الوصايا جمع وصية، كهدايا وهدية، والوصية اسم مصدر أوصى يوصي إيصاء، ويقال وصى مضعفا يوَصي توصية، قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤٣٦) «تطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم»، انتهى، وهي أبلغ من مجرد الأمر والنهي، ولذلك كان للتوصية عند حضور الموت أو توقعه - وهو متوقع باستمرار - ما لم يكن لغيره من الأوقات، وقال الأزهري: «الوصية من وصَيت الشيء بالتخفيف أصيه إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته»، انتهى، يريد استمرار عمله وانتفاعه بماله أو بقوله، وقال في الصحاح: «ووصيت الشيء بكذا إذا وصلته»، انتهى.
وقد حدها ابن عرفة بقوله: «عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده»، انتهى، وهذا التعريف يزيد على تعريف الوصية عند الفُراض أعني أصحاب الفرائض، فإنها عندهم «عقد يوجب حقا في ثلث عاقده»، إذ لا صلة للإيصاء على رعاية الطفل، أو تزويج الجارية، أو قبض الدين، ونحو ذلك باستحقاق سهم في التركة، والوصية في اللغة والشرع أعم منها عند الفريقين جميعا.
والمدبر اسم مفعول من دبر فلان غلامه إذا علق عتقه على موته، والمكاتب هو الذي يتعاقد مع مالكه على مال يدفعه له فإذا أتمه صار حرا، والمعتق هو المملوك يعلق تحريره على أجل، أو يعتق جبرا لأجل المثلة، أو لأجل السراية، أو بمجرد الملك، أو في الكفارة، وأم الولد هي الأمة تعتق جبرا بعد موت مالكها إن ولدت منه، أو أسقطت، والمراد بالولاء ولاية العتق لما فيها من صفة التعصيب عند عدم العاصب من النسب،
[ ٤ / ٥ ]
الوصية بالمال وبغير المال
تدارك المرء بالوصية ما فاته في حياته
الوصية الواجبة والمحرمة
ولذلك حده بعضهم بقوله: «صفة حكمية توجب لموصوفها حكم العصوبة عند عدمها»، انتهى، فهذه ستة أبواب جمعها في باب واحد قصد الاختصار.
فأما الوصية فتكون بمال أو بغيره، والمال إما حق للغير أو تبرع، والوصية بغير المال قد تكون واجبة كما إذا علم الشخص أنه يفعل به بعد موته ما لا يجوز شرعا كبناء قبة عليه، أو البكاء عليه والعويل، أو دفنه في مسجد، أو ارتكاب مخالفة ما في تشييعه، وصناعة الطعام لغير الضيوف ولغير أهل الميت، وإحياء ذكرى وفاته، ونحو ذلك، فينبغي له أن ينهى أهله عن المخالفات ويعلمهم، وقد عرفنا في جِهَتِنَا بعض المنسوبين للعلم سكتوا عن بناء القباب على من تقدمهم فلما ماتوا بنيت عليهم القباب أو دفنوا في المساجد وغدا الناس يحتجون بأفعالهم أو بسكوتهم، فمن رأى الناس يفعلون هذا ولم ينه ولم يوص أثم إن حصل ما لم ينه عنه مما اعتادوا فعله، ولم يعرف إنكاره له في حياته، دل على ذلك قول النبي ﷺ: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»، رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن ابن عمر، ورواه مالك (٥٥٥) في قصة إنكار عائشة على ابن عمر فهمه له، وهو عند أحمد وفي الصحيحين والسنن، والحق مع ابن عمر، ومن ذلك قوله ﷺ: «ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: «واجبلاه!، واسنداه!، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: هكذا كنت»؟، رواه الترمذي (١٠٠٣) عن أبي موسى الأشعري، ويلهزانه بفتح الهاء مضارع لهزه إذا ضربه بجُمع اليد في الصدر ودفعه، ويقولان له مع ذلك «هكذا كنت»؟، على وجه التبكيت والتقريع واللوم، والظاهر أن هذا فيمن لم ينه عما سَيُصْنَعُ به بعد موته إذ ما على المحسنين من سبيل، والله أعلم.
وقد روى عبد الرزاق (١٦٣١٩) عن أنس قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٧]، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقوله كانوا يكتبون …
[ ٤ / ٦ ]
الخ، يقصد الصحابة، وفيه إشارة إلى فشو ذلك فيهم.
ويدل على تأكد الوصية أن النبي ﷺ وقد بلغ رسالة ربه وأكمل الله له ولأمته دينها، وأتم عليهم نعمته، ومع ذلك رغب أن يكتب قبيل وفاته لهم كتابا إلا أنه تركه بعد إشفاق بعض الصحابة عليه ﵃، والحديث في صحيح البخاري، وقد أوصى بكتاب الله، وأوصى أن لا يترك بجزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة، وأن يجاز الوفد بمثل ما كان يجيزهم، وأوصى بالصلاة وما ملكت الأيمان، ولم يكن له مال يوصي فيه، وما كان له منه فإنه لا يورث فهو في مال المسلمين.
[ ٤ / ٧ ]
• قوله:
٠١ - «ويحق على من له ما يوصي فيه أن يعد وصيته».
دلّ على الوصية قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهذا ظاهر في الإيجاب، ودل على المشروعية عموما قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١١)﴾ [النساء: ١١]، وقد تكرر ذلك عقب ذكر ما فرض الله من الفرائض للوالدين والبنات والأخوات والأزواج، وقدم ذكر الوصية على الدَّيْنِ مع أنها تؤخر عنه في الإخراج للاهتمام بها، فإنها واقعة على وجه البر والإحسان والتبرع بخلاف الدَّيْنِ فأداؤه لازم، وكثيرا ما يطالب به الدائن بخلافها، وهي مما يستدرك به المؤمن ما فاته من الصدقات والتبرعات في صحته، كما يشير إليه حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم»، رواه الدراقطني (الوصايا/ ٣)، قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر من أخرجه غير الدارقطني: «وكلها ضعيفة لكن قد يقوي بعضها بعضا»، انتهى، وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ١٦٤١)، وعزاه الغماري في مسالك الدلالة للدارقطني من حديث أبي الدرداء، وليس هو عنده في الوصايا، وفي الحديث دليل على إبطال الوصية بما فيه معصية، لأنها زيادة في السيآت لا في الحسنات، والأدلة على ذلك لا تخفى، وفيه إشارة خفية إلى أن المطلوب أن يتصدق المرء أو يوصي وهو في حال الصحة وهو ما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة قال: «جاء رجل فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا»؟، قال: أن تصدق وأنت شحيح صحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، وقال رسول الله ﷺ بعد أن وعظ أصحابه موعظة وجلت منها قلوبهم وذرفت عيونهم: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة،،،»، الحديث، وقال ﷺ: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة»،
[ ٤ / ٨ ]
رواه مالك (١٤٤٩) والشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄، ومعناه لا ينبغي له خلاف ما ذكر لمنافاته الحزم والاحتياط لما يرغب فيه من الخير إن كان يريد التطوع بشيء من ماله، فكيف بالاحتياط للحقوق التي عليه نحو الناس أو الكفارات والنذور، وذكر الليلتين للتسامح فيهما، وفي بعض الروايات استثناء ثلاث ليال ولا تنافي، وذكر المسلم لأنه هو الذي يوجه إليه خطاب التكليف، لكن قال الحافظ: «هذا الوصف خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك»، انتهى.
قلت: بل له مفهوم، فإن الحديث ليس في إمضاء الوصية بل في التكليف بها ندبا أو إيجابا، والكافر غير معني بذلك، لأنه وإن كان مطالبا بفروع الشرع فإنها لا تصح منه، وإنما قال مكتوبة لأن ذلك أوثق في الإيصاء وألزم لمن بلغته، فيكون فيه دلالة على لزوم ما دونه، وهو الإشهاد الذي يتيسر للناس ما لا تتيسر لهم الكتابة، والإشهاد لا بد منه في المذهب حتى يلزم التنفيذ، إلا أن يقول ما وجدتم بخطي فأنفذوه.
لكن قال محمد ابن إسماعيل الكحلاني في سُبل السلام (٣/ ١٠٤): «والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط، فإذا عرف خط الموصي عمل به، ومثله خط الحاكم، وعليه عمل الناس قديما وحديثا، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث الكتب يدعو فيها العباد إلى الله وتقوم عليهم الحجة بذلك،،،»، انتهى.
قلت: ما قاله قد يأثم من خالفه متى علم أنه خط الموصي، وأنه لم يتراجع عنه.
وحكم الوصية يختلف، فإن كان تطوعا بمال فحكمها الندب، وقيده بعضهم بما إذا كان له فضل مال لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، أي مالا كثيرا، وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص وسيأتي: «وأنا ذو مال»، وقوله ﷺ له: «أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، وكيف يستغنون والمال قليل؟، أما إن كان بأمر واجب عليه كالدين وأداء الودائع وحقوق الله كالزكاة والكفارات فالوصية واجبة، قال في النوادر: «وأما من عليه تباعة أو ما فرط فيه من كفارة وغيرها من زكاة وغير ذلك مما يوصي فيه فواجب عليه أن يوصي بذلك، وإنما يرخص في ترك التطوع»، انتهى، فإن كان الدين مما يتكرر مع قلته فلا
[ ٤ / ٩ ]
يجب لما فيه من العسر.
قال الباجي في المنتقى (٦/ ١٤٥): «فأما الديون التي جرت العادة أن تنعقد بها العقود ليست مما يتكرر كالديون التي لها قدر الأمانات من الودائع والوصايا تكون بيده من مال أيتام أو غير ذلك فإنه يجب عليه ذلك، وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر، وتؤدى في كل يوم، وتزيد وتنقص وتتجدد، فإن ذلك يشق فيها، لأنه يقتضي أن تتجدد وصيته كل يوم،،،»، انتهى.
وتحرم الوصية إذا كانت بمعصية كالإيصاء بشيء لمن يشرب به خمرا، قال النفراوي ﵀ في شرحه على الرسالة (٢/ ٢١٧): «وأما متولي أمر التركة بعد موت الموصي فيجب عليه تنفيذ حتى المباحة والمكروهة كالإيصاء بالقراءة على قبره، وكالإيصاء بضرب قبة عليه لغير المباهاة، وكالإيصاء بالحج عنه، أو الإيصاء بعمل مولد له بعد موته، أو للنبي ﷺ، أو لغيره من صلحاء المسلمين»، انتهى.
فانظر كيف جعل الوصية بالحج مكروهة إلى جانب الوصية ببناء قبة لغير المباهاة ومعها عمل مولد له أو للنبي ﷺ، أو لغيره من الصلحاء؟، والقراءة على القبر، فمتى كانت المباهاة قيدا في المنع مما نهي عنه وهي منهي عنها لذاتها ولو كان ما رافقته عبادة لله؟، أو لم ينه النبي ﷺ عن البناء على القبر؟، أو لم يبعث عليا ﵁ على أن لا يترك تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا إلا سواه؟، ومن المعلوم أن مذهب مالك عدم القراءة على الميت لا وقت الاحتضار ولا في أثناء الدفن ولا فيما بعد ذلك، وهل عمل واحد من القرون المفضلة مولدا للنبي ﷺ أو أوصى به لنفسه، أو لغيره، ولو تركت وسائل تعظيم النبي ﷺ للناس لما توقف الناس عند حد، والواقع شاهد على هذا، والصواب: أنها توقيفية، فلا يُعَظَّمُ إلا بما شرعه هو، فقل أيها القارئ لهذا الكتاب وقد لا تملك سوابق العبرات كما قال الأولون: متى يستقيم الظل والعود أعوج؟، قال ابن حزم في المحلى (٩/ ٣٢٧): «لا تحل وصية في معصية سواء من مسلم أو من كافر، كمن أوصى ببنيان كنيسة لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]، فمن تركهم ينفذون خلاف حكم الإسلام فقد أعانهم على الإثم والعدوان»، انتهى.
[ ٤ / ١٠ ]
أركان الوصية
وصية الصغير والسفيه
وللوصية أربعة أركان هي: الموصي، والموصى له، والموصى به، وما تكون به الوصية، ويشترط في الموصي أن يكون حرا مميزا مالكا ملكا تاما، فلا تصح وصية العبد ولا الصبي غير المميز، ولا الوكيل في مال غيره، ولا مستغرق الذمة، وتصح وصية المميز والسفيه، لأن الحجر عليهما لمصلحتهما، والوصية من مصلحتهما، فلو مُنعا الوصية لكان الحجر عليهما لأجل غيرهما، وقد ترجم مالك بقوله: «وصية الصغير والضعيف والمصاب والسفيه»، وأورد تحتها أثرا (١٤٥٠) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب إن هاهنا غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام وهو ذو مال وليس هاهنا إلا ابنة عم له، قال عمر بن الخطاب: «فليوص لها»، قال: فأوصى لها بمال يقال له بئر جُشم، قال عَمْرو: فبيع ذلك المال بثلاثين ألف درهم، وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بنت سليم الزرقي»، انتهى، وقد اختلف في عمرو بن سليم هل أدرك عمر قال ابن حبان إنه كان قد جاوز الحلم يوم وفاته، واليفاع في الأصل هو ما ارتفع من الأرض، ويقال غلام يفاع إذا أشرف على البلوغ، كما يقال مراهق، وقال مالك بعد هذا الأثر: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به،،،»، انتهى.
قال خليل: «صح إيصاء حر مميز مالك وإن سفيها وصغيرا وكافرا إلا بكخمر لمسلم»، انتهى.
وإجازة وصية الصبي المميز جارية على أصول المالكية حيث يرون أنه مطالب بالمندوبات، وقد قالت امرأة للنبي ﷺ عن صبي تحمله: «ألهذا حج»؟، قال: «نعم ولك أجر»، وقد تقدم شيء من هذا في الجزء الأول، قال صاحب المراقي:
قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم
وقال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٧١): «الوصية تكليف من التكاليف الشرعية ورد الأمر بها، والترغيب إلى فعلها، والترهيب في تركها، وهي أيضا تتضمن إخراج جزء من المال لفلان، أو للقربة الفلانية، أو عند فلان كذا، أو يفعل الوارث كذا، أو يترك كذا، وهذه
[ ٤ / ١١ ]
الموصى له هو من يتصور منه التملك
مراعاة الموصي الأولوية في الجهة التي يوصي لها
الوصية لطلاب العلم وكلام للشوكاني في هذا الأمر
أمور لا تصح إلا من المكلف لا من الصغير الذي لم يبلغ التكليف، وهذا يكفي في الاستدلال لاشتراط التكليف من فاعلها،،،»، انتهى، قال كاتبه: الصغير المميز يفقه معنى القربة، فإذا أوصى بشيء من ماله في وجه من وجوه البر فأين المانع من إنفاذه؟، ووليه مطالب بأمره بالصلاة وهو ابن سبع، وضربه عليها وهو ابن عشر، مع صحة حجه، ونيابة وليه في إخراج الزكاة عنه، ولا يلزم من رد بعض ما ذكره العلامة الشوكاني من أنواع الوصية رد الوصية بالمال، أما ما ذكره في بقية كلامه من كون أثر عمر وغيره اجتهادا يخالف ما جرت عليه قواعد هذه الشريعة فليس بِمُسَلَّمٍ في خصوص الوصية بالتصدق، وعمر من الخلفاء الذين أمرنا باتباعهم ولأبي بكر وعمر مزية على باقيهم ﵃ جميعًا، والله أعلم.
الموصى له، وينبغي أن يكون ممن يتصور منه التملك فتصح للحمل الثابت والمتوقع، وللكافر الذمي لقول رسول الله ﷺ: «في كل ذي كبد رطبة أجر»، رواه أحمد والشيخان وغيرهم عن أبي هريرة، وقال: «في كل ذات كبد حرى أجر»، رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه أيضا عن سراقة بن جعشم نحوه، وعزاه في صحيح الجامع لسراقة بن مالك، والحرى العطشى مؤنث الحران، أي من شأنها أن تعطش، قال ابن حزم: «ولا نعلم في هذا خلافا»، واستثنوا من قاعدة تصور التملك أن يوصي للمسجد والقنطرة ونحوهما، فإنها تصح وتصرف في مصالح المسجد كالترميم والتوسعة والفرش وأجرة المؤذن والإمام، وأمّا الكفار عليهم لعائن الله فإنهم يوصون للكلاب، واستثنوا من ذلك أيضا الوصية للميت الذي علم الموصي بموته، فتصح وتصرف في رد دينه إن كان وإلا صرفت لورثته، ولا بد في إمضاء الوصية للمعين من قبوله لها بعد موت الموصي، ولا ينفعه قبولها في حياته لأن له أن يرجع فيها كما سيأتي.
وينبغي أن يراعي الموصي الأولوية في الجهة التي يوصي لها، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٨٣): «أفضل أنواع البر في سني الشدة وأيام المجاعة هو الصدقة، وأفضل أنواع البر في أيام المثاغرة للكفار ومدافعتهم عن بلاد الإسلام هو الجهاد، وأفضل أنواع البر في غير هاتين الحالتين هو الصرف في العلماء والمتعلمين وتحشيدهم، لنشر العلم والاستكثار من التدريس وتخريج
[ ٤ / ١٢ ]
بطلان الوصية بالمحرم
الطلبة وترقيتهم في العلوم فإنه بذلك يحصل تكاثر العلم وتكاثر أهله، فيزداد الدين جمالا والإسلام رونقا، لأن حملة العلم هم نجومه الذين يستضاء بأنوارهم ويهتدون بهديهم»، انتهى، وليس ببعيد أن يقال لقد آل الأمر إلى أن يكون العلم في المرتبة الثانية فأين المثاغرة الآن؟، وأين مدافعة الكفار عن بلاد الإسلام؟، إن الجهاد ما عاد موجودا بالسنان بل بالقلم واللسان، لكنه باق ما قدر المسلمون عليه.
وقد قلت في رسالتي عن الجمعيات مع شيء من التصرف: «أين نحن من الإنفاق الناجز أو الموصى به للعلماء والمتعلمين؟، إن مجتمعنا قد تحول بعد استعادة الاستقلال إلى الإنفاق على بناء المساجد ووقف الأرض لبنائها والوصاة بذلك وكاد ما ذكره الشوكاني ينعدم لعدم وجود الجمعيات العلمية التي يطمئن الناس إلى صرف أموالهم إليها، أو وجود القائمين على التعليم والمدارسة في المستوى الذي كان من قبل، ومن أسباب ذلك أن تحصر الجهة المخولة تلقي الأوقاف والتصرف فيها في هيأة حكومية دون سواها، فيحتاج إلى تغيير هذا الأمر الذي يمنع بعض الناس من الوقف، ثم إلى جهاد البيان بالقول، والبرهان بالفعل، حتى يتغير سلوك الناس، ومما يغيره أن يلمس المؤمنون ثمار أعمال هذه الجمعيات في التعليم والإصلاح بين الناس والنفع العام، سيعلمون حينئذ أن دافعهم إلى الإنفاق على بناء المساجد وهي أعظم مصارف التطوع عندنا ينبغي أن يدفعهم إلى الإنفاق على مشاريع هذه الجمعيات إن لم يكن الإنفاق هنا أعظم فائدة في بعض الأحيان، ولاسيما إذا وضعنا في الحسبان الزخرفة المنهي عنها والمبالغة في علو المنارات وغير ذلك، وقد علمت أن جمعية تشرف على معهد علمي في بعض بلاد الشام ميزانيته السنوية مليونا دولار، أي ما يعادل خمسة عشر مليار سنتيم بعملة بلادنا، فأين نحن من هذا إذا قارنته بجمعية وطنية هامة في بلادي ميزانيتها السنوية لا تتعدى ملياري سنتيم!!، والمقصود مجرد المقارنة، وإلا فإن هذا المبلغ ليس ذا شأن».
الموصى به، وهو كل ما يصح أن يتملكه الموصى له، فلا يصح الإيصاء بمحرم، ولا بما يقصد به المضارة ولو كان غير محظور بأصله، وليس من شرط الموصى به أن يكون معلوما، بل تصح الوصية بالمجهول كالحمل، والثمرة قبل بدو صلاحها، كما سيأتي
[ ٤ / ١٣ ]
في الرهن إذ لا غرر هنا، ولا ضرر، أما إن جهل القدر فيطالب بالبيان، فإن تعذر فلا يتجاوز به الثلث.
ما تكون به الوصية وهو الإيجاب والقبول، ولا يشترط فيه لفظ بعينه، بل كل ما يتم به المقصود من لفظ كأوصيت أو أعطوه أو جعلت له كذا، ومثله الكتابة والإشارة، قالوا ولو من قادر على الكلام، غير أنها لا تكون واجبة التنفيذ حتى يشهد عليها، فإن لم يشهد فالأمر إلى الورثة، ثم ذكر من لا تصح الوصية له فقال:
[ ٤ / ١٤ ]
لا تجوز الوصية للوارث
• قوله:
٠٢ - «ولا وصية لوارث».
ومنع الوصية للوارث من هدي الإسلام في تكثير المستفيدين من المال، فينبغي أن تخرج الوصية عن دائرة الورثة الذين لهم حق معلوم أو تعصيب، وكما حرص الشرع على توسيع نطاق المستفيدين من المال حصر الوصايا في الثلث حتى لا يتضرر الورثة كما سيأتي، وكلام المؤلف لفظ حديث رواه عن النبي ﷺ جَمْعٌ من الصحابة، وقد مال الشافعي إلى أنه متواتر، وممن أثروه أبو أمامة الباهلي ﵁ وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة، أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».
وقال مالك: «السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا تجوز وصية لوارث،،،»، انتهى.
وقد قالوا إن هذا الحديث ناسخ للأمر بالوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويمكن أن يقال إن الحديث مخصص للآية، فتبقى الوصية لغير الوارثين من الوالدين والأقربين، والعلم عند الله، فإن حصلت الوصية لوارث فالأمر إلى الورثة بشرط أن يكونوا بالغين راشدين لا دَيْن عليهم، فإن أجازها جميعهم مضت، وإن أجازها بعضهم دون بعض مضى نصيب المجيز، والظاهر أن ذلك استئناف تبرع منهم للنهي عن الوصية للوارث، فإن النهي يدل على البطلان، وقيل هو إمضاء لها، والمذهب أنها ليست بصحيحة فإجازة الورثة لها ولما زاد على الثلث كلاهما يعتبر ابتداء عطية وهو الذي رجحه زروق ووافقه عليه علي الصعيدي وهو القياس لما تقدم.
[ ٤ / ١٥ ]
تخرج الوصايا من ثلث التركة إلا أن يجيز الورثة ما زاد
• قوله:
٠٣ - «والوصايا خارجة من الثلث، ويرد ما زاد عليه إلا أن يجيزه الورثة».
يعني أن الوصايا ولو تعددت وزادت على الثلث فإنها لا تنفذ إلا في حدوده، وقد قالوا إن الثلث معتبر في المال الذي علمه الموصي قبل موته، ولو بعد الوصية، فإذا كان للموصي ميراث لا يعلمه حين وصيته ولا بعدها وتوفي فإنه لا يدخل في الثلث لخروجه عن قصده في المقدار الذي جعله لمن أوصى له.
وقد دل على أن الوصايا لا يتجاوز فيها ثلث المال حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «جاءني رسول الله ﷺ يعودني في وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟، قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟، قال: لا، قلت: فالثلث؟، قال: «الثلث، والثلث كثير، أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، وقوله ﷺ: «الثلث، والثلث كثير» فيه إقرار له بالوصاة بالثلث، ومع ذلك استكثره، فيكون ما دونه كالربع والخمس أولى، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس ﵄ قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير»، رواه البخاري ومسلم، وقد عاش سعد بن أبي وقاص حتى ولد له عدة من البنين، ويقال في إجازة الورثة لما زاد على الثلث ما قيل في إجازتهم الوصية للوارث.
[ ٤ / ١٦ ]
ترتيب الوصايا في إخراجها من التركة
تقديم المعتق المعين على وصايا المال
• قوله:
٠٤ - «والعتق بعينه مبدأ عليها».
ذكر هنا الترتيب الذي ينبغي أن يراعى عند إخراج الوصايا من الثلث، فإن الوصية قد تكون تطوعا بمال، وقد تكون عتقا أو تدبيرا، أو شيئا ترتب في الذمة كالزكاة والكفارات، والمؤلف لا يقصد أن عتق المعين مبدأ على جميع الوصايا، بل يريد أن من أوصى أن يعتق عبده فلان، أو أوصى أن يشترى عبد فلان فيعتق، فإن هذا العتق الموصى به يقدم على الوصية بالمال، لتشوف الشارع إلى العتق، ولأن المعين آكد من غيره، وبناء على هذا يعتق عنه في حدود الثلث، ثم تنجز وصيته في المال إما كاملة إن وسعها الثلث وإلا ففي حدوده.
[ ٤ / ١٧ ]
تقديم المدبر في الصحة على ما في المرض من عتق وغيره
• قوله:
٠٥ - «والمدبر في الصحة مبدأ على ما في المرض من عتق وغيره، وعلى ما فرط فيه من الزكاة فأوصى به، فإن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا، ومدبر الصحة مبدأ عليه».
معناه أن من دبر عبده في حال الصحة يقدم تنجيز تحريره على من دبره أو أعتقه في حال المرض، متى ضاق الثلث عن تحمل الجميع، وعللوا ذلك بأن التدبير في حال الصحة لازم، بخلافه في حال المرض فإنه منحل، فإن شفي من مرضه فإن من دبره في تلك الحال يعطى حكم من دبر في حال الصحة، ويقدم تحرير المدبر في حال الصحة على ما أوصى بإخراجه من الزكاة مما فرط فيه، لكن هذا المفرط في إخراجه من الزكاة متى أوصى به يقدم على وصايا المال التي تبرع بها، ومفهوم قوله فأوصى به أن ما لم يوص به من الزكاة لم يخرج من الثلث فضلا عن غيره، وقوله: «ومدبر الصحة مبدأ عليه»، مرجع الضمير هو ما أوصى به من الزكاة، كرره زيادة في الإيضاح كما هي عادته، ولأهل المذهب تفاصيل في ترتيب الوصايا متى ضاق الثلث عنها فليرجع إليها في شروح المصنفات، ومنها مصنف خليل قال ﵀: «وقدم لضيق الثلث فك أسير، ثم مدبر صحة، ثم صداق مريض، ثم زكاة أوصى بها، إلا أن يعترف بحلولها ويوصي فمن رأس المال، كالحرث والماشية وإن لم يوص بها، ثم الفطر، ثم كفارة ظهار وقتل، وأقرع بينهما، ثم كفارة يمينه، ثم فطر رمضان، ثم للتفريط، ثم النذر، ثم المبتل ومدبر المرض، ثم الموصى بعتقه معينا عنده، أو يشترى، فعجله، ثم الموصى بكتابته والمعتق بمال والمعتق إلى أجل بعد، ثم المعتق لسنة على أكثر، ثم بعتق لم يعين، ثم حج، إلا لصرورة فيتحاصان كعتق لم يعين، ومعين غيره، وجزئه»، انتهى.
والذي ينبغي أن يعلم أن الدليل الذي ورد بحصر الوصية في الثلث إنما كان فيما
[ ٤ / ١٨ ]
يتطوع به المسلم من ماله فلا يدخل فيه غير ذلك مما هو حق لله أو حق لعباده أوصى به أو ثبت ببينة غير الوصية، فهذا لا وجه لتقييد إخراجه بالثلث، ولا للتفريق بين ما فرط فيه وغيره، متى قامت البينة على ذلك، إذ ما المانع للمرء أن يتوب فيتدارك ما فاته من التفريط والمال ماله؟، وعليه فإن تلك الحقوق تخرج من رأس ماله، ثم تخرج وصاياه التي تطوع بها من ثلث الباقي، أما أن حقوق الآدمي تقدم على حقوق الله تعالى فأقل ما يقال فيها أنها اشتركت في الإيجاب، وقد جاء ما يدل على أن دين الله أحق أن يقضى، فمن قدم غيره عليه طولب بالدليل، وإذا علمت أن الحاكم المسلم مطالب برد دَيْن المسلم إذا مات ولم يترك ما يقضى به عنه اقتدء بالنبي ﷺ بحيث يخرجه من مال المصالح، وأنه غير مطالب بدفع الكفارات عنه وإخراج زكاة ماله اتضح لك أن ذلك الترتيب الذي رآه بعض أهل العلم لا يسلم على إطلاقه، وأنه مجرد رأي رآه صاحبه، وقد يرى غيره سواه، إلا أن يأتي على ذلك بما يلزم القول به، فيسلم له، والله أعلم.
[ ٤ / ١٩ ]
تحاص أهل الوصايا المتساوين في الأحقية في الثلث
• قوله:
٠٦ - «وإذا ضاق الثلث تحاص أهل الوصايا التي لا تبدئة فيها».
إذا كانت الوصايا في منزلة واحدة بحيث لا يشرع تقديم بعضها على بعض ولم يسعها ثلث تركة الميت؛ فالحكم أن يتحاص أصحابها بنسبة ما لكل منهم، ولا وجه لتقديم واحد منها على غيره لأنه ترجيح من غير مرجح، ونظيره ضيق التركة عن السهام، فيدخلها العول الذي فيه دخول النقص على جميع أصحاب الفروض بحسب نسبة سهامهم في التركة، ومثله أيضا تحاص الدائنين في مال المدين الذي لا يسع ديونهم، فإذا أوصى لشخصين بالثلث لكل منهما كان لكل منهما سدس التركة، لأن الوصية لا يتجاوز بها الثلث، إلا إذا أجاز ذلك الورثة، ولو أوصى لواحد بالثلث وللآخر بالسدس تقاسما الثلث، فيأخذ الأول ثلثي الثلث: ٢/ ٣×١/ ٣ = ٢/ ٩ من التركة، ويأخذ الثاني ثلث الثلث: ١/ ٣×١/ ٣ =١/ ٩ من التركة، ويأخذ الورثة الثلثين (٦/ ٩)، وإذا كان في الوصايا ما لا يقبل التجزئة ككفارتي الظهار وقتل الخطإ أقرع بينهما، ولا تقدم إحداهما على الأخرى، لأنه لا مرجح، وقد يقال إن كفارة القتل مقدمة.
[ ٤ / ٢٠ ]
جواز رجوع الموصي في وصيته
• قوله:
٠٧ - «وللرجل الرجوع عن وصيته من عتق وغيره».
هذا مما تختلف فيه العطية عن الوصية، فإن تنجيز الوصية معلق على موت الموصي، فهي كالوعد وهو غير واجب الوفاء، فللموصي الرجوع عنها لأنها عقد غير لازم، وإن كان يستحب عدم الرجوع عن أفعال الخير إلا لموجب، ومما قد يترتب على هذا الرجوع من المصالح تغيير الجهة الموصى لها لكون ذلك غير مشروع، أو لكثرة النفع والحاجة ونحو ذلك، وهذا الرجوع يختلف عن خلف الوعد المذموم الذي هو صفة من صفات المنافقين، وإنما يجوز الرجوع في الوصية فيما يكون المرء فيه متطوعا، أما إن كان اعترافا بحق ترتب في ذمته كالدَّيْن فلا يجوز الرجوع، ويعتبر ذلك إقرارا منه يؤخذ به متى أنكره فيما بعد، ما لم يثبت أنه أداه.
قال في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه، أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له، ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية أو يبدلها فعل، إلا أن يُدَبِّرَ مملوكا فإن دَبَّرَ فلا سبيل إلى تغيير ما دَبَّرَ، ثم ذكر حديث الوصية، ثم قال: «فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته ولا ما ذكر فيها من العتاقة كان كل موص قد حبس ماله الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها، وقد يوصي الرجل في صحته وعند سفره،،،»، انتهى، وروى ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب قال: «يحدث الرَّجُلُ في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها».
[ ٤ / ٢١ ]
التدبير من جملة وسائل تحرير الرقاب
بعض الألفاظ التي يثبت بها التدبير
• قوله:
٠٨ - «والتدبير أن يقول الرجل لعبده أنت مدبر، أو أنت حر عن دبر مني».
لتحرير الرقاب طرق منها الواجب كالكفارة في قتل الخطإ وفي الظهار وكفارة اليمين، وامتلاك المرء ذي الرحم المحرم، وتمثيل المالك بمملوكه، ووضع الأَمَة حَمْلَهَا من مالكها إو إسقاطه، ومنها ما هو تطوع كالعتق المنجز والمؤجل والتدبير، ومنها ما هو نظير مال وهو الكتابة، والكلام هنا على التدبير الذي هو في اللغة النظر في عواقب الأمور كي تقع على الوجه الأكمل، وسمي تدبير المملوك كذلك لأن المدَبِّر بكسر الباء راعى مصلحة نفسه في دنياه فاستبقى خدمة مملوكه، وراعى مع ذلك مصلحته في آخرته فعلق عتقه على موته، وهو مندوب إليه لأنه من وسائل تحرير الرقاب التي كثرت في هذا الدين الخاتم، فهو عتق مؤقت بموت المالك الذي قد لا يقدر على التحرير الناجز لما له في المملوك من المصلحة، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]، وقد ذكر المؤلف التدبير عقب الوصية لشبهه بها في أن كلا منهما عقد يتعلق بتنفيذ قربة بعد الموت، بخلاف ما لو قال: إن مت من مرضي هذا فأنت مدبر، فهذا له حكم الوصية فله الرجوع فيه، وقد حد بعضهم التدبير بأنه «عقد يوجب عتق مملوك من ثلث مال مالكه بعد موته بعقد لازم»، انتهى، فخرج بقيد بعد الموت المملوك الملتزم عتقه في المرض المبتل فيه، أي المنجز، فإنه لازم لمالكه ولو لم يمت، وصفة اللزوم التي في التعريف تخرج الوصية لكونها غير لازمة، أما ما يتم به التدبير فلا يختلف عما تثبت به الالتزامات والعقود مما يفهم منه المراد، كأن يقول لمملوكه: أنت مدبر، أو عن دبر مني، أو أنت حر بعد موتي، أو يوم موتي، وقيل ينبغي أن يقيد هذين بالتدبير وإلا فهي وصية، ولا بد أن يكون المدبر بكسر الباء مكلفا راشدا، أما المدبر بفتحها فهو كل رقيق أو من فيه شائبة رق كالمكاتب والمبعض والمشترك، ذكرا أو أنثى، صغيرا
[ ٤ / ٢٢ ]
تعريف التدبير
كان أو كبيرا، لكنهم قالوا إن الأَمَة التي تراد للوطء إذا عتقت بالتدبير خيرت بين البقاء على الرق وبين التحرير، وعللوا ذلك بأن الفساد غالب على الإماء اللائي يردن للوطء، فانظر في هذا فإن تحرير الإنسان حق لله تعالى، فلا تصرف فيه ولا كلام للمحرر.
[ ٤ / ٢٣ ]
لا يجوز بيع العبد المدبر ولا هبته ولا التصدق به
بعض ما قيد به منع بيع المدبر
• قوله:
٠٩ - «ثم لا يجوز له بيعه، وله خدمته، وله انتزاع ماله، ما لم يمرض، وله وطؤها إن كانت أَمَة».
تحرير المدبر موقوف على موت مالكه، فلا يجوز له الرجوع فيه كما يرجع في الوصية، ومن ثم امتنع بيعه وهبته والتصدق به، لكن يجوز له أن يستخدمه لأنه باق على ملكه، ومن لم يجعل التدبير لازما لم يمنع بيعه، ويحل للمالك وطء الأَمَة المدبرة لأنها باقية على ملكه، فإن حملت كانت أم ولد تعتق من رأس المال، لا من الثلث كما هو الأمر لو لم تحمل، وقد احتج مالك في الموطإ (١٤٩٠) على وطء المدبرة بفعل ابن عمر، وأثبت قول ابن المسيب بذلك، وكذا قوله بعدم جواز بيعها أو هبتها، وأن ولدها بمنزلتها، وللمدبر أن ينتزع مال مدبره ما لم يمرض مرضا مخوفا لما في ذلك من احتمال قصد مضارته بجعل ماله للوارث.
واعلم أنه لم يقم الدليل على منع مالك المدبر من الرجوع في تدبيره، وما ورد في ذلك لا تقوم به حجة، ومنه ما رواه الدارقطني عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث»، قال ابن حزم موضوع، وجملته الأخيرة عند ابن ماجة (٢٥١٤) نحوها، وقال الألباني موضوع، قال بعضهم إن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر، وقد اعتمد مالك على عمل أهل المدينة فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه»، انتهى.
وقد قيد أهل المذهب منع بيع المدبر بما إذا لم يكن المالك مَدينا دَيْنًا سابقا على التدبير، لأن التدبير تبرع وإحسان، وَرَدّ الدَّيْن واجب فيقدم عليه، لكن تقييد الدين بكونه سابقا على التدبير فيه نظر لما رواه الشيخان عن جابر أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: «من يشتريه مني»؟، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا،
[ ٤ / ٢٤ ]
فدفعه إليه»، ففي الحديث حجة على جواز بيع المدبر للحاجة، وعند النسائي: «وكان محتاجا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: «اقض دينك، وأنفق على عيالك»، وفيه دليل على جواز بيعه لكل من الدين وللحاجة، لا مطلقا كما هو شأن الوصية، وأهل المذهب يقيدون الدين الذي يسوغ معه البيع بما إذا كان سابقا على التدبير، وليس له ما يجعله في الدين من عروض القنية، نظير ما تقدم في زكاة المدين، فأما الدين الذي تأخر عن التدبير فلا يباع فيه المدبر في حياة المالك، غير أنه يباع فيه بعد موته، وقد قال علي الأجهوري في ذلك:
ويبطل التدبيرَ دين سبقا … إن سيد حيا وإلا مطلقا
وقد بيّن مالك في الموطإ اعتماده على الأمر المجتمع عليه عندهم في المدبر وهو أن صاحبه لا يبيعه، وأنه إن رهق سيدَه دين فإن غرماءه لا يقدرون على بيعه ما عاش سيده، فإن مات ولا دين عليه فهو في ثلثه، وإن مات المدبر ولا مال له غيره عتق ثلثه، وكان ثلثاه للورثة، فإن كان عليه دين محيط به فإنه يباع في دينه لأنه إنما يعتق في الثلث، فإن كان الدين لا يحيط إلا بنصف العبد بيع نصفه للدين، ثم عتق ثلث ما بقي بعد الدين، وبين أنه لا يجوز بيع خدمة المدبر، لأنه غرر إذ لا يدرى كم يعيش سيده»، انتهى.
[ ٤ / ٢٥ ]
لا يجوز وطء الأمة المعتقة إلى أجل
• قوله:
١٠ - «ولا يطأ المعتقة إلى أجل، ولا يبيعها، وله أن يستخدمها، وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل».
علّلوا منع وطء المعتقة إلى أجل بأنه شبيه بنكاح المتعة في التوقيت، والنكاح لا توقيت فيه، بل القصد فيه التأبيد، وهذا ليس بدليل، ولا هو بالنظر المطرد، ولو ساغ الاعتماد عليه لمنع كل مالك من وطء مملوكته متى قصد بيعها لأن حل فرجها له مؤقت بما قبل البيع، قالوا ويجوز له استخدامها وانتزاع مالها لأنها باقية على ملكه، فإذا قرب الأجل امتنع ذلك لما فيه من الإضرار بها، لقرب استقلالها بنفسها، ولأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
فإن قلت: ما وجه قولهم بجواز وطء المدبرة وعدم جواز وطء المعتقة إلى أجل؟، فالجواب: أن التوقيت في المعتقة إلى أجل معلوم، وهو شأن نكاح المتعة، أما في المدبرة فمجهول، وهو شأن النكاح المباح فافترقا، ومهما يكن فإن المنع مفتقر إلى الدليل.
[ ٤ / ٢٦ ]
تنجيز التدبير من الثلث والفرق بينه وبين العتق المؤجل
• قوله:
١١ - «وإذا مات فالمدبر من ثلثه، والمعتق إلى أجل من رأس ماله».
لعل معتمدهم في هذا حديث ابن عمر المتقدم فإن فيه: «المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث»، وقد علمت ما فيه، والفرق بين المدبر والمعتق إلى أجل أن الأول سلك به مسلك الوصايا فلا يتعدى الثلث على الترتيب المتقدم، أما المعتق فسبيله أنه عقد لازم معلق على زمن فكان كالمنجز، فيكون من رأس المال.
[ ٤ / ٢٧ ]
• قوله:
١٢ - «والمُكَاتَب عبد ما بقي عليه شيء».
المكاتب بفتح التاء هو المملوك الذي يكاتبه مالكه على العتق في مقابل مال يدفعه له، والكتابة بكسر الكاف وتفتح ومثلها في الضبط العتاقة، المراد بها العقد نفسه الذي يتم بين العبد ومالكه، وحدها ابن عرفة: «عتق على مال من العبد مؤجل موقوف على أدائه»، انتهى، وقد كانت الكتابة معروفة قبل الإسلام فأقرها الشرع، فخرج بقوله على مال ما كان على غير مال من العتق المؤجل والعتق المبتل والكفارة والعتق اللازم بالملك، وخرج بقيد مؤجل العتق على مال معجل، وهو المسمى قطاعة بكسر القاف وفتحها، وقد احتج لصحتها مالك في الموطإ بفعل أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، وكان ابن عمر ينهى عنها إلا بالعروض، لأنها إن كانت بالذهب والفضة فهي عنده من باب ضع وتعجل كما حكاه ابن عبد البر.
قلت: كأنه نظر إلى أن الكتابة منجمة، والقطاعة يعجل فيها المال الذي الأصل فيه التقسيط فربط بين الأمرين، لكن القول بجوازها بالعروض لا يغير من هذا الأمر فيما ظهر لي، والمذهب جواز أن تكون الكتابة حالة فتكون قطاعة، وقيد العبد مخرج للعتق على مال يدفعه غير العبد، وقوله موقوف على أدائه أي أنه لا يتم تحرير المملوك إلا إذا أتم الأقساط المترتبة عليه، وهو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: «والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء»، وهو لفظ مأثور عن ابن عمر ﵄ رواه عنه مالك في الموطإ (١٤٨٣)، ورواه بلاغا عن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار، وقال وهو رأيي، وقد جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، رواه أبو داود.
وجاء مرفوعا بلفظ: «أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد»، وفي الباب حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يودى المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، وما بقي دية
[ ٤ / ٢٨ ]
العبد»، رواه أحمد والأربعة إلا ابن ماجة، ويودى من وداه يديه إذا دفع ديته، وفيه دليل على أن للنجوم التي دفعها مدخلا في التبعيض، لكن هذا ما لم يحكم بتعجيزه كما سيأتي، فالصواب: الجمع بين الدليلين بحمل كل منهما على حال، فيعتبر المكاتب حرا فيما لا يتبعض من الأحكام كالنظر إلى مالكته مراعاة لأصل المنع من النظر، وهو مبعض بمقدار ما عتق منه فيما يحتمل التبعيض منها كالدية لأنه مال، وقد دل على اختلاف المكاتب عن غيره من الأرقاء في النظر إلى مالكته قول رسول الله ﷺ: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه»، رواه أحمد والأربعة غير النسائي وصححه الترمذي، فهذا إن صح، فيه مراعاة من الشارع لأصل المسألة، وهي منع النظر، وهذا قوي في النظر، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٩ ]
إقرار الإسلام مكاتبة العبيد وحضه عليها
تعريف الكتابة
الفرق بين الكتابة والقطاعة
يجوز في الكتابة تأجيل المال كله أو بعضه قلت النجوم أو كثرت
ما يشترط في المالك والمملوك
الاختلاف في حكم الكتابة هل هو الإيجاب أو الندب
• قوله:
١٣ - «والكتابة جائزة على ما رضيه العبد والسيد من المال منجما قَلَّتِ النجوم أو كثرت».
سبق أن تحرير العبد في مقابل مال يدفعه العبد للسيد قسمان قطاعة فيما إذا كان المال حاضرا، وكتابة إذا كان مؤجلا، سواء أُجِّلَ المال كله أو جُعِلَ نجوما قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، والمراد بالنجوم الأقساط المالية التي يدفعها المملوك كل شهر أو كل سنة على ما اتفقا عليه، ويدل ما في المدونة على أن الكتابة عندهم مستحبة، ولعله هو مراد المؤلف بقوله جائزة، وقوله على ما تراضيا عليه جمع أركان الكتابة الأربعة، ويشترط في السيد التكليف وأهلية التصرف، فخرج الصبي والمحجور عليه، والمذهب صحة كتابة الكافر من عبده المسلم على أن يباع عليه من مسلم، ويستمر مكاتبا له، والصيغة، وهي ما يفهم منه معنى المكاتبة كأن يقول كاتبتك أو أنت معتق على كذا، وبعتك نفسك بكذا، ويشترط في المملوك القدرة على الأداء، وهذا متجه لأنه متى كوتب ولا قدرة له على ذلك آل أمره إلى بطلان الكتابة، أو دفع بعض النجوم مع استمراره مملوكا، فأما مكاتبة الصغير ومن لا مال له فاختلف فيها، فمن رآها مباحة بنى قوله على جواز جبر المملوك على الكتابة، وهو قول ابن القاسم ﵀، واعتبروه هو المعتمد، وما أحراه أن يكون كذلك لولا ظاهر النص، ومقتضى قول أشهب لا يكاتب الصغير الذي لا مال له ولا من لا قدرة له على الأداء وتفسخ الكتابة إن وقعت إلا أن تفوت، ويؤيده أن الله تعالى شرع الكتابة لمن ابتغاها واشترط أن نعلم فيهم خيرا، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣]، وفيه الأمر بمكاتبة الراغبين من المملوكين والأمر بإعطائهم من المال لإعانتهم، وقيد ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لا يصلح صارفا للأمر عن الإيجاب إلى الندب، وقد ذهب إليه ابن العربي في
[ ٤ / ٣٠ ]
المسالك (٦/ ٥٣١» فقال يرد على من حمل الأمر على دلالته الأصلية: «كذلك نقول إن لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب، أو يدل على سقوط الوجوب دليل، وها هنا قرينة وهي قول الله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فصرف الأمر إلى علم المأمور، والتكاليف الجازمة والأوامر الواجبة لا تقف على خيرة المكلف وعلمه»، انتهى.
قال كاتبه: ليس في ذلك القيد خيرة للمكلف، بل فيه تقييد بعلمه ذلك من مملوكه، فَيُدَين ويوكل الأمر إليه، ومن ذا الذي يكون رقيبا على المرء إذا قال مثلا لا أقدر على صيام شهرين متتابعين فأَنتقلُ إلى الإطعام غير نفسه وما فيها من خوف لربه وطلب لمرضاته؟، ومن ذا الذي يراقب المرأة وهي مؤتمنة على انقضاء عدّتها بمضي ثلاثة قروء غير كونها مؤمنة تخشى الله وقد خاطبها بقوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهل الأوامر الشرعية إلا أمانات اؤتمن عليها عباد الله المؤمنون؟، والحكمة بادية من هذا القيد فيدخل فيه قدرة المملوك على دفع النجوم، وحسن سلوكه ورشده وقدرته على تدبير أموره بحيث إذا حرر لا يفسد حاله، وما قول المعترضين في قيد الرشد الموكول علمه إلى من بيده مال اليتيم؟، أفيقولون إن تسليمهم أموالهم حيث بلغوا وقد أنس منهم الرشد لا يجب لأن الله تعالى قيد الدفع بإيناس الرشد منهم فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا (٦)﴾ [النساء: ٦]، أما التفصي من ذلك بأن الشرع لا يلزم أحدا بالخروج من ماله، ولأنه ليس في المال حق سوى الزكاة فليس بناهض، فإن الله مالك السموات والأرض وما فيهما.
وقد أثر عن عمر ﵁ ما يدل على أنه كان يرى وجوب المكاتبة، فعن أنس بن مالك قال: كان سيرين سأله المكاتبة فأبى عليه، فقال له عمر بن الخطاب: «والله لتكاتبنه، وتناوله بالدرة فكاتبه»، انتهى، وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب كاتب مولى له يقال له أبو أمية، فجاءه بنجمه حين هل، فقال له عمر: «يا أبا أمية اذهب فاستعن به»، فقال: يا أمير المؤمنين لو كان هذا في آخر نجم»، فقال عمر: «لعلي لا أدركه»، انتهى، خاف أن يموت قبل إخراج الواجب، وعن ميمون بن جابان عن عمه عن جده قال: سألت عمر بن
[ ٤ / ٣١ ]
الاختلاف في حكم الحط عن المكاتب من مبلغ الكتابة
الخطاب المكاتبة فقال لي كم تعرض؟، قلت: مائة أوقية، قال فما استزادني، قال فكاتبني وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أني كاتبت غلامي وأردت أن أعجل له طائفة من مالي، فأرسلي إلي بمائتي درهم إلى أن يأتيني شيء، فأرسلت بها إليه فأخذها عمر بيمينه وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، خذها بارك الله فيك»، انتهى، ولينظر المحلى لابن حزم (٩/ ٢٣٣ و٢٤٧)، وفي الموطإ بلاغا أن ابن عمر كاتب غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم، ثم وضع عنه في آخر كتابته خمسة آلاف درهم، وقد حمل مالك في الموطإ الأمر بالمكاتبة على الإباحة، واحتج بأن بعض أهل العلم كان إذا سئل عن ذلك فقيل له إن الله ﵎ يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يتلو هاتين الآيتين: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (٢)﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، قال مالك: وإنما ذلك أمر أذن الله ﷿ فيه، وليس بواجب عليهم، قال: «وسمعت بعض أهل العلم يقول في قول الله ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى»، انتهى.
وكما أمر الله تعالى السادة بمكاتبة مملوكيهم فقد حض الشرع الأرقاء على المكاتبة حتى قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح يريد العفاف»، رواه أحمد والأربعة غير أبي داود عن أبي هريرة.
[ ٤ / ٣٢ ]
رجوع المكاتب رقيقا متى عجز عن دفع الأقساط
• قوله:
١٤ - «فإن عجز رجع رقيقا، وحل له ما أخذ منه».
متى عجز المكاتب عن الوفاء بنجوم الكتابة ظل على ما كان عليه قبل الكتابة من الرق مطلقا أو التدبير، وحل لمالكه ما تسلمه من المال، ولا يعتق منه بمقدار ما دفع لمالكه، وليس من شرط اعتباره رقيقا عند العجز ذكر ذلك في عقد الكتابة، وهذا ما لم يعنه أحد على الوفاء بما في ذمته، فإن أعانه أحد وعجز عن الوفاء رجع الذي أعانه على السيد بما أعانه به فيأخذه، لكونه إنما قصد بذلك فكاك الرقبة، والحال أنها لم تفك، أما إن لم يكن له علم بالكتابة فهي صدقة لا رجوع له بها على المالك، قلت في رجوعه على المالك نظر لأنه إن تصدق عليه فقد مكلها فإذا أعطاها في نجوم كتابته فقد فاتت، فمن أين له الرجوع على المالك؟، ومجرد قصده شيئا من وراء إعطائها لا يقوم حجة لا ستردادها.
[ ٤ / ٣٣ ]
لا يحكم بعجز المكاتب غير السلطان بعد التلوم
• قوله:
١٥ - «ولا يعجزه إلا السلطان بعد التلوم إذا امتنع من التعجيز».
التلوم هو التربص والانتظار، أي أن الذي يحكم بعجز العبد عن الوفاء بالنجوم فيستمر رقيقا إنما هو السلطان بعد أن يعطيه مهلة يستنفذ فيها جهده في تحرير نفسه، قال الغماري في مسالك الدلالة: «لأنه قد تعلق به حق الله تعالى وهو العتق، فليس لأحد منهما نقضه إلا بحكم حاكم ينظر في ذلك لحق الله تعالى، فإن رجا الأداء أو نفوذ العتق أبقاه، وإن تبين منه العجز أنفذ فسخه»، انتهى.
قلت: ويمكن للحاكم أن يعينه من بيت المال، ومن الزكاة ليحرر نفسه، فإنه يدخل في مصارفها، إما بوصف واحد، وهو كونه غارما أو رقيقا، وإما بهما معا، والأولى دخوله في وصف الغارمين، ويكون المقصود بالرقاب في الآية ابتداء عتقها، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾، فإن رضي العبد بتعجيز نفسه فلا حاجة إلى السلطان كما هو مفهوم قوله: إذا امتنع من التعجيز، إلا أن يكون له مال ظاهر فلا بد من تدخل السلطان، كذا قالوا.
[ ٤ / ٣٤ ]
لحوق ولد الأمة الحامل المدبرة والمكاتبة والمعتقة بها في الحكم
• قوله:
١٦ - «وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة إلى أجل أو مرهونة».
يقصد بذات الرحم الحامل، وهو من التعبير عن الحال بالمحل، والمعنى أن ولد الأمة التي حصلت مكتابتها أو تدبيرها أو عتقها بنوعيه المنجز والمؤجل، والكامل والمبعض، والمرهونة وحملها في بطنها، أو حملت به بعد ذلك، سواء كان من زوج أو من زنا فإنه يكون في منزلتها، لأنه بعضها، فما حكم به عليها يحكم به عليه، فإذا أنهت كتابتها فهو مثلها حر، وهكذا إذا مات مدبرها على ما تقدم من التفصيل في التدبير، ومثل ذلك ما إذا عتقت عتقا منجزا أو مؤجلا، أما إن كانت وقت عقد الكتابة وغيرها مما ذكر قد ولدت فلا يعطى ولدها حكمها.
واعلم أن كون الحمل بمنزلة أمه إنما يكون فيما إذا كان من غير مالكها الحر، أما إن كان منه فالولد حر بلا خلاف لأنها اكتسبت الحرية به، فإن كان أبوه عبدا فهو بمنزلتها من العتق والخدمة وغيرهما.
[ ٤ / ٣٥ ]
لحوق ولد أم الولد من غيرالسيد بها في الحرية
• قوله:
١٧ - «وولد أم الولد من غير السيد بمنزلتها».
لا خلاف في أن ولد الأمة من سيدها حر، ولما كان قد يتوهم أن ولدها من غيره كالزوج، والمالك الرقيق، أو من زنا بعد أن صارت أم ولد ليس كذلك، نبه على إلحاقه، فيكون بمنزلتها في العتق من رأس المال بعد موت السيد، وفي المنع من البيع في حياته، لكنه لا يكون مثلها في الخدمة، فيجوز استخدامه في كثير الخدمة، أما هي فيستخدمها فوق خدمة الزوجة، ودون خدمة القنة، لأنها اجتمع فيها من هذا وهذا، أما ولدها السابق على صيرورتها أم ولد فإنه رقيق، فتأمل رحمك الله هذا السداد في النظر الذي أورثه التضلع بمقاصد الدين، في أذهان المذعنين، لتكون من المتبعين، وهو اجتهاد على كل حال.
[ ٤ / ٣٦ ]
مال العبد له إلا ان ينتزعه مالكه
• قوله:
١٨ - «ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد».
الظاهر من تصرفاتهم أن العبد يملك ملكا غير تام، فيجوز له إذا ملك جارية أن يطأها ما لم ينتزعها مالكه منه، وعلى هذا يكون مطالبا بإخراج الزكاة متى حال على المال الحول وهو في حوزته، لكن مشهور المذهب أنه لا يزكي، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الزكاة، والدليل على أن ملك العبد ليس تاما قول النبي ﷺ: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه البخاري ومسلم، ففي قوله فماله نسبة المال للعبد، فمن قائل إنها نسبة مجازية، ومن قائل إنها حقيقية على الأصل، ما لم ينتزعه السيد، وهذا هو الظاهر دل عليه جواز انتزاعه ودخوله في الصفقة فينتج أن ملكه ليس تاما، ولأن سيده يملك رقبته فأحرى أن يملك ماله.
[ ٤ / ٣٧ ]
لا ينتزع مال العبد بعد عتقه أو مكاتبته ما لم يستثنه المالك
• قوله:
١٩ - «فإن أعتقه أو كاتبه ولم يستثن ماله فليس له أن ينتزعه».
وهذا لأن المعتق خرج من ملك سيده، فساوى غيره من الناس في حرمة ماله، ولأن ماله يتبعه بخلاف حال البيع فلا يتبع العبدَ مالُه إلا باشتراط من اشتراه كما تقدم، وقد دل على هذا حديث ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد»، رواه أبو داود (٣٩٦٢) وابن ماجة، وروى مالك في الموطإ (١٤٦١) وابن أبي شيبة عن ابن شهاب الزهري قال: «مضت السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله»، وهو موقوف، وفيه دلالة على شيوع هذا الأمر في عهده، وقد نزع مالك في الاستدلال على أن السيد لا يجوز له أن يشترط على العبد خدمته بعد عتقه بالمفهوم الأولوي المأخوذ من قول النبي ﷺ: «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق»، رواه في الموطإ (١٤٥٨) عن ابن عمر، وهو في الصحيحين والسنن الأربعة، وقد وجه استدلاله على ذلك بقوله: «فهو إذا كان له العبد خالصا أحق باستكمال عتاقته، ولا يخلطها بشيء من الرق»، انتهى.
أما منع انتزاع مال المكاتب فلأن عقد الكتابة يتناقض مع تجريده من ماله أو من بعضه، كيف وهو مطالب بإعطائه من ماله كما تقدم، ولو ساغ له ذلك لترتب عليه عدم وفاء المكاتب بنجوم الكتابة لأنه كلما امتلك مالا انتزعه منه فيعود ذلك على عقد الكتابة بالإبطال، ويدخل في قوله ﷺ في حديث ابن عمر: «من أعتق عبدا وله مال،،،» أم الولد متى تحررت بموت مالكها، والمدبر، والموصى بتحريره، فهؤلاء لا تنتزع منهم أموالهم متى حضر وقت تحريرهم، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٨ ]
لا يجوز للسيد وطء مكاتبته
• قوله:
٢٠ - «وليس له وطء مكاتبته».
امتنع وطء المكاتبة لأن الأصل في الفروج التحريم، والكتابة مقدمة للتحرير فأعطيت حكمه، ولأن بالكتابة زال عن الأمة خالصية الرق كما لو كانت مشتركة فمنع الوطء، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٩ ]
• قوله:
٢١ - «وما حدث للمكاتَب والمكاتَبة من ولد دخل معهما في الكتابة وعتق بعتقهما».
تقدم الكلام على أن حمل من كوتبت أو أعتقت أو دبرت هو بمنزلتها، وذكر هنا حكم الرقيق المكاتب ذكرا كان أو أنثى، فإنه إن كاتب عبده وقد حملت أمة عبده منه بعد الكتابة فإن الحمل يعطى حكم المملوك في الكتابة من غير شرط، وكذلك إذا كوتبت الأمة وهي حامل فإن ولدها بمنزلتها، ووجهه أن الحمل بعض المكاتَب، ولم يتقدم للسيد ملك عليه، بخلاف ما إذا كان الحمل قد انفصل عن صلب المكاتب قبل عقد الكتابة واستقر في الرحم، أو كانت الأمة المكاتبة قد وضعت حملها فإنه ليس بعضَها، فجعلوا ما يكون في ظهر المملوك بمنزلة ما في رحم المملوكة، وجعلوا انفصال ماء المكاتب عنه بمنزلة انفصال حمل الأَمَة عنها، فإن كانت الأمة قد حملت قبل عقد الكتابة فلا يدخل ولدها في العقد إلا بالشرط.
[ ٤ / ٤٠ ]
مكاتبة الجماعة على مال يوزع عليهم بحسب قدرتهم
• قوله:
٢٢ - «وتجوز كتابة الجماعة ولا يعتقون إلا بأداء الجميع».
يحوز أن يكاتب السيد أكثر من مملوك في عقد واحد على مال واحد يوزع على قدر قوة المكاتبين في الأداء يوم الكتابة، لا على عدد رؤوسهم بالتساوي، ولا على قدر قيمة كل منهم، وإذا حصل ذلك فإنه لا يتم تحريرهم إلا بعد أن يتموا الأقساط التي عليهم، لأنهم حملاء متضامنون في القدر المجعول عليهم، ولو من غير اشتراط ذلك في عقد الكتابة، وهذا بخلاف حمالة الديون فإنها تتوقف على الشرط، واختلفت الكتابة عنها لما تقدم، ولا يوضع عنهم من المال شئ إذا توفي بعضهم، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن العبيد إذا كوتبوا جميعا كتابة واحدة فإن بعضهم حملاء عن بعض، وإنه لا يوضع عنهم لموت أحدهم شيء، وإن قال أحدهم قد عجزت، وألقى بيديه فإن لأصحابه أن يستعملوه فيما يطيق من العمل، ويتعاونون بذلك في كتابتهم حتى يعتق بعتقهم إن عتقوا، ويرق برقهم إن رقوا»، انتهى.
ويجوز للسيد إذا كاتب مجموعة من الأرقاء أن يعتق بعضهم قبل الأداء بشرطين: أولهما هو رضا الباقين، والثاني أن يكون لهم قدرة على أداء باقي النجوم، فإن لم يكن لهم قدرة لم يجز وإن رضُوا، ووجهه أنهم برضاهم أضعفوا قدرتهم على تحرير أنفسهم، والتحرير حق الله تعالى، فلا يجوز للمرء أن يحرر غيره ويكون ذلك سببا في رق نفسه، ولذلك فإنه يجوز للسيد أن يعتق الضعيف عن الكسب ولو لم يرض الباقون لأنهم لا يتضررون بتحريره، هكذا قرر أهل المذهب هذه المسألة، وقد وجهتها بما ترى.
[ ٤ / ٤١ ]
المكاتب لا يمضى عتقه ولا إنفاق ماله في غير نجوم كتابته
• قوله:
٢٣ - «وليس للمكاتب عتق ولا إتلاف ماله حتى يعتق».
المكاتب رقيق ما بقي عليه شيء، وإذا علل عدم جواز أخذ السيد مال مكاتَبه بأنه يتناقض مع عقد الكتابة كما تقدم، فينبغي أن يقال إن صرف المكاتب ماله في غير كتابته مضر بنفسه إذ يستمر رقه أو يتأخر تحريره، وهو مضر بسيده الدائن أيضا فلا يصح منه عتق ولا هدية ولا صدقة تطوع إلا بإذن سيده، وإنما يجوز من ذلك ما كان قليلا، فإذا أذن له سيده في عتق مملوكه نفذ وكان الولاء لسيده، حتى إذا أدى ما عليه رجع الولاء له، والظاهر أن الولاء للمكاتب ابتداء لما في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- من العموم وهو قوله ﷺ: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهو الذي ذهب إليه الشيخ علي الأجهوري كما في الفواكه الدواني، ووجه الأول أن المال للسيد فهو المعتق حقيقة.
[ ٤ / ٤٢ ]
لا يتزوج المكاتب ولا يسافر السفر البعيد لا بإذن مكاتبه
• قوله:
٢٤ - «ولا يتزوج ولا يسافر السفر البعيد بغير إذن سيده».
أما منع الزواج عنه فقد سبق حديثه في باب النكاح حيث اعتبر النبي ﷺ المتزوج بعير إذن سيده عاهرا، ولأن زواجه عيب فيه فلسيده رده وفسخه، وله إمضاؤه ما لم يكن معه غيره في الكتابة، فلا يمضى إلا برضاهم، لكن يجوز للمكاتب التسري لأنه لا ضرر على سيده فيه، لأن السرية تباع، أما منعه من السفر فقد قيد بالبعيد الذي يحل في أثنائه وقت النجم، فإن كان السفر معتادا له قبل الكتابة فلا يمنع منه لكونه دخل عليه، ووجه المنع عدم دفعه النجم في وقته، ولأن ذلك قد يكون ذريعة إلى هربه وإباقه، والعلم عند الله.
[ ٤ / ٤٣ ]
إذا مات المكاتب ولم يتم النجوم مات رقيقا
• قوله:
٢٥ - «وإذا مات وله ولد قام مقامه وودى من ماله ما بقي عليه حالا، وورث من معه من ولده ما بقي».
إذا مات المكاتَب ولم يكن قد أتم نجوم كتابته فإنها تفسخ ويموت رقيقا، ويرثه مالكه، إلا إذا كان له ولد دخل معه في الكتابة أو حدث بعدها فإنه يقوم مقامه فيها غير أنه يؤدي النجوم الباقية حَالَّةً، لأن الموت سبب في حلول الدين المؤجل لخراب الذمة بحصوله، وإنما لم يبطل عقد المكاتَب بموته لأنه يقتضي عوضا فلا يبطل بموت من عقده إذا كان معه في العقد من يقوم به كالبيع والإجارة، وقد تقدم ذلك، وإذا أديت النجوم فما بقي من مال المكاتب فهو ميراث يتقاسمه من دخل في الكتابة من أولاده فقط، وهو ظاهر كلام المؤلف، وقيل يرثه كل من يعتق عليه ممن معه في الكتابة - وسيأتي ذكر من يعتق على المرء متى ملكه - فأما من كان خارج الكتابة من أقاربه أحرارا كانوا أو عبيدا فلا إرث لهم، فالحاصل أن الذي يرث المكاتبَ المتقدمَ ذكره ينبغي أن يتوفر فيه شرطان، أولهما: أن يكون داخلا معه في الكتابة، والثاني: أن يكون ممن يعتق عليه جبرا، وقد عللوا عدم دخول من لم يتوفر فيه ما ذكر بأن ميراث العبد هنا دخله معنى الولاء، فلا يرثه إلا من له فيه شبهة، وإنما لم يرثه من كانوا في كتابة أخرى فلأن شأن المتوارثين التساوي حال الموت في الحرية والرق، والتساوي هنا غير محقق لاحتمال أداء أصحاب إحدى الكتابتين دون الأخرى.
[ ٤ / ٤٤ ]
إذا مات المكاتب قام ولده الذي دخل معه في الكتابة مقامه في تأدية ما عليه حالا
استمرار أولأد المكاتب المتوفى في أداء أقساط الكتابة
• قوله:
٢٦ - «وإن لم يكن في المال وفاء فإن ولده يسعون فيه ويؤدون نجوما إن كانوا كبارا، وإن كانوا صغارا وليس في المال قدر النجوم إلى بلوغهم السعي رقوا».
إذا كان للمكاتب الذي مات في أثناء أدائه أقساط الكتابة مال فإن باقي الأقساط تحل وتؤدى من ماله هو ويورث الباقي على ما تقدم، فإن لم يكن له مال يفي بما عليه من الدَّيْنِ فإن أولاده يعملون في المال ويستمرون في أداء النجوم على ما سبق من التقسيط المتعاقد عليه، وكذا غيرهم ممن دخل معه في الكتابة، فإن كان أولاده صغارا لا قدرة لهم على السعي في الوفاء بالنجوم وليس في مال والدهم ما يفي بالأقساط إلى بلوغهم زمن السعي رقوا في الحين، والمقصود أن كتابة الميت تستمر لمن كان مشاركا له فيها، وليس الفرق بين الولد وغيره إلا في كون الولد يؤدي ما بقي من النجوم من مال والده، ويرث الباقي إن كان، أما في استمرار الكتابة وأداء النجوم على أصلها فلا فرق.
[ ٤ / ٤٥ ]
يرث السيد مكاتبه إذا مات قبل الوفاء ولم يكن معه ولد في الكتابة
• قوله:
٢٧ - «وإن لم يكن له ولد معه في كتابته ورثه سيده».
إذا لم يكن للمكاتب الذي مات ولد مشارك له في الكتابة ولا له فيها من يعتق عليه جبرا، وليس في ماله وفاء فإن وارثه هو سيده يرثه بالرق لا بالولاء لأنه مات رقيقا.
[ ٤ / ٤٦ ]
تعتق أم الولد بموت مالكها ويجوز له الاستمتاع بها
• قوله:
٢٨ - «ومن أولد أمة فله أن يستمتع منها في حياته وتعتق من رأس ماله بعد مماته، ولا يجوز بيعها ولا له عليها خدمة ولا غلة».
الكلام هنا على أم الولد، وقد حدها ابن عرفة بأنها «الحر حملُها من وطء مالكها عليه جبرا»، انتهى، فخرج بقوله وطء مالكها الأمة التي أعتق سيدها حملها من غيره، والأَمَة المملوكة لأبي زوجها، لأن عتق ولدها إنما جاء من عتقه جبرا على جده، لا من كونها أم ولد، والمقصود أن الأَمَة متى ولدت من مالكها الحر صارت أم ولد، فيمنع بيعها وهبتها والتصدق بها ومؤاجرتها من غيره، واستخدامها إلا فيما دون خدمة المملوك، ولا تباع في دَيْن سيدها متى كانت استدانته متأخرة عن استيلادها، غير أنه يجوز لمالكها الاستمتاع بها، فإذا مات عتقت من رأس ماله من غير حاجة إلى حكم حاكم، وقد دل على ذلك ما روي عن ابن عباس فيما أخرجه ابن ماجة، والدارقطني قال: «لما ولدت مارية أم إبراهيم قال رسول الله ﷺ: «أعتقها ولدها»، لكنه حديث ضعيف كما في الإرواء (ح/ ١٧٧٢)، وقد روى البخاري عن عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة»، رواه البخاري (٤٤٦١)، فهذا يقوي أنها عتقت بالاستيلاد، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه أنهم قالوا إنا نصيب سبايانا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل،،،»؟.
قال البيهقي: «فلولا أن الاستيلاد يمنع من نقل الملك لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة»، انتهى، وانظر شرح الزرقاني على الموطإ (٤/ ٨٣)، وروى أبو داود وصححه الحاكم عن جابر: «بعنا أمهات الأولاد على عهد سول الله ﷺ، وعهد أبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا»، وهذا وإن كان له حكم الرفع فقد عارضه ما رأيت، فيكون
[ ٤ / ٤٧ ]
الحكم مما خفي على الناس، يؤيده ما رواه مالك في الموطإ (١٤٦٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة»، وهذا وإن نسب إلى عمر فليس يمتنع أن يكون مرد المنع إلى النبي ﷺ كما في نكاح المتعة، يدل عليه ما رواه الطبراني عن خوات بن جبير مرفوعا: «لا تباع أمُّ الولد»، وجاء عن علي في خلافته جواز بيعهن بعد أن كان يرى ما رآه عمر وعثمان من المنع، رواه سعيد بن منصور عن عبيدة، وفيه قول عبيدة: «فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من رأي علي وحده».
[ ٤ / ٤٨ ]
حكم ولد أم الولد من غير السيد
• قوله:
٢٩ - «وله ذلك في ولدها من غيره، وهو بمنزلة أمه في العتق يعتق بعتقها».
وَلَدُ الأَمَةِ بعد أن تصير أم ولد ثلاثة: لأنه إما أن يكون من سيدها أو من غيره، والأخير إما أن تكون حملت به بعد الاستيلاد أو قبله، فما كان من سيدها فهو حر بالاتفاق، وما كان من غيره قبل الاستيلاد فهو رقيق، وما كان بعده فهو الذي تكلم عليه هنا وهو أنه يجوز له استخدامه غير أنه يكون بمنزلة أمه يعتق بعد وفاة سيدها.
[ ٤ / ٤٩ ]
ما تصير به الأمة أم ولد
• قوله:
٣٠ - «وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد، ولا ينفعه العزل إذا أنكر ولدها وأقر بالوطء، فإن ادعى استبراء لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد».
لا يقتصر تحرير الأُمَةِ المستولدة عندهم على ما إذا ولدت ولادة عادية، بل الأمر كذلك إذا أسقطت ما يعلم أنه حمل بشهادة العارفات من النساء، ولو سقط الحمل وهو علقة أو مضغة، وكما تكون الأمة بذلك أم ولد فكذلك تنقضي العدة به، وتلزم به الدية وهي الغرة، كل هذا على المشهور في المذهب، وهذا الحكم فيما إذا لم ينكر المالك الحمل، أما إن أنكر أن الولد منه فلينظر: فإن اعتمد على أنه عزل عنها فلا عبرة بقوله متى أقر بالوطء، لأن الحمل ممكن مع العزل، فلا تقبل دعوى إنكاره، لكن إن ادعى أنه استبرأها بحيضة لم يطأها بعدها، وجاءت بولد لستة أشهر من الاستبراء فأكثر، فإنه لا يلحق به، وإن كان يعتق بعتق أمه، وتقبل دعواه بلا يمين ترجيحا لجانبه لكونه المالك واستصحابا للأصل، وقيل لابد من اليمين لتعارض دعواه مع سبب العتاق المرغب فيه.
[ ٤ / ٥٠ ]
بعض ما ورد في الحض على العتق من الأحاديث
أركان العتق
• قوله:
٣١ - «ولا يجوز عتق من أحاط الدَّيْنُ بماله».
بعد كلامه على العتق بالتدبير والاستيلاد والمكاتبة تكلم هنا على العتق الناجز، والعتق في اللغة الخلوص، والصلة بين هذا وبين ما نحن فيه خروج الرقبة من الرق، وهو الكرم أيضا، ولذلك يقال البيت العتيق، وفيه معنى القدم، وهو من أعظم القربات، ومما جاء فيه من الترغيب قول النبي ﷺ: «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله ﷿ بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى فرجه بفرجه»، رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة، والإرب القطعة، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار»، رواه الشيخان، وروى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ مرفوعا: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار»، والفكاك بكسر الفاء وفتحها ما يفك به الشيء، وروى أبو داود عن كعب بن مرة ﵁ مرفوعا: «وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار».
ويكون العتق واجبا ومندوبا، والكلام هنا على غير الواجب، وللعتق أركان ثلاثة:
أولها: المُعْتِقُ بكسر التاء، وهو البالغ العاقل الذي لم يحط الدَّيْنُ بماله، غير
صبي ولا مجنون ولا محجور عليه، وينفذ عتق السكران عندهم كما ينفذ طلاقه، والظاهر خلافه لفقد القصد من الناسي والمخطئ والمكره، إذ العتق عبادة، وكذلك يصح عتق الكافر الكافر، بيد أنه له الرجوع فيه بخلاف المسلم، فإن أعتق الكافر عبده ثم أسلم لزمه عتقه.
ويستدل على عدم مشروعية عتق من أحاط الدين بماله بالقياس على ما رواه مالك عن الحسن بن أبي الحسن البصري ومحمد بن سيرين أن رجلا في زمان رسول الله ﷺ أعتق عبيدا له ستة عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق ثلث أولئك العبيد، قال مالك: «وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم»، وقد وصله مسلم من طريق محمد
[ ٤ / ٥١ ]
بن سيرين عن عمران بن حصين نحوه، وكذا ما مر من بيع النبي ﷺ العبد المدبر لحاجة المدبر.
وإنما كان التطوع بالعتق غير جائز في حالة إحاطة الدين بالمالك لأن المعتق حينئذ لا مال له، فكأنه يتصرف في مال غيره، ولأن رد الديون واجب والعتق تطوع، والأول مقدم، وكما لا يجوز عتقه لا تجوز هبته ولا صدقته، بل هذا أولى، وهو واضح، وللغريم أن يرد العتق إن استغرق الدين جميع المال، ويرد بعضه إن استغرق بعض ماله، ويباع جزء العبد الذي استغرقه الدين إن وجد من يشتريه، وإلا بيع جميعه.
قال في الموطإ (١٤٦٣): «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تجوز عتاقة رجل وعليه دين يحيط بماله وأنّه لا تجوز عتاقة الغلام حتى يحتلم، أو يبلغ مبلغ المحتلم، وأنه لا تجوز عتاقة المولى عليه في ماله، وإن بلغ الحلم حتى يلي ماله»، انتهى
والركن الثاني المُعْتَقُ بفتح التاء، وهو إما رقيق قن، أي كامل الرق، أو فيه شائبة حرية كالمدبر والمكاتب والمشترك والمُبَعَّض، ومن شرطه أن لا يتعلق به حق كالمرهون والمستأجر والعبد الجاني، فهؤلاء يتوقف تنجيز عتقهم على إجازة من له حق فيهم.
والركن الثالث الصيغة، وهي إما صريحة إذا دلت على رفع الملك من غير احتمال، وضابطها ما فيه لفظ العتق أو الفك أو التحرير، كأن يقول: فككت رقبتك من الرق، أو حررتها، أو أعتقتك، إلا أن تصرفها القرينة عن ذلك فلا يلزم العتق كأن يقول لعبده معجبا بعمله ما أنت إلا حر، أوكناية كوهبت لك نفسك، أو تصدقت عليك.
[ ٤ / ٥٢ ]
• قوله:
٣٢ - «ومن أعتق بعض عبده استُتم عليه».
هذا من خصائص العتق وهو أنه لا تقبل فيه التجزئة، ويسمى العتقَ بالسراية، أي سراية صفة العتق الذي نجز في بعض الرقيق إلى الكل، وبيانه أن إعتاق بعض المملوك أقسام ثلاثة، لأنه إما أن يكون مملوكا لشخص واحد، أو لأكثر، وفي الأخير إما أن يكون لمعتق البعض مال أو لا، والذي ذكره هنا هو الأول، فمن أعتق بعض عبده الذي يملكه كله قنا كان أو فيه شائبة رق كأن يعتق نصفه أو ربعه أو عضوا منه كمل عتقه عليه بحكم حاكم على المشهور، لا فرق بين أن يكون موسرا أو معسرا، لكن الكافر لا يستتم عليه عتق بعض عبده الكافر، فإن أسلم أحدهما استتم عليه.
وقد دل على استتمام تحرير العبد على معتق بعضه فحوى الخطاب، أعني مفهوم الموافقة في حديث عبد الله بن عمر االمذكور في الفقرة الموالية، لأنه إذا كان يقوم عليه نصيب شريكه فيدفعه له إن كان له مال، فأحرى أن يكمل عليه عتق الجزء الذي لم يعتقه من مملوكه الخالص له.
وقد أشار إلى القسم الثاني من أقسام سراية العتق بقوله:
[ ٤ / ٥٣ ]
من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه
• قوله:
٣٣ - «وإن كان لغيره معه فيه شركة قوم عليه نصيبُ شريكه بقيمته يوم يقام عليه وعَتَق».
إذا أعتق المرء سهمه في عبد قوم عليه نصيب شريكه فيه فأداه إليه من ماله، ويعتق العبد برمته، قالوا ويُقَوَّمُ العبد كاملا، لا على أن بعضه حر، لما في تقويم بعضه من الإضرار بالشريك في قيمته، وقوله يوم يقام عليه أي أن القيمة تعتبر يوم حكم الحاكم، وقد دل على التقويم حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعَتَق عليه العبد، وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، رواه مالك (١٤٥٨) والشيخان وأصحاب السنن، قوله «قوم العبد عليه»، وجه إيجاب التقويم أن فيه ثلاثة حقوق أحدها لله، والثاني للشريك، والثالث للعبد، قاله ابن العربي في المسالك، فسبحان من أعطى كل ذي حق حقه، وقوله عَتَق منه ما عَتَق الفعل فيهما مبني للمعلوم، قال في الصحاح: «عَتَق العبد يعتق عتقا وعتاقة فهو عتيق وعاتق، وأعتقته أنا»، انتهى، وعن أبي المليح عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «ليس لله شريك»، فأجاز النبي ﷺ عتقه، رواه أبو داود والنسائي، وقال الحافظ: «حديث أبي المليح عند أبي داود والنسائي بإسناد قوي»، انتهى.
وفي حديث أبي هريرة عند الأول: «وغرمه بقية ثمنه»، والشقص، ومثله الشقيص هو النصيب والسهم، ومعنى قوله «ليس لله شريك»، أي أن العتق لله، فلا يصح أن يكون بعض العبد لغيره سبحانه فيكون كأنه شريك لله فيه، قال الخطابي: «والحديث فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أُعتق الشقص منه، ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة، ولا على الاستسعاء، ألا تراه يقول: «وأجاز النبي ﷺ عتقه، وقال: ليس لله شريك»، فنفى أن يقارن الملكُ العتقَ، وأن يجتمعا في شخص واحد، هذا إذا كان المعتق موسرا، فإذا كان معسرا كان الحكم بخلافٍ على ما ورد بيانه في السنة»، انتهى.
[ ٤ / ٥٤ ]
إن لم يكن لمعتق الشقص مال بقي نصيب الشريك رقيقا
• قوله:
٣٤ - «فإن لم يوجد له مال بقي سهم الشريك رقيقا».
هذا كما قال إلا إذا كان لمعتق بعض العبد من المال ما يعتق به بعض سهم شريكه فإنه والله أعلم يعمل عليه، ويظل الباقي منه رقيقا، لأن فيه تقليل السهم المملوك من العبد وتيسير كتابته لمالكه، أو استسعائه الذي سيأتي ذكره، وقد استدلوا على بقاء بعض المملوك رقيقا بما في آخر حديث ابن عمر المتقدم من قوله ﷺ: «من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعَتَق عليه العبد، وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، وقيل عن الجملة الأخيرة إنها مدرجة في الحديث، وهي مع ذلك معارضة بما في حديث أبي هريرة ﵁ من ذكر الاستسعاء، وهو قول رسول الله ﷺ: «من أعتق نصيبا أو شقيصا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعي به غير مشقوق عليه»، رواه الشيخان وأصحاب السنن، وقيل عن فقرة الاستسعاء هذه ما قيل عن فقرة «وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق»، قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٩٦): «والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقا لعمل صاحبي الصحيح»، انتهى، وقوله استسعي به قال ابن الأثير: «استسعاء العبد إذا عتق بعضه ورق بعضه أن يسعى في فكاك ما بقي من رقه، فيعمل ويكسب ويصرف ثمنه إلى مولاه، فسمي تصرفه في كسبه سعاية»، انتهى، ومعنى هذا أن الشرع أوجب على معتق شقص العبد استكمال تحريره إن كان له مال، وإلا تعين على العبد تخليص الشقص الذي ظل مملوكا منه، وهو القياس لو لم يكن نص بتساقط الزيادتين في حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵄، ونظير ذلك الأسير يفك نفسه أو يفكه غيره، ولم يقل أهل المذهب بالاستسعاء لما علمت من الاختلاف في جملته، ورأيي أن القياس قاض بحمل ذلك على الكتابة، بل الاستسعاء أولى لأن في تركه ما يشبه رجوع المكاتب بكسر التاء عن الكتابة من غير داع، وذلك لا يجوز، ووجه الشبه أن بعض المملوك قد تحرر، وذهب ابن العربي ﵀ في المسالك (٦/ ٥٠٤) إلى أن الكتابة
[ ٤ / ٥٥ ]
مشروعية استسعاء العبد لتحرير نفسه
مخصوصة بحكمها خارجة عن قواعد الشريعة بنفسها، وأنه لا يقاس على مخصوص، كما لا يقاس منصوص على منصوص»، انتهى ببعض تصرف، أما النص على الاستسعاء فقد رده بأنه من كلام الراوي، ولا يسلم ما قاله في الأمرين لما علمت، كما لا يصح أن يعارض حديث الاستسعاء بما في مرسل الحسن وابن سيرين عند مالك، وقد تقدم أن مسلما وصله من حديث عمران بن حصين وفيه أن النبي ﷺ أسهم بين العبيد الستة فأعتق ثلثهم ورجع الثلاثة إلى الاسترقاق، فيقال لو كان الاستسعاء مشروعا لأعتق النبي ﷺ من كل عبد نصفه على أن يستسعي ليستكمل حريته، والجواب أن القول شريعة عامة والفعل تدخله الاحتمالات، ولأن الاستسعاء إنما جاء تصحيحا لما وقع لا ابتداء، ولأن عتق بعض المملوكين الستة لا يتحقق معه عتق واحد منهم لاحتمال عجزهم جميعا فيسترقون.
[ ٤ / ٥٦ ]
يعتق العبد إذا مثل به مالكه مثلة بينة
• قوله:
٣٥ - «وَمَنْ مَثَّلَ بعبده مُثْلَةً بَيِّنَةً منْ قَطْعِ جارحة ونحوه عتق عليه».
أي أن من ألحق بعبده ومثله في المذهب عبد عبده أو عبد ولده الصغير عقوبة بينة متعمدا فشانته كقطع اليد أو الرجل أو الأنملة أوفقء العين أو وسم الوجه بالنار أو قلع الظفر أو قطع بعض الأذن أو السن أو حلق رأس الجارية الرفيعة - واختلفوا في حلق اللحية هل يكون مثلة أولا؟، وقد اعتبر عبد الملك ذلك مثلة إذا كان المملوك تاجرا وجيها - فإذا فعل السيد شيئا من ذلك ونحوه بمن ذكر عتق عليه جبرا، فينبغي أن يجتمع في العتق بالمثلة شيئان العمد وبلوغ المثلة الشين، واختلفوا هل يعتق بنفس المثلة أو لا بد من حكم الحاكم، الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم رحمهما الله، واختلف في معاقبته فقيل لا عقاب عليه، وقيل يضرب ويسجن، وهذا هو الظاهر، وقول المؤلف بعبده يخرج من مثل بعبد غيره فإن عليه ما نقص منه وهو أرش الجناية.
وقد دل على عتق المملوك إذا مثل به حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية فجدع أنفه وجبه فأتى النبي ﷺ فقال: «من فعل هذا بك»؟، قال: «زنباع»، فدعاه النبي ﷺ فقال: «ما حملك على هذا»؟، فقال: «كان من أمره كذا، وكذا»، فقال رسول الله ﷺ: «اذهب فأنت حر»، فقال: «يا رسول الله فمولى من أنا»؟، قال: «مولى الله ورسوله»، فأوصى به المسلمين، رواه أحمد وأبو داود (٤٥١٩) وابن ماجة (٢٦٨٠)، وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ١٧٤٤)، وقوله جبه معناه قطع ذكره كما جاء مصرحا به في رواية أخرى، وأخرج مالك في الموطإ أن وليدة أتت عمر وقد ضربها سيدها بنار فأصابها بها، فأعتقها عليه».
[ ٤ / ٥٧ ]
كل من ملك أحد أبويه أو ولدا له أو أخا عتق عليه جبرا
• قوله:
٣٦ - «ومن ملك أَبَوَيْهِ أو أحدا من ولده أو ولد ولده أو ولد بناته أو جده أو جدته أو أخاه لأم أو لأب أو لهما جميعا عتق عليه».
لما أنهى الكلام على العتق الناجز والتدبير والكتابة والاستيلاد والسراية والمثلة تكلم على آخر الأسباب الموجبة للعتق وهي القرابة، فمن ملك بأي وجه أصله وإن علا أو فرعه وإن سفل، أو حاشيته القريبة، وتفصيل ذلك أن من ملك أحد أبويه دنية أو فوقه كالجد والجدة لأب أو لأم أو ولده أو ولد ولده وإن نزل أو ولد بنته وإن نزل أو أخته أو أخاه الشقيق أو لأب أو لأم فإنه يعتق عليه بمجرد دخوله في ملكه، ولا يتوقف ذلك على حكم حاكم، وهذا من أوسع المذاهب في العتق بالقرابة، والمشهور أن المعتبر في القرابة النسب لا الرضاع، وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة (٢٤٢٤) من طريق الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حر»، والرحم بفتح فكسر موضع تكوين الولد، والمراد هنا القريب الذي يحرم نكاحه نظرا لتقييده بكونه محرما لا مطلق من يلتقي معك في ضم الرحم له، فضلا أن يشمل المحرم من الرضاع كما تقدم، والمحرم بمفتوحتين بينهما ساكن هو في الحديث مجرور بالمجاورة وأصله النصب لأنه نعت ل ذا رحم لا ل رحم، أو يكون وصفا له على التوسع، وروى والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمدي وابن ماجة هن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».
[ ٤ / ٥٨ ]
جنين الأمة المعتقة حر معها
• قوله:
٣٧ - «ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا معها».
هذا من أسباب العتق وهو العتق بالتبعية، فمن أعتق أَمَتَهُ وهي حامل من غيره كزوجها أو من زنا فولدها تبع لها في العتق ولا يصح استثناؤه «لأن كل ولد حدث من غير ملك يمين فهو تابع لأمه في الحرية والرق، لأنه لا يوجد في الأصول حرة حامل برقيق إلا على جهة الندور، وإنما توجد أمة حامل بحر، ولأن الحرية مسته وهو في بطنها، وهو كعضو من أعضائها فوجب أن يعتق بعتقها»، انتهى، قاله النفراوي ﵀ في شرحه.
[ ٤ / ٥٩ ]
ما يشترط في عتق الرقاب الواجب
• قوله:
٣٨ - «ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما».
العتق ثلاثة: تطوع وجبر وواجب، ويختص الأخير بشروط لا يجزئ دونها، فلا يصح أن يعتق في كفارة الظهار مثلا أو في كفارة القتل خطأ أو الحنث في اليمين أو المشتراة من الزكاة أو العتق المنذور مدبر ولا مكاتب ولا أم ولد ولا معتق لأجل ولا معتق لمثلة ولا مبعض، لا فرق بين أن يكون المعتق هو المالك أو غيره، إما لأن من ذكر من الرقاب هي بصدد العتق، أو لأنها ليست رقابا كاملة فتكون قيمتها أقل من الكاملة، وإما لأنها قد لزم عتقها فلا يصح صرفها لواجب آخر، ولأن عتقها يضيق سبل التحرير والشرع من مقاصده تكثيرها، ويندرج في هذا ما رواه مالك في الموطإ بلاغا أن عبد الله بن عمر ﵄ سئل عن الرقبة الواجبة هل تشترى بشرط فقال: «لا»، وهذا لأن الشرط يحط من ثمنها، فلا يكون قد أعتق رقبة كاملة، كما علل مالك حيث قال: لأنه يضع من ثمنها للذي يشترط من عتقها»، انتهى.
[ ٤ / ٦٠ ]
• قوله:
٣٩ - «ولا أعمى ولا أقطع اليد وشبهه».
إنما رأوا عدم كفاية عتق الأعمى وأقطع اليد والرجل والإصبع والأشل وكل من فيه عيب غير خفيف في العتق الواجب لأن «المقصود تمليك العبد منفعته وتمكينه من التصرف، وذلك لا يحصل مع العيب الذي يضر بالعمل ضررا بينا»، قاله في مسالك الدلالة، وقد نص مالك في الموطإ على عدم كفاية عتق الأعمى، فإن أعتق من لا يجزئ عتقه كان حرا ولا يرجع رقيقا، قال كاتبه إذا لم يرد دليل بعدم كفاية من ذكر في العتاق فالأصل الجواز، لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، نعم إن تعمد المعتق واستقصى في البحث عن الناقص فقد يأثم، ولا يكفي في هذا المقام الاستدلال بما ورد من قول النبي ﷺ حين سئل عن الرقاب أيها أفضل؟، فقال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها»، رواه مالك في الموطإ عن عائشة، وهو في الصحيحين عن أبي ذر ﵁، فإن هذا في الأفضلية لا في الإجزاء، وظواهر النصوص تدل على ذلك لأن فيها مطلق الرقبة بخلاف من استدل بها على لزوم السلامة.
[ ٤ / ٦١ ]
لا يجزئ تحريرالكافر في العتق الواجب
• قوله:
٤٠ - «ولا من على غير الإسلام».
لا بد في الرقبة الواجبة العتق - كما في كفارة الظهار والفطر في رمضان واليمين - أن تكون من المؤمنين لتقييدها بذلك في كفارة القتل الخطإ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]، فأما الإطلاق الذي في كفارة الظهار وهو قوله جلت قدرته: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (٣)﴾ [المجادلة: ٣]، وكفارة اليمين في قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنه يحمل على المقيد لاتحاد الحكم وإن اختلف السبب، أو يكون ذلك بالقياس عليه، والوجه الثالث أنه منصوص فيستغنى به عن غيره كما في حديث معاوية بن الحكم الذي رواه مالك في الموطإ (١٤٦٤) ومسلم واللفظ للأول وفيه عن عمر بن الحكم، وهو خطأ، قال أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن جارية لي كانت ترعى غنما لي، فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: «أكلها الذئب»، فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟، فقال لها رسول الله ﷺ: «أين الله «؟، فقالت: «في السماء»، فقال: «من أنا»، قالت: «أنت رسول الله»، فقال رسول الله ﷺ: «أعتقها»، وفي رواية مسلم: «أعتقها فإنها مؤمنة»، وإنما اعتبر ذلك شرطا لأن عتق الجارية هذه كان في مقابل عتق عليه، يدل عليه قوله: «وعَلَيَّ رقبة»، إذ الظاهر أَنَّهُ إخبار عما التزمه أو لزمه، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٧/ ٥٢): «ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال»، انتهى، قال كاتبه: إذا ثبت وجوب تحرير تلك الرقبة التزاما مؤتنفا أو إخبارا عن التزام سابق من معاوية بن الحكم فوصف الوجوب لا يُفتقر معه إلى الاحتجاج بقاعدة ترك الاستفصال، لأن وصف الإيمان يشمل جنس الواجب من نذر أو كفارة قتل أو ظهار أو يمين أو كفارة نذر،
[ ٤ / ٦٢ ]
لا يجزئ في الواجب عتق المدبر والمكاتب والمبعض
وإن كان المراد ترك استفصال النبي ﷺ معاوية أواجب عتق تلك الرقبة عليه أم هو تطوع منه؟، فلا يكون في الحديث بناء على ذكر هذه القاعدة هنا دليل على اشتراط الإيمان للاحتمال المذكور، وإلا لزم المستدلين به أن يقولوا لا يصح عتق الكافر في التطوع، وهو خلاف اتفاق العلماء، ومهما يكن فالحجة قائمة في اشتراط الإيمان قي الرقبة الواجبة العتق بحمل المطلق على المقيد، والله أعلم.
[ ٤ / ٦٣ ]
لا ينجز عتق الصبي ولا المولى عليه
• قوله:
٤١ - «ولا يجوز عتق الصبي ولا المولى عليه».
قوله عتق الصبي من إضافة المصدر إلى فاعله، أي أن الصبي إذا أعتق فإن عتقه لا يمضي كالمجنون لأنه ليس من أهل التكليف، أما عتق الصبي المملوك فهذا يجوز ويكفي، وقد نصوا أن على معتقه أن يتولى الإنفاق عليه حتى يبلغ إذا لم يكن له من ينفق عليه ومثله الشيخ الفاني، والمولى عليه هو السفيه الذي لا يحسن التصرف فهذا لا يجوز عتقه لأنه فاقد للرشد فمنع الحكمُ عليه بالسفه إمضاءَ عتاقه، قالوا إلا أن يعتق أم ولده فإنه يمضي عتقها لأنه لم يبق له فيها غير الاستمتاع وهو حقه الخالص فله التنازل عنه قبل أوانه، أما إذا اتصف بالسفه ولم يكن مولى عليه فإن عتقه يمضي لأن تصرفه محمول على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم رحمهما الله، قال علي الصعيدي في حاشيته: والظاهر قول مالك.
[ ٤ / ٦٤ ]
قيود في اعتبار الولاء لمن أعتق
• قوله:
٤٢ - «والولاء لمن أعتق».
الولاء من الولاية بفتح الواو، وقد حده بعضهم بأنه «صفة توجب لموصوفها حكم العصوبة عند عدمها»، انتهى، أي أن من زال ملكه عن رقيق فهو مولاه نجز عتقه أو علقه أو دبره أو كاتبه أو أعتقه بعوض أو أعتق عليه بسراية أو قرابة أو مثلة، ومثله من أعتق عنه غيرُه، ولو بغير إذنه فمن كان كذلك فولاء المعتَق له، وهذا يسمى ولاء بالمباشرة، وهناك الولاء بالجر وهو أن ولاء من أعتقه المعتَق بالفتح، وولاء أولاده يكون أيضا لمعتقه، كل ذلك مشروط بعدم وجود العاصب من النسب، وهكذا في أمر ولاية النكاح، ويسمى المُعْتِقُ بالكسر المولى الأعلى والمُعْتَقُ بالفتح المولى الأسفل، وإنما وصفوهما بذلك لصلاحية لفظ المولى لهما ولغيرهما مما يعرف من موضعه، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، قال ابن شاس: «فمن زال ملكه بالحرية عن رقيق فهو مولاه سواء نجز أو علق أو دبر أو استولد أو كاتب أو أعتق العبد بعوض أو باعه من نفسه أو أعتق عليه إلا أن يكون السيد كافرا والعبد مسلما،،،»، انتهى المراد منه.
وإنما يكون الولاء لمن أعتق بأربعة شروط أن يكون المعْتَق ملكا للمُعْتِقِ، وأن يعتقه عن نفسه، وأن يكون المعْتِقُ حرا، وأن يستوي المعتِق والمعتَق في الدِّين.
وما ذكره المؤلف هو طرف من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: «ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت»، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: «إن شاءت أن تحتسب عليك فتفعل، ويكون لنا ولاؤك»، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ: «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق»، رواه مالك (١٤٧٣) وأحمد والشيخان وأبو داود (٣٩٣٠)، وغيرهم.
[ ٤ / ٦٥ ]
لا يجوز بيع الولاء ولا هبته
• قوله:
٤٣ - «ولا يجوز بيعه ولا هبته».
هذا أيضا طرف من حديث ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم هكذا في بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وفي الموطإ (١٤٧٦) والصحيحين والسنن بلفظ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، واللحمة بضم اللام ما يجعل في سدى الثوب فيتم به النسج بحيث يمتزج هذا بهذا، والمعنى أن ملك الولاء بالعتق يصير ملازما له ملازمة النسب فيجري مجراه، فهو مثله في الميراث مقيد بحالة التعصيب فإذا فقد العاصب النسبي حل محله العاصب بالولاء.
[ ٤ / ٦٦ ]
إذا أعتق أحد عبدا عن غيره فالولاء للمعتق عنه
• قوله:
٤٤ - «ومن أعتق عبدا عن رجل فالولاء للرجل».
هذا كما إذا تبرع على أحد فأعتق عنه عبدا في كفارة من الكفارات مثلا فإن الولاء يكون لمن أعتق عنه علم بذلك أو لا على المشهور، شرط أن يكون المعتق عنه حرا مسلما، فإن كان عبدا فالولاء لسيده، وإن كان كافرا فالولاء لجماعة المسلمين، لأن الكافر لا ولاية له على المسلم، والله أعلم.
[ ٤ / ٦٧ ]
من أسلم على يد واحد من المسلمين فولاؤه للمسلمين
• قوله:
٤٥ - «ولا يكون الولاء لمن أسلم على يديه وهو للمسلمين».
إنما كان الولاء في هذه الحالة لجماعة المسلمين لأن الولاء محصور فيمن أعتق، وهذا لم يعتق، والظاهر أن ولاءه لمن أسلم على يديه حيث لم يكن له عاصب من النسب، والعمدة في ذلك حديث تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أسلم على يد رجل فولاؤه له»، رواه أبو داود والترمذي، وقد ضعفه جماعة، وهو في صحيح الجامع الصغير، ولا منافاة بين هذا حيث صح، وبين حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي فيه قول النبي ﷺ: «إنما الولاء لمن أعتق»، لكونه دالا على نفي الولاء عما عدا المعتِق بالمفهوم، وهذا دال على إثباته بالمنطوق قيقدم، لكن إن تزاحما قدم الولاء بالعتق عليه، وقد أشار إلى البناء ابن عبد السلام معلقا إياه على صحة الحديث، والحصر لا ينافي ما ذكرت لكونه هو الغالب أو الأصل كما في قوله ﷺ: «لا ربا إلا في النسيئة»، وقد تقدم في البيوع، والله أعلم، أما أهل المذهب فقد حملوه على افتراض صحته على أنه أحق به في نصرته والقيام بأمره، وتولي دفنه إذا مات» قاله ابن رشد، وهذا قصر للعام على بعض أفراده من غير دليل.
[ ٤ / ٦٨ ]
ولاء من أعتقت المرأة لها وكذا ما جره ولاؤه لها بولادة أو عتق
• قوله:
٤٦ - «وولاء ما أعتقت المرأة لها وولاء من يجر من ولد أو عبد أعتقته».
معناه أن المرأة إذا باشرت العتق فلها ولاء من أعتقت، كما أن لها من جره ولاؤه لها بولادة أو عتق، فيسترسل ولاؤها إلى أولاده وحفدته ومعتَقيه، جاء نحو هذا في الجواهر لابن شاس، فأما أن ولاء من أعتقته المرأة لها فقد تقدم دليله بدخولها في عمومه، وهو حديث إنما الولاء لمن أعتق، ونص المؤلف على هذا الفرد منه ليرتب عليه ما بعده، وأما أن لها الولاء على من يجره ولاؤه لها من ولد أو عبد أعتقه من أعتقته فلأن مولى المولى مولى، وأما ولايتها على ولد المعتق فلأن ولاءها خاص فيقدم على الولاء العام الذي لجماعة المسلمين، وقد روى مالك في الموطإ (١٤٧٧) عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدا فأعتقه، ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم موالي، وقال موالي أمهم: بل هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان ﵁ فقضى عثمان للزبير بولايتهم، والله أعلم.
[ ٤ / ٦٩ ]
• قوله:
٤٧ - «ولا ترث ما أعتق غيرها من أب أو ابن أو زوج أو غيره».
يوضح قوله هذا أنه إذا أعتق امرؤ عبدا وخلف المعتق ابنا وبنتا فولاء تلك الرقبة للابن دون البنت، وإذا أعتق امرؤ شخصا ومات المعتق وكانت له زوجة فإنها لا ترثه بالولاء، لأن الولاء إنما يكون بالتعصيب، والنساء لا حظ لهن فيه إلا ما استثني، وقد روى الترمذي من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «يرث الولاء من يرث المال»، والمراد بمن يرث المال العاصب، لكن الحديث ضعيف، وروى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن».
[ ٤ / ٧٠ ]
• قوله:
٤٨ - «وميراث السائبة لجماعة المسلمين».
لفظ السائبة من كلام الجاهلية فلا يصح أن يستعمله المسلم في معاملاته، وقد صرح خليل بكراهته، والظاهر حرمته، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]، ومن هذا لفظ النوء المستعمل عندنا مرادا بها المطر، فيقولون النو، فهو لفظ بقي من الجاهلية لكنه لا يراد به ما كان يراد من قول المتقدمين مطرنا بنوء كذا، والمقصود هنا أن من قال لمملوكه سيبتك أو أنت سائبة، يقصد بذلك العتق لا عن معين، فإن ولاءه يكون لجماعة المسلمين يرثونه ويعقلون عنه ويتولون عقد نكاحه إن كان أنثى وتكون لهم حضانته، ولو قال لمملوكه أنت حر ولا ولاء لي عليك فإن ولاءه عليه لا يزول لأنه حكم ثبت بمجرد قوله أنت حر، فلا يؤثر فيه ما بعده.
قلت: والظاهر أن قوله أنت سائبة إما أن لا يعتبر عتقا شرعيا، فإن اعتبر فلا اعتماد على اللفظ فيكون ولاؤه له، وهو رواية ابن وهب عن مالك.
[ ٤ / ٧١ ]
يكون الولاء لأقعد عصبة الميت المعتق
• قوله:
٤٩ - «والولاء للأقعد من عصبة الميت الأول، فإن ترك ابنين فورثا ولاء مولى لأبيهما ثم مات أحدهما وترك بنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه».
مراده بالأقعد الأقرب، ومراده بالميت الأول المباشر للعتق، وإيضاح كلامه أنه إذا مات المعتق بالكسر فإن أولى الناس بالولاء بعده العاصب الأقرب إليه، وضرب لذلك مثلا، وهو ما إذا توفي المعتق وترك ابنين ورثا الولاء ثم مات أحدهما وترك بنين فإن الولاء يرجع إلى أخي المتوفى دون بنيه لأنه أقرب إلى المباشر للعتق إذ هو ابنه وهو واضح، فالحاصل أن أولى الناس بميراث الولاء المعتق ثم أولاده الذكور ثم بنوهم وإن نزلوا، والأعلى يحجب الأسفل، فإن عدم بنو المعتق فأبوه، يليه إخوته الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة الأشقاء، ثم الذين للأب، ولا يجري الأمر في ميراث الولاء على ما هو معروف من ميراث هذا مع هذا.
[ ٤ / ٧٢ ]
• قوله:
٥٠ - «وإن مات واحد وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا».
هذا افتراض آخر في المثال المتقدم يتحاص فيه الوارثون للولاء بالسوية، وهو ما إذا مات المباشر للعتق وترك ابنين فمات واحد منهما وترك ابنا ثم مات أخوه وترك ابنين فإن الولاء بينهم يأخذ كل منهم الثلث وذلك لتساويهم في القرب من الميت لأنهم جميعا أبناء بنيه، فليس بعضهم بأولى من بعض، ولو قال المؤلف: فإن ترك المعتق ابنين وماتا ولكل منهما أبناء فالولاء بينهم لكان أوضح.
[ ٤ / ٧٣ ]