/ خ ٢ أ/ (^١) والجهادُ فريضةٌ، يحملُه بعضُ الناسِ عن بعضٍ، وأحبُّ إلينا أنْ لا يُقاتَلَ العدوُّ حتى يُدْعَوْا إلى دينِ اللهِ ﷿ -ما لم (^٢) يُعَاجِلُونَا-: فإمَّا أنْ يُسْلِمُوا، أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وَإِلَّا قُوتِلُوا. وإنَّما تُقبَلُ منهمُ الجِزْيَةُ إذا كانوا حيثُ تنالُهم أحكامُنا، وأمَّا إنْ بَعُدُوا منَّا فلا تُقبَلُ منهمُ الجزيةُ إلا أنْ يرتحلوا إلى بلادِنا، وَإِلَّا قُوتِلُوا.
والفِرَارُ (^٣) منَ العدوِّ منَ الكبائرِ إذا كانوا مِثْلَيْ عددِ المسلمينَ فأقلَّ، فإن كانوا أكثرَ من ذَلِكَ فلا بأسَ بذلك، ويُقاتَلُ العدوُّ معَ كلِّ بَرٍّ أو فاجرٍ منَ الولاةِ.
ولا بأسَ بقَتْلِ مَنْ أُسِرَ منَ الأعلاجِ (^٤)، ولا يُقتَلُ أحدٌ بعدَ أمانٍ، ولا يُخفَرُ لهم بعهدٍ (^٥)، ولا يُقتَلُ (^٦) النساءُ وَالصِّبْيَانُ، ويُجتَنَبُ قَتْلُ الرُّهبانِ والأحبارِ (^٧)، إلا أنْ
_________________
(١) هذه بداية الجزء الثاني من نسخة تنوير المقالة (خ).
(٢) كذا في نسخ التتائي، وهو موافق لنسخة النفراوي (١/ ٦١٠) وعند ابن عمر (٤/ ١٩) [إلا أن] كما في أ، ج (٥٦ ب).
(٣) قال التتائي: "بكسر الفاء فقط".
(٤) في القاموس المحيط (ص ١٩٩): "العِلْجُ، بالكسر: العَيْرُ، والرَّجُلُ من كُفَّارِ العَجَمِ، ج: عُلوجٌ وأعْلاجٌ ومَعْلوجاءُ وعِلَجَةٌ".
(٥) في المعجم الوسيط (ص ٢٤٦): "خَفَرَ العهدَ وَنَحْوَه أَوْ بِهِ يَخْفِرُه خَفْرًا وخُفُورًا: نقضه، وَيُقَال: خَفَرَ بفلانٍ: نقَضَ عَهدَه، وغدَرَ بِهِ".
(٦) في ز [تقتل] بالتاء، وهو موافق لنسخة النفراوي (١/ ٦١٤) والمثبت من غيرها وهو موافق لنسخة ابن عمر (٤/ ٣٢)، وكلاهما جائز.
(٧) كذا في المخطوطين أ، ج (٥٧ أ) وكذا في ز والفرنسية (٢٤٦ أ) بمداد متن الرسالة، وفي بقية نسخ التتائي بمداد الشرح، وهي ثابتة من المتن عند النفراوي (١/ ٦١٤) وغيره، ولم يظهر من كلام التتائي ترجيح حيث قال: "وفي بعضِ النسخِ عطفًا على الرهبانِ "والأحبارِ" جمعُ حِبرٍ بكسرِ الحاءِ على الأفصحِ، وتُفتَحُ، وهم علماؤهم، وفي بعضِ النسخِ: "والأجراءِ""، ودل كلام زروق (١/ ٦٠٩) على أن قوله (الأجراء) وقعت بدلًا من (الأحبار) في بعض النسخ، ورجح رواية "الأجراء"؛ لأن الأحبار يُقتلون لرأيهم وتحريضهم على القتال، قلتُ: يؤيد رواية (الأجراء) ما جاء بعدُ مِنْ كلام سحنون، وأيضًا لا ذكر للأحبار في اختصار المدونة والمختلطة (١/ ٥١٠) إنما ذكر في العسيف روايتين: الأولى لابن وهب بالنهي عن قتله. والثانية قول سحنون؛ فالظاهر -عندي- أن ما في الرسالة موافق لما في الاختصار من ذكر الروايتين في الأجير، دون ذكر للأحبار، لكني متبع لما في النسخ المخطوطة؛ وقال ابن عمر (٤/ ٣٣): "فعلى رواية الأحبار فهو وهم".
[ ١٩٨ ]
يُقاتَلوا، وكذلك تُقتَلُ المرأةُ إنْ قاتَلَتْ، وقد قال سحنونٌ: إنَّه لم يثبتِ الحديثُ الذي ذُكِر فيه النهيُ عن قتلِ الأجيرِ، ويُقتَلُ هو وغيرُه (^١). ويجوزُ أمانُ أدْنَى المسلمينَ على بَقِيَّتِهم، وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ إِذَا عَقَلَ الأَمَانَ، وَقِيلَ: إِذَا أَجَازَ ذلكَ الإِمَامُ جَازَ.
[قسم الغنائم:]
وَمَا غَنِمَ المُسلِمُونَ بِإِيجَافٍ (^٢) فَلْيَأْخِذِ الإِمَامُ خُمُسَهُ، وَيَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ أَهْلِ الجَيْشِ، وَقَسْمُ (^٣) ذَلِكَ بِبَلَدِ الحَرْبِ أَوْلَى، وَإِنَّما يُخَمَّسُ ويُقْسَمُ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ
_________________
(١) قوله: "وقد قال سحنون" إلى هنا ليست في أ، ج (٥٧ أ)، وقال التتائي: "قال بعض الشيوخ: إنها ثابتة في بعض النسخ، ساقطة في كثير منها"، وقد جاءت هذه الزيادة بمداد متن الرسالة في ز، خ، م، وقد أثبتها النفراوي (١/ ٦١٤) من المتن، وهي في اختصار المدونة (١/ ٥١١)، وهي ليست من المتن في الكفاية (٣/ ١٦) ولا عند ابن عمر (٤/ ٣٤)، والله أعلم.
(٢) قال التتائي: "والإيجافُ: الإعمالُ" وفي المعجم الوسيط (ص ١٠١٤): وَجَفَ الشَّيْءُ يَجِفُ وَجْفًا ووَجِيفًا ووُجُوفًا: اضْطربَ، وَوَجَفَ البعيرُ أو الْفرسُ: أسْرع، وأَوْجَفَ السائرُ: أسْرع فِي سيرِه، وَيُقَال: أوجف فلَانٌ دَابَّتَه: حثَّها.
(٣) بلفظ المصدر، وهو مبتدأ خبره (أولى)، قاله النفراوي (١/ ٦١٧).
[ ١٩٩ ]
بَالخَيْلِ وَالرِّكَابِ (^١) وَمَا غُنِم بِقِتَالٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْكَلَ -مِنَ الغَنِيمةِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ- الطَّعَامُ (^٢) والعَلَفُ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ.
وَإِنَّما يُسهَمُ لمَنْ حَضَرَ القِتَالَ، أَوْ تَخَلّفَ عنِ القِتَالِ فِي شُغْلِ (^٣) المسلمينَ منْ أَمْرِ جِهَادِهِمْ، وَيُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ وَللفَرَسِ الرَّهِيصِ (^٤)، وَيُسهَمُ للفَرَسِ سَهْمَانِ، وسَهْمٌ لرَاكِبِهِ، وَلَا يُسْهَمُ لعَبْدٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ وَلَا لصَبِيٍّ، إلا أنْ يُطيقَ الصبيُّ الذي لم يحتلمِ القتالَ، ويُجِيزَهُ الإمامُ، ويُقَاتِلَ، فيُسْهَمُ له، وَلَا يُسْهَمُ للأجيرِ إلَّا أنْ يُقاتَلَ.
[حكم الأموال في الحرب:]
وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ العَدُوِّ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ، وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْهَا مِنَ العَدُوِّ لَمْ يَأْخُذْهُ رَبُّهُ إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَمَا وَقَعَ فِي المَقَاسِمِ مِنْهَا فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ، وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي المَقَاسِمِ فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا ثَمَنٍ.
_________________
(١) قال التتائي: "وهي الإبلُ" وفي القاموس المحيط (ص ٩١): "واحِدَتُها: راحِلَةٌ، ج: كَكُتُبٍ ورِكاباتٌ ورَكائِبُ".
(٢) قال التتائي: " نائبُ فاعلِ (يؤكل) ".
(٣) الشُّغُل: بسكون الغين المعجمة وضمها، وهو ضد الْفَرَاغ، يُطلق على الْعَمَل فَيُقَال: شغلٌ شاقّ، وعَلى مَا يُعْمَل فَيُقَال: شغل جيد (ج) أشغال. يراجع: المعجم الوسيط (ص ٤٨٦).
(٤) قال التتائي: "وهو الذي حصل له مرضٌ بباطنِ حافرِه من وطئه على حجرٍ أو شبهِه كالوَقْرَةِ" وفي المعجم الوسيط (ص ٣٧٧): "رَهِصَتِ الدَّابَّةُ تَرْهَصُ رَهَصًا: أصابتها الرَّهْصَةُ؛ فَهُوَ مرهوصٌ ورهيصٌ، وَهِي مرهوصةٌ ورهيصٌ أَيْضا، والرهْصَة: أَنْ يُصِيبَ بَاطِنَ حافرِ الدَّابَّةِ شَيْءٌ يوهِنه، أَوْ ينزلَ فِيهِ المَاءُ من الإعياء، ويقال أيضًا: رُهِصتِ الدابةُ ..
[ ٢٠٠ ]
[النَّفَل:]
ولا نَفَلَ (^١) إِلَّا مِنَ الخُمُسِ عَلَى الاجْتِهَادِ مِنَ الإِمَامِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الغَنِيمَةِ (^٢)، والسَّلَبُ (^٣) مِنَ النَّفَلِ.
[فضل الرباط:]
والرِّبَاطُ (^٤) فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ (^٥)، وذَلِكَ بِقَدْرِ كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ (^٦) وَكَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ.
_________________
(١) قال التتائي: "بفتحِ الفاءِ وإسكانِها" وفسره بالزيادة لغة كما في لسان العرب (١١/ ٦٧١)، وأما النَّفَل بمعنى الغنيمة فهو بالتحريك فقط قال في القاموس المحيط (ص ١٠٦٤): "النَّفَلُ، محرَّكةً: الغَنِيمةُ، والهِبةُ ج: أنْفالٌ ونِفالٌ".
(٢) كذا في المخطوطين أ، ج (٥٨ أ) وفي نسخ التتائي، وهو موافق لنسخة النفراوي (١/ ٦٢٥)، والظاهر أن المثبت هو نسخة ابن عمر (٤/ ٦١) أيضًا لقوله: "ويروى" ولا يكون ذلك قبل القسم" فظاهر قوله: "ويروى" أن المثبت قبله مخالف لهذا، لكن ما قبله هو الرواية نفسها؟! فالراجح أن روايته الأولى كنسخة التتائي، وفي الكفاية (٣/ ٣٠) [قبل القسم].
(٣) في المعجم الوسيط (ص ٤٤٠): سَلَبَ الشيءَ يسلُبُه سَلْبًا: انتزعه قهرًا، (ص ٤٤١): السَّلَب: مَا يُسلَبُ، يُقَال: أَخذ سلَبَ الْقَتِيل: مَا مَعَه من ثِيَاب وَسلَاح ودابة، (ج) أسلابٌ.
(٤) قال المغراوي (ص ١٩١): "أصل الرباط الملازمة" وفي القاموس: "رَبَطَهُ يَرْبِطُه ويَرْبُطُه: شَدَّهُ، فهو مَرْبوطٌ ورَبِيطٌ. والرِّباطُ: ما رُبِطَ به، ج: رُبُطٌ، والمُواظَبَةُ على الأمرِ، ومُلازَمَةُ ثَغْرِ العَدُوّ".
(٥) قال التتائي: "بالباء، ويُروى: كثير" وجزم النفراوي (١/ ٦٢٦) أنه بالمثلثة كما في أ، ج، ويؤيده ما بعده من الرسالة.
(٦) قال المغراوي (ص ١٩١): "يعني الموضع الذي يقترب من العدو فيخاف أهله"، وفي المعجم الوسيط (ص ٩٧): الثَّغْر: الفرجَةُ فِي الْجَبَل وَنَحْوه، والموضع يُخَافُ هجومُ الْعَدوِّ مِنْهُ، وَمِنْه سُمِّيتِ الْمَدِينَةُ على شاطئ الْبَحْر ثَغْرًا (ج) ثغور.
[ ٢٠١ ]
ولا يُغْزَى (^١) بِغَيْرِ إِذْنِ الأَبَوَيْنِ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَ العَدُوُّ مَدِينَةَ قَوْمٍ، وَيُغِيرُونَ (^٢) عَلَيْهِمْ؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ دَفْعُهُمْ، وَلَا يُسْتَأْذَنُ الأَبَوَانِ (^٣) فِي مِثْلِ هَذَا.