وقال الشافعي: إذا ذبح المرء ذبيحة من القفى فتحرّكت بعدما قطع رأسها، أكلت وإلّا لم تؤكل؟ فقلنا للشافعي إنّ قولك هذا خلاف لما قال أهل العلم، لأن الذكاة إنّما تكون فيما فيها الحياة، فأمّا من قطع منها عظم القفى، وقطع نخاعها قبل أن يصل إلى مذبحها الذي فيه
[ ١٠١ ]
ذكاتها وهو الحلقوم والأوداج فأيّ ذكاة لهذه؟ هذه قد أنفدت مقاتلها ولا حياة لها. أرأيت لو أنّ رجلا ضرب عنق شاة من القفى فقطع عظم قفاها ونخاعها وبقي الحلقوم والأوداج، فهي تضطرب للموت، حتى جاء رجل، فقطع الحلقوم والأوداج منها، وتحرّكت بعد ذلك أكانت تؤكل؟ أو أرأيت لو أن رجلا قطع بالسّيف شاة بنصفين فأبان كلّ نصف على حدة، فأخذ نصفها الذي فيه الرأس فذبحه فتسال الدماء وتحرّك النصفان جميعا بعد الذبح، تحرّك نصفها الأعلى بضرب [٢٨ و] يديها وتحرّك نصفها الأسفل بضرب رجليها، أيحلّ أكلها جميعا عندك بعد الذبح لأنهما تحرّكا بعد الذبح أو يحلّ الآخر؟ فهذا الذي ذبحت من القفى فقطع عظم قفاها ونخاعها قبل أن تصل إلى المذبح، وهو الحلقوم والأوداج بمنزله سواء لأن هذه لا تعيش أبدا لأن نخاعها قد انقطع. وقد جاء عن رسول الله، ﷺ ما يردّ قولك وما ذهبت إليه من قولك هذا. فحدّثني يحيى بن عمر وأحمد بن داود قالا حدّثنا سحنون، وحدّثني يحيى والحارث وأبو الطّاهر قالوا: حدّثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد بن عطاء الخراساني، أن أبا مالك الأشعري قال كان رسول ﷺ أمر له ولأصحابه بجزور فقام إليها رجل بالسّيف فضربها فقطع رأسها فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ، فأمر لهم بجزور أخرى، ونهاهم عن
[ ١٠٢ ]
أكلها، فأين قولك إنّها إذا ذبحت من القفى فتحرّكت أنّها تؤكل؟ وقد أبان سعيد بن المسيب مسألتك بعينها. وسعيد سيّد التابعين في فضله وعلمه، وإنه قال: لا يحلّ أكلها. فحدّثني يحيى بن عمر وأحمد بن داود قالا حدّثنا سحنون. وحدّثني يحيى قال حدّثني الحارث وأبو الطاهر، قالوا حدثنا عبد الله [٢٨ ظ] بن وهب قال أخبرني بن أبي ذيب عن أبي الحويرث أنّ محمد بن جبير بن مطعم أمر أعجميّا أن يذبح له دجاجة فذبحها من قفاها حتى بقيت جليدة قال أبو الحويرث فدخلنا على سعيد بن المسيب فسألناه عن ذلك، فقال لا تحلّ الألسنة إلّا من مذبحها، أرأيت لو قطع فخذها أو ساقها؟
وحدثني يحيى وأحمد قالا: حدثنا سحنون، وحدثني يحيى قال: حدثني الحارث وأبو الطاهر قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: سمعت سفيان بن سعيد الثوري يحدث عن أبي أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: الذكاة في الحلق واللّثة.
وحدثني يحيى وأحمد قالا حدثنا سحنون وحدّثني يحيى قال حدثني الحارث وأبو الطّاهر قالوا حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدّثني يحيى بن أيّوب عن عبد الله بن زحر عن القاسم مولى عبد الرّحمان عن أبي أمامة الباهلى أن رسول الله ﷺ قال: "كل ما
[ ١٠٣ ]
أفرى الأوداج." ما لم يكن من ذوي ناب أو ذوي ظفر. قلنا للشافعي: أفلا ترى إلى حديث أبي أمامة عن رسول الله، ﷺ، إذ قال صلوات الله عليه: "كل ما أفرى الأوداج." فأوجب أن الذكاة إنما هي في الحلق والأوداج [٢٩ و] وقول ابن عباس، ﵁، فافر الأوداج. فخالفت أنت هذا كله برأيك.
وقال الشافعي: وأقل ما يجزئ من الذكاة بأن يبيّن الحلقوم والمري، فإذا أبان الذابح الحلقوم والمري فقط ولم يقطع الودجين كانت [الذبيحة] مذكاة وحلّ أكلها عند الشافعي، فافهموا هذا فإنّ حجته التي احتجّ بها أعجب، إذ يحتجّ على حديث رسول الله، ﷺ إذ قال صلوات الله عليه: "كل ما أفرى الأوداج" فلم يلتفت هو إلى الأوداج. ثم قال الشافعي: وإنما أريد بفري الأوداج أنها لا تفرى إلا بعد قطع الحلقوم والمري. والودجان عرقان قد يسلان من الانسان والبهيمة ثم يحييان. فأبان في حجته أن الودجين ليسا من الذكاة في شيء. وإنما الذكاة عند الشافعي، الحلقوم والمري فقط. فيا سبحان الله ما أعجب هذا، إن أبا أمامة الباهلي يروي عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: "كل ما أفرى الأوداج" ثم حديث ابن عباس في الحلق ومر "فافر الأوداج". فخالف هذا واحتج بمحال من الكلام: زعم أن الودجين قد يسلان من الانسان والبهيمة ثم يحييان فيعيش الفصد في العروق حتى يسيل منه الدم ما سال، ثم يحبس الدم فيلتحم ويبرأ كما يفعل الناس بفصد العروق إلا
[ ١٠٤ ]
من يقطع الودجين قطعا ويفريها فريا حتى يبين هذا من هذا، أو هذا من هذا. فهل بلغه قط عمّن فريت أوداجها [٢٩ ظ] فريا ثم عاشت بعد ذلك. فإن كان هذا منتهى فهمه، فهذا عظيم، وإلا فماله يطعم الناس الميتة ويأمرهم بأكلها. ونحن نسأل الله أن يلهمنا رشده وألا يحرمنا التوفيق برحمته.