[الصبح:]
/ خ ١٠٧ ب/ أمَّا صلاةُ الصبحِ -فهي الصلاةُ الوسطى عندَ أهلِ المدينةِ، وهي صلاةُ الفجر- فأوَّلُ (^٢) وقتِها انْصِداعُ (^٣) الفجرِ المعتَرِضِ بالضياءِ في أقصى المشرقِ ذاهبًا منَ القبلةِ إلى دُبُرِ (^٤) القبلةِ حتى يرتفعَ فيعمَّ الأُفُقَ (^٥)، وآخرُ الوقتِ الإسفارُ (^٦) البيِّنُ الذي إذا سلَّم منها بَدَا حاجبُ الشمسِ (^٧)، وما بينَ هذينِ وقتٌ واسعٌ، وأفضلُ ذلكَ أولُه.
[الظهر:]
ووقتُ الظهرِ إذا زالتِ الشمسُ عن كَبِدِ (^٨) السماءِ وأَخَذَ
_________________
(١) قال التتائي: "ورُوِي الصلوات".
(٢) قال التتائي: "والفاءُ جوابُ الشرطِ في قولِه: "أمَّا"". يراجع: شرح ابن عمر (١/ ٥٢٢).
(٣) قال التتائي: "أي انشقاق". يراجع: غرر المقالة (ص ١٠٨).
(٤) أي خلفها؛ قال التتائي: "ودُبْرُ الأمرِ ودُبُرُه: آخرُه". يراجع: الصحاح، للجوهري (٢/ ٦٥٣).
(٥) قال التتائي: "والأفقُ بضمِّ الفاءِ وسكونِها لغتانِ، وهو ما والَى الأرضَ من أطرافِ السماءِ، وأنَّه يسدُّ جميعَ ذلكَ، وقيل: ما بينَ السماءِ والأرضِ" الأُفْقُ: الناحيةُ، ج: آفاقٌ. يراجع: القاموس (ص ٨٦٤).
(٦) في المخطوط أ [الاسفرار] وهو تحريف، والإسفار هو الظهور، قاله المغراوي (ص ١٠٨)، يُقَال أَسْفر بِالصَّلَاةِ: صلاهَا فِي إسفار الصُّبْح. يراجع: المعجم الوسيط (ص ٤٣٣).
(٧) قال التتائي: "أي طَرَفُ قُرْصِها"، وقال المغراوي (ص ١٠٨): "يعني أولها".
(٨) أي وسطها، قال التتائي: "وفيه لغاتٌ: فتحُ الكافِ معَ كسرِ الباءِ وإسكانِها، وكسرُ الكافِ وإسكانُ الباءِ".
[ ١١٠ ]
الظلُّ (^١) في الزيادةِ، ويُستحَبُّ أنْ تؤخَّرَ في الصيفِ إلى أنْ يزيدَ ظلُّ كلِّ شيءٍ رُبُعَه بعدَ الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، وقيل: إنَّما يُستحَبُّ ذلكَ في المساجدِ ليدركَ الناسُ الصلاةَ، وأمَّا الرجلُ في خاصةِ نفسِه فأولُ الوقتِ أفضلُ له، وقيل: أمَّا في شدّةِ الحرِّ فأفضلُ له أنْ يُبرِدَ بها (^٢) وإنْ كان وحدَه لقولِ النبيِّ ﷺ: (أبردوا بالصلاةِ؛ فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْحِ (^٣) جهنَّمَ)، وآخرُ الوقتِ أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه بعدَ ظلِّ نصفِ النهارِ.
[العصر:]
وأولُ وقتِ العصرِ آخرُ وقتِ الظهرِ، وآخرُه أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيْه بعدَ ظلِّ نصفِ النهارِ، وقيل: إذا استقبلتَ الشمسَ بوجهِكَ وأنتَ قائمٌ غيرَ (^٤) منكِّسٍ رأسَكَ
_________________
(١) أصل الظل الستر، وظل الليل: سواده؛ لأنه يستر كلَّ شيء، قاله المغراوي (ص ١٠٨).
(٢) في المعجم الوسيط (ص ٤٧): أبرد: دخل فِي آخر النَّهَار، قال المغراوي (ص ١٠٩): "معنى الإبراد أن تتفيأ الأفياء، وينكسر وهج الحر".
(٣) قال التتائي: "ابنُ العربيِّ: الفيحُ لهبُ النارِ، يُقالُ: فاحتِ النارُ تفيحُ فيْحًا"، وقد اقتصر المغراوي (ص ١٠٩) على (تفوح) بالواو؛ وفي التاج: "فَوْحُ الحَرِّ: شِدّةُ سُطُوعِه"، وقد ذكر الزَّبيدي هذا المعنى في المادتين. يراجع: تاج العروس (٧/ ٣٣، ٣٤) مادة (فوح، فيح).
(٤) كذا بالنصب في المخطوط أ، وعليه شرح النفراوي (١/ ٢٦٠) ومعين التلاميذ (ص ١٠٨)، فقال: "حال كونك غير منكس"؛ وهذا هو الظاهر؛ فهو حال ثانية من فاعل (استقبلتَ)؛ لأن جملة "وأنت قائم" حال جملة، ويجوز هذا في الحال كما جاز في النعت كما في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة، آية ٥٤]، أو هما حالان متداخلتان؛ فتكون (غير منكس) حالًا من الضمير في (قائم)، وضبطه في الرسالة الفقهية (ص ١١٠) بالرفع؛ فهو خبر ثان ل (أنت)؛ فيكون من تعدد الخبر، وهو داخل في جملة الحال. يراجع: شرح التسهيل، لابن مالك (٣/ ٣٢٠) والدر المصون، للسمين الحلبي (٨/ ١٣٢).
[ ١١١ ]
ولا مُطَأْطِئٍ له (^١) -فإنْ نظرتَ إلى الشمسِ ببصرِكَ (^٢) - فقد دخل الوقتُ، وإنْ لم ترَهَا ببصرِكَ فلم يدخلِ الوقتُ، وإنْ نزلتْ عن بصرِكَ فقدْ تمكَّن دخولُ الوقتِ (^٣)، والذي وَصَفَ مالكٌ ﵀ أنَّ الوقتَ فيها ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ.
[المغرب:]
ووقتُ المغربِ -وهي صلاةُ الشاهدِ يعني الحاضرَ، يعني أنَّ المسافرَ لا يقصرُها ويصلِّيها كصلاةِ الحاضرِ- (^٤) فوقتُها غروبُ الشمسِ. فإذا توارتْ (^٥) بالحجابِ (^٦)
_________________
(١) قال التتائي: "قال الفاكهانيُّ: عن الجوهريِّ: الناكسُ: المطأطِئُ رأسَه، فهما مترادفانِ بمعنًى، فلا معنى لذكرِهما معًا، ولم أرَ مَنْ فرَّق بينَهما. انتهى. وقال ابنُ العربيِّ: مطأطِئٌ: مميلٌ، وهو أخفضُ منَ التنكيسِ؛ لأنَّ التنكيسَ إطراقُ الجفونِ إلى الأرضِ، وقد يكونُ التنكيسُ أيضًا إلصاقَ الرأسِ بالقفا، والتَّطَأْطُؤُ الانحناءُ على حسبِ ما يريدُ الإنسانُ" وكلام ابن العربي نقله المغراوي في غرر المقالة (ص ١١٠). يراجع: الصحاح، للجوهري (٣/ ٩٨٦) مادة (نكس).
(٢) "بصرك" سقطت من المخطوطين أ، ج (١٦ ب) كما سقطت من معين التلاميذ (١٠٩)، وقد ألحقت في هامش ج.
(٣) قال التتائي: "وهذا القولُ مبنيٌّ على التجربةِ"، وقد أُنكِر على الشيخ، ولا إنكار عليه؛ لأنه يتكلم بلسان عصره.
(٤) قال التتائي: "هذه جملةٌ معترضةٌ بينَ المبتدأِ -وهو (وقت المغرب) - والخبرِ وهو (غروبُ الشمسِ) " وقد كرَّر المبتدأ (فوقتها) بعدها تطرية للكلام لطول الفصل.
(٥) قال التتائي: "بأن استترت"، وقال المغراوي (ص ١١١): "يعني غابت".
(٦) هذا تعبير قرآني على عادة ابن أبي زيد كما في الآية (٣٢) من سورة ص، فالضمير في (توارت) للشمس، كما قرره الشهاب القرافي والعلامة ابن عاشور، وللآية تفسير آخر لا يوافق تعبير ابن أبي زيد، وهو أن الضمير للصافنات. يراجع: تفسير شهاب الدين القرافي، رسالتي للدكتوراه بكلية الآداب- جامعة سوهاج (ص ١٠٤٤) والدر المصون (٩/ ٣٧٦) والتحرير والتنوير (٢٣/ ٢٥٦).
[ ١١٢ ]
وجبتِ الصلاةُ لا تؤخَّرُ (^١)، وليس لها إلا وقتٌ واحدٌ لا تُؤخَّرُ عنه.
[العشاء:]
ووقتُ صلاةِ العَتَمةِ (^٢) -وهي صلاةُ العشاءِ، وهذا الاسمُ أولى بها- غيبوبةُ الشَّفَقِ، والشفقُ الحمرةُ الباقيةُ في المغربِ من بقايا شعاعِ الشمسِ، فإذا لم يبقَ في المغربِ صفرةٌ ولا حمرةٌ فقد وجب الوقتُ، لا يُنظَرُ إلى البياضِ في المغربِ، فذلكَ لها وقتٌ إلى ثلثِ الليلِ ممَّن (^٣) يريدُ تأخيرَها لشغلٍ أو عذرٍ، والمبادرةُ بها أولى، ولا بأسَ أنْ يؤخرَها أهلُ المساجدِ قليلًا لاجتماعِ الناسِ، ويُكرَهُ النومُ قبلَها والحديثُ لغيرِ شغلٍ بعدَها.