• قوله:
٠١ - «وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة».
هذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، ولا حاجة إلى الاستدلال له، وسيأتي تفصيل ذلك من سنة النبي ﷺ عند الكلام على زكاة هذه الأنواع، وليس في غير الأجناس الثلاثة زكاة عند الجمهور، وقال الحنفية بزكاة الخيل، وقد أفرد المؤلف زكاة الماشية بالذكر لأنها أوغل في التعبد، إذ لا يطرد فيها ضابط من حيث النصاب إجمالا، ولا من حيث القدر المخرج كما في زكاة العين والحرث والركاز والمعدن، فهي دالة دلالة قوية على أن في الزكاة جانب الواساة، وجانب التعبد.
واعلم أن مذهب مالك عدم التفريق في وجوب زكاة الماشية بين السائمة والمعلوفة والعاملة، وعمدتهم في ذلك قول النبي ﷺ: «في كل أربعين شاة؛ شاة».
فإن قيل: ألا يحمل هذا المطلق على المقيد في قوله: «في سائمة الغنم الزكاة»؟؛ فالجواب: أنهم رأوا تقديم المنطوق في الأول على المفهوم في الثاني، أو لأن الوصف خرج على الغالب في الماشية وهو السوم، ولا عبرة بهذا المفهوم عند الجمهور، ولأن الغنم سائمة بطبعها وخلقها، واعتبروه كذلك من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس من قبيل التقييد، وهذا نظير ما تقدم في باب الطهارة من التنصيص على تربة الأرض في بعض الروايات، مع ما ورد من ذكر جنس الأرض، ومع كل هذا، فالظاهر اعتبار قيد السوم في وجوب الزكاة.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
زكاة الإبل من الغنم ومن الإبل
• قوله:
٠٢ - «ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل، ففيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد، من ضأن أو معز، إلى تسع، ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر، ثم في خمسة عشر ثلاث شياه، إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين؛ فأربع شياه، إلى أربع وعشرين».
الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهو مؤنث لا واحد له من لفظه، ودليل نصاب الإبل الذي هو خمس جمال؛ قول رسول الله ﷺ: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، رواه مالك (٥٧٧) والشيخان (خ/ ١٤٤٧) وغيرهم عن أبي سعيد الخدري، وفرائض زكاة الإبل إحدى عشرة فريضة، منها ما يكون فيه المُخْرَج من غير جنس الإبل، وهو أربعة، وسبع فرائض من جنسها، واحدة أو أكثر.
أما الأول، فإنه لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغتها فالواجب شاة واحدة أوفت سنة ودخلت في الثانية، لا فرق بين الذكر والأنثى، وقال ابن القصار لا يكفي غير الأنثى، وتكون من غالب غنم البلد، ضأنا كانت أو معزا، بقطع النظر عن غالب ما عند المالك، وهذا لأن ما وجب في الذمة ولم يحدده الشرع؛ اعتبر فيه عرف البلد، والأصول تقضي أن يخرج المزكي مما عنده، ثم وجدت ابن العربي رجحه في العارضة (٣/ ١١٣)، ودليله ما في كتاب أبي بكر ﵁: «فيما دون خمس وعشرين من الإبل ففي كل خمس ذود شاة …، ولعل إيجاب الشرع إخراج زكاة الإبل من غير جنسها إنما كان للجمع بين أمرين: الأول الرفق بالمزكين، ولهذا كان الصحيح أن رب المال إذا أعطى بعيرا بدلا عن الشاة أجزأه، لأن فيه مواساة من جنس المال بأكثر من المطلوب، وأباه ابن العربي، والثاني أن
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الشارع خص الإبل بإيجاب الزكاة فيها ابتداء من هذه الأعداد القليلة بخلاف الغنم والبقر؛ لأنها معظم أموال العرب، حتى كانت هي أصل إطلاق الأموال، فكانت المنة بها
أعظم، فينبغي أن يكون الشكر عليها أكبر، وقد ذكر الله سبحانه خلقها في موضع الاعتبار
مع السماء والأرض والجبال، وابتدأ بها فقال عز من قائل: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧].
[ ٢ / ٤٣٧ ]
• قوله:
٠٣ - «ثم في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها؛ فابن لبون ذكر، إلى خمس وثلاثين، ثم في ست وثلاثين بنت لبون، وهي بنت ثلاث سنين، إلى خمس وأربعين، ثم في ست وأربعين حقة، وهي التي يصلح على ظهرها الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين، إلى ستين، ثم في إحدى وستين جذعة، وهي بنت خمس سنين، إلى خمس وسبعين، ثم في ست وسبعين بنتا لبون، إلى تسعين، ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك؛ ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
هذا هو القسم الثاني مما يخرج من الإبل، وأنت تلاحظ أن الشرع أوجب في جميع فرائض الإبل إخراج الإناث، وأوجب في فريضة البقر الثانية مسنّة ولا بد، ولذلك كان الظاهر أنه وإن نص على التبيع في فريضة البقر الأولى أن التبيعة تجزئ، وهذا يدل والله أعلم على أن من مقاصد الشرع في زكاة الأنعام بعد سد حاجة الفقير؛ تنمية هذه الثروة، وإعطاء الأنثى أدعى إلى تحقيق هذا المقصد مما لو أعطي الذكر، بخلاف الهدايا والضحايا والعقيقة؛ فالقصد فيها إلى اللحم، فكان الأفضل فيها طيبه فقدم الذكر، واستبقيت الأنثى، ولهذا المعنى جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قول النبي ﷺ لأبي الهيثم بن التيهان: «إياك والحلوب»، لأن استبقاءها مفيد في تكثير الغنم والاستفادة من الدر.
والمقصود أنه متى بلغت الإبل خمسا وعشرين؛ صار ما يخرج في الزكاة من جنسها، ودليله ما في حديث أبي سعيد المتقدم، والعمدة في تفصيل تلك الفرائض حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب لهم: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٣٨ ]
جدول بفرائض زكاة الإبل
على المسلمين، التي أمر الله ﷿ بها نبيه ﷺ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها؛ فليعطها، ومن سئل فوقها؛ فلا يعطه،،،، الحديث، رواه أحمد وأبو داود (١٥٦٧) وغيرهما، وهو في صحيح البخاري، لكنه فرقه على عدة أبواب، وفيه ذكر زكاة الإبل على النحو الذي ذكره المصنف إلى عشرين ومائة، ثم قال: «فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة».
وقد فضل مالك ﵀ أن يعتمد على كتاب عمر ﵁ وهو أحد كتب أربعة في زكاة الماشية، أوردها الزيلعي ﵀ في نصب الراية، وإنما فضله؛ لطول مدة خلافته، واتساع رقعة دولة الإسلام في عهده، وانتشار العمل على وفقه، هكذا قالوا، وقد يكون السبب أن مالكا لم يطلع على ما في كتاب أبي بكر، يدل عليه عدم قوله بالتراد بين الجابي والمزكي في حالة عدم وجود السن المطلوب في الإبل، وكتاب عمر في الموطإ (٥٩٩) عن مالك أنه قال: قرأت كتاب عمر في الصدقة، قال فوجدت فيه بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصدقة، في أربع وعشرين من الإبل فدونها؛ الغنم في كل خمس شاة،،، الخ، وقد رواه أبو داود (١٥٧٠) أيضا، ومن الفروق بينه وبين كتاب أبي بكر؛ أنه مختصر، ولم يذكر فيه حكم من لم يكن عنده ما فرض عليه من الأسنان، وكان عنده ما هو أدنى منها، أو أعلى، ولذلك لم يقل مالك به، ومثاله أن من وجب عليه إعطاء بنت لبون، فلم تكن عنده؛ فإنه يعطي للمصدق بنت مخاض معها شاتان إن استيسرتا، أو عشرين درهما، ومن لم تكن عنده حقة؛ أعطى المصدق جذعة، وعوضه المصدق الفرق شاتين، أو عشرين درهما، ونزع به من قال بجواز إعطاء القيمة في الزكاة، ولم يسلم له هذا الانتزاع، وقد قطع النبي ﷺ النزاع بين الجابي والمصدق ببيان البدل عند عدم وجود السن المطلوب، فالشاتان بدل أصلي عن الفارق بين السن الواجبة والسن المعطاة، والعشرون درهما بدل من الشاتين، ويؤخذ منه أن المزكي لا يكلف إعطاء ما ليس عنده، وهذا هو الأصل فيما يطالب به المكلف من الأموال، أما أنه يكلف شراء شيء ليعطيه إلى من لا يستعمله، بل يبيعه ليحصل على قيمته، فهذا لا تأتي به الشريعة، وهذا جدول بينت فيه فرائض صدقة الإبل وما يجب إخراجه من أسنانها:
[ ٢ / ٤٣٩ ]
- (٢٥) = بنت مخاض، دخلت في السنة الثانية، فإن لم تكن؛ فابن لبون
- (٣٦) = بنت لبون، وهي التي دخلت في الثالثة.
- (٤٦) = حقة، وهي التي دخلت في الرابعة.
- (٦١) = جذعة، وهي التي دخلت في الخامسة.
- (٧٦) = بنتا لبون.
- (٩١) = حقتان.
- (١٢١) = ثلاث بنات لبون، أو حقتان، الخيار للساعي.
- (١٣٠) = حقة وبنتا لبون.
- ما زاد على (١٣٠)؛ ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة
وهذه الفرائض متفق عليها وعلى ما يجب إخراجه منها، لكن حصل الخلاف فيما زاد على العشرين ومائة، وهو (١٢١)، فذهب مالك إلى أن الساعي يخير بين ثلاث بنات لبون وحقتين، وجاء في كتاب عمر عند أبي داود أن الواجب أخذ ثلاث بنات لبون عن (١٢١)، وبنتي لبون وحقة عن (١٣٠)، وحقتين وبنت لبون عن (١٤٠)، وثلاث حقاق عن (١٥٠)، وأربع بنات لبون عن (١٦٠)، وكل هذا وغيره إنما هو تطبيق للقاعدة التي في كتاب أبي بكر وعمر فيما زاد على (١٢٠): «في كل خمسين حقة، وفي كل اربعين بنت لبون».
وقد روعي في تسمية الأسنان المتقدمة إما أم المخرَج، أو المخرج نفسه، فبنت المخاض هي من كانت أمها حاملا بالفعل أو بالقوة، لأن من شأن الإبل أن تحمل سنة وتربي أخرى، وبنت اللبون؛ تكون أمها لبونا، أي ذات لبن بوضع الحمل، والحقة بكسر الحاء سميت كذلك لاستحقاقها أن تركب، ويطرقها الفحل، والجذعة لأنها تجذع سنها أي تسقطه، وهي آخر ما يؤخذ من الزكاة في أسنان الإبل، وقد سمى العرب غيرها مما فوقها.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
زكاة البقر
جدول بفرائض زكاة البقر
• قوله:
٠٤ - «ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها؛ ففيها تبيع: عجل جذع قد أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين، فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى، وهي بنت أربع سنين، وهي ثنية، فما زاد؛ ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع».
في زكاة البقر فريضتان جاءتا فيما رواه مالك (٦٠٠) عن طاوس اليماني؛ أن معاذا الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأُتي بما دون ذلك، فأبى أن يأخذ منه، وقال: «لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله»، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ»، وهو منقطع، لأن طاوسا لم يلق معاذا، لكن الحديث جاء متصلا من رواية غير طاوس بمعنى ما رواه مالك عند أصحاب السنن، وحسنه الترمذي (٦٢٣)، وجاء أيضا من حديث ابن مسعود، وإنما جاءت زكاة البقر مقرونة باليمن؛ لأن تهامة ونجدا لم تكن أرض بقر.
والشارع لا يوجب الزكاة في غير الموجود، فلما كان معاذ في اليمن، وفيها البقر؛ ارتبط ذكر زكاتها بها، وقد أشار إلى هذا الأمر ابن العربي في المسالك، ولعل هذا يفسر سبب الاختلاف في ثبوت زكاة البقر بالنص المرفوع، ومن جنسه ما تقدم في زكاة الحرث من حصرها في الأربعة، وقد يكون من هذا القبيل ما رآه بعض الصحابة في مقدار الحنطة التي تعادل صاع الشعير وغيره لكونها كانت قليلة في الحجاز، وقيمتها أعلى، وهذا جدول في زكاة البقر:
- (٣٠) = تبيع، أو تبيعة.
- (٤٠) = مسنة.
[ ٢ / ٤٤١ ]
- (٦٠) = تبيعان.
- (٧٠) = تبيع، ومسنة.
- (٨٠) = مسنتان.
- (٩٠) = ثلاثة أتبعة.
سمي التبيع كذلك؛ لأنه يتبع أمه، وقيل لأنه يتبع قرناه أذنيه، وهو ما أوفى سنتين، ودخل في الثالثة، وهو ظاهر كلام المصنف، وقيل ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، وهذا أقرب، قال في الصحاح: «التبيع ولد البقرة في أول سنة»، والمسنة بضم الميم وكسر السين؛ هي ما أوفت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وقيل ما أوفت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، وكلام المؤلف محتمل للقولين، والأول أقرب.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
زكاة الغنم
جدول بفرائض زكاة الغنم
• قوله:
٠٥ - «ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها؛ ففيها شاة جذعة، أو ثنية، إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة؛ ففيها شاتان، إلى مائتي شاة، فإذا زادت واحدة؛ ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فما زاد؛ ففي كل مائة شاة».
في زكاة الغنم أربع فرائض مذكورة في حديث أنس المتقدم، قال: «وفي صدقة الغنم، في سائمتها إذا كانت أربعين؛ ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت؛ ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة؛ ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت؛ ففي كل مائة شاة،،،»، والمذهب أنه لا يشترط في المخرج أن يكون أنثى، لأن المطلوب إخراج شاة، والتاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وقال بعضهم لا يكفي إلا الأنثى، وهو في المسالك لابن العربي، ولعل ذلك بالقياس على زكاة الإبل، وقد تقدم توجيهه، وهذا جدول يبيّن زكاة الغنم:
- (٤٠) = (١) شاة
- (١٢١) = (٢) شاتان
- (٢٠١) = (٣) ثلاث شياه
- (٤٠٠) = (٤) أربع شياه
- (٥٠٠) = (٥) خمس شياه
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لا زكاة في أوقاص الماشية
• قوله:
٠٦ - «ولا زكاة في الأوقاص، وهي ما بين الفريضتين من كل الأنعام».
الأوقاص جمع وقص بفتح القاف، ومرده في اللغة إلى قولهم وقص العنق، وهو قصوره، وسمي كذلك لنقصه عن النصاب، وقريب منه الشنق بفتح النون، والمراد هنا ما بين الفريضتين في الأنعام، فمثلا الوقص بين فريضتي أربعين، ومائة وواحد وعشرين في الغنم؛ هو ثمانون، والوقص بين فريضتي خمسة وعشرين، وستة وثلاثين في الإبل هو عشرة، والوقص بين فريضتي ثلاثين وأربعين في البقر هو تسعة، وكونه لا زكاة في الوقص هو المشهور، والقول الآخر أن فيه زكاة، وهو الراجح كما قالوا، وتظهر ثمرة الخلاف بين القولين في الخلطة، وسيأتي ذكرها، فمثلا خليطان لأحدهما خمسة عشر من الإبل، وللآخر تسعة، فالمجموع (٢٤)، والوقص أربعة، فعلى القول بأن لا زكاة في الأوقاص؛ يكون على صاحب الخمسة عشر؛ ثلاث شياه، وعلى صاحب التسعة شاة واحدة، وعلى القول الآخر؛ يكون عليهما أربع شياه، تجزأ أربعة وعشرين جزءا، على صاحب التسعة منها (٩/ ٢٤)، وعلى صاحب الخمسة (١٥/ ٢٤).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
جمع أصناف الجنس الواحد في النصاب
• قوله:
٧ - «ويجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب».
هذا الضم نص عليه مالك في الموطإ (باب ما جاء في صدقة البقر)، واحتج بلفظ السائمة الذي في الحديث، وإنما قيل بضم الضأن إلى المعز؛ لأن كلا منهما يصدق عليه لفظ شاة، فاسم الجنس وهو شاة يدخل تحته ذوات الشعر، وذوات الصوف، وقد جاء الدليل على وجوب الزكاة على من كان عنده أربعون شاة كما تقدم، وهكذا فإن لفظ البقر يشمل البقر والجواميس، وقد وجبت الزكاة في الثلاثين منها، ولفظ الإبل يدخل تحته البخت والعراب، فيضم أحدهما إلى الآخر لتكميل النصاب، والبخت بضم الباء إبل ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان، والعراب بكسر العين هي إبل العرب، وصفة الأخذ في حال الضم تختلف، فإذا تساوى النوعان، كعشرين من الضأن، وعشرين من المعز؛ خير الساعي إن كان، فإن لم يكن فالظاهر أنه يخرج ضائنة للتأكد من براءة الذمة، وإن لم يتساو النوعان كعشرين من الضأن وثلاثين من المعز، أو العكس؛ أخرج من الأكثر على المشهور، وإن وجبت اثنتان وتساوى النوعان كواحد وستين من كل منهما؛ أخذ من كل صنف شاة، ومثل ذلك ما إذا لم يتساويا لكن كان الأقل نصابا وهو غير وقص، كمائة ضائنة وأربعين معزا، فإنه يخرج من كل شاة، فلو كان الأقل نصابا ولكنه وقص كمائة وإحدى وعشرين ضائنة، وأربعين معزا، أو بالعكس؛ أخذت الشاتان من الأكثر، وانظر بقية الصور في المنتقى للباجي، وشروح المصنفات.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
زكاة خلطاء الماشية
• قوله:
٠٨ - «وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية، ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة».
هذا طرف مما في كتاب عمر ﵁ وغيره في الزكاة، وعادة المصنف الإتيان بألفاظ نصوص الكتاب والسنة، والخلطة جعل مال اثنين أو أكثر مالا لواحد في الزكاة، والظاهر أن المقصود تيسير أخذ الجابي من الماشية الزكاة متى بلغت النصاب، لما في البحث عن المالكين من العسر، مع أن الزكاة كانت تؤخذ على المياه، وإنما يكون مع الماشية الرعاة لا المالكون في الغالب، فيأخذ الجابي ما ينبغي، ثم يتراد الخلطاء بعد ذلك، وهذا يقوي مذهب من لم ير اشتراط امتلاك كل من الخلطاء نصابا، لكن عورض بأن هناك موانع من أخذ الزكاة كعدم مرور الحول، والرق عند بعض أهل العلم وغير ذلك، فلا بد من أن يسأل الجابي عن ذلك، والمذهب اشتراط امتلاك كل من الخليطين النصاب حتى تكون الزكاة على الخلطة، وقد تمسك مالك في هذا بعمومات النصوص المفيدة كون الزكاة لا تجب فيما دون خمس ذود، وأربعين شاة، وثلاثين بقرة، وهذا فيه استصحاب العموم، وذهب ابن وهب إلى عدم اشتراط امتلاك المخالط النصاب، ولا بد مع ذلك أن تتوفر شروط الخلطة، وهي اتحاد النوع، وأن يقصد بها الارتفاق، وكون ذلك قبل الحول ما لم يقرب جدا، ونية الخلطة، وأن يملك كل نصابا على المشهور، وحلول حول كل نصاب، واجتماعهما في الجل من خمسة أشياء: الماء، والمبيت، والراعي، والفحل، والمراح، والمؤكد أنه لا يشترط جميع هذه الأمور، لكن قيل يشترط الجل وهو ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل يكفي الراعي.
والذي يترتب على زكاة الخلطاء؛ قد يكون فيه رفق بهم وتخفيف، وقد يكون فيه تشديد، فمثال الأول؛ أن يكون لكل من الخليطين أربعون شاة، فالواجب شاة واحدة، على
[ ٢ / ٤٤٦ ]
كل منهما نصفها بالقيمة يوم الأخذ، وقال أشهب يوم الوفاء، يعني يوم التراد، ولو زكيا على الانفراد؛ لكان على كل منهما شاة، ومثال (التشديد)؛ أن يكون لكل منهما مائة وعشرون من الغنم، فالواجب ثلاث شياه، على كل منهما شاة ونصف بالقيمة، ولو زكيا على الانفراد؛ لكان الواجب على كل منهما شاة فحسب، وقد سبق القول أن راجح المذهب وجوب الزكاة في الوقص مع الخلط، وقد تقدم ذكر مثال له، فاستحضره هنا، فإن هذا هو موضعه لأنه في حال انفراد المرء بزكاة ماشيته لا يظهر للخلاف في زكاة الوقص أثر.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة
• قوله:
٠٩ - «ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما بافتراقهما، أو باجتماعهما؛ أخذا بما كانا عليه قبل ذلك».
هذا أيضا من كتاب الزكاة المأثور، والمراد منه المنع من اللجوء إلى الحيلة لتجنب قدر المخرج زيادة أو نقصا، فيحتمل أن يكون النهي موجها إلى مالكي الماشية كل منهما ترعى غنمه على انفراد، فإذا اقترب مجيء الساعي ضما غنمهما بعضها إلى بعض لتقل الصدقة، وقد قيل إذا كان الخلط قبل الحول بشهرين؛ فهم خلطاء، وقيل ولو أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول جدا، ويكون غرضهما الهرب من الزكاة، ويحتمل أن يكون الكلام موجها إلى الجابي أيضا بحيث لا يقدم على الجمع أو على التفريق لتكثير الصدقة أو تقليلها.
ومثال الجمع بين المتفرق لتقليل الصدقة ثلاثة أشخاص لكل منهم أربعون شاة، فيجعلون ذلك شيئا واحدا، فلا يكون على كل منهم إلا ثلث شاة بالقيمة، وكان الواجب على كل منهم شاة، ومثال التفريق بين المجتمع خشية الصدقة؛ شخصان لكل منهما مائة شاة وشاة، فيفرقان غنمهما في آخر الحول خشية كثرة المأخوذ، فيؤخذ من كل منهما شاة، وكان الواجب عليهما في حال الجمع ثلاث شياه، فهذه حيلة محرمة، ومتى اطلع عليها أخذ من المالك الزكاة كما لو كان منفردا، لأنه في حكم مانع الزكاة، وكما لا يجوز أن يفعل المالك ذلك؛ لا يجوز أن يفعله الجابي ليكثر المأخوذ أو يقلله، لأن النبي ﷺ نهى عن الجمع والتفريق خشية الصدقة، فيشمل ذلك كل من فعله من أرباب الأموال والمصدقين، لأن في الأول أخذ حق المساكين، وفي الثاني إما أخذ حقهم، وإما أخذ مال الناس بالباطل.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
تعد السخال في النصاب ولا تؤخذ
ما لا يؤخذ من الماشية كالفحل ونحوه
• قوله:
١٠ - «ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتعد على رب الغنم، ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل، وتعد عليهم، ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس».
وهذا تمام الإنصاف والعدل، وهو توجيه وتعليم للجباة، ثم هو حكم يعمل به المصدقون أنفسهم إن لم يكن جباة، فلا تؤخذ كرائم أموال الناس لما في ذلك من الإضرار بهم، ولا تؤخذ الشرار والصغار لأن في أخذها إجحافا بحق المساكين، والسخلة جمعها سخال هي الصغار من الغنم تحسب على المالك ولا تؤخذ، والعجاجيل جمع عجل هي صغار البقر، إذ الواجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، والفصلان بضم الفاء جمع فصيل؛ هو ولد الناقة الصغير، وقد تقدم أن أدنى ما يخرج من الإبل بنت مخاض، وتعد العجاجيل والفصلان على المالكين، والتيس ذكر المعز الصغير، وهو داخل في السخال، وقيل التيس ذكر المعز مطلقا، وهو من حيث اللغة صحيح، جاء فيه قول النبي ﷺ عن المحلل: «التيس المستعار»، والهرمة الكبيرة الهزيلة، والماخض الحامل التي ضربها الطلق، وقيل مطلقا، لأنها من خيار أموال الناس، والراجح أنها التي دنا ولادها، كأن أخذها يعني أخذ اثنتين، وإنما لا يؤخذ فحل الغنم سواء كان من الضأن أو من المعز؛ لأنه معد للطرق، فأخذه يفوت المنفعة على المالك، ولأنه من خيار الأموال، ومثله الشاة التي تعلف لتسمن، والربى بضم الراء وتشديد الباء هي التي تربي ولدها، وإنما نهي عن أخذها؛ لأنها إما أن تؤخذ وحدها؛ فيفرق بينها وبين ولدها، وفيه إضرار به وبها، وإما أن يؤخذ معها، فيكون في ذلك إضرار بالمالك.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
إخراج القيمة في الزكاة
• قوله:
١١ - «ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها؛ أجزأه إن شاء الله».
هذا نص منه على عدم كفاية أخذ القيمة في الزكاة، والوارد في نصوص السنة؛ أخذ الزكاة من جنس ما وجبت فيه، عينا كان أو حرثا أو ماشية، لكن هل ذكر الشارع ما يجب إخراجه؛ هو من باب التنصيص على الأصل، فيكون ساكتا عن القيمة، لما في ذلك من التخفيف عن الناس والتيسير عليهم، فيعطون الزكاة مما بأيديهم، أو هو من باب إلزامهم بما ذكر، فلا يكفي أن يعطوا قيمة ما وجب عليهم؟.
ومشهور المذهب؛ أنه لا يكفي إعطاء القيمة في زكاة الماشية ولا في غيرها من العين والحرث، بل لا بد أن يكون المخرج من جنس ما وجب فيه، ولا يعترض على هذا بعدم إعطاء العروض قي زكاة التجارة، لأن الزكاة إنما وجبت في القيمة، وهو قول مالك في المدونة (١/ ٢٥٨)، وقد عقب سحنون ذلك قائلا: «وقد كره غير واحد شراء صدقة ماله، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله …»، انتهى، فيظهر أنه ذكر هذا تعليلا للمنع من إعطاء العروض بدلا من العين، قال ابن عبد السلام: وظاهر المدونة أنه من باب شراء الصدقة، لكن المذهب أن الحاكم إذا أجبر المزكي على أخذ القيمة أجزأه لأن حكمه يرفع الخلاف.
وقد اختلف في المسألة قول ابن القاسم، فقال مرة يجزئ طوعا كان ذلك أو كرها، وهو في العتبية، واشترط في كتاب ابن المواز الإكراه، وقال مرة يجزئ إن كان الحكام يضعونها مواضعها، يعني يعطونها للأصناف الثمانية، وذهب أشهب إلى إجزاء إخراج القيمة كما في شرح ابن ناجي، وقيد قوله زروق في شرحه بأخذ العرض عن العين.
وذكر أبو الحسن أن المعتمد إجزاء إخراج القيمة، فانظره مع حاشية علي الصعيدي
[ ٢ / ٤٥٠ ]
(٢/ ١٠٨ و١٠٩)، وإذا كان هذا مع السعة، وعدم قيام الحاجة إلى القيمة؛ فمتى كانت ثمة مصلحة للمعطى، كأن لا تكون له حاجة إلى الحب أو غيره، بحيث لا ينتفع به إلا ببيعه وأخذ ثمنه، أو كانت ثمة حاجة لتفريقه على جملة من المحتاجين كالبقرة والجمل يعطيان لساكن الحضر، ساغ إن شاء الله إخراج القيمة، وهكذا بيعه وتوزيع قيمته، لكن لا يأخذه المزكي، وهذا لا يقتصر على زكاة المال، بل يشمل غيرها كزكاة الفطر، والفدية، والكفارات، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٥١ ]
لا يسقط الدين زكاة الحب والماشية
• قوله:
١٢ - ولا يسقط الدين زكاة حب، ولا تمر، ولا ماشية».
فرق أهل المذهب بين زكاة العين، فإنها تسقط أو تنقص بالدين، وبين زكاة الحرث والماشية، فإنه متى امتلك المرء نصابا زكى، ولا عبرة بما عليه من الدين، وقد وجهوا الفرق بينهما أن العين أموال خفية لا تتعلق بها أنظار الناس، ولا يجبيها الحاكم إلا أن يطلبها، فيسع المرء احتساب دينه قبل الزكاة، بخلاف الحرث والماشية، ولأن الجباة كانوا يأخذون الزكاة ولا يسألون المالكين هل عليهم دين أو لا، وقد تقدم الكلام على ذلك فأغنى عن الإعادة.
[ ٢ / ٤٥٢ ]