الجمعة بضم الجيم والميم، وبسكون الميم وبفتحها أيضا، وكأن الفتح لأنها تجمع الناس ويكثرون فيها، وقد كان هذا اليوم في الجاهلية يدعى يوم العروبة، وهدى الله المسلمين إليه بعد أن ضل عنه أهل الكتاب، وخصه الله تعالى بخصائص منها ما جاء في قول النبي ﷺ: «خير يوم طلعت عليه الشمس؛ يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة،،، الحديث»، رواه مسلم وأبو داود (١٠٤٦) والترمذي (٤٩١) عن أبي هريرة، ومما ذكر في الحديث: «وفيه أدخل آدم الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، وهو عيد المسلمين الأسبوعي، لذلك نهوا عن إفراد يومه بالصيام، ونهوا عن اختصاص ليلته بالقيام، وشرع لهم صوم يوم السبت والأحد وهما عيدان للمشركين لمخالفتهم، وأخبر الصادق المصدوق أن هذا اليوم «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه»، وشرع فيه الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، والتنفل منتصف النهار على خلاف بقية الأيام، وخصه الله تعالى بهذه الصلاة التي يشترط في صحتها الجماعة، وأوجب عليهم جميعا حضورها إلا من استثني، وحرم عليهم بالنداء البيع وسائر ما يشغل عنها، وأوجب الإنصات فيها للخطبة ليتعلموا دينهم منها، وسماها ذكرا، ومنع التنفل اثناءها، وشرع لحضور مجمعها الاغتسال والتزين والتطيب، وندبهم إلى التبكير إليها، وقد قال النبي ﷺ: «أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة» رواه أبو نعيم في الحلية، وهو في الصحيحة، فله الحمد على ما أولى وأسدى.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وجوب السعي لصلاة الجمعة
النداء الذي يجب به السعي
الأذان الذي أمر به عثمان ﵁
• قوله:
١ - «والسعي إلى الجمعة فريضة، وذلك عند جلوس الإمام على المنبر، وأخذ المؤذنون في الأذان، والسنة المتقدمة؛ أن يصعدوا حينئذ على المنار ويؤذنون».
دليل وجوب السعي لصلاة الجمعة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، والسعي المضي والذهاب، ومنها هم النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عنها، ومنها حديث طارق بن شهاب في سنن أبي داود، وفيه قوله ﷺ: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة»، وسيأتي، ومنها نفيه الوجوب عن المرأة والعبد والمريض، فيكون غيرهم بخلافهم؛ لأن صلاتهم لها مشروعة.
والمراد بالنداء: الأذان الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر، وهو الأذان الأول في المشروعية، الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، لكنه الثاني في الفعل، ولما كان السعي وسيلة إلى حضور صلاة الجمعة تعين أن يقال إن من كان بعيدا بحيث إذا لم يسع إلا بعد سماع الأذان لم يدرك الصلاة؛ وجب عليه أن يذهب قبل ذلك، فإن السعي ليس مطلوبا لذاته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والسنّة: أنه إذا جلس الخطيب على المنبر أذن مؤذن واحد، كما في صحيح البخاري (٩١٣) عن السائب بن يزيد، ثم زاد عثمان بن عفان ﵁ الأذان الذي قبل جلوس الإمام على المنبر، وذلك في موضع بالسوق يدعى الزوراء وهي دار، ليرتفع الناس من السوق إلى المسجد، وكان إذا جلس على المنبر أذن المؤذن مرة ثانية على المنار، ثم إن هشام بن عبد الملك بن مروان نقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى منارة المسجد، فإذا جلس على المنبر؛
[ ٢ / ١٢١ ]
اجتماع الجمعة والعيد
رواية عن مالك بسقوط الجمعة إذا وافقت العيد
أذن المؤذنون كلهم بين يديه، وهذا هو الذي أراد المؤلف التنبيه على كونه خلاف السنة.
لكن ما ذكره المؤلف من تعدد المؤذنين ليس صوابا كما علمت، ولعله تابع فيه ابن حبيب، فإنه قال كما في النوادر: «وكان النبي ﷺ إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة، يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب،،»، وقد رد الحفاظ ما ذكره ابن حبيب وطعنوا فيه، لكن غرضه -رحمه الله تعالى- كان الاتباع، فإنه قال بذلك رواية لا رأيا، وقد قال بعد أسطر من قوله المتقدم يرد على ما أحدثه هشام: «والذي مضى من فعل النبي ﷺ أحق أن يتبع»، وبهذا تعلم أن تعدد المؤذنين في الوقت الواحد، جمعة كانت أو غيرها؛ ليس من السنة، وقد أشار صاحب المختصر إلى جوازه بقوله: «وجاز أعمى وتعدده وترتبهم - إلا المغرب - وجمعهم كل على أذانه»، وإنما استثنى المغرب لما علمت من أن المشهور عدم امتداد وقته إلى الشفق.
ومن فروع الباب: مسألة سقوط الجمعة إذا وافقت يوم عيد عمن صلى العيد، والمشهور في المذهب عدم السقوط، وعللوا ذلك بأن العيد سنة، فكيف تقوم مقام الفرض؟، لكن روى مالك في الموطإ (٤٣٠) عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فصلى ثم انصرف، فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، قال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فجاء فصلى ثم انصرف فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له،،،» وأصله في الصحيحين، ورواه البخاري في الأضاحي.
وللإمام في ذلك روايتان:
أولاهما: رواية ابن القاسم عنه أن ذلك غير جائز، وأن الجمعة تلزم من صلى العيد، ومن حجتهم في هذا أن صلاة العيد سنة، فكيف تقوم مقام الفريضة؟، وقالوا إنه ليس للأئمة أن يأذنوا في ترك واجب، وخص ذلك بعضهم بإذن الإمام.
والرواية الثانية: رواية ابن وهب ومطرف وابن الماجشون عن مالك أن ذلك جائز،.
[ ٢ / ١٢٢ ]
قال الباجي: «والصواب أن يأذن فيه الإمام كما أذن عثمان»، والمشهور في المذهب عدم السقوط ولو أذن الإمام، قال خليل مبينا ما تسقط معه الجمعة رادا لرواية السقوط: «لا عرس، أو عمى، أو شهود عيد، وإن أذن الإمام»، والمراد بقوله عرس بكسر العين أن الابتناء بالمرأة ليس من الأعذار.
قلت: عثمان ﵁ لم يستبد بالإذن فيما يظهر، حتى يعلق ترك الجمعة على إذن الإمام، بل الظاهر أنه اعتمد على ما ثبت عنده من السنة، فعلمها للناس، واختص من يأتون من بعد لأن الأمر في حقهم أبين، هذا هو اللائق بحاله، أما أن يقال إن الجمعة غير واجبة على من كان على مسافتهم؛ فهذا خلاف المقرر في المذهب، وهو وجوبها على أهل العوالي وهم على نحو ثلاثة أميال، وهو الحد الادنى لمنازلهم.
ومن الحجة في سقوط الجمعة عمن صلى العيد ما رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود (١٠٧٠) واللفظ له عن إياس بن أبي رملة الشامي شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد ابن أرقم قال: «أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟، قال: نعم، قال: فكيف صنع؟، قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل»، صححه علي بن المديني والنووي، كما في الأجوبة النافعة للألباني، وقد دل الحديث على عدم اللزوم للتخيير الذي فيه، ودل ذلك على أن الإمام يقيم الجمعة كي يصليها من شاء، ولما كان المخاطبون هم المصلين؛ يتجه أن يقال إن المرخص له في ترك الجمعة هو من صلى العيد، وقد خصصه الصنعاني بذلك، وقد روى أبو داود (١٠٧١) عن عطاء بن أبي رباح قال: «صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: «أصاب السنة»، وقوله هذا له حكم الرفع عند جمهور المحدثين، فمن كانت الجمعة في حقه نفلا صلى أربعا إن لم يصلها.
وقد سمعت عن شيخ زاوية طولقة بولاية بسكرة: أنه منذ نحو سبع وعشرين سنة ترك إقامة الجمعة في زاويته حيث وافقت يوم عيد، فكان ذلك سببا في عقد لقاء بوزارة الشؤون الدينية، نوقشت فيه هذه المسألة، وقد استغرب بعض الحاضرين هذا الصنيع منه
[ ٢ / ١٢٣ ]
من بينهم مدير التوجيه الديني يومئذ بالوزارة الشيخ الحسين بوشعيب -رحمه الله تعالى-، فقلت له: إن المسألة معروفة، وأن في المذهب قولا بسقوط الجمعة، وذكرت ذلك للشيخ أحمد حماني -رحمه الله تعالى-، فكان ذلك مانعا من اتخاذ إجراء ضد الأخ المذكور جزاه الله خيرا، وأعرف بعض الأئمة الذين عوقبوا لأنهم علموا الناس هذا الحكم، وإن كانوا قد أقاموا لهم الجمعة، والناس أعداء ما جهلوا، وقد قال بعضهم:
ما لهم عند التناظر حجة … أنى بها لمقلد حيران؟
لا يفزعون إلى الدليل وإنما … في العجز مفزعهم إلى السلطان
[ ٢ / ١٢٤ ]
حرمة البيع ونحوه مما يشغل عن الجمعة عند الأذان الثاني
• قوله:
٢ - «ويحرم حينئذ البيع، وكل ما يشغل عن السعي إليها».
أما حرمة البيع فلأمر الله تعالى بتركه في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وذلك لكونه يشغل عما هو واجب، ووقت الحرمة الأذان الثاني حين صعود الإمام على المنبر، فإن كان مريد صلاة الجمعة بعيدا مطالبا بها؛ منع منه بمقدار ما يصل إليها.
وأما غير البيع من العقود كالإجارة والشركة والإقالة والنكاح والشفعة وغيرها فلأنها ملحقة بالبيع بجامع الانشغال بها عن الصلاة، لكن ينبغي أن يستثنى من الإجارة مثلا من سمع النداء، واحتاج إلى سيارة توصله فركبها بأجرة فإن هذا من الوسائل التي يتوصل بها إلى الواجب، فكيف تمنع؟.
[ ٢ / ١٢٥ ]
هل من حاجة الآن إلى الأذان الأول؟
• قوله:
٣ - «وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية».
المقصود هنا هو الأذان الأول في الفعل، وقد أمر به عثمان بن عفان ﵁، وهو من الخلفاء الراشدين، وقد أمرنا باتباع سنتهم في حديث العرباض بن سارية كما في سنن أبي داود، فكان المناسب التعبير بذلك بدل كون بني أمية هم الذين أحدثوه، وقد حصل ذلك عندما كثر الناس ليعلموا أن وقت الجمعة قد حضر، وأخذ الناس بما أمر به الخليفة الراشد، وتابعوه عليه لكونه خليفة مطاع الأمر، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: «الأذان الأول يوم الجمعة بدعة».
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ٥٠٧): «فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمان النبي ﷺ، وكل ما لم يكن في زمانه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».
قلت: حمل قول ابن عمر على الوجه الأول هو الظاهر، وإلا فإن الناس كانوا يعلمون أنه لم يكن في زمان النبي ﷺ.
وقد رأى بعض أهل العلم أن الحاجة إلى هذا الأذان لم تعد قائمة، فيتعين تركه، والمسألة محل نظر، قد تختلف من موضع لآخر لما لها من مناط، لكن المسارعة إلى إطلاق البدعة على مثل هذا الأمر الذي فشا في عهد الخلافة الراشدة قد يكون منا جرأة غير محمودة، لاسيما مع عمل الناس به في عموم بلدان المسلمين، ولهم متعلق كما علمت، فالذي يظهر أنه يفعل متى احتيج إليه، ومع ذلك فقد خرج الناس بهذا الأذان عن حده في بلادنا، سواء فيما يرجع لوقته، أو في الغرض الذي وجد من أجله، فإنه عندنا يتقدم الأذان الثاني بوقت طويل، وفي بعض أيام العام يكون قبل الزوال، والأئمة الثلاثة يرون أن الأذان للجمعة لا يكون إلا بعد الزوال، والناس يفعلونه قبله، فهو مخالف لما كان عليه الأمر في عهد من أمر به ﵁، فإنه لم يكن بين الأذانين وقت طويل، ولا كان قبل الزوال، وبالنظر
[ ٢ / ١٢٦ ]
تقديم الأذان الأول يوم الجمعة على الزوال بدعة على مذهب الأئمة الثلاثة
درس الجمعة مضارة للخطبة وشاغل عن كثير من فضائل الجمعة
إلى تقدمه على وقت الزوال في كثير من أيام العام فلا يبعد أن يقال بأنه بدعة، لأنه لا يؤذن لصلاة قبل وقتها غير الصبح، وحتى على مذهب أحمد وهو يرى أن وقت الجمعة قبل الزوال؛ فليس فيه هذا الفارق الطويل بين الأذانين، فتنبه.
واعلم أن هذا الأذان لا يفعل اليوم للغرض الذي من أجله أمر به عثمان ﵁، وهو إخبار الناس بقرب الأذان الذي يكون بعد صعود الإمام على المنبر، بل لإخبارهم بالشروع في درس الجمعة الذي هو محدث آخر يواظب عليه، وهو مما تضار به الخطبة، فيدرك وقتها الناسَ وقد فتروا وملوا، فلا يقبلون بقلوبهم على الخطيب في وقت قد يكون هو ساعة الإجابة يوم الجمعة، وهي ساعة لا يسأل المؤمن ربه فيها شيئا إلا أعطاه إياه، ويفوت المصلين بسبب هذا الدرس كثير من فضائل الجمعة كالإكثار من النافلة، والصلاة يوم الجمعة منتصف النهار مستثناة من المنع، ومن ذلك الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وقد أمرنا بذلك، ومنها قراءة سورة الكهف، ومنها الدعاء، وأنت تعلم بأن خطبة الجمعة يطلب تقصيرها، فكيف يضاف إليها هذا الدرس؟، وقد كانت خطبه ﷺ كلمات قلائل طيبات، فكيف إذا كان المدرس ذا شهوة في الكلام؟، يطيل الدرس ويطيل الخطبة معا، ويقصر الصلاة خلاف المطلوب؟، وكيف إذا كان الدرس إلى اللغو أقرب منه للنافع من الحديث؟، فصار كالشيء المحتوم لا بد منه، يقوم به من حضر، على أن هذا الدرس ولو كان نافعا فيما يبدو للناس؛ فإن الذي نعقله من ديننا أن المخالفة لا يترتب عليها نفع، ولا يبارك الله فيها، وقد ترتب على المواظبة على هذا الدرس أن أصبح بعض الناس يرى وجوبه، ويلوم من تخلف عنه، ويسميه بعضهم الخطبة الأولى، وقواعد المذهب فيها ترك المستحب أحيانا إذا خشي أن يعتقد وجوبه، وقد مر بك تعليل ترك القبض في الصلاة، وكما قالوا في ترك الإمام تحية المسجد أحيانا وصوم الأيام الستة من شوال، وغير ذلك.
نقول هذا لو تركنا إلى عقولنا، فكيف إذا جاء عن نبينا ﷺ ما يدل على ذلك، وهو ما رواه أبو داود (١٠٧٩) والترمذي وحسنه، وهذا لفظه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة»، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.
[ ٢ / ١٢٧ ]
التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وما نقل عن مالك فيه
كلام للخطيب البغداي في فهم حديث النهي عن التحلق
فإن قلت: قال ابن القاسم في (المدونة ١/ ١٣٨): «رأيت مالكا والإمام يوم الجمعة على المنبر قاعد، ومالك متحلق في أصحابه قبل أن يأتي الإمام، وبعد ما جاء يتحدث ولا يقطع حديثه ولا يصرف وجهه إلى الإمام، ويقبل هو وأصحابه على حديثهم كما هم حتى سكت المؤذن، فإذا سكت المؤذن وقام الإمام للخطبة تحول هو وجميع أصحابه إلى الإمام فاستقبلوه بوجوههم»، قلت: يظهر أن الإمام لم يبلغه الحديث، ومقامه من الاتباع معروف، وهكذا سائر من نفل هذا من الصحابة ومن دونهم، والله أعلم، وانظر عارضة الأحوذي لابن العربي مع سنن الترمذي (٢/ ١١٩)، ولو سلم كل ما قاله المجوزون فلا وجه للمقارنة بين الذي كان وما عليه هذا الدرس اليوم والمقام لا يسع للزيادة.
ومما يستغرب قول أبي بكر الخطيب ﵀ وهو يوجه معنى الحديث المتقدم في كتابه (الفقيه والمتفقه ٢/ ١٣٠) قال: «هذا الحديث محمول على أن تكون الحلقة بقرب الإمام، بحيث يشغل الكلام فيها عن استماع الخطبة، فأما إذا كان المسجد واسعا والحلقة بعيدة عن الإمام بحيث لا يدركها صوته؛ فلا بأس بذلك، وقد رأيت كافة شيوخنا من الفقهاء والمحدثين يفعلونه، وجاء مثله عن عدة من الصحابة والتابعين ﵃»، ثم روى بسنده عن معاوية بن قرة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ من مزينة، ليس فيهم إلا من طعن أو طعن، أو ضرب أو ضرب مع رسول الله ﷺ إذا كان يوم الجمعة اغتسلوا، ولبسوا من صالح ثيابهم، وشموا من طيب نسائهم، ثم أتوا الجمعة وصلوا ركعتين، ثم جلسوا يبثون العلم والسنة حتى يخرج الإمام»، فانظر سنده، أما متنه ففيه نكارة.
والذي يقرأ كلام الخطيب هذا لا يكاد يصدق أن هذا الكلام في فهم الحديث له، إذ يؤخذ منه أن البعيد عن الإمام في المسجد يوم الجمعة له أن يشتغل عن الخطبة بمدارسة العلم وبالحديث، ولذلك استغربت كلامه، ومن جاءته السنة فلا حجة تقوم لها إلا أن تعارض ولا يمكن الجمع، أو يقع الإجماع على خلافها، ولا شيء من ذلك هنا، فترك هذا الدرس هو الحق إذا اجتمع فيه النهي والترك منه ﷺ، وقد يسكت عنه إذا فعل لحاجة عارضة، أو يرغم عليه الإمام إرغاما كما هو الحاصل، أما جمعية العلماء المسلمين
[ ٢ / ١٢٨ ]
الجزائريين فقد اصطنعته في زمن كان المحتل يمارس التضييق على الدعاة، فاغتنمت مناسبة الجمعة للتعليم والتوجيه، ولا حاجة لذلك الآن، ولتعقد حلقات الدرس في الأوقات الأخرى، وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل، وقد قال:
فما لك والتلدد نحو نجد … وقد ضاقت تهامة بالرجال؟!!
[ ٢ / ١٢٩ ]
اشتراط المصر والجماعة في الجمعة
• قوله:
٤ - «والجمعة تجب بالمصر والجماعة».
للجمعة شرائط وجوب وشرائط أداء، والمراد بشرط الوجوب ما تشغل به الذمة، ولا يطالب المكلف بتحصيله، وبالثاني ما تبرأ به الذمة ويطالب بتحصيله، ومن الأول العلم بدخول وقتها، والإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والإقامة، والصحة، وكون المكلف على ثلاثة أميال فأقل، والاستيطان، وشرائط الأداء أربعة: الإمامة، والجماعة، والجامع، والخطبة، وبعض هذه الشروط من النوعين منصوص معروف، كالإسلام والبلوغ والعقل، لكنها شرائط عامة في التكاليف، فلا حاجة لذكرها في خصوص الجمعة، أما الذكورية والحرية والإقامة، فسيأتي فيها كلام المؤلف، وأشار هنا إلى شرطين هما: المصر، والجماعة، ولعله يريد بالمصر القرية، لا المدينة الكبيرة، فإن هذا الشرط قال به الحنفية، والجمعة صلاة من الصلوات، والأصل أن تكون مثل غيرها إلا ما نص على مخالفتها لها فيه كالخطبة، ولما كانت الخطبة الملازمة للجمعة لا يتصور أن تكون من الشخص لنفسه؛ ساغ أن يقال إنه لا بد من جماعة، ومع هذا فقد صح تقييد وجوب الجمعة بالجماعة في حديث طارق ابن شهاب عند أبي داود وسيأتي.
وقد اختلف العلماء في عدد الجماعة الذين تصح بهم الجمعة على أقوال معتمدها الآراء، أو التعلق بنصوص إما أنها غير صحيحة، وإما أنها لا تنتج المطلوب من الوجوب فضلا عن الشرطية، ورحم الله المؤلف إذ اقتصر على ذكر الجماعة، ولم يذكر عددا، وذكر الوجوب ولم يذكر بطلانا.
والمذهب أن الجمعة لا تجب ولا تصح إلا بجماعة تتقرى بهم قرية، دون تحديد عدد في بداية الأمر، ثم تصح باثني عشر باقين لتمامها، وقد اعتمدوا في ذلك على سبب نزول قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فإن من بقوا مع النبي ﷺ بعد أن جاءت العير
[ ٢ / ١٣٠ ]
حكم الصلاة في المسجد الجديد إذا لم يضق العتيق
وانفض من انفض إليها كانوا اثني عشر، وهو في الصحيح عن جابر، فكان هذا العدد مجزوما بصحة الصلاة معه، وغيره مشكوك فيه، فيتمسك بالمقطوع به، نظير الاستدلال بالإقامة أربعة أيام في السفر لمن أقام تلك المدة لتيقن الصحة معها، بخلاف ما زاد عليها فمشكوك فيه، وفي هذا الاستدلال شيء، ولو سلم فيمكن أن يعترض بأن ذلك كان بعد الصلاة، كما رواه أبو داود في المراسيل، وهو اللائق بحال الصحابة عليهم الرضوان، وبهذا لا يتم الاستدلال على المراد من اشتراط هذا العدد لصحة الصلاة.
ومن فروع الباب: أن المسجد شرط في صحة صلاة الجمعة، ولعلهم أخذوه من كون النبي ﷺ لم يصلها إلا في المسجد، وهذا فيه التقيد بالوصف العام الذي أديت فيه الجمعة على عهده، وصاحبه مأجور لطلبه كمال التأسي، لكن الاستدلال به على عدم الصحة في غير المسجد ليس كما ينبغي، إذ مؤداه عدم التكليف بالجمعة وعدم صحتها لمن لم يكن لهم بناء، وهذا تعطيل لمقاصد الشرع من هذه الصلاة، وقد صحّ عن عمر ﵁ قوله: جمعوا حيث كنتم.
ومن الفروع أيضا: ما ذهبوا إليه من بطلان الصلاة في المسجد الجديد إذا لم يضق العتيق والرحاب المحيطة به عن استيعاب المصلين، وأن الصلاة تصح في العتيق وإن تأخر في الأداء، ومعتمدهم في ذلك أن النبي ﷺ لم يأذن في إقامة الجمعة في المدينة في غير مسجده، إذ كانوا يأتونه كما تقدم من العوالي، وكانت المساجد بالمدينة متعددة وقد قالوا إنها كانت تسعة، والحق أن هذا يدل على أن السنة عدم تعدد الجمعة من غير حاجة، والمصلحة في ذلك لائحة لمن وفقه الله، لكنه لا يدل على بطلانها كما هو المشهور في المذهب، وقد أشار خليل لذلك بقوله: «وبجامع مبني متحد، والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء، لا ذي بناء خف، وفي شرط سقفه، وقصد تأبيدها به، وإقامة الخمس تردد».
[ ٢ / ١٣١ ]
وجوب خطبة الجمعة
التوكؤ في الخطبة على قوس ونحوه
جلوس الخطيب قبل الخطبتين وبينهما
• قوله:
٥ - «والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة، ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا، ويجلس في أولها وفي وسطها».
للجمعة خطبتان يجلس قبلهما الإمام على المنبر حتى ينتهي المؤذن من الأذان، ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى، ثم يجلس، ثم يعود فيخطب الخطبة الثانية، ثم يصلي بالناس، والجلوس الأول لانتظار الأذان، فلا يقال بمثله في العيد وغيره مما لا أذان فيه، وهي في مشهور المذهب ركن تبطل الصلاة بدونها، ولم يترك النبي ﷺ خطبة الجمعة قبل الصلاة قط، فهل يؤخذ من فعله ومواظبته الوجوب؟، وهل يدخل ذلك في أمره إيانا أن نصلي كما كان يصلي؟، أو يقال إن الفعل بمجرده لا يدل على ذلك؟، الظاهر من مجموع فعله، وأمر الله تعالى بالسعي إليها، وتحريم البيع بالنداء الذي يسبقها؛ الإيجاب، أما الركنية والشرطية فلا.
أما التوكؤ على عصا أو قوس؛ فقد ثبت من فعله ﷺ، والظاهر أنه للارتفاق والاستعانة على القيام، فقد روى أبو داود (١٠٩٦) عن الحزن بن سهل الكلفي أنه قال: وفدت على رسول الله ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه، فقلنا يا رسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئا على عصا أو قوس،،،»، وقد حسنه الحافظ في التلخيص، وهو في صحيح سنن أبي داود للألباني، وروى أبو داود (١١٤٥) عن يزيد بن البراء عن أبيه أن النبي ﷺ نوول يوم العيد قوسا فخطب عليه، أما اعتبار حمل العصا نفسه سنّة مع أن الخطيب لا يعتمد عليها، بل تعوقه وتزعجه فهو غلو، وظاهرية مذمومة.
أما ما ذكره من جلوس الخطيب؛ فقد ورد فيه حديث ابن عمر قال كان النبي ﷺ
[ ٢ / ١٣٢ ]
يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ، أراه قال المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب»، رواه الشيخان مختصرا، وأبو داود (١٠٩٢)، وهذا لفظه.
قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٢٩٦): «الخطبة كل كلام له بال، وأقله حمد الله، والصلاة على نبيه، ويحذر ويبشر، ويقرأ شيئا من القرآن، ولا يطيلها»، قال: «وحكى المؤرخون عن عثمان كذبة عظيمة أنه صعد المنبر فارتج عليه، فقال كلاما منه: وأنتم إلى إمام فعال؛ أحوج منكم إلى إمام قوال»، فيا لله والعقول إن أقلنا اليوم لا يرتج عليه، فكيف عثمان؟، لاسيما وأقوى أسباب الحصر في الخطبة أنه لا يدري ما يرضي السامعين، ويميل قلوبهم لأنه يقصد الظهور عندهم، ومن خطبته لله؛ فليس يحصر عن حمد وصلاة وحض على خير، وتحذير من شر،،،».
[ ٢ / ١٣٣ ]
اتصال الخطبة بالصلاة وما يقرأ فيها
تقصير الخطبة وتطويل الصلاة
• قوله:
٦ - «وتقام الصلاة عند فراغها، ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها، وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية ونحوها».
هذا هو الأصل، وهو عدم الفصل بين الخطبة والصلاة إلا بمقدار ما يقيم المؤذن الصلاة، وفي المذهب أن الخطيب ينبغي أن يكون هو الإمام إلا لعذر، فإن كان غيابه غير طويل انتظر، كما إذا أحدث قبل الصلاة، فذهب ليتوضأ من قرب، أما إن بعد؛ فإنه يقدم غيره، ورأينا في هذا العصر عجبا هذا يخطب لفصاحته، ويصلي غيره لجودة قراءته.
أما القراءة؛ فقد ورد ما يدل على قراءة النبي ﷺ فيهما بسورتي الجمعة والمنافقون، وورد عنه أنه قرأ في الجمعة والعيدين بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وورد أنه قرأ بسورتي الجمعة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، والثلاثة في صحيح مسلم وسنن أبي داود (١١٢٢ و١١٢٣ و١١٢)، على التوالي عن أبي هريرة، والنعمان بن بشير.
ومما يؤكد مشروعية هذه القراءة أن النعمان بن بشير قال: «وربما اجتمعا (يعني العيد والجمعة) في يوم واحد فقرأ بهما»، فإن تكرير السورتين مرتين في يوم واحد يشي بذلك.
وهذه السنّة مما يتهاون فيه كثير من أئمة المساجد، فإنهم يطيلون الخطبة التي تسبق بالدرس، حتى إذا جاء وقت القراءة فتروا فقرؤوا من القصار، أو اقتصروا على قراءة خاتمة الجمعة، وقد كان بعض الناس لا يقرأ بسورة الجمعة في صلاتها، ثم يقرأ ببعض آيها في صلاة المغرب من يومها، فلا هو اتبع السنة، ولا راعى المناسبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد قال مالك عن القراءة ببعض هذه السور إن من لم يفعل ذلك فقد أساء، ذكره ابن عبد البر في الاستذكار، ورأيت بعضهم يواظب على قراءة سورة الواقعة في صبح يوم الجمعة،
[ ٢ / ١٣٤ ]
وهي بدعة إذ لم يثبت فيها نقل.
وقال جابر بن سمرة: «كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة، إنما هي كلمات يسيرات»، رواه أبو داود (١١٠٦)، وقال عمار بن ياسر: «أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود (١١٠١) عن جابر بن سمرة قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدا، وخطبته قصدا: يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس»، قال ابن عبد البر (الاستذكار ٢/ ٣٦٥): «وأهل العلم يكرهون من المواعظ ما ينسي بعضه بعضا لطوله، ويستحبون من ذلك ما وقف عليه السامع الموعوظ، فاعتبره بعد حفظه له، وذلك لا يكون إلا مع القلة».
[ ٢ / ١٣٥ ]
المسافة التي يجب منها السعي إلى الجمعة
• قوله:
٧ - «ويجب السعي إليها على من في المصر، ومن على ثلاثة أميال منه فأقل».
الثلاثة الأميال هي نحو خمس كيلومترات ونصف، فمن كان بعيدا عن المنار بهذه المسافة تعينت عليه الجمعة، والأصل في هذا أن الناس كانوا يأتون إلى مسجد رسول الله ﷺ لصلاة الجمعة والعيد من العوالي، ومتوسط المسافة إليها هي ما ذكر، ولأن من كان على مثل هذه المسافة يسمع النداء بالصوت العادي وفي الزمن المعتدل، ومن سمع النداء أو كان في حكم السامع فهو مطالب بها، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، وحديث عبد الله ابن عمرو الآتي قريبا، ولأنه لا بد من حد يتعين معه وجوب السعي إلى الجمعة، فإن شأن الفرائض التحديد.
[ ٢ / ١٣٦ ]
من لا تجب عليهم الجمعة
• قوله:
٨ - «ولا تجب على مسافر، ولا على أهل منى، ولا على عبد، ولا امرأة، ولا صبي، وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها».
عن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض»، رواه أبو داود (١٠٦٧) وقال: طارق بن شهاب رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا، والحديث صحيح كما قال العراقي لثبوت الصحبة لطارق، وغايته أن يكون مرسل صحابي، وقد ذكر الأربعة أيضا في حديث جابر عند الدارقطني والبيهقي، لكن فيه المسافر بدل الصبي، وفيه ضعيفان، وقد قيل إن المسافر وإن لم تجب عليه الجمعة استقلالا فإنها تجب عليه تبعا لغيره إذا سمع النداء لعموم قوله ﷺ: «الجمعة على كل من سمع النداء»، رواه أبو داود (١٠٥٦ عن عبد الله بن عمرو، والحديث وإن كان فيه كلام كبير للحفاظ، إلا أن بعضهم حسنه، وهو في صحيح الجامع، ولأن المرأة والصبي والمملوك خرجوا بدليل غير المتقدم.
أما أن الجمعة تجزئ من حضرها ممن لم تجب عليه؛ فنعم، لأنه أتى بالأصل كسائر أهل الأعذار والرخص، ويصلي الظهر أربعا لأن الظهر أصل والجمعة بدل والخلاف في غير المعذور، أما الحجاج بمنى فلا جمعة عليهم كما أنه لا عيد عليهم، فإن النبي ﷺ حج يوم الجمعة، والذي صلاه بعرفة إنما هو الظهر مجموعا إلى العصر، ولم يصل العيد بمنى، والله أعلم.
[ ٢ / ١٣٧ ]
خروج الشواب إلى الجمعة
• قوله:
٩ - «وتكون النساء خلف صفوف الرجال، ولا تخرج إليها الشابة».
صلاة النساء خلف الرجال تقدم الكلام عليها مع دليلها، ولعل المؤلف إنما ذكرها ليرتب عليها ما بعدها، وليشير إلى جواز خروج المتجالة، وهي المرأة التي لا أرب للرجال فيها، وعدم خروج الشواب من النساء لما يترتب على ذلك من الفتنة، والحق أن المرأة متى رغبت في الخروج إلى المسجد فلا تمنعه لقول النبي ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات»، رواه أبو داود (٥٦٥) عن أبي هريرة، وتفلات بفتح التاء وكسر الفاء؛ جمع تفلة بنفس الضبط، هي المرأة التاركة للطيب، والمراد ترك ما يجلب الأنظار إلى المرأة.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الإنصات للخطيب واستقباله
استقبال الخطيب مما تركه معظم الناس
• قوله:
١٠ - «وينصت للإمام في خطبته ويستقبله الناس».
أما الإنصات فلأن الله تعالى أمر بالسعي إلى ذكره، ومن ذكره الخطبة، ولأن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت»، رواه مالك (٢٢٨) والشيخان وأبو داود (١١١٢) عن أبي هريرة، وقوله لغوت؛ قيل معناه تكلم، وقيل عدل عن الصواب، والقول بأن معناه تكلم لا يصلح لتفسير المراد من الحديث، فإن كونه تكلم معلوم من قوله إذا قلت،،، الخ، والصواب: أن اللغو الكلام الساقط المردود، والمقصود أنه ﷺ اعتبر أمر المرء غيره بالإنصات وقت الخطبة لغوا، وهذا تشديد بالغ في مطلوبية السكوت، حيث انقلب المعروف منكرا، والمقصود سد الذريعة أمام كثرة الكلام، لأن المأمور بالإنصات قد يراجع الآمر فيضطرب حبل النظام، وقال مالك في الموطإ (٢٣٠) قال ابن شهاب: «خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام».
وقد استثنوا من وجوب الإنصات ما إذا لغا الخطيب، أو سب من لا يجوز سبه، فلا يجب في هذه الحال، وهو قول ابن حبيب، وقال مالك في رواية علي عنه: «وإذا شتم الإمام الناس ولغى؛ فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون»، انتهى، وهذا منظور فيه إلى أن تقليل الشر مقصد شرعي إذا لم يمكن غيره.
وأما استقبال الإمام وهو يخطب؛ فمن تمام الإنصات إليه، والانتفاع بالموعظة والتذكير، والاهتمام بالتحذير والتبشير، ولأنه ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم بوجهه، فكيف لا يستقبلونه؟، والمذهب وجوب استقبال الخطيب لا فرق بين الصف الأول وغيره، قال مالك في الموطإ: «السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة إذا أراد أن يخطب من كان منهم يلي القبلة وغيرها»، لكن قال خليل ﵀: «واستقبله غير الصف الأول»، وروى الترمذي (٥٠٩) وضعفه - من أجل محمد بن الفضل - عن عبد الله بن مسعود قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا»، وعلق
[ ٢ / ١٣٩ ]
تحية المسجد أثناء الخطبة
تسليم الإمام إذا رقي المنبر
البخاري استقبال الإمام عن ابن عمر وأنس، وروى عن أبي سعيد الخدري قال: إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله»، وعن ابن وهب كما في المدونة: (١/ ٣٩) قال مالك: «السنة أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة وهو يتكلم»، وفيها آثار أخرى عن بعض السلف يستقبلون الإمام وقت خطبته، وهو أمر يتهاون فيه معظم الناس عندنا، وتظهر الشناعة إذا كان الصف طويلا فيبدو المرء وكأنه يولي الإمام جنبه، وبعضهم يوليه ظهره، وبعضهم يتكئ على الجدار، فيستقبل كتف الإمام لا وجهه.
ومن المسائل التي تذكر هنا: تحية المسجد والإمام يخطب فإنها لا تجوز في المذهب، وقد تأولوا حديث سليك الغطفاني واعتبروه واقعة عين، ثم التمسوا لذلك عللا لا تسلم من مطعن، وأقرب ذلك أنه أمره بالصلاة، وكيف يأمره بما منعه؟ ولو سلمت فإن قوله ﷺ: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فليصل ركعتين وليتجوز فيهما»، رواه الشيخان وغيرهما؛ غير قابل لشيء من تلك التأويلات، نعم يمكن أن يقال بوجود التعارض بينه وبين النهي عن أن يقول المرء لصاحبه أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة، والأمر بالإنصات نهي عن منكر، فيكون فعل المعروف أولى أن يترك، والجواب أن في قول المرء لصاحبه أنصت تهييجا له، وقد يرد عليه، فترتفع الأصوات، فقطع الشارع دابر ذلك، وأغلق الباب دون احتمال كثرة الكلام، أما الصلاة فلا كلام فيها ولا جهر، فكل منهما في وجهة، على أن لمالك قولا بصلاة هاتين الركعتين كما رواه عنه محمد بن الحسن ذكره عبد الله بن عبد العزبز بن بزيزة في شرحه (١/ ٣٨٢) على التلقين للقاضي عبد الوهاب.
ومنها تسليم الإمام بعد صعوده على المنبر، فقد عده بعضهم من المكروهات، وقد أشار خليل إلى موضع استحباب تسليم الإمام، وهو بصدد ذكر مستحبات الجمعة: «وسلام خطيب لخروجه، لا صعوده»، ولعل ذلك مأخوذ من قول ابن القاسم في المدونة: «سألت مالكا إذا صعد الإمام يوم الجمعة على المنبر هل يسلم على الناس؟، قال: لا، وأنكر ذلك»، ووجهه أن سلامه حين الدخول مغن عن إعادته على المنبر، لكن روى ابن ماجة (١١٠٩)، والبغوي في شرح السنة (١٠٦٩) عن جابر قال: «كان النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم»، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن له شواهد مسندة، ومرسلة، فانظرها
[ ٢ / ١٤٠ ]
رفع الأيدي والتأمين أثناء دعاء الإمام
رفع الإمام يديه في الخطبة
الدعاء الرتيب والتطويل فيه
في التعليق على المرجع الأخير للشيخ شعيب، وفي الصحيحة (٢٠٧٦) والأجوبة النافعة للمحدث الألباني.
ومنها رفع الأيدي والتأمين على دعاء الإمام، فقد روى ابن القاسم في المجموعة عن مالك: «،،، وكره رفع الناس أيديهم وقيامهم عند أذان الجمعة»، وقال ابن حبيب: «وليس رفع الأيدي بالدعاء عند فراغ الخطيب من السنة، إلا أن يحدث أمر من عدو يغشى، أو قحط يخشى، أو أمر ينوب، فلا بأس أن يأمرهم الإمام فيه بالدعاء أو رفع الأيدي، ولا بأس أن يؤمنوا على دعاء الإمام، ولا يعلنوا به جدا، ولا يكثروا منه»، كلاهما في النوادر، لكن الناس عندنا بجهلهم يتبرمون ممن لا يرفع يديه أثناء دعاء الإمام، وقد ينسبونه لما يستحيى من ذكره.
وقد رأيت بعض الخطباء يرفعون أيديهم حين يدعون على المنبر، وهو خلاف السنة، فإن الرفع إنما ثبت في الاستسقاء، وقد روى مسلم وأبو داود (١١٠٤) والترمذي عن حصين ابن عبد الرحمن قال: «رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة فقال عمارة: قبح الله هاتين اليُدَيتين، لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر ما يزيد على هذه، يعني السبابة التي تلي الإبهام»، والحديث كما ترى فيه إنكار رفع الخطيب يديه على المنبر، واختلف في المراد برفعهما، فقيل هو رفعهما حال الدعاء، وهو صريح رواية أحمد والترمذي، وقيل المراد رفعهما في غير وقت الدعاء، بل أثناء الخطبة كما هو دأب الوعاظ والقصاص يحركون أيديهم يمينا وشمالا ليؤثروا في السامعين ويشدوهم إليهم، وهذا محتمل رواية مسلم وأبي داود والنسائي، لكنه راجح في المعنى الثاني لمقابلته بقوله: «ما يزيد على هذه يعني السبابة»، فإن رفع السبابة إنما ذُكر بدلا عن الرفع لا بقيد الدعاء كما لا يخفى، ومن أخذ بالمعنى الأول كان الحديث عنده دليلا على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وعلى الثاني فليس في الحديث ذكر للدعاء على المنبر أصلا، وهو الذي رجحه صاحب غاية المقصود كما في عون المعبود (٣/ ٣١٩) من حيث رجال سنده، وقد رأيتَ رجحان المعنى الثاني فيه بالقرينة اللفظية، وهي المقابلة، فالحاصل أن رفع اليدين بقسميه لا يشرع على المنبر، وأن رفعهما حال الاستسقاء مستثنى، أما الدعاء فلا ينبغي أن يختلف
[ ٢ / ١٤١ ]
في عدم مشروعية ما دأب عليه كثير من الخطباء من التكلف فيه، والتطويل، والإكثار من السجع، والتزام أدعية محفوظة رتيبة، وقد بلغ الأمر ببعضهم أن يجعل الخطبة الثانية كلها دعاء، واعتبر بما قاله خليل وهو يذكر مستحبات الخطبة، قال: «وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم، وأجزأ: اذكروا الله يذكركم»، وهذا مأثور عن الإمام مالك.
[ ٢ / ١٤٢ ]
الغسل والتهجير والتطيب ولبس أحسن الثياب
• قوله:
١١ - «والغسل لها واجب، والتهجير حسن، وليس ذلك في أول النهار، وليتطيب لها، ويلبس أحسن ثيابه».
مشروعية الغسل يوم الجمعة للصلاة ثابتة؛ بقول النبي ﷺ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة»، رواه مالك في الموطإ (٢٢٤) والشيخان عن أبي سعيد الخدري، وهو نص في الوجوب، ولعل التشبيه فيه لتأكيد تعميم الجسم بالماء، وتقوية جانب التعبد، واستبعاد كون المراد النظافة فحسب، وقد تكرر هذا التشبيه في غسل الجمعة في غير حديث.
وظاهر كلام المصنف أن الغسل واجب، لكنهم فسروا كلامه هنا بأنه واجب وجوب السنن، اعتمادا على ما قاله في باب جمل حيث صرح بالسنية، على ما هو المشهور في المذهب، لكن ينبغي أن يكون متصلا بالرواح، ولا يجزئ قبل الفجر، وحجة القائلين بعدم الوجوب ما اعتقدوه صارفا لما سبق، وهو قول النبي ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل»، رواه ابن ماجة والترمذي (٤٩٧) وحسنه وهو من رواية الحسن عن سمرة، وقوله «فبها ونعمت»؛ يعني فبالخصلة الواجبة أخذ، ووجه الدلالة منه أنه ليس بين الاكتفاء بالوضوء، وبين الغسل غير الأفضلية
فأما التهجير: فالمراد به أن يذهب لها وقت الهاجرة لا من أول النهار، على ما ورد في الحديث الآتي، حيث اعتبر مالك الساعات الست أجزاء الساعة الأخيرة من نصف النهار الأول، قال في العتبية من سماع أشهب: «والتهجير للجمعة ليس هو الغدو، ولكن بقدر، ولم يكن الصحابة يغدون هكذا، وأكره أن يفعل، وأخاف على فاعله أن يدخله شيء، ويصير يعرف بذلك»، وهو في النوادر وظاهر الحديث يدل على حقيقة التبكير، وعليه فالمعتمد عند مالم هو كون السلف لم ينقل عنهم التبكير من أول النهار.
[ ٢ / ١٤٣ ]
قلت: قد جاء عنهم ذلك، والمسألة بعد في حاجة إلى مزيد كلام لا تحتمله بهذه العجالة، ودليل فضيلة التبكير قول النبي ﷺ: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، رواه البخاري ومسلم، وكلمة راح تصلح للدلالة على مطلق الذهاب، لا خصوص ما بعد نصف النهار.
وقد كثر السؤال عن مشروعية التبكير مع وجود الدرس الذي يسبق الجمعة، وفيه مخالفة لنهي النبي ﷺ عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد تقدم، والصواب إن شاء الله: أن يبكر المرء للمسجد، فإذا شرع الإمام في الدرس فلا يشوشن عليه، وله أن يذكر الله تعالى سرا، لكن لا يظهر بمظهر المعرض، ويحصل على أجر المبكر إن شاء الله، والسنن يدعى إليها، ولا تفرض بالقوة إلا من قبل الحاكم، وقد قال الله تعالى: «ما على المحسنين من سبيل».
[ ٢ / ١٤٤ ]
التنفل قبل الجمعة وبعدها
• قوله:
١٢ - «وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها، ولا يتنفل في المسجد، وليتنفل إن شاء قبلها، ولا يفعل ذلك الإمام، وليرق المنبر كما يدخل».
الأصل في النوافل أن تصلى في البيوت لقول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة»، ولقوله: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا»، رواه الشيخان (خ/ ٤٣٢) عن ابن عمر، وهذا مراد به ما عدا الفرائض، فمن كان مصليا بعد الجمعة؛ فليفعل ذلك في بيته، وليصل أربعا، لقول النبي ﷺ: «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، رواه مسلم وأبو داود (١١٣١) والترمذي (٥٢٣) عن أبي هريرة، وله أن يصلي اثنتين لثبوتها من فعل النبي ﷺ في حديث ابن عمر عند الشيخين والترمذي (٥٢٠)، فإن صلى في المسجد بعد أن فصل بين الجمعة وغيرها؛ فقد خالف الأفضل، ولا حرج إن شاء الله، وقد جاء أن النبي ﷺ صلى بعد المغرب في المسجد حتى أدركته العشاء، وهو في مسند أحمد عن حذيفة، وحسنه المباركفوري في التحفة، وهو وإن كان ليس نصا في النافلة بعد الجمعة؛ إلا أنه يدل على الجواز.
أما القول بأنه إن تنفل في المسجد صلى أربعا، وإن تنفل في داره صلى اثنتين فقد قال به بعض السلف كما في سنن الترمذي، ولم أقف له على دليل، وتوهمه بعضهم من فعل ابن عمر.
أما قول المؤلف ولا يتنفل في المسجد؛ فلأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته كما رواه ابن عمر في الصحيحين (مسلم/ ٨٨٢)، لكن هذا لا يؤخذ منه المنع، لأن الثابت أن النبي ﷺ كان يصلي راتبة المغرب في بيته، وقد تقدم أنه صلى بعد المغرب في المسجد الراتبة وزاد بعدها.
وقد روى مالك في الموطإ إنكار ابن عمر على من رآه يصلي بعد الجمعة، وقال له: أتصلي الجمعة أربعا؟، وهذا والله أعلم إنما كان منه لما رآه من عدم تفريقه بين صلاة
[ ٢ / ١٤٥ ]
الجمعة والنافلة، وإلا لقيل لكل من صلى بعد المغرب: أتصلي المغرب خمسا، وهكذا، والفصل بين الصلاة والصلاة التي بعدها مطلوب، وقد روى مسلم (٨٨٣) عن السائب بن يزيد أنه صلى مع معاوية الجمعة فتنفل بعدها، فقال له معاوية: «إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك،،،»، والله أعلم.
أما النافلة قبلها فمشروعة، لكنها ليست الراتبة المعتادة قبل الظهر، فإن الصواب: أن الجمعة لا راتبة محددة لها، بل يصلي المرء ما شاء، والصلاة يوم الجمعة مستثناة من النهي عن الصلاة عند قيام قائم الظهيرة في غيرها من الأيام، ولا ينبغي أن يقوم المرء ليصلي بعد الأذان الأول ظنا منه أن صلاته حينذاك يصدق عليها قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة»، فإن التثنية فيه تغليبية، والمراد بين الأذان والإقامة، ولأن الأذان الأول في الفعل لم يكن موجودا على عهد النبي ﷺ، فكيف يعلق عليه مشروعية الصلاة؟، والحال أن الأذان يوم الجمعة كان بعد جلوس الإمام على المنبر والنافلة حينئذ ممنوعة، إلا تحية المسجد فيصليها من دخل ويخففها للنص على ذلك.
ولهذا قال ابن الحاج في المدخل: «وينهى الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول للجمعة، لأنه مخالف لما كان عليه السلف رضوان الله عنهم، لأنهم كانوا على قسمين:
فمنهم: من كان يركع حين دخوله المسجد، ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام المنبر، فإذا جلس عليه قطعوا تنفلهم.
ومنهم: من كان يركع ويجلس حتى يصلي الجمعة، ولم يحدثوا ركوعا بعد الأذان الأول ولا غيره، فلا المتنفل يعيب على الجالس، ولا الجالس يعيب على المتنفل،،،» انتهى.
قلت: معظم الناس على خلاف هذا، أما الإمام فيشرع له إذا خرج أن يرقى المنبر ولا يتنفل لا تحية المسجد ولا غيرها، وله أن يفعل ذلك في بيته أو مقصورته.
فإن قلت: فأين هذا من نهي الداخل إلى المسجد أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين؟، فالجواب: أن السنة الفعلية خصصت ذلك، ولأن إمام الجمعة ينتظره الناس، والمبادرة إلى الجمعة مقدمة على مصلحة الركعتين.
[ ٢ / ١٤٦ ]