هذه أمور تسعة جمعها في ترجمة واحدة يروم بذلك الاختصار، وسيأتي تعريف كل منها في موضعه إن شاء الله، وقد ابتدأ بالشفعة وهي بضم الشين وسكون الفاء مأخذها من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع يضم حصة غيره إلى حصته فتصير شفعا، والذي له حق الشفعة يدعى شافعا وشفيعا.
والشفعة في المذهب هي «استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه»، أي طلب الشريك ذلك لأنه حقه، وليس معناه إلزامه به، وقوله مبيع هو متفق عليه، ويدخل على مشهور المذهب ما انتقل بعوض كالصداق وأرش الجناية وهبة الثواب، بخلاف الهبة والصدقة والإرث، وقد يكون هذا مبنيا على تعليل الشفعة وعدمه، وإن لم أعلم من ذهب إلى عدم التعليل من أهل المذهب، لأن تعليلها بدفع الضرر عن المشارك يقضي بتساوي طرق انتقال الملك لا فرق ما كان بعوض وغيره، وهذا متجه قوي، وقوله شريكه قيد يخرج غير الشريك كالجار فلا شفعة له في المذهب، وسيأتي ما فيه، وقوله بثمنه معناه أنه إنما يأخذ الشقص بثمنه الذي بيع به، فإن لم يبع كما إذا أخذ في صلح أو صداق فإنه يأخذه بقيمته، وقد تقدم الفرق بين ثمن الشيء وقيمته في البيوع، وقيد الثمن يخرج ما يأخذه باستحقاق، وسيأتي معنى الاستحقاق في باب الأقضية.
والشفعة مستثناة من أصل ممنوع لأجل دفع الضرر عن الشريك، إذ الأصل أن لا يباع ملك الرجل بغير رضاه.
فإن قيل: إن في دفع الضرر عن الشريك إلحاقَ الضرر بالمشتري، فالجواب: أن دفع
[ ٤ / ٧٤ ]
الضرر عن الأول مرجح لسبقه في التملك، ومع ذلك فقد اختلف هل حق الشفعة معلل أولا، فذهب أبو المعالي الجويني كما حكاه عنه ابن العربي في المسالك (٦/ ١٨١) ورده إلى أنه غير معلل لأنه فسخ قهري يترتب على عقد اختياري أذن الشرع فيه، وهذا ما لا نظير له في الشريعة، وإنما شرعه الله لما علم من الحكمة لا لعلة نصبها علما»، انتهى، والصواب هو الأول، لكن اختلف في الضرر المدفوع بالشفعة ما هو؟، فقيل هي لدفع ضرر الشركة، وقيل لدفع ضرر القسمة إذا طلبها أحد الشريكين وأَبَى الثاني، وينبني على التعليل بالأول إثبات الشفعة فيما يقبل القسمة وفيما لا يقبلها، ومثلوا لما لا يقبلها بالحمام والرحا وسائر ما تفسده القسمة، أما من علل بالثاني فقد قصر الشفعة على ما يقبل القسمة، ومنعها فيما لا ينقسم، وهو المذهب، قال مالك في الموطإ في آخر كتاب الشفعة بعد أن ذكر أمثلة لما
لا شفعة فيه من العبيد والحيوان والثياب والبئر من غير أرض: «إنما الشفعة فيما يصلح
أن ينقسم وتقع فيه الحدود من الأرض، فأما ما لا يصلح فيه القسم فلا شفعة فيه»،
انتهى.
ولا أدري وجه منع الشفعة فيما لا ينقسم مع أن الضرر فيه كغيره، بل هو أولى، فإن ما يقبل القسمة يمكن تقليل ضرره على المشارك أو دفعه كله بها، أما مَا لا يقبلها فلا سبيل إلى دفع الضرر إلا بجعل مالكه واحدا أو تقليل المالكين، وهذا قول في المذهب، وقال ابن العربي في المسالك ينتصر للمشهور: «ذلك أن الشفعة شرعت لدفع الضرر في القسمة، والخسارة في تغيير هيئة الحمام والبئر أكثر منها في مئونة القسمة، فكيف يدفع ضرر بأعظم منه؟، وإنما يرفع أعظم الضرر بأهون منه،،،»، انتهى، قال كاتبه: ما لا يقبل القسمة لا يقسم فتكون الشركة فيه دائمة إلا أن يكون للمشارك حق الشفعة فيتخلص به من ضررها بخلوص الملكية له، فليس هناك ضرر أعلى يدفع بضرر أدنى كما توهمه هذا الإمام، لأن إثبات حق الشفعة يدفع القسمة عما لا ينقسم، أو ينقسم ومع القسمة فساد.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٣٨٣): «وظن من ظن أنها تثبت لرفع
[ ٤ / ٧٥ ]
أركان الشفعة
المقاسمة كلام ظاهر البطلان، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة ولو كان ضرر المشاركة أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل فإن شريعة الله منزهة عن هذا»، انتهى، وأشار إلى أن الشفعة فيما لا ينقسم أولى منها في ما ينقسم، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في التعليقات الرضية: «الظاهر أن الصواب أن له حق الشفعة في هذه الصورة أيضا، بل هو أولى، لأن دخول شريك جديد مع الشريك القديم مدعاة لإيجاد خلاف بينهما،،،». انتهى.
وأركان الشفعة أربعة، الأول: الآخذ وهو الشفيع، والمشهور أن الشفعة تثبت للذمي، وقيد بعضهم ذلك بما إذا لم يكن في جزيرة العرب لأن إقامته فيها لا تشرع، وهذا حق.
وقال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد (١/ ٢): «حقوق المالك شيء، وحقوق الملك شيء آخر، فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق، وحقوق الملك تتبع الملك، ولا يراعى بها المالك، وعلى هذا حق الشفعة للذمي على المسلم، من أوجبه جعله من حقوق الأملاك، ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين، والنظر الثاني أظهر وأصح، لأن الشارع لم يجعل للذمي حقا في الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: «إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فكيف يجعل له حقا في انتزاع الملك المختص به عند التزاحم؟.
والثاني: المأخوذ منه، وهو آخذ الشقص من مشتر أو غيره على الخلاف الذي سيذكر، والثالث: الشيء المأخوذ وهو الشقص المنقولة ملكيته، فإن كان مبيعا فقد اتفق عليه لأنه منصوص، واختلف في غير المبيع، والمذهب إلحاق ما كان بعوض بالبيع كالإجارة وهبة الثواب والخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف، بخلاف ما كان بغير عوض كالهدية والصدقة والإرث، وقد نقل غير واحد الاتفاق على عدم الشفعة في الإرث، ووجهه أن الوارث حل محل الميت من غير اختيار، والقياس يقضي بإثبات حق الشفعة من
[ ٤ / ٧٦ ]
غير التفات إلى سبب نقل الملك إلا أن يخرج بالنص أو الإجماع، فإن الضرر موجود في جميع ذلك، وهو الرواية الثانية عن الإمام ذكرها عبد الوهاب في المعونة وابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٥٨)، فتدخل الهبة والصدقة وغيرهما، والرابع: المأخوذ به وهو الثمن متى بيع الشرك، أو قيمته إذا أخذ في صلح عن دم عمد أو في صداق أو هبة ثواب.
[ ٤ / ٧٧ ]
إنما تكون الشفعة في المشاع
• قوله:
٠١ - «وإنما الشفعة في المشاع».
المراد بالمشاع ما كان للشفيع فيه شقص غير متميز كالثلث والربع ونحوهما، ولا يكون هذا إلا قبل القسمة، ودليل ذلك حديث جابر ﵁ قال: «قضى النبي ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، رواه الشيخان، وهذا لفظ البخاري، وهو في الموطإ (١٣٩٤) نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وقوله صرفت مبني للمجهول راؤه مشددة، ومعناه «بينت مصارف الطرق وشوارعها كأنه من التصرف والتصريف»، قاله في الفتح، وروى أبو داود (٣٥١٥) وهذا لفظه وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها».
[ ٤ / ٧٨ ]
• قوله:
٠٢ - «ولا شفعة فيما قسم ولا لجار».
الجمع في البيان بين المنطوق والمفهوم جرى عليه مالك كثيرا في موطئه، والمؤلف نفى حق الشفعة فيما قد قسم هنا بالمنطوق تأكيدا لنفيه بمفهوم قوله: «إنما الشفعة في المشاع»، لأن الشياع يزول بالقسمة، أما أنه لا شفعة للجار فلأنه غير مخالط، ولا شك أن الحدود بين ملكه وملك جاره قد وقعت، فلم يعد الملك مشاعا، ولا وجد من الضرر الذي شرعت الشفعة لأجله ما يتعين دفعه، ولأن الشفعة جاءت مخالفة لأصل حرية تصرف المالك في ملكه فلا يُتعدى بها ما نص عليه، لكن روى البخاري وغيره عن أبي رافع ﵁ قال، فال رسول الله ﷺ: «الجار أحق بسقبه»، والسقب بالسين والقاف المفتوحتين وجاء بالصاد أيضا هو القرب والمجاورة، وقد تأولوه على معنى أنه أولى بمعروفه ومعونته، قال في النهاية: «ويحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة بسبب قربه من جاره»، قال الشيخ أحمد شاكر: «وهذا الاحتمال أظهر عندي في معنى الحديث».
قلت: يرد هذا الاحتمال سبب ورود الحديث عند ابن ماجة عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد بن سويد عن أبيه الشريد بن سويد، قال: قلت يا رسول الله، أرض ليس فيها لأحد قسم ولا شريك إلا الجوار؟ قال: «الجار أحق بسقبه».
ومع هذا فقد جاء في إثبات الشفعة للجار حديث جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»، رواه أحمد وأصحاب السنن (د/ ٣٥١٨)، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «جار الدار أحق بدار الجار»، رواه النسائي وابن حبان، وهو في سنن أبي داود (٣٥١٧) والترمذي عن الحسن عن سمرة، وحديث الطبراني عن سمرة مرفوعا: «جار الدار أحق بالشفعة»، فهذه نصوص قد ذكر فيها الجار، ونص فيها على حق الشفعة له، فلا مساغ لتأويلها، ولا مناص لمن صححها من الأخذ بها، مع أن الدليل قد قام على أن الجار يعرض ما يريد بيعه
[ ٤ / ٧٩ ]
القول بالشفعة للجار
على جاره ولو لم تكن له شفعة.
لكن الحق هو تقييد شفعة الجار بما إذا كان ثمة ضرر يتعين رفعه كالاشتراك في الطريق الداخلي، ومنها سكنى الجار فوق جاره فيما أحسب، وقد نص على ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إذا كان طريقهما واحدا»، لكن قال ابن تيمية ﵀ (٣٠/ ٣٨٣): «فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضي بها في الاشتراك في الرقبة أولى وأحرى»، انتهى، وفي صحة هذه الأولوية نظر، لأن الكلام في الجار والمفروض أن لا شركة معه، والله أعلم.
والحاصل أن شفعة الجار قد اختلف الناس فيها على ثلاثة مذاهب: منعها مطلقا وهو الذي عليه مذهب مالك، وإثباتها مطلقا وعليه الحنفية، وإثباتها بقيد وحدة الطريق، وهذا هو الذي يستفاد من مجموع الأحاديث كما علمت، وانظر تهذيب سنن أبي داود المطبوع بهامش عون المعبود (٩/ ٣٠٩) لابن القيم ﵀.
[ ٤ / ٨٠ ]
لا شفعة في طريق ولا في عرصة دار قسمت بيوتها
• قوله:
٠٣ - «ولا في طريق ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض».
العرصة هي الموضع الخالي من البناء تجمع على عرصات بفتح الراء، وسميت بذلك لأن الصبيان يتعرصون فيها، أي يتفسحون ويلعبون، وقد دل على عدم الشفعة في الطريق نص حديث جابر فيما يبطل الشفعة: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، ولأن الأصل هو الاشتراك في منافع الطريق، فلا وجه لاستبداد واحد بها، ولا ضرر على مشاركة غيره إياه فيها، ولأنها غير مقصودة لذاتها، ولا فرق بين أن تصلح للقسمة أو لا تصلح كما هو نص كلام مالك في الموطإ، بل المذهب أن لا شفعة في الطريق، ولو كان خاصا بالشريكين إلى الدار أو إلى الحائظ حيث تمت القسمة فيهما، وهذا القيد قد ذكره المصنف بعد نفي الشفعة في العرصة، وهو شامل للطريق أيضا، أما الطريق العام فلا يجوز بيعه أصلا.
قلت: لكن قوله ﷺ في شرط إثبات الشفعة للجار: «إذا كان طريقهما واحدا»، يدل على أن اتحاد الطريق موجب للشفعة بالجوار فيخصص قوله ﷺ: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، بحمل الطريق هنا على غير العام
والمقصود من قوله «ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها» أن البيوت إذا قسمت وكان معها عرصة تفضي إليها فلا شفعة فيها، أما إذا لم تقسم البيوت فإن الشفعة في العرصة تكون تبعا لها، قال مالك في الموطإ: «والأمر عندنا أن لا شفعة في عرصة دار صلح القسم فيها أو لم يصلح»، انتهى، وفحل النخل هو الشجرة التي يؤخذ منها العضو المذكر لتأبير النخل الإناث فهذا لا شفعة فيه حيث قسمت النخل وكان في أحد قسميها الفحل، ومثله البئر حيث قسمت الأرض فطار لأحد المتقاسمين البئر، فكل منهما تبع لأصله تبعية الطريق للبناء، فالحاصل أن إناث النخل أصل للفحل، والأرض أصل للبئر فمتى قسم الأصل فلا شفعة في التابع.
[ ٤ / ٨١ ]
الشفعة في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر
• قوله:
٠٤ - «ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر».
في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة في كل شرك: في أرض، أو رَبع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه»، والربع بفتح الراء وسكون الباء ما يربع فيه الإنسان ويتوطنه، وقصد المؤلف نفي الشفعة في غير ما ذكر استقلالا، أما لو كان تبعا فالشفعة قائمة، لكن إذا باع الشريك حصته من الثمار فإن لشريكه الشفعة فيها ما لم تيبس، فإذا يبست فاز بها المشتري وبقي للشريك حق الشفعة في الأشجار فيأخذها بما ينوبها من الثمن، بخلاف الرزع فإنه لا شفعة فيه، لكن الأرض باقية على أصلها من الشفعة، وقد قال مالك بالشفعة في الثمار دون غيره من العلماء، وقالوا إن قوله هذا كان استحسانا منه، ومما قاله عنها: «ما علمت أحدا قبلي من أهل العلم قاله، ولكني استحسنته»، انتهى.
قال كاتبه: يظهر لي والله أعلم أن قول مالك بالشفعة في الثمار من القوة بمكان، وقد كان يقع في نفسي أنه استأنس في قوله هذا بالترخيص في بيع العرية بخرصها تمرا استثناء من أصل ممنوع لدفع الحرج عن المعري فقال بالشفعة في الثمار مراعاة لهذا المعنى، ف ﵀ ما كان أعلمه وما أسد نظره، ثم وجدت ابن العربي قد قاله في المسالك، وقد قالوا إن هذا واحد من أمور خمسة أو ستة رآها ﵀، ومنها استحسانه الشفعة فيما إذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد ورثته بيع نصيبه من البناء فلإخوته فيه الشفعة، وقوله في القصاص بالشاهد واليمين، وكون أنملة الإبهام فيها خمس من الإبل، ويؤخذ من استحسانه هذا أربعة أمور أولها تحفظه الشديد من أن يقول برأيه في شيء من أمور الدين، والثاني لجوؤه إلى ذلك عند الضرورة، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁ في مسألة من توفي عنها زوجها ولم يكن قد فرض لها: «أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان»، وهو عند أبي داود (٢١١٦)
[ ٤ / ٨٢ ]
والترمذي وابن ماجة، والثالث أن فيه ردا على من زعم تعميم قول الإمام أحمد الذي فيه لا تقل بشيء ليس لك فيه سلف، فإن بعض الناس يرفعه في وجه كل من رأوه يقول ما لا علم لهم به، فإن هذا لو اعتمد عليه من غير قيد لترك العامي لهواه بحيث لا يجاب، ولأمسك الناس عن الكلام في النوازل، مع أن المرء ينبغي أن يفرق بين ما يقوله رأيا عند الحاجة إليه، وما يقوله مبلغا لحكم الله حسب علمه، وقد يؤخذ من هذا وهو الرابع أن ما يذكره مالك ﵀ مما ظاهره أنه رأي له يكون له فيه سلف.
[ ٤ / ٨٣ ]
سقوط شفعة الحاضر بعد مرور سنة
• قوله:
٠٥ - «ولا شفعة للحاضر بعد السَّنَة».
ذكر هنا بعض ما يسقط الشفعة، فإن الشفيع إما أن يكون غائبا أو حاضرا، فالحاضر وقتوا له سَنَة في المشهور، ما لم يصدر عنه ما يدل على إسقاطه حقه في الشفعة كأن يشتري من مشتري الشقص، أو يستأجره، أو يبيع هو حصته، أو رأى المشتري يهدم ويبني وسكت، فتسقط بذلك الشفعة ولو قبل مرور السنة، ووجه قولهم بالسنة وما قاربها أنها دورة زمنية كاملة جعلها الشرع مدة للزكاة وبعض الأحكام، ولأن بقاء الشفعة بعدها يترتب عليه إضرار بالبائع، وهذا ليس إلا رأيا، إذ ليس في تحديد وقت بقاء حق الشفعة له ما يعتمد عليه، وبقاء هذا الحق له قيدوه بقيود منها أن يكون الشفيع عاقلا بالغا رشيدا عالما بالبيع ولا عذر له في سكوته وإلا كان على شفعته حتى يحصل العلم أو يزول العذر.
[ ٤ / ٨٤ ]
• قوله:
٠٦ - «والغائب على شفعته وإن طالت غيبته».
دليل ذلك حديث جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وظاهره عدم فوات هذا الحق بالطول، قال مالك: «لا تقطع شفعةَ الغائب غيبتُه، وإن طالت غيبته، وليس عندنا لذلك حد تقطع إليه الشفعة»، انتهى.
قال كاتبه: لكن الشريعة التي جاءت بدفع ضرر القسمة أو الشرك عن الشفيع جاءت أيضا بدفع الضرر عموما، وليس في الحديث السابق إلا أن الغياب لا يقطع الحق في الشفعة، أما المدة التي يستمر له فيها هذا الحق فلا بد من تقييدها لما ذكرنا، فتكون من موارد الاجتهاد بحسب حال الغائب، والله أعلم، أما حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفعة كحل العقال، ولا شفعة لغائب»، رواه ابن ماجة والبزار، والفقرة الأخيرة له فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، والحاصل أن مسقطات الشفعة أمور ثلاثة هي:
أولها: التخلي عنها بصريح اللفظ كأن يقول تركت حقي في الشفعة أو أسقطت شفعتي، لكن إسقاطه حق الشفعة لا يعتبر إلا إذا كان بعد بيع الشقص، أما قبله فهو كالعدم لأنه قد تم قبل الاستحقاق، هكذا قالوا، وفي هذا الشرط نظر إذ ما يقال إذا آذنه شريكه بالبيع فأذن له وتنازل عن حقه وقد أمر الشرع صاحب الشقص بذلك كما تقدم في حديث جابر عند مسلم وأبي داود من قوله ﷺ: «لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع»، وكيف لا يعتبر الشرع ذلك وهو وقت ما قبل استحكام النزاع واستفحاله ثم يقر له بالحق بعد البيع مع ما في ذلك من تكثير النزاع؟، هذا مستبعد، وفي صحيح البخاري: قال الحكم: «إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له».
وثانيها: ما يدل على تركه حقه في الشفعة كرؤيته المشتري يبني ويهدم ويغير وهو
[ ٤ / ٨٥ ]
ساكت من غير مانع، وقال الشعبي: «من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له»، وهو في صحيح البخاري أيضا.
وثالثها: ترك المطالبة بحقه في الشفعة من غير عذر بعد علمه بالعقد وحضوره بالبلد مدة سنة، فإن حضر العقد وسكت فتسقط شفعته بمرور شهرين، ولينظر معتمد هذا التحديد.
[ ٤ / ٨٦ ]
• قوله:
٠٧ - «وعهدة الشفيع على المشتري».
قال في االصحاح: يقال: عُهدَتُه على فلان، أي ما أدرك فيه من درك فإصلاحه عليه»، انتهى، والمقصود أن المشتري هو الذي يتحمل تبعة ما يظهر في الشقص الذي اشتراه من عيب يوجب الرد، أو استحقاق، فيرجع الشفيع عليه بثمنه، أو يرده بالعيب عليه، فأنت ترى أن الشفيع هنا قد نزل منزلة المشتري، ونزل مشتري الشقص منزلة البائع، أما عهدة مشتري الشقص فتكون على من باع له، فيرجع عليه بالثمن عند الرد، وهذا الحكم ماض ولو تكرر البيع، فللشفيع الأخذ بأي البيوع شاء، وينتقض ما بعده، ويدفع الثمن لمن بيده الشقص، فلو فرضنا أن الشقص بيع مرتين، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة فإن اتفق الثمنان فلا إشكال، وإن كان الثمن الأول أكثر كعشرين مثلا - وقد أخذ به الشفيع - والثاني عشرة دفع لكل منهما عشرة، وإن كان الثاني هو الأكثر كعشرين مثلا، والأول عشرة - وقد أخذ بالأول - دفع للثاني عشرة ويرجع البائع الثاني على الأول بعشرة، ويقتضي كون العهدة على المشتري أنه إذا استحقها أحد من يد الشفيع أخذها من غير شيء، وعاد الشفيع على المشتري، ورجع المشتري على البائع، وانظر المعونة (٢/ ١٢٧٦).
ويمكن أن يقال إن عهدة الشفيع تقف عند البيع الأول لكونه ليس صحيحا فإن البائع مطالب أن لا يبيع حتى يعرض حصته على مخالطه فيكون هو الذي عليه العهدة لتفريطه، وقد تقدم قول النبي ﷺ: «لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه»، وعبارة لا يصلح تدل على عدم الجواز، فإنه ليس بعد الصلاح إلا الفساد، كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وقد وقفت بعد هذا على كلام للشوكاني في السيل الجرار (٣/ ١٨٠) قال: «الشفعة وجد سببها بالعقد الأول فإذا انضم إليها الطلب وبذل ما دفعه للمشتري من الثمن فلا حكم للعقود التي ترتبت على هذا العقد الذي كان هو السبب للشفعة، بل تبطل كلها،
[ ٤ / ٨٧ ]
ويتراجع أهلها بما دفعوه من الأثمان سواء زادت على ما دفعه المشتري الأول أو نقصت،،، إلى أن قال: «وأما الحكم لجميعها بالصحة وتفويض الشفيع إلى ما يقترحه ويريده فخارج عن مسلك العدل والعقل، فإنه يؤدي إلى تغريم بعض البائعين بعد أن باع ملكه بيعا أذن الله فيه، وأحل له ما قبضه من الثمن بمجرد هذا التشهي المجعول للشفيع خبطا وجزافا»، انتهى.
[ ٤ / ٨٨ ]
يوقف الشفيع فإما أخذ وإما ترك
• قوله:
٠٨ - «ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك».
ما تقدم من إمهال الشفيع السنة والشهرين مقيد بما إذا لم يوقف، أي يطالب بالأخذ بحقه أو تركه، وذلك بعد بيع الشقص الذي فيه حق الشفعة بيعا لازما، حينذاك يكون للمشتري أن يطالب الشفيع بإظهار رغبته في الأخذ بحقه أو عدم رغبته، فإن فعل فذاك، وإلا فله رفع أمره إلى الحاكم، وإنما كان له ذلك لما يلحقه من الضرر بسبب منعه من التصرف في حصته التي اشتراها، فإن اختار الأخذ بحقه وكان المشتري قد تصرف فيه بالهبة أو بالوقف فإن للشفيع نقض ذلك كله، قالوا ولو بني في الشقص مسجد، قال مالك: «ومن اشترى أرضا فيها شفعة لناس حضور فليرفعهم إلى السلطان فإما أن يستحقوا وإما أن يسلم له السلطان، فإن تركهم فلم يرفع أمرهم إلى السلطان وقد علموا باشترائه فتركوا ذلك حتى طال زمانه ثم جاءوا يطلبون شفعته فلا أرى لهم ذلك»، انتهى.
[ ٤ / ٨٩ ]
• قوله:
٠٩ - «ولا توهب الشفعة ولا تباع».
إنما شرعت الشفعة لدفع الضرر عن المخالط بحيث يدخل عليه في الشقص من لا يعرف شركته ولا معاملته، فلو جاز بيعها أو هبتها لتناقض ذلك مع ما شرعت لأجله، لكن اختلف في بيع الشفعة لمشتري الشقص نفسه ومعناه أن الشفيع يقرره على البيع بمقابل ويسقط بذلك حقه، والظاهر عدم الجواز لأن المقصود من الشفعة الأخذ أو الترك فيكون بيعها من باب أكل أموال الناس بالباطل، لأن الشفيع وإن كان له حق إلا أنه غير متقوم فهو مثل حق العتبة الذي أصبح الناس يتعاملون به بحيث لا يخلي المكتري المحل المكترى إلا إذا أعطاه مالكه أو من يرغب في اكترائه بعده قيمة (العتبة)، وأعظم منه وأوغل في الباطل ما يدعى بالمفتاح أو (الخلو) في السكنى، ومن كراء السجل التجاري لمن يعتمد عليه في التجارة باسم مالكه، وكذا الشهادة العلمية المتخصصة المشترطة في موافقة الجهات المختصة على القيام ببعض الأعمال وإنشاء بعض الهيآت، والله أعلم.
[ ٤ / ٩٠ ]
تقسم الشفعة بين الشركاء بقدر الأنصباء
• قوله:
١٠ - «وتقسم بين الشركاء بقدر الأنصباء».
متى تقررت الشفعة لواحد أخذها وحده، فإن تعدد الشفعاء فإنهم يتحاصون في الشقص بمقدار سهامهم، فلو كان لثلاثة أفراد دار يملك أحدهم نصفها، والثاني ثلثها، والثالث سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه، فإنه ينظر في نسبة الثلث إلى السدس فيعرف أنه ضعفه فيأخذ صاحب الثلث ثلثي الشقص، فيصير له ثلثا الدار، ويأخذ صاحب السدس ثلث الشقص، فيصير له ثلثها، وقيل يقتسمان الشقص على الرؤوس بالسوية بقطع النظر عن الأنصباء، والله أعلم.
[ ٤ / ٩١ ]
تعريف الهبة
حض الشرع على الهبة والهدية
• قوله:
١١ - «ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة».
قال ابن العربي في المسالك (٦/ ٤٤٩): الهبة على الحقيقة لله وحده لأن حقيقتها هو العطاء بغير عوض مما لا يجب، والذي يعطي على الحقيقة بغير عوض ولا يجب عليه هو الله سبحانه، ولا يتصور ذلك في الآدمي لأنه مجبول على التلفت إلى الأغراض، إما في جلب منفعة، وإما في دفع مضرة، فلذلك كانت هبته محمولة على القصد إلى البدلية فيها»، انتهى بتصرف.
والهبة مصدر وهب يهب هبة ووهبا ووهبا، ويقال موهب وموهبة بكسر الهاء فيهما، وهما اسم مصدر، والاستيهاب سؤال الهبة، والاتهاب قبولها.
قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٤٣): «والهبة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدَّيْنِ ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يكرم به الموهوب له، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها «تمليك بلا عوض»، انتهى ببعض الحذف.
وقد حض الشرع على الهبة بمعناها الأعم لما فيها من تقوية الصلات بين الناس، وإشاعة التواد والتحاب فقال النبي ﷺ: «تهادوا تحابوا»، رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى عن أبي هريرة ﵁، وقد حسنه صاحب التلخيص الحبير، وبلوغ المرام، وصاحب الإرواء، وفي الموطإ من (كتاب الجامع) عن عطاء الخراساني مرسلا: «تصافحوا يذهب الغِلّ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء»، والغل بكسر الغين الحقد، والشحناء البغضاء، وقال النبي ﷺ: «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وفيه الحض على التهادي ولو باليسير كفرسن الشاة وهو عُظَيم قليل اللحم، وهو
[ ٤ / ٩٢ ]
النهي عن الهدية على الشفاعة
للبعير موضع الحافر للفرس، واستعمل في الشاة مجازا، والمراد مِنْ ذِكْرِهِ أن لا يقتصر التهادي على الكثير لأنه قد لا يتيسر فتفوت المصلحة المترتبة عليه، فلا ينبغي احتقار ما يهدى من المهدي ومن المهدى إليه، ورواه الترمذي (٢١٣٠) فزاد في بدايته: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر،،،»، لكن فيه أبا معشر وهو ضعيف، والوحر بفتح الواو غشه ووساوسه، وقيل الحقد والغيظ، وقيل العداوة وقيل أشد الغضب»، هكذا في النهاية، وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقال: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت»، رواه البخاري عن أبي هريرة، والكراع بضم الكاف مستدق الساق العاري من اللحم، وجاء فيما لا يرد مما يهدى حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا تُرد: الوسائد والدهن واللبن» رواه الترمذي.
وجاء النهي عن الهدية مكافأة على الشفاعة الحسنة فكيف بالشفاعة السيئة؟، فقد روى أبو داود (٣٥٤١) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا»، وفيه إطلاق الشارع لفظ الربا على المال المحرم، ومثل ذلك الهدية لذي السلطان فإن هدايا العمال غلول.
وروى أحمد وابن حبان عن ابن عباس ﵄ أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها، قال: «رضيت»؟، قال: «لا»، قال: فزاده، قال: «رضيت»؟، قال: لا»، قال: فزاده، قال: «رضيت»؟، قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ: «لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي»، قوله: أن لا أتهب أي أن لا أقبل هبة، وفيه حجة لمن امتنع من قبول الهبة ممن يؤذيه بها كأن يمن بها أو ينتظر منه الإثابة عليها وهو غير قادر على ذلك، إذ لا يهم النبي ﷺ إلا بحق، فيكون هذا مستثنى من مطلوبية قبول الهدية المأمور به اقتداء بفعل النبي ﷺ، ويناسب أن يذكر هنا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ذبوا بأموالكم عن أعراضكم» قالوا: يا رسول الله، كيف نذب بأموالنا عن أعراضنا قال: «يعطى
[ ٤ / ٩٣ ]
لا تتم الهبة ولا الصدقة ولا الحبس إلا بالحيازة
التقاء أحكام الهبة والصدقة والحبس وما بينها من الفروق
هبة الثواب وهبة غير الثواب
الشاعر، ومن تخافون من لسانه»، رواه الديلمي وغيره عنه، وهو في الصحيحة برقم (١٤٦١)، وهذا يدخل في باب بذل الدنيا من أجل الدين، وقد دل عليه كتاب الله أيضا، وقد قال زهير:
ومن يجعل النعروف من دون عرضه • يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
والهبة في المذهب قسمان: هبة ثواب وهي العطية يقصد بها صاحبها عوضا ماليا من الموهوب له، وهذه نوعان: الأول مصرح فيه بالغرض، وغير مصرح به، وسيأتي البيان، والثاني هبة لإكرام المعطى، فهذه خرجت مخرج الصدقة، وهي عطية يراد بها الثواب من الله تعالى، ولا يدخل في الهبة العارية والوقف والعمرى فإن الذات فيها باقية على ملك صاحبها، والذي أعطي إنما هو منفعتها، وهذا من التقريب لا من التحقيق، وإلا فإن الصدقة كما تكون بالذات تكون بالمنافع فتدخل فيها العارية وغيرها، والاصطلاح متى لم يعارض به الحق فلا ضير فيه.
وأحكام الهبة والصدقة والحبس واحدة، ومما تختلف الهبة عنهما أمران:
أحدهما: أنها تعتصر، أي يجوز أن يسترجعها الوالد من ولده كما سيأتي.
والثاني: أن الهبة يجوز الرجوع فيها بشرائها، ولا يجوز شيء من ذلك في الحبس والصدقة.
والثلاثة: تصح وتلزم بمجرد القول أو الفعل الدال على تبرع المالك بها، ويقضى على الفاعل بدفعها على المذهب، وليس له الرجوع فيها، وللمعطى بفتح الطاء أن يحوزها ولا يتوقف ذلك على إذن المعطي.
فيعتبر في الهبة القبول، وهو ركن فيها، والحيازة وهي شرط في تمامها، وقال بعضهم إنما اشترطت الحيازة خوفا من قول المعطي في مرضه مثلا «ادفعوا لفلان كذا، فإني كنت قد وهبت له قبل مرضي»، فيحرم الوارث، وهذا لا يجوز، وعلى هذا فلا يصح أن يؤخذ
[ ٤ / ٩٤ ]
من قول المؤلف «ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة عدم اللزوم، وقد استُدل على ما ذكره من الحيازة بما رواه مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: إن أبا بكر كان قد نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟، قال أبو بكر ذو بطن بنت خارجة أراها جارية»، قول عائشة نحلها يقال نحله إذا أعطاه والنحلة بكسر النون العطية بلا عوض، وقولها جذاذ عشرين وسقا تعني مقدار ما يحصل من جني ثمرته، والجذاذ القطع، وموضع الدليل منه قول أبي بكر ﵁: «فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك»، واحتاز الشيء مثل حازه، إذا ضمه إليه، وجذذتيه واحتزتيه بمد التاء فتولدت عنه الياء، وقد روى مالك (١٤٣٥) عن عمر أيضا ما يدل على اشتراط الحيازة في تمام الهبة، وقد رد ابن العربي الاستدلال بهذا الأثر ونحوه على اشتراط الحيازة في إمضاء الهبة فقال: «ولما رأى الناس أن عقد الهبة تبرع محض قالوا إنه لا يلزم إلا بالقبض، وإليه صغى أكثر الفقهاء، منهم الشافعي وأبو حنيفة، وعجبا لهم، من أين نزعوا لهذا الأصل، والهبة عقد من العقود ومبنى العقود على اللزوم، ومحلها القول، منه تكون، وبه تلزم، وقد بين الله ذلك في كتابه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (١)﴾ [المائدة: ١]، وبعد أن أورد على نفسه الاحتجاج بأثر أبي بكر قال: «كيف تعلقتم بهذا في هذا الأصل العظيم وهو قول واحد من الصحابة»؟، انتهى، وقد علمت مما تقدم أن الهبة لازمة بالقول أو الفعل، والحيازة تمام لها.
وقد يؤخذ من أثر أبي بكر أمر آخر وهو تفضيل بعض الأولاد على بعض، وقد روى مالك في موطئه قبله حديث النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: إن أباه بشيرا أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: «إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي»، فقال رسول الله ﷺ: «أكل ولدك نحلته مثل هذا»؟، فقال: «لا»، فقال رسول الله ﷺ: «فارتجعه»، انتهى، وقد حمل مالك ﵀ هذا
[ ٤ / ٩٥ ]
الحديث كما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٢٦) على ما إذا كان ما نحله لبعض ولده هو ماله كله، فكأن المعنى عنده أن أمره بارتجاع المال ليس لتفضيل بعض الأولاد على بعض، بل لبقاء الوالد من غير مال، ولعل دافعه إلى هذا المسلك ما ثبت عنده من فعل أبي بكر ﵁ قال كاتبه: حمل الحديث على المعنى الذي حكاه ابن عبد البر عن مالك لا دليل عليه، فإنه ﷺ لم يسأله عما إذا كان له مال غير ما نحله لابنه، بل سأله بقوله «أكل ولدك نحلته مثل هذا»؟، فقال: «لا»، ولأن التسوية بين الأولاد في العطية قد عللت برغبة الوالد في استوائهم في برهم به، ووصف النبي ﷺ ذلك بأنه شهادة على جور، واثر أبي بكر واقعة تقبل الاحتمال، قال ابن العربي ﵀: «ورده هو الصحيح في الحكم، فإن قيل قد قال: «أشهد على هذا غيري؟، قلنا: هذا هو تأكيد التحريم، لأن أمرا لا يرضاه رسول الله ﷺ ولا يشهد به، من الذي يرضاه أو يشهد به؟، وسائر ألفاظ الحديث نص صريح فلا يرد بهذا المحتمل»، انتهى.
[ ٤ / ٩٦ ]
إذا لم تحز الهبة حتى مات الواهب فهي ميراث
• قوله:
١٢ - «فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير وارث».
لما كانت الحيازة شرطا في اللزوم فإذا لم تحز الهبة وما ذكر معها من الصدقة والحبس حتى مات المتبرع بطلت وصارت من جملة الميراث، وهو قول مالك في الموطإ، وظاهر كلام المؤلف البطلان من غير قيد، والمشهور أن البطلان مقيد بما إذا لم يطالب الموهوب له بها وَيَجِدَّ في ذلك في حياة المعطي، فامتنع من ذلك، وهذا قول ابن القاسم، ووجهه أنه سعى في حيازتها فلم يمكن من ذلك، فكان في حكم الحائز، ولم يفرق ابن الماجشون بين الجاد وغيره، وكذلك إذا جحد المعطي، وأقام المعطى له البينة على العطية فإنها يقضى بها له، نص عليه مالك في الموطإ أيضا.
أما إن وقعت الهبة وما معها في المرض المتصل بموت الواهب فإنها لا تبطل بعدم الحيازة لصيرورتها وصية بالموت، فتنفذ في حدود ثلث التركة بشرط أن تكون لغير وارث على ما تقدم في الوصية، والله أعلم.
[ ٤ / ٩٧ ]
لا رجوع في الهبة لصلة الرحم أو لفقير لأنها كالصدقة
• قوله:
١٣ - «والهبة لصلة الرحم أو لفقير كالصدقة لا رجوع فيها».
اعلم أن ذا الرحم أولى بالعطاء من البعيد، لقول رسول الله ﷺ: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صدقة وصلة»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن سلمان بن عامر الضبي، ولقوله ﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وفي رواية: «من سره أن يعظم الله رزقه وأن يمد في أجله فليصل رحمه»، وصلة الرحم أعم من أن تكون بالعطية أو بغيرها.
ومراد المؤلف الهبة لذي الرحم لأجل صلته، والرحم هنا مجاز، أُطلق المحل وأريد الحال، أي الذي يجمعك به الرحم، وقد قيد بعض الشراح ذا الرحم بمن يحرم نكاحه، واللفظ أعم منه فلينظر، وقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٣٤) أن مذهب مالك عدم التفريق في هبة الثواب بين أن تكون لذي الرحم وغيره، وإذا كنت على ذكر من أن الهبة لا يرجع فيها الواهب تبين لك أن لا مفهوم لقول المصنف هنا، فيكون مراده ذكر بعض الأفراد من هبة غير الثواب لا تقبل فيها دعوى إرادة الثواب، لكونها ظاهرة في عدم إرادة ذلك القصد، فما كان كذلك ألحق به كالهبة للفقير والصالح واليتيم، وكلام الشراح هنا فيه اضطراب، ولعل ما ذكرته من قصر كلام المؤلف على ذبك المعنى يزيل الإشكال إن شاء الله، والعلم عند الله، وقد أطلق الترمذي القول في عدم جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، ونسبه لبعض أهل العلم من الصحابة ومن دونهم، فجعلوا الهبة لذي الرحم مثل الصدقة، وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم عن سمرة قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها»، وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وتعقب كذا قال الغماري في مسالك الدلالة، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ١٣٣٠): «سنده ضعيف»، وانظر نيل الأوطار (٦/ ١١٥).
وقد جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «العائد في
[ ٤ / ٩٨ ]
هبته كالعائد في قيئه»، رواه أحمد والشيخان (خ/ ٢٦٢١) وأبو داود والنسائي، وظاهر هذا التشبيه التحريم، وفي لفظ: «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»، وهذا لا يدل على خلاف ما تقدم لأن المراد التنفير من الرجوع في الهبة، فكيف بالصدقة والحبس؟، وقال الطبري: «يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدا والموهوب له ولده، والهبة لم تقبض، والتي ردها الميراث على الواهب، لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك، وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير ونحو من يصل رحمه فلا رجوع»، انتهى بالنقل عن فتح الباري (٥/ ٢٩١)، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته.
وقد جاء ما أخذ منه الفرق بين هبة الثواب فيجوز الرجوع فيها وغير الثواب فلا يجوز الرجوع فيها، إذ روى مالك في الموطإ (١٤٣٦) عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري أن عمر بن الخطاب قال: «من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها»، انتهى، وسيأتي الكلام على هبة الثواب.
[ ٤ / ٩٩ ]
• قوله:
١٤ - «ومن تصدق على ولده فلا رجوع له».
لم يقيد الولد بالصغر في نسخة من هذا الكتاب، وفي أخرى تقييده بذلك، قال النفراوي: «لا مفهوم للصغير بل وكذلك الكبير»، انتهى، ووجه التقييد فيما ظهر لي أن نفقة الصغير واجبة على الوالد، ومع ذلك لا رجوع له في التصدق عليه، فكيف بالكبير الذي لا تجب نفقته عليه؟، وإنما امتنع الرجوع في الصدقة على الولد لعموم النهي عن الرجوع فيها، ويعرف الفرق بين الصدقة والهبة بالقرائن، وإنما نص عليه حتى لا يتوهم دخولها في اعتصار الهبة التي للولد كما سيأتي، وما ذكره المؤلف هنا من عدم الرجوع لا يوافق أيا من الأقوال الثلاثة التي في المذهب، وقد حكاها أبو الحسن في شرحه، ورجح علي الصعيدي آخرها، وهي أن له الرجوع مطلقا، والثاني أن له الرجوع فيها بالشراء من غير ضرورة، والثالث أن له الرجوع فيها للضرورة على أن يعطيه قيمتها، وكلام المؤلف محتمل للأخير، ولما كانت الهبة لازمة بالكلام ونحوه استثنى من ذلك اعتصار الهبة التي لم تخرج مخرج الصدقة بل مخرج المودة والمحبة للولد بقوله:
[ ٤ / ١٠٠ ]
يجوز للوالد اعتصار ما وهب لولده
• قوله:
١٥ - «وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثا».
احتجوا على جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده بحديث طاوس عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه»، رواه أصحاب السنن (د/ ٣٥٣٩)، وصححه الترمذي (١٢٩٩) والألباني، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٣٦) بعد أن حكى تعليق الشافعي القول بالحديث على اتصاله: «قد وصل حديث طاوس حسين المعلم وهو ثقة ليس به بأس»، انتهى، واسترجاع الهبة من الولد يسمى اعتصارا، وهو خاص بالأب دنية - أي الأب المباشر - فلا يجوز ذلك للجد، وله الرجوع من غير فرق بين ولده الذكر والأنثى والغني والفقير حاز الهبة أو لم يحزها، ما لم ينكح الولد أو يداين، والهبة التي تسترجع إنما هي المعطاة لا لأجل الصلة أو الفقر أو إرادة ثواب الآخرة.
فإن قلت: هذه أمور باطنة فأنى لنا أن نعلمها؟، فالجواب: أنها قد تعلم بالتصريح، وإلا فإن المعطي يعلم وجه عطائه فيكون ممنوعا عليه الرجوع، فإن خالف أثم، وكثير من أحكام الله تعالى أمانات عند المكلفين لا رقيب عليهم فيها غيره سبحانه.
وإنما منعوا رجوع الوالد في حالة نكاح الولد ذكرا كان أو أنثى أو مداينته لأنه قد اعتمد في ذلك على الهبة، وشُغلت ذمته بناء عليها، وهكذا إذا أحدث في الهبة حدثا يغيرها بالزيادة أو النقصان، كأن وهبه والده آجرا فبني به، أو حديدا فصنع به آنية، أو أرضا فبنى عليها، فهذا يمتنع معه الرجوع، قال مالك في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن نحل ولده نُحْلًا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة أن له أن يعتصر ذلك ما لم يستحدث الولد دَيْنًا يداينه الناس به، ويأمنونه عليه من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه أبوه، فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئا،،،»، انتهى، وذكر من أمثلة ما لا رجوع فيه الابن يتزوج وكذلك البنت.
[ ٤ / ١٠١ ]
يجوز للأم اعتصار ما وهبت لولدها ما دام الأب حيا
• قوله:
١٦ - «والأم تعتصر ما دام الأب حيا، فإذا مات لم تعتصر، ولا تعتصر من يتيم، واليتم من قِبَلِ الأب».
الأم دنية - لا الجدة - كالأب في جواز اعتصارها ما وهبته لولدها صغيرا كان أو كبيرا، لدخولها في لفظ الوالد في قوله ﷺ في حديث ابن عباس المتقدم: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وقيدوا هذا بما إذا لم تكن هبتها على وجه الصدقة أو صلة الرحم أو لفقره مع بعده عن أبيه فلا يجوز لها الاعتصار، وهذا كله إذا كان أبوه حيا حين الهبة، أما إن كان ميتا وكان الولد صغيرا فإن هبتها له تجري مجرى الصدقة بقرينة اليتم فهي لأجل الإشفاق عليه والرحمة به، ولا يقال للولد إنه يتيم إلا إذا فقد الأب، وفاقد الأم لا يدعى يتيما، وهذا في الآدمي بخلاف الحيوان، وإنما نص عليه المؤلف ليؤخذ منه أن موت الأم لا يمنع الأب من جواز اعتصار الهبة من ولده.
[ ٤ / ١٠٢ ]
حيازة الوالد ما وهبه لولده الصغير كافية بقيود
• قوله:
١٧ - «وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يسكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبا، وإنما يحوز له ما يعرف بعينه».
لما كان الولد الصغير - ومثله السفيه - لا قدرة له على حيازة ما يهبه له والده فإن حيازة الأب كافية في تمام الهبة، لأن الأب هو الذي يحوز لمحجوره.
وقد ذكروا لصحة حيازة الوالد لولده شروطا ثلاثة:
أحدها: أن يشهد على الهبة كي تثبت، وقد جاء ذلك في كلام لعثمان ﵁ سيأتي.
والثاني: أن لا يستعمل الوالد ما وهبه لابنه، كأن يسكن الدار أو يلبس الثوب، لأن حيازة الأب لابنه على خلاف الأصل، وقد أضيف إلى ذلك ما يدل على استمرار الملكية.
والثالث: أن يهب له ما يعرف بعينه كأن يقول وهبتك داري أو أرضي ويعينها أما إن كان لا يعرف ولم يضعه عند غيره حتى مات أو فقد الأهلية بجنون أو فلس فإن الهبة تبطل.
والدليل على كفاية حيازة الوالد لولده الصغير أنه لو لم يعتبر ذلك كافيا فإما أن يقال إن هبته لولده الصغير لا تشرع أصلا، وهذا باطل، وإما أن يقال يلزمه أن يضع ما وهبه لابنه عند غيره كي تتم الهبة، وهذا فيه تفضيل غير الوالد عليه في رفقه وعطفه على ولده.
ثم وقفت على ما جاء في أثر لعثمان بن عفان ﵁ وهو قوله: «أحق من يحوز عن الصبي أبوه»، إذ روى عبد الرزاق عن عروة أخبرني المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريِّ أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: «ما بال أقوام ينتحلون أولادهم، فإذا مات الابن قال الأب: مالي وفي يدي، وإذا مات الأب قال: كنت نحلت ابني كذا وكذا، لا تحل إلا لمن حازه وقبضه عن أبيه»، قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: فلما أتى عثمان شكي ذلك إليه فقال عثمان: نظرنا في هذه النحول فرأينا أحق من يحوز عن الصبي أبوه»، ورواه مالك (١٤٣٥) نحوه دون كلام الزهري في قصة عثمان، وروى مالك (١٤٥٧) أيضا عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان أنه قال: «من نحل ولدا صغيرا لم يبلغ أن يحوز فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه».
[ ٤ / ١٠٣ ]
لا تجوز حيازة الوالد لولده الكبير
• قوله:
١٨ - «وأما الكبير فلا تجوز حيازته له».
إنما جازت حيازة الوالد لولده الصغير لكونه محجورا عليه فكان ذلك استثناء من الأصل، أما الكبير فهو مالك لأمر نفسه مستقل بالتصرف في ماله فلا تصح حيازة الوالد له، ولأن في تمضية حيازته له توسيعا لباب المنازعات والدعاوي.
[ ٤ / ١٠٤ ]
لا يجوز للمرء أن يرجع في صدقته
• قوله:
١٩ - «ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع له إلا بالميراث».
المراد بالرجوع في الصدقة استعادة امتلاكها بسبب من الأسباب لا مجرد إبطالها، لأنها في هذا لا خصوصية لها، فإن جميع العطايا ما عدا الوصية لازمة بمجرد القول، ودليل المنع ما تقدم من تشبيه العائد في عطيته بالعائد في قيئه لشمول العطية الهبة والهدية والصدقة، أما الدليل الخاص فما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسالت عن ذلك النبي ﷺ فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، رواه مالك (٦٢٥) والبخاري (٢٦٢٣)، قوله حملت على فرس يريد أنه ملكه شخصا ليركبه في الجهاد، وقوله فأضاعه أي لم يحسن القيام عليه، فالحامل لعمر ﵁ على شرائه ما رآه من ضياعه، لكونه كان فرسا كريما عتيقا، ووصف شراء الصدقة بالرجوع فيها باعتبار التسامح في السعر الذي قد يعامل به البائع المشتري، أو لمجرد عودها إليه، فهذا في صدقة يشتريها المتصدق فكيف بالرجوع فيها من غير شراء؟، ولم يفرقوا بين أن يشتريها من المتصدق عليه أو من غيره، وهو في المدونة، وفي الموطإ: «تركها أحب إلي»، ومثل الشراء أسباب التملك الأخرى، ولذلك قال خليل: «وكره تملك صدقة بغير ميراث».
وإنما استثني رجوع الصدقة بالميراث لأنه لا دخل للمتصدق في حصوله ولا خيار له، فلا تهمة عليه، وليس بعد ذلك إلا أن يمنع من ميراثه بسبب تصدقه، وهذا بعيد عن مقاصد الشرع وهديه، وقد جاء في رجوع الصدقة بالميراث حديث بريدة عند مسلم وأبي داود، وفيه قول النبي ﷺ: «قد وجب أجركِ ورجعت إليك في الميراث»، أما بغير الميراث فالظاهر أنه يحرم استرجاعها، وقيل يكره ببيع أو غيره وثمة صور يسوغ استرجاعها أو استرجاع شيء منها كالزوجة تتصدق على زوجها ثم ينفق عليها من تلك الصدقة، والوالد
[ ٤ / ١٠٥ ]
يتصدق على ولده ثم يفتقر فيأكل مما أعطاه، وقد علمت من قبل أن العرية وهي من هذا الجنس رخص في شرائها للضرورة.
وقد اختلف فيما إذا أخرج المرء صدقة لشخص فوجده قد ذهب، فقيل لا يجوز له أكلها لأنه لما قصد التصدق بها وخرج بها لزمته، وقيل إن كان المتصدق عليه مُعَيَّنًا فلم يجده، أو لم يقبلها جاز له أكلها، وإن لم يكن مُعَيَّنًا لم يجز له ذلك، وعن مالك يتصدق بها على غيره وليس ذلك بواجب عليه، هكذا في حاشية الصعيدي.
[ ٤ / ١٠٦ ]
لا بأس أن يشرب المرء من لبن ما تصدق به
• قوله:
٢٠ - «ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به».
اعتبر بعض الشراح هذا من المؤلف مناقضا لما تقدم من المنع من الرجوع في الصدقة، وفي المدونة ما يؤخذ منه المنع، ولا يظهر ذلك، ووجهه أنه شيء قليل تافه، فلا يمنع ولأنه أخرجه بصفة وعاد إليه بأخرى من غير تسبب فيه، فلا يدخل في العود المنهي عنه، ولما يترتب على منعه من الحرج فيما لو وهب منيحة لجاره أو قريبه ودعاه لطعام أو وليمة، ويمكن حمل ما جاء من المنع على ما إذا أمضى الصدقة ثم استمر يشرب من اللبن من غير إذن المتصدق عليه، والله أعلم.
[ ٤ / ١٠٧ ]
لا يجوز للمرء شراء ما تصدق به
• قوله:
٢١ - «ولا يشتري ما تصدق به».
هذا مكرر مع قوله الذي حصر فيه جواز رجوع المتصدق في صدقته في رجوعها إليه بالميراث، ويمكن على بعد حمل ما تقدم على رجوعه فيها من غير عوض، وكلامه هنا على الرجوع بعوض، ومهما يكن فدليل المنع ما سبق من قول النبي ﷺ لعمر: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والله أعلم.
[ ٤ / ١٠٨ ]
هبة الثواب إما أن يكافأ عليها بقيمتها أو ترد
حجة من أثبت هدية الثواب وما فيها
• قوله:
٢٢ - «والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها، وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له».
هذا هو النوع الثاني من الهبة وهو المسمى هبة الثواب، أي الهبة التي يقصد بها الواهب أن يحصل على العوض من الموهوب له، وهي قسمان: ما صرح فيه بذلك، وما لم يصرح فيه به فيعرف بالقرائن، قالوا ومن القرائن أن يهب الفقيُر للغني، والخادم للمخدوم، فإن لم يعرف وادعى الواهب أنه إنما وهب لأجل العوض كان المرجع هو عرف الناس، وهذا مراد المؤلف بقوله: «إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له»، وبهذا يظهر لك أن هبة الثواب عقد معاوضة بعوض مجهول، وهذا هو الواقع الغالب فيها، وقد لا يكون العوض مجهولا بأن يسميه الواهب ويشترطه، فإذا لم تقبض جاز الرجوع فيها، وإن قبضها تعين على الموهوب له أحد أمرين: إما أن يثيب عليها قيمتها، أو يرد عينها، فإن فاتت بزيادة أو نقصان فعليه قيمتها يوم قبضها.
وقد استدلوا على مشروعية هبة الثواب بحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها»، وقد تقدم، وهذا ليس نصا بل ولا ظاهرا فيما استدلوا به عليه، فإن فعله ﷺ يدل على الاستحباب، واستحباب التهادي قد مر دليله، ثم من أين أخذوا أن الذين أهدوا إليه كانوا يريدون المكافأة؟، ومما استدلوا به قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
قال ابن كثير ﵀: «من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نُهِيَ عنه رسول الله
[ ٤ / ١٠٩ ]
ﷺ خاصة قاله الضحاك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدَّثر: ٦]، أي لا تعطي العطاء تريد أكثر منه، وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح - يعني ربا البيع - وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها ثم تلا هذه الآية، انتهى كلام ابن كثير، وروى مالك في الموطإ عن عمر قال: «ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»، انتهى.
قال كاتبه: ما أجدر هذا النوع أن يسمى بيعا، فإن المراد من الهبة لغة وشرعا الإكرام والإحسان وتأليف القلوب، فحق هذا النوع أن يدرج في مباحث البيع، لكن الجهل بأحد عوضيه وهو الغالب عليه يمنع من إلحاقه به، فإن عرف العوض باشتراطه وتم التراضي بقبول الهبة فالصواب اعتباره بيعا، وإن جهل فلا مناص لمن اعتبروا هذا النوع مشروعا أن يغرموا الموهوب له قيمته إن فات، أما القول بأنه شبيه بنكاح التفويض فزلة من قائله، أما الاستدلال بآية سورة الروم فإنه لولا ما جاء من المأثور عن السلف المكرمين لكان المتجه أن يبقى على معنى الآية في الربا المحرم، لأنه أصل الحقيقة الشرعية، والمجاز لا يصار إليه من غير دليل، ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، مشابها لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، نظير قوله سبحانه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
وهذا يمضي على قاعدة القرآن حيث جاء التشريع متدرجا في الأمور التي فشت في الناس كالخمر والميسر والربا، ومما يقوي ذلك اقتران الربا بذكر الصدقة والموازنة بينهما في مواضع ثلاثة من القرآن هنا وفي سورتي البقرة وآل عمران، ثم إن القول بأن النبي ﷺ خص بالمنع اعتمادا على آية سورة المدثر ليس كما ينبغي، فبعد التسليم بدلالة الآية على ذلك يأتي الاعتراض بأن الأصل في التشريع العموم، ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى الدليل، بل لا يبعد أن يكون المراد من الخطاب أمته من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، ثم إن تلك الآية لو حملناها على ما قالوا لدلت بالمفهوم على جواز طلب المكافأة بالمثل في حقه ﷺ، لأنه إنما نهاه ربه عن الاستكثار: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، على أننا لو قدرنا صحة حمل الآية على هبة الثواب فليس لنا أن نتجاوز في كونها دالة على ما يضمره المعطي من الرجاء في المكافأة الزائدة على ما أعطى، فتكون الآية إن صح شمولها لما قالوا متجهة إلى
[ ٤ / ١١٠ ]
إصلاح مقاصد الناس من وراء ما يعطون، لا إلى إقرارهم على ما يفعلون، وصيغتها صالحة للتنفير من هذا القصد لكون ما يترتب عليه من المكافأة لا يربو عند الله، لأن ظاهره شيء، والمراد منه شيء آخر، وحسب العاقل من هذا شرا، وهدية الثواب قد فشت في بلادنا في العقود المتأخرة فشوا كبيرا ولاسيما بين النساء في المناسبات المختلفة كالزواج والولادة والختان والحصول على الشهادات وربما افتعلت بعضهن واختلقت وخرقت مناسبة لتجمع النساء فتسترجع ما أهدت لهن، فإن لم تسترجع كانت الملامة التي كثيرا ما تعقبها الندامة.
[ ٤ / ١١١ ]
كراهية هبة المال كله لبعض الولد
• قوله:
٢٣ - «ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله».
الولد يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير والبار والعاق، ومثل كل المال جله عندهم، والمشهور أن الكراهة للتنزيه، والقول غير المشهور أنها للتحريم وهو الحق لما مر بك في حديث النعمان بن بشير، والعلة في ذلك جلية، فإن تفضيل بعض الأولاد على بعض يتسبب في العقوق والتباغض والتحاسد والفُرْقة وقطع الصلات، وهذه من الحوالق، ويزيد على هذا أن التبرع بجميع المال يدخل المرء نفسه به في ضيق وفقر، وليس كل الناس متساوين فيما يترتب عليه من الآثار، وقد تعلقوا من حديث النعمان بن بشير بأن النبي ﷺ إنما أمره بالرجوع وامتنع من الشهادة فدل ذلك على عدم كمال الهبة، ولو كانت باطلة لقال إنها باطلة، وهذا تأويل باطل لما مر معك، وقد قيدوا الجواز بما إذا لم تكن الهبة في المرض المخوف المتصل بالموت لأنها حينئذ وصية، ولا وصية لوارث، كما قيدوا الكراهة بما إذا لم يقم عليه بقية أولاده خوفا من رجوع النفقة عليهم لفقره، ومما اعتبروه مكروها أن يقسم المرء ماله كله بين أولاده بالسوية إن كان فيهم ذكور وإناث، فإن كانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط وقسمه بينهم بالسوية فلا كراهة، ولا كراهة أيضا إذا قسمه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والقياس في تقسيم المال بين الأولاد على الميراث قد لا يسلم.
[ ٤ / ١١٢ ]
جواز هبة المال القليل لبعض الولد
• قوله:
٢٤ - «وأما الشيء منه فذلك سائغ».
علّلوا هذا بأنه لا يولد عداوة، وبأنه قد أبقي ما يعطيه لبقية أولاده، وتعليل جواز إعطاء القليل بما ذكر يجعل إعطاء الكثير ممنوعا لأنه سبب في العداوة فكيف يكون مكروها؟، واعتمدوا على ما رواه مالك في الموطإ أن أبا بكر ﵁ نحل أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- جذاذ عشرين وسقا وقد تقدم، والظاهر عدم التفريق بين القليل والكثير ما لم يكن ذلك استهلاكا كالضيافة أو الحاجة الخاصة كالزكاة على القول بكفاية إعطاء الوالد ولده، أو يكون في التسوية عسر كحاجة الوالد إلى مخالطة بعض ولده دون بعض، فإن الله تعالى قد شرع مخالطة اليتامى لما في اجتناب ذلك من المشقة والعسر فكيف بالوالدين؟، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠] والله أعلم.
[ ٤ / ١١٣ ]
جواز التصدق على الفقراء بالمال كله
• قوله:
٢٥ - «ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله».
لما كانت الصدقة على غير الأولاد من الفقراء ينتفي فيها ما تقدم من توريثها الشحناء والتقاطع والعقوق كان جائزا للمرء بل مندوبا له أن يتصدق بماله كله، وقد ذكروا أمورا لا بد منها حتى يكون التصدق بجميع المال كذلك، وهي أن تكون نفسه طيبة بذلك بحيث لا يندم، وأن يكون راجيا مؤملا الحصول على مماثل في المستقبل، وأن يكون غير محتاج إليه في نفسه أو فيمن تلزمه نفقته، بل قد يصل الأمر إلى التحريم إذا تحقق الحاجة إلى المال لينفق على من تلزمه نفقته فإنه كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وإذا كان الشرع قد منع من الوصية أكثر من الثلث رعاية لحق الورثة فكيف بحق الأحياء الذين تجب نفقتهم عليه؟، والمتحقق أن الذي يسوغ هو أن يتصدق بما يفضل عن مؤونة من ينفق عليه، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال البخاري ﵀ في إحدى تراجم صحيحه: «باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدفة والعتق والهبة، وهو رد عليه، ليس له أن يتلف أموال الناس، وقال النبي ﷺ: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله»، إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة،،،»، انتهى، انظر فتح الباري (٣/ ٣٧١).
[ ٤ / ١١٤ ]
فوات الهبة بموت الواهب أو مرضه أو إفلاسه
جواز قيام ورثة الموهوب له على الواهب متى كان قد جد في حيازتها
• قوله:
٢٦ - «ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب أو أفلس فليس له حينئذ قبضها، ولو مات الموهوب له كان لورثته القيام فيها على الواهب الصحيح».
سبق أن ذكر المؤلف بطلان الهبة متى لم تحز حتى مات الواهب في بداية حديثه على الهبة والصدقة والحبس وذلك قوله: «فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث،،،»، وذكر هنا أنه إن مرض الواهب قبل حيازة الهبة بطلت، وقد قيدوا ذلك بما إذا لم يجد في طلبها، ومثل المرض التفليس، وهو إحاطة الدين بمال المتبرع بهبة أو صدقة أو حبس، وقد سبق أثر أبي بكر الذي في الموطإ وفيه استرجاعه ما وهب لأم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ثم بين المؤلف أن الهبة لا تسقط بموت الموهوب له ما لم يقل الواهب هي لفلان دون غيره، ويعبرون عن هذا بقولهم ما لم تقصد عينه، فإذا توفر ذلك فللورثة أن يطالبوا بها متى كان الواهب صحيحا، لأنها كما سبق لازمة بالعقد فتنتقل إلى الوارث كبيع الخيار، ثم تكلم المؤلف على الحبس فقال:
[ ٤ / ١١٥ ]
تعريف الحبس
• قوله:
٢٧ - «ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته».
الحبس مصدر حبسته أحبسه من باب ضرب بمعنى وقفته فهو حبيس، والجمع حبُس بضم الباء كبريد وبرد، وتسكين الباء للتخفيف لغة، ويقال أيضا حبسته تحبيسا، ويسمى الحبس وقفا من وقف الشيء يقفه، واستعمال الرباعي منه وهو أوقف لغة ضعيفة، والمراد هنا: وَقْفُ العين وتسبيل المنافع على وجه التأبيد، فخرج إعطاء الذات، وقيد التأبيد في التعريف وهو أغلبي تخرج به العارية، فإن إعطاء منفعتها مؤقت، وإنما قلت أغلبي لأن تحبيس المنفعة في المذهب لا يشترط فيه التأبيد ولا التنجيز، وبناء عليه قد يجتمع الوقف مع العارية في الصورة، والوقف داخل في الصدقات، غير أن الموقوف عليه فردا كان أو جهة لا يتصرف في العين، وإنما يملك المنفعة، وهو مما اختص به المسلمون، وقد قال الشافعي ﵀: إن الجاهلية لم تحبس فيما علمت، وإنما حبس أهل الإسلام.
وقد روى البخاري (٢٧٣٧) ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟، قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول»، وروى الترمذي وحسنه والنسائي وعلقه البخاري (٢٧٧٨) عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس فيها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيه دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟، فاشتريتها من صلب مالي»، ومثل هذا حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار
[ ٤ / ١١٦ ]
ما في تكثير الحبس من المصالح للمسلمين
أركان الحبس
بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة فقال: «يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: «بخ، ذاك مال رابح»، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه»، لكن هذا ليس في خصوص الحبس، بل في الصدقة، إذ الظاهر أنه ملكهم رقبتها لا منفعتها، وفي الحديثين حرص الصحابيين على الإنفاق من أحسن أموالهما اتباعا لأمر الله تعالى، بل إنفاق الأحسن، ويدل على ذلك قول رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم والأربعة غير ابن ماجة عن أبي هريرة، وقال ﵊: «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته»، رواه البزار عن أنس، وهو في الصحيحة برقم (٣٦٠٢)، والصدقة الجارية هي الحبس، لأن رقبتها باقية لا تنتقل ملكيتها لأحد، فبذلك تكون جارية، فليس قوله ﷺ جارية بالصفة الكاشفة، بل هي مخصصة، وقال الترمذي: «لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين خلافا في جواز وقف الأرضين»، انتهى.
وأركان الوقف أربعة، الأول: الواقف، وشرطه أن يكون من أهل التبرع وهو المكلف الرشيد المالك للمتبرع به، فيدخل المريض والزوجة في الثلث.
والثاني: الموقوف عليه، وشرطه أن يكون محتاجا إلى الموقوف ولو للصرف في مصالحه، وأن يكون أهلا للتملك حِسًّا كالآدمي، وحُكْمًا كالمسجد، ولا فرق عندهم بين المسلم والكافر الذمي في جواز الوقف عليه، قريبا كان أو أجنبيا، فإن كان الوقوف عليه فردا فيشترط قبوله، وإن كان جهة كالمسجد والفقراء وطلاب العلم وسائر المرافق
[ ٤ / ١١٧ ]
وجوب التزام ما عينه الواقف لمصرف الوقف
بطلان الوقف إذا كان في مصرفه معصية
المشروعة فلا يشترط، ولا يتوقف ثبوت الوقف على حكم الحاكم في المذهب، فإن لم يعين الجهة صح الوقف ويصرف لغالب مصرف تلك البلدة مما يحتاجه المسلمون في مصالحهم المشروعة، قال البخاري: «إذا قال داري صدقة لله ولم يبين للفقراء أو غيرهم فهو جائز، ويعطيها للأقربين أو حيث أراد، قال النبي ﷺ لأبي طلحة حين قال أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وقال بعضهم لا يجوز حتى يبين لمن والأول أصح»، انتهى، والذي قال لا يجوز هو الشافعي ﵀ في أحد قوليه، ومن أوصى بشيء لما لا يجوز الصرف فيه فوصيته باطلة، قال خليل: «وبطل على معصية وحربي وكافر لكمسجد أو على بنيه دون بناته،،،».
والثالث: العين الموقوفة، وهي العقار ومثله عندهم الحيوان والعروض والنقود، واختلف في الطعام الذي تطول إقامته، فقيل يوقف وهو المشهور، وقيل لا، والمراد من وقف الطعام عند القائلين به أن يستلف ويرد مثله فنزل بدل المنتفع به منزلة دوام العين، والمذهب جواز وقف الطعام والنقود.
والرابع: ما يتم به الوقف وهو شيئان الصيغة ولها ألفاظ هي حبست ووقفت، ومنها تصدقت مع قيد يفيد الحبس كقوله لا يباع، والثاني ما يقوم مقام الصيغة في الدلالة على الوقف عرفا كالإذن في الصلاة في المكان ثم يخلى بينه وبين الناس من غير أن يختص به بعضهم.
وقد ذكر المؤلف أمورا: أولها: حيازة الوقف قبل وفاة الواقف، وقد تقدم الكلام على ذلك في الهبة والوقف مثلها، والثاني: تمثيله لما يوقف بالدار لأن العقار هو الأصل في الوقف، والثالث: وجوب التزام ما عينه الواقف مصرفا للوقف فردا كان أو جهة، فلا يغير ولا يبدل بشرط جواز الصرف لتلك الجهة شرعا، سواء كان وقفه لوصف، أو لشخص، قال تعالى: «﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]، وقد قال النبي ﷺ: «المسلمون على شروطهم»، رواه أبو داود عن أبي هريرة، وقد
[ ٤ / ١١٨ ]
استفاض عن الصحابة أنهم كانوا يقفون ويشترطون قال البخاري: «ووقف أنس دارا فكان إذا قدم نزلها، وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة من بناته: «أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله»، انتهى.
[ ٤ / ١١٩ ]
حيازة الوالد لولده الصغير ما وقفه عليه
• قوله:
٢٨ - «ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له وليُكْرِهَا له، ولا يسكنها، فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت».
استحضر هنا ما تقدم من كفاية حيازة الوالد لولده الصغير حتى تتم بذلك الهبة، والوقف والصدقة في ذلك مثلها، ومثل ولده في حيازته له من هو في حجره من الصبيان، فإذا حازها له فليكرها له ولا يسكنها، أما إن لم يكرها واستمر على سكناها حتى مات بطل الوقف على ما مر، وحقيقة الحيازة رفع يد الواقف عن الوقف، وتمكين الموقوف عليه من التصرف في الذات الموقوفة أو التخلية بين الشيء الموقوف وبين الناس كما في المسجد والطاحون ونحوهما.
[ ٤ / ١٢٠ ]
إذا انقرض المحبس عليه رجع الحبس إلى أقرب الناس بالمحبس
• قوله:
٢٩ - «وإن انقرض من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع».
هذا صادق بصورتين:
الأولى: فيما لو حبس على فرد أو أفراد معينين فانقرضوا، أو تعذر صرف الحبس لهم، فإنه يرجع إلى الفقراء من أقاربه لأنهم أولى بصدقته الواجبة والمندوبة، فلما انقرض ما اشترطه رجع الأمر إلى الأصل الذي كان عليه أن يراعيه في وقفه، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]، وقد تقدم قول النبي ﷺ: «الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم صدقة وصلة»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن سلمان بن عامر، وقوله ﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وفي رواية: «من سره أن يعظم الله رزقه وأن يمد في أجله فليصل رحمه»، وقوله ﷺ: «ثم أدناك أدناك»، وهو من جملة حديث، قال خليل في مختصره: «ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس، وامرأة لو رجلت عَصَبَ، فإن ضاق قدم البنات».
والصورة الثانية: ما لو وقف على أخ شقيق وكان للواقف أخ لأب فمات الأخ الشقيق فإن الوقف يرجع للأخ لأب لأنه أقرب إلى الواقف من ابن الأخ الشقيق، ومراعاة الأولوية في القرابة يكون يوم رجوع الوقف لأنه يوم الاستحقاق، لا في اليوم الذي تم فيه، لأنه قد يصير البعيد يوم التحبيس قريبا بعده، أما لو كان الوقف على الفقراء فالانقراض غير منتظر، ولو حصل فالظاهر أنها تصرف في وجه من وجوه الخير مع مراعاة الأولوية كالجهاد إن كان فبث العلم فالحج، والله أعلم.
ولما كانت العمرى تختلف عن الوقف في مسألة الرجوع هذه بين حكمها في أثناء كلامه على الحبس، وسيعود إليه لاستكمال الكلام عليه:
[ ٤ / ١٢١ ]
تعريف العمرى
ذكر بعض الأحاديث الواردة في العمرى
• قوله:
٣٠ - «ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها، وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا، بخلاف الحبس».
العمرى بضم العين وسكون الميم مأخوذة من العُمُر لأنه ظرف لهذه العطية أو العارية، وقوله أعمر رجلا حياته درا يعني جعلها له مدة عمره والمجعول له هو المعمَر بفتح الميم، أما الواهب فهو المعْمِر بكسرها، وهي في المذهب هبة منافع الشيء مدة عمر الموهوب له، أو مدة عمره وعمر عقبه، وكذلك لو قيدت بعمر الواهب، ولا تتوقف صحتها على لفظ بعينه، بل كل ما دل على المقصود عمل عليه، فمن الألفاظ أن يقول وهبت لك غلتها مدة عمري، أو مدة عمرك، أو أسكنتك، وقالوا هي جائزة، وكان أصلها المنع لجهالة مدة الانتفاع إلا أنها استثنيت لورود النص بها، والظاهر أنها مندوبة إذ هي في المذهب من جنس العارية، وبين الأحاديث الواردة فيها تعارض في الظاهر يحتاج إلى التأمل، فمنها حديث جابر قال: «إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: «هي لك ولعقبك»، فأما إن قال: هي لك ما عشت»، فإنها ترجع لصاحبها»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وقد أعلت الفقرة الأخيرة من هذا الحديث بالإدراج، ولولا ذلك لكان فيها دليل على رجوع العين لصاحبها بعد وفاة المعْمَر كما هو المذهب، ومما جاء فيها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «العمرى ميراث لأهلها أو قال جائزة»، رواه الشيخان، والمعنى أنها يملكها المعطى، وعن يزيد بن ثابت قال، قال رسول الله ﷺ: «من أعمر عمرى فهي لمعمره محياه ومماته، لا ترقبوا، من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، والمعمر بضم الميم الأولى وفتح الثانية قد علمت أنه هو الموهوب له، وفيه دليل على أن العمرى تورث بموت المعمر، ولا ترجع لصاحبها، وعليه يكون الشرط فاسدا، وروى أحمد والنسائي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ: «العمرى جائزة لمن
[ ٤ / ١٢٢ ]
رجوع العمرى لصاحبها متى مات المعمر أو عقبه
وجه قول مالك ﵀ برجوع العمرى لصاحبها
أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها»، قوله أُعمرها، مبني للمجهول، وكذلك قوله أُرقبها، وعن ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تُعمروا ولا تُرقبوا، من أُعمر شيئا أو أُرقبه فهو له حياته ومماته»، رواه أحمد والنسائي، والصواب إن شاء الله هو حمل النهي في الحديث عن العمرى والرقبى على ما تعارف عليه الناس مما يخالف ما جاء به الشرع، والفقرة الأخيرة في الحديث دالةٌ على ما قلت، وقوله «فهو له حياته ومماته»، يعني أنه لا يرجع إلى معطيه بعد ممات المعطى بل يورث، وروى مالك في الموطإ (١٤٣٧) ومن طريقه مسلم (١٦٢٥) عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يُعطاها لا ترجع للذي أعطاها أبدا، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»، وفقرة التعليل مدرجة من كلام أحد رواته وهو أبو سلمة.
فحصل من هذه النصوص أن الشرع صحح ما كان عليه أمر الجاهلية في العمرى من تمليك المنافع المؤقت بعمر المعطى، فجعله دائما ينتقل للورثة لكون التوقيت كالرجوع في الهبة، وقد تقدم النهي عنه، ولما يترتب على ذلك من الاضطراب والاختلاف في الميراث، قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٩٥): «فجاء الشرع بمراغمتهم فصحح العقد على نعت الهبة المحمودة، وأبطل الشرط المضاد لذلك، فإنه يشبه الرجوع في الهبة،،، فشرط الرجوع المقارن للعقد مثل الرجوع الطارئ بعده فنهى عن ذلك»، انتهى.
فإن قلت: لِمَ ذهب مالك إلى رجوع العمرى لصاحبها وقد روى حديث جابر وفيه تمليكها للمعمر؟، فالجواب: أنه اعتبر كعادته بما رواه بعد الحديث من الآثار من قول القاسم ابن محمد وقد سئل عن العمرى وما يقول الناس فيها؟، فقال: «ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا»، فكأنه والله أعلم اعتبر قول المعمِر للمعمَر: «هي لك مدة عمرك» كالشرط، ومن ذلك أنه روى عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر دارها، قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له»، انتهى، فلهذا مع ما رأى من عمل أهل المدينة تأول الحديث على أنه في المنافع، وقال: «وعلى ذلك الأمر عندنا أن العمرى ترجع إلى الذي أَعمرها إذا لم يقل هي لك ولعقبك»، انتهى، ولينظر ما
[ ٤ / ١٢٣ ]
كتبه الزرقاني في شرحه على الموطإ فيما استفيد من الأحاديث الواردة في العمرى فقد أجاد وأفاد ﵀.
والمذهب أن الرقبى باطلة، ولعل مالكا اعتمد معنى للرقبى يخالف العمرى فمنعها لذلك، قال في الصحاح: «وأرقبته دارا أو أرضا إذا أعطيته إياها فكانت للباقي منكما، وقلت: إن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي، والاسم منه الرقبى، وهي من المراقبة، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه»، انتهى، ثم وجدت في شرح الزرقاني (٤/ ٤٩) للموطإ قوله: «فالرقبى بهذا التفسير هي بمعنى العمرى، وهذه لم يمنعها مالك، بل ترجع إلى صاحبها، وإنما منع الرقبى بمعنى أن يكون لشخصين داران فيقول كل منهما لصاحبه إن مت قبلي فهما لي، وإن مت قبلك فهما لك، من المراقبة، لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه»، انتهى، ولهذا قال خليل ﵀ عاطفا على ما لا يجوز: «لا الرقبى، كذَوَي دارين قالا: إن مت قبلي فهما لي وإلا فلك»، انتهى، وقال علي الأجهوري: «إن محل عدم الجواز إذا وقع ما ذكر في عقد واحد»، انتهى، وبهذا يتبين لك أن ما ذكره الحافظ ﵀ في الفتح (٥/ ٢٩٥) من إطلاق القول إن مالكا منع الرقبى غير دقيق، وقد سوى ابن عباس بين العمرى والرقبى فيما رواه عنه النسائي قال: «العمرى والرقبى سواء».
وقوله: «بخلاف الحبس»، معناه أن الحبس لا يرجع للمحبس لأنه تحبيس للذات وتسبيل للمنفعة، فإذا انقرض مصرفه صرف في مصالح المسلمين على ما تقدم، فالقرق بينه وبين العمرى التأبيد فيه، وعدمه فيها على المذهب.
[ ٤ / ١٢٤ ]
• قوله:
٣١ - «فإن مات المُعْمِرُ يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا».
المعمر بكسر الميم الثانية هو المعطي، ومعنى كلامه أنه إذا مات المعمر يوم رجوع الدار له بسبب موت المعْمَرِ بفتح الميم كانت لورثته، هذا هو الظاهر من كلامه، فهو ذِكْرٌ لصورة أخرى بعد الصورة السابقة التي ترجع العمرى فيها لمعطيها نفسه، وهو الذي وجدت النفراوي شرح به كلام المصنف، فأما حمل كلام المؤلف على ما إذا قال له: أعمرتك هذه الدار أيام حياتي فإنه متى مات المعطي رجعت ميراثا بين الورثة، فهذا وإن كان صحيحا لكنه ليس مقصودا للمؤلف، وإن كان هو الذي وجه به الفاكهاني كلامه وأقره عليه ابن ناجي في شرحيهما رحمهما الله.
[ ٤ / ١٢٥ ]
إذا مات أحد من أهل الحبس تقاسم الباقون نصيبه
• قوله:
٣٢ - «ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي».
هذا رجوع إلى الكلام على الحبس، يريد أن نصيب من مات من أهل الحبس إذا كان على أفراد معينين فإنه يقسم على من بقي منهم لأن تشريكهم في صيغة عقد الحبس يقتضي أن يكون مقصورا على من يصدق عليه الاسم كيفما كان العدد، ومثاله أن يقول هذا وقف على أولاد فلان، فيموت أحدهم، لكن هذا ينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن نصيب المتوفى قد دخل في ملكه قبل موته كأن يكون الحبس حديقة قد طابت ثمارتها أو زرعا حضر وقت حصاده فها هنا يوزع نصيبه على وارثه وتنتقل حصته فيمايستقبل إلى من بقي ممن شملهم الحبس، وإذا قسمت منفعة الحبس على الوقوف عليهم المعينين فإنه يعطى غنيهم وفقيرهم وذكرانهم وإناثهم على السواء ولا يفاضل بينهم لأن شأن العطايا التساوي إلا لشرط من الواقف يخالف ذلك، ولم يمنع منه مانع شرعي، فإيثار بعض المحبس عليهم على بعض لا يكون بين المعينين بأشخاصهم.
ثم أشار ﵀ إلى المحبس عليهم بأوصافهم فقال:
[ ٤ / ١٢٦ ]
• قوله:
٣٣ - «ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة».
ها يوجه إلى متولي أمر الوقف من ناظر أو حاكم أو غيرهما، فينبغي له أن يؤثر بمنفعة الحبس أهل الحاجة من كثرة العيال وشدة الفقر فيقدمهم على غيرهم إما بأن يعطيهم أكثر من غيرهم، أو يسكنهم دون من سواهم متى لم يمكن استيعاب جميعهم، فإن استووا في الفقر أو الغنى فينبغي له أن يؤثر الأقرب على غيره، وقد اختلف في المراد بالإيثار هل يكون بتفاوت العطاء أو بتقديم بعضهم على بعض، والظاهر أنه يراعى في العطاء الأول، ويراعى عند عدم إمكان سكنى الجميع مثلا الثاني، لأن قصد المحبس على غير المعين الإرفاق والإحسان وسد الخلة، ومن حاز أقوى درجات الوصف كان أولى، والله أعلم.
[ ٤ / ١٢٧ ]
من سكن من أهل الحبس لا يخرج لتغير حاله
• قوله:
٣٤ - «ومن سكن فلا يخرج لغيره إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضى».
لما ذكر إيثار أهل الحاجة على غيرهم ذكر هنا أن الحبس إذا كان على معينين فمتى استفاد مَنْ تناوله لفظُ الحبس بالسكنى لكونه مستحقا لها فلا يجوز إخراجه منها، لتعطى لغيره، كأن كان فقيرا ثم استغنى لأنه دخلها بوجه جائز، ووصف الاستحقاق قائم، وإقرار إخراجه يعني إقرار إخراج من عوضه متى استغنى مثلا، وهكذا، وفي ذلك من الاضطراب والفساد ما لا يخفى، إلا أن يخرج منها خروج انقطاع فيسقط حقه، فإن اشترط المحبس على المعينين أن من استغنى خرج من الحبس عمل عليه، والكلام هنا - والتكرار مقصود - إنما هو في حبس على معينين كأولاد فلان، أما لو كان على الفقراء أو على طلاب العلم أو أبناء السبيل فسكن بعضهم لوصفه ثم زايله الوصف فإنه يخرج لغيره، والله أعلم.
[ ٤ / ١٢٨ ]
توجيه هذا القول وذكر بعض الآثار فيه
• قوله:
٣٥ - «ولا يباع الحبس وإن خرب».
غرض الشرع من الوقف تكثير الأملاك العامة التي لا ترجع ملكيتها لأحد بعينه، لأن الطباع تتقاضى الملكية الفردية وتحرص عليها، فمن ثم كان المطلوب استمرار ما حبس حتى تمتد منفعته، وبهذا يتبين أن صيانة الأحباس واجبة كي يستمر نفعها فينبغي أن ينفق من غلتها على إصلاحها، بل هو مقدم على الإنفاق على مصرفها متى وهى بناؤها لأن المنفعة متوقفة على وجود العين، فإذا خربت أو اندثرت فقد فات المراد منها، أما إن خربت وتيسر تجديدها بنفقات المحسنين أو أوقاف أخرى ساغ ذلك فيما يظهر، بل تعين، فإن خرب الوقف بحيث صار لا ينتفع به فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز بيعه، ولا بيع أنقاضه لأنه مخالفة لشرط واقفه وتبديل لمقصده، وقد قيل إن مالكا منع بيعه ولو لم ترج عودة منفعته، وأجازه ابن القاسم، ولعل منع مالك من ذلك من باب سد الذرائع وهو من أصوله التي قوي اعتماده عليها فخشي أن تقوى دعاوى عدم صلاح الوقف وادعاء خرابه فتنقطع أوقاف المسلمين، ويتسلط عليها النظار الظالمون، وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه ببقاء أحباس السلف إلى وقتهم، وقال سحنون: «هذه جل الأحباس قد خربت فلا شيء أدل على سنتها منها، ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى، ولكن بقاءه خرابا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة في أمر قد كان متقادما أن تأخذ منه ما جرى الأمر عليه،،،»، انتهى، ومعهم العموم الذي في حديث ابن عمر الصحيح وقد تقدم: «لا يباع ولا يوهب ولا يورث»، وهذا الذي في المدونة من اتباع السلف واقتفاء آثارهم في مثل هذا الأمر من أعظم الأدلة على ما كان عليه علماء الأمة من الحرص على الاتباع والتخوف من المخالفة والإحداث في الدين ولو تبينت المصالح في خلاف ذلك في بادئ الرأي، وإن كان مجرد ترك السلف للأحباس من غير انتفاع بها ليس حجة على عدم جواز بيعها لما قد يكون وراء ذلك من الأسباب التي نجهلها، ولأن ترك المال يضيع غير
[ ٤ / ١٢٩ ]
مشروع، وعدم البيع في بعض الصور هو تعطيل لمصلحة الأوقاف، ولذلك قيل يجوز بيعه إذا لم تُرْجَ عودة منفعته وكان في بقائه ضرر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد إذ ما فائدة بقائه خربا؟، لكن ينبغي أن يقال لا يلجأ إلى ذلك إلا إذا تعذر ترميمه وإصلاحه أو استحال الانتفاع به لسبب ما، على أن يوضع ثمن المبيع في مثله أو قريب منه، وقد عللوا عدم جواز بيعه بأنه قد يوجد من يصلحه بإجارته سنين هكذا قال ابن الجهم، فإن لم يكن في بقائه ضرر ورجي عود منفعته منع بيعه، وسعي في إصلاحه، ولما كان من الحبس غير العقار ما يجوز بيعه لفوات نفعه ذكر مثالا له فقال:
[ ٤ / ١٣٠ ]
إذا كلب الفرس الحبس بيع وجعل ثمنه في مثله
• قوله:
٣٦ - «ويباع الفرس الحبس يَكْلَبُ ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به فيه».
هذا مثال لما حبس من العروض، ثم تعذر استيفاء المنفعة منه كالحيوان يمرض، والثوب يخلق، وقوله يَكْلَبُ من باب فرح إذا أصيب بالكَلَب بمفتوحتين، يريد أن الفرس المحبس إذا أصيب بالكلب ومثله الهرم والمرض فإنه يجب بيعه ويجعل ثمنه في فرس آخر يُشْتَرَى ويُحْبَسُ بدله، فإن لم يف ثمن المبيع بثمن المشترى زيد عليه من الصدقات ما يفي بذلك، فإن لم يمكن وضع الثمن في شقص نوع المبيع إن أمكن، فإن لم يمكن تصدق بثمنه في مصرف الجهاد في سبيل الله لأن الفرس إنما يُرتَبَط في الأصل لذلك عندما كانت الخيل وسيلة عظيمة من وسائل الجهاد، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، وإن كان ثوبا تصدق بثمه على من لا ثياب لهم، وهكذا، ومن ذلك حُصُرُ المسجد وسائر أثاثه ومحتوياته فإنه متى كانت زائدة عن حاجة المسجد كان نقلها لمسجد آخر هو المرغوب، ومثلها المصاحف تكثر في المسجد وتزيد على الحاجة ومساجد أخرى في حاجة إليها، فإن بيع شيء من أثاث المسجد فليصرف في مثله ليجلب نظيره، لكن ذلك الآن ينبغي أن يتم بعد استشارة الهيئة المشرفة، وكتابة محضر بذلك، والله أعلم.
لكن الذي يباع عند عدم الانتفاع به إنما هو غير العقار، ولهذا قال خليل: «وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه، كأن أتلف، وفضلُ الذكور وما كبر من الإناث في إناث لا عقارٌ وإن خرب، ونقض ولو بغير خرب، إلا لتوسيع كمسجد ولو جبرا»، انتهى، فانظر كيف كان أهل العلم يجتهدون في تكثير الوقف وتنميته، فمتى كان من ذكور الحيوان الموقوف ما فضل عن النزو والطرق بيع واشتري بثمنه إناث، وهكذا تباع إناث الحيوان التي كبرت وانقطع لبنها، ويشترى بثمنها غيرها من الإناث ذوات الدر، وقد ألحقوا بمسجد الجماعة - وقيل الجمعة - توسعة الطريق والمقبرة، قالوا لأن نفع هذه أقوى من
[ ٤ / ١٣١ ]
نفع الوقف، على أن يشترى بالثمن نظير ما بيع ليكون حبسا، وقد أدخل في مسجد النبي ﷺ دور محبسة كانت تليه، وكما يباع الحبس لتوسعة المسجد يباع الملك على صاحبه جبرا، وقد عممت الدول هذا الأمر في هذا العصر تحت عنوان نزع الملكية للمصلحة.
[ ٤ / ١٣٢ ]
حكم معاوضة الربع الخرب بربع غير خرب
• قوله:
٣٧ - «واختلف في المعاوضة بالرَّبْعِ الخرب بِربْعٍ غير خرب».
هذه من صور البيع غير أن فيها تعويضا للحبس بمثله أرضا أو مسكنا، فتكون مقايضة، وقد سبق قول خليل ﵀: «لا عقارٌ وإن خرب ونقض ولو بغير خرب»، انتهى، ومعناه أنه اختلف في جواز استبدال العقار الخرب بعقار آخر غير خرب، فأجازه بعضهم نظرا إلى انتفاء نفعه، وذلك هو مقصود واقفه، والاستبدال يحافظ به على المقصود، ومنعه آخرون لما فيه من تغيير مراد الواقف، ولأنه ذريعة إلى الاجتراء على الأوقاف بتغييرها والتصرف فيها على غير مراد واقفيها، ولإمكان ترميمه وإصلاحه، وقد نقل الجواز عن ربيعة ومالك ومنعه ابن القاسم وهو المعتمد عندهم، والظاهر الأول عند تعذر الإصلاح، والله أعلم.
[ ٤ / ١٣٣ ]
مشروعية الرهن وتمامه بالحيازة
الرهن في الحضر وفي السفر
تعريف الرهن
• قوله:
٣٨ - «والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة».
الرهن بفتح الراء مصدر رهن الشيء يرهنه من باب جعل فهو مرهون، وجمع الرهن رُهُن بمضمومتين ورهان، ويطلق الرهن على العين المرهونة من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ من هذا المعنى، ومعناه في اللغة اللزوم والحبس، لأن المرهون محبوس عند الدائن حتى يستوفي دَيْنَهُ، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ: «كل مولود رهين بعقيقته»، أي مرهون معلق نفعه لوالده في الآخرة على فعلها، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدَّثر: ٣٨] أي محبوسة بما عملت فتجزى به، والمراد به في كلام المؤلف المصدر أي الإقدام على فعل الرهن، إذ لا تكليف كما يقولون إلا بفعل، وقد دل على جوازه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقيد السفر غير معتبر، فيجوز الرهن في الحضر أيضا عند الجمهور، وإنما خص السفر بالذكر لأنه مظنة افتقاد الكاتب، فيقوم الرهن مقام التوثق الذي يحصل بالكتابة، وقال أنس ﵁: «رهن النبي ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله»، رواه أحمد والبخاري والنسائي، وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «اشترى رسول الله طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد»، رواه الشيخان، وثبت أن الشعير كان ثلاثين صاعا.
والرهن عند العلماء أن يجعل شيء من متاع المدين عند الدائن توثقة له في دَيْنِهِ، وحده ابن عرفة بأنه «ما قبض توثقا به قي دَيْنٍ»، انتهى، فخرجت الوديعة والمصنوع عند صانعه، وعرفه خليل بمعناه المصدري فقال: «بذل من له البيع ما يباع أو غررا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق»، ذكر جواز رهن الغرر فلا يؤثر في عقد البيع لكونه خارجا عنه، ولأن الرهن يجوز تركه من أصله، فإذا رضي الدائن برهن شيء فيه غرر فلا ضير لأن شيئا خير من لا شيء.
[ ٤ / ١٣٤ ]
وأركان الرهن أربعة:
أولها: العاقدان وهما الراهن أعني معطي الرهن وهو المدين، والمرتهن وهو قابض الرهن وهو الدائن، وينبغي أن يكونا ممن يصح منهما البيع، ويتوقف اللزوم إن كان الراهن صبيا أو عبدا أو سفيها على إجازة أوليائهم.
والثاني: المرهون، وشرطه أن يكون مما يتأتى استيفاء كل الدَّيْنِ أو بعضه من ذاته أو من ثمنه أو من منافعه، ويجوز أن يكون الرهن بالمشاع وبما فيه غرر لما تقدم.
والثالث: المرهون به، وينبغي أن يحوز أمرين أن يكون دَيْنًا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، فلا يصح الرهن في معين، ولا في منفعة المعين، وأن يكون ذلك الدَّيْنُ لازما أو صائرا إلى اللزوم، كالجعل بعد العمل لا قبله.
والرابع: الصيغة ولا يتعين لفظ في الإيجاب والقبول من العاقدين بل كل ما دل على ذلك أجزأ.
ولما كان الرهن وثيقة بحق اشترط في تمامه القبض، لا في صحة عقده، لأن بالقبض يختص المرتهن به، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، حيث جعل صفة القبض لازمة له، ولأنه باق على ملك صاحبه، قال في السيل الجرار: «فلا يثبت به الحق للمرتهن إلا بالتراضي مع القبض»، انتهى، وفائدة ذلك أنه إن لم يقبضه لا يختص به من بين الغرماء ولو جد في قبضه بخلاف ما تقدم في الهبة والصدقة من كفاية الجِدّ في حوزهما، فإن تراخى في قبضه حتى أفلس الراهن أو مات بطل، قال خليل عاطفا على ما يبطل الرهن: «وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جَدَّ فيه»، انتهى، لكن لا يشترط أن يقبضه الدائن، بل يصح أن يقبضه أمين إن امتنع الراهن من تسليمه للمرتهن، والرهن واحد من أمور عدة لا تتم إلا بالحيازة منها الهبة والعمرى والحبس والنُّحْلَة والعَرِيّة والإخدام وغيرها.
[ ٤ / ١٣٥ ]
البينة على حيازة الرهن
• قوله:
٣٩ - «ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة».
إذا أقام المرتهن من يشهد له على أنه قد حاز الرهن فإن هذا لا يكفي في إثبات الحيازة إذا حصل المانع منها كالتفليس والموت وتنوزع في زمن حصوله: هل هو قبل الحيازة أو بعدها؟، بل لا بد من معاينة البينة على أنه قد حيز بالفعل قبل حصول المانع، وقيل بل لا بد من ثبوت التحويز وهو الشهادة على معاينة تسليم الراهن الرهن للمرتهن، وفي المدونة ما يدل لكل من القولين، وقيد بعضهم الخلاف بما إذا كان الرهن مما ينقل، أما إن كان مما لا ينقل نحو الدور والأرض فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما بالحيازة، قال خليل: «وهل تكفي بينة على الحوز قبله وبه عمل، أو التحويز؟، تأويلان، وفيها دليلهما»، انتهى، وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٢/ ١١٥٤): «إذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه كان قد رهن شيئا من ماله لبعضهم وأقر أنه أقبضه إياه فلا يقبل إلا ببينة تشهد بمعاينة القبض خلافا للشافعي في قوله إنه يكفي التقارر على ذلك، لأن إقرار المقرر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره ويمكن أن يكونا قد تراضيا على الإ قرار بذلك ليسقط حق باقي الغرماء فلم يقبل إلا بشهادة البينة عليه»، انتهى.
[ ٤ / ١٣٦ ]
على من يكون ضمان الرهن
معنى قول النبي د: "لا يغلق الرهن"
• قوله:
٤٠ - «وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه».
المرهون إما أن يكون عند المرتَهِن أو عند أمين، فإن كان عند أمين فضمانه من الراهن، وإن كان عند المرتهن فضمانه منه، ويترادان ما نقص أو زاد متى كان مما يغاب عليه، أي يخفى هلاكه كالحلي والثياب قالوا وكالسفينة في حال سيرها، لأن عدم تضمينه يؤدي إلى ضياع أموال الناس، ولأنه كان يمكنه أن يتفصى من الضمان بجعله عند أمين، وإن كان مما لا يغاب عليه فضمانه من الراهن على المشهور إلا أن تقوم بينة على تعدي المرتهن فيضمنه.
وقد استدل لضمان الرهن من الراهن بقول النبي ﷺ: «لا يغلَقُ الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة، وهو في الموطإ أول الباب مرسلا وهو المحفوط عن سعيد بن المسيب بلفظ: «لا يغلَقُ الرهن»، فقيل هو نهي، فتكون القاف ساكنة تحرك بالكسر للالتقاء الساكنين، وقيل هو نفي فيكون الفعل مرفوعا، والمدار على الرواية، وغلق يغلق كفرح، قال ابن الأثير: «يقال غلق الرهن يغلق غلوقا إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر الراهن على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يفتكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الإسلام»، انتهى، فالمنهي عنه هو امتلاك الرهن بمجرد حلول الوقت، وقال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٦٢): «معناه أنه لا يستغلق ولا ينعقد حتى لا يفك، والغلق الفكاك، وحقيقته أن الرهن وثيقة في يد المرتهن يترك في يده إلى غاية يكون مرجعها إلى الراهن، وليس كالبيع يستغلق فيملك حتى لا يفك»، انتهى.
قلت: كيف يكون مرجع الغاية إلى الراهن، والحال أن الرهن وثيقة يستخلص منها
[ ٤ / ١٣٧ ]
الدَّيْنُ متى تعذر دفعه، فلعل المقصود أن يأخذه من غير نظر إلى مقدار الدين فيكون ربا، وقال القرطبي: «لا يجوز غلق الرهن وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله»، انتهى، وفسر بما إذا قال الراهن للمرتهن إن لم آتك بمالك فالرهن لك، فالظاهر من نفي غلق الرهن هذا الاشترط، لأن المرهون قد تكون قيمته أكثر من الدين فيكون هذا الشرط ذريعة إلى ربا الجاهلية، أو أقل فيضيع مال الدائن، وليس المراد من الحديث المنع من استخلاص الدين من الرهن لأن هذا هو الذي من أجله شرع الرهن، وقريب من هذا المعنى تفسير مالك لغلق الرهن في الموطإ وغيره.
أما موضع الاستدلال من الحديث على أن ضمان الرهن من الراهن فهو قوله ﷺ «له غنمه وعليه غرمه»، فإن الضمير للمالك، فهو الذي يضمن على ظاهر اللفظ، لأن الغلة له وقد تقدم أن الخراج بالضمان، بيد أنهم ألزموه الضمان في حالة كونه مما لا يغاب عليه، وجعلوا الضمان على المرتهن في حالة كونه مما يغاب عليه، وعللوا ذلك بأن منفعة الرهن ليست متمحضة لطرف واحد منهما كما هو الشأن في القرض، فإن منفعته للمدين، فكان الضمان عليه، والمنفعة في الوديعة لصاحبها فكان الضمان عليه، وفي الرهان هي لهما: الراهن يحصل على المال إن كان الرهن في قرض، ويتأخر دفعه إن كان في بيع، والمرتهن يتوثق بالرهن وينتفع به كما سياتي، فكان على كل منهما الضمان في حال دون حال، قال في الموطإ: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الرهن أن ما كان من أمر يعرف هلاكه فهو من الراهن، وأن ذلك لا ينقص من حق المرتهن شيئا»، انتهى، فإن اشترط الراهن عدم الضمان فقد اختلفوا فيه، فقال ابن القاسم إن الشرط باطل لمناقضته مقتضى العقد، وقال أشهب إن الشرط لازم وصوبه اللخمي، والخلاف إنما هو فيما إذا كان الشرط في صلب العقد، فأما إن كان بعد العقد فالشرط لازم عند الجميع، ولعلهم لم يختلفوا فيما إذا كان الشرط بعد العقد لأنه لا تهمة فيه، أما قبله فيمكن أن يدخل في القرض الذي يجر منفعة بحيث يستغل فيه المقرض حاجة المقترض فيلزمه الضمان.
وينبغي أن يشار إلى أن مالكا وأصحابه يقتضي مذهبهم أنهم قد حملوا قوله «له غُنْمُهُ وعليه غرمه» على افتراض ثبوته على معنى أن «له غلته وخراج ظهره وأجرة عمله،
[ ٤ / ١٣٨ ]
وعليه غرمه أي نفقته، وليس يريد به الهلاك والمصيبة لأن الغُنْمَ إذا كان الخراج والغلة كان الغرم ما قابل ذلك»، قاله الباجي في المنتقى (٥/ ٢٤٠)، قال كاتبه: ويرده أن قوله له غرمه مفرد مضاف فيعم غرم الذات وغرم النفقة ويقويه قاعدة الخراج بالضمان فالظاهر أن لا ضمان على المرتهن من غير فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه إلا إذا ثبت تعديه أو تفريطه، لأن الرهن قد وضعه الراهن عنده وثيقة بدَيْنٍ ينتفع به فأنى لنا أن نلزمه بالضمان ولم يثبت تعديه؟، وقال الخطابي وهو باقي كلامه السابق: «وإذا كان الرهن من ملك صاحبه كان تلفه من ملكه دون ملك المرتهن»، والله أعلم.
[ ٤ / ١٣٩ ]
ثمرة النخل للراهن وكذلك غلة الدور
• قوله:
٤١ - «وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور».
قوله النخل الرهن أي المرهون، ولما كان المرهون باقيا على ملك راهنه فإن ذلك يسري إلى ما يتولد منه، وقد ذكر المؤلف لذلك مثالين أولهما ثمرة النخل المرهون، لا فرق بين كونها موجودة وقت العقد أو غير موجودة، أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّر، والثاني غلة الدور أي كراؤها، ومثل ذلك اللبن وكراء الدابة والسيارة، قالوا إلا أن يشترط ذلك المرتهن فتدخل في الرهن على أي حال كانت، هذا هو المشهور، واستدلوا بما في حديث أبي هريرة المتقدم من قوله ﷺ عن صاحب الرهن: «له غنمه وعليه غرمه»، أي أن الراهن يأخذ غلة الرهن، وروي عن الإمام دخول ما ذكر في الرهن، والحجة فيه ما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»، وفيه كما ترى الربط بين أخذ الغلة ولزوم النفقة، وهو وإن كان الفعل فيه مبنيا لما لم يسم فاعله فقد جاء في رواية لهذا الحديث ما يبين أن المراد بالذي يركب الدابة ويشرب لبنها إنما هو المرتهن، قال ﷺ: «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته»، ولو لم يرد هذا لكان النظر قاضيا به لأنه لا معنى لكون الراهن يركب ويشرب في مقابل النفقة، فإن الرهن ملكه، فكيف ينفق على ملكه بعوض، وانظر السيل الجرار (٣/ ٢٧٤) ونيل الأوطار (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، وينضاف إلى ذلك أن في استيفاء الراهن غلة المرهون حرجا وعسرا لا تأتي به الشريعة كما لو كان موضع المرتهن بعيدا عن سكنى الراهن، فلا يقدر على الاستيفاء فينتقل الأمر إلى الضمان فيتسبب ذلك في انتشار النزاع وكثرة الخلاف، والشرع متشوف إلى رفع الخلاف وتقليله، وقد علمت ترخيص الشرع في بيع العرية لدفع الحرج الناشئ عن دخول المعْرَى حائط المعْرِي، وقد ذهب الطحاوي ﵀
[ ٤ / ١٤٠ ]
إلى ان ذلك منسوخ نقله عنه القرطبي في تفسيره قال: «كان ذلك وقت كون الربا مباحا ولم ينه عن قرض جر منفعة ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك»، انتهى، والنسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع.
ثم أشار المؤلف إلى بعض ما يدخل في الرهن فقال:
[ ٤ / ١٤١ ]
إذا ولدت الأمة المرهونة كان ولدها رهنا معها
• قوله:
٤٢ - «والولد رهن مع الأَمَة الرهن تلده بعد الرهن».
إذا ولدت الأَمَةُ قبل أن تُرْهَنَ فإن ولدها لا يدخل معها، ومثلها كل أنثى، وما كان بعد ذلك دخل، سواء رهنت وهي حامل أو حملت به بعد ذلك، وهكذا الصوف الذي حل وقت جزه عند العقد، وعللوا الفرق بين دخول الصوف في الرهن، وعدم دخول الثمرة فيه كما تقدم في الفقرة التي قبل هذه أن الصوف التام سلعة مستقلة، فالسكوت عنه وقت الرهن دليل على إدخاله فيه، وبين مالك في الموطإ وجه تفريقه بين الثمر لا يدخل في الرهن وبين ولد الجارية يدخل فيه فقال: «وفرق بين الثمر وولد الجارية أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع»، قال: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة أو شيئا من الحيوان وفي بطنها جنين أن ذلك الجنين للمشتري اشترطه المشتري أو لم يشترطه، فليست النخل مثل الحيوان، وليس الثمر مثل الجنين في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب»، انتهى، وإنما ذكر مالك بيع النخل المؤبرة للتنظير به هنا لأنه إذا كان النخل المؤبر تكون ثمرته للبائع مع أن ملكه قد انتقل، فكيف بالرهن وملكيته باق للراهن؟.
[ ٤ / ١٤٢ ]
مال العبد لا يكون رهنا معه إلا بشرط
• قوله:
٤٣ - «ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط».
يقال هنا ما قيل في الاستدلال على عدم دخول الثمر في رهن الشجر، فإنه إذا كان مال العبد لبائعه ما لم يشترطه المبتاع بنص الحديث مع أن ملكية العبد قد انتقلت فكيف بالعبد يرهن وملكيته باقية لسيده؟، والله أعلم.
[ ٤ / ١٤٣ ]
إذا هلك الرهن عند أمين فضمانه من الراهن
• قوله:
٤٤ - «وما هلك بيد أمين فهو من الراهن».
إذا قبض المرتهن الرهن فقد علمت متى يضمنه ومتى لا يضمنه، أما إن وُضِعَ عند أمين فإنه لا يضمن مطلقا يستوي في ذلك ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، لأنه لا ضمان على أمين فيكون حكمه حكم الوديعة إلا أن يثبت تعديه، وليتني أقف على الفرق بين وضع الرهن عند طرف ثالث اعتبر أمينا وبين كونه عند المرتهن الذي لم يثبت تعديه ولا تفريطه، فَلِمَ فُرِّقَ بينهما؟، وهل يكفي تعليل الفرق بأن المرتهن كان يمكنه أن يضع الرهن عند أمين ليسلم من الضمان فلما لم يفعل لزمه ذلك، إذ كيف يعاقب الشخص وقد التزم حكم الله وقد قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟، وحقيقة القبض أن يقبض المرتهن، لا الأمين بل اختلف في قبضه هل يجزئ أو لا.
[ ٤ / ١٤٤ ]
الكلام على العارية
صور العطاء التي ينفع المؤمن بها أخاه
تعريف العارية
• قوله:
٤٥ - «والعارية مؤداة يضمن ما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى».
صور العطاء التي ينفع المؤمن بها غيره متعددة فقد يملكه العين أو الانتفاع أو المنفعة، وقد تقدم الكلام على الهبة والصدقة والوقف والعمرى، وتكلم هنا على العارية وهي بتشديد الياء اسم مصدر أعاره إعارة، وتطلق على الشيء المعار كما في كلام المؤلف، وعلى الفعل، وعليه جاء تعريفها بأنها «تمليك منفعة مؤقتة بغير عوض»، فغير العوض يخرج الإجارة، والتوقيت يخرج الحبس، لأنه على الدوام في الغالب، وتدخل العمرى والإخدام، والمنفعة يَخرج بها تمليك الانتفاع لأنها أعم منه، ومعنى تمليك الانتفاع هو أن يُقصر النفع على الشخص ذاته، ومثاله استعمال الموظف السيارة لكونه موظفا والإمام المسكن لكونه إماما، وقريب من هذا قصر الاستفادة من السجل التجاري على صاحبه، وبطاقة الضمان على من هي له، ووثيقة الإعفاء من الضريبة على أصحابها، وهذا التفريق ينبني عليه عندهم أن مالك المنفعة يجوز له أن يملكها لغيره بإعارة أو إجارة أو هبة مع الكراهة ما لم يمنعه المعير، أما مالك الانتفاع فلا يجوز له شيء من ذلك، قال خليل: «صح وندب إعارة مالك منفعة بلا حجر وإن مستعيرا لا مالك انتفاع من أهل التبرع عليه عينا لمنفعة مباحة»، انتهى.
والأصل في العارية الندب لأنها تدخل في فعل الخير، وقد أمر الله به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، ويتأكد ذلك في القرابة والجيران والأصحاب، وقد يعرض
[ ٤ / ١٤٥ ]
لا ضير على المرء في الاستعارة
الأصل في العارية عدم الضمان
لها الإيجاب كمن معه ما يستغني عنه وتوقفت نجاة غيره على إعارته إياه، وتكون حراما أو مكروهة كمن يعير شيئا لفعل معصية محرمة أو مكروهة، ومما جاء في ذم منع العارية أن الله تعالى جعل ذلك من جملة أوصاف المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، وقد فسر ابن عباس وابن مسعود الماعون بالعواري، وفسره الأخير بأنه القِدْر والميزان والدلو.
ولا ضير على المرء في الاستعارة متى كان محتاجا إليها، فقد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن صفوان بن أمية ﵁ أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أَدْرُعًا فقال: «أَغَصْبٌ يا محمد؟، قال: «بل عارية مضمونة»، قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها فقال: «أنا اليوم في الإسلام أرغب»، فرضي الله عن صفوان.
فأما ضمان العارية فإنه لما ائتمن المعير المستعير عليها كان الأصل عدم الضمان إلا لجناية أو تفريط في الحفظ أو تجاوز مدة الاستعارة أو التزام الضمان، وهو مدلول حديث صفوان المذكور من قوله ﷺ: «بل عارية مضمونة»، فهذا ليس إخبارا عن حكم العارية من حيث هو بأنها مضمونة، بل هو التزام منه ﷺ بالضمان، فعلى أن العارية حكمها أن تضمن يكون قوله مضمونة صفة كاشفة لحقيقة العارية، وعلى أنها لا تضمن تكون صفة مخصصة فيكون الأصل في العارية عدم الضمان، وقد جاء ذلك صريحا في حديث يعلى بن أمية قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا»، قلت: «يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة»؟، قال: «بل عارية مؤداة»، رواه أحمد وأبو داود (٣٥٦٦) والنسائي، ففيه الإضراب عن العارية المضمونة وهي التي تؤدى إن كانت وإلا فقيمتها، وأثبت كونها مؤداة أي يجب رد عينها إن كانت، وهذا يؤيد كون المراد من قول النبي ﷺ في حديث صفوان المتقدم التزام الضمان لا أن العارية مضمونة بأصلها، وكما يكون الضمان بالاشتراط يكون بتطوع المستعير، وقد جاء في
[ ٤ / ١٤٦ ]
أحاديث في ضمان العارية
رواية من حديث صفوان عند أبي داود قوله ﷺ لصفوان: «فهل نغرم لك»؟، بفتح الراء، فالذي يجب في العارية إنما هو الأداء، وعلى ذلك جاء قوله ﷺ: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدَّيْنُ يقضى، والزعيم غارم»، رواه أبو داود (٣٥٦٥) وابن ماجة من حديث أبي أمامة ﵁، والمنحة بكسر الميم الشاة تعار للحلب، ومثلها الشجرة ليؤخذ ثمرها والأرض لتزرع، وقوله والدَّيْنُ يقضى أي يجب قضاؤه، والزعيم هو الكفيل والحميل، وغارم أي يدفع ما ضمنه عند تعذر أخذه ممن ضمنه، ومعنى أن العارية مؤداة أي يجب أداؤها وردها لصاحبها متى انتهت مدة الاستعارة، ومن أهل المذهب من تأول قوله مؤداة على معنى أنها مضمونة، واعتبروا ما في حديث صفوان بن أمية من قوله ﷺ: «بل عارية مضمونة»، مفسرا لذلك، وقد علمت أن الصواب خلافه، وقد فرق أهل المذهب في تضمين المستعير بين ما يغاب عليه فيضمنه وما لا يغاب عليه فلا يضمنه إلا إذا تعدى، ورأى بعضهم في ذلك جمعا بين الأحاديث القاضية بالضمان فحملوها على ما يغاب عليه، والأخرى القاضية بعدمه فحملوها على ما لا يغاب عليه، ومما استدل به على ضمان العارية قول النبي ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، ثم إن الحسن نسي فقال: «هو أمينك لا ضمان عليه»، رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا، (د/ ٣٥٦١)، وحسنه الترمذي، وهذا ليس صريحا في تضمين المستعير بإطلاق، بل هو دال على لزوم الأداء، وعليه فقول قتادة وهو الراوي عن الحسن إن الحسن نسي لا يسلم، بل المراد من الأداء مطلق إرجاع ما أخذه المرء وديعة أو إعارة أو إجارة إلى صاحبه، وعلى افتراض دلالته على ذلك فقد عورض بما تقدم، نعم هو نص في لزوم الحفظ فإذا لم يحفظ ضمن، وأحرى إذا تعدى، ولا بد من تقدير محذوف ليصح الكلام، وهو إما الضمان أو الحفظ أو الأداء، ولا يجوز أن يقدر الأداء لأن الشيء لا يكون غاية لنفسه، ولا يجوز أن يقدر الضمان والحفظ معا، لأن المقتضي لا عموم له، فيقال إن الحفظ هو اللازم حتى تؤدى العارية، أما الضمان فقد سبق من الأدلة ما يؤخذ
[ ٤ / ١٤٧ ]
منه أنه غير لازم بالأصل، هذا معنى ما قاله للشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٤٠ و٤١)، وانظر معالم السنن (٣/ ١٧٥) للخطابي، أما الاستدلال على عدم الضمان بحديث: «لا ضمان على مؤتمن»، رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي رواية «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، قال الحافظ:، والمغل هو الخائن، فلا يتجه لضعفهما، قال الحافظ عن الأول في إسناده ضعف، وقال عن الرواية الأخرى في إسنادها ضعيفان.
[ ٤ / ١٤٨ ]
تعريف الوديعة
• قوله:
٤٦ - «والمودع إن قال رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد».
الكلام هنا على الوديعة وهي من الإيداع والفعل يدع، أما الماضي ودع فهو مهجور، يستعمل بدله ترك، سميت كذلك لأن المودع (بكسر الدال) يتركها عند المودع (بفتحها)، قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضُّحى: ٣]، أي ما تركك، واستودعته وديعة إذا استحفظته إياها، ومعناها عند العلماء «مال استنيب على حفظه»، لكن قد تكون الوديعة غير مال كالوثيقة، فأما الإيداع فهو استنابة في الحفظ، وحكم هذه الاستنابة الجواز للفاعل والقابل، وقد يجب كمن خاف تلف ماله ووجد من يقبله وديعة عنده، ويحرم قبول المغصوب وديعة ممن لا يقدر على رده إلى صاحبه، والوديعة من جملة الأمانات التي أمر الله بردها إلى أهلها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقال النبي ﷺ: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، رواه أبو داود (٣٥٣٤) والترمذي وحسنه، ورغم ضعف مخارجه فإن تعددها يدل على انتهاضه للاحتجاج، وفيه دليل على أن المودع مؤتمن من المودع، وأن الوديعة إنما تؤدى لصاحبها أو من يوكله، وعلى أن الخائن لا يرد عليه بمثل فعله، فيكون الحديث مخصصا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤]، فإنها كلها قاضية بالمعاقبة بالمثل فتستثنى الأمانة من هذا وتدخل فيها الوديعة والعارية لأن حبسهما في الحق يؤدي إلى انقطاع البر بين الناس وإلى ضياع الأموال هكذا جمع بين هذه النصوص وبين ذلك الحديث الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار، وانظر كلام
[ ٤ / ١٤٩ ]
ابن رشد عن هذا الحديث في البيان والتحصيل (٣/ ٢٤٢).
أما كلام المؤلف فمعناه أن المودَع بفتح الدال إن قال رددت الوديعة لصاحبها، أو لمن وكله بقبضها - لا إن قال رددتها لأبيه مثلا - فإنه يُصَدَّقُ لأنه مؤتمن، ولأنه مدعى عليه في ماله، وغاية ما عليه الحلف إن كان متهما لأنه منكر، لكن بشرط أن لا يكون المودع قد أشهد على الإيداع بغرض التوثيق، فإن أشهد المودع على تسليمه الوديعة بغرض التوثق لم تقبل دَعْوَى المودَع في الرد إلا ببينة تشهد له، وقاعدتهم هنا أن «كل من دفع له شيء من قراض أو وديعة مصحوبا ببينة بغرض التوثق لا يصدق في دعوى الرد إلا ببينة»، انظر الفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ٢٨٠).
وقال زروق في شرحه (٢/ ٢١١): «وقاعدة المذهب أن من قبض بالأمانة وهو المودَع فلا يضمن بحال، ومن قبض بالذمة يضمن في كل حال، ومن قبض فيهما يضمن ما يغاب عليه لا غيره، ويقال: من قبض لنفع غيره لم يضمن، ولنفع نفسه يضمن، وما دخله نفع المالك مع نفعه ضمن ما يغاب عليه فقط»، انتهى، وقد سبق بعض هذا في الرهن فاذكره.
[ ٤ / ١٥٠ ]
يصدق المودع في دعواه رد الوديعة
يصدق المودع في دعواه تلف الوديعة
• قوله:
٤٧ - «وإن قال ذهبت فهو مصدق بكل حال، والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه».
التفصيل السابق إنما هو في دعوى رد الوديعة إلى صاحبها، أما إن ادعى المودَع تلف الوديعة أو ضياعها من غير تقصير في الحفظ فإنه يُصَدَّقُ من غير فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، قبضها ببينة للتوثق أو لا، لكن إن كان متهما لزمه الحلف، فهذا هو مراد المؤلف بقوله «فهو مصدق بكل حال»، لأن المودع قابض لنفع غيره وقد اؤتمن عليه، وإنما أعاد بيان عدم تصديق المستعير في ضياع ما يغاب عليه للمقارنة بينه وبين عدم ضمان المودع من غير فرق.
[ ٤ / ١٥١ ]
ضمان المتعدي على الوديعة
• قوله:
٤٨ - «ومن تعدى على وديعة ضمنها».
هذا مما تشترك فيه العارية والوديعة والرهن وهو أنه متى ثبت التعدي لزم الضمان، فإن لم يثبت وكان المودع أو غيره قد تعدى لزمه في نفسه، فإن لم يرد قيمته كان آكلا لأموال الناس بالباطل، ومِنْ صُورِ التعدي التي ذكروها نقل الوديعة من موضع لآخر لغير مصلحة، أو لها، لكن لم ينقلها كما تنقل أمثالها، ومنها أن يودعها عند غيره من غير عذر، ومنها الانتفاع بها كالثوب المودع يلبس، فإنه لا يجوز لبسه، وكذلك السيارة والدابة تركبان لغير مصلحة المحافظة عليهما فإنه تعد يلزم به الضمان، ومن الفروق بين العارية والوديعة أن الأولى فيها تمليك المنفعة فاستعمالها فيما هي له ليس تعديا، والخروج عنه تعد، وكذلك إعارتها أو كراؤها فالظاهر أنه تعد، أما الوديعة فإن مجرد استعمالها لغير المحافظة عليها يعتبر تعديا يلزم منه الضمان، وإذا عرفت هذا فلا حاجة إلى الاستدلال بما في الحديث الضعيف وقد تقدم «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، وأجود منه حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعا: «من استودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجة. وقد تعرض مالك للضمان بسبب التعدي في مال القراض والدابة تكترى والتوكيل على الشراء في باب (القضاء في كراء الدابة والتعدي بها) في الموطإ فانظره.
[ ٤ / ١٥٢ ]
إخراج الوديعة من موضعها لغير حاجة
• قوله:
٤٩ - «وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه».
من أخرج الوديعة من موضعها لغير حاجة أو ضرورة فقد تصرف فيها، فإن تلفت قبل أن يردها إلى موضعها فهو ضامن، وإن حصل التلف بعد أن أرجعها إلى موضعها فقد اختلف فيه، فمن قال لا يضمن فباعتبار الأصل، لأن المودع مؤتمن، ومن قال يضمن فلأنه متعد بحلها والتصرف فيها، والمشهور منهما عدم الضمان، وهو لابن القاسم وأشهب.
[ ٤ / ١٥٣ ]
حكم الاتجار بالوديعة وربحها
• قوله:
٥٠ - «ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه، والربح له إن كانت عينا».
شأن الوديعة أن تحفظ كما هي حتى ترد إلى صاحبها كما أمر الله بذلك ورسوله ﷺ، فإن خالف وتصرف فيها كأن اتجر بها فقد أقدم على مكروه لأن المال ليس له، وليس يبعد أن يقال بحرمة ذلك إذا لم يكن له ما يفي به في الوقت الذي ينبغي أن يردها لصاحبها، إن كانت من المثليات كالنقود والمكيلات، أما إن كانت من القيميات فلا يحوز التصرف فيها مطلقا لأنها لا يمكن ردها بذاتها لصاحبها، وبمجرد متاجرة المودع بالوديعة يلزمه الضمان فيكون الربح له لأن الخراج بالضمان كما تقدم في البيوع، قال مالك في الموطإ: «وإذا استُودع الرجل مالا فابتاع لنفسه وربح فيه فإن ذلك الربح له، لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه»، انتهى، وخلاصة حكم التصرف في الوديعة أنه على ثلاثة أحوال كما قال النفراوي ﵀: جائز ومكروه وحرام، فالجائز التصرف بإذن المودِع مطلقا، والحرام التصرف بغير إذنه حيث كانت مقومة مطلقا، أو مثلية وهو معدم»، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال إن المكروه هو ما إذا كانت مثلية وهو ملي، ولما بين حكم الاتجار بالوديعة إذا كانت نقدا بين الحكم إذا كانت عرضا بقوله:
[ ٤ / ١٥٤ ]
حكم بيع الوديعة
• قوله:
٥١ - «وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي».
والمعنى أنه إذا حصل التعدي من المودع فباع الوديعة خُيِّرَ صاحبها بين الثمن الذي بيعت به وبين قيمتها يوم التعدي، أما الثمن فلأنه بيع فضولي، فللمالك أن يمضيه أو يرده إن لم يفت بمفوت، وأما القيمة فلأنه بالتعدي لزمه الضمان، فالحاصل أنه متى فاتت فله الأكثر من الثمن الذي بيعت به وقيمتها يوم التعدي، وهذا حكم كل متعد بالبيع لسلعة غيره ولو كان غاصبا، والله أعلم.
[ ٤ / ١٥٥ ]
حرمة مال المسلم باقية ولو التقط
تعريف اللقطة
حكم الالتقاط
• قوله:
٥٢ - «ومن وجد لقطة فليعرفها سَنَةً بموضع يرجو التعريف بها».
حرمة مال المسلم ومثله الذمي معلومة سواء أكان في حوزته أم لا، فإن كان الأول وأخذ من حرز مثله فهو سرقة، وإن لم يكن في حرز مثله فاختلس فهو خيانة، وإن أخذ قهرا فهو غصب، وسيأتي الكلام عليه، وهكذا إذا أخذ بالغش أو الرشوة أو الربا فإن كل ذلك محرم، ولا تزول حرمة مال المسلم ومثله الذمي ولو ضاع وهي اللقطة، فإن أكلها من غير أن يلتزم في ذلك ما شرعه الله تعالى فقد أكلها بالباطل.
واللقطة بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط، وهذا الوزن هو المعروف في الاستعمال لكن سكون القاف هو القياس، لأن فعلة بضم ففتح معناه الكثير اللقط كهُمزة وضُحكة، وهو غير مراد هنا، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير طلب، وليست أنواع الأموال التي يعثر عليها متساوية في حكم الالتقاط، تجد ذلك فيما حد به ابن عرفة اللقطة حيث قال: «مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا نعما بل عينا أو عرضا أو رقيقا صغيرا،،،»، انتهى، وقال خليل عنها: «مال معصوم عَرَض للضياع وإن كلبا أو فرسا،،،»، انتهى، فخرج بالمال اللقيط، وبالمحترم مال الحربي فإنه إما فيء أو غنيمة، وقد تقدم ذلك في باب الجهاد، ودخل مال الذمي، وخرج بقوله: ليس حيوانا ناطقا،،، العبد الآبق، وخرجت الإبل والبقر والغنم فإنها تسمى ضالة وحكمها مختلف عن لقطة النقود والعروض، وقد يلتقي بعضها به، والضالة نعم محترم وجد بغير حرز، واللقيط صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه.
وقد اختلف في حكم الالتقاط، والمذهب أنه يحرم بنية التملك، فإن حصل ترتب على الملتقط بمجرد تلك النية الضمان، فتأمل هذا أيها القارئ يرحمك الله، وقد قال رسول الله ﷺ: «ضالة المسلم حرق النار»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن الجارود بن المعلى.
[ ٤ / ١٥٦ ]
وقد يقال بامتناع الالتقاط إن أمن الضياع إلا إذا كان المالك معروفا، ويمتنع أيضا إن علم أن المالك قد وضعه حيث هو لموجب، ويجب الالتقاط إن خيف على المال الخيانة، لكنه لا يضمن إن لم يلتقطه، ولا فرق في المذهب بين اللقطة في الحرم وغيرها إلا من حيث لزوم تعريف الأخيرة أبدا، إذ لا تحل لملتقطها، فأما حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، فقد تأولوه على معنى ترك التعريف بها لما جاء في قوله ﷺ عن مكة: «لا تحل لقطتها إلا لمنشد».
أما تعريف اللقطة فهو واجب، فلو تراخى في التعريف حتى تلفت، ثم جاء ربها فإنه يضمنها، ويكون التعريف سَنَةً لحديث زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: «فضالة الغنم يا رسول الله؟، قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: «فضالة الإبل؟، قال: «مالك ولها؟، معها سقاؤها وحذاؤها تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، رواه مالك (١٤٤٠) والشيخان (م/ ١٧٢٢)، والعفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك من العفص وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يجعل على رأس القارورة، كذا في النهاية، والوكاء بكسر الواو الخيط الذي يشد به الوعاء، وإنما أمره بمعرفة وكائها وعفاصها ليسأل مدعيها عنهما إن جاء يطلبها، ولأنه لا ينبغي أن يظهرها حال التعريف، ولا يحملها كي لا تضيع، والذي يقوم بالتعريف الملتقط نفسه، فإن كان ممن ليس من شأنه ذلك فمن يوكله ولو بأجرة من اللقطة، ويكون التعريف في الموضع الذي يرجو أن يكون صاحبها فيه أو يطلبها فيه أو يبلغه الخبر منه، فإن التقطت في قرى أهل الكفر فالأفضل تسليمها لمقدميهم من الأحبار والرهبان، قال خليل: «وتعريفها سنة بمظان طلبها كأبواب المساجد والأسواق»، انتهى، والظاهر أن الإخبار بذلك في إعلان معلق بمداخل المساجد والمحلات والأسواق مما يعين على التعريف.
واعلم أن أهل المذهب قد بينوا أن ليس كل ما يلتقط يجب تعريفه سنة، فالذي يعَرف على النحو المتقدم هو ما كان له بال، أما ما كان نحو الدلو والمخلاة والدراهم
[ ٤ / ١٥٧ ]
القليلة فإنها تعرف أياما لا سنة على الراجح عندهم، وجاء ما يؤخذ منه لو صح أن تعريف مثل هذا يكون ثلاثة أيام، وهو ما رواه أحمد وغيره من حديث يعلى بن مرة يرفعه: «من التقط لقطة يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام»، لكن فيه عمر بن عبد الله بن يعلى قال في التقربب ضعيف، ومع ضعفه فما فيه أشبه بالتيسير على الناس، وإلا ما التقط أحد شيئا، ولكان ذلك ذريعة إلى ضياع الأموال وعدم الانتفاع بها أصلا، وذكروا أمثلة لما لا يعرف كالعصا والسوط، واستدل لذلك بحديث جابر ﵁ قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به»، رواه أبو داود (١٧١٧) وفي سنده المغيرة بن زياد وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، ووثقه جماعة من الحفاظ، ويجوز أكل الشيء التافه، وكذا ما يخشى ضياعه إن ترك كاللحم والفواكه، وقد يقال بمطلوبية بيع مثل هذا والاحتفاظ بقيمته ممن لم يأكله، ويستدل لجواز أكل ما هو حقير في الحال بحديث أنس ﵁ قال: «مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، رواه الشيخان، وهو يشهد لحديث جابر المتقدم في الجملة، ويستفاد منه حرمة الصدقة عليه ﷺ حقيرها وجليلها بخلاف الحقير من مال المسلم الذي لا يعرف، وفيه التورع عن أكل ما يشتبه فيه.
[ ٤ / ١٥٨ ]
اختلاف مدة التعريف بحسب الشيء الملتقط
جواز أكل اللقطة إذا خيف تلفها
ما يفعل باللقطة إذا انتهت مدة التعريف؟
• قوله:
٥٣ - «فإن تمت سَنَة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء».
الذي عليه جمهور أهل العلم أن مدة التعريف سنة لما في حديث زيد بن خالد الجهني وقد تقدم، وقيل إن التعريف يكون ثلاث سنين لما في حديث أبي بن كعب ﵁ عند البخاري (٢٤٢٦) قال: «وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: «عرفها حولا»، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانيا فقال: «عرفها حولا»، فلم أجد، ثم أتيته ثالثا فقال: «احفظ وعاءها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها»، فاستمتعت بها، فلقيته بعد بمكة فقال: «لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا»؟، والشاك هو سلمة بن كهيل الراوي عن أبي بن كعب.
وفي قوله «فاستمتع بها»، وقوله في رواية أخرى «فاستنفقها» دليل على جواز الانتفاع بها مع بقاء عينها أو ببيعها، فليس اللازم للملتقط الحبس أو التصدق فقط، بل وكذلك الأمر الثالث وهو الاستنفاق، لكن هذا لا يلزم منه عدم الضمان إن جاء صاحبها، وقد ذكر خليل الأمور الثلاثة فقال: «وله حبسها بعده أو التصدق أو التملك ضامنا فيهما»، انتهى.
[ ٤ / ١٥٩ ]
ضمان اللقطة إذا جاء صاحبها ولو بعد مدة التعريف
• قوله:
٥٤ - «وإن انتفع بها ضمنها».
الملتقط لا يضمن اللقطة إن هلكت من غير تحريكها لمصلحتها كذهابه بالدابة لتسقى، أو السيارة إلى الحظيرة، فإن انتفع بها ضمنها حصل ذلك قبل مدة التعريف أو بعدها لأنه بالانتفاع نوى تملكها.
[ ٤ / ١٦٠ ]
لا تضمن اللقطة إذا تلفت من غير تحريك
• قوله:
٥٥ - «وإن هلكت قبل السنة أو بعدها من غير تحريك لم يضمنها».
هذا نظير ما تقدم في الوديعة، فالملتقط لا ضمان عليه إذا هلكت اللقطة قبل السنة أو بعدها من غير تحريك، وقد تقدم في الوديعة أنه إذا نقلها عن موضعها لغير موجب كأن ركبها أو أكراها ضمنها، وتختلف اللقطة عنها في أن إيداعها عند غيره لا ضمان عليه فيه، لأن ربها لم يأتمنه عليها، أما إن باعها بعد السنة فليس لربها إلا الثمن، وقبل السنة يخير بين ثلاثة أمور هي: إمضاء البيع فيأخذ الثمن، أو يرد البيع ويأخذها إن كانت قائمة، أو يأخذ قيمتها إن فاتت، وتكون قيمتها يوم البيع لا يوم الالتقاط بخلاف الغصب.
[ ٤ / ١٦١ ]
دفع اللقطة إلى صاحبها إذا عرفها
• قوله:
٥٦ - «وإن عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها».
يدل على ذلك حديث عياض بن حمار قال، قال رسول الله ﷺ: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، أو ليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، رواه أحمد وأصحاب السنن غير الترمذي، وقال الألباني سنده صحيح، وقوله فيه «فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، لا دليل فيه على عدم ضمانها لربها إن جاء بعد مدة التعريف فإنه مجمل يبينه قول النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني عند الشيخين: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرَف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه»، وفيه دليل على أنها تؤدى إلى صاحبها متى عرفها قبل مرور زمن التعريف وبعده على السواء، فإما أن يؤديها بعينها إن كانت قائمة وإلا أدى قيمتها، وتؤدى إلى مدعيها من غير يمين بعد ذكره ما يدل على أنها له بأن عرف تينك الصفتين، وأحرى لو عرف ما زاد عليهما كالعدد والوزن إن كانا، ويدخل سائر ما يميز اللقطة مما لم يذكر، وظاهر كلام المؤلف أن من لم يعرف إلا إحدى الصفتين لا يأخذها، وليس الأمر كذلك، فإنه إن عرف صفة واحدة سلمت له بعد الاستئناء مدة، لاحتمال أن يأتي من يعرف الوصفين، قال خليل: «واستؤني في الواحدة إن جهل غيرها لا إن غلط»، انتهى، فإن ادعاها شخصان قضي بها لمن عرف صفة زائدة على ما عرفه الآخر، فإن عرفا الوصفين أو الأوصاف واستويا ولم ينفصل بها أحدهما حلفا وقسمت بينهما.
[ ٤ / ١٦٢ ]
ضالة الإبل لا تلتقط
• قوله:
٥٧ - «ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء».
وهذا لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «مالك ولها؟، معها سقاؤها وحذاؤها تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، فبين استغناءها عن الملتقط بما ركب الله في طبعها من القوة، فتركها في موضعها أقرب إلى أن يجدها ربها، لكن يؤخذ من قوله ﷺ: «ترد الماء وتأكل الشجر»، أنه متى انعدم ما تعيش عليه في ظن المرء وخشي عليها التلف تغير الحكم، والمعروف في المذهب خلاف ذلك إلا إذا خاف عليها من الخائن فإنه يأخذها، ولعل هذا هو وجه قول المؤلف من الصحراء لكونها ليس فيها الناس كأماكن العمران، وقد روى أحمد ومسلم (١٧٢٥) عن زيد بن خالد الجهني - وهو راوي حديث التعريف - قوله ﷺ: «من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها»، والله أعلم.
[ ٤ / ١٦٣ ]
التقاط الشاة التي في الفيفاء وجواز أكلها
• قوله:
٥٨ - «وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها».
أخذ هذا من قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد المتقدم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، ويحتمل أن المراد بقوله «أو لأخيك» أعم من أن يكون صاحبها أو ملتقطا آخر، والأقوى أن يكون المراد صاحبها، لأن المخاطب ملتقط، فكل ملتقط فهو مثله، وقول مالك في الشاة هو أنه إن أخذها من مكان لا عمران فيه وأكلها فلا ضمان عليه إن جاء ربها، لأن الحديث حصر أحوالها في أن يأكلها الذئب أو يأخذها الملتقط، وقال هي لك فجعلها ملكا له أو للذئب، ولا ضمان على الذئب فكذلك من ذكر معه، وقد انفرد مالك ﵀ بذلك، ولا دلالة فيه على عدم ضمانها لصاحبها، لأنه إذا لم يستفد ذلك من قوله ﷺ: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، فلأن لا يستفاد الحكم من ذلك الاقتران أولى، وإنما المراد أن عدم التقاطها يعرضها للضياع، ومما يدل على أنها باقية على ملك صاحبها أنه لو جاء قبل أن يأكلها الملتقط لكان اللازم تسليمها له، وقد ذهب إلى هذا من قال بتملكها بالالتقاط وغيرُه، وقيد أهل المذهب عدم الضمان بما إذا لم يصل بها إلى العمران فإن استهلكها فيه ضمن لأنها لا تضيع فيه.
ولم يتكلم المؤلف على غلة اللقطة كاللبن والجبن والسمن وغير ذلك من أوجه الانتفاع والريع، وهي في مدة التعريف للملتقط، ولو زادت على مقدار قيامه على اللقطة بما يلزمها من الإنفاق، وقيل له ما يقابل قيامه عليها، والزائد في ذمته، لكن الصوف والنسل وما زاد من كرائها على علفها فهو لربها، فإن لم تكن لها غلة وقد أنفق عليها فله مطالبة صاحبها بذلك فيعطيه نفقتها ويأخذها وله أن يسلمها له في ذلك ولو كانت النفقة أكثر من قيمتها لأن ربها لا يلزمه ما زاد على ذلك، ولو ظهر على ربها دين قدمت عليه نفقة الملتقط كما في الرهن، وقد روى ابن أبي شيبة حدثنا الأحوص عن أبي إسحاق عن العالية قالت: كنت جالسة عند عائشة فأتتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين إني وجدت شاة ضالة فكيف تأمريني أن أصنع بها؟، فقالت: عرفي واعلفي واحلبي».
[ ٤ / ١٦٤ ]
كل من استهلك عرضا فإنه يضمن قيمته أو مثله
• قوله:
٥٩ - «ومن استهلك عرضا فعليه قيمته، وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله».
هذا حكم عام يشمل من استهلك وديعة أو لقطة أو رهنا أو مغصوبا أو مسروقا أو مبيعا على الخيار، أو أتلف مال غيره خطأ أو عمدا، مع مراعاة القيود التي لا بد من وجودها لضمان ما ذكر وغيره، ولو كان المتلف صبيا أو مجنونا، لأن ضمانه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف، والأول أعم من الثاني، ويُضمن المثلي بمثله كالقمح والشعير، والقيمي بقيمته كالحيوان والدور يوم التعدي، فأما ضمان المثلي بمثله فواضح لأن به تبرأ الذمة، ولقول الله نعال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]، وأما ضمان القيمي بقيمته فلأن إيجاب رد مثله لا يتأتى لاختلاف أفراد الجنس الواحد في القيمة، بل قد تتحد القيمة في حال، وتختلف في حال، كمن أتلف ثلاجة فإنها إن كانت جديدة فقد يجد مثلها، لكنها إن كانت مستخدمة فإن إيجاب مثلها جديدا فيه ظلم للضامن، وإيجابُ مثلها مستعملا فيه عسر، وقد لا يتأتى، فقول المؤلف: «ومن استهلك عرضا فعليه قيمته»، هذا إذا كان العرض ليس مثليا، يدل عليه قوله عن المكيل والموزون «فعليه مثله»، ومن المكيل اللبن والزيت والقمح، ومن الموزون الذهب والفضة غير المصوغين، ويدخل في المثلي المعدود الذي لا تختلف أفراده كالبيض والجوز، ولعل منه سائر السلع التي من جنس واحد مع اتحاد نماذجها، فالحاصل أنه مهما تأتى رد المثل فهذا هو المطلوب، فإن تعذر فالقيمة، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ١٤٨): «أجمع العلماء لا خلاف بينهم فيما علمت أن من استهلك ذهبا أو وَرِقًا، أو طعاما مكيلا أو موزونا أنه عليه مثل ما استهلك من صنفه بوزنه وكيله على ظاهر قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ «أنتهى، ونقل الاتفاق ابن رشد في بداية
[ ٤ / ١٦٥ ]
اختلاف العلماء في ضمان القيمي والمثلي
المجتهد (٢/ ٣١٧).
قلت: هذا إذا كان الذهب والفضة غير مصوغين أما المصوغ منهما فالظاهر أنه من القيمي، وذكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار «٦/ ٧١) وهو بصدد ذكر أقوال مالك ﵀ في ضمان ما استهلك: «وعنه أيضا ما كان مكيلا أو موزونا فالقيمة وإلا فالمثل، قال في الفتح وهو المشهور عندهم»، انتهى.
قلت: هو في الفتح كما ذكره الشوكاني، والمشهور خلافه كما علمت، ويقال ما هي المثليات إذا لم يدخل فيها المكيلات والوزونات، كما كان عليه الأمر في غابر الأزمان؟
وفي المسألة حديث أنس ﵁ قال: «أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة ﵁ القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ: «طعام بطعام وإناء بإناء»، رواه الترمذي (١٣٥٩) وصححه، وهو في صحيح البخاري وعند بقية أصحاب السنن نحوه، وعند أبي داود والنسائي قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «قلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت»؟، قال: «إناء مثل إناء وطعام مثل طعام»، وفي سنده جسرة بنت دجاجة، لكن حسنه الحافظ في الفتح «٥/ ١٥٥)، فقوله: إناء بإناء يدل على أن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة إلا إذا لم يوجد المثل، وهو رواية عن مالك أعني ضمان القيمي بالمثل إلا عند التعذر، ويؤيده رواية ابن أبي حاتم للحديث بلفظ: «من كسر شيئا فهو له وعليه مثله» انظر نيل الأوطار (٦/ ٧١)، ووجه ضمان القيمي بقيمته أن القيمي يعسر العثور على مثله من كل وجه فاللجوء إلى القيمة أولى، لكن يقال إن النبي ﷺ جعل القصعة في مقابل القصعة مع أنهما قد تكونان مختلفتين كما جعل الطعام في مقابل الطعام، ومن النادر أن يكون هذا مثل ذاك، بل قال الحافظ في الفتح: «وفي طرق الحديث ما يدل على أن الطعامين كانا مختلفين»، انتهى.
وقد استدل الغماري في مسالك الدلالة (ص ٢٧٢) على ضمان القيمي بقيمته بحديث ابن عمر مرفوعا: «من أعتق شركا له في عبد فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، ثم قال مبينا وجه الاستدلال: «فأوجب القيمة في العبد بالإتلاف بالعتق لأن إيجاب مثله من جهة
[ ٤ / ١٦٦ ]
الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إبقاء حقه، ولأن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه فإنه لا يجب بإتلافه المثل»، انتهى.
قلت: ليس في الحديث دليل على ما ساقه له، أو ليس أن (المتلَف) هنا شقص في العبد يتعذر ضمان مثله، وليس لاختلاف الجنس فحسب، لأن إعطاء مالك الشقص مثلَه متوقف إما على البحث عمن يشركه في امتلاك شقص عبد آخر وهذا عسير، أو تعويض مالك الشقص بعبد كامل، وفي هذا جور على معتق الشقص، فلا مناص من اعتماد قيمة الشقص المملوك، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتقويم العبد، فلا يكون في الحديث دلالة على ما ذكره، وليس كل قيمي مثل العبد، وبهذا يظهر أن هذا الحديث ليس أقوى في الدلالة على الضمان بالقيمة من حديث القصعة، وإن رجح ذلك ابن عبد البر أيضا في الاستذكار (٧/ ١٤٩) بقوله: «والحديث في القضاء بالقيمة في الشقص من العبد أصح من حديث القصعة فهو أولى أن يمتثل، والله أعلم»، انتهى، أما قول الغماري إن ما لا يجوز الجزاف في عدد مبيعه لا يجب بإتلافه المثل، فإنها دعوى لا تسلم على إطلاقها، فإن الثياب مثلا لا يجوز بيعها جزافا، لكن من أتلف ثوبا جديدا وكان له نظير فَلِمَ لا يقال إنه يضمنه بمثله؟، وهكذا سائر العروض متى اتحدت نماذجها وتوفرت كما عليه الأمر الآن.
[ ٤ / ١٦٧ ]
تعريف الغصب
الوعيد على الغصب وغيره من أكل أموال الناس بالباطل
• قوله:
٦٠ - «والغاصب ضامن لما غصب».
الغصب في اللغة أخذ الشيء ظلما، فهو فيها أعم منه عند الفقهاء، وقد عرف بأنه «أخذ مال قهرا عدوانا من غير حرابة»، وتعقب بدخول المنفعة فيه لأنها تقوم بالمال مع أنها لا تسمى غصبا، وراعى ذلك من حده بقوله هو» أخذ مال غير منفعة قهرا ظلما لا لخوف قتال»، فقيد غير منفعة يخرج التعدي الذي هو أخذ المنافع في الاصطلاح عندهم، وبقيد القهر تخرج السرقة فإنها تكون خفية، ومثلها ما أخذ على وجه الخيانة والاختلاس، وقوله ظلما يخرج أخذ المال قهرا لا ظلما كالزكاة يأخذها الحاكم المسلم من مانعها، وكأخذ المرء ماله من المحارب، وكبيع مال المدين المماطل المليء، كما يخرج أخذ المال غيلة فإنه لا قهر فيه، وخرج أخذ المال بالحرابة لأنه وإن كان غصبا فإنه يخالف أحكام الغصب، وأخرجوا عن أحكام الغصب أخذ الوالد مال ولده أو ولد ولده لأن له شبهة فيه.
والغصب داخل في أكل أموال الناس بالباطل، وقد جاء النهي عن ذلك والوعيد عليه في كتاب الله مما لا يخفى، ومن كلام رسول الله ﷺ في هذا المقام قوله في خطبته يوم النحر بمنى: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، رواه الشيخان عن أبي بكرة ﵁، وقال: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولاعبا، وإذا أخذ عصا أخيه فليردها عليه»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢١٦١) وحسنه عن السائب بن يزيد عن أبيه، وعن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه»، رواه الدارقطني، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»، رواه أبو داود، والغصب اجتمع فيه القهر والترويع وأخذ المال الحرام، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت قال
[ ٤ / ١٦٨ ]
أمثلة عن توقي السلف الأموال التي فيها شبهة
لا يطالب الغاصب بأكثر من رد المغصوب
رسول الله ﷺ: «من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين»، رواه الشيخان، وقوله «من ظلم شبرا» أي قَدْرَ شبر، وأوقع الظلم على الشبر مع أنه المأخوذ لا المظلوم زيادة في التشنيع، والمخلوقات غير العاقلة تتضرر بظلم بني آدم كما جاء ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥]، روى ابن جرير عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم»، انتهى.
وقد كان الصحابة يتشددون في الابتعاد عما فيه شبهة فضلا عن المحرم، فعن محمد ابن سيرين أن أصحاب رسول الله ﷺ نزلوا بأهل ماء وفيهم أبو بكر الصديق، فانطلق النعمان فجعل يقول لهم يكون كذا وكذا، وهم يأتونه بالطعام واللبن ويرسل هو بذلك إلى أصحابه، فأخبر أبو بكر بذلك فقال: أراني آكل كهانة النعمان منذ اليوم، ثم أدخل يده في فمه فاستقاءه، وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت في غزوة ذات السلاسل فذكر قسمته الجزور بين القوم وأنهم أعطوه منها، فأتى به إلى أصحابه فطبخوه فأكلوه، ثم سأله أبو بكر وعمر عنه فأخبرهما فقالا له: «والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا»، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما»، وعن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب شرب لبنا فأعجبه فسأل فأخبر أنه حلب له من لبن الصدقة، فأدخل عمر أصبعه فاستقاء، ودخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة فأكل منها ثم سأل عنها فقالت له: أهدتها إلينا فلانة النائحة فقام معمر فتقيا ما أكل»، ذكرها كلها ابن حزم ﵀ في المحلى (٨/ ١٤٣).
أما أن الغاصب ضامن لما غصب فهذا لا خلاف فيه، فإنه معتد بالغصب، فأقل ما يجب عليه رد المغصوب بذاته لمن غصب منه، والمشهور أن الضمان يعتبر وقت الغصب إن فات المغصوب، وقيل إن الضمان يكون بالأكثر من يوم الغصب إلى يوم التلف، لأن كل المدة التي قضاها المغصوب عند الغاصب مشمولة بحكم الغصب، وهو قول أشهب وابن وهب وعبد الملك، وهذا وجيه جدا.
[ ٤ / ١٦٩ ]
أما الاستدلال على لزوم الضمان بقول النبي ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا وحسنه الترمذي، فإنه في رد الموجود من المأخوذ وديعة كان أو عارية، لكن ليس فيه دليل على ضمان كل مأخوذ، ولا شك أن المغصوب يضمن ولا يسوى بينه وبين العارية والوديعة والرهن متى كان تلف هذه الثلاثة من غير تفريط.
[ ٤ / ١٧٠ ]
تأديب الغاصب وكونه آثما بنفس الفعل
• قوله:
٦١ - «فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه».
قوله: فلا شيء عليه»، يعني أن الغاصب لا يؤخذ منه أكثر مما غصبه إن كان المغصوب قائما، وليس المراد أنه غير آثم، ولا أن الحاكم لا يؤدبه باجتهاده على ما ارتكب من الغصب، بل إنه لا يعفى عنه ولو سامحه المغصوب منه لكون التأديب فيه دفع للفساد، وهو حق الله تعالى، كما يجب عليه التوبة والاستغفار، قالوا ويؤدب الصبي إذا غصب أو سرق أو زنى لأجل الفساد لا لكون ذلك محرما عليه.
[ ٤ / ١٧١ ]
ما يترتب على تغير المغصوب بيد الغاصب
حكم تغير المغصوب بأمر سماوي
• قوله:
٦٢ - «وإن تغير بيده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة».
تغير المغصوب إما أن يكون بأمر سماوي لا دخل لأحد فيه، أو بفعل الغاصب، فإن كان الأول ولو كان النقص كبيرا خير المغصوب منه بين أخذه كما هو أو تضمين الغاصب قيمته يوم الغصب، فلو أن رجلا اغتصب سيارة قيمتها يوم الغصب مليون دينار، فوقعت عليها صخرة أفسدت غطاء محركها، فلربها أن يأخذها كما هي من غير أرش العيب، أو يعطيه الغاصب مليون دينار ويمسكها.
[ ٤ / ١٧٢ ]
حكم تغير المغصوب بتعدي الغاصب
• قوله:
٦٣ - «ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه، وقد اختلف في ذلك».
هذه حالة تعدي الغاصب على المغصوب، ولا فرق فيه بين الخطإ والعمد، فيخير المغصوب منه بين أخذه مع أرش النقص الذي لحقه، وبين أخذ قيمته يوم الغصب، والمؤلف قد حذف أحد شقي التعبير، وتعليل ذلك أن العيب اللاحق بالمغصوب هنا هو تعد جديد، بخلاف ما لو كان النقص بسماوي، وهذا قول ابن القاسم.
فمثلا لو غصب امرؤ سيارة قيمتها يوم الغصب مليون دينار فسافر بها الغاصب فأتلف شيئا فيها فقوم التلف بمائتي ألف دينار، فلصاحب السيارة أن يأخذها مع ما نقص من قيمتها، وهوالمائتا ألف دينار، وبين أخذ قيمتها يوم الغصب، وهي مليون دينار، وقيل ليس له إلا أخذه بحاله أو أخذ قيمته يوم الغصب كما في الصورة التي قبل هذه، لأنه لا يضمن بقيمته يوم الجناية اللاحقة، وإنما يضمن بها يوم الغصب، فالتعدي مسبوق بالضمان، فلا يحدث له حكم آخر، وهو قول ثان لابن القاسم وسحنون وأشهب، والأول عندهم هو الراجح.
[ ٤ / ١٧٣ ]
لا يأخذ الغاصب غلة المغصوب ويرد ما أكله أو انتفع به
تفاصيل ذكرها بعض علماء المذهب في غلة المغصوب
• قوله:
٦٤ - «ولا غلة للغاصب، ويرد ما أكل من غلة أو انتفع».
كلام الشيخ ظاهر في رد الغاصب الغلة مطلقا لا فرق بين كون المغصوب ربعا أو حيوانا أو غيرهما، ولا بين كون الغلة متولدة من المغصوب أولا، ووجهه أن الغلة نماء ملك المغصوب منه فتعطى حكمه، فكما يجب رد العين المغصوبة للمالك فكذلك يجب رد غلتها وريعها إليه، ومثال أكل غلة المغصوب أن يغتصب أرضا مشجرة فيأكل ثمرتها، أو يساقي بها، ومثال الانتفاع أن يغتصب دارا أو سيارة فيسكنها أو يكريها، وهذا القول هو رواية أشهب وابن زياد عن مالك، وعليه درج خليل حيث قال: «وله هدم بناء عليه وغلة مستعمل وصيد عبد وجارح وكراء أرض بنيت كمركب نخر وأخذ ما لا عين له قائمة وصيد شبكة وما أنفق في الغلة»، انتهى.
قال الدردير شارحا قوله وغلة مستعمل: «رُجح حمله على العقار من دور ورباع وأرض سكنها أو زرعها أو (أكراها) دون الحيوان المستعمل الذي نشأ عن استعماله غلة ككراء الدابة أو العبد أو استعمالهما لأنه مذهب المدونة فيضمن في العقار إذا استعمل وإلا فلا، ولا يضمن في الحيوان إلا ما نشأ من غير استعمال كلبن وصوف، والأرجح حمله على ظاهره من العموم»، انتهى، والذي عناه الدردير بقوله رجح حمله على العقار،،، الخ، هو قول ابن القاسم في المدونة، حيث قصر رد الغلة على ما كان من غير تحريك الغاصب كنسل الحيوان واللبن والصوف ومنفعة العقار، فهذا يرد لربه إن كان موجودا أو مثله إن كان مثليا وإلا فقيمته.
والحجة للقول الأول حديث يحي بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، قال أبو داود وذكر مثله، قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ: غرس أحدهما نخلا في أرض للآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: «فلقد رأيتها وإنها
[ ٤ / ١٧٤ ]
ترجيح ضمان الغاصب للغلة من غير فرق
لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عُمّ حتى أخرجت منها»، رواه أبو داود (٣٠٧٤)، وقوله وذكر مثله يريد ما جاء في حديث سعيد بن زيد الذي أورده قبله وفيه: «ليس لعرق ظالم حق»، وقد شاركه في روايتها أصحاب السنن عن سعيد بن زيد، وقد حسنه الحافظ في بلوغ المرام، وقوله وإنها لنخل عم هو بضم العين قال الخطابي: «عم طوال جمع عميم، ورجل عميم إذا كان تام الخلق»، انتهى، وقوله: «لعرق ظالم» هو بإضافة العرق للظالم، وبالتنوين فيكون وصفا لعرق، والأول أولى لأنه حقيقة وهي مُقَدَّمَةٌ، والثانية مجاز، وإن أنكر الإضافة الخطابي كما نقله عنه محمد حامد الفقي فيما علقه على بلوغ المرام، ولم أجده في المعالم، ولعله في كِتَابه غلط المحدثين، والمراد بعرق الظالم ما يغرسه الغاصب في أرض هي ملك لغيره، فهذا ليس له فيه حق، ومثله ما احتفر فيها من الآبار، وما استخرج منها من المعادن، وما بني عليها من المباني، أو شق فيها من الطرق، فالأصل في هذا كله أنه ملك لصاحب الأرض، والله أعلم.
والحديث وإن كان في الأرض بالنظر إلى سبب وروده فإن غير الأرض مثلها بجامع الغصب، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «ومن خالف في ذلك فليس بيده رواية ولا دراية»، انتهى، لكن الشوكاني ﵀ مال في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٧) إلى خلاف هذا حيث قال: «قيل عن هذا الحكم - يعني الخراج بالضمان - مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور، وقالت الحنفية إن الغاصب كالمشتري قياسا، ولا يخفى ما في هذا القياس، لأن الملك فارق يمنع الإلحاق، والأولى أن يقال إن الغاصب داخل تحت عموم اللفظ ولا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في الأصول»، انتهى، قال كاتبه: أنكر العلامة الشوكاني دخول غلة المغصوب بالقياس، وأدخلها بعموم اللفظ، فكان كما قال ذلك الأعرابي الذي قدم وأخر في الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزال، فلما روجع في ذلك قال وهو مخطئ على كل حال:
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه … كلا طرفي هرشى لهن طريق
إن دخول الغاصب في العموم حق بناء على ما عليه جمهور أهل الأصول، لكن غصب الأرض خرج بقوله ﷺ: «وليس لعرق ظالم حق»، وغير الأرض يخرج بالإلحاق،
[ ٤ / ١٧٥ ]
ولعل الشوكاني إنما كان بصدد تقرير القاعدة ولا يمنع تقريرها من التخصيص كما علمت.
وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير النسائي وحسنه الترمذي عن رافع بن خديج ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته»، فهذا مخصص لحديث عروة السابق كما ترى، وإذا زادت النفقة على المغصوب فليس للغاصب شيء زيادة على ذلك.
والذي تقدم من ضمان الغلة إنما هو فيما إذا استعمل الذات المغصوبة، أما لو عطل ما اغتصبه كأن أقفل الدار وحبس الدابة وبور الأرض وترك العبد دون استخدام فلا ضمان عليه في شيء من ذلك عندهم وفيه نظر، لأنه بالغصب فوت ما في المغصوب من المنافع على صاحبه، أما لو غصب المنفعة - وهو المسمى بالتعدي - فإنه يضمن قيمتها ولو لم يستعمل ذا المنفعة بل عطله.
[ ٤ / ١٧٦ ]
من وطئ الأمة التي غصبها حد للزنا وولده رقيق لمالك الأمة
• قوله:
٦٥ - «وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمة».
وهذا لأنه زان، إذ أنها ليست زوجته ولا مملوكته، ولا حلالَ من الفروج غير هاتين، أما أن الولد رقيق فعلى الأصل، فإنه تابع لأمه، ولو كان أبوه حرا ما لم يكن مالكا، فكيف وهو زان؟، ولو قال المؤلف وولدها رقيق لكان أولى لبعده عن الإيهام، إذ لا توارث بين الزاني وما نشأ من مائه، وإنما يرث ولد الزنا أمه.
[ ٤ / ١٧٧ ]
لا يطيب للغاصب ربح حتى يرد رأس المال
• قوله:
٦٦ - «ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه».
هذا بناء على أن الربح الناشئ عن المال المغصوب حلال كمن غصب نقودا فاتجر بها فحصل منها ربح، فإنه لما كان ضامنا للأصل كانت الغلة له، وقد تمسكوا في هذا بعموم قوله ﷺ: «الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد علمت أنه وارد فيما قبض بإذن الشرع فيه، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى، لكن هل يخص هذا العموم بالسبب أم العبرة بعموم لفظه؟، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٣٥٢): «لا يخفاك أنه وارد في غير مقبوضه (الصواب: في عين مقبوضة) بإذن الشرع فكيف يصح إلحاق العين المغصوبة بها؟، ومعلوم أن الغاصب ضامن على كل حال فكيف يستحق عوضا وهو الخراج في مقابل ضمانه»، انتهى، وقد تقدم قوله الذي تمسك فيه بعموم اللفظ، وقد قيل بالكراهة وقيل بالحرمة، وهذا هو الأقوى لأنه نشأ عن حرام ولو كان محتاجا إلى تحريك وعمل فإذا لم تطب به نفس مالك أصله فإنه لا يجوز له أخذه.
[ ٤ / ١٧٨ ]
تصدق الغاصب بالربح
• قوله:
٦٧ - «ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك، وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى».
هذا بناء على القول بأن أخذ الربح مكروه كراهة تنزيه، والقول بالتصدق بربح المغصوب لأشهب ﵀، ووجهه عدم حل الأصل، ولما في الربح من الشبهة، ولأن التصدق به مما يرجى معه أن يكون فيه كفارة لما اقترفه الغاصب من إثم الغصب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والمشهور عندهم أنه مع رد الأصل يطيب له الربح.
قال كاتبه: لو علمت من قال بأن للغاصب الذي استغل المغصوب أجر مثله داخل حدود الربح ويرد على المغصوب منه ما فضل لقلت به، والله أعلم.
[ ٤ / ١٧٩ ]