هذا بعض ما ترجم به هنا، وهو ثمانية أمور: النكاح وتوابعه من الطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع، وسيأتي بيان معاني ما ترجم له عند الكلام عليه، وقد ابتدأ بالنكاح، وهو في اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وفي الشرع خلاف اللغة، لكن قد يراد به الوطء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإن اعتباره دالا على الوطء الذي لا تحل المطلقة ثلاثا لزوجها الأول إلا به؛ أولى من اعتباره مجملا تفسره السنة مع صلاحية اللفظ للمعنى، ثم وجدت ابن العربي ذكر هذا في أحكام القرآن فانظره.
والنكاح هو أحد أمرين لا يحل قضاء الشهوة إلا بواحد منهما، والثاني ملك اليمين لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فلا تجوز تلك المتعة المنوطة بهما بغيرهما من الوسائل، ومن جملة الممنوع الاستمناء الذي كان العرب يكنون عنه بجَلد عميرة، ودليل المنع ما في الآية من التصريح بأن ما خلاهما اعتداء وظلم، وما كان ربك نسيا، ولأن الله تعالى أمر بالنكاح من قدر عليه، وأمر من لم يقدر عليه بالاستعفاف، فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، وأرشد النبي ﷺ من لم يستطع الباءة إلى ما يستعان به على درء خطر الشهوة، وهو الصوم، فمن تجاوز ما شرع الله له؛ فقد تعدى حدوده، ومن تعداها فقد ظلم نفسه، قال حرملة بن عبد العزيز سألت مالكا عن الرجل يَجلد عميرة؛ فتلا هذه الآية، يعني الآيات الثلاث المتقدمة من سورة المؤمنون.
قال ابن العربي ﵀ في أحكام القرآن (٣/ ١٣١) عن الاستمناء بعد أن ذكر تجويز
[ ٣ / ١١٧ ]
حكم النكاح
ما ينبغي أن يقصد بالنكاح
أحمد ﵀ له: «عامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به، وقال بعض العلماء إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها؛ لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها»!!، انتهى، وما نقل عن بعض السلف من أنه خير من الزنا لا دليل فيه على جوازه.
ولا يحل للرَّجُل من امرأته غير محل الحرث، لقول رسول الله ﷺ: «لا ينظر الله إلى رَجُل جامع امرأته في دبرها» رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁.
وحكم النكاح يختلف بحسب حال مريده، وأصله الندب للذي له رغبة فيه، مع قدرته على الإنفاق على زوجته، فإن انضم إلى ذلك خوف العنت على نفسه؛ كان واجبا عليه، ويحرم على من لا قدرة له على مؤنه، بحيث يضيع زوجته فلا ينفق عليها، مع عدم حاجته إليه، لأنه حينئذ ذريعة إلى المحرم، وقد قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن مسعود ﵁، والباءة هي القدرة على النكاح.
ومن أقدم عليه فليفعل بنية غض البصر، وإحصان الفرج، وإنجاب النسل الصالح الذي يذكر به، ويكون سببا في رفع درجاته، ولا يكون همه مجرد المتعة وسفح الماء، فإن النكاح لم يشرع لذلك وحده، ولذلك كان الزنا ونكاح المتعة محرمين، وليذكر بلذته ما هو أعظم منها من ملاذ الجنة حين يتزوج الحور العين، المطهرات من النقائص حسا ومعنى، فإن كل نعيم في الدنيا يذكر المؤمن به نعيم الآخرة، كي يجتهد في نيل أسبابه، وأعظمها عيشه في كنف دينه، وهكذا كل ما يناله من متاعب ومشاق في طريق الحق ينبغي أن يكون هينا عنده متى كان ذلك من أسباب نجاته مما هو أعظم منه وأشد، وقد جاء أنه ليس في الجنة أعزب، وليتخير المرأة الصالحة ذات الدين التي تعفه، فإن جمعت مع ذلك الجمال؛ فهو مما يبتغيه من النساء الرجال، وليتزوج البكر إلا لمصلحة، وليصرف نفسه أن يتزوج امرأة لمالها أو وظيفتها كما عليه كثير من المعاصرين، وقال النبي ﷺ: «تخيّروا لنطفكم
[ ٣ / ١١٨ ]
فأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم» رواه ابن ماجة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-.
قال الشيخ الخرشي في شرحه على المختصر: «وهو باب مهم محتاج إليه لكثرة وقوع مسائله، وفيه فوائد أربع: دفع غوائل الشهوة، والتنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة، والمسارعة إلى تنفيذ إرادة الله تعالى ببقاء الخلق، وإرادة رسوله ﷺ بقوله: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم»، وبقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح»، انتهى بتصرف.
[ ٣ / ١١٩ ]
أركان النكاح
عدم تسمية الصداق في النكاح لا يضر
ترتيب الأولياء في النكاح
• قوله:
٠١ - «ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل».
أركان النكاح خمسة، أولها: المحل، وهو وجود الزوج والزوجة الخاليين من الموانع، ولم يذكره المؤلف لوضوحه، والثاني: الولي، والثالث: الصيغة، وهي الإيجاب والقبول من الطرفين، وهي دليل الركن الذي هو التراضي، ويغني عنها الآن التوقيع على ما يعده الموثق أو غيره من أعوان الدولة مما يكتبه فإن الإيجاب والقبول دليل الرِّضا، لكن تقديم الإيجاب والقبول على الإمضاء خير، والرابع: الصداق، والخامس: الشاهدان العدلان، لكن الشروط الثلاثة الأول لا بد منها ابتداء، فأما الصداق؛ فلا يشترط في صحة العقد ذكره، لأن نكاح التفويض جائز كما سيأتي، وإن كان يستحب تقديم شيء منه وهو أقله على الدخول، ويستدل لذلك بما رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل بفاطمة ﵄ حتى يعطيها شيئا، فلما قال: «ما عندي شيء»، قال: «فأين درعك الحطمية»؟، والحطمية بضم ففتح، قال في النهاية هي التي تحطم السيوف، والصداق إن اتفق على إسقاطه؛ كان العقد فاسدا، وإن لم يذكر في العقد؛ صح، وعين قبل الدخول، فإن دخل وتنازعا مضى النكاح بصداق المثل، وسيأتي الحديث على الشاهدين.
واعلم أنه متى قيل بفسخ النكاح قبل الدخول وثبوته بعده؛ كان «من باب إعادة الصلاة في الوقت، ليُدرَك العمل على سنته، وكمال حسنه»، ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٨٤)، يعني بذلك أن النكاح صحيح.
والولي في المذهب وصي، أو قريب، أو مولى، أو سلطان، أو مُطْلَق مسلم، والقريب مرتب فيقدم الابن، فابن ابن، فالأب، فالأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، فالجد، فالعم، فابن العم، ورواية المدنيين عن مالك تقديم الأب على الابن،
[ ٣ / ١٢٠ ]
دليل شرطية الولي في النكاح
وشرط الولي في تزويج المسلمة؛ الإسلام والبلوغ والعقل، ويشترط في كماله العدالة، والرشد.
ودليل شرطية الولي في النكاح قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا أمر مقيد والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو وإن كان في الإماء؛ فقد دل الدليل على عدم الفرق بين الحرة والأمة في هذا الأمر، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وأقوى من هذا قول النبي ﷺ: «لا نكاح إلا بولي»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي موسى، وهو نص في انعدام ذات النكاح شرعا من غير ولي، أو يحمل على أقرب المجازات وهو انعدام الصحة، ولقول النبي ﷺ: «لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها»، رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي، عن أبي هريرة، قال الألباني في الإرواء (ح/ ١٨٤١) صحيح غير الجملة الأخيرة، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، رواه أصحاب السنن، (د/ ٢٠٨٣)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وأيما من ألفاظ العموم، فلا ولاية للمرأة على نفسها في النكاح من غير فرق بين ثيب وبكر، فإن هذا الحديث مبين للأحقية التي أعطيت للثيب دون وليها، فليس المراد منها إلا القدر المذكور، وهو أن تأمر بالتزويج صراحة، وإن شكك في هذا المعنى ابن رشد في بداية المجتهد، واشتجروا؛ تنازعوا واختلفوا، أي الأولياء المفهوم من ولي، بحيث يمنعون المرأة من النكاح، لا مجرد تشاحهم في الأولوية، فإن تساووا؛ فالعقد لمن سبق منهم، وقوله فالسلطان ولي من لا ولي له»؛ هذا يصدق على من لها ولي، لكنه عضلها، كما يدل على من لا ولي لها أصلا.
ولا غضاضة على المرأة في شرطية الولي، فإنها يجوز على قول في المذهب أن تتولى تزويج الرجل بالوكالة، وكيف يكون في ذلك غضاضة والابن يزوج أمه باتفاق الناس، ومن الحكمة في عدم تولي المرأة عقد النكاح بنفسها صيانتها عن حضور المجالس
[ ٣ / ١٢١ ]
رد دعوى بعضهم عدم صحة الدليل على شرطية الولي
العامة لما في ذلك من الاختلاط والتكشف، وإبقاء على حيائها من أن تصرح أمامهم بذلك، قال في الحجة البالغة: «واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن، منشؤها قلة الحياء، واقتضاب - كذا ولعل الصواب وافتيات - على الأولياء، وعدم اكتراث بهم،،،».
واعلم أن الشارع باشتراطه تولي ولي المرأة إنكاحها ضمن لها صلتها ببيتها الأول، وأحسن نقلتها إلى بيت جديد، فإذا احتاجت إلى الأول بوفاة زوجها أو تطليقها؛ رجعت إليه، والذين يدعونها إلى الزواج من غير ولي، يريدون اجتثاثها من بيت أوليائها، وقطع صلتها بهم، والطلاق أمر محتمل، وصلة الرحم مطلوبة، وكثيرا ما لا تلتقي مع استئثار المرأة بإنكاح نفسها، ومما يترتب على عدم اشتراط الولي فتح المجال للزنا وتغطيته بدعوى الزواج، وقد جرى الاحتيال على ما في قانون الأسرة وهو بقية أحكام الله عندنا في العلاقات بين الناس مرارا ومن ذلك ما أدخل فيه إرضاء لجهات ناكبة داعية لمساواة المرأة بالرجل من أن المرأة تعقد نكاحها «بحضور وليها»، وهذا يعني إلغاء ولاية الولي عليها في النكاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا بد هنا من الإشارة إلى ما ذكره ابن رشد ﵀ في بداية المجتهد (٢/ ٨ - ١٢)، وبيان ما فيه حسب ما يسمح به المقام، فقد قرر أن الأدلة التي ساقها من قالوا بشرطية الولي وعدم شرطيته؛ ليست نصا فيما ساقوها له، واحتج بأن الولي لو كان شرطا؛ لما أغفل الشارع بيانه، ولذكر مراتب الأولياء، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولعموم البلوى بهذا الأمر، ولأن الناس كانوا يتزوجون في المدينة، وقد كان فيها من النساء من لا ولي لها، ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان يعقد أنكحتهم، ولا نصب لذلك من يعقدها، وذكر أن هذا الأمر لو كان شرطا؛ لكان ينبغي أن ينقل نقلا متواترا، أو قريبا من التواتر، وكرره أكثر من مرة، وقرر أن الحديث إذا لم يكن متفقا على صحته؛ فلا يجب العمل به، هذا معنى ما قاله في كتابه عن اختلاف العلماء في شرطية الولي، فارجع إليه.
وما قاله من أن الحديث إذا لم يتفق على صحته لا يجب العمل به؛ مردود لا يحتاج إلى بيان، سواء أراد به اتفاق المسلمين على صحته، أو اتفاق الشيخين، فإن لازم هذا؛ أن كثيرا من الأحكام يسقط وجوب العمل بها، بل تسقط معظم مباحث كتابه نفسه، وهي زلة
[ ٣ / ١٢٢ ]
رد قول من زعم أن الشرع لم يعين مراتب الأولياء
عظيمة منه ﵀، وقد كررها في غير موضع من كتابه، فوجب التنبيه، وهكذا ما اشترطه لإثبات لزوم الولي من التواتر أو ما هو قريب منه، وحسبك من ذلك أن تغسيل الميت ليس فيه إلا حديث واحد، وإنما الذي ينبغي أن يقال: إن ما اتفق عليه الشيخان هو مما تلقته الأمة بالقبول فيتعين العمل به عند المسلمين، بل ويحصل به العلم، وقد يستثنى من كان عالما بالحديث إذا ضعف شيئا منها، كما يستثنى من اتبعه غير متعصب له، وما ليس فيهما، أو أحدهما؛ فإن من صح عنده الحديث من العلماء المختصين؛ لزمه العمل به ولا بد كما يلزم من اتبعه، ومن لا فلا، إلا أن يدل على ذبك دليل آخر إذ لا حصر للاستدلال في الحديث.
ومن هذا القبيل حديث «لا نكاح إلا بولي»، فإنه ثابت عند فريق من أهل العلم، منهم علي بن المديني، والترمذي، وابن حبان، وغيرهم من الجهابذة، ومثله أحاديث أخرى مصرحة ببطلان النكاح من غير ولي، وظواهر القرآن وعموماته تؤيد تلك النصوص، وحكى ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وبهذا يتبين أن التسوية في الاستدلال بين الفريقين ليست كما ينبغي.
وقوله بعدم بيان الشارع مراتب الأولياء ممنوع، فإن الشارع قد طلب استئذان البكر واستئمار الثيب، فمن الذي يوجه إليه الأمر بذلك ابتداء؟، وهل يعقل أن يحيل الشارع على المجهول في هذا الأمر؟، وقد قرر أهل الأصول تعذر توجيه الأمر للمجهول في باب الواجب الكفائي، فمن قيل إنه هو الذي يستأمر أو يستأذن فهو الولي، فلما قال النبي ﷺ: «وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»؛ عقلنا أن الأولياء قد يتفقون، فلا إشكال، ولا يمكن أن يكون الأولياء هنا عامة المسلمين، وإن كان بعضهم أولياء بعض بنص القرآن، بل المراد أولياء معينون، فإن اختلفوا؛ بحيث يمنعون المرأة من النكاح وهذا معنى الاشتجار؛ زَوَّجَ السلطانُ، ولما قال فالسلطان ولي من لا ولي له»، عقلنا أن هناك أولياء يسبقون السلطانَ في الرتبة، ولا يصح الافتيات عليهم بسلبهم الحق في تزويج نسائهم ولو من السلطان نفسه، ثم تطلبنا مراتبهم في الأحقية فكان الاعتبار بقوة تعصيبهم في الميراث، وهذا سند لا ينبغي الارتياب فيه، وقد علمت تلك المنازل فيما سبق على اختلاف العلماء فيها.
[ ٣ / ١٢٣ ]
أما ما ذكره ﵀ من وجود نساء في عهد النبي ﷺ لا أولياء لهن، ولم يُذكر أن النبي ﷺ زوجهن، ولا نصب من يزوجهن؛ فإنه من الأعاجيب في دفع العمل بالدليل، والتفصي منه بالقال والقيل، وما ذا لو قلبنا هذا الأمر على قائله، فقلنا هلم مثالا واحدا على أن امرأة زوجت نفسها من غير ولي، وأقر النبي ﷺ نكاحها، على أنه لو حصل؛ لما كان مستبعدا، ولو وقع هذا لما اختص بحكم الولي من بين سائر الأحكام، فإن التكليف مشروط بالعلم والاستطاعة، وبيان النبي ﷺ للشرع بقوله كاف، فمن علمه؛ لزمه العمل على وفقه، ومن لم يعلمه؛ فإنه غير ملوم لانعدام الشرط، ثم إن ما قاله غير مُسَلَّمٍ، فإن أخبارا عدة قد وردت بتزويج بعض الناس بناتهم أو غيرهن فبين الشارع حكم ذلك، ورد بعض الأنكحة، وخير النساء في بعضها، وجاءته الواهبة نفسها فزوجها من غيره، والظاهر من هديه أنها لم يكن لها ولي، وقد ترجم البخاري على الحديث بقوله: السلطان ولي، وهذا كاف في البيان والله المستعان، والمهتدي من هداه الله، وبعد كتابة هذا وقفت على كلام نفيس للعلامة الكحلاني في سبل السلام (٣/ ١٢٠) يرد فيه على تلك الشبهات التي في كلام ابن رشد، فارجع إليه إن شئت.
[ ٣ / ١٢٤ ]
من لم يشهد على العقد فلا يدخل حتى يشهد
• قوله:
٠٢ - «فإن لم يشهدا في العقد؛ فلا يبني بها حتى يشهدا».
المذهب صحة عقد النكاح إذا لم يُشهد الطرفان عليه شاهدي عدل، لكن يلزم الإشهاد ولا بد قبل الدخول، فهو شرط في صحة الدخول لا في صحة العقد، فإن تم الدخول من غير إشهاد؛ فسخ، ولا يحدان إن اشتهر أمر الزواج بنحو دخان، أو دف، أو وليمة، فإن لم يشتهر؛ حدا لما في ترك ذلك من الذريعة إلى الفساد، إذ لا يشاء أحد أن يزني إلا زنى، ثم يزعم أنه تزوج، فقاومت هذه الذريعة الخطيرة الشبهة التي تدرأ الحد، وسد الذرائع إلى الفساد أصل اشتهر به مذهب مالك، وإنما قالوا بعدم شرطية الإشهاد في صحة العقد؛ لتشبيهه بعقود البياعات والإجارات، إذ لا يجب الإشهاد فيها، مع أن في ذلك نزاعا.
وقد دل على شرطية الإشهاد على النكاح قول النبي ﷺ: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، رواه البيهقي عن عمران بن حصين وعائشة ﵄، ورواه ابن حبان في صحيحه عنهما نحوه، وروى الطبراني عن أبي موسى مرفوعا: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»، وهذا مطلق يحمل على المقيد، فتكون العدالة مشترطة كما هو المذهب، وما أقلها في هذه الأعصار، فليعمد إلى كثرة الشهود كما قالوا، وقد رجح القرطبي في تفسيره القول باشتراط الشاهدين في صحة العقد، إذ قال: «قول الشافعي أصح للحديث الذي ذكرناه».
وقد احتج أبو الوليد الباجي ﵀ على عدم الشرطية بحديث أنس ﵁ قال: «أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت، فألقي فيها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟، قالوا: إن حجبها؛ فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها؛ فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل؛
[ ٣ / ١٢٥ ]
وطأ لها خلفه، ومد الحجاب»، رواه البخاري (٤٢١٣)، قال الباجي في المنتقى (٣/ ٣١٣): «فوجه الدليل من هذا الحديث؛ أن أصحاب النبي ﷺ قالوا إن حجبها؛ فهي من أمهات المؤمنين، ولو كان أشهد على نكاحها؛ لعلموا ذلك بالإشهاد»، انتهى.
قلت: قول أنس فقال المسلمون …؛ لا يلزم منه أن يكون جميعهم لم يعلموا، فإن المطلوب في النكاح شاهدان فحسب، والناس في سفر، كما أنه لا ضير إذا لم يعلم أنس ﵁ بذلك.
فإن قيل: كيف لا يعلم وهو خادم النبي ﷺ؟؛ فالجواب: أن ذلك لا يقتضي علمه بكل أحواله، ولا يلزم أن يتم العقد في مكان أنس موجود فيه، ومما يلزم من احتج بهذا الحديث على أن النكاح يصح من غير إشهاد؛ أن يسقط الإشهاد من النكاح جملة، عند العقد وعند الدخول، لأن الصحابة على قول من احتج بالحديث لم يعلموا بزواج النبي ﷺ من صفية إلا بعد بنائه بها بثلاثة أيام كما هو ظاهر الخبر، أعني لم يعلموا أهو نكاح أو ملك يمين، ولو قيل إن نكاحه ﷺ إياها لم يشهد عليه غير أنه شاع؛ لما قبل هذا أيضا من قائله، وإن كان شيوع النكاح كافيا، لأنه إذا احتج بالحديث على عدم الإشهاد؛ فأحرى أن يستدل به على عدم الشيوع، وكل دليل من الكتاب أو السنة احتج به على غير ما هو له فأنت واجد فيه إن شاء الله توفيقك ما يرد ذلك الاحتجاج، لكن ينبغي أن يوضع في الحسبان بعد هذا البيان أن عدم اشتراط الإشهاد حال العقد هو قول عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير والحسن بن علي وعبد الرحمن بن مهدي، وممن قال بلزوم الإشهاد عند العقد الأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وقبلهما عبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن المسيب، ذكرهم الباجي في منتقاه، فالحاصل أنه لا بد من إعلان النكاح؛ فإن تم باستفاضة الخبر كفى، وإلا فلا بد من الشاهدين، وقد رجح ابن تيمية مذهب أهل المدينة في هذا الأمر، فلينظر مجموع الفتاوى (٣٢/ ١٢٧).
[ ٣ / ١٢٦ ]
القول بأن الصداق عوض عن الاستمتاع
• قوله:
٠٣ - «وأقل الصداق ربع دينار».
الصداق بفتح الصاد وكسرها؛ يجمع قياسا على أفعلة، أي أصدقة، قال ابن مالك: في اسم مذكر رباعي بمد * ثالث أفعلةُ عنهم اطرد».
ويقال أيضا صدُقة وجمعها الصدُقات بضم الدال فيهما، والصداق حق للمرأة بالعقد، لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، وقد أبطل الله تعالى بهذا ما كان عليه أمر الجاهلية، كان الزوج يعطي المال لولي المرأة، ويسمونه حلوانا، فجعله الله تعالى للمرأة خالصا، وسماه نحلة، وهي العطية بلا قصد عوض، فهو منحة وإكرام من الرجل للمرأة، وليس في مقابل الاستمتاع، وإن قال به كثير من العلماء، حتى إنهم قيدوا البيع في تعريفه بما يخرج النكاح منه، فقالوا في تعريفه: «عقد معاوضة على غير منافع، ولا متعة لذة»، ولأنه لو كان في مقابل الاستمتاع؛ لكان على المرأة أن تعطي للرجل صداقا، لأن الاستمتاع قدر مشترك بينهما، فيسقط من الجانبين، فكما أن الاستمتاع حق له عليها، فهو حق لها عليه، ولهذا إذا كان لا قدرة له على إعفافها؛ ساغ لها أن تطلب مفارقته، كما يلزم بالفيئة إذا آلى، وإلا طلقت عليه، لأن في ذلك إضرارا بها، ثم إنه لو كان الصداق عوضا عن الاستمتاع؛ لكان ينبغي تجديده بتجدد ما هو عوض عنه، فإن هذا هو شأن الأعواض كلها، وما علمنا بعوض لم يحدد له حد أدنى، ومع ذلك يستمر طول الحياة، ومما يدل على ذلك أيضا؛ ما جاء من الترغيب والحض على تقليله والتياسر فيه، فإن الشارع لم يعهد منه التدخل في الأعواض تدخله في أمر الصداق حتى قبل فيه خاتم حديد، واعتبر الشرع أكثر النساء بركة؛ أيسرهن مهرا، وكان يلزم أهل المذهب أن يقولوا بهذا المعنى، لأنهم جعلوا أقله ربع دينار، واعتبروه حقا لله تعالى لا يجوز التنازل عنه كما سيأتي.
[ ٣ / ١٢٧ ]
حق الله وحق الزوجة في الصداق
ولعل المراد من الصداق في الأصل التفريق بين المخادنة المحرمة، والزواج المباح الذي تكون به المرأة خاصة بزوج واحد، ومن ذلك أن الزوج يبرهن أنه قادر على الإنفاق على زوجته، وتسمية الله تعالى له أجرا في أكثر من آية لا يدل على خلاف ما قلنا، فإنه سبحانه سماه أيضا بغير ذلك الاسم، كالنحلة والصدقة وهي من الصدق، على أن الأجر في العربية لا يقع دائما في مقابل منفعة تلحق معطي الأجر كما لا يخفى، ومعنى الأجر في النكاح كما قال الراغب في مفردات القرآن أنه كناية عن المهر، ويذكر هنا ما قاله ابن المنير ونقله الحافظ في الفتح في كتاب النفقات الباب الأول: «تسمية النفقة صدقة؛ من جنس تسمية الصداق نحلة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل؛ كاحتياجه إليها؛ في اللذة، والتأنيس، والتحصن، وطلب الولد؛ كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاء إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة»، انتهى، والعلم عند الله.
والصداق عند أهل المذهب فيه جانبان تعبدي هو حق الله تعالى، وهو أقل ما يجزئ فيه، فلا يجوز التنازل عنه من المرأة، وما زاد على ذلك؛ ترك لطرفي النكاح يتفقان عليه، ولهذا كان له في المذهب حد أدنى، وهو ربع دينار ذهبي، وهو ٠٦، ١ غ، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أي ٩ غ تقريبا، أو قيمة كل منهما من العملات، أو ما يعادلها من العروض، ويشترط فيه ما يشترط في الثمن من الطهارة والانتفاع والقدرة على التسليم، وهذا وجه قول خليل: «الصداق كالثمن»، ولا حد لأكثره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وإن كان التغالي في المهور مكروها عند الإمام وغيره، لما ورد من امتداح المرأة القليلة المهر، وما قاله بعض أهل العلم ومنهم الشبخ مشهور بن حسن سدده الله من أن المرأة إذا خطبها من ترضى أمانته ودينه وأصدقها مهر مثيلاتها يلزمها القبول اعتمادا على حديث: «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»، رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة، وهو في الصحيحة برقم (١٠٢٢)، قلت الاستدلال بالحديث على ما ذكر ليس بالبين، والله أعلم.
[ ٣ / ١٢٨ ]
معتمد القول إن للصداق حدا أدنى
وقد رأوا أن أقرب ما يمكن اعتماده في بيان حده الأدنى مما له به شبه؛ هو نصاب القطع في السرقة، وهذا مع ما فيه من الشناعة؛ فقد وقع في مقابل النص، فيكون فاسد الاعتبار، والمقيس عليه؛ هو نصاب القطع في السرقة، وهو ربع دينار، بجامع استباحة العضو المحرم!!، قال مالك في الموطإ: «لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع»، مع أنه ﵀ قد روى في موطئه حديث سهل بن سعد الساعدي في الواهبة نفسها، وفيه قول النبي ﷺ لمن أراد تزوجها: «التمس ولو خاتما من حديد»، ولهم في الجواب عنه آراء هجرانها أولى.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٦٢): «وقد ضعف جماعة من المالكية هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة؛ ليس بالبين، لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز، ونحوه لعبد الله بن الفخار منهم، ثم قال الحافظ: «نعم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، يدل على أن صداق الحرة؛ لا بد أن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر، يحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة»، انتهى، قال كاتبه: هو دال على ارتفاع مهر الحرة على الأمة بحسب الواقع، وليس بحسب الشرع، فلا يتم المراد، ولأن أهل المذهب لم يفرقوا في أقل الصداق بين الحرة والأمة، ولأنه لا خلاف أن الصداق إنما يتحدد باتفاق الطرفين، فإذا طلب من الزوج ما لا يقدر عليه؛ كان غير مستطيع، ثم وجدت صاحب الاستذكار قد أشار إلى بعض ما قلت، وكما أنه لا حجة في هذه الآية، فلا حجة في قوله سبحانه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فالصواب إن شاء الله: ترك التحديد، وهو قول ابن وهب ﵀ انفرد به من بين أصحاب مالك، قاله في الاستذكار (٥/ ٤١٠)، إذ يرى جواز النكاح على الدرهم والنعل والسوط، وهو في شرح أبي الحسن (٢/ ٣٠٣) بالنقل عن اللخمي، وعدم التحديد هو قول أكثر علماء المدينة كسعيد بن المسيب وابن شهاب ورييعة شيخي مالك، قاله ابن عبد البر في الكافي، وقد قال الدراوردي لمالك رحمهما الله حين سمعه يذكر هذا القياس: «تعرقت يا أبا عبد الرحمن»، يعني اتبعت القياس كأهل العراق.
قلت: ولو كان هذا القياس صحيحا ما كان فيه بأس، فإن القياس لا يختص به أهل العراق، وإن كانوا قد أكثروا منه.
[ ٣ / ١٢٩ ]
إنكاح الأب ابنته البكر ولو بالغة من غير إذنها
• قوله:
٠٤ - «وللأب إنكاح بنته البكر بغير إذنها، وإن بلغت، وإن شاء شاورها، وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره؛ فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها، ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول».
لما كان الولي شرطا في صحة النكاح، وكان الأولياء مختلفين في إجبار من هم أولياء عليهن؛ بين هنا ما للأب من الخصوصية في تزويج بنته الصغيرة، والبكر وإن كانت بالغة من غير اشتراط رضاها، فيجوز له أن يزوجها بمن يرى، ولو كان دونها قدرا وحالا، ما لم يكن فيه إضرار بها كتزويجها من مجبوب، وأبرص، أو مجذوم، أو مجنون يخشى عليها منه، قالوا: كما له أن يزوجها على أقل من صداق مثلها، دون غيره من الأولياء، والمراد بالبكر من لم يسبق لها أن أنكحت، أو أنكحت ولم يدخل بها، أو دخل بها، ولم توطأ، ما لم تطل إقامتها عند الزوج، ويدخل في البكر من ثيبت بزنا، ومن كانت عانسا، وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها، فهذا حكم الأب مع البكر، لكن يستحب له إن كانت بالغة مشاورتها، وأن لا يزوجها من قبيح منظر، ولا من أعمى، ولا من أشل.
واعلم أن البكر إما صغيرة لم تبلغ، وإما بالغة، فالأولى يجوز تزويجها جبرا من الأب باتفاق أهل العلم إلا من شذ، بل نُقل على جوازه الإجماع، ودليله قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، ووجه الدلالة منه أن الشارع ألزم من لم تحض بالعدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة إلا من طلاق، ولا يكون الطلاق إلا بعد النكاح، ولما كانت الصغيرة لا رأي لها؛ فمشاورتها وعدمها سواء، لكن تسليم إمضاء تزويج الأب بنتَه الصغيرة من غير رضاها؛ لا يلزم منه تسليم جواز تزويجها ممن فيه إضرار بها في عشرتها، كما ذكروا في الأعمى، والأشل، وقبيح المنظر، ثم إن كونها لا رأي لها لا يسلم على إطلاقه، فإنها إن كانت مميزة؛
[ ٣ / ١٣٠ ]
كان لها رأي، بدليل صحة بيع الصبي عندهم، وإن توقف على إمضاء وليه، وإن كانت غير مميزة؛ فلينظر في جدوى تزويجها، والاحتجاج للمسألة بتزويج أبي بكر عائشة للنبي ﷺ، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع؛ قوي، ودعوى الخصوصية لا تقبل من القائل بها، ولكن الرجل إذا كان عالما بموافقة ابنته على الزواج؛ فلا ينبغي أن يختلف في إمضائه، ولا علم عندنا بما جرى في ذلك التزويج من التفاصيل.
وقد صار تزويج الصغيرة في هذا الزمن مما يتعجب منه بعضهم كيف يشرعه الله تعالى؟، وقد رأيت بعض المنسوبين للعلم يقيده بتسع عشرة سنة وما دريت ولا إخالني أدري من أين استقى هذا القيد إلا أن يكون ذلك مِنْ خبراء الأمم المتحدة الذين صاروا يقترحون على المسلمين السن التي يباح فيها تزويج نسائهم، والحكم كما علمت قرآني والقرآن لم يوجب تزويج الصغيرة، ولكنه لم يمنع ذلك، ومن أنكر الجواز بإطلاق فما بي من حاجة إلى ذكر موقعه من الدين، وقد روى النسائي عن بريدة بن الحصيب قال: خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة -رضي الله تعالى عنها- فقال رسول الله ﷺ: «إنها صغيرة»، فخطبها علي فزوجها منه، قال الألباني بسند صحيح، قال السندي: «فيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى الألفة، نعم قد يترك ذلك لما هو أعلى منه كما في تزويج عائشة -رضي الله تعالى عنها-» انظر التعليقات الرضية للألباني (٢/ ١٥١).
أما البكر البالغ؛ فقد أثبت مالك في موطئه أثرين عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهما كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن، ونقل عنهما وعن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون في البكر يزوجها أبوها بغير إذنها؛ إن ذلك لازم لها، واحتج بعمل أهل المدينة فقال: «وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار».
وقد احتج لتزويج الأب بنته البكر من غير رضاها بمفهوم المخالفة في قول النبي ﷺ: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت؛ فهو إذنها، وإن أبت؛ فلا جواز عليها»، رواه أبو داود (٢٠٩٣) والترمذي (١١٠٩) عن أبي هريرة، وحسنه، قالوا هذا دليل على اختلاف اليتيمة عن غيرها فلا تستأمر، وهذا كما ترى اعتماد على مفهوم اللقب، وهو من أضعف المفاهيم، وقالوا إن تسمية المرأة يتيمة هنا باعتبار ما سبق، وهو موت أبيها قبل بلوغها،
[ ٣ / ١٣١ ]
وإلا فإن من بلغت لا تدعى يتيمة، فالمراد باليتيمة البكر البالغة، هذا معنى ما قاله الخطابي في معالم السنن، والمسألة مبنية على جواز إطلاق الوصف بعد مفارقته الذات، وفي ذلك أقوال ذكرها صاحب المراقي في الأبيات (١٨١) إلى (١٨٤)، وقد بنوا عليها حكم من قذف مطلقته قبل زواجها، هل يلاعن أو يحد؟، وحمل لفظ اليتيمة على البكر البالغة مجاز مفتقر إلى دليل صارف عن الحقيقة فأين هو؟، ولذلك فالظاهر صحة الاحتجاج بهذا الحديث على جواز تزويج اليتيمة، ومعنى لا جواز عليها، أي فلا تعدي عليها بإجبارها على النكاح.
ومن الأدلة على تزويج الأب بنته البكر من غير رضاها عندهم؛ قول النبي ﷺ: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها»، رواه مالك (١١٠٣) ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس، ووجه الدليل منه أنه أثبت الحق للثيب في الزواج، ومعناه عند الجمهور؛ أنها لا تزوج إلا برضاها، وتصريحها بقولها، فدل على أن البكر بخلافها، وهذا ليس بجيد، فإنه كما ترى ليس فيه إلا التفريق في درجة التعبير عن قبول الزواج من الثيب والبكر، مراعاة لطبيعة كل منهما، وما هي عليه من الخصوصية، ومن الخفر والحياء، ولأن الحديث ذكر استئذان البكر، فيكون الاستئذان مطلوبا، والظاهر وجوبه، إذ كيف يقال بوجوب الاستئمار، وندبية الاستئذان وهما في سياق واحد؟، وبعد ذلك فما الفائدة من الاستئذان إذا أبت فزوجت من غير قبولها؟، يقويه أنه اعتبر إذنها وهو صماتها أي سكوتها، فإذا أبت؛ فلا يصدق عليها أنها أذنت، وقد اعتل بعض أهل العلم بأن الاستئذان لا يراد منه هنا إذن المرأة المراد تزويجها، قالوا: يدل عليه قول النبي ﷺ: «آمروا النساء في بناتهن»، رواه أبو داود (٢٠٩٥) عن ابن عمر، قالوا وليس المراد أنهن إذا أبين تزويج بناتهن لا يمضي تزويج الآباء.
قلت: هذا غريب، فإنه إذا صح هذا؛ وقد جاء ما يصرفه عن ظاهره؛ فأين ما يصرف استئذان البكر عن ظاهره؟، ثم إن الأول استئذان في الغير، وهذا استئذان في النفس، فكيف يسوى بينهما؟.
أما مالك ﵀؛ فقد حمل البكر في الحديث على من لا أب لها، روى ذلك عنه ابن
[ ٣ / ١٣٢ ]
القاسم وابن وهب وعلي بن زياد كما في المدونة، ولعل سبب الحمل ما سبقت الإشارة إليه مما ذكره من الآثار في تزويج الأبكار من غير استئذانهن، مع شيوع ذلك في المدينة، وقد رد الباجي في المنتقى (٣/ ٢٦٦) رواية مسلم التي صُرح فيها بالفاعل، أعني قوله ﷺ: «يستأنذنها أبوها»، بترجيح الرواية التي بُني فيها الفعل لما لم يسم فاعله، أعني قوله والبكر تستأذن، وهذا ليس بشيء، فإن الروايتين لا داعي للترجيح بينهما، فإن إحداهما من تصرف الرواة بلا ريب؛ متى كان الحديث واحدا، ولم يرد ما يدل على تكريره منه ﷺ، ولأن التصريح بالفاعل هو الأصل.
ثم رجح الباجي ما ذهب إليه بما جاء من ذكر اليتيمة في بعض الأحاديث، وهذه اللفظة إن جاءت في الحديث نفسه؛ كانت شبهة قوية، وإن جاءت في غيره من الأحاديث فلا منافاة، لما تقدم من أن لفظ اليتيمة مفهوم لقب، ومما احتج به مالك على تزويج الأب البكر البالغ من غير موافقتها قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]، ولم يذكر مشورة، وهو من سماع ابن القاسم عنه كما في النوادر (٤/ ٣٩٤).
وعدم ذكر المشورة في السياق بعد تسليم الاستدلال بشرع من قبلنا، وهو معروف عن مالك، عده من أصوله غير واحد من أعلام المذهب؛ لا يدل على عدم وجودها، والتي تزوجها موسى ﵊ يظهر أنها هي التي أرسلها إليه أبوها، فقالت له: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، وهي التي اقترحت على أبيها أن يستأجره لقوته التي رأتها، وأمانته التي خبرتها، فأي مشورة بقيت على أبيها تجاهها وقد صدر عنها هذا الامتداح إذا سلمنا أنه لم يشاورها؟، ولو سلمنا ذلك؛ فإن هذا شرع من قبلنا، والخلاف فيه معروف؛ لو لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وقد ترجم البخاري بقوله: «لا يُنكح الأبُ وغيُره البكر والثيب إلا برضاهما»، وأورد تحت الترجمة قول النبي ﷺ: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟، قال: «أن تسكت»، قال الحافظ: «إن الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة، بكرا كانت أو ثيبا، صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر
[ ٣ / ١٣٣ ]
غير الأب لا يزوج البكر حتى تبلغ وتأذن
لا تزوج الثيب إلا بإذنها بالقول
الحديث، لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى، لأنه لا عبارة لها»، انتهى، كما أطلق في ترجمته على حديث خنساء بنت خدام (خ/ ٥١٣٨)، وقد رواه مالك في الموطإ، وهي التي زوجها أبوها وهي كارهة فرد النبي ﷺ نكاحها بقوله: «إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة؛ فنكاحه مردود»، ولعله لم يقيد الرد بالثيوبة؛ للعلة الجامعة، وهي كراهة التزويج من الثيب والبكر، أو لأن الحديث وإن لم يذكر فيه غير الثيب؛ فقد دل الحديث الآخر على استئذان البكر، فراعاه في الاستنباط، وفقه البخاري كما قيل في تراجمه، وعلل الحافظ إطلاق البخاري بما في بعض الروايات من أن التي رد نكاحها كانت بكرا.
ومن الأدلة على رد نكاح البكر إذا زوجت بغير إذنها؛ حديث ابن عباس ﵄ أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة؛ فخيرها النبي ﷺ «رواه أبو داود (٢٠٩٦)، وفيه مع ذلك حجة لمن قال يزال ما في العقود من الفساد، ويبقى عليها، متى أمكن ذلك، وقال النبي ﷺ: «استأمروا النساء في أبضاعهن» رواه أحمد والنسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-.
أما غير الأب من الأولياء وصيا كان أو غيره؛ فلا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، فإذا بلغت استؤذنت، وإذنها صماتها على ما ورد في الحديث المتقدم، وهكذا إذا قبلت باللفظ، خلافا لمن جمد على اللفظ، وسيأتي أن الوصي مثل الأب في الإجبار بشروط، وفي المذهب جواز تزويج اليتيمة، أعني التي لم تبلغ الحلم بشروط ذكرها خليل في مختصره وغيره، وقد سبق أن لفظ اليتيمة حقيقة فيمن لم تبلغ، فلا يصرف إلى البالغة إلا بدليل، وانظر في تزويج اليتيمة مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٢/ ٤٨).
ومن زالت بكارتها بعارض كالقفز أو الحيضة القوية أو الحادث أو بزنا؛ فإنها لا تعطى في المذهب حكم الثيب، وهكذا من ثيبت قبل البلوغ؛ فإنها تعامل معاملة الصغيرة، فلا يزوجها إلا الأب أو وصيّه بشروط على ما تقدم، أما الثيب فلا يزوجها أب ولا غيره إلا برضاها بالقول، وقد نقل على ذلك الإجماع.
[ ٣ / ١٣٤ ]
• قوله:
٠٥ - «ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها، كالرجل من عشيرتها، أو السلطان».
قد تقدم اشتراط الولي في النكاح، وأن المرأة لا تتولى العقد بنفسها، وأشار هنا إلى أنواع الأولياء، وهو قول لعمر بن الخطاب ﵁ في الموطإ بلاغا عن سعيد بن المسيب أنه قال فذكره، ووصله الدارقطني في كتاب النكاح (٣٢) من سننه عن سعيد، لكن لفظ «كالرجل من عشيرتها»؛ ليس من قول عمر، فيظهر أنه تفسير مالك نقله المصنف.
وقد اختلف في كلام عمر في موضعين: في معنى ذي الرأي، وفي لزوم ترتيب الجهات الثلاثة المذكورة، أما الاول فقال مالك: «فذو الرأي من أهلها الرجل من العشيرة أو ابن العم، أو المولى، وقال ابن نافع هو الرجل من العصبة، وذو الرأي قيل ذو الصلاح والفضل، وقيل هو الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور»، انظر شرح أبي الحسن، وعلى هذا التفسير لذي الرأي من أهلها، يكون المراد بالولي في قول عمر نوعا من الأولياء، وهو الأقرب الأقعد بالمرأة، ويدخل في هذه المرتبة الكافل على المذهب لأنه مقدم على السلطان.
وأما الثاني فإنه إذا وجد أكثر من جهة من هؤلاء؛ فقد وقع النزاع هل يجب الترتيب بحيث لا يزوج القريب إلا إذا فقد الأقرب، أو يجوز من غير ترتيب إذا وافق المزوج وجه الصواب من الكفاءة والمصلحة، ولو كان ذلك مع الكراهة، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٩١): «قول عمر اختلف فيه أصحابنا على قولين: فمنهم من قال: إن قوله وليها أو ذو الرأي من أهلها أو السلطان أن كل واحد من هؤلاء جائز نكاحه ونافذ فعله إذا أصاب وجه الصواب من الكفاءة والصلاح، وقال آخرون أراد بقوله وليها أقرب الأولياء وأقعدهم بها، وأراد بقوله ذو الرأي من أهلها عصبتها أولو الرأي، وإن بعدوا منها في النسب، إذا لم يكن
[ ٣ / ١٣٥ ]
الولي الأقرب، وكذلك السلطان إن لم يكن ولي قريب، وجعلوا قول عمر على الترتيب لا على التخيير»، انتهى.
قلت: والترتيب هو قول اللخمي، والتخيير قول الباجي، أشار إليه ابن ناجي في شرحه، وقد أشار خليل إلى المشهور بقوله: «وبأبعد مع أقرب، إن لم يجبر»، انتهى، يعني فلو زوجت المرأة البالغة البكر بالولاية العامة، مع وجود وليها المجبر كالأب في ابنته؛ فإن النكاح في المذهب فاسد، ويفسخ أبدا، ولو أجازه المجبر، انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢٢٦)، فليعتبر بهذا الذين يزعمون أنهم مالكيون، ثم لا تمنعهم تلك الدعوى من ارتكاب حماقات تخالف الحق ثم المذهب الذي يحاجون غيرهم بما فيه، فيركبون الأحموقات والمجازفات التي تقطع صلة المرأة بأهلها فتكون إضرارا بها وهم يزعمون أنهم يلهثون وراء مصلحتها.
[ ٣ / ١٣٦ ]
جواز تولي الأجنبي ولاية المرأة الدنية
رواية عن الإمام بعدم الفرق بين الدنية والشريفة
• قوله:
٠٦ - «وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا».
يعني بالأجنبي من له على المرأة ولاية الإسلام فحسب، ومشهور المذهب أن الدنية من النساء، وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال، ولا مال ولا حال، ولا قدر، وقيد بعضهم بما إذا كانت في قرية لا سلطان فيها، فهذه يختلف أمرها عن غيرها، فيجوز نكاحها بإذنها بالولاية العامة مع وجود الولي الخاص رعاية للمصلحة إن لم تكن مجبرة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وعللوا ذلك بأنها يتعذر عليها رفع أمرها إلى الحاكم، فلو كلفت ذلك؛ لأضر بها وتعذر إنكاحها، قاله الباجي، ولأن الوالي لا تلحقه معرة من زواجها كالشريفة، والرواية الثانية لأشهب عن الإمام أن الشريفة والدنية ومن لا خطب لها في ذلك سواء، وهذه الرواية هي التي ينصرها الدليل العام، قال ابن العربي كما في المسالك: «وتارة ألحق الدنية بالشريفة أخذا بعموم الحديث، وهو الأسلم في النظر، والأسلم في الحسب، فإن تعيين الدنية من الشريفة يعسر في المراتب، فسد الباب أولى»، انتهى، وإذا كان المراد من القول الأول تيسير سبيل التزويج على ما علل به الباجي؛ فإن القول الثاني لا يمنع التيسير متى قام داعيه، من غير فرق بين دنية وشريفة.
[ ٣ / ١٣٧ ]
• قوله:
٠٧ - «والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق، وإن زوجها البعيد مضى ذلك».
لما قدم الكلام على الولي عموما أشار هنا إلى ترتيب الأولياء الذين يتعددون حسب الأحقية في إنكاح المرأة الثيب، والمذهب مراعاة أحقيتهم في الميراث في الجملة، فأولاهم الابن وإن من زنا، فابنه، فالأب، فالأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، فالجد، فالعم، فابن العم، وقيل يقدم الجد على الأخ لكون الجد أبا، وتقديم الابن على الأب هو المشهور، لأنه أقوى منه في التعصيب، وهو قول ابن القاسم، وهو تحصيل المذهب من أصحاب مالك المصريين، وقيل إن الابن لا ولاية له على أمه إلا أن يكون من عشيرتها، لأنه لا ينسب إليها، ورد هذا بتزويج عمر بن سلمة أم سلمة ﵃ من النبي ﷺ، رواه أحمد والنسائي عنها، لكن الاحتجاج به على تقديم الابن على الأب باطل، لأن أباها لم يكن موجودا حين تزويجها، وقد أعل الحديث المذكور بأن عمر كان سنه حين تزوج أم سلمة سنتين، وانظر في ذلك نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٢٥٦)، والمحلى لابن حزم (٩/ ٤٥٧)، لكن الغماري أقر الاستدلال به على المشروعية في مسالك الدلالة ص (١٨٣).
والظاهر رواية المدنيين عن مالك أن الأب أولى من الابن لكمال شفقته وحسن نظره مع ما في السنة مما يشهد لتقديم الكبير على الصغير في الكلام كقول النبي ﷺ كبر الكبر، وقد تقدم ذكر الخلاف فيما لو زوج الأبعد مع وجود الأقرب، وأن المشهور مضي النكاح بذلك، ويشعر الناظر في هذا الباب بكثرة اضطراب الأقوال كما قاله إسماعيل بن إسحاق القاضي وابن عبد البر.
[ ٣ / ١٣٨ ]
يزوج الوصي الطفل ولا يزوج الصغيرة
• قوله:
٠٨ - «وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها».
الوصي مقدم على غيره من الأولياء بشرطين: أن يوصيه الأب بتزويج ابنته، وأن يعين له الزوج، وقيل لا يشترط التعيين، وكل من جبرها الأب؛ فهي مجبرة للوصي، وهن المجنونة مطلقا، والبكر ولو عانسا، والثيب إن صغرت مطلقا، والثيب البالغ إن ثيبت بعارض، أو بحرام كزنا، أما الثيب الكبيرة بنكاح؛ فالوصي فيها ولي، ويكون في مرتبة الأب، وإذا كانت المرأة وصية؛ مضت وصيتها، لكن لا تباشر التزويج بنفسها، بل توكل غيرها من الرجال أولياء كانوا، أو غير أولياء، قال خليل: «وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف، وهو في الثيب ولي»، انتهى.
أما من كان وصيا على طفل؛ فإن له أن يزوجه ولو لم يوصه الأب، لأنه يقوم مقامه في رعاية مصالحه، فيمضي تصرفه فيها، كما يمضي تصرف والده، وإنما فرقوا بينه وبين الطفلة في الزواج؛ لأنه إذا بلغ يمكنه أن يختار لنفسه المرأة التي في عصمته أو غيرها، بخلاف المرأة فإن عصمتها بيد غيرها، فلا يمكنها التحرر ممن لم ترده إذا كبرت، وقد ترجم البخاري ﵀ على تزويج أبي بكر عائشة ﵄ بقوله إنكاح الرجل ولده الصغار، لكن ابن العربي ﵀ أبى هذا في المسالك (٥/ ٤٧٥) فقال: «وأغرب ما فيه قول علمائنا أن الوصي يزوج الصغير قبل البلوغ، ولا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، وكان ينبغي أن تكون المسألة بالعكس، لأن زواج المرأة منحة، وزواج الصغير عزم، فلا أراه بحال حتى يبلغ ويعلم ما يدخل فيه»، انتهى، وهو قول ابن حزم أيضا، لكن إطلاق القول بالمنع فيه شيء.
فإن قلت: ما فائدة تزويج الصغير، وهو لا يعف المرأة؟، فالجواب: أن غرض الرجل والمرأة من النكاح ليس ذلك فحسب، وإذا قبلت المرأة الزواج بالصغير الذي له
[ ٣ / ١٣٩ ]
مال ينفق منه عليها، وكان هو في حاجة إلى من يخدمه ويقوم على شؤونه، وتعذر ذلك على الوالد، أو على الوصي، فأين المحذور مع ما للطرفين في هذا الزواج من المصالح، وهكذا إذا كان الزوج معتوها أو معوقا، وليس الكلام هنا إلا في الجواز، نظير الكلام في تزويج الصغيرة.
[ ٣ / ١٤٠ ]
أولو الأرحام ليسوا من الأولياء
• قوله:
٠٩ - «وليس ذوو الأرحام من الأولياء، والأولياء من العصبة».
كلام المؤلف هذا يبين أن قول عمر ﵁ أو ذي الرأي من أهلها؛ لا يراد به عندهم من ليس من عصبتها على المذهب، بل إن ذلك إشارة إلى من هو أبعد من الأولياء نحو الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وأما أقارب المرأة غير العصبة كالخال والأخ لأم والجد لأم فإنهم داخلون في ولاية المسلمين العامة، والذي يظهر أن غير العصبة من أولي الأرحام مقدمون على غيرهم من المسلمين ممن ليسوا مثلهم، من كان منهم وارثا كالإخوة لأم، ومن ليسوا كذلك كالأخوال، فإن اسم الولاية الخاصة يتناولهم، قال في الروضة الندية (٢/ ١٥٦): «الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى، فالأدنى، الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات،،،».
[ ٣ / ١٤١ ]
المنع من خطبة المرء على خطبة أخيه
خطبة الحاجة في النكاح
• قوله:
١٠ - «ولا يخطب أحد على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه، وذلك إذا ركنا وتقاربا».
هذا شروع من المؤلف في بيان بعض ما يمتنع في النكاح لخروجه عما هو شرط فيه، أو حصوله مع مانع من صحته، وبيان فسخه متى يكون، ومتى يمضي، وجماع ذلك عائد إلى الصداق كأن يسقط، أو يكون محرما، أو إلى ما ينافي النكاح من التوقيت، أو لمانع من النكاح في الزوجين، وقد بدأ بالكلام على الخطبة، وهي من خطب يخطُب من باب نصر خطبة بالكسر فهو خاطب، والخطبة إبداء الرغبة في الزواج من الرجل أو وكيله، أو من المرأة أو وليها، وأما الخُطبة بالضم؛ فهي القول والكلام، فالخطبة بالكسر مضمونها طلب التزويج بخاصة، والخطبة بالضم أعم من ذلك.
والمستحب أن يخطب الراغب في الزواج بخطبة الحاجة وهي الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ الآيات الثلاث المعروفات من سور آل عمران، والنساء، والأحزاب، هكذا جاء عن ابن مسعود ﵁، قال: علّمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة فذكر الأول، ثم قال: والتشهد في الحاجة فذكره، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وحسنه الترمذي (١١٠٥).
قال مالك: «وكانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد الله، والصلاة على نبيه، ثم يذكر إجابته»، وقال: «الخطبة في النكاح مستحبة، وهي من الأمر القديم، وما قل منها فهو أفضل»، وهو في النوادر، وقد قال النبي ﷺ لعلي حين خَطَب إليه فاطمة ﵄: «هي لك،
[ ٣ / ١٤٢ ]
اعتقاد لزوم حضور إمام في عقد النكاح
جواز الخطبة ما لم يركن إلى الخاطب الأول
على أن تحسن صحبتها» رواه الطبراني عن حجر بن قيس.
ويحسن التنبيه هنا على أن الناس قد اعتادوا أن يحضروا إمام مسجد أو من يظنونه من أهل العلم والصلاح ليتولى العقد، وجرت عادتهم أن تلقى كلمة بعد العقد يظن بعضهم أنها لازمة، والعقد بدونها ناقص أو باطل، فكان من الواجب على من يتولى ذلك أن يعلمهم أنها كلمة لا دخل لها في العقد، وأنه صحيح بدونها، وأن يغتنمها لتعليمهم شيئا من دينهم لا أن تكون كلمة محفوظة تكرر في كل العقود، وقد تتضمن أحاديث ضعيفة بل باطلة كالقول بأن مهر حواء كان صلاة آدم على النبي صلى الله عليهما وسلم، ومن الخير أن يتدرج معهم في الوصول إلى تركها لأن المخالفات هذا شأنها تبتدئ خفيفة ثم تصير عادة وينقلها الناس إلى حيز السنة، ويعتقد بعضهم لزوم قراءة فاتحة الكتاب قبل الخطبة، ويختار بعضهم صيغة للصلاة على النبي ﷺ بألفاظ متكلفة، ومنها صلاة (الفاتح)، وقد تنطوي على ما لا يشرع قوله، مع ترك الصلاة الإبراهيمية المشروعة، أو يقال الصداق هو صداق الولي الفلاني لشخص يعظمونه، وهكذا ما يعتقده بعضهم من أن ولي المرأة لا يجيب حتى يكرر عليه الزوج أو وكيله الخطاب ثلاث مرات، والله الهادي
ومن أراد أن يخطب امرأة؛ فإن علم أن غيره تقدمه إلى خطبتها، فإما أن يكون قد ركن إليها، أي مال إليها وتراضيا، أو وعد بذلك ولم يرد، وأولى إذا اتفقا على الصداق، ولم يبق إلا العقد؛ فإن كان هذا؛ حرم عليه أن يخطبها لقول النبي ﷺ من جملة حديث أبي هريرة: «،،، لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه»، رواه الشيخان والترمذي (١١٣٤) وغيرهما عنه، ورواه أحمد والبخاري (٥١٤٢) والنسائئ عن ابن عمر، وانظر التحفة للمباركفوري (٢/ ١٩٢)، وقد يقال إذا علم من أراد أن يخطب أن من تقدمه إلى المرأة لا يرد؛ وجب عليه ترك الخطبة، لأن علمه بذلك يقوم مقام علمه بركونها إليه، وقد استنبط البخاري ﵀ هذا المعنى من حديث ابن عمر في تزوج النبي ﷺ حفصة -رضي الله تعالى عنها- فانظرة فيه برقم (٥١٤٥).
وإنما قيد منع الخطبة بالركون والتراضي لحديث فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- قالت من جملة حديثها: «،،، فلما حللت ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية بن سفيان وأبا جهم بن هشام
[ ٣ / ١٤٣ ]
الخطبة على خطبة الفاسق والذمي
خطباني، فقال رسول الله ﷺ: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله في ذلك خيرا واعتبطت به»، رواه مالك (١٢٢٨) ومسلم والأربعة، ووجه الدلالة منه حسب رواية مالك أنه ﷺ علم بخطبة معاوية وأبي جهم فاطمة، ومع ذلك اقترح عليها الزواج بأسامة، فيحمل على أنها لم تكن ركنت لواحد منهما، بل ذلك هو المتعين، وإلا فكيف تذكرهما له؟، وبهذا يجمع بين فعله ﷺ هذا، وبين نهيه عن خطبة المسلم على خطبة أخيه، فيكون حديث النهي مخصصا بالفعل، وقد اعتبر مالك تأويل الحديث بما ذكر مما لا بد منه، وإلا «فهذا باب فساد يدخل على الناس»، قاله في الموطإ، وقريب منه كلام الترمذي في جامعه، وليس في الحديث غيبة، بل هو من باب النصيحة وقد تكون فاطمة طلبتها من النبي ﷺ، أو بادرها بها، ولأنه مبرأ من أن يتكلم في واحد من أمّته تشهيا، ولأن كلامه إذا لم يوافق ما هو عليه في الواقع كان رحمة للمتكلم كما جاء ذلك عنه.
وظاهر المصنف أنه لا يخطب على خطبة الفاسق بالجارحة لأنه مسلم، لكن المذهب أنه لا حرمة له، فيجوز للصالح الخطبة عليه، وهو قول ابن القاسم، وقال: «فإنه ينبغي للولي أن يحضها على تزويج الرجل الصالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه»، وهو في الاستذكار (٥/ ٣٨٤)، وأحرى أن يجوز له خطبة الكتابية على خطبة الذمي، فيكون المراد بالأخ في الحديث على هذا خصوص المؤمن غير الفاسق، وقيل إن الحديث خرج مخرج الغالب، فيكون المراد الأخوة العامة، وعلى هذا فلا يجوز له أن يخطب على الذمي وهو المشهور، وهو قول مالك ﵀، وقد أجابوا عن المشهور وهو جواز الخطبة على المؤمن الفاسق وعدم جوازها على الذمي، بأن المسلم الفاسق لا يقر على ما هو عليه بخلاف الذمي، وقالوا إن الفاسق بالاعتقاد كالقدرية الذين يقولون بأن الإنسان خالق أفعاله؛ لا يتزوج منهم، ولا يزوجون، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
[ ٣ / ١٤٤ ]
تحريم نكاح الشغار
أقسام الشغار الثلاثة وحكمها
• قوله:
١١ - «ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع».
يقال شغر البلد يشغر شغورا من باب قطع، إذا خلا من الناس، ولم يبق به أحد يحميه ويضبطه، والشغار بكسر الشين من هذا المعنى على الراجح، فإنه نكاح جاهلي، يتزوج فيه الرجل المرأة بغير مهر، على أن يزوج غيره امرأة بغير مهر، فخلو النكاح من المهر شرطا، مع جعل الفرج مقابل الفرج هو وجه تسميته شغارا، وقد أبطل الإسلام هذا الضرب من النكاح في جملة ما أبطله من الأنكحة، قال ابن عمر ﵄: «نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق»، رواه مالك (١١٢٤) والشيخان وأصحاب السنن، والتفسير المذكور للشغار من كلام نافع، كما في سنن أبي داود، وقيل هو من كلام مالك، وتخصيص البنت بالذكر في الحديث ليس قيدا في النهي، بل هو فرد من أفراده المنهي عنها كما عليه أهل العلم، وفي بعض الروايات جاء ذكر غير البنت وجاء مطلقا أيضا، لأن العلة حسب التسمية إسقاط الصداق مع اشتراط التزويج عوضا عنه، وهو ما يفيده قول المؤلف في تعريف الشغار: «وهو البضع بالبضع»، بضم الباء، أي الفرج بالفرج.
ونكاح الشغار في المذهب أنواع ثلاثة: صريح الشغار، ووجه الشغار، ومركب منهما، وجميعها فيه شرط المبادلة، لكن الأول فيه إسقاط الصداق من الطرفين، والثاني فيه إثبات الصداق من الطرفين، والثالث فيه إسقاطه من أحدهما، وقد قيل إن المؤلف اقتصر على الأول، وهو إسقاط الصداق من الطرفين، ولا يسلم هذا لقائله، فإن كلامه يشمل الأنواع الثلاثة، لأن كلا منها فيه البضع مقابل البضع.
وحكم صريح الشغار الفسخ قبل الدخول وبعده من غير خلاف، والفسخ يكون بغير طلاق، لأنه نكاح باطل من أصله، والمشهور أن يكون بطلاق.
[ ٣ / ١٤٥ ]
ووجه الشغار وهو أن يسمى لكل واحدة من المرأتين صداقا، فيكون المحذور فيه اشتراط تزويج هذه بتلك، وهذا يفسخ قبل البناء لا بعده، وقد تقدم وجه التفريق بين الفسخ قبل الدخول وإمضائه بعده من كلام ابن عبد البر، ولكل من المرأتين حينئذ الأكثر من مهر المثل والمسمى، يعني إن كان الصداق المسمى لكل منهما يساوي مهر المثل اكتفي به، وإن كان أكثر ترك لها، وإن كان أقل من مهر المثل زيد فيه ليبلغه، وإنما قالوا ذلك؛ لأنه قد يكون لشرط مقابلة التزويج بالتزويج؛ تأثير في نقص الصداق عن صداق مثيلات المرأة، ويدل على أن وجه الشغار داخل في الشغار ما رواه أبو داود (٢٠٧٥) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: «هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ»، وقد احتج به الألباني ﵀ في التعليقات الرضية (٢/ ١٧٣) لمذهب الجمهور القائلين بالبطلان، لكن الحديث ليس فيه بيان م إذا كان ذلك قبل الدخول أو بعده.
وسمي الثالث مركبا لأن فيه اشتراط التزويج مع إسقاط الصداق من جهة فقط، فهو أشد من الثاني ودون الأول، وحكمه أنه يفسخ قبل البناء، أما بعده فيثبت نكاح المرأة التي سمي لها بالأكثر من صداق المثل والمسمى، وقيل بصداق المثل، والأول هو الراجح عندهم، أما من لم يسم لها؛ فيفسخ نكاحها، وليس لها إلا صداق المثل، والمراد بمهر المثل أن يفرض للمرأة نظير ما يفرض لمثيلاتها في الحال، وهو الدين والحسب والنسب والمال والجمال، ولا ينظر في ذلك إلى أختها وقريباتها، إذ قد يزوج الفقير لقرابته بصداق أقل من صداق المثل، ويزوج البعيد لغناه بصداق أكثر من مهر المثل، وإثبات النكاح بعد الدخول مهما قيل به إنما يكون إذا لم يمنع منه مانع آخر كأن تزوج المرأة كارهة على ما تقدم.
[ ٣ / ١٤٦ ]
لا نكاح متى اتفق على إسقاط الصداق
• قوله:
١٢ - «ولا نكاح بغير صداق»
وهذا لأن الله تعالى أمر به، ونهى عن أخذ شيء منه بغير رضا المرأة، وقد تقدم أنه من أركان النكاح، غير أنه لا يلزم ذكره في العقد، لكن لا يصح العقد إذا اتفق على إسقاطه، فإذا لم يذكراه كان المطلوب تحديد الصداق قبل الدخول، فإن دخل بها؛ فرض لها ما يتراضيان عليه، فإن اختلفوا كان لها مهر المثل، وسيأتي مزيد كلام على هذا عند الحديث على نكاح التفويض.
[ ٣ / ١٤٧ ]
تحريم نكاح المتعة
ما في نكاح المتعة من المخالفة لمقاصد الشرع
حقيقة نكاح المتعة عند الشيعة الإمامية
• قوله:
١٣ - «ولا نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل».
معنى المتعة الاستمتاع، سمي كذلك عنوانا على أن غرض المتزوج التمتع بسفح الماء، وقضاء الوطر، لأنه تزوج إلى أجل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (٢١)﴾ [الروم: ٢١]، فرتب الله تعالى على الزواج هذه الأمور الثلاثة: السكون إلى الزوجة، بزوال اضطراب الوحشة، والمودة، فإذا عزبت بقيت الرحمة الباعثة على حسن المعاملة، فأين هذا من نكاح المتعة، كما أن المراد من النكاح النسل، إذ قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو الولد أو هو من جملة ما يرتب على النكاح، وقال النبي ﷺ: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، رواه أحمد وصححه ابن حبان كما في بلوغ المرام، ووصف الطلاق بأنه أبغض الحلال إلى الله تعالى، مع أنه طارئ على عقد النكاح المراد به الدوام، فكيف بالعقد المؤجل من أصله الذي لا حاجة فيه إلى الطلاق؟، ورتب الله تعالى على الزواج التوارث من الطرفين، وثبوت النسب، وأوجب الإنفاق على المطلقة مدة العدة، ومدة الحمل والرضاع إن كانا، وحرم أم الزوجة بالعقد، وبنتها بالدخول، وكثير من هذه الأمور تفوت في نكاح المتعة، أو يعسر مراعاتها والتأكد منها، إذ يمكن أن يكون الأجل في نكاح المتعة يوما أو يومين، فأنى لنا مع هذا التأجيل أن نضبط ما تقدم من الأحكام، وأن نلتزمها؟.
والمعروفون بهذا النكاح هم الشيعة الإمامية فلنعرف حقيقته عندهم، وإن كان لا يلزم من قال بجوازه من غيرهم ما ضبطوه هم به فإن العمدة في رده عند جمهور أهل السنة التوقيت، ولهذا حده المؤلف بقوله «وهو النكاح إلى أجل»، فما زاد على التأجيل من المخالفات؛ فإنما هي ظلمات بعضها فوق بعض، وضغث على إبالة كما كانت العرب
[ ٣ / ١٤٨ ]
النكاح المشروع لا يراد منه سفح الماء
تقول.
وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام (٣/ ١٢٧) نكاح المتعة عند الشيعة الإمامية نقلا عن كتبهم فقال هو: «النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول وغايته إلى خمسة وأربعين يوما،،،، وحكمه أنه لا يثبت لها مهر غير المشروط، ولا تثبت لها نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا يثبت به نسب إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه،،،»، فأنت ترى بأن معظم ما هو مرتب على النكاح في الشرع لم يرتب على هذا النكاح المزعوم.
ومن المنقول عنهم أن المستمتع بها لا تعد في عدد الزوجات الأربع الجائز الجمع بينهن عند الجمهور، فله أن يجمع بين الكثير من النساء، وهم لا يقولون برجم المستمتع، لأنهم لا يعدونه محصنا بنكاح المتعة، وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه قوله تعالى: «محصنين غير مسافحين»، وهذا تناقض صريح منهم،،،»، ذكر ذلك الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، ثم قال: «فالحاصل أن القرآن بعيد عن هذا القول، ولا دليل في هذه الآية، ولا شبه دليل عليه البتة»، انتهى، وقال ﵀: «وقد كنا قلنا إن عمر منع المتعة اجتهادا منه، وافقه عليه الصحابة، ثم تبين لنا أن ذلك خطأ فنستغفر الله منه،،،»، انتهى باختصار.
وقد أشار كتاب الله تعالى إلى أن الزواج المشروع لا يراد منه سفح الماء وحده، وإنما هو للإحصان، واشترط ذلك في الزوجات حرائر وإماء، وفي الأزواج ولو تزوجوا الكتابيات!، إذ لو كان المراد سفح الماء لكان المناسب لكمال اللذة ودفع الشهوة غير هذا، فيكون أشبه بنزو البهائم، بل البهائم لها ضابط فطري لا تتجاوزه، قال تعالى في المسلمات الحرائر: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى في الإماء: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى في نساء أهل الكتاب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
فإن قلت: ما وجه ذكر هذه المساوئ وقد كان نكاح المتعة مباحا، فالجواب: أن
[ ٣ / ١٤٩ ]
دليل تحريم نكاح المتعة
لا دليل في القرآن على إباحة نكاح المتعة
ذلك الاستمتاع جرى في وقت الحل، والله أعلم بمصالح عباده، وهو سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وحيث حرمه فلا لوم على من ذم من ارتكب ما حرمه، ولو كان ذلك غير محرم في وقت ما كالخمر والربا وغيرهما، فأين المحذور؟.
قال القرطبي في تفسيره للآية (٢٣٦) من سورة البقرة: «ولما نهى رسول الله ﷺ عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة، وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن»، انتهى.
ومتى ضرب للنكاح أجل لم يصح العقد، فإن أضمر الزوج التأجيل؛ فإن ذلك لا يؤثر في صحته عند الجمهور، وذهب الأوزاعي إلى بطلانه، وإن كان الفاعل آثما، قالوا والتأجيل مبطل للعقد ولو كان لعشرات السنين، إلا أن يكون الأجل مما لا يدركه عمر الزوج عادة، وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن تزوج امرأة على أن يأتيها نهارا، ولا يأتيها ليلا؛ أنه كره ذلك، وقال لا خير فيه، ثم اختلفوا إن وقع، فقال ابن القاسم يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وقال ابن الجلاب يفسخ فيهما، ووجه ذلك أنه شرط في النكاح ضد مقتضاه، لأن مقتضاه تأبيد المواصلة، وانظر المسالك لابن العربي (٥/ ٥١١).
أما دليل تحريم نكاح المتعة على التأبيد فهو قول النبي ﷺ: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء؛ فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»، رواه مسلم (١٤٠٥) وأبو داود (٢٠٧٣) والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن ربيع بن سبرة عن أبيه كما في بلوغ المرام، وقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره: «وانفراد سبرة به في مثل ذلك اليوم - يقصد يوم فتح مكة - معمز في روايته»؛ لا يلتفت إليه، لما هو معلوم عند أهل الحق من أن خبر العدل يجب العمل به، وما أكثر ما ردت الأخبار بمثل هذا.
أما استدلال من استدل على أن جواز نكاح المتعة حكم قرآني دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] فمما لا يتجه وإن
[ ٣ / ١٥٠ ]
قال به الجمهور، فإن السياق كله في النكاح الذي لم يختلف المسلمون في حله، وللسياق مدخل في بيان المجمل من النصوص كما قاله فحول الأصوليين، وقد استدل الشيعة على فضل آل البيت - وهم أهل فضل - بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، مع سبهم زوجات النبي ﷺ، فعقوا أمهاتهم بنص القرآن، والحال أن السياق كله وارد في الحديث عنهن، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
ومما يدل على أن الآية ليست في نكاح المتعة المحرم؛ أن كثيرا من الأحاديث الواردة في المتعة جاءت بلفظ الترخيص والإذن، مما يعني أنه كان معلوم الحرمة عندهم، ولو كانت الآية دالة على ذلك؛ ما استقام التجويز تحت لفظ الترخيص.
فإن قلت: فتفسير من فسر الآية بذلك من السلف وعلى رأسهم عبد الله بن عباس ﵄، وهو من نال دعاء نبينا محمد ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»؛ فالجواب: أن تفسير سلفنا الصالح لكتاب الله يقدم على كلام غيرهم، وليس الخلاف في هذا، ثم إنهم لم يتفقوا على ذلك، وقول من اعتبر الآية دالة على ذلك الجواز يمكن أن يكون إدراجا منهم لفرد من أفراد العام تحته، كما أنه صالح من حيث إطلاق اللغة في وقت كان فيه جائزا، لكن السياق كما علمت يأباه، فإنه في النكاح المعهود عندهم، والنبي ﷺ أوتي القرآن ومثله معه، وكثيرة هي الأحكام التي شرعت بالسنة ونسخت أو أبقيت، وللمخالفين لما ذهب إليه ابن عباس في الآية قولان أحدهما أنها منسوخة، وقد نقل هذا عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وقاله سعيد بن المسيب، والناسخ عند بعضهم آيات الطلاق والصداق والعدة والميراث، والقول الثاني أن معنى الآية الطلاق قبل الدخول، قال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١٩): «فهذان القولان عليهما أهل العلم إلى اليوم في جميع أمصار المسلمين مخالفين لابن عباس في ذلك»، أما أن عبد الله بن عباس ﵄ هو حبر الأمة؛ فمما لا ينازع فيه، ولكن هل يلزم من ذلك أن الحق معه في كل ما قال؟، هذا لا يقوله مستبرئ لدينه، وقد رجح ابن كثير غير قول ابن عباس في مدة حمل مريم بعيسى ﵉، إذ كان حبر الأمة يرى أنها وضعته بمجرد الحمل اعتمادا على فاء التعقيب في قوله تعالى:
[ ٣ / ١٥١ ]
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ (٢٣)﴾ [مريم: ٢٢ و٢٣]، ومعتمد ابن كثير أن التعقيب في كل شيء بحسبه، ومثل ذلك قول ابن عباس ﵄ في معنى الحمإ المسنون الذي خلق منه آدم ﵇، قال ابن كثير: «قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب اليابس»، والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٤ و١٥]، وعن مجاهد الصلصال المنتن، وتفسير الآية بالآية أولى»، انتهى.
وقد رجح ابن العربي وبعده النووي أن النسخ اعترى نكاح المتعة مرتين، وسواء علينا أقلنا إنه نسخ متكرر، أو ترخيص تكرر للضرورة، ولعله هو الذي يترجح؛ فإن تحريمه على التأبيد قد ثبت كما رأيت ابتداء من عام الفتح، وقد ورد أن النبي ﷺ رخص عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها، رواه مسلم (١٤٠٥) عن سلمة بن الأكوع ﵁، وأوطاس كانت عام الفتح، وعن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر»، رواه الشيخان: (م/ ١٤٠٧) وخيبر قبل أوطاس، وجاء في حديث ربيع بن سبرة أنه نهى عنها في حجة الوداع، رواه أبو داود (٢٠٧٢)، ولو ثبت؛ فليس بين روايتيه في زمن التحريم تضارب، لأن ذلك من باب تكرير ذكر الحكم للبيان في مواضع مختلفة، وليس بالضرورة أنه كلما تكرر ذكر التحريم أن يسبقه تحليل، فالصواب: أن يقال إن نكاح المتعة روعي التدرج في منعه نهائيا، بإباحته للضرورة أكثر من مرة، ولم ينفرد بهذا الأمر، فإن تحريم الخمر قد تدرج في مراحل ثلاثة، ومثله الربا.
ولتكرر ما ظاهره من الأدلة التحريم والتحليل؛ ترى بعض المحدثين إما أن لا يوردوا إلا أحاديث المنع كأبي داود ﵀، فإنه اكتفى في الباب بذكر حديث ربيع بن سبرة، وإما أن يوردوا من هذا وهذا، ولكنهم يجزمون بالحكم كالبخاري فإنه ترجم على الأحاديث الأربعة التي أوردها بقوله: «باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرا»، وصدر بحديث علي ﵁ وفي سنده ثلاثة من أهل البيت وهو حجة على الشيعة الذين شذوا بتجويزه، فإن عليا إمام أئمة آل البيت عندهم، وهو عندنا أيضا إمام وخليفة من الخلفاء الأربعة الراشدين الذين أمرنا أن نتبع سنتهم، وحديث علي لم يورد مالك غيره من
[ ٣ / ١٥٢ ]
فسخ نكاح المتعة قبل الدخول وبعده
المرفوع تحت الترجمة في الموطإ (١١٤٠)، ولعله قصد ما قصده البخاري، وأورد أثر ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب ﵁ فزعا يجر رداءه فقال: «هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت»، والشيعة تفتري على عمر بأنه هو الذي حرم المتعة اعتمادا على بعض الظواهر، ومنها ما نسب لابن عباس من قوله: «يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي»، وهو في مصنف عبد الرزاق، والقول بأن فلانا منع كذا لا يعني أنه هو المانع في الأصل، ومثال ذلك أن عمر بن الخطاب هو الذي كتب الله له أن يكون أول من أحيا إقامة صلاة التراويح جماعة في المسجد بعد أن كان رسول الله ﷺ قد سنها بقوله، وصلاها جماعة بالناس بعض الليالي، ثم تركها خشية الافتراض، والشيعة تفتري على الله تعالى وتعتبرها بدعة وقد كذبوا، ومن ذلك ما جاء من أنه ﵁ هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق، وهو في الصحيح، لكن ذلك لا يمنع أن يكون النبي ﷺ هو الذي وقتها، وقد سبق الحديث عن ذلك، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵁ عن رجم الزاني المحصن جلدتهما بكتاب الله، ورجمتهما بسنة رسول الله، فهذا لا يدل على أن ليس هناك ما يستدل به على حكم الرجم من القرآن كما عليه الجمهور القائلين بآية الرجم المنسوخة اللفظ الباقية الحكم، والنهي عن المتعة كان متأخرا كما سبق، فحصل فيه هذا أول الأمر.
وقد ذكر ابن حزم في المحلى نفرا من الصحابة ومن تلاهم كانوا على جواز نكاح المتعة، وتعقبه الحافظ في الفتح (٩/ ٢١٧) بما يحسن الوقوف عليه، ولا ضير في ثبوت ذلك عن بعضهم، وما هي بالمسألة الوحيدة التي اختلفوا فيها فيكون ذلك حجة على جوازها فكيف إذا اكتنفها ما علمت من الأسباب.
وحكم نكاح المتعة إن اطلع عليه أنه يفسخ قبل الدخول وبعده بغير طلاق، ويعاقب فيه الزوجان، لكن لا يبلغ بهما في العقاب الحد للشبهة، ويلحق الولد بأبيه، وعلى المرأة العدة كاملة، ولا صداق لها إن كان الفسخ قبل الدخول، لأنه نكاح غير معتبر، وإن كان بعد الدخول وسمي لها؛ فلها ما سمي، وإلا فلها صداق المثل.
[ ٣ / ١٥٣ ]
وبطلان هذا النكاح آت من ضرب الأجل، وإن كان بولي وشهود وصداق، وهو المشهور في المذهب، وقيل هو نكاح من غير ولي ولا شهود ولا صداق، والصواب: هو الأول، وإنما قيل بعدم الحد بناء على افتراض أنه مستوف لشروط النكاح، ولم يخالف إلا في ضرب الأجل، أما على التفسير الأول؛ فإنهما يحدان إذ لا فرق بينه وبين الزنا.
[ ٣ / ١٥٤ ]
حكمة منع النكاح في العدة
تأبيد تحريم المنكوحة في العدة
• قوله:
١٤ - «ولا النكاح في العدة».
العدة هي المدة التي وقتها الشارع للمطلقة أو المتوفى عنها بحيث يمتنع فيها النكاح، فرضها الله تعالى لحفظ الأنساب، وتوسعة على الأزواج في مراجعة مطلقاتهم إن أرادوا إصلاحا متى كان الطلاق رجعيا، وقد لا يكون للزوج خلالها سبيل على المرأة كالمعتدة من خلع في المذهب، وكالتي يطلقها القاضي إلا في حال العسر بالإنفاق وحالة الإيلاء، وقد ذكر المؤلف حرمة نكاح المرأة وقت العدة، والشارع قد منع التصريح لها بالخطبة في العدة فكيف بما هو أعظم منها، إلا إذا كان من يريد نكاحها زوجها الذي طلقها، ومتى عقد على من كانت في العدة؛ فالعقد باطل، وإن دخل بها؛ فسخ النكاح وتأبد تحريمها في المذهب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهذا تحريم لخطبة المعتدة من وفاة، ومثلها سائر المعتدات، وحيث حرم الله تعالى الخطبة كان تحريم العقد أولى، وفوقهما حرمة الدخول والبناء، ومع ذلك لم يكتف في كتاب الله تعالى بدلالة مفهوم الأولى فيهما حتى نص على تحريم العقد كما ترى في الآية.
وعمدة المشهور في تأبيد تحريم من دخل بها في العدة ما رواه مالك (١١٢٧) عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما، ثم قال: «أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها؛ فرق بينهما …، وفي نهاية الأثر قول عمر ﵁: «ثم لا يجتمعان أبدا»، وهو في مصنف عبد الرزاق
[ ٣ / ١٥٥ ]
(١٠٥٣٩)، (قوله: الأسدية بين ابن عبد البر أنها التيمية)، وقد نقل الإجماع على هذا الحكم غير واحد، وهم يعنون الإجماع السكوتي، والخلاف في اعتباره متى ثبت معلوم، وثمة رواية أخرى عن الإمام ذكرها صاحب التفريع وهو الشيخ أبو القاسم بن الجلاب مضمونها أن من تزوج امرأة في عدة من طلاق أو وفاة فهو زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها، وهذا موافق لما رجع إليه عمر كما ذكره البيهقي، وهو قول علي وابن مسعود كما في المصنف، فلا يظهر أن ثمة إجماعا، والقاعدة التي يذكرونها في مثل هذا الأمر لا تطرد، مع أنها ليست دليلا، وهي قولهم: «من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه».
قال الباجي في المنتقى (٣/ ٣١٧) موجها الرواية المشهورة: «ووجه الرواية الأولى ما ثبت من قضاء عمر ﵁ بذلك، وقيامه به في الناس، فكانت قضاياه تسير وتنتشر، وتنتقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع،،،»، ثم قال الباجي: «قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر».
[ ٣ / ١٥٦ ]
ما جر إلى غرر من عقود النكاح
• قوله:
١٥ - «ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق، ولا بما لا يجوز بيعه».
لا يصح النكاح إذا تضمن ما يترتب عليه غرر، وهو نوعان: غرر في العقد، وغرر في الصداق، فالأول: كالنكاح على الخيار، أعني خيار التروي، كأن يكون للزوج أو الزوجة أو لغيرهما من أحد العاقدين أو كليهما خيار مدتُه كذا، فهذا يفسخ قبل الدخول وجوبا، ويثبت بعده بالمسمى، وإلا فبصداق المثل، والمعتمد أن خيار المجلس لا يضر، وقد يحتج على من قال بذلك أنهم لا يرون خيار المجلس في البيع، مع صحة الحديث فيه وعدم قبوله ما ذهبوا إليه من التأويل، فكيف يقال بجواز خيار المجلس في النكاح، ولم يرد فيه النص؟.
والثاني: ما يكون من غرر في الصداق، كأن يقال الصداق ما ينض من ربح التجارة الفلانية، أو ما في بطن هذه الشاة من نتاج، أو يكون على عبد آبق، أو بعير شارد، أو يتزوج امرأتين، ويفرض لهما مجتمعتين ولا يعلم ما ينوب كلا منهما، وهكذا إذا كان الصداق حراما كالخمر والخنزير؛ فإنه يفسخ قبل البناء، ولا شيء للزوجة، ويثبت بعده بصداق المثل.
فإن قيل: كيف لا يكون للزوجة نصف الصداق إذا فسخ النكاح قبل الدخول كما هو منصوص القرآن؟، فالجواب: أن القرآن إنما نص على ثبوت نصف المسمى في النكاح الصحيح، لأنه هو المراد عند الإطلاق، فإذا لم يصح النكاح؛ لم يترتب عليه أثره، أما إذا كان قد سمى لها محرما أو ما فيه غرر؛ فهو كما لو لم يسم لها شيئا، فإذا تم الفسخ قبل الدخول؛ فلا شيء لها، أما أن لها مهر المثل بالدخول؛ فلقول النبي ﷺ: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، رواه أصحاب السنن،
[ ٣ / ١٥٧ ]
(د/ ٢٠٨٣) عن عائشة وقد تقدم، فأبطل النبي ﷺ النكاح من غير ولي، وجعل ما بعد الدخول مخالفا لما قبله في الصداق، وقوله ﷺ فلها المهر بما استحل من فرجها؛ بين فيه علة استحقاقها المهر، فإن كان قد سمي؛ فهو لها، وإن لم يكن قد سمي؛ فلها مهر المثل، فإن العرف محكم عند التنازع في مثل هذا الأمر، وقد جاء ذكر مهر مثل المرأة في حديث علقمة عند أصحاب السنن وصححه الترمذي (١١٤٥) قال: «أتي عبد الله يعني ابن مسعود في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها، فقال: أرى لها مهر مثل نسائها ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى».
[ ٣ / ١٥٨ ]
حكم ما فسد من النكاح للصداق
• قوله:
١٦ - «وما فسد من النكاح لصداقه؛ فسخ قبل البناء، فإن دخل بها؛ مضى، وكان فيه صداق المثل».
هذه قاعدة التعامل مع الأنكحة الفاسدة، فإنه لا يخلو أن يكون الخلل في الصداق، أو في العقد، فإن كان في الصداق فقد تقدم أنه يفسخ قبل البناء، ويكون بطلاق، وإن قبضت ما هو محرم ردته، ويثبت بعد الدخول بصداق المثل، وقال عما يفسد لخلل في العقد:
[ ٣ / ١٥٩ ]
حكم ما فسد من النكاح لفساد العقد
• قوله:
١٧ - «وما فسد من النكاح لعقده، وفسخ بعد البناء؛ ففيه المسمى».
وهذا كالنكاح بغير ولي، أو في العدة، أو حال الإحرام بحج أو عمرة، أو كان صريح الشغار، أو كان نكاح متعة، أو زوجت المرأة من غير رضاها، أو تزوج خامسة، أو محرما، فهذا يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق إن كان متفقا على فساده، وبطلاق إن كان مختلفا فيه، فإن كان قبل البناء فلا صداق للمرأة، وما كان بعده؛ فلها المسمى إن كان الصداق مما يجوز، فإن سمي ما لا يجوز، أو لم يسم شيء؛ فلها صداق المثل.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ترتب التحريم على النكاح الفاسد بعد الدخول
• قوله:
١٨ - «وتقع به الحرمة، كما تقع بالنكاح الصحيح، ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا، ولا يحصن به الزوجان».
ما فسد من النكاح لعقده وكان متفقا على فساده وتم فيه البناء، أو حصلت بعض مقدماته كالقبلة والمباشرة فإنه يعتبر في التحريم بالمصاهرة، فلا يجوز للناكح أن يتزوج بنت المرأة ولا أمها، كما تحرم هي على آبائه وأبنائه، وليس قصد المؤلف أنها تحرم عليه، فإنه يجوز له أن يستأنف نكاحها ما لم يكن ثم مانع كأربع نسوة في عصمته، أو أختها، أو عمتها، أو كانت مما قيل بتأبيد تحريمها كالمنكوحة في العدة على ما تقدم، لكن مثل هذا النكاح لا تحل به المطلقة ثلاثا لزوجها الأول، ولا يحصن به الزوجان، ولعل الجامع بين ثبوت التحريم به، وعدم ثبوت التحليل به أن الأصل حرمة الفروج فلزم الاحتياط، أما عدم ثبوت الإحصان به، فلأن دم المسلم محرم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، وقد يكون هذا أولى من قول بعضهم إن الإحصان متوقف على صحة العقد، أما إن كان النكاح مختلفا في فساده فإن التحريم يقع بعقده على ما في مختصر خليل، وظاهر كلام المصنف عدم التفريق بينهما.
[ ٣ / ١٦١ ]
المحرمات من النساء
• قوله:
١٩ - «وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة، وسبعا بالرضاع والصهر فقال ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].
ما ذكره هنا من المحرمات؛ يرجع إلى أحد أركان النكاح، وهو المحَل، أعني
خلو الزوجين من موانعه، ومن الموانع أن يكون بين من يريدان التزاوج علاقة محرمية، بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة، ونحن إذا لم نقف على علة هذا التحريم، وما يترتب
عليه من المفاسد؛ سمعنا وأطعنا، فإن علمنا من علل الأحكام شيئا لم نكن نعلمه، أو تبين لنا بعض الحكمة مما كنا نجهله؛ فلا ضير علينا إن التمسنا ذلك وذكرناه، فإن النفس مفطورة على السكون أكثر إلى ما علل، وعلى الاطمئنان إلى ما تبيّنت لها الحكمة منه، وحسبك أن الملائكة الكرام وهم من هم في طاعة الله والإذعان له سألوه سبحانه عن الحكمة من جعل خليفة في الأرض، لكن المؤمن ينبغي له أن يجزم بأن ما حرم فيه مفسدة اطلع عليها أو لا، وقد قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
[ ٣ / ١٦٢ ]
أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]، ومن الخير له أن يكتفي بالاتباع والامتثال، هذا يصطنعه أحيانا الصغير مع الكبير، والتلميذ مع الشيخ، فكيف بالمخلوق مع الخالق الذي قال بعد ما تقدم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
ومن المقاصد التي رمى إليها الشرع من النكاح الاستجابة لصرف الغريزة الجنسبة بالطريقة المقبولة المختلفة عما عليه الأمر عند الحيوان البهيم، ومنها ما يحصل للزوج والزوجة من سكون النفس واطمئنانها، وما ينشأ بينهما من المودة والرحمة، ومنها التوالد والتناسل، ومنها إنشاء صلات جديدة بين الناس، فإنه لولا النكاح الذي ينشأ عنه الصهر ما تجددت الأنساب، ولهذا امتن الله تعالى بهما علينا في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]، وهو وسيلة من وسائل التعارف كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، وهذه المقاصد منها ما لا يتحقق شيء منه بالتزوج بالمحارم، ومنها ما يتناقض معه، وقد صان الله تعالى بما حرم من النساء بالنسب والمصاهرة والرضاع أن تغلب دواعي الشهوة والاستمتاع واللهو على ما تتقاضاه الفطرة السليمة والجبلة المستقيمة تجاه المحارم من التكريم والتعظيم والتجلة والاحترام.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره (٤/ ٢٩٥): «واعلم بأن شريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارا ينزه عن شوائب الاستعمال في اللهو والرفث، إذ الزواج وإن كان غرضا صحيحا باعتبار غايته إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث عليه، وهو خاطر اللهو والتلذذ»، انتهى.
كما صان بذلك أن تختلط الأنساب ولا تحفظ، وانظر كيف يجتمع بهذا النكاح لو لم يحرم في الشخص الواحد أكثر من وصف، فيكون ابنا وزوجا في آن، أو أخا وزوجا، أو زوجا وابن أخ، أو زوجا وابن أخت، وهكذا.
والرضاع من امرأة يجعل الرضيع بمثابة الجزء منها، فمن رضع منها كان شبيها بأخيه الذي مر بالرحم الذي حواه، فلهذا جعل الله تعالى الحرمة بالرضاع كالحرمة
[ ٣ / ١٦٣ ]
بالنسب، لاجتماعهما في العلة.
والمصاهرة تجعل أم الزوجة بمثابة أم النسب في الاحترام والتقدير، وتجعل بنت الزوجة بمثابة البنت في النسب، وحليلة الابن بمثابة البنت، وزوجة الأب بمثابة الأم، وإن كان لا يصح إطلاق ذلك لفظا، مع ما في التحريم بالمصاهرة من تجنب ما يفسد العلاقات، ويثير الحفائظ والضغائن، ويجلب التحاسد وتضارب المصالح بسبب الاشتراك في الشخص الواحد بين المرأة وبنتها، والمرأة وأمها، وهكذا تحريم الجمع بين المرأة وأختها والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
ومن المضار في التزوج بالقرابة القريبة ما عرف بالتجربة أن التزوج بهن يأتي معه الولد ضاويا أي ضعيفا نحيفا، وقد روي في ذلك «لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاويا»، وهو ضعيف، وقال عمر بن الخطاب لآل السائب: «اغتربوا لا تضووا»، أي تزوجوا الغرائب لا تجيء أولادكم نحافا ضعافا، لكن من القرابة ما يجوز التزوج به، ومع ذلك يفضل عند بعضهم تركه، وقد أصبح مشترطا في توثيق النكاح معرفة فصيلة دم الراغبين في التزاوج، وغدا معلوما عند المشتغلين بالطب ما يكون عليه النسل من المضار إذا أنجب من أبوين لهما نوع من فصائل الدم، والشرع لا يرفض هذا إذا لم يصحبه ما ينقله إلى المنع، ومما لا يقبل اشتراط شهادة البكارة في العقد حيث تتم بعد معاينة السوأة، فهذا مما يجزم بتحريمه، وهكذا ما تفعله من ذهبت بكارتهن من رتق الغشاء عند الأطباء قبيل الدخول بهن حتى يوهمن المتزوج أنهن أبكار.
والمحرمات بالنسب سبع ذكرت في القرآن الكريم وهن:
١ - الأم، وفي معناها الجدة لأم، ولأب وإن علت.
٢ - والبنت، ومثلها بنت الابن وإن سفلت.
٣ - والأخت الشقيقة، أو لأب، أو لأم.
٤ - والعمة، وعمة الأم، وعمة الأب.
٥ - والخالة، وخالة الأم، وخالة الأب.
٦ - وبنات الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم.
[ ٣ / ١٦٤ ]
المحرمات بالمصاهرة
٧ - وبنات الأخت الشقيقة، أو لأب، او لأم.
فهؤلاء هن المحرمات بالنسب، وهن ستة أنواع أصول المرء، وفروعه، وحواشيه القريبة، وحواشيه البعيدة من جهة الأب، وحواشيه البعيدة من جهة الأم، وحواشيه البعيدة من جهة الإخوة والأخوات.
وقول المؤلف وسبعا بالرضاع والصهر؛ يعني أن الله تعالى حرم في كتابه سبعا بالرضاع والصهر، أي المجموع من النوعين، وسيأتي ذكر المحرمات من الرضاع، فحرمت الأم من الرضاع، والأخوات منه، ومن الصهر أم المنكوحة متى عقد عليها، وبنت المنكوحة إذا دخل بها، وزوجة الابن وإن سفل، وزوجة الأب وإن علا، وأخت الزوجة، لكنها ليست من المحارم الدائمة، بل المحرم جمعها مع أختها في عصمة واحدة.
[ ٣ / ١٦٥ ]
المحرمات بالرضاع
• قوله:
٢٠ - «وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب».
هذا الحديث في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وفي الصحيحين وسنن أبي داود (٢٠٥٥) من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- مرفوعا: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، وقول ابن عباس أريد على ابنة حمزة؛ أي قيل له تزوجها، وفيه العناية بمعرفة صلة الرضاع، وقد ذكر في كتاب الله من المحرمات به اثنتان هما:
١ - الأم، فتشمل المرضعة، ومن فوقها من أم وجدة.
٢ - والبنت وهي من أرضعتها زوجتك بلبنك، أو أرضعتها بنتك من نسب أو رضاع، ونبه الحديث على باقي المحرمات بالرضاع، وهن:
٣ - الأخت، وهي من أرضعتك أمها، أو وُلدت لفحلها، فإن جاءت من التي أرضعتك مع فحلها؛ فهي أخت شقيقة من الرضاع، وإن ولدت لأمك من الرضاع من غير ذلك الفحل؛ فهي أخت لأم من الرضاع، وإن ولدت لذلك الفحل من غير أمك من الرضاع؛ فهي أخت لأب من الرضاع.
٤ - والعمة وهي أخت من أرضعتك زوجته.
٥ - والخالة وهي أخت من أرضعتك.
٦ - وبنت الأخ، وهي بنت من أرضعتك أمه، وكذلك بنات من أرضعتهن امرأة أخيك من النسب بلبنه.
٧ - وبنت الأخت، هي من أرضعتها أختك من النسب، وكذلك بنت من أرضعتك أمها.
[ ٣ / ١٦٦ ]
الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها
• قوله:
٢١ - «ونهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها».
أصل هذا التحريم؛ المنع من الجمع بين الأختين المنصوص عليه في قوله تعالى عطفا على تحريم الأمهات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، وكما ألحقت السنّة الرضاع بالنسب في التحريم؛ جاء في السنة المنع من الجمع بين من ذكر في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٢٠٦٦)، وقد جاء في بعض الروايات التنبيه على العلة بقوله: فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، لكن لا يصح الزعم بأن العلة إذا انتفت في ظن بعضهم جاز هذا الجمع، ولا عبرة بالسابق من المرأتين الممنوع الجمع بينهما كما قد يتوهم، ولا تأثير لصغر إحدى المرأتين أو كبرها في منع هذا الجمع.
ولذلك جاء بيان هذا في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٢٠٦٥) قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى»، وقد قرر أهل العلم ضابطا للمنع من الجمع بين المرأتين، وهو أن كل امرأتين لو قدرت إحداهما رجلا امتنع زواجها بالأخرى؛ فإنه يحرم الجمع بينهما، وقد رواه ابن المواز عن أشهب عن مالك نحوه كما ذكره الباجي في المنتقى (٣/ ٣٠٢).
[ ٣ / ١٦٧ ]
العقد على المرأة يحرمها على آباء الزوج وأبنائه
لا تحرم بنت المنكوحة حتى يدخل بأمها
• قوله:
٢٢ - «فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على آبائه، وأبنائه، وحرمت عليه أمهاتها، ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها: بنكاح، أو ملك يمين، أو بشبهة من نكاح، أو ملك».
فصل هنا بعض ما أجمله فيما تقدم في المحرمات بالمصاهرة، وهو أن من عقد على امرأة ولو لم يمسها، حرمت على آبائه وأبنائه، وحرمت عليه أمهاتها، أما الآباء فلقول الله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، وأما الأبناء فلقوله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وأما أمهات من عقد عليها؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وإذا دخل بالمرأة، أو تلذذ بها، - قالوا ولو بمجرد النظر لغير الوجه والكفين - حرمت عليه بناتها لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقيد ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ خرج مخرج الغالب؛ فلم يعتبر جمهور العلماء مفهومه في تحريم بنت المنكوحة، بل هو عندهم من المفاهيم المهجورة، والتحريم بالنظر على ما تقدم لابن القاسم، والدخول بالمرأة يعرفه الناس من غير حاجة إلى بيان، وهو كناية عن المباضعة كما هو شأن كتاب الله تعالى في مثل هذا المقام، وهو معنى الإفضاء في قوله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والله تعالى حيي كريم يكني، ومن اعتبر غير الجماع دخولا؛ فبالحمل عليه، ولأن الأصل في الفروج التحريم، وتحقيق معناه في اللغة هو الذي يعول عليه، وقد نصر القرطبي في تفسيره ما ذكره أهل المذهب من التوسع في معنى الدخول بالمرأة فقال: «والدليل على أن بالنظر يقع التحريم؛ أن فيه نوع استمتاع، فجرى مجرى النكاح، إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ، وقد يحتمل أن يقال إنه نوع من الاجتماع والاستمتاع، وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا:
[ ٣ / ١٦٨ ]
أليس الليل يجمع أمَ عمرو … وإيانا فذاك بنا تدان؟
نعم وترى الهلال كما أراه … ويعلوها النهار كما علاني
وقوله «بنكاح أو ملك يمين أو بشبهة من نكاح، أو ملك»، حرمة البنت على من نكح أمها تقدم ذكرها، أما الحرمة بملك اليمين؛ فكما إذا ملك امرأة وتلذذ بها؛ فإنه يحرم عليه نكاح بنتها، وأما شبهة النكاح؛ فمثالها أن يتزوج امرأة خامسة غير عالم بالحرمة؛ فإن بنتها تحرم عليه متى دخل أو تلذذ، وإن كان النكاح باطلا مفسوخا، لكن اعتبرت شبهة النكاح في التحريم، ومن ذلك أن يتزوج من في العدة، أو يتزوج محرما غير عالم في الحالتين، ويدخل أو يتلذذ، ومثال شبهة الملك أن يشتري أمة ويتلذذ بها فتُستحق عليه، أو تُرد لبائعها بسبب عيب ظهر فيها، فروعيت شبهة ملك اليمين في التحريم أيضا احتياطا للفروج، لأن الأصل فيها التحريم، وقد فرق مالك -رحمه الله تعالى- في موطئه بين الحرام كالزنا، فإنه لا يحرم الحلال، وبين النكاح الصحيح، والنكاح الذي فيه شبهة فإنه يترتب عليه التحريم، وسيأتي ذكر قوله في شرح كلام المصنف:
[ ٣ / ١٦٩ ]
الزنا لا يحرم الحلال
• قوله:
٢٣ - «ولا يحرم بالزنا حلال».
ما تقدم من التحريم بالمصاهرة؛ إنما يتم إذا كان النكاح صحيحا، أو فيه شبهة بعدم العلم بالتحريم لأنه يدرأ الحد، ويلحق فيه الولد بأبيه، أما إن كان ذلك زنا؛ فلا يحرم به شيء، كمن زنا بامرأة فلا تحرم عليه بنتها، ولا أمها، فإن الحرام لا يحرم الحلال، وهذه المسألة مما أخذ فيه المغاربة بقول الإمام في الموطإ مع أنه مخالف لما في المدونة التي يقدمونها على غيرها من الأمهات بما في ذلك الموطأ، وقد جاء فيه تحت ترجمة «نكاح الرجل أم امرأة قد أصابها على وجه ما يكره»؛ قال مالك في الرجل يزني بالمرأة فيقام عليه الحد فيها: إنه ينكح ابنتها، وينكحها ابنه إن شاء، وذلك أنه أصابها حراما، وإنما الذي حرم الله ما أصيب بالحلال، أو على وجه الشبهة بالنكاح، قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فلو أن رجلا نكح امرأة في عدتها نكاحا حلالا فأصابها؛ حرمت على ابنه أن يتزوجها، وذلك أن أباه نكحها على وجه الحلال لا يقام عليه فيه الحد، ويلحق به الولد الذي يولد فيه بأبيه،،،».
لكن جاء في المدونة (٢/ ٢٠٢) في جواب مالك على ما ذكر قال: «يفارقها ولا يقيم عليها، وهذا خلاف ما قال لنا مالك في موطئه، وأصحابه على ما في الموطإ، ليس بينهم فيه اختلاف، وهو الأمر عندهم»، انتهى، وقد حمل معظم أهل المذهب المفارقة على الوجوب، ومشهور المذهب الجواز اعتمادًا على ما في الموطإ، فإن كل أصحاب مالك عليه عدا ابن القاسم، وقيل بالتحريم اعتمادا على ما ذكره ابن حبيب رواية عن مالك أنه رجع عنه وأفتى بالتحريم إلى أن مات، والقياس الأول، ولأن الله تعالى إنما حرم أم المنكوحة وبنتها، والمقصود بالنكاح المشروع منه.
وقال الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٣٣٤): «فإن قلت:
[ ٣ / ١٧٠ ]
كيف يكون الراجح ما في الموطإ، وهو عدم التحريم بالزنى، مع رجوع الإمام عنه، مع أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله، فضلا عن كونه راجحا؟، فالجواب أن أصحابه أخذوا من قواعده أن المعتمد عدم التحريم، فصار عدم التحريم مذهبا لمالك، وإن كان قوله مخالفا له، ولا شك أن ما يستنبطه أصحاب الإمام من قواعده من المسائل ينسب إليه، وإن لم يقله، ولا تكلم به»، انتهى.
قال كاتبه عفا الله عنه: لو اعتمد أصحاب مالك ﵏ هذا الذي اعتمدوه هنا في الموازنة بين الروايات؛ لحصل من الخير الشيء الكثير، ولو تكافأت أدلة الأقوال؛ لكان الأولى بالتقديم الموطأ، وأسباب تقديم المدونة عليه عند الاختلاف معروفة، والتزام ذلك ليس متعينا لمن آتاه الله بصيرة في دينه، وممن كثر تنويهه بهذه المسألة ابن العربي ﵀، فقد قال في أحكام القرآن (٢/ ٣٨٧): «عن مالك في ذلك روايتان، ودع من روى، وما روى!!، أقام مالك عمره كله يقرأ عليه الموطأ، ويقرئه، لم يختلف قوله فيه: إن الحرام لا يحرم الحلال، ولا شك في ذلك،،،».
[ ٣ / ١٧١ ]
تحريم الزواج والاستمتاع بملك اليمين بغير الكتابيات
• قوله:
٢٤ - «وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح».
دلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فهذا عموم خص بآية المائدة عند الجمهور، وقد جرى كتاب الله في مواضع على التفريق بين المشركين وأهل الكتاب، فبقي ما عدا الكتابيات على التحريم، ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أما منع الاستمتاع بملك اليمين من غير أهل الكتاب؛ فإنه من باب الإلحاق إذ المعنى واحد، وقد نَقَل الباجي في المنتقى اتفاق الفقهاء عليه.
[ ٣ / ١٧٢ ]
الزواج بالكتابيات والاستمتاع بهن بملك اليمين
• قوله:
٢٥ - «ويحل وطء الكتابيات بالملك، ويحل وطء حرائرهن بالنكاح».
أما دليل حل النساء الكتابيات بالنكاح فقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر يؤيده وصف الإيمان الذي قيد به نكاح الإماء عند فقد الطول وخوف العنت في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أما حل وطء الكتابيات بملك اليمين فلعموم قول الله تعالى: أو ما ملكت أيمانكم»، وهذا الحل هو من جملة ما خص الله تعالى به المسلمين في علاقتهم بأهل الكتاب دون غيرهم من الكافرين، ومن ذلك حل ذبائحهم، ومنه الاتفاق على تقريرهم على دينهم، مع أخذ الجزية منهم، وممن ألحق بهم وهم المجوس، ويراد بذلك تمكينهم من الاطلاع على محاسن الإسلام لعلهم يسلمون، ولهذا كان سهم المؤلفة قلوبهم من جملة مصارف الزكاة، وهو دليل على أن الكفر وإن كان كله شرا فإن بعضه أخف من بعض.
[ ٣ / ١٧٣ ]
لا يجوز نكاح الإماء الكتابيات
• قوله:
٢٦ - «ولا يحل وطء إمائهن بالنكاح لحر ولا لعبد».
دلّ على ذلك ما تقدم من وصف المحصنات في سورة المائدة، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهو مخصوص بآية المائدة عند الجمهور، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وجه الدلالة منه أن الله أباح تزوج الأمة في حال عدم الطول مع خوف العنت، وقيد ذلك بالأمة المؤمنة، فبقي من عدا المؤمنات على أصل المنع، أما شمول الآية للحر والعبد؛ فلأن أصل الخطاب عدم الفرق بينهما.
[ ٣ / ١٧٤ ]
لا تتزوج المرأة عبدها ولا الرجل أمته
• قوله:
٢٧ - «ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده».
جاء في هذا آثار كثيرة أوردها سحنون في المدونة (٢/ ١٨٨)، وثمة آثار عن عمر بن الخطاب ﵁ في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وفيها التصريح بالحرمة، والهم برجم المرأة، ولأن تزوج المرأة عبدها يحصل بسببه تعارض بين ملكها رقبته، فهو مسخر لخدمتها، وطاعتها واجبة عليه، وهو من جملة مالها تبيعه وتهبه، ويجب عليها الإنفاق عليه، فكيف يجتمع ذلك مع كونه زوجا يجب عليه أن ينفق عليها، مع وجوب طاعتها له، فلهذا التعارض بين الحقوق؛ منع زواجها به.
ومن كانت له أَمَة؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوجها، لما سبق من أن التزوج بالإماء مشروط بعدم الطول وعدم استطاعة تزوج الحرائر مع خوف العنت، وزيادة على هذا فإن مالك الأمة يباح له الاستمتاع بها من غير حاجة إلى نكاح، وسببية ملك اليمين في الاستمتاع أقوى من سببية الزواج، فما الحاجة إلى ضم سبب أضعف إلى ما هو أقوى منه؟، فإذا أراد أن يتزوجها فليعتقها.
أما أن المرأة لا تتزوج مملوك ولدها، والأب لا يتزوج مملوكة ولده؛ فلما لهما من الشبهة في مال الولد، ولذلك لا يقطعان إذا سرقا ماله، فإذا فعلا فكأنما تزوج كل منهما أمته، وقد قال النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك» رواه البيهقي عن جابر، وقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو.
[ ٣ / ١٧٥ ]
تزوج الرجل أمة والده وأمة أمه
• قوله:
٢٨ - «وله أن يتزوج أمة والده وأمة أمه».
وهذا لأن الابن لا شبهة له في مال والديه، فإنه يقطع إذا سرق مالهما، وهل يشترط في تزوجه بأمة أمه وأمة أبيه خوف العنت كما هو الأمر في تزوجه أمة غيرهما؟، المذهب عدم اعتبار ذلك الشرط هنا، فإنهم لما عللوا المنع من تزوج الحر بالأمة بالتسبب في استرقاق الولد، لأنه تابع لأمه في الرق، وهي مملوكة للغير؛ وكان ابن الابن يعتق على جده جبرا؛ قالوا يجوز للولد أن يتزوج أَمَة أبيه وأَمَة أمِّه من غير خوف العنت، وعلة الخوف من استرقاق الولد مستنبطة، ومع ذلك علقوا عليها الحكم كما ترى.
[ ٣ / ١٧٦ ]
تزوج بنت امرأة الأب أو ابنه من رجل آخر
• قوله:
٢٩ - «وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره».
لا دليل على تحريم بنت امرأة الأب من رجل آخر على ابن ذلك الأب، إذ لا يمنع من ذلك نسب ولا مصاهرة ولا رضاع، سواء وُلدت تلك البنت قبل زواج أبيه بتلك المرأة أو بعد طلاقها منه، لكن في المسألة تفصيلا، فإن البنت إذا فطمت قبل الزواج؛ فالأمر واضح، أما إذا وقع النكاح عقدا ومخالطة وأمها ما زالت ترضعها؛ فإنها تحرم عليه، لأنها أخته بسبب لبن أبيه، وإذا طلقها أبوه ثم تزوجت برجل فأولدها بنتا، والحال أن لبنها قد انقطع قبل الوطء؛ فلا وجه للقول بالتحريم ولا بالكراهة، لكن أبا الحسن نقل في شرحه ثلاثة أقوال في هذين الفرعين، هي الجواز والمنع والكراهة، وقد علمت أن التحريم في الفرع الأول واضح، وأن الثاني لا وجه للقول بالتحريم فيه، إذ لا يتضح الفرق بين أن تكون بنت امرأة أبيه من رجل آخر، قد ولدت قبل زواج أبيه بها بالقيد السابق، أو بعد طلاقها منه وزواجها من رجل آخر متى كان لبنها من أبيه قد انقطع.
[ ٣ / ١٧٧ ]
• قوله:
٣٠ - «وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره».
وهذه عكس المسألة السابقة، فإن المرأة يجوز لها أن تتزوج ابن زوجة أبيها من رجل آخر، وما قيل هناك من القيود يقال هنا، فإن الأمر واضح إذا كان هذا الابن قد انقطع عن الرضاع قبل وطء أبيها هذه المرأة، أما إن حصل الوطء والابن يرضع؛ فإنه أخوها من الرضاع، لأن اللبن لأبيها، ومن الغريب أن يفرق أبو الحسن في شرحه بين المسألتين، فيعتبر في الأخيرة الانقطاع عن الرضاع قبل الدخول شرطا في الحل، ويجعله في الأولى موضع خلاف كما سبق، فتدبر، ثم وجدت النفراوي ﵀ ذَكَرَ ذلك على الوجه الصحيح حسب علمي.
[ ٣ / ١٧٨ ]
يجوز للحر والعبد الجمع بين أربع نسوة بالنكاح
• قوله:
٣١ - «ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات».
اختلف في التسوية بين الحر والعبد في عدد ما يجوز التزوج به من النساء، وحيث لم يأت نص يفرق بينهما فإن استصحاب العموم الذي في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (٣)﴾ [النساء: ٣] هو المطلوب، ولحديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «اختر منهن أربعا»، رواه أبو داود (٢٢٤١) وابن ماجة (١٩٥٢)، وفي معناه حديث ابن عمر في غيلان الثقفي حيث أسلم وتحته عشر نسوة، رواه مالك (١٢٣٨) عن ابن شهاب بلاغا، وهو في سنن الترمذي وابن ماجة (١٩٥٣)، وقد تقدم دليل حل نساء أهل الكتاب للمسلمين وهم أحرار وعبيد.
وجواز تزوج العبد أربع حرائر أو إماء هو المشهور، وهو رواية أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عنه قصر الجواز على اثنتين قياسا على تنصيف الحد، وهو قول لعمر بن الخطاب، وعلي، ولهما مخالف من الصحابة كما في الروضة الندية (٢/ ١٩٤)، وهذه الرواية هي التي نصرها ابن العربي في أحكام القرآن، لكنه نصر مقابلها في المسالك (٥/ ٥١٤)، ووجه المشهور أن النكاح غير داخل في القياس على الحدود المنصوص على تنصيفها للأمة وللعبد إلحاقا بعدم الفارق، لأنه يسلك مسلك الملذات والتفكهات، والعبد والحر فيهما سواء عندهم، بخلاف الحدود والطلاق والإيلاء فليست من هذا القبيل، بل سلكوها في سلك العقوبات، قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٣) منتصرا لغير المشهور: «وكل من قال حده نصف حد الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحو ذلك من أحكامه؛ فغير بعيد أن يقال تناقض في قوله: «ينكح أربعا»، انتهى، وقد علمت وجه الفرق.
[ ٣ / ١٧٩ ]
جواز نكاح أربع إماء للعبد مطلقا وللحر بشرط فقد الطول وخوف العنت
• قوله:
٣٢ - «وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات، وللحر ذلك إن خشي العنت، ولم يجد للحرائر طولا».
هذه المسألة راجعة إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإنها دالة على منع التزوج بالإماء إلا إذا فقد الطول، وهو استطاعة تزوج الحرائر مع خوف العنت، أي الوقوع في الفاحشة، لأن في تزوج الحر بالأمة تشطر المسؤولية عليها، فهي من جهة زوجة، عليها للزوج حقوق، ورقبتها مملوكة لغيره، وفي حال ولادتها يصير ابنها رقيقا لمالكها، لأنه تابع لأمه في ذلك، فإن كانت كافرة؛ ازداد الأمر سوءا بانضمام الكفر إلى الرق، ولذلك والله أعلم قصر الشارع جواز تزوج الحر على الأمة المسلمة بذينك القيدين، وكان ينبغي أن يستصحب عموم منع التزوج بالإماء إلا عند فقد الطول للتزوج بالحرائر مع خوف العنت، فيشمل الأحرار والعبيد، والظاهر أنه لما كان مال العبد لسيده؛ كان في حكم فاقد الطول رأسا، وتمكنه من الاستمتاع بملك اليمين كالحر مختلف فيه، وإن كان المذهب على مشروعيته، في حين أنه متى تزوج؛ كان الطلاق بيده، لا بيد سيده، ثم إنه رقيق مساو لهن في الرق، فلم يشترط في زواجه بالإماء ما اشترط في الحر، فلعل هذا وجه جواز تزوجه بالإماء.
وقد علمت مما سبق أن منع الحر من التزوج بالإماء إلا بما تقدم من الشروط؛ مقيد بما إذا تزوج أمة من لا يعتق ولدها جبرا على المالك كأبيه وأمه وجده لا كأخيه، فالمراد من المنع على هذا أن لا يتسبب في رق ولده، لأنه تابع لأمه فيه، فيكون الولد مملوكا لمن هي له، وهذا يسلك في عدم تشجيع الإسلام على الاسترقاق، وإن كان قد أباحه، لأنه كان نظاما عالميا من باب المعاملة بالمِثل، مع فتحه أبوابًا كثيرة للنحرير.
[ ٣ / ١٨٠ ]
وجوب العدل بين النساء
• قوله:
٣٣ - «وليعدل بين نسائه».
العدل بين النساء واجب، وقد جعله الله سبحانه شرطا في إباحة التزوج بأكثر من واحدة، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، أي فانكحوا واحدة، أو تمتعوا بأكثر من واحدة بملك اليمين، لأنه ليس فيه من الحقوق ما في الزواج، ولعل الاقتصار على أربع نسوة لكون ذلك هو ما يتيسر معه العدل، وإعفاف الزوجات، وقد يؤخذ من الاقتصار عليه أن للزوجة الحق في الوقاع كل أربع ليال، وهو الذي رجحه الشيخ علي الصعيدي فيقضى لها به متى اشتكت، كما يقضى له إذا اشتكى بما تطيقه، وفي هذا التحديد والقضاء بحث، وقد بين الله ﷿ عسر العدل الكامل في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]، لكن هذا لا يدل على أن العدل المطلوب غير مستطاع، وإلا ما كان الناس مكلفين به، وإنما المراد ميل النفس، فلا ينبغي أن يجاري المرء ذلك فيترتب عليه من الآثار العملية ما لا يجوز، والمرء لا يكلف ما لا يملكه، فهذا هو الذي نفى الله استطاعته، لكنه نهى عن الاسترسال فيه، قال البغوي في تفسيره (١/ ٦٠٧): «أي لن تستطيعوا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب، ولو حرصتم على العدل، فلا تميلوا كل الميل في القسم والنفقة إلى التي تحبونها، أي لا تتبعوا أفعالكم أهواءكم،،،»، انتهى، وقد كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، وروي عنه أنه قال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، رواه أبو داود (٢١٣٤) والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وفسره أبو داود بالقلب، وقال الترمذي: «يعني به الحب والمودة»، انتهى، والقسم بفتح القاف وسكون السين، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط»،
[ ٣ / ١٨١ ]
رواه أصحاب السنن (ت/ ١١٤١)، وقد أخذ بعض من لا يرجون لله وقارا من المعاصرين القائلين على الله ما لا يعلمون من مجموع الآيتين؛ أن العدل غير مستطاع، ومن ثم قالوا كاذبين إن التعدد محرم لعدم إمكان العدل، وسمعت إحداهن تقول لقد منع النبي ﷺ عليا ﵁ من التزوج على ابنته فاطمة، فصدقت في النقل، وكذبت في القصد والاستدلال.
ومما ينبغي أن يضعه المرء في الحسبان عند تزوج ما زاد على الثانية في بلادنا أنه لا يتيسر له القسم بين زوجاته إذا تزوج ماى لم يحصل على موافقة الزوجة الأولى التي اشترط القانون الجائر موافقتها كي يوثق النكاح، فإذا لم يخبرها فمن أين له أن يعدل؟، وإن عدل انكشف أمره لها، وفسدت علاقته بها، وقد تضيع حقوق المرأة الثانية في الميراث وكذا الأولاد حيث لا يسجلون، ومما يتعجب له أن بعض النساء يسهل عليهن أن يزني أزواجهن ولا يقبلن ان يتزوج عليهن.
واعلم أن من لم يعدل بين نسائه فهو عاص لله ورسوله فاسق لا تجوز شهادته، وفي صحة إمامته في المذهب خلاف، وحيث كان العدل بين النساء مجمعا عليه؛ فإن من جحد وجوبه فليس بمسلم.
وليصبر المرء المسلم على زوجته إذا كَبُرت وقلَّ أرَبُهُ فيها، وقد قال رسول الله ﷺ: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم، إن الرجل من أهل الكتاب يتزوج المرأة وما يعلق يداها الخيط، فما يرغب واحد منهما عن صاحبه حتى يموتا هرما»، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن المقدام بن معدي كرب، وهو في الصحيحة برقم (٢٨٧١)، وعند ابن عساكر في تاريخ دمشق زيادة: قال أبو سلمة (يعني: سليمان بن سليم) أحد رواة الحديث: وحدثت بهذا الحديث العلاء بن سفيان الغساني، فقال: لقد بلغني أن من الفواحش التي حرم الله مما بطن، مما لم يتبين ذكرها في القرآن أن يتزوج الرجل المرأة، فإذا تقادم صحبتها، وطال عهدها، ونفضت ما في بطنها، طلقها من غير ريبة»، قوله: (وما يعلق يداها الخيط) كناية عن صغر سنها وفقرها، في النهاية: «قال الحربي: يقول من صغرها وقلة رفقها، فيصبر عليها حتى يموتا هرما، والمراد حث أصحابه على الوصية بالنساء، والصبر عليهن، أي أن أهل الكتاب يفعلون ذلك بنسائهم».
[ ٣ / ١٨٢ ]
قلت: أي الألباني: كان ذلك منهم حين كانوا على خلق وتدين ولو بدين مبدل، أما اليوم فهم يحرمون ما أحل الله من الطلاق، ويبيحون الزنى بل واللواط علنا»!!، انتهى.
قال كاتبه: ومع ذلك ما يزال هذا عند بعضهم وهم يمدحون به ويتمدحون، ومما يؤخذ من الحديث أن هذه الوصية ليست موجهة للأزواج فحسب، إذ المرء لا يجمع بين كون المرأة زوجة له وخالة مثلا، وهذا كما قال ﵊: «استوصوا بالنساء خيرا».
وعلى رأس العدل بين النساء التسوية بينهن في القسم بحيث يبيت عند كل واحدة مقدار ما يبيت عند الأخرى: يوما وليلة، فإن تراضين قسم يومين وليلتين لكل، فإن تباعدت مساكن الزوجات؛ قسم بينهن بحسب ما يمكن من الجمعة والشهر، ولا يدخل على المرأة في غير يومها إلا للحاجة، هكذا قالوا، لكن روى أبو داود (٢١٣٥) عن هشام بن عروة عن أبيه قال، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها،،،» الحديث، وقولها من مكثه عندنا، هو بيان للقسم، والمكث التلبث في المكان والإقامة فيه، وقولها من غير مسيس؛ تعني من غير جماع، ويحرم على الرجل أن يمتنع من قربان بعض نسائه ليوفر رغبته للأخرى، ومن عظيم هديه ﷺ أنه بعد أن رفع الله إيجاب القسم عليه بين زوجاته بقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ (٥١)﴾ [الأحزاب: ٥١] استمر على العدل بينهن فيه، وكان يستأذنهن إذا كان في يوم المرأة منهن، كما قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-، رواه البخاري (٤٧٨٩) وأبو داود (٢١٣٦)، وينبغي أن يفرد المرء كل واحدة من زوجاته بدار فيها ما تحتاجه من المرافق، ويجوز برضاهن أن يجمعهن في منزل واحد مع توفر المرافق لكل منهن كالمطبخ ونحوه، ولا يجوز جمع الزوجتين في فراش واحد، ولو من غير جماع، ولو برضاهن، ويحرم قربان إحداهما بحضور الأخرى بلا خلاف.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وجوب النفقة والسكنى على الزوج
• قوله:
٣٤ - «وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده».
من حقوق الزوجة على زوجها نفقة الأكل والشرب واللباس والسكنى بقدر حاله، فأما الزوجة التي في العصمة فوجوب الإنفاق عليها لا خلاف فيه، فإن طلقت فثمة تفصيل سيأتي ذكره في بابه، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، وقال سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، والوجد بضم الواو السعة والطاقة، فجعل المرجع فيما يجب من المسكن والنفقة؛ حال الزوج، وقد اعتبر حاله في غير النفقة كالمتعة، والمشهور مراعاة حالهما معا، فيجب عليه أن ينفق عليها إنفاق مثله على مثلها، لكنهم قالوا لا يجب التسوية في النفقة والكسوة بين الزوجات، بل يراعى حال المرأة من غنى وفقر، واحتجوا بقول الله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقول النبي ﷺ لهند زوجة أبي سفيان ﵁: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وهذا لا دليل فيه على عدم العدل بين الزوجات في النفقة، بل فيه دليل على أن النفقة لا تقدر بشيء ثابت معلوم، بل مردها إلى العرف والاجتهاد، بخلاف قول الشافعي ﵀، وذلك هو الذي يتأتى معه مراعاة حال الزوج، وفي عدم التسوية بين الزوجات من الفساد ما لا يخفى، والشارع إنما طالب الزوج بالإنفاق بحسب وسعه، لا بحسب حال زوجته، فينبغي أن تتساوى الزوجات فيما ينالهن من ذلك، وإلى هذا ذهب ابن نافع ﵀ كما حكاه زروق وابن ناجي عنه، وقيل إنها رواية أخرى عن مالك، وذكرها ابن عبد البر في الكافي بصيغة التمريض، وهي أجدر أن يؤخذ بها من سابقتها.
[ ٣ / ١٨٤ ]
لا يقسم للأمة في المبيت
• قوله:
٣٥ - «ولا قسم في المبيت لأمته، ولا لأم ولده».
لا حق للأمة في الوطء على مالكها، ولهذا لا يجب عليه القسم بين الإماء، ولا بينهن وبين الحرائر، فإن كانت الإماء زوجات منفردات أو مع حرائر؛ تعين القسم، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وجه الدلالة منه؛ أنه سبحانه قرن الزواج بالواحدة - ولا قسم في حال الانفراد - بملك اليمين في حال خوف عدم العدل، فدل ذلك على أن الإماء لا قسم لهن، والمراد بأم الولد في كلام المصنف أمته إذا استولدها، وإنما نص عليها لأنها وإن كانت أمة؛ فهي داخلة فيما لا يجب عليه فيه القسم؛ إلا أنها لما كان تصرف مالكها فيها محدودا، إذ لا يجوز له بيعها، فربما ظُن لهذا أنها تلتحق بالزوجات في وجوب القسم لها، فنفى ذلك.
واعلم أن بعض أهل العلم رأوا أنه متى تزوج الأمة؛ فينبغي أن يقسم لها على النصف من قسم الحرة، لما رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «من السنة أن للحرة يومين، وللأمة يوما»، وهذا جار على قاعدة التنصيف في كثير من المسائل التي قال بها العلماء بين الحر والعبد، والذي قام الدليل عليه من كتاب الله هو تنصيف الحد.
[ ٣ / ١٨٥ ]
تجب النفقة بالدخول أو الدعوة إليه
• قوله:
٣٦ - «ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها، أو يدعى إلى الدخول؛ وهي ممن يوطأ مثلها».
يعني أن الزوجة إنما تجب نفقتها على الزوج بأحد أمرين، أولهما: أن يدخل بها، لا فرق بين مطيقة القربان وغيرها، متى كان الزوج بالغا، وهما غير مشرفين على الموت!!، والدخول هنا إرخاء الستور، وثانيهما: أن يدعى للدخول، ويراعى هنا ما تقدم من الشرطين، بالإضافة إلى كونها مطيقة للقربان، هنالك ينقطع إيجاب إنفاق أبيها عليها أو غيره من أوليائها، وينتقل الإيجاب إلى زوجها، والذي نفاه هنا إنما هو الإيجاب، فمن تطوع بالإنفاق على زوجته قبل الدخول أو بعده، فذلك كرم وإحسان، وقد ربط بين وجوب الإنفاق على الزوجة، وبين التمكن من الاستمتاع بها، ومعنى التمكن أنه إن دخل بها غير أنها لم تكن ممن يوطأ مثلها لمانع كالصغر، أو كانت ناشزا؛ فلا نفقة عليه، وهذا الربط فيه نظر، وقد احتجوا على عدم الانفاق قبل الدخول بعدم إنفاق النبي ﷺ على أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ولا التزم نفقتها لما مضى من الزمن بين العقد وبين الدخول، وكان الفارق بينهما نحو السنتين، وأنت تعلم أن الشرع ناط وجوب الإنفاق بوصف الزوجية، وذلك حاصل بالعقد، وقد قال رسول الله ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل، وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت: «يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه»؟، قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»، رواه أبو داود (٢١٤٢) والنسائي وابن ماجة (١٨٥١)، تقبح تقول قبحك الله، والمرأة قبل الدخول زوجة بالإجماع، فمن علق الإيجاب بالدخول؛ فعليه الدليل، وقد
[ ٣ / ١٨٦ ]
ذهب ابن عبد الحكم إلى وجوب الإنفاق بالعقد، وقال به سحنون في اليتيمة كما في شرحي ابن ناجي وأبي الحسن، وقال ابن المنذر في الإجماع الفقرة (٤٣١): «أجمعوا على أن الرجل إذا تزوج المرأة فلم يدخل بها، فإن كان الحبس من قبلها؛ فلا ينفق عليها، وإن كان من قبله؛ فعليه النفقة» وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم.
[ ٣ / ١٨٧ ]
جواز نكاح التفويض
• قوله:
٣٧ - «ونكاح التفويض جائز، وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا، ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها، فإن فرض لها صداق المثل؛ لزمها، وإن كان أقل؛ فهي مخيرة، فإن كرهته؛ فرق بينهما، إلا أن يرضيها، أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها».
النكاح من غير التعرض لذكر الصداق؛ جائز، بخلاف الاتفاق على إسقاطه فإن النكاح معه باطل، فإذا وقع نكاح التفويض؛ لزم بيان الصداق بالتوافق، فإن لم يتوافقا.
وفرض الزوج لها صداق المثل؛ لزمها قبوله، فإن كان ما فرضه أقل من صداق المثل ولم يتيسر الإصلاح؛ خيرت المرأة، فإن قبلت وكان ما فرضه لها ربع دينار فأكثر؛ مضى النكاح، وإن أبت فرق بينهما، ودليل صحة النكاح من غير ذكر الصداق قول الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس، ولم يكن قد فرض لها؛ فلا شيء لها غير المتعة، ومن السنة حديث عقبة ابن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة»؟، قال: «نعم»، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا»؟، قالت: «نعم»، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة؛ قال: «إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف»، رواه أبو داود (٢٢١٧)، ومثل هذا حديث معقل بن سنان الأشجعي في قضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق حيث توفي عنها زوجها ولم يفرض لها، وسيأتي ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
[ ٣ / ١٨٨ ]
فسخ النكاح إذا ارتد أحد الزوجين
• قوله:
٣٨ - «وإذا ارتد أحد الزوجين؛ انفسخ النكاح بطلاق، وقد قيل بغير طلاق».
طروء اختلاف الدين على الزوجين لا يخرج عن حالات ثلاث: ردة أحدهما، أو إسلامهما معا، أو إسلام أحدهما، وهذا تحته قسمان، فإذا ارتد أحد الزوجين فسخ النكاح ساعة الارتداد، وهو يكون بكلمة مكفرة، وبإنكار معلوم من الدين بالضرورة، كأحد أركان الإسلام، وبفعل يلزم منه ذلك، كإلقاء المصحف في قذر عمدا، ومنها الانتقال إلى دين غير الإسلام.
فأما ردة الزوجة فلقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، [الممتحنة: ١٠]، والكوافر جمع كافرة، وهي مخصوصة بمن عدا الكتابية، والردة أشد من الكفر الأصلي، لأن الكافرة تقرر على دينها، ولا تقرر المرتدة على الردة بل تقتل، فأما ردة الزوج فلقول الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وهذه نزلت في النساء المسلمات اللاتي كن متزوجات بكفار وهاجرن، فأُمر المسلمون أن لا يرجعوهن إلي الكفار، قال القرطبي: «هذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها؛ إسلامها لا هجرتها، وقال أبو حنيفة الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين، وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة، والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدار، والله أعلم».
ولا رجعة للمرتد على زوجته السابقة، ولو عاد إلى الإسلام في عدتها، فلم يلحقوه بالكافر يسلم وزوجته ما زالت في العدة، لأن الردة كفر مغلظ، وتكون بكلمة مكفرة، وبإنكار معلوم من الدين بالضرورة، كأحد أركان الإسلام، أو بفعل يلزم منه ذلك، كإلقاء المصحف في قذر عمدا، ومنها الانتقال إلى دين غير الإسلام.
[ ٣ / ١٨٩ ]
ولا حاجة هنا إلى الطلاق، لأنهما مغلوبان على الفسخ لا خيار لهما فيه، وهذه رواية ابن أبي أويس وابن الماجشون، وقيل إن ذلك بطلاق بائن وهو المشهور، وهذا لا يتجه، إلا أن يكون المقصود أنها تطلق عليه، والاحتجاج بأن النكاح صحيح ثابت، فلا ينحل إلا بطلاق غير مقبول، فإن صحته قد طرأ عليها ما يبطلها، فصار كالعدم، ثم إن الطلاق من أحكام الشرع، وإذا قلنا إن الكافر مطالب بها؛ فليس معناه أنها معتبرة منه شرعا، بل ليكون ذلك من أسباب زيادة عذابه. وينبني على الخلاف في كونه طلاقا أولا؛ أنه على الأول إذا حصلت الردة قبل الدخول وقد سمي الصداق؛ كان لها نصفه، وإذا آب المرتد منهما وتزاوجا بعد ذلك؛ اعتد بتلك التطليقة من الثلاث التي تحرم بها عليه إلا بعد زوج، وعلى الثاني لا يعتد بتلك التطليقة، ولا شيء لها إذا حصلت الردة قبل الدخول.
[ ٣ / ١٩٠ ]
• قوله:
٣٩ - «وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما».
نقل الإجماع على هذا ابن عبد البر، وقد دل على ذلك أنه أسلم كثير من الناس فقرروا على الأنكحة التي أسلموا عليها، وإنما يكون الأمر كذلك ما لم يكن في النكاح شيء لا يقره الشرع، كمن أسلم وفي عصمته أختان، أو كان متزوجا بامرأة أبيه، أو إحدى محارمه، أو في عصمته أكثر من أربع نسوة، فالذي يقرران عليه ما يرجع إلى العقد والصداق والولي والشهود.
[ ٣ / ١٩١ ]
حكم ما إذا أسلم أحد الزوجين
• قوله:
٤٠ - «وإن أسلم أحدهما؛ فذلك فسخ بغير طلاق، فإن أسلمت هي؛ كان أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها، فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها؛ كانا زوجين، وإن تأخر ذلك؛ فقد بانت منه».
إذا أسلم أحد الزوجين؛ فلا يخلو أن يكون الذي أسلم هو الرجل أو المرأة، فإن أسلم هو وكانت كتابية؛ استمر النكاح لجوازه ابتداء، فتكون الاستدامة أولى، وإن كانت غير كتابية؛ فسخ النكاح بغير طلاق، ما لم تسلم بعده بالقرب، وحده أشهب بالعدة، وهو القياس، وإن أسلمت الزوجة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها؛ فهو أحق بها، لأن العدة مدة تربص، والزوج أحق بزوجته فيها، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها؛ فسخ النكاح، وقد روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه»، انتهى، وفي حديث ابن عباس أيضا عند أبي داود (٢٢٤٠) من طريق شيخيه محمد ابن عمرو والحسن بن علي وانظر (جه/ ٢٠٠٩) قال: «رد رسول الله ﷺ ابنته زينب على أبي العاصي بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا»، قال محمد بن عمرو في حديثه: بعد ست سنين، وقال الحسن بن علي: بعد سنتين، قال الألباني صحيح دون ذكر السنين، لكن قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ٣٠٨) بعد أن حكم بصحة حديث ابن عباس من غير قيد، وذكر معارضه الضعيف وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ رد ابنته على أبي العاص بنكاح جديد، (جه/ ٢٠١٠) قال: «لكن لا بد من تأويل حديث ابن عباس، لوقوع الإجماع على عدم جواز تقرير المسلمة تحت الكافر إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها،،، فقيل في تأويله إنه لم يكن نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر، وقيل غير ذلك،،،»، انتهى.
[ ٣ / ١٩٢ ]
المتزوج بأكثر من أربع نسوة إذا أسلم
• قوله:
٤١ - «وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع؛ فليختر أربعا، ويفارق باقيهن».
وهذا لأنه بإسلامه لزمه الاقتصار على العدد الجائز جمعه من النساء في العصمة، وهو أربع كغيره من المسلمين، فليس هذا مما يقرر عليه، وقد تقدم أمر النبي ﷺ لبعض من أسلم بمفارقة ما زاد على الأربعة، وقد ذكرته عند التعرض للعدد الذي يجوز للحر والعبد جمعه في العصمة من النساء.
[ ٣ / ١٩٣ ]
تأبيد تحريم الملاعنة والمتزوجة في العدة
• قوله:
٤٢ - «ومن لاعن زوجته؛ لم تحل له أبدا، وكذلك الذي يتزوج المرأة في عدتها، ويطؤها في عدتها».
سيأتي للمؤلف الكلام على اللعان وبيان سببه، وتعجل هنا ذكر حرمة الملاعنة تحريما دائما على من لاعنها، وقرن ذكرها بمن نكحت في العدة، أي عدة كانت، فإنها يتأبد تحريمها في المذهب، وظاهر كلامه أنها لا تحرم إلا إذا دخل بها، ومشهور المذهب التحريم ولو بالقبلة، متى كان ذلك في العدة من غيره، وقد تقدم الكلام على ذلك وبيان متمسك أهل المذهب في القول بتأبيد لتحريم.
[ ٣ / ١٩٤ ]
لا نكاح لعبد أو أمة إلا بإذن السيد
• قوله:
٤٣ - «ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد».
أي يحرم على العبد والأمة النكاح من غير إذن سيدهما، لقول النبي ﷺ: «أيما عبد؛ تزوج بغير إذن مواليه، أو أهله؛ فهو عاهر»، رواه أحمد وأبو داود (٢٠٧٨) والترمذي (١١١١) وصححه عن جابر، وقوله «فهو عاهر»، العاهر الزاني، وقد يكون من قبيل التشبيه البليغ، وفيه دليل على عدم صحة النكاح، وقد نقل الاتفاق عليه ما لم يجزه السيد، غير أنه لا يحد للشبهة، ونظيره قوله ﷺ: «أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية، وكل عين زانية»، رواه أحمد وأبو داود (٤١٧٣) والترمذي وغيرهم عن أبي موسى.
ويدل حديث جابر من باب أولى على عدم صحة نكاح الأمة من غير إذن السيد، إذا تولى تزويجها رجل، فإن زوجت نفسها فقد هتكت أكثر من نهي، وارتكبت أكثر من محظور، ومن جهة المعنى؛ فإن تزوج المملوك بغير إذن مالكه؛ فيه إدخال نقص عليه في ملكه، لما يترتب في ذمة المملوك من المطالب تجاه زوجه، فإن حصل ذلك؛ فلهم فيه تفصيل، أما العبد؛ فنكاحه باطل، ويفسخ بطلاق بائن، إلا إذا أجازه السيد فإنه يصح، وقد فرق مالك بينه وبين نكاح التحليل في الموطإ (١١٤٢)، فإن لم يجزه السيد وفسخ قبل البناء؛ فلا شيء على العبد، وإن كان بعده؛ استرد السيد ما أخذته المرأة عدا أقل الصداق الذي هو حق الله.
قلت: وفي هذا القول نظر، إذ ما ذنب المرأة إن لم تكن عالمة أن لا تأخذ نصف صداقها وقد تم الدخول؟، فإن كانت عالمة بأن صحة زواجه موقوفة على إذن سيده فعلى نفسها جنت براقش، أما الأمة؛ فإن وكلت رجلا يزوجها، فحكمها حكم العبد على المشهور، إن شاء السيد أمضاه، وإن شاء فسخه، وإن زوجت نفسها؛ كان النكاح باطلا، ولا يصح إجازة السيد له بحال، والفرق بينهما واضح، فإنه إذا بطل نكاح الحرة التي تزوج نفسها فأحرى أن يبطل نكاح المملوكة.
[ ٣ / ١٩٥ ]
لا يجوز عقد النكاح من المرأة والعبد والكافر
• قوله:
٤٤ - «ولا تعقد امرأة ولا عبد، ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة».
ذكر هنا بعض شروط الولي ببيان أضداد تلك الشروط، وهي الذكورية، فلا يصح أن تتولى المرأة تزويج امرأة، وقد تقدم ذلك في مبحث الولي، وقد قيل إنها يجوز أن تكون وكيلة للزوج، فتتولى جانبه في العقد وقيل لا يجوز، وهو في المدونة، والأول أقيس، ومنها الحرية، فلا يكون العبد وليا، ولو كانت المزوجة بنته أو أمه، والحق في ذلك لسيده، ووجه ذلك أنه لما كان كل من المرأة والعبد لا يجوز نكاحه لنفسه؛ فأحرى أن لا يجوز نكاحه لغيره، ومنها الإسلام، فلا يزوج الكافر المسلمة، ولو كانت بنته أو أمه أو أخته، إذ لا ولاية لكافر على مسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، أما المسلم؛ فله الولاية على الكافرة سواء زوجها لمسلم أو لكافر، وقيل لا يزوجها إذ لا ولاء بينهما، فإن لم يكن للكافرة ولي خاص زوجها أساقفتهم، فإن أبوا تزويجها ورفعت أمرها للحاكم جبرهم على ذلك لرفع الظلم، لكن لا يجبرهم على تزويجها من المسلم.
[ ٣ / ١٩٦ ]
حرمة نكاح التحليل وعدم حل المطلقة به
• قوله:
٤٥ - «ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها لمن طلقها ثلاثا، ولا يحلها ذلك».
إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها لزوجها الأول في زعمه؛ مع الاتفاق مع المرأة؛ سمي هذا نكاحَ التحليل، لأنه هو ما قصد منه، وهو من الكبائر لما ثبت فيه من اللعن، ولا تحل به المرأة، لأن الشرع إذا ذكر النكاح؛ فإنما يعني به ما كان منه مشروعا، ولا يدخل فيه المؤقت كما سبق، وإذا تواطأ عليه الزوج والزوجة فضلا عن دخول الزوج السابق لحقتهم جميعا اللعنة، وقد قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المحلل والمحلل له»، رواه أحمد وأبو داود (٢٠٧٦) والترمذي (١١١٩) والنسائي عن علي، وروى البيهقي والحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعا: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟، هو المُحِلُّ، فلعنَ الله المُحِلَّ، والمُحَلَّلَ له»، وعدم ذكر الولي والشهود في الحديث لا يدل على عدم إثمهم، وإنما اقتصر على ذكر الزوجين؛ لشدة الأمر فيهما، والتيس هو الذكر من المعز إذا أتى عليه حول، وأشار بقوله المستعار إلى دناءة فعل المحلل، فهو حيوان بهيمي، فكما استعير الحيوان للنزو؛ استعير المحلل للتحليل المزعوم، وسماه محللا ومحلا بحسب زعمه، لا أن فعله يحل المرأة للأول، قال مالك (١١٤٢): والمحلل يفرق بينهما على كل حال إذا أريد بالنكاح التحليل.
[ ٣ / ١٩٧ ]
لا يصح نكاح المحرم لنفسه ولا لغيره
• قوله:
٤٦ - «ولا يجوز نكاح المحرم لنفسه، ولا يعقد نكاحا لغيره».
تلبس المرء بالإحرام بحج أو عمرة؛ مانع له من أن يزوج نفسه، أو يزوج غيره من رجل أو امرأة بالولاية أو بالوكالة، لعموم قول رسول الله ﷺ: «لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب»، رواه مسلم (١٤٠٩) عن عثمان بن عفان ﵁، وفي الصحيح (م/ ١٤١٠) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم»، لكن روى مسلم (١٤١١) عن ميمونة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، فترجح روايتها عند التعارض إذ صاحب القصة يقدم، وإلا فالقول أرجح من الفعل لما فيه من الاحتمالات، ومنها ما لرسول الله ﷺ في باب النكاح من الخصائص.
[ ٣ / ١٩٨ ]
بطلان نكاح المريض مرضا مخوفا
• قوله:
٤٧ - «ولا يجوز نكاح المريض، ويفسخ، وإن بنى بها؛ فلها الصداق في الثلث مبدأ، ولا ميراث لها».
إذا مرض المرء مرضا مخوفا وأشرف على الموت، رجلا كان أو امرأة؛ لم يعتد بنكاحه، فإن لم يشرف، ولم تكن له حاجة إلى النكاح للقيام بشؤونه؛ فلا يعتد بنكاحه أيضا على المشهور، أما الأول؛ فلأنه يحجر على ماله، وأما الثاني؛ فلاحتمال أن يكون إنما تزوج لإدخال وارث، فيكون مضارا لورثته، ومن قواعد الشرع؛ أن لا ضرر ولا ضرار، فهو سد للذريعة إلى ما يكون قد قصده، ولتعلق حقوق غيره بماله، قال الغماري في مسالك الدلالة (ص/ ١٩٢): «انفرد مالك ﵀ عن سائر الأئمة بهذه المسألة، ولا دليل لها ولا مستند لها، والله أعلم»، انتهى، قال كاتبه عفا الله عنه: الجزم بأنه ليس لمالك مستند فيه نظر، والظاهر أنه اعتمد في القول بهذا على ما يأتي في الفقرة اللاحقة من توريث عثمان ﵁ بعض النساء اللائ طلقهن أزواجهن في المرض، فإن من قال بعدم الاعتداد بأثر طلاق المريض في منع الميراث؛ يقول بعدم الاعتداد بنكاحه، لما فيه من إدخال وارث، وإنما قالوا في حالة الدخول إن لها صداق المثل في حدود الثلث من رأس المال، لتنزيلهم الصداق منزلة الوصية، وهي لا يتجاوز فيها الثلث، وإنما قالوا إنها لا ترثه معاملة له بنقيض قصده.
[ ٣ / ١٩٩ ]
يمضى طلاق المريض وترثه المطلقة إن مات في مرضه
• قوله:
٤٨ - «ولو طلق المريض امرأته؛ لزمه ذلك، وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك»
ما تقدم من عدم الاعتداد بنكاح المريض؛ يناسبه أن يقال بعدم نفوذ طلاقه في المرض المخوف أيضا، وحيث لم ينفذ؛ فإنها ترثه لاحتمال أن يكون مضارا لها، كما احتمل فيما سبق أن يكون مضارا للورثة، ويبدو أن معتمدهم في التفريق بين المتزوج والمطلق في المرض المخوف؛ أن الأصل في الفروج الحرمة، فنجزوا عليه الطلاق، ولم يرتبوا عليه أثره، وهو حرمان المرأة من الميراث إذا مات في المرض الذي طلقها فيه، وهو متجه في النظر، ومعتمد مالك ليس هذا النظر فحسب.
فقد روى في موطئه (١٢٠٠) عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان بن عفان ﵁ بعد قضاء عدتها، وهو في مصنف عبد الرزاق (١٢١٩١)، كما روى عن الأعرج أن عثمان بن عفان ورث نساء ابن مكمل منه، وكان طلقهن وهو مريض»، وقد جود هذه الرواية عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٩٦)، قال ابن عبد البر في الاستذكار في باب طلاق المريض بعد ذكره من ذهب من الصحابة إلى توريث المطلقة في المرض ولو مبتوتة، وهم عمر وعلي وعائشة: «ولا أعلم لهم مخالفا إلا عبد الله بن الزبير»، فهذا يبين لك مستند مالك في القول بعدم صحة نكاح المريض مرضا مخوفا.
وروى أحمد في المسند عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: «اختر منهن أربعا»، فلما كان في عهد عمرطلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر، فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع
[ ٣ / ٢٠٠ ]
بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلك أن لا تمكث إلا قليلا، وايم الله لتراجعن نساءك، ولترجعن في مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال»، وهذه كانت عادة جاهلية يمنعون المرأة من الميراث، فأبطلها الإسلام، ولكن بقي عليها كثير من المسلمين، فيحتالون ليمنعو المرأة ميراثها بالبيع الصوري للذكور تارة، وبالإهداء للذكور تارة أخرى، وكثيرا ما يسئئثر الذكور بالمال إذا لم يحصل شيء من ذلك، أو يقاطعون أخواتهم إذا أخذن حقهن.
[ ٣ / ٢٠١ ]
الطلاق الثلاث يحرم المرأة حتى تنكح زوجا غير مطلقها
• قوله:
٤٩ - «ومن طلق امرأته ثلاثا؛ لم تحل له بملك، ولا نكاح، حتى تنكح زوجا غيره».
الطلاق في اللغة الإرسال، وفي الشرع حل العصمة التي بين الزوجين، وحده ابن عرفة بقوله: «صفة حكمية ترفع حليةَ متعة الزوج بزوجته، موجبا تكررُها مرتين للحر، ومرة لذي رق؛ حرمتَها عليه قبل زوج»، انتهى، والذي يحل العصمة هو الزوج ووكيله، والقاضي عند الحاجة، وجماعة المسلمين عند فقد السلطان، والمملكة، والمخيرة كما سيأتي، والذي يحصل الآن من توثيق الطلاق بصدور الحكم؛ لا يعني أنه لا يقع حتى يصدر الحكم، متى طلق الزوج قبل ذلك، وإن كان المطلوب أن لا تتزوج المرأة حتى تنقضي عدتها بعد صدور القرار، لما يترتب على مخالفة هذا من المفاسد والمنازعات.
وللطلاق أربعة أركان هي ما أشار إليه خليل بقوله: «أهل وقصد ومحل ولفظ»، فالمراد بالأهل الموقع للطلاق، وهو المسلم المكلف، والمحل هو العصمة المملوكة قبل الطلاق تحقيقا، بأن يطلق من عقد عليها قبل الدخول أو بعده، أو تقديرا، وهي العصمة المقدرة قبل العقد، فإن المذهب نفاذ طلاق المرأة قبل الزواج متى علق على الزواج، كأن يقول لامرأة عند خطبتها أنت طالق، لأن مراده إن تزوجتك، وهذا ليس بشيء، لأنها عصمة لما تُملك بعد، ولأن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا عند أبي داود (٢١٩٠) من طرق؛ ما ينفي وقوع الطلاق قبل النكاح، منها قوله ﷺ: «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك»، والثالث القصد إلى اللفظ، متى كان صريحا، أو كناية ظاهرة، وهكذا قصد حل العصمة بالكناية الخفية، فمن أراد أن يتكلم
[ ٣ / ٢٠٢ ]
بغير لفظ الطلاق، فتكلم به فليس بمطلق، ومثله من أكره على الطلاق على غالب الروايات، وقيد بعضهم عدم الوقوع؛ بترك التورية من العالم بها، وقيل يقع عليه الطلاق، والأول أقوى، ويدخل في هذا؛ الذي لقن لفظ الطلاق من غير علم بمعناه كمن لا يعرف العربية، والثالث الصيغة، وتنقسم إلى صريح، وهو ما فيه مادة الطلاق، ولا تفتقر إلى نية، بل يكفي القصد إلى اللفظ كما مر، وكناية وهي قسمان: ظاهرة وخفية، والأخيرة كل لفظ أراد به الطلاق كاذهبي وانصرفي وكلي واشربي!!، فهذه مفتقرة إلى النية دون الظاهرة، وقد قالوا إن اعتبار الكناية الخفية تطليقا؛ مبني على جواز قلب اللغة، وعدم اعتبارها تطليقا؛ مبني على عدم جواز قلب اللغة، وقد ذكره شارحو مراقي السعود وغيرهم، ولا أرى هذا يتجه حتى على القول بجواز قلبها، لأن اعتبار ذلك؛ متوقف على اصطلاح الناس على أن هذه ألفاظ للطلاق، فتصير من الحقائق العرفية، أما قلب الشخص وحده للفظ، واستعماله في غير معناه، كأن يقول لها كلي ويقصد الطلاق؛ فهو طلاق بالنية من غير لفظ، والطلاق بمجرد القصد غير معتبر، وقد قيل في المذهب إن الطلاق يقع بالعزم عليه.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٢٤): «قال مالك: كل من أراد الطلاق بأي لفظة كان لزمه الطلاق حتى بقوله كلي واشربي وقومي واقعدي، ونحو هذا، ولم يتابع مالك على ذلك إلا أصحابه، والأصل أن العصمة المتيقنة لا تزول إلا بيقين من نية، أو قصد، وإجماع على مراد الله من ذلك».
وهذا الذي نقله ابن عبد البر عن الإمام من وقوع الطلاق من غير فرق بين لفظ وآخر متى قصده الزوج قال عنه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢/ ٣٠٢): «وأيضا فإن الطلاق لم يجعل الشارع له لفظا معينا، بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية، ولا يعرف في ذلك خلاف عن السلف، فإذا قال: فارقتك أو سرحتك أو سيبتك، ونوى به الطلاق وقع وكذلك سائر الكنايات»، انتهى، لكن الفرق واضح بين هذا الذي قاله ابن تيمية، فإنه مقيد بما يحتمله اللفظ، والذي قاله الإمام كما سبق.
وربنا الذي شرع النكاح لمصالح عباده، ومنها إنشاء صلات جديدة بين الناس
[ ٣ / ٢٠٣ ]
بالزواج، لكونه هو الذي تجدد به الأنساب؛ شرع لهم الطلاق لفك تلك الرابطة؛ لحكمة له في ذلك، فقد يحصل بين الزوجين من عدم الملاءمة بنفرة الطبع، أو بالمضارة من الزوج، أو بنشوز الزوجة مع تعذر الإصلاح، أو بظهور فساد ما في أحدهما لم يكن معلوما، أو لغير ذلك مما لا يتحقق معه مقصد الشرع من النكاح، من العفة بتحصين الفرج، وغض البصر، والسكن والمودة والرحمة، فالطلاق في الأصل؛ علاج متى لم يتمكن من العلاج بغيره، فإذا بلغ الأمر هذا المبلغ؛ فليذهب كل منهما لحال سبيله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠]، وقد حض الله ﷿ الأزواج على معاشرة النساء بالمعروف والصبر على ما قد يكونون عليه من الكراهة لهن، فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، قال ابن عباس: «هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدا»، وقد روى مسلم (١٤٦٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها غيره»، وقوله لا يفرك كفرح في الضبط أي لا يبغض، فهو حض على حسن الصحبة والعشرة، وأمرهم بتقوى الله فيهن، ونهى عن مضارتهن، ونهى المرأة أن تسأل زوجها طلاقها من غير داع كما في قوله ﷺ: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة»، رواه أبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١١٨٧) وحسنه، وابن ماجة وغيرهما عن ثوبان، وشدد النبي ﷺ في مخالعة المرأة زوجها بقوله: «المختلعات هن المنافقات»، وهو في سنن الترمذي (١١٨٦) عن ثوبان أيضا، وضعفه، وصححه الألباني، لكن لا ريب أن الخلع مع الحاجة إليه؛ مشروع كما دل عليه كتاب الله، ونهى الشرع عن الطلاق في الحيض وفي الطهر الذي مست المرأة فيه، نعم، إن ساءَ خلق المرأة، ولم يتيسر إصلاحه فالطلاق متعين، وقد قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله، وقد قال الله ﷿: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)»، رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٣١٨١)، وهو في الصحيحة برقم (١٨٠٥).
[ ٣ / ٢٠٤ ]
فمن نظر في هذه النصوص وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره؛ ظهر له جليا أن أصل الطلاق من غير حاجة إليه الكراهة، وقد رُوي أن النبي ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، وهو في سنن أبي داود، ومما يدل على أن أصل الطلاق الكراهة فرح الشيطان بمن يفرق بين الرجل وبين امرأته من سراياه التي يبعثها ويدنيه منه كما هو في صحيح مسلم، قال مالك: «لقد أدركت من له امرأة ما له بها من حاجة، ويمنعه الحياء والتكرم أن يفارقها لئلا يطلع غيره منها على ما اطلع»!، قال سحنون أراه يزيد بن عبد الله بن هرمز، وهو في النوادر (٤/ ٣٨٨)، كما أوجب على الزوجة طاعة زوجها في المعروف، وقدم طاعته على طاعة والديها، حتى قال رسول الله ﷺ: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، رواه الترمذي (١١٥٩) عن أبي هريرة وحسنه.
أما عن شرح كلام المصنف ﵀، فإن المسلمين قد أجمعوا على أن من طلق امرأته ثلاث تطليقات تخللتها رجعة في غير حيض ولا نفاس؛ حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بالنكاح الوطء، قال ابن العربي: «إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين، فأثبتت السنة أن المراد أحدهما؛ فلا يقال إن القرآن اقتضى أحدهما، وزادت السنة الثاني، وإنما يقال إن السنة أثبتت المراد منهما، والعدول عن هذا جهل بالدليل، أو مراغمة وعناد في التأويل»، انتهى، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، رواه الشيخان (خ/ ٥٢٦٥)، وأصحاب السنن الأربعة، وأرادت بقولها هدبة الثوب - بضم الهاء وسكون الدال - أنه رخو مثل طرف الثوب لا يغني عنها شيئا كذا في النهاية، والهدبة في الأصل الشعرة النابتة في شفر العين، والعسيلة تصغير عسلة، وهي العسل، يذكر ويؤنث، وقال في النهاية: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وإنما أنث؛ لأنه أراد قطعة من العسل،،،».
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وقد كان أهل الجاهلية لا حد عندهم في الطلاق، يتعسفون فيه كما يشاءون، فيلحق المرأة أذى شديد، فجاء هذا الحكم وهو تحديد عدد الطلقات التي يملك معها المطلق العصمة إصلاحا لهذا الوضع، وإنما كانت المهلة اثنتين؛ لأنه بعد الطلاق الأول يذوق الطرفان ألم البعاد، ووحشة الفراق، ولا حليم إلا ذو عثرة، فإذا تراجعا كانت صلة جديدة مسبوقة بتجربة، ولا حكيم إلا ذو تجربة، فإن حصل ما ترتب عليه الطلاق ثانية؛ ترسخت التجربة واستحكم السبر، فإن تراجعا كانا أقدر على الصمود للعوارض، فإذا حصل بعد هذا طلاق؛ فقد تبين بهذا التكرار أن هذه الرابطة حَرِيَّةٌ بِالفَكِ، لأن مالكها وحده، أو هو وزوجه لم ينزلاها منزلتها، وهي كونها ميثاقا غليظا، فهو رُبَّانٌ لا قدرة له على القيادة، فلتنتزع منه، وهكذا المرأة إن كانت السبب المحرك المستفز لمشاعر الزوج، ولذلك اشترط في الطلاق الثلاث أن لا تعود تلك الرابطة حتى يتخللها نكاح من آخر ودخول، من غير تواطؤ على التحليل كما سبق، وفي اشتراط ذلك ترهيب للزوج الذي يتعلق بالمرأة، وكذلك الزوجة، فمتى علما أن الطلاق الثلاث لا رجعة بعده إلا بعد زوج؛ احتاطا، فإن فعلا ركبهما من الألم ما لا يخفى، على أنهما لا يدريان أيتراجعان أو لا؟.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
الطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة وهو لازم
• قوله:
٥٠ - «وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزمه إن وقع».
بعد أن ذكر المؤلف الطلاق المشروع؛ ذكر هنا استعجال الزوج فيه، بحيث يجمع منه أكثر من طلقة في كلمة، أو من غير تخلل رجعة، ومثل ذلك أن يطلق بعض تطليقة، أو يطلق عضوا من المرأة، فهذا من الطلاق المبتدع، والطلاق الذي دل عليه كتاب الله تعالى هو أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم يطلق، فتحرم عليه بالطلقة الثالثة إلا بعد زوج، هذا هو الذي يدل عليه قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فبين الطلاق المشروع الذي يترتب عليه التحريم كما هو واضح، ومن قال إن ذلك مجرد فسحة للناس، فمن ضيق على نفسه منهم لزمه؛ لم يقبل منه من غير دليل، ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر الطلاق قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، واعتبار الطلاق على غير ما تقدم؛ يلغي أن يكون الزوج أحق بزوجته في العدة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله جلت قدرته: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، أي إذا طلقتموهن، وقاربن نهاية عدتهن، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، قال البغوي في تفسيره: «يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين»، وهذا لا يتأتى مع اعتبار الطلاق الثلاث المجموع محرما، ولعل هذا المعنى المأخوذ من كلام الله في عدة مواضع والمدلول عليه بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، هو المقصود من حديث محمود بن لبيد الذي فيه أن النبي ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات فقام غضبان، فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»، رواه النسائي بإسناد صحيح، قاله في الروضة الندية، وقد دل على هذا أيضا ما
[ ٣ / ٢٠٧ ]
جرى عليه الأمر في حياة النبي ﷺ، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم»، رواه مسلم (١٤٧٢)، فقوله كان طلاق الثلاث واحدة؛ قيل معناه كان يجعل واحدة، فلا يعتبر باتا، وقيل كان الناس إنما يطلقون واحدة إلى عهد عمر، فصاروا يطلقون ثلاثا مجموعة، والأول أقوى، يؤيده لفظ تجعل في رواية مسلم الأخرى، التي فيها قول ابن الصهباء لابن عباس: «أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر؟، فقال ابن عباس: نعم»، وهذا يدل على أن الجاعل ليس المطلق، بل المفتي كما هو واضح، وقوله استعجلوا وفي رواية تتايعوا يعني تعجلوا فراق زوجاتهم بهذا الذي أكثروا منه بعد أن كانوا في فسحة يطلقون ويراجعون، والتتايع في الشيء الإسراع إليه، والأناة المهلة، وقوله فلو أمضيناه عليهم، يعني اعتبرناه مانعا من الرجعة، وهذا يؤكد أن الثلاث كانت موجودة على عهد رسول الله ﷺ، وكانت لا تمضى، ثم أمضاها عمر ﵁، ووافقه الصحابة، وإلا ما صح أن يقول عمر هذا القول، ولو لم تثبت مخالفة واحد من الصحابة لعمر على ذلك؛ فليس إلا لأنه اجتهد في تأديب رعيته وزجرهم عما تتايعوا فيه، فلا يكون دالا على أنه حكم شرعي دائم، لأنه حكم حاكم، ولا ينطبق عليه لهذا السبب أنه إجماع سكوتي، فكيف إذا ثبتت مخالفة بعض الصحابة له كابن عباس وغيره؟، والكلام من الفريقين كثير، وما من دليل لواحد منهما إلا وفيه مطعن بتضعيفه، أو تشكيك في دلالته، أو ذكر معارض له، وقد بلغ أن طعن في ثبوت حديث ابن عباس، حيث ضعفه ابن عبد البر، لكن الباجي أقر بثبوته، ومع ذلك أوله، غير أن الحديث بظاهره بل بنصه مع ذلك يظل دليلا أقوى من أي دليل آخر، أو تأويل، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وبناء على اعتبار صحة جمع أكثر من طلقة، فإن أوقع ذلك دفعة واحدة، كأن يقول: أنت طالق مرتين، أو أنت طالق ثلاثا، أو كرر الطلاق كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق،
[ ٣ / ٢٠٨ ]
أنت طالق، أو نسق الطلاق كأن يقول: أنت طالق، وطالق، وطالق، أو أتبع الطلاق من غير تخلل رجعة، فحالة الجمع واضحة، وحالة العطف تحمل على الأصل من المغايرة، فيعتبر العدد، وحالة التكرير من غير عطف ينظر فيها إلى القصد، فإن كان قصده التوكيد؛ فهي واحدة، وإن كان قصده التأسيس؛ فالعدد معتبر، وإن لم يكن له قصد؛ روعي الأصل، وهو التأسيس.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
بيان طلاق السنة
• قوله:
٥١ - «وطلاق السنة مباح، وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة، ثم لا يتبعها طلاقا؛ حتى تنقضي العدة».
ليس المراد بالسنة هنا أن الطلاق في نفسه مطلوب، بل الظاهر من النصوص أنه من غير سبب مكروه، ومقصود المؤلف أنه موافق لإذن الشرع، كما يقال السنة في المتلاعنين كذا، ولأن هذه القيود إنما وردت في السنة، وهي أربعة أن يطلقها طاهرا، وأن لا يكون قد مسها في ذلك الطهر، والطلاق بعد المسيس في الطهر مكروه على المذهب، وأن يطلقها طلقة واحدة، وأن لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي عدتها، والعمدة في منع طلاق الحائض حديث ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر رسول الله ﷺ، فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، رواه الشيخان، (خ/ ٥٢٥١)، وفي رواية عند مسلم: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، والظاهر منه وجوب مراجعة من طلقت في حال الحيض، وهو المذهب، ومن كان عالما بالحيض؛ حرم عليه أن يطلق، فإن طلق؛ وجب عليه أن يراجع إذا لم تكن الثالثة على القول باحتساب الطلاق في الحيض، يؤخذ ذلك من قوله ﷺ: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١)﴾ [الطلاق: ١]، أي لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن»، قاله البغوي، وهذا منهما تفسير لا قراءة.
وفي الرواية الأولى من الحديث أنها بعد المراجعة تترك حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، أما الطهر الأول؛ فلأن الشرع منع من الطلاق في حال الحيض، إما لأن فيه تطويلا للعدة على القول بأن القروء الحيض، وقيل إن ذلك أمر تعبدي، وقد يكون من الحكمة في
[ ٣ / ٢١٠ ]
حكمة المنع من الطلاق في الحيض
ذلك أن الحيض يتسبب في شيء من النفرة بين بعض الأزواج، بسبب المنع من القربان، وقد تؤدي هذه النفرة إلى الطلاق، ولهذا جوز الشرع في حال الحيض ما عدا الجماع على الصحيح، وكان المنتظر أن يجوز طلاقها بمجرد طهرها لزوال المانع، وهو ما دلت عليه الرواية الثانية للحديث، لكنه مد في المهلة، واستأنى بالزوج، فندب إلى ترك المرأة حتى تحيض، ثم تطهر، فإذا مر على الزوج كل هذا، ولم يتراجع عن رغبته في فك العصمة؛ كان هذا دليلا على أن الأمر قد تجاوز ما يعرض للناس من الغيظ العابر، والتبرم المؤقت، ثم يتراجعون عنه ويستدركون، ولذلك شرط في الطهر أن لا يكون قد مس فيه، فإن مس؛ وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض وتطهر، فسبحان الله ما أعظم احتياط هذا الدين، وما أشد تشوفه إلى الإبقاء على صلات الزوجين!!، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[ ٣ / ٢١١ ]
المطلقة طلاقا رجعيا باقية في العصمة ما لم تنقض عدتها
• قوله:
٥٢ - «وله الرجعة في التي تحيض، ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة، أو الثانية في الأمة».
إذا طلق الرجل زوجته ولم يكن الطلاق بائنا بينونة كبرى، بأن لم يكن الطلقة الثالثة، ولا بينونة صغرى كالخلع فإنه طلاق بائن في المذهب، ومثله طلاق القاضي إلا في حال الطلاق لأجل عدم القدرة على الإنفاق وفي الإيلاء، إذا كان الأمر كذلك؛ جاز للزوج مراجعة زوجته، لكونه أحق بها ما لم تنقض عدتها، ولا خيار لها في ذلك، وعدة الحرة أن لا تدخل في الحيضة الثالثة، فإنها تطلق طاهرا فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، فإذا ظهر أول الحيضة الثالثة بانت منه، فلا ترجع إليه إلا بعقد جديد مستوف لما هو مطلوب فيه، وليست العبرة في انقضاء العدة بتوثيق القاضي للطلاق متى طلق الزوج قبل الترافع، فإن كانت المطلقة أمة؛ فعدتها قرآن، فله مراجعتها ما لم تدخل في الحيضة الثانية، فإنها تطلق طاهرا، فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض فتبين منه بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ قيد في أحقية الزوج بزوجته ما دامت في العدة، وفيه تشوف الشرع إلى رأب الصدع، فإن كانت رغبة الزوجة كذلك؛ تكامل المرغوب، وإلا فإن إرادة زوجها الإصلاح بمراجعتها مقدم، أما إن كان غرضه المضارة بتطويل بقائها في عصمته؛ فإنه يأثم بمراجعتها، وإن كنا نحن لا نعلم؛ فالله بكل شيء عليم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالحمد لله على نعمة الإسلام لا نحصي ثناء عليه.
والرجعة تكون بالنية مع القول، كراجعتك، أو راجعتها، أو ما يقوم مقام القول
[ ٣ / ٢١٢ ]
كالقربان ومقدماته، واختلف في الرجعة بالنية وحدها، فصحح ذلك ابن رشد، وخالفه ابن عبد السلام وخليل، والظاهر كفاية النية في الفتوى، وللزوج مراجعة زوجته ولو كان محرما، أو مريضا، أو مفلسا، أو سفيها، أو عبدا لم يأذن له سيده، لأن الطلاق بيده، قالوا: هؤلاء خمسة تجوز رجعتهم، ولا يصح نكاحهم.
[ ٣ / ٢١٣ ]
طلاق التي لم تحض واليائس والحامل
• قوله:
٥٣ - «فإن كانت ممن لم تحض، أو ممن قد يئست من المحيض؛ طلقها متى شاء، وكذلك الحامل».
المرأة التي لم تحض، وهي الصغيرة، ومن يئست من الحيض، ومن كانت حاملا؛ يجوز طلاق كل منهن من غير قيد، لعدم وجود المانع وهو تطويل العدة، ولا الخشية من ظهور حمل يندم الزوج على الطلاق بعد العلم به، وقد سبق في حديث ابن عمر عند مسلم قوله ﷺ: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، واليائسة والصغيرة طاهرتان.
[ ٣ / ٢١٤ ]
الأقراء هي الأطهار
• قوله:
٥٤ - «وترتجع الحامل ما لم تضع، والمعتدة بالشهور ما لم تنقض العدة».
يملك الزوج الحق في مراجعة زوجته الحامل؛ ما لم تضع حملها إن كان واحدا، أو آخر ما تحمل إن كان أكثر من واحد، ويملك الرجعة على زوجته الصغيرة واليائسة من المحيض؛ ما لم تنقض عدتهما، وهي ثلاثة أشهر قمرية، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة كان خاطبا من
الخطاب.
ويحسن أن ينتبه هنا إلى فراغ في قانون الأسرة عندنا، وهو أنه لما كان الزوج قد يوقع الطلاق ولا يوثق عند المحكمة، فإنه إذا رفع أمر زوجته إلى المحكمة أو رفعت هي أمرها إليها؛ فقد يعقد القاضي بينهما صلحًا، فيرجع إلى امرأته وقد انقضت أقراؤها، وهي لا تحل له إلا بعقد جديد، وقد يكون طلق ثلاثا والقاضي لا يدري، أو يدري ولكن الطلاق غير موثق فلا يرى لزومه والصواب اللزوم، فيقضي برجوعها، ولهذا فإن الواجب تدارك هذا الخلل بسد الفراغ المذكور وغيره مما في هذا القانون الذي هو بقية أحكام الله تعالى في حياتنا، فيتيعين على من راجع امرأته أن يشهد لزوما على إرجاعها عند قوم قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وهو في المذهب ندب، والواجب على القضاة أن يسألوا المتقاضين عن ذلك وعن خروج المطلقة من العدة، وقد أمر الله تعالى بإحصائها فقال: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾.
[ ٣ / ٢١٥ ]
• قوله:
٥٥ - «والأقراء هي الأطهار».
ذكر هذا هنا ليبين أمد امتلاك المطلق العصمة، وسيتحدث عن أنواع العدة في باب خاص، ولا بأس ان نعجل هنا ما حقه التأخير، فنقول يحرم على المطلقة إن كانت ممن تحيض أن تتزوج حتى يمضي على طلاقها ثلاثة قروء، لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا أمر جاء في صورة الخبر تأكيدا له، ولأن الفطر السليمة لا تستسيغ مخالفته، حتى كأنه امتثل والتزم، نظير قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والأقراء جمع قلة لقرء بفتح القاف وضمها، ويجمع جمع كثرة على قروء، وهو من الأضداد، يطلق على الحيض والطهر كما في الصحاح، وقيل هو للانتقال من الحيض إلى الطهر، أو من الطهر إلى الحيض، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: وأحسب أن أشهر معاني القرء عند العرب هو الطهر، ولذلك ورد في حديث ابن عمر،،، وذكر الحديث المتقدم.
وقد اختلف العلماء في المراد من القرء في الآية: هل هو الطهر أو الحيض؟، ومن أدلة القائلين بأنه الطهر قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] فسره قول النبي ﷺ: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، لكن يلزم على هذا القول أن لا تتم الثلاثة فيكون مجازا، كأن يطلقها في آخر الطهر، والأصل الحقيقة، لأن المرأة تنتهي عدتها بأول الحيض بعد الطهر الثالث، لكنه استعمال سائغ في العربية، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، [البقرة: ١٩٧] غير أنه موضع اختلاف فلا يصح الاحتجاج به، وثمرة الخلاف أنه على القول الأول تكون مدة العدة أقل منها على القول الثاني، ففيه تخفيف عن المرأة، يقابله تضييق في المهلة المعطاة للزوج، والثاني فيه عكس ذلك، إذ لا تنقضي العدة إلا بعد انقضاء الطهر من الحيضة
[ ٣ / ٢١٦ ]
الثالثة، وفي الثاني من المناسبة أن العقد على المرأة خالية من مانع قربان زوجها أنسب من العقد عليها متلبسة بالمانع من ذلك، والخطب في ذلك سهل، فإنه على كل منهما يتحقق مقصود الشرع من العدة، وهو معرفة ما إذا كان الرحم خاليا من حمل الزوج السابق أو مشغولا به، وبراءة الرحم وإن كفت فيها الحيضة الواحدة كما يعلم من الأدلة؛ إلا أن الشرع مد في المهلة الفاصلة بين الطلاق والزواج، والحكمة ظاهرة في حال كون الطلاق رجعيا، وقد تقدمت الإشارة إليها، فإن كان بائنا؛ فيحتمل أن الشرع أبقى على تلك المدة رعاية للأصل، مع زوال علة الحكم، بل حكمته، لكونها عدة من طلاق، ولذلك اختلف الأمر عند العلماء فيما إذا كانت المطلقة أمة بم تعتد؟، ولذلك أيضا كان الاستبراء يتم بقرء واحد في الموطوءة بشبهة عند بعضهم، وفي الزانية، والأمة تنتقل ملكيتها، وقد قال النبي ﷺ: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة»، رواه أبو داود (٢١٥٧) عن أبي سعيد الخدري، وصححه الحاكم كما في بلوغ المرام.
[ ٣ / ٢١٧ ]
حرمة الطلاق في الحيض مع لزومه
• قوله:
٥٦ - «وينهى أن يطلق في الحيض، فإن طلق؛ لزمه، ويجبر على الرجعة، ما لم تنقض العدة».
من علم أن امرأته حائض وطلقها؛ كان طلاقه بدعيا، وكان آثما بفعله، ومع ذلك تحسب عليه تلك الطلقة، ويجب عليه أن يراجع زوجته أو يجبره الحاكم على مراجعتها، ويهدده بالضرب وبالسجن، فإن أبى ارتجع عنه كذا قالوا، ما لم تكن الطلقةَ الثالثة، أو تنقضي عدتها، وقد دل على المنع من الطلاق في الحيض وعلى مطلوبية المراجعة حديث ابن عمر ﵄ الذي فيه الأمر بالمراجعة، وقد تقدم، ووجه الدلالة أنه ﷺ أمر أباه أن يأمره بمراجعتها، فكان منهيا عن الوسيلة إلى خلاف ذلك، وهي الطلاق في الحيض، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ويدل النهي عن الطلاق زمن الحيض على أن الزوج يتفقد زوجته، ويعلم حالها، وعلى أنه لا ينبغي أن يكون في الطلاق مجازفا، بل يتروى حتى يعلم ما يجوز له مما لا يجوز، فيصدر عنه الطلاق إن كان لا بد منه؛ بعد تفكير وترو.
واحتساب الطلاق الذي يقع في الحيض من مواضع الخلاف، ومرده إلى اختلاف أهل العلم في احتساب تطليقة ابن عمر ﵄ حين أمر بمراجعة زوجته، والأحاديث في ذلك متعارضة، بل والروايات في الحديث الواحد كذلك، ولو قدرنا تكافأ الأحاديث برواياتها في الاحتساب وعدمه، وتعذر الترجيح؛ لكان من اللازم الرجوع إلى مقاصد الشرع في الطلاق، وما جاء في نصوص الكتاب والسنة من النهي عن طلبه، وتضييق نطاقه، ولأن النهي إذا جاء من الشرع عن شيء؛ فإن السلف كانوا يحتجون به على بطلانه، وعدم الاعتداد به، فيكون هذ الذي أشرت إليه مرجحا لعدم وقوع الطلاق البدعي عموما، ومنه الطلاق في الحيض، على أن المحققين من أهل العلم قد انبروا لمدارسة الأحاديث المختلفة والروايات المتعارضة وخلصوا إلى أن طلقة ابن عمر لم تحتسب، ومما صح في
[ ٣ / ٢١٨ ]
هذا ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فردها رسول الله ﷺ، ولم يرها شيئا»، وهو على شرط الشيخين كما قال الحافظ، وروى الدارقطني والبيهقي أنه جعلها واحدة، وقد بين ابن القيم أن قوله فجعلها واحدة يحتمل أن يكون من بعض الرواة، قال الألباني -رحمه الله تعالى-: «هذا غير وارد في رواية البيهقي هذه، لكن من تتبع طرقها يظهر له قوة الاحتمال الذي ذهب إليه ابن القيم، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال»، انتهى، انطر التعليقات الرضية (٢/ ٢٤٧)، قال كاتبه: يريد أن الاستدلال بتلك الرواية على الوقوع يسقط، وقد علمت وجه ترجيح عدم الوقوع لو تكافأت الروايتان، وقد صح عن ابن عمر أنه سئل عمن طلق زوجته وهي حائض هل يقع؟، فقال: «لا يقع»، وهو في فتاوى الطلاق للشيخ العلامة ابن باز، وقد تردد في المسألة الكحلاني، ثم انتهى إلى عدم الوقوع فقال: «ثم قوي عندي ما كنت أفتي به أولا من عدم الوقوع لأدلة قوية سقتها في رسالة سميتها (الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي)، وكتب فيها العلامة الشوكاني، ولم ير الوقوع ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والعلامة بن باز كما هو فيما جمع له من فتاوى الطلاق ص (٤١)، وممن حقق المسألة تحقيقا علميا رصينا وانتهى به إلى عدم احتساب تلك الطلقة الدكتور أحمد بن علي مواقي في كتابه المسمى (الطلاق البدعي زمنا) جزاه الله خيرا.
[ ٣ / ٢١٩ ]
طلاق غير المدخول بها
• قوله:
٥٧ - «والتي لم يدخل بها؛ يطلقها متى شاء».
المرأة التي لم يدخل بها زوجها لا عدة عليها، فاستوى حال حيضها وحال طهرها، ثم إنها لا صلة قوية للزوج بها حتى يعلم حالها، فإذا رأى طلاقها؛ طلقها متى شاء، ولأنها لا تطول مدتها بطلاقها في الحيض، هذا هو المشهور، وذهب أشهب ﵀ إلى أنه لا يجوز تطليق غير المدخول بها حائضا، وعللوا قوله بأن النهي عنده للتعبد، وأن النهي على القول الأول؛ ما فيه من تطويل العدة، وقد يقال إنه من العسير تكليف الزوج في حال عدم الدخول بامرأته معرفة حالها أهي حائض أو لا؟، فيقال: ما المانع أن يسألها عن ذلك غير العرف الذي لا يراعى إذا خالف الشرع، قإذا علم اتجه قول أشهب احتياطا.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
بينونة غير المدخول بها بالطلقة الواحدة
• قوله:
٥٨ - «والواحدة تبينها، والثلاث تحرمها إلا بعد زوج».
صلة المرأة بزوجها بعد الدخول أقوى منها قبل الدخول، فإذا انضم إلى ضعف الصلة قبل الدخول؛ أن طلقها؛ لم يكن له عليها رجعة، وكان الطلاق بائنا، ولعلك تقتنص من هذا الفرق؛ أن الأصل في الطلاق البينونة، إذ هو فك للعصمة، غير أن المدخول بها أعطي زوجها حالا وسطا تشوفا من الشرع إلى إصلاح ذات البين، لأن أسباب صدور الطلاق بعد الدخول أكثر منها فيما قبله، أما أن الثلاث تحرمها إلا بعد زوج؛ فهذا لا يختص بمن لم يدخل بها، بل هي والمدخول بها سواء، لا يحل كل منهما للزوج الأول حتى يحصل الوقاع المباح من الثاني وهو أن يكون في غير حيض، ولا نفاس، ولا إحرام، ولعل المؤلف إنما ذكر ذلك في غير المدخول بها؛ ليرد على من قال إنه إذا طلقها ثلاثا بانت بلفظ الطلاق، فلم يصادف لفظ الثلاث محلا، فلا تبين بينونة كبرى، وأنت خبير بأن هذا لا يسلم لقائله، لأن قوله ثلاثا هو مفعول مطلق، وكونه فضلة لا يعني الاستغناء عنه في الكلام، ولأنه كلام واحد مقصود، فتبين على رأي من أمضى الطلاق الثلاث المجموع وهم الجمهور.
[ ٣ / ٢٢١ ]
تعدد الطلاق بالنية في اللفظ الواحد
• قوله:
٥٩ - «ومن قال لزوجته: أنت طالق؛ فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك».
أنت طالق لفظ صريح تقع به طلقة واحدة متى قصد النطق به كما تقدم، لا إن قال منطلقة، أو مطلقة، اسم مفعول من أطلق، فإن هذا من الكنايات مفتقر إلى النية، فإن لم ينو شيئا بقوله مطلقة، وطالق، ونحوهما؛ فهي واحدة، لأن المرة من ضرورة صدق اللفظ، وإن نوى أكثر منها؛ كان ما نواه، ويصدق بلا يمين في الفتوى، وبيمين في القضاء بناء على توجه اليمين في التهمة، والواقع بذلك طلقة رجعية في المدخول بها إن لم تكن الثالثة، وطلقة بائنة في غير المدخول بها.
وإذا كان الطلاق يتعدد بالنية؛ فأحرى أن يتعدد بتكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو يذكر الخبر دون المبتدإ، ما لم يقصد التأكيد، فإن قصده؛ فواحدة، وإن لم يقصد شيئا؛ استصحب الأصل في الكلام، وهو التأسيس، فتكون ثلاثا، وإن قال أنت طالق، وطالق، وطالق؛ فثلاث، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وكل هذا على مذهب الجمهور الذين يرون وقوع أكثر من طلقة في سياق واحد، ويبدو أن العلامة الفقيه الورع ابن باز ﵀ قد حمل حديث ابن عباس في احتساب الطلاق الثلاث واحدة على ما إذا قال أنت طالق ثلاثا، بخلاف ما إذا كرر اللفظ كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو ينسق الطلاق فقد رجح الوقوع، ومما قاله: «ولا أعلم إلى وقتي هذا أحدا من الصحابة أو من التابعين صرح بأن هذا لا يقع به إلا واحدة،،، ثم ذكر ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من عدم الوقوع من غير فرق ما لم يتخلل ذلك نكاح أو رجعة، قال ولا أعلم له أصلا واضحا يعتمد عليه من جهة النقل، وإن كان واضحا من جهة المعنى».
[ ٣ / ٢٢٢ ]
الخلع طلقة لا رجعة فيها
• قوله:
٦٠ - «والخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقا؛ إذا أعطته شيئا فخلعها به من نفسه».
لما كان الخلع طلاقا في المذهب؛ ذكره هنا للمناسبة، وسيذكر بعض أحكامه عقب اللعان، فاقرأ ذلك الموضع لتكتمل عندك بعض أحكامه، وقد سلك المصنف هذا المسلك في مواضع كثيرة، والشرح تابع للمشروح، يقال خلع الرجل ثوبه ونعله خلعا بفتح الخاء إذا نزعه، والخلع بضم الخاء الاسم منه، ولما كانت الزوجة بمثابة اللباس للرجل؛ سمي الاتفاق معها على مفارقتها نظير عوض؛ خلعا، لكن ضمت خاء «مصدره تفريقا بين الحسي والمعنوي»، قاله الحافظ في الفتح، وإنما يشرع الخلع إذا لم يضار الرجل زوجته، بحيث يثبت ذلك عليه، فإن ثبتت مضارته لها، ولم يكف عن ذلك؛ كان عليه أن يفارقها من غير عوض، فإن أعطته عوضا لتفك نفسها منه؛ فلا يحل له أخذه، وإن لم يضارها؛ غير أنها لم ترغب في البقاء في عصمته لنفرة طبعها منه، وكراهتها له، أو لكثرة الشقاق والخلاف بينهما مع تعذر إصلاحه؛ ساغ لها أن تفتدي منه، فتخالعه على شيء تعطيه إياه ويفارقها، لا فرق في المذهب أن يكون مثل الصداق أو أقل أو أكثر، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، أما أن تطلب منه الطلاق أو الخلع من غير ما بأس؛ فلا يجوز ذلك لها، فحديث «المختلعات هن المنافقات»، الذي رواه الترمذي (١١٨٦) عن ثوبان وضعفه، وصححه الألباني؛ مخصوص بما دل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولأن أخذ الزوج ذلك مشمول بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
فإن قال قائل: ما وجه إعطائها إياه شيئا في مقابل فراقها؟، فالجواب: أن هذا حكم
[ ٣ / ٢٢٣ ]
الله فالواجب أن يتلقى بالقبول والإذعان، كيف وقد دخلنا في عهد الإيمان، وكره الله إلينا الكفر والفسوق والعصيان؟، ولا نضرب لله الأمثال فإنه يعلم ولا نعلم، وهو علام الغيوب، فإن كان لا بد من بيان حكمة؛ فنقول أليس من اللازم للرجل إذا تزوج أن يصدق امرأته، ولا يصح النكاح بغير صداق؟، فإذا لم يكن مضارا للمرأة ورغبت في فراقه؛ كان مناسبا أن تعينه على أن يتزوج، وأن تعوضه عن فراق لم يتسبب هو فيه في الظاهر، فكيف إذا كانت مضارة له بفجور لم يتمكن من ردعها عنه، ولا من إثباته عليها لو كان هناك حاكم يحكم بما أنزل الله، ولا تنس أنه مطالب بتمتيعها إذا طلقها إحسانا وإكراما لها وجبرا لخاطرها، كما سيأتي، فلم لا تطالب هي بمثل ما طولب به مع قوة الداعي لذلك كما علمت، وفي المقابل قد تضرر المرأة بأمر لا تُعطَى فيه الحق من الجهات الحاكمة كأن يكون الزوج تاركا للصلاة، أو معاقرا للخمر، أو المخدرات، أو مخالطا للنساء، فما ذا تفعل إذا أبى أن يطلقها، فكان من رحمة الله تعالى بعباده؛ أن شرع لهم الخلع، فله الحمد والمنة.
أما أن مجرد الخلع طلاق، ولو لم يطلقها؛ فلأن الزوج قصد مفارقتها على مال، واتفقا على ذلك، فكان من الكنايات الظاهرة، والطلاق يقع بها، وأما أنه لا رجعة له عليها؛ فلأنه إن ظل يملك العصمة عليها بعد حصول الخلع؛ فات الغرض من الفداء، فإنها لا تفتأ أسيرته، وقول ابن حزم إنه ليس بائنا، وأنه يملك الرجعة عليها، ولها أن تطالبه برد المال إذا راجعها - مع قوله بأنه طلاق - يلزم منه الدور إلى أن تنقضي الثلاث طلقات، قتخرج عن عصمته بلا شيء، وقد قيل إن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ، ومما استدلوا به أن الله تعالى ذكره بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة التي تحرم المرأة بها إلا بعد زوج، ولهذه الآية احتج ابن عباس على أنه ليس طلاقا، لإذ لو كان الخلع طلاقا؛ للزم أن يكون الطلاق المحرم رابعا، لا ثالثا، وهذا ليس بشيء، لاحتمال أن يكون الخلع من أفراد الطلاق غير المحرم، فلما كان فيه فداء ذكر على انفراد، ومع هذا فمذهب اعتباره فسخا؛ أقوى، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود (٢٢٢٩) والترمذي وحسنه عن ابن عباس ﵄ «أن امراة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة».
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وروى أبو داود من طريق مالك عن ابن عمر ﵄ قال: «عدة المختلعة حيضة»، وجه الدلالة منه أن المطلقة عدتها ثلاثة قروء، لكن جاء في حديث ابن عباس المتقدم؛ أمره ﷺ لثابت بن قيس بتطليق امرأته تطليقة، وهو في صحيح البخاري (٥٢٧٣)، وروى مالك (١١٩٠) ومن طريقه أبو داود (٢٢٢٧) والنسائي (٦/ ١٦٩) من حديث حبيبة بنت سهل الأنصارية، وهي صاحبة القصة، وفيه قوله ﷺ لثابت: «خذ منها»، فأخذ منها، وجلست في أهلها»، وفي حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قوله له: «خذهما ففارقها»، ففعل، رواه أبو داود (٢٢٢٨)، والمراد الحديقتين، فالذي يظهر تقديم ما دلت عليه هذه الألفاظ من أن الفراق يكون بالمواطأة على الخلع، لاسيما وقد جاءت من كلام صاحبة القصة، وهو مما يرجح به عند تعارض الأخبار، وتعتد المختلعة بحيضة، وبذلك يجتنب التلفيق بين كون الخلع طلاقا كما دلت عليه رواية البخاري، وبين اعتداد المختلعة بحيضة كما هو في حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي، لأن ذلك مخالف لما دل عليه العموم في كتاب الله، وهو كون عدة المطلقة ثلاثة قروء، والعلم عند الله.
وتظهر ثمرة الاختلاف في كون الخلع طلاقا أو لا فيما لو تزوج الرجل من اختلعت منه؛ فعلى أنه طلاق؛ يحسب ذلك عليه، وعليها العدة، ولا يخالعها إلا في حالة الطهر، وعلى القول بأنه فسخ؛ لا يحسب عليه طلاق، وتستبرئ بحيضة، ويجوز له أن يخالعها في زمن الحيض، إذ لا تطول عدتها.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
قول الزوج أنت طالق البتة
• قوله:
٦١ - «ومن قال لزوجته أنت طالق ألبتة؛ فهي ثلاث، دخل بها، أو لم يدخل».
سبق القول أن الطلاق صريح وكناية، والكناية ظاهرة وخفية، وهذا أوان الكلام على الكناية الظاهرة، ولفظ البتة من البت، وهو القطع، فمن قال لزوجته أنت طالق البتة؛ فإن كانت مدخولا بها، وكان الطلاق ثالثا؛ فالأمر واضح، وإن كان هو الطلاق الأول؛ أو الثاني؛ فلا يصح أن يحكم بأنه رجعي، لتناقض ذلك مع قوله البتة، فإنها دالة على التحريم، والرجعي يملك فيه العصمة، فجعل ثلاثا لهذا، أما غير المدخول بها، فلما كانت الطلقة الواحدة تبينها؛ فقد اختلف فيها، والمشهور أن ذلك ثلاث، لأن هذا هو الذي يصدق عليه لفظ البتة، وقيل هي واحدة، لأنها لا تحل له إلا بعد عقد جديد، فوقع لفظ البتة موقعه، وهذا أولى.
ومما اعتمد عليه مالك في هذا الأمر ما رواه عن أبي بكر بن حزم أن عمر ابن عبد العزيز قال له: (البتة)، ما يقول الناس فيها؟، قال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة، فقال عمر بن عبد العزيز: «لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة شيئا»، كما روى عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم كان يقضي في الذي يطلق امرأته البتة؛ أنها ثلاث تطليقات»، ثم قال: «وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك»، ومروان كان هو أمير المدينة في زمان الصحابة والتابعين، أما الاستدلال على ذلك بحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن امراة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إني كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني البتة، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل الهدبة، وأخذت هُدبة من جلبابها فقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، كما هو في مسالك الدلالة؛ فلا ينهض، لأنه ليس نصا ولا ظاهرا في أن
[ ٣ / ٢٢٦ ]
لفظ البتة نفسه كان هو سبب تحريمها، لاحتمال أن يكون ذلك هو الطلاق الثالث، يدل عليه الرواية التي فيها «فبت طلاقي»، أو كان طلاقه بلفظ الطلاق الثلاث مجموعا عند متأولي حديث ابن عباس في الثلاثة المجموعة، قال الشيخ العلامة ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام: «يحتمل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، ومن احتج على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث؛ فلم يصب»، انتهى.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
ألفاظ الخلية والبرية والحرام وحبلك على غاربك
• قوله:
٦٢ - «وإن قال: برية، أو خلية، أو حرام، أو حبلك على غاربك؛ فهي ثلاث في التي دخل بها، وينوى في التي لم يدخل بها».
روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يقول في (الخلية) و(البرية) إنها ثلاث تطليقات كل واحدة منهما»، وروى بلاغا عن عمر ﵁ في (حبلك على غاربك) أنه قال لمن قالها: «أسالك برب هذه البنية، ما أردت بقولك حبلك على غاربك»؟، فقال له الرجل: «لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق»، فقال عمر: «هو ما أردت».
وروى عن علي ﵁ بلاغا أنه كان يقول في الرجل يقول لامراته أنت علي حرام؛ أنها ثلاث تطليقات»، وبرية معناها بريئة من زواجي بك، وخلية خالية من زواجي بك، وحبلك على غاربك؛ معناه ملكت نفسك، فلا عصمة لي عليك، كالدابة يضع صاحبها خطامها على غاربها، وتترك لتمضي حيث تشاء، فمن قال لزوجته واحدة منها، أو قال لها أنت علي حرام، أو أنت محرمة، أو أنا منك حرام، أو عليك حرام؛ فهو ثلاث في المدخول بها، لأن تحريمها عليه لا يكون بالطلاق الرجعي، ولا يحتاج إلى أن يسأل عن قصده ما دام قد قصد اللفظ، أما غير المدخول بها؛ فلما كانت الطلقة الواحدة تبينها؛ فإنه ينوى، أي يسأل عن مراده بهذه الكلمات، ويقع ما نواه بها، وقد تقدم الخلاف في تصديقه هل يكون بيمين للتهمة، أو من غير يمين، قال كاتبه: الظاهر أنه ينوى فيما أراده من عدد الطلاق في جميع هذه الألفاظ، لأنه إذا كان يُنَوى في عدد ما أراده في لفظ الطلاق - وهو متفق على أنه صريح - فكيف لا ينوى فيما كان منه كناية، وهو الذي رجحه ابن العربي، ثم قال في المسالك (٥/ ٥٥٠) عن هذه الألفاظ: «وقد غلب مالك قضاء علي بالكوفة بأنها ثلاث، على قضاء عمر بالمدينة بأنها واحدة»، قلت لعل ذلك رعاية لكون الأصل في الفروج
[ ٣ / ٢٢٨ ]
التحريم، وقد روي عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «أنه قال في حكم طلاق مختَلَفٍ فيه أهو ثلاث أم واحدة؟ قال: تدبّرت فيه: فإذا قلتُ ثلاثا فقد أتيتُ خصلتين حرّمتها على زوجها وأبحتُها لآخر!! وإذا قلتُ: واحدة، فخصلة واحدة أبحتُها لزوجها، ولأن آتي خصلة واحدة أهون من خصلتين».
[ ٣ / ٢٢٩ ]
للمطلقة قبل الدخول نصف المسمى
• قوله:
٦٣ - «والمطلقة قبل البناء لها نصف الصداق، إلا أن تعفو عنه هي إن كانت ثيبا، وإن كانت بكرا؛ فذلك إلى أبيها، وكذلك السيد في أمته».
إنما يكون للمطلقة قبل البناء نصف الصداق؛ إذا سمي لها، وإلا فلا شيء لها، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويشترط في أخذها نصفه مع ذلك أن يكون النكاح صحيحا، فإن كان باطلا؛ فلا شيء لها، لأنه ليس هو الذي عناه الشارع، فلا يترتب عليه أثره، وإعطاؤها نصف الصداق لازم، إلا أن تعفو المطلقة متى كانت ثيبا، أو يعفو وليها إن كانت بكرا، فقد حملوا العفو المسند إلى المزوجات على الثيبات، والعفو المسند إلى من بيده عقدة النكاح على الأب، لأنه كما تقدم يجبر البكر على النكاح، وتحتمل الآية وجها آخر، وهو أن المراد بمن بيده عقدة النكاح؛ الزوج، فيتنازل عن نصف الصداق لمطلقته، وقد يكون هذا مرجوحا لأن العفو لا يكون إلا بعد الاستحقاق، والمستحق للنصف هو الطرف الذي فيه الزوجة، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
تمتيع المطلقة
• قوله:
٦٤ - «ومن طلق؛ فينبغي له أن يمتع، ولا يجبر، والتي لم يدخل بها وقد فرض لها؛ فلا متعة لها، ولا للمختلعة».
المتعة هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها جبرا لخاطرها المنكسر بألم الفراق، فكأنه يفارقها مع الاعتذار إليها والإحسان إليها، ويزاد في التي طلقت قبل الدخول؛ أن في المتعة تخفيفا لما قد يظن بها من السوء، وعدم الملاءمة، والمتعة بنص القرآن على قدر وسع الزوج، لقول الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والسياق في المدخول بها غير المفروض لها، وحكمها في المذهب الاستحباب، ولذلك لا يجبر عليها كما قال المصنف، لأن هذا شأن الواجب، وتكون لكل مطلقة بعد الدخول وقبله كذلك متى لم يفرض لها، ولا تكون للمخالعة، ولا للملاعنة، وإنما قالوا باستحباب التمتيع؛ لأن الله تعالى جعله تارة حقا على المحسنين، وتارة حقا على المتقين، والواجب لا يتقيد بواحد من الوصفين، كذا قيل، وفي اعتبار هذا الوصف صارفا للحق عن الوجوب إلى الندب نظر، ولم لا يكون المقصود من الوصفين تحريك المخاطبين وتهييجهم إلى الإحسان والتقوى وحض المطلقين على أن يكونوا كذلك مع أحكام الله؟، ومن ذلك أن يحسنوا إلى مطلقاتهم، وأن يتقوا الله في علاقاتهم بهن، وأن هذا التمتيع من شأن المتقين والمحسنين، وهو مطمح كل مؤمن برب العالمين، ومن ذا الذي يأبى أن يكون محسنا متقيا، وإن كان بفعله مخالفا؟، قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: «المتعة واجبة يقضى بها، إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا رجل سوء»، ودلالة الأمر الحقيقية الوجوب، وبعده كلمة حقا فإنها تأكيد له، مانعة من حمله على الندب، ولو قالوا بوجوبها على من اتصف بما ذكر من الإحسان والتقوى؛ لكان ذلك خيرا مما قالوا لأخذهم بمفهوم الصفة، والجمهور على القول به،
[ ٣ / ٢٣١ ]
على أن الصواب إن شاء الله هو الأول، وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويلزم على قولهم؛ أن يكون أول هذه الآية دالا على وجوب الوصية، وآخرها دالا على ندبها، فتدبرها مليا وفقك الله.
أما أن المتعة لا تكون لمن لم يدخل بها إذا فرض لها؛ فلأن المطلوب إعطاؤها نصف الصداق كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ويحمل على هذا المقيد؛ مطلق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقد يقال إن آية سورة البقرة وهي فيمن طلقت قبل الدخول؛ ليس فيها النص على عدم التمتيع، بل هي ساكتة عنه، فالأولى الأخذ بعموم قوله ﷾: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقد لقن الله تعال نبيه ﷺ ما يقول لأزواجه الطاهرات بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، والنظر في مجموع النصوص يقود إلى القول بوجوب المتعة لمن طلقت قبل المسيس ولم يفرض لها، وندبها إن فرض لها، وهكذا من دخل بها، وقد وقفت بعد على قول للشوكاني في السيل الجرار مال فيه إلى هذا.
قلت: ولننظر إلى قول النبي ﷺ: «متِّعها، فإنه لابدّ من المتاع، ولو نصف صاع من تمر» قاله لحفص ابن المغيرة لما طلّق امرأته، رواه البيهقي عن جابر ﵁، وهو في الصحيحة.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
حكم المتوفى عنها
• قوله:
٦٥ - «وإن مات عن التي لم يفرض لها، ولم يبن بها؛ فلها الميراث، ولا صداق لها، ولو دخل بها؛ كان لها صداق المثل، إن لم تكن رضيت بشيء معلوم».
اعلم أن المناسب أن تذكر هذه المسألة مع الكلام على نكاح التفويض، وقد تقدم، فأما أن للمتوفى عنها قبل الدخول الميراثَ؛ فلأن زوجها مات وهي في عصمته، فهي زوجته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، ولا فرق في ثبوت وصف الزوجية بين الدخول وعدمه، وأما أنه لا صداق لها؛ فإنه قد يسلم إذا لم يكن قد فرض لها من باب المقايسة إلحاقا للوفاة بالطلاق، وهكذا إذا كان قد سمى لها؛ فإن لها نصف الصداق، وقد اعتمد مالك ﵀ على ما رواه عن نافع أن ابنة عبيد الله بن عمر - وأمها بنت زيد بن الخطاب - كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها، ولم يسم لها صداقا، فابتغت أمها صداقها، فقال عبد الله بن عمر: «ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمسكه، ولم نظلمها»، فأبت أمها أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها، ولها الميراث»، لكن قد قاوم هذا الأثرَ الذي جاء على وفق معتاد القياس الملحق للوفاة بالطلاق - والظاهر أنه قياس مع الفارق - حديث مرفوع، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي (١١٤٥) من حديث علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: «قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق - امرأة منا - بمثل ما قضيت»، ففرح بها ابن مسعود، والوكس بسكون الكاف؛ هو النقص، والشطط بفتح الطاء الجور
[ ٣ / ٢٣٣ ]
بالزيادة على مهر مثيلات المتوفى عنها، وقد قال بهذا الحديث ابن العربي ﵀، ولبعض الفقهاء هنا كلام غير لائق في تعليل وجوب صداق المثل لمن لم يسم لها، وهو قولهم إنه فوت عليها سلعتها، والسلعة الفائتة إنما تجب فيها القيمة، وهو كلام غليظ، لا يليق أن يذكر مع الميثاق الغليظ، وقول المؤلف «إن لم تكن رضيت بشيء معلوم»؛ يتنافى مع نكاح التفويض الذي يجري الكلام هنا فيه، أو يكون مراد المصنف أنها ترضى بما دون صداق المثل بعد الوفاة، وهذا لا يحتاج إلى تنصيص، وقد استدل الحافظ الغماري له بحديث عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟، قالت: نعم، فأجازه»، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح، وفي الاستدلال به نظر، لما علمت أن للصداق حدا أدنى في المذهب لا يجوز النزول عنه، فمن استدل به على هذا؛ لزمه أن يقول بعدم التحديد في الصداق، وابن أبى زيد لا يقرر هذا، وللشراح في بيان مراد المصنف كلام لا ينقع غُلة، ولا يشفي علة، ولعل الأقرب أن يعتبر حكما منفصلا معناه أن المرأة الرشيدة إذا رضيت بأقل من صداق المثل فيما الأصل فيه فرضه؛ كان ذلك لها، ولا اعتراض للولي عليها.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
العيوب التي يرد بها النكاح
• قوله:
٦٦ - «وترد المرأة من الجنون، والجذام، والبرص، وداء الفرج».
معنى رد النكاح فسخه مع إرجاع الصداق للزوج، ومن أسباب عفة الزوجين، وعدم تشوف كل منهما لغير زوجه؛ توفرهما على الجمال والحسن، وخلوهما من العيوب، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ولذلك جوز الشرع النظر حال الخطبة إلى المرأة، مع اختلاف العلماء في حدود ما ينظر منها، وقد قال النبي ﷺ لمن أخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار: «أنظرت إليها»؟، قال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا»، رواه مسلم (١٤٢٤) والنسائي، والأمر فيه للاستحباب، وقيل للإرشاد لما فيه من المصلحة، والجائز في المذهب أن ينظر للوجه والكفين فحسب، وجاء من الأدلة ما يؤخذ منه جواز النظر لما هو أكثر من ذلك، لكن لا ينبغي أن يكون على وجه الطلب والشرط، وفي الحديث تعليل مشروعية النظر، فإذا رأى الخاطب ما يرغب عنه في المرأة عدل عن خطبتها، وهي مثله في ذلك، فهذا خير من أن يحصل الزواج ثم يعلم منها أو تعلم منه ما لا يقبلانه فتحصل الفرقة.
ومن العيوب ما لا يرى كبخر الفرج، ومنها ما لا يظهر في كل الأوقات كبعض أنواع الصرع، ومنها ما يجب كتمه كالخنا (الزنا)، ومنها ما قيل بجواز كتمه كالعمى!!، ما لم يحصل الاشتراط، ومنها ما يشرع معه الرد ولو من غير اشتراط، ومنها ما لا يشرع معه ذلك إلا بالاشتراط، ومن العيوب ما هو مشترك بين المرأة والرجل، ومنها الخاص بكل منهما، فإذا تم الزواج بين الطرفين؛ فإنما ذلك على الخلو من العيوب، فإذا اطلع عليها؛ كان لكل منهما رد النكاح، لكن أهل العلم اختلفوا فيما يشرع الرد معه من العيوب، وذهب مالك
[ ٣ / ٢٣٥ ]
إلى أن العيوب التي ترد المرأة بها من غير شرط ثلاثة، وهي المذكورة في أثر عمر الذي في الموطإ (١١٠٨) وغيره عن سعيد بن المسيب أنه قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: «أيما رجل تزوج امرأة، وبها جنون، أو جذام، أو برص، فمسها؛ فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها»، وجاء عن علي نحو ما تقدم من العيوب مع زيادة القرن عند سعيد بن منصور كما في بلوغ المرام، وهو شيء يكون في فرج المرأة كالسن يمنع الوطء، والعيوب الثلاثة تمنع كمال السكينة والاطمئنان.
والجنون أي الصرع، يستوي فيه المطبق وغيره، والجذام والبرص المحققان، وسواء كانا قليلين أو كثيرين، وداء الفرج، وهو ما يمنع الوطء، أو يمنع حصول كمال اللذة، وهو أشياء: القرن، بفتح الراء وسكونها، وقد تقدم، وقيل هو العفل بمفتوحتين، وهي عفلاء، والعفل وراء المثل العربي: «رمتني بدائها وانسلت»، والرتق، بفتح الراء والتاء، وهو التحام الفرج، بحيث لا يمكن دخول الذكر، والإفضاء، وهو اتحاد مسلكي البول والجماع، والبخر، بفتح الباء والخاء، وهو نتن الفرج، أما الاستحاضة، وهي جريان الدم في غير زمن الحيض؛ فليست بعيب في المذهب، لأن وطء المستحاضة جائز، والظاهر أنها إن كانت دائمة أنها عيب لما فيها من الأذى، ولأنها يفوت بها ما يبتغى من النكاح من كمال الاستمتاع، ومما ذكروه من العيوب التي يتم بها الرد اشتراط كون المرأة عذراء، قالوا ولا يكتفى في ذلك باشتراط كونها بكرا لعدم ترادفهما، قلت العرف الآن على ترادف كون المرأة بكرا مع كونها عذراء، بل العرف الآن على تلازم وصف العذراء مع عدم سبق الزواج، وكذلك يثبت للمرأة الرد إذا كان الرجل مجنونا، أو به جذام، أو برص، أو داء في الفرج ككونه مجبوبا، أي مقطوع الذكر، أو مقطوع الأنثيين، أو خصيا، أو عنينا، أي صغير الذكر، أو معترَضا، أي لا قدرة له على الجماع، وسيأتي الكلام عليه بخصوصه.
قالوا: وأما العيوب الأخرى كالعمى والعور والعرج وغير ذلك من العاهات؛ فإنما ترد به المرأة إذا اشترط خلوه منها، وعللوا بأن هذه العيوب لا تؤثر في الاستمتاع، فلا
[ ٣ / ٢٣٦ ]
توجب خيار الرد بالعيب، كما لو كانت تشرب الخمر!!، قاله الباجي، وفيه نظر لتغير العرف في ذلك، وإنما قالوا بخيار الرد مع الاشتراط، لأنهم قاسوا ذلك على قول مالك فيما لو اشترط النسب فخرجت بغيا.
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: «والقياس أن كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة؛ فإنه يوجب الخيار، وهو أولى من الخيار في البيع، كما أن الشروط في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع»، انتهى.
فإن قلت: بعض العيوب لا يعرفها الزوج إلا بعد قربان المرأة، وذلك يدل على الرضا، فكيف يكون الرد بها؟، فالجواب: أن الأمر ليس كذلك، إلا إذا علم وسكت.
واعلم أن العيوب الطارئة بعد العقد ليس للزوج الحق في الرد بها، بخلاف المرأة فإن لها ذلك، وقالوا في تعليلهم لهذا الفرق إن الزوج متمكن من فراق المرأة متى شاء، فإذا أعطي حق الرد؛ ضاع حق المرأة في الصداق، بخلاف المرأة.
ويذكر هنا أنه إذا رجي برء شيء من العيوب المتقدمة بالعلاج؛ تعين على الزوج أو الزوجة الصبر إلى أن يمر ذلك الزمن الذي يقدر للعلاج، لما في فك العصمة من الضرر، ما لم يكن في الانتظار إضرار بأحدهما.
والمرأة التي علم أن بها عيبا؛ إما أن تقر بوجوده أو لا، فإن أقرت؛ فلا إشكال، وإن أنكرت؛ فما كان من العيوب بوجهها وكفيها؛ أثبت بالرجال، وما كان في سائر جسدها غير فرجها؛ أثبت بالنساء، وفي العيب الذي بفرجها روايتان أحداهما أنها تصدق بيمين، وهو قول ابن القاسم، ولها أن ترد اليمين على الزوج، والثانية أن النساء ينظرنها.
وقد روى مالك في الموطإ (١١٥٢) باب جامع النكاح عن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربه، ثم قال: «مالك وللخبر»؟!!، قال ابن عبد البر في الاستذكار:
[ ٣ / ٢٣٧ ]
«ومعناه عندي - والله أعلم - فيمن تابت وأقلعت عن غيها، فإذا كان ذلك حرم الخبر بالسوء عنها، وحرم رميها بالزنا،،،»، انتهى.
قلت: إذا استنصح المسلم أخاه فيمن يريد الزواج به رجلا كان المستنصح أو امرأة، ومثل ذلك سائر المعاملات؛ تعين عليه نصحه، إن كان على علم بالعيب، لقول رسول الله ﷺ: «وإذا استنصحك فانصح له»، ولا يلزم من ذلك أن يصرح بعين العيب، بل يكتفي بقوله لا تفعل مثلا.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
حكم من بها عيب ودخل بها زوجها
• قوله:
٦٧ - «فإن دخل بها ولم يعلم؛ ودى صداقها، ورجع به على أبيها، وكذلك إن زوجها أخوها».
إذا ردت المرأة قبل الدخول بالعيب؛ فلا شيء لها، إلا أن يعلم الزوج بالعيب ويسكت، فإن لها نصف الصداق، وهكذا إذا لم يكن عالما وردها بالعيب قبل الدخول، لكنه طلقها، فإن لها نصف الصداق لاندراج ذلك تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ففرقوا كما ترى بين الفسخ بسبب العيب من غير طلاق، وبين الطلاق بسبب العيب فلينظر، فإن الظاهر عدم الفرق، لأن موجب الرد قائم طلق أو فسخ، وقد يقال إنه قد يطلق ويزعم أن طلاقه كان لأجل العيب، والله أعلم.
أما إن ردت المرأة بالعيب بعد الدخول، ولم يكن الزوج عالما به؛ فإنه يعطي للمرأة صداقها كاملا، ويرجع به على أبيها، لأنه هو الذي غره ودلس عليه، ولا يرجع الأب على المرأة بشيء إذا كانت غائبة وقت التزويج، فإن كانت حاضرة؛ فللزوج الخيار في الرجوع عليها بالصداق، على أن يترك لها ربع دينار، الذي هو حق الله، وله أن يرجع على الولي بجميعه، ويرجع الولي عليها، لكونها غارة، وقيل يترك لها ربع دينار حتى لا يخلو النكاح عن صداق.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
• قوله:
٦٨ - «وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة؛ فلا شيء عليه، ولا يكون لها إلا ربع دينار».
وهذا لأن شأن الولي البعيد أن لا يطلع على أحوال من تولى تزويجها، فإذا ردت بالعيب بعد الدخول؛ فلا شيء لها، ويرجع الزوج عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار، لئلا يعرى النكاح عن أقل الصداق، أما إن ثبت علم الولي البعيد بالعيب مع سكوته؛ فإن الحكم فيه ما تقدم في الفقرة التي قبل هذه.
قال مالك بعد قول عمر السابق في رد المرأة بالجنون وما ذكر معه: «وإنما يكون ذلك غرما لوليها على زوجها؛ إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يُرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إن كان وليها الذي أنكحها؛ ابن عم أو مولى أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها؛ فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذته من صداقها، ويترك لها قدر ما تستحل به».
[ ٣ / ٢٤٠ ]
يؤجل المعترض سنة
• قوله:
٦٩ - «ويؤخر المعترض سنة، فإن وطئ؛ وإلا فرق بينهما إن شاءت».
المعترض بفتح الراء من لا يقدر على الجماع لعدم انتشار ذكره مع سلامته في الظاهر، بسبب مرض، أو سحر، ومنه ما يقال له الربط، والناس يغالون فيه، إذ قد يكون مجرد حالة نفسية عابرة تزول بمرور الوقت، فهذا إن لم يسبق له وطء امرأته؛ يؤجل سنة من يوم شكوى الزوجة إن كان صحيحا، ومن اليوم الذي يصح فيه إن كان مريضا، أعني مرضا غير الاعتراض، فإن لم يزل عنه الاعتراض؛ طولب بالتطليق، وإلا طلقت عليه، وإنما أخر سنة؛ لاحتمال أن يكون السبب ناتجا عن حر أو برد أو رطوبة أو يبوسة أو نحو ذلك مما لا يزول إلا بزوال مسببه، فإذا مر العام ولم يعاود المعترض حاله؛ قوي الظن أن العيب خلقي، فيفرق بينهما بطلقة بائنة، إلا أن تشاء المرأة البقاء في عصمته فلها ذلك، إذ الوطء من حقها، وإن اختلف في قدره، وقد جاء هذا المعنى في الموطإ (١٢٣٦) في ترجمة «أجل الذي لا يمس امرأته» عن سعيد بن المسيب أنه يؤجل سنة، وقد قضى عمر ﵁ في العنين أنه يؤجل سنة، وهو في سنن سعيد بن منصور كما في بلوغ المرام، ويبتدئ الأجل من يوم مرافعته إلى السلطان، وأما من اعترض بعد أن مسها؛ فقال مالك إني لم أسمع أنه يضرب له أجل، ولا يفرق بينهما، والظاهر أن ذلك حق المرأة إن طلبته.
[ ٣ / ٢٤١ ]
حكم زوجة المفقود
• قوله:
٧٠ - «والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك، وينتهي الكشف عنه، ثم تعتد كعدة الميت، ثم تتزوج إن شاءت، ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله».
المفقود عند مالك على أربعة أوجه، كما في المقدمات لابن رشد، وفي الاستذكار (٦/ ١٣٤) لابن عبد البر، والذي ذكره المؤلف أحدها، وهو من فقد في بلاد المسلمين في غير حرب، ولا مجاعة، أو وباء، كأن خرج لتجارة أو غيرها، لأن من هذا شأنه يغلب على الظن هلاكه، فهذا إن صبرت امرأته وانتظرت؛ فهو خير لها، وإلا شرع لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليبحث عنه، فإذا انقضى أمد البحث، وهو أربع سنين ولم يعلم خبره من حياة أو موت؛ اعتدت عدة وفاة، فإذا انقضت العدة؛ جاز لها أن تتزوج إن شاءت، وإنما يجب عليها ذلك الانتظار إذا كان له مال تنفق منه على نفسها، فإن لم يكن له مال؛ فلها طلب الطلاق من غير انتظار، وليس انقضاء العدة التي تضرب لها بمحرم لها على زوجها، فإنه إذا جاء ولما تتزوج بعد؛ فهو أحق بها، ولا يوزع ماله حتى يمر على غيبته من الزمان ما لا يعيش لمثله، وقد اعتمد في مدة تربص امرأة المفقود على ما أثر عن عمر من قضائه ﵁ بذلك في زوجة من اختطفته الجن كما رواه ابن أبي شيبة (١٦٨٦٩) وغيره، ولقوله ﵁: «أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل»، لفظ مالك في الموطإ (١٢١٣)، قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٣٣): «وأخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر أنها تتربص أربع سنين»، وذكر ممن صح عنهم مثل قول عمر: عثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ﵃، وجاء عن ابن مسعود في رواية، وعن علي أنها تنتظر حتى يقدم أو يموت.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
واعتبر بعضهم تلك المدة تعبدية، والظاهر أنها اجتهاد من عمر ﵁، وافقه عليه من وافقه من الصحابة، قال مالك: «وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها، فدخل بها زوجها، أو لم يدخل بها؛ فلا سبيل لزوجها الأول إليها»، ومفهومه أنها إن لم تتزوج؛ فهو أحق بها كما سبق.
وأهل المذهب على أن للمرأة أن ترفع أمرها إلى الحاكم أو إلى والي الماء، أو إلى جماعة المسلمين، قيل على الترتيب، وقيل على التخيير، والصواب إن شاء الله: أن ذلك على الترتيب بين الحاكم والجماعة، لما في الرفع إلى غير الحاكم من الافتيات عليه، ولأنه هو الذي يمكنه البحث، فإذا كانت المرأة التي فقد زوجها في بلد لا حاكم إسلامي فيه، فإنها ترفع أمرها إلى جماعة المسلمين.
أما الأنواع الثلاثة الأخرى فهي المفقود بين الصفين في أرض العدو، والأسير الذي تعرف حياته وقتا ثم ينقطع خبره، وهذان ينتظر بهما ما لا يعيشان إليه من السنين، ومفقود في الفتن التي بين المسلمين، وهذا يجتهد فيه الإمام على غالب ظنه.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
حرمة الخطبة في العدة وجواز التعريض
• قوله:
٧١ - «ولا تخطب المرأة في عدتها، ولا بأس بالتعريض بالقول المعروف».
العدة هي فترة تربص لا تجوز فيها الخطبة، لأنها تصريح بالرغبة في النكاح، والذي أباحه الله تعالى في العدة هو التعريض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فدلت إباحة التعريض على منع مقابلها وهو التصريح بالمفهوم، ودل المنع من التصريح بالخطبة؛ على المنع من عقد النكاح بمفهوم الأولى، غير أن ربنا صرح بمنعه في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والتعريض أن يذكر شيئا ويريد غيره كأن يقول إني فيك لراغب، وأنا لك محب، وأبشري بالخير، ووددت لو أن الله تعالى يسر لي امرأة صالحة، وبعض هذه الألفاظ يماس التصريح، والمذهب أن التعريض بالقذف قذف؛ لزجر الطباع اللئيمة، ولا حرج فيه في العدة للرفق بالطباع السليمة.
واعلم أنه لا يجوز التعريض في الطلاق الرجعي بالاتفاق، لأن عصمة المطلق فيه قائمة، وإنما يجوز في الطلاق البائن بقسميه، وللمتوفى عنها زوجها، والذي يحرم عليه التصريح بالرغبة في النكاح إنما هو غير المطلق، أما هو فيجوز له ذلك، بل يجوز له أكثر من ذلك وهو العقد في العدة لأنها منه.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
جواز إقامة متزوج البكر عندها سبعا وعند الثيب ثلاثا
• قوله:
٧٢ - «ومن نكح بكرا؛ فله أن يقيم عندها سبعا دون سائر نسائه، وفي الثيب ثلاثة أيام».
قوله فله أن يقيم عندها، وفي نسخة فلها أن يقيم عندها، والموضع المناسب لذكر هذا هو ما سبق من وجوب العدل في القسم بين الزوجات، لكونه استثناء منه يخص الزوجة الجديدة، فمن نكح بكرا؛ أقام عندها سبعة أيام من غير أن يعتبر ذلك في القسم الواجب، ومن نكح ثيبا؛ أقام عندها ثلاثة أيام، فإذا انقضى ذلك ابتدأ بالقسم، من غير اعتبار لذلك التفضيل، قيل يبدأ بأيتهن شاء، والظاهر أنه يبدأ على ما سبق من الترتيب، على أن تكون الجديدة هي الأخيرة، وفي ذلك مراعاة الشارع للفروق بين الناس، لحاجة البكر إلى المؤانسة أكثر من حاجة الثيب، ودليل ما تقدم أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: «إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك؛ سبعت لنسائي»، رواه مسلم (١٤٦٠)، والهوان انحطاط المنزلة، والمراد بالأهل فيه نفسه ﷺ، وقيل أهلها هي، وجاء في الصحيحين (خ/ ٥٢١٣) من حديث أبي قلابة عن أنس ﵄: «السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا».
وقد اختلف في إيثار البكر بسبع والثيب بثلاث، هل هو حق الزوجة، أو حق الزوج، وهما روايتان على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في المعونة، وهو في النوادر أيضا، وعليهما تتخرج النسختان في قول المؤلف «فله أن يقيم،،،»، بتذكير الضمير وتأنيثه، وعلى الأول يقضى لها به، وعلى الثاني لا يقضى، وحكى ابن القصار أن ذلك حقهما وهو الذي ذهب إليه ابن العربي في المسالك، والظاهر أنه حقها لأن النبي ﷺ لم يستأمر أم سلمة إلا بعد ثلاث، ويدل على ذلك أيضا التوطئة التي قدمها بين يدي ذكره عدم الزيادة على ثلاث، فهي كالاعتذار عن عدم الزيادة، لكون ذلك حكما شرعيا.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وقد رأى بعض الناس في إيثار الشارع الزوجة الجديدة بما ذكر من الأيام دليلا على أن للزوج أن يترخص بترك الجماعة والجمعة، حكاه سحنون عن بعض العلماء، قالوا لا يخرج، وذلك لها بالسنة، وهو قول ساقط لا ينبغي الالتفات إليه، قال مالك ﵀ كما في العتبية من رواية ابن القاسم: «لا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن حضور الصلوات في جماعة، وهو في النوادر (٤/ ٦١٢)، وفي العتبية أيضا عنه: «،،، وإذا كان من يُنظر إليه يفتي بالجهالة؛ جرت في الناس»، انتهى، وقال ابن رشد في البيان والتحصيل معلقا على القول بالسقوط: «وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك ﵀، وغلطة غير خافية»، وانظر المسالك لابن العربي (٥/ ٤٧٦).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
لا يجمع بين الأختين في ملك اليمين
• قوله:
٧٣ - «ولا يجمع بين الأختين في ملك اليمين في الوطء، فإن شاء وطء الأخرى؛ فليحرم عليه فرج الأولى ببيع، أو كتابة، أو عتق، وشبهه مما تحرم به».
تقدم ذكر حرمة الجمع بين الأختين في النكاح، وهكذا الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وذكر ضابط من لا يجوز الجمع بينهما، وذكر هنا منع الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فمن ملك أختين ملك يمين؛ حرم عليه الاسمتاع بهما معا، فإن لم يطأ واحدة منهما؛ فهما على ملكه، وإن وطئ إحداهما، فلا تحل له الأخرى ويترك لدينه، فإن عن له أن يستمتع بالأخرى؛ فليحرم الأولى على نفسه ببيع، أو كتابة، أو عتق، أو تزويج، أو غير ذلك مما تحرم به عليه، ورأى بعض أهل العلم أنه لا يبقي في ملكه الأختين ولو لم يستمتع بإحداهما، بل يتعين عليه أحد تلك الأمور قبل ذلك.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
حرمة أم وبنت المستمتع بها بملك اليمين
• قوله:
٧٤ - «ومن وطئ أمة بملك؛ لم تحل له أمها، ولا بنتها، وتحرم على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح».
سبق القول في تحريم أم المنكوجة بمجرد العقد، وذكر هنا أن أم الأمة تحرم بالوطء، وذلك لأنه لا عقد على المملوكة، وكما تحرم بنت المنكوحة بالدخول بأمها؛ تحرم بنت الأمة على مالكها إذا وطئها، وتحرم بذلك على أبيه وجده، وعلى أبنائه وأبناء أبنائه كما يحرم ذلك بالنكاح، وهذا قياس، فتحريم مصاهرة الملك كتحريم مصاهرة النكاح في الجملة، إلا أن تحريم بعض المصاهرة بالنكاح لا يتوقف على الوطء، كتحريم أم المعقود عليها، بخلاف تحريم المصاهرة بالملك.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
الطلاق بيد العبد لا السيد
• قوله:
٧٥ - «والطلاق بيد العبد دون السيد».
تقدم أن العبد لا يصح نكاحه دون إذن سيده، لما في تزوجه من الإضرار بمصلحته، لكن إذا تزوج بإذنه؛ فليس للسيد الافتيات عليه بتطليق زوجته منه، لأنه لما قبل تزويجه؛ فقد قبل ما يترتب على الزواج من نقصان خدمته، وهكذا إذا طلق العبد فليس للسيد رد طلاقه من باب أولى، فإنه بإذنه له في النكاح أذن له في كل ما يستتبعه من آثار في الاستمرار والإنهاء، وقد استدلوا على ذلك بحديث ابن عباس مرفوعا: «يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما؟، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق»، رواه ابن ماجة (٢٠٨١) وغيره عن ابن عباس، وفيه ابن لهيعة، والمعتمد في الاستدلال استصحاب الأصل، وهو كون العصمة بيد الزوج، والحال أنه بالغ عاقل، وفي الموطإ (١٢١٢) في ترجمة ما جاء في طلاق العبد، أن عبد الله بن عمر كان يقول: «من أذن لعبده أن ينكح؛ فالطلاق بيد العبد، ليس بيد غيره من طلاقه شيء، فأما أن يأخذ الرجل أمة غلامه، أو أمة وليدته فلا جناح عليه»، انتهى.
قلت: لكن إذا طلب السيد من العبد الطلاق، ولم يكن ثمة مانع؛ فيظهر أنه يتعين عليه الاستجابة له، إذ لا يصلح الأمر إلا بذلك، وعلاقة العبد بسيده في لزوم الطاعة لا تقل عن علاقة الولد بوالده، وقد جاء ما يدل على استجابته له إذا طالبه بتطليق زوجته، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
لا يصح طلاق الصبي
• قوله:
٧٦ - «ولا طلاق لصبي».
سبق القول أنه يجوز لولي الصبي تزويجه، وكذلك من له عليه وصاية، لما في ذلك من المصلحة له، فإذا زوج؛ فإنه لا يصح منه الطلاق لعدم تكليفه، فإن الطلاق إنما يصح من المسلم المكلف غير السكران بحلال، وحيث قيل بعدم مضي طلاق الصغير؛ فإن الطلاق يكون بيد وليه لمصلحته، وقالوا يصح طلاق الصغير والكافر لغيره إذا وكله، لأن المطلق حقيقة الزوج، وتعتد المرأة من يوم إجازته لا من يوم الطلاق.
واعلم أنهم قالوا بصحة بيع الصبي مع توقف ذلك على إجازة وليه، فانظر وجه الفرق بين الأمرين.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
تمليك الزوجة وتخييرها
• قوله:
٧٧ - «والمملكة والمخيرة لهما أن يقضيا ما دامتا في المجلس».
أصل هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «خيرنا رسول الله ﷺ، فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا»، رواه البخاري (٥٢٦٢)، ومن الأدلة تخيير بريرة، فاختارت الفراق وهو في الصحيح، والتمليك كما في شرح أبي الحسن على الرسالة: «هو جعل الزوج إنشاء الطلاق حقا لزوجته أو لغيرها راجحا في الثلاث، يخص بما دون الثلاث بالنية، وليس له العزل»، ومثاله أن يقول لها: ملكتك نفسك أو أمرك، أو طلاقك بيدك، أو أنت طالق إن شئت، هكذا ضبطه بعضهم، أما التخيير؛ فهو جعل إنشاء الطلاق ثلاثا حكما أو نصا عليها؛ حقا للزوجة، ولغيرها، كأن يقول لها: «اختاريني، أو اختاري نفسك، أو يقول: اختاريني أو اختاري طلقة، أو طلقتين، ومشهور المذهب هو التفريق بين التمليك والتخيير على النحو الذي تقدم، وأكثر الفقهاء على عدم الفرق بينهما، وهو قول جماعة من المدنيين، ومنهم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ونسبه ابن شعبان للكثير من الأصحاب، فمن ملك امرأته أو خيرها حسب ما تقدم؛ كان ذلك لها ما دامت في المجلس، وجعل بعضهم مشي المرأة واشتغالها بحديث غير التمليك، أو عمل غير التمليك؛ مسقطا لحقها، واحتجوا لذلك بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
والرواية الثانية عن الإمام أن لها الخيار ولو انتهى المجلس، ما لم يعلم أنها تركته، قالوا ويعلم ذلك بأن تمكنه من نفسها بقربان أو مباشرة، وهي الرواية التي قواها القرطبي، واحتج لها بقول النبي ﷺ لعائشة: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»، وهذا حق.
[ ٣ / ٢٥١ ]
مناكرة الزوج المملكة فيما زاد على الواحدة
لا يكون التخيير دون الثلاث
• قوله:
٧٨ - «وله أن يناكر المملكة خاصة فيما فوق الواحدة، وليس لها في التخيير أن تقضي إلا بالثلاث، ثم لا نكرة له فيها».
يختلف أمر المملكة عن المخيرة، فالمملكة إن طلقت نفسها واحدة؛ فلا مناكرة للزوج عليها، أي لا اعتراض، لأن الواحدة أقل الطلاق، وله المناكرة فيما زاد عليها، وذكروا لذلك شروطا منها أن ينكر ذلك حين سماعه منها، وأن يدعي أنه نوى واحدة أو اثنتين في حال تمليكه، وأن يكون تمليكه طوعا، وأما المخيرة؛ فإما أن تخير في العدد أو في النفس، فإن خيرت في النفس؛ فقالت اخترت واحدة، أو اثنتين؛ لم يكن ذلك لها، وبطل خيارها، لأن الطلقة الواحدة أو الاثنتين في المدخول بها لا تحرمانها عليه، فلا يثبت لها الخيار، وإن قالت اخترت نفسي؛ كان ثلاثا، ولا يقبل قولها إن فسرت بما دون ذلك متى كان التخيير في النفس، أما التخيير في العدد؛ فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها، وإذا كان إيقاع الطلاق ثلاثا من الزوج في كلمة واحدة بدعة، وقد علمت الخلاف فيه، فكيف يسوغ أن يخير أو يوكل فيها المؤمن زوجته أو غيرها؟، وإذا كان المعتمد ما في القرآن والسنة من تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ فكيف يصح منه أن يخيرهن في غير المشروع، وهو الطلاق البات، ولو كان دون الثلاث؟.
لكن قد يقال: إن من أثبت التخيير ثم زعم أنه لا يترتب على اختيار المرأة نفسها إلا طلقة رجعية يتعارض مع ذلك الإثبات، لأنها لا تملك نفسها حينئذ، بل بعلها أحق بها، والجواب: أنه لا شيء عليها في ذلك حيث لم يضارها، والحال أن الطلاق إنما جاء منه، فلا يخرج عن أصله، فإن كان قد سبق له عليها طلقتان؛ بانت منه، والله أعلم.
واعلم أن للعلماء في وقوع الطلاق بتخيير المرأة ثلاثة أقوال، الأول: اعتبار قول الزوج ذلك لزوجته طلاقا، ولو اختارته، فرأوا أن قوله لها اختاري؛ كناية عن الطلاق،
[ ٣ / ٢٥٢ ]
والثاني أن الطلاق إنما يقع إذا اختارت الزوجة نفسها، وقد نقله مالك في الموطإ (١١٨٩) عن ابن شهاب، مع اختلافهم في الذي يقع باختيارها، وقد صرح مالك أنها إن اختارت نفسها فهو الثلاث، وليس له ان يناكرها في ذلك، وقد دل قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا»، أن مجرد التخيير لا يقع به الطلاق، ومفهومه أنهن لو اخترن أنفسهن؛ لوقع الطلاق، لكن ستعلم أن هذا المفهوم معارض بمنطوق القرآن، وفي الموطإ (١١٧٠) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبة بنت أبي أمية فزوجوه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن وقالوا ما زوجنا إلا عائشة، فأرسلت عائشة إلى عبد الرحمن، فذكرت ذلك له، فجعل أمر قريبة بيدها، فاختارت زوجها، فلم يكن ذلك طلاقا»، وثمة آثار أخرى مثله، والثالث أن الطلاق لا يقع بالتخيير نفسه، بل بإيقاع الزوج له، ويدل عليه كتاب الله بالمنطوق، قال جلت قدرته: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وهو مقدم على المفهوم في حديث عائشة المذكور آنفا.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الإيلاء
• قوله:
٧٩ - «وكل حالف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ فهو مول».
الكلام هنا عن الإيلاء، وهو في اللغة الامتناع، وهو اليمين أيضا، لأن الامتناع عن الشيء يتقوى باليمين، وهذا المعنى موافق لحقيقة الإيلاء في الفقه، فإنه حلف المسلم المكلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر قصد الإضرار، فخرج بالمسلم الكافر، إلا إذا تحاكموا إلى المسلمين، فينظر في الأمر لرفع الضرر، وخرج بأكثر من أربعة أشهر ما إذا حلف أن لا يطأ أربعة أشهر أو أقل، فلا يدخل في الإيلاء، لكنه لا يلزم منه عدم الإثم إذا كان قصده المضارة، وقد يكون مشروعا إذا رمى به إلى تأديب زوجته لنشوز أو لغيره مما يستدعي ذلك، وقد آلى النبي ﷺ من نسائه شهرا، والظاهر من هذا التوقيت أن المرأة وإن كان لها الحق في الإعفاف بالوطء حسب قدرة الزوج إلا أنها لا تقاضيه فيما كان أقل من ذلك، وضرب تلك المدة؛ من الإصلاح الذي جاء به الإسلام لما كانوا عليه في الجاهلية من قصد إيذاء المرأة بالحلف على عدم قربانها السنة والسنتين كما ورد ذلك عن ابن عباس، وقيد الإضرار يخرج ما إذا آلى من امرأته المرضع ليجنب ولده الضرر المحتمل من الغيلة بكسر الغين، أي مجامعة الرجل زوجته وهي ترضع، وقد هم النبي ﷺ أن ينهى عنها، ويلحق بذلك ما إذا كان لمرض فيه، أو في المرأة، فيحلف ليلزم نفسه، فهذا لا يعتبر موليا، قال مالك في الموطإ (١١٧٨): «من حلف لامرأته أن لا يطأها حتى تفطم ولدها فإن ذلك لا يكون إيلاء، وقد بلغني أن علي ابن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء»، وإنما لم يعتبره إيلاء لعدم قصده المضارة، وفيه خلاف، وظاهر كلام المصنف وقوع الإيلاء.
وكل من لزمه الطلاق يلزمه الإيلاء وهو الحر والعبد والسكران والسفيه والخصي إذا لم يكن مجبوبا والشيخ إذا كان فيه بقية نشاط، وفي لزوم الطلاق والإيلاء والظهار
[ ٣ / ٢٥٤ ]
للسكران الطافح نظر، وقد قيل فيما يلزم السكران وما لا يلزمه:
لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود
وقد ذكر الله تعالى الإيلاء عقب ذكره اليمين لأنه أخص منه فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ و٢٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ يخرج ملك اليمين، إذ لا حق للمملوكة في الاستمتاع، والتربص الانتظار، والفيئة الرجوع عن الإيلاء، ولا تكون إلا بالوطء من القادر عليه، أما العاجز عنه والمسجون ونحوهما فلا يمكنهم ذلك، فيكتفى بإعلانهم الرجوع عن الإيلاء، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يشير إلى تشوف الشرع إلى الفيئة، فلذلك قدمها على العزم على الطلاق، وجواب الشرط فيه إشارة إلى أن الذي ارتكبوه قد يكون معصية تقع في حيز الغفران بالتوبة وتكون بالفيء، والفاء في قوله فإن؛ تفيد التعقيب، فيستدل بذلك على أن الإيلاء لا يكون إلا بما زاد على الأربعة أشهر، فالمعنى عليه فإن فاؤوا بعد ذلك، أما على أن الإيلاء أربعة أشهر فحسب؛ فيكون المعنى فإن فاؤوا فيهن، واعتبر ابن العربي المعنيين محتملين متكافئين، وبناء على ذلك رجح القرطبي الأول الذي هو المشهور، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ يؤخذ من ظاهره أن الطلاق لا يقع بمضي مدة الإيلاء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فإن لذكر صفتي السمع والعلم مدخلا في ذلك الترجيح، وهو الذي رواه مالك عن علي بن أبي طالب، وعن عبد الله بن عمر، ﵃، وقال بعده: «وذلك الأمر عندنا»، وكأنه إنما روى عن علي ليرد بذلك على الكوفيين الذين يرون مضي المدة طلاقا، وعلي ﵁ انتشر علمه في الكوفة موطن القائلين به، والقول بعدم الطلاق بمجرد مضي المدة أوفق بمقاصد الشرع في التماس وسائل الإصلاح، واستنفاذ طرقه، ولذلك قال المؤلف:
[ ٣ / ٢٥٥ ]
لا يقع الطلاق في الإيلاء بمضي مدته
• قوله:
٨٠ - «ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء، وهو أربعة أشهر للحر، وشهران للعبد، حتى يوقفه السلطان».
وإنما ذكر ذلك لأن هناك من يرى وقوع الطلاق بمجرد مضي مدة الإيلاء، وهو في الموطإ (١١٧٦) عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وفيه أيضا أن مروان بن الحكم كان يقضي به، والعمدة في عدم وقوع الطلاق قول علي ﵁ ونحوه قول ابن عمر: «إذا آلى الرجل من امرأته؛ لم يقع عليه طلاق، وإن مضت الأربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء»، قال مالك: «وذلك الأمر عندنا».
والطلاق في الإيلاء رجعي، ولو أوقعه الحاكم، ومثله الطلاق لأجل الإعسار بالإنفاق، لأنه طلاق لأجل علة يمكن أن تزول فإذا زالت أمكن التدارك، ولعل الأولى تقييده بكونه رجعيا في حالة عدم التمكن من تبين قصد الزوج المضارة، ولذلك فإنه إن راجعها ولم يفئ بالوطء، مع قدرته عليه؛ فهو ليس برجعة عند مالك، ولم يذهب أحد مذهبه هذا كما قال ابن عبد البر، وقوله حتى يوقفه السلطان أي يدعوه إلى الفيء، فإن أبى؛ طلق عليه، وقيل يأمر الزوجة بتطليق نفسها!، فأما تنصيف مدة الإيلاء على العبد فبالقياس على الحد، وهو قول ابن شهاب في جوابه لمالك كما في الموطإ.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
الظهار
الحكمة من تحريم الظهار
لا يقرب المظاهر زوجه حتى يكفر
• قوله:
٨١ - «ومن تظاهر من امرأته؛ فلا يطؤها حتى يكفر».
مما جاءت به هذه الشريعة الغراء، تمييز الأشياء بعضها عن بعض، والابتعاد عن اللبس والخلط في الاعتقاد والقول والعمل، فما حرم الله من الأشياء ليس كما أحل، ولذلك كان قول الحرام فيه كفارة، وكان الدعي ليس كالولد، والمسلم ليس كالمجرم، وجاء اللعن لمن ادعى إلى غير مواليه، والزوجة المظاهر منها ليست أما، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤]، وإنما تجاوز ربنا عنا إذا قلنا خطأ عن غير الولد ولدا، ومثله غيره مما نغلب عليه، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢]، وفي مختصر خليل: «وأدب قائل يا أمي ويا أختي»، والظهار من هذا القبيل وهو أن المظاهر في الجاهلية كان يرمي بقوله ذاك إلى تأبيد التحريم للمظاهر منها بتشبيه ما أحل الله له بما حرم عليه، فألغى الإسلام تأبيد التحريم، لكنه اعتبره منكرا من القول وزورا، وشرع له كفارة لشناعته، ومنع القربان قبل التكفير عنه، وسمي ظهارا لأن أصله أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، أي حرام علي قربانك كما يحرم علي قربان أمي، وإنما كان أصل الظهار هذا القول لأن الأم أقوى المحارم تحريما ولذلك ابتدأ الله تعالى ذكر المحرمات بذكرها، وحد الظهار عندهم أنه «تشبيه مسلم مكلف امرأته بمحرمة عليه»، فخرج بالمسلم الكافر فلا يعتبر ظهاره.
فإن قلت: فلم اعتبر إيلاؤه؛ فالجواب: أن الظهار معصية تُكَفَّرُ، ولا سبيل للكافر
[ ٣ / ٢٥٧ ]
إلى العبادات لتوقفها على قصد القربة، ولا يكون هذا القصد إلا بالإيمان، أما الإيلاء؛ ففيه مضارة بالزوجة فإن تحاكموا إلينا دفعنا الضر عمن لحق به، ولفظ المرأة في التعريف يشمل الحرة والأمة، لكنهم حملوا لفظ نسائهم في الإيلاء على خصوص الحرائر، لأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، وحملوه في الظهار على عمومه رعاية للمنع، وحملوه في تحريم إبداء المرأة زينتها في قوله تعالى: «أو نسائهن»، على خصوص المسلمات.
والتشبيه المذكور يكون بأن يقول لها أنت علي كظهر أمي أو أختي، ويكون صريحا كما مر، وكناية ظاهرة وهي ما سقط منها واحد من لفظي الظهر أو مؤبدة التحريم، كما لو قال: أنت علي كيد أمي، وقوله بمحرمة عليه؛ يشمل المحرمات بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو لعان، أو خامسة، أو في عدة، أو دابة، هكذا وسعوا التشبيه إلى كل محرم ولم يراعوا خصوص القرابة في المشهور، وهي رواية عن الإمام، وقال ابن عبد البر في الكافي عن الرواية الثانية: «وقد روي عنه نصا أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء»، انتهى، وهذه أقوى، فمن حصل منه الظهار فقد ارتكب منكرا وقال زورا كما بينته الآية الكريمة السابقة، والأمر الآخر أنه إن عزم على الرجوع عن ظهاره؛ فلا يجوز له أن يقرب امرأته حتى يكفر، فإن فعل فقد ارتكب مخالفة أخرى، وقد بين المصنف الكفارة بقوله:
[ ٣ / ٢٥٨ ]
خصال كفارة الظهار الثلاثة
• قوله:
٨٢ - «بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ليس فيها شرك ولا طرف من حرية، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ أطعم ستين مسكينا: مدين لكل مسكين، ولا يطؤها في ليل أو نهار؛ حتى تنقضي الكفارة، فإن فعل ذلك؛ فليتب إلى الله ﷿».
ودليله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ و٤]، وهي كما ترى أمور ثلاثة على الترتيب، أولها تحرير رقبة مؤمنة خالصة الرق، فلا يجزئ تحرير المدبر، ولا المكاتب، ولا المشترك، ولا أم الولد، فإن لم يجد الرقبة أو لم يقدر على ثمنها؛ صام شهرين قمريين متتابعين، فإن لم يستطع لضعف بنيته أو لغير ذلك من الأعذار؛ أطعم ستين مسكينا كلا مدا بمده ﵊، وقيل يطعمهم مدا بمد هشام، ومقداره مد وثلث، وهو المشهور الذي في المدونة، وفي مختصر خليل، وقد قال ابن العربي كلاما غليظا في اعتبار مد هشام هذا مرجعا في معرفة مقدار ما يخرج في الكفارة ففي في أحكام القرآن (٤/ ١٢٥٦): «وددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر بها الرسول ﷺ وقع عندهم الظهار وقيل لهم: «فإطعام ستين مسكينا» فهموه وعرفوا المراد منه، وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم، متقدر لهم، فقد كانوا يجوعون لحاجة، ويشبعون بسنة لا بشهوة،،،، حتى نفخ الشيطان في أذن هشام فرأى مد النبي ﷺ لا يشبعه ولا مثله من حاشيته ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدا، فجعله رطلين، وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو ثلاثة أرطال، فغير السنة، وأذهب محل البركة،،،»، انتهى، ولعل وجه أخذ الإمام
[ ٣ / ٢٥٩ ]
مالك بمد هشام أنه كان يرى مراعاة الشبع في كفارة الظهار، لأن الله تعالى أطلق الإطعام ولم يذكر الوسط، وخير من يقدر ذلك الحاكم، فاعتمد مد هشام لهذا المعنى، ولم يقصد أن يجعله مقدارا شرعيا، يؤيده ما روى عنه مطرف أنه كان يفتي في كفارة الظهار بمدين لكل مسكين، ويكره أن يقال مد هشام، قال الباجي وذلك: «لما بلغه أنه قد ظُن به أنه قد جُعل مقدارا في نفسه أنكره وكرهه»، ثم قال في المنتقى (٤/ ٤٥): «إن هذا المد موجود إلى اليوم وهو كيل السراة وغيرها من بلاد العرب،،،، ولا شك فيه ولا مرية، فقد شاهدت ذلك وباشرته وحققته،،،».
وقد عللواالزيادة في كفارة الظهار على كفارة اليمين بأن هذه قد نص فيها على أن الطعام يكون ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]، بخلاف الظهار فقد أطلق فيه الإطعام مع ما فيه من التغليظ، فكان المعتبر هنا الشبع، قال هذا ابن عبد البر، وينقضه أنهم يقولون في فدية الإفطار في رمضان مد، مع أن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]، ويقولون ذلك في بدل جزاء الصيد، والله تعالى يقول فيها: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، أما فدية الأذى في الحج والعمرة فهي منصوصة، وقال بعضهم إن كون المدين هو المطلوب في الإطعام في كفارة الظهار إنما هو تغليظ على المظاهر لكونه قال منكرا من القول، وهذا لا يلزم، والذي يظهر هو أنه ما لم يأت نص أو إجماع يحتج به على اختلاف الإطعام في هذه الأمور أن أمره واحد كيفما كان، في فدية من أفطر، وفدية من أخر القضاء من غير عذر عن وقته، وفدية البدل في صيد البر للمحرم، وكفارة اليمين، وكفارة الظهار، فإما أن يؤخذ بمطلق الإطعام الذي يعني الشبع، وقد نص على مقداره في كفارة الفطر من رمضان في الحديث الصحيح، أما فدية الأذى للمحرم فقد جاء النص على مقدارها وهو مدان، والله المستعان.
والقدرة معتبرة قبل الشروع في الكفارة، لكن إن شرع في الصيام ثم أيسر بعد يوم أو يومين؛ استحب له أن يعتق، ولا يجب عليه ذلك لأنه دخل في نوع الكفارة بوجه مشروع، كمن شرع في الصلاة لعدم وجود الماء ثم حضر الماء، فإنه لا يجب عليه القطع، لاستصحاب الإجماع في موضع النزاع.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
بطلان الكفارة بالإطعام والصوم متى قارب زوجته قبل إتمامها
• قوله:
٨٣ - «فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم؛ فليبتدئها».
جاء في كلام الله تعالى تقييد الكفارة أن تكون قبل المسيس في تحرير الرقاب، وفي الصيام، ولم يذكر القيد في الإطعام، فالظاهر حمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب، بل إن التقييد في الإطعام أولى لإمكان فعله دفعة، بخلاف الصيام فإنه يستمر شهرين، فإن استمتع بامرأته قبل أن يتم الكفارة؛ فليستأنفها، وإنما لم يذكر المؤلف أن تكون الكفارة بالعتق قبل التماس؛ لأنه لا يفعل إلا دفعة بخلاف الإطعام والصيام، والعلم عند الله.
[ ٣ / ٢٦١ ]
ما يجزئ من الرقاب في كفارة الظهار وغيرها
• قوله:
٨٤ - «ولا بأس بعتق الأعور في الظهار، وولد الزنا، ويجزئ الصغير، ومن صلى وصام أحب إلينا».
لفظ الرقبة المذكور في الكفارة في القرآن والسنة يشمل الكبير والصغير ولو رضيعا، قالوا ولو كان ابن غير مسلم كالنصراني واليهودي والمجوسي لجبره على الإسلام، كما يشمل ولد الزنا، ومن اللطائف أنهم قالوا إن من أعتق صغيرا وجب عليه الإنفاق عليه حتى يدرك، ومن أعتق شيخا كبيرا تعين عليه رعايته حتى يموت، لكن ينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن له من ينفق عليه من الأقارب، وإنما كان من صلى وصام أي بلغ حد التمييز أولى أن يعتق لأنه يستقل بنفسه ولا يحتاج إلى من يقوم على شؤونه في معاشه، وقد فضل ابن العربي ﵀ في كفارة اليمين الإطعام على العتاق متى كانت الحاجة إلى الطعام قائمة، وقال في أحكام القرآن (٢/ ٦٤٩): «لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجتهم، وزدت محتاجا حادي عشر إليهم»، انتهى، وهو نظر سديد، لكنك علمت في كفارة الظهار تقديم العتق على الإطعام.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
معنى اللعان
حكمة مشروعية اللعان
اللعان بسبب إنكار الحمل
اللعان برؤية الزنا
• قوله:
٨٥ - «واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء، أو رؤية الزنا كالمرود في المكحلة».
شرع الله تعالى حد القذف ثمانين جلدة على كل من قذف محصنا أو محصنة من المسلمين، إذا لم يقيموا البينة على ما رموا به غيرهم صيانة للأعراض المحرمة، لكنه جلت قدرته؛ استثنى الأزواج من هذا الحد، فشرع اللعان بين الزوجين، وكأنه من المستبعد أن يتهم الزوج زوجته بشيء من ذلك من غير مستند، لما في طباع الناس من الغيرة والحرص على صيانة أعراضهم، ولأن الزوج يعلم من زوجه ما لا يعلم من غيرها.
واللعان مفاعلة من اللعن، وهو الإبعاد والطرد، وكانت العرب تطرد الشرير وتسميه لعينا لئلا تؤاخذ بجرائره، والمراد هنا ما يجري بين الزوجين من التلاعن بألفاظ مخصوصة، وقد صار اللعان حقيقة شرعية، وسمي بأخطر كلمة في الشهادة الخامسة من الزوج المقدم في اللعان لأنه صاحب الدعوى، وهي قوله لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
وقد حد ابن عرفة اللعان بقوله: «حلف زوج على زنا زوجته، أو نفي حملها اللازم لها، وحلفها على تكذيبه، إذا أوجب نكولُها حدها، بحكم قاض»، والتعريف كما ترى يبين أن للعان سببين رمي الزوج زوجته بالزنا، بأن يراها تزني، أو نفيه أن يكون حملها منه، سواء كان ما يزال في بطنها أو وضعته، والمرود في كلام المؤلف بكسر الميم، هو الميل الذي يكتحل به، وهو المكحل اسم آلة، والمُكحُلة بمضمومين، ووزنها مما شذ في بابه؛ هو الوعاء الذي يجعل فيه الكحل، وهذان السببان متفق عليهما، وسيأتي الكلام على سبب آخر مختلف فيه وهو القذف المجرد، لكن ليس للزوج أن ينفي الحمل بعد علمه به وسكوته، وليس له أن ينفيه إلا إذا ادعى عدم الوطء، واستبرأ امرأته بعده، ولمالك في الاستبراء
[ ٣ / ٢٦٣ ]
قولان: ثلاث حيض، وحيضة واحدة، وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وقيد اللازم لها مخرج لغير اللازم، كما لو أتت بالحمل لدون مدته وهي ستة أشهر، أو كان الزوج صبيا أو خصيا، فإن الحمل حينئذ يكون منفيا من غير لعان، مع فسخ النكاح لتبين وقوعه في العدة، وخرج بقوله وحلفها؛ ما إذا حلف الزوج ونكلت، أي امتنعت من الحلف، ولم يوجب النكولُ حدها، بأن اغتصبت وثبت اغتصابها فأنكر ولدَها؛ فلا لعان عليها ولا حد، واللعان عليه وحده لنفي الولد، وخرج بقوله بحكم قاض لعان الزوجين من غير قاض، فلا يعتبر لعانا شرعيا تترتب عليه آثاره.
وحكم اللعان لنفي الحمل؛ الوجوب متى توفرت شروطه، لأنه إن لم ينفه؛ لزم استلحاقه، واستلحاق من ليس ولده محرم، أما إذا كان لرؤية الزنا فلا يجب بل يجوز، لما في التستر من الخير، ويحرم إن كان مبنيا على الظنون والأوهام كما هو عادة كثير من الناس.
وذكر في التعريف الزوج والزوجة؛ يريد أن اللعان يقع بين كل زوجين؛ لا فرق بين أن يكونا حرين أو عبدين، عدلين، أو فاسقين، مؤمنين، أو كافرين تحاكما إلينا، لأن خطاب الله إنما هو للمؤمنين، وإنما رأوا وقوع اللعان بين الكافرين؛ لأنه عندهم يمين، فكل من جازت يمينه؛ ساغ لعانه، ولأنه لدفع الضرر كما تقدم في الإيلاء، بخلاف الظهار.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الاختلاف في اللعان بمجرد القذف
• قوله:
٨٦ - «واختلف في اللعان في القذف»
هذا هو ثالث أسباب اللعان، وهو قذف الزوج زوجته مجردا، كأن يقول لها يا زانية، أو لقد زنيت، ولم يقيد ذلك برؤية، أو نفي حمل، فاختلف فيه هل يشرع معه اللعان، أم لا يشرع، فقال ابن القاسم هو سبب للعان، وقال غيره يحد ولا لعان، وظاهر القرآن أنه يلاعن لدخول ذلك في الرمي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، ولخصوصية الزوج في رمي زوجته كما سبق.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
• قوله:
٨٧ - «وإذا افترقا باللعان؛ لم يتناكحا أبدا».
متى تم اللعان بين الزوجين ترتبت عليه أربعة أحكام هي: قطع النكاح بمجرد الانتهاء منه على المشهور، ونفي النسب، ودرء الحد، وذكر المؤلف الرابع وهو تأبيد التحريم، ودليله قول النبي ﷺ لعويمر العجلاني: «لا سبيل لك عليها»، وقصة عويمر في الصحيحين فانظر (م/ ١٤٩٣)، ولا تحل الملاعنة بعد ذلك لزوجها السابق، ولو بعد زوج، وإذا أكذب نفسه بعد ذلك؛ لحق به الولد، وجلد الحد، لكنها لا ترجع إليه.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
كيفية اللعان
• قوله:
٨٨ - «ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات: بالله ثم يخمس باللعنة، ثم تلتعن هي أربعا أيضا، وتخمس بالغضب، كما ذكر الله ﷾، وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج، أو زوج غيره، وإلا جلدت مائة جلدة، وإن نكل الزوج؛ جلد حد القذف ثمانين، ولحق به الولد».
بيّن الله تعالى كيفية اللعان بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩]، وفي هذا السياق الكريم أن اللعان بين كل زوجين، فلا لعان بين الرجل وأمته، ولا بينه وبين أم ولده لأنها أمة، وفيه أن اللعان إنما يتعين إذا لم يكن للزوج من البينة ما يثبت به الزنا، وهو أربعة شهداء، وفيه أن الزوج هو الذي يبدأ في اللعان لأنه المدعي، ويحلف باللفظ المذكور، فإن كان اللعان لأجل نفي الحمل كانت يمينه أن يقول: «أشهد بالله ما هذا الحمل مني»، وإن كان اللعان بسبب رؤيته إياها تزني؛ كان اللفظ: «أشهد بالله لقد رأيتها نزني»، وفي الخامسة يقول: «لعنة علي إن كنت من الكاذبين»، فإن امتنع الزوج من اليمين جلد حد القذف، وألحق به الولد، وإن قال ذلك؛ فإما أن تقبل ملاعنته الشهادة بالحلف على تكذيبه، أو تنكل، فإن نكلت؛ أقيم عليها حد الزنا، وهو الرجم إن كانت محصنة منه، أو من زوج قبله، فإن كانت غير محصنة؛ جلدت مائة جلدة حد الزنا، وإن قبلت الملاعنة؛ فلتشهد أربع شهادات للرد عليه فتقول: «أشهد بالله إن الحمل الذي في بطني منه، وهذا الولد منه»، أو تقول أشهد بالله «ما رآني أزني»، وتقول في الخامسة: «غضب الله علي إن كان من الصادقين»، فإذا قالت ذلك درئ عنها الحد، وحرمت عليه أبدا.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الخلع
لا خلع لمن ضار زوجته
• قوله:
٨٩ - «وللمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها، أو أقل أو أكثر؛ إن لم يكن عن ضرر بها، فإن كان عن ضرر بها؛ رجعت بما أعطته؛ ولزمه الخلع، والخلع طلقة لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد برضاها».
تقدم بعض الكلام على الخلع، ودليل ما ذكره من افتداء المرأة من غير تحديد قول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وهذا عموم يشمل ما كان أكثر من الصداق، وما كان أقل منه، لأن مرجعه إلى التراضي، ولأنه عندهم الطلاق بعوض، قال مالك: «لا بأس أن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها»، وقد جاء في حديث ابن عباس عند البخاري قول النبي ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: «اقبَل الحديقة وطلقها تطليقة»، وجاء في رواية ابن ماجة نهيه له أن يزداد، فتكون هذه الألفاظ مخصصة لعموم الآية، لكن ذلك قد لا يتيسر مع طول المدة وما يطرأ من النسيان، واختلاف قيم العروض، وإنما يصلح ذلك فيما كان قائم العين من الصدُقات، والله أعلم.
وإذا كان الزوج مضارا لامرأته وافتدت منه، وثبت إضراره؛ فإن الخلع يمضي، وترجع عليه بما أعطته، لأنه أخذه بغير وجه حق، وقد نهى الله تعالى الأزواج عن أخذ شيء من صدقات نسائهن بغير حق في أكثر من آية، وإنما أباح من ذلك ما تطيب به نفس المرأة، وما أخذه المضار ليس كذلك، وقد نص عليه مالك في الموطإ (١١٩١).
[ ٣ / ٢٦٨ ]
إذا عتقت الأمة المتزوجة بعبد خيرت
• قوله:
٩٠ - «والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه، أو تفارقه».
الأمة إذا كان زوجها عبدا ثم عتقت؛ كانت مخيرة، فيجوز لها البقاء في عصمته، ويجوز لها أن تختار نفسها فيفرق بينهما، قيل إن ذلك على التراخي، وقيل على الفور، وعلى الأخير فإذا مكنته من نفسها بعد علمها بالعتق سقط حقها في الخيار وهو المذهب، كما يسقط خيارها بالقول، قالوا: ويعاقب الزوج إن وطئها عالما بالعتق والحكم، وفيه نطر، ولعل الشارع إنما جعل لها ذلك؛ لأن بقاءها في عصمته مضر بها لكونه مملوكا، أمره بيد سيده، فيخل ذلك بحقوقها عليه، ولأن صداق الأمة في الحقيقة لسيدها، ولأنها زوجت بولاية الملك، فلما تجدد لها هذا الأمر عوملت هذه المعاملة الخاصة اعتبارا به، أما الأمة التي تعتق وزوجها حر فلا خيار لها، لأن الأصل بقاء العصمة، والدليل جاء في الزوج العبد على الراجح من الروايتين، وفي الموطإ (١١٨٥) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان في بريرة ثلاث سنن: فكانت إحدى السنن الثلاث أنها عتقت، فخيرت في زوجها،،، الحديث، وفي صحيح مسلم: «وكان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله ﷺ»، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «في الأمة تكون تحت العبد فتعتق إن الأمة لها الخيار ما لم يمسها»، وفيه ما ذهب إليه مالك من أنها لا تعتذر بالجهل، فلا خيار لها بعد المسيس، ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال لبريرة حين أعتقت فخيرت وهي تحت مغيث عبد لآل أبي أحمد: «إن قربك فلا خيار لك»، (د/ ٢٢٣٦)، وفيه محمد ابن إسحاق وقد عنعن، ولو صح لتعين القول به، وقربك بكسر الراء من باب فرح، يقال قربه إذا دنا منه، وهو هنا كناية عن الجماع.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
يفسخ نكاح الأمة إذا اشتراها زوجها
• قوله:
٩١ - «ومن اشترى زوجته؛ انفسخ نكاحه».
معنى هذا أن من تزوج أمة ثم اشتراها من مالكها، أن نكاحها يبطل، لتعارض حقوق الرق مع حقوق الزوجية وقد تقدم بيانه، ولأن الاستمتاع بها يصير بملك اليمين، ولا مفهوم للشراء فإن الأمر كذلك إذا كانت من نصيبه في ميراث، أو عطية، أو هبة، وكذلك تحرم المرأة على زوجها العبدَ إذا اشترته أو وهب لها، فلا يجوز لها قربانه لا بنكاح ولا بالملك الذي لها عليه، فإن رغبت في الزواج منه فلتعتقه ثم لتتزوجه.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
الطلاق بالرجال والعدة بالنساء
• قوله:
٩٢ - «وطلاق العبد طلقتان، وعدة الأمة حيضتان».
قول المؤلف حيضتان، الصواب: طهران، لأن الأقراء في المذهب هي الأطهار كما تقدم، وما ذكره من باب القياس، فكما يتنصف الحد على العبد والأمة؛ فكذلك تتنصف العدة والطلاق، لكن لما كانت الثلاثة لا نصف لها؛ جبر الكسر، والقاعدة أن الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء، فمن كان حرا وطلق لم تحرم عليه مطلقته إلا بثلاث تطليقات، حرة كانت أو أمة، فإن كان عبدا فتحرم بتطليقتين، وتعتد هي إن كانت حرة عدة الحرة، وإن كانت أمة عدة الأمة، وقد احتج مالك في موطئه (١٢٠٨) بآثار عن سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي - وهذا لفظ الأول - أن نفيعا مكاتبا كان لأم سلمة زوج النبي ﷺ أو عبدا لها كانت تحته امرأة حرة فطلقها اثنتين، ثم أراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان بن عفان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدرج آخذا بيد زيد بن ثابت فسألهما، فابتدراه جميعا فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك، قال ابن العربي في المسالك (٥/ ٦١٤): «ذكر هذه الآثار في هذا الباب ردا على أهل العراق حيث قلبوا القضية، وقالوا: الطلاق بالنساء، والعدة بالرجال».
[ ٣ / ٢٧١ ]
كفارات العبد مثل الحر
• قوله:
٩٣ - «وكفارات العبد كالحر، بخلاف معاني الحدود والطلاق».
إنما ألحقوا الطلاق بالحدود؛ لأن تحريم الزوجة بعدد منه؛ هو في معنى الجناية التي يترتب عليها العقاب، ولم يجر ذلك في الكفارات لأنها عبادات محضة، فاستوى فيها الحر والعبد.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
الرضاع
وجه إلحاق صلة الرضاع بصلة النسب
الإطلاق في كمية الرضاع الذي يكون به التحريم
• قوله:
٩٤ - «وكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن؛ فإنه يحرم، وإن مصة واحدة، ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين، إلا ما قرب منهما كالشهر ونحوه، وقيل والشهرين».
ألحق الشرع الرضاع بالنسب في تحريم الزواج، وجواز النظر، والخلوة، والسفر، ولم يلحقه به في الميراث، ووجوب الإنفاق، ولزوم العتق بالملك، والشهادة، والعقل، أعني الدية، وإسقاط القصاص، ووجه ذلك أن الرضاع المعتبر شرعا يجعل بنية الشخصين مشتركة بسبب اللبن الذي ينفصل من المرأة، لكنه لا يصل إلى قوة النسب، والمراد هنا بيان الرضاع الذي يتم به التحريم في القدر والزمان، فأما القدر؛ فكل ما وصل إلى جوف الرضيع ولو مصة، فإنه ينشئ الحرمة، لأن التحريم جاء مطلقا في كتاب الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، ويصدق ذلك على القليل والكثير، ولقول النبي ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وقوله: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة»، وهو في الموطإ أول كتاب الرضاع عن عائشة وفي أول أبواب الرضاع من صحيح البخاري، أي يحرم بسبب الثاني مثل ما يحرم بسبب الأول، كالأمهات، والأخوات، والعمات، والخالات، قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٧٧) نقلا عن القرطبي: «في الحديث دلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني الذي وجد الإرضاع بلبن ولده منها، أو السيد، فتحرم على الصبي لأنها تصير أمه، وأمها لأنها جدته فصاعدا، وأختها لأنها خالته، وبنتها لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلا؛ لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنت بنته فنازلا؛ لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدا لأنها جدته، وأخته لأنها عمته،،،،»، انتهى.
واعلم أنه قد صح ما ينبغي اعتماده في تقييد التحريم بمطلق الرضاع الذي دل
[ ٣ / ٢٧٣ ]
تقييد الرضاع المحرم بحديث الخمس رضعات
المستثنيات في الرضاع من المحرمات بالنسب
عليه كتاب الله تعالى، من ذلك قول النبي ﷺ: «لا تحرم المصة والمصتان»، رواه مسلم (١٤٥٠) وغيره عن عائشة، وقوله ﷺ: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»، رواه مسلم وأصحاب السنن عن أم الفضل، والإملاجة بكسر الهمزة - وهي الملجة أيضا - المصة، وقد جاء بيانها في بعض روايات الحديث بالرضعة، ولو لم يرد غير هذا في الباب لكان الأخذ به متعينا، فلا ينشر ما كان من الرضاع كذلك، وينشر بالمفهوم ما زاد على ذلك، لكن صح عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قولها: «كان فيما يتلى قرآنا عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن»، رواه مسلم (١٤٥٢)، والذين لم يأخذوا به ومنهم أهل المذهب يقولون لم يثبت إلا من طريقها، والقرآن لا يثبت بالآحاد، وما لم يثبت قرآنا لا يثبت به حكم، ولا يكون سنة أيضا فيثبت به حكم، لأنه لم يرو على أنه سنة، لكن يقال حيث صح قول عائشة هذا عنها فأقل ما يؤخذ منه الحكم الذي تضمنه، بقطع النظر عن ثبوت القرآن بالآحاد وعدم ثبوته، فما ذا لو قالت عائشة من السنة كذا فإن هذا يعطى حكم المرفوع، وقولها كان ذلك قرآنا أقوى في الدلالة من سابقه، ويتأيد كون هذا العدد له مدخلٌ في التحريم أمر النبي ﷺ سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، والظاهر أن العدد الذي فعلته سهلة لم يكن رأيا منها، بل هو توقيت من الشارع، يدل عليه رواية مالك في الموطإ (١٢٨٤)، فإن فيها قول النبي ﷺ: «أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها»، وكانت عائشة تأمر بهذا العدد وتوقت به نشر الحرمة فيمن تريد أن يدخل عليها من الرجال، وليس كلامنا إلا في العدد لا فيما رأته أم المؤمنين من التوسع في ذلك، إذ كيف يظن بها التزام العدد من غير أن يكون لها فيه مستند وتوقيف؟.
وقد استثنى أهل المذهب مما دل عليه الحديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ست مسائل لا تحريم فيها مع أنها في النسب محرمة، واستثنى بعضهم أربعة كما في الفتح (٩/ ١٧٨) والستة هي:
١ - أم الأخ من الرضاع، فإنها في النسب زوجة الأب.
٢ - ومرضعة ولد الولد، وهي في النسب إما بنتك، أو زوجة ابنك.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
السن المعتبر في التحريم بالرضاع
٣ - وجدة الولد من الرضاع، وهي في النسب إما أم، أو أم الزوجة.
٤ - وأخت الولد من الرضاع، وهي في النسب إما بنت، أو ربيبة.
٥ - وأم العم والعمة، وهي في النسب جدة لأب.
٦ - وأم الخال والخالة، وهي في النسب جدة لأم.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٧٧) نقلا عن القرطبي، وهو تتمة كلامه السابق: «ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع: فليست أخته من الرضاعة أختا لأخيه، ولا بنتا لأبيه، إذ لا رضاع بينهم، والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع؛ صار كالجزء من أجزائهما، فانتشر التحريم بينهم، بخلاف قرابات الرضيع لأنه ليس بينهم وبين المرضعة، ولا زوجها نسب ولا سبب، والله أعلم».
وأما الزمن الذي يكون فيه الرضاع معتبرا؛ فهو ما بينه الله تعالى في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال النبي ﷺ: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»، رواه الحاكم والترمذي (١١٥٢) عن أم سلمة وقال حسن صحيح، وفتق الأمعاء؛ شقها وفتحها ولا يكون ذلك إلا في وقت الرضاع، ووجه ما قال به أهل المذهب من اعتبار بعض ما زاد على الحولين في الرضاع؛ أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل يتدرج به، ويمرن على الأكل، فتعطى تلك المدة التي يمرن فيها حكم الحولين، لكن حصل في تقديرها خلاف، فقيل إن هي إلا أيام يسيرة، وقيل شهر، وقيل شهران، وقيل أكثر من ذلك، وظاهر القرآن الاكتفاء بالحولين، فإن العلة التي بنوا عليها ذلك القول وإن كانت موجودة، فللشارع أن يلغيها إذا لم تكن في المدة التي قدرها، ويؤيده حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين»، رواه الدارقطني وقال: تفرد به الهيثم بن جميل، وكان ثقة حافظا، وهو في الموطإ (١٢٧٥) نحوه موقوفا على ابن عباس، ورواية ابن وهب عن مالك توافق قول الجمهور في عدم الاعتداد بالرضاع بعد الحولين، بل هو صريح قول مالك في الموطإ، فإنه اعتبر الرضاع بعدهما بمنزلة الطعام.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
لا يحرم الرضاع متى استغنى الطفل بالطعام
• قوله:
٩٥ - «ولو فصل قبل الحولين فصالا استغني فيه بالطعام؛ لم يحرم ما أرضع بعد ذلك».
إذا فصل الولد عن الرضاع قبل الحولين؛ واستغنى بالطعام؛ فلا يترتب على الرضاع أثره، لأنه لا ينشز العظم، ولا ينبت اللحم، بل الحكم للطعام غير اللبن، فإنما الرضاعة من المجاعة كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة، أي أن الرضاعة التي تنشر الحرمة هي ما كان الرضيع في حاجة إليها.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ما وصل الجوف من اللبن بوجور أو سعوط
• قوله:
٩٦ - «ويحرم بالوجور والسعوط».
العبرة في الرضاع الذي ترتب عليه الحرمة وصول اللبن إلى جوف الصبي، سواء مصه بنفسه كما هو الأصل، أو صب في فمه، لأنه لا فرق بين المص والصب، وهو المراد بالوجور بفتح الواو، وأصله الدواء يوجر في وسط الفم، أي يصب، أو صب في أنفه، وهو المراد بالسعوط بفتح السين، لأن الأنف متصل بالحلق، وقد أمر النبي ﷺ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون المتوضئ صائما، قالوا ويلزم من السعوط التحريم، وإن لم يتحقق من وصوله إلى الجوف، وهو رواية ابن حبيب عن مالك، وقال ابن القاسم إنما يحرم السعوط إذا وصل إلى الجوف، وهو الصواب إن شاء الله على المذهب من التحريم من غير قيد بعدد.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
تحريم بنات المرضعة على من أرضعته وكذا بنات فحلها
• قوله:
٩٧ - «ومن أرضعت صبيا؛ فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر؛ إخوة له، ولأخيه نكاح بناتها».
إذا أرضعت امرأة شخصا؛ صارت أما له من الرضاع، وبناتها أخوات له، وبنات الزوج الذي أرضعت وهي في عصمته؛ أخوات لمن أرضعته من أبيه، وهذا هو المسمى لبن الفحل، لكن أخ من أرضعته المرأة هذه لا يربطه بها رضاع، فليست أمه من الرضاع، وإنما هي أم أخيه، فيجوز له نكاح بناتها، ونكاح بنات فحلها من غيرها، بل ويجوز له نكاحها هي، لأنها ليست أمه من الرضاع، وإنما هي أم أخيه من الرضاع، لا من النسب، لأنها من النسب زوجة أبيه، وهي إحدى المسائل المستثناة عند أهل العلم من عموم قول النبي ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وقد تقدم ذكرها.
[ ٣ / ٢٧٨ ]