الجهاد ملحق بالعبادات، وقد بين الشيخ زروق ﵀ وجه ذلك في شرحه على الرسالة فقال: «وقد جرت عادة المالكية بإلحاقه بالعبادات، اعتبارا بقصد الجهاد، ولأنه نصرة لدين الله، وطلب إعلاء كلمته، وإعانة على الدخول في الإسلام، وجعله الشافعية في باب الجناية، اعتبارا بأنه جناية على الكافر لأجل كفره»، انتهى.
قال ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠): «وأما الجهاد فناهيك به من عبادة، هي سنام العبادات وذروتها، وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعي، فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه، متقربا إليه بأعز ما بحضرته، يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ومرضاته، ويود أن لو قتل فيه ثم أحيي، ثم قتل، فهو يفدي بنفسه حبيبه وعبده ورسوله، ولسان حاله يقول:
يفديك بالنفس صب لو يكون له … أعز من نفسه شيء فداك به»
والجهاد في اللغة من الجهد بفتح الجيم، وهو التعب والمشقة، وعرفوه بأنه: «قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخوله أرضه له»، فقوله غير ذي عهد؛ يخرج الذمي إذا لم يكن قتاله عاما كأن كان للذب عن نفسه، وهكذا إذا كان حرابة، فإنه ليس نقضا لعهده على المشهور، وقيد «لإعلاء كلمة الله» يخرج من قاتل لأجل الغنيمة وحدها، أو لإظهار الشجاعة، فضلا عمن قاتل رياء، قالوا ولا يستحق الغنيمة متى جاهر بذلك، ولا يجوز له أخذها إذا أعطيت له، فالقصد إلى إعلاء كلمة الله بعد التزام قواعد الشرع في الجهاد؛ أهم ما يدرك المرء به وصف المجاهد عند الله، فينال ما وعد الله به من جاهد في سبيله، وفي حديث أبي موسى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: «الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله»؟، قال النبي ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله»، رواه الشيخان (خ/ ٧٤٥٨)، وأبو داود
[ ٣ / ٥ ]
الجهاد الذي يسبق هذا الجهاد
(٢٥١٧)، وإنما أضافوا الحضور ودخول أرض العدو لأجله؛ لكون الجهاد أعم من مباشرة القتال، فيدخل فيه الحارس، ومتنطس الأخبار، والميار، والممد بالسلاح، ومعالج المرضى، وغيرهم، فالمقاتلة ليست شرطا، وعرف ابن العربي وزروق والفاكهاني الجهاد - ولعل بعضهم نقل عن بعض - فقالوا: «إن الجهاد هو المبالغة في إتعاب النفس في ذات الله تعالى، وإعلاء كلمته التي جعلها الله طريقا إلى جنته، وسبيلا إليها».
هذا هو الجهاد المحدود في الزمان وفي المكان، والذي يتوقف وجوبه على شروط ستذكر، أما الجهاد في عمومه فواسع جدا، وتفاوت الناس فيه عظيم، ووسائله كثيرة، وأعظمه مجاهدة النفس والهوى والشيطان، وهذا دائم في كل زمان ومكان، قال ﵊: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه»، رواه ابن النجار عن أبي ذر كما في صحيح الجامع، ومن لم يجاهد نفسه وهواه كيف يجاهد الكفار؟، ثم مجاهدة الناكبين عن الحق على اختلاف دركات تنكبهم عنه، بتغيير ما هم عليه من المخالفات، باليد واللسان والقلب حسب ما هو مشروع من ذلك ومستطاع، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو خصيصة هذه الأمة، ومنه إنفاق المال لتحقيق ذلك، والجهاد باليد من الحكام والسلاطين بإقامة الحدود والتعازير، والأخذ على أيدي الظالمين، وأهل الدعارة والفجور، وجهاد العلماء بتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، والوعظ والتذكير، وكشف الشبهات، ورد المطاعن، ولهذا المعنى أمر الله تعالى بالجهاد من غير قيد كما في قول الله سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، جاء هذا بعد الأمر بالركوع والسجود وعبادة الله وفعل الخير، لأن شيئا من ذلك لا يكون إلا بمجاهدة النفس، وقد حذف مفعوله ليعم أنواع الجهاد، ولذلك قال الحسن: «إن الرجل ليجاهد في الله حق جهاده، وما ضرب بسيف»!!، وقال ابن جريج في تفسيرها: «لا تخافوا في الله لومة لائم»، وقال السدي: «يطاع فلا يعصى»، ذكرها في الدر المنثور، وقال ابن المبارك: «هو مجاهدة النفس والهوى»، وهو في تفسير البغوي، ومثله قول الله تعالى في سورة الروم وهي مكية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] حذف مفعوله كسابقه، وقوله ﴿فِينَا﴾ أي من أجلنا ولطاعتنا، قال الفضيل ابن عياض: «الذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل
[ ٣ / ٦ ]
عجز المسلمين عن الجهاد
به»، وقال سهل بن عبد الله: «والذين جاهدوا في إقامة السنة، لنهدينهم سبل الجنة»، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢] يعني جاهدهم بالقرآن، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، جمع بين الفريقين في لزوم جهادهما، وإن اختلفت الوسائل، فهذا يجاهد بالسيف والسنان، والآخر يجاهد بالقرآن وباللسان، وقال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، رواه أحمد وأبو داود (٢٥٠٤) والنسائي عن أنس، وهذه الثلاثة قد تجتمع، وقد يتعذر بعضها، لكن لا نعدم وسيلة من وسائل الجهاد، وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال، قلت: يا رسول الله، إن الله قد أنزل في الشعر ما قد أنزل، فقال النبي ﷺ: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذى نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل»، رواه ابن حبان وغيره، وهذا ينطبق اليوم على الجهاد بوسائل الإعلام، وقال ﵊: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، وفي رواية «كلمة حق»، رواه أبو داود (٤٣٤٤) وغيره عن أبي سعيد، لكن تأمل كيف قال: «عند سلطان جائر»، وهذا ليس هو الذي يقوم به كثير ممن يدعون بالحركيين المهيجين والمهرجين.
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (١/ ١٣٤): «ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير!!، والثاني جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين، لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [سورة الفرقان: ٥٢]، فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن»، انتهى.
والمسلمون اليوم وإن كانوا مختلفين في حكم جهاد الطلب الذي هو فرض كفاية إلى يوم الدين عند الجمهور، فقد فاتهم فضله في هذا العصر، لعدم قدرتهم عليه، وذلك
[ ٣ / ٧ ]
الجهاد بين الجفاة والغلاة
لتفريطهم في الكثير من أحكام دينهم، والجهاد إنما شرع لحماية الدين، فعليهم أن يحموا دينهم من أنفسهم، وهم على ذلك إلى أن يأذن الله، وإلا فكيف يجاهدون غيرهم على الدين، وهم عن كثير من أحكامه معرضون، وعن حقائقه غافلون، وقد قال النبي ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، رواه أبو داود (٣٤٦٢) عن ابن عمر، صححه الألباني، فانظر كيف جمع النبي ﷺ بين أنواع من المخالفات، منها بيع العينة، بكسر العين، وذكرها والله أعلم فيه إشارة إلى التحايل على ما حرم الله تعالى، وقد شاعت فينا التجارة الطفيلية وهي لا تنفع المسلمين، ومنها الإفراط في الاشتغال بما هو مباح مشروع عما هو أهم منه، وذلك هو الرضا بالزرع، والزرع مطلوب مرغوب، ومنها الانعزال عن الحياة، فتصبح أزمتها وخطمها بيد الكفار، وذلك هو الذي رمز له باتباع أذناب البقر، وقال النبي ﷺ: «ما ترك قوم الجهاد إلا عمّهم الله بالعذاب» رواه الطبراني في الأوسط عن أبي بكر ﵁، وهو في الصحيحة برقم (٢٦٦٣).
وقال أسلم بن أبي عمران: «غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: «مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب ﵁: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام؛ قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة؛ أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد»، قال أبو عمران: «فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية»، رواه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي، ومه اسم فعل أمر معناه كف، هكذا إذن كان الناس يفهمون أن الجهاد تأهب دائم، وترقب مستمر، ولا يعني انتهاء معركة عندهم إلا انتظار التي تليها.
يحزنني أن أتكلم على شيء لا وجود له في حياة المسلمين، مع أن ذروة سنام الإسلام الجهاد، وإذا كانوا غير مستطيعين لتفريطهم فيما يلزم للقيام بهذه الفريضة الكفائية - والذي يترتب على التفريط فيها معروف - فما لكثير منهم قد تقاذفتهم في الجهاد الأهواء
[ ٣ / ٨ ]
ما بين غلو وجفاء؟، وإذا تأملت حالهم ألفيتهم فيه أصنافا، فمنهم من صار يستثقل سماع هذه الكلمة، وقد عشنا زمانا كان من يقرأ فيه شيئا من القرآن في الصلاة يذكر فيه الجهاد يرتاب في حاله، وربما نبز بوصف الخوارج والقتلة، وهذا شأن الفتن، تهيء المحيط الذي يلتبس فيه الحق بالباطل، ومنهم هؤلاء الذين يقاتلون المسلمين، بل يقتلونهم، والجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وترك الحرية للناس يختارون ما يريدون من غير إكراه وعسف، فلما عجز المسلمون عن مقاتلة عدوهم ظهر فيهم من يقاتلهم بعد أن كفروا حكامهم، ثم رأوا أن الناس قد سكتوا عليهم أو أعانوهم، فجعلوهم مثلهم، فنشروا بذلك الفتن التي شرع الجهاد لدفعها، وضيقوا مجال الدعوة إلى الله في بلاد المسلمين، وقد شرع الجهاد لإفساح المجال لها في بلاد الكافرين، وأراد فريق آخر أن ينتقم من الكفار الذين جاسوا خلال الديار بنقل القتال إلى أرضهم، فمات منهم عدد محدود في بلدان شتى من غير وسيلة قتال مشروعة، فما حصلنا من ذلك إلا على استعدائهم على غزو بلادنا مجاهرين معالنين، بعد أن كانوا يغزوننا مختفين متسترين، فسفكت دماؤنا، وخربت ممتلكاتنا، وانتهكت حرماتنا، وغدونا لاجئين في أوطاننا، بل احتلت بعض بلداننا، بعناوين جديدة، واستفاد الكفار من وراء ذلك استفادات جمة، أخطرها وجود من يتعاون معهم منا على هدم ما بقي من إقامة أحكام الله تعالى، وقد بلغ الأمر أن تدخل الكفار فيما نعلم أولادنا لأن مناهج التعليم عندنا هي التي تسببت فيما حصل لهم!!، ومما استفادوه ما توفر لهم من الأسواق لترويج أسلحتهم وبضائعهم وحصول شركاتهم على المشاريع الكبيرة والأموال الطائلة في بناء ما دمروه، وإقامة ما خربوه، كما حصل في العراق وأفغانستان، وكما جرى في غزة وجنوب لبنان، وقد يجري مثيله غدا في إيران وباكستان، وهو يجري الآن في الصومال والسودان، والأيام حبالى بالحوادث، وما لنا نجعل رائدنا في علاقتنا بعدونا غير هدي الشرع، من هذه المواثيق والالتزامات التي ألزمنا بها أنفسنا، مع أن علاقة المسلم بعدوه تختلف من حين لآخر حسب قوته وضعفه وليست ضربة لازب يبت فيها في وقت، فتصلح لكل وقت، ولئن كنا نعجب لما أظهره المؤمنون ويظهرونه من الصبر والجلد، وتحمل الحصار والإغلاق، ولئن كنا نكبر من إخواننا الذين أثبتوا ما علمناه من
[ ٣ / ٩ ]
التدرج في فرض الجهاد
علاقة آيات الجهاد بعضها ببعض
نصوص الكتاب والسنة ومن تأريخ أسلافنا أن قوة المسلم بإيمانه عظيمة، وأن القوة المادية مهما كانت؛ فإن الغلبة ليست حليفها دائما، لكننا نرى أن المطلوب منا التزام أحكام ربنا في تعاملنا مع عدونا، فإن الله تعالى لم يكلفنا مقاتلته حيث لا قدرة لنا، ولا جعل علة مقاتلته إثبات شجاعتنا، كيف نقاتله لمجرد أن نثبت أننا قادرون على الصمود، فنتسبب في تدمير بلدنا، حتى إذا فرغ العدو من تخريبه انعقد مؤتمر سموه مؤتمر الدول المانحة يلتقي فيه الذي شارك في القتل والتدمير بالفعل أو بالتأييد العلني أو الخفي على بناء ما دمر، وقد كان قادرا على إيقاف ذلك التدمير بكلمة واحدة، ثم تسمع الذي قاتل بالأمس يطالب تلك الدول الكافرة العدوة أن تبني البلد المدمر من غير أن تسيس عملية البناء!، أو يطالب عدوه بفتح المعابر وفك الحصار، ما ذا لو هادناه من أول مرة وسكتنا عليه فترة، ولنا في رسول الله أسوة، فاتهموا الرأي أيها المؤمنون، كما قال سلفكم المرحومون
وقد مرت هذه الفريضة بمراحل قبل أن تستقر على الحكم النهائي الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وهو وجوب الجهاد على الكفاية إلى يوم القيامة، وأحسب أن تلك المراحل لا مانع من العمل على وفقها كلما تحقق المناط، وخلاصة القول فيما مرت به؛ أن المؤمنين كانوا ممنوعين من القتال في مكة المكرمة، رحمة من الله بهم، بأن جنبهم الاستئصال، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]، فهذا دليل على أنهم مأمورون بالإمساك عن القتال، ونظيره قول الله تعالى عن أمة تقدمتهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦].
فلما اشتد ساعدهم، وكثر ناصرهم؛ أذن لهم في الجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنها أول آية شرع بها الجهاد، بعد أن أوذي المسلمون في مكة، واضطروا إلى الخروج منها فرارا بدينهم، كما يؤخذ من السياق الذي وردت فيه، ونفس المعنى جاء في
[ ٣ / ١٠ ]
التعقيب على القتال فيما قبل الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١]، بين ربنا ﷿ أن إذنه للصالحين من عباده في مقاتلة المفسدين من رحمته بهم، وإحسانه وفضله، لما فيه لهم من المصالح والمنافع، في الدنيا بمنع وقوع الظلم، أو تقليله ومحاصرته، وتوفير حرية العبادة للناس من غير فتنة ولا تضييق، ولهم في الآخرة رفع الدرجات، ودخول الجنات.
ثم جاء الأمر بقتال من يقاتلهم في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ثم جاء الأمر بقتال الكفار بعامة كما عليه الجمهور في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]، وفي غيرها من الآيات، لكن الاعتماد على هذه الآية في مطلوبية قتال عموم الكفار ليس كما ينبغي، لأن التشبيه الذي فيها مانع من ذلك.
وقد كثر في تفسير الآيات الواردة في الجهاد وفي توجيهها، وبيان علافة بعضها ببعض؛ الاضطراب ودعوى النسخ، وما اشتهر أن آية السيف نسخت مائة وعشرين آية، مع أنه لم يتفق على آية السيف هذه، فإن كل آية فيها الأمر بقتال الكفار يحتمل أن تكون آية السيف، قال ابن تيمية في رسالة قاعدة قتال الكفار ومهادنتهم: «هي اسم جنس لكل آية فيها الأمر بالجهاد»، انتهى، ومما أوهم ذلك التعارض والتضارب عدم مراعاة مراد السلف من إطلاق القول بالنسخ، فإنهم يريدون به ما هو أعم من اصطلاح أهل الأصول، الذي هو رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بالخطاب المتأخر مع تراخيه عنه، إذ أدخلوا فيه أنواع العلاقات بين النصوص التي ظاهرها التعارض، كالتقييد مع الإطلاق، والتخصيص مع التعميم، والإجمال مع التبيين، ويجمع ذلك أن كل دلالة تفهم من آية إذا جاء في أخرى ما يعدلها؛ قالوا عنه إنه نسخ، فإذا قيل مثلا إن النسخ قد نال قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقوله تعالى:
[ ٣ / ١١ ]
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، فليس معناه النسخ المصطلح عليه، وأي ضير أن تعتبر آية السيف مخصصة لما دلت عليه هذه الآيات ونحوها في حق المحاربين بعد التسليم بوجود التعارض، فيقال لسنا مطالبين بأن نقول للمحاربين حسنا، ولا أن نعرض عنهم، ولا أن نصبر على أذاهم متى كنا قادرين على رد عدوانهم ودفع شرهم، وهذا لا يمنع أننا مطالبون بالإحسان حتى في قتلهم وأسرهم، لكن هذا باب آخر، وقد يقال إن قول الحسن لهم مطلوب وهو أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
خذ مثلا أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يقاتلهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، فقد جاء عن أبي العالية أن هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة، وقال مثل ذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذهب إلى أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، وليس القول بالنسخ هنا بينا، لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ إن حمل على قتال من يقاتلنا بالفعل، فالأمر لا نزاع فيه، ومع ذلك يدخل فيه المحاربون المتهيئون للقتال ولو لم يباشروه، أما أنها منسوخة بالآية التي في سورة براءة؛ فما الداعي إلى ذلك؟، فإن في سياق سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وهو بمعنى ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ التي في آية سورة براءة، وإنما جاء الأمر في سورة البقرة لرفع الحرج الذي كان المسلمون يشعرون به إن هم قاتلوا المشركين عام دخلوا مكة معتمرين عمرة القضاء، فقد تحرجوا أن يقاتلوا وهم محرمون وفي الحرم، ويؤخذ من الآية أن القتال إنما يشرع لمن كان من شأنه أن يقاتل، فيخرج النساء والصبيان ونحوهم، وقد حمل الآية على هذا المعنى ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد، فلا تكون منسوخة على هذا القول أيضا، قال ابن كثير يرد على دعوى النسخ: «وفي هذا نظر، لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم،
[ ٣ / ١٢ ]
كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، انتهى، فأنت ترى أن ابن كثير جعل معنى الآيتين واحدا في السورتين، وقد نسب صاحب الدر المنثور لمقاتل أن هذه الاية نسخت كل رخصة، وهذا فيه نظر أيضا، لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾؛ خرج مخرج التعليل للأمر بالقتال، فهو راجع إلى معنى آية سورة البقرة، وقد جعلها ابن كثير مثلها كما علمت، ومثله ابن العربي أيضا في أحكام القرآن، ونظيره في التعليل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولأن ذلك الأمر إنما أريد به الاحتراس من أن يظن المسلمون أن نهيهم عن أن يظلموا أنفسهم في الأشهر الحرم؛ يشمل ترك قتال المشركين إذا قاتلوهم فيها، وهذا يظهر مدى تحفظ المسلمين في القتال والتزامهم فيه أقصى درجات الحيطة مع ما كانوا يعانونه من فرط العدوان، والظلم والطغيان، أما قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، فلا يصح أن يستدل به على قتال عموم الكفار، فإنه وارد في الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد مطلق من مشركي العرب كما يدل عليه ما جاء في أول السورة، ولجزيرة العرب خصوصية ليست لغيرها من البلدان، فإنها دار الإسلام الأولى فلا يصح أن يقر فيها دينان.
لكن جاء الأمر بقتال الكفار من أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وقيد ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، لا يدل على عدم مقاتلة غيرهم، فإنه إذا جاء الأمر بقتال من تؤكل ذبائحهم ويتزوج من نسائهم فغيرهم أولى بأن يقاتلوا كما لا يخفى، ولهذا كان ذلك القيد عند بعض العلماء مانعا من إقرار غير أهل الكتاب على دينهم بأخذ الجزية منهم كما سترى.
أما قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله،،، الحديث؛ فليس معناه أنه لا يكف عنهم حتى يسلموا، بل إنه إما مخصوص بآية الجزية في قتال أهل
[ ٣ / ١٣ ]
الكتاب، ويدخل في ذلك أيضا المعاهدون عهدا مطلقا أو مؤقتا ولو من غير جزية لضعف المسلمين، فيكون قتالهم ممنوعا بلا نزاع، وقد يقال إن عموم الحديث مراد به خصوص مشركي العرب في جزيرتهم لكونهم لا يقبل منهم غير الإسلام، وقد أدرج بعض المتقولين على الله تعالى هذا الحديث ضمن كتاب له سماه حديث خرافة واعتبره لفرط جهله وتقوله معارضا لقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهذا شأن أهل الباطل يضربون نصوص الوحي بعضها ببعض.
أما قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]، فإنه أمر منه سبحانه بتقديم مقاتلة من يلي المسلمين من الكفار لدفع الضرر القريب الماثل قبل البعيد، كما هو مطلوب في إيصال النفع للقريب قبل البعيد، قيل أراد سبحانه بهم الروم سكان الشام، والشام أقرب إلى المدينة من العراق، وقيل أراد قبائل قريظة والنضير وخيبر ونحوها، وقد نسب لابن المبارك أنه كان يرى تقديم قتال أهل الكتاب على غيرهم، لأنهم يقاتلون عن دين، وقيل في توجيهه إنه لما كان جهاده تطوعا كان يقصد الجهة التي يراها، وقد أنكر أحمد قوله، ورأى أن الأولى أن يقاتل من كان قريبا من بلاد الإسلام كما هو أمر الله، وقد يكون معتمد ابن المبارك ما رواه أبو داود (٢٤٨٨) عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد،،، فذكر الحديث، وفيه قوله ﷺ: «ابنك له أجر شهيدين»، قالت: «ولم ذاك يا رسول الله»؟، قال: «لأنه قتله أهل الكتاب»، فهذا لو صح لكان حجة في المسألة.
فإن قيل: فقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، فَلِمَ تُعَدُّ القوةُ إذا كان من المشروع معاهدة الكفار ومهادنتهم؟؛ فالجواب: أن الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة، والأمر به لا يلزم منه القتال بالفعل، وإنما فيه الحض على الاستعداد الدائم للقتال المتوقع، لكن قد لا توجد أسبابه، وإعداد القوة لا يتأتى على وجه السرعة، ولا سيما في هذا العصر الذي ازدادت فيه العناصر التي تتوقف عليها القوة، وقد
[ ٣ / ١٤ ]
علة مقاتلة الكفار وقتلهم
جاء في الآية بصيغة العموم، وبلغ به سبحانه قدر الطاقة، ويدل على ما قلت قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فإن هذا في معنى التلعيل للأمر بذلك الإعداد، وإرهاب العدو بقوة المسلمين؛ قد يكون من موانع حصول القتال، إذ كيف يقاتل من لا يعلم؟، وقد قال بعض المفسرين إن المراد بمن لا يعلمهم المسلمون في الآية من الأعداء؛ هم بنو قريظة، وقيل هم أهل فارس، وقيل المنافقون، فالمقصود أن الكفار متى علموا بقوة المسلمين وشوكتهم؛ لم يتجرأوا على حربهم وظلمهم، وبهذا يتبين أن إعداد القوة باستمرار من وسائل منع القتال، لا من مقدمات حصوله، وقد شاع في هذا العصر ما يعرف بأسلحة الردع التي تمنع القتال، وعلم الناس مصطلح الحرب الباردة وسباق التسلح.
فإن قيل: فقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] فالجواب: أن المراد بالفتنة أن يفتن المسلم عن دينه، فأما أن يكون الدين لله، فليس معناه إسلام جميع الناس، بل المراد أن يكون للإسلام السيطرة والغلبة، وذلك بدفع الكفار الجزية، وإذا فسرت الفتنة بالشرك من بعض السلف؛ فإن ذلك لا ينافي ما تقدم، إذ لا يصح أن يكون المراد بها الشرك مجردا بالإجماع، لأن الشرع قد أقر الكفار على دينهم إذا قبلوا دفع الجزية، فيكون المراد بالفتنة الكفر مع ما يصحبه من منع الناس من حرية دينهم، أو منع الدعوة إلى الله أن تأخذ طريقها إليهم، وهذا لا يجتنب
غالبا إلا إذا كان لسلطان الإسلام الهيمنة على الحياة، ولذلك جمع نفي الفتنة مع كون الدين كله لله.
وقد تنازع الناس في علة قتل الكافر هل هي مجرد كفره، أو هي المحاربة، وما يترتب على الكفر غالبا من ظلمه وعدوانه وتسلطه، والظاهر من الأدلة أن الصواب: هو القول الثاني، وتظهر ثمرة الخلاف في جواز قتل الزمن من الكفار والمريض والشيخ، فالمالكية يقولون لا يقتلون، وقال الشافعية يقتلون، وعللوا ترك قتل النساء والصبيان بأنهم مال، والمال لا يتلف، ومع الخلاف السابق في علة القتل اتفقوا على أن الجهاد فرض كفاية مستمر لا يستثنى منه غير أهل الذمة والمعاهدون، لأن هناك فرقا بين مشروعية قتال
[ ٣ / ١٥ ]
الكفار، ومشروعية قتلهم، فقتال الكفار مشروع لكفرهم مع كونهم ليسوا معاهدين ولا أهل ذمة، أما قتلهم فليس لكفرهم بل لحربهم وظلمهم وعدوانهم وتسلطهم، وقد جاء من الأدلة ما يؤخذ منه أن هذه الأمور ملازمة للكافر إلا في حال ضعفه، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، لكن ظلمه في حال ضعفه قاصر، وفي حال قوته متعد، أو قل إن الكفر نوعان مغلظ ومخفف، فغير المعاهد والذمي كفره مغلظ والمرتد من هذا القبيل، بل أمره أعظم، ولذلك لا يقبل منه غير الإسلام، ولو كان الكافر إنما يقتل لأجل كفره؛ لكان الرهبان أولى بذلك من غيرهم لأنهم متبوعون، وغيرهم تابعون، وقد نص النبي ﷺ على علة قتل الكافر حيث قال عن المرأة التي وجدت مقتولة: «ما كانت هذه لتقاتل»، ويدل على التلازم بين الكفر والظلم إلا في حالة الضعف وسيطرة سلطان الإسلام أن الله تعالى أخبرنا عن ذلك وهو أصدق القائلين فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]، وما ورد عن بعض السلف من كون المقصودين بهذا هم كفار قريش؛ لا يمنع من استمرار الحكم لاتحاد العلة وهي الكفر، وإنما قال سبحانه: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ لأن رجوع المسلم الذي خالطت بشاشة الإيمان قلبه عن دينه مستبعد، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وهذا وإن كان خطابا لنبينا محمد ﷺ؛ فأمته مثله، بل هم أولى، بل هم المقصودون لأنه معصوم، ونفي الرضا من الكفار عنا يستلزم إنفاذهم لمقتضى غضبهم علينا عند القدرة عليه، ولهذا أخبر الله تعالى أنه «متم نوره ولو كره الكافرون»، فذكر الكره، لأن من كره شيئا سعى غالبا في دفعه ورده، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨]، فربنا ﷾ قد أيسنا من رضا الكفار عنا حتى نتبع ملتهم، وأنبأنا أنهم غير تاركين قتالنا ما قدروا عليه حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا، فظهر جليا أن الحرب بيننا وبينهم لا تنتهي، فيكون الجهاد فرض كفاية علينا تجاه كل الكفار الذين لم يدفعوا الجزية ولا كانوا معنا في هدنة ومعاهدة، ولولم يصدر عنهم اعتداء فعلي علينا، لكن هل معنى ذلك أنه يمتنع دوام مهادنتهم؟، والجواب أن القول بفرض جهاد الطلب يستلزم عدم دوام المهادنة، لكنه لا يستلزم عدم المهادنة المطلقة،
[ ٣ / ١٦ ]
مختصر غزوات النبي ﷺ
والفرق بينهما بين، والنبي ﷺ لم يقاتل أبدا من كان معه في عهد ما لم ينكث عهده، أو ينقض، وقد أمره الله تعالى بالوفاء بالعهود، وأن ينبذها إلى أصحابها إن خشي منهم خيانة، وقد قال جماعة من الفقهاء إن الجهاد بعد فتح مكة؛ ليس بفرض، إلا أن يستنفر الإمام أحدا منهم، وممن قال ذلك سفيان الثوري، وعطاء، ومال إليه سحنون، وانظر الأحكام لابن العربي (١/ ١٠٣)، وتفسير البغوي (١/ ٢٠٢).
ومشهور المذهب أن قتال الكفار في الجهاد الكفائي مطلوب وإن خاف المجاهدون محاربا في طريقهم أو طُرُوَّه على مال أو حريم حال الاشتغال بالجهاد ولعلهم يريدون بهذا قطع ما قد يتعلل به المتكاسل عنه من الفتن التي في أرض الإسلام، وكثيرا ما يكون الدافع إليها الحفاظ على الملك، أو الاستيلاء عليه وافتكاكه ممن هو في يده، فيقدم القتال لأجل الدين على القتال لمجرد درء الاعتداء لما فيه من الحظوظ النفسية، والذي يظهر أن المقدم هو درء أعظم المفسدتين إن لم يمكن دفعهما معا، وذهب بعض علماء المذهب إلى أن قول النبي ﷺ: «اتركوا الحبشة ما تركوكم،،، الحديث»، رواه أبو داود (٤٣٠٩) عن ابن عمرو، ومثله الحديث الذي فيه قوله ﷺ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم»، رواه أبو داود (٤٣٠٢) والنسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، قالوا إنما جاء هذا للإرشاد بتقديم الأهم على المهم بحسب الخطر واحتماله في ذلك الوقت، لا للإلزام.
ولا بأس أن نتأمل غزوات النبي ﷺ التسع عشرة أعني التي خرج فيها مع الجيش، وقد قاتل بنفسه في ثمان منها، وكذلك غيرها مما لم يخرج فيه؛ لنعلم أنه لم يقاتل من كان من الكفار معه في سلم أو عهد، وقد كانت أولاها غزوة العشيرة ثم الأبواء ثم بواط، قصد بالثلاثة إلى اعتراض عير قريش التي كانت في حرب معه، فقد أخرجته وأخرجت أصحابه من ديارهم، واضطهدت ضعفاءهم، وقد توجت هذه الغزوات الثلاث بغزوة بدر الكبرى التي لم يخرج فيها المسلمون إلا لمثل ماخرجوا له من قبل، وهو غير ذات الشوكة، ومع ذلك أصيبت فيها قريش بهزيمة نكراء، فكان ذلك أعظم أسباب قدومها إلى المدينة بعد عام لأخذ الثأر مما لحقها ببدر، فكانت غزوة أحد، ولم تكتف قريش بالذي أصاب
[ ٣ / ١٧ ]
المسلمين في أحد بسبب مخالفة الرماة، بل تحالفت مع غيرها لقتالهم في عقر دارهم فكانت غزوة الأحزاب على مشارف المدينة أيضا، أما غزوة بني المصطلق وتسمى المريسيع التي صح الحديث فيها بأنه ﷺ غزا أهلها وهم غارون، وذلك هو عمدة العلماء الذين قالوا لا تجب دعوة الكفار إلى الإسلام إذا كان الأمر قد بلغهم؛ فقد جاء أيضا فيها ما ذكره ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحي بن حبان أنه ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ، فلما سمع بهم؛ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع قريبا من الساحل،،،»، وهو في سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣٥)، ولا منافاة بين هذا والذي قبله كما بينه الحافظ في الفتح (٧/ ٥٣٦)، وهكذا غزواته ليهود المدينة قينقاع وقريظة والنضير، فإنما كانت بسبب نقضهم العهود والمواثيق، أو تآمرهم على قتله، وإعانتهم قريشا عليه، ولو كان قتالهم لكونهم يهودا لما اختلف وقت قتالهم أو إجلائهم بفارق سنوات، ولما كان يهود خيبر مصدر تحريك اليهود في المدينة وحضهم على قتاله والغدر به؛ غزاهم، ثم جاءت غزوة فتح مكة وسببها نقض قريش ما تضمنه صلح الحديبية، حيث أعانت بني بكر حلفاءها على خزاعة التي كانت في حلف مع النبي ﷺ، وكانت غزوة حنين بعد الفتح لما بلغ النبي ﷺ أن مالك بن عوف جمع القبائل من هوازن ووافقهم على ذلك الثقفيون وقصدوا محاربة المسلمين، فخرج إليهم، أما غزوتا أوطاس والطائف؛ فإنما كانتا لتتبع فلول الهاربين المنهزمين من غزوة حنين، فمنهم من يمم وادي أوطاس، فوجه إليهم النبي ﷺ بعض جيشه، ومنهم من قصد الطائف وتحصن فيها، فحاصرهم النبي ﷺ حتى فتح الله عليه الحصن بعد خطوب أصابت المسلمين، وجاءت غزوة تبوك سنة تسع قبل حجة الوداع، وسببها ما بلغ المسلمين عن طريق الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة؛ أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء،،،»، وتبوك أول غزوات النبي ﷺ وآخرها التي خرج فيها بنفسه لقتال دولة الروم، وقد سبقتها سرية مؤتة التي كان الباعث عليها أن النصارى قتلوا من أسلم من كبرائهم، ومنهم فروة بن عمرو، فكان هذا
[ ٣ / ١٨ ]
الأغراض التي فرض لأجلها الجهاد
القتال لأجل ضمان حرية الدين، وهو أول قتال بين المسلمين والنصارى، وقد مات فيه الأمراء الثلاثة ﵃، وهم زيد ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة.
والخلاصة أن الجهاد فرض لتحقيق أغراض ثلاثة هي: الدفاع عن المسلمين وأوطانهم، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، والثانية تأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد فيه، ونصرة المستضعفين، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والثالثة تأمين سلطان الإسلام وسيادته بدفع المخالفين له للجزية، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، ويمكن في حال الضعف الاكتفاء بالمعاهدة من غير دفع جزية كما كان النبي ﷺ يفعل قبل نزول آية الجزية، والكفار في نظر المسلمين لا يخرجون عن حالات ثلاث أهل الذمة، وهم الذين يدفعون الجزية، وسموا كذلك لأنهم يُعطون ذمة المسلمين بمقتضى ما شرع الله ورسوله لهم من الحقوق، فتحفظ أنفسهم وأموالهم، وتضمن لهم حريتهم في دينهم، والمعاهدون، وهم الذين بيننا وبينهم عهد مؤقت أو مطلق، مع استقلال كل من الفريقين ببلده، والمحاربون وهم الذين لا يربطنا بهم رابطة من ذمة أو معاهدة أو هدنة.
[ ٣ / ١٩ ]
الجهاد فرض كفاية
• قوله:
٠١ - «والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض».
هذا هو جهاد الدعوة إلى الله تعالى، وسماه بعضهم جهاد الاختيار، وجهاد الطلب، ويقابله جهاد الاضطرار، وهو جهاد الدفع، وسيشير إليه المؤلف في نهاية الباب، وفرض الكفاية هو الذي يكون غرض الشارع منه حصوله من غير نظر إلى فاعله لتعلق المصلحة بالفعل نفسه، ودليل هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، فلو كان الجهاد فرض عين ما وعد القاعد بالحسنى، ومن ذلك ربط النبي ﷺ أمره بالخروج للجهاد بالاستنفار في قوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، ومن ذلك أنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يرسل للقتال بعض المسلمين دون بعض، قال سحنون: «هو فرض على الجميع، يحمله بعضهم عن بعض، إلا أن ينزل أمر يحتاج إليهم أجمعين؛ فيكون عليهم فرضا، ولا ينبغي مع ذلك أن يعطل الإمام الجهاد، والدعاء إلى الإسلام».
ولما كان الجهاد فرض كفاية، وكانت عواقب التفريط فيه خطيرة على المسلمين، فقد جاء في الحث عليه ما لم يأت في غيره من الأعمال، من الجهاد بالنفس وبالمال، والوعيد على عدم تحديث النفس به ممن لم يفعله، وفضل سؤال الشهادة، وبيان فضيلة الصوم فيه، واعتبار المجاهد كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، وأجر تجهيز الغازي، واغبرار القدم فيه، وربط الفرس لأجله، والحرس والمرابطة فيه، وما أعد الله لمن مات في سبيله، وكون الشهداء أحياء عند ربهم، وجعل الغدوة فيه خيرا من الدنيا وما فيها،
[ ٣ / ٢٠ ]
وأمر الله نبيه ﷺ أن يحرض المؤمنين عليه، وأن يقاتل ولو وحده، وجاء في ذم القاعدين عنه ما جاء، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «من لم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو؛ مات على شعبة من نفاق»، رواه مسلم وأبو داود (٢٥٠٢) عن أبي أمامة، وعنه أيضا: «من لم يغز، أو يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة»، وفي رواية قبل يوم القيامة، رواه أبو داود (٢٥٠٣)، وهذا أقل ما يجزئ من الغزو، وقد ترجم بذلك أبو داود على حديث «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا»، وقد رواه الشيخان عن زيد بن خالد الجهني، ومما جاء في ذم الجبن عن القتال قول النبي ﷺ: «شر ما في رجل؛ شح هالع، وجبن خالع»، رواه أبو داود (٢٥١١)، والشح أشد من البخل، والهالع الشديد الجزع، وصف الشح به مجازا، على غرار يوم عاصف، والجبن الخالع هو الشديد، كأنه يخلع فؤاد صاحبه، وحرم سبحانه الفرار عند الزحف، وهو من الكبائر، وحسبك أن الترمذي ﵀ عقد لفضل الجهاد بابا أورد فيه نحو الخمسين حديثا ليس فيها من الضعيف إلا اليسير، وما كل هذا إلا لما في القتال من الشدة والعسر ونفور الطباع عنه، وقد بين ﷾ كراهية النفوس للقتال لما فيه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح، لكن ما يبدو فيه من المضار؛ لا يرقى إلى ما فيه من المنافع والمصالح، فإن الدين أول الكليات الخمس التي يجب أن تحمى فإذا تعارضت حماية الدين بوقاية النفس؛ قدم الأوكد، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]:
الشيب كره وكره أن نفارقه … فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
ومع هذا قال النبي ﷺ: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وهو نهي عن طلب البلاء، ولما قد يكون فيه من إظهار الشجاعة وطلب الرفعة، ولا يتنافى مع تمني الشهادة، فإنه أعم من طلب اللقاء، قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٧٥): «أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته، ويعجب بنفسه ونحو ذلك».
والقتال مما لا ينفك عنه الاجتماع البشري، فهو سنة من السنن التي شاء الله تعالى وجودها في خلقه، لتنازع الناس البقاء، ورغبتهم في توسيع الملك، والسلطة والنفوذ، فجعل
[ ٣ / ٢١ ]
يلزم من فرضية الجهاد إعداد القوة باستمرار
مقاومة الظالمين إلى عباده المؤمنين، تكريما لهم، ورفعا لشأنهم عنده، وليكون ذلك برهانا على محبتهم له، واسترخاص أغلى ما عندهم طلبا لمرضاته، يفعلون ذلك لإعلاء كلمته، وإزالة الفتنة عن الناس، حتى يكونوا أحرارا لا سلطان لأحد على عقائدهم، وإنما شرع لهم ذلك منذ رسالة موسى ﵊، وقبلها كان ربنا ﷿ ينتقم من الظالمين بآفات عذابه، وغواشي نقمته، يرسلها عليهم، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص: ٤٣]، وقد روى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: «ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى»، وهذا وإن كان موقوفا فليس مما يقال بالرأي.
ومن لوازم فرض الجهاد على الدوام؛ فرض إعداد القوة له، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن إعداد القوة كما يكون للجهاد، يكون وسيلة للاستغناء عنه ولو مؤقتا، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال»، رواه أبو داود (٢٤٨٤) عن عمران بن حصين، ويعجبني تفسير بعض السلف كمجاهد وابن جبير لقوله تعالى ذاكرا الغاية في القتال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد ﷺ: ٤]، قالا حتى خروج عيسى ﵇، وهذا من عظيم فقههما رحمهما الله، فإن الحروب لا تنقطع ما بقي كفر وإيمان، وهما مستمران لا ينتهيان حتى قرب قيام الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق.
وأهل الجهاد الكفائي هم المسلمون من الذكور الأحرار البالغين القادرين، فلا يجب الجهاد على النساء، ولا على الصبيان والعبيد، ولا على المرضى، فإن النبي ﷺ قد نص على أن جهاد النساء الحج، والعبيد مستغرقون في خدمة مالكيهم، والصبيان غير مكلفين، والمرضى معذورون بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]، أما الكفار فلا يستعان بهم في القتال، وقد قيل يستعان بهم في الخدمة، فإن خرجوا من تلقاء أنفسهم فالمعتمد عدم منعهم، وقد روى الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، حتى إذا كان بحرة الوبرة؛
[ ٣ / ٢٢ ]
أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة، قال: «يا رسول الله جئت لأتبعك، وأصيب معك»، فقال له رسول الله ﷺ: «أتؤمن بالله ورسوله»؟، قال: «لا»، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك»، قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ، حتى إذا كان بالبيداء؛ أدركه ذلك الرجل، فقال له رسول الله ﷺ: «أتؤمن بالله ورسوله»؟، قال: «نعم»، قال: «فانطلق»، وروى أحمد عن عبد الرحمن بن حبيب عن النبي ﷺ وفي الحديث قصة؛ قال: «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين»، قال في مجمع الزوائد أخرجه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات، وإذا كان ممنوعا أن يستعان بالمشرك على المشرك؛ فإن الاستعانة به على المسلم أشد وأشد، ومعارض هذين الحديثين لم يرق إلى درجة القبول.
وقد صار إلى هذه الاستعانة كثير من حكام المسلمين في هذا العصر قبل أكثر من ربع قرن، تحالفوا مع أمريكا ودول أوربا وغيرها لقتال صدام حسين، فترتب على ذلك أن قامت في العراق دولة للشيعة الروافض، ولكي يجدوا ما يعتمدون عليه ليقضوا على أهل السنة أنشأوا ما سمي بالدولة الإسلامية في مناطقهم، أو حصب ذلك بسبب ما سلطوه عليهم من ظلم معتمدين على ارتباطهم وتعاونهم مع نظام صدام، فكان ذلك ذريعة لتحالف جديد لقتال تلك الدولة المزعومة؛ فخربوا مدنا كالرمادي والموصل وغيرها، ومن نتائج ذلك التحالف قوة شوكة الشيعة في لبنان بإنشاء حزب الله، واشتداد ساعدهم في سوريا، فحصلت حرب أتت على الأخضر واليابس لا يعرف لها نظير فيما أتت عليه من القتل والتهجير والتدميرإلا ما جرى في الحرب العالمية، وها هي ذي قوتهم تظهر في اليمن على أيدي أتباع الحوثي الذين تمدهم دولة إيران بالمال والسلاح المتطور، فقاموا بانقلابهم على حكام البلد بتواطؤ ثم مشاركة وتعاون مع حاكم البلد المخلوع المحسوب على السنة، وسكوت من جماعة الإخوان، فقامت الحرب هناك منذ ثلاث سنوات، والجديد فيها أن التحالف هنا خاص بدول المسلمين، فهذا خير مما سبق، وما أدري متى تنتهي، وكل هذا أثر مخالفة الحق وموالاة الكفارعمليا بالاستعانة بهم واستنصارهم، وهو يضعف الولاء الذي بين المسلم والمسلم، ولله عاقبة الأمور.
وبعد فقد علمت الحال التي يجب على المسلمين فيها وجوبا كفائيا أن يجاهدوا في
[ ٣ / ٢٣ ]
حالات وجوب الجهاد على الأعيان
سبيل الله مرة واحدة في السنة تحت إمرة الإمام إن كان، وقال ابن حزم في المحلى (٧/ ٢٩٩) إن الفرد من المسلمين يجب عليه هذا الجهاد إن لم يكن إمام، وقال فيه (٧/ ٣٥١): «قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فلم يخص بأمر الإمام ولا بغير أمره، ولو أن إماما نهى عن قتال أهل الحرب؛ لوجبت معصيته في ذلك لأنه أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة له، وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]، وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم، فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد، وقال تعالى: «انفروا خفافا وثقالا» ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، انتهى، وهذا الذي قاله ﵀ فيه خطر عظيم، وفساد كبير، ولئن لم يكن فساده في عصره بينا؛ فقد جد من الأمور ما لا يجوز معه القول بهذا الذي قاله، وقد عشنا في هذا العصر منه فصولا دامية، واصطلينا منه بنيران حامية، وما قاله بعض العلماء من ذلك بسبب بعد من يُستأذن من الأمراء والأئمة كما في النوادر لم يعد له وجود الآن لتوفر وسائل الاتصال.
ويتجه جيش المسلمين إلى أهم الجهات التي يخشى منها العدو، فإن تساوت الجهات في توقع الخطر؛ فالنظر للإمام يتخير منها واحدة إن لم يكن في عدد المسلمين وعددهم كفاية للقيام بذلك في أكثر من جهة، وإلا وجب سد الجميع، وإنما وجب الجهاد الكفائي مرة في العام نظرا إلى أن الجزية تؤخذ في العام مرة، إلا إذا احتيج إلى القتال في العام أكثر من مرة؛ فيتعين ذلك.
ويكون الجهاد فرض عين في حالات أربعة، أولاها: أن يفجأ العدو محلة قوم، فيتعين عليهم جميعا لا فرق بين من كان من أهله، ومن لم يكن منهم كالنساء والعبيد، ويتعين على المقصودين بالحرب، ومن جاورهم الأقرب فالأقرب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]، والثانية: أن يكون للمسلمين أسرى، فيجب عليهم افتكاكهم، لأمر النبي ﷺ بذلك، ولا يظهر لي في هذه الحال أنه فرض على الأعيان، والثالثة: النذر لأنه طاعة فيجب الوفاء بها، لكن مع وجود الإمام، وإلا فقد عجز عنه فكفارته كفارة يمين، لقول النبي ﷺ: «من نذر أن
[ ٣ / ٢٤ ]
يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه»، والرابعة: استنفار الإمام، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، فإذا عين الإمام واحدا أو أكثر للقتال؛ فإنه يتعين عليه، ولا يسعه أن يخالف، لا فرق بين من كان يلي العدو ومن كان بعيدا عنه، وينبغي أن يضاف إلى ما تقدم ما إذا تواجه الجيشان، فإنه لما جاء المنع من الفرار؛ وجب ضده وهو الثبات المقتضي للجهاد، وهذا من المسائل التي يتعين فيها فرض الكفاية بالشروع، ومنها ما لا يتعين، وهو ما كان ذا أجزاء، وقد ذكروا للجهاد فرائض هي طاعة الإمام، وترك الغلول، والوفاء بالأمان، والثبات عند الزحف، بأن لا يفر واحد من اثنين، وسيأتي مزيد بيان.
[ ٣ / ٢٥ ]
دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال
• قوله:
٠٢ - «وأحب إلينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله، إلا أن يعاجلونا».
ذهب مالك إلى استحباب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم، ذكره ابن عبد البر في الكافي، فلعله هو الذي عناه المؤلف، وفي المسألة أقوال منها الوجوب مطلقا، وهو ظاهر قول الإمام في المدونة في أول كتاب الجهاد قال: «لا أرى أن يقاتل المشركون حتى يدعوا»، ومنها التفريق بين من بعدت داره؛ فتجب دعوته، ومن قربت فلا تجب لعلمه بالإسلام، وهو في المدونة، ومنها وجوب الدعوة إذا كان الجيش كثيرا وإلا فلا، ومهما يكن فوجوب الدعوة إلى الإسلام هو الأصل، وهو مشهور المذهب كما في مختصر خليل، لأمر النبي ﷺ بذلك، وقد صح عن ابن عمر أنه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم»، متفق عليه، وغزوة بني المصطلق كانت سنة خمس، وقد كانوا على علم بالإسلام بلا شك، ولقربهم من المدينة، ومع علمهم بالإسلام فثمة ما يدل على أن الإغارة عليهم جاءت بعد أن بلغ النبي ﷺ تهيأهم لمقاتلة المسلمين، وقد ضلّ في هذا الحديث رَجُلان: رَجُل ردّه لأنه مخالف للحق حسب زعمه، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، ورَجُل اعتبره حجّة في قتال الكفار من غير دعوة، وقد أمر النبي ﷺ عليا أن يدعو أهل خيبر إلى الإسلام قبل قتالهم مع قربهم وبلوغ الدعوة إليهم، فقال له: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم»، وهو في صحيح البخاري (٣٠٠٦) عن سهل بن سعد، وهذا مع أنهم كانوا محاصرين، ودلالته بينة على أن الغرض من الجهاد دخول الناس في الحق والسلم، وبالنظر إلى الحال قد ينتظر أن يؤمر علي بقتلهم، وقد يقال إن تقديم الدعوة على
[ ٣ / ٢٦ ]
القتال مع علمهم إنما كان لظهوره وقوة جيشه، ولكون تجديد الدعوة فيه تذكير بالله وبالإيمان به، فعسى أن تنفع في وقت ما لم تنفع في آخر، والخلاف المذكور في حق من بلغته الدعوة، أما من لم تبلغه؛ فلا خلاف في وجوب دعوته قبل مناجزته، وهكذا من طلب من المحاربين الأمان لأجل أن يعرف ما يريد من الإسلام.
وقد روى مسلم (١٧٣١) عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، وفيه: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم،،،» الحديث بطوله، وجعله في بلوغ المرام من مسند عائشة فانظره.
وقوله إلا أن يعاجلونا؛ يعني فلا تستحب دعوتهم لأن المعاجلة تنقل الجهاد من كونه جهاد طلب إلى جهاد دفع عن النفس، حتى ولو لم يكن الكفار قد غزوا دار المسلمين، إذ كيف تكف عن قتال من يقاتلك، هذا يؤدي إلى موت المسلمين، ولذلك رأى بعضهم حرمة الدعوة حينئذ.
[ ٣ / ٢٧ ]
يخير الكفار بين الإسلام والجزية والقتال
• قوله:
٠٣ - «فإما أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية، وإلا قوتلوا».
هذا مضمون ما يدعى إليه الكفار، وهو الدخول في الإسلام، بأن يعرض عليهم إجمالا، فإن أبوا؛ طولبوا بدفع الجزية من غير تفصيل، فإن أبوا قوتلوا، ولا يطالبون بالإسلام والجزية من غير ترتيب كما هو ظاهر كلام المؤلف، ودليله آية الجزية، فإن فيها بيان غاية مقاتلتهم، ثم ما تقدم في حديث بريدة الصحيح، وليس في المذهب بيان زمان إعطائها هل هو من وقت قبولهم بها، أو بعد مرور الحول، قالوا لا نص فيه، وصحح الباجي في المنتقى وابن العربي في المسالك؛ أنها تؤخذ بعد مرور الحول، وهذا هو الظاهر لأنها إنما تعطى في مقابل حمايتهم ومنع ظلمهم، والأصل في مثل هذا التأخير.
فأما ما يعامل به من تقبل منهم الجزية من الكفار؛ فإن علماء السنة وحكام المسلمين؛ مرجعهم في ذلك إلى العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب ﵁ لنصارى الشام حين صالحهم، وشرط عليهم فيه ما شرط، فاقرأه إن شئت في المحلى لابن حزم (٧/ ٣٤٦)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٨/ ٦٥١ - ٦٥٣) واعتبروه كالتفسير للصَّغَار الذي ينبغي أن يكونوا عليه مدة قبول الجزية منهم كما هو في كتاب الله تعالى، والصغار إذعانهم لحكم الإسلام فيهم، ووجه كونه مرجعا أنه كتب بمحضر من المهاجرين والأنصار ﵃، وعليه العمل عند أئمة المسلمين لقول رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ،،،».
والجزية فعلة، وجمعها جزى كلحى، من الجزاء، لأنها تعطى مقابل شيء، لكن اختلف فيما تؤخذ بدلا عنه، فقول مالك في الموطإ هو: «وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم، ويقاتل عنهم عدوهم،،،»، انتهى، وقال سحنون كما في النوادر (٣/ ٢١): «وعليهم أن يذبوا عن أهل ذمتهم في أنفسهم وأموالهم
[ ٣ / ٢٨ ]
مثل ذبهم عن أنفسهم في ذلك كله،،،»، انتهى، وهذا هو الذي يعثر عليه الباحث في العهود التي كتبها الصحابة للبلدان التي صالحوا أهلها، وهي مبثوثة في كتب الخراج، وفتوح البلدان، وكتاب الأموال لأبي عبيد، وأحكام أهل الذمة لابن القيم، وانظر طرفا من تلك المعاهدات في نفسير المنار (١٠/ ٢٩٣)، بل في بعضها ما يدل على أن المسلمين كانوا متى عجزوا عن حماية دافعي الجزية ردوها عليهم أو لم يأخذوها منهم، وقرر ابن العربي في المسالك أنها تؤخذ لأجل ترك قتل الكافر، وهو الذي نسبه زروق لمالك جازما، وهذا لا ينافى الحماية لأنها مرتبة عليه، والذي يؤخذ من كلام خليل أنها في مقابل سكنى الكافر في بلاد الإسلام، فإنه قال معرفا لها: «عقد الجزية؛ إذن الإمام لكافر صح سباؤه مكلف حر قادر مخالط لم يعتقه مسلم؛ سكنى غير مكة والمدينة واليمن ولهم الاجتياز بمال،،،»، لكن هذا قد يسكت عن التعليل به إذا كانت الدار دار الإسلام، فما ذا عن الجزية تفرض على الكفار المعاهدين مع بقائهم في ديارهم، وقد رد ابن القيم هذا التعليل من عدة وجوه تراها في كتابه أحكام أهل الذمة (١/ ٣٦)، وقال الباجي في المنتقى (٢/ ١٧٤): «وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين، والذب عنهم، والحماية لهم،،،»، انتهى، ومن أسلم منهم قبل حلول أجل الدفع تقررت الجزية في ذمته عند الشافعية لأن العلة عندهم السكنى، وأهل المذهب يسقطونها بالإسلام، ولو بيوم قبل أجلها.
والمذهب أن لقب أهل الكتاب في الآية لا يؤخذ بمفهومه، فليس شرطا في الكف عن الكفار بقبولهم إعطاء الجزية أن يكونوا أهل كتاب، كما اتفق المسلمون على أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وحرم ما هو محرم وحلل ما هو محلل في كتبهم لا يجعله ذلك في منجاة من المقاتلة ودفع الجزية، والمقصود أن جميع الكفار يقررون بالجزية على دينهم إلا من كان منهم في الجزيرة العربية، ويؤيد هذا عموم قوله ﷺ في حديث بريدة المتقدم: «قاتلوا من كفر بالله»، لكن لقب أهل الكتاب مأخوذ بمفهومه بمعية غيره من الأدلة في تحريم ذبائح غير أهل الكتاب، وتزوج غير نسائهم، وأصل المسألة هل يصدق لقب أهل الكتاب على كل من تبين أن له كتابا، أو هو خاص بمن اشتهر بذلك في زمن التنزيل وليس
[ ٣ / ٢٩ ]
إلا اليهود والنصارى كما دل عليه قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وبدليل أن النبي ﷺ قال عن المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، رواه مالك (٦١٨) عن عبد الرحمن بن عوف، فألحقهم بهم، ولم يقل هم من أهل الكتاب، وهذا هو المتبادر لو كانوا كذلك، وقي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، بخلاف من فهم من اللفظ الأول أن المجوس من أهل الكتاب كابن حزم وغيره، وإذا كانوا ليسوا أهل كتاب؛ فالقياس يقضي بإلحاق كل المشركين كيفما كانت مللهم بهم، وهذا هو الذي يتيسر الأخذ به وتسهل إقامته في الواقع في هذا العصر، وقد ورد أن عمر أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان أخذها من البربر، وليسوا أهل كتاب، ذكرهما مالك في الموطإ (٦١٧) بلاغا.
وقال ابن حزم ﵀ في المحلى (٧/ ٣١٧): «ولا يقبل من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي جزية إلا بأن يقروا بأن محمدا رسول الله إلينا، وأن لا يطعنوا فيه، ولا في شيء من دين الإسلام، لحديث ثوبان الذي ذكرناه آنفا، ولقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ (١٢)﴾ [التوبة: ١٢]، وهو قول مالك، قال في المستخرجة «من قال من أهل الذمة إنما أرسل محمد إليكم لا إلينا؛ فلا شيء عليه، قال: فإن قال: لم يكن نبيا قتل»، وقد قال خليل عن نواقض عهد الذمة: «وينتقض بقتال ومنع جزية، وتمرد على الأحكام،،، وسب نبي بما لم يكفر به، قالوا: كليس بنبي، أو لم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن، أو تَقَوَّلَهُ، أو عيسى خلق محمدا،،، وقُتل إن لم يسلم».
[ ٣ / ٣٠ ]
• قوله:
٠٤ - «وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا؛ فلا تقبل منهم الجزية، إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا، وإلا قوتلوا».
الكفار الذين يقبلون بالجزية إما أن يكونوا أهل عنوة بفتح العين وهم الذين فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وإما أن يكونوا أهل صلح، فأهل الصلح تقبل منهم الجزية في موضعهم حيثما كان، وأهل العنوة لا تقبل منهم الجزية إلا إذا كانوا بحيث ينالهم سلطان المسلمين، وذلك لأنهم إن كانوا بعيدين عن بلاد المسلمين بحيث لا تنالهم سلطتهم؛ فإنهم لا يؤمن كرهم عليهم، واستعدادهم لقتالهم في غفلة عنهم، فأي فائدة في قبول الجزية وقد لا يكون قبولهم لها إلا لالتقاط أنفاسهم واستجماع قوتهم؟، لكن الانتقال قد يتأتى إن كان عدد هؤلاء محدودا، وإلا فلم يبق إلا قتالهم حسب ما تقدم إن رفضوا الدخول في الإسلام، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، والظاهر من الأدلة تقريرهم حيث قبلوا الجزية، وقد علمت أن النبي ﷺ كان يوصي أمراء الجيوش والسرايا بدعوة من أسلم إلى الهجرة إلى المدينة، لكن لا على وجه الإلزام، وقد نسخ هذا الحكم بفتح مكة كما جاء في الحديث الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح»، قال سحنون: «من أجاب إلى الإسلام أو إلى الجزية لم يؤمر بالتحول من محله إن كان تحت حكم الإسلام».
وأما من أسلم منهم؛ فإن كانوا بحيث ينالهم سلطان الكفار؛ فهم مطالبون بالهجرة إلى أرض الإسلام، فإن لم يهاجروا كانوا عاصين لله ورسوله ﷺ، وإسلامهم صحيح، إذ الإقامة بدار الحرب بمجردها؛ لا تقدح في إسلامهم، وإن كانت الهجرة إلى بلاد الإسلام واجبة عليهم، لقول النبي ﷺ: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو»، رواه النسائي وابن حبان، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ١٨٢٢)، فربط بين وجوب الهجرة ومشروعية القتال، لأن القتال معناه وجود عدو للمسلمين، ويلزم من القتال أن يكون هناك دار حرب، ودار إسلام،
[ ٣ / ٣١ ]
وهذا باق إلى يوم القيامة لقوله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، رواه أبو داود (٢٤٧٩) عن معاوية ﵁.
لكن الواقع الآن يختلف عما كان عليه قبل، فإن من أسلم من الكفار؛ لا حرج عليه في الإقامة في بلاد الكفر، لأن الدول الإسلامية لا تجيز الانتقال إلى أراضيها، ولا تمنح جنسياتها للمسلمين الراغبين في الإقامة بها، فينطبق على هؤلاء وصف المستضعفين، وتقوى الله بحسب الاستطاعة، فهؤلاء لا ينالهم الوعيد الذي في قول النبي ﷺ: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما»، رواه والترمذي (١٦٠٤) والنسائي وابن ماجة عن جرير، وصحح الحافظ إسناده في بلوغ المرام، وفيه كما ترى منع مساكنة المسلم للكافر، بل ومجاورته، وروى أبو داود (٢٧٨٧) عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله»، ومعنى جامعه؛ اجتمع معه، لكن يظهر والله أعلم أن مجرد الاجتماع بالمشرك للحاجة ليس هو المنهي عنه، بل المقصود اجتماع المرافقة فضلا عن الموافقة والمؤانسة والمصاحبة كما عليه كثير من المسلمين، حكاما ومحكومين.
فأما هجرة المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر ولو كان ساكنوها من أهل الصلح؛ فإنها محرمة لما يترتب عليها من الوقوع تحت سلطانهم والخضوع لقوانينهم، واستغلالهم في الضغط على بلدانهم، فضلا عن الامتهان الذي يلحق المسلم، والفتن التي يتعرض لها، ويعرض لها أولاده، فالذهاب إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا لواحد من أمور هي الجهاد المشروع كما تقدم، وطلب علم دنيوي لا يوجد في بلاد المسلمين، وصلة الرحم، والتجارة، والسفارة، بل لا تجوز الهجرة للإقامة في بلد مسلم إذا كان مريد الهجرة مقيما في بلد خير منه في ظهور السنة وقلة القوانين المناهضة للشرع، ومثال ذلك الهجرة من الجزائر للإقامة في تونس.
فإن قيل: إن بلاد المسلمين فيها من التفريط في الشرع ما لا يخفى، وبعضها قد فصل فيها الدين عن الدولة فعلا، وإن لم يرتض حكامها ذلك قولا؛ فالجواب: أن الدار عند أهل العلم إما دار إسلام وإما دار حرب، فدار الإسلام، قد قيل إنها هي التي يجري فيها حكم
[ ٣ / ٣٢ ]
إمام المسلمين، وقيل إنها ما غلب فيه المسلمون وكانوا فيه آمنين، ودار الحرب ما يجري فيها أمر رئيس الكافرين، وقيل هي ما خاف فيه المسلمون من الكافرين، انظر كليات أبي البقاء.
والذي يقال إن الأصل أن دار الإسلام يقام فيها حكم الله تعالى، بواسطة الحاكم المسلم، ويقر للشرع فيها بالحاكمية، وإن كان فيها شيء من التفريط من حيث التطبيق فهذا لا يخرجها عن ذلك الوصف، ودار الحرب والكفر ما ليس كذلك، لكن هذا لا يمنع من القول إن البلد الذي تسكنه غالبية مسلمة، تقيم ما استطاعت من شعائر الإسلام هي دار إسلام، ولو كان فيها من القوانين ما هو مخالف لما أنزل الله، ما لم يكن كفر الحكام بواحا، وهذا بناء على التعريف الثاني الذي يرى أن دار الإسلام مرجعها إلى غلبة المسلمين عليها، قال الدسوقي في حاشيته (٢/ ١٨٨) على شرح الدردير: «لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها بالقهر، بل حتى تنقطع شعائر الإسلام عنها، وأما ما دامت شعائر الإسلام أو أغلبها قائمة فيها فلا تصير دار حرب»، انتهى.
وللشيخ رشيد رضا ﵀ رأي آخر فقد قال في تفسير المنار (٦/ ٤٠٧): «والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم؛ أن يلزموه بإبطال ما وضعه مخالفا لحكم الله، ولا يكتفوا بعدم مساعدته عليه ومشايعته فيه، فإن لم يقدروا؛ فالدار لا تعتبر دار إسلام فيما يظهر، وللأحكام فيها حكم آخر،،،»، وهذا قول لانوافق عليه.
[ ٣ / ٣٣ ]
الفرار من الزحف
• قوله:
٠٥ - «والفرار من العدو من الكبائر، إذا كانوا مثلي عدد المسلمين، فأقل، فإن كانوا أكثر من ذلك؛ فلا بأس بذلك».
هذا حكم منصوص في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]، فهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالنار وبغضب الله، وقد ذكر في الموبقات السبع كما في قول النبي ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟، قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، لكنهم ذكروا لحرمته شروطا خمسة: أن لا يكون خدعة من الفار وحيلة ليكر على العدو، وهذا هو معنى المتحرف للقتال، وأن لا يكون بغية الالتجاء إلى فئة من المسلمين يستنصر بهم، وأن لا تختلف كلمة المقاتلين بحيث يترك بعضهم القتال، ولا يظهر أن هذا على إطلاقه، وأن يكون معهم سلاح، وأن لا يقل المسلمون في العدد عن نصف عدد الكفار، كما قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وفقد السلاح لا يمكن معه قتال بل هو تعريض للنفس إلى التهلكة بلا ريب، وشرط العدد يؤيده ما صح عن ابن عباس ﵄ من قوله: «إن فر رجل من اثنين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فما فر»، مع ما صح من سبب نزول الآية التي فيها التخفيف فتكون التي قبلها منسوخة، لا كما عليه بعض من بالغ في إنكار النسخ، فحمل آية المصابرة الأولى على حالة القوة، والثانية على حالة الضعف، وانظر إرواء الغليل للألباني ﵀ الحديث (١٢٠٦)، وإلا فما ذا يقال عن قول ابن
[ ٣ / ٣٤ ]
قوة العدة والعدد والجلد
عباس عن الآية المنسوخة: «كتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم نزلت ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وهكذا قوله: «شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف»، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٩٥) موجها كون الآية المراد بها الأمر وليس مجرد الخبر، يعني أن معناها الأمر بثبات الواحد للآيتين: «والسياق وإن كان بلفظ الخبر، لكن المراد منه الأمر لأمرين: أحدهما أنه لو كان خبرا محضا؛ للزم وقوع خلاف المخبر به، وهو محال، والثاني لقرينة التخفيف، فإنه لا يقع إلا بعد التكليف، والمراد هنا التكليف بالأخف، لا رفع الحكم أصلا»، انتهى
وفي شرط العدد رواية أخرى عن الإمام، وهي لابن الماجشون مفادها أن العبرة في وجوب الثبات وعدم الفرار القوة لا العدد، فيجب على المسلمين أن يثبتوا ولو كان عددهم أقل من نصف عدد الكفار إذا كانوا أقوى منهم عدة وجلدا، كما لا يلزمهم أن يثبتوا وإن كانوا أكثر من نصف عدد الكفار إذا كان الكفار أقوى منهم سلاحا وأكثر قوة وجلدا، وخافوا أن يغلبوهم، ومرد هذه الرواية إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وإذا كان هذا في ترك الثبات أمام الكفار حماية لأرواح المسلمين؛ فكيف بالتسبب في تحريكهم لقتلهم وتخريب ديارهم وممتلكاتهم ثم التطلع إلى المتمالئين معهم بل وإلى مناصريهم لتعمير ما خرب وإطعام الجائع وكسوة العاري ومداواة الجريح، وعقد اللقاءات للدول المانحة المتبرعة لأجل ذلك؟، وقد قيل لمالك يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله ﷿ وحكم بغيرها؟، فقال: «الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة»، انتهى، قال أبو عمر بن عبد البر معقبا على هذاالقول كما في الكافي ص (٢٠٦): «جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين، فإنه يشمل المشركين، ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين، ولم يجز له إباحة دمه لمن لم يقو عليه ويمكنه، ولا ينفع المسلمين بما يحاوله»، انتهى.
قلت: فكيف إذا كان ذلك ليس قتالا أصلا، ولا نقول لا نفع فيه للمسلمين، بل فيه جلب أعظم الضرر عليهم كما ترى في هذا الزمان؟، والظاهر أن هذه الرواية هي التي ينبغي
[ ٣ / ٣٥ ]
ألا إن القوة الرمي
أن يعول على ما فيها في هذا العصر، لو كان المسلمون قائمين بالجهاد الذي فرضه الله عليهم، فإن العدد القليل مع العدة؛ يغني عن العدد الكثير مع انعدامها، أو ضعفها، ولا أحسب أن أحدا يكابر في هذا، وقد قيل:
اليوم فكرة عالم في مصنع … تغني عن الأسياف والأرماح
وتصد كل كتيبة موارة … خضراء تقذف بالكماة رداح
والعلم مصباح الحياة فنقبوا … من قبل أن تثبوا عن المصباح
وقد فسر نبينا القوة التي أمرنا الله بإعدادها بما رواه مسلم (١٩١٧) من حديث عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي ثلاثا»، وقد شهد العالم من التقدم في وسائل الحرب ما أصبح معلوما عند الخاص والعام أن القوة هي الرمي، لأنه ضرب للعدو من بعيد، وكان العلماء قي القديم يقولون عنه إنه أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة، وقال عمرو بن كلثوم:
نطاعن ما تراخى القوم عنا … ونضرب بالسيوف إذا غشينا
وقد كان مدى الرمي في عهده ﷺ لا يتعدى مئات الأمتار، وهو الآن يبلغ آلاف الكيلومترات، فغدت القوة منحصرة فيه كما حصرها فيه نبينا ﷺ، ولذلك كان حضه على الرمي قويا، فقد صح عنه قوله: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا»، رواه البخاري (٢٨٩٩) عن سلمة بن الأكوع، وروى الترمذي (١٦٣٨) وقال حسن صحيح عن أبي نجيح السلمي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر»، العدل بكسر العين - وتفتح - المثل، يعني أن رميه يعدل تحرير رقبة، وفي صحيح مسلم (١٩١٧) عن عقبة بن عامر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه»، قال الأبي (٦/ ٦٧٤) في شرحه على صحيح مسلم: «وإنما خرج مخرج اللهو إمالة للنفوس إلى تعلمه، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو»، انتهى، وربط الرمي وغيره من وسائل الحرب باللهو جاء في عدة أحاديث، منها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر
[ ٣ / ٣٦ ]
الجنةَ: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد أن بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها»، وهو في سنن أبي داود (٢٥١٣) عن عقبة بن عامر، وهو ضعيف، والفقرة الأخير منه يدل عليها بالأولى قول النبي ﷺ: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو فقد عصى»، رواه مسلم (١٩١٩)، وفي حديث أبي الدرداء: «اللهو في ثلاث: تأديب فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك أهلك»، وهو في الصحيحة برقم (٣١٥)، فيه شاهد لخصاله الثلاثة.
والمنبل اسم فاعل من أنبل فلان فلانا؛ إذا ناوله النبل ليرمي به، ثم يجمعه ليرده له، والنبل بفتح النون وسكون الباء السهام العربية لا واحد له من لفظه، ومفرده سهم ونشابة، هذا معنى ما في النهاية لابن الأثير.
وفيه دليل على تقديم الرمي على غيره من وسائل القتال الأخرى في عهد النبوة، حتى الركوب على الخيل التي جاء الأمر بإعداده في القرآن، فاللهو في الإسلام لا يخلو من هدف مشروع، ومنه كسب المهارات، وإعداد القدرات القتالية، فإذا خلا عن القصد النافع المشروع كان من جملة الباطل، ومعنى هذا أنه لا ثواب فيه بشرط أن لا يكون منهيا عنه، لكونه للدنيا محضا كما قال ابن العربي في العارضة (٧/ ١٣٩)، فكيف إذا أدى هذا اللهو إلى محرم من ترك الصلاة أو الاختلاط أو العري أو تضييع الأموال، أو إيذاء الناس، وكل هذا متوفر في اللعب بالكرة فضلا عن الإجارة عليها وهي باطلة، ويدخل في دعوة الإسلام إلى التأهب المذكور ما جوزه الشرع من السباق على الحافر والخف والنصل كما في حديث أبي هريرة مرفوعا: «لا سبَق إلا في خف، أو حافر، أو نصل»، رواه أبو داود (٢٥٧٤)، والسبق بفتح الباء ما يعطى للسابق من المكافأة، وسابق النبي ﷺ بين الخيل، وسابق عائشة -رضي الله تعالى عنها- فسبقته مرة وسبقها أخرى، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
[ ٣ / ٣٧ ]
يقاتل مع أئمة الجور
• قوله:
٠٦ - «ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة».
البر هو الموفي بالعهود، والفاجر الجائر في الأحكام، ومنها عدم الوفاء بالعهود، وقال الدردير في شرحه ممزوجا بالمختصر: «ولو مع وال، أي أمير جائر في أحكامه، ظالم في رعيته، إلا أن يكون غادرا ينقض العهد، فلا يجب معه على الأصح»، انتهى، ولم يفرق بعضهم بين نقض العهد مع المؤمن ومع الكافر على الأصح، والذي يظهر خلافه لما يترتب عليه من المفاسد والفتن وهي أعظم من نقض العهود، والمعنى أنه لا فرق في وجوب الجهاد كفاية أو عينا على المسلم بين أن يكون القائد برا أو فاجرا، لأن الجهاد طاعة، وفيه تعاون على البر والتقوى، وإخراج للمقاتلين من الكفر إلى الإيمان، ورد المتوقع من العدوان، وقد قال النبي ﷺ: «،،، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر»، رواه الشيخان (خ/ ٤٢٠٤) من حديث أبي هريرة، والطبراني عن عمرو بن النعمان، وقال النبي ﷺ: «إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم»، رواه النسائي عن أنس، وعنه عند أبي داود (٢٥٣٣) من جملة حديث: «،،، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل،،،»، وله (٢٥٣٢) من حديث أبي هريرة: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا،،،»، لكنهما ضعيفان، واستنبط البخاري ذلك من حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وهكذا كان السلف ﵃، لم يروا بالغزو مع ولاة الجور بأسا، فإن الضرر اللاحق من ترك الغزو معهم أعظم من الضرر المترتب على الغزو، ولأنه فرض فلا يسقط بجور السلطان كما لم يسقط الائتمام بهم في الصلاة لأجل ذلك، قال جابر: «قاتل أهلَ الضلالة وعلى الإمام ما حُمل وعليك ما حُملت»، وقيل لابن عباس: أغزو مع إمام لا يريد إلا الدنيا؟، قال: «قاتل أنت على حظك من الآخرة»،!! وكان ابن عمر يغزي بنيه معهم، وانظر النوادر (٣/ ٢٥)، وإن
[ ٣ / ٣٨ ]
كان المعروف عنه أنه لم يكن يغزو، بل كان مواظبا على الحج.
قال ابن حزم: «ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه»، وقال بعضهم: لا يقاتل مع الفاجر، وهو قول مالك الذي رجع عنه، قال ابن القاسم في المدونة وكان فيما بلغني عنه ولم أسمع منه، أنه كان يكره قبل ذلك جهاد الروم مع هؤلاء، حتى لما كان زمن مرعش، وصنعت الروم ما صنعت؛ قال لا بأس بجهادهم»، ومن قوله في تعليل القتال مع الجائر ما قال ابن القاسم: قلت لمالك يا أبا عبد الله إنهم يفعلون، ويفعلون، - يعني الولاة - فقال: لا بأس على الجيوش وما يفعل الناس، لا أرى به بأسا، ويقول: لو ترك هذا لكان ضرارا على أهل الإسلام، ويذكر مرعش وما فعل بهم، وجراءة الروم
على أهل الإسلام»، انتهى، فانظر كيف تراجع عن قوله السابق لموازنته بين المصالح والمفاسد ﵀.
[ ٣ / ٣٩ ]
ما يفعل بالأسرى
• قوله:
٠٧ - «ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج».
هذا واحد من خمسة أمور يجوز أن تفعل بالأسارى، وإنما نص عليه لقول بعض أهل العلم لا يقتل الأسير، والأسير في الأصل هو من يشد بالإسار وهو القد من الجلد، بكسر القاف، ثم أطلق على كل أخيذ، شد أو لم يشد، ويجمع على أسرى، وأسارى بضم الهمزة وفتحها، والأعلاج جمع علج بكسر العين، وهو الرجل من كفار العجم.
والمعنى أنه يجوز قتل من أسر من الأعلاج، ولا مفهوم له، فإن غيرهم من العرب مثلهم، والإمام مخير فيهم بين أمرين: القتل والإبقاء، فإن قتلهم فذاك، وإن أبقاهم فله أن يسترق، وأن يفاديهم بمال أو بأسرى مسلمين عند الكفار، وأن يضرب عليهم الجزية، وأن يمن عليهم، والتفويض إلى الإمام بحسب المصلحة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ [محمد ﷺ: ٤] والمذكور هنا ثلاثة هي القتل والمن والفداء، وإنما لم يذكر القتل فيما بعد الإسار، لأنه ذكر قبله، وقد يكون عدم ذكره لكونه مفضولا بعد الأسر إلا لمعنى خاص به، كشدة إيذاء الأسير للمسلمين أو نحوه، وقد قال بعض أهل العلم لا يقتل الأسير، والصواب: أنه قد يقتل كما قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث يوم بدر، وابن خطل وقد كان متعلقا بأستار الكعبة كما في الصحيح (خ/ ٣٠٤٤) عن أنس بن مالك، وقد ثبت عنه المن على ثُمامة بن أَثال الحنفي وكان أسيرا في يده فأسلم، وفادى أسارى من المسلمين بجارية كانت عند سلمة بن الأكوع، وهذه الأوجه إنما هي بالنسبة للرجال المقاتلين، أما الذراري والنساء فيخير الإمام فيهم بين ثلاثة: الاسترقاق والمن والمفاداة، ومما يدل على أن الذي ينبغي أن يراعى في ذلك هو مصلحة المسلمين، وقد تختلف من وقت لآخر قول الله تعالى يعاتب أصحاب رسول الله ﷺ فيما أقدموا عليه بعد غزوة بدر من قبول مفاداة
[ ٣ / ٤٠ ]
المشركين: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]، والإثخان في الأرض ظهور القوة والغلبة فيها للمسلمين، وقد يكون من الوسيلة إلى ذلك قتل الأسارى أو استرقاقهم إرهابا للعدو، بدل المن عليهم ومفاداتهم، فقبل ظهور الغلبة للمسلمين في الأرض يكون الأسر مفضولا، وهو ما دلت عليه آية الأنفال، وإذا التقى الجمعان فضرب الرقاب هو المطلوب حتى الإثخان وإضعاف الكفار فحينذاك يأتي دور الإسار، وإذا جرى عرف الدول على عدم قتل الأسير فمراعاة الحاكم المسلم ذلك لا ضير فيه ما لم تكن ثمة حالة خاصة.
[ ٣ / ٤١ ]
يحرم قتل المستأمن وإخفار العهد
• قوله:
٠٨ - «ولا يقتل أحد بعد أمان، ولا يخفر لهم بعهد».
ذكر هنا تأمين الكافر الحربي ومعاهدته فردا كان أو جماعة، ومعاهدة الكفار تكون مع الجزية، لكن لا مانع في حال ضعف المسلمين أن تكون معاهدة من غير جزية وهذا كان حال المسلمين إلى أن شرعت بعد غزوة تبوك، وأول جزية أخذت كانت من نصارى نجران كما في سنن أبي داود (٣٠٤١)، وروى أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ فأتوه به، فحقن دمه، وصالحه على الجزية، وفي حالة المعاهدة فإما أن يكون العهد مطلقا عن التوقيت، أي مبهما، وهذا ليس في المذهب، فإذا ظهر لإمام المسلمين نبذه أخبر الكفار بذلك، ويجوز أن يحدد العهد بمدة، والمذهب استحباب أن لا تزيد على أربعة اشهر! كما في مختصر خليل، فيتعين الوفاء بها ما لم يخل بها الكفار.
وقوله: لا يخفر لهم بعهد؛ يقال خفرت الرجل أخفره خفرا من باب ضرب، إذا أجرته وكنت له خفيرا تحميه وتمنعه، وأخفرته إذا نقضت عهده وغدرت به، والمعنى أن الكافر المحارب، غير الأسير؛ هو مهدر الدم، ما لم يؤمنه المسلم، فإذا أعطي الأمان؛ فلا يجوز قتله ولا ما يتنافى مع تأمينه لما في ذلك من الغدر، وقد قال رسول الله ﷺ: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة»، رواه مسلم عن أبي سعيد، وفي رواية: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يرفع بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة»، ونحوه في الصحيح عن ابن عمر وابن مسعود، وقال: «من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يَرَح رائحة الجنة» وهو في الصحيحة.
والحربي المستجير قسمان: أولهما: من استجار وقد بين أن غرضه معرفة أحكام الإسلام؛ فهذا يتعين إجارته ولا بد، لأمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]، وكلام الله تعالى قد تضمن أحكام الدين، فالمراد به هنا والله أعلم ما هو
[ ٣ / ٤٢ ]
أعم من سماعه ومعرفة أحكام الشرع منه ومن سنة نبيه ﷺ، والثاني: المستجير الذي ليس كذلك، فهذا يرجع النظر فيه إلى ما فيه مصلحة للمسلمين ومنفعتهم، فإذا أجير؛ حرم التعرض له حتى يبلغ مأمنه، أي الموضع الذي يأمن فيه على نفسه، وهو بلاده، فإذا بلغها عاد حربيا، وهذا فيمن طلب الجوار ابتداء، أما من عثر عليه في بلاد المسلمين فادعى ذلك؛ فقد قال مالك: «إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان، قال مالك: هذه أمور مشتبهة (في المدونة مشكلة)، وأرى أن يرد إلى مأمنه»، قال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول: ظننت أن لا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع»، ذكرهما القرطبي في تفسيره (٨٧٦) وهما في المدونة.
والذي يعطي الأمان هو الإمام بالاتفاق، ومشهور المذهب أن غير الإمام من المسلمين الذكور والإناث والأحرار والعبيد والصغار الذين يعقلون معنى الأمان؛ مثل الإمام في لزوم الوفاء، ودليل لزوم ما تقدم من الاستئمان والمعاهدة الأمر بالوفاء بالعهد في كتاب الله ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨]، ولقول النبي ﷺ: «من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشد عقدة، ولا يحلها؛ حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ لهم على سواء»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (١٥٨٠) عن عمرو بن عبسة، وقال حسن صحيح، والمراد بالنهي عن حل العقدة وشدها؛ عدم تغيير شيء مما اتفق عليه في العهد من جانب واحد، تأكيدا للزوم الوفاء، وإلا فلا مانع من الزيادة فيه أو تعديل شيء منه بالاتفاق، والأمد مدة العهد، والنبذ الطرح، أي إخبارهم بإنهاء العهد، وقوله على سواء، أي ليكون خصمه مساويا له في العلم بالنقض، حتى لا يكون ذلك منه غدرا، ولهذا الحديث قصة ذكرها الترمذي، وهي أن معاوية ﵁ كان بينه وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس، وهو يقول: «الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة فسأله معاوية عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، فرجع معاوية بالناس، قال الترمذي: حسن صحيح،
[ ٣ / ٤٣ ]
ما يستفيده الحربي بإعطائه الأمان
قال مالك: «بلغني أن عبد الله بن عباس قال: «ما ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو»، والختر النقض، وروى أحمد عن حذيفة مرفوعا: «فُوا لهم، ونستعين الله عليهم» أي أوفوا لهم بعهدهم، ولا يصح أن نتخذ الغدر وسيلة للانتصار عليهم بل ندعو الله ونستعينه عليهم.
واعلم أن الذي يستفيده الحربي من التأمين إن كان قبل الفتح أمور منها: حرمة قتله، ومنع استرقاقه، وضرب الجزية عليه، فإن وقع التأمين بعد الفتح؛ فإن الذي يسقط عنه القتل فحسب، ويرى الإمام رأيه في باقي ما هو مخير فيه، وقد تقدم، قال خليل: «وسقط القتل، ولو بعد الفتح».
[ ٣ / ٤٤ ]
لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الرهبان والأحبار
• قوله:
٠٩ - «ولا يقتل النساء والصبيان، ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا، وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت».
الذين يمنع قتلهم من الكفار سبعة هم المرأة والصبي والمعتوه والشيخ الفاني والزمن والأعمى والراهب المعتزل بلا رأي، والرهبان جمع راهب هو العابد، والأحبار جمع حبر بفتح الباء وكسرها هو العالم، وإنما منع قتل النساء والصبيان لأنهم ليسوا من أهل القتال، ولذلك لا تضرب عليهم الجزية، ولأن الله تعالى إنما أمرنا أن نقاتل من يقاتلنا، فإذا قاتل النساء ومن ذكر معهم بما يقاتل به وهو السلاح؛ قاتلناهم لتوفر العلة، بخلاف ما إذا قاتلوا بنحو الحجارة، فهذا ليس قتالا في العرف، ودليل منع قتل النساء والصبيان أن امرأة وجدت مقتولة في بعض المغازي، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان»، رواه الشيخان (خ/ ٣٠١٥) وبعض أصحاب السنن (د/ ٢٦٦٨) عن ابن عمر، وروى أبو داود (٢٦٦٩) والنسائي عن الرباح بن الربيع التميمي قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال: «انظر علام اجتمع هؤلاء»؟، فجاء فقال: «على امرأة قتيل»، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فقال: «قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا»، العسيف هو الخادم، وفيه الإشارة إلى سبب المنع من قتل النساء، ويستدل بمفهومه على قتلهن إذا قاتلن، ويستدل به على أن قتل الكافر ليس لمجرد كفره، وقال النبي ﷺ: «لا تقتلوا الذرية في الحرب»، فقالوا يا رسول الله: أو ليس هم أولاد المشركين»؟، قال: «أو ليس خياركم أولاد المشركين»؟، رواه أحمد بسند صحيح كما قال الغماري في مسالك الدلالة، وفيه تشوف الشرع إلى استبقاء ذرية المشركين، عسى أن يسلموا، ولأنهم ما زالوا قريبين من الفطرة التي فطر الله عباده عليها، وفيهم قصور عن الشرك، وفي النساء ضعف، ولاحتمال استرقاقهم على ما كان عليه الأمر
[ ٣ / ٤٥ ]
حينئذ، فهم بمثابة المال كما قال بعضهم، واسترقاق الأسرى ليس واجبا بل مباح، والشرع متشوف إلى العتاق كما لا يخفى.
فأما الرهبان والأحبار فيكفي في بيان شرهم قول الله تعالى عنهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، فهم أعظم خطرا من المقاتلين، لشدة كفرهم، ودعوتهم غيرهم إلى الكفر، ولما ينتفع به من آرائهم، وتدبيرهم وقد قيل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أول وهي المحل الثاني
فإن اجتمعا لنفس حرة … نالت من العلياء كل مكان
فليس مجرد اتصافهم بذلك مانعا من قتلهم، ولذلك اشترط فيه على المشهور أن يكونوا منقطعين عن أهل ملتهم حسا في دير أو صومعة، وأن لا يكون لهم نوع إعانة في الحرب بالرأي والمشورة، فهؤلاء يتركون ولا يسترقون كما تسترق الذرية والنساء، ويُترك لهم ما يقوم بهم من الأموال إن كانت لهم، فإن لم يكن لهم مال؛ ترك لهم من أموال الكفار، قالوا وإلا وجب على المسلمين مواساتهم!!، وقيل تترك لهم جميع أموالهم، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٦٠): «وإنما نهي عن قتل هؤلاء لأنهم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمى أحدهم حبيسا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به، فتنازع الناس في قتلهم،،،»، وقال التتائي ﵀: «ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم، بل هم من الله أبعد من غيرهم، لشدة كفرهم، وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم، فصاروا كالنساء»،!! انتهى.
والمعتمد فيما تقدم؛ ما جاء في وصية أبي بكر ﵁، ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه أميرا على فتح الشام: «وستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم وما حبسوا أنفسهم له،،،»، وهي في موطإ مالك، وفي نسخة للرسالة بدل الأحبار الأجراء، ودليله النهي عن قتل العسيف، وهو الخادم والأجير كما تقدم، ومشهور المذهب عدم
[ ٣ / ٤٦ ]
جواز قتلهم، قال الشيخ زروق: «المشهور عدم جواز قتل الفلاح والأجير والصانع إن لم يقاتلوا، وقدر عليهم، وهذا عند ابن حبيب، وعند سحنون يقتلون»، انتهى، وقد روى أبو داود والترمذي (١٥٨٣) وصححه عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ: «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم»، وفيه الحسن عن سمرة، واستحيوا استبقوا كما في رواية، وهذا إذا صح فلا دليل فيه على مشروعية قتل الشيخ الفاني، فإن المقصود بالشيوخ الكبار، يدل عليه مقابله وهو الشرخ فإنهم الذين لم يدركوا.
[ ٣ / ٤٧ ]
إعطاء الأمان للحربيين
• قوله:
١٠ - «ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان، وقيل: إن أجاز ذلك الإمام؛ جاز».
لو جاء هذا مع ما تقدم عند ذكر وجوب الوفاء بالأمان للحربي؛ لكان أولى، ولعل مناسبة عدم قتل النساء والصبيان في جانب الكفار هي التي استدعت ذكر حال النساء والصبيان في جانب المسلمين، ودليل ما قاله؛ حديث أم هانئ قالت: «أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول ﷺ: «قد أمنا من أمنت»، رواه مالك في الموطإ (٣٥٥) في باب صلاة الضحى، وأبو داود والترمذي (١٥٧٩)، وقال حسن صحيح، وهو في الصحيحين بلفظ آخر، ولعلّ مالكا لم يستدل بهذا الحديث على حكم أمان النساء لما فيه من الاحتمال، فإن قوله ﷺ «قد أمنا من أمنت»؛ يحتمل أنه تقرير لها على تأمينها فيحتاج التأمين إلى ذلك دائما، وهو ما ذكره المصنف بصيغة التمريض، ويحتمل أنه بيان لمضي تأمين المرأة في نفسه، وهذا هو الذي تدل عليه النصوص الأخرى، منها حديث أبي هريرة يرفعه: «إن المرأة لتأخذ للقوم»، رواه الترمذي (١٥٧٩) وحسنه، ونقل عن شيخه البخاري تصحيحه، ومعنى تأخذ للقوم؛ تجير عليهم، ولقوله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، رواه أحمد وأبو داود (٤٥٣١) والنسائي والحاكم عن علي، ورواه نحوه أبو داود (٤٥٣١) والبيهقي عن ابن عمرو، وقوله أدناهم يدل على وجوب الوفاء بأمان العبد المسلم، وروى أبو داود (٢٧٦٤) عن عائشة رضي الله قال: «إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين، فيجوز»، وقول المؤلف «وقيل إن أجاز ذلك الإمام»؛ هو قول ابن الماجشون وسحنون، وقد أشار إليه ابن المنذر في الإجماع، وذهبا إلى تأويل حديث أم هانئ بما تراه في النوادر والزيادات (٣/ ٧٩)، وهو ما ألمحت إليه من قبل، ويقع في نفسي أنهما أخذا ذلك من عدم استدلال الإمام بالحديث كما سبق، وقد أشار خليل إلى
[ ٣ / ٤٨ ]
الخلاف في هذه المسألة بقوله: «وإلا فهل يجوز - وعليه الأكثر - أو يمضى من مؤمن مميز، ولو صغيرا، أو امرأة، أو رقا، أو خارجا على الإمام، لا ذميا، أو خائفا منهم؛ تأويلان».
وقد ذكروا للزوم التأمين شروطا منها أنه إنما يلزم من غير الإمام إذا كان من أُمنوا أفرادا مخصوصين، أما تأمين أهل ناحية، أو بلد؛ فلا يعقد لهم الأمان إلا الإمام، فإن عقده غيره لم يلزمه، فإن شاء أمضاه، وإن شاء نقضه، ومنها أن لا يكون في التأمين ضرر على المسلمين كتأمين الجاسوس، وهكذا الطليعة وهم الذين يبعثون أمام الجيش يتعرفون طلع العدو بكسر الطاء، أي أخباره، فالأصل قتلهم، غير أنه يجوز للإمام بدل ذلك أن يسترقهم أو يسلموا، قال خليل عاطفا على ما يجوز فعله في الجهاد: «وقتل عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق».
[ ٣ / ٤٩ ]
الغنيمة والفيء
تقسيم الغنائم
• قوله:
١١ - «وما غنم المسلمون بإيجاف؛ فليأخذ الإمام خمسه، ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش».
حل الغنائم من خصائص نبينا محمد ﷺ وأمته، والأموال التي يحصل عليها المسلمون من الكفار قسمان: غنيمة وفيء، فالفيء من فاء يفيء إذا رجع، وفي الشرع كل مال حصل عليه المسلمون من الكفار من غير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف في اللغة سرعة السير، والمراد هنا لازم ذلك من التعب والحملات والقتال، والغنيمة في اللغة ما يناله المرء بالسعي، وخصها الشرع بما أخذه المسلمون من العدو بإيجاف.
وفي المذهب ولو لم يحصل القتال بالفعل كأن ينزل الجيش بأرض الكفار فيهربوا ويتركوا أموالهم، أما إذا تخلوا عنها قبل خروجه فليست غنيمة بالاتفاق، والمقاتلون ومن في حكمهم لهم حق معين في الغنيمة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]، ومفهوم كون الخمس لرسول الله؛ أن أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين، لكن هذا ليس على عمومه، فقد دل الدليل على أن سلب المقتول لقاتله على ما يأتي، وكذا الأسارى إذا رأى الإمام أن يمن عليهم ولم يسترقهم وقد تقدم، ويستثنى من الأخماس الأربعة؛ الأرض، فإنها لا تقسم، وقد استدل بعضهم على ذلك بقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم (٢٨٩٦) عن أبي هريرة: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم»، وفي هذا الاستدلال الذي ذهب إليه الطحاوي وأيده القرطبي في تفسيره (٨/ ٤) نظر لا يخفى، والمعول عليه في استثناء الأرض من القسمة على المقاتلين فعل عمر ﵁ (^١).
_________________
(١) ودليله فعل النبي ﷺ في خيبر فإنه لم يقسِمها على المقاتلين، وإنما ترك أهل خيبر يعملون فيها ويدفعون للمسلمين نِصف الغلّة.
[ ٣ / ٥٠ ]
موارد بيت المال
أما الفيء فليس للمقاتلين فيه حق متعين، وإنما هو لبيت المال، والأمر فيه وفي خمس المغنم للإمام يتصرف فيه مراعيا مصلحة المسلمين مبتدئا بالفقراء من الرجال والنساء وذوي قربى النبي ﷺ وهم بنو هاشم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وسائر بني هاشم، وقد قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (٦)﴾، [الحشر: ٦]، إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، فمصرف الفيء هو مصرف خمس المغنم باجتهاد الإمام.
واعلم أن الفيء واحد من الموارد المالية التي يختص بها بيت المال، وهي: الجزية العنوية والصلحية، وخمس الغنيمة، وخمس الركاز، وخراج أرض الصلح، أو ما صولح عليه أهل الحرب، وعشور أهل الذمة، وما أخذ من تجارتهم ومن الحربيين كما تقدم في الزكاة، ومال المرتد إذا مات على ردته، والمال الذي جهل صاحبه، ومال من لا وارث له، وقد ذكر بعضها في هذا البيت:
جهات أموال بيت المال سبعتها … في بيت شعر حواها فيها كاتبه
خمس وفيء خراج جزية عشر … وإرث فرض ومال ضل صاحبه
وينبغي أن يضاف إلى ما تقدم في هذا العصر الأموال المجموعة من الثروات الباطنية كالبترول والغاز والمعادن والمشروع من الضرائب والجبايات والرسوم المختلفة على البطاقات والجوازات وريوع المطارات والمرافئ والأسواق والهبات التي قد تحصل عليها الدولة، وقد أصبحت الضرائب وما تبعها الأساس في ميزانيات الدول الحديثة، والأصل فيها التحريم الشديد فإنها راجعة إلى المكس، ومال المسلم في الحرمة مقترن بدمه وعرضه، وقد يجوز أخذها بشرط عجز مداخيل الدولة الأخرى كالمعادن والمناجم والبترول والغاز وغيرها عن سد الحاجات، فيأخذ الحاكم ما يكمل قدرته على سد ذلك بالقسط والعدل من كل حسب طاقته، وذلك أن الحواضر لا يمكن أن يستقيم حالها إذا تركت المرافق العامة للأفراد يدبرها كل منهم كما يرى، كجلب مياه الشرب، وصرف
[ ٣ / ٥١ ]
المياه القذرة، ورصف الطرقات، والإنارة، وتوفير رواتب العمال في قطاع الخدمات العامة، كالإدارات والتعليم والصحة والقضاء، والتكفل بالعجزة والمعوقين والمتقاعدين، لكن لا شك أن المحذور موجود بل غالب، وهو التوسع الفاحش في جباية الضرائب، وعدم العدل بين المتماثلين فيها، يليه التوسع في عقوبة من تأخر في دفعها برفع المستحقات عليه، وهكذا في تقويم أعوان إدارة الضرائب لمداخيل التجار والصناع وأرباب الحرف، ومن ذلك تجاوز أوجه الإنفاق المشروعة إلى أوجهه الممنوعة المكروهة والمحرمة، ومن ذلك الإنفاق على الأمور الكمالية والزينة مع عدم سد الحاجات الأساسية، فهذه محاذير في الإنفاق لا تخفى، تنظم إلى محاذير الجباية فيعظم الخطب، ويشتد خطر هذا الأمر الذي يمس أموال الناس، ومما لا جدوى فيه الإنفاق على تسليح الجيوش والحال أن الأسلحة التي تشترى لم ترصد لما هو مشروع أولا، بل ولا تستعمل غالبا، وعلى فرض استعمالها في مقاتلة الكفار فلا جدوى في ذلك عندي إلا في حرب الدفع التي يضطر إليها، لأن الذين يبيعونها للمسلمين هم أعداؤهم، وقتالهم واجب عليهم لو كانوا قادرين، قتال دعوة، وقتال دفع، وهل يعقل أن يبيع لك عدوك ما تقاتله به قتالا ناجعا؟، وهم لا يبيعون لهم منها إلا ما مضى وقت نفعه، وانقضى أمد تأثيره، ثم يضطر المشترون إلى تحديثه، فيطلبون من الكفار قطع الغيار، بل ويعتمدون عليهم في التدرب على استعماله، إنها حلقة مفرغة لا جدوى منها والله غير تبذير أموال المسلمين، وترويج بضائع الكافرين، ولذلك فليس مستبعدا أن يقال بعدم جواز الإنفاق على الأسلحة التي لا تستعمل إلا في حروب المواجهة، ولسنا من المحلقين في الخيال فلتكتف الدول المسلمة بالأسلحة التي ترد بها الغوغاء مما هو شأن داخلي، وخير للمسلمين أن ينفقوا تلك الأموال في البحث العلمي عموما، وفي الخاص منه بالأسلحة خصوصا حتى يكونوا مستقلين فيها، فإذ ذاك يكون معنى لامتلاكها، وما عدا هذا فهو إعانة للكفار بترويج بضاعتهم من غير حاجة دنيوية ولا دينية، أقر به الناس أو أنكروا، رضوا أم سخطوا.
يؤيد هذا الذي ذكرته ما توصل إليه أهل غزة في فلسطين من صنع صواريخ وطائرات بدون طيار حلقت في سماء الأرض التي يحتلها اليهود كان مدى هذه الصواريخ
[ ٣ / ٥٢ ]
كيلومترين، ثم انتهى إلى مائة كيبومتر، وقد أنتجوا منها أنواعا كثيرة، استعملوها إبان هذه الحرب التي شنها عليهم اليهود برا وبحرا وجوا في رمضان من سنة (١٤٣٥ هـ)، (٢٠١٤)، فكادوا يفرضون بها على اليهود حصارا جويا، وقدموا فيها من التضحيات ما الله به عليم، فليس أمام المسلمين إلا توطين البحث العلمي فهو خير بكثير من إنفاق المال في شراء الأسلحة والله، ولا تظنن أني بهذا الذي ذكرته أمتدح سياسة المشرفين على قطاع غزة ولا منهجهم، ولا تعاونهم مع الروافض، وامتداح حكامهم، ولا عقدهم البيعة على منهج حسن البنا، وهي أصل للقول بالخروج على الحكام، ولا تحكيمهم ميثاق حركتهم في علاقتهم بأعداء الله اليهود بدل تحكيم شرع الله تعالى في هذه العلاقة، وما ترتب على ذلك من القتل والتدمير، ثم الاستجداء لإعادة البناء والتعمير، ولا في فك أيديهم من يد حاكمهم وخروجهم عليه، وإنما غرضي أن أضرب بهم مثلا في الذي قلته، ولولا هذه المخالفات لما كان لقتال اليهود القتال الجاد نظير يوازي قتالهم، ولهذا يصعب على كثير من الناس أن يصيب الحق حين يتكلم على هؤلاء، لفساد منهجهم من جهة، وما أظهروه من استماتة وصبر وتحمل في قتال أعداء الله اليهود، فهم فتنة من هذه الحيثية لكثير من الناس الذين لا يميزون ولا ينصفون.
واعلم أن مشهور المذهب أن الذي يقسم من الغنيمة أو الفيء؛ إنما هو غير الأرض والدور، ومثل ذلك في هذا العصر المصانع والمعامل والقطارات والطائرات ونحوها، أما هما فلا يخمسان ولا يقسمان على المشهور، بل يكونان وقفا بمجرد الفتح ولا حاجة إلى حكم حاكم بذلك، وقيل بل تقسم، وقيل الأمر إلى الإمام، والمراد بالأرض هنا الزراعية، ويؤخذ لها كراء، وتخالف الأبنية الأرض في كونها لا يؤخذ لها كراء، فإذا انهدمت وبنى أهل الإسلام مكانها دورا فلا تكون وقفا، قالوا: ولو قسمت الأرض بناء على مذهب من يرى قسمتها مضى عمله، ويشار إلى أن مذهب مالك أن مكة فتحت عنوة، فأرضها على هذا وقف.
[ ٣ / ٥٣ ]
تقسم الغنائم ببلد الحرب
• قوله:
١٢ - «وقسم ذلك ببلد الحرب أولى».
ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين»، وهو في الصحيح (خ/ ٣٠٦٦) عن أنس، قال خليل: «والشأن قسمها ببلد الحرب»، يعني بالشأن السنة وما مضى عليه عمل السلف، وقد كان النبي ﷺ يقيم بأرض العدو ثلاثة أيام، وهذا لأن في قسمتها هناك مزيد نكاية في المحاربين، وفيه إظهار للإسلام، ولأن الغنيمة فيها حق المقاتلين، والمبادرة إلى تمكين الناس من حقوقهم مطلوبة، ولأن قسمها يجعل حفظها أيسر لتولي كل أحد حفظ ماله.
[ ٣ / ٥٤ ]
• قوله:
١٣ - «وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب، وما غنم بقتال».
الركاب الإبل، فلا يقال في اللغة للفارس راكب، والمراد بيان أن الذي يخمس هو ما حصل عليه المسلمون من الكفار بقتال، أو بدخول جيش المسلمين أرض الكفار فهربوا وتركوا أموالهم لذلك، أما ما لم يكن كذلك؛ فلا يعطى حكم الغنيمة، وعليه فلا حظ خاصا للمقاتلين فيه، بل هم وسائر المسلمين فيه سواء، فيجوز للإمام تنفيل من شاء منهم ومن غيرهم، كما يجوز تنفيلهم من الخمس الذي يتولاه الإمام من الغنائم.
[ ٣ / ٥٥ ]
ما يجوز للمجاهدين من الغنيمة قبل قسمها
• قوله:
١٤ - «ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك».
الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها محرم، وهو الغلول، لكن إذا احتيج إلى الطعام وعلف الدواب؛ جاز سد الحاجة منه، ولا يكون جواز ذلك متوقفا على حال الضرورة، ولا على إذن الإمام، لأن منعه يلحق الضرر بالجيش، فإن لم تكن لهم إليه حاجة؛ فالترك هو المطلوب، ودليل هذا حديث ابن عمر ﵄ قال: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله، ولا نرفعه»، رواه البخاري (٣١٥٤)، وفي سنن أبي داود (٢٧٠١) عنه أن جيشا غنموا في زمان النبي ﷺ طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس»، يعني فيما أكلوا منه لا ما فضل.
وقال مالك: «لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ما وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع المقاسم، وأنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يؤكل الطعام،،، ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم، ويقسم بينهم؛ أضر ذلك بالجيوش، فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف، ولا أرى أن يدخر أحد من ذلك شيئا يرجع به إلى أهله».
ولعل غير الطعام والعلف يعطى حكمهما متى احتيج إليه، كمن حاز سلاحا فإن له أن يقاتل به، وهكذا من غنم فرسا فله أن يركبه، لكن عليه أن يجعل ذلك بعد القتال في الغنيمة ليخمس، وفي المدونة (١/ ٣٩٦): «أرأيت السلاح يكون في الغنيمة فيحتاج رجل من المسلمين إلى سلاح يقاتل به، أيأخذه فيقاتل به بغير إذن الإمام؟، قال: سمعت مالكا يقول في البراذين تكون في الغنيمة فيحتاج رجل من المسلمين إلى دابة يركبها يقاتل عليها ويقفل عليها، قال: يركبها يقاتل عليها، ويركبها حتى يقفل إلى أهله يريد أرض الإسلام إن
[ ٣ / ٥٦ ]
احتاج إلى ذلك»، انتهى، البراذين بفتح الباء جمع برذون وزن فرعون، هي الخيل من غير نتاج العرب، ولعل ابن القاسم إنما أجاب السائل عن السلاح بقول مالك في البراذين لكون استعمال السلاح ممن احتاجه أولى من الركوب للرجوع إلى الأهل.
قال الحافظ في الفتح (٦/ ٣٠٧): «واتفقوا على جواز ركوب دوابهم، ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب»، وقد ترجم ابو داود (٢٧٠٩) بقوله: «باب في الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة»، وأورد تحته قصة من أجهز على أبي جهل بسيفه، وهو في البخاري، وقد ورد ما يدل على خلاف ما تقدم، وحمله على عدم الحاجة أولى للجمع بين الأدلة.
[ ٣ / ٥٧ ]
الذين يسهم لهم من الغنيمة
• قوله:
١٥ - «وإنما يسهم لمن حضر القتال، أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم، ويسهم للمريض، وللفرس الرهيص».
سبق أن للمجاهدين من الغنيمة أربعة أخماسها، يأخذ كل منهم سهما أو أكثر كما سيأتي، وقد بين هنا من يسهم له، وهو من حضر القتال، فإن الغنيمة خاصة بالمقاتلين، وقال أبو بكر الصديق: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، رواه الشافعي، وعن عمر مثله، وقد ترجم به البخاري، ووهم القرطبي في تفسيره (١٦/ ٧) فعزاه للبخاري مرفوعا، ووقع ذلك لابن العربي في أحكام القرآن أيضا، ولا يريدون بحضور القتال؛ حضور المواجهة، بل حضور المناشبة، فمن مات قبل المناشبة؛ لم يسهم له، يقال ناشبه الحرب إذا نابذه، وكذلك يسهم لمن تخلف عن القتال لمصلحة المسلمين نحو كشف طريق، أو جلب عُدد، أو طعام، لكن النبي ﷺ أسهم لعثمان بن عفان من غنائم بدر، ولم يحضرها لمرض زوجه بنت رسول الله ﷺ، وقال له: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، رواه البخاري (٣١٣٠) عن ابن عمر، وقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله، وحاجة رسوله»، وهذا تعليل للإسهام، فقيل هذا كان قبل بيان من تكون له الأربعة الأخماس، وممن قال بذلك البغوي في شرح السنة (١١/ ١٠٠)، وقيل كان هذا من الخمس، وقيل هذا خاص به، فلا يقاس عليه، وممن ذهب إليه القرطبي، ويدل عليه كون النبي ﷺ جعله بمثابة من حضر بدرا، فهو من البدريين، فأما إسهام النبي ﷺ لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب عن غزوة خيبر؛ فوعد من الله تعالى في قوله مخاطبا إياهم: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ (٢٠)﴾ [الفتح: ٢٠].
وقوله ويسهم للمريض؛ بيان لحكم من خرج للقتال ثم منعه عذر من حضوره، كأن مرض، أو ضل الطريق، ففي الإسهام لهؤلاء أقوال ثلاثة، أصحها كما قال ابن العربي
[ ٣ / ٥٨ ]
الإسهام إن حصل العذر قبل القتال وبعد الإدراب، أي دخول أرض العدو، فإن كان قبل الإدراب فلا، وقال بعضهم يسهم لمن ضل ولو قبل دخول أرض العدو، بخلاف المريض فلا يسهم له إذا حصل عذره قبل القتال ولو دخل أرض العدو، لانقطاع القصد بالموت ووجوده عند التائه.
والفرس الرهيص المصاب بداء الرهص وهو داء يصيبه في الحافر، فيسهم له إذا أصيب بذلك في حال القتال أو بعده، ومثل الرهص غيره من الأدواء فيما يظهر، ويجري في الفرس الرهيص ما يجري في المريض من التفصيل عندهم.
[ ٣ / ٥٩ ]
للفرس سهمان وللفارس سهم
• قوله:
١٦ - «ويسهم للفرس سهمان، وسهم لراكبه».
المقاتل إما أن يكون راجلا، أو غير راجل، فالراجل له سهم واحد، والفارس له ثلاثة أسهم، سهمان للفرس، وسهم لصاحبه، ولا يسهم على المشهور للبعير، وراكبه يدعى جمالا، ولا للحمار، ويدعى راكبه حَمارا، ودليل ذلك ما صح عن النبي ﷺ أنه جعل للفرس سهمين، وللفارس سهما، رواه الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وذكره مالك في الموطإ (٩٨٣) بلاغا عن عمر بن عبد العزيز، ولا يختلف الأمر إذا لم يقاتل على الأفراس، كأن كانت في السفن، ووقعت الغنيمة في البحر لكونها معدة للنزول إلى البر، لأن الدليل ورد مطلقا من غير استفصال، وذلك منزل منزلة العموم في المقال، ولا لأكثر من فرس لشخص واحد، لأن المقاتل لا يحتاج إلى أكثر من واحد، وقد سئل مالك عن رجل يحضر بأفراس كثيرة فهل يقسم لها كلها؟، فقال: «لم أسمع بذلك، ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذي يقاتل عليه»، انتهى، وفي إعطاء الفرس سهمين تشجيع لما يجدي في الحرب، وقد كان للخيل أهمية كبرى فيها يومئذ، ولذلك نهي عن خصائها من دون بقية الحيوان، لأن ذلك يقلل عددها، وذكرها الله تعالى في كتابه فقال ﴿رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وقال النبي ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، رواه مالك والشيخان وغيرهما عن ابن عمر، وقال النبي ﷺ: «إنه ليس من فرس عربي إلا يُؤْذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: «اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وماله إليه»، رواه أحمد والحاكم عن أبي ذر، تأمل دعاء الفرس العربي بتحبيبه إلى مالكه حتى سأل أن يكون محببا إليه أكثر من أهله وماله!!، ولا يكون ذلك إلا لأنه يرتبطه ليجاهد عليه، والجهاد ذروة سنام دينه، وقارن بما يربط الناس من أجله اليوم الخيل، إنه الزينة والفخر والقمار و(الوعدات).
[ ٣ / ٦٠ ]
فإن قلت: ما عاد للخيل علاقة بالجهاد لو كان المسلمون قائمين به، فما وجه ربط الخير بنواصيها إلى يوم القيامة؟، فالجواب: أنا جازم بصدق ما قاله نبينا محمد ﷺ على ما أراد، وإن لم أفهم مراده وعجزت عن ربطه بالواقع، ومع ذلك فإن في الحديث دلالة على استمرار الجهاد إلى يوم القيامة، وقد احتج به البخاري على ذلك، ولما كان للخيل تلك المكانة في عهد النبوة؛ فإن الحديث دال على أن امتلاك المسلمين للقوة حسب كل زمان بعد استمساكهم بدينهم هو مناط عزهم وسلطانهم إلى يوم القيامة.
وقد اختلف هل السهام الثلاثة للفارس، أو هي على الظاهر من كون اثنين منها للفرس، وواحد لصاحبه، وتظهر ثمرة الخلاف في عبد غزا على فرس، فعلى الثاني يأخذ سهمي الفرس، ولا شيء له هو، لأنه ليس ممن يسهم لهم، وعلى الأول لا شيء له أصلا، والظاهر الثاني، لكون الحكمة من فرض السهمين للفرس ما في الخيل من الجدوى والمنفعة في الغزو، وصاحبها يتلقي مؤونتها من علف وغيره فلو لم يعوض عن ذلك لتضرر.
[ ٣ / ٦١ ]
من لا يسهم لهم
• قوله:
١٧ - «ولا يسهم لعبد، ولا لامرأة، ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال، ويجيزه الإمام، ويقاتل؛ فيسهم له».
شرط الحصول على سهم في الغنيمة؛ حضور القتال، ثم الشروط التي يكون معها المقاتل ممن يتوجه إليه الخطاب، وهي الإسلام، والعقل، والبلوغ، والصحة، والذكورة، والحرية، فلا يسهم لغائب إلا من كان عونا للمقاتلين، ولا لذمي، ولو قاتل على المشهور، ولا لمجنون، فإن أفاق وقاتل؛ فالظاهر الإسهام له، ولا لامرأة، ولا لعبد، ولا لصبي، لسقوط فرض الجهاد عن الثلاثة، والمشهور أنه يسهم للصبي المراهق بثلاثة شروط: إطاقة القتال، وإجازة الإمام، والمقاتلة بالفعل.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن،،،»، رواه مسلم (١٨١٢)، وقوله يحذين؛ يعني يعطين، من أحذاه الرباعي إذا أعطاه، ومثله الرضخ، فإنه العطاء القليل، ومن أدلة عدم الإسهام للنساء والعبيد ما رواه مسلم وأبو داود (٢٧٢٧) عن ابن عباس حيث أجاب نجدة الحروري الخارجي بأنهما ليس لهما شيء»، فإذا ورد ما يدل على الإسهام لمن ذكر أو بعضهم؛ حمل على الإحذاء والرضخ جمعا بين الأدلة.
[ ٣ / ٦٢ ]
• قوله:
١٨ - «ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل».
الأجير لا يسهم له، فإن قاتل أسهم له لوجود السبب، فإن فوت على مستأجره شيئا نقص من أجرته بحسب ما فوت عليه، ويتخلى عن الأجرة إن كانت جعالة لأجل الجهاد، حتى لا يجمع له بين البدل والمبدل منه.
وهذه مسألة هامة بالنظر إلى ما طرأ على تنظيم الجيوش من أوضاع، وانتشار ما يسمى بالاحتراف فيها لو افترضنا أن المسلمين قائمون بالجهاد الذي فرضه الله عليهم، والحال أن جيوشهم نظامية كما يقولون، أي أن أفرادها أجراء يتلقون رواتب لقاء عملهم، فهل يسهم لهم من الغنيمة أو لا؟، الجواب أن الذي يستحق الغنيمة هو من خرج بنية الجهاد حسب الظاهر، والله يتولى السرائر، والمذهب أن من استؤجر لأجل القتال؛ لا يسهم له، قال ابن عسكر في مختصره: «والأجير لمستأجره»، يعني يعطى المستأجر سهمه، وهذا فيمن استؤجر للجهاد، لا من كان أجير خدمة لفرد أو جماعة، وقال النبي ﷺ: «للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي»، رواه أبو داود (٢٥٢٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والجاعل من يدفع جعلا أي أجرة لشخص كي يغزو، فللغازي أجر السعي، وللجاعل أجران: أجر إعطاء المال في سبيل الله، وأجر كونه سببا في غزو غيره، وقيل الجاعل هو المجهز الغازي، لا المستأجر له، وقد يترجح هذا لكون الجهاد عبادة والشرع لا يشجع على الاستئجار فيها، فيكون هذا على غرار حديث: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا».
وقد اختلف في جواز الاستئجار للجهاد، فأجازه الحنفية، ومنعه الشافعي، والاستئجار الآن ليس من قبل الأفراد حتى يختلف فيه، بل هو من قبل الدول فيجوز، وقد قال ابن عبد البر في الكافي ص (٢٠٧): «ويجوز أخذ الجعل من السلطان لأنه شيء من حق
[ ٣ / ٦٣ ]
الغازي يأخذه»، انتهى، وإذا عم نظام الاستئجار للجهاد فيمكن أن يقال إن الغنيمة ما عادت أربعة أخماسها للمقاتلين بل أمرها إلى الإمام فتعطى حكم الفيء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أمر الغنيمة إلى الإمام يجتهد في توزيعها حسب المصلحة لظنهم أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (١)﴾ [الأنفال: ١]، وهذا ليس بشيء، فإن إثبات كونها لله والرسول لا يتنافى مع جعل الأربعة أخماس للمجاهدين لأن ذلك حكم الله بلغه رسوله إلى الناس، والغرض من السياق صرف الصحابة عن الاختلاف في الأنفال، بل عليهم انتظار حكم الله فيها، وقد جاء فيما بعد من السياق.
أما إن تعلقت الإجارة بغير القتال، كمن خرج أجيرا عند مجاهد مثلا؛ فالظاهر أنه إنما خرج لهذا العمل فلا يسهم له، لأنه مستغرق في خدمة من خرج لنفعه، وهذا هو الذي سماه بعضهم الأجير الخاص، وهو أجير الخدمة، والأجير العام عندهم مثل الخياط والخراز غير المتقيد بشخص، فهذا إن كان في خدمة الجيش؛ فله حكم المقاتل، وإن كان يأخذ أجرة من الأفراد؛ فهو ملحق بالأول، والظاهر أنه لا فرق بينهما لأن كلا منهما خرج عاملا أجيرا، فإن قاتلا أسهم لهما وإلا فلا، مع أنه ينبغي أن ينقص من أجر خدمتهما بقدر اشتغالهما بالقتال.
ويدل على عدم الإسهام للأجير على القتال؛ حديث يعلى بن أمية - ومنية أمه - قال: «أذن رسول الله ﷺ بالغزو، وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني وأُجري له سهمَه، فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل؛ أتاني فقال: «ما أدري ما سهمك؟، وما يبلغ سهمي؟، فسم لي شيئا، كان السهم أو لم يكن»، فسميت له دنانير، فلما حضرت الغنيمة؛ أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي ﷺ، فذكرت له أمره، فقال: «ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى»، رواه أبو داود (٢٥٢٧)، وانظر الفتح (٦/ ١٥٢) وهذا يدل على أنه لا يأخذ شيئا من الغنيمة، كما أنه لا يحصل على أجر المجاهد، لأنه أخذ البدل.
ويدل على أن أجير الخدمة إذا قاتل يسهم له من الغنيمة؛ حديث سلمة ابن الأكوع
[ ٣ / ٦٤ ]
أنه كان أجيرا لطلحة بن عبيد الله يسقي فرسه، ويحبسه ويخدمه، وأنه قاتل، فأسهم له النبي ﷺ، أخرجه مسلم (١٨٠٧) من حديث طويل في غزوة ذي قرد، وفيه احتمال، والتمسك بأحد الحديثين دليلا على الإسهام أو عدمه مطلقا ليس كما ينبغي.
قال القاضي عبد الوهاب في المعونة (١/ ٦١٣): «ولا يسهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم، لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]، ففرق بين حكميهما، فأما من قاتل؛ فله سهمه، لأنه ممن خوطب بالجهاد، ولأنه ليس في كونه أجيرا أكثر من أنه عوض على منافعه، وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل، كالذي يحج عن غيره ومعه تجارة، أو يؤاجر نفسه للخدمة، لأن ذلك لا يمنع صحة الحج»، انتهى باختصار.
[ ٣ / ٦٥ ]
إذا أسلم الكافر ومعه أموال المسلمين
• قوله:
١٩ - «ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين؛ فهو له حلال».
يريد أن الكافر الحربي إذا أسلم وفي يده شيء من أموال المسلمين استولى عليها في حال كفره؛ فإنها لا تنتزع منه، وهذا لأنه بإسلامه قد عصم دمه وماله وعرضه، وقد قال رسول الله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، ولأن الإسلام يجب ما قبله، ونظير هذا ما كان عنده من الأموال المحرمة من ربا أو خمر أو خنزير؛ فإنه لا يطالب بتركها لما تقدم، بخلاف المسلم إذا تاب، فإنه يخرج منها ولا يبقي إلا ما له إليه حاجة شديدة، وينتزع من الكافر إذا أسلم من استرقه من المسلمين في حال كفره على المشهور، وألحقوا بالرقيق المسلم في الانتزاع؛ اللقطة والحبس، فإنهما ينتزعان منه، وهكذا إذا امتلك الكافر شيئا من أموال أهل الذمة ثم أسلم؛ فهي أولى أن لا يرجعها إلى أصحابها، لا فرق بين استرقاق وغيره عند ابن القاسم، وعند أشهب؛ ينتزع منه الذمي ويرد إلى ذمته.
ولا مفهوم لقول المؤلف «أسلم»، فلو دخل الحربي بلاد المسلمين بأمان، وفي يده شيء من ذلك استولى عليه قبل تأمينه؛ فلا ينزع منه، لعموم التأمين، أما ما استولى عليه من أموال المسلمين وأهل الذمة بعد التأمين؛ فإنه ينتزع منه، أسلم أو بقي على كفره، ومثل من أسلم؛ من استولى على شيء من ذلك ثم ضربت عليه الجزية، أو دخل في عهد.
[ ٣ / ٦٦ ]
ما اشتراه المسلمون من أموال إخوانهم من عند الحربيين
• قوله:
٢٠ - «ومن اشترى شيئا منها من مال العدو؛ لم يأخذه ربه إلا بالثمن».
يريد أن المسلم إذا اشترى شيئا من أموال المسلمين أو من أموال أهل الذمة بدار الحرب من العدو؛ فإن صاحب المال المسلم أو الذمي لا يسترده إلا بثمنه الذي اشتري به، هذا إذا كان الثمن مما يحل للمشتري تملكه، فإن كان مما لا يحل له تملكه كما إذا اشترى المسلم شيئا من تلك الأموال بخنزير أو خمر؛ فإن ربه يأخذه من غير عوض، بخلاف ما إذا كان المشتري لها ذميا؛ فإنه لا يأخذه منه إلا بقيمته، لأن أموالهم المحرمة علينا محترمة، وإنما قيدوا شراءه بدار الحرب، ليخرج ما إذا وفد الحربي إلى بلاد الإسلام تاجرا بأمان منا، وباع شيئا من أموال المسلمين التي قدم بها؛ فإن أصحابها لا يقضى لهم باستردادها لا بعوض ولا بغيره.
[ ٣ / ٦٧ ]
ما وقع من أموال المسلمين في المقاسم
• قوله:
٢١ - «وما وقع في المقاسم منها؛ فربه أحق به بالثمن، وما لم يقع في المقاسم؛ فربه أحق به بلا ثمن».
إذا عثر على مال المسلم في الغنيمة قبل أن تقسم؛ فربه أحق به بلا ثمن، هذا قول مالك، وذهب ابن القاسم إلى عدم التفريق بين أن تكون الغنيمة قد قسمت أو لا، ودليل الأول ما رواه البخاري (٣٠٦٧) معلقا عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال ذهب فرس له فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ»، وهو في سنن أبي داود (٢٦٩٩) موصولا نحوه، وفيه أن عبدا لابن عمر أبق فلحق بأرض الروم، فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ.
أما إن عثر على المال بعد القسمة، ولم يكن قد علم من هو مالكه؛ فهو أحق به بالثمن، فإن تكرر بيعه؛ فله أخذه بالثمن الأول الذي باعه به من وقع في نصيبه من الغنيمة، وإن قسم في الغنيمة، وقد علم مالكه؛ فالأصل أن يأخذه مجانا، ومذهب مالك - ونقل عن الفقهاء السبعة - وسط بين من قالوا لا يرد له أصلا، ومن قالوا يرد له مطلقا، وحديث ابن عمر ﵄ المتقدم ليس فيه بيان ما إذا كان هذا الرد قبل القسمة أو بعدها، والاحتمال الأقوى أن ذلك كان قبل القسمة، وإلا لذكر كيف رد.
[ ٣ / ٦٨ ]
تنفيل الإمام يكون من الخمس
• قوله:
٢٢ - «ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام، ولا يكون ذلك قبل القسم».
النفل بفتح النون وسكون الفاء وجمعه نوافل، هو الزيادة، ومثله النافلة، والنفَل في كلام المؤلف بفتح النون والفاء جمعه أنفال هو في اللغة الغنيمة والهبة، وفي الاصطلاح الزيادة في عطاء المقاتل على السهم المقدر له في الغنيمة لما يراه الإمام من المصلحة في ذلك، وقد يعم جميع المقاتلين، أو يخص بعضهم ممن له نكاية في العدو، أو مزيد بلاء في القتال، أو يعطى للتقوية وإزالة الفتور، ويكون النفل من الخمس الذي هو للإمام يتصرف فيه بما يراه مصلحة، وقد دل على ذلك مفهوم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ولا يتأتى معرفة الخمس إلا بعد القسم، فلا يكون النفَل من رأس الغنيمة على المعروف من مذهب مالك، وقوله الآخر أنه يكون من خمس الخمس، ذكره القرطبي في تفسيره (٨/ ٣٦٢)، وقول المؤلف إلا من الخمس هو حصر إضافي، إذ أن الإمام كما يجوز له أن ينفل من الخمس يجوز له أن ينفل من الجزية وغيرها من موارد بيت المال المتقدم ذكرها، وغرض المؤلف أنه لا ينفل من الغنيمة قبل القسم، قال مالك (٩٨٣): وليس عندنا في ذلك أمر معروف موثوق إلا اجتهاد السلطان، ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ نفل في مغازيه كلها.
[ ٣ / ٦٩ ]
سلب القتيل من جملة النفل
• قوله:
٢٣ - «والسلب من النفَل».
السلب بفتح السين واللام؛ هو ما يكون مع المقتول من سلاح ومركب ونحوهما، والمراد أن المقاتل إذا أعطي السلب؛ فإنه يحسب من الخمس الذي للإمام، ولا يدخل في الأربعة الأخماس التي للمجاهدين، والمذهب أن المقاتل لا يستحق السلب إلا بقول الإمام: «من قتل قتيلا فله سلبه»، ولا يقول الإمام ذلك إلا بعد انتهاء القتال لئلا تصرف نيات المقاتلين إلى حطام الدنيا، قيل إن ذلك حرام، وقيل هو مكروه، وبعد انتهاء القتال والقدرة على العدو؛ يجوز أن يقول الإمام ذلك إذ لا محذور فيه، وقد سموا النفل من غير السلب بالنفل الجزئي لكونه معينا محدودا، بأن يعطي الإمام للمقاتل من الخمس شيئا زائدا على سهمه، بعيرا أو بقرة، وسموا تنفيلَ االإمام المقاتلَ السلبَ بالنفل الكلي، لأنه غير محدد، وإنما يأخذ المنفل من السلب؛ ما يوجد مع القتيل من ثيابه، وسلاحه، ودرعه، وفرسه، وما يشبه ذلك مما يعتاد لُبسه واستعماله، دون ما ينفرد به زعماء الكفار كالسوار، والتاج، ونحو ذلك، ودون ما يكون معهم من العين أعني الذهب والفضة، أما قول النبي ﷺ: «من قتل قتيلا له عليه بينة؛ فله سلبه»، متفق عليه من حديث أبي قتادة؛ فمذهب مالك ﵀ فيه أنه من قبيل الحكم الصادر منه ﷺ بمقتضى الإمامة لا بمقتضى الفتوى، فلا يكون السلب من حق القاتل حتى يأذن له الإمام، لكن ما عللوا به إعلان الإمام أن السلب للقاتل قبل انتهاء القتال؛ وهو أن يقاتل الناس لأجل حطام الدنيا، ينقضه أن المجاهد يعلم أن له حقا في الغنيمة، وهو لا يتنافي مع القتال لإعلاء كلمة الله إذا قصده المجاهد، نعم القصد الخالص يكون الأجر معه أعظم، ومما اعتمدوا عليه في كون السلب من النفل؛ قول ابن عباس ﵄: «الفرس من النفل، والسلب من النفل»، رواه مالك (٩٨٢) وغيره، وهو في كتاب الأموال (٧٨٧) لأبي عبيد بلفظ: «السلب من النفل، وفي النفل الخمس»، ومما
[ ٣ / ٧٠ ]
يستدل به على أن السلب للقاتل وأنه لا يدخل في الخمس ما رواه مسلم وأبو داود (٢٧٢١) عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب»، لكن في الرواية المطولة عند مسلم وأبي داود ما يدل على أن للإمام أن يمنع السلب عن مستحقه لمصلحة من تأديب أو غيره، وقد كان أول سلب خمس في الإسلام هو ما حصل عليه البراء بن مالك حين قتل مرزبان الزارة وكان عليه سواران وقَباء من ديباج ومنطقة فيها ذهب وجوهر، فقال عمر إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء بلغ مالا فأنا خامسه»، رواه أبو عبيد (٧٨١)، وقد روى أحمد وأبو داود (٢٧١٨) عن أنس أن النبي ﷺ قال يوم حنين: «من قتل رجلا فله سلبه»، فقتل أبو طلحة عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم، ونحوه في الصحيحين عن أبي قتادة (د/ ٢٧١٧)، والظاهر أن كون السلب للقاتل لا يحتاج إلى تصريح الإمام، وقد رجح القرافي في الفروق كون السلب للقاتل راجعا للفتوى لا للقضاء، فخالف ﵀ المعروف في النذهب لما تنلبن له الحق.
[ ٣ / ٧١ ]
الرباط في الثغور وما فيه من الفضل
• قوله:
٢٤ - «والرباط فيه فضل كبير، وذلك بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر، وكثرة تحرزهم من عدوهم».
الرباط في اللغة هو الإقامة، وفي الشرع الإقامة في ثغور المسلمين لحراستها، أي المواضع التي يخشى دخول العدو منها بلاد المسلمين، وإنما يثبت حكم الرباط لمن خرج من منزله قاصدا الرباط، بخلاف من سكن بأهله في الثغر فلا ينطبق عليه حكم المرابط، وحكمه كما ذكر في باب جمل من الفرائض أنه فرض كفاية، كما ذكر في النذر حكم من نذره، واقتصر هنا على فضله، وقد قالوا إنه أفضل من الجهاد، قال النبي ﷺ: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها»، رواه البخاري ومسلم وبعض أصحاب السنن عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، وقال النبي ﷺ: «عينان لا تمسهما النار:
عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»، رواه الترمذي (١٦٣٩) عن ابن عباس.
وقال ابن عمر: «فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين؛ أحب إلي من سفك دماء المشركين»، انتهى، وهو في النوادر والزيادات (٣/ ١٤)، والأمران قد يتلازمان، لكن فيه عبرة لمن أراد ممن يثيرون القلاقل في بلاد الكفار فيرتب عليها ما لا يطاق من القتل والتخريب في بلاد المسلمين، فلا هم قاتلوا العدو قتالا شرعيا، وهم غير قادرين عليه في هذا الزمان بحيث يسلم من مفاسد أعظم مما هو مشروع لأجله من المصالح كما نعتقد، وكما هو معيش معلوم، ولا هم تركوا المسلمين آمنين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولمالك كما في النوادر (٣/ ١٥): «وكلما كثر الخوف في ثغر من المرابطات كان
[ ٣ / ٧٢ ]
أعظم لثواب أهله»، وفي النوادر أيضا منسوبا للعتبية من سماع ابن القاسم قيل لمالك: ما أحب إليك الرباط أم الغارات في أرض العدو؟، قال: أما الغارات فلا أدري، كأنه كرهها، فأما السير في أرض العدو على الإصابة - يريد السنة - فهو أحب إلي»، انتهى، وهذا أثر عظيم عن مالك ﵀ ينبغي أن يعتبر به المساكين الذين يقاتلون على غير هدى، فالنية الصالحة لا تكفي أبدا، لا بد من إصابة الحق مع الإخلاص.
[ ٣ / ٧٣ ]
لا يغزو المرء من غير أن يأذن له والداه
• قوله:
٢٥ - «ولا يغزى بغير إذن الأبوين».
هذا ما دل عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك»؟، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»، رواه البخاري (٣٠٠٤)، وقارن بإسناده في بلوغ المرام، قال الحافظ: «أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما، ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده إذا فهم المعنى، لأن صيغة الأمر في قوله: «فجاهد»؛ ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مراد قطعا،،، الخ، وقال نحوه صاحب سبل السلام وجعله من المشاكلة اللفظية، وما قالاه ليس بظاهر، ولا حاجة إليه، فإنه يقال: جاهد نفسك، وجاهد هواك، وجاهد الكفار، وهذا بين، وهو الذي استأذن الرجل فيه النبي ﷺ، أما إذا قيل: جاهد في كذا؛ فإن مفعوله محذوف، فمعنى الحديث جاهد نفسك في والديك، بإتعابها في إرضائهما والقيام بمصالحهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومذهب ابن القاسم أن الإذن إنما يؤخذ من الأبوين المسلمين، وهو المشهور، وقال سحنون كما في النوادر (٣/ ٢٣): «ومن له أبوان أو أحدهما باق؛ فلا يغزو، وإن كانا مشركين»، يعني إلا بإذنهما، وقيده بعضهم بما إذا كانا شديدي الشفقة عليه وتبين ذلك بالقرائن، وإلا فإنهما قد يفعلان ذلك ليمنعاه من قتال الكفار، فلا يعتبر إذنهما.
[ ٣ / ٧٤ ]
إذا فاجأ العدو محلة قوم
• قوله:
٢٦ - «إلا أن يفجأ العدو مدينة قوم ويغيرون عليهم؛ ففرض عليهم دفعهم، ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا».
وهذا لأن الجهاد في هذه الحال فرض عين فلا يستأذن الأبوان ولا غيرهما، لأن الاستئذان إنما يكون في فرائض الكفاية والنوافل، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
واعلم أيها المسلم أن حاجة المسلمين اليوم ماسة إلى ضبط كيفية هذا النوع من الجهاد الذي هو فرض عين على المسلمين، فهذا هو الجهاد الذي لا مناص لهم منه في أي وقت: ما حدوده؟، ومن يتولاه؟، وما الحكم إذا ترتب عليه قتل المسلمين الذين اختلط بهم الكفار؟ لا سيما هذا العصر الذي اختلفت فيه وسائل القتال عما سبق اختلافا كبيرًا، فصار هذا الجهاد اليوم قتلا للمسلمين، وأمثلته بارزة للعيان، فيما يجري في العراق وأفغانستان، والصومال وباكستان، والله المستعان.
[ ٣ / ٧٥ ]