العكوف والاعتكاف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما، والقائم به يدعى عاكفا ومعتكفا ومجاورا، وقد جاء لفظ المجاورة في الحديث الصحيح، أما في الشرع فهو ملازمة طاعة مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، قاله القرطبي، والأقرب أن يقال إن الاعتكاف ملازمة المسجد على وجه نخصوص تعبدا لله تعالى.
ومن حكمة مشروعيته: أن يعتزل المرء الحياة العامة بعض الوقت، ويتفرغ لطاعة الله بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن والتفكر، فإن هذا أساس صلاحه، ومرجع كرامته وفضله، والدنيا كما قال النبي ﷺ: «ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه»، رواه البيهقي عن أبي هريرة، ففيه الاستكثار من الجانب الخالص الخيرية فيها، وترك ما عداه إلا ما هو ضروري له في خير بقاع الأرض، وهي المساجد.
وفي مشروعيته إشارة إلى أن الاعتزال إن كان لا بد منه فليكن فيها، وفيه تعويد للنفس على ترك بعض المباحات فترة يختارها المعتكف، فيسهل عليه ترك ما منع منه في سائر الأوقات كما هو ملحوظ في الصوم، وفيه ترك بعض القربات مؤقتا لمزاحمتها قربات أخرى تنافي معنى الاعتكاف، على اختلاف فيها، ومن الحكمة فيه أن يتعود المسلم على التسليم لما في الشرع، غير واجد في نفسه حرجا، إذ يقال له لا تعد مريضا وأنت معتكف، أو لا تدخل منزلك وأنت كذلك، فيحمله هذا على الدوران مع الشرع كيفما كان، ويبتعد عن تحويل العبادة إلى أمر معتاد يفعله بحكم التعود، ولذلك فإن المعتكف إذا ساوى حاله في اعتكافه حاله قبله فلا معنى لفعله، وقد امتنع النبي ﷺ من المضي فيه، وقد كان يعتاده في رمضان حينما رأى أمهات المؤمنين نصبن أخبيتهن في المسجد، لأنه يكون كالذي في داره، انظر الموطأ (٦٩٧)، (خ/ ٢٠٣٣).
قال ابن العربي في (المسالك ٤/ ٢٥٤): «الاعتكاف ملازمة المسجد بالنية، فالنية تقطع قلبه عن الدنيا وعلاقاتها، والمسجد يمنع بدنه عن الاشتغال بأشغالها، لأن المساجد
[ ٢ / ٣٥٤ ]
بيوت الله، أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، ليس فيها عمل في غيره، فلا يجوز له أن يعمل من الدنيا غير ضرورة الآدمية، وهي الطعام والشراب …، ومنع من الأكل نهارا لأنه أحد أسباب الانقطاع عن الدنيا، ومنع من الخروج عن المسجد إلا لحاجة الإنسان ولتحصيل القوت …».
[ ٢ / ٣٥٥ ]
حكم الاعتكاف
كلام لمالك في صعوبته
• قوله:
١ - «والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف الملازمة»
لما كان الاعتكاف طاعة؛ كان مستحبا، لأن الاستحباب أدنى درجاتها، وهو مشهور المذهب، وإنما يجب على من نذره، أو شرع فيه، فإنه من النوافل التي تجب بالشروع، وقيل إنه سنة، وهذا أقوى؛ لأن النبي ﷺ فعله، وأظهره، وواظب عليه، وقضاه بعد أن تركه لمانع، فاجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة، وقيل مكروه وهذا شنيع، إلا إذا قيد بالمنذور منه ممن يخشى أن لا يفي به، ولعل قائله أخذه من قول مالك، الذي رواه عنه ابن نافع وهو في النوادر والزيادات (٢/ ٨٩) قال: «ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبضه الله سبحانه، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال التي نهى عنه النبي ﷺ، فقيل له: إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئة أحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وليس الاعتكاف بحرام، وأراهم تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء، قال: ولم أر من أدركت ممن اعتكف؛ إلا أبا بكر بن عبد الرحمن»، انتهى، قال كاتبه: أبو بكر هذا هو أحد الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة.
وقد ذكر اعتكافه في موطئه (٦٩٦) (خروج المعتكف للعيد)، قال الحافظ يعلق على قول مالك السابق: «كأنه أراد صفة مخصوصة»، انتهى، يعني كالاعتكاف الذي تطول مدته.
قال ابن العربي في العارضة (٤/ ٢): «،،، هو سنة وليس ببدعة، ولا يقال فيه مباح، فإنه جهل من أصحابنا الذين يقولون في كتبهم الاعتكاف جائز، وإنما حملهم على ذلك لما رأوا النبي ﵇ نهى عن التبتل وندب إلى النكاح؛ ألحقوا به الاعتكاف، وزعموا أنه مستثنى منه، ونحن لاننازعهم في هذا الأصل الذي لم يفهموه، ولكنا نقول إنه لما استثني كان سنة …»، قلت: لعل هذا من اصطلاحهم في إطلاق لفظ الجائز والمرد منه ما يشمل الواجب والمستحب والمكروه، فيكون المراد الاستحباب، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
اشتراط الصوم في الاعتكاف
• قوله:
٢ - «ولا اعتكاف إلا بصيام».
أي لا يصح الاعتكاف إلا من صائم، سواء كان صومه في رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة، أو تطوع، وقد روى أبو داود (٢٤٧٣) عن عائشة قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع»، قال الحافظ في بلوغ المرام: «لا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف آخره»، وحسنه الألباني، وقال في الإرواء (ح/ ٩٦٦) بعد أن ساق هذه الزيادة على ما في الصحيحين عند البيهقي: «وإسناده صحيح»، وقال عن إسناد أبي داود؛ جيد على شرط مسلم.
قلت: لكن اللفظ الزائد عند البيهقي هو: «والسنة فيمن اعتكف أن يصوم»، ولفظ أبي داود: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والأول يحتمل الندب، وهو الأقوى، بخلاف الثاني، فإنه يفيد الشرطية، والظاهر أن أم المؤمنين فهمته من فعل النبي ﷺ، فيحمل على شرط الكمال، فإن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية، ومعلوم أن اعتكافه كان مع الصوم غالبا، لكنه اعتكف في شوال أيضا، فقول صاحب الروضة الندية: «يظهر أنه ليس من بيان السنة المذكورة»؛ فيه نظر، لما تبين لك من الجمع بين روايتي أبي داود والبيهقي، أما ترجيح ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٨٨) شرطية الصوم في الاعتكاف؛ فلاعتماده على قول أم المؤمنين عائشة، وعلى فعل النبي ﷺ، وقد علمت ما فيه.
ويدل على عدم وجوب الصوم مع الاعتكاف؛ ما في الصحيحين من حديث ابن عمر عن أبيه ﵄ أنه قال يا رسول الله: «إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام»، فقال له النبي ﷺ: «أوف بنذرك»، فاعتكف ليلة»، متفق عليه (خ/ ٢٠٤٢).
فإن قيل: أمره أن يفي بما نذر، ولم يكن قد نذر الصوم؛ فالجواب: أنه لا يأمر بالوفاء
[ ٢ / ٣٥٧ ]
حالة الاعتكاف الكاملة
على الوجه غير المشروع، وعن ابن عباس مرفوعا: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، رواه الدار قطني، ورجح الحافظ وقفه.
ومما اعتمد عليه في القول بلزوم الصوم؛ ما رواه مالك في الموطأ (٦٩٥) قال: «بلغه أن القاسم بن محمد ونافعا مولى عبد الله بن عمر قالا: «لا اعتكاف إلا بصيام، لقول الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام، وعلى ذلك الأمر عندنا أنه لا اعتكاف إلا بصيام»، انتهى، واحتج ابن العربي في العارضة على لزوم الصوم بقول النبي ﷺ لعمر: «اعتكف وصم»، ولو صح؛ لاتجه القول بوجوبه، بيد أنه صرح في كتابه المسالك في شرح موطإ مالك مع بعض التصرف (٤/ ٢٥٤) بقوله: «ليس لأحد من علمائنا على وجوب الصوم في الاعتكاف دليل به احتفال، وأكثر ما عول عليه مالك فيه؛ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فخاطب بذلك الصائمين، وهذا لا حجة فيه، لأنه خطاب خرج عن حال، فلا يلزم أن يكون شرطا في جميع الأحوال»، انتهى.
تأمل كيف أن الشرع اختار للاعتكاف خير البقاع لزوما، وخير الشهور وهو رمضان اختيارا، وخير الحالات وهو الصيام استحبابا، فيتعاضد الحال والزمان والمكان على سمو نفس الإنسان، ونزوعه نحو الكمال، فلا خلاف في أفضلية الاعتكاف مع الصيام، وقد رأيت كيف أن الله تعالى ذكره في أعقابه مرتبطا به، ويذكره الفقهاء متصلا به في تصانيفهم اقتداء بكتاب ربهم، وبسنة نبيهم الذي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
تتابع أيام الاعتكاف
• قوله:
٣ - «ولا يكون إلا متتابعا».
كون الاعتكاف لا يكون إلا متتابعا هو صريح قول مالك في المدونة، ومعناه أنه لا يجوز أن يقطع بغير ما يجوز من حاجة الإنسان كما سيأتي، فإن كان منذروا؛ فالناذر على ما نذر من المدة كيفما كانت، وإن ابتدأ الاعتكاف من غير نذر؛ كان مطالبا بإكمال أقل مدته، وهي يوم وليلة على المذهب، لكونه يجب بالشروع، فإن قطعه بغير ما يشرع له؛ بطل.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
لا اعتكاف إلا في المساجد
• قوله:
٤ - «ولا يكون إلا في المساجد، كما قال الله سبحانه: «وأنتم عاكفون في المساجد»، فإن كان بلد فيه الجمعة؛ فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة».
أخذ هذا من ربط الاعتكاف بالمساجد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المساجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد؛ أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها»، انتهى، قاله الحافظ وغيره، والنبي ﷺ لم يؤثر عنه الاعتكاف إلا في مسجده، ولأن البقاع من غير المساجد متساوية في الفضل، والمساجد خير بقاع الأرض، وهي كذلك متساوية عدا المساجد الثلاثة، قال الحافظ: «واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فأجازه في كل مكان»، انتهى.
والرجال والنساء سواء في موضع الاعتكاف عند الجمهور، وقال الحنفية تعتكف المرأة في مصلاها، لأن بيتها خير لها في صلاتها من المسجد، كما في الحديث وهذا حق، ولقوله ﷺ: «خير مساجد النساء بيوتهن …»، لكن الظاهر خلاف ذلك، وإلا لاعتكفت أمهات المؤمنين في بيوتهن، فالمرأة يجوز لها الاعتكاف في المسجد إذا أذن لها زوجها وأمنت الفتنة، وقل أن تؤمن في هذا العصر، وقد روى مالك (٦٩٧) والبخاري (٢٠٣٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أراد رسول الله ﷺ أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه؛ وجد أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فلما رآها سأل عنها، فقال: «آلبر تقولون بهن»؟، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال»، وقوله آلبر تقولون بهن، أي هل تظنون أن الحامل على هذا هو البر؟، وقيل لا اعتكاف إلا في
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الاعتكاف في غير مسجد الجمعة
مسجد نبي، ونصره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، مستندا إلى حديث حذيفة أنه قال لابن مسعود: «لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال في مسجد جماعة»، رواه سعيد بن منصور في سننه.
والصواب: ما عليه الجمهور من صحته في كل المساجد للعموم الذي في الآية، وقد جاءت في أعقاب ذكر الصيام، والمسلمون جميعا مخاطبون بالصيام، فيكون الاعتكاف وهو قرين الصوم في الذكر؛ مثله في الإمكان، ولا يمكنهم جميعا أن يعتكفوا في المساجد الثلاثة، مع ما في حديث حذيفة المذكور من الاختلاف، للتردد الذي في متنه وغيره، وقد كتب في المسألة الأخ الدكتوركمال قالمي بحثا جيدا نشر في مجلة الإصلاح العدد الرابع سنة (١٤٢٨) يتبين قارئه قوة مذهب الجمهور ورجحانه، فجزاه الله خيرا، وجزى القائمين على المجلة والكاتبين فيها على خدمتهم للسنة والعلم.
والمذهب أن الاعتكاف يصح في مسجد الجمعة، وغير الجمعة، لكن إن كان الاعتكاف في بلد تلزم الجمعةُ فيه المكلفَ، وتأتي عليه في أيام اعتكافه؛ تعين عليه أن يعتكف في مسجد الجمعة، ليتمكن من أدائها مع استمرار اعتكافه، وإلا وجب عليه الخروج لها، ويبطل اعتكافه على المشهور، والظاهر عدم البطلان كما ذكره القرطبي في تفسيره معتبرا إياه ضمن حاجة الإنسان المنصوص عليها، وهو رواية ابن الجهم عن مالك، وقال به ابن العربي.
[ ٢ / ٣٦١ ]
استحباب الاعتكاف عشرة أيام
• قوله:
٥ - «وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف؛ عشرة أيام».
ظاهر كلامه واضح، فهذا العدد أفضل مما دونه، لا أنه شرط في صحته عند مالك كما ظنه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٥)، أما ما نقله ابن القاسم عنه في المدونة - كما في الاستذكار - من إنكاره ما دون العشرة؛ فإنه يحمل على أنه يريد الأكمل، لأنه الثابت عن النبي ﷺ، إذ «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، رواه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، «وكان إذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين» رواه أحمد عن أنس. أما أقلّه في المذهب فيوم وليلة، وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله:
[ ٢ / ٣٦٢ ]
أقل الاعتكاف يوم وليلة
• قوله:
٦ - «ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة؛ لزمه يوم وليلة».
ظاهر كلامه أن من نذر يوما؛ لزمه دون ليلته، ووجهه أنه الذي تناوله نذره، مع أنه زمان للصوم الذي هو شرط في صحة الاعتكاف على المذهب، لكن الذي في المدونة (١/ ٢٠٢) خلاف هذا، قال فيها: «أرأيت الرجل إذا قال لله علي أن أعتكف يوما، أيكون ذلك يوما دون ليلته؟، فقال: لا، وذلك أن مالكا قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة»، قال سحنون: «وقاله عبد الله بن عمر، وذكره ابن نافع»، انتهى.
أما من نذر ليلة؛ فيلزمه اعتكاف اليوم الذي يأتي بعدها، ووجهه أن ذلك أقله عندهم، مع شرطية الصوم فيه.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: «وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه؛ فضعيف، فإن العبادة لا تكون مقدرة بشرطها، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة، وتبقى الطهارة،،،»، انتهى.
قلت: هذا لو ثبت أن الاعتكاف مشروط بالصيام، وذهب سحنون إلى أن من نذر اعتكاف ليلة؛ فهو لغو، لفقد شرط الصيام، ويرده اعتكاف عمر ليلة قضاء لما نذر في الجاهلية وقد تقدم، وقال الشافعي ﵀ بعدم تحديد المدة، فيصح اعتكاف ساعة، واختاره ابن العربي إذ لا دليل يمنع، وفعل النبي ﷺ على الاستحباب، قال: «وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجدا بمدينة السلام لإقامة ساعة؛ يقول لنا: «انووا الاعتكاف تربحوه»!، انتهى.
وقد روى عبد الرزاق (٨٠٠٦) عن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف»، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٩٧٤٠) عن ابن جريج عن يعلى بن أمية أنه كان يقول لصاحبه: «انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة»، وهذا هو
[ ٢ / ٣٦٣ ]
المتيسر اليوم لعامة الناس إن أرادوا ذلك ونووا، واحتسبوا الخير، والتزموا أدب المسجد، وراعوا حرمته، فلا تفرطوا في هذه العبادة الجليلة التي يسرها الله لكم، اذهبوا إلى المسجد متطهرين، وادخلوه ذاكرين، واخرجوا منه ذاكرين مشفقين، تكتب لكم الآثار، وتحط عنكم الأوزار، وصلوا تحيته، واجلسوا حيث انتهى بكم المجلس مستقبلي القبلة، تنتظرون الصلاة، فتكونون في صلاة، ولا ريب أن منزلة من كان في صلاة أعظم من منزلة من اعتكف، لكن من منا يحقق شروط هذه المنزلة المتيسرة؟.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
بطلان اعتكاف متعمد الفطر
• قوله:
٧ - «ومن أفطر فيه متعمدا؛ فليبتدئ اعتكافه».
هذا كما قال باعتبار شرطية الصيام في الاعتكاف، فإن عدم الشرط يلزم منه عدم المشروط، وقيد العمد يخرج الناسي، فإنه لا يبطل اعتكافه، وإن لزمه قضاء الصوم لكونه واجبا، وقد تقدم أن الدليل قد قام على عدم بطلان الصوم بالأكل والشرب حالة النسيان، والله المستعان.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
بطلان الاعتكاف بالجماع مطلقا
• قوله:
٨ - «وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا، ناسيا أو متعمدا».
لما كانت المباشرة منهيا عنها حال الاعتكاف؛ فإن من تعمدها يبطل اعتكافه، جماعا كان ذلك أو قبلة، أولمسا بشهوة، لا فرق بين الناسي والعامد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، فيحمل على ما كان بشهوة كما بينه الشوكاني في تفسيره فتح القدير، وفي المذهب خلاف في تقييد المنع بالشهوة، وقد قام الدليل على أن لمس المرأة للحاجة من غير لذة لا شيء فيه، وقد غسلت عائشة -رضي الله تعالى عنها- رأس النبي ﷺ ورَجَّلَتْهُ وهو معتكف، وهو قدوة لأمته، والترجيل المشط والدهن، ويلحق به ما كان مثله من التطيب والتزين والاغتسال.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
بناء المريض والحائض في الاعتكاف
• قوله:
٩ - «وإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح؛ بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة، وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض، فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار؛ رجعا ساعتئذ إلى المسجد».
المريض يباح له الفطر، والحائض يحرم عليها الصيام، فإذا مرض المعتكف، فاحتاج إلى الفطر، أو إلى الخروج لسبب آخر شرع له أن يقطع اعتكافه مدة مرضه، فإذا برئ من المرض؛ عاد إلى معتكفه ساعة برئه من غير تأخير، أما المرأة إذا حاضت؛ فإنه يلزمها ترك الاعتكاف؛ لأن الصوم لا يصح منها في تلك الحال، ولأنها ممنوعة من المكث في المسجد، فإذا طهرت؛ عادت إلى اعتكافها من غير تأخير بعد التطهر، لكن حرمة الاعتكاف باقية على المريض وعلى الحائض زمان مبارحتهما للمسجد، فيمنع عليهما المباشرة ونحوها، وإنما جاز لهما الخروج من المسجد للضرورة، وهي تقدر بقدرها، وإذا عادا إلى المسجد؛ فلا يبنيان إلا على يوم صحيح، فإن رجعا ليلا، أو مع طلوع الفجر؛ حسَبا ذلك اليوم لارتباط الاعتكاف بالصوم، فإن عادا نهارا؛ فلا يعتدان بذلك اليوم، لكون الصوم شرطا في الاعتكاف، وقد علمت ما هو الحق في دعوى الشرطية.
قال في الموطإ (٦٩٧) عن المرأة تحيض: «إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها؛ إنها ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت؛ رجعت إلى المسجد، أية ساعة طهرت، ثم تبني على ما مضى من اعتكافها»، وقال عن المعتكف يمرض: «يقضي ما وجب عليه من عكوف إن صح في رمضان أو غيره، واحتج بقضاء النبي ﷺ الاعتكاف في شوال، وهو مبني على لزوم النفل بالشروع.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
لا يخرج المعتكف إلا لحاجة الإنسان
• قوله:
١٠ - «ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان».
هذا بعض ما جاء في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليُدخل عَلَيَّ رأسَه وهو في المسجد فَأُرَجِّلُهُ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا»، رواه مالك (٦٩٢) والشيخان، (خ/ ٢٠٢٩)، وهذا لأن خروجه لغير ذلك يناقض اعتكافه، ولو كان مأذونا له في الخروج كيفما كان؛ ما سمي معتكفا، وحاجة الإنسان كناية عن البول والغائط، وما لا بد له منه إذا لم يكن معه كالأكل والشرب، ومن ذلك الوضوء والاغتسال، وإذا كان المعتكف لا يدخل بيته؛ فأولى أن لا يدخل بيت غيره، أو يذهب إلى موضع آخر من غير ضرورة، وفي الحديث المتقدم دليل على أن خروج بعض الجسم من المسجد؛ ليس خروجا للجسم، فلا يقع به حنث ممن حلف لا يخرج، وفيه عدم تجاوز القدر الذي يحتاج إليه في المخالفة، فعائشة لم تدخل المسجد؛ لأنها حائض، ولم يخرج النبي ﷺ إلى داره للامتشاط؛ لتمكنه من ذلك من غير خروج، ولو كان الخروج سائغا؛ لما تكلف إخراج رأسه وحده، وقد أمره ربه أن يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦].
قال في شرح عمدة الأحكام عن قول عائشة: «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان: «كناية عما يضطر إليه من الحدث، ولا شك أن الخروج له غير مبطل للاعتكاف، لأن الضرورة داعية إليه، والمسجد مانع منه، وكل ما ذكره الفقهاء أنه لا يخرج إليه، أو اختلفوا في جواز الخروج إليه؛ فهذا الحديث يدل على عدم الخروج إليه لعمومه، فإذا ضم إلى ذلك قرينة الحاجة إلى الخروج للكثير منه، أو قيام الداعي الشرعي في بعضه، كعيادة المريض، وصلاة الجنازة وشبهه؛ قويت الدلالة على المنع»، انتهى، يريد ﵀ أنه لو كان الخروج لمثل ما ذكر سائغا؛ لكان كثيرا، فيتنافى مع الاعتكاف، فهذا مما يقوي دلالة
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الحديث الفعلي المذكور على أن الترك لذلك على الإلزام.
وينبغي لمن رغب في الاعتكاف أن يوكل من يكفيه ذلك، وقد نص بعض أهل المذهب على كراهة اعتكاف غير المكفي، لكونه يعرض نفسه إلى عدم تفرغه لما نذر نفسه له فيبطله.
وفي النوادر (٢/ ٩٢) قال ابن نافع قيل: فإن كان ليس له من يأتيه بطعامه، أيذهب ليأتي به؟، فقال: «ولم يعتكف؟، لو أن الناس لم يتكلفوا إلا ما يطيقون»!!، ثم قال: «إن كان قريبا» قيل: «فيشتريه من على باب المسجد؟، قال: «نعم ما قرب أحب إلي».
وقالت صفية -رضي الله تعالى عنها-: «كان النبي معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا».
وقد جاء في صحيح البخاري (٢٠٣٥): «،،، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة؛ مر رجلان،،، الحديث، وقولها ليقلبني؛ أي ليرجعني إلى بيتي، وفي الحديث جواز زيارة المرأة زوجها في معتكفه، وتحدثها إليه، وتشييعه إياها، لكن ينبغي استحضار شدة قرب بيوت نسائه ﷺ من المسجد، وفيه توقي مواقع الاشتباه، ولو من سيد ولد آدم ﷺ.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
دخول مريد الاعتكاف المسجد قبل غروب الشمس
• قوله:
١١ - «وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه».
لما كان أقل الاعتكاف يوما وليلة في مشهور المذهب؛ كان دخول المعتكف قبل غروب الشمس أو معها واجبا، فإذا لم يفعل؛ فلا يعتد بذلك اليوم وهو قول سحنون، وقيل هو مستحب بناء أن أقل الاعتكاف يوم، وهو قول البغدايين من المالكية، كما صرح به القاضي عبد الوهاب في كتابيه المعونة والتلقين، وجرى عليه خليل في مختصره فقال: «ودخوله قبل الغروب، وصح إن دخل قبل الفجر»، انتهى، لكن أباه الشارح الدردير فقال إن الراجح الوجوب، وفي الموطإ: «يدخل المعتكف المكان الذي يريد أن يعتكف فيه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها حتى يستقبل باعتكافه أول الليلة …».
وفي المسألة أحاديث ظاهرها التعارض، أولها حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، رواه البخاري (٢٠٢٦) ومسلم، وجاء من رواية ابن عمر أيضا، والمراد بالعشر؛ الليالي، فدل على أنه كان يبتدئ اعتكافه من ليلة الواحد والعشرين، وصح أنه كان يعتكف في رمضان عشرة أيام، وهو في البخاري (٢٠٤٤) عن أبي هريرة، فلما جاء في حديث عائشة عند الشيخين (خ/ ٢٠٣٣) أنه ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه»، وهذا لفظ الترمذي (٧٩١)، وظاهره يدل على أنه لم يعتكف إلا تسع ليال؛ حملوا قولها «ثم دخل معتكفه»؛ على أنه وقت الاختلاء بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه، لا وقت بداية اعتكافه.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
لا يعود المعتكف مريضا ولا يصلي على جنازة ولا يخرج لتجارة
• قوله:
١٢ - «ولا يعود مريضا، ولا يصلي على جنازة، ولا يخرج لتجارة».
هذا قد عرف من قول أم المؤمنين عائشة عن النبي ﷺ: «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»، وقد تقدم، وفي الموطإ (٦١٣) من رواية عمرة بنت عبد الرحمن قالت: إن عائشة كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض، إلا وهي تمشي لا تقف»، وقال مالك: «لا يأتي المعتكف حاجته، ولا يخرج لها، ولا يعين أحدا، إلا أن يخرج لحاجة الإنسان، ولو كان خارجا لحاجة أحد؛ لكان أحق ما يخرج إليه؛ عيادة المريض، والصلاة على الجنائز واتباعها».
وقد كره أهل المذهب أن يصلي المعتكف على الجنازة ولو اتصلت صفوفها به وهو في المسجد، أما خارجه فلا يصلي عليها إلا إذا تعينت عليه.
فإن قيل: كيف لا يفعل ما هو قربة داخل المسجد وهو غير مناف للاعتكاف؟، فالجواب: أن لأهل المذهب في هذا الأمر اتجاهين؛ أولهما: أن للمعتكف أن يفعل المبار كلها في المسجد، «من قراءة القرآن، والعلم، والتدريس، وكتب الدين، فإنها من أفضل القرب وأجل الرغائب»، وعلى هذا ابن نافع، وأيده ابن العربي، والثاني: أنه لا يفعل ما عدا الصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحو ذلك مما الشأن فيه أن يفعل في المسجد، حتى الاشتغال بالتعليم لا يسوغ، إلا أن يكون تعليما للقرآن الكريم.
قال في المدونة: «كره مالك أن يكتب المعتكف العلم في المسجد، وقال عنه ابن وهب: «إلا أن يكون الشيءَ اليسير، والترك أحب إلي، والتجرد للعبادة»، أما قوله «ولا يخرج للتجارة»؛ فهو من باب أولى، لأنه إذا لم يخرج للقربة، فأولى أن لا يخرج للمباحات غير اللازمة.
[ ٢ / ٣٧١ ]
لا اشتراط في الاعتكاف
• قوله:
١٣ - «ولا شرط في الاعتكاف».
من العبادات ما لا ينفع فيه الاشتراط باتفاق كالصوم والصلاة، ومنها ما اختلف فيه كالحج والعمرة، وقد جاء النص في الحج، فيكون القول به في الاعتكاف مقايسة، ومعنى كلامه أنه لا ينفع المعتكف أن يشترط في اعتكافه فيما كان مخالفا لأحكامه، كأن يقول أعتكف يومين، فإن بدا لي خرجت، أو إن حصل لي كذا خرجت، أو أعتكف الليالي دون الأيام، أو العكس، أو يقول إذا حصل لي ما يوجب القضاء؛ لا أقضي، كالحيض والمرض، قال مالك في الموطإ: «لم أسمع أحدا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطا، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك من الأعمال»، انتهى، وذكر مالك ﵀ الحج في التنظير لعدم مشروعية الاشتراط في الاعتكاف؛ يدل على عدم قوله في الحج بنفع الاشتراط، وقد ثبت فيه الحديث فيؤخذ به، وهو حديث ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أأشترط؟ قال «نعم» قالت: فكيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني»، رواه أبو داود.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
المعتكف يؤم الناس في المسجد
• قوله:
١٤ - «ولا بأس أن يكون إمام المسجد».
تقدم اختلاف أهل المذهب في المعتكف: هل له أن يفعل جميع أعمال البر المختصة بالآخرة إذا كان ذلك في المسجد، أم لا يفعل إلا ما شأنه أن يفعل في المسجد، لكن لا يصح اعتماد من قال لا يؤم المعتكف على القول الثاني، لأن الإمامة قد جمعت الوصفين، وهي كونها من أعمال المسجد، ومن القربات، فكان ينبغي على كل من القولين أن تكون مشروعة، ومن العجب أن ينص خليل ﵀ في مختصره على كراهة أن يكون المعتكف إمام مسجد.
ولعل المؤلف أراد أن يرد هذا القول فعبر بلا بأس، وأخذ بعضهم من كلامه أن ترك ذلك أحسن، وقد حكي ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما لا في الفرض ولا في النفل!!، ذكره علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، ولعل الدافع لمن قال بذلك أن الإمام يغشاه الناس للحديث معه وسؤاله وغير ذلك، فيشغله عما جرد نفسه له، فأرادوا أن يسدوا الذريعة إليه، ومع هذا فالحق أن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف.
قال الشيخ علي الصعيدي: «… أو يستحب أن يكون راتبا في المسجد وهو المعتمد»، قال أبو الحسن معقبا على قول المؤلف السابق: «وانظر هذا مع ما صح أن النبي ﷺ كان يعتكف وهو الإمام».
[ ٢ / ٣٧٣ ]
يجوز للمعتكف أن يتزوج أو يعقد النكاح لغيره
• قوله:
١٥ - «وله أن يتزوج أو يعقد نكاح غيره».
المقصود أن له أن يعقد النكاح لنفسه، أو يفوض من يعقد له النكاح حال اعتكافه، كما أن له أن يعقد نكاح غيره من الرجال أو من النساء، على أن يكون ذلك في المسجد وبما خف من الكلام، ودليل ذلك استصحاب الأصل، لعدم ورود ما يدل على المنع، ولا يصح قياس المعتكف على المحرم بحج أو عمرة، إذ من المعلوم أن المعتكف يجوز له التطيب والتزين وسائر ما يجوز للحلال إلا ما استثني، فإن كل ذلك لا يتنافى من الاعتكاف، وهو ينافي الإحرام فافترقا.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
من اعتكف أول الشهر خرج بعد غروب الشمس من آخره
من اعتكف بما يتصل بليلة الفطر بات تلك الليلة في معتكفه
• قوله:
١٦ - «ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه؛ خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره، وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر؛ فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى».
لما بيّن وقت دخول المعتكف؛ ذكر هنا وقت خروجه، والحكم فيه مختلف بين من اعتكف شهر رمضان أو بعضه من آخره، وبين غيره، فمن كان اعتكافه في غير شهر رمضان؛ فله أن لا يبيت في المسجد الليلة الأخيرة من اعتكافه، ويخرج بعد غروب الشمس، لأن الليلة لليوم الموالي، وليس هو مما يريد اعتكافه.
ورأى اللخمي -رحمه الله تعالى- أن يبيت الليلة الأخيرة في المسجد معتمدا على حديث أبي سعيد الخدري - من رواية مالك - قال: «كان رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من اعتكافه؛ قال: «من اعتكف؛ فليعتكف العشر الأواخر،،، الحديث، رواه مالك (٦٩٩)، والبخاري (٢٠٢٧)، ولا حجة في ذلك كما يعلم بالرجوع إلى شرحي الزرقاني، والحافظ في الفتح.
أما من كان اعتكافه في رمضان متصلا بآخره؛ فيستحب له على المذهب المبيت ليلة العيد في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، قالوا: ليصل عبادة بعبادة، يعنون الاعتكاف والصيام بصلاة العيد، وهي رواية ابن وهب عن مالك كما في النوادر قال: «يدخل المعتكف العشر الأواخر معتكفه إذا غربت الشمس من ليلة أحد وعشرين، ويصلي المغرب فيه ويقيم، ويخرج من المسجد إلى المصلى، يؤتى إليه بثيابه»، انتهى، وقال مالك في الموطإ: «بلغني عن بعض أهل الفضل الذين مضوا أنهم لا يرجعون حتى يشهدوا العيد مع الناس»، ونقله أيضا من فعل أبي بكر ابن عبد الرحمن، الذي لم ير غيره يعتكف، وقال
[ ٢ / ٣٧٥ ]
القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة مستدلا للاستحباب: «لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل»، انتهى.
ولا أدري مأخذ هذا الاستحباب، فلعله أخذه من حديث أبي سعيد برواية مالك، لكن ليس فيه ذكر ليلة العيد، وروى ابن القاسم أنه يخرج ليلة العيد، وقال القرطبي في التفسير: «استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه قال أحمد،،، إلى أن قال: وقال سحنون: إن ذلك على الوجوب، فإن خرج ليلة الفطر؛ بطل اعتكافه، وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف؛ لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر»، انتهى، والله أعلم وأحكم.
[ ٢ / ٣٧٦ ]