة له، لأن ذلك مشترط في أصل النكاح وقرره ابن عتاب بأنه راجع إلى الخلع، لأنها أسقطت من صداقها لشرطها، قال: وقوله في المدونة جار على غير أصوله واحترز بقوله: (إلا أن يكون التمليك مشترطًا في أصل العقد) مما لو ملكها فيه طائعًا من غير شرط فإن له مناكرتها. نص عليه غير واحد.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
واختلف إذا لم يحصل التنصيص على الطوع أو الشرط فقال ابن العطار: ذلك على الطوع، وقال أبو الوليد وابن فتحون: ذلك على الاشتراط.
قوله: (أَوْ قَبْلَهُ) أي قبل العقد وهو كالمستغنى عنه لأنه إن استديم إلى عقدة النكاح فلا شك في اعتباره وإن لم يتعرض له في عقدة النكاح ألغي فدار الأمر مع ذكره في عقدة النكاح وجودًا وعدمًا.
وَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ لا تَزِيدُ إِلا فِي كُلَّمَا، أَوْ يَكُونُ نَسَقًا لَمْ يَنْوِ بِهِ التَّاكِيدَ كَطَلاقِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ ..
يعني: أن المملكة إذا أوقعت واحدة وقعت وليس لها أن تزيد عليها إلا في [٣٦٨/ ب] صورتين:
الأولى: أن تكون الصيغة مقتضية للتكرار. كما إذا قال: كلما شئت فأمرك بيدك.
والثانية: أن تكون نسقًا فلا تقبل منه المناكرة في غرادة التكرار بخلاف الصورة التالية.
واسم (يَكُونُ) في كلام المصنف يحتمل أن يعود على تمليكه وعلى ذلك مشاه ابن راشد وعليه فيقرأ (يَنْوِ) بالياء المثناة من أسفل.
ويحتمل أن يعود على جوابه وعلى ذلك حمله ابن عبد السلام، وعليه فيقرأ (تَنْوِ) بالتاء المثناة من فوق والوجهان في المدونة. أما الوجه الأول: ففيها: وإن قال أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك فطلقت نفسها ثلاثًا سئل الزوج عما أراد فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة وإن نوى الثلاث فهي الثلاث وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.
وأما الوجه الثاني ففيها: وإن ملكها قبل البناء ولا نية فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة فإن نسقتهن لزمه الثلاث إلا أن تنوي واحدة كطلاقه إياها إذا كان نسقًا
[ ٤ / ٤٤١ ]
قبل البناء ولا ترقى على الوجه الأول بين أن يعطف تمليكه أم لا، فقد روي عن مالك في من ملك وزجته فقالت كما ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة ففارقته فليس ذلك بثلاث إذا حلف ما ملكها إلا واحدة.
التونسي: وهو مشكل بأنه قد أبان بقوله: مرة ومرة ومرة أنه أراد ثلاثًا إلا أن يكون قصد إلى حكاية الألفاظ وأنه تمليك واحد.
قال في البيان: إن قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم كذلك، فإن لم تكن للزوج نية وقع في الثلاث بالاتفاق، وإن قال لم أنو إلا واحدة ففي الموازية عن مالك: تقع الثلاث.
محمد: والأحسن أنها واحدة ويحلف. وقوله في المدونة: إن ملكها قبل البناء؛ يريد أو بعده من باب الأولى، ولهذا لم يخصص المصنف.
وَالْمُحْتَمَلُ مِثْلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي فَيُقْبَل تَفْسِيرُهَا مِنْ رَدِّ، أَوْ طَلاقٍ، أَوْ بَقَاءٍ ..
لما تكلم على الصريح شرع في المحتمل ومثله بثلاثة ألفاظ لأن كل واحد منها يحتمل أن يفسر بالرد أي رد التمليك والاستدامة على العصمة أو بالطلاق أو بالبقاء، أي البقاء على النظر في الأمر ولا إشكال في تفسير كل من الألفاظ الثلاثة بالطلاق والبقاء، وأما التفسير بالرد ففيه نظر بأن القبول ليس موضوعًا للرد وليس الرد من مقتضى القبول بل دافع لمقتضاه وقد يجاب عنه بأنه لما كان الرد من آثار قبول النظر في الأمر صح التفسير به على سبيل المجاز، والله أعلم.
وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يلزمه الطلاق إذا قالت قبلت أمري ولا تسأل وهل قبلت نفسي كقبلت أمري وهو مقتضى بالطلاق قولان:
[ ٤ / ٤٤٢ ]
وَالْفِعْلُ: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ أَوْ تَنْقُلَ قُمَاشَهَا وتَنْفَرِدَ عَنْهُ، وَمِثْلَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا طَوْعًا فَكَالصَّرِيحِ فِيهِمَا ..
(فِيهِمَا) أي في الطلاق والرد، فنقلها لقماشها وانفرادها عنه (فَكَالصَّرِيحِ) في الرد وفيه حذف مضاف أي كاللفظ الصريح وهو يقتضي أنها لو قالت لم ترد بنقل القماش والاستتار عنه والبعد منه الطلاق لم يقبل منها؛ لأن ذلك يجري مجرى جوابها بالطلاق، وكذلك قال مالك على ما نقله اللخمي وعليه اقتصر في الجواهر.
ونقل ابن محرز عن عبد الوهاب وأومئ إلى ترجيحه بأنها لو فعلت ما يدل على رضاها به كما لو قبلته لما كان لها كلام، وإن لم ترد الرضى فكذلك إذا فعلت ما يدل على فراقه. ونقل ابن محرز عن مالك: أنه لا يكون طلاقًا إلا إذا أرادت به ذلك، وبه قال ابن وهب ومحمد، وهو الذي اقتصر عليه في المقدمات، وإليه يرجع اختيار اللخمي لأنه قال: أرى أن تسأل لم فعلت ذلك؟ فإن قالت: خمرت وجهي كراهية في رؤيته، ونقلت متاعي خيفة أن يحتال علي فيه. صدقت ولم يكن فراقًا.
وإذا ألزمناه بذلك الطلاق فقال عبد الملك: إن قالت بعد أن خمرت رأسها ونقلت قماشها أردت البتة، فله أن يناكرها ويحلف أنه ما ملكها إلا واحدة.
قال ابن القاسم: لا ينوى. الباجي: ووجهه أن الظاهر من فعلها البينونة فترك الإنكار عليها في المجلس يقتضي الرضى بالثلاث.
وقيل: عليه أن يحلف يمينًا أخرى أنه لم يظن انتقالها وما فعلت يكون طلاقًا بائنًا.
ومقتضى قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ أن ذلك يلزمه مع يمينه أنه لم يملك إلا واحدة.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئة لجميع ذلك وهذا ليس بخلاف في الظاهر. انتهى.
وقيد المصنف التمكين بأن تكون طائعةً لأنها لو لم تكن طائعةً كانت على خيارها، وأحرى إذا كانت غير عالمة، ويعاقب الزوج في فعله، نص عليه في المدونة.
وهو وإن كان في المدونة إنما نص على المعاقبة في التخيير، فالتمليك مساوٍ له في ذلك.
ونظير هذه المسألة في عدم السقوط خيارها بالوطء إذا كانت غير عالمة: الأمة تعتق تحت العبد، ومن شرط لها إن تزوج عليها أو تسري فأمرها بيدها وفعل ولم تعلم، قاله في المدونة. وإن ادعى على المملكة العلم فلا قول لها، فإن [٣٦٩/ أ] أعلمها وأمكنته وادعت الجهل لم تعذر، فإن اختلفا في الإصابة فالقول قولها، إلا أن تكون هناك خلوة، وإن أصابها وقالت: أكرهني، فالقول قوله مع يمينه، بخلاف إذا قبلها فالقول قولها مع يمينها.
فَإِنْ لَمْ تُجِبْ وتَفَرَّقَا، أَوْ طَالَ طُولًا يُخْرِجُ عَنِ الْجَوَابِ- فَفِي بَقَائِهِ كَالتَّخْبِيرِ رِوَايَتَانِ، وعَلَى بَقَائِهِ يَلْزمُ الْحَاكِم بِالإيقَاعِ أَوِ الرَّدِّ وإِلا أَسْقَطَ
الروايتان في المدونة والذي رجع إليه مالك أنه يبقى وإن تفرقا وطال ما لم توقف أو توطأ. وأخذ ابن القاسم بالقول الأول، أنهما إذا تفرقا من المجلس أو طال بهما حتى يعلم أنهما تركا ذلك، وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره بحيث يعلم أنهما تركا ما كانا فيه بطل، قال فيها: وعلى هذا جماعة من الناس. ونقل أشهب أن مالكًا إنما قال ببقائه وإن انقضى المجلس مرة ثم رجع عنه إلى أن مات.
واختار عبد الحميد القول بأنه بيدها وإن تفرقا. ورأى اللخمي أنها تمهل ثلاثة أيام قياسًا على الشاذ في من وجبت له شفعة أنه يمهل ذلك. وفيه نظر، لأن المملك كالطالب للجواب، بخلاف حق الشفيع فإنه ثابت بالشرع، ولهذا قيل في الشفيع: إن حقه باق أبدًا، وعلى القول بالسقوط بانقضاء المجلس فذلك بشرط أن يمكنها القضاء وأما لو ملكها
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وأسرع القيام عنها لم يسقط خيارها ولا تمليكها قاله في الجلاب. واعلم أن هاتين الروايتين إنما هما في التمليك المطلق، أي إذا قال لها: أمرك بيدك.
قال في المقدمات: وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها: أمرك بيدك أن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت أربعة ألفاظ يكون بها التفويض وهي تختلف باختلاف معانيها، فأما متى شئت فلا يختلف أن الأمر بيدها ما لم توقف وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه فيقطعه على مذهب ابن القاسم، ولا يقطعه على مذهب أصبغ.
وأما: إن شئت، أو: إذا شئت، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول مالك أن ذلك كالتمليك المطلق سواء.
والثاني: قول ابن القاسم أن الأمر بيدها ما لم توقف بخلاف مذهبه في التمليك المطلق.
والثالث: لأصبغ إن قال: إن شئت؛ كان الأمر بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت؛ كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك الوطء عنده في: إذا، بخلاف قوله: إن.
واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق إن شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح. وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن: أمرك بيدك إن شئت. ليس بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت. ووجه ذلك بتوجيه بعيد، حكى ذلك أبو النجاء في كتابه. انتهى.
وحكى ابن بشير في ما إذا قال لها: أنت مخيرة أو مملكة إن شئت، وإذا شئت، طريقين للمتأخرين:
أحدهما: أن في ذلك القولين السابقين في التمليك المطلق.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
والثاني: أنه يتفق على أن الخيار لها بعد المجلس، ولا خلاف أنه لو نص المخير أو المملك على أن ذلك لا يكون للمرأة إلا إن اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، أنه يعمل على ذلك.
فرع:
الأول: إذا ثبت أن لمالك فيما إذا خيرها ثم انقضى المجلس قولين، فذلك إنما هو إذا ملكها وهي حاضرة، وأما لو خيرها وهي غائبة من المجلس ثم بلغها ذلك فهل تكون بمنزلة ما لو كانت حاضرة؟ فيختلف فيه على قولين. وهي طريقة اللخمي، وقال: والقول ببقائه أحسن، لأن لفظه هنا لا يقتضي جوابًا، أو يتفق هنا على أن لها القضاء وإن انقضى المجلس طريقان، وإلى الأولى ذهب صاحب المقدمات فقال: وأما إن كتب إليها أو أرسل إليها رسولًا فلم يختلف قول مالك أن ذلك بيدها وإن لم تقض ساعة وجب لها التمليك، وقيل: بيمين، وقيل: بغيرها ما لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها. والطول في ذلك أكثر من شهرين على ما في سماع ابن القاسم، إلا أن يكون الزوج حاضرًا حين التمليك وتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال الأمر كالأمة المعتقة تحت العبد. وروى ابن وهب أن حقها يسقط إذا لم تقض ساعة وجب التمليك كالمملكة التي تواجه بالتمليك. انتهى.
تنبيه:
وإن قالت المرأة في المجلس: قد قبلت أمري فلها أن تقضي بعد المجلس ولا يدخله اختلاف قول مالك، أشار إليه في المدونة، ونص عليه الباجي وغيره.
صاحب البيان: وليس ذلك بالبين إلا إذا قيدت القول بالمجلس فلم ينكر عليها الزوج، ويكون سكوته كالإذن، وأما إن رد عليها وقال لها: إما أن تقضي أو تردي فالمسألة جارية على القولين.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
قوله: (وعلى بقائه) أي إذا فرع على قول مالك الثاني فإن الحاكم لا يمهل أمرها ويتركها ولو رضي الزوج بذلك لحق الله تعالى في بقاء [٣٦٩/ ب] العصمة على الشك بل يوقفها، فإما أن توقع الطلاق أو ترد التمليك.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم تفعل أحد الأمرين أسقط الحاكم ما بيدها.
والتَّخْبِيرُ مِثْلُ: اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، وهُوَ كَالتَّمْلِيكِ إِلا إِنَّهُ لِلثَّلاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ نَوَيَا أَوْ لَمْ يَنْوِيَا مَا لَمْ يُقَيَّدْ فَيَتَعَيَّنُ مَا قُيِّدَ ..
لما انقضى كلامه على التمليك شرع في التخيير وهو كالتمليك أي فيما تقدم من عدم العزل والجواب، ثم استثنى من ذلك أنه الثلاث المدخول بها من غير مناكرة وسواء نوى الزوجان ذلك أم لا. واحترزنا بالدخول بها من غيرها كالمملكة، فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة، كما سيأتي ومقابل المشهور القولان الآتيان في كلامه.
عياض: والمتحصل من الأقوال في مذهبنا في التخيير ستة أقوال:
أشهرها مذهب الكتاب: أن اختيارها ثلاث ولا مناكرة للزوج نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.
ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد أم لها القضاء ثانية؟
الثاني: أن لها الثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئًا ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج وهو قول عبد الملك.
الثالث: أنها واحدة بائنة، وهو الذي ذكره ابن خويز منداد عن مالك هو أحد مذهبي علي بن أبي طالب. وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختياره هو.
الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي، من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا إلا ما تأوله اللخمي.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون، وعليه تأولها اللخمي كالتمليك وهو قول عمر وعلي أولًا.
السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائنة، وهو قول زيد ابن ثابت، وحكاه النقاش عن مالك. انتهى.
وقوله: (مَا لَمْ يُقَيَّدْ) فيتعين ما قيد، كما لو قال لها: أنت طالق بالخيار في طلقة أو طلقتين وهل عليه يمين إذا قال: اختاري واحدة؟ فلا خلاف في وجوب اليمين أنه ما أراد إلا واحدة لأنك تختارين مرة واحدة، وإن قال: اختاري من الطلاق واحدة أو من الطلاق طلقة، أو اختاري طلقة فلا يمين عليه بلا خلاف، واختلف في وجوب اليمين إذا قال: في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي على قولين، ونسب اللخمي وجوب اليمين لابن القاسم، وقال: عدم اليمين أحسن. وقد تقدم الفرق بين التخيير في أنه ليس له مناكرة بخلاف التمليك أول الباب.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهَا مَا لَمْ تُوقِعْهُ لأَنَّ الثَّلاثَ مَمْنُوعَةُ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ، وأُجِيبَ بِأَنَّ السَّرَاحَ فِيهَا لا يَقْتَضِي الثَّلاثَ، ولأَنَّ الرَّسُولُ ﷺ لا يَرْتَجِعُ ..
يعني: أن اللخمي لما رأى أن التخيير مقتضي للثلاث وكان إيقاع الثلاث ممنوعًا قال: ينتزع الحاكم التخيير من يدها لتضمنه للممنوع إلا أن تسبق بالقضاء فيمضي.
عياض: وذهب بعض شيوخنا إلى أنه مباح إذ ليس هو إيقاع الثلاث وإنما هو سبب له والظاهر الآية في أمر النبي ﷺ بالتخيير وفعل ذلك. وهذا هو القول الذي ذكره المصنف بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ) وفي المسألة قول ثالث لأبي عمران يجوز التخيير وكيره للمرأة إيقاع الثلاث. وآية التخيير المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩].
قوله: (وأُجِيبَ .. إلى آخره) هذا جواب اللخمي عن الآية يعني أن قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ) يقتضي أنه لم يجعل الطلاق إلى زوجاته وإنما هو المطلق، ولو يعلم أن الزوجة المطلقة فإنما تطلق طلقة لأن السراح لا يقتضي الثلاث لاسيما كونه وصف بالجميل، نعم هو ﷺ لا يرتجع من اختارت الفراق بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، على أنه ولو سرح بالثلاث لكان ينبغي أن يكون حكمنا بذلك بخلافه لعدم حصول الندم له ﵊؛ لأنه كان يوحى إليه بخلافنا. والظاهر هنا هو الجواب الأول، وهو أنه ﷺ هو المسرح وبه يبطل الاستدلال بالآية الكريمة ويؤيد هذا ما قاله القاضي إسماعيل في الأحكام: وقد ظن قوم أنه ﵊ خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء منهم أن يظن برسول الله ﷺ أن يخير في طلاق ويكون ثلاثًا، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلقن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله، ألا ترى إلى قوله: (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) وقاله ابن رشد وعياض، وروى البخاري ومسلم والنسائي أنه ﵊ لما أمره الله بالتخيير وبدأ بعائشة وتلى عليها الآية وقال لها: "لا عليك أن لا تستعجيل حتى تستأمري أبويك". فقالت: أفي هذا [٣٧٠/ أ] أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواجه مثل ذلك. وما وقع في المدونة أن بعض أزواجه اختارت الفراق، اللخمي وعياض وغيرهما: فليس بصحيح.
تنبيه:
استدل ابن عبد السلام على أن الطلاق المراد من الآية دون الثلاث لحصول المتعة لأنه لو كان الثلاث لم تكن متعة وليس بظاهر، لأن المذهب استحباب المتعة لكل مطلقة سواء طلقت ثلاث أم لا، إلا ما استثنى وقد تقدم ذلك.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
وَقِيلَ: بَائِنَةُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ
هذان القولان هما مقابل المشهور المتقدم من كلام المصنف، والقول بأنها بائنة هو الذي حكاه ابن خويز منداد عن مالك كما تقدم.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) هو القول الخامس من كلام القاضي عياض، لأن قوله: (ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) يدل على أنه إذا لم يناكرها تقع الثلاث، واعترض ابن عبد السلام عليه القول الأول بعدم وجوده، وقوله أنه يتفق على لزوم الثلاث عند عدم المناكرة ليس بظاهر لما تقدم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ، وفِي بُطْلانِ اخْتِيَارِهَا: قَوْلانِ
يعني: وإذا فرعنا على المشهور أن التخيير للثلاث، فلو أوقعت المرأة واحدة لم تقع لأنها غير الذي جعل لها، وهل يبطل خيارها بعدولها عما جعل لها؟ وهو المشهور أم لا؟ ويكون لها بعد ذلك أن تقضي بالثلاث وهو قول أشهب، واستحسنه اللخمي لأن المرأة لم تترك ما جعل لها إلا على تقدير حصول الواحدة.
ابن المواز متممًا للمشهور: ما لم يتبين منه الرضى بما أوقعت فيلزم ذلك، وهل اللزوم فيما أوقعت من باب الطلاق بالنية أم لا؟ فيه تردد، وعورضت هذه المسالة بما إذا قالت المخيرة: اخترت نفسي إن دخلت علي ضرتي، فقال في المدونة: توقف لتختار أو تترك، ووجه المعارضة بينهما أن المخيرة في الأولى أخذت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها أخذت في الثانية حقها في إحدى الحالتين، أعني بشرط الدخول على ضرتها، فإسقاطها لبعض حقها إن كان مقتضيًا لسقوط حقها فهو سقوط فيهما وإلا فلا فيهما، ولهذا قال سحنون: يسقط حقها أيضًا في الثانية، وأجيب بأنها في الأولى تركت بعض ما جعل لها. وللزوج فيه غرض لأنها إذا أوقعت الثلاث تسقط عنه نفقة العدة،
[ ٤ / ٤٥٠ ]
فصارت لذلك الواحدة كأنها أمر آخر بخلاف الثانية فإنها لم تترك شيئًا للزوج فيه غرض، وإنما وقفت لحق الله تعالى في بقاء العصمة على الشك.
فرع:
اللخمي: إذا قال: اختاري تطليقتين. أو من تطليقتين. أو في تطليقتين فالجواب مختلف فيه فإن قال: اختاري تطليقتين، كان لها أن تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وإن قال: اختاري من تطليقتين قضت بواحدة ولم تستكمل اثنتين. واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين ففي المدونة تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة. وعن أصبغ إذا قال: اختاري من ثلاث؛ أنها البتة. قال في المدونة: وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فقالت: طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُوقِعُ الثَّلاثَ فلَهُ نَيِّتُهُ ويَحْلِفُ وإِلا وَقَعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ ..
حاصله أن الحكم في التخيير إذا كانت المرأة غير مدخول بها كالمملكة فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة بالشروط المتقدمة.
فرع:
واختلف في المدخول بها هل تعطي شيئًا على أن يخيرها، فقال مالك: تلزمه البتة باختيارها نفسها ولا مناكرة له. وقال سحنون وابن المواز: له أن يناكرها لأنها تبين بالواحدة.
ابن محرز: وهو أظهر، لأنها تبين بالواحدة فكانت كغير المدخول بها؛ قال: ووجه قول مالك أنها إنما أعطته على الخيار، وحكم الخيار أنه لا مناكرة فيه بعد الدخول.
[ ٤ / ٤٥١ ]
وَيبْقَى بِيَدِهَا وَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ، وإِلَيْهِ رَجَع ولَوْ عُلِمَ أَنَّهُمَا خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى تُجِيبَ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ يَسْقُطُ إِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ ..
وهذا كما تقدم في التمليك سواء، ولا يؤخذ من قول المصنف (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ) أن ابن القاسم قال بهذا القول، وقد قمنا أنه قال به ولم يحفظ له غيره.
أَمَّا لَوْ قُيِّدَ الْجَمِيعُ بِوَقْتٍ تَقَيَّدَ بِهِ إِلا أَنْ تَرُدَّ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ
(الْجَمِيعُ) أي: التمليك والتخيير ويحتمل أو يريد جميع صيغ التخيير والتمليك سواء كانت تدل على التكرار ككلما، أو على امتداد الزمان كمتى؛ كما لو قال: لك الخيار في هذا اليوم أو إلى شهر أو سنة، تقيد به ولا يتعداه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري اليوم كله فمضى اليوم ولم تختر فلا خيار لها. واختلف هل هذا على قوليه معًا في التمليك؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد والقابسي وابن الحارث وغيرهم.
ابن محرز وابن يونس: وهو الصواب.
أو اليوم هنا مثل المجلس ويدخله القولان إذا انقضى اليوم، ونقله عبد الحق عن بعض القرويين.
(إِلا أَنْ تَرُدَّ) أي ما جعل لها وتختار زوجها أو يسقط الحاكم إذا اطلع لحق الله [٣٧٠/ ب] في بقاء العصمة على الشك. قال في المدونة: وإن قال لها أمرك بيدك إلى سنة وقعت متى علم ذلك ولا تترك تحته، وأمرها بيدها حتى توقف فتقضي أو ترد.
ابن القاسم: وكذلك إذا قال لها إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فإنها توقف إما أن تقضي أو ترد، إلا أن يطلقها في الوجهين وهي طائعة فيزول ما بيدها، وقال ابن شعبان: لا قضاء لها حتى يأتي الأجل وله الوطء إلى ذلك الأجل، وفي بعض الروايات لا يجوز أن
[ ٤ / ٤٥٢ ]
يجعل الرجل الخيار لامرأته في نفسها إلى أجل بعيد إلا أن يكون ذلك اليوم وشبهه، فيوقف عن امرأته في اليوم وشبهه حتى ترجع إليه أو تفارقه.
لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، ونَحْوَهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَهُوَ الَبَتاتُ
لما قدم التخيير من جهة الرجل تكلم على الجواب من جهة المرأة،
واعلم أن جوابها قسمان:
صريح: كما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثًا، ولا شك في لزوم الثلاث، كما لو قالت: اخترت زوجي، أو رددت ما جعل إلي من التخيير، فلا شك في عدم لزوم الطلاق، ولما كان هذا واضحًا أعرض المصنف عنه.
والثاني ظاهر: كما لو قالت: اخترت نفسي ونحوه، قال في المدونة: وإن أجابته بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت نفسي، أو: طلقت نفسي، أو: طلقت نفسي ثلاثًا، أو: بنت منك، أو: بنت مني، أو: قد حرمت عليك، أو: حرمت علي، أو: برئت منك، أو: برئت مني، أو نحو هذا فهو البتات، ولا تسأل فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا في تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك كما وصفنا قبل.
واختلف إذا سؤلت: أي الطلاق أرادت بقولها: اخترت نفسي؟ فلم تكن لها نية، فقال ابن القاسم: مرة واحدة، ومرة ثلاثًا. وبالأول قال ابن الماجشون. وبالثاني قال أصبغ، وكذلك إذا قالت اخترت الفراق.
وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ونَحْوَهُ سُئِلَتْ- فَإِنْ أَرَادَتْ ثَلاثًا وَقَعَتْ، وإِلا لَمْ تَقَعْ
هذا مذهب المدونة، واختلف شارحوها إذا لم تكن لها نية فقال صاحب المقدمات: يلزم الزوج ثلاثًا إلا أن يناكرها في التمليك. وقال عبد الحق: إذا لم تكن له نية ولا لها فهي
[ ٤ / ٤٥٣ ]
طلقة واحدة تلزم في التمليك وسقط في التخيير. وفي المقدمات: إذا قالت: طلقت نفسي خمسة أقوال:
الأول: مذهب المدونة تسأل في المجلس وبعده، في التخيير والتمليك وإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك.
والثاني: أنها تسأل في المجلس أيضًا وبعده في التخيير والتمليك، وإن لم تكن له نية فهي واحدة تلزمه في التمليك وتسقط في التخيير.
والثالث: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير، فإن قالت في المجلس أردت ثلاثًا فهي ثلاث، إلا أن يناكرها في التمليك وهو قول ابن القاسم في الواضحة.
والرابع: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي ثلاث إلا أن: تقول في المجلس أردت واحدة فيسقط التخيير، وهو قول أصبغ في الواضحة.
والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثًا صدقت وكانت ثلاثًا، وإن قالت: واحدة أو اثنتين أو لم تكن لها نية أو افترقا من المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها.
قال: وأما إن قالت: أنا طالق، فلا تسأل في تمليك ولا تخيير وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير إلا أن تقول في المجلس: نويت ثلاثًا فتلزم في التخيير ويكون للزوج في التمليك أن يناكرها، ولا أحفظ في هذا نص خلاف.
وأما إن قالت: اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل فيالتخيير والتمليك لأن هذه الألف واللام قد يراد بهما الجنس فتكون ثلاثًا، ويراد بهما العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة. فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل أيهما
[ ٤ / ٤٥٤ ]
أردت؟ فإن قالت: لم تكن لي نية كانت ثلاثًا على قول أصبغ في الواضحة. ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: قد طلقت نفسي ولا نية لها أنها ثلاث. وواحدة على قول ابن القاسم في الواضحة في التي تقول: طلقت نفسي ولا نية لها أنها واحدة.
ويحتمل أن يكون الألف واللام للعهد وهو الطلاق الذي ملكها إياه فيكون ثلاثًا.
وقد كان ابن زرب يتوقف في الجواب في هذه المسألة إذ لم يجد في المدونة ولا في العتبية فيها نصًا. ونحو طلقت نفسي طلقت زوجي، أو أنا مطلقة أو هو مطلق وكذلك ما تقدم من الألفاظ التي في المدونة في التي قبلها.
فَلَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا انْقَطَعَ التَّخْيِيرُ لأَنَّهَا رَضِيَتْ بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ
يعني: إذا خيرها ثم أبانها إما بخلع أو بثلاث فإنه إذا تزوجها ينقطع خيارها لأنها رضيت بتزويجه، وإذا كان تمليكها من نفسها دليلًا على إسقاط حقها فإنشاء عقدة النكاح أولى بخلاف ما إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فإن خيارها لا ينقطع لأن حكمها حكم الزوجة فلها أن تختار.
وَلَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ أَجْنَبِيِّ وتفرقا في المجلس فَكَالْمَرْأَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ سَقَطَ، وإِنْ أَشْهَدَ أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ وجَعَلَهُ إِلَى الزَّوْجَةِ، ورُوِيَ لا [٣٧١/ أ] يَسْقُطُ فَيَكُونُ كَالْمولي
اختلف أولًا هل له أن يجعل الأمر في الطلاق إلى غير الزوجة؟ وهو مذهب المدونة، وعليه اقتصر المصنف وسواء كان الأجنبي حاضرًا أو قريب الغيبة، قال في سماع عيسى كاليومين والثلاثة، وقال في الواضحة عن ابن القاسم: كاليوم وشبهه، ابن القاسم وأما إن كان بعيدًا رجع الأمر إليها وليس أن يجعل الأمر إلى غيرها وإن كان حاضرًا ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد، وهو قول أصبغ، وعلى المشهور فإما أن يكون حينئذ حاضرًا أو غائبًا.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
وأنما تكلم المصنف على الحاضر، ثم الحاضر إن لم يغب ففي بطلان ما بيده بالقضاء المجلس القولان السابقان في المرأة وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه إن أمكن المملك من المرأة وزوجها زانل ما بيدها من أمرها، أي على القولين. وإذا فرع على القول بعدم السقوط بالتفرق فلو مكنت الزوجة ولم يعلم الأجنبي ففي المدونة يسقط خياره. وقال محمد: لا يسقط، واستحسنه اللخمي قال: وإذا ثبت أن للأجنبي حقًا فلا يكون للزوج أن يطأ الزوجة إلا بعد علم الأجنبي. وأما إن غاب وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ) على حقه (سَقَطَ) ما بيده، لأن عدم الشهادة دليل على إسقاط حقه، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين الغيبة القريبة والبعيدة، وكذلك كلام ابن بشير وابن شاس.
وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفرق بين طول الغيبة وقصرها كما في القسم الذي يقابله، وقد يقال إذا لم يشهد كان ذلك قرينة في إسقاط حقه ولا سيما والخلاف في أصل المسألة، أعني: هل يسقط الخيار انقضاء المجلس أم لا؟ وأما إن أشهد أنه باق على حقه ففي الجواهر: إن قربت الغيبة كتب إليه بإسقاط ما بيده وإمضاء ما جعل إليه وإن بعدت، فقيل يسقط ما بيده وينتقل إلى الزوجة لأن المملك كالنائب عنها.
وفي الموازية ذلك بيده ولا يقربها الزوج لأنه قد جعل الأمر في طلاقها إلى غيره فيلزمه ما التزم. وإذا فرعنا على هذا ثم قامت بحقها في الوطء ضرب لها أجل المولي إذا رجي قدومه واستعلام ما عنده في الأجل، وأما إن لم يكن يرجى ذلك ففي ضرب الأجل قولان للمتأخرين، فقول المصنف في بعيد الغيبة، وأما في قربها فينظر ما عنده.
وقوله: (ورُوِيَ لا يَسْقُطُ) هو ما في الموازية.
مالك: والأجل من يوم ترفعه، وفيه نظر؛ لأن المشهور المذهب عدم ضرب الأجل في حق من امتنع من الوطء بغير يمين إلا أن يقال هذا مبني على الشاذ.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
وقول المصنف في القول الأول وجعله إلى الزوجة قد يخرج منه خلاف من رواية علي عن مالك في الذي تزوج امرأة وشرطت عليه أمها في العقد إن نكح عليها أو تسري أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد الأم، ثم ماتت الأم فلا يكون ذلك بيد أحد غير من جعله الزوج بيده، لأنه يقول: لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيدها لنظرها وقلة عجلتها، وهو خلاف المدونة. وحكي المتيطي وغيره روايتين إذا أوصت الأم به إلى أجنبي وماتت هل ينتقل إلى من أوصت له أم لا؟
فرع:
قال اللخمي: وإن ملك غائبًا فإن كان قريبًا كتب إليه ليعلم ما عنده، واختلف إن كان بعيدًا فلمالك في الموازية: يضرب له الأجل من يوم ترفع، فإن قدم وإلا طلقت عليه بالإيلاء.
محمد: فإن قدم في العدة فقضى بالطلاق لزم الزوج مع طلقه الإيلاء، وإن لم يطلق كأن أن يرتجع متى شاء ما كانت فيه العدة، وقال أيضًا: لا يرجع الأمر إليها إذا كان يرجى قدومه في الأجل.
وقد اختلف في هذا الأصل هل يجعل الطلقة الآن لما كان الصبر لا يفيد وهو مضرة عليها؟ أو يصيب رجاء أن ينتقل رأيها إلى الصبر، وإذا طلق بالإيلاء كان له أن يمنعه الرجعة، لأنه ممنوع من الإجابة، وإن انقضت العدة لم يجز له أن يتزوجها لأنه ممنوع منها حتى يقدم فلان، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يحل له وطؤها ولا يتعرض بالحائض لأن ما فوق الإزار جائز وهذه ممنوعة جملة.
ولَوْ خَيَّرَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ اعْتُبِرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ بَلَغَتْ حَدَّ الوَطْءِ
مقتضى كلامه أن قول ابن القاسم مخالف للأول لعطفه عليه بالواو، وفي النوادر عن الموازية قال مالك: إذا خير زوجته قبل أن تبلغ وقبل البناء واختارت نفسها فهو طلاق إن بلغت في حالها.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
ابن القاسم: يريد حد الوطء، فإن ابن القاسم إنما قصد التفسير، لكن وقع لمالك في سماع عيسى أن الطلاق يلزمه وإن لم تبلغ مبلغًا يوطأ مثلها إذا كانت قد عقلت وعرفت ما ملكت فيه.
ومثله أيضًا لابن القاسم أيضًا في سماع أبي زيد فتفسيره ضعيف، لأن الموجود لمالك خلافه. ولو كانت صغيرة لم تعقل معنى الخيار لاستؤني حتى تعقل ثم تختار قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد. انتهى.
وقال سحنون في العتبية: لها الخيار وإن لم تبلغ لأنه هو الذي جعل ذلك إليها، ونحوه نقل [٣٧١/ ب] اللخمي عن أشهب وعبد الملك، قال في البيان: وقول سحنون: وإن لم تبلغ. يريد: وإن لم تبلغ الحيض، ومن تأول عليه أن لها الخيار وإن لم تبلغ مبلغًا تعرف فيه معنى الطلاق فقد أبعد، ووقع لعبد الملك في من خير المغمورة فاختارت نفسها قال: إن خيرها وهي مفيقة ثم غمرت فقضاؤها غير جائز، وإن خيرها وهي مغمرة فقضت جاز قضاؤها لأنه في حد رضي لنفسه بقضائها. قال: وكذلك لو ملك صبيًا أمر امرأته لجاز قضاؤه إن كان يعقل ما جعل له وما يجيب به، فإن كان يخلط في كلامه ولا يعقل ما جعل له لم يجز. واانظر هل قوله في الصبي مخالف لقوله في المغمورة؟
وحكم التَّخْبِيرِ والتَّمْلِيكِ فِي التَّعْلِيقِ كَالطَّلاقِ فِي التَّنْجِيزِ والتَّاخِيرِ مِثْلَ إِنْ مَضَتْ سَنَةُ فَيَتَنَجَّزُ، وإِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَيَتَأَخَّرُ ..
تصوره ظاهر، وقوله: (كَالطَّلاقِ) أي وفاقًا وخلافًا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ غِبْتُ شَهْرًا فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ فَغَابَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ فُسِخَ، وإِلا فَقَوْلانِ- كَمَنْ طَلَّقَ فَتَزَوَّجَتْ وقَدِ ارْتَجَعَ ..
قوله: (وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ) أي بقدومه (فُسِخَ).
[ ٤ / ٤٥٨ ]
قوله: (وإِلا) أي: وإن لم تعلم (فَقَوْلانِ) المشهور أنها تفوت بالدخول وهاتان المسألتان من نظائر المفقود وقد تقدمتا.
واعلم أنها تطلق نفسها في المسألة الأولى بعد أن تثبت الغيبة ثم تحلف لقد غاب عنها الغيبة المذكورة ولا يرجع إليها سرًا ولا جهرًا، ثم إذا فعلت ذلك أباح لها القاضي أن تطلق نفسها.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلانُ فَقَدِمَ ولَمْ تَعْلَمْ ثُمَّ وَطِئَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا
تصوره ظاهر ويعاقب إن علم ووطئها.
الرَّجْعَةُ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلاقٍ قَاصِرٍ عَنِ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرَ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ ووَطْءٍ جَائِزٍ، ولَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَ الْوَطْءِ ..
يقال: الرجعة بفتح الراء وكسرها، الجوهري: والفتح أفصح، وأنكر غيره الكسر، ورسمها المصنف بقوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ إلى آخره) فرد المعتدة كالجنس، فقال: رد المعتدة؛ لأنه لو تزوج ابتداءً وردها بعد خروجها من عدة الطلاق لم تكن رجعية وعن طلاق لا يخرج به شيء، وإنما ذكره توصلًا إلى قوله: (قَاصِرٍ) إذ لو قال: رد المعتدة عن قاصر لكان قبيحًا، وقولنا لا يخرج به شيئًا لأن رد المعتدة لا يكون إلا عن طلاق. وقال: (عَنِ الْغَايَةِ) ولم يقل عن الثلاث ليشمل الحر والعبد؛ لأن غاية طلاقه اثنتان فلو قال قاصر عن الثلاث لاقتضى أن العبد إذا طلق اثنتين أن تكون له الرجعة.
وقوله: (ابْتِدَاءً) راجع إلى قوله: (قَاصِرٍ) لا إلى قوله: (طَلاقٍ) لأنه لو رجع إلى قوله طلاق لم ينعكس الحد لخروج الحر إذا طلق زوجته طلقة بائنة لأنه لا يصدق عليه أنه طلاق مبتدأ بخلاف ما إذا أعدناه إلى قاصر فإن الطلقة الثانية قاصرة عن الغاية باعتبار الابتداء.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
ويمكن أن يقال ابتداء كالصفة للغاية، ويكون المعنى قاصر عن الغاية الابتدائية لا إلى الانتهائية، فإن العبد إذا طلق طلقه في رقه ثم أعتق فليس له بعد عتقه إلا واحدة تكملة غاية الأولى فانظره.
واحترز بقوله: (غَيْرَ خُلْعٍ) فإنه لا رجعة فيه. وبقوله: (بَعْدَ دُخُولٍ) من الطلقة قبله فلا رجعة له، والظاهر أن قوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ) يغني عن هذا لأن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وبـ (وَطْءٍ جَائِزٍ) مما لو دخل بها ووطئها حائضًا أو في نهار رمضان فإنه لا يكون له الرجعة بذلك كما لا يقع به الإحلال والإحصان؛ لأن ذلك الوطء كلا وطء، إذ المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
ولم يشترط ابن الماجشون في الرجعة جواز الوطء، وقوله مقيد بما إذا لم يكن الوطء محرمًا بالأصالة، وأما المحرم بالأصالة وهو الوطء في الدبر فإنه يوافق على عدم اعتباره، ووجهه أنه وطء في زوجة يوجب تكميل الصداق فوجب أن يجلب للزوج الرجعة.
وذهب ابن حبيب واللخمي إلى أن خلافه فيما عدا صوم التطوع وقضاء رمضان والاعتكاف وغير المنذور، وأما في الثلاث فيحل اتفاقًا لأن الصوم يفسد في هذا بأول الملاقات بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه مخاطب بالإمساك عن التمادي، وذهب الباجي إلى أن الخلاف مطلق.
واعلم أنه متى حصلت هذه القيود كان للزوج أن يرتجع الزوجة أحبت أم كرهت، والإجماع على ذلك، واعترض على الحد الذي ذكره المصنف بأنه غير جامع لأنه المطلق عليه بالإيلاء، أو لعدم النفقة لا تصح لأحدهما الرجعة إلا بعد ذهاب الموجب للطلاق بفينة المولي أو يسر العسر. واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة ولم يصب قال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة لا تصح رجعتهما وإن رضيت ولا تنهدم عدة ثبتت بطلاق، بمعنى إلا بزوال ذلك المعنى الذي طلقت له.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في الواضحة في من حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سنة، فقامت بحقها فطلق عليها بالإيلاء، فله أن يرتجعها [٣٧٢/ أ] برضاها، قالوا: لأن لها أن تقيم بغير وطء إلى انقضاء السنة، فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة وإن لم يرتفع السبب.
اللخمي: وهو أحسن لأن الطلاق كان لحق آدمين وأيضًا فإن كل طلاق يوقعه الحاكم غير هذين الطلاقين بائن ليس للزوج فيه رجعة مع أن كلام المصنف يقتضي أن تكون له الرجعة في ذلك إذ يصدق عليها أنها معتدة من طلاق قاصر إلى آخره، فكان ينبغي للمصنف أن يزيد بعد قوله: (طَلاقٍ) غير حكمي، لتخرج هذه الصورة وقد يجاب عنهما. أما المولي والمعسر بالنفقة فلا نسلم أنه ليس لكل واحد منهما الرجعة، بل لهما الرجعة وإنما لصحتها شرط إذ لو ارتجع المعسر بالنفقة ثم أيسر في العدة صحت رجعته، وعن الثاني فإنه إنما سكت عن التنبيه على ذلك لأنه رأى أن قوله (غَيْرَ خُلْعٍ) مغن عنه لاشتراك الجميع في البينونة والله أعلم.
فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ لَهُ، ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلاق، ويَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ ..
هذا شروع من المصنف في الكلام على ما احترز به من القيود فقوله (فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ) إلى قوله (بَعْدَ دُخُولٍ) ولم تكن له رجعة، وإن تصادقا على الوطء لأن ذلك ذريعة إلى نكاح بلا ولي ولا صداق، إلا أن يظهر حمل ولا ينكره فتصح الرجعة لأن الحمل قاطع للتهمة وإذا لم يصدقهما فيلزم كل واحد بمقتضى إقراره، فيلزم الزوج بالنفقة والكسوة والسكنة وألا يتزوج أختها أو خامسة، وتلزم المرأة العدة وألا تتزوج غيره. وهكذا قال في المدونة، زاد فيها: ولا يتوارثان فإن لم يصدق فلا عدة عليها ولا نفقة ولا كسوة.
[ ٤ / ٤٦١ ]
فَلَوْ خَلا وادَّعَى الْوَطْءَ وأَنْكَرَتْهُ فَفِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ
ظاهر قوله (خَلا)، أنه لا فرق بين خلوة الاهتداء والزيارة والضمير في قوله (وأَنْكَرَتْهُ) عائدعلى الوطء.
وتصور كلامه ظاهر وفي المدونة: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء صدق إنكاره الوطء ولها نصف الصداق. فإن أقر ههنا بالوطء وأكذبته فلها أخذ جميع صداقها بإقراره أو نصفه، ولابد لها من العدة للخلوة ولا رجعة له. انتهى.
ومفهومه أنه لو كانت خلوة بناء أن له الرجعة وكذا قال اللخمي: الظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة الزيارة. ونحوه لابن المواز لأنه قال: الموضع الذي يقبل قوله في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة وفي ثبوت الرجعة وفي دعواه دفع الصداق إليها وقاله ابن رشد.
اللخمي: قال مالك في المختصر: لا رجعة له إذا انفرد بدعوى الإصابة وجعل حكم الرجعة لا يصح إلا باجتماعهما على الإصابة كالإحلال.
خليل: وإذا كانت هذه المسألة جارية على الصداق فيتخرج في كل من خلوة البناء والزيارة قولان، والمشهور: يقبل قوله في خلوة الاهتداء دون خلوة الزيارة.
وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ أَوْ غَيْرِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلافِ عَادَتِهَا، وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ ..
لما كان الارتجاع إنما يكون في زمن العدة بين المصنف أنها مصدقة في انقضائها سواء كانت بوضع أو حيض، وهو مراده بقوله (أَوْ غَيْرِهِ) وأما الأشهر فهن والرجال سواء.
وقوله (بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ)، هو كقوله في المدونة: وإذا قال لمعتدة: قد راجعتك فأجابته نسقًا لكلامه: قد انقضت عدتي، فإن مضت مدة تنقضي في زمن مثلها صدقت
[ ٤ / ٤٦٢ ]
بغير يمين، وإلا لم تصدق. وقضى أبان ابن عثمان في مطلقة ادعت بعد خمسة وأربعين يومًا أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف، وليس العمل على التحليف إذا ادعت ما تحيط في مثله، وهذا لأنهن مأمونات على فروجهن ولا يعلم ذلك إلا من جهتهن ألا ترى قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨] فلولا أن قولهن مقبول في ذلك وإلا لما كان لعدم حلية الكتمان فائدة.
وقوله: (وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ) اللخمي: واختلف إذا كانت المدة تنقضي فيها العدة للنادر هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، يسأل النساء فإن كن يحضن ويطهرن لذلك صدقت. وقال في الموازية: لا تصدق في شهر، وقال أيضًا: لا تصدق في شهر ونصف وما أراها إلا عجلت زمان أقل حيض النساء أن يقمن خمسًا، وقال سحنون: لا تصدق في أقل من شهرين وعنه أقل ما تصدق فيه أربعون. وقال ابن العربي: عادة النساء عندنا أن تحيض في كل شهر مرة وقد قالت الأديان فلا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر.
وَلا يُفِيدُ تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ، وَلا رُؤْيَةَ النِّسَاءِ لَهَا فِي وَضْعٍ ولا حَيْضٍ ..
يعني إذا قالت: انقضت عدتي؛ ثم أكذبت نفسها أو قالت: إنما قلت إن عدتي انقضت لأني رأيت دمًا وظننت أنه يتمادى وقد انقطع بإثر قولي، أو نظر النساء إليها فلم يرين بها أثر حيض ولا وضع فلا عبرة بقولها ولا قولهن، وبانت بقولها الأول وتصديقها [٣٧٢/ ب] ذريعة إلى إجازة النكاح بغير شروطه، ورتب المصنف هذه الثلاث مسائل ترتيبًا حسنًا، لأنه حكم أولا بعدم قبول قول المرأة التي أكذبت نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من لم تكذب نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من شهد لها النساء بصدقها.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
ولا إشكال في المسألة الأولى لأن خبرها في غاية الضعف، وأما الثانية ففي المدونة ما ذكره المصنف، وفيه إشكال لأن أكثر أصحابنا قالوا أنها لا تحل بدخولها في الحيضة الثالثة إلا بشرط الدوام فينبغي أن يقبل قولها في دعواها الانقطاع وكما هي مؤتمنة فيوجوده أولًا، فكذلك تؤتمن على ماديه وانقطاعه، وكما في قبول قولها داعية إلى إجازة نكاح بغير شروطه ففي عدم قبول قولها إباحتها للغير بالشك. ولم ينص في المدونة على عدم قبول شهادة النساء إذا شهدن بعدم الوضع، وإنما نص فيها على عدم القبول إذا شهدن بعدم الحيض، لكن الظاهر ألا فرق.
وَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ سَنَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ إِلا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ لَمْ تُصَدَّقْ إِلا إِنْ كَانَتْ مُظْهِرَةً لِلتَّاخِيرِ فَتُصَدَّقُ ..
يعني: إذا طلق الرجل زوجته طلاقًا رجعيًا ثم مات بعد سنة من يوم الطلاق، وقالت: لم أحض إلا واحدة، فإن كانت مرضعا – اللخمي: أو مريضة- صدقت، لأن الرضاع والمرض يمنعان الحيض، وإن كانت صحيحة غير مرضع فقال في الموازية ما ذكره المصنف: لا تصدق، لأنها تتهم على أخذ الميراث من الزوج بدعوى أمر نادر، إلا أن تكون قبل موت مطلقها تذكر أنها لم تحض إلا مرة واحدة لضعف التهمة حينئذ فتصدق على الأقل.
وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضها بعد انقضاء سنة وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض.
ولعل هذين القولين سابقين في دعوى النادر إلا أن ذلك بحسب قصر العدة وهذا بحسب طولها.
قال في البيان: ولو كانت بقرب السنة لجرت على القولين في السنة وفهم من كلام المصنف أنها لا تصدق فيما دون السنة. قال في البيان: وينبغي أن تصدق في نحو الأربعة
[ ٤ / ٤٦٤ ]
أشهر وعشر بغير يمين وفي الستة أشهر ونحوه بيمين، قال: وأما إن ادعت بعد موت زوجها بأكثر من العام والعامين أنها لم تستكمل ثلاث حيض ألا تصدق إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته قولًا واحدًا.
اللخمي: وإن كان الطلاق بائنًا صدقت لأنها معترفة على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه وأما إن كان الزوج حيًا فإن صدقها الزوج كانت لها النفقة ولم تكن من الرجعة.
ويختلف إذا كذبها هل يصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة، ويختلف إذا ماتت الزوجة بعد مضي عدتها المعتادة هل تحمل على أنها في العدة ويرثها الزوج، فلمالك في كتاب المدنيين: إن مات بعد ثلاثة أشهر وادعى الزوج أنها كانت حاملًا فإنه يرثها، والبينة على من أراد منعه. وفي كتاب الاستبراء في من باع أمة ببراءة من الحمل وهو مقر بالوطء ولم يستبرئ فمضى لها بعد البيع قدر حيضة- محمد: وذلك قدر شهر- انتقل الضمان وكانت المصيبة من المشتري.
اللخمي: فنقل الضمان وهو لا يدري هل رأت دمًا أم لا؟ بل قال المشتري: لم تحض عندي؛ لم يصدق، وعلى هذا فيحمل من المرأة إذا انقضى الأمد المعتاد على أنها رأت الأقراء ثم ماتت وعلى هذا لا يرثها، وهذه المسألة دخيلة في هذا الباب لأن إرثها ليس في الرجعة بل في الميراث. والله أعلم.
وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ مَبْنِيُّ عَلَى الاخْتِلافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ، فِي الْعِدَّةِ والاسْتِبْرَاءِ
لما ذكر أن المرأة تصدق إذا ادعت انقضاء العدة ما أمكن- مبني على أقل الطهر، والحيض المذكور في العدة والاستبراء، وأنما قال في العدة والاستبراء لأن الحيض من باب العبادات لا حد له بخلاف العدد كما سيأتي. وأما الطهر فهو في البابين متحد كما قدمناه في باب الطهارة.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وَلَوْ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتِ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ
لأن سكوتها مع إشهاده كالإقرار له بصحة رجعته، فادعاؤها بعد ذلك أن عدتها كانت انقضت يعد ندمًا فلذلك لا يقبل. وأجرى ابن رشد في هذه المسالة قولًا بأن سكوتها لا يعد إقرارًا من خلاف ذكره في هذا الأصل.
وَإِذَا قَالَتْ: حِضْتُ ثَلاثًا فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذِّبُهَا صَحَّتْ رَجْعَتُهُ
يعني: إذا أراد المطلق الرجعة فقالت له المطلقة: قد حضت ثالثة وذلك لمدة تنقضي فيها العدة غالبًا، فقال الزوج: قد قلت بالأمس: أنك لم تحيضي أو إنما حضت مرة واحدة، فلا يلتفت إلى قوله، أشهب: ولا يقبل تصديقها له إلا أن يقيم الزوج بينة أنها قالت أمس: لم أحض. وإنما حضت مرة، فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه كمال الثلاث.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يُصَدَّقْ- أَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْه- إِلا بِأَمَارَةٍ مِنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ تَصَرُّفِهِ، أَوْ مَبِيتِهِ، ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ ومِنَ التَّزْوِيجِ إِنْ صَدَّقَتْهُ ولَهَا النَّفَقَةُ ..
قال في المدونة: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك فصدقته أو كذبته لم يصدق، ولا رجعة له إلا أن يقيم على ذلك بينة أو يعلم أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، فيقبل قوله.
وإن أكذبته ولم يذكر مع قبول قوله يمينًا ولا يبعد توجيهها، وقوله: أو يعلم أنه كان يدخل عليها، هو كقول المصنف: (أَوْ تَصَرُّفِهِ) لكن [٣٧٣/ أ] ظاهر المدونة أنه لابد من مجموع التصرف والمبيت، لعطفه المبيت بالواو خلاف مقتضى كلام المصنف.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
ورأى أشهب أنه لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينه أنه جامعها في العدة أي على إقراره بذلك، وقوله في المدونة: أو يعلم أنه كان يدخل عليها.
محمد: هو على أحد قوليه في منع الدخول عليها، وأما على القول بإباحة ذلك إذا كان مما يتحفظ بها فلا حجة له في الدخول والخروج.
عياض: وأما المبيت فإن كان في بيتها وهي في الدار معه وحدها فهي حجة على القولين جميعًا.
وقوله: (ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ) يعني أن الزوج إذا ادعى الرجعة فلزوجته حالتان: إحداهما: تكذيبه، والأخرى: تصديقه.
فإن كذبته فلها أن تتزوج غيره. وإن صدقته فلا يمكن من ارتجاعها لأن تصديقها له داعية إلى نكاح بغير شروطه، لكن يلزم كل واحد من الزوجين بمقتضى إقراره، فتلزم هي بألا تتزوج غيره لاعترافها أنها في عصمة الزوج، ويلزم هو بالنفقة والكسوة لاعترافه أنها في عصمته، ويمنع من نكاح أختها أو خامسة. ونحو ذلك لبعض القرويين.
ويلزم كل واحد بمقتضى إقراره إنما هو إذا تماديا على إقرارهما، وأما إن نزعا عن ذلك أو نزع أحدهما فلا يلزمان، وهذا كقولهم في المرأة تدعى أن زوجها طلقها ثلاثًا فلا يقبل منها، ثم بعد ذلك يخالعها زوجها، فيريد بعد المخالعة أن تتزوجه، فإن قالت: كنت كاذبة في قولي أن زوجي طلقني وإنما أردت الزوال عن عصمته، فلها أن تتزوجه وإن كانت متمادية على إقرارها فلا تتزوجه إلا بعد زوج. وقال غيره من القرويين يؤخذان بما تقدم من إقرارهما، إلا أن يستحدث الزوج طلاقها. عبد الحق: والقول الأول أصوب.
فَإِنْ قَامَتْ بِحَقِّهَا في الوطء فِي الْوَطْءِ فَفِي تَطْلِيقِهَا بِسَبِبِهِ قَوْلانِ
ظاهره أن القولين منصوصان قال اللخمي: واختلف إذا أجرى النفقة وقامت بالطلاق لعدم الوطء فالمعروف ألا مقال لها لأنه لم يقصد ضررًا والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياسًا على أحد قولي مالك في من قطع ذكره بعد الدخول.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
والطلاق على المرتجع أبين لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن انقطع ذكره يستمتع بغير إصابة.
وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ
لأنا إنما كنا منعناه منها لحق الله تعالى في ابتداء النكاح بغير شروطه، وإذا جدد العقد زال ذلك وليس لها الامتناع لإقرارها أنها في عصمته، وكذلك أيضًا لو أقر سيد الأمة المتزوجة لزوجها برجعته بعد انقضاء العدة لم يقبل لكن للزوج أن يجبر السيد على تجديد عقد بربع دينار.
فَلَوْ تَزَوَّجَتْ فَوَضَعَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِرَجْعَتِهِ ولا تَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي لأَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ لا مُعْتَدَّةُ.
يعني: إذا ادعى أنه راجع في العدة فكذبته وتزوجت ثم ولدت (لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ) أشهر من نكاح الثاني لحق هذا الولد بالأول وردت المرأة إلى الأول بدعواه الرجعة أولًا.
(ولا تَحْرُمُ) على الزوج الثاني إذا طلقها الزوج الأول، أو مات عنها؛ لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون تزويج الثاني في عصمة الأول ولم يتزوج معتدة. وتشارك هذه المسالة ما لو ارتجعها فأجابته بأن عدتها انقضت ثم تزوجت، وما إذا أقام الزوج الأول بينة بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج الثاني على أنه كان ارتجعها.
وَلَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ تَعْلَمْ بِمُرَاجَعَتِهِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَكَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ ..
تصوره واضح، والقولان هنا منصوصان كما في مسألة المفقود.
مالك: فإذا كان المرتجع حاضرًا فرآها تزوجت ودخلت ولم يعلمها برجعته فإنها تمضي زوجة للثاني.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
اللخمي: وليس بالبين ولو رأى رجل زوجته تتزوج ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقًا ولو عد ذلك طلاقًا لاحتسب بطلقة أخرى.
وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوِطْءُ السَّيِّدِ كَوِطْءٍ النِّكَاحِ
يعني: ولو كانت المطلقة أمة فانقضت عدتها ولم يعلم سيدها بمراجعته ووطئها، فإن وطئه فوت على المشهور كوطء الزوج الثاني في المسألة المتقدمة.
واعلم أن حكمهم بالفوات بالوطء في الأولى أقوى منه في الثانية لاستناده في الأولى إلى عقد ولا يقال الملك يتنزل منزلة العقد في النكاح، لأن عقد النكاح يوجب التحريم على آبائه وأبنائه، وتحرم به الأمهات، وليس بمجرد الملك موجب لذلك بالاتفاق، بل لابد مع ذلك مع الوطء أو ما يقوم مقامه من التلذذ.
وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ ولا يَمْنَعُ مَرَضُ ولا إِحْرَامُ
يعني: أن المرتجع يشترط فيه أن يكون أهلًا للنكاح فلا بد أن يكون عاقلًا بالغًا.
قوله: (ولا يَمْنَعُ) أي ولا يمنع من الرجعة ما يمنع ابتداء النكاح، وحاصلة أن المتزوج والمرتجع يستويان في الشروط دون انتفاء الموانع ولا يمنع المرض، لأن المطلقة طلاقًا رجعيًا ترث فلم يكن في ارتجاعها إدخال وارث، بخلاف ابتداء النكاح.
قوله: (ولا إِحْرَامُ) يريد سواء كانت هي محرمة أو هو.
وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ
لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه، ولأن الرجعية زوجة.
وَتكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِثْلَ: رَجَعْتُ، ورَاجَعْتُ، وارْتَجَعْتُ، وردَدَتُهَا وأَمْسَكْتُهَا
أي: (وَتكُونُ) له الرجعة، قوله: (مِثْلَ: رَجَعْتُ) تبين القول وهو ظاهر.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وَالْفِعْلُ مِثْلُ: الْوَطْءِ، والاسْتِمْتَاع
تصوره ظاهر، ولم ينص في المدونة إلا على الوطء، لكنه نص في الموازية على القبلة والمباشرة للذة، وما أشبه ذلك كما لو وطئ قال في المقدمات وهو بيان للمدونة.
وفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ فِي الْفِعْلِ.
لا خلاف إن اجتمعت النية مع الفعل أو القول في صحة الرجعة، واختلف إذا انفرد القول أو الفعل على ثلاثة أقوال: فقال أشهب: ليس ذلك برجعة.
وقال ابن وهب: الوطء رجعة، وإن عري عن النية، فأخذ منه أنه لا يشترطها في القول أيضًا من باب الأولى. والثالث المشهور: يشترط في الفعل دون القول، لأن الفعل لا دلالة له بالوضع، فلذلك اشترطت معه النية لضعف دلالته، بخلاف اللفظ فإنه يدل بالوضع، ولأنه إذا قال: ارتجعتك، وقال: لم أنو الرجعة. إما أن يكون كاذبًا فتلزمه الرجعة، وإما هازلًا فهزلها جد كالطلاق، وكذلك بنى غير واحد الخلاف في القول المجرد على الخلاف في صحة نكاح الهازل.
قال في المقدمات: وإذا انفرد اللفظ دون النية لا تصح له بذلك الرجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من يرى أن الطلاق يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة، إلا أنه بعيد في المعنى.
واختلف هل يجوز له الوطء إذا التزام الرجعة؟ على القول الذي يرى إنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وعلى أن الوطء بمجرده لا يكون رجعة فليس عليه في وطئه صداق، قاله الباجي.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
مالك في المختصر: ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من وطئه ولا تكون له الرجعة إلا في بقية العدة الأولى لا في الاستبراء قاله ابن المواز.
فإن انقضت العدة الأولى فلا ينكحها هو أو غيره حتى ينقضي الاستبراء.
أصبغ: فإن فعل فسخ نكاحه ولم تحرم عليه للأبد كما أحرمها على غيره ولو مس؛ لأنها عدة منه، وليس هذا وغيره فيما به سواء، وقيل حكمه حكم المصيب في العدة.
ومنشأ الخلاف: هل التحريم لتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله أو لاختلاط الأنساب؟ وعلى هذا المعنى اختلفوا في من طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها قبل زوج في عدتها؟ فإن قيل: لم يكن وطء المطلق رجعة وإن لم ينوها عند ابن القاسم؟ كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختيارًا وإن لم ينوه.
قيل: لأن البائع جعل له الخيار وأباح له الوطء، فإذا وطئ فقد فعل ما جعل له وتم ملكه ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار عد بذلك مختارًا، والرجعية محرمة على الزوج ولو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه.
فرعان:
الأول: إذا انفردت النية ففي الموازية لا تصح الرجعة.
ابن رشد: والصحيح أن الرجعة تصح بمجردها، لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس، فإن نوى في نفسه أنه راجعها فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، وأشار إلى أنه يجري على الخلاف في الطلاق بالنية، ونحوه للخمي وعلى أن النية لا تكون بمجردها رجعة، فلو نوى ثم أصاب فإن بعد ما بينهما فليس ذلك رجعة، وإن قرب فأشار اللخمي إلى أنه يجري على الخلاف في تقديم النية في الطهارة.
ونقل عن محمد ما يقتضي اشتراط المقارنة فقال: قال محمد: إن نوى الرجعة ثم قبل أو باشر أو ضم فإن فعل ذلك لكان ما نوى فهي الرجعة.
[ ٤ / ٤٧١ ]
اللخمي: يريد إذا أصاب ساهيًا على الطلاق لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية.
الثاني: سئل أبو عمران عن الذي يطلق امرأته واحدة ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى تنقضي عدتها الأولى ثم يحنث بالطلاق الثلاث فهل يلزمه ذلك؟
قال: يلزمه الثلاث؛ لأن ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه ونقل عن الشيخ أبي محمد أنه لا يلزمه الثلاث والأول أظهر.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح.
وَيُؤْمَرُ بِالإِشْهَادِ وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور هو مذهب المدونة وهو الذي نقله عبد الوهاب عن المذهب والقول بوجوبه للقاضي أبي بكر بن العلاء وتأوله ابن محرز على ألا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، وعليه فلا يكون في المسألة خلاف بل الاستحباب راجع إلى أن يكون مقارنًا للرجعة، وقول المصنف: (وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ) ينافي حمل ابن محرز. قال في المقدمات: وليس الإشهاد عند من أوجبه شرطًا في صحة الرجعة وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه.
وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى يُشْهِدَ
يعني: أن الإشهاد وإن لم يكن واجبًا إلا أن للمرأة أن تمنع نفسها، وقوله في المدونة في المانعة: قد أصابت. يفيد أن الأولى أن تمنع نفسها، بخلاف قول المصنف: (وَلَهَا).
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ عَلَى نِكَاحِ أَمَتِهِ، وَلا رَجْعَتُهَا
لأنه إذا شهد على النكاح كان شاهدًا على فعل نفسه وإذا شهد على الرجعة اتهم في ذلك. ولمالك في العتبية: أنه تقبل شهادة السيد في الارتجاع.
والفرق على هذا بين [٣٧٤/ أ] الارتجاع والنكاح أن النكاح يوجب للأمة صداقًا فيتهم السيد لقدرته على انتزاعه.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلا يَاكَلُ مَعَهَا وَيَنْتَقِلُ عَنْهَا
القولان في المدونة وزاد في القول المرجوع إليه أنه لا يدخل عليها وإن كان يريد رجعتها وشرط فيها على قول مالك الأول: أن يكون معها من يحفظها وأهمله المصنف وليس بجيد ولعل هذين القولين ينبنيان على القولين في الرجعة هل هي محرمة أم لا؟ إلا أن الشرط الذي ذكرناه وقلنا إن المصنف أهمله يأبى كون الشاذ مبنيًا على الإباحة. قيل: ولا خلاف أنه لا يجوز أن يرى جسدها متجردًا.
وَالْمُعَلَّقَةُ مِثْلُ إِذَا كَانَ غَدًا أَوْ جَاءَ زَيْدُ قَالَ مَالِكُ: لَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ، وَقِيلَ: يَعْنِي الآنَ ..
يعني: والرجعة المعلقة على شرط سواء كان الشرط محققًا كقوله: إن كان غدًا فقد راجعتك، أو محتملًا كقوله: إن جاء زيد فقد راجعتك. قال مالك في المدونة: ليس ذلك رجعة.
لكن إنما نص فيها على المثال الأول، واختلف الشيوخ فأجراه صاحب النكت على ظاهره فقال إنما لم تكن رجعة لأن الرجعة كضرب من النكاح لأنها تبقي الزوج على العصمة، ووجدنا النكاح إلى أجل لا يصح، فكانت الرجعة إلى أجل كذلك وهذا ظاهر على القول بأن الرجعة محرمة، وأما على أنها حلال فلا.
وقال ابن محرز: يعني لا تكون رجعة الآن ولكنها تكون رجعة غدًا؛ لأنه حق له فكان له تنجيزه وتعليقه.
ولما كان في هذا التأويل مخالفة لظاهر كلام مالك قال المصنف فيه (وَقِيلَ) وعده كالأجنبي.
وفهم من عطفه بـ (قِيلَ) أن ثم قول آخر بإجراء قول مالك على ظاهره وقال اللخمي: قول مالك فيما إذا غدًا ليس ذلك برجعة: يحتمل أن يكون رأى أن الرجعة إلى
[ ٤ / ٤٧٣ ]
أجل كالنكاح إلى أجل وأن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل وإذا فرعنا على فساد هذه الرجعة فإن لم يصبها حتى خرجت من العدة بانت وإن أصابها في العدة وهو يرى أن تلك رجعة كان وطؤه رجعة.
اللخمي: لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسدًا فإن حقه في الرجعة قائم وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة.
مالك: وإن قال: أشهدكم أني إن طلقت امرأتي يومًا من الدهر فقد ارتجعتها ثم طلقها فإنه لا ينتفع بقوله الأول حتى يراجعها. وقاله سحنون في من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم أراد سفرًا وخاف أن تحنثه في غيبته فأشهد أنها إن دخلت الدار فقد ارتجعها.
انظر: ما قاله مالك وسحنون هنا مع ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون في الحرة ذات الشرط في النكاح والتسري تقول: اشهدوا متى فعل زوجي فقد اخترت نفسي أن ذلك لها. وقال مالك في العتبية: في أمة تحت عبد أشهدت أنها متى عتقت تحته فقد اختارت نفسها أو زوجها، فليس ذلك شيئًا وهاتان المسألتان اللتان سأل عبد الملك مالكًا عن الفرق بينهما فقال له: أتعرف دار قدامة؟
ابن يونس: وقال المغيرة هما سواء ولا شيء لها. والفرق عندي بينهما أن الأمة أنما يجب لها أن تختار إذا عتقت، والعتق لم يحصل بعد فقد سلمت أو أوجبت شيئًا قبل وجوبه لها فلم يلزم، كتارك الشفعة قبل أن يستوجبها. والحرة قد أوجب لها زوجها الشرط إن فعل وملكها منه ما كان يملكه، فلها أن تقتضي به عليه قبل أن يفعل كما لو كان له أن يلزم نفسه قبل أن يفعله.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وَالرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وإِنْ لَزِمَ الطَّلاق، والْخُلْعُ، والإِيلاءُ، والظِّهَارُ، واللِّعَانُ، والْمِيرَاثُ، والنَّفَقَةُ، ولَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ انْدَرَجَتْ ..
قوله: (مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ) يريد: ومقدماته، ووجه المشهور أن الطلاق في الشرع مضاد للنكاح الذي هو سبب الإباحة، ولا يقضي للضد مع وجود ضده، ونظر في الشاذ إلى بقاء أحكام الزوجية، وتصور كلامه ظاهر.
* * *
[ ٤ / ٤٧٥ ]
الإيلاءُ الْحَلِفُ بِيَمِينِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُرْضِعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا، والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ
اختلف في مدلول الإيلاء لغة فقال عياض: أصل الإيلاء الامتناع قال الله تعالى: (وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) [النور: ٢٢] ثم استعمل في ما كان الامتناع منه بيمين، وقال الباجي: الإيلاء في اللغة: اليمين، وقال ابن الماجشون: وكذلك قال الفضل. ويقال: آلى وتآلى وائتلاء والأول هو المستعمل عند الفقهاء يقال فيه: آلى يؤلي. إيلاء. والاسم منه: الألية، والجمع الألايا. قال كثير في عمر بن عبد العزيز ﵁:
قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الآلية برت
ويقال أيضًا: الألوة بفتح الهمزة وضمها وكسرها، ورسم المصنف الإيلاء في اصطلاح الفقهاء بقوله: (الْحَلِفُ إلى آخره) والحلف كالجنس ولو قال: الإيلاء يمين يتضمن إلى آخره لكان أحسن.
ولا حاجة إلى الحلف بيمين إذ الحلف هو اليمين.
وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ) هذه الجملة صفة ليمين تقديره: الحلف بيمين تدل على ترك وطء الزوجة.
وانظر هل أراد بقوله (يَتَضَمَّنُ) ما يدل أعم من أن يدل بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام؟ أو أراد بالتضمن حقيقته واستغنى بالتضمن عن المطابقة [٣٧٤/ ب] والالتزام، والأول أظهر.
وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ) يريد سواء تضمنه عقلًا كحلفه ألا يلتقي معها لأن الالتقاء معها أعم من الالتقاء معها للجماع وغيره، ونفي الأعم مستلزم لنفي الأخص، أو شرعًا كحلفه ألا يغتسل عنها من جنابة؛ ولما قلناه من أن عدم الالتقاء مستلزم عقلًا لعدم الجماع كان عدم جزمه في المدونة لإيلاء مخالف هذا اليمين ليس بظاهر، ولهذا
[ ٤ / ٤٧٦ ]
اختصر البراذعي المسألة على السؤال والجواب، لأن عادته ألا يفعل ذلك إلا لإشكال في الموضع فقال: وإن حلف بالله ألا يلتقي معها سنة، قال: كل يمين يمنع الجماع فهو مول، فإن كان هذا يمتنع بيمين فهو مول. ولهذا قال اللخمي: هو مول بلا شك.
وقال صاحب النكت: إنما تردد لاحتمال أن يريد: لا ألتقي معك في دار بعينها أو موضوع بعينه وإلا فهو مول بلا شك.
اللخمي: وقوله في من حلف ألا يتطهر منها من جنابة أنه مول؛ يحتمل أن يريد أنه يحنث بنفس الإصابة لأن القصد باليمين ألا يصيب، أو لا يحنث إلا بالغسل، لأنه هو الذي علق الحنث به، فعلى الاحتمال الأول يكون قوله: لا أغتسل، كناية عن نفي الجماع وهو كقولهم في الكناية عن كرم الشخص: هو كثير الرماد طويل النجاد.
وعلى هذا فيضرب له الأجل من يوم اليمين، وعلى الثاني يضرب له الأجل من يوم الرفع على المشهور لأنه لم يحلف على ترك الوطء وإنما تركه من انعقاد اليمين على وسيتبين لك هذا.
ابن القاسم: وإن قال: علي نذر ألا أقربك؛ فهو مول. وقال يحيى بن عمر: ليس بمول وهو بمنزلة قوله: علي نذر ألا أكلمك وهو نذر في معصية، وقوله: (تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ) احترز به مما لو حلف ألا يكلمها وليهجرنها وهو يصيبها فإنه ليس عند مالك مؤليًا.
اللخمي: وهو من الضرر فللزوجة أن تقوم بالطلاق لأجله إلا أنه لا يضرب له أجل الإيلاء، بل إذا تبين ذلك طلق عليه.
وقال أصبغ: إذا حلف ألا يكلمها فوطئها يحنث من جهة فهمها لما يريده منها كالحالف أن لا يكلم شخصًا فيشير إليه. فعلى قوله: يكون موليًا إذا حلف أن لا يكلمها. واختلف إذا حلف على العزل عن زوجته هل يكون مؤليًا؟ وكذلك اختلف في من حلف
[ ٤ / ٤٧٧ ]
ألا يبيت مع امرأته والأقرب فيهما أن لها القيام ولا يضرب له أجل الإيلاء. أما لو حلف ألا يطأها ليلة، فلا قيام لها لأنه يبيت معها ويطأها نهارًا وكذلك لو حلف ألا يطأها نهارًا.
وفي الموازية فيمن قال: علي الطلاق إن وطئتك إلا أن تأتيني، فهو مول وليس عليها أن تأتيه وعليه أن يأتيها.
اللخمي: يريد لظاهر الحديث أنه ﵊ "كان يدور على نسائه". وفي كتاب ابن سحنون في من قال: والله لا أطؤك إلا أن تسأليني، هو مول ولها أن تقيم بها إلى السلطان وليس عليها سؤال.
وقال سحنون: ليس بمول؛ لأن الامتناع من جهتها. قال في المدونة وإن حلف ألا يطأها في هذه الدار فليس بمول لإمكان أن يطأها في غيرها. وقيده اللخمي بمن يحسن في حقه ذلك وأما من لا يحسن في حقه ذلك، أو كان على الزوجة في الخروج معه مضرة فهو مول كما قال في من حلف ألا يطأ زوجته في هذا المصر أنه مولٍ إذا كان يتكلف في الانتقال المؤنة.
واحترز بالزوجة عن السرية وأم الولد فإنه لا يضرب له أجل الإيلاء، نعم هو ممنوع من الضرر ولاسيما أم الولد فإنه لا منفعة فيها إلا بالوطء فإن لم يطأها وأضر ذلك بها منع لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار. وقوله: (غَيْرِ الْمُرْضِعِ) احترازًا مما لو حلف ألا يطأ زوجته المرضعة حتى يفطم ولدها فإنه ليس بمول. قاله مالك في المدونة والموطأ وغيرهما.
ابن القاسم: لأن هذا أراد إصلاح ولده وليس على وجه الضرر، وإنما يدخل الإيلاء على من قصد الضرر، وخالف في ذلك أصبغ ورآه مؤليًا.
اللخمي: وهو أقيس؛ لأن للمرأة حقًا في الوطء ولا حق للولد ولا مضرة عليه.
[ ٤ / ٤٧٨ ]
لقوله ﵊: "أن ذلك لا يضر". واتفق على أنه مول إن أرضع الولد غيرها وعلى المشهور، فقال في كتاب ابن سحنون إذا حلف بطلاقها البتة ألا يطأها حتى تفطم ولدها، فإن مات الولد قبل الفطام حل له الوطء ولا حنث عليه إن كانت نيته استصلاح ولده، وإن كانت نيته أن لا يمسها حولين كاملين فهو مول، وتطلق عليه إذا أوقفه السلطان بعد أربعة أشهر؛ لأنه لا يقدر ألا يمسها ولا يفيء لأن يمينه بالبتة.
وفي الموازية: وإن حلف ألا يطأ امرأته التي ترضع سنتين، وقال: أردت تمام الرضاع، فليس بمول إلا أن يموت الصبي وقد بقي من السنتين أكثر من أربعة أشهر فيلزمه الإيلاء من يومه.
ابن يونس: واعترض بعض أصحابنا قوله: (من يومه)، وقال: إنما لم يعد موليًا أولًا، لأنه غير مضار، فإذا مات الولد ولم يطأ تبين أنه أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف، وليس هو بصواب لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف وليس هو بصواب؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر اليوم بامتناعه إذ لا عذر [٣٧٥/ أ] له، ويحتمل أن يكون أراده من الأول فيلغى قصد الضرر أولًا للشك فيه، ويعتبر قصد الضرر الآن إذ لا شك فيه.
ابن الماجشون: وإن حلف ألا يطأ امرأته سنتين، وقال: أردت بذلك كمال الرضاع، فذلك له ولا يلزمه توقيف.
الباجي: ومعناه أنه مول لأنه قد يتعلق بيمينه الضرر إن مات ابنه قبل انقضاء السنتين أو فطم قبل ذلك. وإنما الذي لا يكون به مؤليًا من حلف ألا يطأ حتى يفطم لأنه لا يتعلق بيمينه الضرر على وجه.
وعورضت هذه المسألة بما سيأتي أن إيلاءء المريض لازم مع أنه لا يريد الإضرار وإنما يريد استصلاح بدنه. وإذا قيل بعدم اللزوم لأجل مراعاة الولد فلأن يقال بذلك لنفسه
[ ٤ / ٤٧٩ ]
هو أولى، ولهذا قال سحنون في المريض: كيف يكون مؤليًا وهو لم يحلف على ضرر؟ وخرج بعضهم من كل واحدة قولًا في الأخرى.
خليل: وقد يفرق بينهما لأن إصلاح الولد فيه إصلاح لها وهي تحته، بخلاف الأخرى. وقوله: (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أخرج أربعة أشهر فأقل فإنه لا يكون مؤليًا، وهذا هو المشهور، وروى عبد الملك أن من حلف على أربعة أشهر كان مؤليًا.
ومنشأ الخلاف، الاختلاف في فهم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] وينبني على هذا الخلاف: هل يوقف للفيئة أو الطلاق بعد أربعة أشهر أو فيها؟ وهل يقع الطلاق بمضي الأربعة أو لا؟ فعلى المشهور لا يؤمر بالفيئة إلا بعد أربعة أشهر ولا يقع الطلاق بمجرد مضيها؟
فضل: وأصحاب مالك مجمعون على الأول، إلا ما روى أشهب عن مالك من وقوع الطلاق بمرور الأجل، وحكاه ابن نافع وعبد الملك عن مالك، وتمسك المشهور بما تعطيه الفاء في قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) فإن ظاهرها يستلزم تأخير ما بعدها عما قبلها، وكذلك إن الشرطية فإنها تصير الماضي بعدها مستقبلًا، ورأى في الشاذ أن الفاء ليست إلا لمجرد السببية ولا يلزم تأخير المسبب عن سببه في الزمان، بل الغالب عليه المقارنة، ولأن مفهوم قوله: (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أن التربص مقصور عليها.
قال في المقدمات: وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد الأربعة أشهر فقال أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه بانقضاء عدتها. وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير جارية على قياس وعلى المشهور. فأطلق في المدونة الزيادة على أربعة أشهر كالمصنف، وظاهره أنه يكون مؤليًا باليوم ونحوه وبذلك صرح في الموازية والمدونة، وقيل: لا يكون مؤليًا إلا بزيادة مؤثرة وهو قول عبد الوهاب،
[ ٤ / ٤٨٠ ]
ومن المتأخرين من تأول على عبد الوهاب أنه لا يكون مؤليًا إلا إذا زاد أكثر ما يتلوم به عليه إن قال: أنا أفيء.
ابن رشد: وهو غلط؛ لأن التلوم أنما يكون إذا وقف فقال: أنا أفيء، ولم يفعل. وأما إذا أبى أن يفيء فإن الطلاق يعجل عليه ولا معنى للتلوم عليه، ومدة التلوم تبلغ المرة بعد المرة الثلاثين يومًا ونحوها، رواها ابن وهب عن مالك في الموازية.
وقوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا) كقوله: والله لا أطؤك، وإنه إذا حنث لزمته الكفارة، وإن وطئتك فأنت طالق أو فلان حر.
واحترز عما لو قال: إن وطئتك فعلي المشي إلى السوق، أو هو يهودي أو نصراني، أو فكل مملوك أملكه حر، أو فكل زوجة أتزوجها طالق، فإنه لا يلزمه وليس هو بمول قاله في المدونة.
وقوله: (يُلزم) مضموم الياء فعل مضارع مبني للفاعل من ألزم وفاعله الحنث فظاهر قوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْمًا) أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم مشتقًا أم لا.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مؤليًا إذا حلف بما لا مشقة فيه كما لو حلف بركعتين.
قوله: (والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ) هذا هو المشهور. وقيل: أجله كالحر، والعبد يحتمل أن يقرأ بالجر وبالرفع لأن قوله: (ترك)، مصدر مضاف إلى الفاعل أي ترك الحر، فالحر مجرور في اللفظ مرفوع في المحل، فلك أن تعطف على لفظه، ومحله. والله أعلم.
وَالرَّجْعِيَّةُ كَغَيْرِهَا إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ
أي: (وَالرَّجْعِيَّةُ) في الإيلاء (كَغَيْرِهَا) لأنها في حكم الزوجات وهكذا في المدونة وغيرها.
[ ٤ / ٤٨١ ]
قال في الموازية: وكذلك إذا حلف لا أراجعك. واستشكله اللخمي لأن الوقف إنما يكون لمن لها حق في الوطء، والمطلقة لا حق لها فيه، قال: ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه إن شاء ارتجع وأصاب، وإن شاء لم يرتجع فكيف يجبر على أن يرتجع ليصيب أو يطلق عليه طلقة أخرى؟ وهو ظاهر، وأجاب ابن محرز وغيره بأنه إنما لزمه الإيلاء خيفة أن يكون ارتجع وكتم الرجعة.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الطَّلاق بَعْدَ الْوُقُوفِ فَلا تُطَلَّقُ عَلَيْهِ أُخْرَى قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ
لما ذكر [٣٧٥/ ب] أن الرجعة في إيلاء كغيرها وكان طلاق المولي رجعيًا خشي أن يتوهم أنه إذا طلق عليه بسبب الإيلاء أن لها أن توقفه مرة ثانية، فبين أنها ليس لها ذلك لأنه قد طلق عليه بسبب الإيلاء.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَنْ قَالَ- واللهِ لا وَطِئْتُكِ- واسْتَثْنَى: أَنَّهُ مُولِ إِذَا رَفَعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ فِي قَصْدِ الاسْتِثْنَاءِ ..
هذا راجع إلى قوله في الرسم: (يلزم الحنث فيها حكمًا) فيقال على سبيل الاعتراض هذا الرسم غير جامع لأن مالكًا قال في المدونة في من قال والله لا وطئتك واستثنى بالمشيئة: هو مول؛ مع أنها يمين لا يلزمه الحنث فيها حكمًا لأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين كما تقدم، ولهذا قال أشهب: لا يكون موليًا.
اللخمي: هو أبين. وأجاب المصنف بأن مالكًا إنما قال ذلك إذا رفعته الزوجة إلى القاضي ولم تصدقه في أنه أراد بذلك الاستثناء حل اليمين، ولعله أراد التبرك بذكر الله.
وامتناع الحالف من الوطء يدل على أنه لم يرد حل اليمين واتهام مالك هنا للمخالف كاتهامه في المدونة لمن قال لزوجته: والله لا أطؤك، فلما مضت أربعة أشهر وقف، فقال: أردت ألا أطأها بقدمي. قال فيقال له: إن وطئت نصدقك وأنت في الكفارة أعلم؛ فإن شئت فكفر أو فدع.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
وأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَفَّرَ وَقَالَ: عَنْ يَمِينِي، ولم تُصَدِّقْه
يعني (وأَوْرَدَ) على قول مالك في المسألة السابقة ما قاله مالك في من حلف أن لا يطأ ثم كفر ولم يطأ بعد الكفارة فقالت له الزوجة: لم تكفر عن يمين الإيلاء وإنما كفرت عن يمين أخرى، أن الإيلاء لا ينحل عنه فيلزم كما رفع عنه التهمة هنا بأضعف الكفارات أن يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه في المسألة السابقة لتهمته لأجل الامتناع من الوطء فكذلك يلزم في الثانية لامتناعه أيضًا.
وفرق بأن المكفر أخرج المال وفي معناه الصوم لشدته فلم يتهم بخلاف المستثنى، وفيه نظر؛ لأن احتمال قصد غيرها باقٍ، ولهذا قال أشهب: لا ينحل عنه الإيلاء بالكفارة.
وفرق صاحب النكت بأن المستثنى يحتمل بأن يكون قصد باستثناءه حل اليمين ويحتمل ألا يكون قصد به ذلك بل التبرك ونحو ذلك.
والكفارة تحل اليمين بلا شك، وإن كنا لم نعرف هل قصد بها حل هذه اليمين أو غيرها؟ فلما كانت الكفارة تسقط اليمين على كل حال كانت التهمة فيها أبعد.
وشَرْطُ الْمولي أَنْ يَكُونَ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: يَصِحُّ إِيلاءُ الْخَصِيِّ والْمَجْبُوبِ ..
قوله: (أَنْ يَكُونَ زَوْجًا) أي تحقيقًا أو تعليقًا بل يصح من الأجنبية فلو قال لأجنبية: والله لا وطئتك، ثم تزوجها فهو مول صرح بذلك في المدونة ولو استغنى عن قوله: (زَوْجًا) ليعلم من قوله أولًا في الرسم الحلف بيمين يتضمن ترك وطء الزوجة فإنه يعلم من هذا الكلام أن الحالف بهذا اليمين لا يكون إلا زوجًا أيضًا، فالشرط خارج عن الماهية والركن داخل فيها، فذكر الزوج في أحد القسمين يمنع من ذكره في الآخر، قاله ابن عبد السلام.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
وقوله: (مُسْلِمًا) احترزًا مما لو آلى في حال كفره ثم أسلم فإنه لا يلزمه شيء قاله في المدونة، وقيل: يلزمه بناءً على أن اليمين هل تنعقد في حال الكفر أم لا؟ ولو رضي الذمي في الإيلاء بحكمنا، فحكمنا عليه به قاله في الكافي. وقول ابن عبد السلام: لا يشترط في الإيلاء الإسلام لأن الزوجين إن كانا كافرين فالمنع من الحكم فيهما في الطلاق علي ما تقدم هو المانع من الإيلاء، وإن كان الزوج وحده مسلمًا لزمه الإيلاء، وليس من فروع هذه المسألة العكس، ليس بظاهر لما قلناه.
وقوله: (مُكَلَّفًا) احترازًا من الصغير والمجنون؛ فإنه لا يصح إيلاؤهما فإن آلى وهو صحيح ثم جن عند تمام أجل الإيلاء؛ فقال أصبغ: يوكل السلطان عليه من يكون ناظرًا في أمره فإن رأى له ألا يفيء ويطلق عليه فعل ويلزمه ذلك، وإن رأى أن يكفر عنه فعل.
واختار اللخمي ألا يكون لامرأته مقال لأن امتناعه في حال الجنون ليس بيمين، وإذا يكن لها مقال إذا قطع ذكره، فالمجنون أولى؛ لأنه إن لم يصب الآن أصاب بعده، وسيأتي الكلام على ما إذا أصاب في حال جنونه عندما يتعرض المصنف لذلك.
وقوله (يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ) قال في المدونة: وأن آلى خصي أو شيخه كبير- وقد تقدم له فيها وطء أو آلى الشاب ثم قطع ذكره- لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم.
وخالف أصبغ في الخصي والمجبوب ورأى أنه يصح منه الإيلاء لأن لزوجته منفعة فيما آلى عنه من المضاجعة والمباشرة، ولذلك تزوجته فإذا قطع عنها ذلك وجب أن توقعه.
قال: وأما الشيخ فلا إذا أقعده الكبر إلا أن يكون فيه حراك فيقطعه عنها.
وَيَصِحُّ مِنَ الْحُرِّ والْعَبْدِ والصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ
لأن شرط المولي موجود فيهم، واحتاج إلى التنبيه على حكمهم، لأن الشرط لا يلزم من وجوده المشروط، والدليل على صحة [٣٧٦/ أ] إيلاء هؤلاء قوله تعالى: (ِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فعم.
[ ٤ / ٤٨٤ ]
ابن عبد السلام: وظاهر المذهب مثل ما ذكره المصنف في المريض، ورأى بعضهم أنه إذا كان عاجزًا عن الجماع أنه لا معنى لانعقاد الإيلاء في حقه، ألا ترى أنه لو آلى الصحيح ثم مرض لما طولب بالفيئة بالجماع.
وَيَلْحَقُ بِالْمولي مَنْ مُنِعَ مِنْهَا لْشَكٍّ
أي: كل من كانت يمينه على حنث كما لو قال: إن لم أدخل فأنت طالق، وقد تقدم هذا عند قوله في الطلاق، (وإن كان نفيًا يمكن دعوى تحقيقه إلى آخره) هكذا كان يقيد شيخنا هذا المحل، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.
ومثل ابن راشد من منع منها للشك بما إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، وقال: نويت واحدة معينة ونسيتها؛ فإنه يوقف رجاء أن يتذكر، فإن طال تذكره وقامتا عليه فهو كالمولي.
وقول ابن عبد السلام: إن تصور كلام المصنف مشكل. ليس بظاهر.
فرع:
إذا قال لامرأتيه: والله لا وطئت إحداكما، ولا نية له فقيل: هو مول منهما جميعًا.
وقيل: لا إيلاء عليه حتى يطأ واحدة فيكون موليًا من الأخرى.
وَمِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وعُرِفَ مِنْهُ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا
أي: ويلحق بالمولي من امتنع من الوطء لغير علة، بل ترك ذلك إما لمصلحة جسده أو للانقطاع للعبادة، أو لقصد الضرر.
قوله: (وعُرِفَ مِنْهُ) أي أنه لم يمتنع لعلة.
وقوله: (حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا) حال من الفاعل المضمر في (امْتَنَعَ) وما ذكره المصنف مروي عن مالك لكنه خلاف المشهور؛ فإن المشهور وهو مذهب المدونة أن لها أن تقوم
[ ٤ / ٤٨٥ ]
بالفراق، فإذا تبين ضرره طلقت عليه من غير ضرب أجل، لأن آية الإيلاء لا تتناول هذه الصورة ولا ينطبق اسم الإيلاء عليها.
بعض القرويين في هذا: ويجب ألا يضيق عليه في أجل التلوم بل يفسح له في ذلك مقدار أجل الإيلاء وأكثر، وذلك أنه يقول: أنا لو تركت الوطء بالحلف أربعة أشهر فأقل لم يكن علي شيء فكيف إذا تركت الوطء بغير يمين؟
عبد الحق- وقال لنا أنه رأى ذلك لبعض العلماء من البغداديين: ونص المدونة: ومن ترك وطء زوجته لغير عذر ولا إيلاء لم يترك، فإما وطئ وإلا طلق، وبذلك يقضى.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم بخرسان: إما أن يقدموا أو يقدم نساؤهم إليهم، أو يطلقوا.
أصبغ: فإن لم يطلقوا طلق عليهم، وفي النكاح الثاني منها: ومن سرمد العبادة لم ينه عن تبتله. وقيل له: إما وطئت أو طلقت.
ابن القاسم في العتبية: ويتلوم للغائب السنة والسنتين. وفي سماع عيسى: والثلاثة.
ابن رشد: ومعناه وإن كان يبعث بالنفقة.
اللخمي: وقول مالك في من سرمد العبادة أصل في كل من ترك الإصابة غير مضار، إلا أن ذلك لا يسقط حقها من الوطء واختلف إذا لم يقدر على الإصابة لأنه قطع ذكره، أو لعلة نزلت به، فقال مالك مرة: لا مقال لها، وفي كتاب ابن شعبان: لها القيام وإن قطع ذكره ولو فعل ذلك بنفسه خطأ كان على خلاف، وقد جرى ذلك لبعضهم أراد أن يستحد فنزلت يده فقطع ذكره فإن تعمد ذلك كان لها الفراق بالاتفاق وإن شرب دواءً ليقطع منه لذة النساء كان لها الفراق، وكذلك لو شربه لعلاج علة وهو عالم أنه يذهب بذلك أو شاك، كان لها الفراق بالاتفاق.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
وَمَنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ الأجَلِ
أي: ويلحق بالمولي من احتملت مدة يمينه أقل الأجل كما لو قال: والله لا وطئتك حتى يموت زيد، ونحو ذلك قاله في المدونة.
إِلا أَنْ أَجَلَهُمْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي وبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ زَيْدُ ..
الضمير في أجلهم عائد على من ألحق بالمولي، وقوله: (والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ) من حلف على ترك الوطء وحاصله أن المولي حقيقة أجله من يوم اليمين، وأما من ألحق به فأجله من يوم الرفع وهذا هو المشهور، وقيل: أجله من يوم اليمين كالأول.
وقوله: (لِذَلِكَ إلى آخره) أي ولأجل التفرقة بين المولي حقيقة وبين من ألحق به فرق بين من حلف ألا يطأها حتى تموت أو يموت وبين أن يموت زيد، أي فيكون أجله إذا حلف أن لا يطأها حتى تموت أو يموت من يوم الحلف، لأن يمينه تناولت بقية عمره أو عمرها فكان بمنزلة من قال: والله لا أطؤك فأطلق، ويكون أجله إذا قال: حتى يموت زيد، من يوم الرفع لأن مدة يمينه محتملة لأقل من أجل الإيلاء.
خليل: وظاهر المدونة يخالف هذه التفرقة لقوله: وإن حلف ألا يطأ امرأته حتى يموت فلان، أو حتى يقدم أبوه من السفر؛ فهو مول؛ فظاهره أنه يضرب له الأجل من يوم اليمين.
ابن عبد السلام: والتفريق الذي ذكره المصنف غير خال من مغمز.
وَفِي ابْتِدَاءِ أَجَلِ الْمُظَاهِرِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ قَادِرًا قَوْلانِ، وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ
يعني: اختلف هل ابتداء أجل الإيلاء في حق المظاهر إذا دخل عليه الإيلاء بسبب امتناعه من الكفارة وهو [٣٧٦/ ب] قادر عليها من يوم اليمين؟ وهو الذي في الموازية، وعليه اختصر البراذعي، وغيره المدونة. أو من يوم الرفع وهو أيضًا لمالك.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
اللخمي: والأول أحسن لأن المظاهر قصد تحريم الوطء، إذ معنى الظهار إن وطئتك علي حرام كأمي.
وقال ابن يونس: القول الثاني أحسن، يريد: أنه لم يحلف على ترك الوطء بالتصريح، فيكون هو الجاري على المشهور في المسألة السابقة. وفي المسألة قول ثالث: أن الأجل من يوم يتبين ضرره، قيل: وهو مذهب المدونة. وقال الباجي: الثالث، والأول في المدونة.
وقوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أي فيئة هذه المظاهر تكفيره لا الوطء كما في صريح الإيلاء، والفرق على أن الحالف على ترك الوطء إذا وطئ زال عنه الامتناع وإنما بقي مطالبًا بالكفارة. وأما المظاهر فإذا وطئ لا يرتفع عنه المانع بل يتأكد كما سيأتي.
وفهم من قوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أن المظاهر لو طئ لم ينهدم الأجل. والله أعلم.
وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إِيلاءُ لأَنَّ مُدَّةَ صَوْمِهِ مُدَّةُ أَجَلِهِ ..
يعني: فأما من ترك الكفارة لعدم القدرة وهو معنى قوله: (لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ) وعلى هذا فيكون هذا الكلام قسيمًا في المسألة السابقة للممتنع من التكفير قادرًا، فإن قيل: فإذا كان قسيمه فكان ينبغي أن يقول فأما من ليس بقادر، لأنه إنما أراد سلب وصف القدرة في قوله: الممتنع من التكفير قادرًا، قيل لعله عدل عن ذلك تنبيهًا منه على أن الأجل إنما ضرب له في المسألة السابقة دفعًا للضرر وما ذكره المصنف من أن غير القادر لا يدخل عليه الإيلاء هو مقتضى المدونة.
وقيده اللخمي بما إذا طرأ عليه العسر والعجز عن الصيام بعد عقد الظهار، قال: وأما إن عقده على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله فإنه يدخل عليه، لأنه قصد الضرر بالظهار. ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء؟ رجاء أن يحدث لها رأي في ترك القيام.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
قوله: (ولِذَلِكَ) يعني ولأجل أنه لا يدخل الإيلاء على من ليس بمضار، لم يدخل على العبد إيلاء ونحوه في الموطأ ونصه قال مالك في العبد يظاهر من امرأته: أنه لا يدخل عليه الإيلاء، وذلك أنه إذا ذهب يصوم صيام كفارة المظاهر دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من صيامه.
الباجي: يريد لأن صيامه شهران وأجله في الإيلاء شهران فإن أفطر ساهيًا أو لمرض انقضى أجل الإيلاء قبل تمام الكفارة. قال: وتعليل مالك في الموطأ يدل على أنه لا يضرب له الأجل وإن أذن له السيد في الصوم. لكن لا يوجد هذا لمالك ولا لأحدٍ من أصحابه على هذا التفسير، ولعله أراد أن هذا من بعض ما يعتذر به العبد في رفع ضرب أجل الإيلاء عنه إن كان أراد الصوم ومنعه سيده، لأنه يضر به، فذلك عذر للعبد دخول الإيلاء عليه، وبه قال أصبغ فلم ير منع سيده من الصيام ضررًا يدخل به الإيلاء لأنه ليس من قبله، وإنما هو حق يملكه غيره.
وروى ابن القاسم عن مالك: لا يدخل على العبد إيلاء إلا أن يكون مضارًا لا يريد أن يفيء أو يمنعه سيده الصيام بأمر جائز فهذا يضرب له أجل الإيلاء إن رفعته امرأته ومعناه أن يضرب له أجل الإيلاء ليشرع في الكفارة إذا امتنع، أو ليبيح له سيده في أثناء ذلك التكفير بالصيام.
وقال صاحب الاستذكار: ما قاله في الموطأ هو أصله لا يدخل على المظاهر الإيلاء حرًا كان أو عبدًا إلا أن يكون مضارًا.
وقوله: (أنه لو ذهب يصوم .. إلى آخره) هو على قول من يقول: أن بانقضاء أجل الإيلاء يقع الطلاق، فيقول: لو وقع الطلاق بعد شهرين لم تصح له كفارة؛ إذ هو لا يكفر إلا بالصوم فكيف يكون مكفرًا ويلزمه الطلاق؟ وهذا محال.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
ابن عبدوس: قلت لسحنون: فإذا لم يدخل على العبد إيلاء فما تصنع المرأة؟ قال: ترفعه إلى السلطان فإما فاء أو طلق عليه.
أبو عمر: وهذا خلاف قول مالك في الموطأ.
خليل: وكلام الباجي أولى؛ لأن ابن عبد البر جعل كلامه في الموطأ مبنيًا على القول بوقوع الطلاق بمجرد مضي الزمان، وهو غير المعروف من أقوال مالك، وظاهر كلامه أنه حمل الموطأ على أنه لا يلزمه إيلاء البتة لجعله ما حكاه ابن عبدوس مخالفًا له، وهو شيء لم يقله مالك ولا أحد من أصحابه على ما قاله الباجي.
ولَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ انْحَلَّ الإِيلاءُ فَلَوْ عَادَ عَادَ إِنْ كَانَ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ..
يعني: إذا قال: إن وطئتك فعبدي ميمون حر، ثم باع ميمونًا انحل الإيلاء، لأنه إن امتنع الآن من الوطء فليس امتناعه من اليمين، (فَلَوْ عَادَ) أي العبد المحلوف بعتقه إلى ملكه عاد الإيلاء عليه إن كانت يمينه غير مؤقتة، أو مؤقتة وبقي من المدة أكثر من أربعة أشهر.
وما ذكره المصنف من عود الإيلاء عليه إذا ملكه ثانيًا [٣٧٧/ أ] هو مذهب ابن القاسم.
قال ابن بكير: لا يعود عليه. وقال أشهب: إن خرج من ملكه أولًا من غير اختياره، كما لو باعه الحاكم لفلسٍ لم يعد، ولو خرج أولًا باختياره عاد إليه الإيلاء، وقد تقدم توجيه الأقوال في الطلاق عند الكلام على المحل. فإن قيل في الفرق علي قول ابن القاسم بين رجوع العبد وبين رجوع الزوجة بملك مستأنفٍ فإنه وافق على أنه لا تعود عليه اليمين عادت الزوجة إليه بملك مستأنف كما سيأتي.
قيل: لأنه يتهم في العبد أن يكون قصد ببيعه حل اليمين بخلاف الزوجة فإنه لا يتهم عليها، ولهذا لم يتهمه هو ولا غيره في إرث العبد لما كان ملكه جبريًا.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
وَكَذَلِكَ الطَّلاق الْبَائِنْ إِذَا قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ ولَوْ بَعْدَ زَوْجٍ
أي: فكمسالة العبد إذا قال لإحدى زوجتيه مثلًا: إن وطئتك ففلانة طالق، فطلق فلانة طلاقًا بائنًا أو رجعيًا وبانت، انحل الإيلاء، فلو أعادها بعد ذلك ولو بعد زوج عادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء.
فَلَوْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَعُدْ
هذا هو مقابل قوله أولًا: (قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ) أي فلو بلغ الغاية إما بأن طلقها ثلاثًا أو تكملت الثلاث ثم تزوجها بعد زوج لم تعد عليه اليمين لأن الملك الذي علق عليه اليمين ذهب.
واعلم أن ما ذكره من عدم عود اليمين إذا بلغ الغاية إنما هو في المحلوف بطلاقها، وأما المحلوف على عدم وطئها فإن اليمين منعقدة عليه فيها سواء طلقها ثلاثًا ثم تزوجها أو أقل من ذلك؛ قاله في المدونة في مسألة: زينب وعزة، وقد تقدم نصها في الطلاق.
أَمَّا لَوْ وُرِثَ الْعَبْدُ لَمْ يَعُدْ
يعني: (أَمَّا لَوْ) عاد ملك العبد بالإرث (لَمْ يَعُدْ) عليه الإيلاء كرجوع الزوجة بعد الزوج. ولو اشترى بعض العبد وورث بعضه عاد عليه إيلاء لأجل بقاء اليمين في ذلك البعض المشترى، وكذلك لو لم يرث منه شيئًا، ولكن اشترى بعضه فإن وطأها في المسألتين عتق عليه جميع العبد، البعض المشترى منه بنفس حنثه وبقية العبد بالتقويم.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ غَيْرِهَا إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَ بِأَوَّلِهِ طَلْقَةُ رَجْعِيَّةُ وبَقِيَّتُهُ ارْتِجَاعُ ويَنْوِيهِ ..
يعني: إذا قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، يريد واحدة أو اثنتين من الوطء في المدخول بها أو غيرها، وعلى الوطء يعود الضمير في أوله وبقيته.
[ ٤ / ٤٩١ ]
ابن راشد: قوله (فيَنْوِيهِ) عائد على قوله: (ارْتِجَاعُ) وساوت غير المدخول بها لأنها تصبر مدخولًا بها بالالتقاء، وهكذا قال ابن المواز، ونص كلامه عند ابن يونس، وغن كانت يمينه بواحدة فهو مولٍ وإن وطئ فلينو ببقية مصابه الرجعة، لأنه يحنث بأول الملاقاة، وإن كان ذلك قبل البناء ضرب له أجل الإيلاء وله الفيئة في الوطء على أن ينوي ببقية مصابه الرجعة فإن وطئ على هذا وإلا طلق عليه وكذلك قال عبد الملك وإن لم ينو ببقية مصابه الرجعة فلا رجوع له مدخولًا بها أو غير مدخول بها لأنه ترك تحقيق رجعته بأن ينوي ببقية وطئه الرجعة.
وحكى اللخمي في هذه المسألة خلافًا فقال: اختلف في صفة ما يباح له وهل ذلك بشرط أن ينوي الرجعة؟ فقيل: له أن يصيب وينزل، إلا أن ينوي مراجعة لأن الإنزال زائد على الوطء وقد حنث بما قبل إنزاله، وقيل: له مغيب الحشفة، لأنه يحنث بأول ما يقع عليه اسم الوطء ولم ير النزع منها وطئًا.
وقيل: يمنع منها ابتداءً لأنه يحنث بمغيب الحشفة والنزع وطء.
وهو أحسن على ظاهر المذهب في الحنث بالأقل ثم يختلف هل يسقط عنه بذلك الإيلاء؟ فعلى قول ابن القاسم يسقط لأنه قد حنث، وعلى قول عبد الملك لا يسقط عنه نوى أم لا؛ لأنه يقول: لا يسقط الإيلاء إلا بالمصاب وإذا كان ذلك فمن حقها الوطء التام والإنزال لحقها في الولد، فإن أصاب وهي في العدة بعد أن نوى الرجعة وإلا طلق عليه. قال: وكذلك اختلف إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة، كالاختلاف الأول.
ولَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثًا، فَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ: لا يُمكَّنُ إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ، وقَالَ أَيْضًا: يُمكَّنُ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وينْزِعُ، وقَالَ أَيْضًا: حَتَّى يُنْزِلَ ..
يعني: اختلف إذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا، فروى أكثر الرواة عن مالك: لا يمكن من الفيء بالوطء، هكذا في التهذيب، وهو أحسن من كلام المصنف،
[ ٤ / ٤٩٢ ]
لأن ما في التهذيب يؤخذ منه أنه مولٍ وإنما منع من الفيئة خاصة، بخلاف كلام المصنف لاحتماله هذا وإلا يكون موليًا، لكن لما قابل المصنف قول (أَكْثَرُ الرُّوَاةِ) بقول ابن القاسم: (ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) زال هذا الاحتمال.
وقوله: (إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ) هكذا اختصر ابن يونس المدونة واختصرها البراذعي: إذ باقي وطئه لا يجوز وكلاهما سواء؛ لأنه يحنث [٣٧٧/ ب] بأول الملاقاة فيكون باقي وطئه حرام.
ورأى ابن القاسم أنه لما كان ممنوعًا من الفيئة لم يكن في ضرب الأجل فائدة، إذ ضرب الأجل إنما هو وسيلة للفيئة.
وقول ابن القاسم بتنجيز الطلاق مروي عن مالك، وهو اختيار سحنون، وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) يدل على أنها لو لم ترفعه لم تطلق عليه.
وقال مطرف: تطلق وإن لم ترفعه. قال في المقدمات: وتحصيل الخلاف في هذه المسالة أن فيه قولين: أحدهما: أنه مولٍ والثاني: ليس بمولٍ فعلى الأول تطلق عليه حتى يحل أجل الإيلاء، واختلف عليه إذا حل الأجل على أربعة أقوال:
الأول: أنها تطلق عليه ولا يمكن من الفيء وهو مذهب ابن الماجشون.
والثاني: أنه لا تطلق عليه إلا أن يأبى الفيء، فإن لم يأب مكن من التقاء الختانين فقط. وهو مروي عن مالك.
والثالث: أنه يمكن من جميع لذته ولا ينزل خيفة أن يكون الولد ولد زنًا وهو قول أصبغ.
والرابع: أنه يمكن من الكمال؛ أي لا يقع عليه الحنث إلا بتمامه، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
وظاهر قوله في المدونة وما يؤخذ له فيها من خلاف ذلك فقد قيل إنه من إصلاح سحنون.
وعلى أنه غير مول وفي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يعجل عليه الطلاق من يوم حلف وهو قول مطرف.
والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه حتى ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه انتهى باختصار.
وذكر عياض عن شيخه ابن عتاب عن أبيه أنه يتضمن كلامه في المسألة في الكتاب أربعة أقوال:
أحدها: أنه مولٍ ولا يطلق عليه إلا بعد الأجل.
الثاني: أنها تطلق عليه إذا قامت وهو مولٍ.
الثالث: تطلق عليه وإن لم تقم وليس بمولٍ.
الرابع: تطلق عليه إذا قامت وليس بمولٍ.
اللخمي: ولم يختلف أنه لو نزع قبل تمام الوطء أنه يمنع من المعاودة.
واستشكل القول بأنه يمكن من التقاء الختانين- بأن ضبط النفس عن الزيادة على ذلك عسير.
وَيُمَكَّنُ فِي الظِّهَارِ اتِّفَاقًا
أي: إذا فرضت هذه المسألة في الظهار بأن قال: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فإنه يمكن من الوطء بالاتفاق، وفي هذا الاتفاق نظر. وقد حكى اللخمي في كتاب الظهار في هذه المسألة في إباحة الوطء أربعة أقوال:
[ ٤ / ٤٩٤ ]
الأول: لمحمد أنه يمنع جملة لأن مغيب الحشفة يوجب الحنث والنزوع وطء ممن وقع عليه الظهار.
الثاني: لعبد الملك أنه له مغيب الحشفة ثم ينزع بناءً على أن النزوع ليس بوطء.
الثالث: لا يطأ ولا ينزل.
الرابع: أن له ذلك وإن أنزل.
قال: وظاهر المدونة أن له الإصابة التامة ثم ينعقد عليه الظهار ولا تلزمه الكفارة إلا أن يطأها بعد ذلك.
وعلى هذا فلا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها لأن الزوجة تحرم هنا بالظهار كما تحرم في الأولى بالطلاق، ولكن رفع التحريم الحاصل في الظهار بيده لقدرته على التكفير.
خليل: وانظر على هذا لو كان له عبد حاضر وقال: أنا أطأ وأعتقه عن ظهاري إذا أولجت، هل يتفق على تمكينه من الوطء حينئذ وهو الظاهر أم لا؟
ولا يقال: إذا كان الظاهر أنه يمكن في هذه الصورة بالاتفاق يصح كلام المصنف، لأنه لم يقيد كلامه بهذه الصورة ولا يمكن أن يريدها فقط لأنها فرض نادر. وقول اللخمي: ظاهر المدونة؛ لأن فيها: من قال لزوجته: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فهو مول حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء ولا يقربها بعد ذلك حتى يكفر، ولهذا غمز سحنون ما في المدونة.
فضل: وإنما غمزها فيما أظن لأنه ذهب مذهب عبد الملك أنه لا يمكن من الوطء. قال: وإنما تكلم ابن القاسم على أحد قوليه في كتاب الإيلاء أي المسألة التي فوق هذه.
صاحب النكت وابن محرز: وليس في قوله في المدونة ما يدل على تمكينه من الوطء، وإنما قال: فإن وطئها، فأنت ترى كيف أشار فضل إلى إجراء هذه المسألة على التي فوقها،
[ ٤ / ٤٩٥ ]
وكلام عبد الحق وابن محرز ظاهر لأنه إنما قال في المدونة: إن وطئ سقط عنه الإيلاء لأن له أن يطأها.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُ إِحْدَاكُمَا فالأُخْرَى طَالِقُ وأَبَى الْفَيْئَةَ فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا.
(وأَبَى الْفَيْئَةَ) أي وطء كل منهما ولا إشكال أنه لو وطئ واحدة طلقت عليه الأخرى.
وقوله (فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا) ينبغي أن يفهم على أن القاضي يجبره على طلاق واحدة، أو يطلق واحدة بالقرعة، وإلا فطلاق واحدة غير معينة لا يمكن؛ إذ الحكم يستدعي تعيين محله، وفي تطليق معينة منهما ترجيح بلا مرجح. ومن قامت بحقها من هاتين المرأتين كان الحكم كما ذكره المصنف، ولا يشترط قيامهما معًا.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم في تقييد هذه المسألة قولين هل يكون موليًا منهما معًا أو لا يكون موليًا إلا من إحداهما؟
وَلَوْ حَلَفَ لا يَطَأُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلا مَرَّةً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مُولٍ حِينَئِذٍ، وقَالَ أَيْضًا: لا إِيلاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، واخْتُلِفَ فِيهَا لَمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ..
ههنا قاعدة تنبني عليها هذه المسألة، والمسألة التي قبلها وما بعدها [٣٧٨/ أ] من الفروع، وهي أن الحالف إذا كان امتناعه ليمين انعقدت عليه كان موليًا باتفاق وإن امتنع لا يمين انعقدت عليه وإنما امتنع خوفًا من انعقاد اليمين فهل يكون موليًا من حين اليمين أو لا يكون موليا حتى يطأ؟ قولان.
والقولان في المسألة التي ذكرها المصنف في الموازية، والقول الثاني مع بقية الكلام الذي ذكره المصنف في المدونة، ولا يلزم من تقديم المصنف للقول الأول أن
[ ٤ / ٤٩٦ ]
يكون هو المشهور وإنما يلزم ذلك لو صدر به ثم عطف عليه بـ (قيل)، واختار ابن المواز القول الأول.
وَلَوْ حَلَفَ لا يُجَامِعُهَا فِيهَا غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَكُونُ مُولِيًا، وقَالَ أَصْبَغُ: مُولٍ؛ وهُوَ غَلَطُ، نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ فَمُولِ.
قوله: (فِيهَا) أي في السنة، ووجه قول ابن القاسم أن له أن يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها ثم يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها فلا يبقى من السنة غير أربعة أشهر. وقال أصبغ: مول، قال محمد: هو غلط، وتبعه المصنف لما قلناه في توجيه قول ابن القاسم،
خليل: ويمكن أن يوجه قول أصبغ بأن يقال: لو لم يلزمه الإيلاء في مثل هذه الصورة لتوصل بهذا إلى مضارة الزوجة، لأنه يمكنه أن يفعل في كل سنة كذلك فيؤدي إلى الضرر المستديم، وإبطال ما شرعه الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فتكون هذه المسألة كالسريجية، ولا سيما ومن قواعدنا القول بسد الذريعة، على أن جواب ابن القاسم بعدم الإيلاء إنما ينبني على القول بأن من حلف على ترك الوطء أربعة أشهر لا يكون موليًا وأما على الرواية الأخرى فلا. وهذا الذي أشرنا إليه في توجيه قول أصبغ رأى اللخمي أن يكون لها حق في الوقف للضرر لا للإيلاء.
وقوله: (نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ .. إلى آخره) هو جواب لابن القاسم تقديره أن يقال: إنما ألزمه أصبغ الإيلاء لاحتمال أن يطأ مرتين في أول السنة، فأجاب عنه بأنه لو وطئ مرتين وقد بقي أكثر من أربعة أشهر لكان موليًا بالاتفاق.
وَفِيهَا: إِنْ وَطِئْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَوْ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا حُرُّ أَوْ صَدَقَةُ؛ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ: فِي تَعْجِيلِ الإِيلاءِ بِخِلافِ التَّعْمِيمِ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا ..
هذان القولان مبنيان على القاعدة المتقدمة لأنه امتنع من الوطء خوفًا من انعقاد اليمين عليه في ما يملكه من البلد المسمى؛ لأنه إن جعلت الانعقاد بمنزلة ما يلزمه من
[ ٤ / ٤٩٧ ]
صوم أو صدقة أو نذر أو كفارة عجلت الإيلاء، وإلا لم تعجله، ولعل المصنف نسب هذه المسألة للمدونة ليبين لك أن كلًا من القولين في المسألة السابقة له أصل في المدونة.
وقوله: (بِخِلافِ التَّعْمِيمِ) أي فلا يكون موليًا لأن يمينه لم تنعقد.
وَلِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ ..
قوله: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) هذا مبني على المعروف من المذهب، وأما على القول بوقوع الطلاق بمضي الأربعة أشهر فلا.
وقوله: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) أي من يوم الحلف إذا كانت يمينه صريحة في ترك الوطء أو من يوم الرفع إذا كانت يمينه متضمنة لترك الوطء كما تقدم.
قوله: (فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ) أي الوطء (أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى) من كل منهما، (طَلَّقَ) الحاكم (عَلَيْهِ).
وظاهر كلامه أنه لا يتلوم له، وهو الصحيح وإن كان بعضهم ذهب إليه. واعلم أن للمولي إذا وقف حالتين: الأولى: أن يقول: لا أطأ، والحكم فيها أن يطلق عليه من غير تلوم، والثانية: أن يقول: أطأ، فهذا يتلوم له فيها. وإليه أشار بقوله:
فَإِنْ أَجَابَ اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ طَلَّقَ عَلَيْهِ
أي (فَإِنْ أَجَابَ) إلى الوطء، وعلى هذا فمراده بالإجابة أخص من مراده بالإباية في قوله: (أَبَى) لأن مراده به بالإباية من كل من الوطء والطلاق كما تقدم، ومراده بـ (أَجَابَ) أي إلى الوطء، على أنه يمكن أن يريد بأجاب الإجابة إلى أحد الأمرين لا يعنيه ويكون مقابلًا لقوله: أبى، لكن المسألة إنما هي منصوصة على الوجه الأول.
وقوله: (اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً) ظاهر كلامه أنه موكول إلى اجتهاد الحاكم.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
قال في البيان: وهو المعلوم من مذهب مالك في المدونة وغيرها أنه يختبر المرتين والثلاث.
ابن عبد السلام: ووقع في المذهب روايات بالتحديد أضربنا عنها لمخالفتها الأصول.
اللخمي: وروى ابن وهب أنه قال: يؤخر وإن أقام في الاختبار حتى تحيض ثلاثة حيض وأكثر، ويوقف أيضًا، فإن قال: أنا أفيء خلي بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه، وروى أشهب أنه قال: يخلى بينه وبينها فلو لم يف حتى انقضت عدتها من يوم قال: أنا أفيء، طلقت عليه طلقة بائنة.
والْفَيْئَةُ تَغَييبُ الْحَشفَةِ فِي الْقُبُلِ فِي الثَّيِّبِ وافْتِضَاضِ الْبِكْرِ طَائِعًا عَاقِلًا.
(الْفَيْئَةُ) لغة الرجوع، والمراد بها [٣٧٨/ ب] هنا الرجوع إلى ما كان ممتنعًا منه بسبب اليمين وهو الجماع، واحترز بالطوع من المكره، وبالعقل من المجنون، فإن وطئهما ليس فيئة.
وهكذا في الجواهر، لكنه خلاف ما نص عليه ابن المواز وأصبغ في العتبية، ونقله صاحب تهذيب الطالب واللخمي وصاحب البيان أن وطء المجنون في حال جنونه فيئة، قال في البيان: لأنها نالت بوطئها في جنونه ما تنال بوطئه في صحته. ووقع في قول أصبغ زيادة أنه يحنث بالوطء ويكفر عنه وليه. قال في البيان: وهو ضعيف لأن فعله في حال الجنون كلا فعل فإذا وطئ في حال الجنون وجب أن لا يحنث بذلك، ولا تجب به الكفارة لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث"، وعد فيهم المجنون.
وقياس ما قاله أهل المذهب في المجنون أن يكون وطء المكره فيئة، بل أولى، ألا ترى أنه اختلف في حد الواطئ مكرهًا ولم يختلف في سقوط الحد عن المجنون، وأيضًا فإنه قد قيل عندنا أن الإكراه إنما يكون في القول لا في الفعل والله أعلم.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
وَلا يَنْحَلُّ بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ
أي: (وَلا يَنْحَلُّ) الإيلاء (بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) وهكذا قال في إيلاء المدونة: لا تحصل الفيئة بالوطء بين الفخذين ولا بالقبلة والمباشرة واللمس، قال فيها: إلا أن الكفارة تلزمه بالوطء دون الفرج وتحمل يمينه على الاعتزال حتى يخص بنيته الفرج.
اللخمي: وعلى القول بحمل الأيمان على العادة لا يحنث بالإصابة بين الفخذين في كتاب الرجم من المدونة، فإن وطئها بين الفخذين فكفر زال إيلاؤه لأنه لو كفر قبل أن يطأ سقط إيلاؤه، فكيف إذا وطئ للإيلاء وظاهر ما قال في الإيلاء يخالف ما في كتاب الرجم، لأنه نص في الرجم على سقوط الإيلاء، وفي الإيلاء على عدم سقوطه.
أبو الحسن: إلا أن يتأول قوله في الإيلاء، إلا أن الكفارة تلزمه على معنى ولم يخرجها، وأما لو أخرجها لسقط عنه الإيلاء عملًا بما في الرجم.
وقال الباجي بعد أن ذكر قول مالك أنه يحنث بالوطء دون الفرج: وتحمل أيمانهم على الاعتزال لا خلاف أنه إذا أتى بما يحنث به فقد بطلت يمينه، وإذا بطلت يمينه لم يبق إيلاء وهو أعلم بما تجب عليه به الكفارة من الوطء بالفرج أو غيره، وأما فيما بينه وما بين الزوجة فلا يخرج عن حكم الإيلاء بما يدعي من أنه لم يرد الفرج فلا يقبل قوله يسقط به حكم الإيلاء عن نفسه، ويقبل فيما يوجب عليه الكفارة كما أنه لو كانت يمينه بالله فكفر بزعمه، لم يقبل ذلك فيما بينه وبين الزوجة وبالله التوفيق. انتهى.
خليل: وعلى هذا فقوله في المدونة في الإيلاء أن اليمين لا تنحل بالوطء بين الفخذين، إنما هو فيما بينه وبين الزوجة، وأما يمينه فقد انحلت.
ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: وقد اختلف إذا لم ينو الفرج هل يحنث بما دون الفرج؟ وهو قول مالك أم لا؟ وعلى الحنث لو كفر وقال: أردت يمين الإيلاء ففي تصديقه قولان.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
فإن ادعى نية في الفرج فله نيته، وإن قامت عليه البينة لأن نيته مطابقة لظاهر لفظه، إلا أن تفهم البينة على أنه أراد الاجتناب، فلا تقبل نيته حينئذ، وروى أصبغ عن ابن القاسم إذا وطئ المولي دون الفرج، وقال: نويت الفرج لم يحنث وبقي موليًا لحاله، وإن قال: لا نية لي حنث ولزمته الكفارة، فإن كفر سقط عنه الإيلاء، وإن لم يكفر بقي موليًا لأنه يتهم أن يكون نوى الفرج وكذب في قوله: لم أنو شيئًا حين لم يكفر وأراد سقوط الإيلاء عنه.
وفي سماع أبي زيد في من قال: امرأته طالق إن وطئ فرجًا حرامًا أبدًا فضم جارية لامرأته إلى صدره حتى أنزل حنث، ولا أنويه أنه أراد الوطء بعينه.
وفي الموازية من حلف أن لا يتسرى على امرأته فجرد جارية له ووضع يده على محاسنها وملاذها ليس بتسر. انتهى. وفسر ابن رشد ما في سماع أبي زيد من التحنيث بضم جارية امرأته، بما إذا حضرته البينة قال: وأما إن جاء مستفتيًا فلا يحنث.
أبو الحسن: وهو خلاف ما في الإيلاء من المدونة في قوله: أن يمينه تحمل على الاعتزال.
وَيَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ
لم يثبت هذا في نسختي ولا في نسخة ابن راشد ولا في أكثر النسخ، ووقعت في بعض النسخ وهو كلام مشكل، لأن ظاهر كلامه أنه عائد على الوطء بين الفخذين، فيكون التقدير ويجوز الوطء بين الفخذين على المشهور وليس كذلك فإنه لا خلاف في جوازه نقله ابن عبد السلام، والأقرب أن يكون قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) متعلقًا بصدر المسألة، أي ولا ينحل بالوطء بين الفخذين على المشهور وبين هذا ما وقع في بعض النسخ عوضًا عن قوله: (ولا ينحل بالوطء بين الفخذين، وفي حله بالوطء في غيره قولان) ووجد في بعض الحواشي المنسوبة إلى ابن الأنباري في هذا الموضع ما نصه لعله إنما أراد المظاهر
[ ٤ / ٥٠١ ]
منها، وهو في غاية الضعف لأنه تسليم لعدم صلاحية هذا الكلام لهذا الموضع، ولأن المشهور في المظاهر منها خلاف هذا كما سيأتي.
وَفِي الْمُحَرَّمِ: قَوْلانِ
أي: وفي انحلال الإيلاء بالوطء المحرم، كما لو وطئها حائضًا أو محرمة أو في نهار رمضان. وأجراها اللَّخْمِيّ وغيره على الخلاف في [٣٧٩/أ] الإحلال والإحصان بذلك.
وَفِي كِتَابِ الرَّجْمِ: لَوْ جَامَعَ فِي الدُّبُرِ انْحَلَّ الِإيلاءُ إِلا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقُبُلَ، وَلَمْ يُقِرَّهُ سَحْنُونٌ
تصور المسألة واضح، وقوله: (وَلَمْ يُقِرَّهُ) أي لم يقره في المدونة وطرحه وهكذا قال الشيخ أبو محمد وابن يونس أن سحنونًا طرحه ولم يقره. وفي بعض النسخ ولم يقرأه سحنون، والأول أحسن لأنه لا يلزم من عدم القراءة الطرح. ولعل سحنونًا إنما طرح هذه المسألة لأنها توهم إباحة الوطء في الدبر وهو محرم، أو لأنها مخالفة لما في كتاب الإيلاء؛ لأنه لا فرق بين الوطء في الدبر والوطء بين الفخذين بالنسبة إلى الزوجة.
خليل: ويمكن أن يقال أن مراد مالك بانحلال الإيلاء هنا إذا جاء مستفتيًا لأن يمينه تحمل على الاعتزال، وإذا حنث في يمينه لم يبق موليًا.
وَالتَّكْفِيرُ وَتَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوفُ وَقَبْلَهُ يَنْحَلُّ بِهِ الإِيلاءُ
لما انقضى كلامه على الفيئة أتبع ذلك بما يقوم مقامها وذلك نوعان:
النوع الأول: التكفير، أي في اليمين بالله قبل الوقوف أو بعده ينحل به الإيلاء، وهذا هو المشهور. وقال أَشْهَب: لا ينحل الإيلاء بالكفارة قبل الحنث، إذ لعله كفَّر عن يمين سبقت، وهذا الخلاف مبنيٌ على الخلاف في تقديم الكفارة قبل الحنث، ولأنه يتهم على قول أَشْهَب أن يكون قصد يمينًا أخرى.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
النوع الثاني: تعجيل الحنث في المحلوف به كما لو أعتق العبد المحلوف بعتقه. قال في البيان: ولا خلاف في هذا؛ لأنه لا بقاء ليمين بعد ذلك.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْفَيْئَةِ كَالاعْتِرَاضِ
يعني: في دعواه الفيئة قال في المدونة: مع يمينه، فإن نكل حلفت هي تطلق عليه إن شاءت.
والمشهور أن القول قوله بكرًا كانت أو ثيبًا، وقيل: القول قولها إن كانت بكرًا. وهذا الخلاف يؤخذ من تشبيه المصنف بالاعتراض، فإذا كان القول قوله في الفيئة، ففي الكفارة أحرى، إلا أن يقال أن الوطء يتعذر إقامة البينة عليه بخلاف الكفارة.
فَلَو ْكَانَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًَا أَوْ غَائِبًا- فَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالْيَمِينِ بِاللهِ أَوْ تَعْجِيلِ الْحِنْثِ- كَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِبَانَةِ الزَّوْجَةِ الْمَحْلُوفِ بِهما- فَإِنْ أَبَوْا طَلَّقَ عَلَيْهِمْ، وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ
هذا تقسيم للفيئة وذلك لأن المولي إن كان الوطء ممكنًا منه فالفيئة في حقه ما تقدم، وإن لم يمكنه الوطء كالمريض والمحبوس والغائب فتكفير اليمين على المشهور، وهو خبر المبتدأ؛ أي ففيئته تكفير اليمين على المشهور، أو مبتدأ وخبره محذوف. والشاذ يحتمل أنه يريد به ما تقدم لأشهب في الكفارة، على ما تقدم فإنه منصوص هنا، فيكون الشاذ على هذا أضيق من المشهور، ويحتمل أن يريد بما ذكره عن سحنون.
وهو قوله (وقال سحنون: الأكثر أن الوعد كاف إلى أن يمكنهم، فيكون الشاذ أوسع من المشهور وهذا هو الظاهر لعمومه ولأنه المصرح به في كلامه. واستقرأ اللَّخْمِيّ من المشهور أن المسجون لا تدخل عليه زوجته في السجن، ولو كان ابن عبد الحكم قال: يجوز دخولها، وتصور قوله: أو تعجيل الحنث ظاهر، وهو يؤخذ من كلامه السابق،
[ ٤ / ٥٠٣ ]
والضمير في قوله: (أَبَوْا) عائد على المريض والمحبوس والغائب وقوله: (طَلَّقَ عَلَيْهِمْ) أي إذا أبوا من التكفير وتعجيل الحنث، وقوله: (بِهمَا)، عائد على العبد والزوجة. وقوله: (وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ) أي وفي إجزاء العتق غير المعين قولان، وقد تقدما وتقدم الكلام عليهما عندما ذكر المصنف المسألة في باب الأيمان، وذكرنا أن المشهور عدم الإجزاء.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لا يُكَفَّرُ قَبْلَهُ- كَصَوْمٍ لَمْ يَاتِ أَوْ بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ كَطَلاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا- فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ
أي: (وَإِنْ كَانَتْ) اليمين (مِمَّا لا يُكَفَّرُ) قبل الحنث ولم يمكنه الوطء إن كان مريضًا أو محبوسًا كما تقدم (فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ).
ابن راشد: ولا خلاف فيه، ومثل ذلك بما إذا حلف بصوم (لَمْ يَاتِ) زمانُه، و(بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ) وهو ظاهر لأنه إذا قال: إن وطئتها ففلانة طالقة، فلا فائدة في تطلقة فلانة؛ لأنه إذا طلقها طلقة رجعية فاليمين منعقدة، وكذلك أيضًا إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق، ثم قيل له: عجل هذه الطلقة، فله أن يقول: لا فائدة في هذا التعجيل، وليست هذه المسألة هي التي قدمها المصنف، أعني قوله: (ولو قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، وقع بأوله طلقة رجعية وبقيته ارتجاع فينويه) كما قال ابن عبد السلام: لأ، الأولى إنما أتى بها لإفادة أنه يمكن من الوطء وأنه تقع عليه طلقة بالوطء فينوي الرجعة ببقية الوطء وهذه إنما أتى بها لإفادة أن تعجيل الطَّلاق لا يفيد.
قال في البيان: وكذلك لو حلف بصيام أو صدقة أو مشي أو صدقة شيء بغير عينه فلا خلاف أنه لا ينحل عقد اليمين ولا يرتفع عنه الإيلاء بالصيام ولا بالمشي [٣٧٩/ب] ولا بالصدقة إن فعل ذلك قبل الحنث وإن نوى بذلك حل اليمين عنه، وأن عليه أن يفعل ذلك مرة أخرى إن حنث، وعلى هذا فكفارته أيضًا بالوعد.
[ ٤ / ٥٠٤ ]
وَيُبْعَثُ إِلَى الْغَائِبِ وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ
نحوه في المدونة.
الباجي: فجعل الشهرين في حد القرب، وهو مقيد بما إذا علم مكانه، وإن لم يعلم فالحكم فيه كالمفقود.
قال في البيان: وقال ابن الماجشون: لا يعذر بالغيبة وتطلق كانت يمينه مما يقدر علي حلها بالكفارة أم لا وزاد غيره في قوله: وسواء عنده قربت غيبته أو بعدت، وكذلك في السليمانية أنها تطلق عليه وإن خرج حاجًا أو غازيًا، ويفهم من قوله: (وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ) أنه لو كان أكثر من ذلك لطلق عليه، وهو مفهوم المدونة، لكن صاحب اللباب جعل القريب بما تبلغه فيه المكاتبة فإنه قال: وإن كان بموضع تبلغ فيه المكاتبة بعث إليه، وإن كان بموضوع لا تبلغه أو تبلغه ويتعذر إتيانها ومعرفتها أو معرفة من ينقل الشهادة عنه، كان لها أن تقوَّم بالفراق؛ لأن محله في مقامه على الاختيار حتى يثبت أنه ممنوع فيكون حينئذ كالأسير.
فرع:
اختلف إذا أراد السفر قبل أجل الإيلاء وتقوم به امرأته، فقال ابن القاسم: يمنعه السلطان حتى يحلّ الأجل فيفيء أو يطلق عليه فإن أبى إلا السفر أعلمه أنه يطلق عليه إذا حلَّ الأجل.
وقال ابن كنانة: إن كان منكرًا للإيلاء منع من السفر حتى يتحاكم مع امرأته وإ، كان مقرًا أطلق له السفر، فإذا حلَّ الأجل طلق عليه. وقال سحنون: يقال له إما أقمت وإما وكلت من يفيء أو يطلق فإن قال: أفيء، قيل له: كفِّر.
[ ٤ / ٥٠٥ ]
وَقَالَ سَحْنُونٌ: الأَكْثَرُ أَنَّ الْوَعْدَ كَافٍ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُمْ الوطء فَإِنْ لَمْ يَطَؤُوا طُلِّقَ عَلَيْهِمْ
قد تقدم أن هذا هو مقابل المشهور ونصه في التهذيب وقد قال ابن القاسم في يمينهم بالله: إن فاؤا بألسنتهم أجزأهم.
سحنون: وهذه الرواية أصح من كل ما كان من هذا الصنف على غير هذا وعليه أكثر الرواة.
ابن القاسم: وأكثر الأصحاب: إذا أمكنهم من الوطء فلم يطأوا طلق عليهم.
أبو الحسن: وقوله من هذا الصنف، أي أسماء الله تعالى وصفاته، والنذر الذي لا مخرج له.
انظر كيف جعل المصنف هذا القول شاذًا مع أنه قول ابن القاسم وأكثر الأصحاب وصححه سحنون.
فَلَوْ رَضِيَتْ لَكَانَ لَهَا الْعَوْدُ كَالاعْتِرَاضِ والإِعْسَارِ بِخِلافِ الْعُنَّةِ
يعني: إذا رضيت بإسقاط حقها في الفيئة ثم أرادت الإيقاف فلها ذلك من غير استئناف أجل كالتي بالمعترض أو المعسر ثم تقوم لأنها تقول: رجوت علاجه وزوال اعتراضه وعسره، بخلاف ما إذا رضيت بالعنين أي بذي الذكر الصغير، وظاهر كلام المصنف أن لها الإيقاف من غير يمين لسكوته عنها ونحوه لمالك. وقال أصبغ: تحلف ما كان تركها على التأبيد إلا لتنظر ثم تطلق مكانه دون أجل. الباجي: وهذا الذي قاله أصبغ مخالف لقول مالك، لأن الصبر على الضرر لا يلزم الزوجة إذا كانت ممن يثبت لها الخيار كالرضى بالأثرة.
وَلا مُطَالَبَةَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ والْمَجْنُونَةِ بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ، وَلَوْ رَضِيَتْ
يعني: إذا رضيت الصغيرة أو السفيهة أو المجنونة بترك الوطء فلا يكون لوليهن الإيقاف، سواء كان أبا أو غيره لأن نظر الولي خاص بالمال، ويفهم من قوله: (لا مُطَالَبَةَ
[ ٤ / ٥٠٦ ]
لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ) أن لولي الصغيرة المطالبة لكن بشرط أن تبلغ حد الوطء وإن لم تبلغ ذلك فلا كلام لها، قاله اللَّخْمِيّ.
وقوله: (بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ) أي فإن له إيقاف الزوج ولو رضيت الأمة بترك الوطء لأ، للسّيد حقًا في الوطء فلا يكون للأمة إسقاطه.
وَلا مُطَالَبَةَ لِمُمْتَنِعٍ وَطِئَهَا لرتَقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ
يعني: أنه لا مطالبة للمرأة بالفيئة إذا امتنع وطئها لمانع سواء كان المانع عقليًا كالرتق، أو عاديًا كالمرض، أو شرعيًا كالحيض فإن قلت: كلامه هنا مناقض لما في اللعان بالنسبة إلى الحيض لقوله: ويؤخر لعانهما معًا، وفي المختصر: لعانها للحيض والنفاس كما يؤخر طلاقها للإعسار والعنة بخلاف الإيلاء.
وروى أشهب: والإيلاء؛ فقوله: بخلاف الإيلاء، فإنه يقدم طلاق المولي في الحيض، والتطليق عليه حالة الحيض يقتضي أن يكون مطالبًا للفيئة في تلك الحالة، قيل: لا يبعد أن تكون الفيئة على هذا القول بالوعد كما في نظائر المسألة، حيث تتعذر الفيئة بالوطء ويكون التطليق عليه إنما هو إذا امتنع من الوعد والله أعلم.
وَتَتِمُّ رَجْعَتُهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِنِ انْحَلَّتِ الْيَمِينُ فِي الْعِدَّةِ بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ وطلاقٍ بَائِنٍ، بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ تَعَالَى وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلذَلِكَ يَتَوَارَثَانِ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ
اعلم أنّ كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة.
[٣٨٠/أ] ثم إن الرجعة في المولي مشترطة بانحلال اليمين في العدة؛ لأنه إنما طلق عليه للضرر اللاحق لها بترك الجماع بسبب اليمين، فلو عادت إليه بدون الانحلال لبقي
[ ٤ / ٥٠٧ ]
ذلك الضرر على حاله، واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة لعدم الإصابة هل تصح- وإليه ذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون- أو لا تصح وإليه ذهب سحنون.
ثم بين المصنف ما تنحل به اليمين فقال: (بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ) الإيلاء.
وقوله: (أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ) ظاهر التصور. وقوله: (بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) فإن حكم الإيلاء باق عليه كما تقدم وقوله: (ونَحْوِهِ) أي من المباشرة ويحتمل أن يريد بـ (ونَحْوِهِ) الوطء المحرم على الخلاف المتقدم.
وقوله: (إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (أَوْ كَفَّارَةٍ) أي إنما تجري الكفارة إذا كانت اليمين بالله ونحوه على المشهور.
(ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ) يحتمل أني ريد به النذر المبهم، فإنه فيه كفارة يمين ويحتمل أن يريد به صفاته وهو الأقرب، وإلا لقال: ونحوها، ولا يصح أن يريد بالنحو العتق غير المعين. فإن المشهور فيه أنه لا تنحل به اليمين كما تقدم. ولو قال: وتتم رجعته بما ينحل به اليمين وفاقًا وخلافًا، لكان أخصر.
وقوله: (وَلذَلِكَ) أي ولو كان الطَّلاق رجعيًا (يَتَوَارَثَانِ) وهو ظاهر وقوله: وروي عن مالك في كتاب ابن شعبان أنه لا نفقة عليه حتى يرتجع وهو خلاف نص المدونة.
فَإِنْ لَمْ تَنْحَلَّ فِيهَا أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ وَبَانَتْ وَحَلَّتْ مَا لَمْ يَكُنْ خَلا بِهَا فَإِنَّهَا لا تَنْحَلُّ بَعْدَ رَجْعَتِهِ فَتَاتَنِفُ الْعِدَّةَ ثُمَّ لا رَجْعَةَ لَهُ بِخِلافِ الْمَعْذُورِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ إِلا أَنْ يُمْكِنَهُ الْوَطْءُ فَيَمْتَنِع
ابن عبد السلام: الضمير في (تَنْحَلَّ) عائد على اليمين. وقوله: (فِيهَا) أي العدة.
(أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ) أي قدرت كالعدم، وفي المدونة: وإذا طلق على المولي وقد بنى فله الرجعة في بقية العدة بالقول، ويتوارثان ما لم تنقض، فإن ارتجعها بالقول فواسع له أن
[ ٤ / ٥٠٨ ]
يخلَّى وإياها؛ فإن لم يطأ حتى دخلت في أول دم الحيض الثالثة حلت ولم تكن تلك الرجعة إلا المعذور بمرض أو سفر أو سجن فرجعته رجعة بالقول فإذا أمكنه الوطء بعد العدة فلم يطأ فرق بينهما واجزأته العدة الأولى إلا أن يكون خلا بها وأقر أنه لم يطأ فلتأنف العدة ولا تكون له عليها رجعة في هذه العدة المؤتنفة لأنه أقر أنه لم يطأ.
وضعف في سماع أَشْهَب وجوب العدة عليها للأزواج بسبب الخلوة ورأى التهمة عليها في ذلك بعيدة، وقال في العتبية: كل طلاقٍ رجعي إذا ارتجع انقضت العدة واستؤنفت إلى المولي وحده.
وَلا رَجْعَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا
إذا طلق عليه بالإيلاء غير المدخول بها فلا رجعة له وهو ظاهر.
وَلا يَنْتَقِلُ الْعَبْدُ إِلَى أَجَلِ الْحُرِّ إِذْ عَتَقَ بَعْدَ أَنْ آلَى كَمَا لا تَنْتَقِلُ الأَمَةُ إِذَا عُتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعَيَّةِ وَغَيْرِهَا إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ
قد تقدم أن أجل العبد في الإيلاء شهران فإذا ضرب له ذلك ثم عتق لم ينتقل إلى أجل الحر كما لو زنا ثم عتق مكانه فإنه لا ينتقل إلى حد الحر لأن المعتبر حال الصدور.
وقوله: (كَمَا لا تَنْتَقِلُ إلى آخره) ظاهر التصور.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
كتاب الظهار
الظِّهَارُ تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ
الجوهري: الظهار قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
عياض: وهو مأخوذ من الظهر، وكنى به عن المجامعة؛ لأن المرأة تركب كما يركب ظهر المركوب، لاسيما وعادة كثير العرب وغيرهم المجامعة على حرف من جهة الظهر ويستقبحون سواه ذهابًا منهم إلى التستر والحياء ألا تجمع الوجوه حينئذٍ ولا يطلع على العورات، وهي كانت سيرة الأنصار حتى نزل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] على إحدى الروايتين في سبب نزولها، واعلم أن الظهار كان في الجاهلية وأول الإسلام طلاقًا حتى أتت خولة بنت ثعلبة على ما رواه أبو داود في سننه وغيره تشكو زوجها إلى النبي ﷺ وتقول: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت. وجادلت النبي ﷺ، واختلفت الأحاديث في نص المجادلة، حتى أنزل الله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى آخرها.
عبد الوهاب: والظاهر محرم للكذب كما أخبر الله ﷿، فقال: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ لنصه في الآية على أنه منكر وزور ولقوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
الشيخ أبو إسحاق: ويؤدب من ظاهر لقوله المنكر والزور. مالك في المبسوط: والظهار يمين تكفر.
الباجي: وفي المدونة إن مطلق الظهار ليس بيمين، وإنما يكون يمينًا إذا قال: إن فعلتْ كذا، فإنها عليَّ كظهر أمي.
وحد المصنف الظهار بقوله: (تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ) ودخل في قوله: (مَنْ يَجُوزُ) الأمة والزوجة، [٣٨٠/ب] وشمل قوله: (مَنْ يَحْرُمُ) المحرمة على التأبيد كالأم ونحوها، والمحرمة لا على التأبيد وهي الأجنبية، ومراده بقوله: (مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا) من الأصل جواز وطئها وإن كان يعرض لها عدم الجواز كما إذا حاضت الزوجة
[ ٤ / ٥١٠ ]
أو الأمة أو أحرمتا أو صامتا في واجب، وبهذا يسقط اعتراض من قال: هذا الرسم غير جامع لخروج الزوجة الحائض منه إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإنه ظهار وهو تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم، وغير مانع؛ لأنه يدخل فيه ما إذا قال لإحدى زوجتيه: أنتِ عليَّ كظهر زوجتي الأخرى، وهي حائض فإنه يصدق عليه الحد الذي قاله المصنف، وإنه ليس بظهار.
فَيَصِحُّ ظِهَارُ السَّيِّدِ فِي الأَمَةِ لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ فَيَصِحُّ ظِهَارُ الْمُدَبَّرَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالرَّجْعِيَّةِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالْكَافِرَةِ
لما ذكر رسم المظاهر ذكر هذه الجملة بيانًا له، ولذلك أتى بالفاء المشعرة بالسببية؛ أي فلأجل أن الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم صح الظهار من الأمة؛ لأنها ممن يجوز وطؤها، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵁: لا يصح الظهار من الأمة، ومنشأ الخلاف هل تدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، ولاشك أنها من النساء لغة؛ لكن العرف يخصص هذا اللفظ بالزوجات.
وقوله: (لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ) لأن وطأهما غير جائز وتشاركهما المكاتبة، وصح الظهار من المدبرة وأم الولد؛ لأن وطأهما جائز.
وقول: (وَالرَّجْعِيَّةِ)؛ لأنها وإن كانت محرمة فالتحريم لعارض رفعه بيده، ولو قيل: إن ظهاره منها قرينة في الارتجاع، ما بعد، كما قالوا في إسلام المجوسي على أكثر من أربع، وقوله: (وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ) نحوه في المدونة. وقال: (وَالْكَافِرَةِ) ولم يقل الكتابية كابن شاس؛ ليشمل المجوسية إذا أسلم زوجها المجوسي ثم ظاهر منها بقرب إسلامه ثم أسلمت، فإن ذلك يلزمه قاله في المدونة. وقال أشهب: لا يلزمه، وعلله ابن يونس بأنها حينئذٍ غير زوجة.
[ ٤ / ٥١١ ]
صاحب المقدمات: وهو غير صحيح؛ لأنها لو كانت غير زوجة لم ترجع إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة إلا أن لها أن تختار فراقه باختيار دينها، وليس ذلك مما يمنع وقوع الظهار عليها، فإن الرجل لو قال: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك ثلاثًا، فتزوج عليها ثم ظاهر منها، فإن الظاهر يلزمه، وهل خلاف؟
أشهب: إنما هو إذا عرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بالقرب، فيتفق على أنه مظاهر، أو الخلاف فيهما طريقان.
وَفِي الْمُكَاتَبَةِ لَوْ عَجَزَتْ قَوْلانِ
يعني: واختلف في صحة الظهار من المكاتبة في حال كتابتها ثم عجزت على قولين، والقول بأنه لا يصح لسحنون وعزي لابن القاسم ورأى في القول الآخر اللزوم؛ لأنها قبل الكتابة مباحة له وإنما منع من وطئها قبل العجز لأجل الشك، فيستصحب حال الملك إذا انكشف أمرها بالعجز، ومنشأ الخلاف هل رجوع المكاتبة إلى سيدها بالعجز كابتداء ملك أم لا؟
ومفهوم قوله: (لَوْ عَجَزَتْ) أنها لو لم تعجز لم يلزمه الظهار إلا أن ينوي إن تزوجها فيلزمه كما يلزمه في الأجنبية إذا علق ذلك على زواجها، وقال اللخمي وغيره: هذا هو المعروف.
وقال بعض أصحابنا: إذا ظاهر من معتقة إلى أجل أو أمة له فيها شرك أو مكاتبة فتزوجهن بعد العتق أن ذلك الظهار يلزمه، ولا يطأ حتى يكفر.
ابن يونس: وهو عندي غلط؛ لأن الله ﷿ إنما ألزم الظهار فيمن يحل وطؤها وتصح فيه العودة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قيل: والفرق على المشهور بين من ظاهر من مكاتبته ثم عجزت بقرب ظهاره أنه لا شيء عليه، وبين المجوسي يسلم على زوجته فظاهر منها ثم تسلم بالقرب أن الظهار يلزمه، والفرق أن المجوسية لم تخرج من
[ ٤ / ٥١٢ ]
عصمته بعد، والمكاتبة كالأجنبية، وإن كانت قد تعجز، والأجنبية قد لا تتزوجه فلا يلزمه فيها الظهار المتقدم.
وَجُزْؤُهَا مِثْلُ كُلِّهَا كَالطَّلاقِ
أي: وجزء المظاهر منها مثل كلها في لزوم الظهار، فإذا قال: يدك عليَّ كظهر أمي، لزمه الظهار.
وقوله: (كَالطَّلاقِ)، يحتمل معنيين، أحدهما: الاحتجاج على الشافعي؛ لأنه وافق على التطليق بالجزء، وخالف هنا في أحد قوليه. وثانيهما: الإشارة إلى أنه ليس كل جزء يلزمه به الظهار، بل هو كالطلاق، فيتفق على الظهار إن شبه بيدها أو رجلها، ويختلف في الشعر والكلام كما تقدم، وهكذا في المقدمات أنه يختلف في الشعر والكلام هنا كالطلاق، وهذا هو الأقرب؛ لأن المصنف لم يذكر مذهب الشافعي، ولأنه ليس من عادته الاحتجاج على المخالف، وليس هو مطلوبًا منه، وإنما المطلوب منه معرفة الحكم، والله أعلم.
وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ
ذكر للمظاهر ثلاثة شروط، وقوله: (مُسْلِمًا) صفة لمحذوف تقديره [٣٨١/أ] أن يكون زوجًا مسلمًا أو سيدًا، واحترز من الذمي فإنه لا يصح ظهاره هنا عندنا وإن أسلم، وحكى عن المغيرة أنه يلزم الذمي نذره وطلاقه في حال الكفر؛ أعني إذا أسلم فخرج على قوله لزوم الظهار، واحترز بالعاقل من المجنون، وبالبالغ من الصغيرن والمشهور أن المراهق لا يلحق بالبالغ.
وعن ابن كنانة: إن حلف قبل البلوغ ثم حنث بعده، أنه تلزمه الكفارة، فأخذ منه بعضهم لزوم الظهار للصغير إذا تأخر النظر له حتى بلغ، وعن أشهب مثله، وتأول بعضهم قول ابن كنانة أنه في المراهق، وأخذ من قوله: (وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ
[ ٤ / ٥١٣ ]
مُسْلِمًا إلخ) أن المرأة لو ظاهرت من زوجها تلزمها الكفارة، وهو صحيح، وقد نص في المدونة على ذلك ابن المواز، ولو كان ملَّكها الطلاق.
وقوله: (وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ) لتوفر الشروط فيه.
اللخمي: ويصح منه الطلاق ولو كان ممنوعًا من المال كالسفيه والعبد ولا خلاف في ذلك.
وَظِهَارُ السَّكْرَانِ كَطَلاقِهِ
أي: فيلزمه على المشهور، وقد تقدم الكلام على حكمه في الطلاق.
وَيَصِحُّ ظِهَارُ الْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ فِيهِ أَوْ فِيهَا؛ كَالْمَجْبُوبِ وَالرَّتْقَاءِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يَصِحُّ
القول الذي قدمه المصنف في الرتقاء هو مذهب المدونة، وأما المجبوب وفي معناه الخصي والمعترض والشيخ الفاني فما قدمه المصنف فيه هو مذهب العراقيين، وبالثاني قال أصبغ. ابن عبد السلام: واختلف الشيوخ فيما تدل عليه المدونة، وفهم اللخمي المدونة على الثاني، فإنه لما نقل عن سحنون وعلي بن زياد عدم صحة ظهار من ذكر، قال: وهذا قول مالك في المدونة؛ لقوله: لأن القبلة لا تدعو إلى خير. وخرج على هذا الاختلاف إذا قال: قُبْلَتُكِ عليَّ أو مضاجعتك عليَّ كظهر أمي، هل يلزمه الظهار أم لا؟
عياض: وما تأوله اللخمي خلاف المعروف من المذهب، فإن المقدر من مذهب مالك عند أئمتنا البغداديين وغيرهم أن جميع أنواع الاستمتاع محرم عليه، قاله محمد والأبهري وابن نصر وغيرهم. وحكى الباجي أنه اختلف في تأويل منعه ذلك في الكتب وغيره على وجهين: الأول للقاضي أبي محمد: أنه محمول على الوجوب، والثاني لعبد الملك في المبسوط: أنه محمول على الكراهة؛ للتغرير للجماع الذي لا يحل. لكن ما خرجه اللخمي
[ ٤ / ٥١٤ ]
قول صحيح في المذهب وعليه يأتي قول علي بن زياد وسحنون في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني أنه لا يلزمهم الظهار. انتهى.
وما قاله اللخمي هو متمسك من تأوُّل المدونة على الموافقة لسحنون، وتمسك الآخرون بإلزامه الظهار من الصغيرة، ولم يفصل بين من بلغت حد الاستمتاع وغيرها وبإلزامه الظهار من الرتقاء.
وَعَلَيْهُمَا خِلافُ الاسْتِمْتَاعِ
أي: وعلى المشهور، وقول سحنون: يجري على الخلاف هل يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها فيما عدا الفرج؟ فعلى صحة الظهار من المجبوب والرتقاء يمنع الاستمتاع، ففرع على الخلاف المتقدم الذي ذكره الباجي العكس؛ لأنه لما حكى عن سحنون أن الظهار لا يلزم الخصي والعنين والمجبوب والشيخ الفاني، قال: عندي مبني على أن الظهار لا يحرم الاستمتاع بغير الوطء.
وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فإن قلنا أن الظهار يحرم الاستمتاع كما يحرم الوطء، وهو ممكن من جميعهم، وجب أن يلزمهم الظهار، وإن قلنا أنه ليس بحرام لنفسه، وإنما هو ممنوع لئلا يكون داعية إلى الجماع، فإنه لا يصح الظهار من المجبوب ولا الخصي ولا العنين؛ لأن الجماع لا يتأتى منهم، ونحوه لصاحب المقدمات.
وكلام المصنف يقتضي أنه على قول سحنون يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها من غير كراهة، والذي في البيان والمقدمات: اختلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فجعله أكثر أهل العلم على عمومه أنه لا يطأ ولا يقبل ولا يباشر، وهو مذهب مالك، وقال الحسن وعطاء والزهري: المراد الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل وباشر في خلال الكفارة، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة.
[ ٤ / ٥١٥ ]
والامتناع على قول مطرف في مقدمات الوطء واجب، وعلى قول أصبغ وسحنون مستحب، والظاهر من قول مالك التحريم كقول مطرف؛ لأنه قال: يجب على المرأة أن تمنعه نفسها وإن رفعته إلى الإمام حال بينه وبينها وقال عبد الملك له أن يقبل ويباشر وينظر إلى الشعر والصدر والمحاسن؛ نقله ابن راشد.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ مَعَهَا إِنْ أُمِنَ عَلَيْهَا
أي: وعلى المشهور من عدم جواز الاستمتاع بالمظاهَر منها، وصحة ظهار الخصي ونحوه، يجوز أن يكون المظاهر معها، قال في المدونة: ويجوز أن يكون معها في بيت، ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته، فتجوز المساكنة معها، وزاد في العتبية الخدمة بشرط الاستتار. قال في المدونة: ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفِّر، وجائز أن ينظر إلى وجهها. [٣٨١/ب] وفي الجلاب: ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه والقدمين وسائر الأطراف. قال مالك في العتبية: له النظر إلى شعرها.
وأشار عياض إلى أن إجازة النظر مشروطة بأن لا يقصد بذلك اللذة، وأما إن قصدهابه فهو ممنوع كالمباشرة، قال: وعلى هذا فتكون القبلة وما في معناها ممنوعة على الإطلاق، والنظر ممنوع إذا قصد به اللذة، قال: ولو أخذ من المدونة قولًا آخر أنه يجوز النظر إلى شعرها وصدرها، من إجازته أن يدخل عليها بغير إذن ما بَعُد؛ لأن دخوله عليها بغير إذن سبب إلى أن ينظر منها ذلك.
وقوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أي وأما على مقابله فهو أولى، وإنما احتاج إلى التفريع على المشهور؛ لأنه قد يتوهم منه منع الدخول عليها، فإن قلت: فما الفرق بين المظاهَر منها، فإنكم أجزتم الدخول عليها والنظر إليها، وبين الرجعية، فإن الذي رجع إليه مالك أنه لا يدخل عليها وكل منهما محرم وطؤه، قيل: لأن الرجعية منحلة العصمة، مختلة النكاح بخلاف المظاهَر منها، فإنها ثابتة العصمة صحيحة النكاح. والله أعلم.
[ ٤ / ٥١٦ ]
وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ خَافَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ
قال في المدونة: ويجب عليها أن تمنعه من نفسها فإن خشيت منه على نفسها، رفعت ذلك إلى الإمام فيمنعه من وطئها، ويؤدبه إن أراد ذلك.
وقد تقدم قوله في البيان: إن ظاهر هذا يقتضي تحريم الاستمتاع، وأن الإمام يحول بينه وبينها، فقول المصنف: (وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ) أي من الوطء ومقدماته، لا من الوطء فقط.
وَفِي تَنْجِيزِهِ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلاقُ- مِثْلَ بَعْدَ سَنَةٍ- قَوْلانِ
اعلم أن المصنف أشار إلى المسألتين، الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي بعد سنة، أو بعد شهر أو نحو ذلك. فهل يتنجز الظهار عليه من الآن كالطلاق وهو المشهور، أو لا؟ والفرق على هذا القول بين الطلاق والظهار: أن الظهار يرتفع بالكفارة، فلم يشبه نكاح المتعة بخلاف الطلاق، وظاهر كلامه أن الشاذ منصوص، وبذلك صرح في الجواهر.
وقال ابن عبد السلام: هو مخرج من الشاذ في الثانية، وهو إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، مثلًا ولم يعد حتى انقضت السنة، فهل يتأبد الظهار عليه حتى يكفر، وهو المشهور، بمنزلة ما لو قال لها: أنت طالق سنة، أو لا يتأبد عليه وينقطع عنه الظهار بمضي السنة، وهو قول مالك في كتاب ابن شعبان؟
ولو قال المصنف: (وفي تنجيزه فيما ينجز فيه الطلاق، وتعميمه فيما يتعمم فيه الطلاق قولان) لكان أحسن؛ لأن قوله: (فِي تَنْجِيزِهِ) إنما يتناول الصورة الأولى فقط، ولعل المصنف لما رأى أن الصورتين يشتركان في المعنى، وهو أن الظهار هل يتغير بزمان أم لا؟ اكتفى بالتمثيل.
[ ٤ / ٥١٧ ]
وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ الإِيَاسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ
يعني: إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يكون مظاهرًا إلا بالإياس أو العزيمة على ترك التزويج، وزاد ابن شاس إلا أن ينوي مدة معينة، فيحنث بمضيها، ولم يتعرض المصنف لكونه هل يمنع من الوطء أي الطلاق، أو لا؟ ونص الباجي على أن الظهار كالطلاق، وأنه يحرم عليه الوطء، إذا كانت يمينه على حنث، ويدخل عليه الإيلاء، ويضرب له الأجل من يوم الرفع، والإياس يتحقق عليه إذا مات المحلوف عليها المعينة. وهل يتحقق بعلو سنه إذا كانت المرأة غير معينة؟ فيه نظر.
وقوله: (أَوِ الْعَزِيمَةِ) ابن راشد: جعل العزم على الترك كالترك، ومن هنا أفتى شيخنا القرافي بالحنث في من قال لامرأته: إن لم أدخل الدار فأنتِ طالق، ثم عزم على ترك الدخول، وقول ابن عبد السلام: إن ظاهر كلام المصنف أنه لا يمنع من الوطء ليس بظاهر؛ لأن كلام المصنف ليس فيه تعرض لجوز ولا لعدمه.
وَإِذَا عَلَّقَهُ لَمْ يَصِحَّ تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ قَبْلَ لُزُومِهِ
يعني: إذا علق الظهار بأن قال: إن كلمتُ فلانًا فأنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يصح له أن يكفر قبل أن يكلم فلانًا؛ لأن الظهار إلى الآن لم ينعقد عليه، ولهذا لا يصح أن يتخرج في هذه المسألة الخلاف الذي في كفارة اليمين قبل الحنث؛ لأن اليمين هناك انعقدت، ولأن كفارة الظهار مشروطة بالعودة، والعودة مشروطة بتقديم الظهار، قال في الجواهر: ولو قال: إن دخلت الدار فأنتِ كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله لم يجزه.
[ ٤ / ٥١٨ ]
وَإِذَا كَرَّرَهُ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَلَوْ قَصَدَ ظِهَارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ كَالْيَمِينِ بِاللهِ إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ
يعني: إذا كرر الظهار فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يتعدد الظهار ولو قصد ظهارات، إلا أن ينوي كفارات، وقوله: (كَالْيَمِينِ بِاللهِ) يستفاد منه أن المسألة على ثلاثة أقسام: إن قصد التأكيد أو لم يقصد شيئًا فليس عليه إلا كفارة [٣٨٢/أ] واحدة باتفاق، وإن قصد كفارات لزمه ذلك باتفاق، وإن قصد ظهارات ولم ينوِ كفارات فنص هنا على عدم التعدد، وقد تقدم له في الأيمان قولان في اليمين بالله، ولا فرق بينهما، ثم إذا قصد كفارات فقال الشيخ أبو محمد: لا يطأ حتى يكفر ما نوى من الكفارات، وقال القابسي وأبو عمران: إن كفر واحدة جاز له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذره. قالا: وإن مات فأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث قدمت كفارة واحدة على كفارة اليمين بالله، وتقدم كفارة اليمين بالله على ما بقي؛ لأنه نذر.
ابن يونس: وقول القابسي هو الصواب؛ لأن الله تعالى إنما ألزم المظاهر كفارة واحدة قبل المماسة، والزائد على ذلك التزمه المكلف فلا يغير ما قدره الشرع.
ابن عبد السلام: وقد يقال: إن المكلف التزم ما بقي من الكفارة قبل المماسة، فيلزمه ما التزمه، ألا ترى أنه لو صرح فقال له: عليَّ أن أعتق رقبتين قبل أن أطأ لما جاز له الوطء إلا بعد عتقهما، فلعل هذا هو الذي فهم الشيخ أبو محمد من مراد المظاهر، وفهم غيره النذر المعلق، فكأنه قال: إن وطئتها فعليَّ كفارتان، وعلى هذا فيسئل المظاهر عن مراده، وتتفق القولان.
قال: وينبغي ألا يشترط العدد فيما زاد على كفارة واحدة على مذهب القابسي.
وقوله: (إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ) أي فتتكرر الكفارات بحسب ذلك، ولا ينوي كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت عليَّ كظهر أمي، وإن لبست الثوب فأنتِ عليَّ
[ ٤ / ٥١٩ ]
كظهر أمي، واتفق على هذا إذا حنث ثانيًا بعد أن أخرج الكفارة الأولى، وأما قبله فاختلف، فقال المخزومي وابن الماجشون: تجزئه كفارة واحدة.
اللخمي: وظاهر المدونة عليه لكل يمين كفارة، ومثله إذا لم يكفر عن يمينه حتى أوقع الظهار مجردًا عن اليمين، فعلى قول المخزومي تجزيه كفارة، وقال محمد: عليه كفارتان، وإن كان الأول ظهارًا مجردًا من اليمين، فعلى الأول تجزيه كفارة، وعلى قول محمد عليه كفارتان، وفرق أصبغ في الظهارين إذا كان أحدهما بيمين والأخرى بغير يمين، فقال: إن قدم ما كان بيمين وحنث ثم أردف ظهارًا مجردًا فعليه كفارة واحدة، وإن كان بالعكس فكفارتان، وربما نوقش المصنف في عبارته، فقيل: إنه يدخل في هذا الاستثناء ما لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيدًا، أو أكلت الرغيف، ولبست الثوب، ويلزمه ثلاث كفارات، ألا ترى أنه يصدق عليه أنه علقه بأشياء مختلفة، مع أنه لا يلزمه عند أهل العلم إلا كفارة واحدة، ويجاب عنه بأن هذا الاستثناء من قوله وإن كرره، والمثال المذكور لا تكرار فيه.
فرع:
ولو أخذ في كفارة الظهار قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فليبتدئ الآن كفارة واحدة، وتجزئه، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ في كفارة ثانية.
محمد: وهو أحب إلي إذا كان لم يبقَ من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى يومان أو ثلاثة فليتم وتجزئه لهما جميعًا، وقال أشهب: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كانا نوعًا واحدًا، مثل أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم يقول: وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك، وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها والثاني بغير يمين، قال: ولو كان الأول بغير يمين والثاني بيمين حنث فيها فليتم الأولى وليبتدئ كفارة ثانية للظهار الثاني.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
وقوله: (بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ)، فـ (إِنْ) من قوله بمعنى (أو)؛ لأنها للمبالغة، وقد تقدم الفرق بين الطلاق والظهار واليمين بالله في باب الأيمان.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ لَزِمَ
ولأجل الفرق بين التعليق بأشياء مختلفة، فتعدد، وبين التعليق بمتفقة فلا تتعدد، لو ظاهر ثم عاد ثم ظاهر أيضًا لزمته كفارة ثانية، ولو كان ظهاره ثانيًا بما ظاهر به أولًا، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار، وعاد ثم قال ثانيًا: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار؛ لأن الأولى لما تقدرت بشرطها وهو العود صارت اليمين الثانية- وإن كانت بعين ما علقت به الأولى- مخالفةً للأولى، فصار ذلك بمنزلة ما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيدًا، وأنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار.
وَلَوْ ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ مِثْلُ: أَنْتُنَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ- بِخِلافِ مَنْ دخلت- فَهِيَ كَظَهْرِ أُمِّي
يعني: لو قال: لزوجاته الأربع أنتن عليَّ كظهر أمي، أو قال لهن قبل أن يتزوجهن: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمين لزمه الظهار في الأولى حين التكلم، وفي الثانية بشرطه، وتجزئه كفارة واحدة في الصورتين؛ لأن اليمين واحدة، وذكر ابن خويزمنداد أن عليه لكل واحدة كفارة، كالطلاق، إذا قال: أنتن طوالق. قال في المدونة: [٣٨٢/ب] ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمي، فتزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر وتزوج البواقي فلا شيء عليه فيهن، وإن لم يكفر ولم يطأ الأولى حتى ماتت أو فارقها سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، ولو وطئ الأولى ثم ماتت أو طلقها أو لم يطلقها لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يقرب واحدة منهن حتى يكفر.
[ ٤ / ٥٢١ ]
وما ذكره في المدونة من أنه إذا تزوج واحدة يحنث، هو جارٍ على أصل المشهور في التحنيث بالبعض، ويتخرج فيها قولًا آخر: أنه لا يحنث إلا بالجميع بناءً على القول بأنه لا يحنث إلا بجميع المحلوف عليه. وقوله: (بِخِلافِ مَنْ دخلت) أي فيلزمه لكل امرأة كفارة؛ لأنه علق عنها الظهار على كل واحدة بانفرادها؛ لأن (مَنْ) من ألفاظ العموم، وكـ (مَنْ) في لزوم الكفارة لكل واحدة (أيتكن) قاله في المدونة.
الباجي: وأما إن قال: كل من دخلت الدار فهي عليَّ كظهر أمي، فظاهر المذهب أنه بمنزلة: من دخلت منكن الدار فهي عليَّ كظهر أمي، رواه ابن المواز في العتبية من رواية ابن القاسم: تجزئه كفارة واحدة، فيحتمل أن يريد بذلك أن حكم كل امرأة مخالف لمن تزوجت منكن، وأنه بمنزلة قوله: (إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ)؛ ويحتمل أن يريد الباب كله واحد، لا يجب في ذلك إلا كفارة واحدة، وما قدمنا أولى. انتهى.
وقد يقال: بل الثاني أقرب؛ لأن لفظة (كل) للعموم، و(من) دونها في العموم، فإذا تعددت الكفارة مع (من) وحدها، فأحرى مع (كل)، لاسيما وقد دخلت على (من)، وقد يقال: بل اقتضاء (من) التعدد، أولى من (كل)؛ لأن (من) إنما كانت من ألفاظ العموم لإبهامها واشتمالها على الآحاد بغير تخصيص؛ لا أن مقتضى صيغتها كـ (كل)، فإنها بوضعها للاستغراق، فكانت كاليمين على شيء واحد، ولهذا كان المشهور فيها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، خلافًا لابن نافع، قال: وتتعدد أيضًا إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليكِ، وقاله مالك في المختصر.
السيوري: وهو الصواب. ولو قال: من أتزوج من النساء فهي عليَّ كظهر أمي، عليه كفارة واحدة، وانظر هل يتخرج على ما قاله اللخمي، فيما إذا قال: من دخلت منكن، قول بإجزاء كفارة واحدة. قال في الاستلحاق: وانظر لو قال: من تزوجت فهي علي كظهر أمي، ولم يقل من النساء، هل تجزئه واحدة؟
[ ٤ / ٥٢٢ ]
تنبيه:
وقع في كلام ابن يونس أن (من) في قوله: (من تزوجت منكن)، أو (من تزوجتمن النساء) للتبعيض. عياض وغيره: وليس كذلك، بل لبيان الجنس بدليل لو قال: (كل من تزوجت فهي عليَّ كظهر أمي)، لكان كذلك، وإن لم يقل: من النساء.
فرع:
إذا قال لزوجاته: إن دخلتن الدار فأنتن عليَّ كظهر أمي، فدخلت واحدة، فذكر الباجي عن المذهب أنه مظاهر من الجميع، وهو جارٍ على أصل المذهب في الحنث بالبعض، ونقل اللخمي عن ابن القاسم أنه لا شيء عليه حتى يدخلن جميعهن، وعن أشهب أنه يحنث فيمن دخلت خاصة، ولا شيء عليه في غيرها.
خليل: ولعله خرج ذلك على مسألة العتق الأول من المدونة، إذا قال لأمتيه: إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان، فدخلتها واحدة، فإن فيها هذه الثلاثة الأقوال، ومذهب ابن القاسم أنهما لا يعتقان حتى يدخلا معًا، وانظر لم خالف أصله في التحنيث بالبعض.
وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ؛ مِثْلُ: كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي
كلامه ظاهر التصور، وتقسيمه هنا كتقسيمه في الطلاق، إلا أنه هنا مثل للخفية باسقني الماء، ولم يجعل ذلك من كناية الطلاق، وقوله: (فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) لا خلاف فيه، والمشهور قصر الصريح على ما ذكره، وعن ابن الماجشون: التشبيه بالمحارم صريح سواء سمى الظهر أم لا، ونقل عنه أيضًا أن التشبيه بالمحرمة كيفما كان صريح، وأنه لا كناية عنده.
ابن عبد السلام: وقول المصنف: (مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) أحسن من قول غيره: (ذات محرم) لشمول كلام المصنف المحرمة بالرضاع والصهر.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
خليل: وفيه نظر فإن المحرم بسبب الرضاع أو الصهر يطلق عليه في الاصطلاح محرمًا، وقد صرح في المدونة بذلك، فقال: فمن ظاهر من شيء من ذوات المحارم من نسب أو رضاع فهو ظهار، نعم كلام المصنف أعم من وجه آخر؛ لأنه يتناول الملاعنة، وليست محرمة؛ إذ المحرم من حرم نكاحها لحرمتها على التأبيد، فقولنا: (لحرمتها) احتراز من الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل لعارض. وقولنا: (على التأبيد)، احتراز من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها. ومن رأى أن وطء الشبهة لا يحرم، كالشافعي يزيد في الحد بسبب مباح؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة.
وَفِي تَنْوِيَتِهِ ثَالِثُهَا: يُنَوَّى فِي الطَّلاقِ الثَّلاثِ
لو ادعى في صريح الظهار أنه لم يرد الظهار، وإنما أراد الطلاق، فهل يقبل مه الطلاق، أم لا؟ المازري: والمشهور أنه لا يقبل ويكون ظهارًا، رواه ابن القاسم [٣٨٣/أ] وأشهب عن مالك، زاد ابن المواز: ولا يلزمه الطلاق، ولو نوى: إنك بما أقول طالق، والقول بأنه ينوي في الطلاق سواء قصد الثلاث أو دونها لعيسى وسحنون، والقول الثالث: أنه ينوي إن قصد الطلاق الثلاث، ولا ينوي إن قصد دونها، لابن القاسم، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا كان المتكلم عالمًا بموجب الظهار، وقصد الطلاق، وأما إن قصد الطلاق وهو يجهل حكم الظهار، ويرى أنه طلاق فهو مظاهر، وفي مثله نزل القرآن؛ لأن الظهار كان عندهم طلاقًا، فأنزل الله فيه الكفارة.
تنبيه:
والمراد بعدم تصديقه في إرادة الطلاق على القول الأول إذا جاء مستفتيًا، وكذلك قال أشهب، وهو أحد قولي ابن القاسم، ومذهب المدونة في تأويل الأبهري، روى عيسى وابن سحنون أنه يصدق، وهو مذهب المدونة على تأويل ابن رشد، وأما إن حضرته البينة فإنه يؤخذ بالظهار والطلاق معًا، أما الظهار فباللفظ، وأما الطلاق فلنيته. وإن نوى
[ ٤ / ٥٢٤ ]
الثلاث لزمه ذلك، ثم إذا تزوجها لا تحل له إلا بعد الكفارة، هكذا أشار إليه سحنون واللخمي وغيرهما، ونص عليه صاحب المقدمات، وشبه ذلك اللخمي بما قاله ابن القاسم في مسألة ناصح ومرزوق من عتقهما معًا إذا قامت عليه البينة، فإن قيل فيما زاده ابن المواز من عدم لزوم الطلاق ولو نوى: أنك بما أقول طالق، نظر؛ لأن قاعدة المذهب كما تقدم أن كل كلام ينوي به الطلاق أو الإيلاء- اللزوم على المعروف، فجوابه أنه منع هنا من ذلك كونه تعالى أنزل الكفارة فيمن قصد بالظهار الطلاق.
وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ: سُقُوطُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ: كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ
الضمير في (أَحَدِهِمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولهذا قال: (كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ)؛ ليذكر مثال كل نوع من الكناية الظاهرة، ونص في الجواهر أنه يلحق بقوله: (كَأُمِّي) في كونه كناية ظاهرة، كما لو قال: أنت كفخذ أمي أو رأسها أو عضو من أعضائها.
سحنون وابن العطار: وإن قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنتِ كظهر فلانة الأجنبية، فتزوج الأجنبية، ثم فعل المحلوف عليه فلا شيء عليه؛ لأنها صارت حلالًا حين الحنث.
قال في البيان: ويلزم على قياسه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ عليَّ كظهر فلانة، لامرأة له أخرى، ثم طلق فلانة طلاقًا بائنًا ثم دخل الدار، أنه يلزمه الظهار، وقال اللخمي: واختلف هل يراعى يوم اليمين أو يوم الحنث، ومراعاة اليمين أحسن؛ لأنه المقصود للحالف، إلا أن يلاحظ كونه يمينه على بر، هذا معنى كلامه، ولهذا اختاره في البيان، قال: وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم، في قول القائل: إن كلمت فلانًا فكل عبد في ملكي حر، أن اليمين إنما تلزمه فيمن كان عنده حين اليمين.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
وَيُنْوَى فِي الطَّلاقِ
أي: ينوي في الكناية الظاهرة بنوعيها، ويصدق فيما قصده منه، أما النوع الأول؛ أعني: إذا شبه بذوات المحارم، ولم يذكر الظهر فتنويته في الطلاق هو المشهور، وقال ابن الماجشون: هو ظاهر، ولا يصدق في دعوى الطلاق، وروى أشهب أنه طلاق إلا أن يسمى الظهر، وقال أشهب: لا يلزمه طلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغت من اللفظ، لا طالق بنفس اللفظ، وهو قول لا وجه له، وعلى المشهور إذا نوى الطلاق فهو البتات، ولا ينوي في دونها إلا أن تكون غير مدخول بها فينوي، وقال سحنون: ينوي في المدخول بها أيضًا.
صاحب المقدمات: وهو أظهر؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، فوجب أن يوقف الأمر على ما نوى.
وأما النوع الثاني: وهو إذا قال: أنتِ كظهر فلانة، الأجنبية، فما قاله من أنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق، يكون كما نوى، هو مذهب المدونة، ففيها: وإن قال: أنتِ عليَّ كظهر فلانة، أو مثل ظهر فلانة، لجارة له أجنبية، وهي ذات زوج أم لا، فهو مظاهر، وقال غيره: هو طلاق، ولا يكون مظاهرًا، زاد ابن رشد وغيره في قول غيره: إلا أن يريد بقوله: مثل فلانة في هوانها، ينوي في ذلك ولا يلزمه شيء، قاله غير واحد، وغيره هنا هو ابن الماجشون، واختلف في محل خلافه، فقال بعضهم: إنما خلافه مع ابن القاسم؛ حيث لا نية، وأما لو نوى الظهار، فيتفق على لزوم ذلك، وذهب أكثر الشيوخ إلى أنه يخالف ابن القاسم مطلقًا، وأنه يلزم عنده الطلاق ولو نوى الظهار، وذكر لفظ الظهر.
وصحح في المقدمات طريق الأكثر ابن يونس، وإذا بنينا على قول عبد الملك: أنه لا ينوي في إرادة الظهار؛ فإنه إذا قال: نونيت الظهار. يؤخذ بالبتات وبالظهار، إن تزوجها بعد زوج.
[ ٤ / ٥٢٦ ]
أَمَّا لَوْ قَصَدَ مِثْلَهَا فِي الْكَرَامَةِ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ
هذا ظاهر في الأم؛ لأنها محل الإكرام، وأما الأجنبية؛ فينبغي أن يلزمه فيها الظهار أو الطلاق، على القولين السابقين، اللهم إلا أن [٣٨٣/ب] يعلم أنه مكرم لها، ومذهبنا في التشبيه بالأم أنه محمول على الظهار إلا أن يقصد الكرامة، ومذهب الشافعي بالعكس.
فرع:
قال في المدونة، لو قال: يا أمه أو يا أخته أو يا عمته أو يا خالته، فلا شيء عليه، وهو من كلام أهل السفه.
فَلَوْ أَسْقَطَهُمَا وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ، وَثَالِثُهَا: ظِهَارٌ إِلا أَنْ يَنْوِي الطَّلاقَ، ورَابِعُهَا: عَكْسُهُ وَخامسها نفيهما
الضمير في (أَسْقَطَهُمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولما كان سقوطهما أعم من التشبيه بغير مؤبدة التحريم؛ لشمول ذلك الصور التي يذكرها المصنف إثر هذه، احتاج إلى أن يقول: (وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ)؛ أي تطلق عليه ثلاثًا.
(وَثَالِثُهَا) أي والقول بأنه ظهار وإن نوى به الطلاق، وهكذا ذكره ابن شاس وغيره، والقول بأنه طلاق وإن نوى به الظهار نسبه ابن يونس لابن الماجشون، قال: ولا يكون الظهار إلا في ذوات المحارم، والقول بأنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق لسحنون وأشهب، والقول بعكسه حكاه اللخمي وابن بشير وعزاه في الجواهر لعبد الملك، والقول الخامس بنفي الظهار والطلاق ليس بمنصوص بل خرجه اللخمي من قول مطرف إذا شبه بالذكور، فإنه قال: لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، ورده ابن بشير وغيره بأن الذكر لما لم يكن قابلًا للوطء مطلقًا أشبه الجماد، بخلاف الأجنبية، وفيه نظر، فإن عدم القبول شرعًا ليس بمقتضٍ لإلغاء هذا الكلام، فإن الأم لا تقبله بالنسبة إلى المظاهر.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
تنبيه:
وقيد المشهور بإلزام البتات بما إذا لم تكن له نية، أو قامت عليه بينة، وأما إن جاء مستفتيًا فإنه يصدق في إرادة الظهار، وإذا ألزمناه الطلاق لقيام البينة فإنه يلزمه الظهار، وإن تزوجها لإقراره به، فإن قيل: هذه المسألة وما بعدها من أي الأقسام هي؟ فإنها ليست من صريح الظهار قطعًا، ولا من الكناية الخفية، والمصنف قد أخرجها من الكناية الظاهرة، قيل: هي مترددة بين الظاهرة والخفية، فلذلك ذكرها بينهما، والله أعلم.
وَلَوْ شَبَّهَ بِظَهْرِ ذَكَرٍ مِثْلَ: كَظَهْرِ أَبِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ظِهَارٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ بِظِهَارٍ وَلا طَلاقٍ
رأى ابن القاسم أنه لما شبه بمن يحرم وطؤه كان كما لو شبه بابنته، وبه قال أصبغ، وروى ابن حبيب أنه لا يكون ظهارًا؛ لأنه غير ما نزل به القرآن، ولا طلاقًا؛ لأنه لم ينوهِ، وهو قول مطرف، وقيل: هو طلاق، وكهذه المسألة لو قال: كظهر الدابة، فإنه يلزمه الظهار عند ابن القاسم، ولا يلزمه على قول مطرف.
فَلَوْ قَالَ: كَابْنِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَحْرِيمٌ
لا إشكال على قول ابن حبيب: أنه لا يلزمه شيء، وإنما لم يلزمه عند ابن القاسم في هذه بخلاف التي قبلها؛ لأنه رأى أن ذكر الظهر قرينة في إرادة الظهار، وقوله: (تحريم) نحوه في الجواهر، وهو يقتضي الثلاث.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي، فَعَلَى مَا نَوَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَظِهَارٌ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: طَلاقٌ
الضمير في (مِنْهُمَا) يدل على الظهار والطلاق؛ أي: إن نوى بذلك الظهار والطلاق، لزماه. قال في الجواهر: هذا إذا قدم الظهار في نيته، فإن نوى أحدهما لزمه ما
[ ٤ / ٥٢٨ ]
نواه فقط، وتبع المصنف هنا ابن شاس، وظاهر المدونة خلاف ما قالاه، ففيها: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، فهو ظهار؛ لأنه جعل للحرام مخرجًا حين قال مثل أمي، قال غيره: لا تحرم به؛ لأن الله تعالى أنزل الكفارة في الظهار ولا يعقل من لفظ به شيئًا سوى التحريم، ثم قال بعد ذلك: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، أو حرام كأمي، ولا نية له فهو مظاهر، وهذا لا اختلاف فيه. انتهى.
فمقتضاه أن الكلام الأول مع النية، وأنه يلزمه به الظهار، وإن نوى به الطلاق، ويدل عليه قوله في الثانية: إن هذا مما لا اختلاف فيه، وقوله هذا أيضًا يدل على أن قول الغير في الأولى خلاف هذا.
قال ابن عبد السلام: في معنى المدونة، وكذلك قال غيره: لا خلاف في إلزامه الظهار، والمشهور أنه لا يلزمه، وكلام عياض قريب منه، أعني أنه يدل على أن مذهب الكتاب أنه ظهار، ولو نوى به الطلاق، فإنه قال: وإن قرن بظهاره لفظ الحرام، فقال أنت حرام مثل أمي، ففي المدونة أنه ظهار، ومثله في العتبية، وقال مالك في الموازية: ما لم يرد به الطلاق.
عبد الملك: في ذلك، وفي: أحرم من أمي؛ أنه ظهار، ولو نوى الطلاق، وقال محمد: هذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسمه فيلزمه ما نوى، وفي كتاب الوقار في: حرام مثل أمي هو البتات، ويلزمه الظهار متى رجع، وفي سماع عيسى في: أحرم من أمي، أنه ثلاث، انتهى.
ونقل ابن حارث عن ابن القاسم فيما إذا قال: حرام مثل أمي أنه طلاق إلا أن ينوي به الظهار، قيل: المشهور في أحرم من أمي أنه ظهار.
تنبيه:
أقام بعضهم من قوله في المدونة: كأنه جعل للحرام مخرجًا [٣٨٤/أ] أن من قال: الأيمان تلزمه وامرأته طالق إن فعلت كذا، ثم فعله أنه إنما تلزمه طلقة واحدة، لأنه جعل للأيمان مخرجًا حين قال: وامرأته طالق.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
فرع: قال ربيعة في المدونة: وإن قال أنت مثل كل شيء حرمه في الكتاب، فهو مظاهر، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن القاسم وابن نافع، بل هو البتات، لأن الكتاب حرَّم الخنزير والميتة وغيرهما، فيكون بمنزلة ما لو قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، وصرح ابن أبي زمنين وغيره بأنقول ابن القاسم مخالف لربيعة، وفي تهذيب الطالب: الذي قال ابن القاسم وابن نافع صواب ظاهر، ويحتمل أن يكون غير مخالف لقول ربيعة، ويكون معنى قول ربيعة: أنها تحرم عليه بالثلاث، ثم إذا تزوجها كان عليه الظهار، ويكون ربيعة إنما تكلم على الوجه المشكل، وهو الظهار.
ابن يونس: بعد ذكره القولين: والصواب عندي أنه يلزمه الظهار والطلاق ثلاثًا، وكأنه قال: أنت علي كأمي وكالميتة، ومعنى ما قاله ربيعة أنه أراد ما حرم الكتاب من النساء، ولو أراد غيرهن من تحريم المطعومات وغيرها لكانت الثلاث، قال بعضهم: إن قال أنت عليَّ مثل ما حرم الكتاب فهو الطلاق بالاتفاق، وإن قال كمثل شيء حرمه الكتاب فثلاثة أقوال، ظهار وبتات والأمران جميعًا. قال ابن شهاب في املدونة: ولو قال: كبعض من حرمه عليَّ من النساء، فهو مظاهر. قال ابن شعبان: وكذلك لو قال: كبعض من حرم القرآن، ولو قال: إن وطئتك وطئت أمي فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وكذلك إن قال لجاريته لا أعود لمسِّك حتى أمسَّ أمي فلا ظهار عليه.
وَالْخِفية: مِثْلُ- اسْقِنِي مَاءً فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الظِّهَارَ وَقَعَ كَالطَّلاقِ
تصوره ظاهر، وشبه ذلك بالطلاق إشارة منه إلى إجراء الخلاف الذي تقدم فيه هناك.
ولا يسْقط الطَّلاقُ الثَّلاثُ ظِهَارًا تَقَدَّمَهُ أَوْ صَاحَبَهُ مِثْلُ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي
يعني: إذا ظاهر من زوجته فعاد، أو لم يعد، ثم طلقها ثلاثًا، فإن ذلك الطلاق لا يسقط الظهار ظهاره، فإن تزوجها بعد زوج لزمه ذلك، ولم يكن له أن يطأها إلا بعد
[ ٤ / ٥٣٠ ]
الكفارة، لأن الظهار والطلاق مختلفان، وأثرهما مختلف، فلم يكن أحدهما مسقطًا للآخر. قوله: (أَوْ صَاحَبَهُ) مثاله ما ذكره المصنف، إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثًا، وأنت علي كظهر أمي، واستغنى المصنف بما ذكره عن عكسه، وهو إذا قدّم الظهار على الطلاق، فقال: أنت علي كظهر أمي وطالق ثلاثًا، ويبين لك الاستغناء قوله في المدونة بعد ذكر المثالين: والذي قدم الظهار في لفظه أبين، واختلف في سبب وقوعهما، فقال ابن محرز: لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقال اللخمي: لقرينة التعليق، فلزما جميعًا بالعقد، حتى لو قال ذلك في مجلسين، وبدأ بأيهما شاء، فإنهما يقعان بالعقد، وقول مالك: الذي قدم الظهار أبين، يريد لأن الواو ترتب عند بعضهم، فإذا قدم الظهار ارتفع النزاع.
وَإِنَّمَا يَسْقطُ مُعَلَّقًا لَمْ يَتَنَجَّزْ أَوْ ظِهَارًا تَأَخَّرَ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي
مثاله: لو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، فإذا عادت العصمة إلى زوجها بعد زوج لم يلزمه لم يلزمه الظهار، وإذا حققت النظر لم تجد الطلاق أسقط الظهار لأنه لم يلزم ظهار، وإنما علقه في عصمة وقد زالت، وعادت بعصمة أخرى، وهذا لو كان إنما أبانها بدون الثلاث لعادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء، قاله في المدونة وغيرها، وكذلك قوله: (أَوْ ظِهَارًا تَأَخَّرَ)، فإن الظهار هنا لم يلزم البتة، لأنها لما طلقها ثلاثًا لم تبق عصمته، ومثل المثال الذي ذكر المصنف في عدم اللزوم لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، وأورد على ذلك ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طالق طالق، فإن المشهور لزوم الثلاث، وأجاب ابن أبي زيد وغيره بأن الطلاق لما كان من جنس واحد عُدَّ كأنه وقع في كلمة واحدة، ولا كذلك الطلاق والظهار، فإنه لا يمكن جمعهما في كلمة واحدة.
[ ٤ / ٥٣١ ]
وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمي فَشَاءَتْ فَهُوَ مُظَاهِرٌ
لأنه ظهار معلق على شرط، فكـ (إن دخلت الدار).
ابن القاسم: وذلك بيدها ما لم توقف، قال في المدونة: وقال غيره هذا على اختلاف قول مالك في المملكة، هل ينقطع حقها بانقضاء المجلس أم لا؟ ابن يونس: ومذهب ابن القاسم في كل ما كان تفويضًا إليها من تمليك أو تخيير أو طلاق، أو ظهار، أو عتاق، أن ذلك بيدها، وإن قاما من المجلس، ما لم توقف، والغير يرى أن اختلاف قول مالك يدخل على ذلك، وفرق بعض القرويين على قول ابن القاسم، بين قوله: أنت طالق إن شئت، أو أمرك بيدك إن شئت، بأن الطلاق لا خيار فيه، سواء [٣٨٤/ب] قال: إن شئت أو لم يقل، فأفاد بقوله (إِنْ شِئْتِ) التفويض إليها في ذلك، وأما الذي يقول: أمرك بيدك إن شئت، فسواء ذكر: إن شئت أو سكت عنه، قد فهم عنه أن مراده إن شاءت الطلاق، وزيادة إن شئت لا تؤثر شيئًا، ووجودها وعدمها سواء، فكأن الحكم إذ ذاك يختلف.
ابن يونس: وهذا قول له وجه، لكن ظاهر قول ابن القاسم ما قدمناه، وقاله أيضًا بعض القرويين. وذكر عبد الحميد عن الشيخ أبي حفص وغيره من الشيوخ، أن كلَّ ما كان على جهة التفويض فذلك بيدها، وإن تفرقا، ولا يختلف القول في ذلك، وعن السيوري أنه لا يختلف في: إذا شئت، أو متى شئت أنه على التفويض، وأما إن شئت فهذا قد اختلف القول فيه، وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم في إذا شئت، ومتى شئت أن لها ذلك بعد المجلس، ما لم توقف أو توطأ بخلاف إن شئت.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَزِمَهُ بِخِلافِ الطَّلاقِ لأَنَّ لَهُ مَخْرَجًا، وكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ
تصور المسألة واضح، وقوله: (لأَنَّ لَهُ مَخْرَجًا) أي بالكفارة، وهذا هو الفرق بين الطلاق والظهار، فإن الطلاق لو لزم مع العموم لحصل حرج، ولا يمكن رفعه، بخلاف
[ ٤ / ٥٣٢ ]
الظهار، فإن حرجه يزول بالكفارة، وقوله: (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ)، هو المشهور، ولمالك في المختصر: لكل امرأة كفارة، وقاله ابن نافع، فرأى في المشهور أنها يمين واحدة، ورأى في الشاذ أن كل لما كانت من صيغ العموم أشبهت ما لو قال لأربع نسوة: من دخلت منكن الدار فهي علي كظهر أمي.
وَتَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَالْعَوْدُ فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ والإِمْسَاكِ مَعًَا، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: العزم عَلَى الْوَطْءِ خَاصَّةً ورُوِيَ: الإِمْسَاكُ خَاصَّةً، وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ، وَرُوِيَ الْعَوْدُ: الْوَطْءُ نَفْسُهُ
يعني: أن وجوب الكفارة مشروط بالعودة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول، دليل على الشرطية، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، وإذا قلنا أنها لا تجب إلا بالعود فهل يجوز إخراجها قبلها؟ روى ابن سحنون عن أبيه في المظاهر يكفر بغير نية العود، وهو يريد أن يطلقها ويقول: إن راجعتها حلَّت لي بغير ظهار، لا يجزئه حتى ينوي العودة. قال: وهو قول أكثر أصحابنا.
ابن رشد: وهو المشهور المعلوم. ونقل عبد الحق والباجي عن ابن عمران أن ابن القاسم لا يراعي العودة، وإنما يراعيها ابن الماجشون وسحنون، وأنكرت نسبة هذا القول لابن القاسم، وإنما أخذ له ذلك من قوله في الدونة، في مَن ظاهر من أمته وليس له غيرها لم يجزه الصوم، وأجزاه عتقها، لأن العودة إن كانت العزم على الوطء والإمساك فهي غير ممكنة مع العتق، وأجيب باحتمال أن يكون المظاهر عزم على وطئها وإمساكها أولًا، ثم سأل غيره عما يلزمه من الكفارة، فقيل له: يلزمك عتقها، ويحتمل أن يكون وطئ الأمة، فتكون الكفارة متحتمة عليه، ولأنه لا يلزم من عدم اشتراطها هنا لتعذرها، عدم اشتراطها مطلقًا، فإن قيل: هب أن الأخذ من قول ابن القاسم هذا لم يتم، لأن قول
[ ٤ / ٥٣٣ ]
سحنون أو ابنه أنه قول أكثر أصحابنا، يدل على أن الأقلين على خلاف ذلك، قيل لا دلالة في ذلك لاحتمال أن يراد بالأقل ما نقله ابن رشد عن ابن نافع أن الكفارة تصح مع استدامة العصمة، وإن لم ينو المصاب ولا أراده، وهو قريب من قول الشافعي أنَّ ترك الفراق بإثر الظهار هو العودة، لكن ذكر عياض أنه تأويل منه على ابن نافع، وأن يحيى بن عمر تأول قوله على أنه يرى أن العودة قصد الإمساك، وحكى بعضهم عن مالك قولًا مثل ما حكاه ابن رشد عن ابن نافع.
وذكر المصنف في تفسير العودة أربعة أقوال، وكلها روايات عن مالك، وما نسبه المصنف للموطأ تبع فيه ابن شاس، وهو ظاهر، لقوله: أن يجمع على إمساكها وإصابتها محتمل للوجهين، وما نسبه المصنف للمدونة هو فهم اللخمي منها، وفهمها ابن رشد وعياض على ما نقله المصنف عن الموطأ، وصرحا بأنه المشهور، ولا يقال إذا كان مذهبه في المدونة محتمل، فلم تثبت الرواية بأن العودة العزم على الوطء خاصة، لأ، نقول الرواية ثابتة، نقلها ابن الجلاب وغيره.
الباجي: وليس من شرط العزم على الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة، كان عازمًا، واستضعفت الرواية بأن العود الوطء، لأن الله تعالى اشترط في الكفارة، أن تكون قبل المماسة، واعلم أن وجوبها على مذهب المدونة بالعزم خاصة مشروط ببقاء المرأة في عصمته، وإلا فلو عزم على وطئها ثم طلقها لسقطت الكفارة، وسيأتي ذلك.
وذهب داوود الظاهري إلى أن العودة [٣٨٥/أ] هو أن يعود إلى لفظ الظهار، وأعرب (ما) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ مصدرية، ورد بأنه ﵊ لم يأمر المظاهر أن يعيد لفظ الظهار، وأيضًا فالظهار محرم، فلا يؤمر بإعادته، ورد أيضًا قول الشافعي بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ يقتضي وقوع أمر في زمان متأخر عن
[ ٤ / ٥٣٤ ]
الظهار من المظاهر، والشافعي يرى أن مجرد مضي الزمان موجب للكفارة، وعلى مذهبنا فيكون في الآية حذف مضاف؛ أي: ثم يعودون لنقيض ما قالوا، أو يكون التقدير: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، أو يراه بما قالوا ما حرموه على أنفسهم؛ تنزيلًا للقول منزلة المقول، وما مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة.
وقوله: (وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ) يحتمل أن يكون أتى بذلك استشكالًا؛ لأنه لما ذكر عن المدونة أنها تجب بالعزم على الوطء، ذكر هذا كالمخالف له، والظاهر أنه هنا لا إشكال في هذا؛ لأن الوجوب هنا يطلق لمعنيين؛ الأول: وجوب متحتم، والثاني: غير متحتم؛ فالمتحتم بعد الوطء؛ لأنها تجب سواء بقيت الزوجة في العصمة أم لا، وغير المتحتم إذا عاد بغير الوطء، فإنها إنما تجب بشرط بقاء العصمة، فقوله في المدونة: وإنما تجب الكفارة بالوطء، مراده الوجوب المتحتم، والله أعلم.
فَلَوْ عَادَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ ثُمَّ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ فَفِي سُقُوطِهَا قَوْلانِ
السقوط مذهب المدونة، ففيها: ولو طلقها قبل أن يمسها وقد عمل في الكفارة لم يلزمه إتمامها، وقال ابن نافع: إن أتمها أجزأه، وإن أراد العودة قبل الطلاق، والقول باللزوم إذا عاد ثم طلقها أو ماتت لمالك وأصبغ، واختلف هل قول ابن نافع خلاف لقول المشهور، وأنه لو أتم على قول ابن القاسم لم يجزه، وإليه ذهب صاحب تهذيب الطالب، وصاحب البيان، أو هو وفاق وإليه مال اللخمي؟ والخلاف جارٍ في الصيام وغيره، ولابن الماجشون قول ثالث بالفرق بين أن يمضي من الكفارة أقلها، أو أكثرها.
قال في البيان: وأما إن لم يتم كفارته حتى تزوجها فاتفق على أنه لا يبني على الصيام، واختلف هل يبني على الإطعام على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يبني بعد انقضاء العدة وإن تزوجها، وهو قول أشهب، والثاني: أنه يبني وإن لم يتزوجها وهو قول ابن عبد الحكم
[ ٤ / ٥٣٥ ]
وابن نافع، والثالث: أنه لا يبني إلا أن يتزوجها، وهو قول أصبغ، والرابع: الفرق بين أن يمضي منه أكثره أو أقله، وهو قول ابن الماجشون.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن مذهب المدونة السقوط، إنما هو في الطلاق البائن أو في الرجعي، وانقضت العدة، وأما لو تم عدة الطلاق فإنه يجزئه باتفاق، قاله في تهذيب الطالب، قال في البيان: وقيل ذلك إن نوى ارتجاعها وعزم على الوطء؛ لأن الكفارة لا تصح إلا بعد العودة، وإن لم ينوِ فيكون كالطلاق البائن، واختلف إذا أراد أن يبتدئ الكفارة وهي في عدة الطلاق الرجعي، فلمالك في الموازية: يرتجع ثم يكفر، وقال أشهب: إن كفر قبل أن يرتجع، وقيل: إن تبين منه فذلك جائز، وقال ابن المعذل: لا تجزئه الكفارة قبل أن يرتجع؛ لأن الكفارة إنما هي بعد أن يعود إلى الإمساك وهي في العدة بائنة.
أَمَّا لَوْ وَطِئ لَمْ تَسْقُطْ
لأنها وجبت وجوبًا متحتمًا كما تقدم.
وَلِذَلِكَ لَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ وَلَوْ نَاسِيًا ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ أَعَادَهَا لَمْ يُجْزِئه؛ لأَنَّهُ كَفَّرَ قَبْلَ الْوُجُوبِ
أي: لأجل أنها لا تسقط بالوطء، ويحتمل لأجل ما ذكره من الفرق بين أن يعود بالوطء أو بغيره لو ظاهر ثم وطئها ولو ناسيًا، ثم أبانها لزمته الكفارة ولم تسقط عنه؛ لأنها تحتمت بالوطء، وما ذكرناه من قولنا: (لزمته الكفارة) أحسن من قوله: (ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقًا) لأن قوله أجزأه يوهم أن له ألا يفعل، ولا يقال: هذا الوهم يزول بقوله أولًا: (أما لو وطئ لم تسقط) لاحتمال أن يخصص الكلام المتقدم بما إذا كانت باقية في العصمة، وما حكاه من الاتفاق صحيح باعتبار النصوص، وإلا فقد أشار ابن رشد وغيره إلى أنه يلزم
[ ٤ / ٥٣٦ ]
على القول بأن العود الوطء نفسه ألا تجب عليه الكفارة بأول وطء، بل له أن يطأ مرة، ثم لا يطأ حتى يكفر، فعلى هذا تكون الكفارة قد وجبت بالوطء المتقدم، ويكون الحكم فيها كالمسألة السابقة، وقوله: (وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا إلخ)، ظاهر التصور.
وَالْكَفَّارَةُ إِحْدَى ثَلاثٍ مُرَتَّبَةٌ: الْعِتْقُ، وَالصَّوْمُ، وَالِإطْعَامُ
لا خلاف في ترتيبها، وأن العتق أولًا، ثم الصيام ثم الإطعام. وقوله: (إِحْدَى ثَلاثٍ)، يقتضي أن الكسوة لا تصح فيها، وهو المعروف، وفي النوادر: قال ابن القاسم في الأسدية فيمن كسا وأطعم عن كفارة واحدة: لا يجزئه، ووقع في المجالس: يجزئه، وأظنه قول مالك، وقال أشهب: لا يجزئه.
الباجي: وفي الموازية فيمن ظاهر من أربع نسوة، وأطعم عن واحدة ستين وكسا عن أخرى ستين، [٣٨٥/ب] ثم وجد العتق فعتق عن واحدة غير معينة، ولم يقدر على رقبة إلى أربعة فليطعم أو يكسي، ويجزئه.
الشيخ أبو محمد: وانظر قول محمد في الكسوة ما أعرفه لغيره.
الباجي: وهو يحتمل عندي وجهين، أحدهما: أنه من باب إخراج القيم في الكفارة، فتخرج الكسوة عن الطعام إذا كانت في مثل قيمته أو أكثر، وهل يجب على هذا ألا يراعي قدر الكسوة، والثاني: أنه رآها خصلة رابعة قياسًا على كفارة الأيمان على رأي من صحح دخول القياس في الكفارة، وهذا معنى كلامه. وفي الأول بعدٌ؛ لأنَّا وإن قلنا بإخراج القيمة فلا نأمره بذلك ابتداء، وقوله في المسألة الثانية: فليطعم أو يكسي، يقتضي أنه مأمور بذلك ابتداء.
فَيُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ، وَهِيَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ مُحَرَّرَةٌ لَهُ سَلِيمَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ وَالْعِوَضِ ..
إنما قال: (يُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ) وإن لم يتقدم ما يجزئ فيها؛ لأنه أراد إفادة الحكم في الجميع، ثم شرع المصنف في بيان ما يتعلق بالقيود أولًا فأولًا.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
فَلَوْ عَتَقَ جَنِينًا عُتِقَ وَلَمْ يُجْزِئه
هذا راجع إلى قوله: (رَقَبَةٌ)؛ لأن الجنين لا يسمى حين العتق رقبة، وإنما ألزمناه عتقه وإن كنا سيده إنما التزم عتقه على لا رجعة، ولم تحصل لتشوف الشرع إلى الحرية، وقصده به القربة.
فَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَيْنِ مِنْ رَقَبَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئه
هذا راجع إلى قوله: (غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ)، ولم يجزئه ذلك؛ لأنه لا يصدق عليه رقبة، ولم يبين ﵀ ما احترز عنه بالأيمان، ولعل ذلك لوضوحه.
واعلم أن الكافر على ضربين: كتابي وغيره، فالكتابي إن كان كبيرًا قد عقل دينه لم يجز باتفاق، وإن كان صغيرًا لم يعقل دينه فقال اللخمي: قال ابن القاسم: يجزئه، وقال ابن وهب وأشهب: لا يجزئه، وقال أبو مصعب: فيمن ولد من النصارى مملوكًا للمسلمين فهو على فطرة الإسلام، وقال ابن حبيب: لا يجزئ من ولد في ملك الإسلام، وسيأتي الكلام على غيره.
وَمِنْ وَاحِدَةٍ فِي دُفْعَتَيْنِ قَوْلانِ
يعني: إذا كان له عبد فأعتق نصفه عن كفارة، ثم أعتق النصف الباقي عن تلك الكفارة، ففي سماع عيسى: يجزيه، وإن رفع إلى السلطان وجبره على التكميل، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المدونة والأظهر لأن الحكم يوجب عليه التتميم، فملكه للباقي تام.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفًا، وَالْبَاقِي لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَكُمِّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئه عَلَى الْمَشْهُورِ
تصوره ظاهر، والمشهور هو نص التهذيب، ومقابله لابن القاسم أيضًا، والأقرب هنا وفي الفرع المتقدم عدم الإجزاء؛ لأن الحكم لما كان يوجب عليه تتميم الباقي صار ملكه له غير تام، وعلى القول بالسراية، فالأمر أظهر.
وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى شِرَائِهِ أَوْ مِلْكِهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ- لَمْ يُجْزِهِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ لِلْغُرَمَاء مَنْعُهُ
هذا راجع إلى قوله: (مُحَرَّرَةٌ) لأن الأول عتق بسبب القرابة، والثاني عتق بنفس الشراء، والثالث لغيره فيه شرك؛ لأنه يضع من ثمنه لأجل العتق، فكأنه لم يعتق رقبة كاملة، ويحسن أن يكون هذا مما يتعلق بقوله: (خالية عن العوض) ولا إشكال في الفرع الأول إن بنينا على المشهور أن القرابة تعتق بنفس الملك، وأما إن بنينا على افتقاره إلى الحكم فأعتق قبل الرفع إلى الحاكم، فقد يخرج فيها الخلاف من المسألة التي قبلها، وما ذكره في المعلق عتقه على شرائه من عدم الإجزاء نحوه في المدونة، وعطف الملك على الشراء؛ لأن الملك أعم؛ إذ قد يملكه بإرث أو هبة أو غيرهما، وفي الموازية عن ابن القاسم: الإجزاء فيمن قال: إن اشتريت فلانًا فهو حر عن ظهاري.
ابن عبد السلام: وتردد الشيوخ هل هو خلاف للمدونة أو وفاق؟ ومال الباجي إلى الوفاق، قال: لأنه لم يتقدم بعقده عتق إلا للظهار، وتقدم له في الأولى عتق لازم بكل حال بتقدير الشراء. ابن يونس: وذكر عن أبي عمران أنه غمز المسألة إذا كان قد ظاهر قبل قوله: إن اشتريت فلانًا فهو حر عن ظهاري، من أجل أنه لا يستقر ملكه عليه، وعتق بنفس الشراء، قال: وأما إن لم يكن ظاهرًا قبل ذلك لأجزأه ذلك، فكأنه قال: إن اشتريتك فأنت حر عن ظهاري، إن وقع مني ونويت العودة، وإن لم أنوِ العودة فلا تعتق عليَّ.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
الباجي: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في المرأة تعطي زوجها رقبة يعتقها عن ظهاره أو ثمنها إن كان ذلك بشرط العتق، لم يجزه، وإن كان بغير شرط العتق أجزأه؛ لأن هذا أيضًا شرط عليه عتقه لظهار من يملكه، فكأنه هو الذي أثبت فيه العتق دون المظاهر، بخلاف ما في الموازية، فإنه هو الذي أثبت فيه عتق الظهار.
وعارض أبو إسحاق ما في المدونة من عدم الإجزاء في المشتري بشرط العتق بما لو أعتق أجنبي عنه، فإن مذهب المدونة الإجزاء، ووجه المعارضة: أنكم كما حكمتم بالإجزاء في مسألة الهبة مع أن الرقبة [٣٨٦/أ] موهوبة للعتق، فكذلك إذا اشتراها بشرط العتق، وإلى هذا المعارض أشار اللخمي أيضًا، فقال: اختلف إذا اشترى عبدًا بشرط العتق، يعتقه عن ظهاره، فقال مالك في المدونة: لا يشتري بشطر العتق؛ لأنها رقبة ليست بتامة؛ إذ يضع عنه من ثمنها، وقال ابن كنانة في شرح ابن مزين: إن كان جاهلًا لم يؤمر بالإعادة، وقال ابن القاسم: إن كان عالمًا أن ذلك لا ينبغي لم يجزئه، وإن كان جاهلًا ولا وضيعة من ثمنها أجزأه، وإن كان فيه وضيعة لم يجزئه، وقال ابن القصار فيمن قال لرجل: أعتق عبدك عن كفارتي: أجزأه، وسواء كان بجعل جعله له؛ مثل أن يقول له: أعتقه عني ولك ألف، أو بغير جعل وهو أصوب على أصل ابن القاسم؛ لأنه إذا أجزأه وهو كله هبة بغير عوض، فأحرى إن كان بمعاوضة ولم يكن في الثمن وضيعة، وقوله: (وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ) هو اللخمي استثنى من عدم الإجزاء في القريب، ومن اشترى بشرط العتق إذا كان عليه دين، واذن له غرماؤه أن يشتريه فيعتقه، أو اشتراه بغير إذنهم فأذنوا له أن يعتقه، فقال هنا بالإجزاء؛ لأن الدين يمنع من عتقه، فإذا صح ألا يعتق ويباع للغرماء صح إذنهم في عقته عن الواجب.
وَلَوْ فَعَلَ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ لَمْ يُجْزِهِ
كما لو صام ثلاثين يومًا، وأطعم ثلاثين مسكينًا وأعتق نصف عبد لا يملك غيره، وصام ثلاثين يومًا، ولا إشكال في هذا مع القدرة؛ لأنه يجب عليه ألا يفعل الصوم إلا
[ ٤ / ٥٤٠ ]
بعد عجزه عن العتق وأما مع العجز، فقال ابن عبد السلام: أشار بعض المتأخرين إلى أن قول مالك اختلف في الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة، وهو: هل المعتبر في الكفارة يوم الوجوب أو الأداء؟ وأشار غيره إلى حصول الاتفاق في هذه الصورة على عدم الإجزاء.
ابن عبد السلام: وانظر إن لم يكن اتفاق صحة الجمع بين الثانية والثالثة، وأما الجمع بين الأولى والثانية فيعارض فيه شيء آخر، وهو أنَّا إذا منعنا من التلفيق بين نصفي رقبتين فأحرى أن يمنع من التلفيق بين نصف رقبة ونصف صوم وليس هذا التعارض بالقوي.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ ثَلاثًا عَنِ أَرْبَعٍ لَمْ يُجْزِهِ
لأن العتق لا يبعَّض.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَرْبَعًا عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ
لهذه المسألة- أعني: إذا أعتق أربع رقبات ع نأربع نسوة- أربع صور. إن قصد التشريك في كل واحدة لم تجزه واحدة منهن، وهي كالتي قبلها، وإن قصد كل واحدة عن واحدة أجزأه. واختلف إذا أطلق ولم يعين ولا شرك، فقال ابن القاسم: تجزئه، واختلف فيها قول أشهب.
اللخمي: والإجزاء أحسن. فقول المصنف: (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) هو على قول ابن القاسم.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثًا عَنْ ثَلاثٍ مِنْهُنَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَمْ يَطَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا
هذا الفرع مبني على قول ابن القاسم وأحد قولي أشهب، وأما على قول أشهب بعدم الإجزاء فلا يجزيه من الثلاثة، وقوله: (لَمْ يَطَا وَاحِدَةً)؛ لأنه بمنزلة ما لو اختلطت ذات محرم بثلاث نسوة أجنبيات، أو ميتة بثلاث ذكيات، ولم تعلم، وقوله: (وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا) مبالغة؛ أي لا يطأ واحدة، ولو ماتت منهن واحدة أو طلقها، بل وكذلك اثنان وثلاث، فلا يطأ الباقية حتى يكفر لاحتمال أن تكون هي التي لم يكفر عنها.
[ ٤ / ٥٤١ ]
وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَدًا فَيُكَمِّلُ لِلأُخْرَى
يعني: فلو صام ثمانية اشهر، ولم يعين لكل واحدة شهرين أجزأه، ولو صام ستة عن ثلاث ولم يعين، لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر عن الرابعة، وقوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ)؛ يعني إذا صام الأربع دون ثمانية اشهر وقد عين لكل واحدة عددًا، فإنه يبطل ما صام للأولى والثانية؛ لعدم التتابع، ويكمل للأخيرة، فإن نوى للأخيرة عشرة أيام بنى عليها، أو عشرين بنى عليها، ومثل هذا أيضًا لو صام ثمانية أشهر إلا أنه صامهن يومًا يومًا أو أكثر فإنه يبني على يوم واحد.
وَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَثَمَانِينَ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ ثَلاثٍ
فيه حذف مضاف؛ أي مقدر ثلاث، وليس المراد أن يجزيه عن ثلاث مستقلة؛ لقوله:
فَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ تَشْرِيكَهُنَّ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ فَلا يُجْزِئُهُ عَنْ شَيْءٍ
قوله: (سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)؛ أي ربع المائة والثمانين، وهو خمسة وأربعون، ولا يطأ واحدة من الثلاث، إلا بعد أن يخرج عن كل واحدة منهن كمال كفارتها خمسة عشر مسكينًا، وقال المصنف: (سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)، ولم يقل: سقط خمسة وأربعون؛ ليشمل ما إذا نوى لكل واحدة عددًا، أو نوى للميتة أكثر منهن، فإنه يسقط ما نواه لها. أما إن جعل لأحد الكفارات عددًا أكثر من الأخرى ولم يعين، فإنه يجعل للميتة الأكثر، وقوله: (إلا أن ينوي تشريكهن في كل مسكين فلا يجزئه عن شيء) هذا إذا لم تعرف أعيان المساكين، ولو عرفت [٣٨٦/ب] لنظر إلى ما يقع لكل واحد منهم فيكمل له تمام المد.
أَوْ يَنْوي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَدًا فَيَجُوزُ مِثْلُ عَدَدِ الْمَيِّتَةِ
ابن راشد: فإذا أخرج مائة وثمانين عن أربع، فينوي لفلانة ستين ولفلانة ستين ولفلانة عشرة ولفلانة خمسين، فماتت التي نوى لها ستين، فيخرج ستين، وإن ماتت التي نوى لها
[ ٤ / ٥٤٢ ]
الخمسين أخرج خمسين، وإن ماتت التي نوى لها عشرة أخرج عشرة؛ إذ بها تكمل الثلاث كفارات، وفي كلامه إضمار؛ أي: فيجوز أن يخرج مثل عدد الميتة.
وَالْعُيُوبُ: ثَلاثَةٌ: مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ وَيُشِينُ؛ كَالقَطْعِ، وَالعَمَى، والبُكْمُ، والْجُنُونُ، والهرِمُ الْعَاجِزِ، وَالْمَرَضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ- فَلا يُجْزِئُ
هذا راجع إلى قوله: (سليمة)، وقسم المصنف العيوب إلى ثلاثة أقسام، وقسمها اللخمي إلى خمسة أقسام، وطريق المصنف أحسن؛ لأنها أخصر مع جمعها لما قاله اللخمي، وقوله: (مَا يَمْنَعُ)، خبر ابتداء؛ أي في الأول ما يمنع كمال الكسب ويشين فلا يجزئ، ومثل له المصنف بالقطع، وسواء كان مقطوع اليدين أو إحداهما أو أحد الرجلين، وكذلك الشلل والفلج.
وقوله: (وَالعَمَى)، ظاهر، وقوله: (والبُكْمُ) هو بيِّن إن كان أصم كما هو غالب أحوال البكم. ابن عبد السلام: وإن لم يكن أصم فينبغي أن يجري فيه الخلاف اليذ في الأصم، وأما المجنون إن كان مطبقًا أو في أكثر الزمان، فلا يجزئ، وإن كان أقل الأزمنة، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئ، وقال أشهب: إن جن في كل شهر مرة أجزأ.
الثَّانِي: مَا لا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ ولا يُشِينُ؛ كَالْمَرَضِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْخَفِيفِ، وَالأَنْمُلَةِ- فَيُجْزِئُ
وكذلك الجدع في الأذن وذهاب بعض الأسنان والصمم الخفيف، قاله اللخمي.
وقوله: (وَالأَنْمُلَةِ) إن كانت من غير الإبهام فبين، وأما أنملة الإبهام فإنها تمنع كثيرًا من الصنائع.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
الثَّالِثُ: مَا يُشِينُ وَلا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ؛ كَاصْطِلامِ الأُذُنِ، وَالصَّمَمِ، وَالْعَوَرِ، وَالْمَرَضِ الْكَثِيرِ الْمَرْجُوِّ، وَالْبَرَصِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْبَيِّنِ، والْخِصَاءِ والأُصْبُعِ- فَقَوْلانِ
بناءً على اعتبار الشين أو الكسب، وقوله: (كَاصْطِلامِ الأُذُنِ) كلامه في التهذيب يدل على إجزاء المصطلم الأذن الواحدة؛ لقوله: (ويجزئ الجدع الخفيف كجدع الأذن)، ولكن انتقدت عليه هذه اللفظة، فقيل: إنما في المدونة: كجدع في الأذن؛ وهو يدل على أن الجدع لم يوعب الأذن، والقول بالإجزاء في مصطلم الأذن لأشهب، ونص في المدونة على أن مقطوع الأذن لا يجزئ، ومذهب المدونة أن الأصم لا يجزئ، وقال أشهب: يجزئ.
والمشهور إجزاء الأعور، وفي الموازية: لا يجزئ، وهو قول عبد الملك، وأما المرض الكثير المرجو، فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع؛ وقاله عبد الملك، واستقرأ اللخمي من قول الغير في المدونة في الأبرص: يجزئ إذا كان خفيفًا ولم يكن ممرضًا، عدم الإجزاء في المرض البين.
وأما البرص الخفيف فقال ابن القاسم في الجذام والبرص: لا يجزئ جملة.
اللخمي: ولم يفرق بين قليله ولا كثيره. وقال أشهب في البرص الخفيف: يجزئ، وأما الخصاء، فقال اللخمي فيه ثلاثة أقوال: كرهه في المدونة، وقال أيضًا: لا يجزئ، وقال أشهب يجزئ، وأما الأصبع فالمشهور عدم الإجزاء، وقال ابن الماجشون: يجزئ، وإن كانت الإبهام.
اللخمي: وليس بالبيِّن، ولو كانت الخنصر وما والاه رأيته أن يجزئ.
ويُجْزِئُ عِتْقُ الرَّضِيعِ، والأَعْجَمِيِّ بِخِلافِ الْجَنِينِ، وَمَنْ عَقَلَ الصَّلاةَ والصِّيَامَ أَوْلَى
هكذا في المدونة، لكنه اشترط في عتق الرضيع والأعجمي أن يكون ذلك لقصد النفقة. أبو عمران: وهو على استحباب، وأما الإجزاء فإنه يجزئ وإن كان مع سعة النفقة.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
ابن عبد السلام: وقيل: إنه شرط، فينتفي الإجزاء بانتفائه، والأول أولى؛ لأنه لا يعلم شيء من مسائل هذا الباب، وما يقرب منه كالضمان والهدايا يجزئ الفقير ولا يجزئ الغني.
فرع:
فإن عتق الرضيع في كفارة واحدة؛ فكبر أخرس أو أصم أو مقعدًا أو مطبقًا، فقال أصبغ في العتبية: ليس عليه البدل، وكذلك لو ابتاعه فكبر على هذا الاحتمال حدوثه، وأما الأعجمي، والمراد به الكافر الذي ليس بكتابي، فنص في المدونة على الإجزاء، كما ذكرنا، ففسره سحنون وابن اللباد وابن أبي زمنين وغيرهم بأن يكون دخل في الإسلام اعتمادًا على ما وقع في النذور من قوله: (والأعجمي الذي قد أجاب) واختصار ابن أبي زيد يخالف هؤلاء؛ لأنه قال في اختصاره لما في الظهار: ويجزئ عتق الأعجمي الذي يجبر على الإسلام، وإن لم يسلم، وكذلك قال في الموازية، وعلل ذلك بأنهم على دين من اشتراهم، قال: وقال أشهب: لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام.
وهل الخلاف في الصغير كالكبير؟ أو إنما هذا الخلاف إنما هو في الكبير وأما الصغير يشترى مفردًا عن أبويه فلا خلاف أنه يجزئ طريقان، وتعميم الخلاف أولى؛ لأنهم أشاروا إلى أن الخلاف في الإجزاء مبني على الخلاف في جبرهم، وفي ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: يجبر الصغار دون الكبار وعلى ما في المدونة، فقال بعض أصحابنا ينبغي [٣٨٧/أ] أن يوقف عن امرأته حتى يسلم هذا الأعجمي، وإن مات قبل أن يسلم لم يجزه، وقال ابن يونس: بل له وطء زوجته حين أعتقه، ولو مات قبل أن يسلم أجزأه؛ لأنه على هذا القول على دين من اشتراه، ولما كان يجبر على الإسلام ولا يأباه في الغالب حمل عليه.
وَيُجْزِئُ الْمَغْصُوبِ
أي: يجزئ المظاهر أن يعتق عبده المغصوب عن كفارته، سواء قدر على تخليصه أم لا؛ لأن ملكه باقٍ عليه، فقد أخرج رقبة من الرق.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
وَلا يُجْزِئُ الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ
عدل المصنف عن أن يقول كغيره: (الآبق المنقطع الخبر) إلى ما ذكره؛ لأنه يشمل الآبق وغيره، فكان أكثر فائدة، ولا يجزئ المنقطع الخبر؛ لأنه لا يدري أموجود هو أم معدوم، صحيح أم معيب، وعدم الإجزاء مقيد بما إذا لم تعلم سلامته بعد ذلك، نص عليه في المدونة آخر الضوال والإباق.
ومن عتق عبدًا آبقًا عن ظهاره لم يجزه؛ إذ لا يدري أحي هو أم ميت أم معيب أم سقيم، إلا أن يعرف في الوقت موضعه وسلامته من العيوب، فيجزئه، أو يعلم ذلك بعد العتق فيجزيه وإن جهله أولًا. انتهى. واشترط ابن حبيب وغيره أن تعلم سلامته.
وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ والْجَانِي إِنْ نفذ
لأن كل واحد من المرهون والجاني باقٍ على الملكية، لكنه قد تعلق به حق الغير، فإن أنفذ ذلك الغير العتق بأن أسقط حقه أو أعطى حقه نفذ العتق وأجزأه، وهو معنى (إِنْ نفذ)؛ أي معنى نفذ العتق وفي نسخة أخرى: (إن فديا)؛ أي استوفى المرتهن والمجني عليه حقه.
ولا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، وَلا مُعْتَقٌ إِلَى أَجَلٍ، وَلا مُسْتَوْلَدَةٍ
هذا راجع إلى قوله: (خالية من شوائب العتق)، وتصور كلامه ظاهر، وينبغي أن يجري المكاتب إذا رضي هو وسيده بتعجيزه، وفسخ الكتابة إذا لم يكن للمكاتب مال ظاهر، فإن لهما التعجيز حينئذٍ على ظاهر المدونة، قاله ابن عبد السلام.
فَلَوْ اشْتَرَى مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا فَأَعْتَقَهُ فَكَالْجَانِي
يعني: أن اشتراءه لهما يفسخ ما لم يتصل بعتق، فهل يفسخ أيضًا ويرد العتق؛ لأنه مرتب على ممنوع، أو لا ويمضي العتق ويجزئ؛ لأنا إنما نفسخه لتعلق حقه بالحرية، وقد
[ ٤ / ٥٤٦ ]
حصلت ناجزًا؟ قولان. وحكى اللخمي ثالثًا: أن عتقهما ماضٍ ولا يجزيان؛ لأنه عتق مختلف فيه، فيمضي ولا تبرأ الذمة بمختلف فيه، وعلى هذا فيكون المصنف شبه المكاتب والمدبر على القول بالفسخ بما إذا لم يفتدِ الجاني، وشبههما على القول بصحة عتقهما بما إذا افتديا.
وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى دِينَارٍ لَمْ يُجْزِهِ
لأنه عتق لم يخلُ عن شوائب العوض، وهذا بشرط أن يكون الدينار في ذمة العبد، وأما إذا كان في يده فيجزيه، قال في المدونة: إذ له انتزاعه، وتقدير كلام المصنف: ولو أعتق السيد عبده عن ظهاره على أن يكون على العبد دينار لم يجزه، ويحتمل أن يردي ما قاله في المدونة، فيمن أعتق عبده عن رجل عن ظهاره على جعل جعله له، قال: فالولاء للمعتق عنه، وعليه الجعل، ولا يجزيه عن ظهاره، كمن اشترى رقبة بشرط العتق، فإن أراد هذا الوجه الأخير فما ذكره فيه من عدم الإجزاء هو المشهور، وحكى ابن القصار جوازه.
وَفِي إِجْزَاءِ مَا عَتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَبَلَغَهُ فَرَضِيَ بِهِ. ثَالِثُهَا: إِنْ أَذِنَ لَهُ أَجْزَأَهُ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ
قد تقدم غير ما مرة أن قاعدة المصنف أن يجعل صدر القول الثالث دليلًا على الأول، وعجزه دليلًا على الثاني، وقاعدته أيضًا إذا ذكر أقوالًا وقائلين أن يرد الأول للأول، والثاني للثاني، وعلى هذا فيكون ابن القاسم هو القائل- أي في المدونة- بالإجزاء مطلقًا، وأشهب بنفيه مطلقًا، وعبد الملك بالتفرقة، إن أذن له أجزأه وإلا فلا، وبنى ابن بشير الأولين على أن العتق هل يفتقر إلى نية أو لا، وتفرقة عبد الملك ظاهرة؛ لأنه إذا أذن له فالمعتق إنما عتقه عنه بطريق النيابة، واحترز المصنف بقوله: (وَرَضِيَ بِهِ) لما لو لم يرضَ فإنه لا يجزيه باتفاق، واختلف في محل هذه الأقوال، فذهب اللخمي والأكثر إلى أن محلها إذا وجبت الكفارة بالوطء أو بالعودة، وأما لو لم تجب فلا يجزئ العتق
[ ٤ / ٥٤٧ ]
باتفاق، وذهب أبو عمران إلى أن العتق يجزئ على قول ابن القاسم، وإن لم ينوِ العودة، بناءً على أن ابن القاسم لم يشترطها، وقد قدمنا أنه قد أنكرت هذه النسبة لابن القاسم.
الصِّيَامُ: وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الْعِتْقِ وَقْتَ الأَدَاءِ، وَقِيلَ: وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مَا بيَدِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِمَنْصِبِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا
لما انقضى كلامه على العتق شرع في الصيام، ولا خلاف أن من شرطه العجز عن العتق، وهل وقت الأداء- أي: إخراج الكفارة- وهو مذهب المدونة، أو الوجوب- أي وقت العود- ما تقدم، وهو ظاهر ما وقع لابن القاسم في الموازية؛ لأنه قال في المظاهر الموسر إذا لم يعتق حتى أعدم، فصام ثم أيسر: أنه يعتق، وجعله اللخمي خلافًا للأول، كالمصنف على ظاهره، وتأوله الباجي على الاستحباب، قال: لأن المؤدي لما عليه إنما ينظر لحاله يوم الأداء دون الوجوب [٣٨٧/ب] كمن ضيع الصلاة، وهو قادر على القيام فأراد أن يقضيها حال عجزه عنه، فإنه يؤديها جالسًا ثم لا يلزمه قضاؤها إن قدر على القيام، أو فرط في الصلاة مع إمكان أدائها بالماء، ثم قضاها بالتيمم لعدم الماء، فإنه لا يلزمه قضاؤها ثانيًا عند وجود الماء.
الباجي: ويحتمل أن يريد أنه لما وجب عليه العتق تعلقت الرقبة بذمته، فلما أعسر قبل العتق أمر بالصيام؛ لأنه أبلغ ما يمكنه، بشرط إن أيسر بالرقبة التي تعلقت بذمته كان عليه إخراجها، وحكم الأموال في ذلك غير حكم الأعمال، والأول أظهر. وقال بعض القرويين: إنما ذلك لمن وطئ فلزمته الكفارة بالعتق ليسره، فلم يكفر حتى أعسر بصيام، وأما إن لم يطأ حتى أعسر فصام، ثم أيسر فلا يؤمر بالعتق.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ .. إلخ)؛ يعني أنه غذا ملك رقبة لم يكن له الانتقال إلى الصوم وإن كان محتاجًا إلى ما بيده من عبد أو غيره لمرض أو منصب أو غيرهما، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وعادم الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم إذا كان محتاجًا لنفقة ما يشتريه به، والله سبحانه
[ ٤ / ٥٤٨ ]
لم يُجِز التيمم إلا عند عدم الماء، كما لم يُجِز الصيام هنا إلا عند العجز عن العتق، قيل: لأن المظاهر لما أدخل الظهار على نفسه شدد عليه، ولأنه أتى بالمنكر والزور، ولتكرار الوضوء، ولأن الحكم في الظهار معلق على عدم الوجود المطلق، بخلافه في التيمم، فإنه معلق على عدم الوجود المقيد، وهو وجدان ماء لا حرج فيه؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ قَوْلانِ، وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا لَوْ صَامَ يَوْمًا فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا
يعني: إذا صام لإعساره ثم أيسر، فإن صام ما له قدر كالربع والثلث ونحوهما، تمادى على صومه ولم يلزمه العتق، وإن كان إنما صام اليومين ونحوهما، فروى زياد بن جعفر عن مالك: يرجع إلى العتق، وروى ابن عبد الحكم: يتمادى، وقال ابن شعبان: إذا صام يومًا ثم أفاد مالًا مضى ويجزيه العتق أحب إليَّ، وجعلوا هذا القول موافقًا لرواية ابن عبد الحكم، والقولان يتجاذبهما أصلان؛ وهما: طروء الماء على المتيمم بعد تلبسه بالصلاة، وطروء الحيض على المعتدة بالأشهر، والشبه بالتيمم أقوى؛ للاتفاق أن اليسر إذا حدث بعد صوم كثير أنه يتمادى، ولو كان كالحيض لزم أن ينتقل إليه ولو بقي منه يوم واحد، وقوله: (وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ)؛ أي حسن أن يرجع في اليومين ونحوهما إلى العتق، هكذا نص في المدونة، ولعله أتى بما فيها استشهادًا للقول بعدم الرجوع إلى العتق، ولا يقال إنما أتى بمذهب المدونة؛ لأنه مخالف للقولين، لأن على رواية ابن عبد الحكم يستحب أيضًا الرجوع، ألا ترى أنهم جعلوا قول ابن شعبان موافقًا لرواية ابن عبد الحكم، وقد نص ابن شعبان على استحباب الرجوع في اليوم إلى العتق كما تقدم.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
أَمَّا لَوْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ يُسْرِهِ وَجَبَ الْعِتْقُ
يعني: لو أفسد الصوم بعد أن أيسر وجب العتق.
ابن القاسم: ولو لم يبق من صيامه إلا يوم واحد، ووجهه أن المعتبر في حال المكفر إنما هو يوم الأداء.
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَةٍ لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَجْزَأَتْهُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأنه لا يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ اتِّفَاقًا
تصور المسألة من كلامه ظاهر، والأصح مذهب المدونة، وعليه فإن تزوجها بعد العتقن حلت له من غير كفارة، ومقابل الأصح ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي على القول بأن من شرط الكفارة أن تكون المرأة تستباح إصابتها، وأن الكفارة تسقط عند بينونة المرأة منه، قال: لأن عتقها خلاف العزم على الإصابة، وأشار إلى أن الإجزاء إنما يأتي على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، وقد تقدم أن بعضهم أخذ من هذه المسألة أن ابن القاسم لا يشترط في وجوب الكفارة وجود العود، والرد عليه، وانظر كيف جعل اللخمي أن عتق هذه الأمة إنما يجزئ على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، مع أنه مذهب المدونة، وقد نص فيها على إجزاء العتق في هذه المسألة، والظاهر أن العودة بالعزم على الوطء والإمساك في هذه الأمة؛ لأنه إذا عزم على وطئها وجبت عليه الكفارة، فإذا أعتقها زال عنه الظهار وحرم عليه فرجها إلا بتزويج، وهكذا قال أبو عمران، فإن قيل: كيف يختلف في إجزاء العتق، مع أنه لا ينتقل إلى الصوم بالاتفاق فيما يفعل على مقابل الأصح، قيل: الأمة لا حق لها في الوطء، فإن شاء السيد أمسكها ولا يستمتع بها حتى يوسر، وإن شاء باعها.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
وَلَوْ تَكَلَّفَ الْمُعْسِرُ الْعِتْقَ جَازَ
أي: تداين واشترى رقبة وأعتقها جاز، ولو قال: أجزأ، لكان أحسن، ومثل هذه المسألة إذا تكلف من فرضه التيمم الغسلن أو تكلف من فرضه في الصلاة الجلوس القيام، وقد تقدم التنبيه على ذلك أول هذا الكتاب.
وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ حُرٍّ فَطَالَبَتْهُ امْرَأَتُهُ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، فَإِنْ لَمْ تُطَالِبْهُ صَبَرَ
لأنه إذا كان يعتق عليه [٣٨٨/أ] كل من يملكه، صار عاجزًا عن العتق، وهذا مبني على المشهور من لزوم العتق المعلق على الملك، وأما على الشاذ فلا؛ لأنه لا تلزمه اليمين، ولو قيل بلزوم العتق والصوم للاحتياط ما بَعُدَ.
وَالْعَبْدُ- كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ- لا يَصِحُّ مِنْهُ الإِعْتَاقُ إِذْ لا وَلاءَ لَهُ
قوله: (أَوْ بَعْضُهُ) يحتمل أن يريد به المعتق بعضه، ويكون قصد التنبيه على أنه لا فرق فيمن فيه بقية الرق بين أن يكون كاملًا أو مبعضًا، فيؤخذ من كلامه الحكم في المدبر والمعتق إلى أجل بالالتزام، ويحتمل أن يريد كل من فيه شائبة الحرية، فيدخل المعتق بعضه والمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل، ويؤيد الأول اصطلاح الفقهاء، ويؤيد الثاني أن كلًاّ من هؤلاء لا ولاء له، والأول أظهر.
وَفِيهَا: وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَإِلا فَالإِطْعَامُ إِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِلا انْتَظَرَ
قوله: (إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ)؛ أي من غير مضرة تلحق السيد، وأما مع المضرة فسيأتي.
وقوله: (وَإِلا فَالإِطْعَامُ)؛ أي وإن لم يقوَ على الصوم، فإنه يطعم إن أذن له السيد على المشهور، وقال عبد الملك: لا يجزئه الإطعام، ولو أذن له السيد؛ لأن للسيد الرجوع قبل
[ ٤ / ٥٥١ ]
أن يصرفه للمساكين، وفيه بُعد لأن العبد مالك حتى ينتزعه السيد، ولو سلمنا أنه ملك مترقب، لم يكن للسيد الرجوع بعد الإذن؛ لما تعلق للعبد من الحق، قاله اللخمي.
وَفِي جَوَازِ مَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ- إِنْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَدَّى خَرَاجَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ
القول بالمنع لابن القاسم، ورواه عن مالك في الموازية، ومقابله لابن الماجشون، وأصبغ، ومحمد بن دينار بناءً على أن العبد لما أدخل الظهار على نفسه، لم يكن له أن يضر بسيده، وأن السيد لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه.
الباجي: وعلى المنع ففي كتاب ابن سحنون عن مالك: إن كان يؤدي الخراج لم يكن له منعه، فمقتضاه أنه تقييد للقول بالمنع، وكذلك قال في الجواهر، وهو خلاف لحمل المصنف الثالث على أنه خلاف، والله أعلم.
وَفِيهَا: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَصُومَ وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِطْعَامِ فَحُمِلَ عَلَى مَا إِذَا مَنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاجِزِ نَاجِزًا فَقَطْ، وقِيلَ: أَحَبُّ إِلَيَّ- لِلسَّيِّدِ- أَلا يَمْنَعَ عبده مِنْ الصَّوْمِ
ابن القاسم: في المدونة بإثر ما حكاه المصنف عنها: بل الصيام هو الذي فرض الله، وليس يطعم أحد يستطيعه. وظاهر كلام ابن القاسم أنه حمل جواب مالك على الوهم، وصرح في ذلك في المبسوط، فقال: لا أدري ما هذا، ولا أرى جوابه فيها إلا وهمًا، ولعل جوابه في كفارة اليمين بالله.
وإلى مثل قول ابن القاسم نحا سحنون؛ لأنه طرح هذا الكلام، وذهب الأكثرون إلى تأويله، وذكر المصنف ثلاثة تأويلات:
الأول لعياض: إن أحب باقية على بابها من ترجيح أحد الأمرين، وكلامه محمول على ما إذا منعه السيد من الصوم لأجل أنه يضر به في خدمته، والعبد قادر عليه، قال:
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وهو قول محمد، فإنه قال: إذا أذن له سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه، وأصوب أن يُكفِّر، وهو مثل قوله في الكتاب في كفارة اليمين: إذا أذن له سيده أن يطعم أو يكسو يجزئ وفي قلبي منه شيء؛ والصيام أبين عندي، فلم يرَ مالك الإطعام والكسورة ملكًا مقررًا.
الثاني للأبهري: حمل قوله: (الصوم أحب إليَّ) على ما إذا كان عاجزًا في الحال، قادرًا على الصيام في الاستقبال، فأذن له السيد في الإطعام، فأحب إليَّ أن يصبر حتى يكفر بالصوم. واعترضه ابن محرز فإنه إذا كان مستطيعًا للصوم في الاستقبال لزمه أن يؤخر، وإن كان لا يستطيع فلا يؤخر.
ابن بشير: وإنما بنى ابن محرز ذلك على قول ابن القاسم، الذي يقول: إذا عجز عن الصوم ناجزًا وهو يقدر عليه فيما بعد، أنه يلزمه التأخير، وأما على قول من يقول لا يلزمه التأخير، فيصح هذا الاعتذار.
التأويل الثالث للقاضي أبي إسحاق: وأن قوله: (أحب) يرجع إلى السيد؛ أي أن إذن السيد في الصيام أحب إليَّ من إذنه في الإطعام.
ابن عبد السلام: وإلى هذا مال الأكثر، ووجهه أنه لما اختلف قول مالك هل للسيد منعه من الصوم إن أضر به أم لا؟ استحب الأخذ بأحوطها، وهو الصيام، وقال أبو عمران: إن (أحب) هنا على الوجوب.
وفِيهَا: قَالَ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ بِاللهِ أَجْزَأَهُ، وَفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ
لعله ذكر هذه المسألة استشهادًا للشاذ في أنه لا يجزئه الإطعام، وإن أذن له فيه سيده، وقال ابن عبد السلام: ذكرها بإثر السابقة، وكذلك هي في المدونة، كالمستدل بها على صحة التأويل الأول؛ لأنه لا يشك أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة الإطعام، إما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
وَهُوَ: شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ بِالأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْكَسَرَ تَمَّمَ الْمُنْكَسِرَ ثَلاثِينَ مِنَ الثَّالِثِ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ
كونه شهرين متتابعين هو نص الآية، وإن صام بغير الهلال تمم المنكسر ثلاثين من الشهر الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال، ويمكن تخريج [٣٨٨/ب] الخلاف مما ذكره المصنف في العدد، وهو قوله: (فَإِنِ انْكَسَرَ) الأول تممه ثلاثين من الرابع، وقوله: (وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ) ظاهر.
وَتَجِبُ نِيَّةُ الكَفَّارَةِ وَنِيَّةُ التَّتَابُعِ
لأن الكفارة والتتابع واجبان، والواجب لابد له من نية، وقد تقدم للمصنف ما يدل على الخلاف في وجوب النية للكفارة في الزكاة.
وَإِذّا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ اسْتَانَفَ
لأن الله تعالى اشترط التتابع؛ لقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، ثم أخذ المصنف في بيان ما يقطع التتابع، فقال:
وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ وَيَبْطُلُ مُتَقَدِّمُ الإِطْعَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ- وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ- بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلًا- نَاسِيًا أَوْ غَالِطًا- بِخِلافِ غَيْرِهَا لَيْلًا فِي الصِّيَامِ، ولَيْلًا وَنَهَارًا فِي الإِطْعَامِ
نوع ﵀ العبارة في الصيام: (وَيَنْقَطِعُ) تتابعه، وفي الإطعام: (يَبْطُلُ)؛ لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع، وقوله: (بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا) متعلق بينقطع؛ يعني أن التتابع ينقطع بوطء المظاهر منها، وكذلك يبطل متقدم الإطعام على المشهور بوطء المظاهر منها، فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الإطعام فقط، وأما الصوم فلا يبطل باتفاق.
[ ٤ / ٥٥٤ ]
وقوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) مبالغة على المشهور؛ أي يبطل ما تقدم من الإطعام على المشهور ولو لم يبق عليه إلا مسكين، وهذه النسخة أحسن مما وقع في بعضها من تقديم قوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) على قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ)؛ لإيهامه حينئذٍ أن الشاذ إنما يخالف فيما إذا لم يبقَ إلا مسكين واحد، وليس كذلك، وليس الشاذ هذا؛ لأن ابن الماجشون يرى أن الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقًا، قال: وأحب إليَّ أن يستأنف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في العتق والصيام، ولم يقله في الإطعام، وقيد في المشهور الإطعام بأن يكون قبل المماسة، كالأولين.
وفي الشاذ نظر؛ لأنه يلزم عليه حِليَّة وطء المظاهر قبل الإطعام إذا كان هو الكفارة، ولا يحل ذلك بالإجماع، نقله بعض الأئمة، وقوله: (وَلَوْ لَيْلًا نَاسِيًا)؛ يعني أنه يبطل الصوم بوطء المظاهر منها، ولو ليلًا ناسيًا أو غالطًا؛ لأن الله تعالى اشترط في الكفارة أن تكون قبل المماسة، ونبه بذلك على خلاف الشافعية في قولهم: إن وطء المظاهر منها ليلًا لا يبطل ما تقدم من الصيام، فإن قيل: الحكم ببطلان الصوم والإطعام بالوطء مشكل؛ لأن سبقية بعض الكفارة على الوطء أولى من تأخير جميعها عنه، وقد قلتم بالإجزاء لو تقدم الوطء على الجميع، فالجواب أن المماسة المطلوب تقديم الكفارة عليها هي المماسة المباحة؛ لأن تقدير الآية: فصيام شهرين متتابعين من قبل أن تباح له المماسة، والمماسة الواقعة في خلال الكفارة ليست بمباحة، فاستؤنفت كفارة أخرى لتحصل كفارة مستأنفة سابقة على مماسة مباحة.
فرع:
واختلف إذا قبَّل المظاهر بإثرها في أثناء الكفارة، وقد تقدم ذلك، وقوله: (بِخِلافِ وطء غَيْرِهَا لَيْلًا فِي الصِّيَامِ)؛ أي فلا يبطل الصيام لصحته ليلًا أو نهارًا في الإطعام؛ لأن عدم المماسة مشروط في حق المظاهر منها فقط، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
وَما يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ، ولَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ
أي: إذا ظاهر من أربعٍ بكلمة واحدة، وقلنا: إنه تجزئ كفارة واحدة، فإنه يبطل متقدم الصيام والإطعام بوطء إحداهن، ولو حين الكفارة لغيرها؛ لأن الكفارة لما كانت تجزئ على الجميع لم تتعين، وقوله: (فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ) فيه حذف الموصوف؛ أي حكم المرأة الواحدة، وقوله: (ولَوْ عَيَّنَهَا)؛ أي عين المرأة أو الكفارة.
وَبِفْطِرِ السَّفَرِ بِخِلافِ الْمَرَضِ والْحَيْضِ، إِذَا قَضَى قَضَى مُتَتَابعًا
هذا معطوف على وطء تقديره: وينقطع التتابع بوطء المظاهر منها، وبفطر السفر؛ لأنه سبب اختياري غالبًا بخلاف المرض، فإنه لا يقطع التتابع؛ لأنه غير اختياري، ثم إذا قلنا بعدم قطعه يقضي ما أفطر متصلًا بصومه، وإن لم يتابعه ابتداء، وهو معنى قوله: (قَضَى قَضَى مُتَتَابعًا)، وليس كقضاء رمضان، واستشكل ذكر المصنف الحيض هنا؛ لأن صوم الظهار إنما يخاطب به الرجل، وأجيب بأن المصنف قصد أن يذكر ما يقطع التتابع، وما لا يقطعه من حيث الجملة، وقوله: (والْحَيْضِ)؛ يعني فيمن قتلت خطأ وصامت.
وَالْمَرَضُ يُهَيِّجُهُ السَّفَرُ كَالسَّفَرِ
يعني: إذا حصل له مرض بسبب سفر، فإنه يقطع التتابع بمنزلة السفر، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: يجزئه البناء وإن هيج عليه السفر المرض؛ لأن السفر مباح، وقال محمد: إن أفطر في السفر ابتداءً استأنف، وإن مرض بنى.
وفِي الْخَطَأِ والسَّهْوِ- ثَالِثُهَا: يَنْقَطِعُ بِالْخَطَأِ، والْمَشْهُورُ: لا يَنْقَطِعُ ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا، ويَقْضِيهِ مُتَّصِلًا
يعني: أنه اختلف، هل ينقطع التتابع بالفطر سهوًا، كمن أفطر في يوم ناسيًا أو أخطأ [٣٨٩/أ] كمن صام تسعة وخمسين ثم أصبح مفطرًا، معتقدًا أنه كمل الصوم، وكمن
[ ٤ / ٥٥٦ ]
اعتقد أن الشمس غربت فأكل، أو الفجر لم يطلع فأكل، ثم تبين له خلاف ما اعتقده على ثلاثة أقوال:
والأول: ينقطع في السهو والخطأ، وهو لمالك في الموازية نص فيها على القطع بالفطر ناسيًا. اللخمي وغيره: وعليه فينقطع بالفطر خطأ، وفي البيان: مشهور المذهب أنه لا يعذر بالنسيان في كفارة القتل والظهار.
والقول الثاني: أنه لا ينقطع بهما، قال المصنف: (وهو المشهور)، وإنما عزاه اللخمي وصاحب البيان وغيرهما لابن عبد الحكم، وقوله: (ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا)، إذا عذر في الوطء فأحرى في الأكل والشرب.
والقول الثالث: أنه لا ينقطع بالسهو؛ لأنه يعرض في كل جزء الصوم فيعسر التحرز منه بخلاف الخطأ، وبعضهم يرى هذا الثالث ظاهر المدونة، ذكره فيها إذا أصبح مفطرًا بعد تسعة وخمسين يومًا معتقدًا التمام، وقوله: (ويَقْضِيهِ مُتَّصِلًا)؛ أي إذا فرعنا على عدم القطع وهو ظاهر.
وَلَوْ أَفْطَرَ ثَانِيًا مُتَعَمِّدًا انْقَطَعَ
ولو أفطر ثانيًا متعمدًا في يوم إفطاره سهوًا أو خطأ، انقطع التتابع؛ لأنه لما عذر بالنسيان صار وجود ذلك الأكل كعدمه، فصار فطره ثانيًا كفطره أولًا متعمدًا، هكذا مشَّى ابن راشد هذا المحل، ويحتمل لو أفطر في قضاء ما أفسده من صيام التتابع متعمدًا فإنه يبطل صومه من أصله؛ إذ يلزمه في القضاء ما يلزمه في الأداء، والتمشيتان صحيحتان.
[ ٤ / ٥٥٧ ]
بِخِلافِ أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنَّه لا يَحْرُمُ فِطْرُهُ ثَانِيًا كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، بِخِلافِ رَمَضَانَ والنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وصَوْمِ التَّطَوُّعِ
أي: في بقية اليوم؛ لأنه لا حرمة للزمان، ولا يفسد بفطره ثانيًا كقضاء رمضان، بخلاف رمضان والنذر المعين، وصوم التطوع صحيحًا، وإنما دخل على أنه واجب، فتبين أنه غير واجب، وقضاء رمضان مشارك له في هذا المعنى.
وقوله: (لا يَحْرُمُ) وقع في بعض الروايات (ويكره) وهو ظاهر؛ لأنه دخل بنية القربة، فاستحب له إتمامها، بخلاف رمضان والنذر المعين وصوم التطوع، فإنه يحرم الفطر في الثلاثة، إذا أفطر أولًا ناسيًا، أما الأولان فلتعين زمانهما، وأما الثالث، فلأن الفطر على سبيل النسيان، لما كان لا يفسده، صار فطره ثانيًا عمدًا كفطره أولًا.
وَيَنْقَطِعُ بِالْعَمْدِ، وفِي الْجهلِ: قَوْلانِ
هكذا في بعض النسخ (بالعمد) وهو بيّن، وفي بعضها (بالعيد)، فيحمل كلامه على إذا ما إذا ابتدأ في شهر العيد عالمًا به، وأما الجاهل فقد أشار إليه بقوله: (وفي الجاهل) قولان، قال في المدونة: وإذا صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفسًا خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة، وظن أنه يجزيه، فعسى أن يجزيه، وما هو بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ، ونحوه لابن وهب إن كان عالمًا ابتدأ، وإن كان جاهلًا فلا شيء عليه، وقال أشهب وسحنون: لا يجزئه.
عياض: هل الجهالة التي عذره بها في المدونة الجهالة بالحكم، أو الجهالة بالعدد وتعين الشهر، وغفلته أن فيه فطر، فيكون كالناسي؟ وأشار إلى أن في المبسوط والمدونة ما يبين أن المراد الثاني لأجل الحكم، واختلف في تأويل المدونة من الإجزاء، فقال أبو محمد: يريد:
[ ٤ / ٥٥٨ ]
ويقضي أيام النحر التي أفطر فيها وفصلها، وقال غيره: لا يجزئ إلا أن يفطر يوم النحر خاصة، ويصوم أيام التشريق، وروى نحوه عن مالك ابن يونس، وهو أصوب.
ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام إنما هو على الكراهة، وقال ابن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق، ويقضيها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء؛ لأنه صوم غير متوالٍ، بخلاف إذا لم يأكل فيها ونوى صيامها، وإن كانت لا تجزئه.
ابن يونس: وهو أضعفها. ابن عبد السلام: ولا يحتمل كلام المصنف هذا القول الثالث بخلاف الأولين. ابن حبيب: وإن صام شعبان عن ظهاره ثم صام رمضان لفطره، ثم أكمل ظهاره بشوال أجزأه. ابن يونس: يحتمل أن يكون وفاقًا لقول مالك فيمن جهل فصام القعدة وذا الحجة لظهار عسى أن يجزيه، وقال بعض شيوخنا: لا يجزيه؛ لأنه تفريق كثير، والأول أولى؛ لأن الجهل عذر كالمرض في غير وجه.
وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لِكَفَّارَتِهِ وَفَرِيضَةً لَقَضَى ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ
يعني: قضاء رمضان واستئناف الكفارة، أما رمضان فلتشريكه فيه، ويلزم من بطلان رمضان بطلان شعبان، قال في المدونة: ومن صام شعبان ورمضان ينويهما لظهاره، ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر، لم يجزه لفرضه ولا لظهاره، واختلف هل يدخلها الخلاف المذكور في مسألة من صام رمضان قضاء عن رمضان آخر فتجزئه الكفارة منها على رواية من روى هناك إجزاءه، وعليه قضاء الآخر (بكسر الخاء)، فيقضي هنا رمضان فقط، وعلى رواية من روى هناك الآخر (بفتح الخاء)، يجزئه هنا الصوم عن رمضان [٣٨٩/ب] وحده، وإليه ذهب بعضهم، أو لا يدخله الخلاف؛ لأن ما بين الكفارة ورمضان أشد مما بين رمضان ورمضان آخر، وإليه ذهب صاحب النكت.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
وعلى القطع بالنسيان لَوْ صَامَ أَرْبَعَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ يَوْمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ لا يَدْرِي مَوْضِعَهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصُومُ يَوْمَيْنِ يَصِلُهُمَا ثُمَّ يَقْضِي شَهْرَيْنِ، وقَالَ سَحْنُونُ: يَوْمًا وشَهْرَيْنِ
يعني: إذا فرعنا على أن النسيان يقطع التتابع، لو ذكر أنه أفطر يومين مجتمعين ناسيًا لا يدري موضعهما، هل هما من الأولى أو من الثانية، أو أحدهما آخر الأولى، والثاني أول الثانية، فقال ابن القاسم: يصوم يومين يصلهما، ثم يقضي شهرين، وقال سحنون: لاحتمال أن يكونا من الأخيرة، فلا ينتقل عنها، وهو قادر على تمامها، ثم يقضي شهرين لاحتمال أن يكونا من الأولى، أو أحدهما من الأولى والآخر من الثانية، ورأى سحنون أنهما إن كانا من الأولى فقد صحت الثانية، وإن كانا من الثانية فقد صحت الأولى، وعلى هذين الاحتمالين يبدأ بالشهرين اللذين أمر بإتيانهما، ولم يبقَ إلا احتمال واحد، وهو أن يكمل كل يوم من واحد، فيصوم يومًا ثم يقضي شهرين.
فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُهَا، وقَالَ سَحْنُونُ: يَصُومُ شَهْرَيْنِ، وهُمَا عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً مِنْ إِحْدَى رَكْعَتَيْنِ
فوجه قول ابن القاسم كما تقدم، وأما سحنون فهو إنما أمره باليوم في الأولى لاحتمال الثالث، وهو منتفٍ هنا، وقوله: (وهُمَا عَلَى الْخِلافِ) هو إشارة إلى تنظير المسألة بمسألة قد قدمها في سجود السهو، وهو ما إذا ذكر في آخر صلاته سجدة، ولا يدري من أي الركعات هي، فقال ابن القاسم: يسجد الآن سجدة لاحتمال أن تكون من الأخيرة، ثم يأتي بركعة لاحتمال أن تكون من غيرها، وقال أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، والمصنف وإن لم يقدم عن سحنون في مسألة الصلاة شيئًا، لكن كلامه هنا يدل على أن سحنون موافق لأصبغ، وهذا إن ثبت النقل فواضح، وإن كان المصنف أخذ من قول سحنون أنه موافق لأصبغ في الصلاة، وقد يفرق بينهما بقوة حرمة الصلاة، فيجوز أن
[ ٤ / ٥٦٠ ]
يوافق هناك على الإتيان بالسجدة، ولتأكيد حرمة الصلاة أنه لو افتتح الصلاة بالتيمم، ثم طرأ عليه الماء لم يجز له القطع، بخلاف من شرع في الصوم هنا، ثم أيسر، فإنه يجوز له الانتقال إلى العتق، والله أعلم.
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ اجْتِمَاعَهُمَا فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وفِي الْيَوْمَيْنِ الْقَوْلانِ
تصوره لا يخفى عليك، لكن إنما يحتاج إلى الأربعة أشهر على قول سحنون، إذا شك في أمسه هل هو من اليومين، وإما إن تحقق أن اليومين سابقان على ذلك فيستحب بالعدد الذي صامه، ولم يتخلله فطر، والله أعلم.
تنبيه:
كلام ابن القاسم وسحنون هنا مبني على أن بدء النسياني قطع، وهو دليل لما شهره صاحب البيان من أن النسيان يقطع؛ لأنه قل أن يخالف المشهور، والله أعلم.
وترك المصنف التفريع على القول بأن النسيان لا يقطع لوضوحه؛ لأنا إذا بنينا عليه يأتي بما نسيه فقط، واختلف عليه لو ذكر يومين مثلًا من الأولى في أثناء الثانية، فقيل: يتم الثانية، ثم يصومها؛ لأنه معذور، بما تشبث به من صيام الكفارة التي هو فيها، وقضاء الكفارة الأولى على الخلاف فيمن ذكر صلاة في صلاة، هل تفسد الأولى، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز له أن يقضي اليومين في أثناء الكفارة، ويبني على صيامه، ولا يعد بذلك مفرقًا لصيامه؛ إذ لم يتخلله فطر، على ما قال ابن حبيب، فيمن صام شعبان وشوال، ولا يضره ما تخلل من صوم رمضان.
الإِطْعَامُ: وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ غَلَبَ ظَنُّ قُدْرَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي وُجوُبِ التَّاخِيرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ
قوله: (وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ) هو نص الآية الكريمة، وقوله: (فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ)؛ أي: هل يعتبر العجز يوم الأداء أو يوم الوجوب؟
[ ٤ / ٥٦١ ]
قوله: (فَلَوْ غَلَبَ إلخ)؛ يعني فلو عجز في الحال عن الصيام، إما لمرض أو حد وغلب على ظنه أنه سيقدر عليه في المستقبل، فهل يجب عليه التأخير؟ قولان، وفهم من قوله: (فلو غلب على ظنه) أنه لو آيس من القدرة على الصيام لأطعم اتفاقًا، وهو صحيح.
اللخمي: وينتظر إذا رجا الصحة بالقرب، واختلف إذا رجا ذلك بعد طول، وقوله: (ظن قدرته) يقتضي أنه لو شك لأطعم، ويتبين لك ما في هذا بسياق مسألتي المدونة، وذكر بعض من تكلم عليها، فالأولى: قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهرًا ثم مرض وهو لا يجد رقبة، لم يكن عليه أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهر لم يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه غير مضارٍّ، وينتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصيام بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام. وقال أشهب: إذا مرض صار من أهل الإطعام.
والثانية: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من أمثالها الناس، فلينتظر حتى يصح ثم يصوم، إذا كان لا يجد رقبة [٣٩٠/أ] وكل مرض يطول بصاحبه، ولا يدرى أيبرأ منه أم لا، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم، وليصب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام؛ لأن مرضه كان إياسًا، وقال أشهب: إذا طال مرضه وإن وجد برأه، وقد احتاج إلى أهله، فليطعم بظهار الأولى، إن ظن القدرة في المستقبل، والتردد في ذلك يمنع الإطعام عند ابن القاسم، ولا يمنع عند أشهب، وظاهر الثانية أن التردد لا يمنع من الإطعام عند ابن القاسم؛ لقوله: ولا يدري أيبرأ منه أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ والقائلون بأنها ليست خلافًا للأولى، فرقوا بينهما بأن المكفر في الأولى دخل في الصيام، وفي الثانية لم يدخل، وللدخول في العمل تأثير في التمادي، وإلى هذا ذهب ابن شبلون، وبعض من ذهب إلى حمل المسألة على الخلاف، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:
[ ٤ / ٥٦٢ ]
الأول: إذا أخذه المرض، انتقل إلى الإطعام، وهو قول أشهب في الأولى، والثاني: لا ينتقل حتى يعلم صاحب ذلك المرض أنه لا يقدر على الصوم، وإن أفاق، وهو قول ابن القاسم في الأولى، الثالث: إن طال مرضه انتقل، وهو قول أشهب في الثانية، الرابع: أنه لا ينتقل حتى يشك هل يبرأ أم لا، وهو قول ابن القاسم في الثانية، ويمكن الجمع بين المسألتين على غير الوجه المتقدم، ولنتركه خشية الإطالة، واستحسن قول أشهب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾؛ لأنه يصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياسًا على وجود الرقبة في الحال، ولو روعي حال المستقبل لزم ألا يكفر أحد بالصيام؛ لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة أو ما يساويها في المستقبل.
وَعَدَدُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ مُرَاعىً
أي: واجب، وتصوره ظاهر.
لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَمُدُّ هِشَامٍ: مُدٍّ وَثُلُثَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ، وقِيلَ: بِمُدِّ الْيَمِينِ
قوله: (فِيهِمَا)؛ أي في كونهما بمد هشام، وكون مد هشام مدًا وثلثين، ومقابل المشهور في مقدار مد هشام هو قوله: (وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ).
ابن بشير: وقيل مد ونصف، واعلم أن من ذهب إلى أنها بمد اليمين اختلفوا، فقال بعضهم: بمد واحد، وأنكر أن يكون بمد هشام لفظًا ومعنى، وقال: متى كان هشام يعتبر مده، وبعضهم أنكره لفظًا فقط، وقال: بل يقال: يطعم مدًا وثلثين بمده ﷺ، وروى مطرف عن مالك: لكلمسكين مدان بمده ﷺ، وإنما قلنا على المشهور أنه لا يكتفي هنا إلا بمد وثلثين؛ لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين بالله تعالى فحملت على الشفع الكامل، كفدية الأداء، واستصوب
[ ٤ / ٥٦٣ ]
الباجي القول بأن مد هشام مدان، قال: وهي رواية البغداديين عن معن بن عيسى، وهو الصحيح؛ لأن معن مدني، وهو أعلم بذلك لطول مقامه بالمدينة، وقد شاهدت بالمدينة هذا المد، وحققته فوجدته كما قال مدين.
فَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَعِشْرِينَ نِصْفًا نِصْفًا كَمَّلّ لِسِتِّينَ مِنْهُمْ وَإِلا اسْتَانَفَ
تصوره ظاهر. اللخمي: وإذا كان الطعام قائمًا بأيديهم، وعلى أنه كفارة عن ظهار انتزع من ستين منهم، وأكمل الستين، والانتزاع بالقرعة؛ لأنه ليس أحدهم أحق بالانتزاع من الآخر، ومن فوت الطعام لم يرجع عليه بشيء، واختلف شارحو المدونة، هل من شرط التكميل بقاء النصف المأخوذ أم لا؟، وقوله: (وَإِلا اسْتَانَفَ)؛ أي: وإن لم يمكن التكميل ستين، فإنه يستأنف الكفارة.
وَإِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ فَلَمْ يَجِدْ إِلا مَسَاكِينَ الأُولَى، فَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُطْعِمَهُمْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ مُخَالِفَتَهَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، إِلا أَنْ يُحْدِثَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ
(لا يُعْجِبُنِي) محمول على الكراهة، وهي غاية ما يمكن هنا، ولهذا قال محمد عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه، وفي الأسدية الجواز.
ابن عبد السلام: وهو أظهر، وإن كان بعضهم لم يعد خلافًا للمدونة، وحمل المدونة على الحكم قبل الوقوع، والأسدية بعده.
والْجِنْسُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ
نحوه في الباجي، فقال: والذي يجزئ هنا هو على حسب ما تقدم في اليمين بالله تعالى، وقد تقدم أن المصنف شبه اليمين بالله تعالى بزكاة الفطر، وعلى هذا فتُخرج من التسعة الأصناف، وعلى قول ابن حبيب: تخرج من عشرة، وقال ابن عبد السلام: الأقط، لا أعلم من قال بجواز إخراجه هنا.
[ ٤ / ٥٦٤ ]
خليل: وظاهر كلامه جواز إخراجه لتشبيبههم ذلك بكفارة اليمين بالله، وبزكاة الفطر، فإنه قد نص في البيان على أنه تُخرج من كل ما تُخرج منه زكاة الفطر، وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء آخر، وهو إذا اقتيت غير التسعة كاللحم والقطاني، فإنه قدم في زكاة الفطر أن المشهور الإجزاء.
فَإِنْ كَانَ عَيْشُهُمْ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا أَطْعَمَ عَدْلَ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ مِنَ الْحِنْطَةِ
حاصله: إن كان عيشهم القمح أخرج منه مدًا هشاميًا، وإن كان عيشهم تمرًا أو شعيرًا أو نحوه، أطعم عدل شبع مد هشام من الحنطة، قاله في المدونة.
عياض: قيل معناه [٣٩٠/ب] إذا أشبع الرجل مد حنطة، كم يشبعه من غيرها؟
خليل: وفيه نظر؛ لأنا لم نعتبر بالحنطة، بل أصل الحديث إنما ورد في التمر، وبين ذلك أن أهل التمر لا يقال في زكاة الفطر أخرجوا ما يشبع صاع القمح.
ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ: يراعى الشبع سواء زاد على مد هشام، فيزاد، أو نقص عن مد هشام فينقص.
وَفِيهَا: ولا أُحِبُّ أَنْ يُغَدِّيَ أَوْ يُعَشِّيَ فِيهَا ولا فِي فِدْيَةِ الأَدَاء
هذا كما قال في المدونة: إن الغداء والعشاء لا يبلغ المد الهشامي، وأحرى فدية الأداء. اللخمي: وقال ابن الماجشون: إن غدى وعشى أجزأه، فجعلهما ككفارة اليمين بالله تعالى. انتهى.
ونص ابن المواز على أنه لو غدى وعشى لا إعادة عليه، وعلى هذا فتكون أحب على بابها، ويحتمل أن يراد بها عدم الإجزاء، ولعله نسب المسألة للمدونة، لهذا التردد الذي في قوله: (ولا يُعْجِبُنِي)، ولإشكالها أيضًا، وذلك أن الحامل لهم على التقدير بالمد الهشامي إنما هو تحصيل الشبع في يوم، وقد حصل ذلك.
[ ٤ / ٥٦٥ ]
وَلا يُجْزِئُ قِيمَةٌ فِي كَفَّارَةٍ، وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ
أما عدم إجزاء القيمة فقد نص في المدونة وغيرها على ذلك، وأجري في ذلك الخلاف في الزكاة.
وقوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) ظاهره أنه قيل هنا بإجزاء القيمة، كما في اليمين بالله تعالى، وفي هذا نظر؛ لأن المصنف لم يقدر القيمة تجزي في كفارة اليمين بالله، ولا يقال: إن المصنف شبه لإفادة الحكم؛ لأن المصنف لم يذكرها هنا حكمًا، والأقرب أن في هذا المحل أن يكون معنى قوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي في إجزاء الغداء والعشاء، وهو قول ابن الماجشون، كما ذكرنا، وقد يقال على بعد (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي: إذا قلنا فيه مد بمده ﷺ، فهل يزاد مثل ثلث المد أو نصفه.
* * *
[ ٤ / ٥٦٦ ]
اللعان
اللِّعَانُ: يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِزِنىً أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ، ويَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ
هي مشتقة من اللعنة التي في خامسة الزوج، ولم يسمى بالغضب، وإن كان يصدر من المرأة في الخامسة، لأن القاعدة تغليب المذكر، ولأنه لما كان لعان الرجل سابقًا وسببًا في لعانها، غلب ما يصدر منه، واللعن: البعد والطرد، ومعنى لعنه الله، أي أبعده الله من رحمته، وكانت العرب إذا تمرد الشرير منهم طردوه وأبعدوه عنهم لئلا يؤاخذوا بجرائره، وسموه لعينًا، وقول المصنف: (يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ) أي على رمي زوجته (بِزِنىً) مخرجًا لرميها بمقدمات الجماع ونحو ذلك، فإنه لا لعان في ذلك، ومخرج أيضًا حلف الزوج على زوجته في الحقوق المالية، أو غيرها، وقال: (أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ) ليدخل فيه إذا نفى الولد، بل هذه الصورة هي المقصود الأهم من اللعان.
وقوله: (ويَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ) كالمتمم لجميع صفات ماهية جميع اللعان، وأورد هذا على التعريف أنه غير جامع؛ لأن قوله: (يَمِينُ الزَّوْجِ) يخرج به لعان المطلق مع مطلقته، فإنه ليس بزوج في الحال، ولا يقال هو زوج باعتبار الماضي، لأن الإطلاق باعتبار الماضي، والاستقبال مجاز، كما قرر في أصول الفقه، وأجيب بأن هذا إنما هو إذا كان المشتق محكومًا به، كقولك: زيد مشرك، أو زان، أو قائم، أما إذا كان متعلق الحكم، كقولك: السارق يقطع، حقيقة مطلقًا، صرح بذلك جماعة من أهل الأصول. القرافي: ولو كان مجازًا، لكان قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، و﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، وشبهها مجازات، باعتبار من اتصف بهذه الصفات في زماننا لأنه مستقبل باعتبار زمان الخطاب، ويلزم حينئذٍ أن يسقط الاستدلال بها، لأن الأصل عدم التجوز، ثم أحسن التعريفات ما كان فيه إشارة إلى سبب الحكم، فذكر الزوجة مشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فكان ذكره حسنًا، ولم يوجب خللًا.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
فَيَصِحُّ مَعَ الرِّقِّ والْفِسْقِ
أتى بالفاء المشعرة بالسببية، أي فلدخول الرق والفسق تحت الزوج صح لعانهما، سواء كان الرق أو الفسق فيهما، أو في أحدهما، ونبه المصنف بهذا على خلاف أبي حنيفة، في قوله ﵀: أنه لا يصح اللعان إلا ممن تصح شهادته، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾، والجواب أنه استثناء منقطع، وهو وإن كان على خلاف الأصل، لكن يعينه قوله ﷺ في حديث هلال بن أمية: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"، ولأجل أن اللعان يمين وليس بشهادة، دخلت المرأة فيه، وليس لها مدخلًا في الشهادة على الزنا، ولأن العبد والفاسق تدعوهما الضرورة إليه، فوجب أن يباح لهما قياسًا على الحر العدل.
وَشَرْطُ الْمُلاعِنِ: أَنْ يَكُونَ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلِّفًا- فَيُلاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ والأَمَةَ والْكِتَابِيَّةَ، وكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ
احترز بالزوج من السيد، فإنه لا لعان عليه، ونقل المتيطي أنه وقع للشيخ أبي عمران في أسئلة الباجي، أن اللعان يكون مع شبهة النكاح، وإن لم تثبت الزوجية، وهذا مما يشكل به قول المصنف (زَوْجًا).
[٣٩١/أ] وقوله: (مُسْلِمًا): يخرج الكافر، فلا يصح لعانه، قال في المدونة: ولا لعان بين الكافر، فإن ترافع هو وزوجته، وتراضيا أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، فقال أبو عمران: يتلاعنان، قال: فإن نكلت المرأة، فعلى قول عيسى: ترجم، وعلى قول البغداديين، لا ترجم، لأن أنكحتهم فاسدة، وإنما يجب على من نكل منهم الحد، كالمتلاعنين قبل البناء.
[ ٤ / ٥٦٨ ]
وقوله: (مُكَلِّفًا) يخرج المجنون والصبي، وقوله: (فَيُلاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ والأَمَةَ والْكِتَابِيَّةَ) تصوره ظاهر، ويلحق بالكتابية المجوسية يسلم زوجها، ولم تسلم هي، وقوله: (وكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ) ظاهر.
والنكاح الفاسد كالصحيح
أي: في اللعان، لأنه لما كان يلحق فيه الولد، احتيج إلى اللعان لنفيه، قال في الموازية: كل نكاح يلحق فيه الولد ففيه اللعان، وإن فسخ بعد ذلك.
وَيَتَلاعَنَانِ إِنْ رَفَعَتْهُ بِقَذْفِهَا بِالزِّنَى طَوْعًا فِي نِكَاحِهِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ- كَانَ وَلَدٌ أَوْ حَمْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، نَفَاهُ، أَوِ اسْتَلْحَقَهُ
لما ذكر الملاعن وشروطه، أخذ يذكر أسباب اللعان، فبدأ بالكلام على القذف بالزنا، وشرط فيه أن ترفعه إلى الحاكم، فإن لم ترفعه فلا لعان، لأن ذلك من حقها، ثم إن لم يبلغ رميه لها الحاكم فلا كلام، وإن بلغه حد، إلا أن يلاعن، وقوله (بِالزِّنَى) يخرج ما إذا قذفها بغيره، ولا خلاف في اللعان إذا رماها بصريح الزنا، وأما إن عرَّض بذلك، فعن ابن القاسم قولان، أحدهما: أنه يلاعن، والثاني: لا، ووافقه عليه أشهب: أنه يحد ولا يلاعن، والقولان قائمان من المدونة، ففيها في اللعان: ومن قال لامرأته: وجدتها قد تجردت لرجل، وهي مضاجعة له في لحاف؛ أنه لا يلتعن بذلك إلا أن يدعي رؤية الفرج في الفرج، وإن لم تكن له بينة على ما ذكر فعليه الأدب، ولا يحد، وفي القذف منها، ومن عرَّض بالزنا لامرأته، ولم يصرح بالقذف ضرب الحد، إن لم يلتعن، وأشار عياض إلى أن الذي في كتب اللعان لا دليل فيه على انتفاء الحد، لأنه إنما أسقط الحد عن ذلك التعريض الخاص، ولا يلزم منه إسقاطه عن التعريض مطلقًا، فقال لما ذكر ما قاله في اللعان: وفي الموازية نحوه، لا لعان بينهما إلا في صريح القذف، أو تعريض يشبه القذف.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
ابن عبد السلام: وفي كلامه نظر، أما أولا فلأن الخلاف في التعريض حكاه غير واحد من الشيوخ، ولم ينسبه للمدونة، وأما ثانيًا فنفيه الحد، واستثناؤه رؤية الفرج في الفرج دليل على أن ما عدا هذه الصورة لا يلزمه فيها عنده حد، على أن في أواخر كتاب القذف: ومن قال جامعت فلانة بين فخذيها، أو في أعكانها، فعليه الحد، ثم قال: قال مالك: ولا يجب الحد إلا في قذف أو نفي أو تعريض، يرى أنه يريد به القذف، ولا تعريض أشد من هذا.
وقوله: (طَوْعًا)، احترازًا مما لو نسبها إلى استكراه، فإنها لا تلاعن إذا ثبت الغصب، أو تصادق الزوجان عليه، نعم يلاعن هو لنفي الولد، فصار الطوع شرط في تلاعنهما معًا، لا في لعانه، ولما كان المصنف يتكلم على لعانهما معًا، قيد ذلك الزنى بالطوع.
فرع:
وإذا قذف الزوج زوجته وترافعا إلى الحاكم سجنه، وحكى الباجي في سجلاته في سجنه قولين، وقوله: (فِي نِكَاحِهِ)، احتراز من الصورة التي يذكرها بإثر كلامه هذا، وهو قوله: (ولو قذفها بزنى قبل نكاحه)، وقوله: (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)، إنما لاعنها إذا رماها بالوطء في الدبر، لأنه لو كان أجنبيًا لحُدُّ في رميها بذلك، وما يُحد الأجنبي فيه يلاعن الزوج فيه.
وقوله: (كَانَ وَلَدٌ أَوْ حَمْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، نَفَاهُ، أَوِ اسْتَلْحَقَهُ)، ظاهر التصور، ووقع في بعض النسخ بإثر هذا الكلام: (وقيل إن استلحقه حد) وسيأتي.
فَلَوْ قَذَفَهَا بزِنىً قَبْلَ نِكَاحِهِ حُدَّ
قد تقدم أنه احترز عن هذه الصورة بقوله أولًا: (فِي نِكَاحِهِ).
الباجي: ولا خلاف في وجوب الحد هنا في المذهب.
[ ٤ / ٥٧٠ ]
وَيُعْتَمَدُ عَلَى يَقِينِهِ- بالرُّؤْيَةِ- وَقِيلَ: كالشهود
أي: يعتمد الملاعن في قذفه بالزنى على يقينه برؤية ذلك، وقيل كالشهود، يعني أن المشهور اعتماده على الرؤية، وإن لم يصف كالشهود، وقيل: لا يجوز له ذلك حتى يصف كالشهود، وهذا القول لمالك أيضًا في العتبية، وقد حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب الروايتين، وحكاهما الباجي وصاحب البيان وابن يونس، وقول ابن عبد السلام: الأحسن حذف الواو بين الرؤية وبين قيل، ليس بظاهر، لا يؤخذ القولان من كلام المصنف إلا بإتيانها.
وقيل عَلَى يَقِينِهِ كَالأَعْمَى عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: وقيل: إذا تحقق وقوع الزنا منها جاز اللعان، وإن لم يراها تزني، كالمشهور من القولين في الأعمى، قال في المدونة: ويلتعن الأعمى في الحمل يدعي الاستبراء في القذف، لأنه من الأزواج، فيحمل ما تحمل، ومقابل المشهور في الأعمى رواه ابن القصار، وعن مالك أنه لا يجوز اللعان إلا أن يقول: مسست الفرجين.
وَبِنَفْيِ الْوَلَدِ أَوِ الْحَمْلِ
هذا معطوف على قوله: (بقذفها بالزنا) وتقدير كلامه: ويتلاعنان إن رفعته بنفي الولد أو الحمل، ولا خلاف في ذلك.
ويُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا بَعْدَ وَضْعٍ أَوْ فِي مُدَّةٍ لا يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ لكَثْرةٍ أَوْ قِلَّة، ويُعْتَمَدُ عَلَى اجْتِمَاع الاسْتِبْرَاءِ والرُّؤْيَةِ وفي اعتماده على أحدهما روايتان
يعني: أنه يعتمد في نفي الولد أو الحمل على ثلاثة أشياء، واختلف في رابع، ومعنى اعتماده أنه يجوز له في الشرع أن ينفي الولد بذلك:
[ ٤ / ٥٧١ ]
الأول: إذا لم يطأها بعد وضع، يعني وقد طال ما بين الوضعين، بحيث لا يكون الولد الثاني من بقية الحمل الأول.
الثاني: أن يكون وطأها بعد الوضع، ولكن بين هذا الحمل والإصابة مدة لا يتأتى فيها ولد، إما لقلة الزمان لخمسة أشهر ونحوها، وإما لكثرته كخمس سنين فأكثر، وإليه أشار بقوله: (أَوْ فِي مُدَّةٍ لا يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ لِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَة).
الثالث: إذا استبرأها من وطئه ثم رآها بعد ذلك تزني، ووقع في بعض النسخ بإثر هذا الكلام: على المشهور، وهي زيادة صحيحة، فقد حكى ابن شاس وغيره عن السيوري أنه ليس له نفيه بهما، قال: وحكى الداودي عن المغيرة مثله.
وأما الرابع المختلف فيه، وإليه أشار بقوله: (وفي اعتماده إلخ)، والضمير في (أحدهما) عائد على الاستبراء والرؤية.
عياض: والمشهور أنه يعتمد على الاستبراء، والأظهر أنه لا يعتمد على أحدهما، بل ولا عليهما، لأنه إذا كانت الحامل تحيض، فكيف يصح له النفي، والقول باعتماده على مجرد الرؤية أضعف، لأن الحيض علامة ظنية على براءة الرحم، بخلاف رؤيته، فإنه لا يدل على الحمل البتة.
وقِيلَ: يُلاعِنُ لِلْقَذْفِ
يعني: أنه اختلف في قاذف زوجته القذف المطلق غير المقيد برؤية، ولا بنفي حمل، فقال ابن نافع وابن القاسم في أحد قوليه: يلاعن، وقال أكثر الرواة وابن القاسم أيضًا: يحدُّ ولا يلاعن، والقولان في المدونة، واختار بعض كبار المتأخرين الأول، لصدق آية اللعان عليه.
خليل: وقول المصنف: (وقيل) يقتضي معطوف عليه، ويقتضي أن ذلك المعطوف عليه هو المذهب، والأقرب أن يكون راجعًا إلى قوله: (ويعتمد على يقينه بالرؤية إلخ)، فإن
[ ٤ / ٥٧٢ ]
كلامه هنا يقتضي أنه لا يلاعن للقذف، ثم ذكر قولًا آخر، أنه يلاعن بمجرد القذف، من غير رؤية، ولعل المصنف شهر الأول، لما قال في المدونة أنه قول أكثر الرواة، وبه قال المخزومي وابن دينار، وهو أحد قولي ابن القاسم، لكن في الإرشاد، المشهور أنه يلاعن بمجرد القذف.
فَإِنْ أَتَتْ بولد لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ للعان وإِلا لَحِقَ بِهِ
يعني: فإنه لاعن لسبب الرؤية، ثم أتت بولد بعد اللعان، فإن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم الرؤية، لم يلحق به، وتعد كأنها بريئة الرحم يوم اللعان، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر لحق به لأن لعانه إنما كان لرؤية الزنا، خاصة لا لنفي الولد.
خليل: وفي هذه المسألة إشكال، لأنهم نفوا الولد، الذي الأصل فيه أن يكون للفراش، بأمر نادر، وهو وضع المرأة في ستة أشهر.
واخْتَلَف قَوْلُ مَالِكٍ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ إِذَا لَمْ يَدَّعِ اسِتْبَراءً فَأَلْزَمَهُ مَرَّةً ولَمْ يُلْزِمْهُ مَرَّةً، وقَالَ بِنَفْيِهِ مَرَّةً. ابْنُ الْقَاسِمِ: وأَحَبُّ إِلَيَّ أَنَّهُ لو كَانَ ظَاهِرًا يَوْمَ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ، وعَنْهُ: إِنْ أَتَتْ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ، ولا يُحَدُّ إِنْ نَفَاهُ، وقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: إِنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ لِسِتَّةٍ فَصَاعِدًا مِنَ يوم الرُّؤْيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، ولَوِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ وحُدَّ، ولأقَلَّ يَلْزَمُه
صورة هذه المسألة أن يقول: رأيتها تزني ووطئتها قبل الرؤية في اليوم أو قبله، ولم استبرأ لاعنها للرؤية، ثم أتت بولد، فهل هذا اللعان موضوع لنفي الحد ونفي الولد معًا فلا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان ثان، أو هو موضوع لنفي الحد فقط، وعدوله عن دعوى الاستبراء رضًا منه باستلحاق الولد، وليس فيه تعرض للولد فيبقى الأمر موقوفًا، فقول المصنف: ألزمه مرة، أي لم ينفه باللعان الأول، ويلحق به، وإن ولدته لستة أشهر من يوم الرؤية، إلا أن ينفيه بلعان ثان، ومقابل هذا القول القولُ الثالث، وهو قوله: (وقَالَ بِنَفْيِهِ
[ ٤ / ٥٧٣ ]
مَرَّةً)، فإن ادعاه بعد ذلك لحق به، وهذه الأقوال التي قالها الإمام مطلقة، سواء كانت حاملًا يوم الرؤية أم لا، وهذا قال في المدونة في القول الثالث، وقال بنفيه مرة، وإن كانت حاملًا، وفصل ابن القاسم، وتفصيله ظاهر، لأنه لا يلزم من لعانه لنفي الحد عنه نفي حمل ظاهر، والظاهر أنه لا يشترط الظهور، بل إنما يشترط أن تأتي بالولد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، ولو قيل أنه للأول ولو أتت به لستة أشهر- لأن الوضع في ستة أشهر نادر، والأصل إلحاق الولد بالفراش- لكان حسنًا، فإن قيل: في قول المصنف (أحب) نظر، إذ هو موضع الجزم لعظم أمر الأنساب، وإنما يقال أحب في باب العبادات، قيل: إنما حمله على ذلك اضطراب مدارك الإمام، فلم يستطع الجزم بمخالفته، والله أعلم.
وقوله: (وقَالَ الْمَخْزُومِيُّ)، نصه في المدونة: وقال المخزومي إن أقر بالحمل وادعى رؤيةً لاعن، فإن وضعت [٣٩٢/أ] لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، فالولد منه، وإن كان لستة أشهر فأكثر فهو اللعان، وإن ادعاه بعد لك لحق به ويحد.
تنبيهات:
الأول: في كلام المصنف مناقشة، فإن مقتضاه أن لابن القاسم في المسألة قولين، كل منهما مخالف لقول مالك، وليس كذلك، بل قوله: (إِنْ أَتَتْ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ)، مفسرًا لقول مالك الأول الذي قال فيه: لم يلزمه مرة، كذلك هو في المدونة وغيرها، ولفظها: قال مالك: ولا يلزمه ما أتت به من ولد.
ابن القاسم: إلا أن تأتي به لأقل من ستة أشهر، من يوم الرؤية فيلزمه، وفي المقدمات: اختلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن الولد ينفيه باللعان على كل حال، وإن ولده لأقل من ستة أشهر، وهو أحد قولي مالك في المدونة. والثاني: أنه لا ينفيه بحال، وإن ولد لأكثر من ستة أشهر، ويلحق به، وهو قول أشهب وعبد الملك. والثالث: التفرقة بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أو لأكثر منها، وهذا القول الثاني لمالك في المدونة، انتهى.
[ ٤ / ٥٧٤ ]
ولا يكون هذا القول في المدونة إلا إذا كان قول ابن القاسم تفسيرًا له، وكذلك قال غيره.
الثاني: اختلف في فهم المدونة في قوله: (أَلْزَمَهُ مَرَّةً ولَمْ يُلْزِمْهُ مَرَّةً، وقَالَ بِنَفْيِهِ مَرَّةً)، فمنهم من فهم ذلك على أنها ثلاثة أقوال كما قررنا به كلام المصنف، وفهمها ابن لبابة، وصاحب المقدمات على أنه ليس فيها إلا قولان، الأول: أن الولد منفي وإن أتت به لأقل من ستة أشهر، والثاني: الفرق بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أو لأكثر، وجعلا قوله: لم يلزمه مرة وقال بنفيه مرة، قولًا واحدًا.
التنبيه الثالث:
عياض: اختلف في قوله ف يالمدونة في القول الذي قال فيه بنفيه وإن كانت حاملًا، هل ذلك سواء عرف الحمل أو أقر به أو بشرط ألا يعلم أنها حامل، إلا بعد الوضع لأقل من ستة أشهر، فقيل: ذلك سواء علم به أو لم يعلم أقر بالولد أو لم يقر، وهو نص الموازية، وظاهر قول المخزومي في الكتاب: وأقر بالحمل، ذلك لأ، هـ لما اطلع على خيانتها صح له نفي ما كان أقر به قبل بسلامة نيته وصحة اعتقاده، وقال ابن محرز بل معنى ذلك فيمن لم يقر بالحمل ولا اعترف به حتى ظهر بعد اللعان، وأن معنى قول المغيرة: أقر بالحمل أي بالوطء، بدليل قوله بعد هذا: فإن اعترف به بعد هذا ضربته الحد، وقال شيخنا أبو الوليد: وهو بعيد.
عياض: وظاهر كلام المغيرة ما قاله ابن محرز، لقوله: فإن ولدت ما في بطنها لأقل من ستة أشهر فالولد منه، وإن ولدته لستة أشهر فلا لعان، ولو كان ظاهرًا، وهو مقر به حين اللعان لم يحتج إلى هذا التفصيل لِعِلْمنا على كل حال أنه كان قبل اللعان، وتأول ابن يونس قول المغيرة بأن معنى قوله: أقر بالحمل، أي الآن على معنى أنه أقر أنها حملت بهذا الولد ثم يعتبر إيلاده بعد الرؤية، فإن كان لأقل من ستة أشهر لزمه، وإن كان لستة أشهر فأكثر جاز أن يكون للرؤية وقد التعن لها وادعى أن هذا الولد لها، وهو قريب في المعنى من تأويل ابن محرز، فيأتي على قول المغيرة ثلاثة تأويلات، أولها: أن المراد الاعتراف بالوطء
[ ٤ / ٥٧٥ ]
لا بالحمل. الثاني: الإقرار بالحمل على ظاهره. الثالث: الاعتراف بالحمل حين الوضع لا حين اللعان، وقد حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب فيما إذا أقر بحملها، وادعى أنه رآها تزني، ثلاث روايات: إحداهن: أنه يحد ويلحق به الولد ولا يلاعن، والأخرى أنه يلاعن وينتفي عنه الولد الذي أقر به، والثالثة: أنه يلحق به الولد ويلاعن لنفي الحد عنه، ابن الجلاب: وهي الصحيح.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْوَضْعِ لأَقَلَّ: كُنْتُ اسْتَبْرَاتُ؛ ونَفَاهُ انْتَفَى بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ، فَلَوِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ به وَحُدَّ
أي: في المسألنة التي قبلها، وهي ما إذا لاعنها للرؤية، ولم يكن ذكر الاستبراء على القول بذلك، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، وقلنا أن الولد يلحق به، فإنما يلحق به بشرط أن يسكت عن الاستبراء، فإن قال الآن: كنت استبرأت قبل الرؤية وهذا الولد ليس مني؛ اكتفى باللعان الأول، وهذا قول أشهب، وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينفيه بلعان ثان، قال في المقدمات: وفي المدونة ما يدل على القولين، وقوله: فإن استلحقه، يعني فإن استلحق هذا الولد بعد أن نفاه وانتفى عنه، فهو تكذيب لنفسه، فيحد ويلحق به، وقول المصنف، لأقل، ينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كان لستة أشهر على القول بإلحاقه به.
وشَهَادَتُهُ بِالزِّنَى عَلَيْهَا كَقَذْفِه
يعني: سواء شهد وحده أم مع ثلاث. ابن الماجشون وابن أبي زمنين: وإذا شهد عليها مع ثلاثة، فيقال للزوج أولًا: التعن؛ فإن أبي حُدَّ هو والثلاثة، وإن التعن، قيل لها: التعني، فإن التعنت وتم اللعان بينهما حُدَّ الثلاثة فقط، وإن نكلت عن اللعان وجب عليها الحد، وسقط الحد عن الثلاثة، لأنه قد حق عليها ما شهدوا به بنكولها عن اللعان، وإن لم يعثر على أنه زوجها حتى رجمها الإمام، فيدرأ عن الثلاثة الحد، ويحد الزوج إلا أن
[ ٤ / ٥٧٦ ]
يلاعن، قاله مالك في الموازية، قال: ويرثها إلا أن [٣٩٢/ب] يعلم أنه تعمد الزور عليها ليقتلها، أو يقر بذلك، فلا يرثها ولا دية على الإمام، لأنه مختلف فيه، وليس بخطأ صريح كشهادة العبد والنصراني.
ابن يونس: وقاله أصبغ: إلا في الميراث، فقال: لا يرثها لأنه التعن وليس بشاهد، فلا يخرج من تهمة العامد لقتل وارثه.
والاسْتِبْرَاءُ حَيْضَةً، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وفِي اعْتِمَادِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا- عَلَى الاسْتِبْرَاءِ أَوِ الرُّؤْيَةِ- رِوَايَتَانِ
اختلف المذهب بماذا يكون الاستبراء الذي ينتفي به الحمل، وصرح الباجي وجماعة بمشهورية الأول، كما هو مقتضى كلام المصنف، والقول بالثلاث للمغيرة، وروي أيضًا عن مالك وجه الأول، أن الاستبراء هنا ليس بعدة بل لبراءة الرحم، فأشبه استبراء الأمة. ابن عبد السلام: بعد ذكر القولين، وقال ابن الماجشون إن كانت أمة فحيضة، وإن كانت حرة فثلاث، وعن المغيرة أنه لا ينفيه إلا بعد خمس سنين، وله قولان آخران كقولي مالك.
فائدة:
ليس عندنا حرة تستبرأ بحيضة إلا هنا، وليس عندنا أمة تستبرأ بثلاث إلا على قول المغيرة هنا، وفيمن ادعى سيدها وطئها فأتت بولد فنفاه، وادعى أنه كان استبرأها.
فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الاعْتِمَادَ فِي الْجميعِ فَفِي حَدَّهِ قَوْلانِ
هذا هو القذف المجرد، وقد تقدم هذا الفرع من كلام المصنف، لكن ذكره هنا لإفادة شيء لم يستفده من الأولى، لأن الأولى إنما هي باعتبار الرؤية، وقوله هنا: (فِي الْجميعِ)، أي في الرؤية ونفي الولد، ولأنه تكلم هنا على الحد، ولم يتكلم عليه فيما سبق، وقوله: (فَفِي حَدَّهِ قَوْلانِ) أي قول بأنه يحد ولا يلاعن، وقول بأنه يلاعن ولا يحد، وقد تقدم
[ ٤ / ٥٧٧ ]
القولان إذا رماها بالزنا، وكذلك اللخمي وابن يونس وصاحبالبيان القولين فيما إذا نفى الحمل نفيًا مطلقًا، وحمل ابن عبد السلام كلام المصنف على أن مراده بالقولين إذا قلنا: لا يلاعن، هل يحد أم لا؟ ثم اعترضه، وقال: الذي أعرفه أن القولين أحدهما يلاعن ولا يحد، والثاني أنه يحد ولا يلاعن، وأما أنه لا يلاعن ولا يحد مع أنه قاذف فبعيد ليس بظاهر، وليس في كلام المصنف دلالة على ما قاله.
وَاللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مَعَ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ والاسْتِبْرَاءِ، وبِالزِّنَا مَعَ الرُّؤْيَةِ كَالشُّهُودِ مُتَفِّقٌ عَلَيْهِ
لما ذكر أسباب اللعان وما فيها من الاضطراب أراد أن يبين ما اتفق عليه منه، فذكر أنه اتفق على صورتين، إحداهما: أن ينفي الولد مع دعوى الرؤية والاستبراء. والثانية: أن يرميها بالزنى ويدعي رؤية ذلك، ويصف كالشهود، زاد بعضهم: وتكون المرأة حين الرؤية غير ظاهرة الحمل، وكذلك ذكر في المدونة أن هذين الوجهين مجمع عليهما، وكذلك حكى الاتفاق فيهما اللخمي وصاحب البيان وغيرهما، ولا إشكال في الصورة الثانية، وأما الأولى فقد تقدم أن ابن شاس حكى فيها عن المغيرة والسيوري، أنه ليس له أن ينفي الولد باجتماع الرؤية والاستبراء، وقد تقدم أن هذا القول وقع التنبيه عليه في بعض نسخ ابن الحاجب، لكن حكاية الاتفاق هنا يبعد ثبوته، لأنه حينئذٍ يتناقض كلامه، وزاد جماعة في المتفق عليه ما إذا أنكر الوطء جملة، أو قال لم أطأها منذ كذا وكذا، لمدة لا يلحق فيها النسب، وزاد اللخمي أن يقول: لم تلد الولد.
فَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ- فَرِوَايَتَانِ، والأَكْثَرُ لا يَنْتَفِي إِلا بِلِعَانِهِ
هكذا ذكر القولين في المدونة وذكر أن المرأة تحد، لإقرارها بالزنا على كلتا الروايتين.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
ابن يونس: وعلى رواية الأكثر إنما يلعتن الزوج فقط، لأن المرأة إنما تلتعن لدفع حد الزنا، لا لنفي الولد، إذ لا يصح نفي ما ولدته بخلاف الزوج. قيل: والمسألة على وجهين، أحدهما: أن تقول المرأة ليس الولد منك، والثاني: أن تصدقه في الزنا، وتقول: الولد منك، وفيها ثلاثة أقوال، قيل: ينتفي بغير لعان فيهما، وقيل: لا ينتفي إلا بلعان فيهما، وقيل: بالفرق، فإن صدقته في نفي الولد انتفى بغير لعان، وإلا ففيه اللعان، والأقرب ما ذهب إليه الأكثر، لأن تصديقها للزوج في أن الولد ليس منه إقرار على الغير.
ابن رشد: فإن رجعت المرأة فأكذبت نفسها، فإن كان قبل الحكم لم يسقط نسب الولد، وعاد اللعان بينهما، فإن نكل الزوج لحق به الولد ولا يحد، لأنها مقرة، وإن رجعت بعده لم يقبل رجوعها، وقال ابن الكاتب: لا يقبل رجوعها بعد إقرارها لما تعلق الزوج بذلك من الحق.
ابن عبد السلام: وكان ينبغي أن يسقط الحد ويبقى الولد منفيًا كمن أقر بسرقة ورجع عنها، فإنه يغرم المال ولا يقطع. خليل: وقد يفرق بينهما بتشوف الشرع هنا إلى لحوق النسب.
فرع:
قال ابن القاسم في المطلق قبل البناء، وتقاررا على عدم المسيس، ثم مات الزوج وظهر بها حمل فقالت: هو منه، فالولد يلحق به، ولا ترثه هي ولا يتم لها صداقها.
محمد: لأ، ها لم تثبت على قولها، وتصديقها فيه سقوط الولد على قول من يسقطه بتصديقها، ولا حد عليها لأنها لم تقر بزنا.
محمد: والصواب أن يتم لها الصداق لأن الولد إذا لحق فقد [٣٩٣/أ]، ولو تم لها المسيس، ولو مات قبل انقضاء العدة ورثته إذا كان الطلاق واحدة رجعية.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
وَلَهُ نَفْيُهُ حَيًّا أو مَيِّتًا
أي للزوج نفي الولد حيًا أو ميتًا.
ابن عبد السلام: لا خلاف أعلمه في ذلك، قال في المدونة: وإن ولدت ولدًا ميتًا أو مات بعد الولادة، ولم يعلم به الزوج لغيبة أو غيرها، ثم نفاه إذا علم به، فإنه يلاعن، لأنه قاذف، وعلى هذا ففائدة اللعان بعد موته سقوط الحد عن الزوج.
ولو اسْتَلْحَقَهُ مَيِّتًا لحق وحُدَّ، وقِيلَ: إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ
ظاهر قوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ)، أن الخلاف في الحد، ولا خلاف في حده، وإنما الخلاف في الإرث، ومذهب المدونة أنه يرث إن كان للولد الميت ولد، لا إن لم يكن، ففيها: ومن نفى ولدًا بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال، فإن كان لولده ولد طرب الحد ولحق به، وإن لم يترك ولدًا لم يقبل قوله، لأنه يتهم في ميراثه، ويحد ولا يرثه، ودليل المدونة أنه يرث مع الولد السدس، وقد قال ذلك فيمن شهد في وصية له فيها نصيب يسير أن شهادته جائزة، وقال أشهب: لا شيء له، حكاه عنه البرقي وغيره، واختاره ابن القصار، وعلى هذا فلا خلاف في ثبوت الحد وسقوط الميراث، إذا لم يكن للميت ولد، واختلف في الإرث إذا كان له ولد، لكن قيد فضل عدم إرثه إذا لم يكن للميت ولد، بما إذا كان المال كثيرًا، وأما إذا كان يسيرًا فإنه يرثه، فقيل لابن القاسم: فإن لم يكن له مال ولا ولد، قال أصبغ: فرأيته لا يرى أن يلحق به، ورآه شيئًا واحدًا إذا لم يترك ولدًا.
أصبغ: إذا لم يترك ولدًا لم يلحق، وإن استلحقه، كان له مال أو لم يكن، وإنما يلحق به إذا كان له ولد، فيقع الإقرار على النسب.
أشهب: ولو كان الولد عبدًا أو نصرانيًا صدق ولحق به.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
أبو إسحاق: لم يتهمه إن كان له ولد، وإن كان يرث معه السدس، فكذلك العبد والنصراني وإن كانا لا يرثاه. خليل: والذي ينبغي أن تتبع التهمة، فقد يكون السدس كثيرًا، فينبغي ألا يرثه، ولو كان للميت ولد، وقد يكون المال كله يسيرًا، فينبغي أن يرثه، وإن لم يكن له ولد.
ويَكْفِي فِي الأَوْلادِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِعَانٌ وَاحِدٌ
يعني: إذا ولدت أولادًا عدة، واحدًا بعد واحد، وكان الزوج غائبًا، ثم قدم ونفى الجميع، فإنه يكفيه لعان واحد، كمن قذف امرأته بالزنا في مرات متعددة، فإنه يكفيه لعان واحد.
فرعان:
الأول: إذا قدم من سفره فوجد ولدًا فنفاه، فذلك على ضربين، أحدهما: أن يقول: لم تلديه، والثاني: أن يقول: ولدتيه ولكن ليس مني، فأما الأول، فهو أن ينكر أن تكون ولدته جملة، فقال الباجي: قال ابن القاسم في الموازية: هو منه إلا أن ينفيه بلعان، وقال أشهب: المرأة مصدقة ولا لعان فيه، إلا أن يقصد بذلك نفي الولد منه، فيلاعن.
ابن القاسم: فإن نكل بعد أن نفاه على هذا الوجه، ولم يلاعن لم يحد، وأما الوجه الثاني فإنه لا ينفيه إلا بلعان.
الثاني: قال في المقدمات: واختلف فيمن قذف أربع نسوة في كلمة واحدة، فقال الأبهري: لست أعرفها منصوصة، والذي يجيء على مذهبنا أن يلاعن لكل واحدة، لأن اللعان بمنزلة الشهادة، ولو أتى بالشهود لزم أن تعتبر الشهادة على كل واحدة بانفرادها، ويحتمل أن يجزيه لعان واحد، كما لو قذف جماعةب كلمة واحدة، وكما لو ظاهر منهن، فإنه تكفيه كفارة واحدة، وحكي عن إسماعيل القاضي ما يؤخذ منه الاكتفاء بلعان واحد، وقال اللخمي: وقال محمد فيمن قذف امرأتيه، فقامت عليه إحداهما، فقال كذبت عليك، جلد الحد، ثم قامت الأخرى فلا حد عليه، لأن ذلك الضرب لكل من قذف قبل ذلك، فإن قال لها بعد أن ضرب: قد صدقت عليك، أو على صاحبتك، كان عليه
[ ٤ / ٥٨١ ]
الحد، إلا أن يلاعن، وسواء قال ذلك لمن قامت عليه أم لا، هذا قول ابن القاسم، وقال عبد الملك: يحد للأولى، ولا لعان له فيها، لأنه قذف ثان قد أكذب نفسه فيه.
محمد: ولو قال للثانية: أما أنت فقد صدقت عليك، وكذبت على صاحبتك، لا عن الثانية، وقول ابن القاسم هنا، أنه يلاعن الأولى إذا رجع بعد أن كذب نفسه، خلاف المعروف من المذهب، وخلاف الأصول، انتهى.
وكَذَلِكَ فِي الزِّنَا والْوَلَدِ جَمِيعًا
يعني: إذا قال: هذا الولد ما هو مني، وزنيت قبل الحمل أو بعده، فإنه يكفي فيهما أيضًا لعان واحد، لأن حاصل قوله راجع إلى قذف المرأة بالزنا مرات، وكما اكتفي لذلك الحد الواحد، كذلك اكتفى بلعان واحد.
ومَنَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْحَمْلِ لِجَوَازِ انْفِشَاشِهِ، ورُدَّ بأَنَّ الْعَجْلانِيَّ وغَيْرَهُ لاعَنَ فِي الْحَمْلِ لِظُهُورِهِ كإيجاب النَّفَقَةِ والرَّدِّ بِالْعَيْبِ
يعني: اختلف فيمن نفى حملًا ظاهرًا، فالمشهور أنه يعجل كما يقضي للمطلقة بنفقة الحمل، إذا ظهر حملها، وكما يجب الرد للمشتري إذا اشترى جارية وظهر حملها، ولا يؤخر فيهما إلى الوضع، ومنع عبد الملك اللعان قبل الوضع خشية أن ينفش، ورواه عن مالك، والفرق على قوله بين اللعان، وما ذكر أن اللعان تترتب عليه أمور عظام عظام من فسخ النكاح والحرمة على التأبيد ووجوب الحد، واستدل [٣٩٣/ب] محمد للمشهور بأ، قال: السنة أن يلاعنها حاملًا، وقد لاعن النبي ﷺ في عويمر وامرأته حامل، وإلى هذا أشار بقوله: (ورُدَّ بأَنَّ الْعَجْلانِيَّ وغَيْرَهُ لاعَنَ فِي الْحَمْلِ).
اللخمي وغيره: وليس هذا الرد بالبين، لأن عويمر أو هلال بن أمية لم يكن سبب لعانهما إنكار الحمل، وإنما كان السبب في لعانهما الرؤية، نعم كانت امرأة العجلاني حاملًا لقوله ﷺ: "إن جاءت به على وجه كذا وإلا فقد كذب عليها".
اللخمي: والخلاف إنما هو إذا لم تكن رؤية، أو كانت ولم تقع بقذفها.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
وَلو انْفَشَّ الْحَمْلُ لَمْ تَحِلَّ أَبَدًا إِذْ لَعَلَّها أَسْقَطَتْهُ وكَتَمَتْهُ
هذه المسألة وقعت هنا في أكثر النسخ، وسقطت من بعضها، وتصورها ظاهر، وقوله: (إِذْ لَعَلَّها أَسْقَطَتْهُ وكَتَمَتْهُ)، نحوه في المدونة، وتقديره أن التحريم على التأبيد ثابت لحصول سببه، وهو اللعان، ورافعه هو انفشاش الحمل مشكوك فيه، لاحتمال أن تكون أسقطته وكتمته، فلا يؤثر هذا الشك في ذلك المحقق، وظاهره وهو الذي صرح به ابن عبد الحكم، أنه لو تحقق أنه انفش بحيث لا يشك في ذلك، مثل أن تلازمها بينة ولا تفارقها إلى انقضاء أمد الحمل، أن ترد إليه لزوال الشك، قيل: وقول ابن عبد الحكم تفسير للمدونة، وقال الباجي: إذا قلنا برواية ابن القاسم أنه يلاعن بظهور الحمل، فتلاعنا، ثم انفش الحمل، لم يحد الزوج، ولم تحل له أبدًا، قاله ابن المواز، ووجه ذلك أن حكم اللعان قد ثبت بينهما، فلا يزول بما يتبين من الكذب، كما لو أقر الزوج بالحمل، وفهمه ابن عبد السلام على أنه خلاف للأول، وقال: الأول عندي أولى لأنه أوفق لقول مالك؛ إن أراد الباجي بقوله تفسير قول مالك، وفيه نظر، ويمكن ألا يكون ما قاله الباجي مخالفًا لما قاله ابن عبد الحكم.
ولا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَزْلٍ
لمَّا قدم ما يعتمد عليه في نفي الحمل، أخذ يتكلم هنا فيما يتوهم أنه مانعًا وليس بمانع، أي لا يجوز له أن يعتمد في نفي الحمل على عزل، لأنه قد يبسقه الماء ولا يشعر به.
ابن عبد السلام: وأشار بعض الشيوخ إلى اعتباره في الإماء.
ولا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ ولو بالسَّوَادِ
لما في الصحيح عن أبي هريرة أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: إن امرأتي قد ولدت غلامًا أسود، وإني قد أنكرته، فقال له النبي ﷺ: "هل لك من إبل؟
[ ٤ / ٥٨٣ ]
فقال: نعم، فقال: ما لونها؟ فقال: أحمر، فقال: هل فيها من أورق؟ فقال: نعم؛ فقال له النبي ﷺ: فأنى هو يكن؟ فقال: لعله يكون نزعه عرق، فقال رسول الله ﷺ: وهذا لعله يكون قد نزعه عرق" زاد البخاري: ولم يرخص له في الانتفاء منه.
ابن عبد السلام: ففهم الأئمة من هذا الحديث أن الأشباه لا يعتمد عليها، وأراد اللخمي أن يسلك بذلك مسلك التعليل، وزاد: فألزم عكس العلة، فقال: ولو كان الأبوان أسودان قدما من الحبشة، فولدت أبيض، فانظر هل ينفيه بذلك، لأنه لا يظن أنه كان في آبائه أبيض، أي لأنه لا يمكن أن يقال هنا، لعله عرق نزعه.
ولا عَلَى الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ إِنْ أنزَلَ
لاحتمال أن يكون وصل من مائه شيء إلى الفرج، قالوا: وكذلك الوطء في الدبر، واستشكل الباجي هذا، فقال: يبعد عندي أن يلحق الولد من الوطء في غير الفرج، ولو صح هذا لما جاز أن تحد امرأة يظهر بها حمل ولا زوج لها، لاحتمال أن يكون من وطءٍ في غير الفرج.
ولا وَطءٍ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ إِنْ كَانَ أَنْزَلَ قَبْلَهُ ولَمْ يَبُلْ
أي لاحتمال أن يكون بقي من الماء شيء، في قناة الذكر، ولهذا إذا بال جاز له الاعتماد، لأنه لا يبقى شيء بعد البول.
ويُلاعِنُ الأَخْرَسُ بِالإِشَارَةِ والْكِتَابَةِ إِنْ فُهِمَ
كما يصح بيعه وشراؤه ونكاحه وطلاقه، والزوجة الخرساء كذلك، في العتبية، في المرأة الصماء البكماء، يقذفها زوجها، أنها تلاعن بما يفهم منها بالإشارة.
[ ٤ / ٥٨٤ ]
ويلاعِنُ الأَعْمَى فِي نَفْيِ الْوَلَدِ وفِي الْقَذْفِ
لا إشكال في ملاعنته في نفي الولد، وأما القذف فملاعنته فيه متفق عليها من حيث الجملة، لكن هل يعتمد على يقينه أو لا يعتمد إلا على مسيس الفرجين؟ قولان قد تقدما.
أَمَّا إِذَا تَبَيَّنَ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُ- بِأَنْ نَكَحَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ وَطْءٍ، أَوْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ، أَوْ هُوَ صَبِيٍّ صَغِيرٌ حِينَ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ مَجْبُوب- فَلا لِعَانَ
صورة ذلك أن يعقد المشرقي وهو في المشرق النكاح على امرأة مغربية وهي بالمغرب، ويتولى عقد النكاح بينهما إما أبوها وهي بكر أو وكيلها وهي ثيب، وخالفنا في ذلك أبو حنيفة، فألحق الولد، وتمسك بعمووم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وبقوله ﵊: "الولد للفراش" وخصص أهل المذهب الآية والحديث، بما إذا كان الوطء ممكنًا في العادة، وقوله (أقرب)، وقوله: (أَوْ كان لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ) تقديره: أو كان الولد الذي أتت به غير السقط، لأقل من ستة أشهر من حين العقد، ينتفي بغير لعان، لأنه لا يمكن أن تضع لأقل من ستة أشهر، وقوله: أو هو صغير أو مجبوب [٣٩٤/أ]، أي فينتفي الولد أيضًا عنهما بغير لعان لعدم إمكان الحمل فيهما في العادة.
فَإِنْ نَسَبَهَا إِلَى اسْتِكْرَاهٍ أَوْ وَطْءٍ شُبْهَةٍ لاعَنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ ولَمْ تُلاعِنْ هِيَ إِذَا ظَهَرَ الْغَصْبُ
نحوه في الجواهر، ولفظه: فلو نسبها إلى زنى هي مستكرهة فيه، التعن هو لنفي الولد، ولم تلتعن هي إذا ظهر الغصب، إذ يمكن أن يكون منه، قال ابن عبد السلام: ظاهر هذا الكلام أنه لا يلاعن إلا إذا كان عن الغصب حمل، أو كان يخشى ذلك، فإن فقدا فلا لعان، وظاهر الروايات خلافه، ففي المدونة: إذا قذفها وقد كانت وطئت غصبًا
[ ٤ / ٥٨٥ ]
التعن، قال غيره: وإن قذفها برؤية غير الغصب تلاعنا جميعًا، فأما إن غصبت واستمرت حاملًا، ونفى الولد لم ينتف الولد إلا بلعان، ولا تلاعن هي، إذ تقول: إن لم يكن منك فمن الغاصب. ابن عبد السلام: فلم يتعرض ابن القاسم إلى الولد بوجه، مع أنه أثبت اللعان، واختلف الشيوخ في كلام غيره، هل هو تفسير أو خلاف؟ والأقرب أنه تفسير، وأن ابن القاسم تكلم على ما إذا لم يظهر حمل عن ذلك الغصب، وتكلم غيره على ما إذا ظهر، واعلم أن المسألة على صورتين:
إحداهما: أن يظهر الغصب أو يثبت، وهذه هي التي تكلم عليها المصنف.
اللخمي: وإذا ثبت الاغتصاب ببينة، كان كثبوت الزناء، فيختلف إن قال: ليس مني، وقد كنت استبرأتها؛ هل ينفيه بلعان أو بغيره؟ واختلف قول ابن القاسم إذا كذبته وقالت: هو منه، وإذا كان الحكم لا ينتفي إلا بلعان، فإن اللعان على الزوج وحده، فإن نكل لم يحد، وإن لاعن لم يكن عليها لعان، لأنها تقول: يمكن أن يكون من الغاصب، وأرى ألا ينتفي إلا بلعان، لاتفاقهم إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية، أنه لا ينتفي إلا بلعان، وإن كان لا حد عليه في قذفها.
الصورة الثانية: ألا يثبت الغصب ولا يظهر، وهي أيضًا تنقسم إلى صورتين، الأولى أن تصدقه، والثانية أن تنكر الوطء جلمة، فإن صدقته لم ينفه إلا بلعان، وتلاعن أيضًا هي. ابن المواز وابن عبد الحكم: وتقول: ما زنيت، ولقد غلبت على نفسي، وكذلك قال ابن القاسم، وتقول: بالله إني لمن الصادقين ما أطعت، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين. محمد: ويفرق بينهما، فإن نكلت رجمت.
اللخمي: ولا نعلم لرجمها وجهًا، لأن الزوج لم يثبت عليها في لعانه زنى، وإنما أثبت غصبًا، فلا لعان عليها، كما لو أثبتت البينة الغصب، ولو لاعنته لم يفرق بينهما، لأنها إنما أثبتت بالتعانها الغصب، وقد صدقها الزوج، ولها أن تقول في الأربع: أشهد بالله إنه لمن
[ ٤ / ٥٨٦ ]
الصادقين، ولقد صدق، وهذا خارج عما ورد في القرآن مما يوجب الحد بنكولها، أو يوجب الفراق إن نكلت، فإن قيل: لم قال ابن القاسم فيما إذا تصادق الزوجان على الغصب أن الولد لا ينتفي إلا بلعان، بخلاف ما إذا تصادقا على الزنا؟ فالجواب أن الزانية لما كانت تحد لإقرارها بالزنى انتفت عنها التهمة، بخلاف التي أقرت بالغصب، فإنه لا حد عليها، فلم تصدق في رفع النسب، قاله صاحب النكت، وأما الصورة الثانية، وهي إذا ادعى الغصب وأنكرته هي، فقال اللخمي: على قول محمد يلتعنان جميعًا، قال: والصواب إذا التعن ألاَّ لعان عليها، لأن الزوج إنما أثبت في التعانه أنه اغتصابًا.
فرعان:
الأول: إذا نكل الزوج عن اللعان مع ثبوت الغصب بالبينة، وتصادقا عليه، لم يحد، وكذلك إن ادعاه وأنكرته، لأن محمل قول الزوج محمل الشهادة، لا محمل التعريض، قاله محمد وغيره.
الثاني: إذا قالت: كنت مغتصبة، وقال: بل كنت طائعة؛ وهي مقرة بالوطء، مدعية للغصب. اللخمي: فعلى قول ابن القاسم، تحد، ولا لعان على الزوج، وعلى قول أشهب، لا تؤخذ بغير ما أقرت به، ويلتعن الزوج، فإن نكل لم يحد، للاختلاف.
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا لاعَنَ هُوَ دُونَهَا
أي: كانت الصغيرة المطيقة للوطء، لا يخشى منها الحمل، فقال ابن القاسم: يلاعن وإن نكل حُدَّ، ولا لعان عليها، لأنها لو أقرت بالزنى لم تحد، وهو جار على المشهور أن من قذف صبية غير بالغة يمكن وطؤها يحد، وقال ابن الماجشون: لا حد على من قذف من لم تبلغ من الإناث، فعلى هذا لا يلاعن ولا يحد، وخرج اللخمي ثالثًا، أنه يحد ولا يلاعن من أحد قولي مالك أن اللعان إنما يكون لنفي الحمل خاصة.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
وأما إن كانت في سن من يحمل فله أن يلاعن بالاتفاق إن ادعى رؤية، وهل يجب؟ فعلى المشهور يجب، وعلى قول ابن الماجشون لا يجب، وإذا التعن وقف أمرها، فإن ظهر حمل لم يلحق به، ووجب عليها اللعان، لأن الحمل لا يصح إلا من بالغ، وظهوره يبين أنها كانت بالغًا يوم وطئت، فإن نكلت حدت حد البكر، لإمكان أن يكون بلوغها بعد إصابة الزوج وقبل الإصابة التي رماها به، ولو لم تقم هي بقذفها حتى ظهر الحمل، وجب عليها اللعان [٣٩٤/ب] باتفاق، فإن نكل حد لأنه قاذف لبالغ، ولحق به الولد، وإن وجب عليها اللعان، ونكلت حدت حد البكر، وإن كانت ممن قعدت عن الحيض وادعى رؤية، تلاعنا على قول ابن القاسم، وأحد قولي مالك، وعلى أن اللعان لنفي الحمل خاصة يحد الزوج.
وشَرْطُهُ فِي الْوَلَدِ أَنْ لا يَطَأَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ أَوِ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ أَوِ الْحَمْلِ وأَنْ لا يُؤَخِّرَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ أَوِ الْحَمْلِ
أي: وشرط اللعان في نفي الولد ألا يطأها بعد الرؤية والعلم بالوضع أو الحمل، لأن وطئها رضىً منه بالبقاء، والنفوس لا تطيق الكتمان في مثل هذا، فإذا سكت دل ذلك على أن الولد منه.
وقوله: (وأَنْ لا يُؤَخِّرَ) وشرطه إذا علم بالوضع أو الحمل ألا يؤخر رفعها، فإن أخر ذلك، قال في المدونة: يومًا أو يومين لم ينفعه نفيه، ويلحق به، وتبقى له زوجة مسلمة كانت أو كتابية، ويحد للحرة المسلمة، ولا يحد للأمة ولا الكتابية، قال فيها: وأما إن قدم من سفر فله أن ينفي الحمل، وإن كان ظاهرًا، وقيد عبد الوهاب ذلك بما إذا لم يكن له عذر، وأما إن كان له عذر في ترك الإنكار اليوم واليومين، يريد أو أكثر فلا يدل ذلك على الرضا، وهو ظاهر، وخالف في ذلك ابن القصار، فقال: إذا أخر ذلك حتى وضعت، وقال: رجوت أن يكون ذلك ريحًا فأستريح منه، فله ذلك، إلا أن يجاوز ثلاثة أيام بعد الوضع، أو يظهر منه ما يدل على الرضى، مثل أن يقبل التهنئة قبل الثلاث، وقيد المصنف
[ ٤ / ٥٨٨ ]
الشرط بالولد، لأن بعضهم حكى في الرؤية إذا لم يكن عنها حمل، أن السكوت الطويل لا يمنع من اللعان، وإنما يمنع منه الوطء، وروى محمد وابن حبيب عن ابن الماجشون، أنه إذا ادعى رؤية قديمة، ثم قام بها الآن، ألا يقبل قوله، ويحد لأن سكوته حين رؤيته دليل على كذبه، وذكر ابن شعبان أنه إذا لم يقم حين رآها يحد، وإطلاق المصنف الشرط على هذا، هو اصطلاح الفقهاء، لأنهم يرون كل ما يوقف عليه الشرط يسمى شرطًا، وغلا فأهل الأصول يرون مثل هذا مانعًا، ويقولون كل ما يشترط عدمه، فوجوده مانع.
وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ- وقَالَ مُحَمَّدٌ: يَزِيدُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ- لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي، وقِيلَ: ويَصِفُ كَالشُّهُودِ، وقِيلَ: يَكْفِي لَزَنَتْ عَلَى الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ
أي: وصفة اللعان أن يشهد الرجل أربع مرات، فيقول: أشهد بالله، وقيل: يجوز أن يقول: أقسم بالله، وأشهد بعلم الله، وقال بعضهم: ويجزئ بعزة الله، وإذا أجازه بالصفة، فأحرى بأسمائه تعالى. المازري: والمنصوص أنه لا يجزئ في أسمائه إلا بالله، وزاد محمد بعد قوله: أشهد بالله: الذي لا إله إلا هو، وزاد ابن كنانة في ال مجموعة على زيادة محمد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، قال في المجموعة: يقول ذلك في اللعان وفي القاسمة وفي ربع دينار فصاعدًا، وعن أشهب إن لم يزد: الذي لا إله إلا هو لا يجزئه ذلك.
وقوله: (لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي إلخ)، على القول بأنه يعتمد على مطلق الرؤية، ويقول في يمينه: أشهد بالله لرأيتها تزني، وعلى القول بأنه لا يعتمد إلا على الوصف، كالشهود، يقول: رأيتها تزني، يلج فرج الرجل في فرجها، كالمرود في المكحلة، وعلى القول بأنه يعتمد على يقينه كالأعمى، يقول في يمينه: أشهد بالله لزنت، وهذا معنى قوله: على الخلاف المتقدم، وظاهر كلام المصنف أنه اختلف ابتداء، هل يزيد: الذي لا إله إلا هو، وظاهر ما حكاه غيره، أنه يقوله، وإنما الخلاف إذا تركه.
[ ٤ / ٥٨٩ ]
خليل: وفيه نظر، وقد ذكر المتيطي وابن شاس القولين كالمصنف.
ابن عبد السلام: وسكت المؤلف هل يقول مع كل مرة إني لمن الصادقين، وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنه يقول في كل مرة، أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني، وهذا أسعد بظاهر الآية.
وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ: لَزَنَتْ أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ كَالأَوَّلِ، ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
أي: ويقول الرجل في نفي الحمل: لزنت، وهذا مذهب المدونة، وقوله: (أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي)، هو قول محمد، واستحب في الموازية والعتبية، أن يزيد بعد قوله: ما هذا الحمل مني، لزنت كالمرود في المكحلة، وقوله: (وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ) هذا القول نقله ابن شعبان، فقال: وقال بعض أصحابنا: ويقول: لقد استبرأت.
اللخمي: وأرى أن يكون اللعان مبنيًا على الوجه الذي ينفي به ذلك الولد، فيثبت ذلك في لعانه، وقد اختلف في الوجه الذي به يكون النفي، هل الاستبراء بانفراده أو الرؤية بانفراده، أو بمجموع ذلك؟ فمن أجاز نفيه بالاستبراء فقط أثبت في لعانه الاستبراء، وعلى الرؤية يثبتها فقط، وعلى القول بأنه لا بد من الجميع يثبت الجميع في لعانه، قوله: (الأولى) سقط هذا من بعض النسخ، وثبت في نسخة ابن عبد السلام، فقال: ومراده كالصورة الأولى التي فوق هذه، ووقع في أكثر النسخ كالأول، أي كالفرع الأول، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر الاستبراء، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر معتمده في الرؤية، فكذلك هنا لابد أن يذكر الاستبراء، وانظر مذهب المدونة بأنه لا يلزم من قوله: زنت، أن يكون الحمل من غيره [٣٩٥/أ].
قوله: (ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هو نص الآية، وأتى المصنف بـ (أَنَّ) تبعًا للآية الكريمة، والمدونة، وفي الجلاب والكافي: لعنة الله عليه من غير (أن)، وعلى هذا فلا يكون ذكر أن واجبًا، ولكن ينبغي أن يكون أولى.
[ ٤ / ٥٩٠ ]
وتَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ باللهِ مَا رَأَىنِي أَزْنِي، أَوْ مَا زَنَيْتُ أَوْ لَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ، فِي نَفْيِ الْحَمْلِ: مَا زَنَيْتُ- لِلأَوَّلِ- وإِنَّهُ مِنْهُ- وَقِيلَ وتَعْكِسُ- ولَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ؛ وفِي الْخَامِسَةِ: أَن غَضبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ
أي: وتقول المرأة في القذف أربع مرات: أشهد بالله ما رآني أزني.
(لِلأَوَّلِ)، أي القول الأول، وهو مذهب المدونة الذي تقدم، أعني قوله: (لرأيتها تزني)، وقوله: (مَا زَنَيْتُ)، هذا على القول بأنه يكتفي بقوله: (لزنت).
وقوله: (وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ) أي وتقول في نفي الحمل: (مَا زَنَيْتُ)، على مذهب المدونة (وإِنَّهُ مِنْهُ) على قول ابن المواز.
قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أي وقيل: يفتقر الرجل للجميع وتعكس المرأة، وذلك أنه قدم أنه يكتفى على المشهور بقوله: لزنيت، وأنه يكتفى على قول محمد، بـ (ما هذا الحمل مني)، وهذا القول يرى أنه لا بد منهما، وهو لأصبغ، ونصه على نقل اللخمي: وقال أصبغ: يقول أشهد بالله لزنت، وما هذا الحمل مني، وتقول هي: مازنيت وإنه لمنه، ويمكن أن يكون قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أن ذلك خاص بالمرأة، ويكون التقدير، وقيل تفتقر المرأة للجميع وتعكس، وذلك أنه قدم أنها تقول على مذهب المدونة: ما زنيت، وعلى قول محمد: (وإنه منه) أي وقيل على كلا القولين لابد أن تثبت مجموع اللفظين، لأنه إذا قال: زنت، لزم منه نفي الحمل، وإذا قال، على قول محمد، ما هذا الحمل مني، لزم منه الزنا، فترد ما ادعاه عليها تصريحًا والتزامًا، غير أنها تقدم في لفظها ما ذكره تصريحًا، فإذا قال على مذهب المدونة: لزنت؛ تقول هي: ما زنيت وإنه منه، وإن قال على مذهب محمد: ما هو مني؛ تقول هي: إنه منه، وما زنيت، فيكون، وتعكس على هذا التقدير، ما كان مؤخرًا على القول الآخر، ولم أر نقلًا يساعد هذا الوجه، فليعتمد على
[ ٤ / ٥٩١ ]
الأول، وقوله: (ولقد كذب للجميع) أي لجميع الأقوال، أي سواء قال: لزنت وما هذا الحمل مني، أو ذكرهما.
قوله: (وفِي الْخَامِسَةِ)، تصوره ظاهر ويقول الرجل: أن لعنة الله، متصلة بيمينه الخامسة، وكذلك المرأة، ولا يفرد اللعنة بيمين لئلا يحلف ستة، قاله ابن القاسم.
ويَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ واللَّعْنِ والْغَضَبِ بَعْدَهَا
يعني: يتعين أن يقول كل واحد منهما: أشهد، ولا يجزئ أحلف ولا أقسم على المشهور كما تقدم، ويتعين اللعن في حق الرجل والغضب في حق المرأة، هكذا قال عبد الوهاب في شرح الرسالة، أن النظر يقتضي ألا يجزئ إذا بدل اللعنة بالغضب، وبالعكس.
أصبغ: وإن قال في الخامسة مكان (إن كنت من الكاذبين)، (إن كنت كذبتهأ)، أجزأه، وإن قالت المرأة في الخامسة، مكان إن كان من الصادقين: إنه لمن الكاذبين أجزأها، وأحب إلينا لفظ القرآن. الباجي: فأشار إلى أن لفظ اللعان غير متعين إلا أن لفظ القرآن أفضل، وظاهر قول ابن وهب في الموازية أنه يتعين بلفظ القرآن.
ابن عبد السلام: وأشار بعض أهل المعاني إلى أن الغضب أشد، فعلى هذا إن أبدلت المرأة الغضب باللعنة لم يجزها، وأعادت الخامسة على سنتها، وإن أبدل الرجل أجزأه، فإن قلت: لم اختص الرجل باللعنة واختصت المرأة بالغضب، قيل لأن قاعدة الشرع المجازاة على الفعل من جنسه، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ إلى آخرها، وما ورد في الحديث: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" "ومن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" "ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق" لأن الحلف بغير الله يتضمن تعظيمه، فكانت كفارته التوحيد، وقد قصد إخراج مال في غير وجه، فكانت كفارته أن يخرج مالًا في وجهه، ولما كان الزوج مبعدًا لزوجته ونسبه، ناسب أن
[ ٤ / ٥٩٢ ]
يذكر اللعنة، ولما كانت المرأة مغضبة لزوجها ووليها وأهلها، ناسب أن تذكر الغضب، والله أعلم.
فَلَوْ بَدَأَتِ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُعَادُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُعَادُ
لا خلاف أن الرجل يبدأ باللعان، وهو الذي دلت عليه الآية، ووقع في حديث عويمر، وذكر عبد الوهاب أن المذهب فيها إذا أخطأ، وقدم المرأة إعادتها، ونقل ابن الكاتب واللخمي وصاحب البيان عن ابن القاسم وأشهب مثل ما نقله المؤلف، وجعل في البيان منشأ الخلاف، هل تقديم الرجل واجب أم لا، وقاس أشهب عدم الإجزاء على ما إذا حلف الطالب قبل نكول المطلوب، فإنه لا يجزئ، واختار ابن الكاتب واللخمي قول أشهب، قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا حلفت المرأة أولًا كما يحلف الرجل، لا على تكذيب أيمانه، فقالت: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما زنيت، وأن حملي هذا منه، وقالت في الخامسة، غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، فها هنا قال ابن القاسم: يلتعن الرجل فيقول: أشهد بالله إنها لمن الكاذبين، ولقد زنت وما هذا الحمل مني، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه [٣٩٥/ب] إن كانت من الصادقين، وأما إن حلفت المرأة أولًا، فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلا خلاف بين ابن القاسم وأشهب في إعادة المرأة، لأنها حلفت على تكذيب أيمان الزوج، وهو لم يتقدم له يمين، انتهى.
فإن قلت: لم خولفت القاعة في اليمين هنا وفي القسامة، لأن الزوج وأولياء المقتول مدَّعون، والقاعدة إنما يحلف أولًا المدَّعى عليه؟ قيل: أما الملتعن فإنه مدع ومدعى عليه، ولذلك يحلف هو والمرأة، وبدئ باليمين لأنه لما قذفها طالبته بحقها، احتاج لذلك أن يحلف، إذا صار مدعى عليه الحد، وأما أولياء المقتول فإنهم مدعى عليهم حكمًا، وإن
[ ٤ / ٥٩٣ ]
كانوا مدعين في الصورة، فإن المدعى عليه من ترجح قوله بمعهود أو أصل، وهم كذلك ترجح قولهم باللوث، والله أعلم.
ويَجِبُ فِي أَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ
نحوه في الجواهر، وكذلك قال الباجي وابن راشد: إن التغليظ بالمكان شرط، لأنها يمين فيما له بال تحتاج إلى التغليظ، فكان من شرطها أن تغلظ بالمكان كاليمين في الحقوق، وعليه جماعة العلماء، هذا نص كلامهما، وهو مقتضى كلام عياض وغيره، وقال ابن عبد السلام: ليس هذا واجب، بل أولى، وعبارة المتقدمين كما في المدونة: ويلتعن في المسجد، ولم يشترط عبد الملك المسجد، بل قال: يكون عند الإمام أو في المسجد عن أمر الإمام. خليل: وفيه نظر لما ذكرناه عن الباجي وغيره.
وبِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ
لقول سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ، لكن إنما يتم الاستدلال بهذا الحديث أن لو ثبت أنه ﵊ أحضرهم، أما إن كان حضورهم اتفاقيًا فلا، وأما أن أقل العدد أربعة، فلاحتمال نكول الزوجة الموجب للحد، أو إقرارها فلا يتم الحكم إلا بأربعة شهداء، على أحد القولين عندنا.
وفِي إِثْرِ صَلاةٍ قَوْلانِ، عَنْ مَالِكٍ: بَعْدَ الْعَصْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ
اختلف قوله في المدونة في ذكر الوقت في هذه المسألة، فنفاه في باب الأقضية، وقال في اللعان: عند الإمام دبر الصلاة، واختلف هل هو اختلاف قول أو أراد بالنفي الصلاة المعينة، وبالإثبات الصلاة غير المعينة، ووقع لمالك في الموازية: هو جائز في كل وقت.
الباجي: والتغليظ بالوقت، أي في كونه بإثر صلاة مستحب، وقال ابن الماجشون: لا يكون إلا بإثر صلاة، وكأنه جعل ذلك شرطًا كالمكان، وإذا قلنا بإثر صلاة فمقتضى
[ ٤ / ٥٩٤ ]
كلامه في المدونة في اللعان عدم التعيين، وكذلك قال في غير المدونة عن مالك، بإثر مكتوبة أحب إليَّ، قال: وكذلك عندنا بإثر العصر، وليس بسنة، وقال ابن شعبان: بإثر العصر والصبح، وقيل بعد الظهر أو العصر، وقال سحنون: بعد العصر سنة، واستحسنه جماعة لما في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﵊: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم، رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخطه، ورجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت فيها كذا وكذا فصدقه".
عياض: وسنة اللعان أن يكون مشهورًا بحضرة الناس، وحضرة الإمام، أو من يستنيبه لذلك من الحكام، قال: وهذا إجماع أنه لا يكون إلا بسلطان، وقال اللخمي: لا يبعد أن يكون عند الفقيه الجليل. ابن عبد السلام: يريد عن أمر الإمام والقاضي.
ويُسْتَحَبُّ تَخْوِيفُهُمَا- وخُصُوصًا عِنْدَ الْخَامِسَةِ- ويُقَالُ: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ الْعَذَابِ، وعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذّابِ الآخِرَةِ
قوله: (ويُقَالُ: إِنَّهَا)، أي يقال لهما: هذه الخامسةم هي موجبة العذاب، لما في الصحيح، أنه ﵊ تلا آية اللعان على الملاعن، ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، وفي النسائي أنه ﵊ أمر رجلًا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
ويُؤَخِّرُ لِعَانُهُمَا مَعًا وفِي الْمُخْتَصَرِ لِعَانُهَا لِلْحَيْضِ والنِّفَاسِ كَمَا يُؤَخَّرُ طَلاقُهَا لِلإِعْسَارِ والْعُنَّةِ بِخِلافِ الإِيلاءِ، ورَوَى أَشْهَبُ: والإِيلاءُ
أخر اللعان للحيض، وإن لم يكن طلاقها للمشهور، قياسًا على منع الطلاق فيه، بجامع تطويل العدة، ومراعاةً لقول من قال أن الفرقة فيه طلاق (بِخِلافِ الإِيلاءِ) أي فلا يؤخر التطليق له للحيض، لئلا ياد فيما أجله إليه من الأربعة أشهر، ولعله يريد بالمختصر، مختصر ابن أبي زيد، لا مختصر ابن عبد الحكم، فإن هذه المسألة مشهورة عنه، وينبغي إذا التعن هو على ما في المختصر أن تسجن هي لأنها مطلوبة بحد الزنا، إن نكلت كما كان مطلوبًا [٣٩٦/أ] بحدِّ القذف، وحد الزنا آكد، على أن الباجي لم يسق ما في المختصر على أنه خلاف، بل نقله عن الأصحاب، وكذلك ساقه ابن يونس على جهة التفسير.
فرع:
قال الباجي: فإن كان مريضًا أو كانت مريضة أرسل الإمام إلى المريض منهما، رواه في العتبية أصبغ عن ابن القاسم، ووجه ذلك أنه حكم من سنته التعجيل، والمرض لا يدرى له غاية، فيسقط التغليظ بالمكان للضرورة.
ولَوْ قَذَفَهَا بِأَجْنَبِيٍّ حُدَّ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا سماه، فقال: رأيتها تزني مع فلان، فإنه يحد لذلك الأجنبي على المشهور.
الباجي: ولا يخلصه من ذلك اللعان مع الزوجة، خلافًا للشافعية، ودليلنا أنه شخص لا يجب عليه الحد بالتعان الزوج، فلم يسقط حده بالتعانه، كالمرأة الأجنبية، أما لو حد للرجل المسمى، فقال سحنون: يسقط عنه اللعان.
الباجي: ووجهه أن من حد لقذف دخل فيه كل قذف ثبت عليه قبل ذلك الحد ممن قام به ومن لم يقم به، ومقابل المشهور لم أره معزوًا، ووجهه أنه قذف شخصين قذفًا واحدًا، وقد
[ ٤ / ٥٩٦ ]
جعل الشرع اللعان يقوم مقام الحد، ولو حد لأحدهما سقط عنه الحد للآخر، وأيضًا فإن هلال بن أمية رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن ولم يحد له، وأجيب عن هذا بأنه لم يطلبه، وهو صحيح على الأصح، لأنه حق لآدمي.
فرع:
وأما إن لم يسم الرجل، فالمذهب أنه لا حد عليه، خلافًا للشافعي في أحد قوليه لنا أن حد القذف لا يجب استئنافه إلا بمطالبة مستحقه، والمجهول لا يستحق المطالبة، فكان كمن قال رأيت رجلًا يزني.
وعَلَى حَدِّهِ- مَعَ وُجُوبِ إِعْلامِهِ- قَوْلانِ
أي: وإذا فرعنا على المشهور من أنه يحد، ففي الجواهر: ليس على الإمام أن يعلمه، وروي أن ذلك عليه ومنشأهما: هل الحد حق لله فلا يجب إعلامه، أو حق للآدمي فلابد من إعلامه؟ وهو الأقرب، أما أولًا فلأنه قد يعترف فيسقط الحد، وأما ثانيًا، فلأن الأصح أنه من حقوق الآدميين، بدليل أنه يورث ويسقط بالعفو، قبل بلوغ الإمام، فإن قيل هذا معترض لأنه هنا قد بلغ الإمام، فالجواب أنه ولو بلغ الإمام، فإن له العفو إذا أراد سترًا على نفسه على ظاهر المذهب، فإن بعض من رأى وجوب إعلامه، وهذه المسألة إحدى المسائل التي استثنيت من النميمة.
ولَوْ لاعَنَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا لَمْ يُحَدَّ عَلَى الأَصَحِّ
تصور المسألة من كلامه واضح، والأصح مذهب محمد، قال: لأنه إنما لاعن لقذفه إياها، والقول بوجوب الحد نقله عياض عن ابن نافع، ونسبه في المدونة لربيعة، وفي الموازية لابن شهاب، لأنه قذفها وليست بزوجة، واختاره التونسي، فإن قلت: ما قاله المصنف هنا مخالف لما قاله في القذف، ولو حد ثم قذفه ثانيًا حد ثانيًا على الأصح، قيل:
[ ٤ / ٥٩٧ ]
وقد فرق ابن الكاتب بين المسألتين، بأن المتلاعنين أحدهما كاذب، إلا أنه لا يدري من هو منهما، فإذا قال الزوج، ما كنت إلا صادقًا لم يحد، إذ لعله كان صادقًا، والقاذف إنما حد تكذيبًا له، فإذا قال: كنت صادقًا، فهو قذف مبتدأ، فوجب أن يُحدَّ تارة أخرى، والله أعلم.
ومَتَى اسْتَلْحَقَ الْمَنْفِيَّ لَحِقَ وحُدَّ، إِلا أَنْ تَكُونَ زَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَلا يُحَدُّ، وقِيلَ: إِنْ كَانَ المنفْيُ عَنْ قَذْفِهَا بالزِّنَى
لأن استلحاق الولد بعد نفيه إقرارٌ منه بالكذب فيما رماها به، فيحدّ، إلا أن تكون زنت بعد اللعان فحينئذ لا يحد ويصير كمن قذف عفيفًا، فلم يحد له حتى زنا المقذوف فإنه يسقط الحد عن القاذف، وهذا مذهب المدونة، قوله: (وقِيلَ) هذا القول لابن المواز، يعني يحد على القول الأول مطلقًا، سواء كان لاعن لنفي الحمل أو الرؤية، وقال محمد: إنما يحد إذا لاعن لنفي الولد، لأنه كذب نفسه باستلحاقه، وأقر بأن لعانه كان باطلًا، قال محمد: وأما إن ادعى الرؤية بانتفاء الحمل والتعن لهما معًا فلا يلزم من تكذيب نفسه في الحمل تكذيبه في الرؤية، فقد بقي للعانه محمل وهو الرؤية، هذا نص قوله: وعلى هذا فيكون قوله: وقيل: إن كان المنفي عن قذفها بالزنا، أي فلا يحد، وقوله: بالزنا، أي سواء كان الزنا بمفرده أو مع نفي الحمل، وأما إذا كان اللعان لنفي الولد فقط، فإنه يحد، وهذا خلاف ظاهر كلام المصنف، على أنه يمكن أن يقال أن قوله: (وقِيلَ)، راجع إلى قوله: (فَلا يُحَدُّ)، أي قيل لا يحد إن كان المنفي عن قذفها بالزنا.
وشَرْطُ الْمُلاعِنَةِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً مُكَلَّفَةً- فَتُلاعِنُ الذِّمِّيّةُ فِي كَنِيسَتِهَا- لا فِي الْمَسْجِدِ- لِرفْعِ اللعان، فإنْ أَبَتْ أُدِّبَتْ
احترز بالزوجة من الأمة، وبالمكلفة من الصغيرة، فإنهما لا يتلاعنان، نعم يلاعن هو إذا كانت ممن يوطأ مثلها، كما تقدم، وقوله: (فَتُلاعِنُ)، جعله كالنتيجة عما قبله، وفي
[ ٤ / ٥٩٨ ]
إدخاله الذمية تحت المكلفة تسامح، لأنه إن أدخلها لأجل أنها مكلفة بالأيمان بالاتفاق، وهو تكليف مقيد فيستلزم التكليف المطلق فغير بين، لأنه إن أريد ذلك المقيد بخصوصيته، منع ذلك من تكليفها بغيره، وإن أدخلها على القول بتكليفهم بالفروع على [٣٩٦/ب] معنى أنهم يؤخذون بها في الدنيا، فهذا مال إليه بعض المتأخرين، لكن الذي قاله غير واحد أن أثر التكليف إنما يظهر في الآخرة بتضعيف العذاب، والبيعة لليهودية، كالكنيسة للنصرانية، وإنما لاعنت في الكنيسة لأنها هي التي تعظم، والقصد التغليظ على الحالف، ولأن الكافر ممنوع من دخول المسجد، ومعنى قوله: (فَتُلاعِنُ الذِّمِّيّةُ) أي إذا أجابت.
مطرف: معنى قول مالك في المسلم تحته النصرانية، فينفي حملها، إنما يتلاعنان، يعني إن طاوعته، ولا تجبر، لأنها لو أقرت بالزنا لم تحد، وقوله: لرفع العار، يعني أن ثمرة لعانها مخالف لثمرة لعان المسلمة، لأن المسلمة يلزمها الحد بالنكول، بخلاف الذمية، فإنها لا تحد، ولو شهد عليها أربعة بالزنا، وإنما أدبت لإذايتها زوجها المسلم، قال في الجواهر: وإذا التعنت انقطع النكاح، وإن أبت فهما على الزوجية، وترد إلى أهل دينها بعد العقوبة لأجل خيانتها زوجها في فراشه، وإدخالها الالتباس في نسبه، وهكذا روى مطرف عن مالك، أنها إذا نكلت ترد إلى أهل دينها، ولهذا قال صاحب النكت إنما فرق بين الصغيرة، وقال أنها لا تلاعن، وبين الكتابية، وقال أنها تلاعن، مع أن كلتيهما لو نكلت أو أقرت لم تحد، لأن النصرانية قد يتعلق عليها بإقرارها ونكولها حد عند أهل ملتها، لأنها مردودة إليهم.
وَالطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ لا يَمْنَعُ فِي الْعِدَّةِ، وفِي الْبَائِنِ قَوْلانِ
كلام المصنف هنا باعتبار الرؤية، لا باعتبار نفي الولد، فإنه سيذكر اللعان باعتبار نفي الولد، يعني أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًا، ثم ادعى أنه رآها تزني، فإنه يلاعن، ولا يمنع من اللعان طلاقه، لأن المطلقة طلاقًا رجعيًا في حكم الزوجة، وأما إن كانت في عدة طلاق بائن، فحكى المصنف قولين، وحكى الباجي وصاحب البيان ثلاثة أقوال،
[ ٤ / ٥٩٩ ]
قال ابن القاسم: وروى ابن وهب عن مالك: يلاعن، يريد لأن العدة من توابع الزوجحية، وقال ابن المواز: يحد ولا يلاعن، لأنها أجنبية، وقال المغيرة: لا يحد ولا يلاعن، وإليه مال سحنون، قال في الموطأ وغيره: ولو ادعى بعد أن طلقها البتة، أنه رآها تزني قبل أن يطلقها، فإنه يحد ولا يلاعن، وقال في كتاب أبي الفرج أنه يحد إلا أن يظهر بها حمل فينفيه فيلاعن، وقال ابن المواز أحب إليَّ أن ينظر، فإن تبين ألا حمل بها حد، وإن ظهر لاعن.
الباجي: هذا مبني على قول ابن المواز أن المطلق بائنًا لا يلاعن إلا لنفي الحمل، وتقدم لابن القاسم وغيره أنه يلاعن، والخلاف بين أبي الفرج وابن المواز في تأخير الحد بعد القذف، فأبو الفرج يعجل بالحد، لأن من قذف وادعى المخرج لا يمهل، وابن المواز يؤخر، بخلاف الأجنبي، لحاجة الزوج له دون غيره.
وتُلاعِنُ ولَوْ تَزَوَّجَتْ إِن كَانَ الْقَذْفُ سَابِقًا ورَفَعَتْهُ
يصح أن يقرأ (يلاعن) بالياء من أسفل، وبالتاء من فوق، فإن المطلق والمطلقة، يتلاعنان إذا كان قذفها بالزنا، وهي في عصمته، ثم طلقها ورفعته بعد ذلك، فقوله (سَابِقًا) أي سابقًا للطلاق.
فرع: قال في الجواهر: إذا قذف أجنبية ثم نكحها وقذفها فلاعن، اندفع الحد.
وأَمَّا نَفْيُ الْوَلَدِ فَيَجْرِي فِي كُلِّ مَنْ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا حَيَّة أَوْ مَيِّتَةً إِلا مِلْكَ يَمِينِهِ
هذا مما يبين لك أن كلامه أولًا إنما هو باعتبار الرؤية، ويدخل في قوله: (مَنْ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا) من في عصمته أو طلقها طلاقًا رجعيًا أو بائنًا، سواء خرجت من العدة أم لا، ما لم تجاوز أقصى أمد الحمل، وقوله: (إلا في ملك يمينه) أي فلا لعان في ذلك.
فَلَوْ قَذَفَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ولا حَمْلَ حُدَّ
أي: قذفها برؤية الزنا، قيل: ولا خلاف في ذلك.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
وإن اشْتَرَى زَوْجَتَهُ ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ فَإِنْ وَلَدَتْه لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ، وإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ فأكثر فَحُكْمُهَا حُكْمُ الأَمَةِ
لما قدم أن اللعان في الزوجة دون الأمة، ذكر هذه لأنها مركبة من القسمين، وهي إذا اشترى زوجته ثم ظهر بها حمل، قال في النوادر: ولو اشترى زوجته ثم ظهر بها حمل فإن علم أنها كانت يوم الشراء حاملًا، لم ينفه إلا بلعان، إلا أن يكون وطأها بعد رؤية الحمل، فلا ينفه، وإن لم يعلم أكانت حاملًا يوم الشراء أم لا، حتى ظهر الحمل، وأتت به لأقل من ستة أشهر، فالولد للنكاح، ما لم يطأ بعد الشراء.
الشيخ أبو محمد: قوله: (ما لم يطأها بعد الشراء)، يريد إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر، وقد روى ابن سحنون عن أبيه، أنه إذا لم يطأها بعد الشراء فحيضتين، قال: ولو وطئها بعد الشراء، فلا ينفيه بلعان ولا بغيره، استبرأها بعد الوطء أو لم يستبرها، إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد أن وطأها، فهذا ينظر، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر فهو للنكاح، لا ينفيه إلا بلعان، وإن ولدت لستة أشهر فأكثر، فله نفيه بغير لعان إن ادعى استبراء بعد الوطء الذي هو بعد الشراء، وإن لم يدع استبراء فهو منه، انتهى.
وذكره في الجواهر بنصه، وعلى هذا فكلام المصنف مقيد بما إذا لم يعلم أنه كانت حاملًا يوم الشراء، أو بما إذا لم يطأها [٣٩٧/أ]، وقولهم: إنها إذا ولدته لستة أشهر فأكثر، أن له نفيه بغير لعان، يريدون بغير يمين.
وحُكْمُهُ رَفْعُ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ أَوِ الأَدَبُ كَالأَمَةِ والذِّمِّيَّةِ
اعلم أنه يترتب على اللعان ستة أحكام، ثلاثة على لعانه وثلاثة على لعانها، فالثلاثة الأول: سقوط الحد عنه وهو مراد المصنف بقوله: (الْعُقُوبَةِ)، ولذلك عطف عليه (الأَدَبُ)، الثاني: وجوب حد الزنا عليه، الثالث: قطع النسب.
[ ٤ / ٦٠١ ]
والثلاثة الأخر: سقوط الحد عنها، والفراق وتأبيد التحريم، وقيل في الأخيرين أنهما يترتبان على لعانه، وقوله: كالأمة والذمية راجع للأدب، فإن قاذفها لا حد عليه، وإنما عليه الأدب.
وإِيجَابُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تُحَدُّ في الإِقْرَارِ مَا لَمْ تُلاعِنْ
أي: وإيجاب العقوبة، وهذا هو الثاني من الأحكام المترتبة على لعانه، وأخرج بقوله: (التي تحد بالإقرار) الصبية والذمية، وتصور كلامه ظاهر.
وتَحْرِيمُهَا أَبَدًا بِتَمَامِ لِعَانِهَا، فلو أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِ لِعَانِهَما حُدَّ وبَقِيَتْ زَوْجَتُهُ، ويَتَوَارَثَانِ وإِنْ رُجِمَتْ
ما ذكره من تحريمها أبدًا هو المعروف، وذكر ابن شعبان عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال: تحل بنكاح جديد، وقاله ابنه عبد الملك في الثمانية.
اللخمي وأشهب ينحوا إليه، وقوله: (بِتَمَامِ لِعَانِهَا): يدل على أن الفراق يقع لمجرد التعانها، وهو المذهب، خلافًا لأبي حنيفة ﵀، في قوله: لا تقع الفرقة بلعانها، حتى يوقعها الحاكم بينهما.
فرع:
والفرقة في اللعان فسخ بغير طلاق، قال في المقدمات: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، وقال جماعة من أصحابنا أنه طلقة بائنة، وفي الجلاب، أن الملاعنة قبل البناء لا صداق لها، خلاف قول مالك في المدونة والموطأ، أن لها نصف الصداق، وبناه اللخمي على أن فرقة المتلاعنين هل هي فسخ فلا شيء لها، أو طلاق فلها، وفيه نظر، فإن المعروف أن لها النصف، وأن فرقة المتلاعنين فسخ، ولكن لما كنا لا نعلم صدق الزوج، ولعله أراد تحريمها وإسقاط حقها من نصف الصداق، اتهم في ذلك، وألزم نصف الصداق، ويحتمل أن يكون إنما التزمه النصف مراعاة لقول من قال هو طلاق.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
عبد الحق واللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم: وفي الجلاب أيضًا في الذي يشتري زوجته قبل البناء أنها يجب لها نصف الصداق، وهو خلاف المعروف في المذهب. خليل: ولم أر ما ذكروه عن الجلاب فيه بل فيه النص على خلاف ما نقوله عنه، وقول المصنف: (فلو كذب أحدهما نفسه قبل تمام لعانهما حد وبقيت زوجة) ظاهر، لأن من أكذب نفسه منهما قد أقر على نفسه بما قال الآخر، فالرجل يحد حد القذف، والمرأة تحد حد الزنا، جلدًا إن كان أو رجمًا.
قوله: (ويَتَوَارَثَانِ وإِنْ رُجِمَتْ)، لأنه إذا كذب أحدهما نفسه قبل تمام لعانهما، فهما على الزوجية، فلذلك يتوارثان ولو رجمت، لأنها رجمت وهي زوجة، واختلف إذا شهد الزوج عليها مع ثلاثة، فرجمها القاضي، ثم عثر على ذلك، فهل يرثها هذا الزوج، فقال ابن القاسم: يرثها إلا أن يعلم أنه تعمد الزور، أو يقر بذلك، وقال أصبغ: لا يرثها، والفرق بينها وبين مسألة المصنف ظاهر، لأن البينة موجبة للرجم، ومجرد الدعوى في مسألة اللعان لا توجبه، لأنها قادرة على رده بأيمانها.
ولَوِ اشْتَرَاهَا وأَقَرَّ بِالْكَذِبِ أو انْفَشَّ الْحَمْلُ لَمْ تَحِلَّ له
يعني: إذا لاعن زوجته الأمة، فرق بينهما، ثم اشتراها لم تحل له بالملك، لأن تحريم اللعان مؤبد، وإن أقر بالكذب لم ينفعه، كما لا ينفعه ذلك في الحرة، وقد تقدم ذلك في الحرة، وقد تقدم الكلام على انفشاش الحمل.
وَقِيلَ: وبِلِعَانِهِ
هذا راجع لصدر المسألة، تقديره: وتحريمها أبدًا بتمام لعانها، وقيل: وبلعانه، ويقع في بعض النسخ هذا القول متصلًا بالقول الأول، وهذا القول حكاه ابن شاس، وهو مقتضى ما وقع لسحنون في نوازله، أنه إذا لاعنها ونكلت عن اللعان، أن ذلك قطع
[ ٤ / ٦٠٣ ]
للعصمة، وقال في البيان: لا خلاف إذا صدقته أنها تحد، وتكون زوجة، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، وإنما اختلفا وهل ينتفي الولد منه دون لعان، أو لا ينتفي إلا بلعان، وقد أنكر أبو بكر بن عبد الرحمن قول سحنون لمخالفته الأصول، وكذلك قال الباجي: لا خلاف عند أصحابنا أنها لو لم تلاعن أو أكذب نفسه قبل تمام لعانها لم تثبت بينهما فرقة، وكأنهما لم يعتبرا قول سحنون.
وقَطْعِ النَّسَبِ إِنْ نَفَى الْوَلَدُ
هذا راجع أيضًا لصدر المسألة، وهو ظاهر.
فَلَوْ نَكَلَ عَنِ اللَّعَانِ حُدَّ
قد تقدم هذا الفرع، وأعاده المصنف ليرتب عليه ما بعده، وهو قوله:
فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ قُبِلَ، وفِي قَبُولِهِ مِنَ الْمَرْأَة: قَوْلانِ
يعني: إذا أعاد الرجل إلى اللعان بعد نكوله، قبل ذلك منه، وظاهر كلامه أنه متفق عليه، لأنه لم يحك الخلاف، إلا في المرأة، وهي إحدى الطريقتين، قال في المقدمات: وهي الصحيحة، [٣٩٧/ب] قال: وقيل إن الخلاف الذي في المرأة يدخل في الرجل، وحكى المتيطي في القبول من الرجل قولين، قال: والصحيح أنه لا يقبل لأن نكوله كإقراره بالقذف، وليس له الرجوع عنه. والقول بقبول اللعان من المرأة إذا عادت إليه لأبي بكر ابن عبد الرحمن وأبي علي بن خلدون.
الباجي: وعندي أن لابن القاسم في الموازية مثله، والقول بأنها ليس لها الرجوع إلى اللعان لسحنون وأبي عمران وابن الكاتب، ومنشأهما هل نكولها كإقرار بالزنا، فيقبل رجوعها، أو يقال حق الزوج قد تعلق بنكولها، فلا يكون لها الرجوع، قال في المقدمات: وقبول رجوعها هو الصحيح، فإن قيل: فهل يظهر فرق على الطريقة التي ذكرها
[ ٤ / ٦٠٤ ]
المصنف، قيل: نعم، وذلك لأن الزوج مدع، والزوجة مدعى عليها، فإن نكل الزوج فكأنه صفح عنها، وأيضًا فإنه ما انحصر أمره، بل له أن يقيم البينة، وأما هي فإنها مدعى عليها، فإن نكلت فقد صدقته، وأيضًا فقد انحصر أمرها فيه.
وَحُكْمُ التَّوْءَمَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدِ ولِذَلِكَ يَنْتَفِي الثَّانِي بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ، ولِذَلِكَ ثبتت لَهُمَا أُخُوَّةُ الأَبِ أَيْضًا
أي: حكم الولد الواحد، فلا يمكن لحوق أحدهما ونفي الآخر، ولذلك إذا لاعن لأولهما خروجًا، انتفى الثاني بذلك اللعان، وإلى هذا أشار بقوله: (فلِذَلِكَ يَنْتَفِي الثَّانِي بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ)، وأفاد بقوله: (أُخُوَّةُ الأَبِ أَيْضًا)، أنهما إخوة أشقاء، وهذا هو المشهور، وقال المغيرة أنهما يتوارثان لأم كالمشهور في توأمي الزانية والمغتصبة، خلافًا لابن نافع في قوله أن توأمي الزانية شقيقان، وأما توأمي المسبية والمستأمنة، فإنهما يتوارثان لأب وأم، قاله في البيان.
ومَتَى اسْتُلْحِقَ أَحَدُهُمَا لَحِقَ الآخَرُ وإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا وأَقَرَّ بالآخَرِ حُدَّ، ولَمْ يَنْتَفِ شَيْءٌ
هذا لما ذكره أنهما كالولد الواحد.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فَصَاعِدًا فَهُمَا بَطْنَانِ إِلا أنَّهُ قَالَ: إِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي وقَالَ: لَمْ أَطَأها بَعْدَ الأَوَّلِ سُئِلَ النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهُ يَتَأخَّرُ هَكَذَا لَمْ يُحَدّ، بِخِلافِ مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ زَوْجَتِهِ وقَالَ لَمْ اَطَاهَا حُدَّ
معناه أن الحكم الذي قدمه إنما هو إذا لم يكن بين وضعهما ستة أشهر، وأما إن كان بينهما ستة أشهر فأكثر، فليسا بتوأمين، إلا أنه قال، أي في المدونة: ففيها، وإن وضعت الاثني لستة أشهر فأكثر فهما بطنان، فإن أقر بالأول ونفى الثاني، وقال: لم أطأها بعد ولادة
[ ٤ / ٦٠٥ ]
الأول، لاعن ونفى الثاني، إذ هما بطنان، فسكت المصنف عن هذا الفرع لجريانه على أصل كونهما بطنين، ثم قال فيها: وإن قال: لم أجامعها بعدما ولدت الأول، وهذا الثاني مني فإنه يلزمه، لأن الولد للفراش، ويسأل النساء، فإن قلن أن الحمل يتأخر هكذا، لم ي حد، وإن قلن لا يتأخر، حد ولحق به، وهذا هو الفرع الذي ذكره المصنف، إلا أن فيه إشكالًا، لأن النساء إذا قلن أنه يتأخر هكذا، كان حكم الجميع حكم الحمل الواحد، فكان ينبغي أن يحد لتكذيبه نفسه في نفيه الأول، وكأنه إنما أسقط الحد لأن قول النساء لا يحصل به القطع، فكان ذلك شبهة تسقط الحد، ويرد على هذا أنه لو كان كذلك للزم أيضًا سقوط الحد إذا قلنا أنه لا يتأخر، لأن قولهن لا يحصل به القطع، وقد نص في المدونة على وجوب الحد في ذلك، وقوله: بخلاف إلخ، هكذا قال في المدونة، فقال بإثر الفرع المتقدم: بخلاف الذي يتزوج امرأة ولم يبن بها حتى أتت به لستة أشهر من يوم تزوجت، فأقر به الزوج، وقال لم أطأ منذ تزوجتها، هذا يحد ويلحق به الولد.
ابن المواز: وكأنه قال: حملت من غيري، ثم أكذب نفسه باستلحاقه، ابن يونس: يريد ولا يسأل في هذا النساء، كما يسألن في المسألة التي قبلها.
* * *
انتهى المجلد الرابع
من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد الخامس وأوله
كتاب العدد
[ ٤ / ٦٠٦ ]
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلّد الخامس
[ ٥ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرّحيم
[ ٥ / ٢ ]
العِدَدُ: عِدَّةُ الطّلاقِ، َوعِدَّةُ الْوَفِاةِ، وَالاسْتِبْرَاءِ
العِدد: جمع عدة، وسميت بذلك لاستمالها على العدد، وهي تربص المرأة زمانًا، معلومًا قدره الشرع علامة على براءة رحمها مع ضرب من التعبد، وجعل المصنف أنواعها ثلاثة، وفي جعل الاستبراء من أنواع العدة تجوز في اصطلاح الفقهاء.
وهيَ بالأَقْرَاءِ ِوالأَشْهُرِ، والْحَمْلِ
الأقراء في الطلاق لذوات الحيض، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] والأشهر للمتوفى عنها وللمطلقة إذا لم تكون من ذوات الحيض لصغر أو كبر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي فعدتهن كذلك، ووضع الحمل عدة للحامل كانت متوفى عنها أو مطلقة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].
ولا عِدَّةَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] ولا مفهوم لصفة الإيمان هنا لأنه خرج مخرج الغالب، ولا فرق بين مؤمنة وكافرة.
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجَبَتْ بِإِقْرَارِهَا لا بِإِقْرَارِه
يعني: فإن لم يعلم دخول فإن أقرت هي به وجبت عليها العدة، لأنه إقرار منها على نفسها فلزمها كسائر الإقرارات بخلاف ما [٣٩٨/أ] لو أقر هو فقط فإنه دعوى عليها
[ ٥ / ٣ ]
بغير دليل فلا يقبل كسائر الدعاوي، وهذا الكلام في نفس العدة، وأما لواحقها من النفقة والسكنى فسيأتي الكلام عليها.
فَإِنْ ظَهَرَ حَمْلٌ ولَمْ يَنْفِهِ كَانَ كَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ ولَوْ ظَهَرَ بَعْدَ َمْوتِهِ لَحِقَ بِهِ
لأن الولد للفراش فهو لاحق به ولا ينتفي عنه إلا بلعان، وعلى هذا فيجب عليها إذا طلقها العدة وتكون له الرجعة، وهذا معنى قوله: (وكَانَ َكَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ) وفي بعض النسخ: (ولا رجعة له) وهي غير صحيحة لأنها إذا وجبت عليها العدة كان له الرجعة، وقوله: (ولَو ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ) ظاهرٌ لأنه إنما كان ينتفي عنه في الحياة باللعان وهو لا يتأتى هنا.
وأَمَّا بَعْدَهُ فَتَجِبُ، وإِنْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَطْء حَيثُ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ بِأَيِّ خَلْوةٍ كَانَتْ
أي: وأما بعد الدخول وهو إرخاء الستور (فَتَجِبُ) العدة سواء (تَصَادَفَا) معًا (عَلَى نَفْي الْوَطْء) أم لا لحق الله في العدة بشرط إمكان الوطء، وأما لو خلا بها لحظة تقصر عن زمان الوطء فلا، وقوله: (بِأَيِّ خَلْوةٍ كَاَنَتْ) أي: سواء كانت خلوة اهتداء زيارة.
فرع:
قال في المدونة: ولو كان معها نساء حين قَبَلَ وانصرف لمحضرهن فلا عدة عليها.
الباجي: وكذلك امرأة واحدة، أي: لأن الخلوة قد فقدت
وتَسْقُطُ النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وَلا يَجِبُ إِلا نِصْفُ الصَّداقِ، ولا رَجْعَةَ لَهُ
هذا مفرع على ما إذا تصادقا على نفي الوطء وسقط حقها من النفقة والسكنى ومن تكميل الصداق لإقرارها بعدم الإصابة، وسقط حقه من الرجعة لإقراره أنه لم يصب،
[ ٥ / ٤ ]
وكذلك أيضًا لا تكون الرجعة إذا دعى أحدهما الوطء وأنكره الآخر، لأنه يتهم على الرجعة في غير محلها. ابن عبد السلام: وينبغي إذا اختلفا في المسيس أن يجري حكم النفقة والسكنى على الصداق بحيث يكمل يثبتان، وحيث لا يكمل يسقطان.
ولا شَيْءَ لَهَا فِي الْفاسِدِ، وقِيلَ: تَعَاَرضَ إن كان تَلَذَّذَ بشَيْءٍ
يعني: أن ما قدمه من وجوب نصف الصداق إذا طلق قبل البناء إنما هو في النكاح الصحيح وأما الفاسد فلا شيء عليه فيه، لأن الله تعالى إنما أوجب النصف إذا طلق الزوج فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] لأنه قد أضاف الطلاق إليهم، والإضافة إليهم تستدعي وقوعه باختيارهم. وظاهر ما لابن القاسم في إرخاء الستور ما قدمه المصنف، والمنسوب فيه لغيره هو القول الثاني، وعكس هذا القول في كتب العدة فجعل القول بأنها تعارض لابن القاسم ولا تعارض لغيره.
وَلا تَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لا يُولَدُ لِمِثْلهِ وإِنْ قَوِىَ عَلَى الْجِمَاعِ، ولا بالْمَحْبوبِ ذَكَرُهُ وأُنّْثَيَاهُ
يعني: أن العدة في الطلاق إنما تجب إذا كان الزوج يمكن أن يولد لمثله، فلذلك لا تجب بوطء الصغير الذي لا يولد لمثله، يريد إذا خالع عنه أبوه أو وصيه مثلًا فطلاقه نافذ، ولا بوطء المجبوب لكن تجب على زوجاتهما العدة في الوفاة، ولا أعلم في هذه الجملة خلافًا.
بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ، وفِيهَا فِيهِ وفِي عَكْسِهِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ، وإِلا فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ
(بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ) المقطوع الأنثيين، ومقتضى قوله (بِخِلافِ) أنها تجب العدة بوطئه وهذا قول حكاه اللخمي وغيره.
[ ٥ / ٥ ]
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. وقال ابن حبيب: لا عدة على امرأته وهو ظاهر، لأن الولد لا يلحق به عند ابن القاسم.
ابن حبيب: وكذلك ذاهب الخصية اليسرى. وقال ابن دينار: الولد لاحق بالخصي كيفما كان. قيل: وعكسه تجب العدة كيفما كان، وأشار عياض إلى أنه لا فرق في القليح الذكر بين أن يكون سالمًا أو بعضه لأنه يصيب بما بقي من ذكره، وكذلك صرح به أشهب، وقوله: (فِيهِ وفِي عَكْسِهِ) المراد بالعكس أن يكون ما في الأنثيين مقطوع الذكر.
عياض: وسبب الخلاف بين المدونة وابن حبيب ذهاب الأنثيين أو أحدهما، فمذهب الكتاب الإحالة على سؤال أهل المعرفة هل يولد له أم لا؟ ومذهب ابن حبيب الإحالة على علم الطب والتشريح لأنهم يقولون: إن البيضة اليسرى جعلت لطبخ المني فإذا فقدت لم يمكن أن يتأتى له ولد، فلا تعتد زوجته ولا يلحق به ولد بخلاف ما إذا كان مقطوع الذكر أو البيضة اليمنى، ونص ابن حبيب على أنه إن بقي معه أنثياه أو اليسرى منهما وبقي من العسيب بعضه أن الولد لاحق به. وينبغي على قوله أن يلحق به الولد وإن لم يبق من عسيبه شيء. وقوله: (إِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ) أي فالعدة واجبة، يريد ويلحق به الولد (وإِلا فَلا) أي وإن لم يولد لمثله (فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ) به الولد.
ولا عَلَى صَغِيرَةٍ لا تُطِيقُ الرَّجُلَ
لا خلاف في ذلك لأن وطئها جرح وفساد، وفهم منه أنها إن طاقت الرجل عليها العدة وإن لم يمكن حملها وهو مذهب المدونة، واختار ابن لبابة أنها لا عدة عليها ولا على الكبيرة المسنة التي لا يخشى منها الحمل.
ويَجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ عِدَّةُ المْطَلَّقَةِ مِنْ كُلِّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ حِينَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثَلاثُ حِيضٍ ومِنْ كُلِّ وَطْءٍ مِنْ زِنَى أَوِ اشْتِبَاهٍ
عدة المطلقة [٣٩٨/ب] ثلاثة أقراء في ذات الأقراء وثلاثة أشهر في اليائسة والصغيرة.
[ ٥ / ٦ ]
وقوله: (مِنْ كُلَّ نِكاَحٍ) أي سواء كان مجمعًا على فساده أم لا؟ وهذا هو المشهور ومذهب المدونة. اللخمي: وقيل: يكفي في المتفق على فساداه كنكاح المحرم والرضاع حيضة لأن الزيادة على الواحدة تعبد.
وقوله: (بَعْدَ الدُّخُولِ) ظاهر لأنه إذا لم يجب على المطلقة قبل البناء شيء في النكاح الصحيح فأحرى الفاسد. وقيل: من حين فرق بينهما، لأنه قد يتوهم أن النكاح المجمع على فساده لما كانت الفرقة فيه لا تحتاج إلى حكم كانت في كل وقت كالأجنبية، فتكون العدة من آخر وطء.
وقوله: (ثَلاثُ حِيَضٍ) هو عطف بيان على قوله: (عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ) أو بدل، ومراده بقوله: (ثَلاثُ حِيضٍ) أي ثلاثة أطهار، لأن الأقراء عندنا الأطهار كما سيأتي، ووجبت العدة في النكاح الفاسد كالصحيح لأن الولد لا يلحق به فيه. وقوله: (ومِنْ كُلَّ وطْءٍ مِنْ زنّى أَوِ اشْتِباهٍ) هذا معطوف على قوله: (مِنْ كُلَّ نكاحٍ فاسد) لكن لا يسمى هذا في عرف الفقهاء عدة وإنما يسمى استبراء
ولا يَطَأُ الزَّوْجُ ولا يَعْقِدُ وإِنْ لَحِقَ الْوَلَدُ بِخِلافِ الْمَطَلِّقِ فِي الصَّحِيحِ
يعني: أن من زنت زوجته أو اشتبهت فلا يطأها زوجها في مدة الاستبراء ولو كان الولد به لاحقًا، وكذلك لا يعقد على الأجنبية التي زنت أو وطئت باشتباه، لأن كل محل امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد إلا الحيض والنفاس.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد أن النكاح الفاسد إذا فسخ لا يكون للزوج فيه أن يعقد ولا يطأ وإن لحق الولد، وهذا المعنى الثاني وإن كان قرب إلى لفظه لكن يبقى قوله: (ولا يَطَأُ) ليس فيه كبير فائدة واقتصر، وعلى الثاني بخلاف المطلق في النكاح الصحيح فإن له أن يعقد ويطأ لأن ماءه صحيح لكن يشترط أن لا تكون مريضة بحيث يحجر عليها.
[ ٥ / ٧ ]
ومِنْ غَيْبَةِ الْغَاصِبِ والسَّابِى عَلَيْهَا والْمُشْتَرِي ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها
يعني: ويجب الاستبراء أيضًا بثلاثة أطهار إذا غصبت وغاب عليها الغاصب.
ابن عبد السلام: وقد اختلف لفظه في المدونة في الأمة المغصوبة يغيب الغاصب عليها ثم تعود إلى ربها فظاهر كلامه في أول الاستبراء الوجوب ونص بعد ذلك على أن استبراءها مستحب، وينبغي أن يجري ذلك في الحرة، وكذلك يجب الاستبراء بالثلاثة إذا غاب عليها السابي من الكفار أو المشتري، وسواء بيعت هذه الحرة جهلًا أو فسقًا.
وقوله: (ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها) أي لا تصدق المرأة إن قالت: لم يصبني. وفي بعض النسخ: (قولهما): أي الرجل والمرأة لحق الله تعالى.
وفِي إِيجَابِ ذِلِكَ فِي إِمْضَاءِ الْوِلِيِّ أِوْ فَسْخِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا زوج أجنبي امرأةً مع وجود وليها غير المجبر. وقلنا بأشهر قولي ابن القاسم أن للولي الخيار في إجازته وفسخه ما لم يطل بعد البناء، فأمضاه بعد البناء بالقرب فهل هو تقرير، وكأن النكاح وقع بولي فلا يحتاج إلى استبراء، وكذلك لا يحتاج إليه في الفسخ إذا أراد أن يتزوجها بعد الفسخ؟
أو يقال: إمضاؤه كابتداء نكاح فيحتاج إلى استبراء لأن الماء الأول فاسد وكذلك يحتاج إليه في الفسخ؟ وحاصله: إن قيل أن الماء صحيح لم يحتج إليه وإلا احتاجت. والقول بالاستبراء هو ظاهر المدونة على ما وقع في بعض الروايات، ففيها: ويكره للرجل أن يتزوج امرأة بغير أمر ولي، أعني ولي نسب.
ابن القاسم: فإن فعل كره له وطؤها حتى يعلم وليها فيجيز أو يفسخ، فإن فسخه الإمام أو وليها عند الإمام ثم أرداته زوجها إياه مكانها وإن كره الولي إذا دعته إلى سداد وإن لم يساوِ حسبها ولا غناها، وكان مرضيًا في دينه وعقله وهذا إذا لم يكن دخل بها.
[ ٥ / ٨ ]
ابن يونس: يريد فإن دخل بها لم ينكحها حتى تستبرئ بثلاث حيض. لكن صرح في بعض الروايات بأن قوله: (وهذا إذا لم يدخل بها) من كلام سحنون، والأولى رواية أبي عمران لأنه قال: إن كان هذا الشرط لسحنون فهو على مذهبه في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد أنه يستبرئ. قال: وقاله ابن الماجشون. وإن كان من كلام ابن القاسم فهو خلاف ما ذكره ابن حبيب أن مالكًا قال: إن كل نكاح ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في استبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدة منه. وهو في الموازية في المملوكة توطأ قبل العلم عليها الاستبراء.
واستشكل جماعة الاستبراء هنا لعدم فائدته فإن الولد لاحق به. وأجيب بأن الفائدة تظهر في القذف فلو نسب الولد إلى شبهة في نسبه لم يحد من نسبه إلى ذلك إذا نشأ من الماء الواقع قبل الفسخ أو الاختيار، ويحد إذا نشأ الولد بعد ذلك.
فرع: وإما إذا كان النكاح صحيحًا والوطء فاسدًا كمن وطئ زوجته حائضًا فإنه لا يلزم من ذلك استبراء، قالوا: وكذلك لو كان النكاح فاسدًا لصداقه.
والأَمَةُ فِي النَّكَاحِ الصَّحِيحِ والْفاسِدِ كذلك، وفِي الزِّنى والاشْتِبَاهِ كذلك
هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: وفي الزنا والاشتباه حيضة، يعني [١٢١/ب] أن الأمة الزوجة حكمها حكم الزوجة الحرة في هذه الأحكام إلا في القدر الذي تعتد به فإنها تعتد بحيضتين وتستبرئ في الزنا والاشتباه، يريد ومن غيبة الغاصب والسابي والمشتري بحيضة واحدة. ولولا أن المصنف اعتمد على ما اشتهر من أن عدة الأمة حيضتان لكان قوله: كذلك قوله: كذلك: يوهم أن عدة الأمة ثلاث حيض، وعلى هذا فيكون التشبيه بذلك راجعًا إلى أصل الوجوب لا إلى قدره. ووقع في بعض النسخ: والأمة في النكاح الصحيح والفاسد حيضتان، وفي الزنا والاشتباه حيضة: وهي أظهر.
[ ٥ / ٩ ]
وتُجْبَرُ الْكتَابيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي طَلاقِهِ ومَوْتِهِ كَالمْسْلِمَةِ
قوله: (كَالمْسْلِمَةِ): أي: فتعتد ذات الأقراء بثلاثة قروء، واليائسة والصغيرة بثلاثة أشهر، وفي الوفاة بأربعة أشهر وعشر، هذا هو المشهور، وحكى ابن الجلاب رواية ثانية بأن الذمية تعتد في الوفاة من المسلم بثلاثة قروء، وخرج على الروايتين ما إذا توفي عنها قبل البناء فعل المشهور وتعتد في الوفاة أي المسلم بأربعة أشهر وعشر، وعلى الرواية الثانية لا عدة عليها وإنما أجبرت الكتابية على العدة لحق الزوج. واعلم أنه اختلف في الأقراء الثلاثة في عدة الحرة المسلمة فقال الأبهري: الجميع استبراء ولا تعبد فيها. وقال أبو بكر القاضي: القرء الأول لاستبراء الرحم والقرءان الأخيران عبادة. واختار ابن يونس الأول، ولا يعترض عليه بأنه يكفي في الأمة القرء الواحد لأنا نقول: ذلك كالحدود إنما هي موضوعة على حرمة المحدود من العبيد والأحرار والمحصنين والأبكار. وقال عبد الحق: قول أبي بكر هو الصواب. وخرج بعضهم على قول أبي بكر قولًا بأن الذمية تكتفي بقرء واحد في الوفاة والطلاق بناء على أن الكفار غير مخاطبين بالأحكام، ولهذا روى أبو زيد عن ابن القاسم في النصرانية يموت عنها زوجها الذمي فيتزوجها المسلم بعد حيضة أنه لا يفسخ نكاحها.
وَيَتَزَوَّجُهَا الْمُسْلْمُ بَعْدَ مَوْتِ الذَّمَّيِّ بَعْدَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ كَطَلاقِهِ
يعني: وقد دخل بها الذمي لمقابلته ذلك بقوله:
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ تَزَوَّجَهَا مَكَانَهَا فِيهِمَا
أي: في موت الذمي وطلاقه، ولمالك في العتبية أنه يكتفي بحيضة واحدة من طلاق الذمي.
[ ٥ / ١٠ ]
أَقْسَامُهَا مُعْتَادَةٌ، ومُرْتَابَةٌ بِتَأخِيرِ الْحَيْضِ، وصَغِيِرِةٌ، ويَائِسَةٌ، وحَامِلٌ، ومُرْتَابَةٌ بالْحَمْلِ
الضمير في (أَقْسَامُهَا) عائد على العدة، فـ (مُعْتَادَةٌ) فيه حذف مضاف، أي عدة معتادة، ويحتمل عوده على المعتدات، ويترجح الأول بأنه لو أراد الثاني لقال: أقسامهن في الأفصح، وحصرها فيما ذكره استقراء، ثم أخذ المصنف يتكلم على كل قسم فقال:
فَالْمُعْتَادَةُ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ للْحُرَّةِ، وقُرْءانِ للأَمةِ
ما ذكره في الحرة هو نص الآية الكريمة، ولا فرق بين أن يكون زوجها حرًا أو عبدًا على المعروف. وقيل: إن العدة تتشطر بكون أحد الزوجين رقيقًا، وما ذكره في الأمة متفق عليه عندنا، ويعضده ما رواه أبو داود وغيره أنه ﵊ قال: «طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان» لكنه ضعيف عند أهل الحديث، قيل: والصحيح أنه من كلام أبي عمران.
وَالأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ، وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ مَوْضِعَهُ كَثِيرًا عَلَى التَّسَامُحِ
قوله بقولنا، الشافعي، وهو قول عائشة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، وأبان بن عثمان، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: الأقراء هي الحيض. وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم. وضعف أحمد أسانيد ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود.
وبالجملة فكل من القولين مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ولولا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] مع حديث ابن عمر في طلاق الحائض لكان مذهب أبي حنيفة أظهر، لأن المقصود من العدة إنما هو العلم أو الظن ببراءة الرحم، والدال على ذلك إنما هو الحيض، وأما الطهر فيوجد مع الحمل.
[ ٥ / ١١ ]
قوله: (وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ) أي إنهم قد يطلقون لفظ الحيض موضع الطهر كثيرًا على التسامح. ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف هو مذهب المحققين، وذهب بعض الشيوخ إلى حمل هذه الإطلاقات على ظاهرها فنقل عن المذهب قولًا كمذهب أبي حنيفة وهو بعيد لأن هذه المسامحة جرت على لسان من علم أنه لا ينصر إلا قول مالك.
وطُهْرُ الطْلاقِ تَعْتَدُّ بِهِ ولَوْ لحظَةً
لا خلاف في هذا عندنا وليس كمذهب أبي حنيفة في التي تطلق في الحيض فإنها لا تعتد بذلك الحيض عنده وإن قال: القرء هو الحيض.
فَتَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ إِذْ قَدْ يَنْقَطِعُ عَاجِلًا فَلا تَعْتَدُ بِهِ
أتى بالفاء لأن هذا مرتب على ما قبله وأيضًا فلما قدم أن الطهر الأول تعتد به ولو لحظة خشي أن يتوهم منه أن الجزء الأول من الطهر الأخير يقوم مقام جميع الطهر فتحل [٣٩٩/ب] ببعضه فبين ذلك وأنها لا تحل إلا بجميعه. ومقابل المشهور رواه ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى يعلم أنها حيضة تامة. وخرج ابن رشد على قول ابن الماجشون أن أقل الحيض خمسة أيام أنها لا تحل لغير المطلق حتى تمكثها، وكذلك على القول أن أقله ثلاثة وعلى أنه يوم، وفيه نظر، ألا ترى أن مالكًا وابن القاسم يريان الدفعة ونحوها ليست بحيض في هذا الباب مع أنها تبين برؤيتها أول الدم الثالث فلا يبعد أن يسلك ابن الماجشون وغيره هذا المسلك.
ابن رشد: بناء على تخريجه وعلى قول ابن الماجشون وابن مسلمة: لو انقطع الدم فإن عاد بالقرب لفق منه العدة المذكورة، وإن لم يعد إلا بعد البعد كانت تلك الدفعة ونحوها ملغاة لا يعتد بها، وحكم ذلك دم العلة والفساد، وتقضي ما تركت فيه من الصلاة.
[ ٥ / ١٢ ]
عياض: وقول شيخنا، تقضي ما تركت فيه من الصلاة، فيه نظر لا يوافق عليه.
وقوله: (ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ) يعني وإذا قلنا تحل للأزواج برؤيتها أول الدم الثالث فينبغي ألا تعجل بالتزويج لاحتمال أن ينقطع الدم عنها قبل اسبترائها حيضة.
واعلم أن قوله: (ويَنْبَغِي) هو من كلام أشهب في المدونة، والكلام الأول لابن القاسم، كذا قال الجمهور، واختصر ابن أبي زمنين المدونة على أن مجموع الكلام لأشهب، وعلى الأول فاختلف هل كلام أشهب وفاق وهي طريقة المصنف وأكثر الشيوخ، أو اختلاف وإليها ذهب غير واحد وهو مذهب سحنون لقوله: هو خير من رواية ابن القاسم، وهو مثل رواية ابن وهب: أنها لا تحل للأزواج ولا تبين من زوجها حتى يتبين أنها حيضة مستقلة، وهو مذهب ابن المواز وابن حبيب.
وعلى هذا فيكون قول أشهب: (وأحب) محمولًا على الوجوب، ويبين ذلك تعليل أشهب بقوله: أن قد ينقطع عاجلًا فإنه علة تقتضي الوجوب. واختلف القائلون بحمل قوله على الخلاف لو انقطع الدم ما الحكم؟ فقال أبو عمران وابن رشد وغيرهما: لا يضرها ذلك وقد حلت للأزواج برؤيته أولًا.
ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض واحد في باب العبادة والعدة. ومنهم من قال: بل يضرها، وإنما لم يطلب منها ابن القاسم ما طلبه أشهب لأن الأصل عدم انقطاع الدم، وهو أيضًا الغالب فلا يلزمها وجوب ولا استحباب رعيًا لمخالفة الأصل والغالب، وإلى هذا ذهب جمهورهم أنه إن لم يتماد بها الدم لا تحسب به حيضة.
فرعان مرتبان على قول الجمهور:
الأول: لو ماتت الزوجية بعد رؤية الدم وقبل التمادي فإنه يحمل أمرها فيه على التمادي ولا يرثها مطلقًا، وإن مات الزوج حينئذ لم ترثه إن تمادى، وإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: انقطع الدم عني، وكان موته بإثر قولها ذلك ورثته، نقله ابن عبد السلام.
[ ٥ / ١٣ ]
الثاني: عياض: واختلف إذا راجعها زوجها عند انقطاع هذا الدم وعدم تماديه ثم رجع الدم بقرب، هل هي رجعة فاسدة إذ قد ظهر أنها حيضة صحيحة وقعت الرجعة فيها فتبطل وهو الصحيح. وقيل: لا تبطل رجع عن قرب أو بعد.
خليل: وهذا الكلام يدل على أنها لم يعاودها الدم أن الرجعة صحيحة وأن للزوج الرجعة وإن قالت قبل ذلك: رايت الدم ثم ادعت انقطاعه.
وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ولا قَبْلَهُ فِي ثُبُوتِ الرَّجْعةِ
ابن راشد: يعني إذا ادعى زوجها أنه ارتجعها قبل انقضاء العدة وأقرت هي بصحة قوله فإن قولها في ذلك غير مقبول. هذا الذي ظهر لي من قوله، وما كان يحتاج إلى هذا فقد سبق له في الرجعة ما يغني عنه. وقال ابن عبد السلام: يعني إذا فرعنا على المشهور أن لها أن تتزوج ولم تفعل ما استحب لها من التأخير فتزوجت فبعد أن عقد عليها النكاح قالت: انقطع الدم، لم يقبل قولها لأن ذلك إقرار على غيرها وهو الزوج فتتهم على إرادة فسخ نكاحه، وكذلك لو لم تتزوج فتتهم على إنشاء نكاح من مطلقها من غير صداق ولا ولي فعلى هذا لو دفع إليها المطلق ربع دينار وأحضر الولي لما منعت من ذلك إذ لا موجب للتهمة والله أعلم.
وانظر كلام المؤلف ووفق بينه وبين قول أشهب في المدونة أحب إلى ألا تنكح حتى تستمر الحيضة لأنها ربما رأت الدم ساعة أو يومًا ثم ينقطع عنها فيعلم أن ذلك ليس بحيضة فإذا رأت المرأة هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها والعدة قائمة ولزوجها الرجعة حتى تعود عليها حيضة صحيحة مستقيمة. انتهى كلام ابن عبد السلام وفيه نظر، لأنها إذا قالت: انقطع عني قبل التزويج فإما أن تبني على قول أبي عمران وابن راشد أن ابن القاسم يرى أن اقل الحيض لا حد له هنا كما في العبادة أولًا، فإن كان الأول فلا عبرة
[ ٥ / ١٤ ]
بكلامها لأنها قد كمل لها حينئذ ثلاث حيض، وإن بنينا على قول الأكثر فيقبل قولها لأنها حينئذ ثلاثًا ويكون لزوجها الرجعة، وقد تقدم في الفرع الثاني من كلام القاضي عياض ما يدل [٤٠٠/أ] على ذلك، وقد صرح غيره بذلك، وعلى هذا فكلام ابن راشد أحسن، والله أعلم.
فَإِنْ طُلَّقَتْ فِي حَيْضٍ أِوْ نِفَاسٍ حَلَّتْ بأَوَّلِ الرَّابِعَةِ، والأَمَةُ بحِسَابِهَا
لأنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها وكذلك النفاس فلأجل ذلك لا تحل إلا بالدخول في الحيضة الرابعة. قوله (والأَمَةُ بحِسَابِهَا)، أي فتحل بالدخول في الحيضة الثالثة.
وَإِذَا حَاضَتْ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم فَفِيهَا يُسْأَلُ النِّسَاءُ أَيَكُونُ هَذَا حَيْضًا أَمْ لا، وقَالَ أَيْضًا: ولا تِكُونُ حَيْضةٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ. ابْنُ مَسْلَمَةَ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. ابْنُ الْماجِشُونِ وسَحْنُونٌ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ. ولِذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ: لا تَنْقَضِي بأَقَلَّ مِنْ أَرْبِعَينَ وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ
قد تقدم أن ابا عرمان وابن راشد تأولا على المدونة أنه لا حد لأقل الحيض هنا كالعبادات وأن أكثرهم خالفهما هنا في ذلك، ونص المازري على أن المشهور عن مالك نفي التحديد وإسناد الحكم إلى ما يقوله النساء أنه حيض، ونص أشهب في المدونة أن اليوم لا يكون هنا حيضًا، وحكى الخطابي عن مالك أنه لا تكون الحيضة هنا أقل من يوم، وكل من قال بالتحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو خمسة فإنما قال ذلك لعادة جرت عنده. وصرح المصنف عن سحنون أنه يقول: إن أقل الحيض خمسة، وإنما يحكيه غيره استقراء من قوله أنها لا تنقضي بأقل من أربعين، أي بناء على أن أقل الحيض خمسة، وعلى المشهور أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وذلك أنه يقدر الطلاق وقع آخر لحظة من الطهر فهذا قرء ثم حاضت بعد خمسة أيام ثم طهرت خمسة عشر يومًا ثم حاضت خمسة
[ ٥ / ١٥ ]
ثم طهرت خمسة عشر يومًا ثم دخلت في الدم الثالث وذلك أربعون، ولو بنى على قوله أن أقل الطهر ثمانية لانقضت بستة وعشرين.
قوله: (وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ) فيه حذف خطابين تقديرهما: تقدم مقدار الطهر في كتاب الحيض، وحاصل كلام المصنف أن الطهر في البابين سواء، وإنما يختلف البابان في مقدار الحيض.
وَالْمُرْتَابَةُ بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ- حُرَّةً أَوْ أَمَةً- تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً ثُمَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ عِدَّةً فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ، كَمَا قَضَى عُمَرُ، ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: عِدَّة الطَّلاقِ بَعْدَ الَّريبَةِ، وعِدَّةُ الْوَفَاةِ قَبْلَ الرِّيبَةِ
لما انقضى كلامه على المعتادة أخذ يتكلم على المرتابة بتأخير الحيض.
وقوله: (بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ) احترز بذلك مما لو تأخر حيضها لسبب معتاد وسيأتي. وسوى المصنف بين الحرة والأمة في التربص تسعة أشهر، وهي زمان الحمل غالبًا، فإذا لم يظهر بها حمل ولا رأت ما حصل الظن أنها ليست بحامل وأنها لا ترى دمًا فقام ذلك مقام الإياس من كونها من أهل الأقراء فتعتد حينئذ كعدة الآيسة ثلاثة أشهر مضافة إلى التسعة ولا تدخل فيها، وهو معنى قوله: (فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ) ثم أشار إلى دليل هذا الكم بقوله: (كَمَا قَضَى عُمَرُ) وبه قال ابن عباس ولا يعلم لهما مخالف، وهذا هو المشهور.
وذكر في الكافي قولًا آخر أن المرتابة لا تخرج من عدتها حتى تستوفي بقيتها وترفع الريبة. وقال أشهب: تعتد الأمة بأحد عشر شهرًا تسعة استبراءً وشهران للعدة، وهو الظاهر لأن الثلاثة أشهر إنما لم تتشطر في حق الأمة لأجل أن الحمل لا يظهر في أقل منها وها هنا قد حصل قبلها تسعة أشهر.
[ ٥ / ١٦ ]
وقوله: (ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إلخ) إنما كانت عدة الطلاق بعد الريبة قبلها لأن المطلقة تطلب أولًا بالأقراء فإذ مضت لها تسعة أشهر ولم تر شيئًا علمت أن عدتها بالأشهر، والمتوفى عنها تعتد بالأشهر فإذا انقضت عدتها ولم تر حيضًا وهي ممن تحيض في ذلك القدر حصت الريبة فأمرت أن تنتظر حمل النساء غالبًا، وهو تسعة أشهر- لتزول الريبة.
فَإِنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ ولَوْ آخِرَهَا انْتَظَرَتِ الثَّانِيَةَ كَذَلِك ثُمَّ الثَّالِثَةَ
يعني: إذا قلنا تتربص سنة فإن جاءتها الحيضة ولو في آخر السنة انتقلت إلى الحيض لأن الحيض يدل على الأقراء فإذا ظهر الأصل قبل ترتب البدل وجب إلغاء البدل كما في سائر الأصول، أما لو رأت الدم بعد السنة ولو بقليل لم يكن له أثر لأن المرأة قد حلت للأزواج بانقضاء السنة، فكان ذلك بمنزلة ما لو طرأ الماء على المتيمم وهو في الصلاة، وما ذكر المصنف من انتظار الثانية والثالثة كذلك هو المشهور.
وقال ابن نافع: إن حاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها أو كانت ممن تحيض فإنها تنتظر أقصى الحمل خمس سنين، وإن كانت ممن يئس مثلها من الحيض اعتدت بالسنة تسعة أشهر ثم ثلاثة.
سحنون: وأصحابنا لا يفرقون بينهما والعدة فيهما بالسنة. الشيخ أبو محمد: يعني سحنون فيمن يحتمل أن تحيض، وأما من لم تحتمل ذلك فعدتها ثلاثة أشهر.
فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى عِدَّةٍ أُخْرَى قَبْلَ الْحَيْضِ فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ
يعني: إذا تمت عدتها بالسنة ثم احتاجت إلى عدة أخرى إما بأن تزوجت غير زوجها ودخل بها ثم طلقها، وإما أن يكون زوجها قد ارتجعها ثم طلقها فروى محمد عن مالك وأصحابه أن عدتها ثلاثة أشهر حرة كانت أو أمة لأنها لما اعتدت بالشهور صارت لها حكم اليائسة والقول بأنها لا تكتفي بثلاثة [٤٠٠/ب] أشهر وتنتظر السنة لم أره معزوًا.
[ ٥ / ١٧ ]
وَتَكْفِي فِي الأَمَةِ الْمُشَتَراةِ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ باتِّفَاقٍ
قال في المدونة: وإن اشترى معتدة من طلاق وهي ممن يحيض فارتفعت حيضتها فإذا مضت سنة من يوم الطلاق وليوم الشراء ثلاثة أشهر فأكثر حلت، وعلى هذا ففاعل (تَكْفِي) ضمير عائد على السنة، ويكون كلامه مقيدًا بما إذا بقي من السنة من يوم الشراء ثلاثة أكثر، ويحتمل أن يكون ضمير (تَكْفِي) عائد على الثلاثة أشهر المتقدمة في قوله: (فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ) وذكر عن القابسي في معتدة من طلاق اشتريت فرفعتها حيضتها أنها لا توطأ إلا بعد سنة ولو قال القوابل بعد ثلاثة أشهر وقبل سنة لا حمل بها، فلا توطأ إلا بعد حيضتين أو سنة لا حيض فيها.
قال: وليست كالمعتدة من الوفاة هذه إن قال القوابل: بعد ثلاثة أشهر وقبل تسعة لا حمل بها، حل لمشتريها وطؤها لأن العدة من الوفاة قد انقضت بمضي شهرين وخمس ليال والتربص لزوال الريبة فمتى زالت حلت، والمطلقة عدتها بعد التسعة أشهر، وفي المدونة أيضا: من اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة. وأتيت بالكلام في المشتراة في عدة الوفاة استطرادًا لأن كلام المصنف لا يتناولها، إذ هو الآن إنما يتكلم في عدة المطلقة.
وَبسَبَبٍ مُعْتَادٍ كَمَنِ اعْتَادَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ فَفِي انْتِظَارِهَا لاعْتِبَارِ الأَقْرَاءِ قَوْلانِ، وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا
هذا قسيم قوله: (والمرتابة بغير سبب معتاد) أي والمرتابة بسبب معتاد، وجعل المصنف الأسباب أربعة: الأول: إذا كانت عادتها أنها لا تحيض إلا في كل سنة أو نحو
[ ٥ / ١٨ ]
ذلك. والثاني: الرضاع. والثالث: المرض. والرابع: الاستحاضةز واقتصر في الجواهر على الثلاثة الأخر، وهو أحسن، لأن في إدخال من تأخر حيضها بسبب العادة تحت المرتابة تسامحًا، والقول بانتظارها الأقراء لمحمد، وهو الذي حكاه اللخمي وغيره.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر. ابن راشد: وهو الصحيح عملًا بعموم الآية، لأن عمدة المذهب في التربص سنة إنما هو قضاء عمر، وهو إنما كان فيمن رفعتها حيضتها.
ابن راشد: وقيل تحل بانقضاء السنة. وقال ابن عبد السلام: لا أتحقق وجود هذا القول في المذهب. ويمكن أن يريد المصنف أنها تحل بثلاث أشهر، لكن هذا القول إنما نقله أشهب عن طاوس ووجهه أنه حمل الآية في الأقراء الثلاثة على الغالب من حصول الطهر والحيض في شهر. وعلى الانتظار فقال محمد: إن لم تحِض عند مجيئها حلت وإن حاضت من الغد، وهذا معنى قوله: (وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا) وكذلك في الحيضة الثانية والثالثة، واستشكله اللخمي فقال: وليس هذا أصل المذهب، ألا تحتسب بالحيض إذا جاء من الغد لأن الحيض يتقدم ويتأخر.
ثم تكلم المصنف على الرضاع فقال:
والْمُرْضِعَةُ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لا بالسَّنَةِ اتَّفَاقًا، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى
ما حكاه من الاتفاق حكاه محمد فقال: لم يختلف قول مالك وأصحابه في عدة المرضع أنها لا تعتد بالسنة وعليها أن تنتظر الحيض أبدًا ما دامت ترضع حتى ينقطع عنها الرضاع فتسقبل ثلاث حيض، فإن لم تحِض حتى أتت عليها سنة من يوم قطعت الرضاع حلت. وهذا معنى قول المصنف: (فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى) وعلل محمد انتظارها للأقراء بأنا عرفنا أن الرضاع هو الذي رفع عنها الحيض فكانت عدتها بالأقراء كما قال الله تعالى، أي فلم تدخل تحت اليائسات.
[ ٥ / ١٩ ]
وَلِلَّزْوِج انْتِزَاعُ وَلَدِهِ فِرَارًا مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعَةً فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ
هكذا قال مالك ومحمد وهو مئروط بأن لا يضر بالود كما إذا علق بأمه ولم يقبل غيرها. مالك في العتبية: وكذلك هي إذا طلبت طرحه إذا قبل ثدي غيرها وكان للأب مال. وإنما قال المصنف: (فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ) لأنه لو كان طلاقًا بائنًا لم يحتج إلى انتزاع الولد لأنها حينئذ لا ترثه وله أن يتزوج أختها أو رابعة، ثم تكلم المصنف على المرض فقال:
وَالْمَرِيضَةُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وقَالَ أَشْهَبُ: كَالْمُرْضِعِ
قوله: (كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ) أي تتربص سنة، ورأى أشهب أن المرض يذهب الدم فكان كالرضاع، وفرق ابن القاسم بينهما بأن المرضعة قادرة على إزالة ذلك السبب فكانت قادرة على الأقراء بخلاف المريضة فإنها لا تقدر على رفع السبب فأشبهت اليائسة. وقول ابن القاسم مروي عن مالك، وبه قال أصبغ وابن عبد الحكم، واختار ابن المواز قول أشهب [٤٠١/أ] ثم تكلم المصنف على السبب الرابع وهو الاستحاضة فقال:
وَأَمَّا الْمْسَتحَاضَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُمَيَّزَةَّ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَرِوَايَتَانِ، ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعْتَبرُ الْحَيْضُ الْمُمَيَّزُ، ابْنُ وَهْبٍ: كَالْمُرْتَابَة، وغَيْرُ الْمُمَيِّزَة كَالْمُرْتَابَةِ
حاصله أن المستحاضة على ضربين: إن كانت غير مميزة فهي كالمرتابة باتفاق فعدتها سنة، وإن ميزت فروايتان، واختار ابن القاسم أنها تعمل على المميز الذي لاشك فيه وهو المشهور، واختار ابن وهب أن تعتد بالسنة كالأوىل وتمييزه برائحته ولونه، وقال ابن المواز بكثرته أي أن دم الحيض كثير ودم الاستحاضة قليل، والأمة في ذلك كالحرة.
[ ٥ / ٢٠ ]
تنبيه:
الباجي: انتظارها سنة ظاهر في تقديم الاستحاضة وأما في تأخيرها ففيه نظر وذلك أن الاستحاضة لا تكون إلا بعد حيض، فإذ وجد الحيض بطل حكم الريبة بارتفاع الحيضة واعتدت بالأقراء، فلا يجوز أن يضاف ما بعد الحيض والاستحاضة إلى ما قبله، وقاله ابن القاسم. تستأنف بالمستحاضة التي ينقطع عنها الدم سنة من يوم انقطعت الاستحاضة، ووجهه أن الاستحاضة ليست من جنس انقطاع الدم فلا تلفق. وقال بعضهم: إذا قلنا تبني على أيام الاستحاضة فاختلف إذا لم تعلم أول الدم هل كان حيضًا أو استحاضة؟ فقيل: محمله على الاستحاضة وتكون السنة من يوم الطلاق.
محمد: والقياس أن تكون السنة من بعد قدر حيضة والاستطهار.
وأَمَّا الصَّغِيرَةُ والْيَائِسَةُ حُرَّةُ أَوْ أَمَةً فَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهِلَّةِ
لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي كذلك، وقوله: (حرة أو أمة) هو المشهور، ووجهه أن الحمل لا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر. وحكى ابن بشير قولين آخرين: شهر ونصف. والثاني: شهران. وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي فلم تدروا ما عدتهن، هكذا فسره مالك في العتبية، وقال ابن بكير والقاضي إسماعيل: إن ارتبتم في معاودة الحيض، قالا: ولو كانت ريبة ماضية في الحكم لكان حقها أن ارتبتم بفتح الألف من إن. قالا: واليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء، يقال: يئست من الحيض لشدة مرض ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يقال: يئست من الميت الذي قد انقطع منه الرجاء.
قال اللخمي: والأول أحسن لقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ولا يجتمع الإياس والشك وقال بعض المفسرين: المعنى: إن ارتبتم هذ الدم الذي ظهر من المرأة استحاضة أو حيض معهود أو كبر؟ وقال بعضهم أنه متصل بأول السورة، والمعنى
[ ٥ / ٢١ ]
لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة، قيل: وهو الأصح في معنى الآية. وقوله: (بِالأَهِلَّةِ) ظاهر.
فَإِنِ انْكَسَرَ الأَوَّلُ تُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ مِنَ الرَّابعِ، وقِيلَ: تُمِّمَ الثلاثة
أي فإن انكسر الشهر الأول بأن طلقها في أثناء شهر، وما قدمه المصنف هو في المدونة على بعض الروايات، لكن صرح عياض وغيره بأن ذلك إنما هو عن ابن شهاب وربيعة.
المتيطي عن بعض القرويين: وقولهما مخالف لقول مالك. وقال أبو عمران: لعل ربيعة يريد إذا لم تر الأهلة مثل أن يغم الهلال، وهو أحسن من الخلاف، والقول الثاني هو مذهب المدونة، ونص عليه في كتاب أكرية الدور، وصرح بعضهم بمشهوريته، وهو الذي يأتي على ما ذكره المصنف في الظهار بقوله: فإن انكسر الأول تمم المنكسر ثلاثين من الثالث، وهو الظاهر لأن المطلوب ما يصدق عليه ثلاثة أشهر، وذلك حاصل بهذا القدر، ووقع في بعض النسخ تقديم هذا القول وهي أحسن.
قَالَ مَالِكٌ: وتُلْغِي الْيَوْمَ الأَوَّلَ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: تَحْتَسِبُ بهِ إِلَى وَقْتِهِ
أي: إذا طلقت في بعض يوم- وعلى قوله الأول- أنها تحتسب به إلى وقته فتحل في تلك الساعة. قال في البيان: ووجهه أنها تجب عليها بإجماع أن تبتدئ العدة من تلك الساعة ولتجتنب الطيب والزينة من حينئذ إن كانت عدة وفاة فيجب أن تحل في تلك الساعة. قال: ووجه الثاني أن السنة والشهر واليوم لما كان أول كل واحد منها غروب الشمس عند العرب والعجم وجب إلغاء بعض اليوم. وعلى الثاني: لو تزوجت بعد الوقت الذي هلك فيه زوجها وقبل غروب الشمس لفسخ النكاح. وقال ابن القاسم: لا يفسخ. وهو قول ثالث وهو استحسان مراعاة للخلاف.
[ ٥ / ٢٢ ]
فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ تَمَامِهَا عَادَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ
يعني: فإن رأت الصغيرة الدم قبل تمام الأشهر فإنها تلغي ما قدم وتعتد بالأقراء ولو كان ذلك في آخر يوم من الأشهر لأنها إنما اعتدت بالأشهر لتعذر الحيض، وإنما خصصنا كلامه هنا بالصغيرة كما قال ابن راشد، ولم نعممه في الصغيرة والكبيرة كما قال ابن عبد السلام لأنه سيتكلم في اليائسة. والعدد بالنسبة إلى الصغيرة مجاز لأنه حقيقة في الرجوع إلى شيء تقدم، ثم كلامه مقيد بما إذا كانت في سن من تحيض وأما من لم تحِض فلا اعتبار به وهو دم علة وفساد كما لو رأته بنت الستة ونحوها، وهذا معنى قوله:
وما تَرَاهُ مَنْ لا يَحِيضُ مِثلُها لا اعْتِدَادَ بِهِ
ثم تكلم على اليائسة فقال:
وَما تَرَاهُ الْيَائِسَةُ يُسْأَلُ النِّسَاءُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حَيْضًا انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَهُ كَالْمُرْتَابَةِ بَعْدَ حَيْضَة
أي إذا قال النساء أنه حيض فليست بيائسة، وإنما معنى الكلام [٤٠١/ب] وما تراه من شك في كونها يائسة فإن قلن أنه حيض انتقلت إليه. قال في المدونة: وإن قلن ليس بحيض وكانت في سن من لم تحض من بنات السبعين والثمانين لم يكن ذلك حيضًا وتمادت بالأشهر. ونص في المقدمات في كتاب الطهارة على أنه إذا شك في هذا الدم أنه يحكم له بحكم الحيض حتى يظهر.
وَاَّلتِي لَمْ تَحِضْ، وإن بَلَغَتِ الثَّلاثِينَ كَالصَّغِيرَة
يريد: وأكثر من الثلاثين، وقد صرح في أصل المدونة بأن الأربعين كذلك، قال علماؤنا: وأما لو حاضت مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين كثيرة لمرض أو غيره، وقد
[ ٥ / ٢٣ ]
ولدت أو لم تلد ثم طلقت فإن عدتها بالأقراء ما لم تبلغ سن من لم تحض، فإن أتتها الأقراء وإلا تربصت سنة كما تقدم.
وَالْحَامِلُ تَحِلُّ بِوَضْعِ جَمِيعِ حَمْلِهَا لا بأَحَدِ التَّوْءَمَيْنِ، ولِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي، ولا فَرْقَ بَيْنَ الْكَامِلِ والْعَلَقةِ كَالاسْتِيلادِ
لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وذلك يتناول جميع الحمل، فلذلك فلا تحل إلا بوضع الثاني، فإذا لم تحل كان للزوج الرجعة، ولفظ الحمل يتناول الكامل والعلقة ونص في المدونة في إرخاء الستور على أنها تحل بالمضغة والعلقة وتكون بها أم ولد، ونص في الاستبراء على أن الدم المجتمع كذلك. وقال أشهب: لا تحل بالدم المطلقة ولا تكون به الأمة أم ولد. قيل: وعلامة هذا الدم عند ابن القاسم أن يصب عليه الماء فلا يذوب.
ابن عبد السلام: وما تقدم من أنها تحل بالدم عند ابن القاسم ولا تحل به عند أشهب هو المعلوم من المذهب وعكسه عياض في بعض تواليفه.
والْمُرْتَاَبَةُ بحَسِّ الْبَطْنِ لا تُنْكَحُ إِلا بَعْدَ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ، وهُوَ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، ورُوِيَ أَرْبَعَةٌ، وسَبْعَةٌ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا تَحِلُّ أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ
ما ذكره المصنف أنه المشهور كذلك، قال ابن شاس وغيره، وهو قوله في كتاب العدة من المدونة، والقول بالأربع هو أيضًا في كتاب العتق من المدونة.
عبد الوهاب: وهي الرواية المشهور. قال ابن الجلاب: هو الصحيح. وروى أشهب عنه أن أقصاه سبعة أعوام، وقال أشهب: لا تحل أبدًا حتى يتبين براءتها من الحمل. قال: وأرى أن المرأة تلد أبدًا إذا كانت ترى الدم حتى يذهب عنها ثم تستقبل تسعة أشهر. وهذا يصحح النسخة التي ذكرناها وهي قوله: حتى يتبين، لا ما وقع في بعض النسخ: حتى
[ ٥ / ٢٤ ]
يتأيس، من الإياس لأنه لا يلزم من بلوغها سن الإياس أن لا يكون في بطنها حمل متقدم وإنما يمنع الإياس ابتداء الحمل، ويمكن أن يكون المعنى: حتى تيأس من الحمل، فيتفق معنى هذه والأولى، وما جاء هذا الإشكال إلا من فهم الإياس من الحيض، ونقل الجوهري في إجماعه عن محمد بن الحكم أن أكثره تسعة أشهر.
ابن عبد السلام: ولا أعلم له موافقًا كما لا أعلم له موجهًا لأن العيان يقتضي خلافه بما لا يشك فيه ولعله لم يصح عنه. وروي عن مالك أنه لا تحد في ذلك بل يلحق الولد بما يقول النساء أنه يلحق به. وهو أظهر، وسيأتي هذا القول من كلام المصنف.
والنِّسَاءُ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَوَاءٌ
أي: فيما تقدم، وهو أكثر مدة الحمل، ولعله إنما ذكر هذا إشارة إلى دفع ما يقال أنه وجد من بني فلان من لا تلد إلى كذا، وفي بني فلان من لا تلد إلى كذا.
ولَوْ أَتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَقْصَى الْحَمْل لَحِقَ بِهِ إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باللِّعَانِ، ولا يَضُرُّهَا إِقْرَارُهَا بانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لأَّنَّ الْحَامِلُ تَحِيضُ
يعني: أن المرأة المطلقة- وفي معناها المتوفى عنها- إذ أتت بعد انقضاء العدة بولد فإنه يلحق به إذا أتت به لما يلحق فيه الولد، ولا ينتفي عنه إلا بلعان لأن الولد للفراش، وكلام المصنف ظاهر التصور وهو مقيد بما إذا لم تتزوج غير هذا الزوج أو تزوجت غيره وأتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، وحينئذ ينفسخ نكاح الثاني لأنه نكاح في عدة وترجع إلى الأول، وأما إن أتت به لستة أشهر فأكثر فهو لاحق بالثاني قطعًا.
وَفِيهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ بأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِد مِنْهُمَا وحُدَّتْ واسْتَضْعَفَهُ بَعْضُهُمْ وقَالَ كَأَنَّ تَحْدِيدَ خَمْسِ سِنِينَ فَرْضٌ
إنما لم يلحق بالأول للزيادة على الخمس سنين ولم يلحق بالثاني لنقصانه عن أقل الحمل، إذا لم يلحق بواحد منهما فتحد قطعًا، والمستضعف لهذا هو القابسي. ابن يونس:
[ ٥ / ٢٥ ]
وكان يستعظم أن ينفى الولد من الزوج الأول، وتبعه على ذلك اللخمي، وهو استضعاف ظاهر، ولظهوره عقب المصنف ذلك بقوله:
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِمَا يُشْبِهُ لَزِمَ
وإلا فكان الأليق بالمصنف أن يقدم هذا القول لما ذكر الخلاف والله أعلم.
وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلا بَيِّنَةَ اسْتَانَفَتِ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ إِقْرَارِهِ وَوَرِثَتْهُ فِيهَا فِي الَّرجْعِيِّ، ولا يَرِثُهَا وَلا رَجْعَةَ لَهُ إِنِ انْقَضَى قَدْرُ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِ طَلاقِ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ طلَّقَ
صورة المسألة من كلامه ظاهرة وإنما استأنفت العدة من يوم أقر لأن العدة حق لله تعالى [٤٠٢/أ] فلا يصدق في إسقاطها ولذلك ورثته في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، وإنما لم يرثها ولم تكن له رجعة إذا انقضت العدة من يوم طلاق إقراره لأنه أقر أنها حينئذ أجنبية، فالشرط في قوله: (إِنِ انْقَضَى) راجع إلى مسألتي الميراث والارتجاع معًا. قال في المدونة: وإن كان الطلاق بتاتًا لم يتوارثا بحال.
أبو الحسن: وانظر لو قال الزوج: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى هل يصدق وتكون له الجرعة كما صدقوا المرأة إذا دعت أن زوجها طلقها ثلاثة ولم تصدق عليه ثم خالعها وأرادت نكاحه وقالت: إنما أقررت بذلك لإسقاط النفقة والسكنى لأتخلص منه أن ذلك لها وكما صدقوها إذ طلقت وادعت أنها حامل ثم تقول: لم يكن بي حمل وإنما قلت ذلك ليراجعني زوجي.
وقوله: (وَإِنْ كَانَتْ بيِّنَةٌ) أي تشهد بما أقر به فالعدة من يوم شهدت البينة، لأن قيام البينة يقطع كل تهمة. قال في التهذيب، ويرجع عليها بما أنفقته من ماله بعد طلاقه قبل علمها لأنه فرط، زاد في أصل المدونة بخلاف المتوفى عنها تنفق من مال زوجها بعد موته فللورثة الرجوع عليها.
[ ٥ / ٢٦ ]
مالك في العتبية: وترجع أيضًا بما تسلفت في الطلاق. وقال ابن نافع: لا ترجع بما تسلفت بخلاف ما أنفقت. ابن المواز: ولو قدم عليها رجل واحد يشهد بطلاقها فأعلمها أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد عندها من يحكم به السلطان في الطلاق.
وَزَوْجَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا- صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، بنِكَاحٍ صَحِيحٍ غَيْر الْحَامِلِ مِنْهُ- تَعْتَدُّ صَغِيَرةً أَوْ كَبِيرَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مَدْخُولًا بهَا أَم لا- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَشَهْرانِ وخَمْسُ لَيَالٍ
أي: أن المسلم مطلقًا سواء كان صغيرًا أو كبيرًا إذا توفي عن زوجته صغيرة كانت أو كبيرة تعتد لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:٢٣٤] الآية، ولم يفرق هنا في الزوج والزوجة بين أن يكونا صغيرين أو لا، لأن الزوج لما كان معدومًا في عدة الوفاة حسم الشرع الباب وأوجب له العدة مطلقًا بخلاف الطلاق فإن الزوج يبحث عن حال المعتدة ويذب عن نفسه. واحترز بقوله: (غير الحامل) من الحامل فإن عدتها وضع حملها كما سيأتي. وقوله: (فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً) يريد: أو فيها بقية رق. وحكى ابن أبي زيد وابن العطار عن مالك أنه لا عدة على أمة توفي عنها زوجها قبل البناء وإن كان مثلها يوطأ، وهي رواية شاذة.
وَتُجْبَرُ الذِّمَّيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ، ورُوِيَ فِي الْحُرَّةِ الذِّمِّيَّةِ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ
أي: العدة المتقدمة وهي أربعة أشهر وعشر، وجبرت إما لعموم الآية وإما لأنه حق بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم، والرواية أنها تعتد بثلاثة قروء حكاها ابن الجلاب وغيره.
[ ٥ / ٢٧ ]
وقوله: (ولا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ): هكذا وقع في نسختي ولم يقع ذلك في نسخة ابن عبد السلام وابن راشد، وعلى وقوعها فليست ابتداء مسألة وإنما هي من تمام الرواية الثانية، ففي الجواهر: وروي الحرة الذمية أنها تستبرأ بثلاث حيض، ويشرط في هذه الرواية كونها مدخولًا بها وإلا فلا عدة عليها، وأما على المشهور فتعتد بأربعة أشهر وعشرًا، وهكذا أشار ابن الجلاب وغيره.
تنبيه:
يعني: أن ما قدمه من أن المتوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشرًا إنما هو في النكاح الصحي، وأما الفاسد فإنها تلحق بالمطلقات فإن دخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها استبرئت بثلاث حيض وإن لم يدخل بها فلا شيء عليها لأن الحكم يوجب فسخه، وتحقيق المذهب أن الفساد إن كان مجمعًا عليه ولم يدخل بها فلا عدة، وإن دخل بها فعليها الاستبراء خاصة على المشهور، وقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن كان مختلفًا فيه ولم يدخل فمن ورثها قال: عليها العدة، ومن لم يورثها لم ير عليها شيئًا. وإن كان دخل ففي اعتدادها بالأشهر أو الأقراء قولان، روى ابن المواز عن ابن القاسم فيمن تزوج في المرض ثم مات أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، وقال أيضًا أنها تعتد بثلاثة أقراء، والأول أظهر.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لابُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهَا فِي الْمُرْتَابَةِ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا. والْمَشْهُورُ: إِنْ تَمَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا فَلا، ويَنْظُرُها النِّسَاءُ وإِلا فَنَعَمْ
لا خلاف أن المعتدة في الوفاة تحل بمضي الشهر إذا حاضت في أثنائها، واختلف إذا لم تحض، فروى أشهب: لابد من حيضة كانت أيام طهرها أقل من العدة أو أكثر، وإن لم
[ ٥ / ٢٨ ]
تحض فلا بد من تسعة أشهر. وإلى هذا أشار بقوله: أو ما ينوب عنها في المرتابة. وفي قوله: (قَالَ أَشْهَبُ) نظر، لأنه يوهم أن أشهب قاله، والمنقول عنه في المنتقى والمقدمات وغيرهما كقول [٤٠٢/أ] ابن الماجشون: لا يحتاج إليها، وتكفيها أربعة أشهر وعشر لأنه لو كانت الحيضة مشروطة لبينته الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] والمشهور تصوره واضح ووجهه بين، لأن تأخير الحيض إذا كانت عادتها أن تحيض قبل مضي مقدار العدة ريبة بخلاف ما إذا كانت عادتها أنها لا تحيض في قدرها، فإن التأخير هنا لا يوجب ريبة، ولذلك اتفق على أن المرضع والمريضة تحل بمضي أربعة أشهر وعشر، قاله ابن بشير لأنها لم يتأخر الحيض عنها لريبة في الحمل وإنما ذلك لما نزل بها، وعلى المشهور فتكون الآية مخصصة بمن لم تحصل لها ريبة بتأخير الحيض وهو مبني على تخصيص العموم بالمعنى. وما ذكره المصنف أنه المشهور رواه مطرف عن مالك، وحاصله أنها تبرأ بمضي أربعة أشهر وعشر بشرطين: أن تتم العدة قبل مجيء عادتها، وأن ينظرها النساء ويقلن لا ريبة بها. وإلى الشرط الثاني أشار بقوله: وينظرها النساء، أي إذا تمت العدة قبل عادتها.
قوله: (وإِلا فَنَعَمْ) أي وإن قال النساء: بها ريبة، فلابد من الحيضة أو ما يقوم مقامها، وهذا الخلاف في المدخول بها.
القاضي أبو محمد: وأما غير المدخول بها فتحل بمضي العدة وإن تأخر حيضها. وروى ابن المواز وابن سحنون أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر إلا أن ترتاب بتأخير الحيض فترفع لتسعة أشهر.
وفِي الْمْستَحَاضَةِ قَوْلانِ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْر، وتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَالتَّفْصِيلُ أَيْضًا فِي الْمُمَيِّزَةِ
اقتصر الباجي على القول بأنها تعتد بتسعة أشهر، وحكاه اللخمي وابن بشير وحكيا أيضًا القول بأنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، واستحسنه اللخمي لعموم الآية. قال ابن
[ ٥ / ٢٩ ]
عبد السلام: والقولان لمالك نصًا، وأما الثالث فتخريج، ومعناه أنها إن كانت غير مميزة تربصت تسعة أشهر وإلا اكتفت بالأربعة أشهر وعشر إن أتتها فيها حيضة، كما تقدم.
وَأَمَّا الأَمَةُ فَقِيلَ: لا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْعِدَّةِ اتِّفَاقًا، وإِنَّمَا تَحِلُّ بِمَا تَحِلُّ بِهِ الأَمَةُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ مَعَهَا، وقِيلَ: تَحِلُّ الْمُرْضِعُ بِمُضِيِّهَا، وفِي الْعُتْبِيَّةِ: تَحِلُّ مُطْلَقًا
حاصل ما ذكره طريقان: أحدهما: أن ما تقدم من الخلاف في اشتراط الحيضة في عدة الوفاة إنما ذلك في عدة الحرة، وأما الأمة فالاتفاق على أنها لا تحل بمجرد مضيها لقصر أمدها فلا يظهر الحمل فيها.
وقوله: (وإِنَّمَا تَحِلُّ إلخ): ليس بظاهر لأنه لا يؤخذ منه الحكم، ولا يقال: لعله شبه لإفادة الحكم لأن التشبيه لإفادة إنما يكون إذا ذكره. وقد اختلف بما تحل به الأمة المتأخر زمان حيضها في الشراء، هل بثلاثة أشهر أو تسعة؟ ومقتضى المدونة أنها تحل بثلاثة إلا أن ترتاب، ففيها: ومن اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت أجزائها عن العدة والاستبراء، وإن تمت عدتها ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة.
قيل لابن شاش: ما فائدة التسعة وهي لا تبرأ إلا بزوال الريبة؟ قال: معنى ذلك إذا أحست شيئًا عند الثلاثة وارتفعت إلى التسعة كفتها التسعة إن لم تزد تلك الريبة، وأنها لا تزيد على التسعة إلا أن تزيد تلك الريبة. ابن عبد السلام: والمشهور أنها ترفع إلى تسعة أشهر.
خليل: ولعله يريد مع الريبة ليوافق المدونة. وقول المصنف: وإنما تحل بما تحل به الأمة في الشراء: يحتمل أن يريد به القولين أو على أحدهما، والأقرب أنه يريد القول بالثلاثة
[ ٥ / ٣٠ ]
الأشهر لأنه الذي في الجواهر، وهو مقتضى المدونة كما ذكرنا، وكذلك مذهب الرسالة فإنه نص فيها على أن الأمة التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بني بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر، وهذه الطريقة ضعيفة فإن ما حكاه المصنف عن العتبية في الطريقة الثانية يبطل الاتفاق.
وقوله: (تَحِلُّ مُطْلَقًا) أي سواء كان يخشى منها الحمل أو لا، وحكى غير واحد في هذه المسالة ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم في العتبية: تحل وإن كانت شابة يخشى منها الحمل، وفي إحدى الروايتين عن مالك أنها تكمل ثلاثة أشهر ولا تحل بدونها، وقال في الموازية: إن كانت ممن يخشى منها الحمل فثلاثة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة أو لم يدخل بها فشهران وخمس ليال. اللخمي: وهو أحسنها، والقول بأن المرضع تحل بمضيها هو أيضًا لابن القاسم في العتبية.
والْحَامِلِ بِوَضْعِهَا ولَوْ لَحْظَةً، ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا
يعني: والحامل المتوفى عنها تحل بوضعها ولو ولدت بعد موته بلحظة.
(ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا) ولو تزوجت غيره، وهذا مذهب الجمهور. ورأوا أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ونقل عن علي وابن عباس: إنما تعتد بأقصى [٤٠٣/أ] الأجلين، وبه قال سحنون، ودليل الأول ما في الصحيح أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج، وصرح البخاري (لأربعين ليلة)، وفي الموطأ: (نصف شهر).
الباجي: وهذه القضية من آخر ما حكم به النبي ﷺ، لأن سبيعة كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع.
[ ٥ / ٣١ ]
وقوله: (ولَهَا غُسْلُ زَوْجِهَا ولَوْ بَعْدَ نِكَاحِهَا): تصوره بين.
ابن الماجشون: وإن ماتت الزوجة وكان قد تزوج أختها فله أن يغسلها. وقال ابن حبيب: أحب إلى إذا نكح أختها أن لا يغسلها.
ابن يونس: وعندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره فأحب إلى ألا تغسله. وهو ظاهر، ولا يوجد دليل على جواز نظر المرأة إلى فرج رجلين في وقت واحد.
وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وقِيلَ: إِلَى أَقْصَى الأَجَلَيْنِ
يعني: أن المطلقة الرجعية سواء كانت حرة أو أمة إذا مات زوجها عنها انتقلت إلى عدة الوفاة وتبطل العدة التي كانت فيها لأن المطلقة طلاقًا رجعيًا حكمها حكم الزوجة في الإرث والنفقة والسكنى وهذا هو المشهور. وقال سحنون: عليها أقصى الأجلين. ورأى أن الطلاق أوجب عدة والموت أوجب أخرى فلا يبطل الموت ما تقدم بالطلاق.
خليل: وانظر لو كانت حاضت حيضة قبل الموت ثم لم تأتها حيضة في عدة الوفاة فهل تكتفي بتلك الحيضة وهو الظاهر من جهة المعنى أو لا؟ وهو ظاهر كلامهم.
وقوله: (وَالْمَوْتُ يَنْقُلُ الرَّجْعِيَّةَ) احترز به من المطلقة طلاقًا بائنًا فإن الموت لا ينقلها.
وَلا يَنْقُلُ الْعِتْقُ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ
يعني: إذا طلقها طلاقًا رجعيًا ثم عتقت فإنه تتم عدة الأمة لأن العتق ليس بموجب للعدة، وحاصله أن الناقل ما أوجب عدة.
وَلذَلِكَ لَوْ عُتِقَت ثُمَّ مَاتَ َفعِدَّةُ الْحُرَّةِ لِلْوَفَاةِ لأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا نَقَلَهَا صَادَفَهَا حُرَّةً، ولَوْ مَاتَ ثُمَّ عُتِقَتْ فَعِدَّةُ أَمَةٍ
يعني: ولأجل ما قدمه من أن الموت ينقل وأن العتق لا ينقل كان الحكم فيمن طلق زوجته طلاقًا رجعيا ثم عتقت ثم مات عنها أن عليها عدة الحرة، لأن الموجب لعدة
[ ٥ / ٣٢ ]
الوفاة حصل في حال كونها حرة بخلاف ما إذا مات ثم عتقت لأن الموجب- وهو الموت- لما نقلها لم يصادف حرة فتستمر على عدة الأمة شهرين وخمس ليال.
ابن عبد السلام: وسواء تقدمت لها حيضة أم لا، غير أنه إن تقدمت اكتفت بما انتقلت إليه، وإن لم تتقدم لها حيضة فاسلك بها ما تقدم في عدة الأمة للوفاة إذا لم تر فيها دمًا، وكذلك تفعل في التي تقدم عتقها على موت مطلقها.
وَلا تَنْتَقِلُ ذِمِّيَّةٌ تُسْلِمُ تَحْتَ ذِمِّيِّ بَعْدَ الْبِنَاِء فَيَمُوتُ فِي عِدَّتِهَا
إنما لم تنتقل الذمية وإن كان الزوج أملك بها إذا أسلم لأنها في حكم البائن، وإنما كان أملك بها إذا أسلم تأليفًا على الإسلام لا لكونها رجعية، وأيضًا فالخطاب في عدة الوفاة إنما وقع للمسلمين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. احترز بقوله: (بَعْدَ الْبِنَاِء): مما لو مات عنها قبله فإنها لا عدة عليها.
[ ٥ / ٣٣ ]
وَيَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ إِرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ الْبَرَاءَةُ بِوَجْهٍ قَوِيِّ اتِّفَاقًا كَذَاتِ السَّيِّدِ والْمَسْبِبَّةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ زَوْجِها، وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ أَوِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا إِذَا كَانَتَا مِمَّنْ يَحْمِلْنَ عَادَةً كًبِنْتِ َثلاثَ عَشْرَةَ، وخَمْسِينَ
أصل اشتقاق الاستبراء من التبري وهو التخلص، ثم استعمل لغة في الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وفي الشرع في الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب، وهو واجب كإيجاب العدة في الزوجات لما رواه أبو داود أنه ﵊ قال في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة».
الأبهري: ويجب الاستبراء بأربعة شروط: الأول: الملك، الثاني: ألا تعلم براءة الرحم، الثالث: أن يكون وطء تلك الأمة مباحًا في المستقبل، والرابع: أن لا يكون الفرج محللًا له قبل الملك، واحترز بالأول مما لو تزوج أمة فإنه لا يجب عليه استبراؤها، وبالثاني مما لو علمت براءتها كما لو حاضت الأمة المودعة عنده ثم اشتراها، وبالثالث مما لو اشترى ذات زوج، وبالرابع مما لو اشترى زوجته، وقال غيره: إذا اجتمع نقل الملك مع عدم الحوز وجب الاستبراء، وإن انتفى الأمران أو أحدهما فلا استبراء، وكلام الأبهري أحسن لأن هذا الكلام يقتضي أن الإنسان إذا اشترى أمة متزوجة بالغير أن عليه الاستبراء وليس كذلك، وقال بحصول الملك ولم يقل كغيره ينقل الملك ليدخل في كلامه ما أخذه بالغنيمة من أيدي الكفار مما أخذوه من أموال المسلمين بالقهر فإنهم إنما لهم فيه شبهة الملك على المذهب، وقسم المصنف أنواع الملك بقوله: (أَوْ غَيْرِهِ إلخ).
وقوله: (أَوْ إِقَالَةٍ)، يريد إلا أن يتقايلا قبل التفرق فإنه لا استبراء. نص عليه في المدونة، ويؤخذ هذا التقييد [٤٠٣/ب] من كلام المصنف من قوله: (إِذَا لَمْ تًؤْمَنِ) لأنه إذا حصل التقايل قبل التفرق علمت البراءة.
[ ٥ / ٣٤ ]
وقوله: (كَذَاتِ السَّيِّدِ) هو أيضًا من الأمثلة التي لا تعلم فيها البراءة لأنها إذا كانت ذات سيد ثم انتقلت إلى غيره فذلك الغير لم يعلم براءة رحمها لاحتمال أن يكون السيد قد وطئها.
وقوله: (والْمَسْبِبَّةِ) ظاهر، وفيها جاء الحديث المتقدم.
وقوله: (وإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ إلخ) (إن) للبالغة بمعنى (لو) أي يجب الاستبراء على كل من يمكن حملها سواء كانت من رأت دم الحيض أم لا، وجعل سن الصغيرة التي يمكن حملها ثلاثة عشر، وسن الكبيرة التي يمكن حملها خمسين، وتقدم في الطهارة فيمن سنها خمسون هل يحكم لم تراه من الدم بحكم الحيض أم لا؟ وكذلك اختلفوا هنا في العدد هل يحكم لها بحكم اليائسة أم لا؟
وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْضَعَ فِيهَا فَاشْتْرُيِتْ فَحَاضَتْ فِي الطَّرِيقِ.
يعني: وكذلك يجب الاستبراء إذا أبضع في جارية، أي إذا أرسل دراهم مع شخص ليشتري له بها جارية فاشتراها، وظاهر كلامه أنه لا فرق في ذلك بين أن يأتي بها المبضع معه أو يرسلها مع غيره، وإنما ذكر في المدونة المسالة فيما إذا أرسلها مع غيره.
عياض: ووجب الاستبراء هنا لأنها قد خرجت من يد مشتريها المؤتمن عليها، ولهذا فارقت المودعة التي تخرج ولو كان مشتريها هو الذي أتى بها إليه كانت كمسألة المودعة، وقال أشهب: تجزئها حيضتها في الطريق ولو أرسلت مع وكيل، ولا استبراء عنده من سوء الظن، وعلى هذا فيقيد كلام المصنف بما إذا بعثها مع غيره، واستشكل قول ابن القاسم بوجهين: أحدهما: لو وجب الاستبراء بسوء الظن لزم ألا يطأ من إيمائه إلا من لا تتصرف، وأن لا يطأ في كل طهر إلا مرة، ثانيهما: أن ابن القاسم وافق في الأمة المودعة، وكذلك الأمة المرتهنة تفدى على أن لا استبراء فيهما، فكان يلزمه ألا يستبرئ في المسالة المذكورة لأن المبضع معه والرسول أمينان، وأجيب بأن المبضع معه بعثها مع غيره بغير
[ ٥ / ٣٥ ]
إذن ربها فأشبه الغاصب فليس استبراء سوء الظن، ولا تشبه أيضًا الوديعة للتعدي، وفيه نظر الوديعة.
فإِنْ أمنت قَطْعًا أَوْ بِوَجْهٍ قَوِيِّ كَالاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجِبِ اتِّفَاقًا كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيٍر فَيَسْتَبْرِئُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ولَمْ تَخْرُجْ، أَوْ لِشَرِيكِهِ، أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ ولَمْ تَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ
ظاهره أن فاعل (أمنت) عائد على البراءة لأنه قسيم قوله: (إذا لم تؤمن البراءة) وصوابه على هذا أن يقول فإن حصلت البراءة أو اعتقدت بوجه قطعي أو بوجه ظني قوي، ويمكن أن يكون فاعل (أمنت) ضميرًا عائدًا على المشتراة المفهومة من السياق، والأول أقرب إلى لفظه كما ذكرنا، والثاني أولى لسلامته مما أورد على الأول، والله أعلم.
قوله: (كَالاسْتِبْرَاءِ) مثال لما علمت فيه البراءة بوجه ظني.
وقوله: (كَمَنْ لا تُطِيقُ الْوَطْءَ) مثال لما علمت فيه البراءة قطعًا، واعترضه ابن عبد السلام بأن الكلام إنما هو فيمن يمكن وطؤها وفيه نظر، ونص المتيطي أن بنت ثمان سنين لا تطيق الوطء وعمل بذلك وثيقة، وإنما لم يجب الاستبراء هنا لأنه إنما وجب خشية وطء الحامل، وقد انتفى الحمل إما بالقطع وإما بالظن.
وقوله: (كَمَنْ حَاضَتْ) هذه أمثلة لما ظن فيها البراءة لأنها إذا حاضت تحت يده سواء كانت لزوجته أو ولده الصغير ثم اشتراها حصل الظن القوي ببراءة رحمها.
وقوله: (مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ) راجع إلى مسألة الولد.
وقوله: (ولَمْ تَخْرُجْ) أي وأما إن خرجت فإنه يجب عليها الاستبراء لسوء الظن، وهذا الشرط إنما هو على قول ابن القاسم وأما على قول أشهب فلا.
[ ٥ / ٣٦ ]
ابن عبد السلام: والظن في التي انتقلت إليه من ابنه أقوى منه في المنتقلة إليه من زوجته لأن نظره في الأولى أتم، ولهذا فصل أشهب في جارية زوجته على ما حكاه عنه محمد، فقال: إن كانت معه في دار هذا الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه كانت تخرج أم لا تخرج، فظاهر هذا أن الزوج لو لم يكن هو الذاب عنها لكان لها حكم غير هذا.
وقوله: (أَوْ لِشَرِيكِهِ) أي اشترى نصيب شريكه وهي تحت يده.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا) لا خفاء في اشتراط عدم دخول سيدها، وأما اشتراط عدم خروجها فهو مبنى على قول ابن القاسم لا على قول أشهب.
وقوله: (أَوْ بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله: (وَكَمَنْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِزَوْجَتِهِ) تقديره كمن حاضت تحت يده حالة كونها لزوجته أو بوديعة. وقول ابن عبد السلام أن قوله (بِوَدِيعَةٍ) معطوف على قوله (بِوَجْهٍ قَوِيِّ)، أو على ما عطف عليه بوجه قوي ليس بظاهر، لأن الوديعة أحد أمثلة الوجه القوي.
وقوله: (وكَالْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ) أي إذا اشترى أمة على الخيار إما له أو للبائع أو لأجنبي، وقبضها المشتري وحاضت في أيام الخيار، ثم أمضى من له الخيار البيع فلا يحتاج إلى استبرائها، وهذا حكم المشتري [٤٠٤/أ] وأما البائع ففي المدونة: ومن اشترى جارية بالخيار ثلاثة فتواضعاها أو كانت وخشًا فقبضها، فاختار من له الخيار ردها فلا استبراء على البائع، لأن البيع لم يتم فيها، قال: وأن أحب البائع أن يستبرئ التي غاب عليها المشتري وكان له الخيار خاصة فذلك أحسن، إذ لو وطئها المبتاع لكان بذلك مختارًا وإن كان منهيًا عن ذلك، كما استحب استبراء التي غاب عليها الغاصب. عياض: وأحب في مسألة الغاصب محمولة على الوجوب. قال: ويبينه ما وقع في أول الكتاب من قوله: (وعليه أن يستبرئها). قالوا: وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج. نص في الجواهر على استحباب الاستبراء إذا غاب عليها المشتري على ظاهر المدونة. وقال
[ ٥ / ٣٧ ]
القاضي أبو الفرج: القياس إذا غاب عليها المشتري وجوب الاستبراء. واستحسنه اللخمي. انتهى. خليل: والأقرب حمل المدونة على الوجوب في مسألة الخيار ولاسيما إذا كان الخيار للمشتري.
فَإِنْ أَمِنَتْ بِوَجْهٍ قَوِيٍّ يَقْصُرُ عَنِ الاسْتِبَراءِ فَقَوْلانِ، وهُوَ مَرَاتِبُ
هذا الكلام يتم به تقسيمه الذي بين فيه من يجب في حقه الاستبراء ومن لا يجب، وجعل الأقسام ثلاثة، إما ألا تعلم البراءة ولا تظن أولًا، فالأول يجب فيه الاستبراء ودخل فيه من ظن شغل رحمها ومن شك. والثاني إما أن تعلم براءة الرحم أو تظن بوجه قوي كالاستبراء الحاصل عنده قبل حصول ملكه أو يظن دون ذلك. وذكر في القسم الثالث في وجوب الاستبراء قولين، وجعله مراتب ولم يجعله مسائل لوجهين، لأن المراتب تفاوت الوجوه التي يقوى بها الاستبراء ويضعف، لأن المرتبة الواحدة يدخل تحتها مسائل، والمشهور في جميع المراتب الوجوب إلا الأولى.
الأُولَى: الْحَاصِلَةُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ، فَالْمَشْهُورُ: لا يَجِبُ
تصور كلامه ظاهر، ومقابل المشهور حكاه ابن شعبان وفضل عن أشهب أنه لابد من حيضة أخرى.
وقوله: (بِشَرْطِ أَلا يَمْضِيَ مِقْدَارُ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ) هكذا فسر محمد ذلك، وهو أحسن من قوله في المدونة: ومن ابتاع أمة في أول الدم أجزأه من الاستبراء، وأما في آخره وقد بقي منه يوم أو يومان فلا، لأن قوله في أول الدم أعم من المقصود، فإنها إذا كانت عادتها اثني عشر يومًا أو نحوها واشتراها بعد أربعة أيام صدق عليها أنها في أول الدم مع أنها لا تستغني ببقية هذا الدم عن الاستبراء. لكن ما أشار إليه المصنف إنما يأتي على رأي
[ ٥ / ٣٨ ]
أبي بكر بن عبد الرحمن، وذلك أنه اختلف في معظم الحيضة فذهب أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه يراعى أكثر الأيام، وحكى ابن القصار عن ابن مناس أن معظم الحيضة اليوم الأول والثاني، لأن الدم فيهما يكون أكثر اندفاعًا من باقي الحيضة وإن كثرت الأيام، والدم القوي وهو الذي يدفع ما في الرحم لا الرقيق.
الثَّانِيةُ: مَنْ تَحْتَ يَدِهِ إِذَا كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ مَنْ كَانَتْ لِغَائِبٍ أَوْ لِمَجْبُوبٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ أَوْ مُكَاتَبَةٍ تَتَصَرَّفُ ثُمَّ عَجَزَتْ ويُسَمَّى اسْتِبْرَاءَ سُوءِ الظَّنِّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ. وقَالَ أَشْهَبُ: لا يجِبُ
خاف ابن القاسم عليها الحمل من زنا أو اغتصاب فأوجب الاستبراء.
ابن راشد: وهو أقيس لفساد الزمان، ولم يعتبر أشهب هذا الاستبراء الذي أوجبه ابن القاسم لسوء الظن، لأن الدليل قام على الغاية في مملوكته التي تتصرف. وقد يجاب لابن القاسم أنه لو خوطب بالاستبراء في المملوكة لشق ذلك لتكرره بخلاف المشتراة، وألحق في الجواهر المشتراة من الصبي ونحوه المشتراة من محرم، وصرح بمشهورية قول ابن القاسم. وما ذكره المصنف من وجوب الاستبراء في المكاتبة هو نص قول ابن حبيب، وهو الذي نقله التونسي وابن شاس عن ابن القاسم، وهو ظاهر نقل المازري، لأنه قال: أثبت فيها ابن القاسم الاستبراء ونفاه أشهب. والذي في المدونة في أول كتاب الاستبراء: ومن كاتب أمته ثم عجزت أحببت له الاستبراء إلا التي في يده لا تخرج فالاستبراء عليها. وعلى هذا فيكون معنى أحببت أنه يجب عليه الاستبراء. وحمل أبو الحسن وابن عبد السلام المدونة على ظاهرها، وجعل المصنف مخالفًا لها. وقد اختلف ظواهر مسائل المدونة في رجوع المكاتب إلى يد ربه بسبب العجز، هل هو ملك مستأنف أم لا؟ وخلافهم في مسألة المكاتبة راجع إلى هذا المعنى.
[ ٥ / ٣٩ ]
خليل: وفيه نظر لأنه خلاف ما نقله التونسي وغيره عن ابن القاسم، ولأن علة ابن القاسم حاصلة في المكاتبة كغيرها.
وَالثَّالِثَةُ: كَالْمُطِيقَةِ وَالْياَئِسَةِ لا يَحْمِلانِ عَادَةً. وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِلذَّرِيعَةِ وِلِعُسْرِ تَبَيُّنِهِ
قال في الجواهر: كبنت التسع والعشر فإنه يمكن وطؤها ولا تحمل في العادة، وكبنت الخمسين. والقول بوجوب الاستبراء رواه ابن القاسم عن مالك، والقياس هو الشاذ، وهو رواية ابن عبد الحكم وابن غانم، لأن الاستبراء معلل بخشية الحمل، والفرض أن العادة تنفيه لولا ما عارضه من التعليل الذي أشار إليه المصنف، لأنه لو قيل بذلك لتوسل إلى [٤٠٤/ب] من يمكن الحمل منها، وأيضًا فإنه يعسر تمييز الزمان الذي يمكن فيه الحمل مما لم يمكن فيه، فلذلك أمر بالاستبراء في الجميع حسمًا للذريعة.
وَالرَّابعَةُ: كَالْوَخْشِ وَالْبِكْرِ
ذكر في الجواهر أن المشهور الوجوب فيهما، والقول بنفي الوجوب في الوخش حكاه المازري وغيره. والقول بنفي الوجوب في البكر للخمي، ورآه مستحبًا على وجه الاحتياط.
ابن عبد السلام: واحتمال الحمل في الوخش أقوى منه في البكر، فكان ينبغي ألا يجمع بينهما في مرتبة واحدة، بل احتمال الحمل في الوخش أقوى منه في الصغيرة واليائسة المذكورتين في المرتبة الثالثة، والذي قاله ظاهر لاسيما إن كانت الوخش شابة.
وَالْخَامِسَةُ: كَالْمُشْتَرَاةِ مُتَزَوِّجَةً فَتُطَلَّقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: تَحِلُّ مَكَانَهَا
يعني: إذا اشترى أمة ذات زوج ولم يبن بها، فبعد انعقاد البيع طلقها زواجها قبل أن يبني بها، فقال ابن القاسم: ليس للمشتري أن يطأها في تلك الحال، ولابد له من الاستبراء، لأنها لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم عقد النكاح عليها لحق بالزوج.
[ ٥ / ٤٠ ]
وقال سحنون: تحل للمشتري مكانها، إذ لا موجب عنده للاستبراء، لأن الفرض أنها غير مدخول بها. قول ابن القاسم أظهر لما ذكرناه، ولأن الزوج إنما يباح له وطؤها بإخبار السيد لأنه لا طريق له غير ذلك بخلاف المشتري، فإنا لو أجزنا له الوطء لكان أيضًا معتمده إخبار السيد، والمشتري لا يجوز له الاعتماد على ذلك باتفاق.
وَيَجِبُ بِرُجُوعِهَا مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبْيٍ
القاعدة أنه متى حيزت الأمة على وجه استباحة وطئها وجب استبراؤها إذا غلب عليها غيبة يمكن فيها الوطء، ولا تصدق الأمة إن قالت لم يطأني كما لا تصدق الحرة في ذلك. عياض: قالوا وعلى الغاصب نفقتها ومنه ضمانها حتى تخرج، قالوا ويلزم هذا فيمن زنى بأمة رجل طائعة أو مكرهة، لأن طوعها لا يبطل حق سيدها.
وَيَجِبُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ فِي غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ والْمُعْتَدَّةِ مِنْهُمَا
لما كان موجب الاستبراء ضريين، حصول الملك وزواله، وتكلم على الأول أتبعه بالثاني.
ابن هارون: يعني أن الأمة الموطوءة كانت مستولدة أم لا إذا عتقها السيد أو مات سيد أم الولد فلا تتزوج كل واحدة منهما إلا بعد الاستبراء بحيضة، وإن عقد قبل الاستبراء فسخ قبل الدخول وبعده لوقوع العقد في حالة يحرم الاستمتاع فيها لحق الغير. ثم إن هذا الاستبراء إنما يحتاج إليه إذا لم يكونا متزوجتين أو معتدتين، فإن كانا كذلك فلا استبراء، لأنهما إنما وجب استبراؤهما إذا لم يكونا معتدتين أو متزوجتين، لأنه لا مانع هناك للسيد من وطئهما، فاحتمل أن يكونا موطوءتين له بخلاف ما إذا كانتا متزوجتين أو معتدتين فإن هناك مانع له. وهذا معنى قوله في غير المتزوجة والمعتدة منهما، أي من الأمة وأم الولد.
[ ٥ / ٤١ ]
وَلَوِ اسْتَبْرَأَهُمَا أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا اسْتَانَفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ دُونَهَا
يعني: إذا استبرأ السيد الأمة أو أم الولد أو انقضت عدتهما من وفاة زوج كل منهما أو طلاقه، ثم أعتقهما وأراد السيد أن يزوجهما، فإن الأمة تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة بخلاف أم الولد فإنها لا تكتفي بذلك الاستبراء المتقدم أو العدة المتقدمة، وتحتاج بعد العتق إلى الاستبراء بحيضة، لأن أم الولد لما كان فيها عقد حرية كانت الحيضة في حقها كالعدة، فصارت بمنزلة الزوج يطلق امرأته بعد استبرائها بثلاث حيض فإنها لا تكتفي بذلك ولابد لها من استئناف العدة، لأن أم الولد فراش لسيدها ولا يخرجها عن ذلك إلا تزويجها، وإذا زالت عصمة النكاح عادت إلى الفراش بخلاف الأمة فإنها وإن كانت رائعة ليست بفراش حتى يقر السيد بوطئها.
وَاسْتَانَفَا فِي الْمَوْتِ مَعًا، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا
يعني: لو مات سيد أم الولد أو الأمة فإنهما يستأنفان معًا حيضة، لأن الميت يحتاط له. وقوله: (وَلَوْ كَانَ غَائِبًا) مبالغة، وسواء كانت الأمة أقر السيد بوطئها أم لا.
ابن عبد السلام: ولو قيل في الأمة المتوفى عنها سيدها ولم يقر بوطئها لا تحتاج إلى استبراء كان السيد غائبًا أو حاضرًا ما كان بعيدًا، ألا ترى أنها لو أتت بولد لم يلحق بسيدها، فلم يبق إلا الاستبراء من سوء الظن، وفيه ما قد علمت.
وقوله: (إِلا غِيبَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ َيْقَدَمْ مِنْهَا) أي: ولا يمكنه أن يأتي خفية. وفي معنى الغيبة التي يعلم أنه لم يقدم منها ما إذا كان مسجونًا. وما ذكره صحيح في الأمة، وأما في أم الولد فمخالف لما في المدونة، ففيها: وإن مات السيد وهي في أول دم حيضتها أو غاب عنها فحاضت بعده كثيرًا ثم مات عنها، فلابد لها من استئناف حيضتها بعد موته لأنها عدته، وإنما يأتي كلام المصنف على ما قاله عبد الوهاب في معونته أن الحيضة في الدم استبراء محض وليس بعدة.
[ ٥ / ٤٢ ]
وَلَوْ مَاتَ فِي أَوَّلِ دَمِهِمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لأَنَّهُ لَهَا كَالْعِدَّةِ
[٤٠٥/أ] يعني بخلاف الأمة فإنها تعتد به كما تقدم في الشراء. وما حكاه من عدم الاكتفاء في أم الولد هو المشهور، وفي الاستذكار عن القاضي إسماعيل أنها تكتفي بالحيضة التي مات وهي عليها، وهو جار على أن الحيضة في حق أم الولد استبراء محض.
وَيَجِبُ قَبْلَ تَزْوِيجِ الأَمَةِ، ويُقْبَلُ قَوْلُ السَّيِّدِ
أي ويجب الاستبراء، وهذا مقيد بالموطوءة. وأما إن لم يطأها ففي المدونة: لا يحتاج فيها إلى استبراء. وقبل قول السيد في الاستبراء لأنه لا يعلم إلا من جهته.
وَلَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَعِّيِ اسْتِبْرَاءٍ ولَمْ يَطَاهَا جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا اشترى أمة وزعم بائعها أنه استبرأها قبل بيعها على ما هو الأولى له.
وقوله: (ولَمْ يَطَاهَا) يوهم أن له وطئها بدعوى البائع، وهو لا يجوز حتى يستبرئها.
وقوله: (جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا) على المشهور، لأنه قد انتقل إلى المشتري حكم البائع.
ووجه الشاذ أن البائع كان له ذلك حيث كان له الوطء بخلاف المشتري، وهو قول سحنون. وقال ابن القاسم فيمن اشترى زوجته قبل البناء فأراد أن يزوجها: ليس له ذلك حتى يستبرئها، لأن بائعها لم يكن له أن يطأها. وقال سحنون: له أن يزوجها، لأن الوطء له جائز. وبالجملة فابن القاسم راعى حال البائع، وسحنون راعى حال المشتري.
وَيَجِبُ عَنِ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ كَمَنْ وُطِئَتْ بِاشْتِبَاهٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَمَنْ وَطئ أُخْتَ أَمَةٍ وَطأهَا ثُمَّ حَرَّمَ الأُولَى
ابن راشد: ولا خلاف في هذا وتصور كلامه ظاهر.
[ ٥ / ٤٣ ]
وَفِي اسْتِبْرَاءٍ الأَبِ أَمَةً لابْنِهِ فَوَطأهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَهَا فَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ قَوْلانِ
يعني: إذا وطئ الرجل جارية ولده فقومت عليه فإن لم يكن استبرأها قبل وطئها لم يطأها حتى يستبرئها، وإن كان قد عزلها عنده واستبرأها ثم وطأها، فالمشهور أنه لا يحتاج إلى استبراء. والمشهور ومقابله في المدونة، ففيها: ابن القاسم: ومن وطئ جارية ابنه فقومت عليه فليستبرئها إن لم يكن الأب قد عزلها واستبرأها. وقال غيره: لابد أن يستبرئها لفساد مائه وإن كانت مستبرأة عند الأب إذا تلذذ بجارية ابنه حرمت على الابن ووجب على الأب قيمتها، ولم يكن للابن التمسك بها على المعروف. وهذه لما كانت مستبرأة عند الأب فبأول وضع اليد عليها وجلوسه بين فخذيها حرمها على الابن ووجبت على الأب القيمة، فصار وطؤه في مملوكه له بعد الاستبراء. وأشار التونسي إلى أن قول الغير مبني على قول ابن عبد الحكم أن الأب لا يضمن قيمتها بوطئها بل يكون للابن أن يتماسك بها في عسر الأب ويسره. وحكاية المصنف القولين تدل على أن قول الغير مخالف لقول ابن القاسم وهي طريقة الأكثر، وذلك أن الأكثر فهموا أن قول ابن القاسم إن لم يكن الأب عزلها عنده واستبرأها، أنه لو كان استبرأها قبل الوطء لا يحتاج إلى استبراء بعده. وخالفهم ابن اللباد وابن الشقاق وفهما قوله: (إن لم يكن عزلها عنده واستبرأها) على أن المراد بعد وطئه. وصحح هذا ابن مرزوق، وخالفه تلميذه ابن رشد، وصحح مذهب الأكثرين، واحتج لابن القاسم بما احتج به القابسي. واختار عياض قول ابن اللباد بدليل قول ابن القاسم في آخر المسألة لأنه وطء فاسد.
وَالاسْتِبْرَاءُ لِلْمُرْتَابَةِ قُرْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَيْضَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ
لقوله ﵊: «ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» ومقابل المشهور أنه طهر كالعدة، ولم أره منصوصًا، وإنما خرجه المازري على قول أشهب أن المشتراة في أول دمها لا تكتفي بذلك.
[ ٥ / ٤٤ ]
وَالْمُرْتَابَةُ بِتَاخِيرِ حَيْضِهَا، قِيلَ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثَلاثَةً ويَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، فَإِنِ ارْتَبْنَ فَتِسْعَةٌ. وكَانَ يَقُولُ تَحِيضُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ انْتَظَرَتْهَا
يعني: أنه اختلف في استبراء الأمة المرتابة، والقول بأنها تتربص تسعة أشهر لمالك في المدونة ورواية ابن وهب، والقول الذي نقله المصنف عن ابن القاسم بقوله: ثلاثة وينظرها النساء، هو له في العتبية، ورواه ابن القاسم وابن غانم في المدونة.
ابن القاسم: وإن ارتفعت الريبة قبل التسعة حلت. وسئل ابن مناس: ما فائدة التسعة على هذا القول وهي إن زالت ريبتها قبلها حلت، وإن لم تزل بعد التسعة زادت؟ فأجاب بأن قال: فائدة ذلك إذا لم تزد تلك الريبة بها الحاصلة بالثلاثة وبقيت على حالها، نعم إن زادت بالحس والتحريك زادت على التسعة. وفصل ابن القاسم بين من تكون عادتها بتأخير حيضتها، كما إذا كانت تأتيها الحيضة في ستة أشهر أو سبعة أو نحو ذلك، وبين من يتأخر حيضها أكثر من تسعة أشهر كما إذا كانت تحيض كل سنة، فالأولى تنتظر الحيضة، والثانية تبرأ بثلاثة [٤٠٥/ب] أشهر، وقول المصنف وكان يقول: إن كانت تحيض كل ستة أشهر ليس هو على معنى الاشتراط، والمعنى إن كانت عادتها تحيض فيما دون تسعة أشهر، ولكن ذكر المصنف الستة تبعًا للرواية، وهذه الرواية رواها يحيي عنه.
خليل: وانظر على هذا القول إذا كانت عادتها ستة أشهر فانتظرتها ولم تأتها الحيضة فيها، هل تحل بانتفائها كما تقدم في عدة الحرة إذا كانت عادتها أن تحيض كل سنة أو ترجع إلى ستة أشهر غالب أمر الحمل.
وَالْمُرْضِعُ والْمَرِيضَةُ كَذَلِكَ
أي: مثل المرتابة، وظاهر تشبيهه في الخلاف المتقدم، ويحتمل في الاستبراء بثلاثة أشهر، وينظرها النساء فإن ارتبن فتسعة وهو أقرب، لأنه الذي رأيته منصوصًا، ولأن قوله إثر هذه والمستولدة كذلك.
[ ٥ / ٤٥ ]
وقيل: (تسعة) يقتضي أنه لم يرد التشبيه في الجميع وإلا لاستغنى عن قوله: وقيل (تسعة). لكن في كلامه على هذا نظر، فإنه ليس في كلامه ما يدل على أنه أراد بالتشبيه ذلك.
وَالْمُسْتَوْلَدَةُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ
المستولدة هي أم الولد، وتصور القولين بين.
وَالمْسُتْحَاضَةُ: الْمَشْهُورُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ إِلا أَنْ تَشُكَّ فَتِسْعَةٌ، أَوْ تَرىَ مَا تُوقِنُ هِيَ وَالنِّسَاءُ أَنَّهُ حَيْضٌ
مقابل المشهور أنه تتربص تسعة ولو ميزت.
وَالصَّغِيرَةُ وَالْيَائِسَةُ: ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
أي: بشرط أن يمكن وطء الصغيرة، ففي البيان: أما التي لا يوطأ مثلها فلا خلاف أنها لا استبراء عليها، وإنما الخلاف في الصغيرة التي يوطأ مثلها ويؤمن الحمل منها، فذهب مالك وعامة أصحابه إلى وجوب الاستبراء فيها والمواضعة إن كانت من ذوات الأثمان بثلاثة أشهر، لأن الحمل لا يتبين في أقل منها. وقيل: شهران. وقيل: شهر ونصف. وقيل: شهر. وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنها لا يجب فيها استبراء ولا مواضعة. ونقل بعضهم القول بالشهرين والشهر والنصف في اليائسة أيضًا بعض الموثقين، وكذلك أيضًا يلزم من قال أن استبراء الصغيرة شهران يقول بذلك في اليائسة.
وَالْحَامِلُ: بِوَضْعِ حَمْلِهَا
أي: واستبراء الحامل، وهو ظاهر.
وَالْمُرْتَابَةُ بِحَسِّ الْبَطْنِ أَقْصَى أَمَدِ الْوَضْعِ
يعنى على الخلاف المتقدم.
[ ٥ / ٤٦ ]
وَيَحْرُمُ فِي زَمَنِ الاسْتِبْرَاءِ جَمِيعُ الاسْتِمْتَاعِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لا يَحْرُمُ مِنَ الْحَامِلِ مِنْ ِزنَّى والْمَسْبِيَّةِ إِلا الْوَطْءُ
ابن عبد السلام: والأول هو المعروف في المذهب. وقال ابن حبيب: أما المسبية تقع في سهمه أو يبتاعها في المقاسم فله أن يلتذ منها بالقبلة والمباشرة والتجريب وغيره ما عدا الوطء لئلا يسقي ماءه ولد غيره، وهذه قد تم ملكه فيها، وبيع المقاسم بيع في براءة وإن ظهر بها حمل لم ترد به. أبو محمد: وهذا الذي ذكر ابن حبيب أنه تدخل البراءة من الحمل في بيع السلطان ليس بقول مالك إلا أن يعني في الوخش. وقد قال ابن المواز: بيع الرائعة بالبراءة مطلق جائز ولا يدخل في ذلك الحمل، وإن تبرأ منه فسد البيع. ونقل المازري وصاحب الجواهر عن ابن حبيب في الحامل من زنى مثل ما نقله المصنف وكذلك ابن راشد. وقال ابن عبد السلام: ما ذكره المؤلف عن ابن حبيب في الزنا لا أحفظه عنه، لكن قال سحنون فيمن اشترى أمة بالبراءة من حمل ظاهر أنه لا بأس أن ينال منها ما ينال من الحائض إذا كان من غير السيد، وكذلك إن قال بعد البيع أن أرضى بحمل إن كان بها ولم يكن البائع يطأ. ابن يونس: ولعله ترخص في هذا للشيخ، لأنه يملك نفسه كما أرخص له النبي ﷺ في القبلة في الصوم، وأما الشاب فلا.
التَّدَاخُلُ: وَإِذَا طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبَراءٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَّحِدًا بِفِعْلٍ سَائِغٍ انْهَدَمَتِ الأُولَى واسْتَانَفَتْ مَا هِيَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ كَالْمُرْتَجِعِ ثُمَّ يُطَلِّقُ أَوْ يَمُوتُ- مَسَّ أَوْ لَمْ يَمَسَّ- إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ فَتَبْنِي الْمُطَلَّقَةُ مَا لَمْ تُمَسَّ كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقًا
يعني: إذا كانت في عدة أو استبراء ثم تجدد قبل تمام ما هي فيه موجب آخر، فإما أن يكون الموجبان من رجل واحد أو رجلين، وإذا كانا من رجل فإما أن يكونا بفعل سائغ- أي جائز- أم لا. وذكر المصنف أنه إذا كان الرجل واحدًا بفعل سائغ فإن العدة الأولى
[ ٥ / ٤٧ ]
تنهدم وتستغني بالثانية عنها، سواء كانت الثانية من نوع الأولى أو من نوع آخر، وهو مراده بقوله: (مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ شُهُورٍ أَوْ حَمْلٍ). ومثل ذلك بالمرتجع ثم يطلق، يعني إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا ثم ارتجعها ثم طلقها أو مات عنها قبل انقضاء العدة، ولا فرق في ذلك بين أن يمسها بعد ارتجاعه أم لا، ففي الموطأ: والسنة عندنا أن الرجل إذا طلق امرأته وله عليها رجعة فارتجعها ثم فارقها قبل أن يمسها فلا تبني على ما مضى من عدتها، وإنما تستأنف من يوم طلقها عدة مستأنفة. وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، يعني لأن الرجعة تهدم العدة فإن الزوجية تنافي العدة. [٤٠٦/أ].
وقوله: إِلا أَنْ يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ) هذا الكلام لابن القصار، وقيد به الطلاق مالك المتقدم، وهو ظاهر، لأنه إذا قصد بهذا الارتجاع التطويل عليها في العدة فيعاقب بنقيض مقصوده، وتبني على العدة الأولى بشرط ألا يكون مسها في الارتجاع.
وقوله: (كَمَا تَبْنِي إِذَا لَمْ تُرْتَجَعْ مُطْلَقًا) يعني إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا ثم أتبعها في العدة طلقة أخرى فإنها تبني على العدة من الطلقة الأولى مطلقًا، سواء تخلل الطلاقين حيض أم لا، وهو أحد قولي الشافعي، فنبه المصنف بالإطلاق على مخالفته في أحد قوليه. وفي بعض النسخ: (إذا لم ترتجع مطلقًا) وهي واضحة.
وَكَالْمُتَزَوِّجِ زَوْجَتَهُ الْبَائِنَ ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا تَسْتَانِفُ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ وضُعِّفَ، أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءٍ لَمْ تَنْهَدِمْ
هذا معطوف على قوله: (كَالْمُرْتَجِعِ) يعني إذا طلق زوجته طلاقًا بائنًا ثم تزوجها وطلقها أو مات عنها فإنها تستأنف، ولا فرق في الموت بين أن يموت عنها قبل البناء أو بعده، بخلاف الطلاق فإنه إن طلقها بعد البناء استأنفت، لأن وطئه هادم للعدة. وإن طلقها قبل البناء بانت، لأن المطلقة طلاقًا بائنًا في حكم الأجنبية. وإلى مساواة حالها في
[ ٥ / ٤٨ ]
الموت أشار بقوله: (أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا قَبلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) وإلى الفرق في الطلاق أشار بقوله: (ثم يطلقها بعد البناء). ثم صرح بما أفهمه الكلام آخرًا فقال: أما لو طلق قبل البناء لم تنهدم. وروى محمد: إن مات قبله فأقصى الأجلين، أي: وعليها الإحداد في الأربعة أشهر وعشر. هكذا قال في الرواية. والمراد بالأجلين الثلاثة قروء والأربعة أشهر وعشر، ومعنى أقصى الأجلين، أي: أبعدهما، فإن انتهت الأقراء أولًا انتظرت الأشهر، وإن انقضت الشهر انتظرت تمام الأقراء.
تنبيه:
وقع في نسخ عديدة: وروى محمد بن مسملة، وكذلك هو في نسخة ابن راشد. وفي نسخة ابن عبد السلام: (وَرَوَى مُحَمَّدُ) فقط وفسره بابن المواز. وكذلك هو في ابن يونس فليعتمد عليه هنا، على أنه لا يلزم من أن ابن المواز رواه ألا يكون محمد بن مسلمة رواه. واعترض أبو عمران ما رواه محمد فقال: إما أن يجعلها تمضي على عدة الطلاق، أو يجعل النكاح قد هم عدة الخلع فتعتد الوفاة فقط. قال: ويلزمه على هذا أن الحامل إذا خالعها زوجها ثم تزوجها وتوفي عنها قبل الدخول أن يوجب عليها أقصى الأجلين. وأجاب ابن يونس بما حاصله أن عدة الخلع لما خالفت عدة الوفاة في الجنس لزم ألا تدخل إحداهما في الأخرى، بخلاف الحامل فإن عدتها في الخلع والوفاة وضع حملها، فلم يكن اعتبار أقصى الأجلين.
وَمَا سِوَاهُ فَأَقْصَى الأَجَلَيْنِ كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ أَوْ غَيْرُهُ وَطْئًا فَاسِدًا بِزِنَى أَوْ اشْتِبَاهٍ أِوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ
حقيقة أقصى الأجلين إذا كان كل من الأجلين يمكن أن يكون أبعد كالأقصى فيما تقدم، ويطلق مجازًا على معنى آخر وهو المذكور هنا، ومعناه أن المرأة إذا طلقت طلاقًا
[ ٥ / ٤٩ ]
بائنًا ثم وطئها مطلقها أو غيره وطئًا فاسدًا إما بزنى أو اشتباه، أو تزوجها المطلق أو غيره تزويجًا فاسدًا.
والفساد في حق غير المطلق ظاهر لأنه نكاح في عدة الغير، وأما المطلق فلا يكون بسبب العدة وإنما يفسد لغير ذلك من وجوه الفساد. ومعنى أقصى الأجلين أنه يبتدئ من حين الوطء الثاني ثلاث حيض.
وقوله: (كَالْمُعتَدَّةِ الْبَائِنِ يَطَأهَا الْمُطَلِّقُ) يريد وكذلك الرجعية إذا وطأها بغير نية ارتجاع على المشهور فإنها تستبرئ بثلاث حيض، وكأن المصنف إنما خص المعتدة البائن للاتفاق عليها.
وَكَالْمُعْتَدَّةِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ تَتَزَوَّجُ ويُدْخَلُ بِهَا. وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ: تُتِمُّ ثُمَّ تَسْتَانِفُ عِدَّةً أُخْرَى. وهُوَ فِي الْمُوطَّأِ عَنْ عُمَرَ
يعني: وممن هي مخاطبة بأقصى الأجلين على المشهور المعتدة، سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة إذا تزوجت ودخل بها في العدة وفسخ النكاح، وأقصى الأجلين في حق المطلقة مجاز كما ذكرنا بخلافه في المتوفي عنها.
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْجَلابِ) أحسن منه: وفي الجلاب، لأن ابن الجلاب لم يقله وإنما نقل في المسألتين روايتين، إحداهما ما شهره المصنف، والثانية أنها تتم بقية العدة الأولى ثم تعتد بعد ذلك للزوج الثاني عدة أخرى. ثم كلامه يوهم أن ابن الجلاب ذكر في مسألة الموت والطلاق، وإنما ذكره في مسالة الطلاق.
وَكَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ أُوْ يَمُوتُ
يعني: وكذلك يجب أقصى الأجلين على من وجب استبراؤها من الزوجات لأجل وطء فاسد يزني أو اشتباه ثم طلقها الزوج أو مات عنها.
[ ٥ / ٥٠ ]
وَوَضْعُ الْحَمْلِ اللاحِقِ بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ يَهْدِمُ غَيْرَهُ
مثاله: إذا تزوجت المعتدة لغير [٤٠٦/ب] مطلقها أو غصبت أو زنت أو وطئت باشتباه ثم أتت بولد وألحق بالأول، وهو معنى قوله: (بِالنِّكَاحِ الصَّحٍيحٍ) فإن ذلك الوضع (يَهْدِمُ غَيْرَهُ) أي: الاستبراء من الوطء الثاني، لأنه إنما كان خشية الحمل وهو مأمون هنا، ولا خلاف في هذا، قاله عياض وغيره.
وَوَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ يَهْدِمُ أَثَرَ الْفَاسِدِ، ولا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ اتِّفَاقًا، فَعَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلْينِ، وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ. وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ فَقِيلَ: أَقْصَى الأَجَلَيْنِ. وَقِيلَ: تَاتَنِفُ بَعْدَهُ عِدَّةً
يعني: وإن ألحق بالنكاح في العدة فإن كان وطأها بعد حيضة فإن ذلك الوضع يبرئها من الاستبراء، وهو معنى قوله: (أَثَرَ الْفَاسِدِ) ثم هل يهدم هذا الوضع أثر العدة؟ لا يخلو إما أن تكون العدة الأولى من وفاة أو طلاق، فإن كانت من وفاة فقال المصنف وغيره: لا يهدمها هذا الوضع بالاتفاق. وحكى بعضهم فيها خلافًا كالمعتدة من الطلاق. وهذه الطريقة أولى لأن المثبت أولى ممن حكى الخلاف.
أبو محمد: عن أشهب فإنه حكى عنه في المنعي لها زوجها أن الوضع من الآخر يبرئها منهما، قال: وهو خلاف قولهم كلهم. فإن قلت: كيف يصح قوله: (ولا يَهْدِمُ فِي العدة لِلْوَفَاةِ) ولا يمكن أن يكون أقصى الأجلين إلا الحمل، فإن الفرض محكوم له بأنه من الثاني، ولا يحكم به أنه من الثاني إلا بعد كونه آتيًا بعد ستة أشهر، وعلى هذا فيكون الحمل هو أقصى الأجلين، ويصح قوله أن: (وَضْعُهُ مِنَ الْفَاسِدِ لا يَهْدِمُ فِي الْمُعْتَدَّةِ لِلْوَفَاةِ) فالجواب أنه يتصور في المنعي لها زوجها إذا اعتدت وتزوجت وحملت من الثاني ثم ثبت أنه لم يمت أولًا وإنما مات الآن، وفسخ نكاح الثاني لأنه نكح ذات
[ ٥ / ٥١ ]
زوج، فإن وضعت قبل تمام أربعة أشهر وعشر من يوم موت الزوج الأول لم تحل حتى تنقضي الأربعة أشهر وعشر، وإن انقضت الأربعة أشهر وعشر قبل وضع الحمل بأن تبين موت الأول وهي في أول الحمل لم تحل حتى تضع حملها، والله أعلم.
وقوله: (وفِي الْمُعْتَدَّةِ لِلطَّلاقِ قَوْلانِ) يعني: وهل يهدم الحمل اللاحق بالنكاح الفاسد عدة الطلاق؟ قولان. والقول بالهدم مذهب المدونة عند غير واحد من الشيوخ، لأن فيها: وأما الحامل فالوضع يبرئها من الزوجين جميعًا، فظاهره وإن كان من الآخر. وصرح بعضهم بذلك في اختصاره للمدونة، وهو قول ابن القاسم في مختصر ابن أبي زيد، ورواية أشهب في الموازية وضعفه محمد.
والقول بأنه لا يبرئها ولابد لها من ثلاث حيض لأصبغ، والأول أظهر لأن العدة شرعت لبراءة الرحم، ومع الوضع تتحقق البراءة. ورأى أن عدة الطلاق أيضًا فيها ضرب من التعبد، ولولا ذلك لاقتصر على قرء واحد. وعلى الأول إنما تبرأ بالحمل إذا كان بشبهة، وأما إذا كان بزنى صراح فإنه لا يبرئها ذلك من عدة وجبت عليها. وقاله ابن القاسم، لكن اعترضه أبو إسحاق وقال: لا ينبغي أن يفرق في ذلك إذا القصد براءة الرحم.
وقوله: (وَعَلَى أَلا يَهْدِمَ إلخ) يعني: وإذا فرعنا على القول بعدم الهدم فعليها أقصى الأجلين، أي لا تكتفي بالحمل وتنتظر بقية الأقراء. وهذا من المواضع التي أطلق فيها المصنف الأقصى بالمجاز، وهذا القول هو المعروف، والقول بأنها تستأنف ثلاث حيض نقله صاحب النوادر، لكن قال عبد الحق: لا يصح ما نقله أنها تستأنف ثلاث حيض، ولفظه في الأمهات: لم يكن لها بد من بقية الثلاث.
ابن يونس: وهذه العبارة هي الصواب لأن الحمل لا يكون من الآخر إلا أن يتزوجها بعد حيضة وتضعه بعد ستة أشهر فأكثر، فقد مضت لها حيضة فتتم بقية الثلاث حيض. وفي التنبيهات ما وقع من نقل بعضهم أنها تستأنف ثلاث حيض بعد الوضع فإنما معناه أنها لم
[ ٥ / ٥٢ ]
تحض قبل. قيل: ولا يقول أحد أن الوضع يهدم ما مضى من عدتها، فإن قلت هذا ليس بظاهر لأنه إنما يلحق بالثاني بعد الحيضة. قيل: يحتمل أن يكون ذلك قبلها ويكون الأول نفاه، فإنه حينئذ يلحق بالثاني كما قال المصنف في المسألة التي تليها.
ابن عبد السلام: القول باستئناف الثلاث ذكره محمد واختاره، وظاهره أن النفاس في هذه الصورة لا يقوم مقام حيضة، وقال بعضهم بل يقوم مقامها، وهو الأظهر عندي. انتهى.
وَمَهْمَا أَتَتْ غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حَيْضَةٍ لَحِقَ بِالَّثانِي إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ. وَلا تُلاعِنُ هِيَ لَأَنَّهُ نَفَاهُ إِلَى فِرَاشٍ، فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ
جرت عادة غير المصنف بفرض هذه المسألة في النكاح في العدة، وأتى المصنف بعبارة شاملة لها ولغيرها، فإن قوله: (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يدخل فيه النكاح في العدة والموطوءة باشتباه، ولا يقال: يدخل في كلامه الأمة المشتركة إذا وطئها الشريكان كما أشار إليه ابن عبد السلام، لأن قوله بعد: (هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ) يرده. وأخرج بقوله (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) الزانية والمغتصبة، ومعناه: إذا تزوجت المعتدة ثم أتت [٤٠٧/أ] بولد لما يحتمل أن يكون لكل واحد من الواطئين بأن تأتي به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني. فإن كان وطء الثاني بعد حيضة لحق الولد بالثاني، لأن الحيضة تدل على براءة رحمها من الأول، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور. وروى المدنيون عن مالك: يلحق بالأول ولو وطأها الثاني بعد حيضة أو حيضتين لصحة ماء الأول وفساد وطء الثاني.
وقوله: (إِلا أَنْ يَنْفِيَهُ باِللِّعَانِ فَيَلْحَقُ بِالأَوَّلِ) تصوره ظاهر ولا تلاعن هي لأنه لم يرمها بزنى، وإنما نفاه إلى فراش، فإن نفاه الأول أيضًا التعنت حينئذ، لأنه لم يبق من يلحق به هذا الولد. وهذا معنى قوله: (فَإِنْ نَفَاهُ تَلاعَنَا).
[ ٥ / ٥٣ ]
قوله: (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ) أي فيلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان فينتفي عنه ويلحق بالثاني، ولا تلاعن هي إلا أن ينفيه الثاني أيضًا فحينئذ تلاعن. وعلى ما رواه المدنيون إذا نفاه الأول تلاعن لأنه لا يلحق بالثاني، وإذا ألحق بالأول فإنها تحرم على الثاني لكونه وطأها في العدة. قاله في المدونة.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم أن قول (غَيْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا) يشمل المعتدة والموطوءة باشتباه، ولم أر هذا لحكم في المشتبهة. الثاني: احترز المصنف بقوله: (يَحْتَمِلُهُمَا) مما لو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، فإنه لا يلحق بالثاني أصلًا ويلحق بالأول إلا أن ينفيه بلعان.
ابن القاسم: وفي معنى الستة ما إذا كان الشهر السادس تسعة وعشرين ولا يلحق في أنقص من ذلك. وقال ابن دينار: يلحق به وإن نقص ليلتين أو ثلاثًا قدر ما بين الأهلة.
عياض: وقد وقعت قديمًا بفاس مسألة في امرأة جاءت بولد لخمسة أشهر وأربعة وعشرين يومًا هل يلحق به أم لا؟ واختلف فيها فقهاء بلدنا أيضًا، والصواب ألا يلحق به، إذ لا يصح توالي ستة أشهر نقص، وبه أفتى أحمد ابن القاضي ومحمد بن العجوز وغيرهما، وخالفهما أبو على السبتي.
ثُمَّ مَنِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ بِهِ وَيْحَدُّ إِنْ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمُلاعِنَ الثَّانِيَ. وَقِيلَ: الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ
لا خفاء فيما ذكره أن من استلحقه منهما يلحق به كما في سائر مسائل اللعان.
ابن المواز: فإذا استلحقه أحدهما فلا دعوى للثاني فيه، ولو ادعاه الأول قبل لعان الثاني لم يقبل منه، لأنه ابن الثاني، ولو استلحقه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به وتحرم على الثاني للأبد، سواء التعن أم لا، لأنه ناكح في عدة.
[ ٥ / ٥٤ ]
سحنون: ولا تحرم على الأول- وإن التعن- لأنه لم تلاعنه كالتي تغتصب فينفي الزوج حملها، أنه يلاعن ولا تحرم عليه. وقال أصبغ: إن تلاعنا جميعًا حرمت على الأول والثاني. وقال عبد الحميد، وابن عبد السلام: إذا استلحقاه فإنه يكون لمن يقتضي الحكم إلحاقه به لو لم يكن لعانٌ، فإن كان بعد حيضة لحق بالثاني، وإن كا قبلها فبالأول.
ابن عبد السلام: هكذا نصوا. وينبغي أن يحمل على ما إذا استلحقاه في زمان واحد، وأما إن تقدم أحدهما فيلحق بالمستلحق الأول، فانظره مع كلام ابن المواز.
وقوله: (وَيْحَدُّ إلخ) يعني: ويحد المستلحق إن كان هو الملاعن الثاني لأنه هو الذي نفاه إلى غير فراش، وأما إن استلحقه الملاعن الأول فإنه لا حد عليه لأنه إنما نفاه لفراش. وهذا قول محمد.
وقوله: وقيل: (الْمُسْتَلْحِقُ مِنْهُمَا يُحَدُّ) أي: سواء كان الأول أو الثاني. وهو قول أصبغ واستصوبه التونسي، قال: لأن لعانها لهما.
هَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْقَافَّةُ فَفِي الأَمَةِ يَطَأهَا السَّيِّدَانِ فِي طُهْرٍ
يعني: أن الكم الذي ذكره خاص بالنكاح، وليس في الحرائر قافة وإنما القافة في الإماء، وهذا هو المشهور. وروي عن مالك أنه يعمل به في الحرائر أيضًا، واختاره اللخمي وغيره. والقافة جمع قائف.
أبو عمران: وإنما اختصت القافة بالإماء على المشهور لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطأونها في طهر واحد، فقد تساورا في الملك والوطء. وكذلك ما حكم به عمر ﵁ في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطء، وليس أحدهما أقوى من الآخر. وكذلك الأمة إذا ابتاعها رجل وقد وطأها البائع ووطأها المبتاع في ذلك الطهر، لأنها استويا في ذلك الملك، وأما الحرة فإنها لا تكون زوجًا لرجلين في حالة واحدة، فلا يصح فيها
[ ٥ / ٥٥ ]
فراشان متساويان. وأيضًا ولد الحرة لا ينتفي إلا بلعان، وولد الأمة ينتفي بغيره. والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد، فلا ينقل ولد الحرة من اليقين إلى الاجتهاد، ثم من ألحقته القافة لحق به، فإن قالت: هو منهما. فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن الاشتراك في الماء لا يصح، ويصير إلى أن يبلغ فيوالي من شاء منهما. وسيأتي من كلام المنصف من آخر أمهات الأولاد في هذه المسالة أربعة أقوال.
فرع:
فإن قالت القافة: ليس هو لواحد منهما. قال أصبغ: تغير عليه القافة، فإن استوى كلامهم وهما مقران بالوطء وإلا أيهما [٤٠٧/ب] شاء. وقال سحنون: يدعى له آخرون ثم آخرون، هكذا أبدًا حتى يلحقه بعضهم بأحدهما، لأن القافة إنما دعيت لتحلق لا لتنفي.
وهل يُجتزأ بقائف واحد، وهو الذي رواه ابن حبيب عن مالك، وشرط في الرواية أن يكون عدلًا، أو لا يجتزأ إلا باثنين، وهو الذي رواه ابن نافع عن مالك بناء على إلحاقه بباب الخبر أو بباب الشهادة؟ بعض الشيوخ: والقياس أن يحكم بقائف واحد وإن لم يكن عدلًا، لأنه علم علم يؤديه وليس من طريق الشهادة، كما يقبل قول النصراني الطبيب فيما يحتاج إلى معرفته من ناحية الطب. زاد التونسي: وكذلك اختلف في الترجمان والناظر في العيوب هل يُجتزأ بواحد أو لابد من اثنين؟
وَالْمُشْتَراةُ فِي الْعِدَّةِ عَلَيْهَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ
يعني: سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق، أما المعتدة في الوفاة ففي المدونة: إن حاضت قبل شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تنقضي عدتها، وإن تمت عدتها ولم تحض فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، وأما المطلقة فأشار إليها بقوله:
[ ٥ / ٥٦ ]
فَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا اعْتَبَرَتْ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ شَرَائِهَا، وإِنْ زَادَتْ عَلَى سَنَةِ الْعِدَّةِ
لأنها إذا طلقت وهي مرتابة بتأخير الحيض فعدتها سنة كما تقدم واستبراؤها بثلاثة أشهر كما تقدم فتنتظر أقصى الأجلين، فإن بيعت وقد بقي من العام ثلاثة أشهر فقد دخل الاستبراء في العدة، وإن بيعت وقد بقي من السنة يوم دخل يوم من الاستبراء في العدة.
خليل: ولو قيل: يكتفي بالسنة على الاستبراء لكان قولًا حسنًا، لأن الاستبراء معقول المعنى، وقد حصلت براءة الرحم بالسنة، والله أعلم.
وَمَنْ أَعْتَقَ لَمْ يَسْتَبْرِئُ لِنِكَاحِهِ عَنْ وَطْئِهِ
يعني إذا كانت له أمة يطأها ثم أعتقها وأراد أن يتزوجها لم يستبرئ لنكاحه، لأن وطئه أولًا صحيح، والاستبراء إنما يكون عن الوطء الفاسد. وسمعت ممن أثق به أن في المسألة قولًا آخر بالاستبراء، ولم أره الآن وهو أظهر، ليفرق بين ولده من وطء الملك فإنه ينتفي بمجرد دعواه من غير يمين على المشهور، وبين ولده من وطء النكاح فإنه لا ينتفي إلا بلعانه.
وَمَنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا لِحَلِّ وَطْءِ الْمِلْكِ
يعني: أن الإنسان إذا كان متزوجًا لأمة ثم اشتراها فليس عليه استبراء، لأنه إن لم يدخل بها فواضح إذ لا وطء منه ولا من غيره حتى يجب الاستبراء منه، وإن دخل فوطؤه صحيح والماء ماؤه، وهو ماء صحيح في وطء صحيح.
عياض: وقال ابن كنانة: في غير المدخول بها ويستبرئها. وانظر ما حكاه القاضي عن ابن كنانة هل معناه وإن كانت بعد البناء لم يحتج إلى استبراء أو إنما تحتاج إليه بعده من باب الأولى، ويكون نبه بالأخف على الأشد وهو الظاهر. وذكر أن الولد إذا أحدث بعد الملك كانت به أم ولد باتفاق.
[ ٥ / ٥٧ ]
واختلف إذا حملت به في النكاح وولدته بعد الشراء هل تكون به أم ولد أو لا؟ فتحتاج إلى الاستبراء ليحصل هل هي أم ولد أو لا؟
فَلَوْ بَاعَ الْمَدْخُولَ بِهَا أَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ وَطْءِ الْمِلْكِ لَمْ تَحِلَّ لِلسَيَّدِ وَلا لِلزَّوْجٍ إِلا بِقُرْءَيْنِ عِدَّة فسخ النِّكَاح، وكَانَ يَقُولُ: حَيْضَةٌ. ثًمَّ رَجَعَ
يعني: فلو باع هذا الزوج الذي اشترى زوجته وكان قد دخل بها أو أعتقها أو مات عنها قبل أن يطأها بالملك، أو كان هذا الزوج مكاتبًا اشترى زوجته فعجز فرجعت إلى سيده قبل أن يطأها المكاتب لم تحل واحدة منهن لزوج إن تزوجت أو لسيد إن حصلت سيده قبل أن يطأها المكاتب لم تحل واحدة منهن لزوج إن تزوجت أو لسيد إن حصلت إلا بعد قرءين عدة فسخ النكاح، وكان مالك يقول في كل من اشترى زوجته من حر أو عبد ثم باعها أو أعتقها أنه يستبرئها بحيضة ثم رجع عنه إلى حيضتين. ذكر ذلك في المختصر الكبير، وكتاب ابن المواز. وبالمرجوع إليه أخذ ابن القاسم، ولكنه في المدونة إنما ذكر مسألة المكاتب، قيل: وسبب الخلاف هل هي من ملك ولم يفعل كمن فعل، وذلك أن المكاتب ونحوه قد ملك أن يطأ فهل يعد كأنه وطئ أم لا؟
عياض: وقيل سبب الخلاف الخلاف في المطلوب في الفسوخ هل هو استبراء أو عدة؟
أبو الحسن وغيره: وإذا بنينا على القول المرجوع إليه فالحيضة الأولى هي التي للمواضعة ويبرأ بها المبتاع، والثانية إنما هي لتتميم عدة فسخ النكاح وضمانها حينئذ من المشتري. وكتب ابن عتاب أن المواضعة في الحيضتين معًا، وهو ظاهر ابن أبي زمنين. ونص ما في كتاب ابن عبدوس: وذلك أنه إن ظهر بها حمل فيهما صارت أم ولد للبائع، وقول المصنف عدة مجرور إما بدل أو عطف بيان من قرءين.
[ ٥ / ٥٨ ]
وَبَعْدَهُ بِحَيْضَةٍ لأَنَّ وَطْئَهُ فَسْخٌ لِلْعِدَّةِ.
الضمير المجرور ببعده عائد على الوطء، يعني: وإن باع المدخول بها أو مات عنها أو أعتقها بعد أن وطئها اكتفت بحيضة، لأن وطئه هادم لعدة فسخ النكاح. ولما كان المطلوب في الفرع الأول على القول المرجوع [٤٠٨/أ] إليه إنما هو عدة، قال المصنف بقرءين، لأن الأقراء هن الأطهار بخلاف المطلوب هنا فإنه استبراء محض، فلذلك قال بحيضة ولم يقل بقرء، لأنه تقدم أن المطلوب به في الاستبراء حيضة على المشهور.
إِلا أَنْ يَحْصُلَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْضَةٌ أَوْحَيْضَتَانِ فَتَحِلُّ بِحَيْضَةٍ
الاستثناء راجع إلى صدر المسألة- أعني محل القرءين- والإشارة بذلك عائدة على البيع والعتق والموت، وعجز المكاتب المفهومة من قوله: (فلو باع المدخول بها أو أعتقها أو مات عنها أو عجز المكاتب) يعني إلا أن تحصل قبل انتقال الملك بأحد تلك الوجوه حيضة أو حيضتان فتحل بحيضة، لأنه إن حصل قبل ذلك حيضة كانت هذه الحيضة التي تحل بهما مكملة للعدة ونائبة عن الاستبراء، وإن كان الحاصل قبل حيضتان كانت هذه الحيضة استبراء فقط.
وَمَتَى الْتَبَسَ الأَمْرُ فَالأَحْوَطُ كَالْمَرْأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطَلَّقٌة، ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ فِيهِمَا فَعِدَّتُهُمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ فَإِنْ تَبَيَّنَتْ فَكَالْمَطَّلَقةِ
الكلام المتقدم في التداخل هو باعتبار موجبين، والكلام الآن إذا كان الموجب واحدًا ولكنه التبس بغيره، ثم التباسه إما أن يكون من جهة محل الحكم وإما من جهة سببه، ومثل المصنف للأولين بمثالين أشار إلى الأول بقوله: (كَالْمَرْأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) وإلى الثاني بقوله: (أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطَلَّقٌة) يعني: إذا كانت له امرأتان إحداهما
[ ٥ / ٥٩ ]
بنكاح فاسد كما لو تزوج أختين من الرضاع ولم تدر السابقة منهما، ثم مات الزوج فتعتد كل واحدة منهما بأربعة أشهر وعشر وثلاثة قروء، لأن الحكم فيهما لو علمت السابقة أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، وتعتد الأخرى بثلاثة قروء، لكن لا يعلم ذلك طلب في كل واحدة مجموع الأمرين إذ لا تتحقق حليتهما للأزواج إلا بذلك، والتعليل في المسألة الثانية كالأولى.
وقوله: (ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ) هو عائد للمسألتين معًا.
وقوله: (وَلَمْ تَتَبَيَّنْ) أي: المنكوحة نكاحًا فاسدًا أو المطلقة فيهما، أي في المسألتين.
وقوله: (فَعِدَّتُهُمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ) واضح.
وقوله: (فَإِنْ تَبَيَّنَتْ) أي المنكوحة نكاحًا نكاحًا فاسدًا (فَكَالْمَطَّلَقةِ) أي: فإن مات عنها قبل البناء فلا شيء عليها، وإن مات بعده تربصت ثلاثة قروء، ثم أخذ يتكلم على الالتباس من جهة سبب الحكم، فقال:
وَكَالْمُسْتَوْلَدَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ يَمُوتُ السَّيِّدُ والزَّوْجٌ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنِ احْتَمَلَ مَا بَيْنَهُمَا عِدَّةَ الأَمَةِ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ مَوْتِ الثَّانِي، وحَيْضَةٌ فِيهَا أَوْ إَلَى تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَهَذَاَ عَلَى أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْمُسْتَوْلَدَةِ بِذَلِكَ لا عَلَى أَنَّهُ ثَلاثَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وإِنْ لَمْ يَحْتَمِل فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ مَوْتِ الثَّانِي، وَحُكْمُ الْحَيْضَةِ مَا فِي عِدَّةِ الحُرَّةِ لِلْوَفَاةِ، ولابُدَّ مِمَّا تَحِلُّ بهِ الأَمَةُ الْمُعتَدَّةُ مِنَ الْوَفَاةِ مِنْ مَوْتِ الأَوَّلِ
يعني: إذا زوج الرجل أم ولد ثم غاب عنها سيدها وزوجها وماتا، وعلم أن أحدهما مات قبل الآخر لكن لم يعلم السابق منهما، فلذلك صورتين:
الأولى: أن يكون بين موتهما أكثر من شهرين وخمس ليال، وهو معنى قوله: (فإن احتمل ما بينهما عدة الأمة). وانتهى كلامه على هذه الصورة عند قوله: (ثَلاثَةٌ أَوْ سِتَّةٌ) والصورة الثانية: ألا يكون بين موتهما شهران وخمس ليال، وهو معنى قوله: (وإِنْ لَمْ
[ ٥ / ٦٠ ]
يَحْتَمِل إلخ). وإنما طلبت في الأولى بأربعة أشهر وعشر وحيضة، لأنه على تقدير احتمال موت السيد أولًا لا يلزمها بسببه شيء لأنه مات عنها وهي في عصمة زوج ولم تحل لسيدها، لكن يجب عليها أربعة أشهر وعشر، لأن زوجها مات عنها وهي حرة، وعلى احتمال موت الزوج أولًا تجب عليها العدة منه بشهرين وخمس ليال، لأنه مات عنها قبل سيدها لكن يجب عليها الاستبراء بحيضة، لأنها قد حلت للسيد إذ الفرض أن بين موتهما مقدار العدة، فلأجل ذلك لا تحل إلا بمجموع الأمرين أربعة أشهر وعشر وحيضة، فإن أتتها الحيضة في أربعة أشهر وعشر وإلا انتظرتها إلى تسعة أشهر، فإن لم تأتها ولم تحس بريبة حلت، وهذا معنى قوله: (وحيضة فيها أو إلى تمام تسعة أشهر).
واختلف الشيوخ في الشهرين وخمس ليال، هل لها حكم أكثر منها؟ وبه فسر المدونة ابن يونس، أو الأقل وإليه ذهب ابن شبلون لأنه لم يمض وقت تحل فيه للسيد، ولو جهل مقدار ما بينهما هل أقل أو أكثر لكانت كما لو تحقق أنه أكثر ولزم الأخذ بالأحوط. قاله بعض الشيوخ.
قوله: (وَهَذَا) أي: ما قلنا من الرفع إلى تسعة أشهر إنما هو إنما هو أن تستبرأ أم الولد إذا توفي عنها سيدها وارتابت بتأخير الحيض تسعة أشهر لا على القول بأنها ترفع ثلاثة أشهر، فإنها على هذا القول تكتفي بأربعة وعشر لدخول الثلاثة فيها ولا على أنها ترفع إلى ستة أشهر فإنها تستغني بستة أشهر. وهذا القول الذي قدمه عن ابن القاسم بقوله: وكان يقول إن كانت تحيض كل ستة أشهر انتظرتها. وكلام المصنف يوهم أن ابن القاسم يقصد خصوصية الستة، وإنما قال [٤٠٨/ب] ذلك على طريق المثال كما تقدم، واعلم أن ما قاله المصنف من أنها على القول بأنها تكتفي بثلاثة أشهر تكتفي هنا بالأربعة أشهر وعشر، هو قول غير واحد من القرويين، ورده ابن يونس بأن القول بالاكتفاء بالثلاثة إنما هو في الأمة القن إذا ارتابت، والحيضة في أم الولد من وفاة سيدها أو عتقه
[ ٥ / ٦١ ]
إياها عدة لقول الاختلاف فيها بخلاف الأمة. وإذا كانت عليها عدة من سيدها وعدة من زوجها وجب أن تطالب بأقصى الأجلين، كقول ابن القاسم فيمن تزوجت في عدة وفاة ودخل بها، وصححه عياض. خليل: وإنما يظهر أثر اشتراط الحيضة فيما إذا احتمل على قول من لا يراعى الحيضة في عدة الوفاة، وأما من يعتبرها- كأشهب وأحد قولي ابن القاسم- فإن حيضة استبرائها تدخل في الحيضة المشترطة في العدة.
وقوله: (وإن لم يحتمل) هذه هي الصورة الثانية، يعني فإن لم يكن بين موتهما شهران وخمس ليال بل أقل من ذلك فعليها أربعة أشهر وعشر لاحتمال موت الزوج بعد موت السيد، وعلى احتمال موت الزوج أولًا فعليها شهران وخمس ليال وهي مندرجة في الأربعة، فلذلك اكتفت بالأربعة أشهر وعشر ولم تحتج إلى حيضة الاستبراء، لأنها إنما احتاجت إليها في المسالة السابقة لكونها حلت للسيد، وها هنا لم تحل له، لأنه وإن مات زوجها أولًا فهي معتدة منه.
وقوله: (وَحُكْمُ الْحَيْضَةِ إلخ) فيحتاج إليها على قول أشهب، ولا يحتاج إليها على قول عبد الملك، ويفرق على المشهور.
ابن عبد السلام: واختلف حذاق الشيوخ هل طلب الحيضة في عدة الوفاة في حق من كانت عادتها أن تحيض في أقل من زمان العدة عام في كل معتدة أو لا يحتاج إليها هنا لرفع الريبة في تلك العدة فصارت من باب اعتبار الشك المركب، وقد تقدم إطراحه في الفقهيات لأنه من الوساوس؟
قوله: (ولابُدَّ مِمَّا تَحِلُّ بهِ الأَمَةُ الْمُعتَدَّةُ للوفاة).
ابن راشد: هذا الموضع مشكل لأن فرض المسألة أن الأول مجهول، فإن فرضنا أن الأول هو الزوج فهذه تعتد عدة الأمة، وتقدم الخلاف هل لابد من حيضة أو تحل بثلاثة أشهر أو تحل بانقضاء العدة؟
[ ٥ / ٦٢ ]
وإن كان السيد هو الأول فعدتها أربعة أشهر وعشر، ويختلف هل تحل أم لا تحل حتى تحيض- كما سبق- فأي فائدة في ذكره فتأمله؟
خليل: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أنها تتربص تسعة أشهر على قول وذلك لأنه قدم أن الأمة، قد لا تحل بمجرد مضي عدتها بل لابد مما تحل به الأمة. وقد تقدم أن في ذلك قولين: أحدهما أنها تتربص تسعة أشهر. والثاني أنها تتربص ثلاثة. فعلى الأول أنها تتربص تسعة لابد لهذه المستولدة من تسعة إذا ضعف أمرها أن تكون كالأمة، والله أعلم.
فرع:
ولا ترث أم الولد من زوجها شيئًا في الصورتين لاحتمال موت الزوج قبل موت السيد. قاله في المدونة وغيرها.
[ ٥ / ٦٣ ]
الإِحْدَادُ: وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ لِلْوَفَاةِ خَاصَّةً وِإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الطلَّاقِ
أبو زيد وأبو عبيد: يقال حدث المرأة فهي حاد، وأحدث فهي محد، ولم يعرف الأصمعي (حدت) وأصله من حاددت الرجل من كذا إذا منعته، ومنه الحدود الشرعية من الجلد والرجم والقطع لأنه تمنع أن يؤتى مثل ذلك الفعل، ومنه أيضًا الحدود للماهيات لأنها تمنع من أن يدخل في تلك الماهية غيرها، ولذلك قيل للبواب حداد لأنه يمنع غيره، والدليل على وجوبه في عدة الوفاة ما في الصحيحين وغيرهم عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قُسطٍ وأظفار». قيل: والعصب ثيا من اليمن فيها بياض وسواد، والنبذة- بضم النون- القطعة والشيء اليسير، والقسط- بضم القاف- والأظفار نوعان من البخور، ورخص فيه في الطهر من الحيض لتطييب المحل وإزالة كراهته. ولهذا الحديث ونحوه قصد مالك الإحداد على عدة الوفاة، وحكمة مشروعيته الإبعاد مما تراه المرأة له صونًا للأنساب.
مطرف وابن الماجشون: وإن ارتابت فعليها الإحداد حتى تنقضي الريبة وإن بلغت إلى خمس سنين. قال: وكذلك سمعنا مالك يقول.
قوله: (وِإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً) يريد وإن كانت في المهند ويجنبها أهلها، لأنها لما وجبت عدة الوفاة على الصغيرة والكبيرة وجب عليها الإحداد، ودخل في قوله: (كُلِّ زَوْجَةٍ لِلْوَفَاةِ) الأمة والحرة، وهو صحيح.
وَفِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ والْكِتَابِيَّةِ قَوْلانِ
المشهور مذهب المدونة وجوب الإحداد عليهما، ولم يوجبه عبد الملك وسحنون على امرأة المفقود، لأن الرجل لم تتحقق وفاته بدليل أنا لا نقسم ميراثه، واختار اللخمي أن
[ ٥ / ٦٤ ]
يكون عليها أقصى الأجلين. والقول بعدم وجوب الإحداد على الكتابية رواه ابن نافع عن مالك، وبه قال هو وأشهب، إما [٤٠٩/أ] لأنها لم تدخل في قوله ﵊: «لا يحل لامرأة بالله واليوم الآخر». وإما بناء على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة كما أشار بعضهم، وقد يقال: إن المشهور وقول ابن نافع مبنيان على الخلاف في عدتها، هل تعتد بأربعة أشهر وعشر أو بثلاث حيض. فالمشهور مبني على الأول، وقول ابن نافع مبني على الثاني.
وَهو تَرْكُ الزِّينَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلا تَتَحَلَّى وَلَوْ بِخَاتَمٍ، ولا تَتَطَيَّبُ، وَلا تَدَّهِنُ بِالأَدْهَانِ الْمَطِّيَبةِ بِخِلافِ الشَّيْرَقِ والزَّيْتِ
لما ذكر أن الإحداد واجب أتبعه على حقيقته، ولما كان ترك التحلي والتطيب من نتيجة قوله (تَرْكُ الزِّينَةِ) أدخل الفاء في قوله: (فَلا تَتَحَلَّى وَلَوْ بِخَاتَمٍ، ولا تَتَطَيَّبُ).
عيسي: وسواء كن ذلك الخاتم فضة أو ذهبا. مالك في رواية محمد: ولا تلبس حاليًا ولو كان حديدًا. ولم ينص أصحابنا على الجوهر والياقوت.
الباجي: وهو داخل تحت قوله في الموطأ: ولا تلبس خاتمًا ولا خلخالًا ولا غير ذلك من الحلي.
محمد عن مالك: ولا تحضر عمل الطيب ولا تتجز فيه، وإن لم يكن لها كسب غيره حتى تحل.
ولو مات زوجها بعد أن مشطت رأسها فقال مالك: لا تنقض مشطها، أرأيت لو اختضبت. قال في البيان: إن كانت امتشطت بغير طيب، وأما إن كانت امتشطت بطيب أو تطيب في سائر جسدها فيجب عليها غسله كنزع الثوب المصبوغ إذا توفي زوجها ولا لابسة له، وكما يجب على الرجل إذا أحرم وهو متطيب أن يغسل الطيب عنه. وقال بعض القرويين: إذا لزمت المرأة العدة وعليها طيب ليس عليها غسله بخلاف الذي يحرم. عبد الحق: لأن المحرم أدخل الإحرام على نفسه ولو شاء نزع الطيب قبل أن يحرم أو
[ ٥ / ٦٥ ]
أخر الإحرام حتى يذهب، فلم يعذر لاختياره بخلاف العدة فإنه لا خيار للمرأة فيها. والشيرق بكسر الشين المعجمة وآخره قاف، ويقال بالجيم ويقال أيضًا بالحاء المهملة المفتوحة. النووي: وهو بفتح الراء وليس بعربي، وهو دهن السمسم.
وَلاَ تَمْتَشِطُ بِحِنَّاءٍ ولا كَتَمٍ وَلاَ بِماَ يَخْتَمِرُ فِي رَاسِهَا
قال في المدونة بإثر هذا: وتمتشط بالسدر وبما لا يختمر في رأسها.
عياض: والحناء ممدود، والكتم بفتح التاء الوسمة التي يصبغ بها الشعر. وقال أبو عبيد: بتشديد التاء. وهو يذهب حمرة بيان الضعر ولا يسوده كما زعمه بعضهم مما أخطأ في ذلك.
وَلا تَدخُلُ الْحَمَّامَ، ولا تُطْلِي جَسَدَهَا
هكذا قال أشهب أنها لا تدخل الحمام ولا تطلي جسدها بالنورة، ولا بأس أن تستحد. هكذا نقل اللخمي وابن يونس عن أشهب. ونقل ابن عبد السلام عن أشهب أنها لا تدخل الحمام إلا من ضرورة. ونقل عن غيره أنها لا تدخله، قال: وظاهره ولو مع الضرورة. وأجاز لها ابن لبابة دخول الحمام، وأجاز في السليمانية الإطلاء بالنورة.
مالك في العتبية: ولا باس أن تخرج إلى العرس ولا تتهيأ بما لا تلبسه الحاد ولا تبيت إلا في بيتها، ولا بأس أن تنظر في المرآة وتحتجم وتقلم أظفارها وتنتف إبطيها.
وَلا تَكْتَحِلُ إِلا لِضَرُورَةٍ وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا، وقِيلَ: وَلا لِضَرُورَةٍ
قال في المدونة: ولا تكتحل إلا من ضرورة، ولا بأس وإن كان فيه طيب ودين الله يسر. زاد مالك في الموازية أنها تكتحل ليلًا وتمسحه نهارًا كما قال المصنف. ولمالك في المختصر أنها لا تكتحل بإثمد فيه طيب وإن اشتكت عينها.
الباجي: ويحتمل ما في المختصر أنها لم تضطر إلى الطيب. الباجي: وجدت لمالك ولم أتحققه أنها لا تكتحل بالإثمد ولا بشيء فيه سواد ولا صفرة ولا بما فيه طيب وإن اشتكت
[ ٥ / ٦٦ ]
عينها. ومعنى ذلك ألا تدعو إلى ذلك ضرورة، وهذا على تأويل الباجي يرجع إلى الأول. ونقل ابن عبد الحكم عدم الجواز ولو حصلت الضرورة، ودليله «أن امرأة توفي زوجها فأتت أمُّهَا النبيَّ ﷺ، فقالت: إن بنتي اشتكت عينها أفأكحلها؟ قال: لا قالت: إني أخشى أن تنفقئ عينها. قال: وإن انفقأت».
عبد الحق: وإسناده صحيح. وفي الموطأ أنه ﵊ قال لامرأة معتدة اشتكت عينها: «اكتحلي بكحل الجلاء بالليل وامسحيه نهارًا». ولعل تعارض الحديثين هو سبب الاختلاف هنا.
وَتَلْزمُ الْمَسكَنَ
أي: وتلزم المتوفى عنها المسكن الذي توفي عنها زوجها فيه. ونبه بهذا على قول ابن عباس وجابر أنها تعتد حيث شاءت. ودليلنا ما رواه مالك وأبو داود والترمذي وصححه أن الفريعة بنت أخت أبي سعيد الخدري جاءت إلى النبي ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له أبقوا له حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة. فقال لي رسول الله ﷺ: «نعم». فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت، فقال: «كيف قلت»؟ [٤٠٩/ب] فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» واللفظ لأبي داود.
وَلَا تَلْبَسُ مَصْبُوغًا إِلا الأَسْوَدَ وَالأَدْكَنَ وَالأَكْحَلَ إِلا أَنْ لاَ تَجِدَ غَيْرَهُ
هكذا وقع كما ترى أن الأدكن داخل في المستثنى، ونحوه في الجلاب، فإنه قال: ولا بأس بلباس البياض والسواد والدكن والكحليات. ومذهب المدونة خلافه، ففيها: ولا
[ ٥ / ٦٧ ]
تلبس خزًا ولا ما صبغ من ثياب أو جباب حرير أو كتان أو قطن أو صوف وإنه كان أخضر أو أدكن إلا أن لا تجد غيره، وتكون بموضع لا تجد استبدالًا، فإن وجدت بدلًا ببيع فليس ذلك لها. اللخمي: وكذلك إذا قدرت على تغيير صبغة بسواد. ولا فرق في المصبوغ الممنوع بين الصوف والحرير وغيرهما.
ابن رشد: ولو رجع في أمر اللباس إلى الأحوال لكان حسنًا، فرب امرأة يكون شأنها لباس الخز والحرير فإذا لبست ثوب كتان أي لون كان فلا يكون زينة لها.
خليل: وعلى هذا فتمتنع الناصعة البياض من السواد فإنه يزينها. وكذلك قال اللخمي: أرى أن تمنع من الثياب الحسنة وإن كانت بيضاء لأنها تزيد في الوضاءة، وتنظر حينئذ لنفسها ويتشوف لها، وكذلك الرفيع من السواد، ولا أرى من تمنع الأخضر والأزرق والزيتي.
وَتَلْبَسُ الأَبْيَضَ- ولَوْ إِبْرِيسَمًا- وغَلِيظَ عُصُبِ الْيَمَنِ، وَأَبْيَضَ الْخَزِّ وأِسْوَدَهُ
ما ذكره هو المشهور. قال في المدونة: وتلبس رقيق البياض كله وغليظه. ومال غير واحد إلى المنع من رقيق البياض.
وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِدَّةِ
يعني: وليس الإحداد شرطًا في العدة، بل لو تركته أثمت وحلت بانقضاء العدة.
وَعَلَى مَنِ اشْتَرَى أَمَةً مُعْتَدَّةً إِبْقَاؤُهَا فِي مَوْضِعِ اعْتِدَادِهَا، ويَجُوزُ إِخْرَاجُهَا نَهَارًا لِلْبَيْعِ، وَلاَ تَتَزَيَّنُ بِمَا لا تَلْبَسُهُ الْحَادُّ
لأن بقاء المعتدة في موضع اعتدادها مأمور به، فإذا احتاج سيدها للبيع جاز له إخراجها نهارًا كما جاز للحرة أن تخرج لحوائجها طرفي النهار، ولا يتركها تتزين بما لا تتزين به الحاد، وإنما لم يكن للمشتري إخراجها لأنه حل محل البائع.
[ ٥ / ٦٨ ]
وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْمَدْخُولِ بها مُطْلَقًا مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ لِعَانٍ السُّكْنَى
يعني: أن للمدخول بها السكنى في العدة مطلقًا سواء كانت من وفاة أو طلاق أو خلع، وعطفه الخلع على الطلاق من باب عطف الخاص على العام، ولأنه قد يتوهم إسقاط السكنى لها لما بذلته، ولينبه على أنه لا فرق في الطلاق بين البائن وغيره.
والمشهور في المتوفى عنها ما ذكره المصنف، وروى ابن خويز منداد عن مالك سقوط السكنى لها، وقاله ابن القصار، لأن ملك الزوج للدار قد زال بموته، وأسقط أحمد بن حنبل السكنى للبائن.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] ولم يذكر في ذلك شرطًا. ثم قال في النفقة: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] فشرط وجود الحمل.
وقوله: (أَوْ فَسْخٍ) أي في النكاح الفاسد، لأنها محبوسة من أجله، ولأن الولد يلحق به كالصحيح.
قوله: (أَوْ لِعَانٍ) هو المشهور. وقال القاضي إسماعيل: لا سكنى لها. وهو اختيار ابن رشد لانقطاع الزوجية وأسبابها، ولو أتت بولد لم يلحق به.
وَإِنْ نَقَلَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاتَّهَمْ رَجَعَتْ لِلَأوَّلِ
يعني: إذا نقل الرجل زوجته من موضع سكناه المعروف إلى غيره، واتهم على إسقاط حق الله تعالى في السكنى، كما لو طلقها بالقرب فإنها ترجع إلى المنزل الأول، ولم يكتفوا منه هنا باليمين.
فرع:
فإن كانت إقامتها في غير منزلها لحق آدمي مثل أن تكون ظئرًا استؤجرت بشرط أن تكون في دار أبوي الصبي، فمات الزوج عنها أو طلقها.
[ ٥ / ٦٩ ]
التونسي: فاعرف في هذا أنه تفسخ الإجارة وترجع إلى بيتها بخلاف حق الله تعالى من العكوف والإحرام.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ ِبَها يَمُوتُ زَوْجُهَا فَلا سُكْنَى لَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْكَنَهَا فَتَكُونُ كَالْمَدْخُولِ بِهَا
لأنها إنما تعتد في موضع سكناها إلا أن يكون قد أسكنها فلها السكنى، وسواء كانت كبيرة أو صغيرة لا يجامع مثلها. قاله في المدونة، وقيده أبو بكر بن عبد الرحمن بما إذا كان قد ضم الصغيرة إليه لا ليكفلها، وأما إن أخذها ليكفلها ثم مات فليس لها.
ابن يونس: وأظن أن ابن المواز ذكره، وهو بين فاعلمه.
ابن حارث: واختلفوا في الصغيرة التي لا يدخل بمثلها إذا أسكنها زوجها في حياته ثم مات، فقال ابن القاسم: هي أحق بالسكنى حتى تنقضي العدة. قال سحنون: وكيف تكون أولى بالسكنى وإنما هو متطوع لها بها في حياته.
محمد: ولو اكترى لها منزلًا فجعلها فيه ونقد الكراء، أو كان لنفسه فهي أحق به وإن لم يبن.
اللخمي: وليس هو أصل المذهب إلا أن يكون موته بعد أن صارت إلى ذلك المسكن.
وَلا سُكْنَى لِلأَمَةِ مَا لَمْ تَتَبَوَّا بَيْتًا
يعني: إذا لم تتبوأ بيتًا اعتدت في بيت سيدها، وإن تبوأت فكالحرة. وبالجملة فأحكمها بعد [٤١٠/أ] الموت أو الطلاق باعتبار السكنى كحالها في حال الزوجية. بعض الأندلسيين: وهو يدل على أن سكنى المعتدة تبع لسكنى العصمة، فيؤخذ منه أن الحرة إذا طاعت لزوجها بالسكنى في دارها دون كراء ثم طلقها فطلبت منه كراء أمد العدة أنه لا يلزمه السكنى، وبهذا أفتى أبو عمر ابن المكوي وابن العطار والأصيلي، وذهب ابن زرب وابن عتاب إلى أن عليه الكراء، وإليه ذهب اللخمي، وأفتى به المازري لأن المكارمة قد زالت بالطلاق.
[ ٥ / ٧٠ ]
وَلَوْ خَرَجَ بِهَا إِلَى الحْجَ ِّفَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًا رَجَعَتْ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَبْعُدْ أَوْ تُحْرِمْ
يعني: ولو سافر الزوج بزوجته فأما إلى الحج أو غيره، فإن سافر بها إلى حجة الفريضة فما قاله المصنف قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، وأما غيره: فترجع إن بعدت كالسفر إلى الرباط ونحوه، وسوى غيره بين الفرض والنفل بخلاف العزو والرباط.
عياض: وفرق بين ذلك بفروق ضعيفة، والأول أصوب. وأشار التونسي إلى أنه ينبغي على الثاني أن يلحق بذلك الغزو ونحوه، وما ذكره من أنها ترجع إذا طلقها أو مات عنها في الثلاثة الأيام نحوه في المدونة، ونص على أن ما قرب من الثلاثة بمنزلتها وأنها ترجع إن وجدت ثقة. قال: وترجع من ملل وذوي الحليفة من المدينة، وردهن عمر ﵁ من البيداء، ولا يفسخ كراء كريها، ولتكر الإبل فيمثل ما اكترت ولو بعدت كإفريقية من الأندلس أو المدينة من مصر تمادت، وأما إذا أحرمت فلتنفد قربت أو بعدت. وملل موضع بينه وبين المدينة ثمانية عشر ميلًا.
قوله: (إن وجدت ثقة) يريد محرمًا أو ناسًا لا بأس بهم. قاله اللخمي وابن عبد السلام وغيرهما. وفهم اللخمي من قول مالك أنها ترجع في اليومين والثلاثة أن الحج عنده على التراخي، قال: وعلى قوله أنه على الفور يكون عليها أن تنفد لما خرجت إليه وإن لم تكن بعدت عن بلدها، وكذلك لو لم تكن خرجت لكان عليها أن تخرج.
ابن عبد السلام: وفي قوله: (لكان عليها أن تخرج) نظر، فإنه حينئذ يكون كواجبين تعارضا، لأن مكثها في بيتها فرض، والحج كذلك، فيسلك مسلك الترجيح.
فرعان:
الأول: قال أبو عمران: وإذا طلقها ورجعت فعليه الكراء في رجوعها لأنها إنما رجعت من أجله وحبست له، فذلك بمنزلة ما يجب لها من السكنى عليه.
[ ٥ / ٧١ ]
الثاني: قال أبو الحسن: قوله: وأما إذا أحرمت فلتنفد، ظاهره أنها أحرمت قبل موت الزوج، ولا إشكال في هذا وهي غير عاصية، ولو أحرمت بعد موت الزوج نفدت وهي عاصية، بخلاف المعتكفة فإنها لا تنفد إذا أحرمت بالحج وتبقى على اعتكافها حتى تتمه، إذ لو قيل أنها تخرج إلى الحج الذي أحرمت به لبطل اعتكافها، لأنه لا يكون إلا في المسجد، بخلاف الإحرام فإنه لا يخل بجملة العدة وإنما يخل بالمبيت.
وَتَرْجِعُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ إِنْ كَانَ خَرَجَ لإِقَامَةِ الأَشْهُرِ لا لِلْمُقَامِ إِذَا وَجَدَتْ ثِقَةً، وَإِنَّمَا تُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إِذَا بَقِي لَهَا شَيْءٌ مِنْ عِدَّتِهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى بَيْتِهَا بِالتَّقْدِيرِ، وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ لِلانْتِقَالِ اعْتَدَّتْ فِي أَقْرَبِهمَا أَوْ أَبَعْدِهِمَا أَوْ فِي مَكَانِ الْمَوْتِ إِنْ شَاءَ وأَمْكَنَ
يعني: وإن سافر بها في غير الحج فإن ذلك على وجهين: أحدهما: أن يخرج لا للسكنى بل ليقيم شهرًا أو شهورًا كما لو خرج لرباط أو زيارة أو تجارة. والثاني: أن يخرج للإقامة رافضًا لسكناه بمحله. وذكر المصنف أنها في الوجه الأول ترجع وأطلق، ونص في المدونة على أنها ترجع ولو وصلت إلى المكان الذي خرجت إليه. واختلف إذا قامت بالمكان الذي خرجت إليه الأشهر أو السنة، فذكر التونسي وغيره قولين: أحدهما: أنها ترجع، وهو ظاهر المدونة. والثاني: أنها لا ترجع، وهو قول مالك في الموازية. ابن عبد الحكم: والأول أحسن. وقال اللخمي: الثاني أحسن.
وقوله: (وَإِنَّمَا تُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إلخ) يعني: وحيث أمرناها، إنما ذلك حيث يكون لرجوعها فائدة بأن تعتد في منزلها، وأما إن كانت لو رجعت لا تدرك منزلها إلا بعد فراغ العدة فلا ترجع لعدم الفائدة حينئذ في الرجوع. وظاهر كلامه إذا بقي من العدة شيء أنها ترجع ولو أدركت يومًا واحدًا، وهو ظاهر المدونة، لكن قيد ذلك اللخمي بأن تدرك ما له قدر، وقال: وإن لم يبق من العدة إلا ما لا قدر له لم ترجع، وتعتد في موضعها إن كانت
[ ٥ / ٧٢ ]
في مستعتب أو تنتقل إلى أقرب المواضع إليها وإن كانت في غير مستعتب، ولا مستعتب دون الموضع الذي خرجت إليه فيكون لها أن تبلغه، وإن كان انقضاء العدة قبله، ولا إشكال في التقدير في ذات الأشهر، وأما ذات الحيض فالتقدير في حقها بما عرفته من عادتها. ثم أخذ المصنف يتكلم على القسم الآخر وهو ما إذا كان خروجه للانتقال، فقال: وإن كان السفر للانتقال إلخ. والضمير في أقربهما أو أبعدهما عائد على المكان الذي خرجت منه والذي خرجت إليه. وحاصل كلامه أنها تخير في أحد ثلاثة أمور: أن ترجع [٤١٠/ب] إلى المكان الأول، أو تذهب إلى المكان الذي خرجت إليه، أو تقييم بالمكان الذي مات فيه زوجها.
قوله: (وأَمْكَنَ) الظاهر عوده على الثلاثة، ويحتمل من جهة اللفظ أن يعود إلى قوله: (أَوْ فِي مَكَانِ الْمَوْتِ) وما ذكره من التخيير في الثلاثة نحوه في المدونة، وعلل ذلك فيها بأنه مات ولا قرار لها لرفض قراره ولم تصل بعد إلى قراره، ونص فيها على أن المطلقة طلاقًا بائنًا أو رجعيًا كذلك.
اللخمي: ولها أن تعتد في موضع الموت وإن مات في مستعتب، أو تنتقل إلى غيره إذا كان مأمونًا، ولا تبعد لأنها وإن كانت لا تتعين عليها العدة في مسكن فلا يسقط خطابها بما تخاطب به المعتدة من الحفظ، وأن لا تبيت عن المسكن الذي تبيت فيه، وإذا كان كذلك لم يكن لها أن تجعل عدتها في أسفار ومناهل وقفار، وإن مات الزوج بعد وصوله إلى البلد الذي أراد سكناه ثم مات قبل أن يتخذ لها مسكنًا كالزوجة التي لا مسكن لها، وكانت بالخيار بين أن تعتد في الذي مات فيه أو بغير ذلك من تلك المدينة أو غيرها إذا كانت قريبًا، ولو اكترى منزلًا فلم ينتقل إليه حتى مات كانت بالخيار أيضًا حسبما تقدم لو لم يكثر، فإن انتقل إليه تعين عليها فيه العدة. انتهى.
[ ٥ / ٧٣ ]
وقول اللخمي: (لم يكن لها أن تجعل عدتها في قفار إلخ) ظاهر، ويلزم عليه أن لا تكون مخيرة في أن تذهب إلى أبعد المكان بل يلزمها أن تذهب إلى الأقرب. وفي قوله أن لها إذا وصل بها إلى البلد الذي أراد سكناه ولم يتخذ لها به مسكنًا أن تخرج من تلك المدينة نظر، وقاله ابن عبد السلام.
وَتَنْتَقِلُ الأَمَةُ مَعَ ساَدَاتِهَا
نحوه في المدونة. وسواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة.
حمديس: وهو خلاف ما وقع في المدونة أنه لا يجوز بيعها إلا ممن لا يخرجها في العدة، وإذا لم يجز لمشتريها ذلك فبائعها أولى. ونص ابن القاسم في الموازية على أنها إن تبوأت مع زوجًا بيتًا فليس لسادتها الانتقال بها. وجمع غير واحد بين مسألتي المدونة على ما في الموازية، فالتي لا تباع إلا ممن لا ينقلها هي التي تبوأت، والتي تنتقل مع سادتها هي التي لم تتبوأ، وإليه أشار أبو عمران بقوله: إن ما في الموازنة لا خلاف فيه. وأجاب ابن يونس عن معارضة حمديس، وقال: لا يلزم هذا ابن القاسم، لأن بائعها لا يخرجها إلا أن يضطر إلى الخروج، وليس هو بمضطر في بيعها أن يبيعها ممن يخرجها وهو يجد من لا يخرجها لأن المشترين كثير، ولو اضطر بعد شرائه إلى الخروج لأمر حدث لجاز له أن يخرجها كسيدها.
وَلِلْبَدَوِيَّةِ الرَّحِيلُ مَعَ أَهْلِهَا لا مَعَ أَهْلِ زَوْجِهَا
نحوه في المدونة، واحترز من الحضرية فإنها لا تنتوي ولو انتوى أهلها. قال في المدونة: ولا تنتوىي. ونص يحيي بن عمر على أن نساء أهل الخصوص يعتددن في البيوت التي كن فيها قبل الطلاق والوفاة. وعلى هذا فالمراد هنا بالبدوية ساكنة العمود، فسره الباجي.
[ ٥ / ٧٤ ]
ابن عبد السلام: وقال اللخمي، وعياض، وابن راشد: المراد سكانة الخصوص والعمود.
خليل: وكلام الباجي أصح لأن أهل الخصوص تلزمهم إقامة الجمعة على الأصح، فدل على أنهم في حكم الحاضرين. وما ذكره المصنف من أنها تنتقل مع أهلها لا مع أهل زوجها إنما ذلك إذا كان لها ولزوجها أهل، وأما إن لم يكن لها أهل فإنها تعتد حيث كانت مع أهل زوجها وترحل معهم.
تنبيهان:
الأول: قوله: (تنتوي) أي: ترحل وتبعد، من النوى وهو البعد، وهو يدل على ما أشار بعض الشيوخ إنما يكون لها أن تنتوي مع أهلها إذا كان رحيلهم لغير القرب لانقطاعهم عنها وانقطاعها عنهم، وأما إذا كان على قرب بحيث لا تنقطع عنهم وترجع إليهم عند تمام عدتها فتقيم مع أهل زوجها.
الثاني: قوله: (لا مَعَ أَهْلِ زَوْجِهَا).
ابن عبد السلام: إن كان المراد أن الحكم بذلك رخصة وأن الأصل كان أن تنتوي مع أهل زوجها لولا مع عارضه من مشقة الرجوع إلى أهلها عند انقضاء عدتها فظاهر، وإن كان المراد أن هذا هو الأصل عند مالك وأنها لو ارتكبت تلك المشقة وارتحلت مع أهل زوجها لما كان لها ذلك، فلا يتبين وجهه. وعلى الاحتمال الأول فهمها الشيوخ.
وَلَهَا مُفَارَقَةُ الْمَسْكَنِ بِعُذْرٍ لاَ يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ مَعَهُ لِخَوْفِ سُقُوطٍ أَوْ لًصًوصٍ، ثُمَّ تَلْزَم الثَّانِيَ والثَّالِثَ كَذَلِكَ
يعني: أنه يجب على المعتدة الاعتداد في البيت الذي هي فيه في الطلاق والوفاة إلا أن لا يمكنها المقام لعذر فلها حينئذ مفارقته، وذلك إما لخوف سقوط الدار أو خوف لصوص.
[ ٥ / ٧٥ ]
اللخمي: أو خوف جار سوء على نفسها، أو وجدت وحشة لانتقال من حولها أو خشية الانتقال من جيرانها. قال في المدونة: وإن كانت في مدينة فلا تنتقل لضرر جواز ولترفع ذلك إلى السلطان.
اللخمي: وإن حصل الشرك بينها وبين من تسكن معهم وكان الشر منها ارتحلت عنهم، وفي مثل هذا جاء الحديث في فاطمة بيت قيس، وإن كان الشر من غيرها أخرجوا عنها، [٤١١/أ] وإن أشكل أقرع أيهم يخرج، ثم إن انتقلت إلى موضع لمانع صار الموضع الثاني في لزوم السكنى كالأول، ثم إن حصل مانع في هذا الثاني كالأول، وهذا معنى قوله: (ثم تلزم الثاني والثالث كذلك).
ابن عبد السلام: كالحالف أن لا يرتحل من موضعه إلى انقضاء سنة مثلًا فعرض له مانع من سكناه. بل مسألة العدة جعلوها أصلًا لمسألة اليمين.
وَإِذَا انْتَقَلَتْ لِغَيْرَ عُذْرٍ رُدَّتْ بِالْقَضَاءِ
سواء أذن لها المطلق أم لا، لأن بقاءها في بيتها حق لله تعالى.
وَلاَ كِرَاءَ لَهَا فِيمَا أَقَامَتْ فِي غَيْرِهِ
نحوه في المدونة، ومعناه أن المعتدة إذا خرجت من موضع اعتدادها وسكنت غيره هروبًا منه فردها القاضي إلى الأول، أو لم يردها وطلبت كراء البيت الذي هربت إليه، فلا كراء لها لأنها تركت ما كان واجبًا لها فلا يلزم غيرها عن ذلك عوض.
وأقاموا من هذه المسألة مسألتين: الأولى: إذا كان له ولد فهربت به إلى موضع لا يعلمه، ثم أتت بعد ذلك تطلب ما أنفقت عليه أنه لا شيء لها.
الثانية: أقام منها ابن الشقاق أنه لا نفقة للناشزة مدة نشوزها ولا رجوع لها بذلك خلاف ما لمالك في الموازية. وفرق بينهما بوجهين: أولهما لابن رشد أن الكراء
[ ٥ / ٧٦ ]
تعين لها في ذلك المسكن لا في ذمة الزوج بمنزلة ما لو دفع النفقة فأتلفتها، ونحوه لأبي بكر بن عبد الرحمن.
ثانيهما لأبي عمران أن البقاء في المنزل حق لله فشدد عليها فيه حتى لا تسقطه، بخلاف بقائها مع الزوج فإنه حق له. وظاهر المدونة وقول المصنف لا كراء لها فيما أقامت في غيره أنه لا فرق في ذلك بين أن يكري المنزل الذي هربت منه أو يتركه خاليًا. وقال اللخمي: إن خرجت لغير عذر فطلبت كراء المنزل الذي انتقلت إليه لم يكن لها ذلك إن خرجت عن مسكن يملكه الزوج أو اكتراه وحبسه ولم يكره بعد خروجها، وإن أكراه رجعت بالأقل مما اكترت أو أكرى.
وَتَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا وطَرَفَيِ اللَّيْلِ
يعني: أن السكنى التي تلزم المعتدة هي أن تلزم مسكنها بالليل، وأما النهار فلا بأس أن تتصرف فيه وكذلك في طرفي الليل. قال في المدونة: ولها التصرف نهارها والخروج سحرًا قرب الفجر وترجع فيما بينها وبين العشاء الآخر. وهذا هو مراد المصنف بطرفي الليل.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: ويدخله قول ابن القاسم أن لها الرجوع إلى ثلث الليل. ورواية مطرف وقول محمد إلا قدر هدوء الناس، قال: ويدخله قول إلى نصف الليل دليله ما في كتاب الحج لأنه قال: لا دم على من بات في ليالي منى بغير منى إلا ليلة كاملة أو جلها. واختار اللخمي أن تؤخر الخروج لطلوع الشمس وترجع لغروبها، قال: وهذا في بعض الأوقات أو عند الحاجة، وليس لها أن تجعل هذا عادة تكون سائر النهار في غير الموضع الذي تعتد فيه. مالك: ولا أحب أن تكون عند أمها النهار كله.
فرع: وتسكن في البيت على حسب ما تسكن فيه مع زوجها وإن كان في الدار بيوتٌ كثيرةٌ وكانت تسكن بيتًا منها وفيه كان متاعها، فقال مالك: لا تبيت إلا فيه في بيتها أو أسطوانها أو حجرتها التي كانت تتصرف فيها أو تتقيظ.
[ ٥ / ٧٧ ]
ابن القاسم: ومعنى ذلك أن جميع المسكن الذي كانت فيه تبيت فيه حيث شاءت.
ولم يرد أنها لا تبيت إلا في الذي كان فيه متاعها. وقال بعض القرويين: معنى ذلك أن تبيت في كل ما لو سرقت منه من دار زوجها لم تقطع.
عياض: وفيه نظر. قال في المدونة: وإن كان في الدار مقاصير فلا تبيت إلا في مقصورتها.
الباجي وغيره: يريد أن تلك المقاصير لغيرها. وذهب الأبهري وابن القصار إلى أنها لا تبيت إلا حيث كانت تبيت. عياض: وهو استحسان. ولعل كلامه في الكتاب على هذا، واخلف لفظه على المستحب.
وَالْمُعْتَدَّةُ أَحَقُّ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاِء بِالْمَسْكَنِ الْمَمْلُوكِ لَهُ والْمَنْقُودِ كِرَاؤُهُ
لما قدم أن للمعتدة السكنى في الطلاق والوفاة أخذ يذكر المحل التي تكون فيه أحق في الوفاة، ولا شك في عدة الطلاق أن عليه ألا يخرجها من المنزل، وأما في الوفاة ففي المدونة وغيرها كما قال المصنف أنها أحق من الورثة والغرماء بالمسكن المملوك لزوجها أو المنقود كراؤه. وإنما ألحق المنقود كراؤه بالمملوك، لأنه إذا نقد كراؤه صار يملك السكنى فيه. وقيد أبو عمران المنقود كراؤه بما إذا انتقلت إليه، وأما إذا لم تنتقل إليه فلا شيء لها.
ابن زرقون: وروى ابن دينار عن ابن القاسم في المدونة: إن كان المنزل له فلها السكنى، وإن كان بكراء فلا سكنى لها. وحكى ابن خويز منداد عن مالك أنه لا سكنى لها وإن كان المنزل له، فإن نقد بعض الكراء كانت أحق بمقدار ما نقد، وحكمها في الباقي حكمها فيما لم ينقد.
فَإِنْ كَانَ مُكْتَرىً غَيْرَ مَنْقُودٍ فَفِيهَا: لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ فًتًخْرُجَ إِلا أَنْ يَكْرِيَهَا الْوَرَثَةُ كِرَاءً مِثْلَهُ. ورُوِىَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقَّ، وَحَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ
يريد: فظاهر المدونة أنها ليست أحق ولو كان فيها التصريح بما قاله [١٣٤/أ] المصنف لم يحسن خلاف الشيوخ في معناها، ولفظها: وإن كانت الدار بكراء ولم ينقد
[ ٥ / ٧٨ ]
الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها، ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه فظاهر قوله (ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها) أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الكراء مشاهرة أو وجيبة أي مدة معينة، وعلى هذا الظاهر حمله الباجي وغيره، واحتجوا بأن المسألة وقعت لمالك كذلك في الموازية. وذكر في النكت عن بعض القرويين أنه حمل المدونة على المشاهرة، وأما الوجيبة فإنها أحق بالسكنى سواء نقد أم لا، واحتج لذلك بقوله في المدونة: إلا أن يطلب منها صاحب المنزل ما لا يشبه، فإن ذلك يدل على أنه لم يكن الكراء لسنة بعينها لأنه لو أكرى لسنة بعينها لكان الكراء قد لزم بما تعاقداه، وليس لرب المسكن أن يطلب غيره. واحتج لذلك أيضًا في تهذيب الطالب، فإن ابا قرة روى ذلك عن مالك، أي أنها تكون أحق في الوجيبة مطلقًا. وحمل الأولان قول مالك إلا أن يطلب صاحب المسكن ما لا يشبه على أن مدة الكراء قد انقضت.
تنبيه:
قول المصنف إلا أن يكريها الورثة ليس في المدونة، وانتهى ما حكاه المصنف عنها عند قوله: (لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ). وقوله: (فًتًخْرُجَ إلخ) هو مفرع عليها.
الباجي: وإن رضى الورثة في مدة الكراء أو أهل الدار بعد انقضاء مدة الكراء أن يأخذوا منها الكراء ويقروها على السكنى لم يكن لها الخروج. قال في المدونة: إلا أن يطلب منها ما لا يشبه من الكراء فلها الخروج ولرب الدار إخراجها. وقيده عياض بما إذا كان إخراجهم لحاجة لهم بالدار من سكنى أو بناء وشبهه، قال: هكذا فسره ابن كنانة في المدونة والمبسوط، قال: وليس لرب الدار إخراجها إلا لعذر مجحف مخافة على داره إن تركت فيها، وليس لهم أن يتزايدوا عليها في الكراء، والسكنى لها بالكراء الذي كان يتكاراه زوجها، ومعنى ذلك عندي أن يكون ذلك من قبل أنفسهم، وأما لو جاء من
[ ٥ / ٧٩ ]
يكتريها بأكثر فلهم إخراجها إلا أن تلزم الزيادة هي أو الزوج، ولا خلاف أن أهل الدار متى تركوها بكراء مثلها أنه لازم للزوج في الطلاق ولها في الوفاة.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ بَيْعُ الدَّارِ إِلا فِي ذَاتِ الأَشْهُرِ، وفِي الْمُتَوَقَّعِ حَيْضُهَا إِذَا اشْتَرَطَهُ قَوْلانِ
نحوه في الجواهر، وعلل ذلك بأن تأخير القرء والحمل غير معلوم بخلاف الأشهر، وكذلك قرره ابن راشد. والمراد بذات الأشهر الصغيرة واليائسة، وأما المتوفى عنها فستأتي. وإنما جاز هنا لأنه بمنزلة من باع داره واستثنى منفعتها ثلاثة أشهر. والقولان في المتوقع حيضها مبنيان على اعتبار الحال أو الطوارئ، فمن نظر إلى الحال أجاز ومن راعى الطوارئ منع.
وقوله: (وفِي الْمُتَوَقَّعِ حَيْضُهَا) أي: كبنت ثلاثة عشر وخمسين.
وَالْحُكْمُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْجوَازٌ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: فَاسِدٌ لِجَوَازِ الرِّيبَةِ
هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (وقال محمد: فاسد لجواز الريبة) فيكون المراد محمد بن عبد الحكم، لأن هذا القول إنما هو معلوم له لا لمحمد بن المواز.
وقوله: (وَالْحُكْمُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْجوَازٌ) أي: لأن عدتها بالأشهر. وفسر على قول محمد بن عبد الحكم للتعليل الذي ذكره المصنف وهو أنها قد ترتاب فتطول عدتها، وهذه المسألة ذكرها في المدونة في كتاب العدة وكتاب بيع الغرر، وفرضها في بيع الغرماء دار الميت لدين عليه، وفرضها الباجي في بيع دار الورثة.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر كلام المصنف. واعترض بعضهم كلام الباجي لما يوهمه من إجازة بيعهم إياها اختيارًا، فقال: إنما أجاز ابن القاسم هذا البيع إذا بيعت للغرماء، وأما إذا أراد الورثة البيع في غير دين فلم ينص عليه ابن القاسم. قال: وعندي أنه غير جائز.
[ ٥ / ٨٠ ]
خليل: وفي كلام ابن عبد السلام نظر، وذلك أنه إنما قال هذا الكلام لما تكلم على قول المصنف وليس للزواج بيع الدار، فيوهم أن كلامه في المدونة وقول ابن عبد الحكم في المعتدة بالأشهر، وكلامه في المدونة. وقول ابن عبد الحكم وكلام الباجي إنما هو في المتوفى عنها.
ثُمَّ إِذَا بِيعَتْ وارْتَابَتْ فَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَحَقُّ بِالْمُقَامِ وأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من جواز البيع في المتوفى عنها فارتابت، فقال مالك في الموازية: هي أحق بالمقام، أي: إلى منتهى العدة، لأن ذلك القدر ملك لها لا يجوز لها ولا لأحد إسقاطه، وللمشتري الخيار للضرر الداخل عليه لو ألزم بالبيع. وقال ابن القاسم في العتبية: لا خيار للمشتري. وقال سحنون: لأنه كالذي دخل عليه. ولهذا لم يجز مالك بالخيار فيما حكاه المصنف عنه بل قال: وأحب. وذكره الباجي على أنه من لفظه في المدونة، وعن سحنون أيضًا أن الخيار للمشتري.
وَالبَيْعُ بِشَرْطِ زَوَالِ الرِّيبَةِ فَاسِدٌ خِلافًا لِسَحْنُونٍ
يعني: والبيع بشرط المشتري على البائع أن لا [٤١٢/أ] تكون له ريبة أو تكون وتزول في زمن العدة، وإن استمرت فلا بيع بيننا- فاسدٌ، وهكذا في الواضحة، وهو اختيار ابن المواز، ولعل سحنونًا قاس ذلك على اشتراط ري الأرض فإنه جائز إذا لم ينقد الثمن، والفرق أن الضرورة ملجئة في بيع الأرض كذلك بخلاف الدار. وزاد الباجي وغيره في قول سحنون: ولا حجة للمشتري ولو تمادت الريبة إلى خمس سنين. وروى نحوه أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية.
الباجي: وهو عندى على قول من يرى للمبتاع الخيار في الفرع الذي قبل هذا، وأما على قول من يلزمه ذلك فلا تأثير للشرط. واعترض التونسي قول ابن المواز هنا أن البيع
[ ٥ / ٨١ ]
فاسد ورآه مخالفًا لقوله بالخيار إذا بيعت الدار واستثنى مقدار العدة ثم حصلت الريبة. قال: لأنه إذا ملك الخيار في الأخذ أو الترك كان أخذه على أن يسكن بالمرأة إلى انقضاء ريبتها كابتداء الشرط على ذلك إلا أن يكون هذا القول على أحد التأويلين فيمن خير بين شيئين فاختار أحدهما، كمن أمر أن يبيع سلعة بعشرة نقدًا فباعها بعشرين إلى أجل فأجاز ذلك رب السلعة بعد فواتها.
ابن عبد السلام: ولا كبير اعتراض فيه إذا تأملته. وقال صاحب البيان: ل لا أدري ما معنى قول التونسي أ، ذلك يتخرج على أحد التأويلين، إذ لا اختلاف فيها أحفظه، كما أنه لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل سلعته بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل على أن البيع لازم له بأحد الثمنين، وإنما يتخرج جواز ذلك على القول بأن من اشترى سلعًا فاستحق منها جلها على العدد فله أن يتماسك بما بقي بما ينوبه من الثمن، وإن كان مجهولًا لا يعرف إلا بعد التقويم. ويحتمل أن يكون معنى قول محمد يخير بين أن يرد البيع أو يتماسك به على أنه بالخيار في الرد ما لم تنقض الريبة لا على أنه يتماسك به على أن البيع لازم له طالت الريبة أم قصرت. هذا أولى ما حمل عليه قول محمد. انتهى.
ابن عبد السلام: وخرج بعضهم من إجازة بيع هذه الدار لغرماء الميت أن من ترك حاملًا وعليه دين أن عقاره يباع في دينه. وخالف فيه ابن أيمن وقال: لا يباع حتى تضع الحمل. واختلف إذا أوصى بوصية وثم حمل هل يعطى الموصى له الوصية أو حتى تضع؟ واختلف أيضًا في المرأة إذا كانت حاملًا وطلبت ثمنها عاجلًا.
عياض: ولو اشترط أقصى ما تمسك النساء للريبة لم يجز النقد. ثم إن ذهبت الريبة بعد هذا الشرط قبل الأجل كانت الدار بقية الأجل للورثة، ولو كان العقد على أن تزول الريبة قربت أو بعدت لم يجز على كل قول للغرر وجهالة وقت قبض الدار.
[ ٥ / ٨٢ ]
وَيُبْدِلُهَا الزَّوْجُ فِي الْمُنْهَدِمِ وِالْمُعَارِ وَالْمُسْتَاجَرِ إِذَا انْتَهَتِ الْمُدَّةُ
يعني: أن المعتدة في الطلاق لا في الوفاة إذا اعتدت في ملك في منزل سواء كان له أو لغيره فانهدم، أو اعتدت في منزل معار له أو مستأجر فانتهت مدة الإعارة أو الإجارة فإن الزوج يبدلها غيره. اللخمي: ولا خلاف أن العدة لا توجب على المكري والمعير إذا ضربا الأجل مدة سوى العدة التي ملكها الزوج، وكذلك إذا لم يضربا أجلًا ولا يلزم المكري والمعير ما لم يعقده على نفسه. وقال ابن القاسم في المستخرجة في رجل أسكن أخاه منزلًا وطلق المسكن زوجته، وقال لها صاحب المسكن: اخرجي، إنما أسكنت أخي. فقال: لا تخرج حتى تنقضي العدة. يريد أن الأخوين يتهمان أن يكونا قصدا إخراج الزوجة خاصة ليس أن ينتزع العارية من أخيه.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَكَانَيْنِ وَلاَ ضَرَرَ أُجِيبَت الْمَرْأَةُ
نحوه في المدونة، قال: إلا أن تدعوه إلى ما يضر به لكثرة كراء أو سكنى فتمنع، ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت. ومعنى ضرر السكنى أن تكون في جوار قوم غير مأمونين أو تسكن بالبعد منه ونحو ذلك، قاله ابن يونس.
اللخمي: والقول قولها إذا دعت على موضع مأمون وكان كراؤه أزيد وتحملت الزيادة.
وقوله: (فإن أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت)
ابن يونس: يريد بحيث يعلم أنها معتدة ويبلغه خبرها.
وَامْرَأَةُ الأَمِيرِ الْمُعْتَدَّةُ لا يُخْرِجُهَا الْقَادِمُ فِيهَا
يعني: إذا طلق الأمير امرأته وهي في دار الإمارة فعزل أو مات عنها وقدم آخر قبل انقضاء العدة فليس له إخراج زوجة الأمير السابق حتى تتم عدتها. ولم يجعلوا ما يستحقه
[ ٥ / ٨٣ ]
الأمير من السكنى كالأجرة حقيقة، فإنه لو جعلوها كذلك لما استحقت ما زاد على قدر الولاية، وفي معنى زوجة الأمير زوجة القاضي إذا كان ساكنًا في موضع القضاء.
وَفِي الْحَبْسِ حَيَاتَهُ تَسْكُنُ عِدَّتَهَا، وَلَوْ خَمْسَ سِنِينَ لأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ الْمَيِّتِ
قوله: (وَفِي الْحَبْسِ حَيَاتَهُ) أي: العمرى. وقوله: (تَسْكُنُ عِدَّتَهَا) أي: سواء كانت عدة طلاق أو وفاة. اللخمي: وقولهم في الطلاق ظاهر، لأن حق المحبس عليه قائم لوجود حياته، وأما المتوفى عنها فاستحسان لأن الأجل الذي أعطاه هو حياة المحبس عليه، وقد انقضى كالكراء إذا انقضى أجله إلا أن تكون هنا عادة. وقول المصنف: (وَلَوْ خَمْسَ [٤١٢/ب] سِنِينَ)، هكذا قال محمد.
اللخمي: وفيه ضرر على المحبس لأنه لم يرد هذا، ودار الإمارة الأمر فيها أوسع لأنها ليست لأحد.
بِخِلافِ سِنِينَ مَعْلُومَةٍ
يعني: فليس لها أن تزيد عليها وهو ظاهر.
وَكَذَلِكَ حَبْسُ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَيْسَ حَبْسُ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ كَالْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ
يعني: فليس للإمام الجديد أن يخرجها في مدة العدة، وهكذا قال ابن شبلون. وذكر ابن عادت أنه الذي جرى عليه العمل بقرطبة، ولكن أكثر الشيوخ كعبد الحق والباجي وابن زرقون وابن راشد وغيرهم يقتصرون على ما قاله ابن العطار ويفرقون بينه وبين مسألة الأمير، فمنهم من فرق بأن سكنى الإمام على معنى الإجارة بخلاف الإمارة، وإلى هذا ذهب عبد الحق والباجي وغيرهما، ومنهم من قال لأن أجرة الإمام مكروهة، وإليه ذهب ابن المناصف، ومنهم من قال لأن امرأة الأمير لها حق في بيت المال، ودار الإمارة
[ ٥ / ٨٤ ]
من بيت المال بخلاف دار المسجد، وإليه ذهب ابن رشد، وقال ابن زرقون: الذي قاله ابن العطار مقصور على ما إذا كانت الدار حبسًا على المسجد حبسًا مطلقًا، وأما إن حبست على أئمة المساجد فإن الإمام إذا مات لا تخرج زوجته حتى تنقضي العدة كما في دار الإمارة.
خليل: وإنما يقصد الناس في زماننا هذا في أئمة المساجد الإجارة فيقوى قول ابن العطار. ولعل القول الأول مبني على الغالب من عادتهم في الزمان المتقدم من الاحتساب في ذلك.
وَلأُمِّ الْوَلَدِ- تُعْتَقُ، أَوْ يَمُوتَ عَنْهَا- السُّكْنَى
هذا مذهب المدونة. وقوله: (السُّكْنَى) أي: مدة استبرائها بالحيضة، لأنها في حقها كالعدة. وكذلك أن قلنا هي استبراء محض لأنه محبوسة بسببه. وقال في الموازية: لا سكنى لأم الولد ولا عليها. وروى أشهب: ذلك لها، وعليها من غير إيجاب. وقال ابن القاسم: إن كانت حاملًا فلها السكنى إن أعتقها، وإن لم تكن حاملًا فلا سكنى لها. هكذا حكى اللخمي، وحكى غيره قولًا آخر بأن السكنى حق لها إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته. قال: وقيل: تركها مكروه.
وَلَهَا فِي الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَالسُّكْنَى
لو سكت عن قوله: (السُّكْنَى) لكان أحسن لأنه قد قدمه وكأن لها النفقة لأجل الحمل. وفهم من قوله: (وَلَهَا فِي الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ) أنه ليس لها ذلك في الموت، وكذلك نص عليه ابن القاسم وأشهب وأصبغ، لأن الحمل وارث فلم تكن له نفقة كما لو توفي عن الزوجة حاملًا. ابن عبد السلام: وحمل بعضهم على المدونة قولين في وجوب النفقة لها في الوفاة إذا كانت حاملًا. فقال ابن القاسم: لها النفقة. وقال غيره وهو عبد الملك: لا نفقة لها. وليس في لفظ التهذيب عندي ما يقتضي أن ابن القاسم يقولك بوجوب النفقة لها فتأمله فيه. وقال ابن محرز: إذا كانت قد ولدت قبل ذلك من سيدها رجوت أن لا يختلف ابن القاسم وعبد الملك في أن لا نفقة لها.
[ ٥ / ٨٥ ]
وَلِلْمُرْتَدَّةِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَالسًّكْنَى
قال في التهذيب: وللمرتدة الحامل النفقة والسكنى ما دامت حاملًا، فإن لم تكن حاملًا لم تؤخر واستتيبت، فإما أن تقتل أو ترجع إلى الإسلام فيكون ذلك طلقة بائنة ويكون لها السكنى. وقال ابن اللباد: ليس لها السكنى إن لم تتب، لأنه تسجن حتى تضع. فغير البرادعي لفظها لما يعتقده من معناها، ولفظه في الأمهات: قلت أرأيت المرتدة أيكون لها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا ما دامت حاملًا: نعم، لأن الولد يلحق بأبيه فمن هناك لزمته النفقة. فقال بعضهم: إنما وقع ذكر السكنى في السؤال لا في الجواب، وإنما جاب عن النفقة فقط، ألا ترى إلى تعليله بلحوق الولد ولم يجب عن السكنى إذ هي محبوسة على ما قاله ابن اللباد. واختصرها المختصرون على أن النفقة والسكنى لها لقوله: نعم في أول الجواب بعد السؤال عنها. وقيل: معنى هذه السكنى أنه غفل عن سجنها.
عياض: وقد يقال ذلك إذا كان الموضع الذي يعتقل فيه يطلب عندهم كراؤه.
فرع:
اللخمي: إذا قال الزوج: حاضت قبل الردة ولم أصبها استتيبت، فإن تابت وإلا قتلت.
وإن قال الزوج لم تحض بعد أن أصبتها وأشكل أمرها هل هي حامل أم لا كان من حق الزوج أن تؤخر حتى تحيض أو تمر لها ثلاثة أشهر من يوم أصاب، فإن لم يظهر حمل قتلت، وهذا لحق الزوج في الماء، فإن أسقط حقه في ذلك ولم يمض للإصابة أربعون يومًا لم تؤخر، لأن الماء حينئذ لم يخلق منه ولد، وإن مضى له أربعون يومًا لم يعجل بقتلها لإمكان أن يكون الولد قد صار علقة، فلا يجوز قتلها حينئذ كما لا يجوز للأم أن تشرب ما تسقطه به. ولو زنت ولا زوج لها رجمت إذا لم تمض لها أربعون يومًا ولا تؤخر، فإن مضت لها أربعون يومًا أخرت حتى يظهر أمرها، وإن أخرت الزوجة حتى ينظر هل هي حامل لم يكن على الزوج في ذلك نفقة عند ابن القاسم، لأن ارتدادها طلقة بائنة، ولا عند
[ ٥ / ٨٦ ]
أشهب وعبد الملك وإن كان يريان أن الطلاق مترقب، فإن أسلمت كانت على الزوجية من غير طلاق، لأنها فعلت فعلًا منعت به نفسها، [٤١٣/أ] فإن تبين حمل أنفق في المستقبل وأتبعته بالماضي، وتبيت في بيتها على القول بأن الارتداد طلاق ويتحفظ بها فيه، وعلى القول أنه فسخ أو مترقب فإن رجعت إلى الإسلام كانت على الزوجية، فيستحب نقلها إلى موضع تعتد فيه.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تُحْبَسُ بِسَبَبِهِ فِي السُّكْنَى، وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ لإِسْلامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَكَمَنْ نَكَحَ مَحْرَمًا ولَمْ يَعْلَمْ وبَنَى
هكذا في المدونة أن كل امرأة حبست بسبب شخص في عدة أو استبراء لها السكنى، وإن حصل حمل كانت لها نفقته.
وليس ما قاله في النفقة على إطلاقه، فإن حمل الأمة من حر أو عبد، وحمل الحرة أو الأمة من عبد لا نفقة له، وكذلك حمل الملاعنة، وظابطه كل حمل لو وضعته وجبت نفقته على أبيه فلها عليه النفقة وإلا فلا. وذكر المصنف للضابط الذي ذكره ثلاثة أمثلة:
الأول: إذا فسخ النكاح لإسلام أحد الزوجين بعد البناء فإنه يجب للمرأة السكنى ونفقة الحمل إن كان، وقوله: (بَعْدَ الْبِنَاءِ) يعني وأما قبله فلا لعدم العدة.
الثاني: إذا نكح محرما ولم يعلم وبنى فإن لها السكنى في مدة الاستبراء ونفقة الحمل إن كان. وقيد ذلك بعدم العلم لتتم الشبهة وإلا فلو كان عالمًا وهي لم تعلم كان لها أيضًا عليه السكنى ولم يكن لها عليه نفقة الحمل لعدم لحوق الحمل. ثم أشار إلى المثال الثالث بقوله:
وَفِي الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ ذَاتِ زَوْجٍ قَوْلانِ
ابن هارون وابن راشد: لم أقف على ما حكاه المصنف. وقال ابن عبد السلام: يعني إذا غلط بامرأة أجنبية يظنها زوجته أو أمته فوطئها فلا حد عليه، وتستبرأ الحرة بثلاث حيض فإن
[ ٥ / ٨٧ ]
حملت منه كان لها عليه النفقة والسكنى، ولا أعلم في هذا خلافًا في المذهب. وظاهر كلام المؤلف أنه مختلف فيه فانظره. واختلف المذهب إذا لم تحمل وكانت زوجًا لآخر هل تجب نفقتها على نفسها أو على واطئها؟
وَلامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ خَبَرُهُ دُونَ امْرَأَةِ الأَسِيرِ أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَالْعَبْدُ سَنَتَيْنِ مُنْذُ يَعْجِزُ عن خَبَرَهُ بَعْدَ الْبَحْثِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ كَالْوَفَاَةِ
فقد الشيء عدمه، ومراده المفقود في بلاد المسلمين احترازًا من الأسير فإن حكمه سيأتي، ومعنى كلامه أن لامرأة المفقود أن ترفع امرها سواء كانت مدخولًا بها أم لا إلى الحاكم. وأطلق في (الْحَاكِمِ) فيشمل الخليفة ووالي البلد والقاضي. قال في المدونة: ويجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرطة الأجل للعنين والمفقود.
أبو الحسن: والمراد بولاة المياه السعاة لأنهم يبعثون عند حصول المياه.
القابسي وأبو عمران: وإن كانت في موضع لا حاكم فيه رفعت أمرها إلى صالحي جيرانها وكشفوا عن خبر زوجها وضربوا لها الأجل، لأن فعل الجماع كحكم الإمام. وقال سحنون: لا يجوز كتاب ولاة المياه إلى قضاة الأمصار الكبار من سائر البلدان. وأنكر ما ذكر عن مالك أن والي المياه يضرب أجل المفقود وهو لا يضرب إلا بعد أن يكتب إلى البلدان، وولاة المياه لا يجوز أن يكتبوا إلى البلدان، فعلى هذا قيل: لا يضرب لها الجيران.
اللخمي: والمعروف من المذهب أن الكشف عن خبره إلى سلطان بلده وإن تولى ذلك بعض ولاة المياه، والمفقود منهم أجزأ. وقال أبو مصعب: لا يجوز في ذلك حكم سلطان إلا الخليفة الذي تمضي كتبه في الدنيا.
ابن عبد السلام: وجعله بعضهم كقول سحنون. وقال ابن الماجشون: إذا كان الإمام الأعظم حاضرًا لم يضرب غيره. وقال غير واحد: إذا رفعت المرأة أمرها إلى الحاكم كلفها
[ ٥ / ٨٨ ]
إثبات الزوجية والغيبة، فإذا أثبت ذلك سأل زوجته وأقاربه وإخوانه وأهل محلته وسوقه، فإن كان عندهم علم أنه كان يريد بلدًا كتب إلى ذلك البلد الذي كان يظن أنه فيه، وإلا كتب إلى بلد الجامع إن لم يظن أنه في بلد بعينه ويعرفه في كتابه باسمه وصفاته ومتجره، ويكتب هو إلى نواحي بلده، وإن كان مطلوبًا بدم أو آبقًا لم يقتصر في الكتب على الجهة التي خرج إليها، لأن هذا ينتقل ولا يستقر في بلد بعينه، فإذا جاء الجواب بعدم العلم ضرب له الأجل وهو أربعة أعوام للحر. واختلف في العبد، فالمشهور ما ذكره المصنف أن أجله نصف اجل الحر كالإيلاء والطلاق. ابن عبد السلام: وقيل: أجله كالحر.
خليل: وتنصيف الأجل هنا وفي الاعتراض والإيلاء مشكل، والأظهر الشاذ في الجميع.
وقوله: (مُنْذُ يَعْجِزُ عن خَبَرَهُ) هو المشهور. وقال ابن عبد الحكم: من يوم الرفع، وعليه فلا يكتب إلى البلدان ويضرب له الأجل إذا ثبتت الزوجية والغيبة. وقاله ابن عبد الحكم، وزاد: إلا أن يبلغ سن التعمير. والأصل في التحديد بالأربع سنين ما في الموطأ عن عمر ﵁ أنه قال: «أيما امرأة فقد زوجها فلم تدر أين هو فإنما تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشر ثم تحل».
عبد الوهاب: وأجمع الصحابة عليه لأنه روى أيضًا عن عثمان وعلي وجماعة من التابعين ولم يعلم لهم في عصر الصحابة مخالف. قيل: وحد بالأربعة لأنها [٤١٣/ب] غاية الحمل. وقيل: لأنها المدة التي تبلغها الكتابة في بلدان الإسلام ذهابًا وإيابًا. وقيل: لا علة لذلك إلا الاتباع لقول عمر. اللخمي: وهو أحسن. واستضعف الأول لقول مالك: أنها لو أقامت عشرين سنة فإنها تستأنف الأجل. ولقولهم إذا كانت الزوجة صغيرة أو الزوج صغيرًا أنه يضرب له الأجل وليس هناك ما يخشى منه الحمل، وكذلك إذا كانت يائسة، ولأنه لو كان مبنيًا على أكثر الحمل لاختلف فيه على الخلاف.
[ ٥ / ٨٩ ]
واستضعف أيضًا الثاني لقول مالك أنها تستأنف الأربعة من بعد الإياس. وقيل: إنما ضرب له أربعة أعوام، لأنه جهل إلى أي ناحية سار من الأربع جهات. وهذا لا معنى له.
وقوله: (ثُمَّ تَعْتَدُّ كعدة الْوَفَاةِ) لقول عمر المتقدم.
ابن عبد السلام: ومن أهل المذهب من ألزمها أقصى الأجلين، وأجراه بعضهم على الخلاف في لزوم الإحداد ولم يبينوا هل هي حيضة واحدة. وهذا إن أراده فقريب كما تقدم في الذي علمت وفاته أو هي ثلاث حيض، ولا يحتاج إذا انقضى الأجل إلى إذن الإمام لها في العدة ولا بعد انقضائها إلى إذنه في التزويج. عبد الوهاب: لأن إذنه حصل بضرب الأجل.
تنبيه:
ما تقدم من أن العبد الآبق والمطلوب بدم لا يقتصر في حقهما على الكتب إلى جهة واحدة، يدل على أن حكمهما حكم المفقود، وقد نص محمد على ذلك. وكذلك قال مالك فيمن أخذ متاع زوجته وهرب أنه: يضرب له أجل المفقود.
وقال اللخمي: أرى أن يطلق على هؤلاء عند رجوع الكشف بعدم العلم بخلاف المفقود لأنهم فروا اختيارًا، ومعلوم أنهم قاصدون التخلف عن الرجوع وحالهم بين ميت ومختار للإقامة.
فرعان:
الأول: إنما يضرب له الأجل المتقدم إذا كان له مال ينفق عليها منه وإلا فحكمها حكم زوجة المعسر بالنفقة.
الثاني: إذا غاب عن أم الولد سيدها وطلبت أن يضرب لها أجل لم تمكن من ذلك، وتبقى إلى انقضاء تعميره فتعتق عليه. نقله ابن راشد.
[ ٥ / ٩٠ ]
فَإِنْ جَاءَ أَوْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ قَبْلَ تَزْوِيِجها فَامْرَأَتُهُ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ لِلثَّانِي، وَفِي رُجُوعِ الأَوَّلِ غَيْرِ الدَّاخِلِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ رِوَايَتَانِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ قَالَ مَرَّةً: الْعَقْدُ فَوْتٌ. ثُمَّ رَجَعَ
يعني: أن الحكم نافذ لها ما لم يتبين خلافه، وأما إن تبين خلافه فذلك على أربعة أوجه: الأول: أن يجئ أو يتبين حياته وهي إلى الآن في العدة، فلا خلاف أنها زوجته.
الثاني: أن يتبين ذلك بعد خروجها من العدة وقبل أن يعقد عليها، فالمعروف من المذهب عدم فواتها كالأول. وذكر ابن عيشون الطليطلي عن ابن نافع أنها تفوت. قال في المقدمات: وهو بعيد، لأن الحاكم إذا حكم باجتهاد ثم تبين له أو لغيره أنه أخطأ في حكمه خطأ متفقًا عليه نقض ذلك الحكم بإجماع. فلو قيل على قياس هذا أنها له ولو دخل بها الزوج الثاني كالمنعي لها زوجها لكان له وجه في القياس، ولكنه لم يقوموا ذلك، فأين هذا من قول ابن نافع، إلا أنه يشبه ما روي عن مالك فيمن خرص الخارص عليه في تحلة أربعة أوسق فوجد فيها خمسة أنه يعمل على ما خرص.
أبو عمران: وتآليف ابن عيشون مختلفة، ونقله ضعيف. وروى اللخمي مثل قول ابن عيشون، قال: لأن الحاكم أباحها للأزواج مع إمكان حياته، وما كشف الغيب أكثر مما كان يظن. وقول المصنف: فإن جاء أو ثبتت حياته قبل تزويجها فامرأته، يشمل هذين الوجهين الوجه الثالث أن يدخل بها الثاني والحكم أنها تفوت على الأول وتكون للثاني. وإلى هذا أشار بقوله: وبعد الدخول للثاني.
اللخمي: ولم يختلف قول مالك أن الدخول فوت. وخرج فيها قول بعدم الفوت بالدخول على أحد القولين في النصرانية تسلم وزوجها غائب، فإن ابن الماجشون قال: إن ثبت أنه أسلم قبلها أو بعدها في العدة كان أحق بها وإن ولدت من الثاني.
[ ٥ / ٩١ ]
ابن راشد: وفيه نظر، لأن امرأة المفقود اجتهد لها الحاكم بعد الكشف وضرب الأجل وأذن لها في النكاح بخلاف النصرانية تسلم.
فرع:
فإن دخل بها الثاني في نكاح فاسد فالأول أحق بها إن فسخ بغير طلاق لا إن فسخ به. نص عليه الباجي وغيره.
قوله: (وَفِي رُجُوعِ الأَوَّلِ غَيْرِ الدَّاخِلِ إلخ).
اعلم لولا أنه اختلف إذا فقد الزوج قبل البناء وضرب الحاكم الأجل، وفرق بينهما سواء تزوجت أم لا، فعن مالك أنها تعطى جميع الصداق، وبه قال سحنون.
ابن بطال: وبه القضاء. وفي الجلاب أنها تعطى نصف صداقها فقط، فإن ثبتت بعد ذلك وفاته أكمل لها صداقها، وكذلك إن مضى عليها من السنين ما لا يحيي إلى مثله. وقاله عبد الملك وابن دينار.
وقال جماعة: إن لم تكن قبضته لم تعط إلا نصف صداقها، وإن كانت قبضته لم ينزع منها. وقيل: لا تأخذ النصف إلا بعد إلزامه الطلقة، وذلك عند عقد الثاني أو عند دخوله على الخلاف. ابن محرز: والقياس أن يكون لها النصف إلا على مذهب من يرى أن المرأة تستحق الجميع بالعقد. وعلى أنها تأخذ الجميع فقال مالك: يعجل لها [٤١٤/ا] المعجل ويبقى المؤجل إلى أجله. وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع.
ومنشأ الخلاف أن هذه المرأة فيها شائبتان، شائبة الموت بدليل أنها تعتد عدة الوفاة، وشائبة الطلاق بدليل أن دخول الثاني يوقع على الأول طلقة، فمن غلب الشائبة الأولى أوجب لها الجميع، ومن غلب الثانية لم يوجب لها إلا لنصف.
وكلام المصنف مبني على القول بأنها لا تأخذ الجميع، لأن ذكره الخلاف في رجوع الأول بنصف الصداق فرع عن أخذها الجميع. والروايتان اللتان حكاهما المصنف
[ ٥ / ٩٢ ]
حكاهما ابن الجلاب وهما مرويتان عن ابن القاسم، والذي رجع إليه أنها لا ترد شيئًا كالميت. والمعترض بعد التلوم، قيل: وبه العمل لأنه حكم مضى. وقال ابن راشد: الأول أصح. وهو الخيار اللخمي لأنه طلاق قبل الدخول، والفرق بينه وبين المعترض أن المعترض قد استمتع بها وأخلف شورتها.
الوجه الرابع: أن تتبين حياته أو موته بعد عقد الثاني وقبل دخوله، ففيه القولان اللذان حكاهما المصنف بقوله: (قَالَ مَرَّةً: الْعَقْدُ فَوْتٌ. ثُمَّ رَجَعَ). وبالفوات قال المغيرة وابن كنانة وابن دينار، وبعدمه قال ابن القاسم وأشهب. قال في الكافي: المرجوع إليه أصح من طريق الأثر. وليست مسألة نظر لأنا قلدنا فيها عمر ﵁.
فرع:
أبو عمران: وإذا اعتدت أو مضى بعض العدة لم يكن لها أن ترجع إلى عصمته، وقد وجبت عليها العدة والإحداد، فليس لها أن تسقط ما وجب عليها باختيارها، وأما في الأربع سنين فلها ذلك لأنها لم تجب عليها عدة. قال: ومتى رجعت بعد ذلك أبتدأ لها الضرب. أبو بكر بن عبد الرحمن: وإذا ضرب لها الأجل واعتدت ثم أرادت أن تبقى على عصمة المفقود فليس لها ذلك، لأنها قد صارت مباحة للأزواج فلا حجة لها أن لو قدم كان أملك بها لأنها إنما أمرت بالعدة للفراق فتجري على ذلك حتى تظهر حياته، ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف لها منها ميراث، وإن كان لو علمت حياته ردت إليه.
وَعَلَيْهِمَا لَوْ ثَبَتَ مَوْتُهُ بَيْنَهُمَا، بِخِلافِ مَا قَبْلَهُمَا فَإِنَّهَا كَغَيْرِهَا
يعني: وعلى القولين في فواتها بالعقد إذا ثبت أنه مات بينهما، أي: بعد العقد وقبل الدخول. فإن قلنا أن العقد مفيت مضت زوجة للثاني، وإن قلنا ليس بفوت فسخ لأنه تزوج زوجة الغير. وبالجملة موته كقدومه بخلاف ما لو ثبت موته قبل العقد والدخول، فإن هذه المرأة كغيرها من النساء، فإن عقد الثاني بعد خروجها من عدة الأول صح نكاحه، وإن عقد قبل خروجها من العدة فهو كالنكاح فهيا، وإليه أشار بقوله:
[ ٥ / ٩٣ ]
وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فِي عِدَّةِ مَوْتِ الأَوَّلِ فَنِكَاحٌ فِي عِدَّةٍ يُفْسَخُ، وَتَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَبَدًا
تصوره ظاهر. وقوله: (وَتَحْرُمُ بِالدُّخُولِ) أي: في العدة، وأما لو لم يدخل إلا بعد العدة لجرى على الخلاف المتقدم في باب النكاح. ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لإشكالها، وذلك أن الزوج الثاني استند في عقده إلى حكم حاكم فلم يستعجل وليس هنا اختلاط أنساب فكان تأبيد التحريم مشكلًا، ولهذا روى البرقي عن أشهب أنه إذا دخل بها الثاني في عدة الأول لم يفسخ نكاحه وثبت ولم تحرم عليه.
ابن المواز: ولو دخل بها الثاني ثم علم أن المفقود مات قبل دخول الثاني فنكاح الثاني مفسوخ لأنه كالناكح في العدة، إذ مرة لها زمان العدة وهي معقود عليها كالرامي من الحل تخرق رميته الحرم ويصيب في الحل.
ابن يونس: وقد تقدم لابن المواز ما يدل على خلاف هذا، قال: إذا اعتدت المنعي لها زوجها وتزوجت ودخل بها ثم تبين أن الأول مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فليفرق بينهما ويؤمر التورع عنها، وهي أخف ممن نكح في العدة ودخل بعدها، وهي كمن واعد في عدة ونكح بعدها، لأنه عقد نكاحها وهي ذات زوج فعقده كلا عقد، فلينتزه عنها أحب إلى.
ابن يونس: وما تقدم أقيس لأنه عقد لو قدم بعد الدخول فيه لم ترد إليه وليثبت ذلك العقد. وإن كانت يوم العقد ذات زوج فإذا مات الأول قبل دخول الثاني فقد صادفتها العدة وهي معقود عليها فهي كمن عقد في العدة ودخل بعدها، أصله الرامي من الحل تخرق رميته الحرم ثم يصيب في الحل، والله أعلم.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَرِثَتْهُ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ تَرِثْهُ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلانِ
لأنه إذا مات قبل العقد فهي زوجة، ويأتي على ما حكي عن ابن نافع أنها لا ترثه إذا خرجت من العدة، فإذا ثبت أنه مات بعد دخول الثاني فليست له زوجة، لأنها فاتت على
[ ٥ / ٩٤ ]
الأول بالدخول. وإن مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فالقولان، فعلى الفوات لا ترث منه، وعلى مقابله ترث. اللخمي: وإن جهلت التواريخ وقد دخل الثاني لم يفسخ نكاحه ولم ترث الأول، لأنه لا يفرق بينها وبين الثاني بالشك، ولا ترث الأول أيضًا بالشك.
وَعَلَى الثَّانِي: لا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلا بِالدُّخُولِ
ويعني: وعلى قول مالك المرجوع إليه من أنها لا تفوت إلا بالدخول لا يقع طلاق على الأول إلا بدخول الثاني، وأما على الفوات بالعقد فالطلاق [٤١٤/ب] يقع بنفس العقد، ابن رشد، واختلف متى تقع الطلقة عليه، فقيل: أنها تقع عليه بالدخول أو بالعقد على الاختلاف في ذلك، وقيل: إنما تقع عليه يوم أبيحت للأزواج ويكشف ذلك العقد أو الدخول، وفائدة هذا الاختلاف، لو كان هذا الأول طلقها اثنتين ثم تزوجت وقدم زوجها الأول بعد أن دخل بها هذا الثاني، هل يحلها هذا الزوج للقادم أم لا؟ والظاهر أنها تحل بفراغ العدة ولو كان الطلاق إنما يقع بعقد الثاني أو بدخوله لكان نكاحه فاسدًا.
وِلَوْ طَلَّقَهَا الثَّانِي بَعْدَ الُّدخُولِ وَكَانَ الأَوَّلُ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ لَحَلَّتْ لَهُ، أَصْبَغُ: لا تَحِلُّ بِذَلِكَ لأَنَّهَا لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ الطَّلاقِ، وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ
يعني: لو كان المفقود طلقها طلقتين قبل فقده ثم فقد وأباح لها الحاكم التزويج وتزوجت ثم طلقها الثاني بعد دخوله، فهل تحل للمفقود قبل زوج وهو قول مالك وبه قال أشهب، وقال أصبغ: لا تحل، وصوبه أبو عمران بما حكاه المصنف عن أصبغ بقوله: (لأَنَّهَا لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ الطَّلاقِ)، يعني أن الطلقة الثانية إنما تقع بدخول الثاني ولم يحصل بعدها نكاح وحليتها مرقوفة على حصول نكاح بعد الثلاث، ورده اللخمي بما تقدم من أن الظاهر أن الطلاق وقع قبل العقد وقبل الدخول وإلا لزم فساد النكاح.
[ ٥ / ٩٥ ]
فرع:
محمد: ولو قدم المفقود بعد أن خلال بها الثاني، فقال للأول: ما قربتها، لحرمت على الثاني، لأنه أقر أنها زوجة للأول، ولم تحل للأول لظهور الإفاتة إلا أن يخطبها بعد ثلاث حيض، وجعل اعترافه كالطلاق، وإن لم يطلق فتحل لذلك الزوج ولا تحل لغيره وإن اعترفت أن الثاني لم يصبها لأنها مقرة أنها زوجة للأول، وإن ادعت أنه أصابها حلت له ولغيره لأنه يعد ذلك منه طلاقًا، وإن أنكرت أن يكون أصابها ولم يصدقها الأول ولا راجعها كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان فيطلقها على الأول لأنها تقول: لا أبقى بغير نفقة، ولو أنفق عليها لكن لها أن تقوم بعدم الإصابة لأن إنكار الأول أن تكون صدقت، وقوله أولًا: لا علم عندي لا يكون طلاقًا.
وَالَّتِي تَعْلَمُ بِالطَّلاقِ وَلاَ تَعْلَمُ بِالرَّجْعَةِ كَذَلِكَ
يعني: أن من طلق امرأته طلاقًا رجعيًا فاعتدت وتزوجت غيره، فأثبت هو أنه ارتجعها قبل نكاح الثاني فكذلك، أي إن اطلع على ذلك قبل دخول الثاني فالأول أحق على قول مالك، الثاني: وإن دخل فالثاني أحق بها، ورأي اللخمي أنها لا تفوت بالدخول، وفرق بينها وبين امرأة المفقود بأن هذه لم يكن فيها قضية من حاكم.
وفي قوله: (كَذَلِكَ) إشارة إلى إجراء حكم هذه المسألة على المتقدمة في الميراث، وبذلك صرح في المدونة، عبد الملك: وهذا إذا أقام بينة أنه ارتجع قبل عقد الثاني، وأما قوله بعد عقد الثاني ارتجعت قبل عقده فلا يقبل.
مالك: وإن كان حاضرًا فلم يعلمها برجعته ورآها تزوجت ودخلت فإنها تمضي زوجة.
اللخمي: وليس ببين لأنه لو رأي أن الزوجة تزوجت ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقًا.
ابن عبد السلام: وكلام اللخمي ظاهر إن قامت له بينة أنه ارتجع قبل ذلك، وهو الذي أراد كما قاله عبد الملك. خليل: وقد يجري ما قاله مالك في هذه المسألة على أحد الأقوال فيمن
[ ٥ / ٩٦ ]
باع زوجته أو زوجها إلا أن يقال أنه إذا باعها أو زوجها فعل فعلًا محققًا يدل على تمليكها لغيره بخلاف هنا فإنه سكت وهو أضعف.
وَأَمَّا الْمَنْعِي لَهَا زَوْجُهَا تَتَزَوَّجُ فَيَقْدَمُ فَلَيْسَتْ كَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَلْ تُرَدُّ وَلَوْ وَلَدَتِ الأَوْلادِ إِذْ لاَ حُجَّةَ لَهَا بِاجْتِهَادِ الإِمَام
عياض: يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم المنعي بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء، وهي التي أخبرت بموت زوجها فاعتمدت على الأخبار وتزوجت ثم قدم زوجها، فالمشهور وهو مذهب المدونة أنها ترد إلى الأول، والفرق بينها وبين المفقود عنها ما ذكره المصنف بقوله: (إِذْ لاَ حُجَّةَ لَهَا بِاجْتِهَادِ الإِمَام)، وقال القاضي إسماعيل، وأبو عمران: أنها كامرأة المفقود في اختلاف قول مالك، وتتنزل البينة منزلة حكم الحاكم لامرأة المفقود هكذا ذكرها ذا القول صاحب تهذيب الطالب، وظاهره أنه يختلف إذا عقد عليها الثاني ولم يدخل، وقال ابن راشد: إن لم يدخل الثاني بها فهي للأول اتفاقًا، قال: وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنها تفوت بالدخول، قاله مالك في كتاب القاضي إسماعيل، والثاني: أنها لا تفوت وترجع إلى الأول وهو قول محمد، وسواء حكم بموته حاكم أم لا، وهو المشهور، وثالثها: التفرقة فإن حكم بموته حاكم فاتت وإلا لم تفت، قاله القاضي إسماعيل.
ابن عبد السلام: والأقرب أن البينة إن كانت رفعت إلى القاضي فقبلها أو عدلت عنده فهي كامرأة المفقود، وإن كانت اعتمدت هي على أخبار البينة دون رفع القاضي فليست كامرأة المفقود، وإذا فرق بينها وبين الآخر على المشهورة، ففي المدونة لا يقربها الأول حتى تحيض أو تضع حملها إن كانت حاملًا، وتعتد في بيتها الذي كانت تسكن فيه مع الآخر ويحال بينه وبين الدخول [٤١٥/أ] عليها.
[ ٥ / ٩٧ ]
عياض: ولا إشكال في منع مائه زرع غيره، وأما ما عداه من الاستمتاع فمباح لأنها زوجته، وإنما حبست عنه لأجل اختلاط النسبين كما لو استبرأها من زنا أو غصب، وبدليل لو كانت المغصوبة ظاهرة الحمل من زوجها لجاز له وطؤها إذ الولد ولده عند ابن القاسم وغيره، وكرهه أصبغ كراهة تنزيه لا تحري.
أَبُو عِمْرَانَ: ولَوْ ثَبَتَ مَوْتُهُ عِنْدَهَا بِرَجُلَيْنِ فَتَزَوَّجَتْ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلافُهُ لَمْ يُفْسَخْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا بِقَوْلِهِا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إِنْ تَبَّيَن أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ حُكِمَ بِهِ، وَفُسِخَ كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ
قوله فيما نقل عن أبي عمران (فَتَزَوَّجَتْ) لا يؤخذ منه جواز ذلك ابتداء، ونقل عنه ابن يونس وغيره أنه يجوز لها أن تتزوج بخبر العدلين وليس عليها أن ترفع إلى الحاكم ولا يفسخ.
أبو عمران: وإنما يفسخ إذا كانت البينة غير عدول أو لم يعلم ذلك إلا من قولها إذ ليست على صحة من استباحتها.
قوله: (ثم إِنْ تَبَّيَن أَنَّهُ) أي النكاح المفسوخ (وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ) لثبوت موت الزوج الأول أو طلاقه أو انقضاء العدة منه، فإن هذه المرأة ترد إلى الذي فسخ نكاحه ويفسخ ما بعد ذلك ولو تعددت الأنكحة، وإلى ذلك أشار بقوله: (وَفُسِخَ كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ).
ابن عبد السلام: وليس هذا موضع قوله (كُلُّ عَقْدٍ بَعْدَهُ)، وإنما يحسن مثل هذه العبارة في البيوع، أي لأنها لا تكون إلا في عصمة زوج فكان ينبغي أن يقول: وفسخ ما بعده.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَهُ وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ فَقِسْ عَلَيْهِ
هذا أيضًا من كلام أبي عمران، ومعناه إذا تزوجت امرأة المفقود في أثناء العدة ففسخناه، ثم ثبت أن المفقود عنها انقضت عدتها منه إما من وفاة أو طلاق قبل أن يتزوجها الثاني فإنا نردها إلى الثاني ولو تزوجت زوجًا ثالثًا ودخل بها كالمنعي لها زوجها.
[ ٥ / ٩٨ ]
فرع:
لو تزوجت في العدة ففسخناه حرمت على الثاني إلا أن يثبت أن الأول حي فلا تحرم عليه، محمد: لأنها صارت زوجة للمفقود بغير طلاق ولا وفاة.
وقوله: (فَقِسْ عَلَيْهِ) أي قس على هذه المسألة والتي قبلها ما يشبهها في المعنى كما لو تزوجت امرأة المفقود في الأربعة أعوام وفسخ ثم ثبت أنه على الصحة.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ نِسَاءٍ مَفْقُودٍ رَفَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَرَى إِنْ ضُرِبَ الأَجَلُ لِلْوَاحِدَةِ ضُرِبَ لِجَمِيعِهِنَّ
زاد يحي بن عمر وهو راوي هذه المسألة عن ابن القاسم: وأبي سائرهن.
وكذلك نقل ابن شاس، وهو أحسن من كلام المصنف لاحتمال كلام المصنف أن يكون سائر النساء سكتن، وحكى ابن الفخار وابن يونس عن مالك مثله.
بعض القرويين: كما أن تفليس الواحد للمديان تفليس لسائر الغرماء، وقال أبو عمران: ليس ضرب القاضي الأجل لواحدة ضرب لجميعهن بل حتى ترفع كل واحدة، قال: ولا يحتاج إلى الكشف للمرأة الثانية لأنه قد كشف أول مرة، ابن يونس: وهو واضح.
وَالنَّفَقَةُ فِي مَالِهِ فِي الأَجَلِ دُونَ الْعِدَّةِ
لها النفقة في الأجل لأنها محكوم لها بحكم الزوجة، وأما في العدة فلا نفقة لها لأنها عدة وفاة، ولا نفقة للمتوفى عنها. ابن عبد السلام: فإن قلت، قد قيل إنها عدة طلاق، وقد تقدم عن المدونة وغيرها أن دخول الثاني طلاق، فينبغي أن ينفق عليها في تلك العدة، قيل: ولو سلم أنه طلاق لكان طلاقًا أوقعه القاضي، والأصل فيه البينونة، وفي هذا الجواب نظر، والأولى منع كون الفرقة طلاقًا حقيقيًا لايجابهم عدة الوفاة، وأصل المسألة مشكل فلذلك أشكلت الفروع المبينة عليها، وظاهر كلام المصنف أن النفقة واجبة
[ ٥ / ٩٩ ]
للمدخول بها وغيرها، وكذلك أطلق في المدونة كالمصنف، وقال المغيرة: لا نفقة لغير المدخول بها إلا أن يكون فرض لها قبل ذلك، قال في المقدمات: والصواب أن لها النفقة لأنها كزوجة الغائب.
ولم يختلف أن من غاب عن زوجته قبل دخوله بها أن لها النفقة، وإنما اختلف في الغيبة القريبة، وظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أن لها النفقة إذ لم يفرق فيه بين قرب الغيبة وبعدها.
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَخَذَتْ شَيْئًا بَعْدَ وَفَاتِهِ رَدَّتْهُ وَكَذِلكَ أَوْلادُهُ
يعني: فإن ثبت بعد أخذها النفقة أنها أخذت شيئًا بعد وفاة المفقود ردته لأنها أخذت ما لا يجب لها إذ النفقة تسقط بالموت، وكذلك قوله: (وَكَذِلكَ أَوْلادُهُ)، يعني: إن ثبت أنهم أخذوا شيئًا بعد وفاته ردوه كالزوجة، وهكذا نص عليه ابن القاسم في المدونة، وينفق عليهم ما داموا صغارًا فقراء، وتأول سحنون ذلك على أن الأيتام كانت لهم أموال.
أبو عمران: إن لم يتأول على ما قاله سحنون وإلا فهو خلاف لقول ابن القاسم في مسألة الوصي ينفق علي اليتيم من مال أبيه ثم يطرأ دين يغترق المال، أنه لا يرجع على اليتامى بما أنفق عليهم إن لم يكن لهم مال، ويكون وفاقًا لقول المغيرة وأشهب بالرجوع عليهم مطلقًا.
وفرق بعض المتأخرين بأن الورثة تتعلق حقوقهم بالذمة لا بالعين، ومن تعلق حقه بعين شيء فأتلف عليه فله [٤١٥/ب] المطالبة بخلاف ما يتعلق بالذمة، واعترض فضل تأويل سحنون بأنه لو كانت لهم أموال لم ينفق عليهم إلا أن يقال إنما ظهر لهم المال ولم يكونوا عالمين به.
أبو عمران: يستغنى عن قول فضل هذا لأن هذا المال الذي ورثوه من أبيهم هو مال استوجبوه من يوم الموت، وإنما انكشف لنا ذلك الآن. ومعنى قوله: (يرجع عليهم) أنه يقاصهم بما أنفق عليهم من ميراثهم.
[ ٥ / ١٠٠ ]
عياض: ولا يستغنى عنه بهذا إذ قد يكون ما أنفق عليهم أضعاف ما يجب لهم من التركة لكثرة الورثة معهم، قال في المدونة: ولا يؤخذ من الزوجة والأولاد حميل بهذه النفقة.
وَلاَ يُقْسَمُ مَالُهُ إِلا بَعْدَ التَّعْمِيرِ عَلَى الْوَارِثِ حِينَئِذٍ
يعني: أن المال ليس حكمه حكم الزوجة في أنه يقسم بعد الأربعة أعوام بل يوقف حتى يتبين موته أو يأتي عليه سن التعمير إذ لا إرث بشك، وكان الأصل في الزوجة أن لا تباح إلا كذلك لكن غرضنا قوة الضرر، وحكى ابن راشد قولًا أنه يقسم ماله بعد الأربعة أعوام، قال: واختلف في حد التعمير على ستة أقوال: أحدها أنه سبعون، قاله مالك وابن القاسم وأشهب. عبد الوهاب: وهو صحيح لحديث معترك المنايا.
ثانيها: خمس وسبعون، وبه أفتى ابن زرب، الباجي في سجلاته، وبه القضاء.
ثالثها: ثمانون، رواه ابن الماجستون وابن حبيب عن مالك، وبه أخذ ابن القاسم ومطرف، واختاره الشيخان أبو محمد وأبو الحسن، وبه كان يفتي القاضي ابن السليم.
ورابعها: أنه الثمانون أو التسعون، قاله ابن القاسم أيضًا.
وخامسها: مائة، قاله أشهب، ابن حبيب وابن الماجشون: وإليه رجع مالك.
وسادسها: أنه مائة وعشرون، وحكاه الداودي عن ابن عبد الحكم، وبه المتيطية: إن غاب وهو ابن الثمانين عمر إلى انقضاء التسعين، وإن غاب وهو ابن التسعين عمر إلى انقضاء المائة، وإن غاب وهو انب المائة عمر بأعوام يسيرة بقدر الاجتهاد، وقيل: يتلوم بالعشرة، وقيل: بالعام والعامين، وإن غاب وهو ابن مائة وعشرين تلوم بعام واحد، قال في المقدمات: ولم يختلف فيمن عمر بمائة وعشرين أنه يتلوم له بالعام ونحوه.
وقوله: (عَلَى الْوَارِثِ حِينَئِذٍ).
أي: حين انقضاء التعمير.
[ ٥ / ١٠١ ]
وَلاَ يُضْرَبُ لِلأَسِيرِ أَجَلٌ وَتَبْقَى زَوْجَةٌ
أي: لا يضرب لمن أسره العدو أجلًا، وتبقى زوجة حتى يثبت موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله، قال في المدونة: وسواء علم موضعه أم لا لأنه معلوم أنه قد أسر ولا يصل الإمام من كشف حاله إلى ما يصله في المفقود.
قيل: وإذا هرب الأسير من أرض الحرب وثبت هروبه ثم جهل خبره فإن ثبت دخوله بلاد الإسلام فكالمفقود، وإن لم يثبت فكالأسير لاحتمال عدم خروجه من بلاد الحرب، وخرج اللخمي قولًا بأن امرأة الأسير تطلق عليه قياسًا على قطع ذكره، وذكر ابن حارث أنهم اتفقوا على الأسير يعرف مكانه وحياته أنه لا تتزوج امرأته حتى يموت، واختلف إذا لم يعرف فقال أصبغ: قال قوم هو كالمفقود في أرض الإسلام، وقال آخرون كمذهب مالك، وقال ابن حارث: إن كان لا يدخلها التجار ولا الطوافون فهو هكذا وإن كانوا يدخلونها فهو كالمفقود.
فَلَوْ تَنَصَّرَ الأَسِيرُ وَجُهِلَ طَوْعُهُ وَإِكْرَاهَهُ فَهُوَ كَالطَّوْعِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُوقَفُ مَالُهُ
يعني: إذا تنصر الأسير فإن علم إكراهه فكالمسلم، وإن علم طوعه فكالمرتد، وإن لم يعلم طوعه من إكراهه فالمشهور وهو مذهب المدونة ما ذكره المصنف أنه محمول على الطوع لأنه الأصل في الأفعال الواقعة من العقلاء والغالب أيضًا، وروي عن مالك أنه محمول على الإكراه لأنه الغالب من حال المسلم.
واختلف إذا تزوجت زوجته ثم ثبت أنه تنصر مكرهًا فقيل: حاله في زوجته كالمفقود، وقيل: كالمنعي لها زوجها، قيل: وإن شهدت بينة بالطوع والأخرى بالإكراه، فبينة الإكراه أعمل لأنه علمت ما لم تعمل الأخرى.
[ ٥ / ١٠٢ ]
وقوله: (وَيُوقَفُ مَالُهُ)، قال في المدونة: فإن مات مرتدًا كان ماله للمسلمين وإن أسلم كان له.
فرع:
واختلف إذا تنصر، فقال ابن القاسم: يتفق على ولده من ماله، وقال أصبغ: لا ينفق عليه من ماله إذا تنصر طائعًا.
وَمَفْقُودُ الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِيَن تَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ بَعْدَ انْفِصَالٍ الصَّفَّيْنِ، وَرُوِيَ: بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالاجْتِهَادِ، ورُوِيَ: بَعْدَ سَنَةٌ، ورُوِيَ: سَنَةٌ فِيهَا الْعِدَّةُ، وفِي قَسْمِ مَالِهِ أَوْ وَقْفِهِ قَوْلانِ، وِرُوِيَ: إِنْ كَانَ بَعِيدًا فَكَالْمَفْقُودِ فَيُوقَفُ مَالُهُ
المفقود على أربعة أقسام: مفقود في بلاد المسلمين وحكمه ما تقدم، ومفقود في أرض الشرك فكالأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يثبت موته، أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله في قول أصحابنا إلا أشهب فإنه حكم له بحكم المفقود في المال والزوجة، ومفقود في قتال المسلمين للكفار وسيأتي، ومفقود في الفتن الواقعة بين المسلمين، وكلام المصنف [٤١٦/أ] الآن فيه، وحكى فيه أربعة أقوال: الأول لمالك وابن القاسم: أن زوجته تعتد من يوم التقى الصفين، وكان أشباه ذلك في ما مضى يوم صفين والحرة. الثاني لأصبغ: يضرب لامرأته بقدر ما يستقصى أمره ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم.
ابن عبد السلام: وجعله المصنف خلافًا للأول، وجعله بعضهم تفسيرًا له.
الثالث لابن القاسم: تتربص زوجته سنة ثم تعتد.
الرابع: أن العدة داخلة في السنة، قال في المقدمات: وهو الصواب لأنه إنما تلوم له مخافة أن يكون حيًا، فإذا لم يوجد له خبر حمل على أنه قتل في المعترك.
[ ٥ / ١٠٣ ]
وفي العتبية خامس بالقرب فيما قرب من الديار يتلوم الإمام لزوجته باجتهاد بعد انصراف من انصرف وانهزام من انهزم ثم تعتد وتتزوج، وما بعد مثل إفريقية ونحوها تمكث زوجته سنة فإذا خلت نظر الإمام في ذلك، وفرق بين القرب والبعد.
وفي الموازية سادس: إن كان بعيدًا حكمه كالمفقود تتربص أربعة أعوام.
اللخمي: من قال إن العدة من يوم التقاء الصفين ورث ماله حينئذ، ومن جعل لزوجته التربص أربع سنين وقف ماله إلى التعمير، واختلف على القول أن زوجته تتربص سنة، فقيل يورث ماله ذلك الوقت، وقيل: يوقف ماله إلى التعمير، قال في المقدمات: وهذا الخلاف إنما هو إذا شهدت البينة العادلة أنه شهد المعترك، وأما إن كان رأوه خارجًا عن العسكر ولم يروه في المعترك فحكمه حكم المفقود في زوجته وماله باتفاق.
وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والْكُفَّارِ: ثَلاثَةٌ- كَالأَسِيرِ وَكَالْمَفْقُودِ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ
أي: ثلاثة أقوال، والقول بأنه كالأسير لمالك في العتبية، أي أن زوجته لا تتزوج ولا يقسم ماله حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله، والقول بأنه كالمفقود في ماله زوجته حكاه ابن المواز وعابه، أي لأنهم يأسرون المسلمين ولا يستطاع البحث عنهم كما في بلاد المسلمين.
اللخمي: وروى عنه أشهب أنه قال فيمن فقد بين الصفين في أرض الإسلام أو في أرض الحرب تتربص زوجته سنة من يوم ينظر السلطان في أمره ثم تعتد، وهذا هو القول الثالث في كلام المصنف.
وقوله: (بعد النظر)، يريد بعد الرفع، هكذا صرح به في المقدمات في هذه الرواية، وعمل أهل قرطبة بهذه الرواية الثالثة.
[ ٥ / ١٠٤ ]
فرع:
اللخمي وغيره: يحمل من فقد من بلد زمن الطاعون أو في بلد توجه إليه وفيه الطاعون على الموت، وذكر أصحاب مالك أن الناس أصابهم سنة بطريق مكة سعال، فكان الرجل لا يسعل إلا قليلا ثم يموت، ففقد ناس ممن خرج إلى الحج فلم يأت لهم خبر حياة ولا موت، فرأى مالك أن تقسم أموالهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره للذي بلغه من موت الناس من ذلك السعال، وكذلك الشأن في أهل البوادي في الشدائد ينتجعون من ديارهم إلى غيرها من البوادي ثم يفقدون أنهم على الموت، وقد علم ذلك من حالهم إذا توجهوا إلى البلد الذين يمضون إليه تبلغهم الضيعة والموت.
***
[ ٥ / ١٠٥ ]