وأيكما أتبع لما روي عن رسول الله، ﷺ، وأشد حذرا من خلافه، مالك حين روى عن عثمان بن عفان ﵁، أنه غطى وجهه بالأرج وهو محرم، بقطيفة أرجوان وروى عن ابن عمر أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. وروى أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله، ﷺ، لعمرو بن حزم في العقول، إن في الموضحة خمسا من الابل، فذهب إلى الأخذ بما رواه عن ابن عمر، لأن ابن عمر قد رأى أن الوجه، والرأس رأس كلّه، إذ نهى المحرم أن يغطي ما فوق ذقنه. وإذ روى أن رسول الله، ﷺ، نهى أن يغطي المحرم رأسه، في حديثه، عنه، والموضحة إنما هي في الوجه والرأس فكانت الموضحة عنده أصل ما تكلم فيه إن الموضحة مروية عن رسول الله، صلى الله [١٤ و] عليه وسلم.
[ ٧١ ]
وزعمت أنت أن الوجه غير الرأس، وأن الله، ﵎، فرّق بينهما فأمر بغسل الوجه، وأمر بمسح الرأس. وأمر رسول الله، ﷺ، بمن مات محرما أن يكشف عن رأسه ووجهه، فرددت بهذا قول مالك، ﵁، في حديثك عن عثمان، في كتاب ردك على مالك ثم نقضت قولك هذا كله، وقلت في كتاب الديات والقصاص، في باب ما لا يجب فيه أرش من كتبك: إن خراج البدن مخالف لخراج الرأس، لأن النبي، ﷺ، قضى في الموضحة بخمس من الابل، ثم قلت والذي يحفظ عمن لقيت أن الموضحة في الوجه والرأس، وأن الرأس والوجه رأس كله، لأنه إذا قطع قطعا معا، وإن كان يتفرقان في الوضوء فالرأس إذا ذهب ذهب الوجه، فمرة احتججت بكتاب الله ﵎، وسنة رسول الله ﷺ، في التفريق بين الوجه والرأس؛ ومرة خالفت ما رويت عن رسول الله، ﷺ، فزعمت أن الرأس والوجه رأس كله، بعد أن زعمت أن رسول الله، ﷺ، فرّق بينهما فأمرت بمن مات محرما ان يكشف عن رأسه دون وجهه. وإن الله ﵎، فرق بينهما في كتابه، فأمر بغسل الوجه [١٤ ظ] ومسح الرأس.
وأما مالك، ﵁، فلم يختلف قوله، ولم يخالف ما روى عن رسول الله، ﷺ.
[ ٧٢ ]
النهي عن مسك عصمة الزوجة الكافرة
وأيكما أتبع لما روي عن رسول الله، ﷺ، مالك، ﵁، حين روى أن صفوان بن أمية هرب من الاسلام، ثم جاء النبي، ﷺ، وشهد حنينا والطائف، مشركا وأمرأته مسلمة، واستقر على النكاح، وروى عن ابن شهاب الزهري أنه قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله، عز اسمه، وإلى رسوله، ﷺ، فرّقت الهجرة بينها وبين زوجها إذا أتى زوجها مسلما، قبل أن تنقضي عدتها.
وقال مالك في الرجل يسلم قبل امرأته إنه يعرض عليها الاسلام، فإن أسلمت وإلا فرّق بينهما. واحتج في ذلك بكتاب الله، عز اسمه، حيث يقول: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قال مالك: فلا يمسك مسلم بعصمة كافرة ولا تبقى عصمة مسلمة لكافر، إلا على ما روي عن رسول الله، ﷺ، أما عصمة المسلمة للكافر فحتى تعتد، وأما عصمة الكافرة للمسلم ففي قدر ما يعرض عليها الاسلام، وذلك فيما هو يقارب إسلام هند من إسلام أبي
[ ٧٣ ]
سفيان لا يزاد على ذلك ولا يخرج منه عنه، ولا يعدى إلى غيره [١٥ و].
وزعمت أنت أن إسلام الزوج قبل زوجته، والزوجه قبل زوجها سواء، لا فرق بينهما إلا بانقضاء العدة، وقلت وكان بين اسلام هند وإسلام أبي سفيان أيام، فزعمت أنه إنما كان بين إسلام أبي سفيان وإسلام هند، أيام، فأقرَّهما رسول الله، ﷺ، على نكاحهما. وأقررت أنت مثلهما على نكاحهما وإن كان بين إسلامهما أعوام، لأنك جعلت أنت أن للرجل أن يتمسك بعصمة الكافرة ما لم تنقض عدتها، وقد لا تنقضي إلا في أعوام، في قولك، لأنك قلت في كتاب العدة: إن عدة المطلقة بالحيض، فإن كانت إنما تحيض، في كل سنة، حيضة فلابد لها من ثلاث حيضات وإن استكملت في ذلك ثلاث سنين. فجعلت الزوج إذا أسلم قبل زوجته أحق بها ما بينه وبين انقضاء عدتها، برأيك، لا بخبر أتيت به عن النبي، ﷺ، وإنما رويت العدة عن النبي، ﷺ، في إسلام المرأة قبل زوجها بخير لا يثبت عندك مثله، فأخذت به وأما مالك، ﵁، فاتبع الرواية المأثورة عن رسول الله، ﷺ، في إسلام صفوان بعد إسلام زوجته، وفي إسلام هند بعد
[ ٧٤ ]
إسلام زوجها [١٥ ظ] فبم يجعل الزوج أحق بزوجته إذا أسلمت قبله إلا فيما بينها وبين انقضاء عدتها، ولم يجعل للزوج التمسك بزوجته إذا أسلم قبلها، إلا مثل العذر الذي كان قبل اسلام أبي سفيان وإسلام هند، ومنع ما زاد على ذلك بكتاب الله، عز اسمه، لقوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. فلم يجعل مالك ﵁، للزوج التمسك بعصمة كافرة إلا مثل ما جعل له رسول الله، ﷺ، من التمسك بها لا أكثر من ذلك.