يجب الحج مرة في العمر. العراقيون على الفور (١)، وقاله مالك وشهر، فلو أخر عن أول عام فقضاء. وقيل: أداءٌ. وأكثر المغاربة على التوسعة ما لم يخف فواته وشهر أيضًا، وحجتهم منع الذاهبة إليه بعد حلف زوجها وعدم الجزم بتحنيثه، وطوع الأبوين، ورد بقصد إضرارها، وتعارض الواجبين. وأيضًا فقد روي أنه يعجل عليهما، وفضل على غزو إلا لخوف؛ كركوب على مشي على الأظهر، ومقتب على غيره، وهل الإسلام شرط في صحته ورجح، أو في وجوبه، أو فيهما؟ خلاف. ونوى ولي عن كرضيع وجرده قرب الحرم. وقيل: يكره حجه إن لم يكن ابن أربع سنين أو خمس، وأحضره المشاعر وأمره مقدوره وإلا ناب عنه فيما يقبل النيابة، كطواف لا كتلبية، ولا يركع عنه على الأشهر، ولا يطوف عنه أو يرمي إلا من طاف أو رمى عن نفسه، والمطبق ومن علم أنه لا يفيق قبل الفوات، كالصغير عَلَى المشهور لا غيرهما كالمغمى عليه، أما لو وقف به وقد أحرم صحيحًا أجزأه خلافًا لأشهب. وأحرم مميز عن نفسه، فإذن وليه كالعبد بإذن سيده، وله أن يدخله مكة ويحضره عرفة وغيرها غير محرم، واستحب له أن يحج ذا الهيئة (٢)، وزائد نفقة الصبي في ماله إن خيف ضيعة، وإلا لزم وليه كفدية، وجزاء صيد على الأشهر، وثالثها: كزائدها.
وشرط وجوبه كوقوعه فرضا: تكليف، وحرية وقت إحرامه لا (٣) بنية نفل، فلو نوى النفل لم يجزئه عن الفرض؛ كأن بلغ أو عتق بعد إحرامه، ولو كانا غير محرمين فأحرما بعده ولو ليلة النحر أجزأهما، كما لو حلل الولي الصبي قبل بلوغه لا إن أذن له،
____
(١) انظر التلقين: ١/ ٧٩، والمعونة على مذهب عالم المدينة: ١/ ٣١٥.
(٢) في (ح٢): (أهلية).
(٣) في (ح٢): (بلا).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وليس لسيدٍ منع عبد أذن له وإن لم يحرم على الأظهر، وله تحليله إن لم يأذن، وعليه القضاء إذا عتق عَلَى المشهور بخلاف الصبي.
وقدَّمه على الفرض خلافًا لأشهب، فإذا أذن له فأفسد لم يلزمه إذًا قضاء على الأصح، وله بيعه محرمًا على الأصح، ولا يحلله المشتري، وله رده إن لم يعلمه، وما لزمه عن خطأ أو ضرورة صام بلا منع إن منعه من الإخراج، وإن [٤٤/ب] تعمد فله منعه إن أضر به في عمله على الأصح.
والاستطاعة شرط في وجوبه لا في صحته على الأصح، وهي: أمن، وإمكان وصول بلا مَشَقَّةٍ فَادِحَة، وما يرجع به إن خيف ضيعه. وقيل: مُطْلَقًا، ولو بثمن ابن زانية. وقيل: أو ثمن كلب، وبما يباع في فلس وإن آل إلى فقره أو عدم وفاء دين أبيه، أو ترك ولده للصدقة عَلَى المشهور إن لم يخف هلاكهم، وبما يتزوج به الأعزب إن لم يخش العنت، وبنفقة زوجة وإن طلقت عليه من أجلها على القول بالفورية فيهما، لا باستعطاء ودين لا وفاء له عنده، وروي إباحته، ولا بسؤال الأعطية معه اتفاقًا ولو كان معتادًا به، وهل يكره أو يباح؟ روايتان. وإن كانت العادة إعطاءه لم يلزمه عَلَى المشهور، ولا يتزوج أمة ليحج بفاضل صداق الحرة.
ويعتبر الأمن على النفس اتفاقًا، وعلى المال من لصوص عَلَى المشهور. أو ما يأخذه ظالم مما يجحف به، أو غير معلوم إن لم يجد طريقًا سواه، أو كانت مخوفة أو وعرة تشق، وإلا وجب كأخذه ما لا يجحف على الأظهر إن لم ينكث ولو بلا زادٍ وراحلة لذي صنعة تقوم به، وقدر على المشي كأعمى بقائد وإلا اعتبر المعجوز عنه. وقيل: يعتبر الزاد والمركوب. وقيل: لمن بعد مكانه. وقيل: وجود الماء في كل منهل، والبحر كالبر إلا أن يغلب تلفه أو يعلم ترك الصلاة كركنها بكَمَيْدٍ على الأصح. وعن مالك: كراهته ببحر إن
[ ١ / ٢٠٩ ]
وجد طريقًا غيره. وقيل: يسقط، والمرأة كالرجل مع زوج أو محرم ولو من رضاع، فإن أبى أو لم يكن ففي سفرها معَ رُفْقَةٍ أمنت (١)، مشهورها: يجوز في الفرض لا النفل، وهل معنى قول مالك: رجال ونساء أنه لابد منهما معًا، أو يكفي جماعة من أحد النوعين؟ تأويلان. والأكثر على اشْتِرَاطِ النساء. وقيل: يكره مع غيرهن بلا محرم كمشيها إن بعد ولو قادرة على المنصوص، وركوبها البحر، وهل إن كانت متجالَّة (٢)، أو ما لم تخص بمكان بسفينة عظمت؟ تأويلان.
وكره لعاجز استنابة عَلَى المشهور. وثالثها: إلا لولد. ورابعها: أو قريب لا لصحيح، فيمنع اتفاقًا في الفرض ويكره في النفل؛ كإجارة المرء نفسه عَلَى المشهور وإن لزمت، وكحج صَرُورَةٍ مستطيع عن غيْره وتطوعه به قبل فرضه، ولا ينقلب فرضًا، وتنفذ الوصية به من الثلث. وقال أشهب: من رأس المال. وقال ابن كنانة: لا تنفذ، ويصرف قدره في هدايا. وقيل: في رقبة. وقيل: في وجه برٍ، وعَلَى المشهور يكون لمن حج أحب إليه. وقال أشهب: ولغيره إن لم يجد سبيلًا للحج، وصححه ابْنُ الْقَاسِمِ وإن نزل، ولا يسقط به الفرض على المنصوص، ولذلك كان الأولى أن يتطوع عنه بكصَدَقَةٍ ودعاء، فإن لم يوص به لم يحج عنه، وإن كان (٣) صَرُورَةً عَلَى المشهور.
والإجارة قسمان: بلاغ، ومضمونة وهي أولى ولذلك تتعين عند الإطلاق، فيملك الأجير فيها العوض وله ما فضل وعليه [٤٥/أ] ما نقص، ولا يحل اشتراط هدي أو جزاء أو فدية عليه، وظاهرها جوازه (٤).
_________________
(١) في (ق١): (آمنة).
(٢) تَجالَّ: أي أسَنَّ وكَبِرَ. انظر المعجم الوسيط: ١/ ١٣١.
(٣) قوله: (كان) ساقط من (ح٢).
(٤) بعدها في (ح٢): (فصل).
[ ١ / ٢١٠ ]
ولا ينبغي له أن يركب إلا كمركوب الميت، ولا يقضي بها دينه ويسأل الناس، فإن فعل فجناية ويلزمه المشي وحوسب إن صدَّ أو أحصر؛ كأن مات ولو من مكة. وقال ابن حبيب: له الأجر كاملًا واستؤجر من حيث انتهى، فإن لم يعين العام صح على الأظهر وتعين الأول، فإن فات وأراد بقاء الإجارة (١) للقابل محرمًا أو متحللًا جاز، وقيل: لا. والبلاغ نوعان: نوع كالجعالة لا شيء فيه قبل الكمال ولو مات الأجير، ونوع يدفع له ما ينفق منه ذهابًا وإيابًا بالمعروف، وَيَغْرمُ السَّرَفَ، ويرد ما فضل ويرجع بما زاد، أو لزمه من هدي أو فدية لم يتعمدهما، حج، أو صد، أو أحصر.
ولو أحرم بعد فراغ المال فلا شيء له إلا في رجوعه، وكذا إن تلف. وقيل: لا مُطْلَقًا. وله إن تلف بعد الإحرام أو المرض النفقة على الأجر. وقيل: إن كان للميت مال فمنه؛ كأن أوصى بالبلاغ وإن قسم ماله على الأظهر، وإن فات العام المعين انفسخت، ولو فضل بعد التلف من الثلث شيء لم يلزم الوارث أن يحج غيره خلافًا لأشهب، وحج عنه مع النص أو القرينة مرارًا إن حمل ثلثه، وإلا فالفاضل ميراث؛ كأن تبرع به أحد على الأصح، كأن لم يوجد به كله من محل عينه. وثالثها: يحج عنه من الميقات أو من مكة إن كان صرورة، وإلا فميراث كفاضله إن وجد بدونه، وإن سمَّى قدرًا أو قال بثلثي حجة واحدة، فحجوا بأقل. وقال أشهب: يحج بالباقي، وضمنهم سحنون للمخالفة، ولو سمى لشخص قدرًا فرضي بدونه فالفاضل ميراث. وقال محمد: إن علم ورضي، وإلا أخذ الجميع إن قال: يحج به فلان أو رجل عني، وإن قال: حجوا به، أو يحج به (٢) عني، حج به عنه مرارًا، ولو جعل في حجة واحدة فهو أحسن، وهل وفاق، أو خلاف؟ تأويلان.
_________________
(١) في (ق١): (الأجرة).
(٢) قوله: (أو يحج به) ساقط من (ق١).
[ ١ / ٢١١ ]
وإذا عين الميت وارثًا وقدرًا لم يزد على الأجرة إلا أن يجيزه الورثة، وغير الوارث يدفع له المسمى وإن زاد إن فُهم إعطاؤه له. ولو قال: أحجوا غيري وآخذ ما فضل لم يمكن، وإن لم يسم قدرًا ولم يرض بأجرة مثله زيد ثلثها، فإن أبى لم يرجع ميراثًا ولو كان نفلًا على الأصح، وتربص ثم أوجر للصرورة غير عبد وصبي وإن امرأة، فإن أوصى أن يحج عنه أحدهما أنفذ على الأصح، وإن دفع الوصي لهما مجتهدًا لم يضمن، ولا بأس أن يحج أحدهما عن غير صرورة إلا أن يمنع من ذلك، ويقوم الوارث مقامه فيمن يأخذه في حجة، وانفسخت في العام المعين إن خالف ميقاتًا شرطه أو عينه الميت فاستناب (١) غيره. وقيل: يصح، إلا في ذي حال يفهم قصد الميت إليه، أو نوى عن نفسه أو صرفه لها، فإن صرفه في عام غير معين، فقولان. ولو شرك نفسه مع الميت، فقيل: يجزئه عن نفسه فقط ويعيد عن الميت. وقيل: لا يجزئ عن واحد منهما، ويجزئ إن قُدِّم على العام المعين، أو إن لم يزر ويرد منابها إن اشترطت عليه. وقيل: يرجع إليها إن خالف إفرادًا لم يشترطه الميت [٤٥/ب] لغيره. وقيل: يبطل. وثالثها: إن نوى العمرة عن الميت أجزأ وإلا فلا، فإن شرطه الميت فقرن انفسخت، وإن تمتع أعاد إن لم يعين العام، فإن عين واعتمر عن نفسه، فهل يفسخ، أو إلا أن يرجع للميقات فيحرم عن الميت فيجزئه؟ تأويلان. وقيل: إن اشترط عليه الإحرام من أفقه أو من ميقاته رجع ثانية، وإلا (٢) أجزأه. وتعين ميقات الميت عند الإطلاق، ولا يجزئ تمتع عن قران أو بالعكس، أو إفراد عنهما.
والعمرة في جميع ذلك كالحج، وهي سنة على المشهور، ولا يلزم الأجير الإشهاد إلا لعرف. وقيل: مُطلقًا.
وأركانها: إحرام، وطواف، وسعي، وتكمل بالحلق وإلا فدم.
_________________
(١) في (ق١): (فاستئنف).
(٢) من قوله: (فيجزئه ) ساقط من (ح١).
[ ١ / ٢١٢ ]
وإن كان الحج إحرام، ووقوف عرفة (١)، وطواف إفاضة، وسعي، وعن عبد الملك: وجمرة العقبة، واختلف عنه في المشعر الحرام. وينعقد الإحرام بنية وقول كتلبية، أو فعل كتوجه بطريق ولو بجماعٍ، ولا دم وتمادى وقضى لا (٢) بنية فقط على الأصح، ولغى لفظًا خالفها، فإن أبهم صرفه لحج، والقياس لقران، وقيل: لعمرة. ورأى اللخمي ذلك فيما قرُبَ موضعه، وأما كأهل المغرب فالحج؛ إذ لا يقصدون غيره، وفي صحته بما أحرم به زيد قولان، ولو نسي ما أحرم به نوى الحج وتمادى قارنًا فطاف وسعى وأهدى (٣) ثم اعتمر - كما لو شك أفرد أو تمتع - ولا عمرة، وبطل الثاني من حجتين أو عمرتين؛ كعمرة على حج، فإن أحرم بهما معًا صح لواحدة ولا قضاء عليه للأخرى، ولا يرتفض على المشهور. وترك اللفظ بما أحرم به مستحب لا مكروه على الأصح، وثالثها: هما سواء.
والتَّلْبِيَة: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. والأولى (٤) الاقتصار على ذلك. وقيل: يزيد إن شاء؛ لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ (٥) وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ.
وزمن الإحرام بالحج: شوال وتالييه. وروي: لآخر عشر ذي الحجة. وروي: وأيام الرمي، وثمرته دم تأخير الإفاضة، وكره قبله وانعقد. وقيل: لا. ويتحلل بعمرة بناء على أنه أولى أو واجب.
_________________
(١) من قوله: (وطواف وسعي ) ساقط من (ق١).
(٢) قوله: (لا) ساقط من (ح١).
(٣) قوله: (وأهدى) ساقط من (ح١).
(٤) قوله: (لَبَّيْكَ. والأولى) ساقط من (ق١).
(٥) في (ح٢): (النعمة).
[ ١ / ٢١٣ ]
والعمرة جميع السنة، إلا لمحرم بحج فلتحليله، وكره بعده وقبل الغروب من الرابع، فإن أحرم انعقد، ولا يحل إلا بعد غروبه وإلا بطل إحلاله وبقي محرمًا، فإن وطئ كمل وأتى بعمرة أخرى وأهدى، وكره تكرارها في السنة على المشهور.
ومكانه في الحج للمقيم مكة وإن من غير أهلها، والأولى المسجد. وقيل: من بابه. وقيل: ما شاء من مكة، واستحب إذا دخل ذو الحجة كخروج ذي النفس لميقاته، وللقران الحل على المشهور كالعمرة، فإن لم يخرج أعاد طوافه وسعيه بعده وأهدى إن حلق، والأفضل [٤٦/أ] الجعرانة ثم التنعيم، وقيل: سواء. وعرفة حلٌ، وللآفاقي منهما كأهل المدينة ذو الحليفة، والشام ومصر والمغرب الجحفة، وليَمنٍ يلَمْلَم، ونَجد قَرْنٍ، والعراق ذَاتُ عِرْقٍ ولمن دونها مسكنه، وكره قبله عَلَى المشهور. وثالثها: إن أحرم قربه، وهل رابغٌ قبل الجحفة فيكره (١)، أو في حكمها؟ للمتأخرين قولان. وانعقد مُطْلَقًا. ومن حاذى منها ميقاتًا ولو ببحر أو مرَّ به لزمه الإحرام منه، إلا كمصري يمر بذي الحليفة، فالأحب أن يحرم منه ولا يلزمه. ابن حبيب: إلا أن يقصد عدم المرور بالجحفة، وحمل على من لم يحاذ في مروره الجحفة، وأرخص لمدني يمر بذي الحليفة مريضًا في تأخيره للجحفة على المشهور لا بمكة، ولا يؤخره صحيح وإلا فالدم على الأصح، ولا تؤخر حائض لرجاء طهر، وأول الميقات أفضل؛ كتقليم أظفاره وحلق شعر جسده قبله.
ومن مرَّ غير محرم قاصدًا مكة لأحد النسكين فقد أساء ورجع ما لم يشارفها ولم يحرم، وظاهرها ولو شارفها ولا دم ولو تعمد، إلا لضيق وقت ونحوه فيحرم من موضعه وعليه دم وإن قرب خلافا لابن حبيب، ولا يسقط حينئذ برجوعه على المعروف ولا بفساده، بخلاف فواته. وقيل: لا يسقط وصوِّب، وإن لم يقصد نسكًا أساء ولا دم. وثالثها: إن لم يحرم. ورابعها: إلا الصرورة. وخامسها: إن أحرم وشُهِّرَ. ومن مرَّ لحاجة
_________________
(١) في (ح٢): (أو يكره).
[ ١ / ٢١٤ ]
دونها ثم عزم فأحرم لم يلزمه دم. ولا إحرام على مار لم يرد مكة؛ كصبي وعبد، ولا دم إلا الصرورة المستطيع، وهل مُطْلَقًا، أو إن لم يردها؟ تأويلان. ولا على متردد بكحطب وفاكهة، واستحبه اللخمي أول مرة، ولا على من خرج فبلغه خوف فرجع، أو دخل بعمرة فحل منها ثم عرض له شغل لمثل جدة والطائف وهو ينوي العود ليحج من عامه، لا إن لم ينو، بخلاف غيرهم، فإنه يجب وإن سقط الدم عَلَى الْأشهر فيهما (١).
وسننه: غسل متصل به وإن لحائض، ولا دم في تركه، ولا يتيمم لتعذر الماء، فإن أحرمت حائض أو غيرها بلا غسل جهلًا اغتسلوا بعده خلافًا لعبد الملك وغيره، وللحُليْفي الغسل بالمدينة إذا مضى من فوره، واستحبه عبد الملك بها، ولا بأس أن يلبس ثيابه بعده لينزعها بذي الحليفة إذا أحرم، فإن اغتسل غدوة ثم راح عشيَّة أعاد، وفي كتاب محمد: وإن تأخر للزوال كره.
ويسن لدخول مكة بذي طوى إلا لحائض على الأصح، ولوقوف عرفة مُطْلَقًا، ويغسل فيهما رأسه خلافًا لابن حبيب، ولا يغمسه في الماء. وقيل: ولأركان الحج كلها، ولبس إزار ورداء ونعلين لرجل، وتقليد هدي، ثم إشعار، ثم صلاة ركعتين أو أكثر. وقيل: قبل التقليد، واستحب فيهما قراءة (قل يا أيها الكافرون) و(الإخلاص) كركعتي الطواف، وأجزأ فرض وانتظر وقت نهي إن أمكن، ولا شيء عليه إن أحرم بغير صلاة، ويحرم متوجها إذا مشى أو استوى على الدابة عَلَى المشهور. وقيل: إذا سارت به دابته (٢)، وجبر كري على إناخة [٤٦/ب] الراحلة بباب مسجد ذي الحليفة ليركب إثر صلاته وتلبية على الأصح، وإن لجنب أو حائض متوسطة بصوت معتدل لرجل وتسمع المرأة نفسها فقط، وتجديدها عنْد كل صعود وهبوط، وإثر كل صلاة، وسماع (٣) مُلَبٍّ لمكة عَلَى
_________________
(١) قوله: (فيهما) ساقط من (ح٢).
(٢) قوله: (دابته) ساقط من (ح١، ح٢).
(٣) قوله: (وسماع) ساقط من (ح١).
[ ١ / ٢١٥ ]
المشهور، وفيها: للطواف (١). وقيل: لرؤية البيت. وروى محمد: إن كان أهلَّ من الميقات فللحرم، وإن تركت أوله فدم، وإن طال ولو رجع ولبى خلافًا لابن كنانة، ولا يرفع صوته بها في شيء من المساجد إلا مسجدي مكة ومنىً. وقيل: وفي غيرهما من المساجد يُسمع نفسه ومن يليه، ثم يعاودها بعد السعي. وقيل: بعد الطواف كالمحرم من مكة لرواح مصلى عرفة، ورجع إليه. وعنه لرواح الموقف وللزوال وللشروع في الصلاة، ولفراغه من الوقوف، ولرمي جمرة العقبة. وقيل: إن أحرم بعرفة، وإلا قطع بها (٢)، ومعتمر الميقات، ومن فاته الحج للحرم، ومن الجعرانة لبيوت مكة، وكذا من التنعيم، وقيل: لرؤية البيت (٣)، وتلبية من أفسد كغيره.
واستحب دخول البيت ومكة نهارًا، ومن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا لكمدني، وَالْمَسْجِدُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، والخروج من السفلى، والأفضل إفرادٌ ثم قرانٌ (٤) ثم تمتعٌ. وقيل: التمتع أفضل من القران. وخرج ومن الإفراد. وقيل: إن لم يمكنه الصبر لطول أمد الحج فالتمتع، وهو أن يحج بعد فراغ عمرته وإن بقران، وعليه دمان على المنصوص.
والقران: أن يحرم بهما معًا (٥)، ويقدم العمرة في نيته أو يردف الحج عليها وإن صحت عَلَى المشهور، وإن (٦) بطوافها، ولا كراهة وإن لم يقطعه على الأصح، وكمَّلَهُ (٧) ولا يسعى واندرجت، وكره قبل الركوع وفات به. وقيل: يردف ولو ركع. وقيل: وفي السعي، فإن
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٣٩٧.
(٢) في (ح١): (لها).
(٣) قوله: (البيت) ساقط من (ق١).
(٤) قوله: (ثم قرانٌ) ساقط من (ح٢).
(٥) قوله: (معًا) مثبت من (ح١).
(٦) في (ح٢): (ولو).
(٧) في (ح٢): (ويكمله).
[ ١ / ٢١٦ ]
إردافه بعده لم يكن قارنًا، وحرم الحلق، وأهدى لتأخره، ولا يسقط حينئذ بفعله على الأصح. وفيها: إن قدم قارنًا فطاف وسعى قبل شوال وكان متمتعًا (١). قيل: والقياس خلافه، ويجب دم التمتع بإحرام الحج، وأجزأ قبله خلافًا لأشهب، كأن ساقه في عمرة ثم حج من عامه، وتأولت أيضا بما إذا سيق (٢) للمتعة. وشرطه: أن تقع العمرة أو ركن منها أو بعضه في أشهر الحج لا الحلق وحده، ولا يتكرر الدم بتكررها في زمنه، وألا يكون مقيمًا أو منقطعًا بمكة أو ذي طوىً في (٣) وقت فعل النسكين، أو ناويًا إقامة قبلهما، كمن خرج لحاجة ليرجع أو توطن قبلها (٤) غيرها، أو من غير أهلها أو بلا أهل ولم يرفض سكناها، أما لو رفضها أو قدم معتمرًا في أشهر الحج بنية الإقامة ثم حج من عامه فليس بمقيم على الأصح، كمن هو دون القصر على الأشهر، وذو أهلين بمكة وغيرها يحتاط، وهل تعتبر كثرة الإقامة بأحدهما؟ تأويلان. وفعل المقيم بالتمتع (٥) والقران كغيره [٤٧/أ]، وألا يعود لبلده أو مثله ولو بالحجاز على الأظهر، فلو رجع لدونه كمصر لنحو المدينة لم يسقط الدم عَلَى المشهور، إلا أن يكون بلده بعيدة كإفريقية فيرجع لنحو مصر، إذ لا يمكنه الذهاب لبلده والعود في عامه. وقيل: يسقط ولو عاد لمسافة القصر، وأن يكون النسكان في عام، وفي شرط كونهما عن واحد قولان.
ولو مات قبل جمرة العقبة ولو في يوم النحر فلا دم عَلَى المشهور، وأما بعدها فالهدي من رأس ماله. وقال سحنون: برضى ورثته ولا يصام عنه.
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤١٨.
(٢) في (ق١): (سبق).
(٣) قوله: (في) ساقط من (ق١).
(٤) قوله: (قبلها) مثبت من (ق١).
(٥) قوله: (المقيم بالتمتع) في (ق١): (المعتمر في التمتع).
[ ١ / ٢١٧ ]
وشرط دم القران: ألا يكون مقيمًا، وأن يحج من عامه، وحكم المقيم وغيره كالمتمتع، وأوجبه عبد الملك على القارن مُطْلَقًا. ومن تطوع بهدي في عمرة ثم أردف لخوف فوات أو حيض أجزأه لقرانه.
ويجب طواف القدوم على الأصح، كالسعي قبل عرفة على من أحرم من الحل ولو مكيًا لم يراهق، وإلا سعى بعد الإفاضة، فلو قدم للسعي ورجع لبلده مقتصرًا أجزأه، وأهدى غير المراهق عَلَى المشهور، وتتركهما الحائض كالمراهق ليسعيان بعد الإفاضة، فإن كانا معتمرين أردفا وصارا قارنين وإلا تماديا.
ويستحب الإكثار من شرب ماء زمزم والوضوء منه ونقله للبلدان.
وشرط الطواف: كونه سبعة أشواط، فإن شك بنى على الأقل، وكونه داخل المسجد ولو من وراء زمزم وشبهه؛ كسقاية لزحمة خلافًا لأشهب، لا لحرٍ ونحوه، وإلا أعاد ما دام بمكة، وفي العود له من بلده أو إجزاء الهدي للمتأخرين قولان، وكونه ولاء، فإن ذكر بعضه في سعيه قطعه وكمل وركع وسعى، فإن كمل سعيه ابتدأ الطواف عَلَى المشهور إن بعد أو أحدث كنسيان نفقته، ولا يقطع لها على المنصوص، ولا لجنازة عَلَى المشهور، فإن أقيم بعد فرض قطع وبنى من حيث انتهى.
واستحب إكمال الشوط، وجاز تكميل ما بقي كشوطين قبل تسوية الصفوف، وقطع تطوع لركعتي الفجر لخوف إقامة صبح، وكونه بالطهرين والستر، فإن طاف بلا طهر أعاد. وقيل: ما دام بمكة وإلا فلا شيء عليه ولو أصاب النساء. وقيل: إن طاف محدثًا أهدى شاة، وجنبًا فبدنة، وعَلَى المشهور يرجع لطواف عمرته محرمًا ويفتدي إن حلق، وإن أحرم بعد سعيه بحج فقارن؛ كطواف قدوم بطل وقد سعى بعده مقتصرًا أو إفاضة، إلا أن يتطوع بعد بطواف فيجزئه عَلَى المشهور ولا دم، ولا يجزئ عنه طواف قدوم على الأظهر ورجع حلالًا إلا من نساء وصيد، وكره طيب، ويأتي بعمرة إن وطئ.
[ ١ / ٢١٨ ]
وقيل: مُطْلَقًا، ولو أحدث في خلاله تطهر وابتدأ ولا يبني على المشهور. وثالثها: إن كان واجبًا، ولو ذكر نجاسة طرحها وبنى على الأصح كالراعف، فإن ذكر بعد الركعتين أعادهما استحبابًا إن كان قريبًا ولم يحدث، وإلا فلا شيء عليه. وقال أصبغ: لا إعادة. وقيل: يعيدهما ما دام بمكة، فإن رجع لبلده أجزأه وعليه هدي. وقال اللخمي [٤٧/ب]: يعيد في أيام الرمي فقط إن بقي بمكة لا إن خرج ذو الحجة، وإلا فخلاف.
وكون البيت على يساره، وإلا رجع كالطهارة على المعروف، وابتدأ من الحجر الأسود وألغى ما قبله، وإن رجع لبلده أجزأه وأهدى إن لم يكن المتروك يسيرًا جدًّا (١)، وكونه خارجًا عنه بكل بدنه، وعن شاذَرْوَانه (٢) وستة أذرع من حجره، وإذا قبل الحجر ثبت رجليه، ورجع (٣) منتصبًا كما كان، ولا يُقبِّله ثم يمشي مطأطئًا رأسه، وفي وجوب ركعتيه، ثالثها: حكم الطواف، واستحب إيقاعهما (٤) بالمقام إن أمكن، وإلا فحيث شاء من المسجد لا الحجر والبيت، ولا يفصل بين أسبوع وركعتيه بثان، وقطع إن شرع، فإن أكمل ركع لهما عَلَى المشهور. وقيل: للأول فقط، وكذا في ثالث فأكثر، واقتصر في وقت الكراهة على أسبوع واحدٍ وأخر ركعتيه لوقت الإباحة، والأفضل المسجد كتأخيرهما بعد المغرب. وروي: مخير. وقيل: إن طاف بعد الصبح مغلسًا جاز أن يركعهما حينئذ، واستحب لقادم علم أنه لا يدرك الطواف قبل العصر أن يقيم بذي طوى لليل، ومن أفاض بعد العصر ولم يخف فوات الصلاة طاف وركع ثم صلاها، وإلا ابتدأ بها ثم
_________________
(١) قوله: (جدًّا) ساقط من (ق١).
(٢) الشَّاذَرْوَانُ: هو من جدار البيت الحرام الذي ترك من عرض الأساس خارجًا ويسمى تأزيرًا؛ لأنه كالإزار للبيت. انظر التعاريف: ١/ ٤٢١.
(٣) قوله: (ورجع) ساقط من (ق١).
(٤) في (ق١): (ركوعهما).
[ ١ / ٢١٩ ]
طاف، ولا يركع قبل الغروب، وإن (١) أفاض بعد الصبح فالأحب ألا ينصرف حتى يركع بالمسجد، وأجزأ بمنزله وبالحل؛ كأن نسي الركوع ما لم يحدث أو يبعد عن مكة، فإن أحدث وقرب رجع فطاف وركع وسعى ولو سعى (٢) قبله. وقيل: لا يعيد الطواف بل يركع ويسعى، وإن تباعد أو بلغ بلده ركعهما وأهدى وطئ أم لا، وإن كان معتمرًا افتدى إن لبس وتطيب، وإلا فلا شيء عليه، كما لو كان طاف (٣)
طوافه نفلًا، ومن أحدث فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلًا فكالناسي، وإن كان مقيمًا فأحرم بحج من الحل والركعتان من طواف القدوم وقد أكمل حجه أهدى، وإن ذكر قبل التروية أعاد الطواف وركع وسعى لا يوم التروية، واستحب طوافه قبل خروجه، فإن لم يطف وذكر بعرفة أو بعد وقوفه سعى بعد الإفاضة، وفي الدم قولان. وإن كان الركوع من طواف الإفاضة فلا شيء عليه إن لم يخرج الشهر، وإلا فدم.
وسننه: مشي لقادر، فلو ركب أعاد إن قرب عَلَى المشهور، فإن لم يعد فدم، واستلام الحجر بفيه إن قدر (٤) أول شوطٍ، واستحب فيما بعده، وهل بصوت؟ قولان.
وإن زوحم فبيده، ثم بعود ووضعهما على فيه بلا تقبيل عَلَى المشهور. وثالثها: يقبل يده أولًا ثم يستلم، ولا يرفع يديه، ولا يقبل اليماني بفم ولكن بيده ثم يضعها عليه بلا تقبيل، فإن لم يقدر كبر، ولا يدع التكبير كلما مر بهما، ولا يستلم ركني جهة الحجر بيديه ولا غيرهما، ولا يكبر إذا مر بهما.
_________________
(١) في (ق١): (ومن).
(٢) قوله: (سعى) ساقط من (ح١).
(٣) قوله: (طاف) ساقط من (ق١) ..
(٤) قوله: (إن قدر) مثبت من (ق١).
[ ١ / ٢٢٠ ]
ودعاءٌ بلا حدٍ؛ كذكر، وتسبيحٍ، وصلاة على محمد. وكره كلام كثر بغيره لا لحاجة؛ كتلبية على الأصح وتلاوة. وقيل: [٤٨/أ] إن لم يخفها. وقيل: لا (١) كراهة في اليسير، ولا ينشد شعرًا إلا كبيتين ونحوهما إن تضمن وعظًا أو حثًا على طاعة، ولا يأكل فيه ولا يشرب إلا لعذر كظمأٍ، وجاز لبس خف ونعل فيه كدخول الحجر بهما على المشهور، لا البيت وظهره، ورقي منبره ﵇، ولو نوى بطوافه نفسه وصبيًا حمله، فثالثها: فيها يجزئ عن الصبي فقط. ورابعها: عكسه، وشُهِّرَ نفي الإجزاء عنهما، ويجزئ السعي عنهما كمحمولين فيهما، ورمل ذَكَرٌ محرم من الميقات لم يُرَاهَقْ (٢) في الثلاثة الأول ولو صبيًا محمولًا على الأصح، أو مريضًا على المنصوص، ولا دم في تركه عَلَى المشهور وإليه رجع. وقيل: يعيده ما لم يفت. وقيل: ما دام بمكة وإلا فدم، وعَلَى المشهور لو ذكر في الرابع أنه لم يرمل في الثلاثة الأول فلا شيء عليه. وقيل: يلغي ما مضى ويكمل، ويرمل من طاف عن ذكرٍ لا امرأة، واستحب لمراهق ونحوه في إفاضة، ومحرم من كتنعيم وشبهه عَلَى المشهور لا كمودع ومتطوع وامرأة، وإن زوحم فعلى طاقته.
والسعي واجب على المعروف قبل عرفة على محرم من الحل لم يُرَاهَقْ ولم يردف، فإن أخره بلا عذر للإفاضة فالدم خلافًا لأشهب. وللوداع ففي الإجزاء فيجب الدم، أو يرجع له خلاف. وأما المراهَق والحائض والناسي فبعد الإفاضة.
ووقته: بعد فراغه من ركعتي طوافه، وخرج من أي باب شاء فبدأ بالصفا وختم بالمروة، وسبعة أشواط، وألغى ما قبله إن بدأ بها، ولو تركه أو شوطًا منه في حجة أو عمرة صحيحتين أو فاسدتين رجع له من بلده عَلَى المشهور، وأتى بعمرةٍ إن وطئ وإلا فدم. وخفف ابْنُ الْقَاسِمِ الشوطين، ثم رجع ورأى إن تباعد أو طال أو وطئ فدم.
_________________
(١) قوله: (وقيل: لا) ساقط من (ح١).
(٢) المراد بالمراهقة هنا ضيق الوقت، قال الدردير: لم يراهق: بفتح الهاء، أي: لم يزاحمه الوقت. وبكسرها أي: لم يقارب الوقت. انظر الشرح الكبير: ٢/ ٣٤.
[ ١ / ٢٢١ ]
وصحته: بتقدم طواف وينوي فرضيته، وإلا أعاد، فإن رجع لبلده أو بَعُدَ أو وطئ فدم. وقيل: طواف واجب ووالى. وفيها: إن جلس في خلاله أو وقف لحديث مع غيره، أو صلى على جنازة، أو باع أو ابتاع بنى فيما خف، وإن تفاحش ابتدأه.
وفي إعادة الطواف قولان، فإن كمل سعيه فلا شيء عليه، ولا يقطع (١) لفرض أقيم.
وسننه: تقبيل الحجر قبله، واتصاله بالطواف إلا فيما خفَّ؛ كأن طاف بعد الصبح وسعى بعد الشمس، وكذا بعد العصر، أو ليلًا، أو أخره حتى أصبح إن بقي بوضوئه، وإلا أعاده مع الطواف وألحق، فإن خرج من مكة أجزأه وعليه دمٌ ومشيٌ إلا لعذر كالطواف، وإسراع رجل بين الميلين الأخضرين فوق الرمل، فإن رمل في جميعه أساء ولا شيء عليه، وإن تركه جملة فكالطواف. ودعاء بلا حدٍّ، ورقيه على الصفا والمروة كالمرأة إن خلا، واستحب صعوده أعلاهما حيث يرى البيت قائمًا إلا لعذر غير رافع يديه على الأصح بالطهارتين. وقيل: يستحب، فلو سعى جنبًا أجزأه كالحائض، وإن أحدث أو أصابه [٤٨/ب] حقنٌ فتوضأ بنى إن قرب.
وخطب الحج: ثلاث؛ واحدة بمسجد مكة بعد صلاة الظهر من سابع ذي الحجة لا قبل الزوال عَلَى المشهور، ويبين فيها المناسك وكيفية الخروج لمنى والمبيت بها، والسير لعرفة. ونزول نمرة (٢)، ولا (٣) يجلس في وسطها. وقال مطرف: يجلس ويكبر في أولها وخلالها كالعيد، وكذا ما بقي من خطب الحج. قيل: وهو وفاق للمدونة.
_________________
(١) بعدها في (ق١): (إلا).
(٢) في (ق١): (المزدلفة).
(٣) قوله: (ولا) ساقط من (ح٢).
[ ١ / ٢٢٢ ]
وواحدة بعرفة يوم التاسع بعد الزوال عَلَى المشهور. وقيل: أو قبله بيسير. وقيل: إن خطب قبله وصلى بعده أجزأ. وقيل: تعاد إن وقعت الظهر قبل الزوال، ولا (١) يجلس في وسطها اتفاقًا، ويبين فيها ما يفعل إلى طواف الإفاضة.
وفيها: ويؤذن المؤذن بعد فراغها (٢). وقيل: وإن شاء في أثنائها وحملت على استحباب الأول وتوسعة الثاني. وقيل: في جلوسه أولها. وقيل: بين الخطبتين. وقيل: وهو (٣) فيها.
وواحدة في الحادي عشر بمنى بعد الزوال، يجلس في وسطها على المشهور ويذكر فيها بقية المناسك، وفي جلوسه في أول الخطب الثلاث قولان، ويخرج يوم التروية -وهو الثامن- لمنى بقدر إدراك الظهر، وكره التقدم قبله ولو بالأبنية على الأصح، كسيره لعرفة قبل يومها، ويصلي فيها الظهر وأربع صلوات تليها، يقصر منها الرباعية ولا يجمع، ويبيت بها ولا دم في تركه.
ويغدو بعد الشمس لعرفة فينزل بنمرة، فإذا زالت مضى لمصلاها، فيصلي مع الإمام بعد الخطبة الظهرين جمعًا وقصرًا، ويتم أهلها كمزدلفة ومنىً، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع مكانه.
ابن حبيب: ولا ينبغي تركه مع الإمام. والقراءة سريَّة ولو يوم الجمعة. ويستحب الدعاء والتضرع للغروب، والإكثار من الذكر والصلاة على محمد، والوقوف بوضوء، والركوب ثم القيام إلا لتعب.
والواجب من الوقوف ركنًا: حضور جزء من ليلة النحر بعرفة حيث شاء لا بطن عرنة على الأصح، وفي وقوفه بمسجدها، ثالثها: الأصح الإجزاء بكراهة، فإن ترك
_________________
(١) قوله: (لا) ساقط من (ق١).
(٢) انظر المدونة: ١/ ٤٢٩.
(٣) قوله: (هو) ساقط من (ق١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
الوقوف بها ليلًا لم يجزئه، ونهارًا مع القدرة أجبر بالدم عَلَى المشهور، كأن دفع قبل الغروب ولم يخرج منها إلا بعده، وإن خرج قبله ثم رجع ووقف قبل الفجر أجزأه، ولا دم على الأصح. ويجزئ المارُّ إن نوى الوقوف وعلم بها. وقيل: ولو جهلها كالمغمى عليه قبل الزوال عَلَى المشهور. وعن مالك: إن أغمي عليه بعده (١) وقد وقف به أجزأه، ولو اتصل به إلى الدفع منه - وإن وقف به صحيحًا ثم أغمي عليه- أجزأه، وإلا فلا.
ووقته: يمتد إلى الفجر، فلو قرب طلوعه قبل وصوله لعرفة فذكر صلاة إن فعلها فات الوقوف؛ صلاها عَلَى المشهور. وثالثها: إن لم يكن آفاقيًا. ورابعها: إن لم يكن قريبًا من عرفة. وقيل: كالْمَسَائِفُ (٢)، ولو وقع الخطأ لأهل الموسم [٤٩/أ] في الوقوف، فثالثها المعروف (٣) يجزئ العاشر لا الثامن. وقيل: يجزئ العاشر اتفاقًا، ويتأخر ما بقي من عمل الحج يومًا كأن لم يخطئوا، ومن ردت شهادته في الهلال لزمه الوقوف كالصوم، ثم يدفع بعد الغروب مع الإمام من مزدلفة (٤)، وأرخص في تقديم الضعفاء، ويكثر من الذكر والتسبيح والتهليل.
وكره المضي من غير طريق المأزمين، فيصلي العشاءين جمعًا وقصرًا بعد الشفق إن لم يعجز، وإلا فبعده حيث كان، فإن قدمها قبله أعاد العشاء، وفي المغرب، ثالثها لابْنِ الْقَاسِمِ: تعاد في الوقت وإن أتى مزدلفة قبله أخرهما. وقال أشهب: يصليهما حينئذ وله وضع رحله قبل الصلاة إن خف وإلا فبعدها، واستحب أشهب تقديمها مُطْلَقًا إلا لثقل دابة ونحوه، فإذا صلى المغرب حط عنها إن شاء قبل العشاء، وإن لم يكن بها ثقل، ولا
_________________
(١) قوله: (بعده) ساقط من (ح١).
(٢) الْمَسَائِفُ: السِّنُونَ الْقَحْطُ. انظر تاج العروس: ١/ ٥٩٣٠.
(٣) في (ق١): (المشهور).
(٤) قوله: (من مزدلفة) مثبت من (ح٢).
[ ١ / ٢٢٤ ]
يتعشى (١) قبل صلاة المغرب وله ذلك بعدها، وقبل العشاء فيما خف وإلا أخره حتى يصليها، ومن وقف بعد دفع الإمام وطمع في إدراك مزدلفة قبل ثلث الليل أخَّر ليجمعهما بها. وقيل: مُطْلَقًا. وقيل: يصلي كل واحدة لوقتها، والسنة النزول بها والمبيت وإلا فالدم خلافًا لعبد الملك. ولا يشترط جميع الليل ولا جله عَلَى المشهور، بل لو نزل ثم دفع بها ولو أول الليل أجزأه، وإن حط عن (٢) راحلته لا أناخها (٣) فقط، ولو نزل بها بعد الفجر أجزأه ولا دم خلافًا لأشهب، ويرتفع عن بطن محسر ثم يقف للدعاء والذكر عند المشعر الحرام إذا صلى الصبح، لا قبلها ولا بعد الإسفار (٤). ويستحب ألا يدفع قبل الإمام إلا أن يتأخر بعد الإسفار (٥)، ومن لم يقف حتى دفع الإمام دفع معه لمنىً مسْرعًا ببطن محسر، وهو قدر رمية حجر، وإن تقدم النساء والصبيان أو تأخروا فواسع، فإذا وصل رمى جمرة العقبة بعد الشمس ببطن الوادي ومنى عن يمينه قبل وضع رحله راكبًا إن قدر بسبع حصيات ويكبر مع كل.
ووقتها: من طلوع فجر يوم النحر للغروب. وأفضله: من طلوع الشَّمس للزوال والليل قضاء على المشهور، وحل بها غير نساء وصيد، وكره طيب ولا فدية فيه عَلَى المشهور، ثم ينحر إن كان معه هديٌ، ثم يحلق ولو بنورة على الأصح إن عمَّ رأسه، وتعين الحلق لعدم أو يسارة وَلتَصْمِيغٍ وإلا كفى التقصير، وهو أن يجزَّ من قرب أصول جميع شعر رأسه، فإن اقتصر على بعضه لم يجزئه على المنصوص، وتأخذ المرأة قدر الأنملة أو نحوها وهو السنة لها.
_________________
(١) في (ق١): (يتشاغل).
(٢) قوله: (حط عن) في (ق١): (وضع على).
(٣) في (ق١): (إناختها).
(٤) قوله: (بعد الإسفار) في (ح٢): (بعدها للإسفار).
(٥) من قوله: (ويستحب ألا يدفع ) مثبت من (ق١).
[ ١ / ٢٢٥ ]
ومن ضل هديه طلبه للزوال، وإلا حلق وأفاض وحل له ما بقي كغيره، فلو حلق قبل رميه فالفدية على الأصح، وقيل: إن نحره (١) جهلًا أو خطأ فلا فدية عَلَى المشهور، ولا يجوز تعمده على الأظهر، ثم يأتي مكة للإفاضة، وله تأخيرها مع السعي لآخر أيام التشريق والتعجيل أولى، فإن أخر المحرم أو وطئ قبلها أو أخر الحلق لبلده جاهلًا أو ناسيًا أو تطاول؛ فالدم ويحلق قبله. وقيل: إن حلق في أيام الرمي [٤٩/ب] فلا شيء عليه، وإلا فالأحب الدم. وقيل: يجب. فلو أفاض قبل الرمي أجزأه على الأصح وعليه دم. وثالثها: تستحب الإعادة، وقبل الحلق فروي: يجزئه. وروي: يعيد بعد الحلق. وعنه يستحب الدم (٢)، وقبل النحر أجزأته الإفاضة على المنصوص. ولو صاد قبل الإفاضة فلا جزاء على المشهور. وكره أن يقال: طواف الزيارة، أو (٣) زرنا قبره. ثم يرجع بعد الإفاضة لمنى مبادرًا على الأولى، وخير إذا سمع الأذان والإقامة بين الصلاة والمضي ولو يوم جمعة، وقال فيمن أراد أن يتنفل بكالطوافين ليس من عمل الناس وأرجو أن يكون خفيفًا، ويبيت بمنىً فوق العقبة ليلتين إن تعجل قبل (٤) الغروب (٥) من الثاني ويسقط عنه رمي الثالثة، وقيل: يرمى له عقب رمي الثاني، ولا يلزمه عود إن بات بمكة عَلَى المشهور، وقيل: يرجع وإلا فدم، وإن جاوز العقبة فغربت مضى ولا شيء عليه، وإن أفاض ثم بدا له التعجيل بمكة؛ فله ذلك ما لم تغرب الشمس، وكذا إن عاد لمنى ثم بدا له (٦) قبل الغروب، ولو تعجل فأفاض ثم انصرف فكان ممره بمنىً ونسي شيئًا بها فغربت وهو بها
_________________
(١) قوله: (وقيل: إن نحره) في (ح١): (وقبل نحره).
(٢) قوله: (الدم) ساقط من (ق١).
(٣) بعدها في (ق١): (يقال).
(٤) من قوله: (أراد أن يتنفل ) ساقط من (ق١).
(٥) في (ح٢): (غروب الشمس).
(٦) من قوله: (التعجيل بمكة ) ساقط من (ح١).
[ ١ / ٢٢٦ ]
نفر ولا يضره ذلك، وللمكي التعجيل. وروي إن كان لعذر وإليه رجع، وصحح الأول.
قال: ولا يعجبني ذلك لإمام الحج، ويبيت غير (١) المتعجل بها ثلاثًا، وفي ترك جل ليلة دم كمبيته بمكة ولو لمرض أو من وراء العقبة. وقيل: إن بات كل الليلة وإلا فلا، وأرخص لمن ولي السقاية في ترك المبيت وللدعاء (٢) في الانصراف بعد جمرة العقبة، ويأتون في الثالث فيرمون ليومين. وقال محمد: أو يرمون ليلًا، والرمي في كل يوم بعد يوم النحر للجمرات الثلاث يبدأ بالتي تلي مسجد منىً فيرميها من فوقها ماشيًا بسبع حصيات متتابعة يكبر مع كل، ثم يستقبل الكعبة فيهلل ويحمد الله ويصلي على محمد ولا يرفع يديه على الأصح، ويدعو بقدر إسراع قراءة البقرة، ثم يثني بالوسطى كذلك، وقيل: إلا لزحام فمن فوقها، إلا أنه يتياسر يسيرًا للدعاء فيها. وقيل: كالأولى، ثم يختم بالعقبة فيرميها من أسفلها ببطن الوادي ولو في الوقوف على الأصح (٣)، وينصرف ولا يدعو.
ووقته: من الزوال للغروب، والليل قضاء عَلَى الْمَشْهُور.
وأفضله: عقيب الزوال، فإن رمى قبله أعاد بعده، وقضى الكل لآخر الرابع، ثم يفوت خلافًا لأبي مصعب ولا قضاء للرابع، ولا يبطل الحج بفوات شيء منها. وقال عبد الملك: إن لم يرم جمرة العقبة حتى مضت أيام الرمي بطل ويجب الدم اتفاقًا، ومع القضاء عَلَى المشهور. وثالثها: إن تعمد. ورابعها: إن ذكر بعد النفر لا قبله، ويرمي فيها. ويشترط كونه حجرًا ولو متنجسًا على الأصح قدر حصى الخذف؛ وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا. وقيل: قدر الباقلاء. وقيل: قدر النواة. واستحب مالك أكبر من ذلك
_________________
(١) قوله: (غير) ساقط من (ح١).
(٢) في (ق١): (وللرعاة).
(٣) من قوله: (وقيل: إلا لزحام ) في (ح٢): إلا أنه يتياسر عند الدعاء فيها، وقيل: كالأولى، ثم يختم بالعقبة فيرميها من أسفلها ببطن الوادي، وقيل: إلا لزحام فمن فوقها.
[ ١ / ٢٢٧ ]
بيسير كلقطها من مزدلفة. وقيل: من واد محسر لا كسرها، ويكره الكبير جدًّا كالحرمي (١) به عَلَى المشهور. وثالثها: إلا أن تسقط من يده حصاة فله أخذ غيرها إن لم يعرفها، وعلى المشهور ففي الإعادة، ثالثها: إن لم تمض أيام [٥٠/أ] منىً أعاد وإلا فلا شيء عليه، فإن فات ففي الإجزاء قولان. اللخمي: إلا أن يكون الرمي بواحدة فلا يجزئه اتفاقًا، ولا يجزئ قدر الحمصة فما دونها؛ كطين، ومعدن حديد، أو زرنيخ ونحوهما، وكونه رميًا على بناء الجمرة أو مكان حصاها، فلو وقعت دون الجمرة أو على محمل واندفعت بقوة الرمية أجزأت لا إن نثرها غيره، أو تدحرجت من علو، أو تجاوزت الجمرة، أو طارت غيرها لها ووقعت هي دونها، أو لم يقصد الرمي أو وضعها، وكذا إن طرحها خلافًا لأشهب، وفي إجزاء ما وقعت بشقوق البناء للمتأخرين (٢) قولان، ويشترط ترتيبهن على الأصح، فلو بدأ بالأخرى وختم بالأولى، أو بدأ بالوسطى وثنى بالأخرى، أو ختم بالأولى، أو ثنى بالأولى (٣) وختم بالأخرى أعاد الوسطى والأخرى، ولو رمى الأولى ثم ختم بالوسطى أعاد الأخرى فقط، ولو نسي الأولى من اليوم الثاني فذكرها في الرابع بعد رميه فعلها وما بعدها في يومها وأعاد للرابعة على المشهور، لا الثالث لخروج وقته، ولو ذكرها في يومها أتى بها وأعاد ما بعدها، ولو نسي حصاة من جمرة اكتفى بها على المشهور. وثالثها: إن ذكرها في يومها وإلا رماها بسبع، ولو جهل موضعها، فالمشهور - وإليه رجع -: يرمي الأولى بحصاة وما بعدها بسبع سبع. وروي: والأولى، ومثله من بقيت بيده حصاة ولا يدري مكانها، ولو رمى بخمس خمس اعتد بالخمس الأول وكمل ولا شيء عليه إن ذكر من يومه، وإلا فدم على الأصح. ولو رمى كل جمرة بحصاة حصاة حتى أكمل صحت
_________________
(١) في (ق١): (كالمرمي).
(٢) قوله: (للمتأخرين) ساقط من (ح٢).
(٣) قوله: (أو ثنى بالأولى) ساقط من (ق١) ..
[ ١ / ٢٢٨ ]
الأولى، ورمى الوسطى بست والأخرى بسبع، ولو رمى عنه وعن صبي أجزأ وإن حصاةً حصاةً عَلَى المشهور، ولو ترك حصاة أو جمرة أو الكل إلى الليل أهدى، وقال محمد: في الحصاة شاة وفي الجمرة بقرة وفي الجميع بدنة، وفيهما البدنة في الجمرة أو الجميع، فإن لم يجد فبقرة وإلا صام، وفي الحصاة دم (١)، وقيل: في الجمرة بدنة كالجميع، وفي الحصاة إلى ست شاة، وإذا وجد المريض حاملًا وهو يقوى (٢) على الرمي رمى بيده، ولا يضعها في كف غيره، وإن عجز استناب وتحرى وقت الرمي ليكبر لكل حصاة، وعليه دم خلافًا لأشهب، وهل يقف الرامي عنه للدعاء عند الجمرتين أو لا؟ قولان. وعلى الأصح يتحرى المريض ذلك ليدعو، وأعاد إن صح قبل الفوات بالغروب للرابع مع الدم إلا أن يصح يوم النحر فيعيد للعقبة ولا دم، وفي استنابته إن ظن الصحة قبل الفوات، قولان. ورمى عن صغير لا يحسن الرمي (٣) ولا دم، وإلا فالدم على من أحجه؛ كأن تركه من يحسن، والمجنون والمغمى عليه كالصغير، وهل يقف عنه الرامي للدعاء عند الجمرتين؟ قولان. وخرجا في المجنون والمغمى عليه.
ويستحب التحصيب للراجع من منى غير المتعجل ينزل حيث المقبرة بالأبطح فيصلي فيه أربع صلوات، ثم يدخل مكة بعد العشاء، وإن كان يوم جمعة تركه ودخل للصلاة، ووسع مالك فيه لغير المقتدى به، وفي [٥٠/ب] تقديم الأثقال، فإذا عزم على السفر ودع، ولو لكالجحفة على الأصح لا كالتنعيم إلا أن يقيم، وهو سنة. وقيل: مستحب، ولو عبدًا أو صبيًا أو امرأة غير حائض ونفساء، وكفى طواف إفاضة وعمرة، ولا يخرج مقهقرًا وأعاد إن أقام بمكة لا بذي طوى ولو بعض يوم على الأصح، لا لشغل
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٣٤.
(٢) في (ح٢): (يقدر).
(٣) قوله: (الرمي) مثبت من (ق١).
[ ١ / ٢٢٩ ]
خف، ورد له إن لم يمنعه كريه ولم يخف فوت أصحابه. وعن مالك: إن بلغ مَرَّ الظَّهْرَانِ فلا شيء عليه، وحبس لإفاضة لا لوداع كريٌّ ووليٌّ لحيض قدره. وقيل: شهرًا، وللنفاس على الأصح، كشهرين كرفعه (١) في يومين وقيد بالأمن. وقيل: إنما ذلك للقريب، وأما من بعد كأهل مصر والشام فللكري الامتناع، ولو تجاوز الدم مدته، فهل تطوف واستظهر، أو يفسخ الكراء؟ قولان. ولو شرطت عليه عمرة في المحرم فحاضت قبلها لم يحبس لها، ولا يوضع شيء من الكراء.
فصل [محرمات الإحرام]
حرم بالإحرام مُطْلَقًا نكاحٌ وإنكاح ووطء ومقدماته لا رجعة، وفسد حج بوطء وقع قبل عرفة وإن بدبر أو نسيانًا؛ كاستدعاء منيٍ على المعروف وإن بوطء فيما دون فرج، أو دوام تذكر، أو نظر، أو لعب بفرج إن أنزل كامرأةٍ، والمختار إن كان عن أمرٍ يغلب فيه نفي المني فالهدي فقط وإلا فسد. وروي: إن تذكر حتى أنزل، فالهدي كإنزاله ابتداءً وإمذائه وقبلته ووطئه بعد سعي عمرة على الأصح وإلا فسدت، فإن وقف ثم وطئ فمشهورها إن كان قبل الإفاضة وجمرة العقبة في يوم النحر أو قبله فسد وإلا فلا. وقيل: إن كان قبل (٢) طلوع فجر يوم النحر فسد، وإن كان بعده فهدي وعمرة، فإن وطئ بينهما يوم النحر أو قبلهما بعده لم يفسد. وقيل: يفسد ويلزمه القضاء والهدي واتحد، وإن تكرر الوطء في واحدة أو أكثر بخلاف صيد وفدية (٣)، وإذا لم يفسد فالهدي فقط، وفي لزوم عمرة مشهورها: إن وطئ بعد الإفاضة والركوع فلا، وإلا طاف وركع واعتمر بعد الرابع، وينحر في القضاء في حج أو عمرة لا حين الفساد عَلَى المشهور. فإن أفسد القضاء
_________________
(١) في (ق١): (كرفقه).
(٢) في (ق١): (بعد).
(٣) في (ق١): (صيد فدية).
[ ١ / ٢٣٠ ]
لزمه قضاء القضاء أيضًا عند ابْنِ الْقَاسِمِ خلافًا لعبد الملك ومحمد (١)، ولا ينوب قضاء نفل عن فرض، ويجب القضاء في قابلٍ وإن تطوعًا كالعمرة بعد التحلل وإتمام المفسد، وإلا فهو عليه إن أحرم، ولا يقع قضاؤه إلا في ثالثة، وأحج من أكرهها وإن نكحت غيره، ووقف قدر (٢) ما تحج به وتهدي في فلسه، فإن ماتت قبله أخذ الغرماء حصة (٣) الإحجاج وأنفذ الهدي عنها، ولزمها إن طاوعته، وكذا في عسره على الأصح ورجعت عليه. وقيل: بالأقل. وطوع الأمة كالإكراه على المنصوص، وأحجها ولو باعها، وفي جوازه قولان وبُيِّن، وإلا ردت عليه.
وفارقهما في القضاء من حين أفسد للتحايل (٤)، وهل وجوبًا أو استحبابًا، أو يجب إن كان عالمًا بالتحريم ويستحب للجاهل؟ أقوال (٥). وهل يفارق غيرهما من النساء كهي؟ خلاف. ولا يراعي زمن (٦) إحرامه ويراعي [٥١/أ] ميقاته إن شرع، وإن تعداه فدم، وأجزأ تمتع عن إفراد كعكسه على المعروف، ويلزمه هديان للمتعة والفساد، لا تمتع آخر وإفراد عن قران، أو قران عن إفراد عَلَى المشهور، أو عن تمتع، ولزمه (٧) ثلاث هديًا إن أفسد قارنًا وفاته. وقيل: أربع.
وكره حملها لمحمل (٨)، وله اتخاذ السلم ورؤية ذراعيها لا شعرها، كتقليب جارية لبيع أو غيره، ولا بأس بالإفتاء في أمورهن.
_________________
(١) قوله: (ومحمد) ساقط من (ق١).
(٢) قوله: (قدر) ساقط من (ق١).
(٣) بعدها في (ق١): (لا).
(٤) في (ق١): (للتحليل).
(٥) قوله: (للجاهل أقوال) في (ق١): (إن كان جاهلًا).
(٦) في (ح٢): (من).
(٧) في (ح٢): (ويلزمه).
(٨) في (ح١): (بمحمل).
[ ١ / ٢٣١ ]
وحرم على امرأة تغطية كف كوجه إلا كستر من فوقه بلا ربطٍ، وغرز بكإبرة، وإلا افتدت كأن سترته لحرٍ أو بردٍ أو ترفهٍ، ولها لبس حلي أو حرير وخز كعصابة وخاتم وسوار وسروال وخف لا قفاز، وفيه الفدية عَلَى المشهور، وكره قباء وإن لأمة.
ومنع رجل من لبس مخيط لبدن أو عضو بحسب ما خيط له؛ كنسج وتلبيد على هيئته وتزرُّر، وخلال وعقد لا ارتداء؛ بكقميص ولو توشح به بلا عقد، وفي كراهته بالسراويل روايتان، وحرم عليه بخاتم على المعروف، وفي الفدية قولان. وجورب وجرموق وقفاز كخف، إلا لعدم نعل أو تفاحش ثمن إن قطع أسفل من كعب. وقيل: كان قديمًا، وأما الآن فلا وفيه الفدية وهو خلاف. وقيل: وفاقٌ. وأما إن لبسه لضرر بقدمه واجدًا للنعل افتدى، وكره دخول منكبيه بقباء وإن لم يدخل يديه في كمه ولأزره عليه، وهل على بابها أو للتحريم ويفتدي؟ تردد. وفي منع ستر وجهه وكراهته قولان تحتملهما المدونة (١). وفيها: وكراهة ما فوق الذقن وإباحة سترها (٢). وعلى المنع ففي الفدية قولان.
وكره كبه على وسادة لا وضع صفحته، ومما يعد سترًا لرأسه أو بعضه، وإن بجلد أو طين، وجاز اتقاء شمس بيده أو مطر بمرتفع لا برد. وقيل: يجوز كتوسده، وحمل كخُرْجٍ له إن احتاج لا لغيره أو لتجارة وإلا افتدى. وقيل (٣): إلا أن يكون عيشه. وقيل: مُطْلَقًا، وجاز تظلله بكبناء وخباء وجنب محمل مُطْلَقًا لا وهو فيه؛ كثوب بعصًا على الأظهر فيهما. وثالثها: يجوز نازلًا، وفي الفدية خلاف.
وكره تظلله يوم عرفة، ولا فدية في تقلد سيف. وثالثها: إن كان لضرورة، ولا يَسْتَثْفِرَ (٤) لغيرها وإلا افتدى. وفي كراهته عند الركوب قولان، وفي احتزامه لغير عذر
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٢) انظر المدونة: ١/ ٣٩٥.
(٣) قوله: (وقيل) مثبت من (ق١).
(٤) في (ح١): (يستنفر). وفي (ح٢): يستقر. الاستثفار: هو أَن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. انظر لسان العرب: ٤/ ١٠٥.
[ ١ / ٢٣٢ ]
الفدية وإلا جاز؛ كجعل فرجه في خرقة عند نومه، وافتدى إن لفه لمني أو بول، وإن استنكحه ففدية واحدة إذا استدامه، وإن اعتمر بعده ففدية أخرى، وإن عصب جرحه أو رأسه وإن لعذر أو بخرق صغار افتدى على الأصح فيهما، أو لصق خرقة قدر درهم فأكثر، أو قطنة بأذنٍ أو قرطاسًا بصدغ، وجاز شد منطقة بوسطه على جلده لنفقته لا لغيره إلا تبعًا وإلا افتدى، كأن ترك نفقة غيره بعد ذهاب نفقته أو ذهب ربُّها وعلم بها، لا إن [٥١/ب] ردها أو لم يعلم بذهابه ويبقيها له. وإن شدها بفخذه أو ساقه أو عضده كره ولا فدية على المشهور. وقيل: إلا في العضد. وجاز فصد ولو تعدد بلا عصب وإلا افتدى، وله بط جرح (١) وحك ما خفي برفق واحتباء؛ كتقليم ظفر إن كسر أو لقروح بإصبعه وإلا افتدى. وقيل: يطعم مسكينًا واحدًا وله إبدال ثوبه وبيعه وإن لضرر قمله على الأصح. وكره غسله؛ إلا لنجس فبالماء فقط وإلا افتدى. وفي جواز غسله لوسخ قولان لا ثوب غيره، وله نقل قملة بجلده أو ثوبه لموضع آخر منه، وليس (٢) عليه رد ما سقط من قمل رأسه، وإن وجد عليه بقة وشبهها فأخذها فماتت فلا شيء عليه.
وأفضله: بياض، وجاز مصبوغ كمورد وممشق، إلا لمقتدى به فيكره، ومنع معصفر مفدَّمٌ وفيه الفدية عَلَى المشهور. وقيل: يجوز لامرأة إن لم يعلق بها شيء منه، وجاز لهما إن غسل، ومنعا مزعفر ومورس وإن بوسادة أو فرش، إلا أن يستره بكثيف، وإلا افتدى إن قوي صبغه ولا يتوسده لمرفقيه (٣)، فإن غسل وبقي أثره كره ولا فدية. وقيل: يجوز؛ كأن ذهب لونه جملة.
وحرم (٤) استعمال طيب مؤنثٍ كمسك وكافور وزعفران وورس، وتجب الفدية كمسه فلم يعلق أو إزالته سريعًا خلافًا لابن القصار، ولو ذهب ريحه لم يبح، وكره تماديه
_________________
(١) يقال: بَطّ الجُرْحَ: إِذا شقَّه. انظر: لسان العرب: ٧/ ٢٦١.
(٢) من قوله: (فقط وإلا افتدى ) ساقط من (ق١).
(٣) في (ح٢): (يتوسد بمرفق).
(٤) في (ح١): (وكره).
[ ١ / ٢٣٣ ]
بموضع يعبق به وتجره فيه، كشم ريحان وغسل يده بكأشنان (١) خلط به ولا فدية، كأن خضب (٢) جرحه برقعة حناء، إلا أن يكثر أو يخلط الأشنان بطيب فالفدية؛ كخضب رأس، أو لحية، أو بدن، أو تطريف امرأة. ولا فدية في قارورة طيب سدت وباق بعده مما قبله؛ كملقى عليه بريح أو أصابه من خلوق الكعبة وإن كثر، وخير في نزع يسيره، وإن تراخى افتدى كتغطية رأسه نائمًا، ولا تطيب الكعبة زمن الحج، ولا يباع فيه عطر بالمسعى، ولا فدية في شمِّ عصفر وفاكهة وشيح وإذخر وزنجبيل ونحوه، ولو أكل طيبًا خلط بطعام بلا طبخ افتدى عَلَى المشهور، وكدوائه (٣) ودقة (٤) مزعفرةٍ، وماء بكافور لا مطبوخًا وإن صبغ الفم على الأصح، أو ألقاه غيره عليه (٥) إلا لتراخٍ، وحيث لا يلزمه افتدى الفاعل على الأصح لا بصوم، فإن أعدم ناب المحرم عنه، وهل وجوبًا أو ندبًا؟ قولان. ورجع عليه بالأقل إن لم يصم، فإن كان الفاعل محرمًا لزمه فديتان على الأصوب. وقيل: إن حلق رأسه أو قص شاربه فالفدية على النائم لانتفاعه بعده، كأن تقلب على نورة أو وقعت عليه فحلقت شعره.
قيل: وهو خلاف للمدونة، ويستو العمد والسهو والجهل والضرورة في الفدية إلا في حرج عام، ولا يأثم معذور ولا ساه، وحرم حلق وإبانة شعر مُطْلَقًا، وقلم ظفر ودهن لحية ورأس وإن صلعا؛ كجسد وكف ورجل بمطيب [٥٢/أ]، فإن دهن قدمه وعقبه لعذر فلا شيء عليه وإلا افتدى، كأن دهن ظهور قدميه أو باطن ساقيه أو ركبتيه لتحسين لا لعلة. وقيل: مُطْلَقًا، وإن قطرة في أذنيه
_________________
(١) الْأُشْنَانُ: شجر من الفصيلة الرمرامية ينبت في الأرض الرملية يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي. انظر المعجم الوسيط: ١/ ١٩.
(٢) الخضب: هو تغيير اللون بحُمْرَةٍ أَو صُفْرةٍ أَو غيرِهما. انظر لسان العرب: ١/ ٣٥٧.
(٣) في (ح١): (وكدواء به).
(٤) الودَقُ: نقط حمر تخرج في العين من دم تشرق به، أو لحمة تعظم فيها، أو مرض فيها ليس بالرمد ترم منه الأذن وتشتد منه حمرة العين. انظر المعجم الوسيط: ٢/ ١٠٢٢.
(٥) قوله: (عليه) ساقط من (ق١).
[ ١ / ٢٣٤ ]
لوجع بلا طيبٍ أو بفمه فلا شيء عليه، وإلا فالفدية كإزالة وسخ ومجرد حمَّام. وروي: إن تدلك. وروي: وإزالة الوسخ كاكتحاله بمطيب على المعروف، وإلا فإن كان لعذر لا لزينة فلا شيء عليه، وإلا افتدت المرأة كالرجل عَلَى المشهور فيهما. وكره نظرها في مرآة لغير عذر وإلا فالفدية، وكره غمس رأسه في ماء على الأصح وتجفيفه بشدة، فإن غسله بسدر أو خطمي افتدى، وحجامة بلا عذر، وقال سحنون: إن لم يزل معها شعر جازت إلا في الرأس. وفيها: وإن اضطر جاز لمحرم أن يحجمه ويحلق موضعها إن تيقن عدم قمل (١).
وفي وجوب الفدية قولان. وقيل: شيء من طعام، ولا شيء في شعر سقط لوضوء أو غسل وإن تبرد، وركوب أو تخلل لحيته، أو حمل برأس لحاجة أو بأصبع من أنف، وكملت بترفه وإماطة أذىً كحلق عانة وقص شارب. وفي قملة أو قملات أو طرحها حفنة من طعام، وكذا في نتف شعرة أو شعرات. وقيل: إلا أن يكون لإماطة أذى (٢) كنتف شعرة من عينه. وقيل: في نتف شعرة أو شعرتين إطعام مسكين واحد، وهل تكمل بقتل كثير قمل أو له حكم يسيره؟ قولان لمالك، وابن قاسم. وله طرح برغوث ولا شيء في قتله. وقيل: يطعم كقتل النمل والعلق (٣) والوزغ (٤) وإن لدغته، وقرَّاد بعيره ونحوه عَلَى المشهور لا طرح ذلك، وللحل قتل وزغ ولو بحرم، وكره لمحرم. ومن قلم أظفاره لمداواة قروح لا يمكن معها افتدى؛ كظفر لإماطة أذىً عَلَى المشهور وإلا فحفنة، وأطعم محرم حلق رأس حل، وهل فدية أو حفنة؟ قولان. وحفنة إن حلق لمثله موضع
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٢) قوله: (أذى) مثبت من (ح٢).
(٣) العَلَق: دُوَيْدةٌ حمراء تكون في الماء تَعْلَقُ بالبدن وتمص الدم. انظر لسان العرب: ١٠/ ٢٦١.
(٤) الوَزَغُ: دُوَيْبَّةٌ، وفي التهذيب الوَزَغُ: سَوامُّ أَبْرَصَ. انظر لسان العرب: ٨/ ٤٥٩.
[ ١ / ٢٣٥ ]
محجم إلا لتيقن عدم قمله، وافتدى إن أذن لحل في حلقه أو مكنه منه وإلا فالحل. واتحدت إن ظن الإباحة أو تعدد موجبها بفور (١) كلبس وإن مرارًا، أو تطيب وحلق وقلم على المنصوص وإلا تعددت؛ كأن قلم كل واحدة في يوم، أو تداوى بمسك ثم بعنبر إلا لنية تكرر، كتقدم قميص على سروال لم يفضل عنه، وإن عكس ففديتان، كقميص بعد خف، وإن لبس مئزرًا فوق مئزر افتدى، إلا أن يبسطهما ثم يتزر بهما كرداء فوق رداءٍ، وإن لبس قلنسوة ثم عمامة أو بالعكس ففدية واحدة، وإن لم تفضل إحداهما الأخرى، وإن لبس أو تطيب صحيحًا ثم مرض ثم صح وهو عليه ففدية، كأن افتداه (٢)
لمرض ثم صح وتمادى، وعند محمد فديتان، وإنما تجب بلبس ينتفع به من حرٍ أو برد لا إن نزعه مكانه أو قاسه لكشراء، وفي صلاة قولان.
والفدية على التخيير: صوم ثلاثة أيام أين كان ولو أيام منىً. وقيل: يكره فيها، أو إطعام ستة مساكين لكل مدان حيث شاء من البلاد على الأصح بمده [٥٢/ب] من جنس طعام الحنث ولو شعيرًا أو ذرة على الأصح. وقيل: يتحرى قدر مدي الحنطة لا غداء وعشاء. وقيل: ما لم يبلغ مدين؛ كإطعام يومين، أو ينسك بشاة فأعلى، والأفضل بدنة، ويجزئ (٣) نحرها ليلًا ولو بغير مكة عَلَى المشهور، إلا أن ينوي بها الهدي فكحكمه، ولو افتدى من شيء قبل فعله لم يجزئه.
_________________
(١) قوله: (بفور) ساقط من (ح٢).
(٢) في (ق١): (ابتدأه) ..
(٣) في (ق١): (ويجوز).
[ ١ / ٢٣٦ ]
فصل
وحرم بالإحرام ولو بحل وبالحرم، وهو ما يقف سَيْلُ الْحِلِّ دونه، فمن جهة المدينة أربعة أميال وصحح خمسة للتنعيم، ومن العراق ثمانية للمقطع، ومن عرفة تسعة، ومن جدة عشرة. وقيل: خمسة عشر (١) للحديبية ولو لحلال صيد بر، ولو متأنسًا أو مملوكًا أو غير مأكول؛ كطير ماء، وسلحفاة برٍّ، وجرادٍ وفروخه وبيضه وجزئه (٢)، لا حية وعقرب وفأرة ولو صغارًا، وعادي أسدٍ ونمرٍ وفهدٍ إن كبر. وقيل: وكلب ولو لماشية، وفي صغيره قولان. وذئب على الأصح؛ كغراب وحدأة وإن غير مؤذيين على المشهور. وثالثها: إن ابتدأ بالأذى فلا جزاء. ورابعها: لا يقتلهما المحرم إن لم يؤذيا وشهر، وفي صغيرهما قولان. وكره به قتل ضبٍ وثعلبٍ ودبٍ وهرٍ ولو وحشيًا. وفيها: الجزاء إلا أن يبتدئوا بالأذى (٣)، ولا يقتل قرد ولا (٤) خنزير. وقيل: يجوز. وفي الخنزير البحري قولان؛ المنع، والوقف. واختلف في الزُّنْبُورُ (٥)، وحيث لا قتل في الجميع ففي الجزاء قولان، لا في طير لم يمكن دفعه بغير قتله عَلَى المشهور. وقال أصبغ: إن عدى عليه فقتله فشاة، وحمل على إمكان دفعه بلا قتل، ووجب إرساله إن أحرم وهو بيده على المعروف، وإلا ضمنه إن مات، وكذا إن كان معه في رفقة على الأصح، وزال ملكه عنه عَلَى المشهور. وعليه فلو حل وهو بيده أرسله، ولو أطلقه شخص منه أو قتله أو أخذه عند إرسال ربه له فلا شيء عليه في الجميع، ولو ذبحه (٦) بعد إحلاله فعليه جزاؤه عَلَى المشهور، أما لو أحرم وهو
_________________
(١) قوله: (عشر) ساقط من (ح١).
(٢) في (ق٢): (وجزؤه).
(٣) انظر المدونة: ١/ ٤٤٩.
(٤) قوله: (لا) ساقط من (ح٢).
(٥) الزُّنْبُورُ: ذُبَابٌ لَسَّاعٌ وهو الدَّبُّور. انظر تاج العروس: ١/ ٢٨٩٩.
(٦) في (ق١): (دفعه).
[ ١ / ٢٣٧ ]
بمنزله لم يخرج عن ملكه، وهل مُطْلَقًا، أو إلا أن يحرم منه أو يمر به؟ تأويلان.
فإن كان لغيره رده له إن وجده أو أودعه له إن أمكن، وإلا أبقاه له وضمنه إن أطلقه، ولا يقبل إيداعه وهو محرم، فإن فعل رده لربه إن وجده وإلا أودعه، فإن تعذر أطلقه ضامنًا له، وإن وجد ربه محرمًا فأبى من أخذه أطلقه بحضرته ولا شيء عليه، ولا يتملكه بوجه ولا يقبل هبته، وفي صحة شرائه قولان. وعلى الصحة إن رده لبائعه أو واهبه الحل فليرده (١)، فلو ابتاعه بالخيار ثم أحرم فاختار أخذه لزمه ثمنه وإطلاقه، وإلا فلا شيء عليه، وبتلًا ثم أحرم البائع وفلس المبتاع فلربه أخذه ويرسله أو يبيعه بثمنه، ولو أكله في مجاعة وداه على الأصح، وفي جواز قتله لذلك قولان.
فإن اضطر قدم الميتة على الصيد ولحمه عليها. وروي: يأكل ما صيد (٢) لأجله ويتركها ويلزمه الجزاء [٥٣/أ]. وأخر ابن عبد الحكم الميتة مُطْلَقًا. ولا جزاء في جراد عم كذباب غالبٍ وإليه رجع، وعنه يطعم مسكينًا أو مسكينين، وفي الواحدة حفنة كدود، ولو تقلب عليه في نوم إن قل، وإن وطئ بدابته على ذباب أو نمل ونحوه تصدق بشيء من طعام، وهل بحكومة؟ قولان، لا إن قتلته بنفسها، ولزم الجزاء بقتله بمباشرة وإن جهلًا أو نسيانًا على الأصح، أو خطأً، أو بتعرض لقتله (٣) كطرده من حرم. وقيل: إن كان لا ينجو بنفسه، وهل وفاق؟ تردد، وكنتفه إن غاب عنه، فإن أمسكه حتى نسل وتحقق لحاقه بجنسه، فقيل: يطعم مسكينًا، والمشهور لا شيء عليه، ولو بنقص من فقء (٤) عين أو كسر ونحوه. وقال محمد: عليه ما نقص، وهل وفاق أو خلاف؟ قولان. وقيل: يرسله بموضع نتفه وعليه جزاء، وكجرحه وعيبه خلافًا لعبد الملك، إلا بإنفاذ (٥) مقتل، وإن
_________________
(١) في (ح٢): (قائده). وفي (ق١): (فكيده).
(٢) في (ح١): (يتلف).
(٣) في (ح٢): (لتلفه).
(٤) في (ح٢): (فقاء).
(٥) في (ح١): (نفاذ).
[ ١ / ٢٣٨ ]
أصابه في موضع تغلب حياته معه فلا جزاء، فإن وداه مع شك ثم علم أنه مات بعده كرر، إلا أن يتحقق أنه مات من غير ذلك الجرح، فلو حبسه للبرء ثم حل قبل ذلك فذبحه فعليه جزاؤه، ولو جرحه وقتله بالفور أو قبل الأمان من جرحه فجزاء واحدٌ. وقال محمد: إن برئ منه فقتله تعدد الجزاء كالمشتركين على المشهور، فإذا اجتمع محرمون أو محلون بحرم أو القبيلان فيه على قتل صيد فبحسابهم، فإن أمر غلامه المحرم بقتله فأطاعه أو بإطلاقه فظن القتل فجزاءان، وهل يشترط تسبب ربه في أصل صيده أو لا؟ تأويلان. فإن كان الغلام حلًا فلا شيء عليه، فإن جرحه ثم قتله غيره فجزاءان. وقال محمد: إلا أن يكون في فور. وفيها: وإن أشلى (١)
كلبًا أرسله غيره فانشلى ثم قتل فجزاءان (٢)، وقال أشهب: لا شيء على من أشلاه (٣).
والسبب كالقتل، فإن نفره، أو نصب له آلةً، أو أرسل عليه جارحًا، أو قصر في وثاقه وداه، وكذلك الاتفاقي كأن رآه الصيد (٤) ففزع فمات. وقيل: هدر. وثالثها: إن نفر لحركة منه وإلا فلا، وكأن أرسل على مفترس فأخذ صيدًا على الأصح، أو حفر له بئرًا أو نصب آلة خوفًا منه فوقع صيد. وقيل: لا شيء عليه. وثالثها: إن كان موضعًا يتخوف منه على الصيد، بخلاف بئر الماء أو فسطاط على الأصح؛ كرمح ركز فوقع فيه طير، ولو دل صائدًا عليه أو أعانه بمناولة أو إشارة أو أمر غير عبده بقتله أساء ولا شيء عليه عَلَى المشهور كالقاتل، إلا أن يكون محرمًا. وقيل: جزاءان، ولو رمى من حل لحرم أو تبعته الرمية له فالجزاء كالعكس عَلَى المشهور.
_________________
(١) أشلى: أي دعا الحيوان لطعام أو حلب، والكلب على الصيد، أي: أغراه. انظر المعجم الوسيط: ١/ ٤٩٢ ..
(٢) انظر المدونة: ١/ ٤٩٥.
(٣) في (ح١): (أشلى).
(٤) قوله: (الصيد) ساقط من (ق١).
[ ١ / ٢٣٩ ]
عبد الملك: ويجوز ابتداء وضُعِّفَ، وكمرور السهم بالحرم عَلَى المشهور ولا يؤكل، لا مرور كلب به وإن كان له طريق غيره وإلا فالجزاء، كأن أرسله بقربه فدخل ثم خرج فقتله خارجه، لا إن لم يدخل عَلَى المشهور، أو كان بعيدًا فألجأه إليه ولو قتله به، ولا يؤكل ولو كان الصيد بعضه في الحرم أو أصابه على فرع أصله في الحل، فالجزاء لا العكس عَلَى المشهور، ولو [٥٣/ب] أنفذ مقاتله في الحل فتحامل فمات في الحرم أكل لا جزاء على المنصوص كأن لم تنفذ، وفي أكله قولان. ولو قصر في رباط جارح قرب الحرم فأفلت فقتل فيه صيدًا وداه، ولو أخذ بيضًا فحضنه وطار فلا شيء عليه، وإن حضنه مع بيض وحش فنفر أو أفسد الكل ضمن الجميع. ولو نقل فراخًا للحرم فماتت فيه وداها، فإن أمسكه للقتل فعليه جزاؤه، وإن قتله حل. وقيل: إن قتله في الحرم وداه الآخر. أشهب: ويغرم له الحل القيمة. وقال محمد: الأقل منها ومن الجزاء، وإن قتله محرم فجزاءان، وللإرسال فعلى قاتله المحرم وإلا فعلى الممسك، ويغرم له الحل الأقل. وقيل: لا شيء عليهما وصوب، وما صاده محرم أو ذبحه من صيد فميتةٌ، ولا جزاء في أكله عَلَى المشهور، وله أكل ما صاده حل لحل وإن أحرم بعده على الأصح، لا ما صيد لمحرم ولو غيْرَ معين، فإن أكل مما صيد لهُ، فثالثها لابْنِ الْقَاسِمِ: إن علم لزمه الجزاء وإلا فلا، فإن صيد لمحرم معين فأكل غيره غير عالم فلا جزاء، وإلا فالأصح اللزوم، وله ذبح الإوز والدجاج في الحرم، وكره له أكل بيض حمام متأنس كذبحه وإن لم يَطِر، بخلاف بيض الإوز والدجاج، وهل الكراهة على بابها ولا جزاء، أو للمنع وفيه الجزاء؟ قولان. وغير المتأنس كالصيد فلا يذبح فراخ برج له، ويأكل ما ذبح أهله منه لأنفسهم لا له، ولا يشرب (١) لبن صيد إلا ما حلبه حل لنفسه، ولا شيء في تلف وكر طائر خال من فراخ أو بيض، ولو قتل حمار
_________________
(١) بعدها في (ق١): (من) ..
[ ١ / ٢٤٠ ]
وحش دجن وداه بشاة (١)، وجائز أن يذبح الحلال في الحرم الحمام مُطْلَقًا، وكذلك الصيد يدخله من حل على الأصح للضرورة؛ كقطع ما يستنبت به (٢)، وإن لم يعالج لا ما ينبت ولو بعلاج على الأصح، إلا الإِذخر (٣) والسَّنَا (٤)، وكره حشه ولو لحلال خيفة دوابه لا رعيه كمحرم بحل، وكره قطع شجر حل دخل حرمًا، ورخص في قطع كعصوين من غير الحرم كتفلية محل لمحرم، ولا جزاء في جميع ذلك.
وحرم قطع شجر المدينة بريدًا في بريد كصيد ما بين حرارها ولا جزاء عَلَى المشهور، ولا يؤكل على الأظهر، والجزاء بحكم عدلين فقيهين به (٥)، غيره ولو دون إمام يخيرانه ولو أخرس فيما شاء من قيمة الصيد طعامًا لا قيمة مثله عَلَى المشهور يوم تلفه لا يوم القضاء ولو أكثر على الأصح، لكل مسكين مدٌّ لا أزيد من جل عيش المحل، ولو تمرًا أو شعيرًا لا قِطْنيَّة (٦) على الأصح. وقيل: عليه قدر ما يشبع كبيره، وعلى المشهور لو قدم الصيد بنقد وابتاع به طعامًا أجزأ لا ثمن أو عرض، وقوم بموضع الإصابة إن كان له به قيمة وإلا فبقربه، ولا يخرج بغيره. وقيل: ما لم يتساو السعران أو يخرج في الأغلى لا العكس، وهل وفاق؟ تأويلان. وقيل: إن أخرج على سعره أجزأ. وقيل: إن ابتاع بالقيمة المحكوم بها طعامًا وأخرجه أجزأ أن يصوم عدد الأمداد، وما انكسر منها أيامًا، أو يخرج من النعم ما قارب [٥٤/أ] الصيد قدرًا أو صورة، وإلا فالقدر كاف؛ ففي النعامة بدنة. وهل هي في الفيل بسنامين أو قيمته أو وزنه طعامًا؟ خلاف. وفي الإبل بقرة كحمار
_________________
(١) الداجن: كل ما ألف البيوت وأقام بها من حيوان وطير. انظر المعجم الوسيط: ١/ ٢٧٢.
(٢) قوله: (به) ساقط من (ح٢).
(٣) الإِذْخَر: حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب. انظر لسان العرب: ٤/ ٣٠٢.
(٤) السَّنَا: هو نبت يتداوى به. انظر مختار الصحاح: ١/ ٣٢٦.
(٥) بعدها في (ق١): (دون).
(٦) القِطْنيَّة: هي الحبوب التي تخرج من الأَرض. انظر لسان العرب: ١٣/ ٣٤٢.
[ ١ / ٢٤١ ]
الوحش وبقره، وفي الضبع شاة، وفي حمام مكة يصاب بالحرم شاة بلا حكم، فإن لم يجدها صام عشرة أيام من غير إطعام. وقيل: مخير. وفيها: ولا بأس بصيده لحل بغير الحرم (١). وأخذ منه لزوم القيمة لمحرم أصابه في الحل، وفي حمام الحرم شاة ولا حكومة على المشهور، وكذا يمامه، وهل قَمريِّه (٢) وفواخِتِه (٣) وكل ما غث وهزل كحمامه أو لا؟ قولان لأصبغ وعبد الملك.
وفي حمام الحل وجميع الطير القيمة طعامًا، وكذا الضب والأرنب واليَرْبوع (٤)، وقيل: شاة (٥)، والصغير، والمعيب، والجميل، والفأرة، والمعلم ولو بازيًا كغيره، وعليه قيمته لربه معلمًا مع الجزاء على المشهور، وفي الجنين عشر ثمن الأم ولو تحرك، وقيل: كهي، وإن ألقته فاستهل ومات فكالكبير، فإن ماتت معه فجزاءان.
والبيض كالجنين. وقيل: كالأم، وتحتملهما. وقيل: حكومة. وقيل: في بيضة النعامة صوم يوم. وقيل: إن كان فيها فرخ فكالجنين، وإلا أطعم مسكينًا أو صام يومًا، أما إن تيقن موت ما فيها قبل أخذها بكرائحة فهدر، ولا يكتفي الحكمان بما روي في الصيد بل باجتهادهما ولا يخرجان عن فعل من مضى، ولو أراد الانتقال بعد الحكم، ففيها: له ذلك. وهل مُطْلَقًا، أو إلا أن يلتزمه؟ تأويلان. وقيل: لا مُطْلَقًا. وإن اختلفا ولو مرارًا ابتدئ الحكم، ولا يأخذ بقول واحدٍ ولو الأرفع، وإلا أعاد كما لو أخرج بلا حكم، وجاز كون أحدهما من الأولين، والأولى كونهما بمجلس، ولابد من لفظ الحكم والأمر بالجزاء، ولا
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٥١.
(٢) القمري: ضرب من الحمام مطوق حسن الصوت. انظر المعجم الوسيط: ٢/ ٧٥٨.
(٣) الفاختة: ضرب من الحمام المطوق إذا مشى توسع في مشيه وباعد بين جناحيه وإبطيه وتمايل. انظر المعجم الوسيط: ٢/ ٦٧٦.
(٤) اليَرْبُوع: حيوان من الفصيلة اليربوعية صغير على هيئة الجرد الصغير وله ذنب طويل ينتهي بخصلة من الشعر وهو قصير اليدين طويل الرجلين. انظر المعجم الوسيط: ١/ ٣٢٥.
(٥) بعدها في ق: (والضعيف).
[ ١ / ٢٤٢ ]
تكفي الفتوى، وإن تبين خطأهما نقض وابتدئ. وقيل: إلا أن يكون مختلفًا فيه. وقيل: إن قضيا ببدنة أو بقرة فيما فيه شاة أجزأ استحبابًا لإتيانه بالأفضل لا العكس؛ كأن حكما بالنعم فيما فيه الطعام، وما خرج عنه وعن فدية الأذى فمرتب هدي (١).
وأفضله: إبل، فبقر، فغنم، والأحب أن ينحره بيده، وتُصفُّ الإبل قيامًا معقولةً أو مقيدة، وإن اتحدت صفَّ يديها، فإن استناب مسلمًا كره، وكافرًا بطل عَلَى المشهور، ولا يعطي منها أجرة، ولا يعرفها إلا خشية (٢) نفور، فإن لم يجد صام عشرة أيام؛ ثلاثة وهو محرم إلى يوم النحر إن كان لنقص قبل عرفة؛ كمتعة، وقران، وفساد، وفوات، وتعدي ميقات، فإن أخرها فأيام منىً على الأصح. وإن كان بعدها؛ كترك مزدلفة، ورميٍ، أو حلقٍ، أو مبيتٍ بمنىً، أو وطء قبل الإفاضة فمتى شاء، كصيام هدي عمرة، ومشيٍ عجز عنه في نذر. وقيل: إلا أيام منىً. وسبعة إذا رجع منها. وقيل: في أهله لا إلا أن يقيم بمكة. وأجزأ سفر، وتتابعهما مستحب لا لازم عَلَى المشهور كوصلهما، فإن قدم السبعة على عرفة لم يجزئه على الأصح، وكذا على الثلاثة ولو سهوًا، وهل يعتد منها بثلاثة أو يستأنف العشرة؟ خلاف. فإن أيسر [٥٤/ب] قبل صومه ولو بتَسلف وهو ملي بمحله تعين الهدي واستحب بعد يومين، ولا يؤخر صومه ليهدي ببلده، ومنع تلفيق واجب من نوعين، واستحب إيقاف الهدي بعرفة والمزدلفة والمشعر، ويجزئه في أيام منىً نهارًا بها عند الجمرة الأولى دون العقبة إن كان لحج، ووقف بها هو أو نائبه أو ضل فوقفه غيره، وهو (٣) إن نوى عن ربه أو مُطْلَقًا؟ تأويلان. ولا يجزئ ما وقفه تاجر لكبيع، فإن فاتت أيام منىً يجزئه (٤) بمكة وما يليها من منازل الناس لا بذي طوى؛ كأن فات وقفه بعرفة بعد إخراجه لحل إن لم يكن أدخله منه، أو قصد التصدَّق به على الفقراء، والأولى المروة
_________________
(١) بعدها في (ح١): (نص).
(٢) في (ق١): (خيفة).
(٣) في (ق١): (وهل).
(٤) في (ق١): (نحر).
[ ١ / ٢٤٣ ]
ولو واجبًا فات وقفه ووقته أجزأ عَلَى المشهور.
وثالثها: في فوت أيَّام منىً خاصة، كأن ضل بعد أن وقفه مقلدًا ثم وجده، فإن نحره من وجده عن ربه أجزأ، وعن نفسه تعديًا أو خطأً، فمشهورها: يجزئ في الخطأ، وقيد الإجزاء بكونه ضل بعد الغروب، ومن أخذه في أيام منىً لم ينحره إلا في الثالث وأجزأ في الأول، واستأنى إن وجده بعدها، إلا لخوف ضيعة أو مشقة حفظ فلينحره بمكة كهدي عمرة بعد سعيها ثم يحلق، وإن بعث مع محرم هدي تطوع ثم حج بعده لم ينحره حتى يحل إن أدركه، وإلا فلا شيء عليه. وإن أحرم بعمرة والرسول بحج نحره في الحج، وإن كانا معتمرين فأراد تأخيره حتى يحج من عامه فليس له ذلك، وحكم دم الحج في سنه وعيبه كالضحية، واعتبر حين التقليد والوجوب لا وقت الذبح على المشهور، فلا يجزئ مقلد بعيب ولو سلم بخلاف العكس عَلَى المشهور (١) فيهما لا عن فرض، وليس له رده ولا بيعه عَلَى المشهور. وما أخذه في تطوع عن أرش، أو جناية، أو ثمن في استحقاق جعله في هدي إن بلغ، وإلا تصدق به. وروي: يصنع به ما شاء. وقيل: إن كان عيبًا لا يجزئ معه أبدله، وفي الفرض يستعين به في ثمن مثله. محمد: وأحب إلي في الجناية أن يتصدق به، وقيد بها (٢) إذا لم يبلغ ثمن هدي، ولا يلزمه بدله إن كانت الجناية، ولا يجزئ معها إن أقعدته عن الوصول وغرم الجاني قيمته، وإلا فما نقصه، وسن في الإبل تقليد وإشعار ولو غير مسنَّمة على الأصح. وفي البقر تقليد لا إشعار. وثالثها: إلا المسنمة، ولا تشعر الغنم اتفاقًا، ولا تقلد عَلَى المشهور. وتقليده تعليق نعل في عنقه بنبات أرض. وقيل: ما شاء إلا بوتر، ولا يكره النعل على الأصح.
وإشعاره: أن يشق من يصح منه النحر بيمينه من الأيسر من نحو الرقبة إلى مؤخره طولًا على الأصح، وخطمه بشماله مستقبلًا به القبلة مسميا، وقيل: من الأيمن. وثالثها: يخير ثم يحللها ويشقه عن سنامه إن لم يكن مرتفعا (٣)، وله أن يأكل مُطْلَقًا ويطعم من نذر
_________________
(١) من قوله: (فلا يجزئ مقلد ) ساقط من (ق١).
(٢) في (ق١): (بما).
(٣) من قوله: (ويشقه عن سنامه ) مثبت من (ح٢).
[ ١ / ٢٤٤ ]
لم ينو به الفقراء؛ كالواجب لنقص في حج أو عمرة، ولا يأكل من نذر عين لهم مُطْلَقًا [٥٥/أ]، ولا من مضمون بعد محله فقط على الأصح، ومثله فدية أذى وجزاء صيد. وقيل: إن أكل منهما بعد محلهما فلا شيء عليه، وأما هدي التطوع فيأكل منه إن بلغ لا إن عطب قبل محله، بل ينحره هو أو نائبه ملقيًا جله وخطامه عنده وقلادته في دمه ويخليه للناس، ولزمه البدل لا الرسول إن أمر أحدًا بأخذ شيء أو أطعم غنيًا من الجزاء والفدية ولو بجهل كالزكاة. وقيل: ولا أن يطعم مجتهدًا، ولا يطعم كافرًا ولو فقيرًا، وإلا أبدلهما على الأصح (١) لا غيرهما وقد أساء، ولا يطعم منها أبويه وزوجته وولده ومدبره ومكاتبه وأم ولده. وخطام الهدي وجله كلحمه، وإن كان لفساد فقولان، ولزمه بدل هدي استحياه فقير ولو تطوعًا، ولو أكل مما لا يحل له فهل يلزمه بدله وشهر، أو لا شيء عليه، أو يلزمه قدر أكله فقط، أو قدر أكله من نذر الفقراء، أو بدل غيره؟ روايات.
وهل النذر المعين كذلك، أو مُطْلَقًا؟ خلاف. وعلى القدر، فثالثها: لحمًا إن عرف وزنه، وإلا فقيمته ثمنًا. ورابعها: قيمته طعامًا، وإذا ولدت البدنة قبل التقليد ونوى بها الهدي فالأحب نحره معها، وتعين بعده، وحمل على غيرها إن ولدته بسفر ولو بكراء ثم عليها، فإن تعذر ولم يمكن تركه ليشتد فكمتطوع عطب قبل محله. وقيل: إن باعه أو نحره قبله فعليه بدله كبيرًا، ولا يشرب من لبنها على الأصح ولو فضل عن ولدها. وثالثها: يكره. ورابعها: إلا لضرورة، فإن أضر بها أو بولدها غرم موجب فعله، فإن مات لزمه بدله مما يجزئ. محمد: وإن أضر بها ترك حلابها حلبت بقدر ذلك، واستحب ألا يركبها إلا لعذر. وقيل: إلا ما خف. ولا يحمل عليها محملًا ولا شيئا متعبًا، وكذا للزاد ولو لعذر على الأصح. وليس عليه النزول بعد راحته على المشهور، فإذا نزل لحاجة (٢) أو لليل فلا
_________________
(١) قوله: (على الأصح) مثبت من (ح٢).
(٢) في (ح٢): (لراحة).
[ ١ / ٢٤٥ ]
يركب ثانيًا إلا لعذر ولا يشترك فيه ولو تطوعًا على الأصح، ووجب بدل الواجب، فإن فات قبل نحره بكسرقة أو موت، ونحره إن وجده بعد نحر بدله إن قلد، وقبل نحر بدله ينحرهما إن قلدا، وإلا باع واحدًا غير مقلد، وإن كانا جزاء صيد أكل من الباقي (١) فقط إن شاء.
محمد: ولو أكل منه بعد محله قبل وجود الأول أبدله، إلا أن يجد الأول وينحره، وإذا اختلط ما له الأكل منه مع ما ليس له، فلا يأكل منهما (٢) شيئًا. وكذلك إن ضل واحد غير معين فلا يأكل من الباقي ولا من البدل. وإن ضل هدي متعة مقلدًا بعد محله فأبدله فعطب قبل محله فله الأكل منه وعليه البدل (٣) أيضا، فإن وجده نحره لمتعته (٤)، ولابدَّ من بدل الثاني، إذ هو تطوع أكل منه قبل محله، وإذا مات رب هدي بعد تقليده وقبل محله لم يرجع ميراثًا ولو تطوعا.
فصل [الإحصار]
وإن صدَّه عن تمام نسكه عدو علم بمنعه قبل إحرامه لم يتحلل كأن شك، ولو اشترط الإحلال على الأظهر، فإن لم يعلم به، أو ظنَّ [٥٥/ب] زواله، أو صد بفتنة تحلل إن آيس من زواله ولا دم خلافًا لأشهب، لا إن ظنه أو شك فيه.
وفيها: لا يكون محصورًا إلا حيث لو ترك لم يدرك الحج (٥). وهل وفاق؟ تأويلان.
_________________
(١) في (ق١): (الثاني).
(٢) في (ح٢): (منه).
(٣) قوله: (البدل) ساقط من (ق١).
(٤) في (ح٢): (لمتعة).
(٥) انظر المدونة: ١/ ٣٩٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وروي: لا يحل ليوم النحر ويلبي حتى يروح الناس لعرفة. وقيل: إن تيقن الإدراك أو شك لم يحل اتفاقًا، وإن تيقن الفوت حل على المشهور ونحر هديه أين كان، وحلق إن آيس، فإن أخره لبلده فلا دم إن لم يرج زواله فيما يدرك فيه الحج، وكفت نية في (١) تحلل عَلَى المشهور. فإن جاز له التحلل فأصاب النساء فسد حجه وقضاه إن نوى البقاء على إحرامه إلا التحلل متلبسا به، ولا يحتاج معها إلى زيادة (٢)، فإن أحرم من محل لا يدرك منه الحج من عامه ثم أحصر لم يحل حتى يبقى من العام الثاني ما لو خلي لم يدرك الحج، ولزمه طريق أمنت وإن أبعد، لا إن ضاق الوقت كالمخيفة والشاقة، ولا يسقط فرضه على الأصح. وثالثها: إن صد قبل الإحرام لا بعده، وكره بقاؤه محرمًا إن دخل مكة أو قاربها (٣). وروي: يجوز ويجزئه عن فرضه. وقيل: لا فيهما، فإن دخل وقت الحج في القابل لم يحل، وإلا فثلاثة لابْنِ الْقَاسِمِ، ثالثها (٤): يمضي متمتعًا، ولو وقف وصدَّ عن البيت، ففيها: تم حجه ولا يحله غير إفاضته، ولزمه لكل ما فاته دم كنسيانه. وقيل: لا دم، وهل بمرض، أو عدو؟ تأويلان.
وقيل: إن لم يدخل مكة والصَّاد بها حل مكانه. وقيل: يفعل المناسك وينتظر، فإن قدر طاف وإلا حل، فإن وقف وصد عن الإفاضة، أو فاته الوقوف بعرفة (٥) بكمرض (٦) أو خطأ عدد أو تعذر ريح لسفينة أو عدم مركوب أو رفيق أو غيره غير عدو، ولم يحل
_________________
(١) قوله: (في) ساقط من (ق١).
(٢) من قوله: (متلبسا به ) ساقط من (ح١).
(٣) في (ق١): (أقام بها).
(٤) قوله: (ثالثها) ساقط من (ق١).
(٥) قوله: (بعرفة) مثبت من (ح٢).
(٦) في (ح١): (لكمرض).
[ ١ / ٢٤٧ ]
إلا بفعل عمرة بإحرامه الأول غير معتد بقدوم وسعي، وخرج للحل إن أحرم بحرام أو أردف به كمحبوس بحق، وهل كذا إن حبس بظلم، أو يتحلل أين كان وعليه أولت؟ قولان. وأخر المريض هديه رجاء الصحة، فإن خاف فواته بعثه لمكة لينحر بها، وما قلده أو أشعره قبل الفوات لا يجزئ عن الفوات على المنصوص، وأخر دم الفوات للقضاء، فإن قدمه أجزأ خلافًا لأشهب، ولو فات بعد إفساده أو قبله ولو تعمد التحلل حل وقضى الحج لا العمرة ولزمه هديان للفساد والفوات. وقيل: إن جامع ثم فات فهدي واحدٌ. وفي سقُوط دم الفوات والمتعة للفائت قولان لابْنِ الْقَاسِمِ وأشهب (١)، ولو نوى إن حصل له عذر تحلل لم يعده (٢)، ولا يجوز دفع مال لصادِّ كافر. وقيل: يكره ويمنع قتاله مُطْلَقًا وصوب جوازه. وقيل: إن شاء قاتله أو تربص، فإن أيس حل. وقيل: إن لم يطلبه خير بين التحلل والقتال، ولولي سفيه وسيد وزوج في تطوع المنع والتحلل إن لم يأذن وليه، وإن رأى وليه ذلك نظر، أذن له وإلا فلا، وإن أحرموا فلا قضاء على السفيه دونهما عَلَى المشهور.
وقيل: إن كان العبد متطوعًا به أو نوى الفرض أو نذر سنة معينة ولم يمكنه قضاء الحج [٥٦/أ] فيها فلا قضاء وإلا ندب، فإن كانت مضمونة وجب، فإن خالفت الزوجة أثمت كالعبد والسفيه، وله مباشرتها؛ كأن أحرمت بفرض قبل الميقات إن لم تقرب ولو الزماني، وقيد بما إذا كان معها ولم يحرم هو، وإلا فلا يحللها ولو متطوعة، وإن لم تحرم هي وكانت
____
(١) قوله: (وأشهب) مثبت من (ق١).
(٢) في (ق١): (يفده).
[ ١ / ٢٤٨ ]
صرورة مستطيعة فليس له منعها، فإن حللها وهي صرورة ثم أذن لها فحجت من عامها عن فرضها أجزأها، واختلف إن أحرمت هل تسقط نفقتها أو الزائد؟ قولان. وإن تركت مهرها ليأذن لها رجعت. وقيل: إن جهلت أن لها أن تحج وإن كره وإلا فلا، وهل وفاق أو لا؟ تردد. ولو تركته ليحج بها لم يصح؛ لأنه فسخ دين في دين، فلو كانت أمة فلا تحج إلا بإذن سيدها وزوجها معًا.
[ ١ / ٢٤٩ ]