الجنائز جمع جنازة بفتح الجيم هو الميت، وهو المراد هنا، وبكسرها ما يوضع عليه الميت من الخشب ونحوه، والصلاة على الجنازة من فروض الكفاية، ومثلها في الحكم غسل الميت وتكفينه ودفنه، فهذه كلها واجبة على المسلمين إزاء موتاهم وجوب الكفاية، وإنما عطف المؤلف الدعاء للميت على الصلاة عليه مع أنه داخل فيها ليشعر بأن صلاة الجنازة إنما شرعت لأجل الدعاء للميت، والاستشفاع له عند الله تعالى، فإنها من مكفرات ذنوبه، فأوجب الله على المؤمن أن ينفع بها أخاه المسلم بالدعاء، لا مطلقا، بل مع صلاة ذات إحرام وتسليم، وهي من جنس الصلاة التي هي أعظم عبادة بعد التوحيد.
وقد ورد الحض على الاستكثار من عدد المصلين على الميت، وكونهم من أهل الصلاح في أحاديث منها قول النبي ﷺ: «ما من مسلم تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له؛ إلا شفعوا فيه»، رواه مسلم (٩٤٧)، والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وروى مسلم (٩٤٨) عن ابن عباس مرفوعا - وفيه قصة -: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه»، وقد قال النبي ﷺ: «إذا صليتم على الميت؛ فأخلصوا له الدعاء»، رواه أبو داود (٣١٩٩) عن أبي هريرة، وقوله «أخلصوا له الدعاء» يحتمل أن معناه خصوه به، ويقويه أن الدعاء في صلاة الجنازة خاص بالميت في معظم صيغه المأثورة، بخلاف الأدعية في غير صلاة الجنازة، ويحتمل أن المقصود ادعوا للميت مخلصين لله تعالى في دعائكم لأن ذلك أقرب إلى قبوله وانتفاع الميت به، ولا مانع من إرادة الأمرين معا.
وروى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم
[ ٢ / ٢٤٧ ]
قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضَيفُ الشمس للغروب حتى تغرب»، ومخالفة هذا النهي يقع فيها معظم الناس في بلادنا لأمرين: أولهما أن وقت قيام قائم الظهيرة ليس من الأوقات التي تكره فيها الصلاة في المذهب، وقد تقدم القول في ذلك، وبيان ما فيه، والثاني حرص الناس على أن يحضر الجنازة عدد أكبر من المشيعين، والذي يتحقق به هذا هو هذا الوقت، ومن أراد إقامة السنة فليمتنع من الصلاة فيما بين الساعة الثانية عشرة والنصف، إلى ما بعد الزوال بتوقيتنا، وهو توقيت غرينتش زائد ساعة واحدة.
وينبغي اجتناب دفن الميت ليلا إلا في حالة الاضطرار، ومنها الخوف عليه أن يفسد، فقد روى ابن ماجة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا»، ورى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يحدث أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه»، وقد نعارضت الأدلة في المسألة مع اختلاف أهل العلم في علة المنع.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فرائض صلاة الجنازة في المذهب
القراءة في صلاة الجنازة
• قوله:
١ - «والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات، يرفع يديه في أولاهن، وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس، وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم، وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه».
فرائض صلاة الجنازة في المذهب خمسة هي النية، والقيام، وأربع تكبيرات، والدعاء عقب كل تكبيرة، والسلام، وليس فيها قراءة الفاتحة ولا غيرها، قال مالك: ليست القراءة على الجنازة مما يعمل به ببلدنا»، وفي الموطإ (٥٣٧) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة»، وروي عدم القراءة عن غير ابن عمر، منهم عمر وعلي وأبو هريرة وجابر، وكثير من التابعين، ذكر ذلك في النوادر وفي الاستذكار، ويدعم ذلك أن القراءة لم ترد تصريحا من فعل النبي ﷺ، ولا صحت من قوله، وما رواه الترمذي (١٠٢٦) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، فهو ضعيف، قال الترمذي: إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث، يضاف إلى هذا أن النبي ﷺ إنما أمر بإخلاص الدعاء للميت، ومن العجب استدلال بعضهم على عدم وصول ثواب قراءة القرآن للميت بعدم مطلوبية القراءة في صلاة الجنازة، ونظرا إلى أن القراءة على الجنازة سر؛ فقد خفي هذا الأمر على كثير من الناس، لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
فالصواب: مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وقال أشهب قراءتها واجبة، وهو في المنتقى للباجي، وشرح زروق على الرسالة، وقال زروق: «والعمل به ورع للخروج من الخلاف»، وحكى القرافي قولا بوجوبها، ورجح شيخ الإسلام بن تيمية الاستحباب، ودليله ما صح عن ابن عباس ﵄ أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: «لتعلموا أنها سنة» (خ/ ١٣٣٥)، وقول الصحابي عن شيء إنه سنة له حكم الرفع، وورد ما يدل على مشروعية قراءة السورة، فانظر أحكام الجنائز للمحدث الألباني ص (١٥١).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
عدد التكبيرات
وأما عموم قوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا»، وهي صلاة، فالجواب أنها صلاة ناقصة إذ لا ركوع فيها ولا سجود، فلا يلزم أن يقرأ فيها بأم القرآن ومن ثم لا يشملها الحديث في دلالته على البطلان، والقراءة تكون عقب التكبيرة الأولى، اعتبارا بقراءتها في الصلاة، ولم يأت في دعاء الاستفتاح شيء.
فأما أن عدد التكبيرات أربعة؛ فلما في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبر رطب، فصفوا عليه وكبر عليه أربعا»، رواه الشيخان، وأبو داود (٣١٩٦)، كما كبر النبي ﷺ في الصلاة على النجاشي أربعا، وهو في الموطإ (٥٣٢) والصحيحين (مسلم ٩٥١) من حديث أبي هريرة، وكبر على المرأة السوداء أربعا، لكن ورد عنه ﷺ أنه كبر أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم (٩٥٧) وأبي داود (٣١٩٧) عن ابن أبي ليلى قال كان زيد - يعني ابن أرقم - يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته، فقال: «كان رسول الله ﷺ يكبرها»، وهذا يدل على أن غالب فعل النبي ﷺ كان أربع تكبيرات، وقد ثبت التكبير ستا وسبعا وثمانيا وتسعا، فقال قوم إن الإجماع قد انعقد فيما بعد على أربع، وممن ذكر هذا الإجماع الباجي وابن عبد البر قال في (الاستذكار ٣/ ٣٠): «اتفق الفقهاء أهل الفتوى بالأمصار على أن التكبير على الجنائز أربع لا زيادة، على ما جاء في الآثار المسندة من نقل الآحاد الثقات، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه اليوم، ولا يعرج عليه»، ثم ذكر ما يدل على أن التكبير أربعا إجماع، ومال إلى هذا الشوكاني في السيل الجرار، بل اعتبر أن النقص عن أربع، والزيادة عليها من البدع، وفي هذه الدعوى نظر.
ولما كانت التكبيرات الأربعة من واجبات صلاة الجنازة، فإن من تعمد ترك إحداها بطلت صلاته على المذهب، وهكذا من نسي إحداها وطال الزمن، قال خليل: «وإن والاه، أو سلم بعد ثلاث، أعاد»، يعني إذا والى التكبير من غير دعاء، والقول بالبطلان شديد مع وجود من قال بثلاث تكبيرات.
ومشهور المذهب أن الإمام إذا زاد على أربع لم ينتظره المأموم، بل يسلم، قال ابن القاسم في العتبية عن مالك: «وإن كان الإمام ممن يكبر خمسا؛ فليقطع المأموم بعد الرابعة، ولا يتبعه»، وعلى هذا جرى خليل فقال: «وإن زاد لم ينتظر»، والرواية الثانية رواية ابن
[ ٢ / ٢٥٠ ]
الدعاء بعد التكبيرة الرابعة
حبيب عن ابن الماجشون عن مالك أن المأموم يسكن أي يسكت، فإذا كبر الخامسة سلم بسلامه، وهذا هو الأقيس، وهو قول أشهب ومطرف، بل الصواب إن شاء الله: متابعته في عدد التكبير.
أما رفع اليدين عند التكبيرة الأولى في صلاة الجنازة فأمر متفق عليه في المذهب، إلا ما ذكره الفاكهاني عن مالك كما في حاشية الشيخ علي الصعيدي، على شرح أبي الحسن للرسالة، وأخشى أن يكون الفاكهاني قد توهم؛ فنسب لمالك ما روي عن ابن القاسم من ذلك كما في النوادر، أما رفع اليدين في باقي التكبيرات ففيه روايتان: أولاهما لابن وهب عن الإمام أنه استحب رفع اليدين في كل تكبيرة، وقال إنه ليعجبني، ووجهها أنه ثبت ذلك من فعل ابن عمر ﵄، علقه البخاري في صحيحه، باب سنة الصلاة على الجنائز، ووصله في جزء رفع اليدين، كما ثبت الرفع عن غير ابن عمر من الصحابة ومن دونهم، وقد ذ كر بعضهم في المدونة، والرواية الثانية لابن القاسم وابن زياد يرفع في الأولى فقط، ووجهها عدم صحة المرفوع فيما عدا الأولى، ويظهر أن قول المؤلف فلا بأس أشار به لقول أشهب حيث رأى التخيير في الرفع في التكبيرات الثلاثة، والتعبير بالتخيير فيه شيء.
أما الدعاء بعد الرابعة فهو الذي اختاره اللخمي، كما أشار إليه خليل بقوله: «ودعا بعد الرابعة على المختار»، ويبدو أن اللخمي اختاره من اختلاف سحنون وغيره، فقد كان سحنون يرى الدعاء بعد الرابعة، قالوا إنه قاسه على بقية التكبيرات، وليس بلازم أن يكون قياسا، لاحتمال اطلاعه على النص كما سيأتي، وقال ابن أبي زيد في النوادر: «وفي غير موضع لأصحابنا إذا كبر الرابعة سلم، وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره، قال ابن حبيب: وروي أن ابن عمر كان يدعو بعد الرابعة لنفسه ولوالديه»، والذي اختاره اللخمي هو الحق لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «شهدته وكبر على جنازة أربعا، ثم قام ساعة - يعني يدعو - ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟، قالوا: لا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا»، رواه البيهقي بسند صحيح كما قال المحدث العلامة الألباني في أحكام الجنائز.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وقوف الإمام وسط الرجل وعند منكبي المرأة
رواية عن الإمام بالوقوف وسط المرأة
ما جاء من السنة في ذلك
• قوله:
٢ - «ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها».
وقوف الإمام من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبيها؛ هو مشهور المذهب، وهو مخالف للسنة، بعكس ما ورد فيها، قال أشهب كما في المجموعة: ويقف الإمام من الميت عند وسطه أحب إلي، وذلك واسع،،،»، وقال خليل في مندوبات صلاة الجنازة: «ووقوف إمام بالوسط، ومنكبي المرأة: رأس الميت عن يمينه»، وفي المدونة عن ابن مسعود أنه يقف من المرأة عند منكبيها، لكن قال المؤلف في النوادر (ما يجب من الصلاة على الجنازة): «ورأيت لابن غانم أنه روى عن مالك أنه يقف عند وسط المرأة»، انتهى.
قلت: هذا هو منطوق ما جاء في حديث سمرة بن جندب عند الشيخين (خ/ ١٣٣٢) وأبي داود (٣١٩٥) قال: «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها؛ فقام عليها للصلاة وسطها»، ولفظ المرأة له مدخل في موضع الوقوف، وإذا كان ما هنا يحتمل أنه للستر كما قيل، فقد جاء ما ينفي ذلك الاحتمال، وهو ما رواه أبو داود (٣١٩٤) وغيره عن نافع أبي غالب - في حديث طويل - أن أنس بن مالك صلى على رجل فقام عند رأسه، وجيء بامرأة فصلى عليها، فقام وسطها، فسأله بعض الحاضرين عن اختلاف موضع قيامه من الرجل والمرأة قائلا: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت؟، فأجابه بنعم»، وقد علل بعضهم هذا الاختلاف في الوقوف بأنه كان لستر المرأة عن الناس، حيث لا نعش، وهو في النوادر، ولعل اعتمادهم في ذلك على زيادة عند أبي داود، قال أبو غالب: «فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش فكان الإمام يقوم حيال عَجيزتها يسترها من القوم»، وقد رد ذلك الألباني في أحكام الجنائز من أوجه ثلاثة، أحدها أن المرأة التي صلي عليها كانت في النعش، والثاني أن ذلك الكلام لا يعرف قائله، والثالث أنه خلاف ما فهمه الحاضرون كما في بعض روايات الحديث.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
قلت: وقد ادعى بعضهم أن الوقوف وسط المرأة خاص بالنبي ﷺ لكونه مبرأ من خواطر السوء، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ثم إن الخواطر أخطر من أن يزيلها موضع القيام، ثم كيف يستر الإمام المرأة عن الناس وهو ينظر إليها؟، فهل هو مبرأ؟، إنها ظنون وهواجس لا تغني من الحق شيئا.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
التسليم من الجنازة واحدة خفية
• قوله:
٣ - «والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم».
التسليمة الواحدة تكفي في الخروج من الصلاة، وقد تقدم الحديث عن ذلك في الصلاة ذات الركوع والسجود، فأحرى أن يكون الأمر هنا كذلك، والمذهب أن التسليمة هنا واحدة وأنها سر، ففي المدونة قال مالك في السلام من الصلاة على الجنائز: «يسمع نفسه، وكذلك من خلف الإمام يسمع نفسه، وهو دون سلام الإمام تسليمة واحدة للإمام وغيره»، وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ قوله: «ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم من الصلاة»، فيظهر من التشبيه أنه يقصد تسليمتين، وثبتت التسليمة الواحدة أيضا بحديث أبي هريرة عند الدارقطني والحاكم أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبر عليها أربعا، وسلم تسليمة واحدة».
أما أن التسليم يكون سرا فقد قالوا: هو إحدى روايتين عن الإمام أشار إلى ذلك الباجي، وسيأتي أنه قول واحد، فوجه رواية الجهر أنه سلام للخروج من الصلاة فيجهر به على الأصل لإعلام المقتدين بذلك، أما وجه الإسرار وهو مخالف للأصل؛ فلما جاء في حديث أبي أمامة ﵁: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث) لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف عن يمينه، والسنة أن يفعل من وراءه ما فعل إمامه»، رواه الشافعي في الأم، وانظر الفقرة (٧٩) من كتاب أحكام الجنائز للألباني ص (١٥٥).
لكن معتمد الإمام في التسليم سرا فعل ابن عمر ﵄ الذي رواه في الموطإ (٥٤٣)
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أنه كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه»، ويظهر منه ومما تقدم من قول مالك في المدونة أنه ليس له في صفة التسليم إلا قول واحد، على أن يكون المراد بالإسرار ما في فعل ابن عمر، وقد سبق لك أن رأيت ما في المدونة أنه في الوقت الذي قال فيه مالك عن كل من الإمام والمأموم يسمع نفسه، قال عن المأموم إنه دون الإمام في ذلك، فعقلنا أنه يقصد بإسرار الإمام أن يسمع نفسه ومن يليه، وقد جاء ذلك عن الإمام صريحا في العتبية من رواية ابن القاسم قال: «ويسلم واحدة يسمع نفسه ومن يليه ويسلم من خلفه في أنفسهم، يريد متكلمين»، قال خليل في أركان صلاة الجنازة: «وتسليمة خفيفة، وسمع الإمام من يليه»، على أنه لو كان المراد بالإسرار ذاك الذي ليس معه إلا حركة اللسان؛ فلا يجوز أن تضرب الأمثال للسنة، فيقال: وكيف يعلم الناس انتهاء الصلاة؟، فيقال يعلمون بالتفات إمامهم أو بانصرافه، وأي ضير فيما لو تأخروا حتى ينصرف؟.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ما في الصلاة على الميت وتشييعه من الأجر
الخطبة المعتادة عندنا بعد الدفن
• قوله:
٤ - «وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا».
رحم الله ابن أبي زيد فإنه لم يكن من أهل الفقه الذين جردوه مما عدا أفعال الجوارح، فإنه لا يفتأ يذكر بفضائل أعمال الباطن، ويرغب في ابتغاء وجه الله بأعمال الجوارح، وقد ورد في فضل تشييع جنازة المسلم والصلاة عليه حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه (خ/ ١٣٢٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد الجنازة حتى يصلي؛ فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟، قال: مثل الجبلين العظيمين»، وقد ورد في المرفوع أن القيراط مثل أحد، وورد أنه أعظم من أحد، والمراد التمثيل لعظم ثواب الصلاة والتشييع في ميزان العبد يوم القيامة بأمر محسوس، وفضل الله واسع، وعطاؤه لا يقدر قدره المخلوق.
ومما يذكر هنا؛ أن مشهور المذهب عدم التيمم لصلاة الجنازة للحاضر الصحيح فاقد الماء إلا إذا تعينت عليه، قال ابن حبيب: «ولم ير مالك التيمم للجنازة يخاف فواتها في الحضر، إلا في موضع يجوز التيمم فيه للصلاة، وكان ابن شهاب، ويحي بن سعيد، والنخعي، والشعبي؛ يرون إن خاف فواتها أن يتمم لها، وإن كان في الحضر، وبذلك أخذ الليث وابن وهب، قال ابن حبيب والأمر في ذلك واسع».
وإذا علمت أن الانتظار حتى يدفن الميت سبب في حصول هذا الأجر العظيم، فلا ينبغي للمشيع أن يفرط فيه إلا لمانع، لكن إذا تم ذلك فلا وجه للبقاء في المقبرة انتظارا لما يسمى عندنا بالتعزية، فإنها من البدع، كيف وقد أصبح الناس يرونها من جملة أحكام الجنازة التي لا تستقيم ولا تتم بدونها، تلقى فيها الخطب، ويكثر فيها الكلام، ويستمع فيها للمواعظ، وكثيرا ما يتجاوز ذلك إلى ذكر محاسن الميت، والتنويه به، ثم يختم ذلك
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ما كان عليه السلف أثناء دفن الميت
بالتعزية الجماعية، والذي عرف عن النبي ﷺ أنه فعله هو ما جاء في حديث البراء بن عازب الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وفيه أنه جلس وجلس أصحابه حوله، وذكرهم بخروج روح المؤمن، وما تلاقيه من الخير والإحسان، وبخروج روح الكافر والفاجر وما تلاقيه من التثريب والهوان، حتى إذا انتهي من الدفن انصرفوا، وهكذا ما رواه البخاري وغيره عن علي بن أبي طالب أنهم كانوا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله،،، الحديث، وقد ثبت أنه قال لأصحابه عن بعض من دفنوه: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»، وهذا هو الذي يقتضيه العقل السليم، والذهن المستقيم، وهو تحديث الناس إن كان ولا بد وقت الدفن كي يشتغلوا بما جاءوا من أجله، حتى إذا انتهوا منه انصرفوا لشؤونهم.
واعلم أن معظم المشيعين للجنازة حاضرون بأشباحهم لا بأرواحهم، يفوتهم الاتعاظ والاعتبار بالموت، لاشتغالهم عنه بالحديث في شؤون حياتهم، وكثيرا ما يتجاوزون ذلك إلى اللغو واللهو، بل وإلى ما حرم عليهم، وقد كان سلفهم على خلاف ذلك، ففي النوادر (الاستكانة في الجنازة)، قال ابن حبيب: ويكره الضحك والاشتغال بالحديث والخوض، وكان يُرى على النبي ﷺ فيها كآبة، ويرون أنه يحدث نفسه بأمر الموت، وما هو صائر إليه، وسمع فيها أبو قلابة صوت قاص فقال: «كانوا يعظمون الموت بالسكينة»، قال مطرف بن عبد الله: «وكان الرجل يلقى الخاص من إخوانه في الجنازة له عنده عهد؛ فما يزيده على التسليم، ثم يعرض عنه، حتى كأن له عليه موجدة، اشتغالا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة ساءله عن حاله ولاطفه، وكان منه أحسن ما كان يعهد»، وقال أسيد ابن الحضير: «ما شهدت جنازة فحدثت نفسي إلا بما تقول، أو يقال لها حتى أنصرف».
[ ٢ / ٢٥٧ ]
التوسعة فيما يدعى به للميت
• قوله:
٥ - «ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود، وذلك كله واسع».
المطلوب في الصلاة على الميت إخلاص الدعاء له، فإذا دعا له بالرحمة والمغفرة كفاه ذلك، وقد حكى ابن الحاجب وغيره أنه لا يستحب دعاء معين، ولعل ذلك لأنه قد ورد في الدعاء للميت صيغ كثيرة دعا بها النبي ﷺ لأفراد من أمته، فيحسن بالمسلم أن يحفظ شيئا منها يدعو به فذلك خير له، ومن لم يقدر دعا بما تيسر له، لكن لا يستقيم للمسلم أن يرتب دعاء طويلا يخترعه ويدعو به ويعرض عن المأثور كيفما كان جمال هذا الدعاء، ومهما كانت عباراته فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ما اختاره المؤلف من الدعاء
• قوله:
٦ - «ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك القدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، أنت خلقته، وأنت رزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئناك شفعاء له، فشفعنا فيه، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة، اللهم قه من فتنة القبر وعذاب جهنم، اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، تقول هذا بإثر كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت، وطيبه لنا،
[ ٢ / ٢٥٩ ]
بيان مرجعه فيما اختاره من الدعاء
واجعل فيه راحتنا ومسرتنا»، ثم تسلم، وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث، غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها، لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن، لا يبغين بهم بدلا، والرجل قد يكون له زوجات كثيرات في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج».
هذا الدعاء هو الذي اختاره ابن أبي زيد في النوادر، فإنه قال قبل أن يذكره بنحو ما هنا: «وقد جمعت مما جاء من السلف من الدعاء للميت مما في كتاب ابن حبيب وغيره، ومما جاء عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وعن عثمان، وعن غيره، وجعلت فيه ما استحسن ابن حبيب وغيره من الثناء على الله سبحانه، والصلاة على نبيه، وذلك أن يقول إذا كبر الأولى: ثم ذكره بنحوه، ونقف من هذا الدعاء على أمور:
أحدها: ما ذكره من الصلاة على النبي ﷺ، فقد تقدم دليلها في حديث أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)،،، الحديث، وينبغي التقيد فيه بالصيغ الثابتة نقلا، وقد ذكرت بعضها في التشهد للصلاة، وموضع الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، والحمد والصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء؛ عدها أهل المذهب من المستحبات في صلاة الجنازة، قال خليل: «وابتداء بحمد وصلاة على نبيه ﵊»، وقد روى مالك في الموطإ (٥٣٥) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة كيف تصلي على الجنازة؟، فقال أبو هريرة: «أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه،،،».
[ ٢ / ٢٦٠ ]
شرح الألفاظ الواردة في الدعاء
الثاني: قوله: اللهم إنه عبدك وابن عبدك إلى آخره، هذا جاء من دعاء أبي هريرة في أثره السابق، ونصه: «اللهم إنه عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيآته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده»، وقوله في بدايته: «اللهم إنه عبدك إلى قوله وأنت أعلم به»؛ وسيلة للدعاء له، كما في قوله ﷺ: «اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك،،، قدمه وسيلة بين يدي دعاء الحاجة، أعني الثناء على الله تعالى وتمجيده قبل سؤاله سبحانه، وهو الذي علمنا ربنا إياه في فاتحة الكتاب.
الثالث: قوله: اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه،،، هذا من أصح ما جاء في الدعاء، وقد رواه مسلم عن عوف بن مالك قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار».
الرابع: قوله: «اللهم اغفر لحينا وميتنا،،، هذا جاء فيما رواه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحيته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، وقوله «صغيرنا»؛ يحتمل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، وهو الظاهر، فيكون الدعاء له لما يستقبل مما عسى أن يقع منه، ولا مانع من ذلك فقد جاء في أحاديث عدة وعد الله تعالى بمغفرة ما تأخر من ذنب العبد إذا عمل من الصالحات ما رتبت عليه المغفرة، ويحتمل الصغر بالنسبة إلى من هو أكبر سنا منه، أي صغار المكلفين وكبارهم، لاستغراق الأمة كلها بالدعاء، ولاستكمال المتقابلات المذكورة، وبهذا يظهر لك أن من استشكل الدعاء بمغفرة ذنوب غير المكلفين لم يصب، وقد حمل خفاء المعنى العلامة الكحلاني على القول بأن المراد بالمغفرة للصغير طلب التثبيت له عند التكليف على الأعمال الصالحة لكونه لا
[ ٢ / ٢٦١ ]
ذنب له، كما استشكل هذا الدعاء ابن عمر شارح الرسالة، وقوله «من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»، إنما ذكر الحياة على الإسلام؛ لأن المقصود أن يعيش عاملا بالشرع بجوارحه، وفي ظاهره، وذلك لا يصح إلا بالإيمان، أما الممات فالمطلوب أن يموت المسلم على التوحيد، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من دهره، وقد عكس المصنف ذلك كما ترى، وهي رواية أبي داود (٣٢٠١)، وقد يكون المقصود أن كلا من اللفظين يشمل الآخر كما هو المعروف فيهما وما كان نحوهما إذا انفردا، والأول أولى، والله أعلم.
الخامس: قوله جئناك شفعاء له، فشفعنا فيه، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة، هذا ورد نحوه في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣٢٠٠) أن رسول الله ﷺ دعا في الصلاة على الجنازة فقال: «اللهم أنت ربها وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر له».
السادس: في شرح بعض الكلمات الواردة في هذا الدعاء: قوله: «له الملك»؛ هو عبارة عن التصرف في خلقه بالهداية والإضلال، والثواب والعقاب، وغير ذلك، وقوله: «نستجير بحبل جوارك»؛ المراد بالحبل هنا العهد والميثاق، كان الواحد من العرب إذا أراد سفرا وخاف على نفسه؛ أخذ عهدا من سيد كل قبيلة، يستجير به ما دام في حدودها، فكيف بمن استجار بالله تعالى، وهو مالك الملك؟، أي نطلب منك الإجارة والأمن متمسكين بوعدك، وقوله «إنك ذو وفاء وذمة»؛ أي صاحب عهد ووفاء، قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].
وقوله: «وأكرم نزله»، النزل بضمتين؛ ما يعد للنزيل والضيف من القرى بكسر الراء، أي اجعل نزله حسنا كريما، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فُصِّلَت: ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
وقوله: «وسع مدخله»؛ يعني وسع موضع دخوله، وسعة موضع الدخول مشعرة بسعة ما بعده من موضع الإقامة، وهو القبر فيفسح له فيه، وقوله: «واغسله بالماء والثلج
[ ٢ / ٢٦٢ ]
والبرد»، المراد الدعاء بالتطهير من الذنوب بغفران الله تعالى له، حتى يصير أهلا لدخول الجنة، فإن الجنة لا يدخلها خبيث، وقوله: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، إنما اختير اللون الأبيض في التشبيه لأنه إذا غسل لا يحمل الدنس لا ظاهرا ولا باطنا، بخلاف غيره، فقد لا يظهر عليه الدنس، ومع ذلك يكون منتنا، وقوله: «وثبت عند المسألة منطقه»؛ المسألة؛ سؤال الملكين وهما منكر ونكير، و«منطقه»؛ نطقه، بأن يجيب عما سئل عنه، إذ يقال له من ربك؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟»، وقوله: «وطيبنا للموت»؛ أي هيئنا وأعدنا له، بتوفيقنا للطاعات، وتيسيرنا للقربات، حتى تتوفانا يا ربنا طيبين كما قلت في كتابك: «الذين تتوفاهم الملائكة طيبين»، وقوله: «واجعل فيه مسرتنا وراحتنا»، جاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة بن ربعي مرفوعا: «مستريح، ومستراح منه: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب»، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ومن خرج من سجنه يفرح ولا بد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، وقوله: «لأنها قد تكون زوجا في الجنة … إلخ، فيه قول النبي ﷺ: «المرأة لآخِر أزواجها»، رواه الطبراني عن أبي الدرداء فعت ذلك أمُّ الدرداء حين خطبها معاوية ﵄، فأبت، وقالت: ولست أريد بأبي الدرداء بدلا، وانظر الصحيحة (١٢٨١).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
جمع الجنائز في صلاة واحدة
• قوله:
٧ - «ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة، ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم».
إذا كان هناك أكثر من جنازة، وصلي على كل منها على حدة؛ فلا بأس بذلك، لأن هذا هو الأصل، ولأن فيه تكثيرا للعمل الصالح، وتكريرا للدعاء، وإن جمعت الجنائز فلا حرج، وقال الشيخ علي الصعيدي إن الجمع مستحب، وكيفية وضع الجنائز إن جمعت للصلاة عليها إن كان فيها رجال ونساء؛ أن يجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء بعدهم مما يلي القبلة، ودليله حديث عمار مولى الحرث بن نوفل أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرنا ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة»، رواه أبو داود (٣١٩٣) والنسائي، وإذا جعل الغلام مما يلي الإمام والصلاة عليه مستحبة، مع أن المصلى عليها معه أمه؛ فكيف بغير الغلام من المكلفين؟، وروى مالك في الموطإ (٥٤٢) بلاغا أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء ما يلي القبلة»، أما جعل الفاضل من الرجال مما يلي الإمام؛ فلعل ذلك بالقياس على أفضلية الرجال على النساء، ولأنه عكس ما في جمع الموتى في قبر واحد، حيث يجعل إلى جهة القبلة - وهي فاضلة - أفضلهم، وهنا عكس ذلك، فيجعل أفضلهم أقرب إلى الإمام والمأمومين، أصله قول النبي ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»، والله أعلم.
والصورة الثانية أن يجعل الموتى صفا واحدًا ويجعل أفضلهم أقرب إلى الإمام.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
دفن الجماعة في قبر واحد عند الضرورة
• قوله:
٨ - «وأما دفن الجماعة في قبر واحد؛ فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة».
لما ذكر المصنف صفة وضع الجنائز إذا صلي عليها جميعا؛ بين صفة دفن أكثر من ميت في قبر واحد، للمناسبة التي بين الأمرين، ولم يذكر حكم هذا الجمع، فيقال إن الأصل أن يدفن كل ميت في قبر خاص به، فإن تعذر ذلك، أو كان فيه مشقة كبيرة؛ ساغ دفن أكثر من ميت في قبر واحد، والسنة في هذه الحال أن يجعل أفضلهم مما يلي القبلة، عكس ما تقدم في جمعهم في الصلاة، ودليل ذلك حديث هشام بن عامر قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله ﷺ: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الإثنين والثلاثة في قبر»، فقلنا: «فمن نقدم يا رسول الله»، فقال: «قدموا أكثرهم قرآنا»، رواه الترمذي والنسائي، وهذا الحديث أصرح في أن مشروعية هذا الجمع مقيدة بحال التعذر أو العسر من حديث جابر المتقدم ذكره في ترك تغسيل الشهيد، وقد رواه ابن وهب كما في المدونة والبخاري والترمذي (١٠٣٦) والنسائي وابن ماجة عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم».
فإن قلت: قد يكون الفاضل غير الأكثر أخذا للقرآن، فالجواب: أن المدفونين في هذا الحديث سوت بينهم الشهادة في سبيل الله في ظاهر الأمر، فلم يعد من مرجح غير أكثرية الحفظ، فاعتمدها النبي ﷺ، أو يقال إن الأفضلية قد يختلف الناس فيها، فسلك فيها مسلك الإمامة، لأن الحفظ أمر ظاهر، فهو أقطع للنزاع، ونوط الترتيب على أكثر الحفظ يدلك على أن هذا الأمر كان لا يخفى عندهم، والله أعلم.
وقد جرت عادة كثير من الناس عندنا أن ينبشوا القبر ويدفنوا الميت مع آخر، إما لوصيته بذلك، أو لما يرونه من أن الدفن إلى جوار فلان أنفع ونحو هذا، وقد علمت أن
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الأصل أن يدفن كل ميت في قبر ابتداء، إلا من ضرورة أو عسر، فكيف إذا كان الميت قد دفن، وصار قبره دارا له، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، مع ما في ذلك من هتك حرمته، وقد تكسر عظامه، وقد قال رسول الله ﷺ: «كسر عظم الميت ككسر عظمه حيا»، رواه أبو داود (٣٢٠٧) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، والظاهر أن معناه في الإثم، إذ لا قصاص بينهما، وفي الموطإ (٥٥٠) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ما أحب أن أدفن بالبقيع، إنما هو أحد رجلين: إما ظالم فلا أحب أن أكون معه، وإما صالح فلا أحب أن تنبش لي عظامه»، وليس معنى ذلك أن عروة يجيز نبش عظام الظالم، بل ذكر هنا ما يحبه من مجاورة الصالح، وما يكرهه من مجاورة الظالم، قال ابن عبد البر: «وفي خبر عروة هذا دليل على أن الناس بظلمهم يعذبون في قبورهم، والله أعلم، ولذلك استحبوا الجار الصالح في المحيا والممات»، وقال مالك في الموطإ: «لا بأس أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد من ضرورة ويجعل الأكبر مما يلي القبلة»، وقال أشهب كما في النوادر: «وإذا صادف الحافر للقبر قبرا؛ فليرد ترابه ويدعه، فإن حرمة كسر عظامه ميتا كحرمته حيا»، وفي النوادر أيضا أن من كفن أكثر من ميت في كفن واحد، أو دفن أكثر من ميت في قبر واحد فله حظه من الإساءة، وقال خليل: «والقبر حبس لا يمشى عليه، ولا ينبش ما دام به»، قال الدردير شارحه: (ولا ينبش)، أي يحرم، (ما دام) الميت، أي مدة ظن دوام شيء من عظامه غير عجب الذنَب (به)، أي فيه، وإلا جاز المشي والنبش للدفن فيه، لا بناؤه دارا، ولا حرثه للزراعة».
[ ٢ / ٢٦٦ ]
يصلى على قبر من لم يصل عليه
حكم تكرير الصلاة على من صلي عليه
• قوله:
٩ - «ومن دفن ولم يصل عليه وووري؛ فإنه يصلى على قبره، ولا يصلى على من قد صلي عليه».
إذا دفن الميت من غير صلاة خطأ أو عمدا؛ صلي عليه في القبر؛ إن خشي تغيره، فإن لم يخش تغيره؛ أخرج وصلي عليه، وإن لم يظن بقاؤه فلا يصلى عليه، وهذا كله إذا كان قد غسل، فإن لم يغسل لم يصل عليه حتى يخرج إلا أن يخشى تغيره، وذلك لتلازم الغسل والصلاة كما تقدم، وذهب أشهب وسحنون إلى أنه لا يصلى على القبر، وليدع لصاحبه، قال سحنون: «لا أجعله ذريعة إلى الصلاة على الجنائز في القبور»، مراده أن التساهل في هذا الأمر يفسح المجال لدفن الميت ثم الصلاة عليه بعد ذلك في قبره، فتسد الذريعة بمنع الصلاة على القبر، ويحتج لهذا الأمر بحديث أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقم المسجد ففقده النبي ﷺ، فسأل عنه، فقيل مات، فقال: ألا آذنتموني به؟، قال: دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليه»، رواه الشيخان، وأبو داود (٣٢٠٣)، وروى مالك (٥٣٣) نحوه مرسلا عن ابن شهاب أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره فذكره، يقم المسجد يكنسه، وهذا الخبر متواتر، ولهذا قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ والحديث يدل على الحكم المتقدم بالأولوية، لأن المرأة التي صلى عليها النبي ﷺ في القبر سبق أن صلي عليها، وهو دال على خلاف ما قرره المؤلف من عدم تكرير الصلاة، فإنه إذا كانت الصلاة قد كررت على القبر، فكيف بمن لم يدفن بعد؟.
قال الباجي -رحمه الله تعالى- مبينا وجه عدم تكرير الصلاة: «والدليل على ذلك أن هذا حكم يجب فيه بعد موته، فوجب أن لا يتكرر مع بقاء حكم الأصل كالغسل»، وهذا كما ترى رأي في مقابل فعل النبي ﷺ، والأصل فيه الإئتساء، نعم ذكر الباجي ما اعتبره مانعا من الإئتساء به في هذا الأمر، وهو تعليل الصلاة على من صلى عليه بما لا علم لنا به كما قال،
[ ٢ / ٢٦٧ ]
رواية عن الإمام في الصلاة على قبر من صلي عليه
وهو أن القبر مملوء ظلمة، وأن الله تعالى يضيئه على الميت بصلاته عليه، واحتج بأن هذا الذي صلي عليه في قبره لم يسبق أن صلي عليه فانظره في (المنتقى ٢/ ١٤)، وفي كل هذا نظر، وقد روى ابن وهب عن مالك قال: «من فاتته الصلاة على الجنازة فليصل على القبر، إذا كان قريبا: اليوم والليلة، كما صلى النبي ﷺ على قبر المسكينة»، وهو الذي اختاره ابن عبر البر كما في الاستذكار (٣/ ٣٥).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
يصلى على أكثر الجسد
• قوله:
١٠ - «ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل».
المشهور أن صلاة الجنازة إنما تشرع على أكثر الجسد، قال ابن حبيب عن مالك كما في النوادر: «لا يصلى على الرأس وحده، ولا على يد أو رجل، ولا على رأس مع يدين أو رجلين، وأن لا يصلى إلا على البدن، أو أكثره، مجتمعا غير مقطع»، لكن روى ابن القاسم عن مالك في العتبية: «إذا كان جل البدن مجتمعا أو مقطعا صلي عليه وغسل، وإن لم يكن جله فلا، ولكن يدفن ذلك بلا غسل ولا صلاة»، وقد وجه ابن رشد ترك الصلاة على مثل اليد والرجل فقال: إنما منع مالك ذلك لأنها صلاة على غائب، ذكره الشيخ زروق، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه، كان رأسا، أو يدا، أو رجلا، أو عضوا، وينوى بالصلاة عليه الميت».
قلت: يخرج هذا على قول مالك بجواز الصلاة على الغائب كما حكاه عنه ابن القصار، وهو في شرحي زروق وابن ناجي، وقال بهذا أيضا ابن حزم ﵀، وقد جاء في الصلاة على الرجل والعظام والرؤوس آثار عن أبي أيوب وعمر وأبي عبيدة ﵄، وهي موقوفات ضعيفة كما في الإرواء، لكن ينبغي أن تقيد الصلاة على ما ذكر من اليد والرجل بما إذا علمت الموت، أما الصلاة على الغائب فلتكن على مثل من صلى عليه رسول الله ﷺ، وهو النجاشي، بحيث يعلم أنه لم يصل عليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٩ ]