• قوله:
١ - «تثني على الله ﵎، وتصلي على نبيه محمد ﷺ، ثم تقول: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، أنت خلقته، ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم»، تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة: «اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ثم تسلم».
لما كان الطفل ينفرد بأحكام خاصة في تغسيله والدعاء له؛ أفرده بالذكر، وقد ابتدأ بما يقال من الدعاء في الصلاة عليه، والدعاء المذكور هنا تقدم بعضه في الدعاء لغير الطفل، وأذكر هنا معاني ما يحتاج من هذا الدعاء إلى بيان، فمن ذلك قوله «اللهم فاجعله لوالديه
[ ٢ / ٢٧٠ ]
سلفا وذخرا وفرطا وأجرا»، فإنها ألفاظ متقاربة المعنى، المراد منها أن يكون الطفل سببا في حصول الأجر لوالديه، فقوله «سلفا؛ السلف المتقدم، وقد يكون المراد الدعاء بأن يلتحق به والدوه على ما مات عليه وهو الفطرة، فإن كل مولود يولد على الفطرة، وذخرا؛ الذخر ما ينتفع به مما يتخذه المرء ويخبئه ويعده لوقت الحاجة، والمراد الدعاء أن يدخر الله تعالى أجر فقده لوالديه عنده، وفرطا؛ الفرط بفتح الراء الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم الأرسان والدلاء ويمدر الحياض - يطينها - ويستقي لهم، والمقصود الدعاء بأن يكون لهم أجرا يتقدمهم حتى يردوا عليه، كما يتقدم الفرط الواردة، والتعبير بهذه الألفاظ من قبيل التشبيه البليغ، وقوله «وأعظم به أجورهم»؛ يدل الجمع فيه على أن المراد بقوله لوالديه الجمع، فيدخل أجداده وجداته، وليس خصوص الوالدين الأب والأم، أي كثر أجورهم بسبب فقدهم له، فإن موت الابن مع الصبر والاحتساب فيه أجر عظيم.
وقوله: «وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم»؛ يشعر بأنه قد يتعرض لذلك، وقد روى مالك في الموطإ (٥٣٦) عن يحي بن سعيد قال: «سمعت سعيد بن المسيب يقول: صليت خلف أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: «اللهم أعذه من عذاب القبر»، قال الباجي: «يحتمل أن أبا هريرة اعتقده لشيء سمعه من المصطفى ﷺ أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير بعدم التكليف في الدنيا»، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه قال ذلك على العادة في الصلاة على الكبير، أو ظن أنه كبير، أو دعا له على معنى الزيادة كما كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تدعو الله أن يرحمها وتستغفره»، انظر شرح الزرقاني على الموطإ (٢/ ٦٢)، وقال النووي: «أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة»، اللهم أورثنا إياها بفضلك.
واعلم أنه لم يثبت دعاء خاص فيما أعلم يدعى به في الصلاة على الطفل، إلا أنه قد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٣١٨٠) وسيأتي ذكره أنه يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، وقد يناسب أن يدعى في الصلاة عليه بما في الحديث الذي رواه مسلم وأصحاب
[ ٢ / ٢٧١ ]
السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحيته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
• قوله:
٢ - «ولا يصلى على من لم يستهل صارخا، ولا يرث ولا يورث».
استهلال الصبي تصويته عند ولادته، فإذا لم يصرخ الطفل حين ولادته ومات، فلا يعطى حكم الحي، ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع قليلا، وعليه؛ فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يرث من تقدمه بالموت، ولا يورث ما تصدق به عليه، أو وهب له، بل يرد ذلك على واهبه والمتصدق به، لأن الميراث فرع ثبوت الحياة، فإن استهل صارخا؛ فله حكم الحي في جميع أموره، وإن مات من فوره بلا خلاف بينهم، ودليل ذلك أنه لم تستقر فيه الحياة فلا يعطى حكم الحي، ومن الأدلة على اشتراط استهلال السقط في الصلاة عليه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل» رواه الترمذي (١٠٣٢)، وهذا لفظه، ورجح وقفه، وابن ماجة ولفظه: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث»، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٧٥٣) عن رواية الترمذي: «وفيه إسماعيل المكي عن أبي الزبير عنه وهو ضعيف …، وتتبع بقية الروايات بالنقد فانظره، لكنه في صحيح الترمذي للألباني، مع أنه قد ضعفه في أحكام الجنائز، وروى ابن عدي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث»، قال الغماري في مسالك الدلالة بعد أن ذكره: «حسنه الحافظ في إتمام الدراية»، قلت وقال في التلخيص: «قواه ابن طاهر في الذخيرة»، وهذا كالإقرار بالتقوية، وأنت ترى بأن هذا قد قيد بالاستهلال، وقد ورد عن النبي ﷺ من حديث المغيرة بن شعبة قوله: «… السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، رواه أبو داود (٣١٨٠) وهذا لفظه، والنسائي بلفظ الطفل، وابن ماجة (١٥٠٧) مختصرا، وقيل يصلى على السقط إذا بلغ أربعة أشهر، فإذا ثبت الحديث الأول المقيد لمشروعية الصلاة على الطفل بالاستهلال، فكيف بالسقط وهو المولود ميتا، وقد يكون غير مكتمل؟، فالحاصل أنه متى ما صح الحديث القاضي باشتراط الاستهلال كانت قواعد الأصول قاضية بحمل ما ورد في مشروعية الصلاة على
[ ٢ / ٢٧٣ ]
السقط مطلقا على هذا القيد، إذ اشتراط الاستهلال في الطفل مانع من الصلاة على السقط من باب أولى، فلا يصلى على من لم يستهل، بل ينبغي تأويل لفظ السقط، وعلى كل حال فإن تغسيل غير البالغ والصلاة عليه لا يتجاوز الاستحباب، والله أعلم.
وفي المدونة: «قال مالك لا يصلى على الصبي، ولا يرث، ولا يورث، ولا يسمى، ولا يغسل، ولا يحنط؛ حتى يستهل صارخا، وهو بمنزلة من خرج ميتا».
[ ٢ / ٢٧٤ ]
كراهة دفن السقط في الدور
• قوله:
٣ - «ويكره أن يدفن السقط في الدور».
الأصل أن يدفن الناس غير الأنبياء في المقابر، هكذا كان شأن المسلمين، لم يتميز الصالحون منهم وكبراؤهم بأن يدفنوا في دورهم، ولا في أماكن خاصة، ولا في المساجد، وقد كان بإمكان أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن تدفن في بيتها إلى جوار النبي ﷺ، لكنها أمرت أن تدفن مع أزواجه بالبقيع، ومن شؤم ذلك أن يفوت على الموتى الذين يدفنون في أماكن خاصة ترحم زائريهم عليهم والاستغفار لهم، والاعتبار بهم، وأن يتسبب ذلك في منكرات لا تخفى على أحد من شد الرحال إليهم، والطواف بضرائحهم، ونقل تربتهم، واتخاذ قبورهم مساجد، وبطلان الصلاة في الأماكن التي دفنوا فيها، وهو الحق متى كانت القبور في المصلى.
وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ فدفن في بيت زوجه عائشة ﵁، إذ الأنبياء يدفنون حيث قبضوا، فكان ذلك من خصائصه، ودفن معه صاحباه تبعا له، ولو دفن كما يدفن الناس في المقابر لأبرز قبره كما قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ومنع الله بذلك أن يتخذ قبره وثنا، وصرف به فتنة عظيمة عن الناس، وهل تظن أنهم ينركون قبره من غير بناء لو لم يكن في بيت عائشة؟ ثم امتد المسجد ليشمل البيت، وهو من فعل الناس على كل حال؟، لا أرى أن قبره يبقى بغير بناء، وإلا لنبش وأخذ جسده، فإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، ولا يخفى عليك أمر العواطف، وإذا وجد البناء فما يكون الحال؟، يكون مخالفة لدينه الذي قضى أن لا يبنى على القبور، ولحصل من المساوئ والمخالفات حول ذلك البناء ما الله به عليم، وهل يستبعد أن يقتتل المسلمون على قبره، وأن يتجدد ذلك بين الحين والحين، كيف ومعظمهم لا يضبطون عواطفهم بالشرع؟، أو لم تعلم بهذه المظاهرات التي مات فيها تسعة منهم في بلد واحد هو ليبيا بعد الذي نشرته تلك الصحيفة الدانماركية من الرسوم التي رامت بها الإساءة إلى نبيِّنا محمد ﷺ، وهل يضر السماء نباح الكلاب؟، فهاجت عواطف
[ ٢ / ٢٧٥ ]
جماهير المسلمين، وتحرك ما كان مستكنا في الصدور، لكن المسلمين لو فقهوا لعلموا أن خير ما يردون به على ذلك هو التمسك بدينهم، واتياع نبيهم ﷺ، أما غير ذلك فلا نفع فيه، وهو ما يريده الكفار، وها هي ذي صحيفة سويدية قد صنعت ما صنعت الصحيحفة الدانماركية، فما فعل المسلمون شيئا، وإني لأعجب من دولة تونس تمنع النساء من تغطية رؤوسهن، والرجال من إعفاء لحاهم، وتلزم المصلين بمساجد لا يبرحونها إلى غيرها إلا ببطاقة، والمخالفات طويلة، ثم تحتج لدى الدانمارك على تلك الفعلة، والأمر ليس عندنا بالجديد، ففي كتاب ربنا ذكر لما كان يستنقص به المشركون نبينا ﷺ، وهم المفترون الكاذبون، وأرشد الله ﷾ نبيه إلى ما يدفع به ضيق الصدر، وهو الدوام على طاعته، والثبات على دينه، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحِجر: ٩٧ - ٩٩].
ولنعد إلى ما كنا فيه، فذلك خير لنا من البكاء، وذلك أن دفنه ﷺ في بيت عائشة على النحو الذي بينته، فيه من المصالح ودفع المفاسد ما لا يخفى، وقد تقدم ما رواه مالك في الموطإ (٤١٤) مرسلا عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهو في مسند أحمد موصولا صحيحا، لكن القبوريين لا يفتأون يعترضون بوجود قبره ﷺ في بيته وامتداد المسجد ليشمله؛ على خلاف شرعه، ويستدلون بذلك على رد محكمات نصوص حديثه، وهي قاضية بحرمة الدفن في المساجد، واتخاذها قبورا، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون، ولا عجب في هذا، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].
أما السقط: فهو من خرج من بطن أمه قبل تمام خلقه، وعلة كراهة دفنه في الدار إما خوف أن يباع معها، أو خوف أن ينبشه مشتريها، هكذا قالوا، وقد فيل إن دفنه فيها عيب، وهذا صواب، لكراهة النفوس ذلك، وقيل ليس بعيب، وإذا كان هذا حكم دفن السقط فغيره أولى، وقد ورد في الأنبياء أنهم يدفنون حيث يقبضون، فيكون غيرهم بخلافهم.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
تغسيل الأطفال
• قوله:
٤ - «ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين، أو سبع، ولا يغسل الرجال الصبية، واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى، والأول أحب إلينا».
تقدم الكلام على من يشرع له تغسيل الميت من جنسه، ومن غير جنسه، وأن الأجنبي ييمم الرجل المرأة لكوعيها، وتيممه هي للمرفقين، والكلام هنا في تغسيل الرجال الصبية والنساء الصبي، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جواز تغسيل النساء الصبي، فقال: «أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير»، ولا يخفى أن الصبي قد رفع عنه القلم، وقد استثنى الله تعالى من جملة من يجوز للنساء إبداء زينتهن لهم الأطفال، فقال: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، كما استثناهم من الاستئذان في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، وفي كلام المؤلف التردد في السن التي يغسل فيها النساء الصبي بعد الاتفاق على تغسيلهن إياه، أما ابن ست سنين فيستدل لجواز تغسيل النساء إياه بأننا لم نؤمر بأمره بالصلاة، فأشبه من دونه ممن اتفق على تغسيله ممن لا تعتبر عوراتهم، أما ابن سبع سنين فليس كذلك، هذا معنى ما استدل به الغماري في مسالك الدلالة، أما تغسيل الصبية فكلام أهل المذهب فيها يكتنفه الاضطراب، وحاصل ما قالوه أن التي في سن الرضاع ونحوها يغسلها الرجال، فإن بلغت أن تشتهى فلا يغسلونها، وإذا لم تبلغ ذلك كبنت أربع أو خمس، فقد اختلف فيها، فقيل يحرم على الرجل تغسيلها، وهو ما في المدونة كما حكاه النفراوي، ونقله ابن مزين، وقيل يجوز، وهو نقل ابن حبيب، ولا يخفى عنك أن ما استدل به على مشروعية تغسيل النساء الصبي لو صح دليلا لكان شاملا للصبي والصبية بلا فرق، لأننا مأمورون بأمر كل منهما بالصلاة إذا بلغوا سبعا، فيحتاج من
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فرق بينهما إلى دليل، والله أعلم.
وفي النوادر قال مالك وأصحابه: «ولا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين أو سبع، ولا بأس أن يغسل الرجل الصبية الصغيرة إن احتيج إلى ذلك»، وقال ابن حبيب بعد ذكر نحو ما تقدم في الصبي: «…، ولا يغسل الرجل الصبية بنت سبع سنين ونحوها، إلا الصغيرة جدا، قال ذلك مالك وأصحابه»، والمؤلف أشار إلى الاختلاف في تغسيل الرجال الصبية إذا لم تبلغ أن تشتهى، واختار عدم تغسيلهم لها، ومستنده فيه ما في النوادر من قوله، قال عنه ابن مزين: «وإن صغرت جدا»، والله أعلم، وبهذا انتهى الجزء الأول من العجالة في شرح الرسالة، ويليه إن شاء الله الجزء الثاني، وأوله باب في الصيام.
[ ٢ / ٢٧٨ ]