• قوله:
٢٧ - قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا، مما ينتفع به إن شاء الله من رغب في تعليم ذلك من الصغار، ومن احتاج إليه من الكبار، وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه، ويعمل به من فرائضه، ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه، ومن السنن والرغائب والآداب، وأنا أسأل الله ﷿ أن ينفعنا وإياك بما علمنا، ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال كاتبه عفا الله عنه: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وجزى الله خير الجزاء أبا محمد بن أبي زيد القيرواني فقد وفى بما شرط، وغفر الله لأخيكم هذا فقد اجتمع فيه القصور والتقصير عما كان يريد وقت شروعه في كتابة هذه العجالة، فلم يبلغ فيها مراده، ولا وفى بما نواه وقصده، والنقص سمة الإنسان، كان يؤمل ما هو خير مما كتب، مع أن الذي تحقق هو محض فضل من الله، فلولاه ما اهتدينا، ولا صمنا ولا صلينا، ومما يهون على المرء هذا ما هو عليه من الضعف الذي لا يذكره، وأسأله سبحانه أن يمتعني بسمعي وبصري وقوتي ما أحياني، وأن يهديني إلى تسخيره فيما يرضيه عني ويصلح به شأني، وأشكو إلى الله تعالى ما عليه محيطنا من عدم الملاءمة، وأحسن أحواله المتاركة والمسالمة، أقدمت على هذا العمل وبعض الناس يشككون في المراد منه، حشرني بعضهم في متعصبة المذاهب، وصنفني آخرون فيمن أفسدوها، وقال بعضهم وهابية تدثر مريد نشرها برسالة ابن أبي زيد، وأفتى آخرون بمنع رسالة لي اسمها كيف نخدم الفقه المالكي وغيرها، وكتب جماعة الإصلاح أصلح الله حالنا وحالهم بيانا ظالما كالوا فيه التهم جراء رسالتي المسماة بالجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله، وود بعضهم مصادرة هذه الكتب لو كان
[ ٥ / ٤٤٥ ]
حاكما، فأحرق بعض الناس نسخا منها في ساحة بابا علي بمعسكر طاعة للمفتي، وما قدره الله هو الذي يكون، وما دفعني إلى كتابة هذا إلا حبي للعلم وأهله، فعسى أن يحشرني الله في زمرتهم، أنا أحبهم وإن كنت لا أدانيهم، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم»؟، فقال رسول الله ﷺ: «المرء مع من أحب»، رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁، وإذا أمد الله في العمر فسأتدارك في طبعة مقبلة إن شاء الله ما قد يكون في هذا السِّفْر من أخطاء، وما ذهب إليه وهلي فيه من أوهام، وما لاحظته في مواضع منه من عدم الترتيب، لطبيعة المصنف الذي أشرحه بما فيه من التكرار.
وإني أشكر إخواني الذين قرؤوا الكتاب، فذكروا من استفادتهم منه ما شجعني، وغضوا أعينهم عن نقصه والخلل الذي فيه، لما فطروا عليه من الخير الذي هو عادة، ووقاهم الله تتبع النقائص وهو من الشر الذي هو لجاجة، وكل إناء ينضح بما فيه، مع أن بعضهم نبهني إلى ما وقف عليه مما فاتني، فجزاهم الله خيرا.
ثم إني أذكر والدي الذي جعله الله سببا في وجودي، ورباني بخلقه، وسلوكه، أكثر بكثير مما رباني بقوله، لم أسمع كثيرا من أمره ونهيه، أذكر أنه كان يوقظني في أثناء الليل آمرا إياي بتلاوة ما كنت قد حفظته من القرآن، وعمري دون العشر، فأستجيب له، حتى إذا علمت أنه قد نام نمت ثم يعود فيوقظني، وقد ذكر لي مرارا أنه رأى النبي ﷺ في منامه، وكان يستبشر بذلك ويكتمه، كما كان يذكر ما رآه في المنام عني فيفرح به، كان يؤولها أن محيطه الذي هو فيه وقد طال أمد إجدابه ستظهر فيه خضرة، والخضرة كيفما كانت في الفضاء المجدب تستحسن، وقد جلب إلى داره من المغرب الأقصى من تلقيت عنه بعض القرآن أنا وبعض إخواني ومن كان قريبا من الولدان، وقد كان محافظا على الصلاة وعلى الزكاة، صبورا وهو في البادية على الطهارة وإسباغ الوضوء على المكاره وقت البرد، غالب أحواله أن يراقب طلوع الفجر ولا يكتفي بالساعة، وقد كان لا يملكها يومئذ إلا القليل، سؤولا عما يحتاج إليه من دينه، عاملا بما يعلم منه، يحب أهل العلم وإن لم يكن منهم، وقد توفي بعد استعادة الاستقلال بأزيد من اثنتين وعشرين سنة فما رغب في الحصول على شهادة الجهاد، مع أنه عمل أزيد من خمس سنين في الثورة وسجن، وهدمت داره وديار إخوته، وسجنت أمي من بعده، وقد أطلق عليه الرصاص عن قرب أكثر من مرة في كمائن نصبت له حتى ظن جنود الكفار
[ ٥ / ٤٤٦ ]
وأعوانهم أن معه شيئا يمنع نفوذ الرصاص فيه، لكن أسفه كان كبيرا على ما آل إليه الأمر في هذه البلاد بعد الثورة الجهادية التي حاد بها من استولوا على زمام الحكم بعد استعادة الاستقلال عما قامت من أجله، وقد أبى أن يدخلني المدارس في عهد الاستدمار لاعتقاده كما كان يقول أن الدولة التي ستقوم في الجزائر هي دوله القرآن، فلم أجلس في مدرسة إلا بعد أن بلغت ست عشرة سنة وإتمام حفظ القرآن الكريم بمدينة بلعباس عام (١٩٦٥)، فاللهم اغفر له وارحمه، وارحم آباءنا وأمهاتنا وأولي أرحامنا وشيوخنا وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات، واجز خير الجزاء زوجتي أم عبد القادر، فقد كان لها الأثر الحميد في كل ما كتبت، بما أسدت إلي من خدمة تجاوزت المعتاد، فهي شريكة لي فيما عسى أن يكرمني ربي به من أجر، وجزى الله سائر أفراد أسرتي وإخواني وأبنائي من أهل معسكر وغيرها وأئمة المساجد ممن تدارست معهم بعض كتب العلم خلال إقامتي فيهم، وقد أربت على خمس وثلاثين سنة، فنفعوني أكثر مما نفعتهم، وقد خدموا السنة في خفوت وسكوت، وأدعو ربي في ختام هذا الشرح بهذا الدعاء الوارد عن النبي ﵌ وعلى جميع أنبياء الله ورسله: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، وفتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
وقد فرغت من إجالة النظر في هذا الكتاب وتنقيحه وتصحيح أخطائه وإصلاح ما يسر الله إصلاحه مما فيه من خلل يوم السابع والعشرين من شهر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وألف، أحسن الله خاتمتنا وغفر زلاتنا والحمد لله رب العالمين.
[ ٥ / ٤٤٧ ]