وقال الشافعي من مس أخاه المسلم ميتا أو أفضى بيده إلى جسد الميت انتقض وضوؤه. وهذا خلاف لما جاء عن رسول الله، ﷺ، في ذلك. فحدثني يحيى بن عمر قال حدثني نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى: قال حدثنا أبو الربيع السمان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة، أم المؤمنين، قال: رأيت رسول الله، ﷺ، قبّل عثمان بن مظعون يوم مات، فكأني أنظر إلى دموعه، وهو يمسحها
وهكذا أيضا روي عن أبي بكر الصديق، ﵁، حين مات النبي، ﷺ، فجاء أبو بكر فلما رآه قال: "إنا لله
[ ٨٤ ]
وإنا إليه راجعون. بأبي أنت وأمي يا رسول الله" وهو مسجى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. حدثني يحيى بن عمر قال حدثني محمد بن أبى السري العسقلاني، قال حدثنا عبد الرزاق قال معمر عن الزهري عن ابن أبى سلمة عن ابن عباس: أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ وهو مسجّى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. والحديث بمثل هذا يكثر ذكره، وفيما ذكرنا ما يكفي به المزيد.
حدثني يحيى بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد الله [٢٠ و] بن بكير، قال: حدثنا مالك بن أنس، وحدثني يحيى، قال حدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر حنّط ابنا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يتوضأ. قال أبو بكر فهذا عبد الله بن عمر، ﵁، قد حنّط هذا الميت، ومن حنط ميتا فلابد أن يمسه بيده، لأنه يضع الحنوط بيده على مواضع من جسد الميت، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ. وهذا من فعل عبد الله بن عمر في مسه الميت وصلاته من غير أن يحدث وضوءًا
[ ٨٥ ]
يبين لك أن النبي، ﷺ، حين قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت لم يتوضأ؛ ويبين لك أيضا أن أبا بكر الصديق، ﵁، حين قبّل النبي، ﷺ، وهو ميت، صلوات الله عليه، لم يتوضأ؛ ويبين لك أن من مس الميت كمن مس الحي، لا فرق بينهما.
وقلنا للشافعي أيضا من أين جاز لك أن تقول: من مس أخاه الميت المسلم انتقض وضوؤه، بعد ما ذكرنا لك عن رسول الله، ﷺ، وعن أبي بكر وابن عمر وابن عباس وغيرهم، أن من مس خنزيرا أو ميتة أو غيره أنه لا ينتقض الوضوء، فصار الميت المسلم عندك من مسه أسوأ حالا ممن مس خنزيرا أو ميتة أو غيره. فحكاية قولك هذا تجزئ من الاحتجاج عليه، لفساده، وبالله التوفيق.