من كتاب الذب عن مذهب الإمام مالك
[ ٢ / ٦١١ ]
[] عبد الله بن محمد بن عبد الـ[ـله بن محمد] [] [ـاري] المالـ[ـكي]، عارضته بكتا [ب الشيخ]، فصح محمد القيروا [ني].
الجزء الثالث من كتاب الذب عن مذاهب مالك بن أنس في غير شيء من أصوله وبعض مسائل من فروعه وكشف ما لبس به بعض أهل الخلاف وما جهله من مخارج الأسلاف.
تأليف أبي محمد عبد الله بن أبي زيد ﵁.
سماع لمحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأندلسي.
لمحمد بن عتاب نفعه الله به آمين
[ ٢ / ٦١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
باب أقل ما يكون صداقا
قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك في الصداق: إنه لا يكون أقل من ربع دينار.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وقال: ﴿فأتوهن أجورهن﴾، وقال تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾، وبقوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، ولم يحد قليلا من كثير، وأجاز النبي ﷺ النكاح على نعلين، وعلى خاتم من حديد، ولم تجتمع الأمة على حد ولا يقصر دونه.
فلما كان هذا جاز أن يكون صداقا، كل ما تراضيا مما له نصف، لقوله سبحانه ﴿فنصف ما فرضتم﴾.
[ ٢ / ٦١٤ ]
فالجواب عن ذلك: أن ما احتج به من هذه الآيات، نحن أسعد بالتعليق بها، إذ جعلنا الصداق المذكور والنحلة والفريضة، التي أباح الله بها الفرج، الذي عظم أن يباح بغير صداق، أن تكون الآيات المتلوات مصورفة إلى ما له بال من الأموال، بقوله سبحانه: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ فجعل الصداق يفرق بين النكاح والسفاح، وقال في الموهوبة: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾.
فإذا كان أقل ما يستباح به الفرج حق لله لا يجوز للمرأة أن ترضى بإباحة نفسها بغيره، وجب علينا حياطة هذا الفرج المحرم الا يباح إلا بيقين.
والآيات المتلوات متحملة لما قلنا، ونحن أولى في الاحتمال لما تأولنا ممن خالفنا، إذ صرف ذلك إلى كل شيء، فلما رأينا كل شيء منه ما يقل ويحتقر مما لا يعجز عنه عاجز، علمنا أن المراد من الصداق شيء له بال.
وقد جعل الله سبحانه الصداق مما فرق به بين الموهوبة والزانية وبين الزوجة، وفرق بين النكاح وبين الزني، بأن الزني يستتر به، والنكاح يعلن به، والزانية تبذل نفسها والنكاح تولي من يزوجها والزانية تبيح نفسها بغير شيء، وبما يقل ويكثر، فلابد أن يكون إباحة النكاح بصداق تخرج به عن حكم الزانية والموهوبة.
[ ٢ / ٦١٥ ]
واختلف الناس في حد ذلك، للاحتمال الظاهر، فلما حد بعضهم حدا لا يرجع به إلى أصل، كمن حد درهما وسوطا ونحوه، كان من حد حدا رجع به إلى اصل أولى.
فإن قلت: لا أحد في مقداره حدا إلا ما له نصف، قلنا: فإنا نجد شيئا لا قيمة له وله نصف مثل الحبة أو فلقة العود وسواك من اراك، هذا وقد جاء الوعيد فيمن اقتطع سواكا من أراك من مال أخيه بيمينه، او من غل من المغنم خيطا أو مخيطا، وأخبر الله ان حبة خردل يحاسب بها، فدل أنها لا يجب ان يؤخذ من صاحبها إلا بطيب نفس منه.
[ ٢ / ٦١٦ ]
فإن أبحت النكاح بحبة الخردل وفلقة العود والورقة والتبنة، لم يكن بينك وبين من أباح النكاح بغير صداق فرق، إذ لا يعجز عن هذا عاجز أن يرفعه من الأرض فيملكه، ثم يعطيه إياها فترضى به.
فإما أن تقيم فرقا بين الزني وبين النكاح يعلم ويفهم، فيقصر الصداق على حد معلوم، ولا تحد في ذلك حدا ترجع به إلى أصل، كما رجعنا نحن – بما حددنا فيه – إلى أصل، إذ كان لابد لنا أن نبيح الفروج إلا بما له بال، مما دل عليه ظاهر الخطاب.
ولو كان مثل الحبة والنواة وورقة البقل يكون صداقا، ما جاز لأحد نكاح الإماء، وكان كل أحد واجدا للطول فكان ذلك دليلا أنه لا يكون الصداق كل ما قدر عليه.
ثم رأينا الذين تركوا أن يحدوا في الصداق حدا، فيدوا ذلك بأن يكن متمولا له قيمة، فصار خروجه عن حد القليل اتفاقا.
فلما حصل خروجه عن اليسير التافه كان الرجوع إلى ما ليس بتافه، ومما له بال من الأموال، بأصل يرجع إلى أولى، إذ كان ذلك مقدارا منصوصا عليه، له من الحرمة ما قطعت به اليد.
[ ٢ / ٦١٧ ]
فلما كان أقل ما له حرمة، وجب أن يكون مثله أقل ما يكون صداقا، وأن يستباح بما له حرمة من الأموال أولى أن يستباح بما لا حرمة له.
ولما لم يكن لها أن تبح نفسها بغير شيء كان أقل الصداق من حقوق الله، وإنما يتراضي الزوجان فيما يجاوز ذلك، فتكثر الزيادة عليه أو تقل بمرضاتهما، ودل أن بعد ذلك مرتبة هي حق الله، لا يجوز لأحدهما النزول عنها، فلابد من الاستدلال على حد ذلك ضرورة، وإلا لزمك أن تقول إن [الاختيار] لهما في قلته وكثرته وتركه أجمع.
فلما لم يكن لهذا قائل، دل أن ثم حالة لا صنع لهما في التخلف عنها، فلابد من الاجتهاد في حدها.
فلما تفاحش أن يكون الحد في ذلك الشيء لا بال له ولا حرمة له ولا يعجز عنه عاجز، استدللنا على ما له البال والحرمة، فأصبنا ربع دينار دل القرآن أنه مما له بال وحرمة من الأموال، إذ أباح به قطع اليد في السرقة فكان ذلك بكتاب الله وسنة رسوله المبين عن الله مقدار ما له البال مما تقطع فيه اليد، ولولا ذلك لكنا – على ظاهر الآية – نقطع في الحبة من الخردل والشعيرة.
[ ٢ / ٦١٨ ]
فلما دلنا ﵇ أن المقصود بالقطع في الشيء الذي له البال بما حد من ربع دينار، كان ذلك أدل دليل لنا على ما أجمل الله لنا من آية الصداق، كما أن ما نص عليه الرسول من مكيال كفارة الأذى أنه مدان لكل مسكين، دليل على ما أجمل الله من إطعام الظهار لكل مسكين.
وكذلك نصه على رقبة مؤمنة في القتل، يغني عما أبهم من عتق الظهار، ولا وحشة علينا في قود أصلنا في القياس الذي تأباه.
ثم لم نعلم ولا سمعنا في الآثار عن النبي ﷺ، وعن أصحابه، أن أحدا منهم تزوج على أقل من وزن نواة من ذهب.
وهو حديث عبد الرحمن بن عوف، حين قال له ﵇: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب، وذلك نحو ربع دينار، وإن كان قد اختلف في تقديرها.
[ ٢ / ٦١٩ ]
وحديث النعلين لا يعلم به التوقيت، إذ النعلان قد يجاوزان ذلك، وكذلك الختم الحديد.
وإذا أباح الله تعالى ورسوله ﵇ زوال عضوها بسرقة ربع دينار، لم ينبغ أن يستباح فرجها من الصداق بأقل من ذلك، والله أعلم.
واحتج هذا الرجل بحديث رواه عاصم بن عبيد اللهن في التي تزوجت على نعلين، فقال النبي ﵇: أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين؟
وهذا إذا ثبت لا حجة لك فيه، وإن كان عاصم بن عبيد الله قد تكلم فيه، وهذا إذا صح لم يكن أسعد به منا، إذ ليس فيه ذكر لقيمة النعلين.
واحتج غير الرجل بما روي عن النبي ﵇، قيل: ما العلائق؟ قال: ما تراضي عليه الأهلون، فهذا حديث واه، لا حجة في ظاهره لو ثبت.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فأما وَهْيُ الرواية فرواية الحجاج بن أرطاة له، ورواه أيضا عن ابن المغيرة رجل مجهول عن ابن البيلماني وابن البيلماني لم يسمع من النبي ﷺ شيئا.
ولو ثبت للزم من تعلق به أن يجيز النكاح، إذا تراضيا على حبة خردل وتبنة وحصاة ما لا بال له، لما تقدم دليلنا عليها، وأن الأصول تدفع هذا وليس ما يتراضيان، عليه يجب أن يكون عاما، أرأيت إن تراضيا على ما لا يجوز به الرضا؟
فالمقصود إذا تراضيا على ما دل على مقداره الكتاب والسنة، مما يخرج من الهبة والسفاح.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وكذلك حديث الحارث بن نبهان عن أبي هارون العبدي، عن الخدري عن النبي ﵇" لا يضر أحدكم إذا تزوج بقليل أو كثير، إذا تراضيتم وأشهدتم، احتج به غير هذا الرجل، فأردت ذكر ما احتج به غيره من أهل سعة الرواية والاستقصاء.
وهذا حديث لا يعتمد عليه، لأن رواية الحارث وأبي هارون عند أهل الحديث لا يحتج بها.
ثم هذا من ذلك المعنى أنه لا توقيت فيه، وذلك مصروف إلى ما دلت عليه الأصول من التوقيت الذي لابد منه وإنما هذا إباحة للتقليل والتكثير.
ولكن للقليل نهاية لا يجوز دونها، لا علم عليها ولا دليل إلا من غير الحديث، هذا ولو كان ثابتا.
وحديث آخر: من استحل بدرهم فقد استحل، قال أهل الحديث: هو حديث منكر لا يصح.
فإن احتج غيره بحديث مالك، في التي وهبت نفسها للنبي ﵇، فلم يرجع إليها شيئا، وسأله رجل تزويجه إياها، فقال هل معك من شيء تصدقها إياه فقال: لا
[ ٢ / ٦٢٢ ]
إلا إزاري هذا، قال: إنك إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا فقال: هل معك من القرآن شيْ؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، قال قد زوجتكها بما معك من القرآن.
فهذا حديث من أنكر أنه خصوص في أكثر نصه فقد كابر.
من ذلك أنها وهب نفسها للنبي ﵇ فهذا خاص.
ومنها أنه ﵇ زوجها، ولم يظهر لنا أنه سألها هل تحب نكاح غيره ﵇، ومنها أنه زوجها ﵇ ولم يستأمرها.
ومنها أنه لم يسلها في الحديث هل رضيت بذلك الرجل، أو بالنكاح، بما معه من القرآن أو لم ترض، ومنها أنه لم يسألها هل تعلم تلك السورتين أولا تعلمها. فكان ظاهره أني زوجتكها لأن معك قرآنا، بقوله: (بما معك منه)، إذ لم يأمره أن يعلمها إياهما.
ومن ادعى أن المعنى في كل ما ذكرنا شيئا يذكره ليس في نصه، كان ما يدعيه ظنا يظنه، ليس في ظاهر الحديث.
وأجمعوا أن لا يجوز أن يتزوج امرأةً رجلٌ بما معه من القرآن.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وإنما قال من تقلد تأويل هذا: إنما يجوز على أن يعلمها، وهذا فخارج من لفظ الحديث ومن معناه، وليس في الحديث أنه أمره أن يعلمها تلك السورة، ولا هي لتلك السور حافظة أم لا، ولو كان ذلك على أن التعليم لها للسورة صداقها، لكان إنما يعلمها ما لا تعلمه، وهذا غير معلوم من الحديث.
وفي الحديث أنه لم يبح له النكاح بخاتم الحديد، إن كان تقل قيمته – كما يتأول مخالفنا – حتى لم يجد شيئا، ومن خالفنا يبيح للموسر النكاح بذلك، هذا لو كان الخاتم خاتم الحديد، لا تكون قيمته إلا أقل من ربع دينار.
وكذلك لم يذكر أنه زوجها بقرآن من الرجل حتى لم يجد الرجل شيئا، ولا خاتم حديد، ومن خالفنا يجيز كذلك للغني، وهذا خلاف ظاهر الحديث.
وليس في ظاهره أيضا تعليم السور، وإنما ظاهره أنه زوجه إياها لما معه من القرآن.
فظواهر الحديث كله ناطقة بالخصوص، ولو كان الأمر من قول النبي ﵇: التمس ولو خاتما من حديد، مصروفا إلى تقليل قيمة الصداق، لاحتمل أن يكون ضرب بذلك مثلا للتقليل لا على الاقتصار على ما ذكر، كما قال في الأمة تزني
[ ٢ / ٦٢٤ ]
فتجلد، فقال في الثالثة أو الرابعة: بيعوها ولو بضفير، ولم يرد أنها تبدل فتباع بحبل، ولكن ذكره مثلا للقليل.
ولو احتمل عند مخالفي التحديد لزمه أن يجعله حدا، لا يجيز النكاح بأقل من قيمة خاتم حديد، وهذا وقد يكون الخاتم حديد يجاوز ثمنه ربع دينار، فليس في الحديث عند التأمل بالإنصاف حجة لمخالفنا، إلا أن يريد منا أن يجعل تأويله حجة، ويمنعنا من تأويل مثله [] من ظاهر فيه، يدل على صحة قولنا.
ومن قال: النكاح بكل ما تراضينا به، لم يصح هذا، إذ قد يتراضيان بما لا بال له.
فإن قلت: بما له قيمة وبال، صرت إلى تحديد شيء ضرورة لا ترجع بـ[ـه] إلى أصل.
فإن قلت: إنك لا تقول بالقياس، فترد ذلك إلى أصل، قيل لك: فألزم نفسك ما أصلت: أن الفروج في الأصل محرمة، فلا تستباح إلا بما لا شك فيه، إذ لم يأت في الصداق توقيت يرجع إليه نصا، وقامت الأدلة أن لابد فيه من توقيت، ليخرج عن الموهوبة، وأن لا تجعل ما لا بال له صداقا.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
ومن قال بالقياس لزمه ألا يحد حدا إلا أن يرجع به إلى أصل، فيكون ذلك اولى ممن يحد بغير أصل.
ولما امتنع كل من خالفنا من إجازة النكاح بالحبة والورقة وما لا بال له مما له نصف، ورجعوا إلى توقيت فوق هذا، كنا بالتوقيت بأصل رجعنا إليه أولى أن يكون قولنا أصح، ولما في ذلك من تحصين الفروج بما لا إشكال فيه، لما عظم الله من أمرها.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وليس تشبيهنا ذلك بالمقدار الذي نص الله على قطع اليد فيه ببعيد، لاشتباهه به في غير وجه مما يشبه ما اختلفنا فيه.
منها: أنا استدللنا أنه مقدار له بال وحرمة.
ومنها أنه مقدار استبيح به عضو في البدن، وانتهكت به حرمته، فأشبه عندنا أن هذا المقدار المنصوص يستباح به في النكاح معـ[ـني] في البدن، لم ينص على مقداره، وليس لأن هذا مطيع وهذا عاص يمنعنا من التشبيه في ذلك، والغاصب للمرأة عاص وعليه الصداق كهو، مثل المطيع الناكح، قياسا على حكمه في النكاح الحلال.
فإن قيل: فإلا رددت ذلك إلى دية اليد، قلت: هذا فاسد لغير وجه.
منها: أنه لم يرد إلى هذا التشبيه احد، والإجماع يمنع من ذلك.
ومنها / أن النكاح يحتاج إلىه الموسر والمعسر، فلابد أن يجري فيه الأمر على ما فيه صلح الجميع، وقد علم أن إباحة النكاح رحمة ورفقا ونعمة، فلا ينصرف إلى دية اليد فيما دل عليه القرآن من أنه رحمة عم بها عباده.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وهذا الذي قلنا قاله اكابر من علماء السلف، أنه لا يكون الصداق بما لا حرمة له ولا بال.
أخبرنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي: قال: نا ابن شاذان قال: انا معلي عن هشيم قال: أنا مغيره، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر كأجور البغايا، أن تنكح المرأة بالدرهم والدرهين.
قال وأنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم مثله.
وقوله: كانوا يكرهون يدل أنه من فوقه من الصحابة وأكابر التابعين.
وقوله: والدرهمين، يدل أنهم لا يكرهون الثلاثة.
قال ابن شاذان: نا معلى، قال: أنا يزيد بن زريع، قال أنا صالح بن مسلم سألت الشعبي عن الرجل يتزوج المرأة بدرهم، قال: لا يصلح إلا بثوب أو شيء.
ومن روى ان إبراهيم استحب النكاح بعشرين وأربعين، فهذا من باب الاستحباب غير مرجوع به إلى أصل.
وقوله عن سلفه: كانوا يكرهون النكاح على الدرهمين، أبين فيما ينهى عنه وأولى، لأن ثلاثة دراهم يرجع بها إلى أصل كما ذكرنا.
وما ذكر هذا الرجل عن إبراهيم ما تراضوا عليه فهذا الذي حكينا عن إبراهيم خلافه، هذا وروايته ذلك عن أبي معشر والرواية التي ذكرنا أثبت، وما روى إبراهيم عن سلفه أيضا.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وأما روايته عن الحسن: ما ترضوا عليه، فقد روينا خلافه.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن الجهم، قال: أنا ابن شاذان قال أنا معلى قال: أنا يزيد، قال أنا ابن عون، قال / قلت للحسن ما أدنى، أو ما أهون ما يتزوج عليه الرجل المرأة؟ قال: وزن نواة من ذهب.
وكذلك روى مالك أن عبد الرحمن بن عوف تزوج على وزن نواة من ذهب، واعلم بذلك النبي ﵇، وقد روي أن النواة التي تزوج بها قومت ثلاثة دراهم وربع.
قال محمد بن الجهم، نا ابن شاذان، عن ابي معاوية قال: أنا حجاج، عن قتادة عن أنس، قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن [نواة مـ]ـن ذهب، قومت ثلاثة دراهم وربع.
فهذا صداق [علمه النبي عليه السـ]ـلام.
وقد قيل في وزن النواة خمسة دراهم، ولعل النواة منها ما يصغر ويكبر، ومحال أن يقوم بثلاثة دراهم وربع، ووزنها خمسة دراهم فهذا يدل أن النواة مختلفة المقادير.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
قال محمد بن عبد الحكم: ثم لا يحفظ أن أحدًا من الصحابة تزوج على أقل من نواة من ذهب.
وكر هذا الرجل أنه لا يعلم أحدًا سبق مالكا إلى هذا من أهل المدينة، ولا من غيرهم، فليس جهله بمن قال ذلك من السلف حجة، وقد ذكرنا بعض من قال ذلك من السلف، وما عضد ذلك من الكتاب والسنة والاستدلال.
وما حكي عن ابن أبي ذئب أنه لا يعلم من قال ذلك من أهل المدينة غير مالك، فقد يعلم ذلك غيره من نظرائه هذا إن صح عن ابن أبي ذئب، ولم يحك ابن أبي ذئب في ذلك توقيتا يرجع به إلى أصل، وعلم مالك أنه لابد من توقيت، فأخذ بأقل ما بلغه عن السلف من نكاح عبد الرحمن، الذي أخبر به النبي ﵇ فاقتصر على ذلك مع الاستدلال عليه وقول من ذكرناه من السلف.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وقوله عنه: إنه أخذ ذلك من قول أبي حنيفة، إذ لا يجيزه إلا بما تقطع اليد فيه، فلعمري لقد وافق أبو حنيفة مالكا في هذا، ولهما في هذا سلف، وأما أن يأخذ مالك قوله من رأي أبي حنيفة فهذا بعيد، وكان بعيدًا من الأخذ عن الكوفيين الحديث، فكيف برأي أبي حنيفة، قال مالك: لم يأخذ أولونا عن أوليهم، فكذلك آخرونا، وهذا مما لم يكن لذكرك إياه وجه.
وأما قوله: إن مالكا قال: إن تزوج بأقـ[ـل] من ربع دينار إنه لا ينعقد، إلا أن يتم لها ثلاثة، وإن طلقها قبل البنـ[ـاء] فلها نصف ما سمى، وقد ألزمه، فيها الطلاق، وهو لم يجعله صداقا، ولا النكاح منعقد، وأباح لها أن تنكح غيره، إذا لم يكمل لها ثلاثة دراهم، فكيف يقع الطلاق في نكاح لم ينعقد؟ وأن لها أن تنكح إن لم يتم لها ثلاثة دراهم.
وما ذكرته عن مالك ليس بقول مالك، أو لعلك رأيت قوله فظننت أن ما حكيت مثله، أو قبلته ممن عنده من التحامل والجهل ما حرف به القول.
وإنما قول مالك أنه نكاح انعقد بشبهة، للاختلاف فيه، فلا يفسخ إلا بقضية أو برضى الزوج بالفسخ دون السلطان، فلذلك ألزم فيه الطلاق وجعل فسخه بطلاق للشبهة التي في صداقه بالاختلاف، وإذ لو حكم حاكم بإجازته لم ينقض حكمه.
وقوله: إذا طلق وقد نكح بدرهمين فلها درهم، فهذا قول ابن القاسم، وإنما قال
[ ٢ / ٦٣١ ]
ذلك فلأن الزوج لم يرض بأكثر من درهمين، فيؤخذ منه أكثر منهما، ولم يقره على النكاح للدلائل التي ذكرنا، وقام عنده مقام الشبهة، وهذا باب من الاحتياط غير مستنكر.
وأما رواية ابن القاسم: إنه إن لم يتم لها ثلاثة دراهم فسخ، وإن أتمها ثبت، فقد اختلف في ذلك أصحاب مالك.
فوجه رواية ابن القاسم فلأنه لا يبقى نكاحا بأقل مما دلت عليه الأدلة من الصداق، وأجازه إذا تم ذلك، لأنه لو نكح بتفويض فرضيت بما لا يكون صداقا لقلته لم يجز حتى يتم لها ذلك، فإن طلقها قبل البناء فلها المتعة، ولو دخل يجبر على تمامه، هذه رواية ابن القاسم.
وذكر عبد الملك في النكاح على درهمين، أن ذلك كالنكاح بما لا يصح من الصداق، فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويكون لها صداق المثل.
وكل محتمل لأن ما دل القرآن عليه من نكاح التفويض إذا بذل أقل من صداق المثل فلم ترض به فسخ النكاح، وإن أتمه مضى ذلك، وإن دخل أجبر على تمام صداق، المثل إن كان لم يفرض شيئا.
فأقام ابن القاسم ثلاثة دراهم مقام صداق المثل، لما في النكاح بدرهمين من الاختلاف وهذا وجه من الاستحسان وهو التوسط في القول عند تعلق الشيوخ بغير أصل واحد في التشبيه، وهذا غير بعيد.
ومن أقامه مقام الفساد في الصداق، أجازه بعد البناء، وأوجب عليه صداق المثل، بالبناء، وكل محتمل للنظر، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
باب وطء الصغير للكبيرة
قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك: إن الصغير إذا وطيء كبيرة وهي طائعة إنه لأحد عليها، وتلا ما أوجب الله سبحانه على الزانية.
قال في خطل له أرغب عن حكايته ما الفرق بين كبير وطيء صغيرة فصار بوطئه إياها زانيا يحد وإن لم تكن هي بوطئه زانية، وبين صغير وطيء كبيرة لم لا كانت هي بذلك زانية وإن لم يكن هو بذلك زانيا؟
فإنا نقول لهذا الرجل: ألزمتنا القياس وهو باطل عندك، ثم كلفتنا أن نقيس شيئا على ما لا يشبهه.
وذلك أن الرجل الكبير إنما سميناه زانيا بفعله، لا بفعل غيره فيه، وسميناه أيضا زاينا بفعله فيمن معها آلة الوطيء متكاملة له، فيكون فعله بها يلزمه، بذلك أحكام ويوجب عليه أحكاما.
فمن ذلك أن وطأه إياها يوجب عليه الحد، ويوجب عليه في النكاح والغصب الصداق، ويحلها بالنكاح لزوج كان طلقها ثلاثا، ويوجب أن يكون هو بذلك محصنا.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وذلك أن آلة الوطء منها لواطئها متكاملة، لا يزيد فيه بلوغها على الواطيء لها معنى من الأحكام ولا ينقصه.
ورأينا الصغير يطأ الكبيرة ليس متكامل الفعل فيها كما تكاملت آلات الوطء من الصغيرة مع الكبير فكان الصغير لا يحصنها وطؤه، ولا يحلها لزوج كان أبتها، ولا يوجب لها صداقا في نكاح ولا غصب، ولا يوجب عليها عدة وليس هي له في النكاح بفراش يوجب عليه لحوق الولد به، ولا إيجاب الصداق، ولا إحصان الموطأة ولا إحلالها
فدل رفع أحكام فراشه في نكاحه من هذه الأحكام على رفع الحد عنها بوطئه في غير نكاح، ومعنى آخر: أن الصبي فمعدوم القصد، فلا يصح منه الزنى، فقام ذكره مقام الأصبع في أحكام الوطء وكذلك قال النخعي ويحيى بن سعيد: إنه مثل الأصبع في عدد من التابعين.
ولما كان فعل الصبي فيها بذكره لا يوجب من هذه الأحكام شيئا، دل ذلك أن فعله ذلك فيها بغير نكاح لا يوجب حكم الوطء بغير نكاح من تسميتها بذلك زانية، حتى ترجم هي بذلك، أو تجلد، أو يسقط الحد بذلك عن قاذفها، وصار الفعل الموجب لما ذكرنا - من أحكام الوطء الحلال وغير الحلال - غير موجود من الصبي، وصار إدخال ذكره في فرجها، كإصبع استدخل في فرجها فأوجب لها لذة أو لم يوجبها، فتأمل مخارج الأصول قبل النكير.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وقد قال الله سبحانه: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ فلم يكن عقد النكاح ها هنا محلا، لها حتى يكون نكاحا فيه الوطء المتكامل فلما لم يكن وطء الصغيرة متكاملا منه حتى صار لا يحلها فكذلك لا تكون به زانية.
ولو كانت العلة في إحلالها وكونها زانية باستدخال كل ما ينزلها وتلذ هي به للزمها اسم الزني باستدخالها لإصبع صغير أو كبير حتى تنزل بذلك، وكان يحلها ذلك فبطل هذا الوجه، وصح ألا تكون موطأة توجب عليها اسم الزنى إلا بتكامل أوصاف الوطء من واطئها.
ودل الكتاب والسنة أن وطء الصبي غير متكامل في نفسه، ولا فيما يؤثر في الموطأة من إيجاب صداق وإحلال وإحصان، فيه ولا فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ وقال في اللعان: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ فدل الرسول ﵇ أن العذاب في المحصنة الرجم، وقال سبحانه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ فأخبر أن المسيس يوجب جميع الصداق، وقال في التي لم يدخل بها: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
فلما كان الصبي إذا وطئ زوجته، ثم زالت عن عصمته بقضية أو بمبارأة الأب عنه - على قول من يرى ذلك - أو لم يطأها بعد ذلك حتى بلغ وطلقها لم يكن عليها بذلك الوطء عدة، ولا على الزوج به جميع الصداق، دل أن ذلك المسيس لم يوجب أحكام المسيس المنصوص.
وإذا لم يوجب لها حكم المسيس في الصداق والعدة، كان أبعد أن يوجب عليها مثل ذلك المسيس حد الزني، وهذا أعظم وإذا لم يجب الأدنى من الأحكام به كان الأعظم أولى ألا يجب.
فإن كان مسيسا فأوجب به ما نص من الأحكام للمسيس، وإن لم يكن مسيسا فارفع عنها فيه جميع أحكام المسيس.
فلما لم يوجب وطؤه فيها ولها من الإحلال والإحصان والصداق والعدة ما يوجبه وطء الكبير، دل ذلك أنه لا يوجب فيها الحد، لنقان وطئه عن مراتب أحكام وطء الكبير، فلم يجب أن تسمي هي بوطئه زانية لهذه العلل، ووجب أن يسمى الكبير زانيا بوطء الصغيرة، لتكامل أحكام وطئه، فإنه هو بوطئه للصغيرة محصن بإجماع، وأن عليه به الصداق وسائر ما يلزم بوطئها من الأحكام.
والتي يطؤها الصبي لا تؤثر فيه إحلالا ولا إحصانا، ولا يوجب لها صداقا، فلما ارتفع هذا الوطء من الصغير أن يكون وطءا متكاملا في هذه الأحكام، وجب أن لا يلزمها به اسمها زانية.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
واسم الزنى آكد حكما من هذه الأشياء في أنه لا يجب ويجب حكمه إلا بما لا ريب فيه ولا شبهة إذ الحدود في الأصل مدروءة بالشبهات.
فهذا أولى ألا يقام بمشكلات الأمور والشبهات ولا تقام الحدود إلا بتكامل أوصاف الوطء ومعانيه.
وهذا ظاهر كتاب الله وسنة نبيه ينبئك عن نقصان مرتبة فعل الصبي في الوطء للكبيرة، وينبئك بتمام ما يؤثر الوطء للصغيرة في الكبير، وإن بعد ما بينهما لمكشوف في الافتراق، لا يرد إلا بمكابرة أو تقصير إدراك، والمساوي بين هذين - على بعد ما بينهما - أولى أن يكون قد جمع ما لا يجتمع، وشبه ما لا يشتبه في نظر، ولا يستقيم في عقل ولا أتى به أثر، كما رميت مالكا.
وليس في المجازاة لك على سوء المقابلة منك لمثل مالك شفاء، وإن لمن اراد الله بنكير ذلك عزاء فيما يرجو من ثواب الله في تحامل الغامطين وتعدي المتكلفين، وبالله نستعين على تأييده وتوفيقه.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
باب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحد
قال: وهو يرفع الحد عن قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زني.
قال: وهذا تناقض. مع ما ضم إلى هذا من لغوه وفضول كلامه.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ قال: فإن وجب الحد على القاذف لأنه ممن أمر ونهي، فأوجبه في قذف المجنونة، وإن كان لأن المقذوفة في حال القذف كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وإنما قال مالك، ﵀، بحد قاذف الصغيرة، يعني: التي يوطأ مثلها، وإن كان
[ ٢ / ٦٣٨ ]
لم يفسر ذلك هذا الرجل.
وذلك لأن معرة القذف بذلك تلحقها وتعرها، ولا يعر ذلك الصبي الصغير، وإن كان ليس بزنى منه ولا منها، إلا أن وطء الصبي ليس بوطء منه، ولا في الموطأة، ولا يوجب حكما.
والواطيء في الصبية يؤثر الحد في واطئها، ويوجب الصداق والإحلال، ويمكن معه الولد منهما للمراهقة للبلوغ، لاختلاف الأسنان في البلوغ، فهو ممكن منها، والعدة منه واجبة فهو في الأنثى أقوى، والمعرة به لها ألصق من الذكر.
وأصل ما جعل الله سبحانه على القاذف لما يلحق معرة القذف بالقذوف والله أعلم. ولا يشك أحد أن المصيبة دون البلوغ تلحقها بذكل معرة غير قليلة، فدخلت مدخل من تحلقه معرة القذف، والله أعلم.
ولو كانت علة ما وجب بالقذف أن يكون المقذوف ممن يلحقه بالفعل اسم الزني، دون أن تكون معرة ذلك لاحقة به، لكان قاذف المحدودة في الزنى يحد، لأنه رمي من يلحق به اسم الزنى، فلا يحد حتى يرمي عفيفة، يعرها ما رميت به من الزني، وذلك لا يعر التي زنت فالحد لمعرة القذف.
وأما ما اتحج به من قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فهن الحرائر المسلمات العفائف.
وقوله: إن مالكا يقول: لا حد على قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زنى، فالذي عندنا عن مالك أنه قال: يحد قاذفها، وإنما قال ذلك لما يلحقها من
[ ٢ / ٦٣٩ ]
معرة القذف والوطء ممكن فيها.
وقولك: فإن وجب الحد على القاذف لأنه مأمور ومنهي، فأوجبه في قذف المجنونة، فقد أوجبناه، وبطـ[ـل ما] تعلقت به من المناقضة، وإلزامك فيه [اختلال] لو حتى سلمنا لك ما ذكرت لكان قولك: لأنه ممن أمر ونهي إنما يحسن معه الإلزام، فأوجب الحد في قذفه للأمة والنصرانية، والمجوسية لأنه مأمور [ألا يقذفهن] ولا غيرهن.
وقولك: وإن كان لأن المقذوفة حال [القذف] كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة، فهذا فيه إحالة، وإنما الذي يحسن أن يقال: فإن كان لأن المقذوفة في حال القذف ليست كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وبعد فلو كانت المجنونة حدث بها الجنون لكان الحد منها أبين شيء، لأنها قد أخذها زمان تكون به لو زنت زانية، ولو حتى قال: أردت في جنونك لم يصدق، وكان أدنى منازله التعريض.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ولو حتى كانت لم تزل مجنونة منذ بلغت فكانت هذه لا تسمى بزناها زانية، لزوال القصد منها في وقت من الأوقات، فقد قال بعض أصحابنا، إن مثل هذه لا حد على قاذفها، وهي مع هذا الوصف تخالف معنى الصبية المراهقة، إذ الحمل من هذه ممكن، وما ظهر بها من ولد فبزوجها لاحق.
وإن كان ذلك منها ممكن متخوف، كان اسم الزنى بفعلها مثل ذلك، إذا صح ذلك، من حمل وبلوغ يخفي منها، وربما أظهره حمل يحدث منها قبل أن يعلم منها ظاهر بلوغ، فكانت لهذه الوجوه متأكدة الحال في معرقة القذف فقوي بذلك إيجاب الحد على قاذفها.
ومما يقوي معرةا لوطء في الصغيرة التي مثلها يوطأ: أنها يجب عليها العدة بذلك الوطء من زوج، أو الاستبراء من زنى الزاني بها، وأن الحمل منها ممكن إذا كانت توطؤ مثلها.
ويلزمك أن لو قذفت - وهي قد أنبتت وراهقت - ألا حد على قاذفها، ومعرة الوطء فيها حيئنذ أقوي معرة تلحق [بها بالقذف].
وقد ضرب رسول الله ﷺ الذين رموا عائشة ﵂، بالإفك، وهي إذ ذاك بنت ثلاثة عشرة سنة، قد أوفتها، والله أعلم هل بلغت المحيض حينئذ أم لا، وما
[ ٢ / ٦٤١ ]
تسمعنا بذكر ذلك في حديث الإفك، وسنها حينئذ إلى الصغر ما هو محتمل للبلوغ وغيره.
وقول النبي ﷺ لها: إن كنت أحدثت فتوبي، محتمل أن يأمرها بالتوبة وهي مراهقة كما تؤمر بالصلاة والله أعلم بذلك.
وإنه ليلزمك أن من رمى زوجته المراهقة بالزنى أن لا يلتعن لأنه عندك لا يحد بنكوله، ولا يكون منها ولد عندك فتنفيه، والأخبار تدل على خلاف هذا.
وإذا كان يلاعن على ظاهر القرآن، فلا يخرج اللعان من أن يكون لنفي ما ينفي من ولد، وليدرأ عن نفسه حد القذف، فإذا كانت عندك لاحد في قذفها ولا ينفي منها ولد، فلا معنى للعان منها.
فإن قلت: لأن الحمل منها ممكن، فينفي باللعان ما يمكن من ولد إن كان، لا لأن الحد يجب عليه برميها. قيل لك: فأوقف اللعان حتى يظهر الحمل، فإذا ظهر الحمل فاجعل له نفيه، وكيف ينفيه وهو مقيم على وطئها، ولم يظهر منها محيض يكون به استبراء لرحمها، وهو لا
[ ٢ / ٦٤٢ ]
يدعي استبراء، فلما كان اللعان فيها لا يتأخر عندك فكذلك لا يتأخر الحد عن قاذفها، لأن الحمل منها ممكن، ولأن الوطء منها ممكن، وقد تحمل عند أوائل البلوغ قبل ظهور الحيض عليها، فهذا كله يقوي إيجاب الحد على قاذفها، مع معرة القذف فيها، كمعرة الكبيرة، والصغير الذكر بخلاف ذلك كله
[ ٢ / ٦٤٣ ]
باب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلال
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في الصبي يولد فلا يستهل إنه [لا يجب له حكم] في الميراث له [ومنه] والصللاة عليه وغير ذلك.
وحرف ما حكى فيه عن مالك، فقال: إن مالكا قال: إذا اقام الصبي يوما ويومين يرضع ويعطس ويبول ويتحرك، إنه لا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا. قال وهذا خلاف كتاب الله لأنه حي بما ظهر من تحركه وعطاسه، ورضاعه، والحركة معدومة من الموتى، وكيف يشرب اللبن ميت؟
أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق أيكون ميتا؟ وقد نجد من لم ينطق ولا ينطق يأكل ويشرب. فجمع هذا الرجل في عبارته إحالة في القول وخطأ في العلة التي جعلها دليلا، وباطلا من القول إذ أصرف معنى الصراخ إلى النطق والكلام.
ولم يقل مالك ولا غيره: إن النطق دليل الحياة، فيحتج عليه بأن يقول: أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق، فهذا من الباطل.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
ومن هذا الذي زعم له أن لا يكون حيا متكامل الحياة حتى ينطق؟ هذا ما لا خفاء به، والصراخ فيه اختلفنا لا في الكلام، وكل أخرس فله صراخ وصوت ما.
وأما الاستحالة فيما أدخل وحكى عن مالك، مما حرف فيه القول مع الاستحالة، فقوله عن مالك: إنه قال: إن اقام يومين يرضع ويعطس أنه لا يرث ولا يورث بذلك، فهذا - مع ما فيه من الاستحالة - غير موجود، أن يقيم يومين أو ثلاثة يرضع ولا يسمع له صوت يقل أو يكثر خفي أو غير خفي، هذا باطل غير موجود.
وأما قوله: يعطس ويتحرك ويبول، فهذه الأشياء لو كانت دليل الحياة لكان []، وذلك أن الميت يبول، لأن ذلك يكثر من استرخاء المواسك.
وأما الحركة، فلا خلاف أنه متحرك في البطن قبل خروجه، فاعمل على أن له بها حكم الحي، ولا يحتاج إلى دليل حياة بعد الولادة، لأنه حي بالحركة عندك، وهذا لم يقله احد فلما لم تكن الحركة توجب له حكم تكامل الحياة، لم تكن حركته بعد الولاة علة، حتى يكون منه أمر بعد الولادة لا يشك في تكامل حياته به، وحركة فيه للمص هو من الحركات التي تقدمت في البطن، وكذلك حركة سائر جسده، وقد يتحرك المذبوح، فأميت هو أم حي؟
وأما العطاس، فقد يكون لريح دخل رأسه، وتكامل الحياة يطلب منه، لأنا اجتمعنا أن فيه حياة قبل الولادة، فلابد من أمر أزيد من ذلك تتكامل بها حياته، وإلا فهو على ما عهدناه في البطن من الحياة الناقصة.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
والدليل على ان الصراخ هو أقوى دليل على الحياة البينة المتكاملة، ما ذكر رسول الله ﷺ، فذلك يقضي على ما اختلفنا فيه.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا الأنصاري قال: أنا عبد الله قال أنا عبد الأعلى، عن معمر عن الزهري، عن سعيد عن ابي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسته، إلا ابن مريم وأمه " وفي رواية أخرى: ثم قرأ ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
ونا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال نا نصر بن مرزوق، نا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، نحوه.
وقال فيه أبو هريرة: أرأيت هذه الصرخة التي صرخها الصبي حين تلده أمه، فإنه منها، وهو خبر مشهور ثابت.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وإذا خص رسول الله ﷺ عيسى ﵇ [] له بذلك، فلا جائز أن يشاركه أحد في ذلك، ولا يكون حيا سواه إلا صارخا، كما قال ﵇، وإلا لم يحكم له بحكم الحياة.
قال محمد بن الجهم: أنا عبد الله قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرحمن قال أنا إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس قال ليس من مولولد يولد إلا استهل، والاستهلال أن يغمزه الشيطان فيصيح، إلا عيسى بن مريم.
قال أنا عبد الله بن أحمد قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرزاق، قال أنا ابن جريج قال أنا أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: المنفوس يرث إذا سمع صوته.
وقاله عروة والحسين بن علي والمسور بن مخرمة، وابن المسيب، وابن شهاب وشريح الكندي، والشعبي وإبراهيم وعطاء والحسن وابن سيرين وربيعة والقاسم في فقهاء التابعين بالمدينة وهو الأمر القائم المشهور بها.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
قال ابن شهاب وابن المسيب، إن ذلك هو السنة عندهم، وهما في العلم بالسنن وما تطابقت عليه القرون بالمدينة، وأخذه آخرهم عن أولهم، وهذا أقوي شيء في كافتهم.
وأقاويل من ذكرنا ثابت بالأسانيد المرضية، من رواية ابن وهب وغيره.
وإذا لم يصرخ صارت حياته غير متيقنة فلا يورث ولا يرث بالشك في حياته. وأجمعوا أن المرأة إذا قتلت، وولدها يتحرك في بطنها، أنه لا حكم له في قود ولادية، واتفقوا أنه إذا لم يظهر له بعد أن وضعته حركة أنه لا يرث ولا يورث.
واحتج غير هذا الرجل بما روى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه: إذا تحرك وعلم أن الحركة من الحياة ليس من اختلاج ورث.
فعمرو بن عبيد لا يحتج بروايته لفساد دينه، وقد قال يزيد بن هارون: إنه يكذب في [الحديث]، هذا ولم يطلق للحركة أنها دليل الحياة حتى يوقن بأنها عن حياة، فلا تمنعن الاختلاج فقد جعل مع الحركة دليلا آخر فيه [ويطلب إلى] أن يوقن أنها حركة حياة، فعرفك أن ليس كل حركة تدل على الحياة.
ولو كان على ما تمنى مخالفا، لكان لنا عن الحسن خلافه.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد قال: أنا عبد الله قال أنا أبي قال انا أبن إدريس، سمعت هشامًا عن الحسن وابن سيرين قالا: لا يورث المولود حتى يستهل.
قال محمد بن أحمد: أنا يوسف بن الضحاك، قال: نا أبو سلمة قال أنا حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه وورث، فهذا قول الصحابة والسلف والأمر المعلوم المتيقن الذي لا شك فيه.
وما ذكر عن مالك أنه: وإن رضع وعطس فلا يحكم له بالحياة حتى يستهل، فهذا مثل قول ربيعة، لو أخذ الرمح بيده، لم يجب له حكم الحياة حتى يصيح.
فهذا ونحوه، استدفاع لما يذكر على مبالغة في الوصف، وعلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الصراخ، والله أعلم. وهذا هو المعهود المشهور، لا تجد النساء يذكرون انه يقصد إلى الرضاع ونحوه إلا بعد صراخ، فليس إدخال ما لم يقع يحيل الأمور عن وجهها، وقد دللنا على ضعف الحركة، وما كشف الريب من الدلائل وأقاويل السلف، وما بعد هذا إلا الشذوذ.
وأما قوله: فإن قيل: روي أن النبي ﵇ قال: إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه، فعلل هو ذلك، فيما ذكر، بأن أبا الزبير رواه عن جابر
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ولم يقل سمعه.
ومن رواية أخرى موقوفة على جابر، ولم يسنده إلا شبابة عن المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ.
قال: ولو كان ثابتا لكان معناه، إن الإستهلال أغلب أموره، لأنه لم يقل: لا يصلي عليه حتى يصبح.
فهذا الذي ذكر من العلل لا حجة له بها، وقد تقدم ذكرنا لحديث جابر من ما سمعه منه أبو الزبير موقوفا وما ذكرنا عنه عن الر [سول] ﷺ.
فأما على لفظ هذا الحديث الذي علل هذا الرجل، فقد رويناه مبينا من غير هذه الطريق على اللفظ الذي هرب منه، وأقرب أنه به مخصوم.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال نا أبو إسماعيل الترمذي قال: نا القعنبي قال أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، عن جابر بن عبد الله والمسور بن خرمة وسعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: لا يرث الصبي حتى
[ ٢ / ٦٥٠ ]
يستهل، والاستهلال الصياح والبكاء، قال سعيد ولا يصلي عليه، وهذا خارج من علل هذا الرجل.
ولو لم يكن ذلك، لكان فيما تقدم من قول السلف والدلائل مقنع، فكيف وما ذكرنا من السنة من هذا الحديث، وما تقدم قبل هذا.
وقوله في لفظ الحديث الذي حكي إذا استهل ورث، ولم يقل: لا يرث حتى يستهل فقد أتينا بقوله: لا يرث حتى يستهل.
ولنا عليه مطالبة في قوله: " إذا استهل ورث" أن هذا - إن ثبت - على أن الأغلب من أحواله الاستهلال، يقال له: فألا قلت مثل ذلك في قول الله في قاتل الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ أن هذا على الأغلب والأوكد من وجوهه، وقد أتينا على جواب ذلك في باب قتل الصيد، وهذا الباب، وأسأل الله التوفيق برحمته.
[ ٢ / ٦٥١ ]
باب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتل
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، قول مالك في القاتل عمدا يعفي عنه، إنه يجلد مائة ويحبس سنة.
وقال: وقد عفا الله عنه بعفو الولي، يقول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان﴾ وقال: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ وجعل العفو وقبول الدية تخفيفا.
قال: فهذا خلاف ظاهر القرآن، وأوجب حدا لم يوجبه الله سبحانه ولا سنة رسوله،
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ وقال في الكافر - بيننا وبينه عهد - ": ﴿فدية مسلمة﴾ فلم يفرق في الدية بين مسلم وكافر، وهذا توقيت لا يكون إلا للخالق.
قال: ثم قال الحجازي إن القاتل إن طلب منه الأولياء الدية أن له أن يأبي ذلك، وليس لهم إلا القتل.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
قال: فخالف ظاهر القرآن وثابت السنة، قال الله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فأوجب للأولياء إذا عفوا الدي على القاتل، وروى الشافعي عن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ئب عن سعيد بن ابي سعيد عن ابي شريح الكعبي، فذكر في الحديث تحريم مكة، ثم قال: ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلا فأهله بين خيريتن إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل. فينبغي أن يوجب ما أوجب الله ورسوله.
فالجواب عن ذلك: ان القاتل - وإن كان لولي الدم عليه سلطان بحقه في دم وليه - فإن لله عليه حقا في انتهاك محارمه وفساده في أرضه فإذا عفا الولي عن حقه - بعوض أو بغير عوض - بقي حق الله.
وفي إفادة حق الله في ذلك صلاح للعباد، لإقامة التناهي عن الفساد، فجعلنا عقوبته في ذلك ضرب مائة وحبس سنة، بدليل كتاب الله سبحانه وبما بلغنا عن رسول الله ﷺ وعن الخلفاء وغيرهم من السلف.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وذلك أنا رأينا القتل قرين الزني في كتاب الله في عقوبة الآخرة، فكان في ذلك دليل على تساويهما في حق الله في عقوبة الدنيا.
قال الله سبحانه ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وابن جبر وقتادة، أثاما واد من أودية جهنم.
ورأينا الزنا لا ينفك فاعله من أحد عقوبتين: إما الرجم وهو القتل، أو جلد مائة وتغريب عام، فجلعنا في قتل النفس - الذي بقي فيه حق الله - ما جعله الله بدلا من القتل في الزنا، إذ لا بد لنا من أن نجعل عقوبة عليه، في حق الله في ذلك، مع ما فيه من المصلحة العامة للتناهي، فكان رجوعنا بذلك إلى أصل أولى بنا من أن نجتهد في عقوبته بغير أصل يرد إليه.
فإن قيل: فاجعل فيمن كفر بالله كذلك، إذ هو مذكور في أول الآية.
قلت: هذا غير لازم، لأن الكافر منصوص على عقوبته إذا كفر بعد إيمانه بالقتل، وليس في عقوبة القاتل يعفي عنه نص، ومع أن الكافر لا يترك، ولا يمكن
[ ٢ / ٦٥٥ ]
عنه العفو إلا أن يسلم، فيزول عنه بالإسلام ما كان لله فيه من العقوبة بالقتل، لأن القتل الذي أمر الله به إنما فيه حق الله وحده.
وشيء آخر: أن عقوبة المرتد في الآخرة إذا قتل الخلود في النار، والزاني المؤمن غير مخلد، فلم يتساويا في عقوبة الآخرة، لأن هذا - وإن كان في واد من أودية جهنم - فهو [غير] مخلد، ومن زعم أنه لا حق لله على القاتل قال بخلاف ما دل عليه الكاتب وإذا كان لله حق في ذلك مع الحاجة إلى إقامة الزجر للتناهي، كان علينا إقامة ذلك الحق، وقد أقمناه بدليل من كتاب الله.
ألا ترى أن الله سبحانه جعل لنا في القصاص حياة، فجعل الولي إذا قام بالقتل - الذي هو حق له وحق لله- كان في ذلك صلاح لنا أجمع وحياة لمن بقي، إذ يتناهي الناس عن الفساد الذي هو اعظم فساد في الأرض، فلما عفا الولي بقي حق التناهي الذي جعل الله فيه لعباده حياة، أي تحصينا لهم عن القتل، فلابد من إقامة ذلك، وهذا من خفي الاستدلال من كتاب الله، وقد روي عن النبي ﵇.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن عبدوس، قال نا أبو بكر- يعني أبن ابي شيبة - قال انا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله عن أبيه عن علي قال أتي النبي ﵇ برجل قتل عبده متعمدا فجلده،
[ ٢ / ٦٥٦ ]
مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد منه.
وبإسناده عن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي مثله.
وبإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده، عن النبي ﵇ مثله، وأمره أن يعتق رقبة.
وفعل مثل ذلك أبو بكر بقاتل عمد.
أخبرنا أبو بكر بن محمد قال أنا يحيى قال أنا سحنون قال: انا ابن وهب قال أنا محمد بن عمرو، عن ابن جريج عن العباس بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال: على الذي يقتل عمدا ثم لا يقع عليه قصاص جلد مائة وسجن عام، قال ابن جريج: قلت لعطاء، كيف؟ كان الحر يقتل العبد وشبه ذلك.
وعن التابعين من أهل المدينة من هذا كثير، وفي بعض ما ذكرنا كفاية.
إلا هذا الرجل يبعثه إليها الجهل بأقاويل السلف وضيق عمله عن استخراجهم من كتاب الله وسنة نبيه، إلى أن يحرج صدره على سلفه ويطلق فيهم لسانه، ولو اتسع
[ ٢ / ٦٥٧ ]
علمه، وأحسن بسلفه ظنه لا تسع عن هذا الحرج صدره، وأعوذ بالله من الحمية في الدين.
ثم أنكر [هذا] الرجل ما حكي عن مالك، في أولياء المقتول إذا طلبوا الدية أن [للقاتل] أن يأبي ذلك وأنه ليس لهم إلا القتل، إلا أن يتفق معهم على ذلك.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن والسنة، ثم لم يحك عن مالك غير هذا، وقد جهل هذا الرجل أن قول مالك قد اختلف في هذا.
فروى ابن القاسم ما ذكر، وروى أشهب عن مالك، أنه يجبر القاتل على غرم الدية، إذا طلب ذلك الولي.
ورواية ابن القاسم التي أنكر هذا الرجل أحج وأشبه بما دل عليه ظاهر القرآن، بقوله سبحانه: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلي﴾، وقال: ﴿النفس بالنفس﴾ فلم يجعل على القاتل غير القتل، فلا يلزمه غير ما ألزمه الله.
وأما قوله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فهذه الاية دليل أن العافي عن ذلك الشيء هو القاتل، وذلك أنه يترك شيئا من ماله ويترك له القود، ويتبع بالمال لأنه أخبر أن الذي عفي له هو الذي يتبع بالمعروف بقوله: ﴿فمن عفي له﴾ إلى قوله ﴿فاتباع﴾ يقول: فليتبع بالمعروف، فلو كان الذي عفي له هو القاتل، استحال أن يكون هو المتبع، لأنه هو المطلوب.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
ودليل آخر: أن الدية معلومة موقتة، والله سبحانه لم يذكر ها هنا دية، وإنما قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ وشيء نكرة ليس فيه ألف ولام، والدية معروفة فدل بهذا أن ذلك الشيء المذكور به يكون الاتباع فلما لم يوقته سبحانه دل أن الأمر فيه إلى اتفاقهما.
ولو كان كل ما بله مما يقل أو يكثر يجب قبوله منه استحال هذا، والعمد ليس فيه دية منصوصة بكتاب الله ولا سنة رسول الله، إلا التراضي على شيء يجتمعان عليه، فإذا لم تدل هذه الآية على توقيت معلوم لم يبق إلا ما يتراضيان [به]، وكان ذلك أقوى دليل أن المعفو له لذلك [] هو الذي يطلب ذلك الشيء ويتبعه، وهو ولي المقتول به، والعافي على هذا القاتل بتركه للمال الذي بذل، والعفو الترك.
وأما احتجاجه بالحديث الذي ذكر، من قول النبي ﷺ: فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل. فالمعنى في قوله: وإن أحبوا أخذوا العقل، يعني: إذا بذل لهم، لا على أنه يكره على غرم الدية، بدليل ما ذكرنا من ظاهر معنى الاية.
ولولا ما دلت عليه الآية والحديث ما جاز للولي أخذ الدية إذا بذلت له لما كان يمنع من ذلك من قول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ ففي القصاص نفع عام، غير أنه خفف عنا، فجوز لنا اخذ المال بدلا من الدم، وقد روينا للنبي ﵇ مفسرا، على هذا المعنى الذي تأولنا في الحديث الذي ذكر هذا الرجل.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
فرويناه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: من قتل له قتيل فهو بين خيرتين، بين أن يقتلوا أو يفادوا.
أناه الحسن بن بدر قال: أناه النسائي، قال أنا العباس بن الوليد بن يزيد، قال أنا أبي قال أنا الأوزاعي.
قال النسائي: ونا محمد بن عبد الرحمن بن أشعث، قال: أنا أبو مسهر قال: نا إسماعيل، قال: نا يحيى قال أنا أبو سلمة، قال أنا ابو هريرة قال قال النبي ﵇ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد أو يفادي
قال محمد: وأما يفادي فمعنى المفاداة المفاعلة، وهي تكون من فاعلين كالمبايعة وغير ذلك، إلا في أحرف يسيرة يعرفها أهل اللغة، فدل بهذا أن الدية إنما تؤخذ باتفاق ولي المقتول مع القاتل، وهذا اشبه بظاهر القرآن.
وشيء آخر: أن ذكر الفدية انه شيء للقاتل يفدي به نفسه، ولو كان شيء يملكه الولي دون القاتل، ما كان يحسن ذكر الفدية.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وأما إنكاره أن تكون دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وأراد [منـ]ـا أن نقول: إن دية الكافر والمؤمن سواء، فهذا من الغلط الفاحش، والنبي ﷺ، قال: المسلمون تتكافؤ دماؤهم، فخص المسلمين بتكافؤ الدماء، وقال: لا يقتل مؤمن بكافر.
أناه الحسن بن بدر أنا النسائي قال: أنا محمد بن منصور أنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي، قال: سمعت أبا جحيفة، يقول: سألنا عليا، هل عندكم من رسول الله سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبدًا فهما في كتابه، أو ما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
نا أبو بكر بن محمد أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، قال: أنا ابن وهب قال: أنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ، قال: لا يقتل مؤمن بكافر.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وإذا لم يتكافآ في الدماء فكذلك فيما هو من الدماء عوض، وهي الدية، وإذا لم يتكافآ في الأعظم كان أن يتكافآ فيما دونه أبعد، وكذلك لا يتكافآن في الحد في القذف.
وشيء آخر، أن دية الرجل المسلم تجب بوصفين أحدهما: الإسلام، والآخر: الحرية فلما زال أحد الوصفين، وهو الإسلام وجب أن تكون الدية على النصف من دية من فيه الوصفان.
وشيء آخر: أنا لما ثبت عندنا في الأصول في الكتاب وما ذكرنا من السنة أن لا تتكافأ دماؤهما، وأن حرية الكافر أخفض، ورأينا الديات إذا انحطت لانخفاض حرمة انحطت إلى النصف، كدية المرأة من دية الرجل، فحططناها إلى النصف هذا كله قائم بدلائل الكتاب والسنة وما ذكرنا من با الاعتبار بالدليل.
ومع ذلك إنه مروي عن النبي ﷺ، وعن الخلفاء من الصحابة والتابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال أنا ابن وهب [قال: نا] أسامة بن زيد عن عمرو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: عقل الكافر نصف عقـ[ـل] المؤمن.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
أنا محمد بن زياد بن بشر - هو ابن الأعرابي - قال: أنا أبو داود السجستـ[ـاني] قال: أنا يزيد بن خالد بن موهب قال: انا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: دية المعاهـ[ـد] نصف دية الحر.
قال أبو داود: رواه أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن الـ[ـحارث] عن عمرو بن شعيب.
وقد روى نحوه ابن عباس عن النبي ﷺ.
فـ[ـهو] قول السلف، ثابت عن غير واحد من الخلفاء، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين، ما يكثر علينا ذكرهم، وهو قول الفقهاء السبعة، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، يكثر علينا ذكرهم.
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قا [ل]، أنا إسماعيل قال نا ابن ابي أويس، قال أنا عبد الرحمن عن أبيه قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته، وخالفني ناس من أهل العراق في ديـ[ـة] المعاهد، زعم بعضهم أنها مثل دية المسلم، فكتب إليه: إني لا أظن أحدا يجعل دية صاحب الذمة كدية الرجل من أهل الإسلام، وإن د [ية] المعاهد كنصف دية المسلم، خمس مائة.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فهذا عمر بن عبد العزيز عظم عنـ[ـده] أن يظن هذا بأحد، لما قوي عنده مما علم عليه صدر الأمة وكفي به إما مـ[ـا] ضخما، عالما بما يقوي ويضعف من الاختلاف، والنكير في هذا الأمر البـ[ـين] لا حاجة بنا إليه، والله المستعان.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
في من أوصى بزكاة عليه
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن أوصـ[ـى] في مرضه بزكاة عليه، فرط فيها: إنها من الثلث مبدأة على الوصايـ[ـا] والمدبر مبدأ عليها، لأنه قبل الإقرار، وإن ذلك بخلاف ما أقر به من دين للناس، وإن الزكاة إن حلت عليه في مرضه فأمر بها، فهي من رأس ماله، [و] إنما يكون في الثلث ما فرط فيه، وهـ[ـذا] تناقض لأنه [] هي واجبة عليه أم لا، فإن كانت واجبة فلم تكن من
[ ٢ / ٦٦٥ ]
الثلث؟ ولم تكن واجبة لم تبدأ على الوصايا، ولم صارت تارة كالدين وتارة كالوصايا؟
فالجواب عن ذلك: أن كل ما جرى من الوصايا يكون الأغلب فيها أن فيها ضرارا فلا يجوز، لقول الله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ وهذا إنما يعلم بالأغلب في الأمور والدلائل التي تدل على الضرر.
والتهمة والجنف ليس على أن للميت يوصي وصية أو يقر إقرارا، يعترف هو فيه أنه يريد به الضرر، هذا بين أن المراد فيه طلب الدلائل بالأغلب من الأمور، فيما يقر به المريض ويوصي به، والله أعلم.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر قال: أنا أبي قال: أنا علي بن عبد العزيز قال أنا أحمد بن يونس قال أنا زهير قال نا داود بن أبي هند، قال أنا عكرمة عن ابن عباس كان يقول: الضرار في الوصية من الكبائر، قال: ونا محمد بن المنذر، قال: أنا زكريا قال: ونا محمد بن رافع قال: نا شبابة قال نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غير مضار﴾، قال: في الميراث أهله.
فأصبناه في وصيته بالزكاة، إنما هو شيء آثر به نفسه في إبقاء ماله بيده، يستمتع به في حياته، ثم يزويه عن وارثه إلى نفسه عند وفاته، وقد دللنا في باب " إقرار المريض لوارثه " بما دل على إبطال ذلك.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فإذا بطل إقراره للوارث بالدين للتهمة، كانت الوصية بالزكاة أضعف لأن إقراره بما يخص به نفسه أقوى في التهمة لما يخص به وارثه والله أعلم.
فكل شيء يوصى به يتهم فيه بالميل إلى نفسه، فإن الوارث فيه خصمه، وفا [رق] إقراره بالدين للأجنبيين، لأن إقراره بالدين للأجنبيين منافع ذلك لغيره، فلا يتهم أن يميل إلى الأجنبيين دون ورثته.
والدليل أن الوصية بالزكاة بخلاف إقراره بالدين، أن المفلس لو فلس وقام غرماؤه، فقال: علي زكاة ثلاثين سنة أنه لا يقبل منه، ولا يضر ذلك غرماءه.
ويلزم القائل أن يقول: إقرار [هـ] بالزكاة وبالدين سواء، أن يقول أحد قولين: إما أن يحاص بذلك الغر [ماء] أو يقول: تبدأ الزكاة، بل يلزمه أن يقول: الزكاة أولى من الغرماء [ولا] يقول: إنه يحاص الغرماء بالزكاة، كمقام دين عليه، لأنه عند مقا [م] الغاصب، وهو غصب مال بعينه.
وأنت تعلم أنه لو غصب لرجل ما [لا] بعينه، أنه من يوم الغصب قد صار في ذمته، وإن كان قد قامت بينة بأنه بعينه قائم بيده، فإن ذمته بالغصب مشغولة لو أتى
[ ٢ / ٦٦٧ ]
على الـ[ـمال] هلاك بيده، ولو قام عليه غرماء، لكان رب هذا المال المغصوب الذي قامت البينة أنه بعينه له أحق به من الغرماء.
وأنت إذا أ [قمت] إقراره، بالزكاة مقام ما يثبت بالبينة، فاجعل الزكاة أملـ[ـك] بماله من الغرماء، لأن الزكاة بعينها باقية بيده كالغصب، لـ[ـأنها] دخلت في ذمته بالتعدي، وهي بعينها بيده كما ذكرنا في الغصب.
ويلزم خصومنا أن يقولوا: لو أقر عند التفليس: أنـ[ـه] قد تصدق بماله هذا بعينه قبل مداينة غرمائه، وأن المال الذي داين به غرماءه قد ذهب وهلك، أو أقر أنه جرت منه في مالـ[ـه] هذا نذور بعد نذور مما يأتي عليه، وأن ذلك قبل مداينته لغرما [ئه]، وأن مالهم قد ذهب بعد أن حصلت عليهم هذه النذور في هذا الما [ل]، أنه لا شيء لغرمائه منه، لأنك ترفع التهم.
وكذلك لو أقر أنه قد كان تصدق به على ولده قبل معاملته لهم - كما ذكرنا - أنه يلزمه أن يقول: إن ولده أحق به منهم، لأنه لا يحكم با [لتهم، ولا بإ] قراراته لوارث ولا غيره، وهذا يتفاحش عند طرده.
وقد دللنا في غير باب من كتابنا هذا على قوة التهم والريب في الأصول، وإذا كانت تهمته في وارثه تبطل إقراره له، فتهمته في نفسه أكثر.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وشيء آخر، إنه لو كان كل من اقر في مرضه بأن عليه زكاة ماله في سائر عمره مقبول القول، كان ذلك ذريعة إلى فساد عظيم.
منها: أن ذلك يبعث كثيرا من الناس على ترك أداء الزكاة، لأنهم على ثقة من إنفاذها عنهم بعد الممات من رأس المال، فيؤخروا لذلك إخراجها، ويكون داعية إلى إبطال الميراث لمن شاء إبطاله بمثل هذه الإقرارات، ويصير الميت قد استأثر بماله عن أهله الميراث، فاستمتع به في حياته، وأخرجه عليهم بعد مماته.
وكذلك يلزم في الحج، فكل إقرار تشوبه ظنة وتهمة يبطل معه الميراث وينقص به على أهل الميراث ميراثم من يلي المال، فذلك ضرر على ما تقدم دليلنا عليه في باب إقرار المريض، ما اغني عن إعادته.
فإن قال: فلم جعلت إقراره بالزكاة في الثلث دون أن تبطلها، كما أبطلت إقراره، للوارث في الثلث وفي غيره.
قلت: لغير وجه منها أنه لا يجوز له أن يخص وارثه، لا من ثلثه، ولا من سائر ماله بشيء، وأصبته له أن يخص نفسه بمنافعه في ثلث بما أحب فأصرفت ما أتهمه فيه لنفسه إلى ثلثه.
وشيء آخر أني أصبت العلماء أحد رجلين: قائل قال: يكون إقراره في المرض بالزكاة في ثلثه، وقائل قال: من رأس ماله، ولم أعلم قائلا، قال: يبطل من الثلث ومن رأس المال، فأخرجت هذا القول، إذ لا أعلم له قائلا، وقلت من الثلث، إذ هو أقرب الأقوال إلى القياس وإلى الدليل، على ما بيناه.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وكذلك قال غير واحد من تابعي أهل المدينة: إنه من الثلث منهم ربيعة وغيره من رواية ابن و[هب و] غيره.
وأما من غير أهل المدينة، فمما أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد المالكي قال: أنا الأنصاري قال أنا عبد الله قال أنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله عن الشعبي في الرجل يموت ويوصي أن يحج عنه، أو يتصدق عنه كفارة رمضان أو كفارة يمين قال من الثلث، فهذا من الواجبات وقد جعله الشعبي من الثلث.
قال: وأنا هشيم عن ابن سيرين، في الرجل يوصي بالحج والزكاة تجب عليه قبل موته، قال: من الثلث.
وأنا جرير عن حماد عن مغيرة عن إبراهيم مثله.
ولو كان يكون الحج والكفارات التي عليه والنذور، وغير ذلك من الواجبات من زكاة وغيرها، من رأس ماله إذا أخرها إلى حين وفاته لكان مال المرء قد استأثر به لنفسه في حياته وبعد وفاته، فصارت له منافعه كلها دون وارثه، وهذا ذريعة إلى الفساد وإبطال الميراث على ما ذكرنا.
وفارق الدين يفرط في أدائه، أن الدين أقوى، لأن له طالبا يطالبه
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وهو لو أقر بدين لرجل وبزكاة، ثم قال: قد كنت قضيت الدين وقد كنت أخرجت الزكاة ونسيت، أنه مصدق في الزكاة، ولا يصدق في الدين فافترقا.
ويلزم من يرى الحج عليه في المال، أن ن مات ولم يحج ولا أوصى بالحج، أن يخرج ماله في الحج، ويمنع وارثه ويمنع غرماءه، أو يخاصموا بذلك، ويصير كالحج عمل عنه بغير نيته، لأنه لم يوص به، وأعمال الأبدان لا تجزيء إلا بنية.
فإن قال: لم يجعلت زكاته من رأس ماله، إذا حلت في مرضه فأمر بها؟
قلت: لأنه وقت محلها وعليه إقامة فرائضه في مرضه وصحته، ولم يكن يتهـ[ـم في المرض] فيه أو يصير قد سلك بها مسلك الضرر و[المشاقة] و[الذريعة] إلى الفساد فإن قيل: لم بديتها إذا أوصى بها في الثلث، وهو فرط فيها؟
قلت: لأن مالكا يقدم الأوكد في الثلث، من عتق وشبهه، لدلائل أوجبت ذلك، فلما كان له إدخال منافعه في الثلث بدأنا منها الأوكد فالأوكد والله أعلم.
وأما قوله: يبدأ المدبر عليها، فلم يدر هذا الرجل أي مدبر، إنما قال مالك: يبدأ المدبر في الصحة، فلم يذكر هذا الرجل في الصحة، وذلك أن المدبر صار خصما له، يدافعه عن ما ينقص عتقه، كالوارث الذي دافعه بما ذكرنا من التهمة.
هذا وقد يكون المدبر في الصحة سابقا لما فرط فيه، قد سبق إلى الثلث بما لا رجوع عندنا له فيه، مع ما قدمنا ذكره من التهمة، الذي يحتج بها المدبر.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وقد جاء في الحديث: من مات ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا، فلو كان يقام الحج بعده، أوصى به أو لم يوص، وينفذ وينوب عنه، كما ينوب عنه إذا فعل هو ذلك بنفسه ما فرط فيه في حياته، لم يقل هذا رسول الله ﷺ، فيمن مات ولم يؤد فريضة الحج، ودل بذلك أن حاله بعد الموت حال لا يساوي حاله قبل الموت في إقامة فرائضه، سيما فيما لم يوص به، والله أعلم بذلك.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
باب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدة
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المرأة تتزوج في عدتها من طلاق، قال ففارقها الآخر وظهر بها حمل فوضعته، أنه يبريها من عدتها من الزوجين.
قال وهذا خلاف ظاهر القرآن، بقول الله سبحانه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهذا على أصله خطأ، لأنه يقول: إذا تزوجت في العدة إن
[ ٢ / ٦٧٣ ]
عليها أن تبني العدة من الأول، و[تأ] تنف عدة من الثاني، قال وهذا تناقض يدل على ضعف روية [قائـ]ـله.
فما ذكر هذا الرجل في هذه الباب فيه اختلاط واستحالة وتحريف، [يد] ل على غلو الحمية وتخلف الروية.
فأول ذلك قوله: ففارقها الآخر، [فظهر] بها جمل، فأوهم بقوله: ففارقها الآخر أن الطلاق باختيار منه، وأ [نه يقع] عليها طلاقه، وأنه لا يفرق بينهما بالـ[ـفسخ، بل بطلاق] ووجـ[ـه] القول أن يقول: ففرق بينهما.
ثم قال: وظهر بها حمل ثم وضعته، أنه يبريها من الزوجين جميعا، فلم يذكر الحمل ممن هو، من الأول أو من الآخر، وهذا يختلف وجهه، فإذا كان من الأول فقد علمنا أن عدتها تنقضي من الأول بوضعه، لقول الله سبحانه: ﴿واولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ولا يحسن في هذا أن يحتج بالاية الأخرى، من قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
فإن قال: إنه وإن كان انقضى عدتها من الأول وضع الحمل، فإنما أوجبت أن تأتنف ثلاث حيض من الثاني، فلذلك ذكرت أنه الأقراء.
قلنا: إنها من الثاني ليست في نكاح صحيح، ولم يكن ممن وقع عليها طلاقه، وليست من المطلقات اللواتي قال الله سبحانه فيهن ما ذكرت، وإنما يؤمر من كان مثلها ممن يفسخ نكاحه بغير طلاق بتربص بثلاث حيض، ليكون ذلك براءة لرحمها،
[ ٢ / ٦٧٤ ]
فلما كان الغرض في المحيض منها براءة الرحم، وكان الوضع لولد الأول يبري رحمها، برئت.
ألا ترى أن لو مات الثاني لم تعتد منه لوفاة، فدل ذلك أن المبتغي منها في الثاني أن يبرأ رحمها بما تبرأ بمثله الأرحام، فلا معنى لائتناف الحيض بعد الوضع من الأول، لخروجها من المطلقات، ولحصول براءة الرحم فيها.
فإن قال: إنما أردت في وجه المسألة أنه ظهر بها حمل من الآخر.
قلنا: هذا في ضميرك وظاهر لفظك يدل على خلافه، حين قلت: وإنما أصلها أن تتم عدتها من الأول، ثم تأتنف عدة الثاني، وأنت مقر أن عدتها من الثاني الوضع.
ثم طلبت من مالك أن يقول: تبدأ فتتم عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول بالحيض سابقة إن صح الحمل من الثاني، إن كنت أردت ان الحمل من الثاني.
هذا وأنت تقلو إنه لا تحيض الحامل فهذا كله اختلاط.
وهبنا سالمناك في هذه المناقضة، واستقام قولك، أنك أردت أن الحمل من الثاني، فقولك، إنها تعتد بالحيض، أتعني من الأول أو من الثاني؟ فإن كان من الأول [وحلت] عندك سابقة، فينبغي أن تأتنف بعد الوضع عدة الأول، ثم بعد ذلك عدة الثاني.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وإن كان لا عدة عليها من الثاني فقد جعلت عدة الثاني سابقة لعدة الأول، وأنت رجل هجمت على نكير قول لم تحصلـ[ـه] والله أعلم.
وهذه المسألة في كون الحمل من الثاني، اختلف فيها أصحابنا، فقيل فيها: إن عدتها من الأول تأتنفها بعد وضعها للولد من الثاني لأن طلاق الأول وعدته سبق حمل الثاني، فكان الحمل كمرض أو رضاع تأخر به حيضها، فهي تأتنف ذلك بعد الوضع.
وقيل فيها: إن وضعها لحمل الثاني يبريها من الزوجين، وروى ذلك عن مالك، لأنها لما فقدت الحيض بالحمل كان وضع الحمل لها بدلا من الحيض، لأن رحمها قد بريء بذلك كما بريء بالحيض، وصار ذلك لها عوضا من الحيض، كما الشهور للآيسة من الحيضة بدلا من الحيض في براءة الرحم، والقولان محتملان، والله أعلم.
فأنت لم تحصل ما الذي أنكرت، ثم لم تدر ما معاني قول مالك، ولا وجوه أقاويله، ولا ما قال أصحابه، ولا كيف جرت أصولهم، وخلوت بنفسك تخبط العشواء.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وقولك: وهذا على أصله خطأ، لأنه يقو: تتم عدتها من الأول، وتأتنف عدتها من الثاني: فهذا لم يقله مالك في كل امراة تعتد من زوجين، وهذا إنما يجري على غير هذا اللفظ في بعضهن.
ومن ذلك المعتدة من الوفاة تتزوج في العدة، ويدخل بها فيفرق بينهما، [] الوفاة ائتنفت ثلاث حيض من الثاني، فتم لها أقصى الأجلين.
وكذلك إن حملت من الثاني، تتربص الوضع فهو أقصى الأجلين.
وإن كان تزوجت بعد وفاة الأول بأيام يسيرة، ودخلت ولم تحمل فإذا حاضت من يوم فراق الثاني ثلاث حيض تمت عدتها منه، فإن كان بقي من عدة الوفاة من الأول شيء فعليها التربص إلى تمامه.
فهذا معنى عدة التي يجري فيها أقصى الأجلين، لا على ما غيرت بلسانك وخلطت في عبارتك، وهو إن شاء الله معنى ما جاء عن عمر في هذا فهذا معنى ما تأول مالك في قول عمر، ومعنى أصوله، التي بينها، وفروعه التي أفادها.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وإنك لجريء في قولك فيه: إنه ضعيف الرواية، وإن من ضعف الديانة أن تطعن في عقل إمام جليل مثل مالك، وفي فهمه، وما يجسر على مثل هذا إلا مثل هذا الرجل، في قلة تحفظه في منطقه، وما هان عليه في ذلك من ديانته، وبعد فهمه عن غامض علم سلفه، وتصغيره لما عظم أئمة المسلمين من قدر مالك وحظفه وفهمه وفقهه، واستخفا [فه] بالعظيم من الغمص على أئمة هذا الدين والله أسأل العصمة وأحمده على العاقبة.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
باب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق ثلاثا، إنه يفرق بينهما.
قال هذا المتحامل: وهذا يدل على إغفاله، لأن عقد النكاح ثابت ثم فرق بينهما بغير يقين، وهذا إنما طلق على صفة وهو لا يعلم أنه من غير أهل الجنة.
قال: فإن كان إنما فرق بينهما لأنه علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا، وإن كان لأنه يجهل حاله، فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وكذلك إن قال لزوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق، قال تطلق عليه ولا ينتظر، وقد تضع بعد ذلك، فيعلم أنها ممن لا طلاق عليه، وهذا فاسد.
فالجاوب عن ذلك: ان قول مالك هذا هو قول ابن عمر وغيره من الصحابة ومن التابعين ما يكثر ذكرهم، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة قال الله سبحانه ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يقول من النوم، ثم ذكر سبحانه ما أوجب من الوضوء، وذلك لما يتوقع أن يكون كان في النوم من الحدث.
وقول النبي ﵇ فيمن قام من نومه: إنه لا يدخل يده في إنائه حتى يغسلها، فهذا من هذا المعنى والله أعلم، لما عسى أن يكون أصاب يده أو وقعت عليه يده، والله أعلم.
وقال الرسول ﵇ في تمرة وجدها، ولو أعلم أنها ليست من تمر الصدقة لأكلتها، فلما استراب أمرها تركها.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وكذلك من شك في بسط يده إلى مال أو فرج أو غيره، أن يكون لا يحل له فلا يقدم إلا على ما يوقن حلاله.
والنوم في نفسه ليس بحدث يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء منه لما يتوقع أن يكون حدث في النوم من الحدث، فأوجب ذلك ريبا وشكا، ولزم بذلك الانتقال عن الريب، بائتناف الوضوء.
ولا يجوز في الأصول أن يطأ فرجا لا يدري حين الوطء أحلال هو أم حرام.
ويقال له: أرأيت شاتين، إحداهما ميتة والأخرى ذكية، لا يدريهما، أو امرأتين إحداهما أمه أو أخته، والأخرى زوجته أو أمته أليس لا يجوز له وطء واحدة منهما؟ إذ لعله يصادف المحرمة عليه.
فإن قلت ذلك، فلا يبعد عليك أن يفرق بينه وبين زوجته بالشك، للذي حدث عليه فيها من الطلاق، وكذلك في أمته إذا شك في عتقها.
فإن قلت: العتق والطلاق أمر حادث، قد يكون وقد لا يكون والمرأتان إحداهما أمه أو أخته بيقين، والشاتان، إحداهما ميتة بيقين.
قيل لك: فلما كانت إحداهما محرمة بيقين، أرأيت إن تناول إحداهما، أعلى يقين هو من أنها المحرمة عليه؟ فلا تجد بدا من أن تقول: إنه لا يوقن منها بتحليل ولا تحريم.
[ ٢ / ٦٨١ ]
فيقال لك: وكذلك التي شك في طلاقها، إن تناولها لم يدر حيئنذ أهي محرمة عليه بطلاق قد وقع أم غير محرمة فاتفق الحال في قيام الشك.
وشيء آخر: أنه بعد شكه في طلاقها، لا يقدر أن يقول: أنا موقن أنها غير مطلقة، وقد كان قبل شكه يوقن أنها غير مطلقة، فلا يحتج بأن النكاح بيقين فإن ذلك اليقين قد أقررت أنه قد قدح فيخ الشك، وأن اسمها الذي كان لا يشك فيه أنها زوجته بيقين لا يقدر أن يسميها به، إلا أن يقول: إنها زوجتي على شك فصار الشك الحادث كالشك في الأصول.
فلو شك في امرأة أنها أمه أو أجنبية، أكان له أن يتزوجها؟ أو شك في شاة هل ذكاها أو لم يذكها، أكان يأكلها؟
ويقال له: أرأيت من له امرأتان، فطلق واحدة ثلاثا ثم نسيها، فلم يدر أيتهما هي، ونكاح كل واحدة صحيح بيقين؟
فإن قلت: يفارقهما، رجعت عن قولك إلى قولنا، ولا أعلم خلافا في هذه أنه يفارقهما.
وإن قلت: يطؤهما، كنت مقرا أنه يطأ امرأة محرمة عليه بيقين في علم الله، ويلزمك [] امرأتين إحداهما [أخته]، وقلتين إحداهما نجسة.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وكذلك يلزمك في قلتين من ماء، أيقن أن إحداهما صب فيها مقدار من الخمر، فغيرها، أو لم يغيرها، وصب في الأخرى شراب حلال، غيرها أو لم يغيرها، ولا يعلم التي وقع الخمر فيها منهما، أيجوز له شربهما لأن أصلهما كان حلالا، ثم حدث الشك، فلا ينتقل من اليقين الأول - على أصلك – إلا بيقين؟ فهذا ما يؤديك إليه قود قولك.
وكذلك يلزمك في زوجتين له، أرضعت واحدة منهما امرأة له طفلة، هو من ذلك على يقين ثم لم يدر من هي منهما فواحدة من أمهات نسائه يقينا، أفتجوز له المقام عليهما؟
وهذا يؤديك إلى أكل الميتة وما ذكرنا من الخمر والفروج المحرمة بيقين، فتأمل برفق في تأملك. ولا فرق بين قوله: طلقت هذه أو هذه وبين قوله: لا أدري طلقت امرأتي، أو لم أطلقها، لأن كل واحدة من المرأتين لا يدري أيضا أطلقها أو لم يطلقها.
ويقال له: أرأيت إن كانت له زوجة، وهو موقن أنها زوجته حلالا، ثم حدث عليه شك في أنها أمه أو أخته، من نسب أو رضاع، أيقيم علها بعد ذلك؟
وهذا كله تشهد الأصول لصحته، لأن التحريم يحتاط فيه، ويكون غالبا على التحليل، ويقع التحريم بأقل الأمور، ولا يقع التحليل إلا بأكثرها.
ألا ترى لو طلق بعض امرأته حرمت عليه بذلك، وكذلك إن طلق بعض
[ ٢ / ٦٨٣ ]
طلقة تامة، تعتد منها، وتحرم بذلك، ولو تزوج بعضها لم تحل له بذلك.
ولا تحل التي قال الله فيها: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، إلا بالغاية من العقد والوطء، وقوله سبحانه ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء﴾ فالتحريم بذلك بالعقد، وهو أقل ما لزمه الاسم فالتحريم آكد وأغلب.
وهذه المسألة التي ذكر آكد في إيجاب ذلك، والله أعلم، لأن الحالف لم يدخل عليه الشك بغير قصد منه لذلك، بل هو قاصد إلى إدخال الشك على نفسه في حين يمينه، بقوله: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق، وهذا قاصد إلى الدخول في الشك.
والعجب من قول هذا الرجل وهذا إنما طلق على صفة.
وهذا منه حيرة، والمطلق على صفة إنما هو امر يستقبل كونه، يقول: إن فعلت كذا وكذا أو كان كذا فأنت طالق، وذلك الفعل والأمر مستقبل كونه، قد يكون وقد لا يكون. وهذا إنما حلف على حاله في وقت يمينه، هل هو من أهل الجنة، أم من غيرهم، وإنما حلف على أمر قد كان، وسبق فيه علم الله أنه من أهلها، أو غيرها
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فليس هذا من الطلاق على صفة، يجب الطلاق بكون تلك الصفة، فهذا تمثيل من لا يدري ما يقول.
ثم تكلم بكلام سأل عنه وجعله من إلزام المناظرة، ما يحسن أن يجري على لسان من ألسنة الجهال ولا الصبيان وذلك قوله: فإن كان وإنما فرق بينهما لأنه قد علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا.
وهذا كيف خطر بباله، أن يكون إنما فرق مالك بينهما لأنه علم أن الزوج من أهل النار، وما يشبه هذا إلا التلاعب ممن ذهنه وعقله حاضر، ومن غاب منه هذان سقط خطابه.
وكذلك قوله: وإن كان لأنه يجعل حالهما فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما، فهذا ايضا عجيب، وما علينا من زوجين – في ظاهر الأحكام – ليس بينهما حادثة تغير من امرهما شيئا، ولا توجب بينهما شكا، ما معنى التفريق بينهما بجهل حالهما؟ وما هذه الحال التي جهلناها منهما؟
فإن كان يعني لعل أحدهما من أهل النار، قيل له: ولعل لآخر كذلك، ﴿وكل حال﴾ دخلت في أحدهما [فلعل] الآخر مثله، وما هذا مما نحن فيه من اليمين والشك فيما أوجبت تلك اليمين من الطلاق، والاعتلال على هذا وهن شديد.
وقوله: وكذلك القائل زوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وهذا مختلف فيه في مذاهب مالك، والتحريم فيه ألوى للشك في التربص بها إلى اختبارها ولعل أحدهما يموت، فكيف يتوارثان بالشك
ومع ذلك فلا يشبه المسألة الأولى، لأنه لها حال، يرتقب كشفه، والأول لا يرتقب منه كشف حال، وهو أبين وأقوى من هذا، والله المستعان على توفيقه.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
باب في امرأة المفقود
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، ما حكى عن مالك في امرأة المفقود، فقال: قال الحجازي، إن الواجب عنده أن تتربص بنفسها أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
فأوجب غير واجب لأن الله سبحانه لم يجعل عدة أربع سنين، لا على مطلقة ولا على متوفي عنها، فلم نجد الله سبحانه أوجب ما أوجب مالك من أربع سنن ثم أربعة أشهر وعشرا، وهي ذات بعل بيقين، فلا يزول، يقين بشك، ولا يباح فرجها بالشك.
والدليل على ذلك قول النبي ﷺ في الذي يخيل له – وهو يصلي – أنه أحدث – فلا ينصرف حتى يسمع صوتا بأذنه، أو يجد ريحا بأنفه، فلم ينقله من يقين الطهارة إلا بيقين الحدث.
قال هذا الجريء، فإن قلت: قلدت في ذلك عمر بن الخطاب قيل لك، وإذا كان قول عمر مخالفا لظاهر الكتاب لم يلزمنا استعماله، كيف وقد خالفه علي بن أبي طالب فقال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر بيقين موت زوجها؟
فإذا تنازعا رجعنا إلى كتاب الله تعالى فالكتاب والسنة أوجبا ألا يباح ألا بموت أو طلاق، ثم قال: بعد ان يحكم لها بالعدة والنكاح، فإنه لا يورث مال المفقود لزوجته تلك ولا غيرها حتى يأتي بيقين موته
فحكم فيها بحكم الموتى وفي ماله بحكم الأحياء فخالف ظاهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
فلو تجاسر متجاسر فقال: نحكم فيه في ماله بحكم الموتى، وفي زوجته بحكم الأحياء، وهذا تناقض وما لايتصرف في وهم ولا نظر.
فجوابنا عن ذلك أن ما قاله مالك من ذلك، إنما اتبع فيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين ما لا أحصىى وأدلة الكتاب تدل على صحته والسنة والاعتبار.
وهذا رجل قليل العلم، كثير الجرأة لا يهاب أن يتجرأ بلسانه على أصحاب رسول الله ﷺ، وهم سرج البلاد وائمة العباد فمن ذا يعذره في قوله: إذا كان قول عمر مخالفا لظاهر كتاب الله لم يلزمنا؟
وما علمت أن أحدا من اهل السنة تجاسر على أن صاحبا لرسول الله خالف ظاهر كتاب الله.
وهذا الرجل يقول: إن ما ذهبت إليه من ظاهر القرآن في كل شيء لا يحتمل غير ما ذهبت إليه.
فقد جرد القول فيمن يدع قوله من الصحابة انهم يخالفون ظاهر القرآن بما لا يحتمل إلا خلاف القرآن، وهذا لا عذر له فيه وأعوذ بالله مما يسير إليه.
وعمر إنه حكم في المفقود برأي المهاجرين والأنصار، وهو المرء الموفق الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، كما قال الرسول ﵇.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وبعد فلم يحك قول مالك على وجهه، بقوله: قال مالك: إن الواجب عنده أن تتريض بنفسها أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة.
ولم يقل مالك: إن واجبا على كل امرأة فقدت زوجها ما ذكر إنما ذلك لمن لم تصبر وطلبت حقها في نفي الضرر في انتظاره فإنه يضرب السلطان لها أجل أربع سنين ثم تعتد.
وقوله: لأن الله سبحانه لم يجعل أربع سنين عدة، لا على المطلقة ولا متوفي عنها، وهذا لم يقله مالك ولا قاله عمر: أن أربع سنين إنما هي عدة، وإنما أجل لها عمر اجل أربع سنين – والله أعلم – لاحتمال أن تأتي بولد، فطالب بها أقصى ما تقيم المرأة حاملا، وليكون ذلك أبلغ في الإعذار للغائب ولها، في نفي الضرر اللاحق لها بغيبته عنها، ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، إذ الغالب عليها فيه عدة الوفاة، وإن احتمل أن يكون حيا.
وقول هذا الرجل / هي ذات بعل بيقين، فلا يزول يقين بشك، واحتجاجه بأن النبي ﷺ قال في الذي يخيل إليه في الصلاة انه أحدث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.
وهذا لا يشبه ما نحن فيه، لأن ما قضي به لزوجة المفقود لم يجعل على أنه ليس يجيء حينئذ، فنكون قد حكمنا بالشك، إذ لعلنا لم نصادف موته، ولكن لما لحقها ضرر غيبته ونفي ذلك عنها.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
فكانت على إحدى منزلتين: إما ميت زالت عصمته، أو حي يجب لها أن تزول عن عصمته للضرر، كما أزيلت عصمة العنين للضرر اللاحق بها، ومن لا يجد ما ينفق، والمولي، ثم أخذ فيها بأحوط الأمرين في الأجل والعدة، فليس هذا شبيها بما مثله به من الشك.
وحجته لعلي بن أبي طالب أنه قال: لا تنكح حتى يأتيها الخبر اليقين، ثم لم يذكر له إسنادا، وهذا غير ثابت عن علي، ولنا عن علي خلافه.
[ ٢ / ٦٩١ ]
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا يوسف بن الضحاك، قال أنا أبو سلمة قال: أنا حماد، عن قتادة عن خلاس أن عليا، قال في امرأة المفقود، تربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، فإذا جاء المفقود خير بين امرأته أو الصداق.
وهذا نحو ما روي عن عمر، ولم يذكر في [حديثه] عدة ولا دخل [بها]، و[روى] عن عمر، فشهرتها كافية لنا عن ذكر الإسناد من رواية مالك وابن وهب وغيره.
ورواه عن عمر ستة نفر من أصحابه، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعن عثمان. قال محمد بن الجهم، أنا بشر بن آدم، قال نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس وابن عمر قال: تتربص امرأة المفقود أربع سنين.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وقد روي عن عثمان وعن ابن الزبير نحو ما روي عن علي.
وهذا الرجل لم يذكر إسنادا عن علي، ونحن نذكر ما روي عن علي مما لم يثبت.
فروى عباد بن عبد الله عن علي في امرأة المفقود، لا تتزوج وهي امرأته، قال أهل الحديث، وعباد هذا غير معروف لا تثبت روايته.
وروى نحوه الحكم عن علي، قالوا: وهذا مرسل عن علي، ويحتمل إن لو ثبت أنها لا تتزوج وهي امرأة، إذا لم يحكم بتأجيلها حاكم، على ما روي عنه، مما تقدم ذكرنا له.
وذكر ابن الجهم أن محمد بن كعب روى عن علي نحو رواية خلاس، وعن سهبة الشيبانية عن علي وعثمان نحوه، ويكثر علينا أن نذكر من قال ذلك من التابعين.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فهؤلاء ستة من الصحابة، منهم ثلاثة من الخلفاء، جرى ذلك منهم مجري الأقضية ثم لم يرو عن احد من الصحابة خلاف ذلك، برواية تصح، فيما قال أهل الحديث فأين المذهب عن هذا؟
وبه قال ابن حنبل، على علمه بما ثبت من الأحاديث عن الصحابة في ذلك، وتمييزه لصحيح الرواية. ولو روى عن علي من طريق تصح، لكان ما روي عنه من خلافه يوهن ذلك، فكيف لأحد أن يتعلق بقول لا سلف له فيه يصح قوله، ثم يتجاسر فيجعل قولهم خلاف كتاب الله.
وهذا قول من لم يتحفظ في دينه، ولا تحرج في تعزير سلفه، وأعوذ بالله من الكلام على الحمية في الدين.
وقوله: لما اختلفوا رجعنا إلى كتاب الله، فالكتاب والسنة أوجبا ألا تباح إلا لموت أو طلاق.
فنحن نقول له: لو لم يكن غير ما ذكرنا من أنه المحفوظ عن الصحابة وهم القائمون، بالكتاب والسنة، لكان فيه كفاية، ومع ذلك ففي الكتاب والسنة دليل عليه.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
من ذلك المولي يفرق بينهما للضرر وإن كره الزوج وأبي الطلاق، ومن ذلك المتلاعنان وحكم الكتاب والسنة بالفراق بينهما، ومن ذلك العنين حكم فيه الصحابة، وكذلك في العيوب بالمرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وكذلك من لم يجد النفقة، فما الذي بعد عليه أن يفرق بين هذين للضرر اللاحق؟
والعجب قوله: فخالف ظاهر كتاب الله والسنة واتفاق الأمة، وهذا يحسن عند حكايته السكوت وتسقط مناظرة من انتهى إلى مثل هذا من دعوى الباطل.
فهذا رجل يدعى الإجماع فيما لا يصح عن الصحابة فيه إلا خلاف قوله، وهذه عظيمة، وما لا يعذر فيه بعذر.
ثم قال: وفرق بين ماله وزوجته، فجعل ماله لا يورث، وقد حكم في زوجته بحكم الموتى.
فهذا منه حيرة، ومن قال له: إن مالكا حكم في المفقود أنه ميت؟ إنما فرق بينه وبين زوجته للضرر اللاحق بها وعمل في تربصها على آكد الأحوال، ولم يحكم وبوفاته، وحكم فيما قامت الضرورة فيه، ولم تقف بنا ضرورة في توريث ورثته لماله، فأبقيناه
[ ٢ / ٦٩٥ ]
حتى يصح موته، وهذا فلا خلاف بين الأمة في ماله أنه موقوف، إلى صحة موته، وإلى أقصى عمره في قولنا.
والعجب في قول هذا الرجل ما يشبه اللعب من قوله: فلو تجاسر متجاسر فحكم في ماله بحكم الموتى وفي زوجته بحكم الأحياء، وكيف يجري هذا في الإسلام أن ينطق في دين الله ناطق بخلاف إجماع الأمة، فيعني بقوله أو يلتفت إليه بنقض؟
فجعل هذا الرجل من قال بخلاف الإجماع كقول مالك، الذي قاله ستة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا من الجرأة والستخفاف بالعظيم، حتى لو كان بين الصحابة فيه اختلاف ما شابه ما أجمعت الأمة عليه.
فهذا وجه ما عمل عليه مالك مما اتبع فيه قضية سراج اهل الجنة، ومن وافقه من صحابة رسول الله ﷺ، وما أيد ذلك من الدلائل، وأسأل الله التوفيق برحمته.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
باب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام، وقال قد بين الله في كتابه تحريم ما أراد تحريمه، وقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾، وقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم﴾ الآية، وقال: ﴿قال
[ ٢ / ٦٩٧ ]
أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا﴾، فما سكت الله عنه فهو عفو ورحمة، ولم يكل التحريم والتحليل إلى خلقه.
وزعم الحجازي أن من قال: كل ما أحل الله علي حرام، أنه لا يحرم عليه، إلا زوجته.
ولا يكونا لحرام حراما إلا بتحريم الله له، فليس لأحد أن يحرم ما أحل الله له، كما ليس له أن يحل ما حرم الله عليه.
ولا فرق بين الزوجة وغيرها، ولو كان للخلق أن يحرموا ويحللوا، لم يكن لله على خلقه شريعه، وإذا كان لهم أن يحرموا ما أحبوا، [ويحللوا ما أحبوا لم يكن لله دين] [] [لامرأته أنت] [] أنه لو قال: ما حرم علي حلال أنه لا يحل له، فكذلك في تحريمه ما أحل له، لا يحرم عليه.
ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب الله ولا سنة ولا إجماعن وما من دقيقة ولا جليلة إلا وبيانها في كتاب الله سبحانه.
وكرر هذا الرجل من الكلام وأطال اللفظ في قلة المعاني، وكان كلامه كلام رجل يرى الدعوى حجة وقذع اللسان إفلاجا.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
واحتج علينا بآيات أنزلها الله في المشركين، الذين يحرمون ما لم يحرم الله عليهم من السوائب وغيرها، وفيمن ألحد في دينه من بني إسرائيل، الذين حرموا ما لم يأذن الله به، وبدلوا ما عندهم من كتاب الله.
فاحتج بهذا على من حرم بدلائل كتاب الله فيما لا نص فيه، من الصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين، فأين حبس عن هذا الرجل عقله وفهمه؟
فالذي قال مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وغيره، ومن التابعين ما يكثر علينا ذكرهم، وكتاب الله يدل على صحته.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وذلك أن الله سبحانه لما ذكر الطلاق الذي حل به عقد النكاح، وحرم به الزوجة بعد أن حلت، سماه بغير اسم فسماه طلاقا وفراقا وسراحا، وسمى فراقهما بعطية فدية، فدل أن المقصود المعنى المفهوم في ذلك، مما يؤدي اللفظ إليه. فكل ما جرى من اللفظ الذي يتشابه ويتفق فيه المعنى المقصود وجب له حكم المنصوص عليه من اللفظ، فقوله لزوجته أنت علي حرام، كأنه كشف وتفسير لما يوجبه لفظ الطلاق ولفظ السراح والفراق.
فلم يكن اختلف هذه [الألفاظ] يوجب غير معنى واحد، وهو أن تحرم بذلك، وإذا كانت هذه الألفاظ إنما تحتها التحريم [كان لفظ] [التحـ]ـريم الذي كنى عنه بهذه الألفاظ أقوي في إيجابه، والله اعلم.
ونحن نطالب العلل والمعنى وأنت في أصولك تطالب اللفظ ولا تراعي العلل، فهذا فرق بيننا وبينك
[ ٢ / ٧٠٠ ]
أرأيت من قال لامرأته: أنت خلية أو برية أو مبتوتة أهذه الألفاظ في كتاب الله؟ فإن أعطيتها معنى ما ذكر في كتاب الله، فلا تمنع من ذلك في مثل الحرام.
والعجب من قولك، ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، كما لا يحلل ما حرم الله، فأين وجدت أيها الرجل في كتاب الله امرأة قال لها زوجها، أنت علي حرام، أنها له حلال؟ وإنما هي له حلال بكتاب الله قبل هذا القول، فإذا قال هذا، فلا يعذر أحد أن يقول: إن في النص أنها له حلال، ولا يختلف الصحابة في النص.
وكذلك قولك: وإذا كان للخلق أن يحرموا ما أحبوا ويحللوا ما احبوا لم يكن لله دين فإنك لمفتون متجاسر وكيف يظن، أن الصحابة وعلماء الأمة إنما يحرمون ما أحبوا؟ وكيف لهم أن يحبوا ما لم يأذن به الله؟ أو يتقدموا بين يدي الله ورسوله؟ وكأنهم عندك على الهوى نطقوا، وعلى ما اشتهوا في الديانة تكلموا، ولو رماك أنت أحد بهذا لأخرت نفسك عن هذا المقام الذي قاموا عندك فيه فما أعظم ما ابتليت به. ثم تقول: ومن حرم الزوجة فلا دليل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ولقد رضيت لنفسك بما لا يرضى به من يتدين بالإنصاف، أفيعجز عاجز – ممن يستحل ما استحللت – أن يقول: من حللها أولى أن يقال له هذا؟ والدعوى أضعف سلاح الخصم.
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقد دللنا على صحة تأويل مالك من كتاب الله وقد قام ما فهم من الفدية والخلع بين الزوجين والقصد للفراق بذلك مقام الطلاق وإن لم يلفظ به، بسنة رسول الله ﷺ، وإن كان تأويلك في الخلع أنه فسخ بغير طلاق، فقد دللنا على أن ذلك طلاق عند ذكرنا لمسألة الخلع.
ولا خلاف أن الكناية بالطلاق توجب ما يوجب الصريح منه إذا أريد به ذلك، وإذا كان قوله: قد فارقتك- يريد الطلاق، - طلاقا، فكذلك خليتك وسرحتك وحرمتك وأبنتك وبتتك.
وإذا قال: انت حرام أو حرمتك – يريد الطلاق، لا نجد بدا بإلزام ذلك له، لأنه يشبه ألفاظ الطلاق المنصوصة، مع ما أيده من نية الطلاق، فذكلك لو قاله ولا نية له، كما لو قال: فارقتك، ولا نية له، أو: سرحتك، ولا نية له.
وإذا حرمت بقوله: فارقتك، فكذلك ذلك فراقا بقوله ذلك، من غير فراق تقدم، فكذلك قوله: حرمتك، ترحم بقوله ذلك، من غير تحريم تقدم.
وهذا كالنص مع ما أيده من الدليل الواضح، ولله الحمد، وهو قول أئمة من الصحابة.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى عن سحنون بن سعيد قال: أنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول في قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام: إنها ثلاث.
قال سحنون: ونا به ابن وهب، عن أنس بن عياض.
أنا أبو بكر قال: أنا يوسف بن يحيى قال: أنا عبد الملك بن حبيب قال: أنا مطرف بن عبد الله، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عمر بن دلاف.
وفي الموطإ في غير هذا الحديث: عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه، أن عليا قال: الحرام والبتة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
أنا أبو بكر قال: انا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب قال: أنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة مثله في الحرام.
قال ابن وهب: أنا عبد الله بن عمر ومالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الخلية والبرية: البتة.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وقاله في الحرام من الصحابة من ذكرنا ومن لم نذكر، ومن التابعين عدد كثير، ومن تابعيهم منهم الحسن والحكيم وربيعة وابن شهاب وابن [] [وكثير مـ]ـمن يكثر علينا ذكرهم.
والعجب في تجاسر هذا الرجل على رد أقاويل الصحابة، حيث لم يحك ما تقلد عن أحد منهم، ولا يجد عن أحد من الصحابة أنه قال في القائل لامرأته: أنت علي حرام، إنه لا شيء عليه.
وإن كان قد روي فيه اختلاف عن بعض الصحابة، فلا يجد عن احد منه أنه لا شيء على قائل ذلك، حتى لا يلزمونه شيئا من طلاق واحدة، ولا أكثر منها، ولا ظهار، ولا كمقام يمين، بشيء من ذلك ولا بغيره، فلا يجد ذلك عن صاحب، وفيما قال العلماء العالمون بما اختلف فيه الصحابة.
وإنما هذا يحكي عن رجل من التابعين، الله أعلم بصحة ذلك عنه، على كثرة من خالفه من التابعين.
ولا أعلم من فقهاء الأمصار من يرى أن يتقلد قولا، لا يحفظ فيه عن أحد من الصحابة إلا خلافه.
ومن تقلد مثل هذا القول الذي رغب عنه صدر الأمة انبغي له أن يستحي من ذكره، فضلا عن أن يطلق فيه هذا الإطلاق على من خالفه.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وكأنه رجل يرى أن له أن يقول بما لم يسبقه إليه سلف، وهذا لا يراه العلماء، وإنما يجسر على مثل هذا الخوارج.
وإذا كان لنا أن نختار من أقاويل الصحابة بما يظهر لنا من الدلائل، فإن القول الذي أخذنا به من قول الصحابة قد ذكرنا ما تظاهر من الدلائل عليه.
ومن قال: وهي واحدة، أو قال هي ما نوى من الطلاق أو قال: ظهارا، لم يعط الكلمة حقيقتها، لأنها لا تحرم بالواحدة، ولا بالظهار ولا بدون الثلاث.
ومن قال: ييمن، فلم يحلف القائل بذلك على فعل، وقد أجمعوا أن من حلف بالطلاق أن ذلك لا تكفره كفارة، وهذا أشبه بصريح الطلاق أو بمكني الطلاق منه باليمين بالله، فلما كانت الأدلة تدفع هذا، ولم يكن لقول هذا الرجل الذي تقلد سلف من الصحابة سقطت المناظرة عليه، إلا أنا مع ذلك قد تكلفنا رده، وذلك في صدر المسألة على [إبطال] ذلك من ناحية الاعتبار وما دل عليه الكتاب والسنة و[].
[ ٢ / ٧٠٥ ]
باب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناء
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المرأة تشتري بالصداق طيبا وشوارا، ثم يطلقها الزوج قبل البناء: أنه ليس له إلا نصف ما اشترته من شوار وطيب.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفوان أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾.
قال: وهو الزوج فلا يجب أن ترد غير المفروض، كان دنانير أو دراهم، فأسقط عنـ[ـها] واجبا بلا كتاب ولا سنة ولا اتفاق.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
قال: فهو في ذلك مغفل بَيِّنُ الإغفال، ولا يعدو المفروض ما دفع إليها أو ما اشترت، فإن قال: ما اشتريت كابر، وإن قال: ما دفع ترك قوله.
فالجواب عن ذلك: أنه ليس بخلاف ظاهر كتاب الله ولا سنة رسوله، بل في الكتاب والسنة دليل ذلك.
وذلك أن علي الزوجة أن تتجهز بالصداق، كما فعل الرسول ﷺ بصداق فاطمة بغير إذنها، فكأنه أمر عليها، ولما كانت لذلك أخذته كانت كالمأمورة بذلك، فلا حجة للزوج في إنكار ذلك بعد الطلاق، لما كان له فيه من الإذن وصار له فيه بالطلاق من الشركة.
وهو ايضا فله سلطان في تحصين مالها، وهو في ذلك قيم عليها، قال الله سبحانه: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فالرجل بما فضله الله وبما أنفق من ماله عليها، وهذا على ظاهره إلا أن يخرج شيء عن ذلك بإجماع أو دليل.
ولما رد الله إليه نصف الصداق بالطلاق، دل ذلك أن ما يشتري له فيه معنى يخصه، وقد اشترت به ما اشترت، لأنها لذلك أخذته وهي مأمورة بذلك، وكان ذلك كإذنه لها فيه.
وقد دل القرآن أن إذنه في ذلك إذن لما جعل له نصفه بالطلاق وقد دل على ذلك فعل الرسول ﵇، وما جرى من عرف المسلمين.
وللزوج سلطان في منعه إياها من تلاف ما لها، الذي هو جمال له ولها، وله
[ ٢ / ٧٠٧ ]
الاستمتاع منه بما جرت به العادة والعرف، مما قامت به السنة وتعارفه المسلمون.
وكذلك ما تعارفه المسلمون أن على المرأة أن تشتري بصداقها أو بما يصلح منه ما يصلحها، من طيب وكسوة وفرش.
ولما فعل ذلك رسول الله ﷺ بصداق فاطمة، وهو ثمن درع علي التي أتى بها إلى رسول الله ﷺ، فأمر أن يشتري منه طيب وكسوة وما يفترشان فامتثل الناس ما فعل رسول الله ﷺ، ولم يشاور رسول الله ﵇ في ذلك فاطمة.
فدل ذلك أن ذلك أمر لابد منه، وأن على ذلك مجاري النكاح، وأنه مع ذلك من المكارمة التي جرت عليها معانى النكاح، ولم يجر على المكايسة، لما أجاز الله سبحانه من نكاح التفويض في الصداق.
وقد تعارف المسلمون في كل بلد من بلدانهم أن تشتري بالصداق أو ما قبضت منه شوارا وطيبا، والعرف القائم كالأمر اللازم.
فلو تزوج رجل امراة بألف دينار، فرفعتها وأتته في درع وخمار، لأنكر هذا عامة الناس وخاصتهم.
والعرف بين الناس في الأصول أمر يلزمونه في غير شيء، ألا ترى أن في الصداق نفسه، أنا نلزمهم في التفويض فيه عرف ذلك البلد منه وعادتهم فيه وإن كان
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ببلد آخر يكون ذلك – فيمن هو في مثل حال تلك المرأة – أكثر من ذلك أو أقل وصنف سواه.
وكذلك يؤخذ بالعادة والعرف في الأكرية، في مقدار السير وسرعته وجلسائه، ومواضع نزول المسافر من []، وفي كنس مرحاض الدار وقمامتها، وفي زيادة ولد للساكن، وزيادة رقبـ[ـة]، وفي غير ذلك كثير، والله سبحانه يقول: ﴿خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
وإذا كان عليها أن تشتري بذلك ما جرى عرف الناس به، كان ذلك كالأمر والإذن لها، ولا يجوز أن يؤذن لها في شراء شيء ثم يطالب إذا طلق بغيره، لأن شراء ذلك له كان وبسببه وعن إذنه، وهو إن لم يطـ[ـلق] فله جماله والاستمتاع منه، بما جرت العادة بالاستمتاع به.
فإن قيل: كيف تكون هي مالكة، وهو حاكم عليها، فيما هي له مالـ[ـكة]؟ فيمنعها من إتلافه، ويحول بينها وبين الإجحاف به، ويشاركها في الاستمتاع ببعضه؟
قلت: الكتاب والسنة دلا على ذلك، لأن الله سبحا [نه] لما أجاز نكاح التفويض في الصداق فأجمعوا أن امرأة لو تزوجت بتفويض ولها جمال ومال، وأخرى تزوجت
[ ٢ / ٧٠٩ ]
كذلك، ولها جمال ولا مال [لها] ثم دخل بهما، أن على زوج ذات المال من صداق مثلها أكثر مما عليه للتي لا مال لها.
فمن حجة زوجها أن يقول: إن كان مالها وصداقها لا مـ[ـدخل لـ]ـي فيه ولا نفع لي به، ولا لي أن اقوم ببقائه في ملكها، ليكون لي جما [لا] ورجاء عواقبه، ولا أتمتع به، وليس في شيء من مالها لي سبب نفع بوجه، ولا بسبب، فزيادتكم علي في الصداق ومن أجله، لم؟ وهذا ظلم تظلموني [به]؟
فليس تكون حجته حجة، على ماذهب إليه من خالفنا، وقد قال الرسو [ل] ﵇ للتي تزوجت بنعلين، أرضيت من نفسك ومالك بهذيـ[ـن] النعلين؟ وقال: تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولدينها فعليكم بذوا [ت] الدين.
وأجمعوا أنه لا يملك ذلك ملكا تاما، فلم يبق إلا ما تعارفه النا [س].
[ ٢ / ٧١٠ ]
جعله قد قام مقام الغفلة، لأنه قال بأثر هذا: فهو في ذلك مغفل بين الإغفال.
فهذا ما أدته إليه يقظته وانتباهه، وإن يقظة أدت صاحبها إلى أن مالكا مغفل لتزيد على النوم في التمثيل، وما بنا حاجة إلى رد هذه إلا لحكايته.
وذوو الألباب من أئمة الأعصار يعلمون نهاية مالك في اليقظة والنباهة والحفظ ولطيف الفهم والاستخراج [ولهـ]ـذا، امتدت له هذه الإمامة التي لا يدفعه عنها مخالف ولا موالف، وما غير هذا إلا من باب التلاعب، ونعوذ بالله من اللعب في دينه.
[ ٢ / ٧١١ ]
باب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعا
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الرجل يطلق زوجته واحدة، ثم يرتجعها في سفره في العدة وهي لا تعلم، حتى حلت وتزوجت، أن الأول أحق بها إن قدم، ما لم يدخل بها الثاني.
واحتج هذا الرجل بقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، قال: فأباح امرأة لرجل، وهي زوجة لغيره، وهو يقول: إن نكاح الثاني باطل، فكيف تحل بالدخول.
قال: وكذلك زعم مالك في الوليين يزوجان امرأة واحدا بعد واحد بإذنها، أن نكاح الأول صحيح ونكاح الثاني غير منعقد ولا جائز، وأن الثاني غير زوج، وإن مات الأول قبل بناء الثاني ورثته وورثها إن ماتت.
[ ٢ / ٧١٢ ]
قال: ثم ناقض، فقال: إن دخل الثاني قبل الأول، فالثاني الداخل بزوجة غيره أولى بها، فصار دخوله بزوجة غيره موجبا أنها له زوجة، وحرمها على الأول بغير طلاق، فأباح محظورا بغير دليل ولا سنة ولا اتفاق.
وذكر حديثا عن ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي موسى أن وليين أنكح أحدهما عبيد الله أولا، وأنكح الآخر بعده جارا له، فجامعها الثاني، فقضى بها لعبيد الله.
فالجواب عن ذلك، أن ما قال مالك من ذلك فالأصول تدل عليه، من الكتاب والسنة والإجماع.
وقد حرف هذا الرجل قول مالك، وبدله إلى ما تتم له به المناقضة التي تمناها في قول مالك، وليس لكل واحد ما تمنى، وكان حكمه في الديانة أن لا يحرف قول الرجل، ولا يرد عليه ما لم يقل.
فمما ما حرف فيه وحكى ما ليس بقوله قوله: إن نكاح الثاني غير منعقد، ولا جائز، وأنه ليس بزوج، وأن الثاني إذا دخل بزوجة غيره أولى بها، فهذا تعد، وتحريف في القول وحكاية ما لم يقله مالك.
وليس يقطع في الثاني بفساد حتى يعلم آخر ذلك، لأن الزوج له أن يرتجع، والزوجة التي لم تعلم بالرجعة لها في إجماع المسلمين أن تتزوج، فلما لم يكن عليها أن تقيم أبدا، لإمكان أن يكون زوجها قد ارتجعها وكان [] إذ لم يعلم بها، فكان
[ ٢ / ٧١٣ ]
كالحاكم يجتهد بما أبيح له، فيمضي ثم يتبين له أن غير ذلك هو الصواب فلا ينقض ما نفذ من قضائه.
وهو أيضا بمنزلة حاكم حكم بما تبين له من دلائل على غائب، فله أن يبيع عليه فيه ربعه، ولا يتوقف عن ذلك لإمكان أن يكون عند الغائب حجة، فبعد أن باع وقضى الدين قدم الغائب، وقد أبقاه على حجته في الدين، فأقام بينة بقضاء الدين، أن له الرجوع بالثمن، على المقضي له بالدين، ولا يرد بيع الدار، لوقوعه بأمر جائز.
وكذلك أمرأة المفقود يضرب لها الأجل، وتتزوج زوجا، ثم يأتي زوجها.
وكذلك امرأة النصراني يسلم، فتعتد وهو غائب، وتتزوج انه إن قدم زوجها وأقام بينة أنه أسلم قبلها، أو أسلم في العدة بعدها، فلا سبيل له إليها.
وقد اختلف قول مالك في هذه الثلاث مسائل، في امرأة المفقود، والتي لا تعلم بالرجعة، والتي تسلم ثم يسلم زوجها في عدتها وهو غائب ولا تعلم.
فقال: لا سبيل للاول إليها إذا تزوجت، وقال: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وهذا في التي لم تعلم بالرجعة مروي عن عمر بالإسناد الجيد، من رواية
[ ٢ / ٧١٤ ]
مالك وابن وهب وغيره.
وكذلك نكاح الوكيل أو الأب يزوج ابنته، ويزوجها رجل قد وكله الأب أيضا، فهذا لم يختلف قول مالك فيها، أن الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني.
والأصل في هذا: أنه لما كان لكل واحد أن يفعل ما فعل فقد تساويا في أمرهما، فلا يكون أحدهما أولى بما فعل، إلا أن يزيد مرتبة على صاحبه، فإن تساويا في أنهما لم يدخلا كان الأول أزيد مرتبة منه، فيسبق فإن دخل الثاني كان الدخول أقوى من السبق إلى العقد.
ولا يجوز أن يقال: إن العقد الثاني كان فاسدًا، وهذا من العقود التي يكشف صحتها ما يظهر بعد ذلك، كالذي يتيمم، فلا يجوز أن يقال: إنه إن أصاب الماء قبل أن يدخل في الصلاة أن تيممه في حين ما تيمم باطل، إنما ظهر لنا بوجوده الماء الآن أن تيممه باطل، حتى إذا دخل في الصلاة قبل أن يجده، ووجده في الصلاة، ظهر لنا الآن أن تيممه صحيح.
[ ٢ / ٧١٥ ]
وكذلك القاضي يحكم بما ذكرنا، ثم يظهر له خلاف ذلك على ما بينا.
وكذلك ما أتى من السنة، فيمن وجد بعيره في المغنم، أنه إن وجده قبل دخوله في المقسم، أخذه بغير ثمن، وإن وجده قد قسم لم يأخذه إلا بالثمن.
فلا يجوز أن يقال: لما كان له مالكا قبل القسم، فلا يزيل عنه القسم، وذلك أن للمشركين فيه شبهة ملك، بما دل عليه هذا الحديث والحديث الاخر: من أسلم على شيء فهو له، يريد: وإن كان أصله للمسلمين.
فهذه الغنيمة، لما كان لأهل الغنم أن يقسموا، ولا يترقبوا تمييز ما منه لمسلم او غيره، ثم افاتوا ذلك بالقسم الذي لهم فعله، لم يكن لمالكه إليه سبيل.
وكذلك كل من له أن يفعل فعلا، فلا ينقض فعله إلا إلى ما هو أقوى منه
فالمطلقة لها أن تتزوج بعد العدة ولا تترقب، لما يظن انه قد ارتجعها، فلا يرد لها فعل أباحه لها ظاهر الكتاب والسنة، وذلك أن الزوج عقد رجعة مباحة له، وعقدت هي نكاحا مباحا لها، وزادت الدخول فكان فعلها أقوى ألا يرد لما زاد من أحكامه.
[ ٢ / ٧١٦ ]
كما أن الجيش لما غنموا مال هذا الرجل وهم لا يعلمون، فملكوا ذلك بأمر جائز في الظاهر مباح، وقد سبق لربه ملك فيه، وهذا أقوي من ملك المشركين، ولهؤلاء فيه شبهة ملك، لشبهة ملك المشركين فلما كان لهم أن يفعلوا فيه، وبسطوا أيديهم في قسمه فقسموه، جعل النبي ﵇ قسمهم إياه يمنع صاحب الملك القديم منه، ويقوي الملك الثاني الذي كان ضعيفا وكان الملك الأول أقوى منه.
فكذلك ما يسبق به العقد ويتأخر بالأمر الجائز، فيرد الأمر فيه إلى من قوي سببه على ما شرحنا، لتساويهما في الإباحة، فأحقهما أقواهما سببا فيما أبيح لهما فيه أن يحكما وأن يفعلا، وعلى هذا دلت السنن والأصول، وهو قول الخلفاء التابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى قال: أنا سحنون عن ابن وهب عن يونس عن أبي الزناد عن عمر.
وذكره ابن شهاب ومالك عن عمر، بمثل ما ذكرنا من قول مالك، في التي لا تبلغها الرجعة حتى تنكح.
[ ٢ / ٧١٧ ]
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن شاذان، قال أنا معلي قال نا عبد الله بن عمر، ونا عبد الكريم الجزري، عن سعيد أن عمر قال في رجل طلق امرأته، قم خرج في سفر، فأشهد على رجعتها ولم تعلم بذلك فتزوجت، قال: إن رجع قبل أن يدخل بها زوجها الآخر فهي امراته.
وروى مثله ابن وهب عن عمر، في الوليين يزوجان، وهو خبر ثابت.
وروى مثله عن معاوية، وقاله عطاء، نا أبو بكر قال نا يحيى قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، قال أنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن ابن المسيب: ان السنة مضت في الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها الرجعة، حتى تحل فتنكح زوجا غيره، أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها من زوجها الآخر.
وقاله عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وقاله ابن شهاب، وهو قول عطاء ومكحول وربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله مالك والليق، وقضى به شريح في التي لم تعلم بالرجعة، وقال جابر بن زيد، إذا دخل بها الثاني فلا شيء للأول [وإلا] [فهي للأول].
[ ٢ / ٧١٨ ]
وقاله ابن الزبير والحسن بن علي.
وهذا كله بالأسانيد الجيدة، تركنا [هنا] إيعابها كراهية التطويل، إذ فيما ذكرت وفي بعضه مقنع، و[الله] المستعان على توفيقه.
ولم يذكر هذا الرجل في مسألته هذه اثرا صحيحا ولا شيئا عن أحد من السلف، إلا أنه ذكر عن أبي موسى في الوليين يزوجان فأعوزه أن يجد ذلك إلا عن رجل واحد، في غير المسألة التي احتج لها، فجعل ذلك أصلا، ثم قاس عليه التي لا تعلم بالرجعة فإن لم يرد ذلك قياسا عليه، فلا معنى لما ذكره عن أبي موسى في غير مسألته.
والذي ذهبنا إليه مروي ثابت عن ستة من الصحابة، ثلاثة من الخلفاء وعن عشرين من التابعين بالحرمين والعراقين والله المستعان.
[ ٢ / ٧١٩ ]
باب قضاء ذات الزوج في مالها
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في ذات الزوج: إنه لا يجوز فعلها في مالها، من صدقة وعتق وهبة إلا قدر الثلث.
قال: فحذر غير محذور، وحد ما لم يحد الله ولا رسوله ولا اجتمت عليه الأمة، وجعل من لا يملك المال يحكم في مال غيره.
واحتج بقول الله سبحانه: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه﴾ وقول النبي ﵇: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام. وكل ذي مال أحق بماله.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
فوجب بذلك ألا يحكم أحد في مال غيره، وجعل مالك للزوج رد عتقها، وهو يقول: يقطع إن سرق من مالها فجعله كأجنبي ثم جعل له رد ما أعتقت، وهو لا يجوز له عتقه، ولا المال له ثم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها، فما الفرق، ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا سنة؟
قال: وإذا لم تحكم إلا في الثلث من يحكم في الثلثين، لا هي ولا زوجها ولا غيره، فيكون مال لا حاكم فيه، لا مالكه، ولا غيره.
ثم قال: إن تصدقت بجمع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز هاهنا حكمها في الثلث [] [في غيره].
وقال: إن أصدقها صداقا فقام عليها الغرماء، فلا يقضي لهم فيهب شيء، وتشتري به الجهاز للدخول على زوجها، فمنع الحق من أهله، إذ هي ملية، تقضي دينها بالصداق الذي ملكته بأوجب واجب.
وقد امتنع النبي ﵇ من الصلاة على الذين عليه الدين، فكيف بمن يجد قضاءه ويمنع منه غرماءه، لشراء طيب وجهاز، فلما ضمن أبو قتادة الدين، صلى عليه النبي ﵇، فهذا يدل أن من ضمن عن رجل دينا أن المديان يبرأ منه لرب الدين.
[ ٢ / ٧٢١ ]
وقال مالك: لا يبرأ المضمون عنه بذلك، ولا يؤخذ به الضامن إلا في عدم الغريم أو موته، ولو كانت ذمته مشغولة ما صلى عليه الرسول ﵇ بعد أن امتنع.
فالجواب عن ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم﴾ فدل بقوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أن المراد الزوج، فإذا كان بظاهر القرآن هو قيما على زوجته وواليا عليها، وجب أن يكون له في المال معنى خص به، ولا يزيل قيامه عليها بهذا العموم إلا بدليل يقوم.
وقام الدليل من كتاب الله وسنة نبية ﵇ ان للزوج في مال المرأة معنى، يجب له معه القيام بحفظه [وقيامه] عليها، وذلك أنه زيد عليه في الصداق من أجله إذ لو نكحها على تفويض، وبني بها وكانت ذات مال، ان صداق مثلها اكثر من صداق مثلها لو كانت فقيرة، ولو حتى أتلفت مالها قبل النكاح، لم تأخذ في صداق مثلها عشر ما يأخذ في ملائها.
فدل ذلك أن ما زيد على الزوج من الصداق لسبب مالها، أن تلك الزيادة عليه لسبب مالها، لمعنى أن في المال الذي لها، فوجب علينا أن نستدل على ذلك المعنى، لما رأينا [] منها لم يبق إلا أن له جماله ببقائه عندهما لما له في ذلك من تعجل نفعه بذلك، من جمال ذلك عليه، ومن جاء عواقبه ومن غير ذلك.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
فجعلنا له أن يمنعها ما يزيل ذلك عنه، مما يتلف به المال أو يجحف به ويزيل أكثره، [و] قوانا على ما تأولنا في ذلك من كتاب الله، ما قاله رسول الله ﷺ، رواه أبو هريرة: تنكح المرأة لمالها وجمالها، فجعل للمال ما جعل للجمال، الذي به يستمتع فكان له أيضا معنى في المال يستدل عليه، وعلى ما أشار النبي ﵇ إليه، وكذلك قوله ﵇ لتلك المرأة، اتي تزوجت بنعلين/ أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين.
نا به عبد الله بن سعيد الحداد، قال نا أبو عمران موسى بن الحسن البغدادي قال: نا عاصم بن علي بن عاصم قال: نا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت رجلا على نعلين، فرفعت إلى النبي ﵇، فقال: [أ] رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم: فأجازه.
قال شعبة: فكان في نفسي من الحديث شيء فلقيته فسألته أيضا فحدثني، فقال لها: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم، قال رأيت ذلك، قال: وأنا أرى ذلك.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
فقرن النفس مع المال في عوض الصداق فذلك يدلك أن له في المال معنى، كما له في البدن معنى التمتع به، فنظرنا سبب ما وجب له في المال بذلك، فلم نجد غير هذا المعنى، فأقمنا ظاهر الكتاب والسنة فيما وجدنا قيام ذلك فيه لئلا يتعطل ذلك، وأخرجنا من ظاهر ذلك ما أجمع الناس على إخراجه من تمليك الزوج لمالها حقيقة الملك، وكذلك أخرجنا من ذلك ما أجمعوا عليه أنه ليس له منعها من إتلاف اليسير الذي لا يجحف بالمال من الثلث فأقل، وما وقع فيه الاختلاف أصرفناه إلى ما أقمنا، به ظاهر الكتاب والسنة، وهكذا يجب علينا، وإلا أبطلنا المعاني بأسرها.
وإقامة الأمر إلى ما يستعمل به ما أمكننا استعما [له] من الكتاب والسنة أولى بنا. وهذا وقد روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن المرأة لا تحكم في مالها إلا بإذن زوجها.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا ابو مسلم قال نا ابو عمر الضرير، قال نا حماد عن داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلىى الله عليه وسلم قال: لا يجوز لامرأة في مالها أمر، إذا ملك زوجها عصمتها.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
ورواه حماد بن سلمة وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عن النبي ﵇.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال نا سحنون، عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه أبيه سمع عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله ﷺ: " أيما رجل ملك عقدة امرأة تزوجها، فليس لها أن تعطي شيئا من مالها إلا بإذن زوجها ".
قال: وأنا سليمان بن أيوب عن عطاء بن دينار وغيره.
وقاله طاووس وربيعة وعمر بن عبد العزيز وغيره من التابعين.
قال: وأنا يزيد بن عياض، عن عمر بن عبد العززي عن رسول الله ﷺ مثله، وأنا مخرمة، عن أبيه، عن ابن المسيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثله.
وأنا يونس عن ابن شهاب قال: أدركت أهل العلم يقولون: ليس للمرأة أن تعطي من مالها عطاء ذا بال إلا بإذن زوجها.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وهذا الذ [ي نص] ابن شهاب أنه الذي سمع العلماء بالمدينة يقولونه، رواه ابن الماجشون بإسناده له عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يجوز لامرأة أن تقضي في مال ذي بال إلا بإذن زوجها.
والحديث الذي تقدم ذكرنا له لا يخالف هذا، ومعنى الأول في الشيء الكثير الذي يجحف المال، بدليل ما أجمع الناس عليه أن فعلها في القليل جائز، فخرج ذلك مما جاء في الحديث ودل عليه القرآن.
نا [انب] وهب، عن شمر بن نمير، عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: يجوز للمرأة ما أعطت من مالها والديها في غير سرف، إذا احتاجا إلى ذلك، فمنعها من السرف.
وعلي هذا جاءت الأحاديث كثيرا عن السلف.
وكانت [صفية] بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر – وهي بنت ستين سنة – لا تعتق رقبتها حتى تستأذن زوجها.
نا به أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن الليث، عن نافع.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ما يقرب من هذا.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ويكثر علينا تقصي ما روي عن السلف في هذا.
وهذا - مع شهرته وتأكده في سلف الأمة من صاحب وتابع – الذي قال هذا الرجل فيه: إنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وهذا من التنطع، والله المستعان على اتباع سبيل المتقدمين.
وقوله: تقطع يده إن سرق مالها، ورأى هذا خلافا لقوله: إنه يمنعها فيه الحوادث، وأن هذه مناقضة.
وهذا أمر غاب عنه، لأنا لم نقل: إنه مالك لماله منعها من إتلافه، فلما أراد أن يتملك مالها بالسرقة قطعناه، لسرقته ما غيره مالك له وإنما له فيه سلطان المنع من إتلافه، ليبقى بيدها لما قام دليلنا به.
وقد يمنع المريض من الحكم في ثلثي المال وارثه، ولو سرقه الوارث في مرض المريض لقطع، فما الذي استبعد من هذا؟
وقوله: فمن يحكم بالثلثين؟ فيقال له: ومن يحكم في الثلثين من مال المريض؟ لا هو ولا ورثته ولا غيرهم.
وهذا إدخال غافل، والمرأة والمريض يحكمان في الثلثين في ملكهما لما ينميه ولا
[ ٢ / ٧٢٧ ]
يتلفه، كما أن المديان يحكم في ماله لما ينميه، ولا يجوز عندنا أن يتلفه والدين محيط بماله.
وقوله: بم أجاز هبتها لزوجها جميع مالها؟ فما الفرق، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة؟
وقد دللناه على ما غاب عنه من الكتب والسنة، وأما الفرق بين الزوج وغيره، فإن منعنا للزوجة من إتلاف مالها من أجل الزوج، فإذا كانت الهبة له، زالت العلة التي كان لها المنع.
وإنما تكون مناقضة لو منعناها الحوادث من مالها لأن لها زوج، لا لأن للزوج حجة في ذلك ومنفعة له حق القيام بها، كما كان للورثة منع المريض من إتلاف ماله وإعطائه لغيرهم أو أن يخص به أحدهم، فحتى لو أعطاهم أنفسهم ماله كله بينهم سواء وهم بنون ذكر أو إخوة لجاز ذلك.
وكذلك لو أوصى بماله لوارثه وهو وارث واحد، أو لورثته على حسب مواريثهم.
وكذلك الزوج الذي كان له المنع هو الموهوب، لم يبق لأحد حجة، ونحن فلم نمنعها من مالها أن تتلفه لأن لها زوج، وإنما قلنا: للزوج منعها من ذلك، لمعنى هو له
[ ٢ / ٧٢٨ ]
في ذلك المنع، فإذا زال منعه زالت العلة، التي لها منعناها، وكذلك قال من قال قولنا من السلف.
أنا محمد بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، عن ابن وهب، عن رجال من أهل العلم، عن الأوزاعي، عن عمر بن عبد العزيز كتب في المرأة تعطي لزوجها العطية والصدقة: إن كان عن طيب نفس منها، فهو مما أحل الله أن يأكله هنيئا مريئا، وإن كان عن استكراه أو ضرار أو تخويف، فليرد عليها ما أعطته.
وقاله يحيى بن سعيد وأبو الزناد وابن شهاب وربيعة وغيره.
وأما قوله عن مالك: إن تصدقت بجميع مالها فللزوج رد جميعه، فلم يجز ثلثا، ولا غيره، فقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة.
فقال المغيرة وغيره: يجوز منه الثلث، وقال مالك وغيره: يبطل جميعه، وهو قول محتمل للنظر، لأن تجاوزها في الكثير عمل بالضرر، الذي لا يباج لها، وفما جرى على وجه الضرر أبطلنا جميعه، وما جرى على الإصلاح نفذ إذا لم يكن ذلك مجحفا بالمال، الذي للزوج الحجة في بقائه.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وشيء آخر: أنَّا متى رددنا فعلها لما يتبين لنا من الضرر، كان لها أن تأتنف فعل ما أراد [ت] مما لا يرد من فعلها، والمريض إذا جاوز الثلث، وفات بنفسه، فقام الورثة برد ذلك، لم يكن للميت من يأتنف له الوصية بالثلث، أو غير ذلك مما كان هو يأتنف لو رد عليه فعله قبل فوات نفسه.
فليس ردنا لما زاد على الثلث من فعل الميت كردنا لفعل المرأة؛ لأن هذه قادرة على ائتناف ما أرادت، والميت يفوت ذلك منه، فلم يتساو هذا.
وأما قوله: إذا قام الغرماء عليها لم يقض لهم بأخذ الصداق في دينهم، وتشتري به الجهاز أولا، فهذا قد دلت عليه الأصول، لأن الصداق قد تعارف الناس أنه إنما يدفع إليها لتصرفه فيما يتجملان به ويستمتعان به، فكأنه كالأمر المشترط، لأنه عرف قائم، فقضاؤه في دينها يمنع الزوج مما عليه بذل الصداق، ولو علم أنه إنما يصدقها لتصرفه في دينها، وتأتيه فقيرة، ما بذل لها ما بذل، وهذا ظاهر في التعارف.
وقد ذكرنا في باب الرجوع بنصف الصداق في الطلاق ما دل على كثر من معاني الخلاف في هذا الباب، وإن كان إنما بذل الصداق لأمر، فله القيام به والرفع لكل ما منع منه والله أعلم.
وليس لها أن تقطع عنه ما عليه أعطي الصداق كما لا تمنعه ما اشترط.
وقوله في امتناع النبي ﵇ من الصلاة على المديان، حتى ضمن عنه أبو قتادة، فقد قيل: إنه منسوخ بقوله ﵇: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلي.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وهو قول ابن شهاب، قال: وكل من مات وعلي دَيْنٌ فدينه على الأمير، وهو ظالم إذا لم يقض عنه.
وقوله: إن بضمان الكفيل، برئت ذمة الميت، ولولا ذلك ما صلى عليه النبي ﵇ بعد امتناعه، [] لأنه لو مات مليا، والطالب على ثقة من قبض ماله، [أو قبض كثيره إذا لم] []، والله أعلم.
وقد مات عمر وغيره من أكابر الصحابة عن دين عليهم ولهم وفاء به، فأظهر المعاني أنه لما قام صلى كان من الدين على ثقة أنه يقضى عنه، كما لو مات مليا، فصلى عليه ﵇، لما تأكد من إمكان قضاء دينه.
والدليل على ذلك: أنه لو دخلت ذمته من الدَّين الأول لكانت عامرة بِدَين أبي قتادة أيضا، فقد حصل أن عليه دينا، لأن لأبي قتادة طَلَبَه بما يؤدي عنه، وليس في الحديث أن ذلك هبة ولا صلة، وإنما فيه الضمان، ومن ادعى براءة الذمة بالضمان، أو أن أبا قتادة تصدق بذلك، ادعى ظنًا لا تقوم به حجة، وأسأل الله توفيقه برحمته.
وإن قال: إن أبا قتادة رضي بالقضاء عنه على علم بأنه لا يجد في تركته وفاء، فإن لم يكن هبة وصدقة فهو على طيب نفس من تأخيره عليه، لرجاء ما يقضي عنه آخر ذلك، أو بشيءٍ يرجى.
[ ٢ / ٧٣١ ]
قيل له: فإن كانت ذمته مشغولة بدَين أبي قتادة بطلت علتك: أن النبي ﵇ لم يصل عليه إلا وهو خالي الذمة، وإذا صلى عليه النبي ﵇ مع عمارة ذمته، كان ذلك دليلا أن التوقف عن الصلاة لفقد قضاء الدين، فلما صار في أمن من قضائه بالضمان صلى عليه، وكذلك لو كان مليا لم يتوقف علـ[ـيه] السلام من الصلاة عليه، والله أعلم، فبطلت العلة التي ظننت أن الضمان يبريء الذمة.
وإن قلت: ذلك صدقة من أبي قتادة، لم يحصل معك غير الدعوى التي لا يجوز أن تدعيها بالظن، وهذا من التمني، والله المستعان على توفيقه.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
في التظاهر من الأمة
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن ظاهر من أمته: أنه يلزمه، وحكى أن مالكا قال: وإن آلى من أمته لا يلزمه.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن لقوله سبحانه: و﴿الذين يظهرون منكم من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ الآية، وقال: ﴿وإن عزموا الطلق﴾.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
فأوجب أن الظهار والطلاق لا يكونان إلا من الأزواج دون الإماء، بقوله: ﴿من نسائهم﴾ والنساء المقصود إليهن في هذا الأزواج دون ملك اليمين، ولم يوجب علينا ظهارا، ولا إيلاء فيما ملكت أيماننا.
فقال مالك: لا يلزمه الإيلاء من أمته، فلم تكن الأمة عنده من نسائنا، ثم نقض ذلك فقال: يلزمه الظهار منها، والآيتان في الظهار والإيلاء، قال الله سبحانه في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ففرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا أتى به خبر، وظاهر الآية: إنما وجب الظهار فيما وجب فيه الإيلاء ولم يوجبه إلا في الأزواج، فقائل هذا مغفل، غير سالك طريق النظر.
أرأيت لو جسر غيره، فقال: يلزمه الإيلا في أمته ولا يلزمه فيها ظهار، هل الحجة عليه إلا كهي على مالك؟ ولم يفرق بين ما فرقت كتاب ولا سنة ولا اتفاق.
وإذا كان الاختلاف في ذلك، فظاهر القرآن يدل على أن المراد النساء اللاتي يظاهر منهن أزواجهن، وكذلك الإيلاء.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل غافل فيما حكى عن مالك في هذا وفيما أنكر، وذلك أن مالكا يقول: إن ظاهر من امته لزمه الظهار، ولم يقل: إن من آلى من أمته إلا يطأها ان اليمين لا تلزمه، وإنما لا يلزمه ضرب الأجل لأمته، لأنه ليس لها حق في الوطء إذا امتنع منه.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
والزوجة لها ذلك حق من حقوقها، وهذا في ظاهر القرآن أن كلمة الإيلاء إنما هي اليمين، وإجماع الأمة أن الأمة لا طلب لها على السيد في الوطء، حلف أو لم يحلف.
وأظن هذا الرجل ظن أن ضرب الأجل هو الإيلاء، وهذا بعد شديد، وإنما الإيلاء اليمين التألي ألا يفعل الوطء.
قال النبي ﵇ في الذي باع التمر فأصاب المبتاع فيه ما وضع به من الثمن، فحلف ألا يضع عن المشتري شيئا، فقال ﵇: " تأتي ألا يفعل خيرا "، أتيت بالمعنى.
قال النابغة:
وآليت لا آتيك إن جئت مجرمًا ولا أبتغي جارا سواك مجاورا
قال أهل اللغة: ﴿للذين يولون من نسائهم﴾ أي: يحلفون، يقول: آليت أولي، إذا حلف ألا يجامعها، والاسم الأَلِيَّة، قال جرير:
ولا خير في قول عليه أَلِيَّةٌ ولا في يمين عُقدت بالمآثم
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وأظن هذا الرجل لم يعلم أن الإيلاء اليمين، وإذا كان الإيلاء اليمين فكيف يحكي عن مالك، أنه قال: إذا آلى في أمته أنه لا يلزمه الإيلاء؟
فهذا قول غير محصل، وإنما لا يلزمه عند مالك ما يجب في الإيلاء للزوجة من ضرب الأجل، لحقها في طلب الوطء. ولا خلاف أنه لا حق للأمة في الوطء، فيضرب لها في يمين السيد على ذلك أجل. فإن كان هو يقول: إذا آلى ألا يطأ أمته، إنه لا إيلاء عليه، يعني لا يمين عليه تلزمه، فقد خرج من أقاويل العلماء.
وإن قال: تلزمه اليمين، ولا يضرب فيه أجل، فهو ما قلنا. وإن قال: إن الإيلاء المذكور في القرآن إنما عُنِي به الزوجاتُ في سياق الآية.
قلنا: هو كذلك، بدليل آخر الآية، بقوله سبحانه: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، فدل أن أول نص الآية في الزوجات، ولكن كلمة الإيلاء في اللغة هي اليمين، على ما بينا.
فإن قال: فلم لا قلت في الظهار: إنما عني به الزوجات، بظاهر قوله: ﴿يظاهرون من نسائهم﴾ كما قال في الإيلاء: ﴿يولون من نسائهم﴾ فكان ذلك الحكم في ضرب الأجل مقصورا على الزوجات، دون ملك اليمين؟
[ ٢ / ٧٣٦ ]
قلت: لا يلزمني هذا، لأن في آخر الآية في الإيلاء ما كشف أن المراد بالحكم الزوجات، بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾، ولا طلاق في ملك اليمين، وآية الظهار على عمومها، كما كانت آية أمهات النساء والربائب من النساء.
فلما كان قوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾ عامة في أمهات الزوجات وأمهات السراري، وكذلك قوله في الربائب: ﴿من نسائكم التي دخلتم بهن﴾ فكانت بنت السرية محرمة بهذا العموم، فكذلك آية الظهار.
ومعنى آخر أن الكفارة في الظهار جعلت لما قالوا من الزور والمنكر فلا يبالي قالوا ذلك في الزوجة أو الأمة.
ألا ترى أن الكفارة عندك في اليمين على ترك الوطء في الزوجة والأمة واجبة، فلما تساوت الأمة والزوجة في إيجاب كفارة يمين الإيلاء، فألا ساويت بنيهما في إيجاب الكفارة في الظهار، وأخرجت الأمة من الأجل في الإيلاء للدليل الذي قلنا: إنه لا حق لها في الوطء، وهذا بيان إلا أن يكابر مكابر.
وهذا الرجل لا يقول برد ما ذكر إلى ما لم يذكر، فكيف رد حكم الظهار إلى ما
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ظهر له من البيان في الإيلاء؟
فإن كان لأنها يمين ويمين، فليساو بينهما فيما ذكرنا، مع ما يلزمه من نقض أصوله، وذلك أنه يلزمه أن يجعل الكفارة بالعتق في الظهار رقبة مؤمنة، كما ذكرت ﴿مؤمنة﴾ في كفارة القتل، إذ هي كفارة وكفارة، ففسرت هذه، وأجملت هذه، وهذا خلاف أصلك.
والعجب في قولك: لأن الله سبحانه قال في كل آية: ﴿من نسائهم﴾ ثم فرق مالك بين ذلك.
وقد أريناه أن مالكا ساوي بينهما فيما يمكن فيه التساوي، وإنما فرق بينهما فيما لا يمكن التساوي فيه كما بينا.
وكيف لم تلزم نفسك مثل هذا في شهادة العبد، فتقول كما قلنا، لما قال الله: ﴿وأشهداو ذوي عدل منكم﴾ ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أن المخاطبين ها هنا الأحرار، كما قال الله في الآية الأخرى: ﴿وأنكحوا الأيامى
[ ٢ / ٧٣٨ ]
منكم﴾، فكان المخاطبين في ذلك الأحرار، لقوله: ﴿والصالحين من عبادكم﴾، يقول: عبيدكم.
فلما تساوى قوله في هذه الآية: ﴿منكم﴾ وفي هذه الآية: ﴿منكم﴾ كان ما كَنَّى في إحداهما يكشفه ما ذكر في الأخرى، كما كان [] قوله في آية الإيلاء: ﴿من نسائهم﴾، وعقب بذكر الطلاق دالا على أن قوله في آية الظهار: ﴿من نسائهم﴾ إنهن الزوجات.
فهذا يلزمك، مع ما فيه من نقض أصولك، وآية التحريم في أمهات النساء والربائب أبين أن تكشف كل ريب.
هذا على أن الأمة والحرة في إيجاب اليمين في الوطء سواء، أن اليمين لازمة، فتأمل معاني ما تقول قبل القول.
ومن أخرج آية الظهار من العموم إلى الخصوص بغير دليل خُصِم. ولا يجوز أن يقال: لما كان ضرب الأجل في الإيلاء للحرائر، دل ذلك أن آية الظهار يراد بها الحرائر.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
لأنا إنما اعتبرنا في آخر الآية ما بين أن ذلك للزوجات بذكر الطلاق، وليس في آية الظهار ذكر الطلاق، ولا ما يدل على ان المراد الزوجات، والإيلاء أصل والظهار أصل، فردُّ ذلك إلى آية الإيلاء لا يلزم، ولأن ما في آية الإيلاء مما خصصت به الزوجة إنما هو ضربُ الأجل، وأما اليمين فلازمة في الحرة والأمة.
هذا مع أن هذا الرجل لا يقول بالقياس، فكان الغلط عليه في ذلك أَبْيَنَ.
وجائز أن تأتي العبادة بالظهار في الإماء والإيلاء بضرب الأجل للحرائر، فلا في معاني القياس يصحّ هذا ولا فيما تقلد من نفي القياس، فما الذي حسن عنده من هذا؟ وهذا أبين من أن يشكل ولله الحمد.
وقوله: وإنما أوجب الله الظهار فيما وجب فيه الإيلاء، وفرق مالك بينهما، وقائل هذا مغفل غير سالك طريق النظر.
فهذا كلام رجل يشبه أن يكون غائبا عن الفهم في هذا القول، لأن قوله: إنما أوجب الله الظهار فيما أوجب فيه الإيلاء، إن أراد إلزام اليمين، فهو قول مالك: أن اليمين تلزمه في الأمة والحرة، في الظهار والإيلاء، وإن أراد ضرب الأجل فلم يوجب الله ذلك في الإيلاء الأمة، وإنما أوجبه فيما فيه الطلاق، ولا طلاق في الملك، فأين النص بأن ما ذكر الظهار إنما هو فيما يكون فيه الطلاق.؟
فدعواه للنص في ذلك باطل ودَعوى على الله، وإن كان ظنا فالظن لا يغني من الحق شيئا، وإن قياسا فذلك لا يجوز لما بينا انهما أصلان، وليس يتساويان فيما فيهما من المعاني، والقياس فباطل عنده، فلا وجه لما تعلق به هذا الرجل، وإلا ما كشف من غفلته وسوء رويته وخفة لسانه في ان مالكا عنده مغفل في هذا.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
فهذا من طوام الحوادث، أن مالكا مغفل في يقظة هذا الرجل وفطنته، والله المستعان.
وقد كشفنا ما أدَّته إليه فطنته، التي تقرب من نوم أهل اليقظة، وما يرضى من له تحفظ بما رضي به هذا الرجل.
والعجب من قوله: ولو تجاسر متجاسر، فقال: يلزمه فيها الإيلاء، ولا يلزمه الظهار، فإن أراد اليمين، فنعم تلزمه فيها اليمين بإجماع، وإن أراد ضرب الأجل فلا قائل لذلك، وهو خلاف النص. وهذا الرجل يكثر من هذا أن يقول في مناظرته: لو قال أحد بكذا بخلاف النص، وخلاف الإجماع.
فهذا ما لا يناظر بمثله من سلك في العلم طريقا، وكيف يناظر من جرد رد النص والإجماع. وكيف يكون من قال بقول من أقاويل السلف، أنه كمن رد النص والإجماع، وإنا في عناء معن في تكلفنا لنقض مثل هذا التلاعب.
والذي قاله مالك من ذلك، هو قول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وغيره، ومن التابعين فيما حفظنا نحو ثلاثين رجلا، منهم السبعة الفقهاء من فقهاء تابعي أهل المدينة.
وهذا كله مروي من رواية ابن وهب وغيره.
[ ٢ / ٧٤١ ]
ومن ذلك أيضا ما أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن أحمد المالكي قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا يزيد، عن حبيب، عن عمرو عن جابر قال: الظهار من الحرة والأمة سواء، [] [] [سويد]، بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم.
قال محمد بن أحمد: ونا محمد بن شاذان قال: نا معلي قال: نا ابن لهيعة قال: نا موس ابن أيوب، عن إياس بن عامر قال: سألت علي بن طالب، فقال: تحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم ما يحرم عليك من الحرائز.
وقاله عمار بن ياسر.
وما ذكر في ذلك عن ابن عباس فمختلف في صحته، واختلف فيه عن مجاهد وعن الشعبي.
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى، قال: نا سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن سعيد وسالم، يفتدي من الأمة في الظهار كما يفتدي من الحرة.
وقاله سليمان بن يسار والحسن.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
قال ابن وهب، عن سليمان بن يسار وعبد الله بن أبي سلمة والزهري والقاسم وسالم وغيرهم من السبعة الفقهاء من تابعي أهل المدينة وغيرهم.
وقاله عطاء ويحيى بن سعيد وطاووس وعكرمة، وجابر أراه ابن زيد، وغيره.
وقد ذكرنا ما أيد ذلك من الدلائل، مع من قال ذلك من السلف، وأسأل الله التوفيق برحمته.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
باب في ظهار العبد وإيلائه
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في إيلاء العبد، فقال: إن قال: إن إيلاء العبد على النصف من إيلاء الحر، وإن عليه من كفارة الظهار مثل ما على الحر، ففرق بين ما لا يفترق، والله سبحانه لم يفرق بين العبد والحر في الإيلاء ولا في الظهار، وما كان الله بغافل.
فالجواب عن ذلك: أن العبد لما كان إيلاؤه يجر إلى الطلاق، وكان طلاقه عندنا على النصف من طلاق الحر، وكان الأجل في الإيلاء يقربه إلى الطلاق، فكان الأجل فيه على النصف من ذلك، كما كان طلاقه وحدوده والعِدَّة في الأمة.
ولما قال الله سبحانه: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
[و] كان العبد في حدوده على النصف من حدود الأحرار، كان كذلك [فيـ]ـما لحقه مما يشبه الحد، لأن حرمته أخفض من حرمة الحر، والطلاق [ممـ]ـا تصل إليه به المشقة والضرر في منع الوطء، الذي هو سبب الحد، فهو مخفوض الحرمة فيه كالحد.
وكذلك إيلاؤه، لأنه إلى الطلاق يجرّه، وتقريب الأجل فيه من دخول المشقة عليه، ومع أن الحدود والطلاق وأجل الإيلاء وعدة الأمة، أمر يكون الحكم فيه على العبد أو الأمة، وليس مما هو لهم، بل هو مما عليهم، كما كانت الحدود عليهم.
ويبعد أن يشبه ذلك بالأعمال التي هي لله عبادة في بدنه، كالصلاة والصوم، ومنها عبادة في كفارة يمينه بالله أو بظهار أو غيره، فهو في ذلك كالحرّ، لبعد اشتباه ذلك بالحدود، التي هي مشقة تناله في بدنه، والله أعلم، وأمر يُقام عليه لغيره، لقول الله سبحانه: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.فكل أمر يكون على الأرقاء، مما يشبه الحدود التي عليهم فهو على النصف مما على الحرّ، وما كان لهم مما يخصهم فهم والأحرار فيه سواء.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
وكذلك ما كان من عمل أبدانهم، على ما دلّ عليه القياس على الأصول، من كتاب الله من الحدود في انخفاض حرمتهم فيها، وألزموا بإجماع مثل ما على الحرّ، من صوم وصلاة يقدر عليها، وكفارة يمين وكفارة صوم وظهار وقتل نفس.
والظهار ففيه صوم، فهو أشبه بما أجمعوا عليه، من إيجاب صوم رمضان وكفارة اليمين بالصوم، وما أعلم قائلا: إن صومه في الظهار دون صيام الحرّ.
واحتلف في أجل الإيلاء والمـ[ـفارقة] فلم يجز أن يشبهوا بالصوم، وهو أشبه بمعاني الطلاق، ورده إلى ما هو أقوى شبها به من الأصول أولى.
ولا وحشة علينا في أخذنا بالقـ[ـياس في] ذلك، وقد نضحنا بحمل من الكلام على القياس أول الكتاب.
وهو قول [عمر] بن الخطاب وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم من التابعين كثير.
[نا محمد بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال: نا أبو الطاهر أحمد بن عمرو، عن ابن وهب قال: أنا عمرو بن الحارث والليث، عن أيوب بن موسى، عن طلحة بن عبيد الله ابن كريز أن عمر بن الخطاب قال: إيلاء العبد شهران.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
قال: وأنا أبو يحيى بن سلمان الـ[]، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد [قال]: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: يقولي العبد بشهرين.
وقاله ابن شهاب والخعي وعدد من التابعين. وقاله مالك والليث.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
باب في رضاع المرأة ولدها
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في رضاع المرأة ولدها: إنها ترضعه، إلا أن تكون لا ترضع مثلها، لشرف وغني فلا تجبر، الوضيعة على رضاعه.
واحتج هذا الإنسان بقول الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، قال: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، بقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾ فأوجب أن يرضع الوالدات أولادهن فعم كل والدة.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
ففرق مالك بين ما لا يفترق بدلائل من كتاب الله ولا سنة ولا اتفاق، وخالف ظاهر القرآن.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الرجل ذكر اثنين، فجعل حكمهما واحدا، وليس الأمر فيهما سواء فيما أدى إليه ظاهر القرآن، وما تأويل مالك بتأويل من سبقه في قول الله تعالى ذكره: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾.
فإنما ذكر الله سبحانه ذلك في آية الطلاق، فإنما تأخذ إجارة الرضاع المطلقة، قال الله سبحانه: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾، وجعل هذا الرجل أن من العصمة كذلك، وليس الأمر كذلك.
ولو كان الأمر على ما ذهب إليه، إنما ترضع بإجارة كانت في عصمته أو فارقها - وقاله بعض الناس - لكان للمرأة أن تأبيى الرضاع إذا كانت شريفة أو وضيعة، إذا كان يقبل الصبي غيرها، فأين يستقيم قوله: إن الله سبحانه أوجب أن ترضع الوالدات أولادهن، كانت شريفة أو وضيعة.
وقوله: وجعل الزوجة أجيرة للمولود، غلط إنما هو للمولود له لا على المولود، وهذا في الطلاق، إلا أن يكون الابن له مال، فذلك في ماله.
وأما قوله الله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾ فهذه في التي عصمة الزوج، على ظاهر القرآن وأبين في التأويل، فعم كل والدة، وأوجب الرضاع عليها، ولم يذكر لها أجرا كما قال هذا الرجل، لأن الزوجة بعد في
[ ٢ / ٧٤٩ ]
نفقة الزوج، قال الله سبحانه في سياق الاية: ﴿وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن﴾، فأوجب على الزوج رزق الزوجة وكسوتها، وكان الرضاع عليها، إلا أن يخرجها من ذلك دليل، كما أخرج الأب من أن يلزمه في الطلاق أجر رضاعة الولد إذا كان الولد له مال بدليل، وذلك أن العذر الذي تعذر به الزوجة في عصمة الزوج يرفع الرضاع عنها، وذلك أن تكون مريضة أو قليلة اللبن، أو ممن يكربها ويشقق عليها الرضاع والسهر ومؤونة ذلك، وهي ممن لا محمل لها به ولا غلبة، من صغر سنة أو سقم بدن أو رفاهة يبلغ ذلك بها مبلغ المشقة الذي يعذر بمثلها.
وإذا عرف أن مثلها لا يقدر على الرضاع، ولا تتكلف مؤونة الصبيان، لموقع ذلك منها من رفاهة أو زمانة، كان لها عذر تخرج به عن اللواتي لا يبلغ ذلك منهن ما أيبلغ منها.
وذلك أن الله سبحانه يقول: ﴿وسعها لا تضار والدة بولدها﴾، وهذا من الضرر، أن يبلغ منها أن يخرج بها إلى تحمل ما يشق عليها وما ليس من شأنها ولا من معرفتها، وما لا تقوم مثلها بمثله، ولا يقـ[ـوم] مثلها على إمساك الصبيان وتعاهدهم، والقيام عليها، فلا تكلف ذلك؛ لأن ذلك من الضرر المرفوع.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
والعرف الجاري في الناس مأخوذ به، مرجوع إليه في كثير من الأحكام، قال الله سبحانه: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾.
وأما إذا كانت تقدر على تحمل هذه الأمور، ومثلها لا يضعف عن ذلك وتقوم بذلك، ولا يشق عليها في عادة مثلها لذلك، وأنه من شأن مثلها، فلذلك عليها، إن شاءت فعلته بنفسها أو آجرت من تقوم فيه مقامها، وهذا مستدل عليه بما ذكرنا من معاني الكتاب، والله أعلم.
وقد تأول مجاهد في قوله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ أنها في المطلقة، ولها الأجر.
وذهب سفيان إلى أن الأجر عليه كانت في عصمته أو طلقها، وإلى نحو هذا أشار هذا الرجل. فقد أجمعوا أن المطلقة لها الأجر، فإذا كانت تأخذ الأجر فهي المخيرة في نفسها، وإذا كان من قولك: إن التي في عصمته كذلك تأخذ الأجر، فهي مخيرة في نفسها أيضا.
[ ٢ / ٧٥١ ]
فإذا قالت الشريفة: لا أرضعه ولا آخذ عليه أجرا على أصلك، أليس لها ذلك عندك، ولا تجبر؟
فما الذي بعد عليك، من قول مالك في الشريفة، وأنت قائل: إنك لا تجبرها، وإنما قال مالك: لها أن تمتنع من الرضاع، وهو قولك فيما ظهر إلينا.
وإن قلت: إن الصبي لا يقبل غيرها، فهذا قول مالك فيها: إنها تجبر لو أنها بنت الخليفة، فما الذي أبديت فيه وأعدت من هذا، والناس أحد رجلين: قائل إن المطلقة والتي في العصمة تأخذ الأجر، كما نحوت إليه، وقائل قال: لا أجر للتي في العصمة، والأجر للمطلقة، وقال مالك في التي في العصمة: لا أجر لهان على ظاهر القرآن إلا أن تكون مثلها لا ترضع لعذر يقوم تعذر بمثله.
فقد أجمع هو وغيره في هذه المرأة: إنها لا تجبر وبقي من سواها من ذوات العِصَم، فأوجب مالك عليها الرضاع بلا أجر، وقال: عليه بأجر، فخرجت تلك المرأة التي
[ ٢ / ٧٥٢ ]
امتنعت من الرضاع لشرفها، باجتماع من الفريقين.
فأي درك على مالك في قول أجمع معه عليه مخالفه، فتأمل أقاويلك، واعتبر ما تقول الأئمة، بانخفاض إلى سعة علمهم وقلة تكلفهم، والله المستعان.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
باب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل ما حكي عن مالك في عدة الأمة، فقال: قال مالك: عدتها من وفاة الزوج شهران وخمس ليال، ومن الطلاق قرءان أو حيضتان.
وقال هذا الرجل: قد عم الله النساء في العدة، فلم يخص أمة من حرة، ولا مسلمة من كافرة، كان الز [وج] حرا أو عبدا أو كافرا، فقال في الزوجات في الوفاة، ﴿يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، وقال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء﴾، وقال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.
فجعل عدة الحوامل [في الوفاة] أن يضعن حملهن، وجعل على المطلقة التي مثلها تحيض ثلاثة قروء، وعلى التي ارتابت نفسها من كبر أو صغر ولا تحيض ثلاثة أشهر.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
فجعل مالك على الأمة في الوفاة نصف عدة الحرة، وفي الطلاق ثلثي عدتها، والتي يئست من المحيض إن إرتابت نفسها ثلاثة أشهر، وكذلك على التي لم تحض وهي ممن توطأ، ففرق بين ما لا يفترق، وحدد حدودا [لم] يحدها الله، وفرق بين ما لم يفرق الله بينه.
فإن قال الذاهب إلى ذلك: قلت ذلك في الأمة قياسا على ما أوجب الله سبحانه عليها في الحدود نصف حد الحرة.
وقيل له: لا تقاس شريعة على شريعة أخرى، وإنما يقاس ما لم يأت فيه خبر، والعدد قد نص الله عليها ولم يخص الإماء، فإن أوجبت على العبيد في كل فرض نصف ما وجب على الحر، فاقطع نصف يده إذا سرق، أو لا تقطعه حتى يسرق مرتين أو يسرق مثلي ما يجب فيه القطع، والقطع أشبه بالحدود من العدة، واجعل عليه في كفاراته نصف كفارة الحر، أو لا يكفر حتى يحنث مرتين وهذا لا يقوله أحد من الأمة.
فجعلت بعض الخطاب على ظاهره وبعضه خاصا، وجعلت آية الظهار عامة في العبد والحر وآية كفارة قتل الصيد، وقلت: آية العدد خوطب بها الأحرار، وقلت في قوله: ﴿إذا نكحتهم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، عامة في العبيد والأحرار، فكذلك قوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ الآية، فلم يفرق الله سبحانه بينهما في ذلك، ولا ثبت عن الرسول ﵇.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وجعل في استبراء الأمة في البيع حيضة، والتي لم تحض ثلاثة أشهر، وأم الولد في موت السيد حيضة.
فمرة كعدة الحرة، ومرة النصف، ومرة أكثر، ومرة ترد إلى ما تعرف النساء.
فمن أباح لك إيجاب ما أوجبت، وتفريق ما فرقت؟ وجعلت قوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ خاصة، والله عم بها ألا تبين زوجة إلا بالطلقة الثالثة، وقال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زواجا غيره﴾، إلا التي لم يدخل بها وحدها تبين بالواحدة، إذ لم يجعل عليها عدة بقوله: ﴿فما لكم عليهن من عدة﴾ وهذه جعلتها عامة.
وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ عندك للأحرار خاصة، لأن طلاق العبد عندك طلقتين، ولم يفرق الله بين الأحرار والعبيد في شيء من ذلك ولا سنة ولا إجماع.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
وروى عن ابن عباس: ألا تبين امرأة العبد إلا بثلاث تطليقات، ورواه عن النبي ﵇، وقال ابن ابن المسيب، قال الحسن وقتادة: إيلاؤه أربعة أشهر.
وروى يزيد بن هارون عن ليث عن مجاهد، قال: قدمت المدينة فوجدتهم قد أجمعوا في عبد زنى وهو محصن أن عليه الرجم، إلا عكرمة.
وروينا أن عمر بن عبد العزيز أنه حدّ العبد في القذف ثمانين، وهو ظاهر القرآن.
أرأيت لو قال قائل: أنا أوجب على العبد النصف في كل ما أوجبه الله، إلا فيما أوجبت أنت النصف، فنحن نكلمك عليه.
ويلزمك إذا رمي زوجته بالزني، [أ] لا تكلف إلا شاهدين لأنه كلف الحر أربعة، ويشهد في اللعان مرتين فيما قال الله فيه للحر: ﴿أربع شهادات بالله﴾ وهذا لا يقوله أحد.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
فالجواب عن ذلك: أن إنكاره أن تكون عدة الأمة نصف عدة الحرة في الطلاق، والوفاة، فالذي قال مالك من ذلك، في الكتاب دليل عليه، وهو قول السلف، قاله عمر بن الخطاب وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعدد غيرهم من الصحابة وابن المسيب، والحسن وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عتبة وسالم والقاسم وابن شهاب ونافع وقتادة، وزيد بن أسلم وسليمان بن يسار، وبكير بن الأشج وربيعة ويزيد بن عبد الله ويحيى بن سعيد وعمر بن عبد العزيز وكثير يكثر ذكرهم من التابعين وغيرهم.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وقاله مالك والليث والشافعي، وهو قول أئمة الأمصار.
وكذلك طلاق العبد طلقتين، إذ لا تنقسم الطلقة الواحدة، وكذلك أكثر السلف في طلاق العبد.
قال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة، مما تغني شهرته عن ذكر إسناده، فمنه رواية مالك في موطئه، وابن وهب في موطئه وفي غيرهما من المصنفات.
وأنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: نا يوسف بن [الضحاك] نا أبو سلمة قال: نا حماد عن عبيد الله، عن [أبيه عن] ابن عمر مثل ما قال مالك والليث في ذلك.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
قال محمد بن أحمد: ونا أحمد قال: نا معلى قال: نا ليث عن أيوب بن موسىى عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب عن عائشة مثل ذلك.
قاله سعيد والقاسم وسالم وأبو سلمة ويحيى بن سعيد وسليمان بن يسار ومحمد بن عبد الرحمن وعمرو بن شعيب وعبد الرحمن بن عبد الله بن الهدير ويزيد بن قسيط، وربيعة وأبو الزناد وعكرمة، ومكحول وإبراهيم والشعبي.
وما روى عن الشعبي وعكرمة، خلاف ذلك فليس من طريق يصح.
وكثير يكثر علينا ذكرهم من التابعين.
وقولنا: في عدة الأمة في الطلاق حيضتان القول المتعارف المشهور عن العلماء في السلف والخلف.
وإنما يذكر شيء عن ابن سيرين، الله أعلم بصحته، أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون في ذلك سنة، فإنها تتبع.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
فابن سيرين لم يقو في ذلك قوله، وكأنه منه في ريب، وإن ما تظاهر وقوي بالمدينة في علمائهم وأعصارهم لا يدافع بمثل هذا.
وكذلك أجمع العلماء على أن عدتها من الوفاة شهران وخمس ليال، إلا هذا الأمر الضعيف المذكور عن ابن سيرين.
وأجمعوا أنها – إن كانت حاملا – فإن عدتها تنقض بالوضع، لا خلاف في ذلك.
واختلفوا في الأمة التي لم تحض، ومثلها تجامع، وفي اليائسة من المحيض.
فاختار مالك للأمة في الطلاق ثلاثة أشهر، لأن الحمل لا يكاد يبين ويظهر في أقل من هذا المقدار. وأصل العدة طلب براءة الرحم، وإن كان في العدة للحرة زيادة في الحيض على الأمة فما زاد فيها على حيضة فهو عبادة والله أعلم.
ومع ذلك، فهي أعظم حرمة من الأمةن ولا ينفي نسب ولدها إلا بلعان، الامة ينفي ولدها بادعاء السيد الاستبراء، فقد عظم أمر الحرة وزيد في أحكامها.
إلا أن قد علمنا أن ما تكشفه الحيضة من براءة الرحم ليس يساوي من مرور الزمان فمن لا تحيض، لكبر أو صغر [] [شهرين] [وأقل في استبراء الأرحام] [] ثلاثة أشهر فيمن لا حيض لها، لا تجد في الأصول غير هذا.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وكذلك في أم الولد يموت سيدها، وقد قعدت عن المحيض.
فإن قلت: فما بال الأمة تبرأ بشهرين وخمس ليال في الوفاة في الزوج؟ قلت: هذا على أنها ممن تحيض، فأتاها في الشهرين وخمس ليال حيضتان التي تعرف، فأما لو فقدتها فلم ترها في وقتها، لصارت مسترابة ترفع إلى تسعة أشهر، إذ هو الأغلب من حمل النساء، فهذا ما دلت عليه الأصول والاعتبار من دلائل الكتاب.
والعجب في تجاسر هذا الرجل على ردّ قول قد تعارفه السلف والخلف من العلماء في عدة الأمة في الوفاة، ثم يرى أن ذلك بخلاف ظاهر القرآن.
وكذلك في عدتها في الطلاق بحيضتين في شهرته في السلف والخلف، يدفعه من الشاذ بما لا اتابع له، ثم لا يزعه ذلك عن التوقف عن القول بخلافهم، ولا عن هفوات لسانه في القول فيهم.
وقال في أول كلامه كلاما فيه استحالة، حين قال: فلم يخص أمة من حرة، ولا مسلمة من كافرة كان الزوج حرا او عبدًا أو كافرا.
فيكف يكون الزوج كافرا وامرأته مسلمة؟ لأنك سميت المسلمة أولا.
وإن قلت: أعني لا تكون تحته مسملة، قلنا: هذا في ضميرك، وقد ظهر من لسانك ما لا يحسن معه ما نويت.
ثم حتى لو حسن ما نويت، لكان أعجب في غلطك، وما علينا نحن من النصاري في عددهم وطلاقهم، وكيف يجوز أن تقول: إن الكافر والكافرة دخلا في هذه الآية، ولا يدخل تحت أعمال الشريعة إلا من أجاب إلى أصلها، ولا يأمر الله الكفار شرائع
[ ٢ / ٧٦٢ ]
الإسلام، على أن يبقوا كفارا.
فكيفما أصرفت كلامك كان خطأ، والله سبحانه قد قال في آية عدة الوفاة مادلّ على أن الخطاب للأحرار بقوله آخر الآية: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فما فعلن في أنفسهن﴾ فجعلهن يفعلن في أنفسهن ما أحببن من النكاح، والأمة لا تحكم في نفسه ما تريد من النكاح إلا بإذن السيد.
والله سبحانه قد جعل على الإماء إذا زنين نصف ما على المحصنات، يعني الحرائر، فدلّ بذلك ان كل ما على العبيد مما يشبه الحدود أنه على النصف من ما على الحر، إذا كان شيئا يمكن فيه التصنيف.
فلما كانت الحيضة الثانية لا تنقسم، ولا ينقسم الطهر الذي قبلها، إذ لا يعلم نهايته، أكمل عليها وكذلك الطلقة في طلاق العبد.
ولأن العدة والطلاق من معاني الحدود، لأنه من حماية الفروج وتحصينها لتستباح بما يجب من الإباحة، دون حماها الله عنه من الزنا، وكان ذلك أن يرد إلى ما ذكر الله من الحدود، أولى من أن يرد إلى ما عليها من صلاة وصوم وكفارة.
ورددنا إلى الصوم والصلاة ما يشبهه من عمل البدن، من صوم ظهار العبد وكفاراته، وأكملناه عليه.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
وجعلنا إيلاءه شهرين لأنه مقرب إلى الطلاق، الذي دللنا أنه بالحدود أشبه، فكان في الاشتباه به أقرب، ولا أعلم في صوم الظهار خلافا أنه مكمل على العبد.
وأما قوله: فألا قطعت نصف يد العبد، أو لم تقطعه حتى يسرق مرتين، أو مثلي ما يجب فيه القطع.
قلت: هذا فاسد من غير وجه، منها: أنه لا خلاف في هذا فيحتاج فيه إلى القياس. فإن قلت: فلم لا قست عليه العدة والطلاق، دون أن تقيس ذلك على الجلد، وهذا حدّ وهذا حدّ؟
قلت: لأن الحدود نص الله عليها أن عليهن نصف ما على الاحرار منها، وأصبنا القطع مخصوصا من الحدود بإجماع لا اختلاف فيه، فلم يجز لنا خلاف ذلك، ورددنا المختلف فيه من العدة والطلاق وشبهه إلى ما يشبهه مما ذكر من النص.
ومعنى آخر، أن حدّ الفساد في الأرض الذي عم ضرره يستوي فيه الحرّ والعبد والكافر والمرأة في [النفي والقتل] والصَّلب، ممن علت حرمته أو انخفضت، لعموم ضرره وسائر الحدود التي تخص بخلاف ذلك.
وشيء آخر، أن اليد لا تنتصف كما لا تنتصف النفس، ومن الفساد أن يؤخر حتى يسرق مرتين كما لا يؤخر في القتل، حتى يقتل مرتين.
وإنما يفترق العبد من الحرّ في عقوبة بدنه، لا في المقدار الذي هو السرقة التي يجب بها القطع، كما لا يفترق منهما السبب الذي يسمى زنا، وإن كان الحدّ فيه مفترقا.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وأما قوله: لا تقاس شريعة على شريعة، فهذا منه غفلة، ولو كان في عدة الأمة، نص، لم يسع أحدا خلافه.
وقد دللنا أن خطاب عدة الوفاة نصه في الحرائر، وأما عدة الطلاق فلم يَقُل أحد: عدة الأمة فيه منصوصة.
وقد اجتمع من تقوم الحجة باجتماعه – مما لاينقضه الشذوذ – أن عدتها في الطلاق حيضتان، ولو حتى كان في ذلك اختلاف فاش كثير، ما جاز أن يقال: إنهم اختلفوا في النّص، كما ظنّ هذا الرجل.
ولو أجمعوا في العدة كما أجمعوا في الآيات التي ذكرت، من القطع والطلاق للعدة ورفع العدة عن من لم يدخل بها لسلمنا إلى ذلك.
ومع أن إصراف هذا عن ظاهره فساد، لأنا لو أصرفنا الطلاق لغير الحـ[ـدود]، لم ينصرف ذلك إلا إلى امر لا ينبغي، من الطلاق في الحيض المنهي عنه بالنص.
والتي تطلق ولم تدخل بها، متى عدلنا بها عن هذا، لم نجد أصلا نردها إليه يوجب عليها عدة، ولا على الحرة في ذلك عدة فيكون على الأمة نصفها، وإنما نرد ما أشكل علينا إلى أصل واضح يشبهه، إلا كان على عمومه، هذا والإجماع كفانا مؤنة التكلف، وهذا رجل متكلف، يسومنا أن نغير أشياء وجبت بإلحاق، ثم لا يساويها للمعنى الذي أراد منا أن نردها إليه، وهذا حجاج من ضاقت مذاهبه.
وقوله: جعل في استبراء الأمة حيضة، وإن كانت لا تحيض فثلاثة أشهر، وأم الولد حيضة.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
قال: فمرة كعدة الحرة، ومرة النصف، ومرة أكثر ومرة ترد إلى ما تعرف النساء. فأما قوله: فمرة أكثر، فكلام فاسد، فأين وجد لنا أنا جعلنا على أمة في العدة أكثر مما على الحرة؟
وأما قوله: ومرة إلى عرف النساء، وعرف النساء لا ينتهي به إلى اكثر مما قلنا في الحرة، لأنه لما تعارف النساء أن الرحم لا تبرأ في أقل من ثلاثة أشهر، لم نطلق لها البراءة في أقل من ذلك.
وأنت لا تخالفنا في ذلك، وإنما تخالفنا في التي تحيض، وقد يتفقان في الحمل في النكاح، وفي بيع الأمة، أن وضع الحمل براءة رحمها، فلم يوجب هذا تسوية حكم الامة في البيع والنكاح مع الحرة، ولكن لا براءة للرحم إلا بذلك.
ونحن فلم نقل ترد إلى ثلاثة أشهر التي لم تحض أو قعدت عن المحيض لأنها وجبت لها بذلك مساواة أحكام الحرة، ولكنا إنما نخفضها عن مرتبة الحرة لما يتغير فيه الأصل، الذي له جعلت العدة.
فلما علم أن العدة لبراءة الرحم، وكان الرحم لا يبرأ في أقل من ثلاثة أشهر بالعيان، وبدليل القرآن في اللواتي لم يحضن، أو يئسن منه من الحرائر، فقصرناها على ذلك في العدة والاستبراء ليكمل الغرض المقصود في العدة من براءة الرحم.
ولما كان الرحم يبرأ بالحيض، أقمنا فيه ما يمكن من انخفاض أحكام الأمة في ذلك.
ولو تأملت الأصول هذا التأمل، أمسكت عن كثير من كلامك، واقتصدت في مالك. وأما عداوه أنه قول ابن عباس وابن المسيب، أن طلاق العبد ثلاثا، وأنه رواه عن النبي ﵇، ثم لم يذكر لذلك إسنادا، ونسبه إلى ابن المسيب.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
فالذي عندنا خلاف ذلك [عن ابن] عباس وابن المسيب، وقد رواه مالك عن عثمان [وزيد، ورواه ابن و] هب وغيره عن من قدمنا ذكره من الصحابة والتابعين، منهم [عثمان] وابن عمر وعائشة، وغيرهم من التابعين من يكثر ذكرهم منهم سعيد ابن المسيب، الذي تنسب إليه قولك، وقد نسبه غيره إلى علي وابن عباس بإسناد واه لا يثبت، من رواية إبراهيم بن أبي يحيى، وهو عندهم كذاب أو لعله وجد ذلك من رواية مثلها في الضعف.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا ابن الجهم، قال: نا ابن شاذان قال: نا معلي قال: نا سليمان بن بلال قال: نا جعفر، عن أبيه أن عليا قال: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء.
قال: ونا الأنصاري قال: نا عبد الله؟ قال: نا وكيع، عن هشام، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء.
ففرق بين أحكام الأحرار والأرقاء، ولو كان الطلاق فيهم واحدا والعدة واحدة لم يفرق بين حكمهما.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وما ذكر للنبي ﷺ، فهذا غير ثابت، ولا ذكر له إسنادا فنعلله.
قال محمد بن الجهم: وقد نا أبو قلابة، عن أبي عاصم عن ابن جريج، عن مظاهر ابن أسلم، عن القاسم عن عائشة أن النبي ﵇ قال: طلاق الأمة تطليقتان، وتعتد حيضتان.
قال أبو عاصم: ثم لقيت مظاهرا فحدثني به.
قال ابن الجهم: ونا محمد قال: نا معلي قال: نا عمرو بن شعيب، قال نا عبد الله بن عيسى عن عطية العوفي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، مثله.
وعبد الله بن أبي عيسى، هو ابن أبي ليلى.
وتأولوا هذا على أن [] الصحابة من الخلفاء وغيرهم، من كشف هذا [] المشهورة [] إسناد ذلك [] أسانيد أهل المدينة في [] في العدة وإنما [] يزيد بن هارون عن ليث عن مجاهد قال: قدمت المدينة فوجدتهم [قد] أجمعوا في عبد زنا وهو محصن أن عليه الرجم، إلا عكر [مة].
[ ٢ / ٧٦٨ ]
[وأما] قوله: ليث ومجاهد، فهو غلط، وإنما هو ليث، عن مجاهد وهذا قد قال فيه محمد بن الجهم، وغيره: إنه باطل لا شك فيه، قالوا: ومـ[ـكث في] المدينة حتى سمع هذا الإجماع، الذي لا يذكر فيه عن صاحب ولا تابع إلا خلافه.
ثم ما باله ترك إجماع أهل المدينة إلى قول عكرمة؟ ولنا [عن] عكرمة خلافه.
أنا محمد بن عثمان قال نا محمد بن الجهم، قال: نا جعفر الـ قال: نا محمد بن سابق قال: نا زائدة، عن ليث قال: قال مجاعد في مملـ[ـوك] فجر قد كان أحصن بحرة، قال عكرمة، ليس عليه رجم، إنما هو بمثل الأمة ﴿فإذا أحصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات [من] العذاب﴾، وقال مجاهد: وسألوني، فقلت مثل قول عكرمة.
والـ[ـعجب] في ذكر هذا الرجل لهذا الذي ذكر، وهو خلاف الإجماع – ما أعـ[ـلم] من يقوله إلا أن يذكره عن من لا يقوم به خلاف ولا سلف له عنه.
وقيل عن بعض الخوارج: إنه يجلد العبد مائة، ولا حد على الأمة حتى تتزوج فإذا تزوجت وزنت، حدت خمسين جلدة.
وهذا كـ[ـلام] من عند غير الله، ومما لا أصل له، ولا سلف لقائله.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
ولم يذكر هذا الر [جل] مذهبه في رجم العبد، وذكر هذا كما ترى، ولم يفصح أنه يقوله [] وقد جلد عمر بن عبد العزيز عبدًا في القذف ثمانين، فهذا شيء ذكرنا فيه هذا وغيره، وأهل المدينة على خلاف هذا، وقد أنكروا ذلك على ابن عبد العزيز، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى [عدي] بن أرطاة [] [إني كنت جلدت] في عملي على المدينة أربعين [] من عمله عمله بالمدينة هو المعروف فيهم [].
[ ٢ / ٧٧٠ ]