الاستسقاء في اللغة طلب السقي مطلقا، فالسين للطلب، نحو استنصر واستغفر واستفهم، وقد تأتي السين لغير الطلب كما في استبشر واستحسن، ويقال سقاه، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، كما يقال أسقاه، وقال ﷿: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، والمراد بالاستسقاء هنا طلب السقي من الله تعالى خاصة، فمن طلب من غيره نزول الغيث فقد أشرك بالله تعالى، وهو لازم فعل الذين إذا قحط المطر عملوا ما يسمونه بالوعدة ونسبوا الطعام إلى شخص يسمونه من أجدادهم أو من غيرهم، فالله الله في دينكم باعباد الله، فإن الذبح عبادة وإن النذر عبادة والمسلمون متفقون على أنه لا يصرف شيء منها لغير الله، وإذا لم تكونوا تقصدون ذلك فلا يخرجكم هذا عن المعصية والمخالفة لأنكم تتشبهون بالمشركين، وتشجعون على ذلك من لا يعلم هذا الأمر الخطير الذي يورد فاعله جهنم وبئس المصير.
وللاستسقاء طرق ثلاثة:
- الأول الدعاء من غير مناسبة خاصة.
- والدعاء في مناسبة شرعية كصلاة الجمعة.
- والصلاة الخاصة بالاستسقاء مع الدعاء.
وقد ثبتت هذه الكيفيات كلها في السنة، ومن الأدلة على النوع الأول حديث عمير مولى آبي اللحم أنه رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقي رافعا يديه قبل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه»، رواه أحمد وأبو داود (١١٦٨) والسياق له، فهذا استسقاء فيما يبدو غير مصحوب بصلاة، ومن ذلك فعل الصحابة، فقد روى البخاري (١٠١٠) عن أنس ﵁ أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون»، وهذا يحتمل أنه مع الصلاة، ويحتمل أنه من غير صلاة،
[ ٢ / ١٩٠ ]
استسقاء غير المحتاج للمحتاج
وقد ثبت الأمران مرفوعين، ويؤخذ منه أمور قيلت بمحضر الصحابة وأقروها، منها إخبار عمر باستسقائهم بدعاء النبي ﷺ إبان حياته، فهو مرفوع في هذا القدر، وفيه استسقاؤهم بأهل الخير والصلاح، ويتضح منه أيضا أن المراد بتوسلهم بالنبي ﷺ توسلهم بدعائه، لا بذاته بأبي هو وأمي، وقد جاء في بعض الروايات ما يوهم خلاف المراد، وإلا فلو كان التوسل بذاته؛ لتوسلوا به بعد وفاته كما كانوا يفعلون في حياته، يدل عليه أن عمر ﵁ ربط انتقالهم للاستسقاء بالعباس بعدم تمكنهم من الاستسقاء بالنبي ﷺ لوفاته كما هو واضح.
ومن الأدلة على الاستسقاء بالدعاء والاستغفار فحسب؛ ما رواه سعيد ابن منصور أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: «ما رأيناك استسقيت»، فقال: «لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء»، ثم قرأ قوله تعالى من سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، والمجاديح جمع مجدح وهو عود مجنح تساط به الأشربة، أي تخلط، ومعنى قول عمر أني طلبت الغيث بأقوى أسبابه وهو الاستغفار، وقولهم ما رأيناك استسقيت؛ يدل على أن الدعاء وحده كان عندهم إحدى كيفيات الاستسقاء.
ويستسقى أيضا في خطبة الجمعة، وفي أدبار الصلوات، وغير ذلك، قال الشافعي ﵀: «يستسقي الإمام بغير صلاة مثل أن يستسقي بصلاة»، وقال ابن حزم ﵀: «إن قحط الناس، أو اشتد المطر حتى يؤذي الناس فليدع المسلمون في أدبار صلواتهم وسجودهم وعلى كل حال، ويدعو الإمام في خطبة الجمعة».
ومن الأدلة على الدعاء في خطبة الجمعة ما رواه البخاري (١٠١٤ عن أنس بن مالك ﵁، أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»،،، الحديث.
وهل يستسقي المحتاجون المجدبون وحدهم، أو يشرع لغير المحتاجين وهم المخصبون أن يستسقوا لغيرهم؟، فيه نزاع بين العلماء، منهم من رأى أنه لا يستسقي غير
[ ٢ / ١٩١ ]
المجدب، اعتمادا على الأصل، قالوا ولأن السلف لم يفعلوه، ومنهم من رأى مشروعيته، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، ولكونه يدخل في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، والقولان في المذهب، قال ابن عرفة في تفسيره: «أخذ المازري من هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]- جواز استسقاء المخصب للمجدب، لأن موسى ﵇ لم ينله ما نالهم من العطش، ورده ابن عرفه بأنه رسولهم وهو معهم،.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور بعد أن نقل ما تقدم: وهو رد متمكن، إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص، وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم يصبهم الجدب لأهل بلد مجدبين، واختار اللخمي جواز هذا الاستسقاء، لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وقال المازري فيه نظر، لأن السلف لم يفعلوه»، وهذا النقل عن المازري كما ترى فيه تناقض، وقد أشار إلى قول اللخمي ورد المازري عليه صاحب المختصر بقوله: «واختار إقامة غير المحتاج بمحله لمحتاج، قال: وفيه نظر».
وقد قال الإمام الشافعي: «وإذا كانت ناحية مخصبة، وأخرى مجدبة فحسن أن يستسقي إمام الناحية المخصبة لأهل الناحية المجدبة ولجماعة المسلمين ويسأل الله الزيادة لمن أخصب مع استسقائه لمن أجدب».
وقال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره: «فقوله ﴿اسْتَسْقَى﴾ صريح في أن طالب السقي موسى وحده، سأله من الله تعالى، ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده، كذلك كان استسقاء النبي ﷺ يوم لجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي: «هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا»، قال: وقوله ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش، وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقنا أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة، فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل، وكذلك شأن الأنبياء، فقد قال النبي ﷺ في حديث وصال الصوم: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني».
[ ٢ / ١٩٢ ]
قلت: ما قاله ليس بظاهر، أما أولا، فلأن الداعي والمؤمن كلاهما داع، كما في دعاء موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، إذ قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس: ٨٩]، مع أن السياق إنما ذكر دعاء موسى ﵇ وحده، وأما ثانيا؛ فلأن موسى ﵇ كان معهم، وكونه لم يجع ولم يعطش غير مستبعد، لكن حصول هذه الأمور له غير مستبعد كذلك، بل قد تكون مما يبتلى به الأنبياء والصالحون، ومعلوم أنهم أشد الناس بلاء بنص الحديث، وقد جاع نبينا محمد ﷺ، ولا يلزم من خروجه مستيقنا حفظ الله لهم وتبليغهم ما يقصدون أن لا يحصل له شيء من ذلك، وثالثا فإن موسى لا يحتاج إلى الماء للشرب فحسب بل لأمور أخرى كما لا يخفى، وإنما كان عنوان هذه العبادة الاستسقاء لأن أعظم ما يحتاجه المرء من الماء هو الشرب، وعليه فليس في الآية دليل على استسقاء المخصب للمجدب، أما الاستدلال بحديث دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب على الاستسقاء مع الصلاة؛ فلا ينهض، لأن الدليل أخص من الدعوى، وحيث إن الاستسقاء له كيفيات؛ فالذي يترجح أن يكتفى بالدعاء، ولا يصلى صلاة الاستسقاء، وهو الذي رجحه الدردير، والله أعلم.
[ ٢ / ١٩٣ ]
حكم صلاة الاستسقاء
• قوله:
١ - «وصلاة الاستسقاء سنة تقام».
المعروف في المذهب أن الاستسقاء سنة مؤكدة.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الخروج للاستسقاء والبروز عن المصر والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله ﷺ».
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الخروج للاستسقاء والبروز عن المصر والقربة إلى الله ﷿ بالدعاء والضراعة في نزول الغيث عند احتياحه سنة مسنونة سنها رسول الله ﷺ وعملها الخلفاء بعده، واختلفوا في الاستسقاء في الصلاة (الاستذكار: ٢/ ٤٢٦)، كما ذكر اتفاق العلماء على سنية الاستسقاء النووي والشوكاني وغيرهما.
ولعل المصنف إنما عدل عن قوله المعتاد سنة واجبة إلى قوله سنة تقام لينبه إلى أنها ليست كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀ من أنه لا صلاة في الاستسقاء، وإنما هو الدعاء، قال الترمذي: «وقال النعمان أبو حنيفة لا تصلى صلاة الاستسقاء، ولا آمرهم بتحويل الرداء، ولكن يدعون ويرجعون بجملتهم، قال أبو عيسى: خالف السنة»، ولم يرد في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد ذكر الصلاة، وهي عند البخاري وليس في الموطإ (٤٤٨) من رواية يحي إلا هي، فلعلها كانت مستند هذا الإمام، وحسن الظن مطلوب مع عموم المسلمين، فكيف بعلمائهم المتبوعين؟.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وقت الخروج لصلاة الاستسقاء
الرواية التي فيها أنها تصلى بعد الصبح والمغرب
• قوله:
٢ - «يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة».
قد تقدم في صلاة العيد ذكر الوقت الذي يخرج فيه الإمام، وتؤدى فيه الصلاة، فتشبيه الخروج للاستسقاء بالخروج للعيد ليس في الصفة، بل في الوقت، إذ العيد يشرع فيه التزين، والاستسقاء يطلب فيه التبذل، قال ابن العربي في الفرق بين العيد والاستسقاء في هذا الأمر: «والحكمة فيه؛ أن الرجل يخرج في العيد بهيئته، وقد قدم عمله ليفد به على مولاه؛ فيتجمل تجمل الوافد، والمستسقي يرى أنه معتوب، فيخرج خروج الذليل»، وفي حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه أبو داود عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا، متواضعا، متضرعا، حتى أتى المصلى،،،، الحديث، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.
وقد روى أبو داود (١١٧٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ، وحمد الله ﷿، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن زمان إبانه عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم،،،»، قال أبو داود: وهذا حديث غريب، إسناده جيد، انتهى، وحاجب الشمس الناحية منها كالقوس، قال:
تراءت لنا كالشمس تحت غمامة … بدا حاجب منها، وضنت بحاجب
وقحوط المطر احتباسه وانقطاعه، يقال قحط المطر بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، وإيان الشيء زمانه أو أول زمانه.
وفي وقت صلاة الاستسقاء روايتان، أولاهما أنها كالعيد، قال مالك في المدونة: «إنما تكون في ضحوة من النهار، لا في غير ذلك الحين، وذلك سنتها»، والثانية في العتبية من رواية أشهب عن مالك: «ولا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما
[ ٢ / ١٩٥ ]
هو بالأمر القديم»، (النوادر ما جاء في صلاة الاستسقاء)، والفقرة الأخيرة قد يؤخذ منها أن هذه الرواية هي المتأخرة، فلعله يقصد أن الأمر قد تغير بفتوى بعض أهل العلم بذلك، وقد كنت أحمل الاستسقاء في هذه الرواية على الدعاء لا على الصلاة، جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها، ووجدت ابن رشد قد حملها على ذلك، ثم تبين لي أن حملها على الأصل هو الصواب، لأن أهل الفقه إنما يقصدون بالاستسقاء الصلاة المصحوبة بالخطبة والدعاء، لا الدعاء وحده، فإذا قالوا استسقى انصرف كلامهم إلى ذلك، وقد تقدم نظير له في وقت الكسوف، ولأن الدعاء مجردًا لا يمنع في وقت من الاوقات، قال الحافظ ﵀: «والراجح أن لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل،،،».
واعلم أن صلاة الاستسقاء تؤدى في الصحراء، لكن الظاهر إن منع من ذلك مانع؛ فلا بأس أن تصلى في المساجد كما عليه وضع بلدنا في هذه السنوات، فإن كلا من صلاة العيدين ولاستسقاء لا يخرج لها إلى البراح، فهذا المانع من الحاكم كالمانع القهري من مطر غزير ونحوه يشرع معه تأدية هذه الصلاة في المساجد، والمرغوب أن يترك الحاكم السنن تقام كما شرع الله ورسوله، بعد زوال الغمة، وانكشاف الظلمة.
[ ٢ / ١٩٦ ]
القراءة في صلاة الاستسقاء
خطبة الاستسقاء وهل تكون قبل الصلاة أو بعدها
• قوله:
٣ - «فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان، وركعة واحدة ويتشهد ويسلم».
إنما نص على أن صلاة الاستسقاء ركعتان في كل منهما ركوع واحد - وهو المراد بقوله «وركعة واحدة» - لئلا تلتبس بصلاة الكسوف المذكورة قبلها، ولا خلاف بين القائلين بهده الصلاة في كونها ركعتين، ولا في الجهر بالقراءة فيهما، وقد ثبت ذلك، وترجم البخاري للأمرين، وأورد حديث عباد بن تميم عن عمه (خ/ ١٠٢٥)، وهو أيضا في سنن أبي داود (١١٦٢)، كما أنه في صحيح مسلم بدون ذكر الجهر قال: «رأيت النبي ﷺ لما خرج يستسقي قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة».
والمشهور في المذهب تقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء، كما هي في العيد، وهي رواية عن الإمام، والرواية الأخرى التي رجع عنها تقديم الخطبة على الصلاة كما في الجمعة، وهي مما ذكره الليث بن سعد في رسالته الجوابية للإمام، وانتقده فيها بلطف، وهذه هي الفقرة المتعلقة بهذا الأمر من رسالته قال: «وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي حين أراد أن يستسقي أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك، لأن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغه من الخطبة حول وجهه إلى القبلة فدعا، وحول رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى بين ظهرانيكم عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، فكلهم كان يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستسهتر الناس الذي صنع زفر بن عاصم، من ذلك واستنكروه»، ونص الرسالة في إعلام الموقعين لابن القيم، وانظر رسالة مالك لليث في المدارك للقاضي عياض، وانظر الاستسقاء سننه وآدابه لعبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد.
قال ابن وضاح: «قد كان مالك يقول الخطبة قبل الصلاة ثم رجع سنة ستين ومائة،
[ ٢ / ١٩٧ ]
وأشار على زفر بن عاصم والي المدينة أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، والعمل عندنا في هذا على قول الأول،،،».
ودليل تقديم الخطبة على الصلاة، حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم، وكذا حديث عائشة، وحديث ابن عباس عند أبي داود وغيره كلها تدل على تقديم الخطبة على الصلاة، لكن في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد عند أبي داود (١١٦١) أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة»، فهذا ظاهره تقديم الصلاة لما تفيده الفاء من التعقيب في قوله: «خرج بالناس ليستسقي فصلى،،،»، وكذا حديث أبي هريرة عند ابن ماجة (١٢٦٨)، فإن فيه التعقيب بالفاء، قال: «خرج رسول الله ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن»، قال في الزوائد: «إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وسكت عنه الحافظ في (الفتح ٢/ ٦٤٤»، وفي رواية أحمد لحديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، ولهذا قال بعضهم بجواز تقديمها وتأخيرها، وقد قال بذلك الشوكاني، والشيخ بن باز رحمهما الله، وجنح بعضهم إلى ترجيح تقديم الخطبة، وجوز الحافظ أن يكون النبي ﷺ «بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف»، وهذا الجمع إنما يصلح بين الأحاديث ذات المخارج المختلفة، أما الحديث الواحد الذي يدل ظاهره على أنه إنما وصف فعله ﷺ مرة واحدة كحديث عبد الله بن زيد فلا بد فيه من الترجيح، لأن ما ذكره الحافظ من التعبير عن الدعاء بالخطبة، إنما يتصور إذا تعدد رواة الحديث من الصحابة في وصف الصلاة، أو تعدد الذين أخذوا عن الصحابي ذلك الوصف، لاحتمال تعدد وصفه للصلاة، أما الحديث ذو المخرج الواحد إذا اختلف كما رأيت في حديث عبد الله بن زيد؛ فلا بد معه من الترجيح، إذ الظاهر أنه إنما وصف صلاة الاستسقاء مرة واحدة، والنفس إلى تقديم الخطبة أميل.
[ ٢ / ١٩٨ ]
• قوله:
٤ - «ثم يستقبل الناس بوجهه، فيجلس جلسة».
تقدم أن الخطب كلها على هذا النحو، تسبق بجلسة، ويجلس بعد الخطبة الأولى، وقد ورد في خطبة الجمعة النص، وعلة الجلوس بينة، وهي انتظار فراغ المؤذن من الأذان، أما العيد والاستسقاء والكسوف فلا أذان فيها، فلا حاجة إلى الجلوس، وقد علل أهل المذهب الجلوس قبل الخطبة بانتظار الإمام الناس حتى يأخذوا أماكنهم، وهذا تعليل بارد، وثمة قول بعدم الجلوس أشار إليه ابن ناجي، وهو الحق.
[ ٢ / ١٩٩ ]
• قوله:
٥ - «فإذا اطمأن الناس؛ قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب».
وصف المؤلف للخطبة والدعاء مأخوذ من كلام مالك في المختصر، كما هو في النوادر (ما جاء في صلاة الاستسقاء)، والمشهور أن الإمام يخطب على الأرض، ولا يرقى المنبر، قالوا لأن هذه الحالة يطلب فيها التواضع، وحجة مالك أن ذلك لم يكن من فعل النبي ﷺ ولا الخليفتين بعده.
قال في المدونة: «أخبرنا مالك أنه لم يكن للنبي ﷺ منبر يخرج به إلى صلاة العيدين، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، وأول من أحدث له منبر في العيدين عثمان بن عفان منبر من طين، أحدثه له كثير بن الصلت»، والجواب أن التواضع مطلوب في الاستسقاء وغيره، وهو لا يتنافى مع الصعود على المنبر، ويوشك أن يكون من هذا القبيل قول من قال بعدم مشروعية التطيب في الاستسقاء، فليقولوا بعدم الاستياك لأنه من التطيب أيضا، مع أن هذا قياس وقع في مقابلة النص، فيكون فاسد الاعتبار، إذ جاء في حديث ابن عباس عند أبي داود (١١٦٥) الجمع بين التبذل والتواضع والرقي على المنبر قال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا، متواضعا، متضرعا، حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد»، والمتبذل من يترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، وورد ذكر المنبر في حديث عائشة المتقدم، وحمل ابن العربي ذلك على أنه وضع له شيء مرتفع يقف عليه؛ على فرض صحة الحديث الذي فيه ذلك.
وورد عن بعض الصحابة الخطبة من غير منبر كما هو في صحيح البخاري (١٠٢٢): «خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ﵃،
[ ٢ / ٢٠٠ ]
فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر،،، الحديث، ويظهر أن المنبر ليس من السنن في هذه الصلاة، بل فيه سعة، وقد مال الحافظ إلى أن البخاري أراد برواية الأثر المتقدم تفسير المراد من دعاء النبي ﷺ قائما كما في حديث عبد الله بن زيد الذي رواه بعده برقم (١٠٢٣)، وفي المجموعة قال أشهب: «وواسع أن يخرج فيها بالمنبر أو لا يخرج».
ونص المؤلف على أن في الاستسقاء خطبتين، وهو ما عليه الجمهور، وكل الخطب عند مالك كذلك، وذهب صاحب أبي حنيفة أبو يوسف، وقيل ومحمد بن الحسن أيضا، ومنهم ابن مسلمة، وأبو مهدي إلى أن في الاستسقاء خطبة واحدة، (انظر شرح ابن ناجي، وشرح الزرقاني على الموطإ، ونصب الراية للزيلعي)، ومن الأدلة على ذلك قول ابن عباس في وصفها: «ولم يخطب خطبتكم هذه».
قال في نصب الراية: «نفى النوع، ولم ينف الجنس».
قلت: الظاهر أنه لا يريد نفي الخطبتين، لأنهما حيث شرعتا كما في الجمعة؛ فليستا منسوبتين لهم من حيث العدد، ويستبعد أن يكون ابن عباس يعلم أن في الاستسقاء خطبة واحدة ثم لا يصرح بذلك، فالظاهر أنه يعني ما قاله ابن العربي: «وإنما أشار ابن عباس إلى عادة النبي ﷺ في أنه لم يكن أمره كله بتكلف، ولا بتصنع، وإنما كان بحسب ما يقتضيه الحال، وما يحضره من المقال»، نعم قد يتجه الاحتجاج على أن في الاستسقاء خطبة واحدة بحديث عائشة الذي رواه أبو داود وقد تقدم، فإنه يحتمل ذلك احتمالا قويا، وقد احتج به على ذلك المعلق على شرح السنة للبغوي، قال: فإن فيه؛ أنه خطب خطبة واحدة».
[ ٢ / ٢٠١ ]
تحويل الإمام رداءه واستقباله القبلة في ختام الخطبة الثانية
• قوله:
٦ - «فإذا فرغ استقبل القبلة، فحول رداءه: يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون».
يريد أنه إذا فرغ من الخطبة الثانية التي فيها الموعظة، وأراد أن يشرع في الدعاء؛ فإنه يستقبل القبلة، ويحول رداءه، ويدل عليه ما في حديث عبد الله بن زيد عند الشيخين وهذا لفظ أبي داود (١١٦٦) أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، ثم حول رداءه»، وقيل يحوله في نهاية الخطبة الثانية.
وصفة التحويل أن يجعل ما على اليمين من ردائه على اليسار، وما على اليسار منه على اليمين، ويفعل الناس مثل فعله، لكن هذه الصفة إنما تتأتى في الأردية لا في القمصان والجباب ونحوها مما يعسر فعل ذلك به إلا بتكلف، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث عدة بألفاظ مختلفة، ومعناها واحد: ففي حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجة: «جعل الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر»، وهذا موافق للفظ المؤلف، وفي رواية لحديث عبد الله بن زيد عند أحمد: «وحول رداءه، فقلبه ظهرا لبطن، وتحول الناس معه»، وهذا فيه رد على من قال لا يحول المأمومون أرديتهم، وفي رواية أبي داود لهذا الحديث: «وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن»، والعطاف هو جانب الرداء.
وقول المؤلف: «ولا يقلب ذلك»؛ يعني به لا يجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وإلا فالصفة التي ذكرها هي قلب أيضا، لكن بجعل الباطن ظاهرا، والظاهر باطنا وهو لازم لما تقدم، وهو بذلك يرد على من قال بالقلب من أهل المذهب، وقد عزاه زروق لعياض، وقال به ابن الجلاب، ودليله ما رواه أبو داود (١١٦٤) من حديث عبد الله بن زيد قال:
[ ٢ / ٢٠٢ ]
«استسقى رسول ﷺ، وعليه خميصة له سوداء، فأراد رسول ﷺ أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت؛ قلبها على عاتقه»، وفي رواية لغير أبي داود بيان للقلب: «فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن»، قال الحافظ: «وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف،،، والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط»، وقد علق العلامة ابن باز إمام الأمة في عصره على كلام الحافظ بقوله: «ليس الأمر كما قال الشارح، بل الأولى والأحوط هو التحويل بجعل ما على الأيمن على الأيسر، وعكسه، لأن الحديث بذلك أصح وأصرح، ولأن فعله أيسر، وأسهل»، انتهى، ويشعر قارئ كلامه ﵀؛ بأنه يرد على الحافظ اختيار صفة القلب وحده، لا الجمع، والحافظ إنما ذكر أن الجمع بينهما أحوط.
والصواب إن شاء الله: أن من عسر عليه الجمع بينهما اكتفى بالتحويل، وأين نحن من الألبسة التي يسهل معها واحد من هذين؟، فإن التحويل إنما يشرع إذا كان على الإمام رداء، وهو عند أهل المذهب من مستحبات الإمامة، والذي يصدق عليه ذلك من ألبستنا البرنس إذا كان موضوعا على الكتفين كما هو العادة عندنا، ولم يعد من الأئمة من يلبسه إلا النزر اليسير منهم، أما إن كان عليه غيره مما يتكلف في تحويله وقلبه، بحيث لا يتمكن من ذلك إلا بعد نزعه كما هو غالب ألبستنا اليوم ومنها الجلابة فضلا عن القميص والمعطف؛ فالظاهر أنه لا يطالب بذلك، وقد نص بعض أهل العلم على أن الرداء مقصود في التحويل المذكور كما هو في شرح زروق وغيره.
وفي العتبية قال ابن القاسم: «كره مالك الصلاة بغير أردية في المساجد، وقال يقول الله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، وفي الواضحة: كره مالك في الجماعة الصلاة بقميص بغير رداء، إلا المصلي في بيته، وإن كان يستحب له أيضا الصلاة في ثوبين»، (النوادر: في لباس الرجل في الصلاة)، وإذا كان هذا شأن المأموم في المسجد، لا يصلي بغير رداء، فكيف بالإمام؟، وكيف بمن يصلون في السراويلات الضيقة التي تصف العورة وصفا فاحشا، فضلا عما فيها من الكتابات والصور، ولله عاقبة الأمور.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
بعض الأدعية المأثورة
ويريد المؤلف بقوله: «ثم ينصرف وينصرفون»، الرد على من قال إنه بعد انتهاء الخطبة والدعاء يعود الإمام فيستقبل الناس من جديد، يذكرهم ويدعو ويؤمنون، ثم ينصرفون، وقد تقدم قول الحافظ الذي جمع به بين النصوص في تقديم الخطبة، وتأخيرها عن الصلاة، وأن الصلاة اكتنفها أمران الخطبة والدعاء، فالله أعلم.
ومن المأثور في أدعية الاستسقاء:
«اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل»، رواه بو داود (١١٦٩) عن جابر بن عبد الله، غيثا؛ مطرا، ومغيثا بضم الميم من الإغاثة، ومريئا بفتح الميم قال في النهاية: مرأني الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، انتهى، والمقصود أن يكون محمود العاقبة، ومريعا مخصبا، والمراعة الخصب.
«اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت»، رواه أبو داود (١١٧٦) أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ومما جاء في كيفية رفع اليدين في الاستسقاء حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا جعل ظاهر كفَّيْه مما يلي وجهه» رواه أبو يعلى، وهو في الصحيحة.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ترك التكبير والأذان في الاستسقاء
• قوله:
٧ - «ولا يكبر فيها، ولا في الخسوف غير تكبيرة الإحرام، والخفض والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة».
لعل المؤلف إنما ذكر أن صلاة الاستسقاء ليس فيها تكبير زائد على ما في الصلوات الأخرى غير العيد؛ ليبين الراجح المشهور في المذهب، إن كان قد علم رواية التكبير، أو ليرد على ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من أن هذه الصلاة يكبر فيها كما يكبر في العيد اعتمادا على حديث ابن عباس ﵄ وقد تقدم، إذ فيه: «ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد»، وثمة رواية عن الإمام مالك أنه يكبر فيها كما يكبر في صلاة العيد، قال الترمذي: «وروي عن مالك بن أنس أنه قال: يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين».
وقد نص مالك ﵀ على أن النافلة قبل صلاة الاستسقاء وبعدها سائغة استصحابا للأصل، إذ لم يرد في الأخبار نفي الصلاة كما ورد في العيد، أما الأذان والإقامة فشأن الصلوات المفروضات، فعوملت معاملة ما نص على تركهما فيها كالعيد، على أنه قد جاء النص بترك ذلك في الاستسقاء كما سبق في حديث أبي هريرة عند ابن ماجة، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ترك الأذان والإقامة في الاستسقاء كما في (الفتح ٢/ ٦٦٢).
ومن فوائد الباب قول رسول الله ﷺ: «اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول المطر»، رواه الشافعي في الام، وهو في الصحيحة.
[ ٢ / ٢٠٥ ]