وَلَوْ أَوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ فَلَهُ جُزْءٌ مُسَمّى بعَدَدِ رُؤُسِهِمْ
تصوره ظاهر؛ فإن كان عدد ورثته عشرة فله العُشْرُ، أو تسعة فله التُسْعُ، ولا التفات إلى اختلاف ما يستحقه كل واحد.
وَإِذَا أَوْصَى بجُزْءٍ أَوْ بسَهْمٍ فَقِيلَ: سَهْمٌ مِنْ فَرِيضَتِهِ، وَقِيلَ: الثُّمُنُ، وَقِيلَ: السُّدُسُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ مِنْهُمَا
يعني: أنه اختلف إذا أوصى بجزء أوسهم على أربعة أقوال:
الأول لأصبغ: أن له سهامً مما تنقسم عليه الفريضة من غير وصية، قَلَّت السهام أو كثرت. واختاره ابن عدب الحكم ومحمد، وذكر أن عليه جل أصحاب مالك.
والثاني لأشهب: له الثمن؛ لأنه أقل سهم ذكره الله تعالى من الفرائض.
والقول الثالث: أنه يعطى السدس، ورأى أنه أقل السهام، والثمن إنما يستحق بالحجب.
والقول الرابع: أنه له الأكثر منهما؛ أي: من السدس أو الثمن، وسهم من سهام الفريضة.
وَنَقَّصَ المصنف من هذا القول؛ لأن الذي نقله صاحب النوادر وغيره أن في المسألة قولًا بأنه يعطى سهمًا من سهام الفريضة ما لم يَزِد على الثلث فَيَرُدُّهُ الورثة إلى الثلث، أو يَنقُصُ عن السدس فلا يُنقَصُ من السدس؛ لأنه أصل ما تقوم منه الفرائض.
وعلى القول بأنه يعطى سهمًا من سهام الفريضة فلو كان أصل المسألة من ستة وهي تعول إلى عشرة- فله سهم من عشرة، وقيل: يعطى سهمًا ما لم يزد على الثلث، وما لم ينقص عن السدس.
[ ٨ / ٥٣١ ]
ابن القاسم: يعطى سهمًا من الفريضة، فإن لم يكن له وارث أعطي الثلث. ومثله لأشهب إلا أنه قال: إذا لم يكن له وارث أعطي الثمن.
وَلَوْ أَوْصَى بضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِه فَلا نَصَّ، فَقِيلَ: مِثْلُهُ، وَقِيلَ: مِثْلاهُ
أي: لا نص عن مالك وأصحابه المتقدمين، وهكذا قال القاضي أبو الحسن: لست أعرف حكمها منصوصًا، غير أني وجدت لبعض شيوخنا: أنه مثل نصيب ولده مرة واحدة، فإن قال: ضعفين، فمثل نصيبه مرتين. ثم حكى عن أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما أنهما يقولان ضعف النصيب: مثله مرتين، قال: وهو أقوى من جهة اللغة. انتهى.
وفيه نظر؛ ففي الجوهري: ضِعف الشيء: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. نعم هو أقوى من جهة العرف، وانظر كيف عده المصنف قولًا، وإنما أشار ابن القصار رحمه الله تعالى إلى قوته فقط من جهة اللغة.
وَلَوْ أَوْصَى بمَنَافِعَ عَبْدٍ وُرِثَ عَنِ الْمُوصَى لَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، أَمَّا إِذَا بَيَّنَ الْمُوصِي أَحَدَهُمَا أُتْبِعَ
أي: إذا أوصى بمنافع عبد لفلان، وأطلق ولم يقيدها بِأَجَلِ ولا بحياة الموصى له ولا بحياة العبد فحمله ابن القاسم في المدونة على ظاهره من حياة العبد؛ فلذلك إذا مات الموصى له يكون لورثته ما بقي من خدمته.
قال في المدونة: إلا أن يستدل من قوله أنه إنما أراد حياة المُخدَمِ.
وحمله أشهب على مدة حياة الموصى له، ورأى ان الموصي لو أراد ما قاله ابن القاسم لكانت عطية للرقبة، والفرض عدمه.
[ ٨ / ٥٣٢ ]
واختار اللخمي وغيره الأول؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، وما اعتقد أنه مانع فليس بمانع؛ لأنه يصح بقاء الرقبة على ملك ربها للجناية وانتزاع المال، أو ليرى صنيعه فيه، أو ببقيه في يده كالحبس لئلا يتلفه.
أما لو بين الموصي أحدهما-أي: حياة العبد أو حياة فلان- فإنه يتبع، ولا خلاف فيه.
ابن المواز: ولو قال في وصيته: يخدم عبدي لانًا، ثم مات ولم يكن وقَّتَ وقتًا فليس بين أصحابنا اختلاف عَلِمْتُهُ أن ذلك حياة الْمخدَمِ، قال: وهو إن شاء الله قول ابن القاسم وأشهب.
وَلَوْ وَقَّتَهُ بزَمَانٍ مَحْدُودٍ كَانَ لِلْوَارِثِ فِي بَيْعِهِ مَا فِي الْمُسْتَاجَرِ
يعني: ولو وقت الموصي الانتفاع. وأعاد رحمه الله تعالى الضمير على ما فهم من قوله: (بمنافع عبد) (بزمان محدود) فأراد وارث الموصي بيعه واستثناء المدة الموصى بها فإن لهم في بيعة ما للمالك في العبد المؤجر. فإن كانت المدة قريبة، او ما بقي منها قريب كاليومين جاز، وإن كانت بعيدة فليس لهم ذلك.
وقوله: (الْمُسْتَاجَرِ) هو بفتح الجيم اسم مفعول.
واحترز بالزمان المحدود مما لو أوصى بخدمته أبدًا، أو إلىمر أحدهما فإن الوارث حينئذٍ لا يملك بيعه.
ويحتمل أن يريد المصنف رحمه الله تعالى: كان لورثة الموصى له ما كان للمستأجر - بكسر الجيم- ويكون على هذاشبه بالمستأجر؛ تنبيهًا على الجواز في مسألة الوصية؛ لأن كثيرًا من المخالفين منعوا البيع في الوصية ووافقوا عليه في مسألة الاستئجار.
ثم هذه المسألأة على هذا الوجه مقيدة بغير عبد الحضانة، ففي المدونة: وإن أخدمت عبدك رجلًا أجلًا مسمى فمات السيد قبل انقضاء الأجل-خدم العبد ورثته [٧٧٧/أ] بقية الأجل إذا لم يكن من عبيد الحضانة والكفالة، وإنما هو من عبيد الخدمة.
[ ٨ / ٥٣٣ ]
واحترز (بزَمَانٍ مَحْدُدٍ) مما لو وَقَّتَهُ بزمان غير محدود، كما لو أخدم رجلًا حياته عبدًا. قال في المدونة: فليس له أن يبيع من خدمته إلا مدة قريبة كسنة أو سنتين قال: أو أمدًا مأمونًا، ثم فرق بينه وبين ما أجازه مالك رحمه الله تعالى من كراء العبد عشر سنين بأن السيد إذا مات لزم وارثه بقية المدة في الكراء، بخلاف المخدم يموت فإنه يرجع لورثة المالك.
فإن قلت: الحمل الثاني أقرب لموافقته للمدونة. قيل: لا نسلم ذلك، ب ل الأول أقرب لكلامه؛ أما أولًا: فلأن المسألة في الجواهر عليه، ويغلب على الظن اتباع المصنف له.
وأما ثانيًا: فلقول المصنف ﵀: (بَيْعِهِ) وظاهره: بيعه بنفسه لا بيع منافعه.
وأما ثالثًا: فلأنه يكون أخل بتقييده المسألة كما تقدم.
وأما رابعًا: فلأن الورثة في المسألة التي بعد هذه ورثة الموصي، فالمناسبة تقتضي حمل الوارث في المسألتين على شيء واحد وهو قوله:
فَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْدًا فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَلا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ
يعني: لو قُتِلَ العبد الموصَى بخدمته عمدًا فلوارث الموصي القصاص أو أخذ القيمة؛ لأنه المالك للرقبة، ولا كلام للموصَى له؛ لأن حقه إنما كان في المنفعة وقد ذهبت. وقيده بالعمد وإن كان الخطأ مساوياص له في وجوب القيمة؛ لقوله: (الْقِصَاصُ) والخطأ إنما فيه القيمة فقط، والقصاص مخصوص بما إذا كان قاتل العبد مكافئًا له، وأما لو كان قاتله حراص فتتعين القيمة كالخطأ.
سحنون: ولم يختلف في هذا قول مالك، واختلف فيه قول أصحابه.
وقال محمد: لميختلف فيه قول مالك ولا أصحابه، وإنما اختلف قول مالك وأصحابه في الذي أخدم رجلًا سنة، ثم رجع لفلان بتلًا فقبضه المخدم، ثم قُتِلَ في الخدمة، هل لصاحب البتل أو للسيد؟
[ ٨ / ٥٣٤ ]
وصحح الأكثرون كلام سحنون؛ لأنه عدل حافظ فيقدم، ولأن المغيرة خالف في ذلك نصًا وأوجب أن يُستَاجَر من قيمة العبد من يخدم الموصى له إلى تلك المدة، إن كان في القيمة وفاء بذلك، حتى أجرى بعضهم من هذا الخلاف خلافًا فيمن أعار رجلًا ثوبًا مدة فاستهلكه أجنبي قبل الأجل، وهو مما ينقصه اللبس. وخرج الخلاف إذا استهلكه ربه من الخلاف إذا أخدم السيد أمته رجلًا ثم وطئها سيدها فحملت. وهي في آخر كتاب أمهات الأولاد من المدونة.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى الْعَبْدُ فَأَسْلَمَهُ الْوَرَثَةُ، أَمَّا لَوْ فَدَوْهُ اسْتَمَرَّ
يعني: فإن جنى العبد الموصى بخدمته على غيره خير وارث الموصي بين أن يفديه أو يسلمه.
فإن فداه بأرش الجناية استمر على خدمة الموصى له إلى انقضاء الأجل، وإن أسلموه في الجناية بطل حق الموصى له في الخدمة. هذا ظاهر كلام المصنف وابن شاس، وهو خلاف النقل؛ لأنه لا يبطل حق الموصى له بمجرد إسلام الورثة، ب ل يخير الموصى له بعد ذلك في فدائه أو إسلامه.
وما ذكرناه من البداية بتخيير الورثة هو الذي رجع إليه مالك، وكأن أولًا يقول: يبتدأ بتخيير المخدم؛ إذ لا تخيير لصاحب الرقبة إلا بتمامها، فإن فداه خدمة بقية الأجل ثم لا يكون لصاحب الرقبة إليه سبيل حتى يعطيه ماافتكه به، وإلا كان للذي فداه رقًا.
وإن أسلمه المخدم سقط حقه، وقيل لصاحب الرقبة: أسلمه أو أفتكه! فإن أٍلمه استرقه المجني عليه.
وإن فداه صار له وبطلت الخدمة، واختاره سحنون. واختار أشهب قولًا ثالثًا؛ وهو أن يكون فيه كالشريكين؛ يقوم ربع رقبته، فإن قيل: عشرة دنانير قومت خدمته أيضًا، فإن كانت أيضًا عشرة دنانير صار حقهما فيه سواء النصف والنصف.
[ ٨ / ٥٣٥ ]
فإن فدياه جميعًا دفع كل احد منهما نصف دية الجرح، وكان العبد على حاله. وإن أسلماه رق للمجني عليه.
وإن افتكه أحدهما بنصف دية الجرح وأسلم الآخر، فإن أسلم المخدم لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه صاحب الرقبة كان للمجني عليه بعد الخدمة. واختار أصبغ قول مالك الذي رجع إليه.
فإن قيل: هذا الخلاف إنما هو في الموهوب خدمته مدة، والمصنف ﵀ إنما كلامه في الموصى بخدمته. قيل: هما سواء؛ لأن الوصية بعد الموت لازمة لزوم الهبة في الحياة، ويدلك على ذلك أن سحنون سأل ابن القاسم في المدونة عن مسألة الموصى بخدمته فأجابه بمسألة العبد الموهوب خدمته.
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ مَاشِيَةً أَوْصَى بنِتَاجِهَا لِبَقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ
أي: يجوز بيع الوارث ماشية قد أوصى الميت بنتاجها لرجل معين أو غيره، ويستثنى النتاج الموصى به. وعلل الجواز ببقاء بعض المنافع؛ يعني: من الصوف واللبن، وهكذا في الجواهر.
ابن عبد السلام وغيره: وهو خلاف المذهب؛ إذ لا يجوزبيع الأمهات واستثناء الأجنة، فكيف بما لم يخلق؟ ّ ففي العتق الثاني من المدونة: والذي يعتق مافي بطنها في صحة السيد لا تباع وهي حامل، إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده، فتباع إذا لم يكن مال غيرها، ويرق جنينها؛ إذ لا يجوز استثناؤه.
ونقل اللخمي عن ابن حبيب جواز بيعها واستثناء جنينها؛ فيكون حرًا. ولعل ما ذكره المصنف هنا يتمشى على قول ابن حبيب.
[ ٨ / ٥٣٦ ]
وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ يَوْمَ الْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ
أي: كون الموصى به؛ لأنه يتكلم فيه. ولما كانت الوصية إنما تخرج من الثلث بَيَّنَ المصنف أن المعتبر أن يكون ثلث المال [٧٧٧/ب] يوم مات، ولا يعتبر ثلث المال يوم الوصية؛ سواءٌ كانت الوصية في المرض أو في الصحة؛ لأن الوصية عطية بعد الموت يجوز الرجوع عنها في الحياة، فلا يصح الالتفات فيها إلى يوم الوصية.
ابن عبد السلام: وهذا خلاف المهذب، فإن المعتبر على المذهب في الوصية أن تخرج من الثلث يوم تنفيذ الوصية لا يوم الموت؛ حتى لو كانت الوصية يسعها الثلث يوم الموت فطرأت على المال جائحة أذهبت بعضه فصارت لا يسعها ثلث ما بقي كان حكمها يوم القسمة حكم من أوصى بأكثر من الثلث، ولا أعلم في ذلك خلافًا في المذهب إلا في فروع يسيرة لا يتأتى منها إطلاق الخلاف في أصل المسألة.
خليل: وقد يجاب عن المصنف بأن قوله: (يَوْمَ الْمَوْتِ) بمعنى: يوم التنفيذ؛ لأنه إذا هلك شيء من التركة بسماوي فهو من الموصى له والورثة، فكان لا فرق بين كون الموصى له الثلث يوم الموت أو يوم التنفيذ، ولو أتلف الورثة بعض المال قبل تنفيذ الوصية لكان الإتلاف منهم، وكان للموصى له الثلث كاملًا، فكان قول المصنف: (يَوْمَ الْمَوْتِ) أحسن.
وأعاد ابن راشد رحمه الله تعالى الضمير في: (كونه) على العبد المخدم، وهو بعيد.
وَلا مَدْخَلَ لِلْوَصِيَّةِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ إِرْثِ، وَلا فِيمَا أَقَرَّ بهِ- وَلَوْ فِي مَرَضِهِ- مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْصَى بهِ لِوَارِثٍ وَلَوْ رُدَّ، بخِلافِ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ وَمَا يَرْجَعُ إِلَيْهِ مِنْ تَعْمِيرٍ وَحَبْسٍ. وَفِي الْعَبْدِ الآبقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إِنْ اشْتَهَرَ مَوْتُهُمَا ثُمَّ ظَهَرَتِ السَّلامَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ قَوْلانِ، كَغَرَقِ السَّفِينَةِ، بخِلافِ الْمُدَّبَرِ فِي الْمَرَضِ
يعني: أن وصايا الميت لا تدخل إلا فيما علم به الميت؛ لأن الميت لم يرد ما لم يعلم به، وهذا هو المعروف. وقال اللخمي والمتيطي: اختلف في ذلك، واختار اللخمي التفصيل؛
[ ٨ / ٥٣٧ ]
فلا يدخل الموصى لهم فيا لم يعلم به، بخلاف الكفارات والزكوات؛ لأن قصده فيهن براءة الذمة.
قوله: (وَلا فِيمَا أَقَرَّ بهِ) أي: ولا دخول للوصايا فيما أقر به الموصي لغيره وهو يظن أن إقراره عامل، وحكم الشرع بإلغائه، كما لو أقر بدين لمن يتهم عليه، أو أقر أنه كان أعتقه في صحته أو تصدق به.
وبالغ بقوله: (وَلَوْ فِي مَرَضِهِ) لأنه إذا لم يعد فيالمرض الذي يتوهم فيه الرد، فأولى إذا كان في الصحة لكن رد لسبب.
وقوله: (أَوْ أَوْصَى بهِ) أي: ولا مدخل للوصايا فيما أوصى به للوارث ولو رَدَّ الوارث- الموصى له-الوصية؛ لاعتقاد الميت أن الموصى به ليس من ماله، بخلاف المدبر في المرض فإنه يدخل فيما لم يعلم به، وفيما أقر به ورد، وفيما أوصى به لوارث ورد، وهو أحد القولين. لكن الذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل المدبر في المرض فيما لم يعلم به. وهذان القولان أيضًا في المبتل في المرض.
عياض: والذي حَمَلَ عليه المدونة محققو الشيوخ أنهما لا يدخلان فيما لم يعلم. وحُكِيَ في المقدمات ثالثًا بدخول المدبر في المرض فيما لم يعلم دون المبتل، وهو بعيد. وعكسه أظهر.
أما مدبر الصحة فالذي رجع إليه مالك وثبت عليه أنه يدخل فيما علم به وما لم يعلم. ويستفاد من كلامه دخول المدبر في الصحة من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا دخل المدبر في المرض فيما لم يعلم به، فأحرى مدبر الصحة.
والفرق على ظاهر المذهب بين المدبر في المرض في كونه لا يدخل فيما لم يعلم به، بخلاف المدبر في الصحة-أن الصحيح قصد عتقه من مجهول؛ إذ قد يكون بين تدبره ومته السنون الكثيرةن بخلاف المريض فإنه يتوقع الموت من مرضه وهو عالم بماله، فإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه.
[ ٨ / ٥٣٨ ]
أما لو صح المريض ثم مات فهو كالمدبر في الصحة. وصداق المنكوحة في المرض كالمدبر في الصحة.
وحيث حكمنا للمدبر بدخوله فيما لم يعلم به الميت فاختلف: هل يدخل فيما علم به الميت وما لم يعلم به دخولًا واحدًا، أو يبدأ بما علم به؟ فإن بقيت من المدبر بقية لم يسعها ثلث ما علم به تممت من ثلث ما لم يعلم به. وتظهر ثمرة هذين القولين عند ضيق الثلث عن الوصايا.
وما تقدم من حَمْلِ قوله: (بخِلافِ الْمُدَبَّرِ) على ما ذكرناه هو حَمْلِ ابن عبد السلام وغيره.
خليل: والأقرب أن يحمل على أن المدبر في المرض تدخل الوصايا فيه إذا بطل بعضه، ويدل على ذلك قوله (وَمَا يَرْجَعُ إِلَيْهِ مِنْ تَعْمِيرٍ وَحَبْسٍ). وهذا الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر؛ لأنه قال في كتاب محمد- وفي المجموعة نحوه-: قال مالك وأصحابه: لا تدخل وصايا الميت لا في ثلث ما علم به من ماله، ولا تدخل في كل ما بطل فيه إقراره في المرض لوارث، وما أقر به في مرضه أنه كان أعتقه في صحته أو تصدق به أو أوصى به لوارث فرده الورثة.
وأما ما كان يعلمه مثل المدبر في المرض، وكل دار ترجع بعد موته من تعمير أو حبس فهو من ناحية التعمير- فالوصايا تدخل فيه؛ فيرجع فيه ما ينقص من وصيته ولو بعد عشرين سنة، وكذلك ما رجع بعد موته نم عبد آبق أو بعير شارد، وإن كان أيس منه.
وأما إن اشتهر عنده وعند الناس غرق السفينة وموت عبده، ثم ظهرت سلامة ذلك بعد موته فروى أشهب فيه عن مالك قولين: فمرة قال: لاتدخل فيه الوصايا. ومرة قال: تدخل، وقد ينعى إليه العبد وهو يرجوه.
[ ٨ / ٥٣٩ ]
هذا كله فيما عدا المدبر في الصحة، فإنه يخرج مما علم به ما لم يعلم به. انتهى. وبه ظهر بقية كلام المصنف، وظهر أن معنى قوله: (وَحبْسٍ) الحبس الذي بمعنى الْعُمْرَى، وأما الحبس المطلق فلا يرجع إليه أصلًا.
وقوله: (كَغَرَقِ السَّفِينَةِ) تشبيه لإفادة الحكم؛ لأنه قد تبين أنه منصوص في الجميع.
الصِّيغَةُ [٧٧٨/أ] كُلُّ لَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ يُفْهَمُ مِنْهَا قَصْدٌ الْوَصِيَّةِ
هذا هو الركن الرابع، ومعناه: أنه لا تتوقف صيغة الوصية على لفظ خاص، بل هو كل ماي فهم منه قصد الوصية، وكذلك الإشارة.
قال في الموازية: وإذا قرأ الشهود الوصية على الموصي، وقالوا: أتشهد أنها وصيتك؟ فقال: نعم، أو قال برأسه: "نعم" ولم يتكلم فذلك جائز.
ابن شعبان: وإذا مُنِعَ المريض من الكلام وأشار إشارة مفهومة جاز أن يشهدوا بها عليه بمنزلة الأخرس.
وتُعُقِّبَ عليه تفسير الصيغة بالإشارة. وأجيب بأن المراد بالصيغة: مايدل على مراد المتكلم، ويكون استعمال الصيغة في هذا المعنى مجازًا، أو حقيقة عرفية.
وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ التَّشَهُّدِ
أي: يستحب لمن كتب وصية أن يقدم ذكر التشهُّد قبل الوصية. قال في المدونة: كذلك فعل الصالحون، وما زال ذلك من عمل الناس بالمدينة، وأنه ليعجبني وأراه حسنًا.
وروى أشهب في المجموعة: كل ذلك لا بأس به، تشهَّد او لم يتشهَّد، وقد تشهَّد ناس فقهاء صالحون، وترك ذلك بعض الناس ﵃، وذلك قليل.
ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالك كيفيته. وقال أنس بن مالك ﵁: كانوا يوصون أنه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله.
[ ٨ / ٥٤٠ ]
وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مسلمين، وأوصى بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب (يَبَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الْدِينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢].
وروى أشهب: أن رجلًا كتب في وصيته: أو من بالقدر خيره وشره حلوه ومره. فقال: ما أرى هذا إلا من الصفريةوالإباضية! قد كتب من مضى وصاياهم فلم يكتبوا مثل هذا.
وَلَوْ ثَبُتَ أَنَّهَا خَطُّهُ، بَلْ لَوْ أَقْرَأَهَا لَمْ تُفِدْ مَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا
أي: لو وجدت وصية مكتوبة وشهد عدلان أنها خطه، فقال مالك في العتبية والمجموعة: لا تجوز حتى يشهدهم عليها، وقد يكتب ولا يعزم. قال في الموازية: بل لو قرأها لم يفد حتى يُشهِدَ عليها. نقله صاحب النوادر.
ابن يونس عن الموازية: وإذا أتى الشهود بوصية وقرأها عليهم لم يفد.
وقيد عياض ما تقدم من أنها إذا وجدت بخطه لا تنفذ بما إذا كتبها ليُشهد فيها، قال: وأما إذا كتبها بخطه وقال: إذا مت فلينفذ ما كتبت بخطي فلينفذ ذلك إذا عرف أنها خطه كما لو أشهد. انتهى.
وانظر قوله: "وقال: إذا مِتُّ" هل المراد: شهد على قوله من غير خطه، أو المراد أنه وجد ذلك بخطه وشهد عليه؟ والأول أقرب إلى حقيقة اللفظ؛ إذ القول حقيقة إنما هو في الملفوظ به.
وَلَوْ أَشْهَدَ وَلَمْ يَقْرَاهَا فَلْيَشْهَدُوا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ إِذَا عَرَفُوا الْكِتَابَ بعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَخْتُومًا
قال في المدونة: وإن كتبها بغير محضر البينة ولا قرأها عليهم فدفعها إليهم وأشهدهم على ما فيها، فإن عرفوا الكتاب بعينه فليشهدوا بما فيه.
[ ٨ / ٥٤١ ]
قال عنه ابن وهب: ولو طبع عليها ودفعها إليهم وأشهدهم على أن ما فيها منه، وأمرهم ألا يفضوا خاتمه حتى يموت- جاز أن يشهدوا بما فيه بعد موته.
قال في البيان: وعلى رواية ابن وهب ليس للشهود أن يشهدوا إلا أن تكون الوصية عندهم.
قال غير واحد: ورواية ابن القاسم يحتمل أن تكون كذلك، فتكون وفاقًا لرواية ابن وهب، ويحتمل أن يجيز عليها الشهادة ولو رجعت إليه، فيكون خلافًا. قاله عياض وغيره.
وقال أشهب: لا يشهد إذا لم يكن الكتاب عنده وشك في طابعها، إلا ألا يشك في الطابع.
وقال عبد الملك: ذلك إذا كانت بطابع الشاهد، وأما بطابع الميت فلا؛ لأنه قد يزيد فيها ثم يعيد طبعه.
وذهب بعض الشيوخ إلى تصويب هذا كله وجواز الشهادة به ولو زاد فيه؛ لأنه إنما أشهدهم على ما فيها وعَيَّنَها، فكأنه أشهدهم على ما يزيد فيها ويستقر عليه أمرها. وإليه نحا اللخمي.
وقال غيره: متى كان فيها بياض قبل الطبع فلا يشهد؛ إذ لا يصح أن يشهد بما لميكتب بعد. وإليه أشار أبو عمران،
صاحب البيان: والذي استحسنه الشيوخ ومضى عليه عمل الناس انه إذا طوى الكتاب من أوله إلى موضع الإشهاد على نفسه وطبعه، وقد أبقى الإشهاد على نفسه خارج الطبع، وكتب الشهود شهادتهم على ذلك، وأمسك الموصي الوصية عند نفسه، فوجدت بد موته خطأ واحدًا وعملًا على صفة التقييد الذي كان خارج الطبع، ولم تظهر في
[ ٨ / ٥٤٢ ]
الكتاب ريبة- جاز للشهود أن يشهدوا عليه، بخلاف ما إذا لم يبقَ من الكتاب خارج الطبع ما يستدل به على أن الوصية كانت مكتوبة على بياض.
وذكر عن الحسن وأبي قلابة أنهما كرها الشهادة في الوصية، حتى يُعلم ما فيها؛ لأنه لا يدري لعل يها جورًا، قال: ولذلك يستحب للعالم إذا أشهده المتعاملان على أنفسهما في ذكر الحق بما تعاملا فيه ألا يكتب شهادته فيه، إذا أشهداه على أنفسهما بما تضمنه حتى يقرأه؛ لئلا تكون المعاملة فاسدة.
ابن عبد السلام: ولعل ما استحبه للعالم لا يخالف ما ذكره الباجي في وثائقه: أن للشاهد أن يضع شهادته، وليس عليه أن يقرأ الكتاب كله، إلا في عقود الاسترعاء، فإنه يلزمه فيها قراءة جميعها؛ لأنه يخبر عن جميعها أنها في علمه.
وقال اللخمي: لا يخلو أن يقر وصيته عنده، أو يودعها أو يسلمها إلى البينة لتكون عندهم، وهي في كل ذلك مختومة أو غير مختومة؛ فإن كانت عنده فأخرجت بعد موته وكانت غير مختومة، وعلمت البينة أنه الكتاب [٧٧٨/ب] بعينه وليس فيه محو ولا لحق- قبلت شهادتهم، وإن كان فيها محو أو لحق لا يغير ما قبله ولا ما بعده لم يثبت ذلك المحو ولا اللحق ويثبت ما قبله. وإن شك هل يغير ما قبله أو يغير موضعًا منها؟ لم ينفذ منها ذلك الموضع خاصة وأنفذ ما سواه.
وأما إن أودعها وجعلها بيد أمين فإنها تنفذ ولم تبطل لما فيها من محو أو لَحْقٍ؛ لأن الميت جعله أمينًا عليها، وهو بمنزلة من قال: صدقوا فلانًا فيما يقول: أنه أوصى به.
وإن أسلمها للبينة فجعلاها في موضع وأغلقا عليها فكذلك. وقال أشهب في الموازية: إن غاب عليها أحدهما، فأجوزهم شهادة من كانت عنده.
مالك: ولا أدري كيف يشهد الآخرون.
[ ٨ / ٥٤٣ ]
وقال أشهب: يشهدون بمبلغ علمهم، ويحملون على ما تحملوا.
اللخمي: ولا أدري أن تجوز إلا أن يعلموا أنه الكتاب بعينه؛ بعلامة أو بغير ذلك مما يتيقن أنه كان مختومًا.
فرع:
أصبغ: سألت ابن وهب عن امرأة أوصت وَدَعَتْ شهودًا فقالت: "هذه وصيتي، وهي مطبوعة، اشهدوا عليَّ بما فيها لي وعلي، وقد أسندتها إلى عمتي، وما بقي من ثلثي فلعمتي" ثم ماتت ففتح الكتاب فإذا فيه: "ومابقي من ثلثي فلليتامى والمساكين والأرامل" قال: أرى أن يقسم بقية الثث بين العمة وبين الصنوف الآخرين نصفين بالسواء كما لو كانت لرجلين. قال: وسألت نها ابن القاسم فقال مثله سواء.
وَلَوْ قَالَ: "كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتُهَا عِنْدَ فُلانٍ فَصَدِّقُوهُ" صُدِّقَ
هكذا في المدونة، ولكنه زاد قبل قوله: (فَصَدِّقُوهُ) "فأنفذوها". ورأى المصنف رحمه الله تعالى أن قوله: (صدقوه) يغني عن قوله: (أَنْفِذُوهَا) وهو ظاهر، ونحوه لأبي الحسن رحمه الله تعالى.
وقال فضل: لو لم يقل: "أنفذوها" وإنما قال: "وصيتي عند فلان" فلا يمضي منها شيء حتى يقول: أنفذوها.
وقوله: (صُدِّقَ) قال ابن القاسم: بشرط أن يكون عدلًا. وعنه أيضًا: يقبل وإن كان غير عدل، وهو قول سحنون وقول مالك في الواضحة. قيل: وهو ظاهر المدونة، واختاره التونسي واللخمي؛ لأن الميت ائتمنه وأمر أن يقبل قوله، ولأنا لو لم نقبل قوله أدى إلى إبطال الوصية مع علمنا أن الميت مات عن وصيته.
[ ٨ / ٥٤٤ ]
وَلَوْ قَالَ: "أَوْصَيْتُ فُلانًا بثُلُثِي فَصَدِّقُوهُ" صُدِّقَ
هكذا في المدونة، وهو يدل على أن قوله في المسألة السابقة: (وأنفذوها) ليس بشرط، ومعنى (أوصيت له بثلثي) أجزته بما صنع.
فَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: "لابْنِي" لَمْ يُصَدَّقْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُصَدَّقُ
الأول لابن القاسم في المدونة، واستشهد عليه بقول مالك فيمن أوصى أن يَجْعَلَ فلان ثلثه حيث يراه، فإنه إن أعطاه لولد نفسه أو لوارثه فلا يجوز إلا أن يظهر لذلك وجه يظهر صوابه.
واستحسن بعضهم قول أشهب، وفرق بين المسألة وما قاس عليه ابن القاسم بأن مسألة مالك أحال الموصي فيها على نظر الوصي، وصواب ذلك النظر، وخطؤه يظهر للناس. فإذا أعطى لولد نفسه وشبهه ظهر خطؤه وتهمته فيرد، بخلاف مسألة النزاع بين ابن القاسم وأشهب؛ أحال الميت فيها على اختيار الوصي، وذلك أمر لا يعلم إلا من جهة الوصي، ولا يظهر فيه صواب ولا خطأ.
أشهب: في الموازيةوالمجموعة بإثر الكلام الذي ذكره المصنف عنه: وليس هو مثل الذي يشهد لابنه، ولا مثل الذي يوصي إلى فلان أن يجعل ثلثه حيث يراه- فيجعله لنفسه أو لابنه، وهذا ليس له ذلك؛ لأنه فوض إليه ليجتهد، ولو أعطاه لابنه أو أقاربه كما يعطي الناس حسبما يستحق لجاز، وأكره أن يأخذ منه شيئًا، فإن فعل حسب استحقاقه لم آخذه منه.
وقاله ابن القاسم وقال: فإن قال: "لولدي أوصي به" جَعَلْتُهُ كشاهد له، وكمسألة مالك إذا قال: فلان يجعل ثلثي حيث يراه.
محمد: قال مالك في هذه: إنه لا يأخذ هو منه، وإن كان محتاجًا، وإن أعطى منه ولده وكان موضعًا جاز.
[ ٨ / ٥٤٥ ]
وقال مالك في المجموعة في الذي أوصى أن يجعل ثلثه حيث يراه: أرى أنه لا يجوز أن يعطي ذلك أقارب الميت، ولكن يعطيهم كما يعطي الناس.
مالك: وإن كان قد علم حين أوصاه أن يجعل ثلثه حيث يراه الله تعالى أنه أراد أن يرده على بعض الورثة- فلا يجوز، وليرجع كله ميراثًا.
وَلَوْ قَالَ: "اشْهَدُوا أَنَّ فُلانًا وَصِيِّ" وَلَمْ يَزِدْ كَانَ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ وَفِي إِنْكَاحِ صِغَارِ الذُّكُورِ وَبَوالِغِ الإِنَاثِ بإِذْنِهِنَّ
هكذا في المدونة. وفي الموازية: وإن قال: فلان وصيي قد بالغ في الإيصاء، ويكون وصيًا على كل شيء. وفي المجموعة مثله ولا أعلم فيه خلافًا.
ابن رشد: الإيصاء والوكالة إذا قصرا طالا، وإذا طالا قصرا؛ أي: إذا طول بالتنصيص على أشياء اقتصر عليها.
وقوله: (صغار بنيه) يدخل فيه الحفدة. وفي دخولهم خلاف إذا كان الأب محجورًا عليه.
محمد: وإن قال وصيت وصيي على مالي دخل فيه الولد. وإن قال: "على ولدي" دخل المال. ويدخل في قوله: "على ولدي" الذكران والإناث إلا أن يخص فيقول: الذكران، أو بناتي. وقد تقدم الكلام في الناكح على جبر الوصي الصغارَ والإناث.
وَلَوْ قَالَ: "وَصِيِّي عَلَى كَذَا" خُصِّصَ، وَرُوِيَ: كَالطَّلاقِ
الأول: مذهب المدونة والمشهور، وهو الظاهر؛ لأن الوصي يتصرف [٧٧٩/أ] بالنيابة فلا يتعدى نظره الوجه الذي أذن له فيه كالوكيل.
والرواية بأن ذلك كالإطلاق ذكر ابن شاس أن ابن عبد الحكم رواه، ونقله صاحب المعونة.
[ ٨ / ٥٤٦ ]
لَوْ قَالَ: "وَصِيِّي حَتَّى يَقْدِمَ فُلانٌ" عُمِلَ بهِ
أي: عمل بالإيصاء إلى هذه الغاية، فإذا قدم فلان فهو الوصي. ومفهوم الغاية أن فلانًا لو مات قبل قدومه لاستمرت الوصية، وقاله ابن يونس. ومفهومها أيضًا أنه لو قدم ولم يقبل أن الوصي الأول ينعزل؛ لأنه علق نظره بإتيان فلان، وقاله بعض علمائنا، قال: إلا أن يفهم عن الموصي: إذا جاء فقبل، فإذا لم يقبل وجب أن يبقى الأول على ما جعل له.
ابن عبد السلام: وفي النوادر في الحالف ألا يفعل كذا حتى يقدم فلان فمات قبل قدومه، ما يؤخذ منه؟ قولان؛ هل يحمل على أجل قدومه وينوي في ذلك، أو لا يفعله أصلًا؟ فانظر هل يتخرج منه في الفرع الأول شيء أم لا؟
وَلَوْ قَالَ: "وَصِيِّي عَلَى قَبْضِ دُيُونِي وَبَيْعِ تَرِكَتِي" وَلَمْ يَزِدْ، فَزَوَّجَ بَنَاتِهِ؛ رَجَوْتُ أَنْ يَجُوزَ
قوله: (فَزَوَّجَ) أي: الوصي.
وقوله: (رَجَوْتُ) هو عائد على مالك، وهذه مسألة المدونة، قال فيها: وأحب إليَّ أن يرفع إلى السلطان فينظر السلطان في ذلك هلفيه ضرر أو بخس في صداق؟
وقال أشهب: له أن يزوِّج ولا يرفع إلى السلطان.
محمد: وقاله ابن القاسم إن شاء الله. اللخمي: والأول أحسن.
ابن القاسم: وقاله مالك فيمن أوصى بميراث بنت له صغيرة تدفع إلى فلان، أترى أن يلي بضعها؟ قال: نعم، وأراه حسنًا لو رفع ذلك إلى الإمام فينظر.
وإن جعل وصيته لثلاثة؛ جلع لأحدهم اقتضاء الدين، وللآخر النظر في الفاضل والتصرف فيه بالبيع والشراء، وللآخر بضع بناته جاز.
[ ٨ / ٥٤٧ ]
وليس لأحدهم أن يلي غير ما جُعِل له، فإن تعدى من له النظر في الفاضل والتصرف فيه فاقتضى أو قضى مضى ما فعله ولم يُرَدُّ قضاؤه واقتضاؤه، وإن باع أو اشترى من جعل له النكاح رُدَّ فعله، وإن زوَّج من جعل له النظر في المال رد فعله؛ لأنه معزول عن ذلك وقد أقيم له غيره. وليس هو بمنزلة قوله: فلان وصيي على قضاء ديني، وذكر مسألة المصنف.
وَقَبُولُ الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لا قَبْلَهُ، فَإِنْ قَبلَ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مِلْكُهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ-عَلَى الأَصَحِّ-لا مِلْكَ الْمُوصِي.
أي: وقبول الموصى له- المعين للوصية- شرط في وجوبها له؛ لأنها أحد أنواع العطايا؛ فاشترط فيها القبول كالهبة وغيرها. وبَيَّنَ المصنف أن ذلك القبول لابد أن يكون بعد الموت، وأما قبله فلا؛ لأن للموصي أن يرجع ما دام حيًا.
واحترز بـ (الْمُعَيَّنِ) مما لو أوصى لمثل الفقراء والغزاة، فإنه لا يشترط في حقهم القبول.
واختلف إذا قبل بعد الموت، وقد كان تأخر القبول عن الموت؛ فالأصح أن القبول كاشف أن الموصى به مِلْكٌ للموصى له من حين الموت. وقيل: إنما حصل له الملك حين القبول، فيكون الملك قبل القبول لورثة الموصي.
والقولان هنا كالقولين في بيع الخيار، هل هو نحل أم لا؟ فإن قيل: الأصح هنا مبني على أنه منبرم، بلاف المشهور في بيع الخيار، فما الفرق؟ قيل: الملك يَثُبتُ للبائع في الخيار فاستصحب حتى يتحقق الانتقال، والملك هنا قد تحقق زواله بزوال ملك الموصي بموته، والله أعلم.
[ ٨ / ٥٤٨ ]
وَعَلَيْهِمَا مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ مِنْ وَلَدٍ أَوْ ثَمَرَةٍ
أي: فعلى الأصح يكون للموصى له، وعلى مقابله يكون للورثة، ويتخرج أيضًا على هذين القولين ووب زكاة الفطر وما أفادته الأمة والعبد بعد الموت من المال وغير ذلك، كما لو أوصَى له بزوجته الأمة فأولدها ثم علم فقبل: هل تصير بهذا الولد أم ولد أم لا؟
وحكى المصنف الخلاف في الولد تبعًا لابن شاس، وحكى بعضهم الاتفاق على أنه للموصى له، ويقرب منه كلام التونسي الذي ذكره المصنف في قوله ﵀:
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَقْوِيمِ الأُصُولِ بغَلاَّتِهَا أَوْ دُونَ غَلاَّتِهَا ثُمَّ يَتْبَعُهَا-قَوْلانِ. قَالَ التُّونُسِيُّ: وَبغَلاِّتِهَا أَشْبَهُ، كَنَمَاءِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الأَمَةِ
أفاد قوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أن الأصح المتقدم مشهور؛ يعني: أنه اختلف إذا قلنا: إن الغلات الحادثة بعد موت الموصي للموصى له، فهل تُقَوَّم الأصول بغلاتها، أو بدون غلاتها ثم تتبعها؟ قولان.
فلو أوصى له بحائط يساوي ألفًا وهو ثلث الموصي، لكن زاد لأَجْلِ ثمرته مائتين؛ فعلى الأول- وهو الذي قال التونسي: إنه أشبه - لا يكون للموصى له إلا خمسة أسداس الحائط، وعلى الثاني يكون جميع الحائط للموصى له.
وقوله: (كَنَمَاءِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الأَمَةِ) ظاهره أنه يتفق على ذلك وإلا لما حسن به استشهاد. وقد يفرق بأن نماء العبد منفصل، وولد الأمة كالجزء منها.
سحنون: وتقويم الأصول بالغلات أعدل أقوال الأصحاب، وهو قول أكثر الرواة، وهو لابن القاسم. وقال أيضًا في المدونة: إنه تُقَوَّم الأصول دون الغلات.
ابن القاسم في المدونة: وإن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمر الجنان قبل موت الموصي بسنة أو سنتين، ومات الموصي، والثلث يحمل الجنان وما أثمر- فالثمرة للورثة دون الموصى
[ ٨ / ٥٤٩ ]
له، وذلك إذا أُبْرَتِ النخل وأُلقِحَتِ الشجر قبل موت الموصي. ثم ذكر عن مالك: إذا مات الموصي قبل الإِبَارِ أن الغلة للموصى له كالبيع.
ابن يونس: [٧٧٩/ب] وحيث قَوَّمْنَا الأصول وحدها فخرجت من الثلث، وكنات الغلات تبعًا لها، وقد كنا أنفق على الجنان نفقة من مال الميت إلى أن تمت ثمرته- فيجب أن تكون تلك النفقة على الموصى له؛ لأنه لما حمله الثلث كأنه لم يزل ملكًا للموصى له، ولأن الميت لم ينتفع بالغلة ولا كثَّر بها ماله؛ فلذلك تكون النفقة على الموصى له.
وَلا يُفْتَقَرُ إِلَى قَبُولِ الرَّقِيقِ إِذَا أَوصَى بعِتْقِهِ
كان الموصى بعتقه معينًا أم لا؛ لأنه وإن كان معينًا ففيه حق لله تعالى فلا يتوقف على قبوله، كما لو أعتقه في حال الحياة فإنه لا يتوقف على خياره.
ابن عبد السلام: نعم لو خر في عتق نفسه أو ملكه ذلك كان له القبول أو الرد.
وَفِيهَا: إِذَا أَوْصَى ببَيْعِ جَارِيَةٍ لِلْعِتْقِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جَوَارِي الْوَطْءِ فَذَلِكَ لَهَا
نسبها للمدونة؛ لأن ظاهرها معارض لما قبلها، ولكن لا معارضة في الحقيقة؛ لما يحصل لجوار الوءط من الضياع غالبًا بالعتق.
وقيل: لا خيار لها كانت رائعة أم لا، وتباع للعتق، إلا ألا يوجد من يشتريها بوضيعة ثلث الثمن.
وقال أصبغ: يكون لها الخيار في هذه المسألة وفي المسألة السابقة؛ أعني: إذا أوصى الميت بعتقها فقال: أعتقوها.
اللخمي: وهو أبين؛ لأن العتق لم ينفذ في الموضعين، والضرر في الموضعين سواء.
قال أصبغ: وهذا إذا قال: افعلوا، ولم يقل: هي حرة، وأما إذا قال هذا فلا ينظر إلى قولها وتنفذ لها الوصية.
[ ٨ / ٥٥٠ ]
وإذا فرعنا على مذهب المدونة فاختارت أحد الأمرين ثم أحبت الانتقال إلى الآخر، فقال ابن القاسم: ذلك لها ما لم ينفذ فيها الذي اختارته أولًا، أو يكون ذلك بتوقيف من سلطان.
وقال أصبغ: إذا شهد على اختيارها أحد الوجهين لم يكن لها الرجوع إلى الآخر.
مالك: وإن أعتقها الورثةقبل أن تختار لم يكن ذلك لهم إن أحبت البيع. وكذلك إن قال: بيعوها ممن أحبت، فأعتقوها وأحبت البيع رُدَّ عتقها.
ابن القاسم: وإن أحبت أن تباع بغير شرط العتق فللورثة حبسها أو بيعها.
محمد: فإن بيعت بغير شرط العتق لم يوضع من ثمنها شيء، وإن بيعت بشرط العتق وضع ثلث ثمنها.
الْوَصِيَّةُ أَرْكَانٌ
أي لها أركان. ومراده الوصية على النظر، والمتقدم ف الوصية بالمال، ولهذا لما كان هذا نوعًا واحدًا أفرده.
وقوله: (أَرْكَانٌ) أي: ثلاثة؛ الموصي، والموصى له، والموصى فيه. فإن قلت: هو لم يذكر الموصى فيه. قيل: لما ذكر الموصي اقتضى ذكر موصى فيه. وترك الصيغة لتقدم الكلام عليها في الوصايا.
الْمُوصَى إِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِمْ فَيَخْتَصُّ بالأَبِ وَالْوَصِيِّ
قوله: (الْمُوصَى) المراد: الجنس؛ فيدخل وصي الأب، وووصي وصيه وإن بعد، ولا يلحق به مقدم القاضي على المنصوص. نص عليه ابن الهندي وابن أبي زمنين وغير واحد.
ابن راشد: وقال بعض الأندلسيين: إن الذي مضى به الحمك أَنَّ حكم مقدم القاضي حكم الوصي في جميع أموره؛ لأن القاضي أقامه مقام الوصي.
[ ٨ / ٥٥١ ]
بعض الشيوخ: وعلى هذا فيكون له أن يوكل في حياته من يقوم مقامه، ويوصي بذلك بعد مماته. انتهى كلام ابن راشد ﵀.
ولا خفاء أن مراد المصنف إذا كان الأب رشيدًا، ولو كان محجورًا عليه لم يكن له نظر على ولده، ولا أن يوصي عليهم.
وَلا وَصِيَّةَ لِجَدِّ وَلا لأُمٍّ
لا خلاف أن الجد لا إيصاء له، ومنع في المدونة إيصاء الأخ على أخيه، قال: ولا يقاسم عليه. وأجاز أشهب المقاسمة عليه.
اللخم: فعلي قوله- تجوز وصيته بما يورث عنه، إذا لم يكن له وصي. وأجاز ابن القاسم في اللقيط المقاسمة عليه، فإجازته في الأخ أولى.
وَفِيهَا: تَصِحُّ مِنَ الأُمِّ فِي اليْسِيرِ كَسِتِّينَ دِينَارًا، وَقِيلَ: لا
إجازة ذلك استحسان بثلاثة شروط؛ يسارة المال، وأن يكون موروثًا عنها، وألا يكون لهم أب ولا وصي.
سحنون: وقول غيره: إنها لا تجوز أعدل.
تنبيه:
كل هذا في الوصية بما صار له من مال الميراث، وأما ما تطوع الميت بالوصية به فتجوز الوصية، ويقبض له من وصايا الميت، فلو قال: "لفلان الصغير، ويكون على يد فلان حتى يرشد" لم يكن لأبيه ولا وصيه أن يقبض ذلك، ولا يحجر عليه فيه؛ لأنها هبة من الموصي علىصفة فلا تُغَيَّر. نص عليه اللخمي وغيره.
[ ٨ / ٥٥٢ ]
وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَفْرِيقِ الثُّلُثِ، فَلا يَخْتَصُّ الْمُوصَى
أي: وإن كان الموصي أوصى على غير محجور عليهم، وهذا مقابل قوله أولًا: (إذا كان على محجور عليهم).
وقوله: (مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَفْرِيقِ الثُّلُثِ) هو بيان لغير المحجور عليهم، فلا يختص الموصي على هذا بأن يكون أبًا أو وصيًا، بل يصح من كل من عليه حق أو له.
وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ لِمُسْلِمٍ فَلا بَاسَ بذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ خَمْرًا أَو الْتِزَامَ جِزْيَةٍ
وقع في نسخة ابن عبد السلام هنا قبل قوله: (وَلَوْ أَوْصَى) (الموصي) ولم يقع ذلك عندنا إلا فيما يأتي.
والضمير في قوله: (يَكُنْ) عائد على الموصى به المفهوم من أوصى، وهكذا في المدونة وغيرها، ففيها: وإن أوصى ذمي إلى مسلم فإن لم يكن في تركته خمر ولا خنزير، ولم يَخَفْ أن يُلْزَمَ بالجزية فلا بأس.
وقال أشهب في الموازية: أنا أكرهه؛ خوفًا أن يلزم بجزية.
وليس بَيِّنًا في الكراهة. ولو قَبِلَ لجاز ولزمته، وإن كان غيرذلك فلا بأس به وإن كان فيها خمر وخنازير، وتكون الوصية فيما سوى الخمر والخنازير.
وأما وصية الذمي إلى الذمي، فلا يمنعون منها، إذا كان فيها الخمر ونحو ذلك مما يستحلونه، قاله ابن الماجشون.
قوله: (وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ لِمُسْلِمٍ) نص أشهب أيضًا على جواز وصية الحربي للمسلم.
أشهب: ولو أوصى ذمي إلىحربي لم يجز، وإن كان مستأمنًا. قال: ولو أوصى الحربي المستأمن إلى ذمي جاز.
[ ٨ / ٥٥٣ ]
الْمُوصَى شَرْطُهُ: التَّكْلِيفُ، وَالإِسْلامُ، وَالْعَدَالَةُ وَالْكَفَاءَةُ
أسقط ابن عبد السلام هنا (الْمُوصَى) لتقدمه في نسخته، وذكر أربعة شروط:
الأول: التكليف، فلا تجوز الوصية إلى صبي أو إلى معتوه.
الثاني: الإسلام، فلا تجوز الوصية لذمي ولا حربي؛ لعدم العدالة.
الثالث: العدالة، فلا تجوز لفاسق.
قال في المدونة: ولا تجوز الوصيةلذمي أو مسخوط أو من ليس بعدل، ويعزل إن أوصى إليه.
ولو اكتفى بالدالة عن الإسلام لكان أخصر.
ونقل بعضهم عن ابن المواز أنه قال: لم أرد هنا بالدالة عدالة الشاهد؛ حتى لا يجوز غيره، ولكن العدالة هيالأمانة والرضا فيما يصير إليه، والقوة عليه.
الرابع: الكفاءة؛ أي: في التصرف، فلا تجوز الوصية إلى عاجز عن التصرف.
محمد وابن عبدوس: ولا مأبون.
وَكَانَ أَجَازَهَا قَبْلُ لِلْكَافِرِ، قَالَ مَرَّةً: وَإِذَا كَانَ قَرِيْبًا كَالأَبِ وَالأَخِ وَالْخَالِ وَالزَّوْجَةِ فَيُوْصِيْهِ عَلَى الْصِّلَةِ فَلا بَاسَ بِذَلِكَ
حاصله أن في الوصية للكافر ثلاثة أقوال:
المشهور: عدم الصحة مطلقًا، وهو قول مالك الذي رجع إليه.
والثاني: أنها تصح إليه.
والثالث: التفصيل بين القريب وغيره، لكن لم ينسب ابن أبي زيد وابن رشد وغيرهما الثالث إلا لابن القاسم.
[ ٨ / ٥٥٤ ]
فإن قلت: في حكاية الثاني والثالث نظر؛ لأن نص الرواية في العتبية: وكره مالك الوصية لليهود والنصارى، ثم ذكرقول ابن القاسم، وهذا يمكن حمله على الوصية لهما بالمال لا بالنظر، وقد فهمها ابن رشد على ذلك، قيل: هو معارض بفهم غيره، فإن الذي فَهِمَ منها ابن أبي زيد وابنيونس هو ما ذكره ابن شاس والمصنف.
وَلا تَصِحُّ لِمَسْخُوطٍ، وَلَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ عُزِلَ
هذا هو الذي احترز عنه بالعدالة، ونبه بقوله: (وَلَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ عُزِلَ) على أن هذا الشرط تعتبر استدامته كابتدائه؛ لأن بعض الشروط يُشْتَرَطُ ابتداءً لا دوامًا. وما ذكره من العزل بطروء الفسق هو المشهور.
وقال المخزومي: لا يعزل، ولكن يجعل معه وصي آخر عدل. وهذا الذي ذكره المصنف خاص بالوصي على أموال اليتامى، أو على اقتضاء دين أو قضائه؛ خيفة أن يدعي غير العدل الضياع. وأما فيما يختص بالميت كالوصية بالثلث أو بالعتق فتجوز إلى غير العدل.
ابن المواز: عن ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى إلى محدود في قذف فذلك جائز إذا كانت منه فلتة، وكان ممن ترضي حالته، وإن لم يتزيد حسن حال إذا كان يوم قذهف غير مسخوط.
وأما من حُدَّ في زنى أو سرقة أوخمر- فلا يقع في مثل هذا من له ورع- فلا تجوز الوصية إليه إلا أن تحدث له توبة، أو تورع يعرف فضله فيه فتجوز الوصية إليه.
مالك في الموازية: وإن كانت الوصية بعتق او بشيء في السبيل ولم يكن وارثًا- لم يكشف عن شيء إلا عما يبقى للورثة منفعته، مثل: العتق؛ لهم الولاء، إلا أن يكون الوصي سفيهًا سارافًا فيكشف عن ذلك كله، فرب وصي لا ينفذ من الوصية شيئًا، وهذا صحيح؛ لأن الميت وإن أوصى لغير عدل، فلم يُرِدْ إلا إنفاذ الوصية فلا يمنع الورثة من الاطلاع على ذلك؛ حتى يعلموا أنه أنفذها.
مالك: وإن كان الوصي وارثًا فلباقي الورثة أن ينظروا في ذلك، ويكشف عنه الوصي.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
وَلا تَصِحُّ لِعَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ
هذا هو الذي احترز عنه بـ (الكفاءة).
وَتَصِحُّ لِلْعَبْدِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَيَتَصَرَّفُ بإِذْنِ السَّيِّدِ
لما تكلم على شروط الوصي وموانعه، أتبعه بالكلام على ما يُظَنُّ مانعًا، وليس بمانع.
قال في المدونة: ومن أسند وصيته إلى عبده، أو مكاتبه جاز، قال في المدونة: وكذلك مدبره وأم ولده والمعتق إلى أجل والمعتق بعضه.
وقال سحنون: إنما يكونالعبد المملوك وصيًا للصغار إذا كان بينهم بالسواء فيما يتكلف لهم العبد، أو يكون تكلفه لهم على قدر مواريثهم، وصححه ابن رشد. سحنون: وإن كان فيهم كبير، وكان عبدًا قَنًَّا أو معتقًا إلى أجل فهي وصية لوارث، فإن أجازها الكبار، وإلا بطلت، وهو قول عبد الملك.
ابن رشد: وقول مالك أصح إذا قلنا: إنما ينظر للأصاغر في الأيام التي لهم.
مالك في الموازية: والمكاتب مثل العبد.
أشهب: وليس فيه تقويم، إلا أن يعجز.
وقوله: (وَيَتَصَرَّفُ بإِذْنِ السَّيِّدِ) هو خاص بعبد غيره.
اللخمي: وتجوز الوصية لعبد الأجنبي إذا رضي سيده، وكان سيده ممن لايخاف أن يغلب على ما في يد عبده. وأخل المصنف بهذا الشرط.
ابن القاسم وأشهب في الموازية والمجموعة: وإذا جاز السيد الوصية للعبد فليس له بعد ذلك رجوع إلا لعذر مِنْ بيع أو سفر أو نقلة منه أو من العبد إلى غير الموضع الذي الورثة به، فيقيم لهم الإمام غيره.
[ ٨ / ٥٥٦ ]
اللخمي: وهذا بخلاف المعروف منقوله، والمعروف في هذا الأصل أن للعبد أن يقيم غيره مقامه عند سره، او غيره من غير حاجة إلىلسلطان. ولا فرق في ذلك بين حر وعبد، وإن رضي المشتري أن يبقيه على الوصية جاز.
وَتَصِحُّ للأَعْمَى وَالْمَرْأَةِ
لا أعلم في ذلك خلافًا.
وَإِذَا أَوْصَى لِعَبْدِهِ فَأَرَادَ الأَكَابرُ بَيْعَ الْجَمِيعِ اشْتُرِي لِلأَصَاغِرِ
نحوه في المدونة، وظاهرها أنه لا يؤخذ نصيب الأكابر إلا إذا شاءوا البيع. قيل: ويشترى بالقيمة كاخذ ما يجاور المسجد إذا احتيج إلى توسعته، وفيه مخالفة للأصول. وأشار بعضهم إلى أنه يشترى نصيب الأكابر بالقيمة إن لم يريدوا البيع. ولعل ذلك إذا منع الأكابر العبد من النظر للأصاغر. ولو قيل: إنه يعرض للبيع فإذا وقف على ثمن اشترى حينئذٍ للأصاغر نصيب الأكابر لكان أخف، وفيه مع ذلك مخالفة للأصول؛ لأن الأصل أنه لا يأخذه أحد الشريكين بالثمن الذي بلغ إلا برضا الآخر، أو يزيد عليه الآخر. ولعلهم إنما قالوا هنا بهذا؛ ارتكابًا لأخف الضررين بالتقويم، كما في الدار تجاور الجامع تؤخذ بالقيمة إذا احتيج إلى توسعته بها. وأصل هذا من السنة التقويم في عتق الشريك.
ثم إن الشراء للأصاغر مقيد بما إذا كان في أموالهم ما يحمل. قال في المدونة: وإن لم يحمل ذلك نصيبهم، وأَر بهم بيعه باع الأكابر حصتهم منه خاصة إلا أن يضر ذلك بالأكابر ويأبوا فيقضي على الأصاغر بالبي معهم. قال في الواضحة: ويفسخ الإيصاء حينئذٍ، ونحوه في الموازية.
وفي مختصر حمديس: إن لمشتريه فسخ وصيته إذا كان يضر به ويشغله، واعترضه عبد الحق، وقال: لا يكاد يصح عندي.
[ ٨ / ٥٥٧ ]
وَلا يَبيعُ الْوَصِيُّ عَبْدًا يُحْسِنُ الْقِيَامَ بهِمْ
نحوه في المدونة، ووجهه أن في بقائه مصلحة لهم، والوصي إنما ينظر بالأصلح.
وَلا يَبيعُ عَقَارَهُمْ إِلا لِحَاجَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ
قد تقدم هذا وما فيه في الحَجْرِ.
وَلا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلَ تُعُقَّبَ بالنَّظَرِ
أي: لا يشتري لنفسه، ولا يدس من يشتري له، صرح به في المدونة. فإن اشترى تعقب بالنظر؛ أي: بنظر الحاكم، وقال في كتاب كراء الدور والأرضين: يعاد إلى السوق، قال في المدونة: فإن كان فضل كان لليتامى وإلا ترك.
عياض: ظاهره أنه ينظر فيه الآن، وإن لم يكن فيه فضل فلابد من النظر فيه يوم البيع بالقيمة والسداد.
وكذا قال عبد الملك: ينظر فيه الحاكم يوم يرفع إليه، فإن كان سدادًا أمضاه. وقال ابن كنانة: ينظر فيه الحاكم يوم الشراء.
وانظر قوله في كراء الدور: أنه يعاد إلى السوق- ونحوه في المجموعة- فإن ظاهره أنه يفسخن ويحتمل أن يعاد ليعطوا الفضل.
وَفِيهَا: سَأَلَهُ وَصِيٌّ عَنْ حِمَارَيْنِ أَرَادَ أَخْذَهُمَا لِنَفْسِهِ بمَا أُعْطِيَهُ؛ فَاسْتَخَفَّهُ لِقِلَّةِ الثَّمَنِ ..
هذا تخصيص لعموم قوله: (لا يَشْتَرِي) واستغنى بقلة الثمن عن تعيينه. ونقصه من التعليل: "الاجتهاد في تسويقهما" كان ينبغي ذكره؛ لأن له أثرًا في الاستخفاف.
[ ٨ / ٥٥٨ ]
قال فيها: وأرخص مالك لوصي سأله عن حمارين من حمر الأعراب في تركة الميت ثمنهما ثلاثة دنانير، تسوق بهما الوصي في المدينة والبادية، فأراد أخذهما لنفسه بما أعطي- فأجاز ذلك، واستخفه.
وَلا يَبيْعُ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ عَلَى الأَصَاغِرِ إِلا بحَضْرَةِ الأَكَابرِ، وَإِلا رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ
لأنه لا نظر على الأكابر.
وقوله: (وَإِلا رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ) أي: وإن لم يكن الأكابر حضورًا رفع الوصي للحاكم. قال في المدونة: فيأمر من يلي معه البيع للغائب إذا كانت التركة عروضًا أو حيوانًا.
وَإِذَا أَوْصَى لاثْنَيْنِ مُطْلَقًا نُزِّلَ عَلَى التَّعَاوُنِ، فَلا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا إِلا بتَقْييدٍ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اسْتَقلَّ
قوله: (مُطْلَقًا) أي: من غير تقييد، فلم ينص على الاجتماع، ولا على الانفراد؛ لأنه لا إشكال إذا نص على شيء أنه يتبع. وكلامه ظاهر التصور، ووجه عدم استقلال أحدهما أن لكل واحد منهما من التصرف ما لصاحبه؛ فكانا في فعلهما كفعل رجل واحد. ولعدم استقلال أحدهما قال في المدونة: ليس لأحدهما أن يزوج دون صاحبه إلا أن يوكله صاحبه، وإن اختلفا نظر السلطان.
ابن القاسم: ولا يجوز لأحدهما بيع ولا شراء ولا أمر دون الآخر.
اللخمي: فإن فات ما باعه أحدهما فعلى الذي انفرد بالبيع الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن اشترى وفات البائع بالثمن كانت السلعة المشتراة له وغرم الثمن.
أشهب: إلا في الشيء التافه الذي لابد لليتيم منه مثل أن يغيب أحدهما، فيشتري الآخر الطعام والكسوة، وما يضر باليتيم استئجاره.
[ ٨ / ٥٥٩ ]
وإن ادعى رجل بدعوى على الميت لم يخاصم أحدهما دون الآخرن إلا أن يكون الآخر غائبًا، فإن انحصر الحاضر، وقضي على الميت - وَقَفَ الغائب على حجته، وَنَظَرَ ما عنده بعد قدومه. وكذلك إذا كان للميت دعوى فلا يخاصم أحدهما دون الآخر إلا أن يكون ذلك بوكالة، أو يكون الآخر غائبًا.
وقوله: (فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اسْتَقلَّ) أي: الآخر بالنظر، وهذا خلاف ما قاله اللخمي، فإنه قال: إن مات عن غير وصية لم يكن للحي أن يلي النظر وحده، وينظر السلطان في ذلك؛ فإما أقره وحده إن رأى لذلكوجهًا، أو يشرك معه غيره.
وكذلك قال ابن راشد: إِنَّ ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى مشكل؛ لأن الموصي لم يجعله مستقلًا، فكيف يستقل؟! والذي جرى عليه عمل القضاة في عصرنا ببلدنا أن يجعل معه آخر. وإذا شهد عندهم أنه أهل لذلك الاستقلال جعلوا له ذلك. انتهىز
وفي النوادر عن علي بن زياد: أنه يجعل معه غيره، لكن ذكر في النوادر عن ابن القاسم: إذا مات أحدهما ولم يوصِ فن كان الباقي بيِّن العدالة والكاءة لم أرَ أن يَجْعَلَ معه القاضي غيره، وإن لم يكن بيِّن الدالة، أو كان مبرزًا ويحتاج إلى معرفة فليجعل معه غيره، فيكون كالميت.
وعلى هذا فيحمل كلام المصنف على ما إذا كان الباقي بيِّنَ العدالة والكفاءة، ويكون اعتمد على ما قدمه من اشتراط الكفاءة والعدالة، والله سبحانه أعلم.
وَفِي انْتِقَالِهَا لِمَنْ يُوْصَى إِلَيْهِ قَوْلانِ، بخِلافِ مَا لَوْ أَوْصَيَا مَعًَا
أي: لو مات أحدهما وأوصى بما له ففي انتقال الإيصاء لمن يوصي إليه قولان؛ الإمضاء ليحيى بن سعيد في المدونة وأشهب، والمنع لسحنون.
اللخمي: وهو أصل ابن القاسم؛ لأنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون غيره، ولا أن يقيم غيره في التصرف ي الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه فكذلك عند الموت.
[ ٨ / ٥٦٠ ]
ونقل ابن شاس الثاني عن مالك وابن القاسم نصًا، وهو ظاهر المذهب، ورأى في الأول أن الميت مستقل بذلك القدر الذي أوصى به.
وقوله: (بخِلافِ مَا لَوْ أَوْصَيَا مَعًَا) أي: فإنها تنفذ على القولين؛ لاجتماعهما عليها، فكان ذلك كاجتماعهما على شيء في حياتهما.
اللخمي: وإن جعل الميت منهما النظر للحي، ورضي الحي بذلك جاز. وكذلك إن أقام آخر معه، وواقه عليه الحي جاز من غير مؤامرة حاكم.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي أَمْرِ تَوَلِّي الْحَاكِمُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ
ذكر (أمرًا) ليعم البيع والشراء وترشيد المحجور عليه وتزويجه وغير ذلك.
وقوله: (تَوَلَّى) أي: نظر، فإن كان الصواب مع أحدهما أمر الآخر بموافقته، وإن كان في غير ما قالاه أمرهما به ومنعهما مما عداه.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنهما معزولان عما اختلفا فيه، وأن القاضي حينئذٍ يتولى النظر في ذلك الشيء الذي اختلفا فيه، وإن كان الصواب مع أحدهما. وليس كذلك، وعلى ما فسرنا به كلامه يندفع هذا.
فَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ وَضَعَهُ عِنْدَ أَوْلاهُمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِ
قوله: (فَإِنْ كَانَ) أي: المختلف فيه في حفظ مال. (وَضَعَهُ) أي: الحاكم (عِنْدَ أَوْلاهُمَا) أي: لكونه أعدل.
مالك: فيكون المال عند أعدلهما، ولا يقسم.
قال ابن القاسم: وإن كانا في العدالة سواء فأحرزهما أو أكفاهام، وفي كلام بعضهم: الترجيح بكثرة المال عند استوائهما في العدالة.
[ ٨ / ٥٦١ ]
اللخمي: وكل هذا استحسان ولو جعلاه عند أدناهما في العدالة لم يضمنا؛ لأن كليهام عدل، وقد يكون أحدهما آمن، والآخر أكفى.
مالك في المدونة: وإن اختلفا حينئذٍ طبع عليه وجعل عند غيرهما.
ابن كنانة: وكذلك إذا جعله السلطان عند أحدهما يجتمعان عليه
وقوله: (وَيَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِ) ابن عبد السلام: ولا يظهر له كبير معنى؛ لأنهما إن أخرجاه من أيديهما باختيارهما مع وجود الصفات المعتبرة فيهما كانا مخطئين، وينبغي أن يضمنا. وإن كان القاضي هو الذي أخرج المال من أيديهما لعدم الصفات المعتبرة فيهما فلا ينبغي أن يلتفت إلى اجتماعهام، ولا إلى اختلافهما.
خليل: والأحسن أن يكون معنى قوله: (ويجتمعان عليه) أي: يجتمعان ي التصرف فيه؛ لأنه وإن جعل عند أحدهما أو غيرهما، فلا يتصرف فيه إلا الاثنان.
وَفِي جَوَازِ قَسْمِهِمَا الْمَالَ قَوْلانِ
القول بجواز القسم لعلي بن زياد، والقول بعدمه لمالك وابن القاسم وأشهب، وعلله ابن كنانة بأن الموصي قد يريد اجتماعهما؛ فيريد أحدهما لأمانته، والآخر لرأيه.
وَعَلَى الْمَنْعِ يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هَلَكَ بيَدِ صَاحِبِهِ
أي: إذا فرعنا على قول مالك بمنع القسم، وظاهر كلامه: أنه لا يضمن ما هلك بيده، وهو ظاهر قول ابن الماجشون على ما في النوادر وابن يونس؛ لأنهما حكيا عنه: إذا اقتسماهضمناه، وإن هلك ما بيد أحدهما ضمنه صاحبه حين أسلمه إليه.
ونقل اللخمي عنه ضمان الجميع، فيضمن ما عنده؛ لاستبداده بالنظر فيه وما عند صاحبه؛ لأنه رفع يده عنه. وقال أشهب: لا يقتسمانه، فإن اقتسماه لم يضمنا.
[ ٨ / ٥٦٢ ]
وَلِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَلَوْ بَعْدَ الْقَبُولِ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: للوصي عزل نفسه في حياة الموصي بعد القبول على الأصح، وأما قبله فلا شك أن له ألا يقبل، والأًح ظاهر المدونة وصريح قول أشهب؛ لأنه لم يغره، وهو قادر على أن يستبدل غيره
ومقابله لعبد الوهاب في المعونة قال: فإذا قبل الوصي الوصية ثم أراد تركها لم يجز له ذلك، إلا أن يعجز عنها، أو يظهر له عذر في الامتناع من المقام عليها.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول غيره من العراقيين وبعض المغاربة؛ لأن ذلك كهبة بعض منافعه.
والمبالغة في قوله: (وَلَوْ بَعْدَ الْقَبُولِ) ليست بظاهرة؛ لأنه قَبْلَ القبول ليس بوصي.
وَلا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ عَلَى الأَصَحِّ
يعني: لا رجوع للوصي بعد الموت إذا قَبِلَ الوصية، وظاهره سواء قَبِلَهَا في حياة الموصي أو بعد موته. ونص في المدونة على الأول، وأشهب على الثاني. قال: وسواء قَبِلَ لفظًا، أو جاء منه ما يدل على ذلك من البيع والشراء لهم مما يصلحهم، والاقتضاء والقضاء عنهم أو غير ذلك
ابن عبد السلام: وقال بعضهم: لا فرق بين قبوله بعد الموت أو قبله أن له الرجوع، وَأُخِذَ من تعليل أشهب لرجوعه في الحياة: بأنه لم يَغُرَّهُ، فألزمه اللخمي أن يكون له الرجوع إذا قَبِلَ بعد الموت؛ لكونه لم يَغُرَّهُ.
وَلَوْ أَبَى الْقَبُولَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ بَعْدُ
هكذا نص عليه أِهب وابن عبدوس، فإن رأى القاضي تقديمه صار كمقدم القاضي.
[ ٨ / ٥٦٣ ]
ثُمَّ الْوَصِيُّ يَقْتَضِي دُيُونَ الصَّبيَّ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بالْمَعْرُوفِ، وَيُزَكِّي مَالَهُ وَيَدْفَعُه قِرَاضًا وَبضَاعَةً
لأن الوصي وكيل على مصلحة اليتيم وحفظ ماله، فلذلك يقتضي ديونه، وينفق عليه بالمعروف، وفسره اللخمي بأن يكون على حسب المال في قلته وكثرته، فلا يضيق على من له المال الكثير فينفق عليه دون نفقة مثله، ولا يسرف.
ويوس عليه في الأعياد حسب المعتاد، ويضحي عنه من ماله، إلا أن يكون قليل المال ويضر به ذلك.
وينفق على المولى عليه في ختانه، وفي عرسه. ولا حرج على من دعي فأكل، ولا يدعو اللاعبين. وهو ضامن لما أنفق في ذلك أو في غيره من الباطل.
ووسع ربيعة أن يشتري له اللعب، قال: لأن ذلك مما يشبه.
ويجوز أن يدفع إليه من النفقة ما يرى أنه ينفقه الشهر ونحوه، فإن خيف أن يتلفه قبل تمام الشهر، أو علم ذلك منه فنصف شهر أو جمعة على قدر ما يعلم منه، وإن كان يتلفه قبل ذلك فيوم بيوم.
(وَيُزَكِّي مَالَهُ) قال في المدونة: ويخرج عنه وعن ولده الفطرة، ويضحي عنه وهذا إذا أمن أن يتعقب بأمر من اختلاف الناس. وفيه إشارة إلى ما قاله غير واحد: أنه لا يزكي ماله حتى يرفع إلى السلطان.
كما قال مالك ﵀: إذا وجد في التركة خمرًا لا يريقها إلا بعد الرفع له؛ لئلا يكون حنفيًا يرى جواز التخليل، فيضمنه إن أراقها بغير إذنه، وكذلك الحنفي يرى سقوط الزكاة. قيل: وإنما هذا في البلاد التي يخشى فيها ولاية الحنفي، وأما البلاد التي لا يكون فيها او قل ما يكون فيها فلا معنى للرفع.
[ ٨ / ٥٦٤ ]
ابن عبد السلام: وأيضًا فأبو حنيفة ﵀، إنما يخالف في بعض المحاجير؛ وهم: الصغار، وفي بعض المال؛ وهو: العين؛ أي: فلا يحتاج في غيرهما إلى الرفع.
(وَيَدْفَعُهُ) أيضًا (قِرَاضًا وَبضاعَةً) لأن ذلك من التنمية.
وَلا يَعْمَلُ فِيهِ هُوَ قِرَاضًا عِنْدَ أَشْهَبَ
لأنه كمؤاجر نفسه، وهو لا يجوز له ذلك كما لا يبيع له سلعة لنفسه.
بعض أصحابنا: فإن أخذه على جزء من الربح يشبه قراض مثله أُمْضِيَ كشرائه شيئًا لليتيم.
وَلا يَبيعُ عَلَى الْكِبَارِ إِلا بحَضْرَتِهِمْ
قد تقدم هذا.
وَلا يَقْسِمُ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا اغنِيَاءَ حَتَّى يَاتِيَ السُّلْطَانُ خِلافًا لأَشْهَبَ
قال في المدونة: ولو غاب أحد الأكابر لم يجز قسم الوصي عليه، ولا يَقْسِمُ للغائب إلا الإمام، ويوكل بذلك، ويجعل ما صار له بيد أمين.
وقوله: (وَلا يَقْسِمُ عَلَيْهِمْ) أي: لتمييز حق الصغار، وأما قسمته عليهم فيما بينهم بانفرادهم فلا تجو اتفاقًا.
وقوله: (خِلافًا لأَشْهَبَ) خلاف أشهب خاص بالطعام والعين إذا كان صنفًا واحدًا على ما نقله اللخمي وغيره، وأما غير العين والطعام فلا يقسمه إن كان فيهم كبار غُيَّب إلا بوكالة منهم أو من الإمام، فإن فعل فهو إذا قدم مخير.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنه لو كان الكبار حضورًا لما احتاج الوصي إلى الرفع إلى الحاكم، فإن أراد بذلك تمييز نصيب الصغار على الكبار فلا يبعد، وإن أراد مع ذلك تمييز نصيب الكبار فيما بقي فهو خلاف ما استحسنه في المدونة.
[ ٨ / ٥٦٥ ]
وَمَهْمَا نَازَعَهُ الصَّبيُّ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لأَنَّهُ أَمِينٌ
يعني: إن نازع الصبي الوصي في قدر النفقة فالقول قول الوصي، وعلله بأنه أمين. وهو مقيد بقيدين في المدونة قال فيها: وَيُصَدَّقُ في الإنفاق عليهم إذا كانوا في حجره، ولم يأتِ بسرف.
وظاهر ما في زكاة الفطر من المدونة أنه ال يشترط كونهم في حضانته، لكن الأكثر على اختيار هذا الشرط إلا ما استحسنه اللخمي من أن الأم إذا كانت فقيرة محتاجة ويظهر على الولد أثر النعمة والخير أن الوصي يصدق، وإن لم يكونوا في حِجْرِهِ.
ولعل المصنف ترك القيد الأول؛ لأنه رض النزاع مع الصبي، ولو كان في غير حجره لكان نزاعه إنما هو مع مَنْ هو في حجره، وترك القيد الثاني للإحالة على القواعد؛ إذ كل من قبل قوله فإنما ذلك إذا ادعى ما يشبه، وإذا قلنا: القول قوله فلابد مِنْ حَلِفِهِ. نص عليه مالك وابن القاسم وغيرهما.
واختلف إذا أراد أن يحسب أقل ما يمكن ويسقط الزائد؛ فقال أبو عمران: لا يمين عليه. وقال عياض: لابد منها؛ إذ قد يمكن أقل منه.
بخِلافِ مَا لَوْ نَازَعَهُ فِي تَارِيخِ مَوْتِ الأَبِ، أَوْ فِي دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ فَقَوْلُ الْصَبيِ
أي: فإن القول للصبي، وهذا وإن كان يرجع إلى تكثير النفقةإلا أن الأمانة لم تتناول الزمان المتنازع فيه.
وقوله: (أَوْ فِي دَفْعِ الْمَال) أي: فيكون القول للصبي؛ لأنه قد ادعى الدفع لغير من ائتمنه، خلافًا لابن عبد الحكم. ومنشأ الخلاف هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] هل لئلا تغرموا، أو لئلا تحلفوا؟
[ ٨ / ٥٦٦ ]
وعلى المشهور إذا قلنا لا يقبل قول الوصي، فقال مالك في الوازية: إلا أن يطول زمان ذلك كالثلاثين سنة والعشرين- يقيمون معه، ولا يطلبونه، ولا يسألونه عن شيء، ثم يطلبونه، فإنما عليه اليمين.
ابن رشد: وهو ظاهر قسمة العتبية، ووجهه ظاهر؛ لأن العرف يكذبهم.
وقال ابن زرب: إذا قام بعد عشر سنين، أو ثمانٍ، لم يكن له قبله إلا اليمين.
ابن عبد السلام: ومال ابن رشد إلى القول الأول.
خليل: وينبغي أن ينظر إلى قرائن الأحوال، وذلك يختلف، والله سبحانه أعلم.
* * *
[ ٨ / ٥٦٧ ]