المراد بالدماء القتل وهو خطأ وعمد، ويدخل في الباب قطع الأعضاء والجراح والشجاج عمدها وخطؤها، أما أحكامها فما يترتب على الفاعل من القَوَدِ والقصاص والدية، والقَوَدُ من قولك استقدت الحاكم من القاتل فأقادني منه، أي طلبت منه أن يقتله ففعل، والدية مصدر ودى القاتلُ القتيلَ يَديه دِيَةً إذا أعطى وليه المال الذي شرع إعطاؤه في مقابل النفس، وتسمية المال دية من باب التسمية بالمصدر كما في الهبة، ويدخل في الدية غرة إسقاط الجنين.
والقصاص يشمل القصاص في النفس والقصاص في الأطراف والجراح، وخص بعضهم الأول بالقود.
أما الحدود فجمع حد، وهو في اللغة المنع، وفي الشرع ما فرض لمنع الجاني من العود لمثل فعله وزجر غيره، والمراد بيان أسبابها وهي الردة والحرابة والزنا والقذف والشرب والسرقة، وبيان ما تثبت به، وذكر تقاديرها ولوازمها وما يلحق بها من الأدب والتعزير والكفارة.
ومما شرعت الحدود له زيادة على ما فيها من الردع والزجر أنها كفارات لما ارتكب من استوجبها، يدل على ذلك قول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه»، رواه الشيخان، وقال النبي ﷺ: «أيما عبد أصاب شيئا مما نهى الله عنه، ثم أقيم عليه حده، كفر عنه ذلك الذنب»، رواه أحمد والحاكم والدارمي عن خزيمة بن ثابت، وهو في الصحيحة برقم (١٧٥٥)، ولهذا المعنى أثر عن بعض من بدر منه شيء من ذلك كالزنا حرصهم على أن يقام عليه الحد ليقينه بما فيه من المصلحة له، بتطهيره من الذنب، كالغامدية وماعز.
[ ٤ / ١٨٠ ]
لا تقتل نفس بنفس إلا بينة عادلة أو باعتراف أو بالقسامة إن وجبت
علاقة الحدود بالكليات المتفق على لزوم حفظها
الفرق بين القتل العمد والقتل الخطإ
رواية عن مالك فيها إثبات شبه العمد
• قوله:
٠١ - «ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة أو باعتراف أو بالقسامة إذا وجبت».
حفظ الكليات مما اتفقت عليه الشرائع، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال، فكان عقاب المرتد والزنديق والساحر والقاتل القتل، ومن شرب أو قذف الجلد، ومن زنى الجلد والرجم، ومن سرق القطع، فالحدود كلها لحفظ هذه الكليات، وكذلك غيرها من الأحكام.
والقتل قسمان: خطأ وعمد، وكل منهما في القرآن، وللخطإ صور كثيرة يجمعها كلها عدم القصد إلى القتل، منها أن يرمي المشركين فيقتل مسلما، أو يريد قتل من يستحق القتل من زان أو مرتد فيصيب بريئا، أو يرمي صيدا فيصيب امرأ، ولعل منه أن يتهاون في إصلاح سيارته كالعجلات والمكبح فيموت معه أحد بانقلابها، أو يتجاوز السرعة المحددة، أو لا يتوقف عند موضع توقف، أو يحمل امرأ في شاحنة ليست محمية بالجوانب فيسقط ويموت، ونحو ذلك، وليس منه أن تكون سيارته واقفة فيضربها شخص بسيارته فيموت، أو يصدمه شخص وهو في طريقه على اليمين فيموت، أو يرمي شخص بنفسه أمام السيارة فتقتله ونحو ذلك.
والعمد ما توفر فيه القصد إلى القتل، وكان بما يقتل به كالسيف والخنجر، وذهب مالك إلى أن من قتل بما لا يقتل بمثله غالبا مع قصده الضرب كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه قتل عمد فيه القود، وهو عند الجمهور داخل في شبه العمد وهو الصواب.
وشبه العمد عندهم هو ما إذا قصد الضرب ولم يرد القتل، وقد ذكر القول به
[ ٤ / ١٨١ ]
القتل العمد من أكبر الكبائر
عن مالك، وهو قول ابن وهب من أصحابه، وقد جاء هذا في غير حديث، من ذلك قول رسول الله ﷺ: «ألا إن دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو، وهو طرف من حديث في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح بمكة، انظر الإرواء (ح/ ٢١٩٧)، وليس بين شبه العمد والخطإ غير التشديد في الدية.
وقد ذكر مالك أمثلة للعمد عنده في الموطإ باب ما يجب في العمد ومما قاله: «والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الرجل إذا ضرب الرجل بعصا، او رماه بحجر، أو ضربه عمدا، فمات من ذلك، فإن ذلك هو العمد وفيه القصاص،،،»، انتهى، وقد رجح القرطبي الرواية التي عن مالك بإثبات شبه العمد فقال: «وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا تستباح إلا بأمر بَيّنٍ لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطإ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القَوَدُ وتغلظ الدية»، انتهى، ومهما يكن فقد قال مالك بتغليظ الدية في قتل الرجل ولده اتباعا لما في قصة المدلجي الذي ضرب ابنه بالسيف فقتله، وسيذكره المؤلف في أسباب تغليظ الدية.
والقتل العمد من أكبر الكبائر لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] والمراد خلود من استحل القتل، أو يكون المراد بالخلود طول البقاء كما في قول الشاعر:
«ألا لا أرى على الحوادث باقيا … ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا»
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
[ ٤ / ١٨٢ ]
لا توبة لقاتل المؤمن عمدا
عدم قبول توبته هو قول مالك وله سلف من الصحابة
التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]، وقال النبي ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول لله وما هن؟، قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»، رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وهو شامل لقتل كل نفس بغير حق مؤمنة كانت أو كافرة غير الكافر الحربي، وقال النبي ﷺ: «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة»، رواه الطبراني والضياء في المختارة عن أنس ﵁، وعدم قبول توبة القاتل عمدا قول ابن عباس ومالك، ولأن شرط التوبة من مظالم العباد تحللهم منها ورد تبعاتها ولا سبيل للقاتل إلى ذلك حيث لم يدرك المقتول فيعفو عنه، ولا داعي لحمل الحديث المذكور على المستحل لقتله، ولا على الزجر، لكن ليس معنى كونه لا توبة له أنه مخلد في النار كما تقول الخوارج والمعتزلة، ولا أن ذلك الذنب لا يغفر له، لأن أسباب مغفرة الذنوب كثيرة لا تنحصر في التوبة، فإن منها ما يرجع إلى كسب الإنسان وفعله، ومنها ما يرجع إلى ما يبتليه الله به في حياته فيكون سببا في غفران ذنوبه، ومنها ما يرجع إلى استغفار غيره له وشفاعته فيه بإذن ربه، وقد قال ﵊: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ومنها ما يصيبه في القبر وعرصات القيامة من العذاب والشدة والضيق.
وقال النبي ﷺ: «لن يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما»، رواه البخاري (٦٨٦١) عن ابن عمر، وفي رواية «في فسحة من ذنبه»، الفسحة السعة، ومعنى الأولى سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، ومعنى الثانية قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول»، قاله ابن العربي في القبس (٣/ ٩٧٨)، وهو في فتح الباري، وقال ابن عمر: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام من غير حله»، رواه البخاري، والورطات بمفتوحتين جمع ورطة بسكون الراء هي الهلاك، والمراد عدم نجاة من وقع فيما ذكر،
[ ٤ / ١٨٣ ]
تحريم قتل المرء نفسه وكونه من الكبائر
قال الحافظ: «وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق: «تزود من الماء البارد فإنك لن تدخل الجنة»، انتهى، وفي سنن الترمدي (١٣٩٥) عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، وجعله في صحيح الجامع الصغير عن عبد الله بن عمر فانظره، وفيه أيضا عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبهم الله في النار»، قال الترمذي غريب يعني ضعيفا، وهو في صحيح الجامع الصغير، وهو صالح للاحتجاج به على قتل الجماعة يشتركون في قتل الواحد.
ولعظيم خطر الدماء كانت أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، كما جاء ذلك عن النبي ﷺ فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود، ولا تعارض بين هذا وبين كون أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة كما رواه الترمذي، فإن هذا في حقوق الله تعالى، وذاك في حقوق المخلوقين.
وكما يحرم قتل المؤمن يحرم قتل الكافر الذمي والمستأمن، وهو من الكبائر أيضا لقول النبي ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرَح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما»، رواه البخاري والنسائي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو ﵁، لم يرح بفتح الراء يقال راح يريح ويراح لم يشم ريحها، وعن أبي بكرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها»، رواه أحمد والنسائي.
كما حرم الله أن يقتل المرء نفسه ابتداء أو بترك ما يضطر إليه من المحرمات كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقال النبي ﷺ: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»،
[ ٤ / ١٨٤ ]
القصاص فيه حياة
رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن، ومعنى يتوجأ بها يضرب بها نفسه، ويتحساه يشربه، فتأمل رحمك الله كيف كان جزاؤه من جنس عمله فلما فاته القصاص في الدنيا اقتص الله تعالى منه في الآخرة بقتله نفسه بما قتلها به في الدنيا، وفيه إشارة خفية إلى أن قتل النفس قد يكون أعظم من قتل الغير، بل جاء ما يدل على أن المرء متى أفسد عضوا من أعضائه فإنه يبقى يوم القيامة على الصفة التي مات عليها عقوبة له، فقد روى أحمد ومسلم عن جابر قال: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: «ما صنع بك ربك»؟، قال: «غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ»، فقال: «ما لي أراك مغطيا يديك؟، قال: «قيل لي: «لن نصلح منك ما أفسدت»، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «وليديه فاغفر»، وفي صحيح البخاري عن جندب ﵁ عن النبي ﷺ فيمن جرح فجزع فأخذ سكينا فخز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله ﷿: بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة».
ولمنع هذا الخطر وردع المقدمين عليه، شرع الله تعالى القصاص وقال في شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]، والمراد مما في الأولى قصر القصاص على القاتل فلا يتعدى إلى غيره كما كان عليه العرب، قال القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٥١): «المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تَقْتُلَ بمن قُتِلَ من لم يَقْتُلْ، وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله ﷾ بالعدل والمساواة، وذلك بأن يُقْتَلَ من قَتَلَ،،،»، انتهى، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ
[ ٤ / ١٨٥ ]
أركان القصاص
وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، هذه مثل الأولى ليست بمعزل عن غيرها
من الأدلة التي يتعين أن يؤخذ الحكم من مجموعها، فإن الكل من عند الله لا يصح
أن يضرب دليل بدليل، لا كتاب بكتاب، ولا سنة بسنة، ولا سنة بكتاب، ولا كتاب
بسنة.
وقد بين النبي ﷺ الحالة التي يجوز فيها قتل المسلم - والذي يتولى ذلك الحاكم في قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق لجماعة»، رواه الشيخان، قوله ﷺ والنفس بالنفس، هذا هو الأصل، لكن جاء ما يستند إليه في تكافؤ الدماء على ما يأتي، وقوله والتارك لدينه يعني المرتد بأي سبب من الأسباب، أما المفارق للجماعة فيتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة مكفرة أو بغي أو حرابة كما سيأتي.
وقول المؤلف: «ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة،،،»، هذا في القتل العمد، قال رسول الله ﷺ: «العمد قَوَدٌ والخطأ دية» رواه الطبراني عن عمرو بن حزم وهو في الصحيحة برقم (١٩٨٦).
وأركان القصاص ثلاثة: الأول الجاني، والثاني المجني عليه، والثالث الجناية، وشرط الأول التكليف وعصمة الدم، فخرج الصبي والمجنون والحربي، لأنه إن لم يسلم قتل، لكن قتله ليس قصاصا، وإن أسلم جب الإسلام ما قبله، والمكافأة للمقتول، فلا يقتل المسلم بالكافر الذمي ولا الحر بالعبد، كما لا يقتل الوالد بولده إلا في
قتل الغيلة، وشرط المجني عليه عصمة دمه، وشرط الجناية العمد العدوان،
وسيفصل المؤلف ذلك، وقد علمت أن قوله تعالى عن القصاص في القتلى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لا دليل فيه مثلا على عدم قتل الذكر بالأنثى، ولا على
عدم قتل الحر بالعبد، بل مرد ذلك إلى النصوص الأخرى، وسيأتي ذكرها في موضعها
[ ٤ / ١٨٦ ]
معنى القسامة
إن شاء الله تعالى.
وأول ما يثبت به القتل البينة، وهي ما يبين الحق ويظهره، شهادة كانت أو غيرها، وهو يريد بها هنا خصوص الشهادة، وأقل ذلك شهادة رجلين عدلين، يشهدان على أنه قتله، ويتفقان في الوصف، فلو قال أحدهما قتله بالخنجر، وقال الآخر بحجر لم تقبل الشهادة، ولا يثبت القتل برجل وامرأتين كما هو الشأن في الأموال المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لكنهم إنما اشترطوا الرجلين في ثبوت القتل الموجب للقصاص، أما إذا آل الأمر إلى قبول الدية من الأولياء فيكتفى برجل وامرأتين كما قاله ابن شاس في الجواهر، ووجهه والله أعلم أن الشهادة مع استبعاد القصاص صارت من قبيل إثبات حق مالي وإن كان سببه القتل.
والأمر الثاني: إقرار الجاني بجنايته بأن يشهد رجلان على ذلك، بشرط أن يكون مختارا، فإن أكره على الإقرار فلا عبرة باعترافه، ومثل المكره الصبي والمجنون، وإقرار المكلف على نفسه أقوى أدلة الثبوت لأن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها، ولأن النبي ﷺ اعتمد في إثبات الحد على اعتراف الغامدية وماعز وغيرهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾.
[الأنعام: ١٣٠]
والثالث: القسامة، بيد أنها ليست بينة بنفسها بل متى قبلها الأولياء وصحبها ما لا بد منه، مما ينبغي أن يتوفر في الجاني، من التكليف والكفاءة وعدم الوالدية، وعدم عفو بعض الأولياء، وبشرط أن يكون الحالفون رجالا، وأن يكونوا اثنين فأكثر في استحقاق القصاص، ولذلك قال: «إذا وجبت»، أي إذا تعينت طريقا لإثبات القتل، بأن قبلها أولياء
[ ٤ / ١٨٧ ]
المقتول، وانضم إليها ما يلزم من اللوث الذي سيأتي بيانه.
ومعنى القسامة الأيمان التي توزع على أولياء القتيل المدعين للدم، وقد وَقَّتَهَا الشارع بخمسين يمينا يحلفها أولياء القتيل فيثبت لهم الدم، والدليل على ثبوت الدم بالقسامة حديث سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جَهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في فقير بئر أو عين، فأتى يهود فقال: «أنتم والله قتلتموه»، فقالوا: «والله ما قتلناه»، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله ﷺ: «كَبّرْ، كَبّرْ»، يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ: «إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب»، فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: «إنا والله ما قتلناه»، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم»، فقالوا: «لا»، قال: «أفتحلف لكم يهود»؟، قالوا: «ليسوا بمسلمين»، فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل: «لقد ركضتني منها ناقة حمراء»، رواه مالك في الموطإ (١٥٩١) والبخاري ومسلم وغيرهما، وفيه من العلم:
خروج المرء في طلب الرزق، لكن الدار التي خرجوا إليها ليست دار كفر، فإن خيبر كانت قد فتحت وعامل النبي ﷺ اليهود فيها على الأرض كما تقدم في المساقاة، وفيه تقديم الكبير في الكلام وإن كان الصغير أعرف بما يتحدث فيه، وفيه الحكم بالدية على القوم يعلم أن امرءا قتل في محلتهم متى لم يعرف الجاني لكونهم متضامنين بعد قيام الأولياء بالقسامة، وفيه مخالفة المعروف من أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين، فخولف هنا لوجود اللوث وللاحتياط للدماء، وقد ثبت ما يدل على خلاف ذلك مما يجري على الأصل وهو حلف المدعى عليهم متى لم تكن بينة، وفيه استحقاق أولياء
[ ٤ / ١٨٨ ]
إقرار الإسلام للقسامة التي كان العرب يعملون بها
القتيل الدم بالقسامة لكن إذا كان معروفا وقام على ذلك لوث، وفيه أن القسامة ليست لازمة لهم بل هم مخيرون فيها، وفيه رد اليمين إذا نكل من توجهت عليه، وفيه أن هذه الإحالة يمكن أن يرفضها المدعون لما يرونه من عدم جدواها، وفيه تحليف الكافر في نفي التهمة عن نفسه، وفيه دية الحاكم للواحد من رعيته من بيت المال متى لم يقم الدليل القاضي بدفع القاتل وعاقلته الدية، وفيه أن الدية مائة من الإبل، وأنها إن لم يمنع مانع تكون حَالَّةً، وفيه أن القسامة إنما اعتمدت في إثبات القتل إذا كان معها ما يقويها وهو هنا وجود القتيل في محلة القوم.
واعلم أن القسامة كان يعمل بها في الجاهلية، وهي عند الجمهور مما أبقاه الإسلام احتياطا للدماء، وقد جاء في ذلك حديث مسلم عن رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود»، وقد مر بك أن النبي ﷺ لم يقض بها، بمعنى أنه لم يجعلها لازمة يُلزم بها أولياء القتيل فيترتب عليها الأثر، فينبغي أن يؤول القضاء بهذا المعنى، ومن ثم فلا موجب للقول إن الصحابي الذي روى حديث مسلم المذكور قد أخطأ في استنباط قضائه ﷺ بها من حديث سهل ابن أبي حثمة كما ذهب إليه العلامة الشيخ محمد إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٣/ ٢٥٦)، وله سلف في إنكار القول بالقسامة، ثم إنه ﵀ حمل تصرف النبي ﷺ مع أولياء القتيل فيما عرضه عليهم من القسامة وكذلك ما عرضه عليهم من حلف اليهود لهم على أنه مجرد تلطف منه ليبين لهم كيف أن الحكم بالقسامة لا يجري على أصول الإسلام، وذكر أنه مما يبين أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا له: «وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد»؟، لم يبين لهم أن هذا الحكم في القسامة من شأنه ذلك، وأنه حكم الله فيها وشرعه، بل عدل إلى قوله: «يحلف لكم يهود»، فقالوا: «ليسوا بمسلمين»، فلم يبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليه مطلقا، مسلمين كانوا أو غيرهم، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده»، انتهى، قال كاتبه: «إقدام الأولياء على القسامة ليس إلزاما، لكن إذا قبلوه قضى به الحاكم، فمعنى
[ ٤ / ١٨٩ ]
قول من قال إن القسامة لا يعمل بها ورده
قضائه ﷺ بها أنه جعلها مما يقضى به، أما دعوى أن الأمر تلطف منه ﷺ في إبطال القسامة فمستبعد، إذ كيف يعرض عليهم ما ليس بمشروع في أمر خطير كهذا؟، لاسيما وقد كان هذا بعد مرور ما يزيد على العشرين سنة على الرسالة المحمدية؟، أما امتناعهم منها فأمر يرجع إليهم، كشأن الأيمان كلها على من توجهت عليه، وكونهم امتنعوا منها لأنهم لم يشاهدوا ولم يحضروا فهذا لا يعني أن غيرهم مثلهم دائما، فقد يحصل للأولياء أو لبعضهم من الأدلة ما يعلمون به أن القتيل فلان، وقد لا يحصل، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٩٩): «ليس أحد من أهل العلم يجيز لأحد أن يحلف على ما لم يعلم، أو يشهد بما لم يعلم، ولكنه يحلف على ما لم ير ولم يحضر إذا صح عنده وعلمه بما يقع العلم بمثله، فإذا صح ذلك عنده واستيقنه حلف عليه»، انتهى.
أما أن الحكم بالقسامة لا يجري على أصول الإسلام فإن الأصول لا يلغى أحدها للآخر، ولا يقاس بعضها على بعض، وإلا ردت، ومن تلك الأصول التي رأوا القسامة مخالفة لها حديث «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وقد تقدم بيان وجه مخالفة القسامة لغيرها، لكن لو افترض ترجيح الرواية التي فيها البدء بحلف المدعى عليهم لما كان فيه إسقاط للقسامة، ورحم الله ابن عبد البر فمع أنه قال عن الأخبار الواردة في القسامة: «وما أعلم في شيء من الأحكام المروية عن النبي ﷺ من الاضطراب والتضاد ما في هذه القصة، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة، وهي قصة واحدة،،،»، انتهى، أقول مع هذا، فهو يرى كما في الاستذكار (٨/ ٢٠٩): «السنة إذا ثبتت فهي عند جماعة العلماء عبادة يدنو العامل بها من رحمة ربه، وينال المسلم بها درجة المؤمن المخلص والاعتلال لها ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، ألا ترى أن هذا الظن من مالك ليس بأصل عنده، ولو كان أصلا عنده لقاس عليه أشباهه ويصدق الذي يدعي قطع الطريق على من زعم أنه سلبه، وقتل وليه في طريق،،،»، انتهى المراد منه.
وقد بين مالك وجه اختلاف القسامة عن الأيمان في الحقوق فقال ﵀: «وإنما
[ ٤ / ١٩٠ ]
فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وإن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يلتمس الخلوة قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت به البينة، ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها»، انتهى، واصبر على ما ذكره المؤلف من تفاصيل أحكام القسامة التي لم يعد لها وجود في إثبات القتل قال ﵀:
[ ٤ / ١٩١ ]
يحلف ولاة الدم خمسين يمينا
• قوله:
٠٢ - «يقسم الولاة بالله خمسين يمينا ويستحقون الدم».
المقصود بالولاة هنا عصبة المقتول من النسب، سواء أكانوا وارثين أم لا، ومقدار ما يحلفونه لا دخل للعقل فيه لورود النص به وهو قوله ﷺ: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، واستحقاق الدم يكون بالقصاص من القاتل إن علم، وبالدية في حال عفو جميعهم أو بعضهم، أو عدم معرفة عين القاتل، فإن كانوا خمسين حلف كل منهم يمينا واحدة، على أن يكون ذلك على التوالي، وإن كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم الأيمان بحسب عددهم، والصيغة أن يقول الحالف كما في المدونة: «تالله الذي لا إله لا هو إن فلانا قتله»، متى شهد واحد على القتل، أو مات من ضربه، وثبت ضربه إياه بشهادة رجلين على الضرب، أو على إقرار الجاني بالضرب، وصيغة الحلف هذه من تغليظ الأيمان وسيأتي الحديث عنها في باب الأقضية.
[ ٤ / ١٩٢ ]
لا يحلف في القتل العمد أقل من رجلين
• قوله:
٠٣ - «ولا يحلف في العمد أقل من رجلين».
المقرر عندهم أنه لا يحلف في العمد إلا الذكور لأنهم هُمُ الذين يكونون عصبة، ومن ذلك أنه لا يقبل في العمد حلف أقل من رجلين، وعللوا ذلك بأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث الآتي ذكره مقام البينة، فكما لا يكتفى في البينة بشهادة واحد فكذلك لا يكتفى في الأيمان بواحد، واستدل لهذا أيضا بقول النبي ﷺ: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم»، فخاطب الجماعة، وأقل الجماعة في المذهب اثنان، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٢١٢): «ظاهر الحديث يشهد لقول مالك هذا، لأنه قال لأخي المقتول عبد الرحمن بن سهل ولابني عمه حويصة ومحيصة: «أتحلفون وتستحقون»؟، ولم يقل للأخ وحده: «أتحلف»؟، ومعلوم أن الأخ يحجب ابني عمه عن ميراث أخيه»، انتهى.
[ ٤ / ١٩٣ ]
• قوله:
٠٤ - «ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد».
المدعى عليهم القتل إما أن يكونوا جماعة أو واحدا، فإن كان القاتل واحدا قتل بالقسامة، وإن تعدد فلا يقتل إلا واحد، فيكون القسم على أنه القاتل، وقيل يقسمون على الجميع ثم يقتل واحد منهم، ونسب لابن القاسم، والأول هو المشهور، ونسب لابن القاسم أيضا، لكن يعزر الآخرون بالجلد والسجن على كل حال، وإنما لم يقتل بالقسامة غير واحد لأنها إنما وردت في واحد كما تقدم، ولأنه أمر خاص جاء على خلاف المعتاد في أحكام الشرع فلا يتوسع فيه، ولأن المحقق واحد والباقي مشكوك في أمره فيترك لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
[ ٤ / ١٩٤ ]
بيان اللوث الذي لا بد أن يكون مع القسامة
• قوله:
٠٥ - «وإنما تجب القسامة بقول الميت: دمي عند فلان، أو بشاهد على القتل، أو بشاهدين على الجَرْح، ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب».
هذا هو الذي يسمونه لوثا، وهو في اللغة القوة، لأنه من لي الشيء على الشيء، واللي يكتسب به الشيء قوة، يقال لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا، عَصَبَهَا»، كذا في الصحاح، والمراد هنا أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق مدعي الدم على غيره، وهو ثلاثة أشياء:
الأول: قول المقتول دمي عند فلان أي قتلني فلان، ويثبت ذلك بشاهدين، تأخر الموت عن قوله هذا أو لا، واشترط بعضهم مع قوله وجود الجُرح ونحوه، وهو المشهور المعمول به، وهو قول ابن القاسم، وقيل هو لوث مطلقا على ظاهر المدونة.
قال أبو الحسن: «لم يختلف في هذا قول مالك وجميع أصحابه أنه لوث في العمد يوجب القسامة والقَوَد»، انتهى.
وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي معلقا على كلامه: «وأما الخطأ ففيه خلاف، والمشهور أيضا أن الولاة يقسمون ويستحقون الدية طردا للقاعدة، وقيل لا قسامة في ذلك، لأنها دعوى في مال، وهو مروي عن مالك»، انتهى.
والثاني من أنواع اللوث شهادة واحد على معاينة القتل خطأ كان أو عمدا، لكن بعد ثبوت موت المجني عليه، وروي عن مالك عدم اشتراط العدالة، والمشهور أن غير العدل لا يكون لوثا لسقوط شهادته شرعا، فلا يختلف الأمر عن الأصل، بدعوى أنها مجرد تقوية، ويستوي في إثبات اللوث شهادة الرجال والنساء فيقوم مقام الرجل امرأتان لأنه لوث وهو لا يقضى به وحده.
[ ٤ / ١٩٥ ]
وجه أخذ مالك بقول القتيل دمي عند فلان
والثالث هو قوله «أو بشاهدين على الجَرْح» هو بفتح الجيم لأن المراد فعل الجاني، ومثل الجرح الضرب، فإذا شَهِدَ رجلان على أنهم رأوه جرحه أو ضربه لا فرق بين العمد والخطإ، وتأخر موته، ومن ذلك أن يأكل أو يشرب بعد معاينة البينة فإن للأولياء أن يقسموا على أنه مات من ذلك، ويستحقون الدم أو الدية حسب أصل القتل الذي يدعونه، أما إن أنفذت مقاتله، أو لم يأكل ولم يشرب وبقي بعد الضرب أو الجرح مغمورا لم يتكلم ولم يُفق حتى مات فإن الجاني يقتل به أو يودى من غير قسامة، وإنما قيد الأمر برؤية الشاهدين للجاني يضربه لأنهما إن شهدا على قوله بأنه ضربه أو جرحه فإنه مفتقر إلى القسامة تأخر موته أو لا لضعف الشهادة على الدعوى عن الشهادة على المعاينة.
قال مالك في الموطإ: «الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان: المدَّعُونَ في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول: «دمي عند فلان»، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة، وإن لم تكن قاطعة على الذي يُدَّعَى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين»، انتهى.
وقد أنكر العلماء على مالك ﵀ الاعتماد على قول المقتول دمي عند فلان، وقالوا قد جعل سُنَّةً ما لا مدخل له في السُنَّةِ، وشنع بعضهم على من احتج لهذا الأمر بقصة قتيل بني إسرائيل إذ أحياه الله فقال قتلني فلان فقبل قوله، قال ابن عبد البر: «وهذه غفلة شديدة أو شعوذة لأن الذي ذبحت البقرة من أجله، وضرب ببعضها كانت فيه آية لا سبيل إليها اليوم، فلا تصح إلا لنبي أو بحضرة نبي»، انتهى.
قال كاتبه: قول القتيل دمي عند فلان قد يكون أقوى من مجرد وجود القتيل في محلة قوم، وقد قضى النبي ﷺ كما رأيت بالقسامة لأجل ذلك، والذين استأنسوا بقصة القتيل الذي أحياه الله وجعل نطقه آية، لم يحتجوا به من حيث كونه آية، بل احتجاجهم بمعزل عن جانب المعجزة لأن المعتمد هو نطقه بعد أن أحياه الله، والقائل دمي عند فلان قالها
[ ٤ / ١٩٦ ]
حال الحياة فاجتمعا في هذا، أما أن يقال إن فيه قبول الدعوى من غير بينة فهو مصادرة لأنه لا يحكم به وحده، بل هو لوث يتجه معه حلف الأولياء، فالمسألة من موارد الاجتهاد، نعم يتجه إنكار المنكرين على مالك ﵀ أن يكون بدء المدعين في القسامة بالأيمان مما اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث، كيف وابن شهاب وهو شيخه روى عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بدأ باليهود في الأيمان؟، فينزل قوله على أنه لم يعلم بالمخالف فالتعبير بذلك متعين، والله أعلم.
[ ٤ / ١٩٧ ]
• قوله:
٠٦ - «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا».
نكل بفتح الكاف وضمها في المضارع، والنكول الامتناع، وهذا مأخوذ من كلام النبي ﷺ في حديث سهل بن حثمة بعد أنْ أبى المدعون الحلف معللين ذلك بأنهم لم يحضروا قال: «أفتحلف لكم يهود»؟، لكن قالوا إنما توجه الأيمان إلى المدعى عليهم فيحلفون ذلك العدد والمتهم من جملتهم، إذا نكل ولاة الدم كلهم، أو بعضهم وكانوا مساوين لمن لم ينكل في القرب من الميت أو دونه، وأولى إن كان الممتنعون أقرب إليه، أما إن كانوا أبعد ممن لم ينكل كالعم مع الابن أو مع الأخ فلا يؤثر نكولهم.
[ ٤ / ١٩٨ ]
إذا لم يوجد من الأولياء غير المدعى عليه وحده حلف الأيمان كلها
• قوله:
٠٧ - «فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين، ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا».
في كلامه الإظهار في موضع الإضمار قلقت العبارة بسببه، ولو قال أبو محمد ﵀ «فإن لم يجد المدعى عليه من يحلف معه من العصبة حلف الخمسين وحده»، لكان أوضح، وإنما اكتفي بحلفه لأنه مُتَّهَمٌ، وهو أعرف بنفسه وببراءته فقوي جانبه حيث لم تتجه إليه التهمة بالقتل إلا باللوث مع أن المدعين نكلوا فجاز أن يحلف وحده الخمسين يمينا بخلاف المدعين، فإن القسامة من جانبهم لا تقبل إلا إذا بلغوا أن يكونوا جماعة كما سبق، وكذلك لو تعدد المتهمون، وليس لهم أولياء، فإنهم يحلفون ذلك العدد، قال مالك: «فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادُعي عليه حلف هو خمسين يمينا وبرئ»، انتهى، وقال في موضع آخر عن تعدد المدعى عليهم: «ولا تقطع الأيمان عليهم بقدر عددهم،،، إلى أن قال: «وهذا أحسن ما سمعت في ذلك»، انتهى، ووجهه أن كلا منهم يدفع عن نفسه فينبغي أن يحلف العدد الذي يحلفه أولياؤه لو وجدوا، وإذا نكل المدعى عليه حبس حتى يحلف ولو طال حبسه، وقيل يطلق بعد سنة.
واعلم أنه لا تكرار في قوله: «ولو ادعي القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا»، مع ما سبق من قوله: «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا»، لأن الأيمان في الأخير مطلوبة من أولياء القاتل، والأيمان في الذي قبله تتجه إلى مَنِ ادُّعِيَ عليهم القتل فردا فردا، وبهذا يظهر لك أن ما قاله صاحب الفواكه الدواني من أن أنه محض تكرار ليس بصحيح، وقد رد ما حمل الشراح عليه كلام المؤلف بقوله: «وما أجاب بعض الشراح من حمل ما سبق على دعوى القتل على واحد بعيد من كلامه»، انتهى، ويبدو أن حامله على ذلك ما زاده من عنده في خلال شرحه على كلام المصنف سهوا، فقد أثبت قوله: وإذا نكل مدعو الدم حلف كل واحد خمسين يمينا»، فلعلها نسخة، والصواب: «وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا».
[ ٤ / ١٩٩ ]
إذا ادعي القتل على جماعة وليس لهم اولياء حلف كل واحد خمسين يمينا
تقسم الأيمان على أولياء الدم إذا كانوا أقل من خمسين رجلا
• قوله:
٠٨ - «ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان».
لا بد من استيفاء الخمسين يمينا في القسامة، فإن كان الأولياء أقل من خمسين قسمت الأيمان عليهم، ويجبر الكسر على من كان حظه من اليمين أكثر، وإن كانوا أكثر من خمسين اكتفي بحلف خمسين منهم، وقيل يحلفون كلهم، والظاهر إيثار الأكثر حظا وتقديم الوارث على غيره، أما إن كانوا خمسين فالأمر واضح، فإن حلف منهم خمسون فهذا هو المقدم وإن حلف بعضهم أعني اثنين فأكثر العددَ المطلوبَ اكتفي بذلك.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
لا تحلف النساء في قسامة القتل العمد
• قوله:
٠٩ - «ولا تحلف امرأة في العمد».
استحقاق الدم في العمد شرطه الذكورية لأنه مختص بالعصبة، فلا حظ للمرأة فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]، ولأن شهادة النساء لا تصح في إثبات القتل العمد فلا تصح فيما قام مقامها وهي القسامة متى وجبت، وللعاصب الاستعانة في القسامة بعاصبه الأجنبي من المقتول كما لو كان القتيل الأم فلابنها إن انفرد الاستعانة بعمه في الحلف لأنه عاصب له، ولا يضر كونه أجنبيا من أمه، فإن لم يستعن بأحد أو لم يجد من يستعين به فإن الأيمان تُرَدُّ على الجاني، قال مالك: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو»، انتهى، وقال خليل: «ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة وإلا فَمُوَالٍ»، انتهى، فإن انفردت النساء يصير المقتول بمنزلة من لا وارث له فترد الأيمان على المدعى عليه كما سبق.
[ ٤ / ٢٠١ ]
يحلف الورثة كلهم في الخطإ بقدر سهامهم من الدية
• قوله:
١٠ - «وتحلف الورثة في الخطإ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة».
إثبات القتل الخطإ بالقسامة تشارك فيه النساء لأنه من قبيل الشهادة على الحقوق المالية، وشهادتهن فيها منصوصة في آية الدين، فيحلف الورثة الرجال والنساء، وتحلف النساء إن انفردن، وتحلف المرأة إن انفردت الأيمان كلها، لكن لا تأخذ إلا فرضها من الدية، والحلف يكون بمقدار سهم الوارث من الدية، فلو ترك المقتول زوجة وبنتا وأخا، فإن الزوجة تحلف (٦) أيمان، لأنها ثمن الخمسين، وتحلف البنت (٢٥) يمينا، لأنها نصف الخمسين، ويحلف الأخ الباقي وهو (١٩) يمينا، لأنه عاصب يأخذ ما أبقته الفرائض، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
تجبر اليمين على من كان كسره منها أكبر
• قوله:
١١ - «وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبا منها».
يريد أن اليمين إذا انكسرت فإنها تكمل للذي له نصيب أكبر من كسرها، ومثاله أن يترك ورثة هم زوج وأخ وأخت، فيحلف الزوج (٢٥) يمينا، لأن له نصف التركة، ويحلف الأخ (١٧) يمينا، لأنه يأخذ من ال (٢٥) ستة عشر وثلثين، وتأخذ الأخت ثمانية وثلثا، فيكمل كسر اليمين على الأخ لاستحواذه على أكثره، قال خليل: «وجبرت اليمين على أكثر كسرها»، انتهى.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
إذا حلف بعض الورثة في القتل الخطإ فلا بد ان يستكمل الأيمان الخمسين
من جاء بعد حلف نصيبه من الأيمان فقط
• قوله:
١٢ - «وإذا حضر بعض ورثة دية الخطإ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث».
لما ناط الشرع الحكم بالقسامة على عدد من الأيمان فلا بد من استكمالها، وقد علمت أن القتل بالقسامة لا يقبل فيه إلا الجماعة وأقلها اثنان، أما القتل الخطأ فلا يشترط فيه ذلك، فإذا حضر بعض الورثة وطالب بالقسامة أمر بحلف الأيمان كلها حتى يحكم بالقسامة، ويرتب عليها الأثر، فإذا حلفها أخذ من التركة مقدار سهمه منها، فإذا جاء وارث آخر فإنه يحلف بمقدار نصيبه من الميراث فقط كي يأخذ حَظّه منه، ولا يغني عنه حلف من تقدمه في خصوص نصيبه، ولا يكلف حلف الأيمان كلها كالذي سبقه لأن القسامة قد حكم بها قبل يمينه، فأخذه نصيبه من الميراث موقوف على حلفه، فإن نكل بطل نصيبه منه، وقد نص على تفاصيل ذلك مالك ﵀ في الموطإ فقال: «إذا قام بعض ورثة المقتول الذي يقتل خطأ يريد أن يأخذ من الدية بقدر حقه منها، وأصحابه غُيب لم يأخذ ذلك ولم يستحق من الدية شيئا قل ولا كثر دون أن يستكمل القسامة، فإذا حلف استحق حصته من الدية، وذلك أن الدم لا يثبت إلا بخمسين يمينا، ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم، فإذا جاء بعد ذلك من الورثة أحد حلف من الخمسين يمينا بقدر ميراثه منها، وأخذ حقه، إلى أن قال: وهذا أحسن ما سمعت»، انتهى باختصار.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
يحلف الناس في القسامة قياما
طرق تغليظ الحلف
• قوله:
١٣ - «ويحلفون في القسامة قياما».
تغليظ الحلف يكون بالحال وبالزمان وبالمكان، ولعل الخمسين يمينا المشترطة في القسامة روعي فيها التغليظ والترهيب والزجر عن أن يقدم أحد على الدعوى من غير تثبت، ومما يناسب هذا أن يحلف المدعون والنافون قياما، هذا هو المشهور، وقال ابن الماجشون يحلفون قعودا، ومما يعضد حلفهم قياما ما في حديث ابن عمر عند مسلم في قصة المتلاعنين حيث تلا النبي ﷺ على عويمر العجلاني آيات من سورة النور ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وفيه: «ثم دعاها فوعظها كذلك»، وعند أبي داود والنسائي من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ أمره أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: «إنها موجبة»، وعند البخاري من حديث ابن عباس: «فجاء فقام هلال فشهد، ثم قامت فشهدت»، وقال لهما النبي ﷺ: «الله يعلم إنَّ أحدكما لَكَاِذبٌ فهل فيكما من تائب»؟، كررها ثلاث مرات، والمشهور أنه إن أبى المدعون الحلف قياما فقد نكلوا عن الأيمان فيبطل حقهم، وقد قيل في الحلف على الحقوق المالية كلها كما في القسامة، فهذا من التغليظ بالحال، واختلف في التغليظ بالزمان، وهو كون القسامة بعد صلاة العصر، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة الصحيح وفيه قوله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، إلى أن قال: «ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر»، وفي كلام الله تعالى إشارة إلى ذلك والسنة بينته، وقال تعالى عن الحلف على الوصية في السفر: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الصلاة هنا هي صلاة العصر لأنها معظمة في جميع الأديان، لكن مشهور المذهب عدم تغليظ الحلف بالزمان، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
جلب الحالف الى مكة والمدينة وبيت المقدس
• قوله:
١٤ - «ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة، ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة».
وهذا من تغليظ الأيمان بالمكان، وللمساجد مزية على غيرها فإنها خير البقاع، وهذه الثلاثة لها فضل على سائر المساجد، فإنها لا تشد الرحال إلا لها، ففي الحلف فيها زجر وردع وتخويف لمن أقدم على الحلف كاذبا، وروى مالك في الموطإ (١٤٠٦) من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار»، وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار»، وثبت عن عمر ﵁ أنه جلب المدعى عليهم في القسامة من اليمن إلى مكة، ومن الكوفة إلى مكة ليحلفوا فيها، وحمل معاوية ﵁ بعضهم من المدينة إلى مكة ليحلفوا فيها عند الحطيم أو بين الركن والمقام، والمدينة حرم فلا يحتاج إلى الانتقال منها إلى غيرها.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ما لا قسامة فيه كالجراح والقتيل بين الصفين
• قوله:
١٥ - «ولا قسامة في جرح ولا في عبد ولا بين أهل الكتاب ولا في قتيل بين الصفين أو وجد في محلة قوم».
هذه خمس مسائل لا قسامة فيها، فالمدار فيها على البينة، أما أنه لا قسامة في جرح فلأنها لم ترد إلا في دعوى القتل أو الدية كما مر، فلا تقاس الجراحات عليهما، لكن متى ثبت الجرح بالبينة فإن كان خطأ فالدية وإن كان عمدا وتكافأت الدماء فالقصاص.
وإن ادعي قتل العبد على أحد فإن قامت على ذلك بينة بشاهدي عدل، أو رجل وامرأتان، أو شاهد مع يمين المدعي فعلى القاتل قيمة العبد كيفما كان القتل عمدا أو خطأ لأن شبهه بالمال أقوى، وهو مبني على عدم القصاص من العبد للحر، وعليه مع ذلك في العمد في المذهب جلد مائة والسجن عاما، قال مالك ﵀ في الموطإ: «الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبيد قسامة في عمد ولا خطإ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك،،، وهذا أحسن ما سمعت»، انتهى.
فإن قيل: فما يفعل بقول النبي ﷺ: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، رواه أحمد وأصحاب السنن من طريق الحسن عن سمرة، والخلاف في سماعه منه معروف، وقد حسنه الترمذي، وفي رواية بعض أصحاب السنن زيادة: «ومن خصى عبده خصيناه»، والجدع قطع الأنف، ومثله الأطراف والشَّفَة، والخصاء بكسر الخاء قطع الأنثيين أو رضهما.
قلت: إن ثبت الحديث كان من باب سد الذرائع إلى الفساد، فإن السادة إذا علموا عدم تكافؤ الدماء بين المالكين والمملوكين أوشك أن يكون ذلك مدعاة للاستهانة بدماء العبيد والتقحم في قتلهم فيكون الحديث من قبيل التعزير لا من باب القصاص، وقد أشار
[ ٤ / ٢٠٧ ]
إلى هذا ابن القيم ﵀، وحمله عليه الخطابي ونظر له بحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، والله أعلم.
أما أنه لا قسامة بين أهل الكتاب فالمراد نفيها بين المسلم والذمي حيث وقف اللوث إلى جانب قتل المسلم له، كأن يقول دمي عند فلان أو يراه الشاهدان يضربه، وذلك لعدم التكافؤ بينهما، ولأنها استثناء جاء في قتل الحر المسلم فلا يتعدى به محله، لكن متى ثبت قتل الذمي ببينة أخذ وليه ديته، وضرب الجاني مائة وسجن عاما إن كان القتل عمدا، وأعطى الدية وحدها إن كان خطأ، والدية على المذهب في العمد في مال الجاني، وفي الخطإ على العاقلة.
أما عدم مشروعية القسامة في القتيل يوجد بين الصفين، فالمراد القتال الذي يكون بين فريقي المسلمين الباغي كل منهما على الآخر، فيكون دم القتيل فيه هدرا حيث لم يعرف قاتله، ولو قال دمي عند فلان على المختار من أقوال ثلاثة فيه، فإن عرف قاتله ببينة اقتص منه، أما لو كان القتال بين فريقين من المسلمين أحدهما باغ متأول فدم أفراد الفريق الباغي هدر، هكذا قالوا.
والمراد بمحلة قوم خصوص ما كان منها مطروقا من عموم الناس لا مطلق المحلة، وإلا فإن حديث القسامة إنما ورد في محلة قوم هم اليهود ولكن لما كانت المحلة خاصة بهم حملوا وزر ما وقع فيها، والعلة في منع القسامة في المحلة غير الخاصة أن في ذلك ذريعة إلى القتل إذ لا يريد أحد أن يقتل أحدا إلا قتله وطرحه فيها لينقل التهمة إلى ساكنيها، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
لا عفو في قتل الغيلة
• قوله:
١٦ - «وقتل الغيلة لا عفو فيه».
الغيلة بكسر الغين المعجمة اسم هيئة من الاغتيال، وقتل الغيلة هو القتل في خفية، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، كذا في النهاية، وقيل ولأجل أخذ المال، فهذا لا عفو فيه لا من القتيل ولا من أوليائه ولا من الحاكم.
ولو قدم المؤلف الكلام على العفو قبل ذكر ما لا عفو فيه لكان أولى، فإن الله تعالى كما شرع القصاص وجعله شرعا لازما فإنه جعل العفو عن القاتل إلى أولياء المقتول، فإن تمسكوا بحقهم في القَوَد فلا بد منه، إذ به تستل سخائم القلوب وتهدأ نار التارات والرغبة في الانتقام، وإن عفوا كلهم أو بعضهم زال الداعي إلى القصاص لأن القتل لا يتجزأ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال النبي ﷺ: «من قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بِخَيْر النَّظَرَيْن: إما أن يقتل وإما أن يفدى»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وقال أيضا: «مَنْ قَتَلَ متعمدا دُفِعَ إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم»، وذلك لتشديد العقل، رواه الترمذي (١٣٨٧) وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ومع أن ولي المقتول مخير فقد رغب الشرع في العفو كما تقدم في كلام الله تعالى، وقال ﵊ وعلى آله: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، رواه مسلم عن أبي هريرة.
وقد كانت شريعة اليهود لا عفو فيها كما في سِفْرِ الخروج الإصحاح الثالث، قال ابن عباس: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف يتبع الطالب
[ ٤ / ٢٠٩ ]
بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كتب على من كان قبلكم»، رواه البخاري، أما النصارى فقد تركوا القصاص لغلبة العفو والسماح بل التسيب على منهجهم، فجاء هذا الدين بالقصاص، لكن جعله من حق أولياء المقتول، وجعل العفو إليهم، واستجاش مشاعر الجاني وأصحاب الدم بتذكيرهم بأخوة الدين وهي أخوة روح، وأخوة النسب أخوة جسم، والروح أقوى من الجسد، فإذا حصل العفو لزم ترك القتل، ووجب أداء الدية إن طلبت كما هو واضح في حديث عمرو بن شعيب المتقدم، ومشهور المذهب أن الدية تتبع القصاص في السقوط، وسيأتي الكلام على ذلك، فمن قتل القاتل بعد العفو أو عاد القاتل إلى القتل بعد أن عفا عنه الأولياء فهو متوعد بالعذاب الأليم، ومع ذلك لم يمنع الله تعالى من العفو عنه وإنما أوعده لتماديه في الباطل وتكراره للمنكر.
[ ٤ / ٢١٠ ]
للمرء العفو عن دمه العمد إن لم يكن غيلة
• قوله:
١٧ - «وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة».
هذا فيما لو نفذت مقاتله ولم يمت؛ فعفا عن قاتله المتعمد بعد ذلك، ووجهه أنه إذا كان عفو الولي يسقط القصاص فأولى أن يكون عفو القتيل نفسه مانعا من القصاص، فإن الولي إنما قام بذلك لتعذره من المقتول، أما إذا طلب من أحد أن يقتله وأخبره أن دمه هدر فلا عبرة بذلك، لأن العفو إنما يشرع بعد وجود سببه، ولأنه لا يملك أن يقتل نفسه، وقد تقدم أنه لو قتل نفسه فإنه يقتلها يوم القيامة بما قتلها به.
قال مالك في الموطإ: «إنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله إذا قتل عمدا أن ذلك جائز له وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده»، انتهى، وعفو القتيل ومثله عفو غيره مقيد بما إذا لم يكن القتل غيلة كما تقدم.
[ ٤ / ٢١١ ]
• قوله:
١٨ - «وعفوه عن الخطإ في ثلثه».
يؤخذ بعفو القتيل عن الجاني في القتل العمد، أما إن كان القتل خطأ وعفا عن قاتله فإنه يكون في حدود ثلث الدية قياسا على الوصية التي لا يصح أن يتجاوز بها الثلث كما تقدم لأن الدية حق الورثة.
[ ٤ / ٢١٢ ]
إذا عفا أحد أولياء الدم المتساوين في المنزلة سقط القصاص
• قوله:
١٩ - «وإن عفا أحد البنين فلا قتل، ولمن بقي نصيبهم من الدية».
تقدم أن عفو الولي مسقط للقصاص، وذكر هنا تفصيل ذلك، لأن أولياء المقتول إما أن يكونوا كلهم ذكورا أو كلهم إناثا أو ذكورا وإناثا، وذكر هنا القسم الأول، والبنوة ليست مقصودة لذاتها، بل المراد كل شخصين أو أكثر تساووا في الاستحقاق كالإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم فمتى عفوا جميعا فالأمر واضح، ومتى عفا بعضهم واحد أو أكثر وكانوا متساوين في الاستحقاق سقط القَوَدُ، ووجهه أن الدم لا يتبعض، فإذا سقط بعضه سقط جميعه، ولمن لم يعف نصيبه من الدية، لأن الحق المشترك بين الجماعة لا يسقط جميعه بإسقاط بعض الشركاء حيث أمكن ذلك كما هو الأمر هنا، ولا شيء للعافي من الدية إلا أن يظهر منه أنه أراد تمسكه بنصيبه منها أو جرى بذلك عرف فإنه يعمل عليه.
[ ٤ / ٢١٣ ]
• قوله:
٢٠ - «ولا عفو للبنات مع البنين».
ذكر هنا حكم اجتماع الذكور مع الإناث، وتحته صورتان:
أولاهما: أن تكون الإناث في درجة الذكور كاجتماع البنين والبنات أو الإخوة والأخوات فلا عفو هنا للنساء، بل يكون العفو للعاصب.
والثانية: أن تكون النساء أقرب فلا عفو إلا باجتماعهما كالبنات مع الإخوة والأعمام.
وقد روي عن مالك أن للنساء مدخلا في العفو، قال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٣/ ١٣١١): «اختلف عنه في النساء هل لهن مدخل في الدم أو لا؟، فعنه فيه روايتان: إحداهما أن لهن فيه مدخلا كالرجال، والأخرى أن لا مدخل لهن إذا لم يكن في درجتهن عصبة، فوجه الأولى قوله ﷺ: «ومن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا وأخذوا الدية»، فعم، وقوله: «يحلف خمسون منكم»، ولأن القصاص المستحق مبني على استحقاق الميراث، فوجب أن بثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق، واعتبارا بالرجال، ووجه الثانية ولاية الدم مستحقة بالنصرة، ولسن من أهلها،،،»، انتهى، ثم فرع على القول بإثبات الحق للنساء خلافا آخر فيما لهن من الحق: هل هو القود دون العفو أو العكس؟.
وروى عبد الرزاق في المصنف (باب العفو) عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلا فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول وهي امرأة القاتل قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: «عتق الرجل من القتل».
[ ٤ / ٢١٤ ]
تعزير من عفي عنه في القتل العمد
• قوله:
٢١ - «ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما».
متى فات القصاص بالعفو على ما تقدم، أو بعدم تكافؤ الدم كما لو قتل المسلم الكافر، أو الحر العبد ضرب الجاني مائة وحبس عاما إلحاقا لما ذكر بحال السيد إذا قتل عبده فإنه ولو لم يقتل به فإنه لا يسقط عنه ما لله تعالى من حق في ذلك فيعاقب عقوبة الزاني البكر، ولعل عمدتهم ما رواه ابن ماجة (٢٦٦٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قتل رجل عبده عمدا متعمدا فجلده رسول الله ﷺ مائة ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين»، قال الألباني ضعيف جدا»، ورواه الدارقطني نحوه، ولينظر التلخيص الحبير (ح/ ١٦٨٦)، وفي الموطإ في (باب العفو في قتل العمد) قال مالك في القاتل عمدا إذا عفي عنه أنه يجلد مائة جلدة ويسجن سنة»، انتهى.
وإذا كان مجرد رأي فينبغي أن ينظر فيه مع ما روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي بردة بن نيار أن النبي ﷺ قال: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله».
[ ٤ / ٢١٥ ]
الدية على أهل الإبل مائة منها
• قوله:
٢٢ - «والدية على أهل الإبل مائة من الإبل».
الدية واحدة الديات بكسر الدال والياء المخففة من ودى يدي دية وأمره د، ودو، وديا، ويقال: اتدى فلان إذا أخذ الدية، قال في لسان العرب «هي حق القتيل»، والصواب أنها ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وارثه، وأهل الإبل هم مَنْ مالُهم الإبل، ولو كان المقتول ممن مالهم الوَرِق والذهب لأن مراعاة غالب المال توسعة وتيسير على مخرجه، نظيره الزكاة، وإيجاب الدية في كتاب الله، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]، وهي كما ترى إنما شرعت أصلا في قتل الخطإ، أما من عفي عنه في قتل العمد فقد تكون فيه الدية، وهي مختلفة بحسب الجاني كما سيذكر، وليس في الآية بيان مقدار الدية، ولا على من تجب، وقد بينت ذلك السُّنَّةُ، بَيَّنَ مقدارها النبي ﷺ بفعله كما تقدم في حديث سهل بن أبي حثمة عند مالك والبخاري ومسلم: «فوداه النبي ﷺ فبعث إليهم بمائة ناقة».
وفي حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن،،، الحديث، وفيه: «ومن اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قَوَدٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل»، رواه مالك (١٥٤٥) مرسلا، وأبو داود في المراسيل والنسائي وغيرهم، ولينظر هنا التلخيص الحبير (ح/ ١٦٨٨) وسبل السلام (٣/ ٢٤٤) وما فيها من كلام الأئمة ابن عبد البر وابن كثير والحاكم والعقيلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم عن هذا الحديث، وهو العمدة في الديات، وستكرر الإشارة إليه في هذا الشرح.
واعتبط معناه قتله من غير موجب للقتل، ويلزم منه أنه قتله عامدا ظالما، وقد أجمع أهل العلم على أنها على أهل الإبل مائة، واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل
وليس في الآية بيان من الذي عليه الدية فيكون الأصل أن يتولى ذلك القاتل، إلا ما
[ ٤ / ٢١٦ ]
وجوب دية الخطإ على العاقلة وبيان معناها
دل الدليل على خلافه، وقد جاءت السنة بافتراض الدية على العاقلة، وهم عصبة القاتل من النسب والولاء، وذلك كما قال القرطبي في تفسيره لآية قتل الخطإ في سورة النساء: «ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم، ولكنه مواساة محضة»، انتهى.
قلت: وفيه دعم الروابط والتعاون والتكافل بين القرابة، وبيان ذلك أن القاتل وإن كان غنيا فإنه لا ينفرد بدفع الدية وحده، ومن الحكمة في هذا أن المرء قد يتكرر منه القتل الخطأ فيذهب كل ماله، ولا يجد أولياء القتيل من يعوضهم فيذهب الدم هدرا، وقد روى الطبراني عن حمل بن النابغة مرفوعا: «العقل على العصبة، وفي السقط غرة عبد أو أمة»، وكون الدية على العصبة هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ٢١٧ ]
• قوله:
٢٣ - «وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِقِ اثنا عشر ألف درهم».
حجة مالك في هذا ما رواه عن عمر في الموطإ (١٥٤٦) بلاغا أنه قَوَّمَ الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهم»، قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق»، انتهى، وذكر ﵀ أن الأمر المجتمع عليه عندهم أن لا يقبل من أهل واحد من هذه الأجناس غيره، والظاهر والله أعلم أن الدية إنما تكون في الإبل وأن ما عداها إنما هو بالنظر إلى قيمة الإبل كيفما كان الغلاء والرخص، فهي في غير الإبل ليست توقيفية، وقد جاء من المرفوع في غير الإبل حديث ابن عباس ﵄ قال: قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا»، رواه أصحاب السنن الأربعة، قال الحافظ في بلوغ المرام: رجح النسائي وأبو حاتم إرساله، وقال في سبل السلام: «وإنما رجح النسائي وأبو حاتم إرساله لما قاله البيهقي إن محمد بن ميمون رواه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس إنما قال لنا فيه عن ابن عباس مرة واحدة،،، قال محمد بن إسماعيل: وزيادة العدل مقبولة وكونه قالها مرة واحدة كاف في الرفع، فإنه لو اقتصر عليها لحكم برفع الحديث،.
قلت: وعلى أصل المذهب من العمل بالمرسل يكون عمر بن الخطاب فيما سنه معتمدا على المرفوع، لكنه لا يكون حجة على أن ذلك المبلغ توقيفي كما عليه أهل المذهب، لجواز أن يكون أولياء القاتل ليسوا من أهل الإبل فلم يكلفهم النبي ﷺ أن يعطوا ما ليس عندهم، وقد تقدم في الزكاة ذكر هذا الأمر، وهو هل فرض إخراج الزكاة من ذات المزكى معناه أنه لا يجزئ غيره، أو هو من باب الرفق بالمزكي بحيث يعطي مما
[ ٤ / ٢١٨ ]
ترجيح كون المائة من الإبل أصلا وما عداها قيمتها
عنده؟، فكذلك الأمر هنا، على أنه قد جاء ما يدل على أن الأمر راجع إلى قيمة المائة ناقة، وهو ما رواه أحمد والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يُقَوِّمُ دية الخطإ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة إلى ثلاثمائة دينار، أو عدلها من الورق: ثمانية آلاف، وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاة فألفا شاة، قال الألباني في التعليقات الرضية: سنده حسن، فهذا نص في أن ما عدا الإبل هو قيمة المائة منها، وهو مذهب الشافعي، وفي سنن أبي داود من طريق عمرو بن شعيب نحوه، غير أن فيه أن الدية بلغت على عهد النبي ﷺ ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم،،، إلى أن قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: «ألا إن الإبل قد غلت»، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة»، انتهى، ولو قدرت قيمة المائة من الإبل اليوم في دية قتل الخطإ لحامت حول السبعمائة مليون سنتيم، ومن الغنم ألف شاة، ومن البقر خمسون، والله أعلم.
[ ٤ / ٢١٩ ]
تغليظ دية العمد إن قبلت وهي مربعة
• قوله:
٢٤ - «ودية العمد إن قُبِلَتْ خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض».
الدية هنا مغلظة، ولذلك كانت مربعة، أي أنها من أربعة أصناف، ولم أقف على هذا التفصيل في حديث مرفوع، وإنما هو من قول الزهري ﵀ على ما رواه عنه مالك في الموطإ أنه كان يقول «في دية العمد إذا قُبِلَتْ خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة»، انتهى، فهل هذا مجرد رأي من الزهري؟، الظاهر خلافه، فإنه مما لا يقال بالرأي كما سيأتي ذكره عن صاحب الاستذكار ﵀، وإنما قال المؤلف «إن قُبِلَتْ»، لأن قتل العمد لا شيء فيه غير القصاص أو العفو مجانا في مذهب مالك، فإن تطوع الجاني بدفع الدية فذاك، أما إن طلبها الولي وامتنع الجاني فلا يجبر عليها، وخالف أشهب ﵀، وقد تقدم دليل هذا القول وهو الراجح إن شاء الله، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
دية الخطإ مخمسة
• قوله:
٢٥ - «ودية الخطإ مخمسة: عشرون من كل ما ذكرناه، وعشرون ابن لبون ذكرا».
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن دية الخطإ أخماس، بيد أنهم اختلفوا في أصنافها، ومذهب مالك أنها عشرون من كل من الحقاق، والجذاع، وبنات اللبون، وبنات المخاض، وبني اللبون، وقد جاء هذا التفصيل في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «دية الخطإ أخماسا عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون»، رواه الدارقطني، وقال هذا إسناد حسن ورواته ثقات، وهو عند أصحاب السنن الأربعة «وعشرون بني مخاض»، بدل بني لبون، قال الحافظ: وإسناد الأول أقوى، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفا وهو أصح من المرفوع»، انتهى، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا، وإنما أخذت اتباعا وتسليما، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر، فكل يقول بما صح عنده من سلفه ﵃ أجمعين»، انتهى.
[ ٤ / ٢٢١ ]
تغليظ الدية على الأب في قتل ابنه وهي مثلثة
لا يقتص من الأب لولده إلا أن يقتله غيلة
• قوله:
٢٦ - «وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به ويكون عليه ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها».
الوالد لا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ولده إذا رماه بخشبة أو حديدة أو حجر غير قاصد قتله لقول رسول الله ﷺ: «لا يقاد الوالد بالولد»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب، ورواه نحوه أبو داود عن عمر وابن عباس، قالوا إلا أن تقوم قرينة على إرادته قتله فيقتل به كأن يصجعه ويذبحه على المشهور، وقال أشهب لا يقتل به ولو قام الدليل على إرادته قتله، ولعله للإطلاق الذي في الحديث السابق، قالوا لأن الوالد سبَبٌ لوجود الولد فلا يكون الولد سببا لإعدامه، وهذا ليس بشيء، والمعتمد الحديث، ولا خصوصية للوالد المباشر بل الجد وإن علا والأم وإن علت مثله في الحكم، فإن الجد أب بنص القرآن، بل وكذلك الأب الكافر يقتل ابنه الكافر فإنهم إذا تحاكموا إلينا لم يقد به.
فأما ما ذكره من تغليظ الدية فقد رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ مرفوعا: «الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها»، والخلفة بفتح الخاء وكسر اللام معناها الحامل، لكن الحديث كما ترى في مطلق الدية، فجعل أهل المذهب التغليظ نوعين أخفهما في قتل العمد متى كان العفو وقَبِلَ الجاني دفع الدية، أو امتنع القصاص لفقد التكافؤ، وأثقلهما في قتل الوالد ولده لأنه لا قود عليه، وهو متجه قوي، ويؤيده ما قضى به عمر بن الخطاب كما رواه مالك (١٥٨٠) عن يحي بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنُزِيَ في جرحه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال عمر: «اعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين
[ ٤ / ٢٢٢ ]
أخو المقتول؟، قال: هاأنا، قال: خذها، فإن رسول الله ﷺ قال: «ليس للقاتل شيء»، انتهى، قوله فَنُزِيَ في جرحه»، نزي بضم النون وكسر الزاي، أي نزف وخرج الدم بكثرة، وقد اعتبر بعضهم تغليظ الدية على الوالد القاتل ابنه قولا من مالك بشبه العمد في خصوص هذه الصورة من القتل.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
على من تكون دية الوالد القاتل ولده؟
• قوله:
٢٧ - «وقيل ذلك على عاقلته، وقيل ذلك في ماله».
اختلف في دية قتل الوالد ولده على من تكون؟، فقيل على العاقلة إذ لا قصاص بين الوالد وولده، ولأن الباعث له على ضربه كما هو المفروض هو الأدب له لا إرادة قتله، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ طلب من سراقة بن جعشم ذلك العدد من الإبل، وليس هو والد القتيل، فالظاهر أن سراقة جمعها من عاقلة القاتل باعتباره سيدها، وقيل الدية في مال الجاني لأن القتل فيه شبهة، وهذا التعليل متناقض كما ترى، فالأولى القول بأن ترك القصاص لحرمة الأبوة، وأن الاعتماد في الدية على الأثر.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
دية المرأة نصف دية الرجل
• قوله:
٢٨ - «ودية المرأة على النصف من دية الرجل».
يعني أن المرأة الحرة المسلمة ديتها خمسون من الإبل مربعة أو مخمسة بحسب القتل من خطإ أو عمد أو تغليظ، ومن الذهب خمسمائة دينار، ومن الفضة ستة آلاف درهم، وقد علمت أن لا توقيف في غير الإبل فالصواب لزوم قيمة تلك الأعداد، وقد استدل مالك بما رواه عن يحي بن سعيد عن ابن المسيب أنه كان يقول: «تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية»، انتهى، وروى عن ابن شهاب، وبلغه عن عروة بن الزبير أنهما كانا يقولان مثل قول سعيد بن المسيب في المرأة أنها تعاقل الرجل إلى ثلث ديته، فإذا بلغت ثلث ديته كانت إلى النصف منها، ومعنى معاقلتها له إلى ثلث ديته أنها تساويه فيما دون ثلث ديته، وعن معاذ ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، رواه البيهقي عنه وضعفه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته»، رواه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، ومن جهة النظر فإنها لما كانت تأخذ مع الرجل نصف الحصة من الميراث كان عقلها نصف عقله، ولأن الذي يفوت الأهل بفقد الذكر ليس كالذي يفوتهم بفقد الأنثى، وظاهر الآية المساواة لكن السنة مبينة للقرآن، والله المستعان.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
دية الكتابي نصف دية المسلم
دية الكتابية نصف دية الرجل الكتابي
• قوله:
٢٩ - «وكذلك دية الكتابيين، ونساؤهم على النصف من ذلك».
يعني أن دية الكتابيين وهم اليهود والنصارى الذكور نصف دية الحر المسلم، ودليله قول النبي ﷺ: «دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن»، رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، ورواه أبو داود عنه بلفظ: «دية المعاهد نصف دية الحر»، والمراد بالكافر في الأول خصوص المعاهد ويدخل فيه المستأمن، إذ دم الحربي هدر، وفي الموطإ (١٥٧٤) بلاغا عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قضى أن دية اليهودي والنصراني إذا قتل أحدهما على نصف دية الحر المسلم»، وقوله ونساؤهم،،، الخ الواو فيه للاستئناف يعني أن نساء الكفار ديتهن نصف دية رجالهم.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
دية المجوسي ثمانمائة درهم ودية امرأته نصفها
دية جراحات الكتابيين والمجوس
• قوله:
٣٠ - «والمجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من ذلك، ودية جراحهم كذلك».
في الموطإ (١٥٧٥) عن يحي بن سعيد أن سليمان بن يسار كان يقول: «دية المجوسي ثمانمائة درهم»، قال مالك: وهو الأمر عندنا»، انتهى، أما أن النساء المجوسيات على النصف من دية رجالهم فلعموم قول النبي ﷺ: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته».
ودية جراح الكفار تجري على نسق دية النفس فلا خصوصية للمجوس، فإن المرأة منهم على النصف من دية الرجل، فمثلا دية قتل الكتابية (٢٥) ناقة، أو (٢٥٠) دينارا، أو (٣٠٠٠) درهم، فتكون دية قطع يدها اثنا عشر بعيرا ونصف بعير (١٢.٥)، أو (١٥٠٠) درهم، والمجوسية دية قتلها (٤٠٠) درهم، ودية قطع يديها كذلك، لكن هذا ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما دون ثلث الدية، فمتى كانت دية المرأة دون ثلث الدية ساوت المرأة الرجل مسلما كان أو غيره، فإذا بلغته عادت إلى النصف من ديته، وسيأتي المزيد.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
دية اليدين والرجلين والعينين
• قوله:
٣١ - «وفي اليدين الدية وكذلك في الرجلين أو العينين، وفي كل واحدة منهما نصفها».
لما أنهى الكلام على دية القتل ذكر دية قطع الأعضاء وإفساد منافعها والجراح، متخلصا إليها من الكلام على دية جراح أهل الكتاب.
ودية الجراح تكون في أربعة أحوال: حال الخطإ، وحال العمد الذي جرى فيه العفو، وحال تعذر القصاص لعدم المكافأة، وحال خوف تلف النفس بالقصاص.
ولا يكون العفو في الجراح إلا من المجني عليه، فإن الله ﷾ قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقبل شرح كلام المؤلف أثبت هنا ما جاء من المرفوع في دية الجراح للإحالة عليه عند الشرح، فأقول مما اعتمد عليه في ذلك حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: «من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قبل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد:،،،» وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قَوَدٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجْلِ الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل (كذا)، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرِّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل،
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرَّجُلَ يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار»، رواه مالك والشافعي من حديث عمرو بن حزم مرسلا، ووصله ابن حبان والنسائي والحاكم والبيهقي والدارمي واللفظ المثبت للنسائي، وقال الحاكم وهو قاعدة من قواعد الإسلام ولينظر بطوله في نصب الراية للزيلعي في باب الزكاة، ومن ضعفه فإما لراو فيه، أو لكونه صحيفة، وممن صححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وقال أحمد أرجو أن يكون صحيحا، وذهب إلى اعتماده لا من حيث السند بل من حيث إطباق العلماء على الرجوع إليه الشافعي، وابن عبد البر فإنه قال: «وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث، وأنه يستعني عن الإسناد لشهرته عند علماء المدينة وغيرهم»، انتهى، وانظر نيل الأوطار: (٧/ ١٦٢ و٢١٢).
ومقابل الجناية على الأعضاء والجراح أربعة أمور: الدية، أو بعضها، أو الأرش، أو الحكومة، والفقهاء متفقون على هذا في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، وقد ذكر ابن عبد البر ذلك فقال: «ولا خلاف بين العلماء في أن الأنف إذا أوعي جذعا الدية كاملة، ولا خلاف بينهم في دية اليد والرِّجْل والعين إذا أصيبت من ذي عينين، ولا في الأصابع إلا الإبهام، ولكنه اختلف في حكم بعضه، وكذلك المأمومة والجائفة لا خلاف في أن في كل واحد منهما ثلث الدية»، انتهى.
وذُكر ذلك عن العلماء في الموسوعة الفقهية، وأثبته الشيخ أبو مالك في كتابه صحيح فقه السنة، وبين أن الأعضاء المجني عليها إما أن تكون:
- لا نظير لها في البدن كالأنف واللسان فهذا فيه الدية كاملة.
- أو يكون له نظير واحد كاليد والرِّجْل، ففي الجناية على الفرد منه نصف الدية.
قلت: وهذا قال عنه مالك إنه بلغه أن في كل زوج من الإنسان الدية كاملة، وهو في الموطإ (١٥٦٠).
- أو تكون أفراده أربعة كأشفار العينين ففي الواحد ربع الدية.
- أو عشرة كأصابع اليدين والرجلين، ففي الفرد عشر الدية.
- أو أكثر كالأسنان فمن أتلفها جميعا ففي ذلك الدية كاملة، وفي الواحدة منها ربع
[ ٤ / ٢٢٩ ]
عشر الدية أي خمس من الإبل.
والذي ذكره المؤلف هو أن من قطع من شخص عضوين مزدوجين كمجموع يديه لا فرق بين كون القطع من الكوع أو من المرفق أو من المنكب، أو قطع رجليه من الكعبين أو الركبتين أو من الفخذين، أو قلع عينيه، ومن ذلك الأنثيان، ففي كل واحد من هذه الأربعة الدية كاملة، والمذهب أنها في حال الخطإ على العاقلة، وفي العمد من مال الجاني، ومن تسبب في شل الرجلين أو اليدين أو زوال نور العينين فالدية كاملة، أما ذهاب العضو الواحد من هذه الثلاثة أو ذهاب فائدته ففيه نصف الدية، إلا عين الأعور ففيها الدية كاملة، وسيأتي ذكرها، وقطع رِجْلِ الأعرج كرِجْلِ الصحيح إن كان العرج خفيفا، فإن كان االعرج عن جناية سابقة أخذ أرشها فلا يأخذ عن الجناية الثانية إلا بحساب ما بقي، ويقال هذا في اليد أيضا، وفي اليد الشلاء إذا قطعت حكومة، والمراد بها الاجتهاد في معرفة ما يجب، قال مالك: «الأمر عندنا في اليد الشلاء إذا قطعت أنه ليس في ذلك إلا الاجتهاد، وليس في ذلك عقل مسمى»، انتهى.
ودلّ على ما تقدم في الجملة ما في حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: «وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرِّجْل خمسون»، انتهى، يعني من الإبل، وهو نصف الدية، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في اليد إذا قطعت نصف العقل»، رواه البيهقي.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
دية الأنف يقطع مارنه
• قوله:
٣٢ - «وفي الأنف يقطع مارنه الدية».
مارن الأنف هو ما لان منه، وهو ما دون القصبة، والمارنان المنخران، كذا في النهاية، فهذا فيه الدية على المشهور، ويقابله ما رواه ابن نافع من أن الدية في استئصاله من أصله، وهو الذي في حديث أبي بكر ين محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده «وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية»، وجاء نحوه عند البزار عن عمر ﵁، وأوعب بضم الهمزة مبني للمجهول أي قطع بتمامه، وفي بعض الروايات إذا استؤصل المارن الدية كاملة، فهذا اختلاف من الرواة بلا ريب، فهل هو من التعبير عن الكل بالجزء وهو سائغ في اللغة، وهل يؤخذ بالأدنى احتياطا للدماء، أو بالأعلى احتياطا للأموال؟، الظاهر الأول، لاسيما مع قابلية أن يحمل الإيعاب على المارن وذاك ما جاء في رواية عبد الرزاق: عن ابن طاوس في الكتاب الذي عندهم عن النبي ﷺ في الأنف إذا قطع مارنه الدية، وعللوا وجوب الدية في المارن بأن فيه قطع زوج هما الغضروف الذي يجمع المنخرين، ولأن الأنف فيه جمال المرء وذهاب مارنه كذهابه، فإن لم يستأصل المارن فبحساب ما استؤصل مقيسا من المارن لا من أصل الأنف، وعلى هذا يكون ما دون استئصال المارن فيه حكومة، وفي ذهاب حاسة الشم مع قطع الأنف دية واحدة، فإن تسبب له في ذهاب الشم ثم قطعه بعد ذلك ففيه ديتان.
[ ٤ / ٢٣١ ]
دية إذهاب العقل والسمع
• قوله:
٣٣ - «وفي السمع وفي العقل الدية».
المعنى أن من أبطل سمع غيره من أذنيه فعليه الدية كاملة كان ذلك بقطع أو بغيره، فإن أبطل سمع أذن واحدة فنصف الدية، ولو لم يكن يسمع إلا بواحدة، فلم يجعلوها مثل عين الأعور، وفي دية السمع حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وفي السمع الدية مائة من الإبل»، رواه البيهقي وهو ضعيف كما في مسالك الدلالة، وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب ﵁ فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى عمر فيها بأربع ديات»، وقال مالك إنه بلغه،،، فذكر أن: «في الأذنين إذا ذهب سمعهما الدية كاملة، اصطلمتا أو لم تصطلما»، انتهى المراد منه، ومعنى الاصطلام الاستئصال، وما ذكره مروي عن سعيد بن المسيب وربيعة وأبي الزناد ومكحول فلعله يقصد ببلاغه بعضهم، ومن أزال عقل غيره بضرب أو أمر آخر عمدا أو خطأ بحيث صار لا يعقل باستمرار ففيه الدية كاملة، ووجهه أنه لم يعد متمتعا بما يختص به الإنسان وهو العقل فأشبه القتل، أما إن تسبب في زوال عقله في بعض الأوقات دون بعض كأن صار يجن في الشهر بعض الأيام فله من الدية بمقدار ذلك، فإن كان يغيب نصف الشهر فله نصف الدية، وإن كان يغيب ثلثه فله ثلثها، وقد قالوا إنه إذا قطع يديه فزال عقله فله ديتان وإن زاد قطع الرِّجْلَين فله ثلاث ديات فإن مات من ذلك فإن اللازم دية واحدة، وتعدد الديات بسبب الجناية هو ما صرح به مالك في الموطإ قال: «الأمر عندنا أن الرجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته فذلك له، إذا أصيب يداه ورجلاه وعيناه فله ثلاث ديات، وقال في عين الأعور إذا فقئت إن فيها الدية كاملة»، انتهى.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
دية كسر الصلب
• قوله:
٣٤ - «وفي الصُّلْب يكسر الدية».
الصُّلْب بضم الصاد وسكون اللام عظم الظهر وبدايته من الكاهل وينتهي بِعَجْب الذَّنَبِ، وهو الذي لا يبقى بعد فناء الإنسان غيره، والمراد كسر عظم الظهر ويؤدي ذلك غالبا إلى عدم القدرة على القيام والقعود أو القيام فقط، فإن منعه القيام وحده ففيه حكومة، أي اجتهاد في مقدار الأرش، وكون الصلب فيه الدية هو في حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن ابن المسيب أن السُّنَّةَ مضت في العقل أن في الصلب الدية، رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عنه، لكن هذا موقوف كما يعلم من فن المصطلح ومع ذلك فهو دال على أن هذا قد شاع في عهد التابعين، وهم من خير القرون.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
دية الأنثيين والحشفة
• قوله:
٣٥ - «وفي الأنثيين الدية».
الأنثييان هما البيضتان وبهما يكون الإنجاب، فقطعهما معا فيه الدية، وفي قطعهما مع الذكر ديتان، وفي قطع إحداهما نصفها، وعن بعض الصحابة في اليسرى ثلثا الدية لأن الإنجاب منها، وفي الأخرى ثلثها، وهذا إن ثبت دل على أن الاجتهاد عندهم سائغ في المفاضلة بين الزوجين من الأعضاء لتفاوت منفعتيهما، وقد ذهب بعضهم إلى المفاضلة بين الشفتين.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
• قوله:
٣٦ - «وفي الحشفة الدية».
الحشفة هي رأس الذَّكَر، وفي قطعها الدية، فإن قطع بعضها فبحساب المقطوع منسوبا إلى أصل الحشفة لا إلى أصل الذكر، كما مر في دية الأنف، فإن قطع الذكر كله ففيه الدية لا فرق بين شاب وشيخ وعِنِّين ومعترَض للإطلاق الذي في الدليل.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
دية قطع اللسان وإذهاب النطق
• قوله:
٣٧ - «وفي اللسان الدية، وفي ما منع منه الكلام الدية»
أما أن في قطع اللسان الدية فقد تقدم دليله، وأما أن الدية فيما منعه من الكلام فلأن فائدة اللسان الكلام فإذا فقده المرء فاتت منفعته، ولذلك قالوا إن قطع منه ما لا يمنع الكلام ففي ذلك القدر الاجتهاد، وهذا التفصيل مروي عن عمر رواه عنه البيهقي كما في مسالك الدلالة، ونظرا لهذا المعنى قالوا إن من قطع لسان أخرس ففيه حكومة، ما لم يؤد قطعه إلى ذهاب الصوت وإلا ففيه الدية، ومعنى الحكومة أن يُقَوَّمَ المجني عليه قيمة عبد ثم ينظر كم نقص من قيمته نتيجة الجناية، فإذا قيل إن الناقص هو عشر قيمته أو خمسها كان التعويض بمقدار تلك النسبة من الدية، وهذا متجه قوي لو كان الأرقاء موجودين، فالظاهر أن معنى الحكومة التحكيم من غير اعتبار بما ذُكِر وهو نظر المرء العارف فيقضي بما يراه منسوبا إلى الدية لا إلى قيمة العبد، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
دية ثديي المرأة
• قوله:
٣٨ - «وفي ثديي المرأة الدية».
لا فرق في هذا الحكم بين ثديي الشابة والعجوز لأن في قطعهما تفويتا على المرأة ما فيهما من جمال بملء صدرها، مع أمور أخرى قد تختلف فيها النساء، وقد تقدم اتفاق الفقهاء في الجملة على أن الجناية على العضوين فيها الدية، وقال مالك في الموطإ (١٥٦١) إنه بلغه «أن في ثديي المرأة الدية كاملة، وأخف ذلك عندي الحاجبان وثديا الرجل»، انتهى، وقال ربيعة مبينا منافع الثدي: «في ثدي المرأة سداد لصدرها، وثمال لولدها، وهو بمنزلة المال في الغنى، وبمنزلة الأثاث في الجمال، وبمنزلة الجرح الشديد في المصيبة، فأرى فيه نصف دية المرأة»، انتهى، وانظر مسالك الدلالة ص (٢٨٦)، يقصد بالسداد الكمال، وبالثمال اللبن، أما إن قطع الحلَمة فإن انقطع اللبن ففيها مثل قطع الثدي، وإن لم يذهب اللبن ففيها حكومة، أما الصغيرة فيُستأنى بها، أي ينتظر ليرى أينبتان أم لا؟، فإن نبتتا فلا عقل، وإلا فالحكم ما سبق، فإن ماتت قبل معرفة المآل فالدية مراعاة للأصل.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
دية عين الأعور السليمة
• قوله:
٣٩ - «وفي عين الأعور الدية».
المراد أن من أتلف العين الصحيحة من الأعور ففيها الدية كاملة سواء طمسها أو أذهب نورها، ووجهه أن بصره قد ذهب كله بإتلافها، فالجاني عليه كأنما أتلف عينيه جميعا، وقد قضى بهذا عمر وعلي وابن عمر ﵃، وانظر الإرواء (٧/ ٣١٥)، وقال مالك: «في عين الأعور الصحيحة إذا فقئت خطأ إن فيها الدية كاملة»، انتهى، أما إن كانت الجناية على العين العوراء فليس فيها عقل مسمى، وإنما فيها حكومة، وهو في الموطإ أيضا.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
دية الموضحة خمس من الإبل
• قوله:
٤٠ - «وفي الموضحة خمس من الإبل».
الموضحة من الجراح والشجاج، وقد أدخلها المؤلف في أثناء الكلام على الأعضاء، وسيأتي شرحها، وفيها نصف عشر الدية، أعني خمسا من الإبل كما في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لأهل اليمن.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
دية السن خمس من الإبل
• قوله:
٤١ - «وفي السن خمس».
يعني أن السن إذا قلعت ففيها خمس من الإبل وتقدم دليلها، وألحقوا بقلعها ما إذا ضربت فاضطربت جدا بحيث لا تعود لحالتها الأولى، أو تغير لونها باسوداد أو احمرار أو اصفرار، إما لما في ذلك من الدلالة على ذهاب منفعتها، أو فقدان جمالها، والأسنان وإن كنت متفاوتة في المنفعة والجمال فقد جاءت السنة بتساويها في الدية لا فرق بين ما كان منها في مقدم الفم كالثنايا والأنياب أو في داخله ومؤخره كالأضراس، فقد روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء»، قال الألباني في التعليقات الرضية (٣/ ٣٨٢): سنده صحيح.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
دية الإصبع والأنملة وأنملة الإبهامين
• قوله:
٤٢ - «وفي كل أصبع عشر، وفي الأنملة ثلاث وثلث، وفي كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل».
لما كان في قطع اليدين الدية وكان فيهما عشرة أصابع قسمت الدية عليها لكل منها عشرها وهو عشر من الإبل من غير اعتبار لتفاوت منافع الأصابع كما هو شأن الأسنان، وهذا للتيسير على الناس، وروى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ: «في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، والأصابع سواء والأسنان سواء»، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «هذه وهذه - الخنصر والإبهام - سواء»، والخنصر بكسر الخاء المعجمة والنون والصاد المكسورة، هو آخر أصابع اليد، وإلى جواره البنصر فالوسطى فالسبابة فالإبهام، وهذا الحكم قد جاء في حديث عمرو بن حزم المتقدم، ولما كان في كل إصبع ثلاث أنامل فإنه إن قطع بعض الأصبع كان فيه من الدية بحساب ذلك وهو ثلاثة أبعرة وثلث، إلا الإبهام فإن في الأنملة الواحدة منه خمسا من الإبل جريا على نفس القياس، وهذا الحكم إنما هو في قطع إصبع المسلم، أما الذمي فدية إصبعه عشر ديته، ففي إصبعه خمس من الإبل، وفي الأنملة منه بعير وسدس، وفي أنملة إبهامه بعيران ونصف.
[ ٤ / ٢٤١ ]
دية المنقلة خمسة عشر من الإبل
• قوله:
٤٣ - «وفي المُنَقِّلة عشر ونصف عشر».
المنقلة بفتح النون والقاف المكسورة المشددة وتسمى الهاشمة أيضا، وسيبينها المؤلف، فيها خمسة عشر من الإبل، لما في حديث عمرو بن حزم: «وفي المُنَقِّلَة خمسة عشر من الإبل»، وإنما تكون كذلك إذا كانت في الرأس أو في اللحي الأعلى، فإن كانت في غيرهما ففيها حكومة، وقد قالوا إن العمد والخطأ في المنقلة في ذينك الموضعين سواء، إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف أي أن القصاص قد يؤدي إلى قتل المقتص منه لعسر التزام المماثلة المطلوبة، فإن كانت في غيرهما ففيها القصاص.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
بيان معنى الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة
• قوله:
٤٤ - «والموضحة ما أوضح العظم والمنقلة ما طار فراشها من العظم ولم تصل إلى الدماغ وما وصل إليه فهي المأمومة ففيها ثلث الدية، وكذلك الجائفة».
عرف ﵀ هنا أربعا من الجراحات، أولها الموضحة، وهي من الوضوح عكس الخفاء يقال وضح الشيء بفتح الضاد يضح، والمراد بها الجرح الذي يبلغ العظم فيوضحه بعد أن يزول الساتر الذي يستره وهو الجلد وما تحته من اللحم كيفما كان مقدار ما يظهر من العظم قالوا ولو مساحة رأس الإبرة، ولا تكون الموضحة إلا في الرأس والجبهة والخدين، والثانية المنقلة وهي ما زال بسببها العظم بعد كسره بالضرب، فإن تجاوز الجرح إلى الدماغ فهي الثالثة، وهي المأمومة، أي التي بلغت أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ، ويقال لها آمّة بالمد والميم المشددة أيضا، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس والجبهة، ولما لم يسبق له ذكر دية المأمومة بينها بقوله: «ففيها ثلث الدية»، أي ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلثه، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسول الله ﷺ في المأمومة ثلث العقل: ثلاثا وثلاثين بعيرا أو قيمتها من الذهب أو الوَرِق أو البقر أو الشاء، والجائفة مثل ذلك»، وهو حجة على أهل المذهب في أن الإبل هي الأصل، أما غيرها فالمعتبر القيمة وقد تقدم ذلك، والرابعة الجائفة وهي ما أفضت إلى الجوف سواء من الظَّهْر أو من البطن ولو بمقدار إبرة ففيها ثلث الدية لما في حديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية».
[ ٤ / ٢٤٣ ]
الجراح التي دون الموضحة ليس فيها غير الاجتهاد
• قوله:
٤٥ - «وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد، وكذلك في جراح الجسد».
ما دون الموضحة من الجراحات عددها ست: ثلاثة منها في الجلد، والثلاثة الأخرى في اللحم، فلتنظر في كتب أهل العلم، والحجة فيما قاله المصنِّف أن النبي ﷺ انتهى في بيان عقول الجراحات إلى الموضحة فما كان دونها تعين الاجتهاد في مقدار ديته، قال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحةَ فما فوقها، وذلك أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم فجعل فيها خمسا من الإبل»، انتهى، لكنهم قيدوا الاجتهاد فيما دون الموضحة بما إذا برئ الجرح على شين، فإن كان الجرح عمدا ففيه القصاص، ومثل ذلك سائر جراحات الجسد: في خطئها الاجتهاد، وفي عمدها القصاص ما لم يعظم خطره كعظام الصلب والصدر والعنق والفخذ فلا قصاص لكونها مَتَالِف والأصل عصمة الدماء.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
لا يعقل جرح إلا بعد أن يبرأ
• قوله:
٤٦ - «ولا يعقل جرح إلا بعد البرء».
أي لا تؤخذ دية الجرح على ما تقدم ولا يكون فيه حكومة حتى يبرأ، لأنه قبل ذلك لا يعلم مقدار الدية، ولا يعلم هل يبرأ على شين أو لا؟، ولا فرق في هذا الانتظار بين أن يكون الواجب مقدرا كالجائفة والآمة، أو ليس فيه غير الاجتهاد كالجراح التي دون الموضحة، كما أنه لا فرق في لزوم الانتظار بين أن يكون الجرح خطأ أو عمدا مما لا قصاص فيه لكونه من المَتَالِف، وظاهر كلام المصنف أن الانتظار يكون إلى البرء، لا فرق بين أن يحصل في السنة أو قبلها، وقال بعضهم لا بد من الاستيناء سنة ولو برئ قبلها، وقد جاء في هذه المسألة حديث جابر رواه البيهقي وهو ضعيف.
ودليل انتظار البرء مطلقا أي من غير قيد السَّنَةِ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: «أقدني»، فقال: «حتى تبرأ»، ثم جاء إليه فقال: «أقدني»، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: «يا رسول الله عرجت»، فقال: «قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله، وبطل عرجك»، ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه»، رواه أحمد والدارقطني في كتاب الحدود والديات (ح/ ٢٤)، قال في سبل السلام: وفي معناه أحاديث تزيده قوة»، انتهى.
قلت: وليس في إذنه ﷺ له في القصاص قبل البرء حجة على عدم لزوم انتظار البرء، لأنه قد نهاه، حيث أمره بالانتظار ببيان الغاية، ثم أخبره بعد أنه قد نهاه، وفيه دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وكما يُسْتَأْنَى بالعقل إلى أن يبرأ الجرح، فكذلك لا يقتص من الجاني حتى يبرأ المجني عليه، لاحتمال أن يكون الجرح سببا في ذهاب النفس فيستحق دم القتيل بالقسامة على ما تقدم.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
ويؤخر القصاص أيضا في حال الحر المفرط والبرد المفرط خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تلف نفس الجاني، فتزهق نفس فيما دونها، فهل رأيت احتياطا مثل هذا؟، أما القتل فلا يؤخر إلا لنحو حمل أو رضاع.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
لا شيء في الجراح التي دون الموضحة متى برئت على غير شين
• قوله:
٤٧ - «وما برئ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه».
المراد بالشين العيب والقبح الذي يخلفه الجرح في الجسد، والزين والشين من الدارج الفصيح في بلادنا، والمعنى أن ما قَدَّرَ الشرع فيه شيئا من الدية فهو اللازم برئ الجرح على شين أو لا، وما لم يقدر فيه شيئا فما برئ على شين ففيه حكومة، وما لم يخلف شينا فلا شيئ فيه متى كان خطأ أو عمدا ولم يقتص منه للعفو.
قلت لكن الكلام فيما يلزم من التعويض المادي لا في غيره من التعزير الذي للحاكم فعله.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
مشروعية القصاص في الجراح العمد غير المتالف
لا قصاص في اللطمة والضربة
• قوله:
٤٨ - «وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المَتَالِفَ مثل المأمومة والجائفة والمنَقِّلَة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية».
ما كان من الجراح في الجسد يسمى كذلك، وما كان منها في الرأس يسمى الشجاج، والقصاص يشملهما لعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو عام في الجراح سواء تلك التي عين الشارع لها مقدارا من المال أو التي فيها حكومة، وكيفما كان الموضع من الجسد فيقتص من الجاني المتعمد بمقدار مساحة الجرح طولا وعرضا وعمقا، كانوا يقيسونها بالمِيلِ بكسر الميم فهو مقياسهم كما قال:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت … عشيتها أو زاد وهيا هزومها
والآسي هو العالم بعلم الطب، والنطاسي الماهر فيه، والوهي الضعف، يعني أن الجرح يزداد غورا من شدة الضربة إذا قاسه الطبيب.
ومفهوم الجراح أن الضربة واللطمة إذا لم تخلف جرحا لا قصاص فيها، ومثله نتف اللحية والشارب وشعر الحاجبين، فالعمد في هذا والخطأ مستويان كذا قالوا، لكن فيها التأديب بما يراه الحاكم، وفي هذا التقييد نظر، فقد جاء عن عدد من الصحابة ﵃ خلاف ذلك قال البخاري: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بِالدِّرَّة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخُمُوش»، انتهى، والخموش هي الخدوش.
وقال ابن القيم ﵀ بعد ذكر من ادعى الإجماع على عدم القصاص في اللطمة: «بالغ بعض المتأخرين فنقل الإجماع على عدم القَوَدِ في اللطمة والضربة، وإنما يجب
[ ٤ / ٢٤٨ ]
دليل القصاص في ذلك
لا قصاص في المتالف لكن فيها الدية والتعزير
التعزير، وذهل في ذلك، فإن القول بجريان القود في ذلك ثابت عن الخلفاء الراشدين، فهو أولى بأن يكون إجماعا وهو مقتضى إطلاق الكتاب والسنة»، انتهى.
ومستند مالك في عدم القصاص ما قاله من أنه ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يُلطم مثل الرجل ذو الحالة والهيئة، وإنما في ذلك كله الاجتهاد للجهل بمقدار اللطمة، انظر تفسير القرطبي.
والمتَالِفُ هي الجراحات التي يغلب عليها أن تؤدي إلى الموت، وقد ذكر المؤلف لها أمثلة منها كسر الفخذ وعظام الصدر والعنق ورض الأنثيين، أما قطعهما ففيه القصاص.
وقد حدث من الوسائل ما يجعل بعض ما كان قبل من المتالف ليس منها، لكن أين من يقيم الحدود وقد صار بعض المنسوبين للعلم كلما ذكروها هونوا من شأنها بقولهم إنها آخر ما يقام في الإسلام إرضاء للكفار والمستغربين، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]، فإنه أعلم بخلقه وهو أرحم الراحمين.
أما أنه لا يقتص من المتالف فلأن ذلك قد يؤدي إلى موت المقتص منه أو عدم التمكن من الاقتصار على مقدار جنايته، والقصاص الذي شرعه الله تعالى معناه المماثلة، وهي متعذرة في المتالف فيستوي فيها العمد والخطأ في لزوم الدية مع التأديب في العمد، وقد روى البيهقي عن طلحة مرفوعا: «ليس في المأمومة قود» ورُوي هذا أيضا في الجائفة والمنقلة، وقد روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا كسر فخذ رجل فخاصمه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «يا أمير المؤمنين أقدني»، قال: «ليس لك قَوَد، إنما لك العقل»، انتهى، لكن فيه الحجاج بن أرطاة.
وقال في الروضة الندية (٣/ ٣٥٩): «وأما تقييد ذلك بالإمكان فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجني عليه، وخطاب الشرع محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه، فإذا كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار، فالأدلة الدالة على تحريم دم المسلم وتحريم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصة لدليل الاقتصاص»، انتهى.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
الديات التي تدفعها العاقلة
• قوله:
٤٩ - «ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به، وتحمل من جراح الخطإ ما كان قدر الثلث فأكثر، وما كان دون الثلث ففي مال الجاني».
قال ابن الأثير: «العقل هو الدية، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها في عُقُلها ليسلمها إليهم، ويقبضوها منه، فسميت الدية عقلا بالمصدر، قال: والعاقلة هي العصبة والأقارب من قِبَلِ الأب الذين يعطون دية قتيل الخطإ وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها اسم: فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالبة»، انتهى.
لما أنهى المؤلف الكلام على دية النفس والأعضاء والجراح بين هنا من عليه دفع الدية، ولما كانت الدية إنما شرعت في القرآن مقرونة بقتل الخطإ، وجاءت الأحاديث مبينة أنها على العاقلة أخذ بهذا القيد جمهور الفقهاء - واعتبروا جراحات الخطأ مثل القتل الخطإ.
وقد بين هنا ما لا تتحمله العاقلة بل يكون في مال الجاني، فإن لم يكن له مال كان دَيْنًا عليه، وهو أشياء ثلاثة: أولها دية قتل العمد كيفما كان طريق ثبوته، ووجهه أن الدية إنما شرعت أصلا في الخطإ، ووجه عدم تحملها في حالة الاعتراف زيادة على ما سبق احتمال تواطؤ المعترف مع أولياء المقتول لتحصل لهم الدية، ولم يفرقوا بين العدل الثقة الذي لا يتهم وبين غيره، وقد روى مالك في الموطإ (١٥٧٧) عن ابن شهاب أنه قال: «مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاؤوا ذلك»، انتهى، وهذا ليس من المرفوع، ولا هو في حكمه، وروى عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: «ليس على العاقلة عقل في قتل العمد، إنما عليهم قتل الخطإ»، انتهى، وروى عن يحي بن سعيد وابن شهاب مثله وزادا: إلا أن تعينه العاقلة عن طيب نفس منها»، انتهى، وعن ابن
[ ٤ / ٢٥٠ ]
عباس ﵄ قال: «لا تحمل العاقلة عمدا ولا ما جنى المملوك ولا صلحا ولا اعترافا»، رواه البيهقي وحسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٢٣٤٠)، ومثله عن عمر في سنن الدارقطني وهو ضعيف، وإنما صح من قول عامر الشعبي كما في الإرواء أيضا، ومن ذلك ما رواه البيهقي عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: لا تحمل العاقلة ما كان عمدا ولا عبدا ولا صلحا، ولا اعترافا»، انتهى.
وقد قرر مالك عدم تحمل العاقلة دية العمد ثم بين أنه لم يسمع عن العاقلة في دية العمد شيئا ثم قال: و«مما يعرف به ذلك أن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، فتفسير ذلك فيما نرى والله أعلم أنه من أعطي من أخيه شيء من العقل فليتبعه بالمعروف وليؤد إليه بإحسان»، انتهى، قال الزرقاني في شرحه على الموطإ (٤/ ١٩٣): «فدل ذلك على أن دية العمد إنما هي على القاتل لأن الأمر إنما هو باتباعه لا عاقلته، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما أي القصاص أو العفو، وهو المشهور عن مالك، ورواية ابن القاسم عنه، وروى أشهب عن مالك الواجب القصاص أو الدية، واختاره جماعة من المتأخرين لحديث الصحيحين مرفوعا: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد»، انتهى.
- وثانيها دية جراح العمد إذا لم يحصل القصاص لعفو أو مانع كوجودها في المتالف، ووجهه أنه في معنى القتل العمد فلا تحمله العاقلة.
- وثالثها دية جراح الخطإ متى لم تصل إلى ثلث الدية، وهذا لجريان العمل عليه في المدينة، ولقاعدة المذهب في اعتبار الثلث من الكثير، قال مالك: «الأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث فصاعدا، فما بلغ الثلث فهو على العاقلة، وما كان دون الثلث فهو في مال الجارح خاصة»، انتهى.
أما إن قيل إن الأحاديث الواردة في تحمل العاقلة الدية ليس فيها التقييد بالقتل الخطإ، بل في بعضها ما يشعر بأنه في العمد، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم عن جابر قال: «كتب رسول الله ﷺ أن على كل بطن عقولة، ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى
[ ٤ / ٢٥١ ]
رجل مسلم بغير إذنه»، والعُقولة بضم العين هي العقل أي الدية، وروى أبو داود وابن ماجة عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ الزوج والولد، فقال عاقلة المقتولة: «ميراثها لنا»، فقال رسول الله ﷺ: «لا، ميراثها لزوجها وولدها»، والقتل هنا قد يكون عمدا أو شبه عمد، وثبت أنه على العاقلة، ولأن المعنى الذي لأجله جعلت الدية على العاقلة أو بعضه موجود في العمد في حال العفو، ومن بين ما يوجه به القول بكون دية الخطإ على العاقلة لا العمد أنه لا تضامن في حال العمد كيلا يكون ذريعة للتساهل في الدماء، أو يفهم منه فاهم التشجيع على القتل، ولينظر ما قاله الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٤٥٣).
قال كاتبه عفا الله عنه: لو قيد جعل الدية على العاقلة في حال العمد بشرط فقر القاتل حتى لا تهدر الدماء لكان متجها، ويتأيد ذلك بحديث أبي رمثة قال: «أتيت النبي ﷺ ومعي ابني فقال: «من هذا»؟، فقلت: ابني، وأشهد به، فقال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه»، رواه أبو داود والنسائي، وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فقال: «لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني جان على ولده»، الجناية الذنب، ومعناه أن ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص لا يتحمله عنه غيره، وإذا كان هذا الأمر مراعى في جناية الوالد بحيث لا يتحملها عنه ولده فكيف بغيره؟، لكن الحديث مخصوص عند أهل الحق بتحمل العاقلة الدية، لأنها من باب التضامن والتناصر، وقاتل الخطإ لا يعتبر جانيا حقيقة بخلاف المتعمد، فيكون قصر تحمل العاقلة الدية على حال الخطإ مناسبا لاجتماع الأدلة عليه، ويبقى العمد في أصله على الجاني حتى يأتي الدليل على خلاف ذلك، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
الاختلاف في ديتي المأمومة والجائفة عمدا
• قوله:
٥٠ - «وأما المأمومة والجائفة عمدا فقال مالك ذلك على العاقلة وقال أيضا إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه لأنه متلف».
علة كون دية الجائفة والمأمومة على العاقلة أنهما لا قود فيهما لأنهما من المتالف، فأشبها من هذا الوجه جراح الخطإ، ولأن فيهما ثلث الدية، والقول الآخر للإمام أنهما في مال الجاني باعتبار العمد، فإن كان لا مال له فالدية على العاقلة صونا للحقوق عن الضياع، ومثل هذا كل ما كان من الجراحات في المتالف فإن فيه ذينك القولين، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
لا دية فيمن قتل نفسه عمدا أو خطأ
• قوله:
٥١ - «ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدا أو خطأ».
لم يأت دليل يعتمد عليه في دية من أصاب نفسه عمدا أو خطأ، والأصل براءة الذمة وعصمة الأموال، ولأن الدية إنما جاءت في قتل الغير خطأ أو عمدا، قال مالك: «ولا تعقل العاقلة أحدا أصاب نفسه عمدا أو خطأ، وعلى ذلك رأ ي أهل الفقه عندنا»، انتهى.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
مساواة المرأة الرجل في الدية من أهل دينها إلى الثلث
• قوله:
٥٢ - «وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، فإذا بلغتها رجعت إلى عقلها».
يعني أن دية المرأة مثل دية الرجل من أهل دينها ما لم تبلغ الدية الثلث، فإذا بلغته ردت إلى ديتها التي تقدم بيانها مفصلا، وهي نصف دية الرجل من أهل دينها، وقوله فإذا بلغتها الصواب بلغته أي الثلث، وقد يجوز على معنى أن ذلك القدر هو دية وفيه بعد، ودليل هذا الحكم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته»، رواه النسائي والدارقطني وصححه ابن خزيمة، وهذا يغني عن حديث معاذ قال، قال رسول الله ﷺ: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، رواه البيهقي وضعفه، وعلى كل حال فالدية فيه مقيدة بما دون الثلث.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
تقتل الجماعة بالواحد
• قوله:
٥٣ - «والنفر يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به».
المراد بالنفر هنا الجماعة قلوا أو كثروا، أما في اللغة فيطلق على ما كان من الثلاثة إلى التسعة، وقيل إلى العشرة، فمتى ثبت ذلك عليهم ببينة أو إقرار، وتكافأت الدماء، وكانوا ممن يقتص منهم، لا فرق بين أن يباشروا القتل جميعا، أو يباشر بعضهم بحضور الآخرين متمالئين، فإذا كان الأمر كذلك قُتِلُوا جميعا، أما إن أمسك الواحد وهو يرى أن المباشر إنما يريد الضرب بما يضرب به الناس فقتله، فلا يقتل مع المباشر، بل يعاقب أشد العقوبة ويسجن سنة، هكذا قال مالك في الموطإ، وفيه عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا»، انتهى، والغيلة بكسر الغين وإسكان الياء الخديعة أي قتلوه سرا، وتمالأوا عليه وَتعاونوا عليه واجتمعوا على قتله، قال الشوكاني عليه رحمة الله في السيل الجرار (٤/ ٣٩٧): «قد علمنا من الحكمة في مشروعية القصاص للعباد أن فيه للناس حياة كما قال ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولو كان اجتماع جماعة على قتل واحد لا يقتضي ثبوت القصاص منهم لكان هذا سببا يُتذرع به إلى قتل النفوس، فإن الزاجر الأعظم إنما هو القتل لا الدية، فإن ذلك يسهل على أهل الأموال، ويسهل أيضا على الفقراء لأنهم يعذرون عن الدية بسبب فقرهم، فإذا كان القتيل ثبت قتله بفعلهم جميعا فالاقتصاص منهم هو الذي تقتضيه الحكمة الشرعية الثابتة في كتاب الله ﷿، ولهذا شبه الله قاتل النفس بمن قتل الناس جميعا، ورحم الله عمر بن الخطاب ما كان أبصره بالمسالك الشرعية وأعرفه بما فيه المصلحة الدينية العائدة على العباد بأعظم الفائدة،،، انتهى بتصرف.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
قال كاتبه: ومع هذا فيمكن الاستدلال لقتل الجماعة يشتركون في قتل الواحد بحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبهم الله في النار»، وقد تقدم في أوائل الباب، وقد اطرد قول مالك في قتل الجماعة بالواحد في الجماعة يقطعون يد امرئ فيقتص منهم جميعا بقطع يد كل منهم.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
يقتل السكران إذا قتل
• قوله:
٥٤ - «والسكران إن قَتل قُتل».
لا فرق في هذا الحكم على المشهور بين الطافح وهو من غاب عقله بالكلية، والنشوان وهو من بقي من عقله شيء، لأنه قد أدخل السكر على نفسه فكان سببا في زوال عقله، ولو لم يفعل به ذلك لتساكر الناس وقتلوا الأنفس وأتلفوا الأموال وادعوا عدم العقل بالسكر، فهو بهذا يختلف عن المجنون، لأن آفته سماوية، والمذهب أنه لا يلزمه الإقرار والعقود، وتلزمه الجنايات والعتق والحدود:
لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود
وقد روى مالك بلاغا أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ يذكر أنه أُتي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اقتله به»، انتهى.
وقد حمل بعض الشراح كلام المصنف على النشوان، فهو الذي يُقتل، أما الطافح ففي قتله الدية على العاقلة قال ابن عمر وهو شارح الرسالة: «حكى بعضهم الإجماع على هذا، وحكى الخلاف في النشوان»، انتهى، وهذا الذي قاله هو المتأيد بأصول الشرع، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
دية من قتله المجنون على العاقلة
• قوله:
٥٥ - «وإن قتل مجنون رجلا فالدية على عاقلته».
لا قود على المجنون إلا أن يكون جنونه غير دائم بحيث يعقل أحيانا، فإن قتل وقت عقله تُرُبص به واقتص منه وقت رجوع عقله، فإن أيسنا من إفاقته فالدية في ماله، وقد قال رسول الله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»، رواه الترمذي من طريق الحسن عن علي، وقال: كان الحسن في زمن علي وقد أدركه، ولكنا لا نعرف له سماعا منه، ثم رواه من غير طريق الحسن، وهو عند أبي داود عن علي وعائشة ﵄، ولا معنى لرفع القلم عن هؤلاء إلا أنهم غير ملزمين بخطاب التكليف، وخطاب الوضع أعم منه، وفي الموطإ أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان أنه أتي بمجنون قتل رجلا، فكتب إليه معاوية: أن اعقله، ولا تقد منه، فإنه ليس على مجنون قَوَدٌ»، انتهى.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
عمد الصبي كخطئه وديته على العاقلة إن بلغ الثلث وإلا ففي ماله
• قوله:
٥٦ - «وعمد الصبي كالخطإ وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر وإلا ففي ماله».
لا فرق في هذا بين الصبي المميز وغيره، وقد علمت أن الصبي والمجنون ممن رفع عنهم القلم، وعلى هذا فعمدهم وخطأهم سواء، وكون الدية في مال الصبي فيما دون الثلث لا يختص به، بل يشمل المجنون، فكان الأولى دمجه معه، لاشتراكهما في خطاب الوضع، فإن لم يكن لهما مال بقيت في ذمتهما.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ويقتص من بعضهم لبعض في الجراح
• قوله:
٥٧ - «وتُقْتَلُ المرأة بالرجل والرجل بها، ويُقْتَصُّ لبعضهم من بعض في الجراح».
أي أن المرأة الحرة أو المملوكة تُقْتَلُ بالرجل الحر، كما يُقْتَلُ الرجل الحر أو المملوك بالمرأة الحرة، فإن قلت فما القول فيما دل عليه قول الله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، من أخذ النفس بالنفس؟، قيل هو مخصوص بما سيذكر بعد من السُّنَّةِ التي جعلها الله مبينة لكتابه، وهكذا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فإن المراد منه إبطال ما كان عليه العرب من مجاوزة القصاص الذي هو قتل القاتل إلى التكايل في الدماء كما كانوا يسمونه، فيقتلون بالواحد العدد الكثير، ويقتلون غير القاتل كالمُعَظَّمِ في القبيلة، وإن لم يكن هو القاتل، فمفهوم الآية غير مراد لما في السُّنَّةِ من البيان، وقد قالت امرأة من العرب تذكر إبطال الإسلام التكايل في الدماء:
أما في بني حصن من ابن كريهة … من القوم طلاب الترات غَشَمشَم؟
فَيَقتل جبرا بامرئ لم يكن له … كفاء ولكن لا تَكايل في الدم
الترات جمع ترة بكسر التاء هي الثأر، والغشمشم هو الجريء، أقرت المسكينة ببطلان التكايل في الدماء، لكنها ندبت قومها إلى قتل القاتل وهو المسمى جبرا، وإن لم يكن كفؤا لمن قتله حسب زعمها، لبقية الجاهلية التي فيها، وعليه فلا دلالة في الآية على عدم قتل الأنثى بالذكر أو العكس اعتمادا على المفهوم لأنه مفهوم لقب، مع أنه قد جاء ما هو نص فيقدم عليه، وهو قول رسول الله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن علي ﵁.
فإن قلت: فلم لا يقتل الحر بالعبد ويقتل الحر به كما قرره المؤلف في قوله:
[ ٤ / ٢٦١ ]
لا يقتل الحر بالعبد ويقتل العبد بالحر
• قوله:
٥٨ - «ولا يُقْتَلُ حر بعبد ويُقْتَلُ به العبد».
وهو يريد بالحر الذي لا يقتل بالعبد الحر المسلم، أما الحر الكافر فإنه يُقْتَلُ بالعبد المسلم، والواجب في العبد إن قُتل قيمته، وفي جرحه ما نقص من قيمته.
أما الجواب عن السؤال فإن العموم الذي في حديث علي قاض بقتل الحر المسلم بالعبد المسلم فيُتمسك به ما لم يأت ما يخصصه.
وقد جاءت أحاديث ضعيفة في عدم قتل الحر بالعبد، منها ما رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد»، وجاء ما يدل على عدم قتل الرجل بمملوكه، وهو ضعيف أيضا، وجاء ما يدل على بقاء أصل التكافؤ، وهو قول النبي ﷺ: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، رواه أحمد وأصحاب السنن من طريق الحسن عن سمرة، والخلاف في سماعه منه معروف، وعلى افتراض ثبوته فقد نحا به بعض العلماء كابن القيم منحى التعزير لا القود، فلم يبق إلا التمسك بالأصل واستصحابه، فمن قال إن الأصل القصاص قال يقتل الحر بالعبد، ومن قال إن الأصل حرمة الدماء منع القود ز
وممن قالوا بذلك الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٣٩٣) قال: «والظاهر عدم ثبوت قتل الحر بالعبد لاسيما مع تعارض الأدلة ترجيحا لجانب الحظر وعملا بأصالة عصمة النفوس حتى يَرِدَ ما يدل على عدم العصمة بوجه يصلح بذلك وتقوم به الحجة، ولا سيما مع قوله سبحانه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فإنه يدل بمفهومه على أنه لا يقتل الحر العبد»، انتهى.
قلت: كلا، بل الأصل هو القصاص من القاتل، فما لم يأت الدليل المانع فليتمسك به، وقد علمت المراد من سياق الآية، أما عكس هذا وهو قتل العبد بالحر فقد نقل الإجماع عليه غير واحد.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
لا يقتل مسلم بكافر ويقتل الكافر بالمسلم
• قوله:
٥٩ - «ولا يقتل مسلم بكافر ويقتل به الكافر».
مراده لا يقتل مسلم حرا كان أو عبدا بكافر قال أبو جحيفة: «سألت عليا ﵁ هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟، قال: «العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر»، رواه البخاري وغيره، وهو مرفوع كما دل عليه اللفظ الآخر: «هل عندكم من النبي ﷺ شيء سوى القرآن»؟، قال: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطيَ الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة»، قلت: «وما في الصحيفة»؟، قال: «العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر»، والقائمة - وتدعى القائم أيضا - هي موضع الإمساك بالسيف، وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
وفي الحديث النهي عن قتل الكافر المعاهد لمجرد كفره، لكن القائلين بإثبات القصاص من المسلم للذمي حملوا لفظ الكافر في الحديث على الحربي بخاصة، والذي بعثهم على ذلك أن المراد لا يصح أن يكون «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر»، قالوا: فيحتاج إلى حمل الكافر على خصوص الحربي دفعا للتناقض لأن المعاهد كافر، وهو كما ترى مفتقر إلى التقدير كي يفهم هذا المعنى منه، والأصل عدم التقدير، بل إن اللجوء إلى التقدير من غير حاجة عبث كما قال الشوكاني في السيل الجرار، مع معارضة ذلك بما في حديث علي السابق، ومعنى الحديث عند الجمهور النهي عن قتل المعاهد من غير موجب غير الكفر.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
لا قصاص بين حر وعبد ولا بين كافر ومسلم في الجروح
• قوله:
٦٠ - «ولا قصاص بين حر وعبد في جرح، ولا بين مسلم وكافر».
القصاص في الجراح تبع للقصاص في الأنفس، فما قيل في ذاك يقال في هذا، لأن شرط القصاص تكافؤ الدماء، فإن جرح عبد حرا فالعبد رهن بما جنى، وإن كان العكس وللجرح أرش معين كان الواجب هو ذلك العقل منسوبا إلى قيمة العبد، فمثلا عقل الموضحة هو خمس من الإبل، وهو يمثل (١/ ٢٠) من الدية، فيكون الواجب في الموضحة في العبد نصف عشر قيمته، وعقل الآمَّة ثلث الدية فعقلها في العبد ثلث قيمته، أما إن لم يكن للجرح عقل منصوص، ففيه ما نقص من قيمته، بأن يقوم سالما، ثم ناقصا، والفرق بينهما هو الأرش، وقد فصل مالك ذلك في باب (ما جاء في جراح العبد) فانظره، وإن جرح مسلم كافرا فإن كان للجرح عقل فعليه ديته، وإلا ففيه حكومة، وإن جنى الكافر على المسلم ولم يكن قصاص فكذلك.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
يضمن كل من السائق والراكب والقائد ما أتلفت الدابة
• قوله:
٦١ - «والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة».
السائق هو الذي يتبع الدابة ليحثها على السير، والقائد الذي يمسك بزمامها ويتقدمها، والراكب هو الذي فوقها، فهؤلاء كل منهم ضامن لما أفسدت الدابة إن كان وحده، لأنه قادر على منعها وتوجيهها، فإن اجتمعوا ضمن السائق والقائد دون الراكب إلا أن يكون ذلك بسببه، فإن كان هناك عون من السائق والقائد فالضمان على الجميع، قال مالك: «القائد والسائق والراكب كلهم ضامنون لما أصابت الدابة إلا أن ترمح الدابة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له، وقد قضى عمر بن الخطاب في الذي أجرى فرسه: بالعقل، فالقائد والراكب والسائق أحرى أن يغرَموا من ذلك الذي أجرى فرسه»، انتهى، يقال رمحت الدابة ترمح بفتح الميم إذا ضربت بِرِجْلٍ وقيل بِالرِّجْلَيْن.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
ما أتلفته الدابة غير المعروفة بالأذى فهو هدر
الموت في البئر والمعدن هدر إذا لم يكن ثمة تفريط
• قوله:
٦٢ - «وما كان منها من غير فعلهم أو وهي واقفة لغير شيء فعل بها فذلك هدر، وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد فهو هدر».
هذا إذا لم تكن الدابة معروفة بالصك أو بالعض، ولم تربط على طريق الناس، وقد صرح بالأخير مالك في الموطإ، أما إن كانت معروفة بذلك ولم يحتط الذي معها فالضمان عليه، وقوله لغير شيء إي أنها إن أتلفت شيئا من غير أن تنخس أو تضرب فلا ضمان، وكذلك البئر والمعدن ينهار على من فيه من غير تسبب أو تفريط، بخلاف ما إذا حُفر البئر على الطريق، وقد أصل مالك ذلك بأن من فعل ما يجوز له فعله في الطريق فلا ضمان عليه، ومن فعل ما لا يجوز له فعله فعليه الضمان، وقوله هدر يعني لا شيء فيه لقول النبي ﷺ: «العجماء جرحها جُبَارٌ، والبئر جُبَارٌ، والمعدن جُبَارٌ وفي الركاز الخمس»، رواه مالك (١٥٨٣) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال مالك: وتفسير الجُبَار أنه لا دية فيه.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
• قوله:
٦٣ - «وتُنَجَّمُ الدية على العاقلة في ثلاث سنين، وثلثها في سَنَة، ونصفها في سنتين».
تنجيم الدية هو تقسيطها بأن تدفع بالتدريج، والغرض من ذلك الرفق بالعاقلة لأنها مواسية، فإن كانت الدية كاملة فمدة التنجيم ثلاث سنين، وإن كانت الثلثَ كما في الآمّة، فإنها تدفع في سَنَةٍ، وإن كانت النصفَ كما في قطع اليد فإنها تدفع في سنتين، وإنما تقسط الدية إذا كانت عن قتل خطإ أو جرح خطإ، أو جرح لا قصاص فيه لكونه من المَتَالِف، أما القتل العمد والجرح العمد وقيمة الرقيق فإنها حَالَّةٌ في مال الجاني، أي لا تؤجل، قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سَنَةٍ ثلث الدية»، انتهى، أما تنجيمها فيما دون الثلاث سنين ففيه آثار عن عمر بن الخطاب في مصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
الدية موروثة كما تورث تركة الميت
• قوله:
٦٤ - «والدية موروثة على الفرائض».
لَمَّا بَيَّنَ مقدار الدية وتنجيمها ذكر هنا مصرفها وهو جميع الورثة غير القاتل كما سيأتي، وإنما نص على هذا لأن الميراث في الأصل إنما يجري فيما كان في ملك المرء قبل موته، كالدَّيْنِ ومؤخر الجرايات والرواتب، أما الدية فإنها مسببة عن الموت، وكونها موروثة على الفرائض يناسب اشتراك الوارثين في دم الميت، وهي تعم دية الخطإ ودية العمد، يأخذ كل وارث من الرجال والنساء نصيبه منها إلا القاتل، وسيأتي دليل استثنائه، ومن الأدلة على ذلك ما رواه مالك (١٥٧٩) عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى: من كان عنده علم من الدية أن يخبرني، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله ﷺ أن أورث امراة أشيم الضبابي من دية زوجها فقال عمر بن الخطاب: ادخل الخباء حتى آتيك، فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك، فقضى بذلك عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: وكان قتل أشيم خطأ»، انتهى، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كان يقول: «الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا»، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان: أن النبي ﷺ ورث امراة أشيم الضبابي من دية زوجها»، قال الألباني في الإرواء (ح/ ٢٦٤٩) عن حديث مالك هو منقطع، وقال عن الذي يليه: «إنه مرسل، لأن سعيد بن المسيب في سماعه من عمر خلاف»، انتهى.
قلت: لعله لذلك جاء فيه الخطأ الذي بينه ابن عبد البر في الاستذكار حيث قال: «أخطأ من قال عن ابن عيينة في هذا الحديث: «حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي»، فجعل الضحاك هو الذي كتب إلى عمر، وَوَهِمَ وَهْمًا بَيِّنًا، لأن عمر شافهه الضحاك بذلك في بيته، أو في خبائه بمنى، انتهى.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
دية إسقاط جنين المرأة الحرة متى تجاوز مرحلة النطفة
• قوله:
٦٥ - «وفي جنين الحرة غُرَّةٌ عبد أو وليدة تُقَوَّمُ بخمسين دينارا أو ستمائة درهم، وتورث على كتاب الله».
متى تجاوز حمل الحرة المسلمة المرحلة الأولى، وهي النطفة وجنى عليه جان كان فيه ما ذكر، لا فرق بين أن يكون الزوج حرا أو عبدا، ولا فرق بين الجنين الذكر والأنثى، وهذا إذا نزل ميتا، أما إن نزل حيا بأن استهل صارخا ثم مات ففيه الدية كاملة، ولو ماتت الأم من الضرب، ونزل الجنين ميتا بعد ذلك لم يكن فيه شيء لأنه تبع لأمه، والمراد بالمرحلة الأُولى تجاوز الجنين أن يكون نطفة، وإنما ناطوا الدية ببلوغ الحمل أن يكون علقة لأن بها مبتدأ تخلقه، وما قبلها لا يختلف عن وقت الإنزال، ولهذا جعلوها ناقلة للأَمَةِ إلى أم ولد كما تقدم، وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال، قال رسول: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة تكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه مَلَكًا ويؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد،،، الحديث، رواه الشيخان وأصحاب السنن، والدية عبد أو وليدة تكون قيمة كل منهما خمسين دينارا أو ستمائة درهم، ويدلك هذا على ما تقدم من أنهم يرون الذهب والفضة أصلا في الدية لا قيمة، لأن قيمة الغُرَّة قد تختلف من وقت لآخر، وقد ذكر مالك عن ربيعة أنه كان يقول: الغرة تقوم بخمسين دينارا، أو ستمائة درهم، ودية المرأة خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم»، قال مالك: «فدية جنين الحرة عشر ديتها، والعشر خمسون دينارا، أو ستمائة درهم»، انتهى، قال كاتبه: قيمة الغرة ليست ثابتة حتى تجعل عشر دية الأم على الاستقرار والدوام كما تقدم معك في مائة من الإبل التي هي أصل الدية، لكن لما فقد الأصل هنا وهو الغرة فأين السبيل إلى معرفة قيمتها؟، ولذلك فلا بأس إن شاء الله أن يتمسك بكون دية الجنين عشر دية أمه، اعتمادا على ذلك التقويم القديم،
[ ٤ / ٢٦٩ ]
والمرجع في ذلك مائة من الإبل، ومما يذكر أن الإمام ﵀ تمضية منه لتلك القيمة قال بها فيمن أسقط حمل غير الإنسان، فعليه عشر قيمة الأم، ويظهر من هذا أنه اعتبر عشر الدية أصلا قاس عليه عشر قيمة الأَمَةِ، ثم عشر قيمة الدابة، أشار إلى هذا ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٥ و٣٨)، وإذا كنا في الدية قد لزمنا التمسك بنسبة العشر لما ذكرنا فلا داعي لذلك في الدابة، بل يقال يضمن الجاني الفرق بين قيمتها حاملا وقيمتها من غير حمل، أما جرح الدابة ففي الموطإ: «والأمر عندنا فيما أصيب من البهائم أن على من أصاب منها شيئا قدر ما نقص من ثمنها»، انتهى، والله أعلم.
ودليل دية الجنين حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة: عبد أو أمة»، رواه مالك (١٥٥٥) والشيخان، والغرة بضم الغين المعجمة وتشديد الراء أصلها البياض في وجه الفرس، كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله»، قاله في الروضة الندية، وأهل المذهب يستحبون مع ذلك أن يكون العبد أو الأمة من البيض لا من السودان تمسكا بذلك الوصف، وقد قال بلزوم وصف البياض أبو عمرو بن العلاء، قال ابن الأثير بعد ذكره: وليس ذلك بشرط عند الفقهاء.
ومذهب مالك أن دية الجنين في مال الجاني، لكون ذلك هو الأصل حتى يأتي ما ينقل عنه، وقد جاء ما يدل أنها على العاقلة، وهو حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها»، رواه البخاري (٦٩٠٩)، وليس الحديث بالصريح في تحميل العاقلة دية الجنين ابتداء، لكن بجمع ما ورد من الروايات يحصل ذلك، فعن المغيرة ابن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال أحد الرجلين: «كيف ندي من لا صاح ولا أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك يطل»، فقال: أسجع كسجع الأعراب؟، فقضى فيه غرة، وجعلها على عاقلة المرأة»، رواه مسلم وأبو داود واللفظ له، وهو في الموطإ (١٥٥٦) نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب، قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٢٢) مبينا رجحان مذهب غير مالك اعتمادا على الحديث المتقدم: «وهو
[ ٤ / ٢٧٠ ]
حديث صحيح نص في موضع الخلاف يوجب الحكم، ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة، كان الجنين كذلك في القياس والنظر»، انتهى.
أما أن دية الجنين تورث على كتاب الله فلأن مقدارها محدد بالنسبة إلى الدية وهو عشر دية الأم، ولأنها جناية على آدمي، لا على عضو منه، أو قل هي عمد في الأم خطأ في الجنين، فتعطى حكم الدية في الميراث، وقد تقدم دليله، وهو الذي تضمنه جواب ابن شهاب الذي رواه ابن وهب عنه أنه سئل عن رجل ضرب امرأته فأسقطت، ما دية السقط؟، قال: «بلغنا أن القاتل لا يرث من الدية شيئا، فديته على فرائض الله تعالى، ليس للذي قتله من ذلك شيء»، انتهى، ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ أفرد ما يجب في الجنين عما يجب في أمه، فجعل في الأم دية، وجعل في الجنين غرة، فصح أن حكم الغرة كحكم دية النفس، لا كحكم دية الأعضاء»، انتهى.
قلت: لو ذهب ذاهب إلى التفصيل في المسألة فقال إن ما أسقط قبل نفخ الروح هو للأم إن جني عليها، لأنه بمثابة العضو منها، أو لأبيه إن كانت هي الجانية، وأن ما كان بعد النفخ فإنه موروث على الفرائض لو قيل هذا لكان متجها قويا، ثم إني وقفت على هذا التفصيل من غير ذكر الأب لابن حزم ﵀ فانظره في المحلى (١١/ ٣٣).
[ ٤ / ٢٧١ ]
لا يرث قاتل العمد من المال ولا من الدية
• قوله:
٦٦ - «ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية».
قاتل العمد إذا اقتص منه فلا دية، وإذا عفي عنه وكانت فيه الدية فإنه لا يرث منها شيئا، ولا من مال المقتول لقول النبي ﷺ: «القاتل لا يرث»، رواه الترمذي وبعد بيان ضعفه قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث»، انتهى، وهو في صحيح الجامع، وروى ابن ماجة (٢٦٤٦) وغيره عن عمر بن الخطاب مرفوعا: «ليس للقاتل ميراث»، وهو حسن كما في الزوائد، أما تعليلهم عدم توريثه بقاعدة من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه فليس بشيء، وما كل متعجل معاقبا بحرمانه مما تعجله.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
• قوله:
٦٧ - «وقاتل الخطإ يرث من المال دون الدية».
وجهه أن الدية مسببة عن فعله فيمنع منها لقيام التهمة، أما المال فلبقائه على الأصل، قال مالك ﵀: «الأمر الذي لا اخنلاف فيه عندنا أن قاتل العمد لا يرث من دية من قتل شيئا، ولا من ماله، وأن الذي يقتل خطأ لا يرث من الدية شيئا، وقد اختلف في أن يرثه من ماله لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه وليأخذ من ماله، فأحب إلي أن يرث من ماله، ولا يرث من ديته»، انتهى، وهذا الذي قاله الإمام توجيه حسن، لكنه لا يقوى أن يقف في مواجهة العموم الذي مر بك في قول النبي ﷺ: «ليس للقاتل ميراث»، قال في سبل السلام (٣/ ١٠١): «وذهبت الهادوية ومالك إلى أنه إن كان القتل خطأ ورث من المال دون الدية، ولا يتم لهم دليل ناهض على هذه التفرقة، بل أخرج البيهقي عن خلاس أن رجلا رمى بحجر، فأصاب أمه، فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي ﵁ فقال له علي: «حقك من ميراثها الحجر»، فأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا»، انتهى.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
في إسقاط جنين الأمة من سيدها ما في جنين الحرة
وفي إسقاط جنين الأمة من غير سيدها عشر قيمتها
• قوله:
٦٨ - «وفي جنين الأَمَة من سيدها ما في جنين الحرة، وإن كان من غيره ففيه عشر قيمتها».
أما أن جنين الأمة من سيدها فيه ما في جنين الحرة، فقد اتفق على ذلك أهل العلم كما قال في بداية المجتهد، ولأن الجنين حر، وأما إن كان من غير السيد سواء أكان من زوج حر أو عبد أو من زنا ففيه عشر قيمتها، فلأن الغرة مقدرة بعشر دية الأم، ودية الأمة قيمتها، فدية جنينها عشر قيمتها، وقد تبين لك أن القول بقيمة الغرة دافعنا إليه افتقاد الأصل الذي هو الغرة اليوم، ومع ذلك فإن أدلة دية الجنين جاءت مطلقة من غير بيان الفرق بين حمل الأمة من سيدها أو من غيره، فالصواب إبقاؤها على هذا الإطلاق، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
• قوله:
٦٩ - «ومن قتل عبدا فعليه قيمته».
مر بك افتقار القائلين بعدم القصاص بين الحر والعبد إلى الدليل، ولا فرق عند القائلين بعدم القصاص في قتل المملوك بين العمد والخطإ في كون الواجب هو قيمته بالغة ما بلغت، ولو كانت أكثر من دية الحر، غير أنه ينضاف إليها في العمد التعزير فيما يظهر، إلا أن يقتل غيلة ففيه القود لحق الله، والعلم عنده.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
تقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن تولى القتل أحدهم
• قوله:
٧٠ - «وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل بعضهم».
لا تظنن أن هذه المسألة مكررة مع ما تقدم في قتل الجماعة بالواحد في قول المؤلف «والنفر يَقْتُلُونَ رجلا فإنهم يُقْتَلُونَ به»، فإن تلك فيما إذا اشتركوا في قتله بالفعل، أو كان بينهم تمالؤ وتعاون عليه، أما حال الحرابة والغيلة فلا يشترط فيه التمالؤ ولا التعاون لأنهم كذلك في الأصل، وكذبك يقتل الربيئة، وهو الذي يرقب ليرى من يجيء، وتشمل الحرابة قطع الطريق لمنع المرور أو أخذ المال المعصوم، والغيلة تقدم معناها، وهي من أفراد الحرابة، والحرابة لا يشترط فيها التكافؤ في الدماء، بل يقتل فيها الحر بالعبد والمسلم بالذمي، ولا يجوز فيها العفو عن القاتل لحق الله تعالى، وسيأتي الكلام عليها.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
كفارة القتل الخطإ عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين
• قوله:
٧١ - «وكفارة القتل في الخطإ واجبة: عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين».
من إعظام الله تعالى لشأن قتل النفس أن جعل في عمده القصاص، إلا أن يعفو الأولياء أو بعضهم ففيه الدية إن طلبوها، وفي خطئه تعويض أولياء المقتول بالدية تطييبا لخواطرهم، وتعويضا لهم عما فاتهم بقتل صاحبهم، إلا أن يعفى عنها أو عن بعضها، وكما تجب الدية متى كان القاتل بالغا عاقلا تجب ولو كان القاتل صبيا أو مجنونا لأنها من خطاب الوضع، ثم الكفارة لحق الله سبحانه، ولما في القتل من الخطر، ولاحتمال تقصير القاتل في التوقي والحذر، شرعت الكفارة، مع أن الإثم مرفوع عنه لقول الله تعالى ذاكرا ما يدعوه به صالحو عباده: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا قال الله: نعم، أي أنه سبحانه قَبِلَ هذا الدعاء بعدم المؤاخذة من عباده، والكفارة غير معهودة في الخطإ إلا في قتل النفس وهي في غيره جبران، وهي شيئآن على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد الرقبة، كما هو الحال اليوم، أو لم يقدر على ثمنها فليصم شهرين متتابعين، فإن عجز عنهما تربص وقت القدرة، ولا يجزئه الإطعام، والقول به عند العجز اعتمادا على قياس القتل على الظهار فيه نزاع، وانظر تفسير ابن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
واعلم أن الكفارة تكون بعدد القتلى، فمن قتل ثلاثة أنفس فإن عليه ثلاث كفارات،
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وهكذا إذا تعدد القاتلون كما لو قتل شخصان نفسا واحدة فإن على كل منهما كفارة بخلاف الدية فيشتركان فيها مناصفة، ولما كانت الكفارة قربة فإن القاتل الكافر لا يطالب بها، كما لا يطالب بها العبد لكونه لا يملك، لكن ما ذا لو قيل إذا سقط عنه ما فيه مال، فلم يسقط عنه ما يليه والله تعالى يقول: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، والميسور لا يسقط بالمعسور؟، ولا كفارة في قتل كافر، لأن المنصوص في القرآن قتل المؤمن، ولا في قتل عبد، قال القرطبي: «وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، فكذلك قوله ﵇ «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، أريد به الأحرار خاصة»، انتهى، وقد ذكر هذا محتجا على عدم الاقتصاص من الحر للعبد، ولينظر
[ ٤ / ٢٧٨ ]
من عفي عنه في العمد كفر ندبا كما يكفر المخطئ
• قوله:
٧٢ - «ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له».
قال القرطبي مبينا الحكمة من فرض الكفارة التي هي عتق الرقبة المؤمنة: «واختلفوا في معناها، فقيل أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم، وقيل أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان لله ﷾ فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يَخْلُ قاتِلُه أن يكون فَوَّتَ منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى وجوب الكفارة عليه منه،،،»، انتهى.
قال كاتبه: كلام القرطبي يدل على أن المعتمد في القول بالكفارة على القاتل عمدا عند أهل المذهب القياس الأولوي، وهو يقتضي الإيجاب، لكن المذهب أن الكفارة في قتل العمد مستحبة فظهر أن مستندهم ليس القياس، نعم اعتمد الشافعي القياس، فقد قال: إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله في العمد بمسقط ما قد وجب في الخطإ»، انتهى.
قلت: الظاهر خلافه، فإن القياس في العبادات نادر أو منعدم، وهذا نظير قياسهم وجوب قضاء الصلاة ممن تركها متعمدا على الناسي والنائم، وعمدة من ذهب إلى الكفارة في القتل العمد إذا عفى عن القاتل حديث واثلة بن الأسفع قال: أتى النبي ﷺ نفر من بني
[ ٤ / ٢٧٩ ]
سُليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ومما رأوا استحباب الكفارة فيه كل قتل عمد حصل فيه العفو، أو لم يُقَدْ من الجاني لعدم التكافؤ كقتل الحر العبدَ والذمي، وكذلك إذا كان قتل العبد والذمي خطأ فإن الكفارة إنما جاءت في المؤمن، ومما تستحب فيه الكفارة إسقاط الجنين، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
• قوله:
٧٣ - «ويقتل الزنديق ولا تقبل توبته وهو الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام».
لما أنهى الكلام على القتل العمد والخطإ والجراح وما تعلق بها من الدية والكفارة، وهي جناية على الغير ذكر هنا عقوبة من جنى على الدِّينِ بالخروج منه، وهو أعظم الجنايات، وأكبر الذنوب، لكونه رجوعا إلى الكفر بعد الإيمان، وذلك إما قول أو فعل أو اعتقاد، وقد يكون علنا وهو المسمى ردة، أو خفية وهو الزندقة،
أما الزنديق فهو كما عرفه المؤلف من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي كان يُدْعَى منافقا في عصر النبوة، وقد قالوا إن أصل الكلمة فارسي ولفظها «زان دين»، أي خافي الكفر، فصارت بعد التعريب «زنديق»، فهذا إن ثبت عليه ما ذُكِرَ قُتِلَ، تاب أو لم يتب، بيد أنه إن تاب قُتِلَ حدا، وكذلك إذا أنكر ما شهدت البينة به عليه من الزندقة، وإن لم يتب قُتِلَ كفرا، والفرق بينهما أن من قُتِلَ حدا فماله لوارثه، وأما الثاني كأن اعترف ولم يتب، فإن ما تركه يجعل في بيت مال المسلمين.
وقد روى البخاري وأصحاب السنن عن عكرمة قال: «لما بلغ ابن عباس ﵄ أن عليا ﵁ حرق المرتدين أو الزنادقة، قال: «لو كنت أنا لم أحرقهم، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»، ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله»، وفي الموطإ (١٤١١) عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من غير دينه فاضربوا عنقه»، وهو مرسل كما ترى.
أما أنه لا تقبل توبته فقد عللوا ذلك بأن حاله لا ينضبط لفساد طويته وخبثه، فإنه لم يعالن بالكفر كما هو شأن المرتد، بل أخفاه حتى اطُّلِعَ عليه، وقد استدل مالك بالحديث المتقدم على قتل الزنديق فقال مع بعض التصرف: «ومعناه فيما نُرى والله أعلم أن من
[ ٤ / ٢٨١ ]
معنى الزنديق ووجه عدم قبول توبته
خرج عن الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فإن أولئك إذا ظُهر عليهم قُتِلوا ولم يُستتابوا، لأنه لا تعرف توبتهم، فلا أرى أن يُستتاب هؤلاء، ولا أن يُقبل منهم قولهم، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ»، انتهى، وبَيَّنَ بعد ذلك أن هذا الحديث ليس على عمومه، فلا يشمل من بدل دينه من غير المسلمين، وقد اعتمد مالك في التفريق بين الزنديق لا يستتاب والمرتد يستتاب بالإضافة إلى ما تقدم على أثر محمد بن عبد الله بن عبد القاري الذي سيذكر في فقرة قتل المرتد، أما إن جاء الزنديق تائبا قبل الاطلاع عليه فإن توبته تمنع قتله.
فإن قلت: إذا كان الزنديق هو المنافق فما ذا يقال عن عدم قتل النبي ﷺ المنافقين خشية أن يقال إن محمدا ﷺ يقتل أصحابه فيكون ذلك سببا في التنفير من الإسلام؟، فالجواب: أن المانع من قتلهم معلل بعلة وقد زالت فيصدق عليهم الأحاديث القاضية بقتل المرتد إذ لا فرق بين المرتد والزنديق بل أمر الزندقة أخطر كما سبق.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
يقتل الساحر ولا تقبل توبته
• قوله:
٧٤ - «وكذلك الساحر ولا تقبل توبته».
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]، نفى الله تعالى عن سليمان ﵊ السحر الذي نسبه إليه اليهود، بأن نفى عنه الكفر، فدل على أن الساحر كافر، وحكم بكفر الشياطين الذين يُعَلِّمُون الناسَ السحر، فدل على أن معلم السحر كافر، وذكر عن هاروت وماروت قولهما لمن يعلمانه السحر ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وظاهره كفر متعلم السحر، ومذهب مالك أن تعلمه بمجرده كفر، والاستدلالات المتقدمة في الآية محتملة، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٣]، فنفى عنه الفلاح أنى تَوَجَّهَ.
ومن أدلة قتل الساحر ما رواه الترمذي والدارقطني والحاكم عن جندب قال، قال رسول الله ﷺ: «حد الساحر ضربة بالسيف»، لكن في سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قِبَلِ حفظه، وقال الشوكاني في السيل (٤/ ٣٧٤) بعد أن ذكر كلام وكيع بن الجراح في توثيق إسماعيل المذكور: «ويؤيده عمل الصحابة واشتهاره بينهم من غير نكير، حتى وقع من حفصة زوج النبي ﷺ، فإنها قتلت جارية سحرتها كما رواه مالك في الموطإ وعبد الرزاق، وأخرج أحمد وأبو داود وعبد الرزاق والبيهقي أن عمر بن الخطاب كتب قبل موته بشهر: «أن اقتلوا كل ساحر وساحرة»، ولا يصح الاحتجاج على عدم القتل بتركه ﷺ قتل اليهودي الذي سحره، فإنه إنما ترك ذلك لئلا يثير على الناس شرا،،،»، انتهى.
قلت: وقيل دل عدم قتله ﷺ من سحره على أن الساحر إذا لم يفعل بسحره ما لا
[ ٤ / ٢٨٣ ]
يقتل؛ فلا قتل عليه، والأقوى أنه ترك ذلك للعلة التي نص عليها النبي ﷺ، والقول شريعة عامة فيقدم على الفعل كما هو معلوم عند أهل الأصول، وأثر حفصة الذي أشار إليه الشوكاني رواه مالك (١٥٨٥) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت»، وقد وصله غير مالك، وما جاء من إنكار عثمان بن عفان ﵁ على حفصة -رضي الله تعالى عنها- قتل جاريتها الساحرة فقد راجعه في ذلك ابن عمر فسكت عثمان، وتؤول إنكاره على أنه إنما أراد كراهة ذلك دون الرجوع إليه قبل قتلها.
وقد ترك مالك أثرا عن عائشة أَوْرَدَهُ في موطئه بآخرة لمخالفته ما في أثر حفصة، فلم يروه يحيى بن يحي الليثي وبعض ممن روى الموطأ، لكنه في موطإ أبي مصعب الزهري (٢٧٨٢) عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها أعتقت جارية لها على دبر منها، ثم إنها مرضت بعد ذلك ما شاء الله، فدخل عليها سندي فقال: إنك مطبوبة، فقالت: من طبني؟، فقال: «امرأة من نعتها كذا وكذا، وفي حجرها صبي قد بال»، فقالت عائشة: ادع لي فلانة لجارية لها تخدمها، فوجدوها في بيت جيران لها، في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى أغسل بول الصبي، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: سحرتني؟، فقالت: نعم، فقالت: لِمَ؟، فقالت: أحببت العتق، فقالت عائشة: «فو الله لا تُعتقينَ أبدا»، فأمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكتها، ثم قالت: «ابتع لي بثمنها رقبة حتى أعتقها»، ففعلت،،، «انتهى المراد منه، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٥٩) بعد أن أورد هذا الأثر: «وفيه أن السحر حق، وأنه يؤثر في الأجسام، وإذا كان لم يُؤمن منه ذهاب النفس، وفيه أن الغيب تدرك منه أشياء بدروب من التعليم فسبحان مَنْ عِلْمُهُ بلا تَعَلُّمٍ، ومن يعلم الغيب حقيقة لا كمن يعلمه من يخطئ مرة، ويصيب أخرى تخرصا وتظننا، وفيه إثبات النشرة وأنها قد ينتفع بها، وحسبك ما جاء فيها من اغتسال العائن للمعين، وفيه أن الساحر لا يُقْتَلُ إذا كان عمله من السحر ما لا يَقْتُلُ»، انتهى.
قلت: أثر عائشة -رضي الله تعالى عنها- وإن كان رجاله ثقات إلا أن فيه ما لا يرتضى، وما لا يظن بأم
[ ٤ / ٢٨٤ ]
المؤمنين قبوله والعمل عليه، ولعل مالكا إنما أسقطه بآخرة لهذا المعنى لا لمجرد معارضته لأثر حفصة، فإنه قد أثبت المتعارض في غير باب من المرفوع فكيف بالموقوف، والله أعلم.
وإذا فرق الساحر بين المرء وزوجه، أو أذهب عقل أحد، قُتِلَ من غير استتابة إذا كان يسر بذلك واطلعنا عليه، أما إن كان مجاهرا فإنه يقتل قتل المرتد بعد الاستتابة، فإن جاء تائبا قبل الاطلاع فلا يقتل، على أن يضمن ما أتلف بالاقتصاص منه، أما من استأجر شخصا ليسحر غيره فإنه يؤدب ويعزر، والضامن هو المباشر للفعل، وكل هذا في المسلم إذا سحر، أما الذمي الساحر فإنه لا يقتل، بل يؤدب إلا أن يدخل ضررا على أحد من المسلمين فإنه يكون بذلك ناقضا لعهده فيقتل إلا أن يسلم، وقال سحنون يقتل إن عثر عليه إلا أن يسلم، وجه الأول أن السحر كفر والذمي كافر، فمع عدم إلحاق الضرر لم يزدد شيئا، ووجه الثاني النظر إلى ما في السحر من الفساد فهو فساد على كفر.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
يقتل المرتد إلا أن يتوب
• قوله:
٧٥ - «ويقتل من ارتد إلا أن يتوب، ويؤخر للتوبة ثلاثا وكذلك المرأة».
قتل المرتد متفق عليه بين المسلمين في الجملة، والخلاف إنما هو في قتل المرأة، ولا بد في المذهب من استتابته ثلاثة أيام يعرض عليه الرجوع عما ارتد به عن دينه، من غير تعذيب ولا تجويع ولا تخويف، وقد استدل مالك على استتابة المرتد بأثر محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري أنه قال قدم على عمر بن الخطاب رجل من قِبَلِ أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس فأخبره ثم قال له عمر: «هل كان فيكم من مغربة خبر»؟، فقال: «نعم، رجل كفر بعد إسلامه»، قال: «فما فعلتم به»؟، قال: «قربناه فضربنا عنقه»، قال عمر: «أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله»؟، ثم قال عمر: «اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أَرْضَ»، وهو في الموطإ (١٤١٢)، وقد قبل النبي ﷺ توبة عبد الله ابن سعد بن أبي سرح بعد أن أمر بقتله يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ﷺ.
والظاهر أنه لا يكفي في توبة المرتد أن ينطق بالشهادتين، بل برجوعه عما ارتد به كإنكار واجب أو استحلال محرم، أو تحريم مباح مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من بدل دينه فاقتلوه»، والظاهر من قوله من بدل دينه عموم تبديل الدين كأن يخرج من النصرانية إلى اليهودية، أو العكس، لا خصوص تبديل دين الإسلام، ووجهه ما فيه من التلاعب وعدم ضبط أحوال الناس، ولكنه عند غالب العلماء مراد به تبديل دين الإسلام وهو قول مالك في الموطإ، ووجهه أن الكفر ملة واحدة، والرواية الأخرى عن مالك على وفق عموم الحديث، لكنه مخصوص إجماعا بما عدا من أسلم، وبما عدا المكره بنص كتاب الله، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق لجماعة»، رواه
[ ٤ / ٢٨٦ ]
الشيخان، والتارك لدينه فيما يظهر مختص بالمسلم يرتد، لأن الجماعة المعتبرة شرعا إنما هي جماعة المسلمين، فاعجب لمن يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام ويزعمون أنهم يجتهدون في تحسينه للناس مع أنهم لا يفتأون ينكرون بعض أحكامه لظنهم أن ذلك يزينه في أنظار الكفار وبجعله متفقا مع ما يزعم من حقوق الإنسان، ومنها حرية المعتقد، ويقولون لهم إن الإسلام كفل حرية الدين للناس فلا دليل على قتل المرتد في شرعته، لقد قال هذا رجل يدعى (طه جابر العلواني)، وهو وأمثاله يموهون بظواهر من الأدلة لا يستقيم لهم الاحتجاج بها وهم بهذا وغيره قد خرجوا عن إجماع المسلمين منها قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهذا في الإكراه على الدخول في الإسلام كما جاء ذلك في سبب النزول، ولأن أصل الدين عمل قلبي مؤسس على الاقتناع فلا يتأتى الإكراه عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩] أما الردة فأمر آخر يتعلق بحماية الدين من العبث والتلاعب، وسواء أقلنا بالاستتابة أم بعدمها فإن هذا الحكم لا إكراه فيه بل هو عقوبة كسائر العقوبات، وإلا فما ذا سيقول هؤلاء في بقية الحدود أيعطلونها بزعمهم هذا أيضا، فالظاهر أن المراد من تشغيبهم هذا ليس إلا الإجهاز على البقية الباقية في نفوس المسلمين من اعتقاد مشروعية هذه الحدود ووجوبها، وإلا فإنها معطلة، نسي القوم قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وتغيير أمر تعطيلها بالقلب، بل عَمُوا عما يفعله الكفار أنفسهم من قتل من يخون وطنه، فهل هان عليهم دينهم فأصبح أقل أهمية من حفنة تراب؟، مع أننا نعلم أن قتل المرتد غير معمول به في معظم بلدان المسلمين، بل ولا قدرة للواحد من الكثير منهم على فسخ نكاح المرتد من ابنته أو أخته، بل من ذا الذي يقدر على منعه من الميراث، بل ومن أن يدفن في مقابر المسلمين؟، فلم يكتفوا بكون هذا الحكم معطلا، بل أرادوا إبطال اعتقاد كونه شرعا منزلا، وإن لم يشعروا، فالله حسيبهم.
ومما يرتد به المسلم عياذا بالله تعالى أن ينكر معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، أو حل النكاح بشرطه، أو وجوب تغطية المرأة ما عدا
[ ٤ / ٢٨٧ ]
لا فرق بين الرجل والمرأة في الردة
وجهها وكفيها عن غير المحارم والزوج، أو ينكر مباحا معلوم الإباحة كالبيع، ومنها أن يسجد لصنم، أو يلقي المصحف أو بعضه في القذر، أو يستهزئ بشيء من أحكام الله تعالى بعد أن يثبت عنده أنه من الدين فضلا عن أن ينكر شيئا من العقائد القطعية كالجنة والنار ولزوم دخول النار كل من مات مشركا كافرا، أو يسب الله تعالى، أو رسوله ﷺ، أو يطعن في عرض أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- لكونه مكذبا بالقرآن الذي بَرَّأَهَا، واختلف في تارك الصلاة عمدا من غير جحود وسيذكره المؤلف
وقوله «وكذلك المرأة»، أي تقتل المرأة إذا ارتدت، لكن الحامل تؤخر حتى تضع حملها، وتجد من ترضعه أو تفطمه، وإنما نص على قتل المرأة للرد على من قال إنها لا تقتل لما رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن عن ابن عمر أن امرأة وجدت مقتولة في بعض المغازي فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان»، وجاء النهي عن قتل المرأة والعسيف - وهو الخادم - في سنن أبي داود والنسائي عن الرباح بن الربيع التميمي، وفيه قوله عن المرأة: «ما كانت هذه لتقاتل»، والجواب أن الحديث الذي ساقوه حجة لهم وَرَدَ في الكوافر فلا يُقْتَلْنَ إذا لم يقاتلن، وقد علل النبي ﷺ النهي بقوله ما كانت هذه لتقاتل، وكلامنا في المسلمة إذا ارتدت، ويلزمهم أن يطردوا عموم ترك القتل ليشمل حالة القصاص والزنا والحرابة، أو يكونوا متناقضين، بل إن القتل لأجل الردة أعظم من القتل لأجل المعصية، فأقل ما يقال إن عموم النهي عن قتل النساء غير محفوظ، وعموم قتل المرتد مختلف فيه، فيكون أولى بالتقديم، والعلم عند الله.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
حكم من أقر بوجوب الصلاة ولم يصل
• قوله:
٧٦ - «ومن لم يرتد وأقر بالصلاة وقال لا أصلي أُخِّرَ حتى يمضي وقت صلاة واحدة فإن لم يصلها قُتِلَ».
دلّ على هذا في الجملة قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
فإن قلت: لا يلزم من القتال القتل، فالجواب: أن القتال قد يلزم منه القتل فإن من يقاتل على الشيء إذا لم يرجع عنه جاز قتله، فإن قلت: فما الجواب عن كون الزكاة لا يقتل الممتنع من إعطائها؟، قلت: دل الدليل على عدم قتله إذا أمكن أخذها منه قهرا كما سيأتي، لكنه يُقْتَلُ إن جحد وجوبها، وقال النبي ﷺ: «نهيت عن المصلين»، رواه الطبراني عن أنس، ومفهومه أنه لم ينه عن قتل غير المصلين، فمن أقر بوجوب الصلاة غير أنه تركها متعمدا فإنه يؤمر بأدائها، فإن أبى أُخِّرَ مقدار ما تصلى فيه ركعة مع سجدتيها من الوقت الضروري ثم يُقْتَلُ، لأن الصلاة تدرك بذلك المقدار كما جاء في حديث أبي هريرة عند مالك والشيخين، ويقتل ولو قال أصلي، لكنه يقتل حدا لا كفرا، أي أنه يغسل ويكفن ويصلي عليه غير الفاضل، ويدفن في مقابر المسلمين، لكن إن قيل له أتصلي أم تقتل؟، فاختار القتل على الصلاة، فالظاهر أنه جاحد فَيُقتل لأجل الردة، قاله ابن تيمية ﵀، وقال خليل ﵀: «ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا، ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره، لا فائتة على الأصح، والجاحد كافر»، فانظر أيها المؤمن فإن هذا فيمن ترك فرضا واحدا لا فيمن ترك الصلاة أصلا.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
من منع الزكاة أخذت منه قهرا
• قوله:
٧٧ - «ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها».
هذا إذا لم يجحدها لأنه يمكن استيفاؤها منه قهرا، بخلاف الصلاة، فإن امتنع من أدائها ولزم لذلك مقاتلته قوتل، فإن قُتِل فدمه هدر، كما فعل أبو بكر ﵁ مع مانعي الزكاة، وقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، ولقول النبي ﷺ: «في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قوله مؤتجرا من أجر وهو حال من فاعل أعطاها، أي طالبا الأجر من الله، فالائتجار هو الاحتساب، وقوله وشطر ماله بالنصب معطوف على الضمير المتصل المنصوب بالوصف في قوله آخذوها، هذا في عون المعبود، والصواب: أن الضمير المتصل مجرور بالإضافة وشطر منصوب بعد واو المعية، وشطر المال نصفه أو بعضه، وقيل إن الراوي أخطأ في هذه اللفظة، وإنما الأصل فإنا آخذوها من شطر ماله، أي نجعل ماله شطرين، فنأخذ الزكاة من أفضلهما عقوبة له، والذي فروا منه وهو كون العقوبات المالية منسوخة أو غير معروفة، وأن من أتلف شيئا إنما يضمن مثله لم يخرجوا منه بهذا التأويل، لأن أخذ الأفضل هو عقوبة أيضا، فيكون في الحديث دليل على عقوبة مانع الزكاة، والأدلة على العقوبة المالية كثيرة مرفوعة وموقوفة والجمهور على خلاف ذلك، ونقل بعضهم الإجماع على المنع، والعزمة بفتح العين وسكون الزاي الشدة في الأمر والوقوف فيه، والمراد أن أخذ الزكاة قهرا من الممتنع مع شطر ماله أمر مفروض، والعزائم تقابل الرخص، وانظر التلخيص الحبير عند الحديث (٨٢٩)، وعون المعبود (٤/ ٣١٦)، وقد استشكل أخذ الزكاة من الممتنع قهرا مع أن النية فيها مطلوبة، وأين النية من الإكراه؟، حتى أخذ من ذلك بعضهم أن النية لا تشترط في إخراج الزكاة، والجواب: أن الظاهر أنه وإن كفى المكلفَ ذلك الأخذُ إلا أنه غير مثاب عليها، بل هو معاقب على الامتناع من أدائها، فلا حجة في الحديث على عدم اشتراط النية
[ ٤ / ٢٩٠ ]
من ترك الحج من القادرين عليه فالله حسيبه
• قوله:
٧٨ - «ومن ترك الحج فالله حسيبه».
أي أن من ترك الحج فأمره إلى الله تعالى يحاسبه فلا يتعرض له، وعللوا ذلك بإمكان عدم توفر الاستطاعة التي نيط بها الإيجاب، ولأن الحج فرض على التراخي على أحد القولين، وحسب المستطيع إن لم يحج أن الله تعالى بعد أن بين افتراضه الحج على المستطيع قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جِدَةٌ ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين»، رواه سعيد بن منصور بسند صحيح كما في التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٧)، ولينظر الدر المنثور للسيوطي، والجدة بكسر الجيم وفتح الدال مخففة؛ هي اليسار والسعة:
إن الشباب والفراغ والجده … مفسدة للمرء أي مفسده
[ ٤ / ٢٩١ ]
حكم من ترك الصلاة جحدا
• قوله:
٧٩ - «ومن ترك الصلاة جحدا لها فهو كالمرتد يستتاب ثلاثا فإن لم يتب قُتِلَ».
لا خصوصية لجحد الصلاة، بل مثلها جحد كل ما كان معلوما من الدين بالضرورة، ومثله على الراجح إنكار المشهور المجمع عليه متى كان منصوصا، واختلف في تكفير قديم العهد بالإسلام إذا أنكر مجمعا عليه من غير المشهور، مما ليس منصوصا نحو القراض، وإنما اشترطوا في المشهور كونه منصوصا للاحتياط، لأن بعض أهل الأصول يرون أن الإجماع لا يقع إلا بالاستناد إلى نص، وقد أشار إلى هذا التفصيل صاحب المراقي ﵀، والسلف في البيت الأخير من كلامه فاعل الفعل اختلف، قال:
والكافر الجاحد ما قد أُجمعا … عليه مما علمه قد وقعا
عن الضروري من الديني … ومثله المشهور في القوي
إن كان منصوصا وفي الغير اختلف … إن قدم العهد بالإسلام السلف
[ ٤ / ٢٩٢ ]
يقتل من سب رسول الله د ولا تقبل توبته
• قوله:
٨٠ - «ومن سب رسول الله ﷺ قُتِلَ ولا تُقْبَلُ توبته».
حكى ابن المنذر الإجماع على قتل من سب رسول الله ﷺ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]، وقد أمر النبي ﷺ بقتل أناس كانوا يؤذونه بالسب ويهجونه بالشعر وهم كفار، فكيف بمن فعل ذلك من المسلمين؟، ومن هؤلاء كعب بن الأشرف اليهودي، أرسل إليه النبي ﷺ محمد بن مسلمة مع نفر آخرين، وقال عنه: «قد استعلن بعداوتنا وهجائنا»، وفي الصحيح قوله عنه: «إنه يؤذي الله ورسوله»، ومنهم عبد الله بن خطل وجاريتاه اللتان كانتا تغنيان شعره الذي هجا به رسول الله ﷺ، فمن سب من المسلمين المكلفين النبي ﷺ أي شتمه أو لعنه أو قذفه أو استخف بحقه أو غَيَّرَ صفته، أو ألحق به نقصا في دينه أو عقله أو غض من منزلته التي أعطاها الله له، أو طعن في وفور علمه بالله تعالى أكثر من غيره من المسلمين، أو قال إن منزلته دون الأولياء والصالحين، أو نسب إليه ما لا يليق به على طريق الذم، وهكذا إذا قال أنه ليس بشرا، أو قال أنه يعلم الغيبَ مُطلقًا، ومثله في ذلك سائر الأنبياء المتفق على نبوتهم وكذا الملائكة، فمن حصل منه شيء من ذلك عياذا بالله تعالى فإما أن يتوب أولا، فإن تاب قُتِلَ حدا، وإن لم يتب قُتِلَ كفرا، وإنما لم تنفعه التوبة في دفع الحد عنه لأنه بمثابة الزاني، وشارب الخمر والقاذف لا تنفعه التوبة في إسقاط الحد عند الجمهور، ولأنه مرتد بما فيه حق الغير، بخلاف الحرابة كما سيأتي، فهو يشبه الزنديق، وهو لا تعرف له توبة، قالوا ولا تقبل له توبة ولو لم نطلع عليه حتى جاء تائبا، وفرقوا بينه وببين الزنديق بأن حق الزندقة لله تعالى فيسقط بالتوبة وسب النبي ﷺ حق آدمي فلا يسقط، قالوا ويقتل ولو ظهر أنه لم يرد ذم النبي ﷺ لجهل أو سكر أو تهور في الكلام ولا تقبل منه دعوى سبق اللسان، ولا دعوى سهو ولا نسيان، وهذه الأمور وإن كان في بعضها نظر، لكن قول
[ ٤ / ٢٩٣ ]
بعض أهل العلم بها فيه عبرة لمن اعتبر، ولا حجة في عدم قتل الأحمق المطاع بعد قوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، إما لأن قتل المرتد لم يكن قد تقرر بعد، أو لغير ذلك مما يعتور الفعل، أما القول فشريعة عامة فهو مقدم، أما أن يحتج لعدم قبول توبة شاتم الرسول بأن النبي ﷺ لم يَدْعُ كعب بن الأشرف إلى التوبة، فليس كما ينبغي لأنه كان يهوديا، نعم يتجه الاحتجاج بعدم قبوله توبة عبد الله بن خطل، فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة مع كونه كان كافرا فالمسلم أولى بهذا الحكم.
وقد روى ابن حزم في المحلى (١١/ ٤١٠) عن أبي برزة الأسلمي قال: «أغلظ رجل لأبي بكر الصديق، قلت: «ألا أقتله»؟، فقال أبو بكر: «ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ»، وهذا يدل على أن ساب النبي ﷺ عنده كافر، والأثر هذا رواه أبو داود والنسائي عن أبي برزة وفيه قول أبي بكر ﵁: «لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد ﷺ»، واللفظ المتقدم يبين مراد أبي بكر من قوله هذا، وهو أنه لا يقتل ساب غير النبي ﷺ، لا أن مراده أنه ليس له أن يقتل من لم يرتكب إحدى الثلاث التي هي الزنا بعد الإحصان، أو الكفر بعد الإيمان، أو النفس بالنفس، وروى ابن حزم أيضا عن عبد الحميد بن الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه كان على الكوفة لعمر بن عبد العزيز فكتب إليه: «إني وجدت رجلا بالكوفة يسبك، وقامت عليه البينة فهممت بقتله، أو قطع يده، أو قطع لسانه، أو جلده، ثم بدا لي أن أراجعك فيه»، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: «سلام عليك، أما بعد: والذي نفسي بيده لو قتلته لقتلتك، ولو قطعته لقطعتك، ولو جلدته لأقدته منك، فإذا جاءك كتابي هذا فاخرج به إلى الكناسة فسبه كالذي سبني، أو اعف عنه فإن ذلك أحب إلي، فإنه لا يحل قتل امرئ مسلم يسب أحدا من الناس إلا رجلا سب رسول الله ﷺ»، انتهى، وروى أبو داود والنسائي والدارقطني عن عكرمة قال: حدثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ، وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ، فجمع الناس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام»، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل
[ ٤ / ٢٩٤ ]
حتى قعد بين يدي النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ: «ألا اشهدوا أن دمها هدر»، قال الحافظ في بلوغ المرام رواته ثقات، والمغول بكسر الميم وسكون الغين المنقوطة، وفتح الواو، سيف قصير يخبأ تحت الثياب أو هو الخنجر في عرف اليوم.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
حكم من سب رسول الله د من أهل الذمة
• قوله:
٨١ - «ومن سبه من أهل الذمة بغير ما به كفر أو سب الله ﷿ بغير ما به كفر قتل إلا أن يسلم».
وهذا لأن كفر الكافر فيه الاستنقاص، فإذا كان استنقاصه بما به كفر فلا يؤاخذ به لأن الشرع قد أقره، وأمنه على نفسه وماله مع قيله ذلك واعتقاده إياه، ومثاله أن يقول عن النبي ﷺ ليس هو آخر المرسلين، ولا بعث للناس أجمعين، ولا أن شريعته خاتمة شرائع النبيين، أو يقول عن مولانا ﷾ ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو ابن الله أو أن عزير بن الله، فهذا من دينه الباطل الذي أقر عليه فهو كذلك إلى نزول عيسى ﷺ حيث لا يقبل منهم حينئذ غير الإسلام، أما ما ليس من دينهم كأن يقول عن النبي ﷺ حاشاه - إنه بخيل، أو ليس بعالم، أو غير ذلك من الألفاظ المزرية، أو يقول عن الله تعالى إنه عاجز أو شحيح أو كاذب فهذا يُقْتَلُ إلا أن يسلم، لأن حامله عليه الاستنقاص المستأنف لا الاعتقاد المقر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولأن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» كما في الصحيح.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
• قوله:
٨٢ - «وميراث المرتد لجماعة المسلمين».
يعني أن ميراث المرتد الذي يُقْتَلُ لأجل ردته أو يموت حتف أنفه هو لجماعة المسلمين أي يوضع في بيت المال إن كان، فهو من جملة الفيء، ولو كان ورثته كفارا شرط أن يكون حرا، أما العبد فماله لسيده، فإن تاب برجوعه إلى الإسلام فإن ماله يرد إليه ولو عبدا، وقد احتج لهذا بقول النبي ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أسامة بن زيد ﵁، لكن هذا كما ترى ليس فيه إلا منع ميراث المسلمين له، فيمكن أن يقال يرثه ورثته من غير المسلمين، كما قال به علي بن أبي طالب، إذ لا دليل على استثناء المرتد من عموم الكافر في الحديث، ويحتمل أن يرثه أهل دينه الجديد، لأنه منهم، ويحتمل أن يكون ماله فيئا، وهذا هو الأقوى، لأن غيره إما مخالف للنص أو فيه دفع المال الذي للمسلمين إلى غيرهم، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
المحارب لا يعفى عنه إذا ظفر به
• قوله:
٨٣ - «والمحارب لا عفو فيه إذا ظُفر به».
هذا هو حد الحرابة بكسر الحاء، والمحارب اسم فاعل من حارب، ومشهور المذهب أن الحرابة لا تختص بمن أخاف السبيل خارج الحواضر، بل العبرة بالطريقة التي يقترف بها المحارب جرمه، قال مالك ﵀: «المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة ولا ذَحْل ولا عداوة»، انتهى، والثائرة ما يحصل بين الناس من الخلافات التي تُفْضِي إلى التقاتل، والذخل بالذال المعجمة المفتوحة والحاء المبهمة الساكنة هو الثأر، هذا هو المشهور في حد الحرابة، والرواية الثانية نفى فيها أن تكون الحرابة في المصر.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: «كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين»، انتهى، المراد باليفاع الأعلى، واليفاع أعلى الجبل، وقد ذكر خليل صورا للحرابة منها قطع الطريق لمجرد منع المرور، أو أخذ المال المعصوم من المسلم والذمي على وجه يتعذر معه الغوث، أو تغييب عقل الغير لأخذ ما معه، ومخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه، ومنه من يدخل زقاقا أو دارا يقاتل ليأخذ المال، وقد ذكر مؤلفنا أن المحارب متى ظُفر به أي قبض عليه قَبْلَ أن يتوب لا يجوز العفو عنه لأن حد الحرابة حق لله تعالى وهو دفع الفساد، وسيأتي حكم ما إذا تاب قبل أن يقدر عليه.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
يقتل المحارب إذا قتل
• قوله:
٨٤ - «فإن قتل أحدا فلا بد من قتله».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
الظاهر أن الآية في المسلمين المحاربين بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن الكافر لا يقيد قبول توبته بهذا، ويؤيد ذلك أن العرنيين الذين ورد أن الآية نزلت فيهم كانوا قد أسلموا، وظاهرها تخيير الإمام في هذه الأمور الأربعة التي هي القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض، لكن الإمام إنما يختار واحدا منها بناء على اجتهاده في رعاية مصالح الإسلام ودفع الشر عن أهله كالتخيير الذي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ [محمد: ٤]، كما أنها بظاهرها تدل على عدم الجمع بين أكثر من حد، لكن للعلماء في دلالتها مذاهب:.
فقيل يقام على المحارب بقدر جرمه، ولهذا فقد يجمع عليه أكثر من حد.
وقيل إن استحق حد القتل اكتفي به لأنه يأتي على كل ما دونه.
وقيل لا ينبغي أن يصلب قبل القتل لما يترتب على ذلك من منعه من الصلاة.
وقول مالك أن الإمام مخير على ظاهر الآية، لأن الأصل في حرف أو التخيير، فإن قتل أحدا فلا بد من قتله، وهو مراد المؤلف من قوله «فلا بد من قتله» لأن عفو الأولياء عن القاتل لا يجدي في الحرابة فعفوهم خاص بما عداها من القتل العمد العدوان، قال القرطبي في تفسيره (٦/ ١٥٦): «وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب
[ ٤ / ٢٩٩ ]
لا يراعى في قتل المحارب تكافؤ الدماء
شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله»، انتهى.
ومما تختص به الحرابة عند جمهور العلماء وهو المذهب أن القاتل يُقْتَلُ من غير مراعاة تكافؤ الدماء، لأن القتل هنا ليس لمجرد القصاص وَحْدَهُ، بل انضم إليه الفساد العام من التخويف وسلب المال وغيرهما، قال خليل: «ويجب قتله ولو بكافر أو بإعانة ولو جاء تائبا، وليس للولي العفو»، انتهى، ومن ذلك أن القطع في الحرابة عند مالك إذا رآه الإمام فلا يتوقف على أخذ النصاب الذي يقيد به القطع في السرقة كما سيأتي، لأن الله تعالى ذكر ما يفعل بالمتصف بوصف الحرابة وتحتها مفردات من المعاصي ولم يقيدها بقيد فتكون أصلا، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، ولا يقاس بعضها على بعض، على أحد قولي العلماء، ولأن أخذ المال في الحرابة قد أخذ قهرا وغلبة فلا يقيد بقيود حد السرقة.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
يجتهد الإمام في عقوبة المحارب غير القاتل
• قوله:
٨٥ - «وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه وكثرة مقامه في فساده فإما قتله، أو صلبه ثم قتله، أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب».
قد تقول: لم اقتصروا في لزوم قتل القاتل في الحرابة على ما إذا قَتَل؟
قلت: لأن فيه احتياطا للدماء فإذا قَتَل كان قتله واجبا بالنص خارج حد الحرابة، وإذا ارتكب ما دون القتل لم يجب على الإمام واحد من تلك الأمور بل المرجع في تحديد واحد منها اجتهاده، فيفعل ما يراه كافيا في ردعه.
قالوا: فإن كان ذا قوة فعل به أشد العقوبة، وهو القطع من خلاف، وإن لم يكن ذا شوكة فعل به أيسر العقوبات وهو النفي إلى بلد في مسافة القصر يسجن فيه حتى يتوب، والنفي خاص بالرجال الأحرار، قال خليل مبينا ما يندب أن يراعى في تنزيل حد الحرابة: «وندب لذي التدبير القتل، والبطش القطع، ولغيرهما ولمن وقعت منه فلتة النفي والضرب»، انتهى.
وفي كلام المؤلف الجمع بين أكثر من حد وقد علمت ما فيه، لكنهم قالوا عن الصلب إنه من صفات القتل والمشهور أنه يقدم، ورأوا أنه ليس فيه جمع بين عقوبتين، وظاهر الآية أن الصلب عقوبة مستقلة، ولأن الصلب يجوز أن لا يصل إلى القتل، فإن كان بعده أمكن أن يقال إنه ليس عقوبة مستقلة، وذهب أشهب إلى أنه يجمع بين القتل والصلب على أن يؤخر الصلب، وهذا أقرب لأن المقصود اشتهار الأمر برؤية الناس حتى ينزجروا عن الحرابة، قالوا ولا يقتل على صفة يعذب بها ولا بحجارة، والصلب خاص بالرجل دون المرأة المحاربة لما فيه من كشف عورتها، أما القطع فبأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى في فور واحد لا أن يفرق بينهما في وقتين، فإن عاد إلى الحرابة قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن عاد قتل، ولعل ذلك لعدم وجود محل إقامة الحد مع تكرار الجرم، لكنه ليس بلازم.
[ ٤ / ٣٠١ ]
إذا تاب المحارب قبل أن يقدر عليه حط عنه كل حق هو لله وأخذت منه حقوق الناس
• قوله:
٨٦ - «فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبا وضع عنه كل حق هو لله من ذلك وأخذ بحقوق الناس من مال أو دم».
إن لم يظفر بالمحارب حتى جاء تائبا أو ألقى السلاح أو كاتب الحاكم باعتزامه ذلك فإنه يسقط عنه كل حق هو لله تعالى، وهو حد الحرابة أعني الأمور الأربعة المذكورة في الآية، لأن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾، راجع إليها جميعا، وخرج بقول المؤلف كل حق هو لله، أمران: حقوق الآدميين من الدماء والأموال، وحقوق الله تعالى في غير الحرابة كالزنا وشرب الخمر، ويجوز برجوع المحارب قبل القدرة عليه عفو الأولياء عن الدم من غير دية أو مع الدية على ما تقدم، وقد أشار خليل ﵀ إلى ما يسقط بترك الحرابة بقوله: «وسقط حدها بإتيان الإمام طائعا، أو ترك ما هو عليه».
[ ٤ / ٣٠٢ ]
كل واحد من اللصوص ضامن لما أتلف هو أو غيره
• قوله:
٨٧ - «وكل واحد من اللصوص ضامن لجميع ما سلبوه من الأموال»
اللصوص جمع لص، ولا يريد المؤلف بهم السراق، بل مراده المحاربون الذين الكلام فيهم، فمن ظُفر به منهم أو جاء تائبا فإنه يضمن جميع ما أتلف من الأموال، وله أن يرجع على شركائه إذا أمكنه ذلك، وسواء أخذ المال هو أو أخذه غيره وهو حاضر، لأن المعين شريك، وكل واحد من الشركاء كالكل، واختلفوا في اللصوص المجتمعين على السرقة بقيدها الآتي، فقيل كل منهم مخاطب بما أخذه، وقال ابن رشد إذا تعاونوا عوملوا معاملة المحاربين، وهذا هو الراجح، ومثلهم البغاة والغصاب، فإذا وَجَد بعضُ المغصوب منهم مالا بيد الغاصب وقَدر عليه ساغ له الاستبداد بقدر ما غُصب منه، ورد ما فضل لغيره من المجتي عليهم، ولا يتحاصون كأرباب الديون»، قاله الشيخ علي الصعيدي العدوي بتصرف.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
حكم قتل الجماعة بالواحد في الحربة
• قوله:
٨٨ - «وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم، ويقتل المسلم بقتل الذمي قتل غيلة أو حرابة».
هذه هي المرة الثالثة التي يذكر فيها المؤلف قتل الجماعة بالواحد، وذكرها هنا تكرار محض، بخلاف ما سبق، وقد تقدم دليل هذا الحكم، ولعله إنما أعاد ذكرها ليرتب عليها عدم اشتراط تكافؤ الدماء في قتل الحرابة لأن القتل ليس لمجرد القصاص، بل وللفساد أيضا، وعليه فيقتل المسلم بالكافر الذمي، لأن القتل حق لله تعالى لا للذمي، قال في الموطإ: «الأمر عندنا أن لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله مسلم قتل غيلة فيقتل به»، انتهى.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
رجم الزاني المحصن
• قوله:
٨٩ - «ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت».
عقوبة الزاني ثلاثة أشياء: الرجم والجلد، والجلد مع التغريب، والجلد من غير تغريب، وقد ذكرها المؤلف وابتدأ بالرجم.
وقد روى مالك (١٤٩٧) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت بكتاب الله»، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: «نعم فاقض لنا بكتاب الله وائذن لي»، فقال رسول الله ﷺ: «قل»، قال: «إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخْبِرْتُ أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم»، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها فاعترفت فأمر سول الله ﷺ فرجمت»، والعسيف هو الأجير وَزْنًا ومَعْنىً كما هو تفسير مالك له، ومعنى مطالبة الرجلين النبي ﷺ أن يحكم بكتاب الله هو طلب التعجيل بالحكم، وقيل إن هذا صدر من جفاة الأعراب فلا عبرة به، ويرده ما وصف به أحدهما من كونه أفقه من خصمه، ويراد بكتاب الله ما شرعه الله، لا خصوص ما في القرآن، وقيل المراد ما نسخ من آية الرجم من التلاوة مع بقاء الحكم، وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس الطويل عند البخاري، وفيه قول عمر بن الخطاب ﵁: «كان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما وجدنا الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، انتهى، والآية المنسوخ لفظها مع بقاء حكمها هي: «الشيخ الشيخة فارجموهما البتة»، قال
[ ٤ / ٣٠٥ ]
استفحال الزنا في هذا العصر لكثرة الذرائع إليه
عمر: «فإنا قد قرأناها»، لفظ مالك.
وقد قال الله تعالى في حد الزنى الذي كان قبل: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، فحكم حبس الزانية وُقِّتَ بما قبل أن يجعل الله لها سبيلا، وقد قال النبي ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت ﵁، وهو نص في الجمع بين الجلد والرجم، وجمهور العلماء على خلاف ذلك متمسكين بأن النبي ﷺ لم يجلد ماعزا ولا الغامدية، ولا تلك التي زنى بها العسيف، ولا اليهوديين، واعتبروا أن فعله ناسخ لقوله لأنه آخر الأمرين، ولأن الخليفتين بعده رجما ولم يجلدا، وإن كان علي ﵁ قد جمع بينهما، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ»، وقال بعض أهل العلم يجوز الجمع بينهما، والأفضل الاقتصار على الرجم كما كان النبي ﷺ يفعل، وهذا أولى من القول بالنسخ.
بعد هذا فلا بد من كلمة زائدة على الشرح، لاستفحال شر هذه المعصية وكثرة الوسائل إليها في هذا العصر فأقول: إن حرمة الزنا معلومة من الدين بالضرورة، فقد مدح الله عباده بتبرئتهم منها مقرونة بتبرئتهم من الشرك والقتل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وأخبر عن المفلحين من المؤمنين أنهم يحفظون فروجهم عن غير أزواجهم وما ملكت أيمانهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وكان اجتناب الزنا من جملة ما بايع عليه رسول الله ﷺ المؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢]، وقال النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت ﵁:
[ ٤ / ٣٠٦ ]
بيان بعض الذرائع التي سدها الشرع للوقاية من شر هذه الفاحشة
«بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا،،، الحديث بطوله، وقال النبي ﷺ: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه»، وهذا أشد من قول النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن،،،»، وهو طرف من حديث عن عدد من الصحابة، ونهى عن الاقتراب من الزنا لا مجرد مواقعته في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن الاقتراب نهي عن كل ما يؤدي إليه، ومع ذلك جاء التنصيص على الكثير من الذرائع إلى هذه الفاحشة الخطيرة مما هو ممنوع في نفسه مع كونه وسيلة إليها، وما ليس كذلك، فمن ذلك التبرج الذي قال فيه ربنا لأزواج النبي ﷺ وهن أمهات المؤمنين: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنها الخروج من البيت لغير حاجة فقال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ومنها النظر إلى غير المحارم والزوج، وإبداء الزينة، والضرب بالأرجل في السير وكلها مجموعة في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وما أحسن قول القائل:
وإنك مهما ترسل الطرف رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ومنها استعطار المرأة إذا خرجت قال النبي ﷺ: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فَمَرَّتْ على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية»، رواه أحمد والنسائي عن أبي موسى، وروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل»، والظاهر أن المراد الاغتسال
[ ٤ / ٣٠٧ ]
الشرعي لا اللغوي، ومنها خروج المرأة للحَمَّام من غير ضرورة قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَدْخُلِ الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدْخِلْ حليلته الحَمَّامَ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر»، رواه الترمذي والحاكم عن جابر ﵁، ومنها خَلْوَة الرجل بالمرأة غير محرمه وزوجه، لقول النبي ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، رواه أحمد عن عامر بن ربيعة ﵁، ومنها الاختلاط من غير ما ضرورة كما عليه المؤسسات التعليمية والإدارية والشركات ووسائل النقل والأسواق، وقد صار في هذا الزمان مما لا ينفك عنه الناس بل صار مفروضا في المدارس وغيرها يعاقب من خالف ذلك، ومنها لمس غير المحرم والزوج ومصافحته، وقد قال نبينا ﷺ: «لأن يُطْعَنَ في رأس أحدكم بِمَخِيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، رواه الطبراني عن معقل بن يسار ﵁، ومن ذلك سفر المرأة من غير محرم أو زوج قال النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم منها»، رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، ومنها الخضوع بالقول قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ومنها الدخول على النساء عموما والمغيبات منهن خصوصا، وهن اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وهو أمر زائد على الخلوة فيما يظهر بخلاف ما رآه فيه الترمذي ﵀، لقول النبي ﷺ: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟، قال: الحمو الموت»، رواه الشيخان والترمذي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁، وروى الترمذي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تَلِجُوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا: ومنك؟، قال: «ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم»، والمغيبات جمع المغيبة النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وأسلم هو مضارع الثلاثي سلم مسند إلى المتكلم أي فأنا أسلم من كيده فهو ﷺ وعلى آله محفوظ من خواطر السوء، ومنها عدم تزويج المحتاج إلى الزواج قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، وقال النبي ﷺ: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
[ ٤ / ٣٠٨ ]
عريض»، رواه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه عن أبي هريرة، ومنها تقنين سن الزواج بحيث تمنع المرأة من الزواج فيما دون العشرين، والرجل نحو ذلك، حتى يبلغا سنا معينا، مع أن جواز تزوج الصغيرة قد جاء في نص قرآني قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ ى ى ئى﴾ [الطلاق: ٤]، فمن أنكر جواز ذلك فقد أنكر حكم القرآن المجمع عليه، وقد ضيق بعضهم بهذا أبواب الحلال، ووسعوا أبواب الحرام تحت زعم مساواة المرأة للرجل، ومنها مساواة الرجل بالمرأة في العمل والحصول على الوظيف، وبقطع النظر عما في ذلك من المخالفات التي لا يرتاب فيها العامي من المسلمين فإن هذه التسوية لا تتلاءم مع ما يزعم من قوانين الاقتصاد وتوفير العيش للناس إذ كيف يسوى بين المرأة التي لا تنفق على نفسها فضلا عن غيرها مع من هو ملزم بالإنفاق عليها وعلى أولادها منها ومن غيرها، فهذا يتنافى مع ما يزعم في بلدان المسلمين من بناء الاقتصاد على العقلانية والنفع والمصلحة وغير ذلك مما يروج له، بل إن كثيرا من الأعمال التي تسند إلى المرأة لا داعي لها غير تقليد الكفار والسعي في استجلاب رضاهم بتحقيق مبدإ المساواة المزعوم، ومن ذلك دخول أجهزة نقل الصور إلى البيوت كالتلفاز والأقراص وغيرها، وقد أصبح التفرج عليها من الرجال والنساء وكأنه أمر مباح، مع أن الله تعالى أمر الرجال والنساء بغض أبصارهم من غير فرق بين رؤية حس، ورؤية صورة، بل النظر إلى الصورة في الجهاز أشد ضررا من أكثر من وجه، ثم استفحل هذا الأمر فلم يعد الفرد يجتمع بغيره مما قد يكون سببا في التقليل من هذا الأمر، بل صار لكل فرد جهازه الخاص بتفرج عليه على أي حال أراد، وقد سعى الشرع إلى إبعاد ما ينبه الغريزة الجنسية قبل أوانها ويعجل بظهورها، ومن ذلك الأمر بإفراد الأولاد كل بمضجع خاص به، فقد قال النبي ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع»، رواه أبو داود وغيره، ونهي أن يفضي الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ليس بينهما شيء، وأمر المرأة أن تتحفظ بحيث لا تنزع ثيابها إلا حيث تكون آمنة من أن ينظرها من لا يحل له النظر إليها، قال النبي ﷺ: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله ﷿ عنها ستره»، رواه أحمد وغيره عن أم سلمة
[ ٤ / ٣٠٩ ]
-رضي الله تعالى عنها-، حتى القواعد من النساء اللاتي لا أَرَبَ للرجال فيهن وإن رخص لهن الشرع في التخفف من بعض ثيابهن بقيود ندبهن إلى التزام ما تلتزمه الشواب من النساء من التحفظ، وعصرنا هذا فيه من الوسائل إلى خلاف ذلك ما لا يخفى، وقد قال الصادق المصدوق: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أسامة ﵁، ومما أخبر به النبي ﷺ قوله: «لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير، قلت: إن ذلك لكائن؟، قال: نعم ليكونن»، رواه البزار والحاكم عن ابن عمرو، وهو في الصحيحة برقم (٤٨١)، التسافد نزو الذكر على الأنثى.
فمن استحل الزنا كفر، ومن فعله فعليه الحد كما سيأتي، ومن قنن تعاطيه في الناس بإقراره وجود البغاء المنظم كما عليه كثير من حكام المسلمين فقد أتى بابا من الكبائر لا ريب فيه، ومع ذلك يخشى على إيمانه من أصله، فإنه ليس من اليسير التسليم بأن تقنين المحرمات القطعية بالنصوص القانونية التي تجيزها يختلف عن جحدها وعدم التسليم بحرمتها، ومع ذلك فإننا لا نذهب إلى تكفير الفاعلين المعينين، وإن كنا نراهم من زمرة الظالمين، وهكذا ما جاءت به القوانين الوضعية من اعتبار من لم تبلغ سن كذا فإنها ليست راشدة، فمن زنى بها فلا ضير عليها هي، ويلزم هو بالزواج منها ويعاقب دونها، ويلحق به الولد الذي جاء منها، فإن التكاليف الشرعية يتوجه الخطاب بها إلى كل من بلغ سن التكليف، فهذا من تبديل الشريعة وتغييرها والله المستعان
[ ٤ / ٣١٠ ]
بيان معنى الإحصان الذي يشرع معه رجم الزاني
• قوله:
٩٠ - «والإحصان أن يتزوج امرأة نكاحا صحيحا ويطأها وطأ صحيحا».
أصل الإحصان في اللغة المنع، وقال في الصحاح: «أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن، بفتح الصاد، وأحصنت المرأة عفت، وأحصنها زوجها، فهي محصنة، ومحصنة، وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة، فهي محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة، فهي محصنة لا غير»، انتهى.
والزواج من وسائل العفة التي بها تحفظ الفروج من الزنا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد جاء هذا المعنى في كتاب الله في قوله عما تحد به الأمة إذا زنت: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
والمقصود أنه يشترط في رجم الزاني أن يكون قد تزوج زواجا صحيحا مع حصول الجماع، وهو بالغ عاقل حر، والمرأة بالغة أو ممن يوطأ مثلها، ويعلم من هذا أن صفة الإحصان قد يكتسبها الزوجان معا، وقد يكتسبها أحدهما دون الآخر، فالزوجة الكتابية تحصن زوجها المسلم ولا يحصنها، والمجنونة تحصن العاقل ولا يحصنها، والبالغة الحرة تصير محصنة بالعبد البالغ وبالمجنون ولا يصير بها محصنا، وخرج بشرط النكاح الصحيح النكاح الفاسد، وبالوطء الصحيح وطء الحائض والنفساء فلا يحصل بواحد منهما الإحصان، وقال ابن رشيق في شروط الإحصان كما في شرح ابن ناجي:
شروط الإحصان ست أتت … فخذها على النص مستفهما
بلوغ وعقل وحرية … ورابعها كونه مسلما
زواج صحيح ووطء مباح … متى اختل شرط فلن يرجما
[ ٤ / ٣١١ ]
الزاني غير المحصن يجلد مائة جلدة ويغرب عاما
• قوله:
٩١ - «فإن لم يحصن جلد مائة جلدة وغربه الإمام إلى بلد آخر وحبس فيه عاما».
هذا هو النوع الثاني مما يحد به الزاني متى كان غير محصن، وقد جاء ذلك في حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أُبيّ بن كعب مرفوعا: «الثيبان يجلدان ويرجمان، والبكران يجلدان وينفيان»، وهو في الصحيحة برقم (١٨٠٨).
والمذهب أن النفي يكون إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وهي أربعة برد، لأن النبي ﷺ نفى من المدينة إلى خيبر، ويسجن في منفاه عاما لأنه بدونه قد يكون سببا في نشر الشر، قالوا ونفقته في الانتقال إلى المنفى وفي السجن من ماله إن كان له مال، وإلا فمن بيت مال المسلمين، وإلا فعلى جماعة المسلمين.
فقارن رعاك الله ما كان عليه الناس من الاحتياط لأموال المسلمين بحيث لا ينفق شيء منها إلا فيما هو مشروع وبين ما عليه المعاصرون حيث ينفق على المسجونين من أموال المسلمين ويوفر لهم في السجن ما لا يتوفر لكثير من الفقراء خارجه، وما ذا لو أُحْدِثَ من النظم ما يجعل المسجون ينفق عليه من ماله أو يفرض عليه مبلغ يدفعه متى كان غنيا؟.
[ ٤ / ٣١٢ ]
يجلد العبد في الزنا خمسين جلدة وكذلك الأمة
• قوله:
٩٢ - «وعلى العبد في الزنا خمسون جلدة وكذلك الأَمَة وإن كانا متزوجين».
راعى الشرع ضعف المملوك وما يتعرض له من الابتذال والامتهان وعدم امتلاكه أمر نفسه بحيث لا يكون حرا في تحصين نفسه، فرحمه وراعى ضعفه فخفف الحد عنه، ولأنه مال فلا يتلف على مالكه، وتنصيف الحد على الأَمَة إذا زنت وكانت متزوجة هو نص القرآن، قال الله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وظاهر الآية عدم إقامة الحد على الأمة إلا إذا كانت متزوجة، لأن الإحصان هو الزواج، ولما كان حد الأمة واحدا أحصنت أو لم تحصن اضطرب الناس في معنى الإحصان هنا، ومما حمل عليه أنه الإسلام، والصواب إن شاء الله إبقاء معناه على أصله، وتكون الآية دالة على حد الأمة المتزوجة، وهو خمسون جلدة نصف حد الحرة البكر، ثم جاءت السُّنَّةُ بجعل حد الأَمَة مطلقا خمسين أحصنت أو لم تحصن لأن القتل لا يتنصف، وذلك أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»، رواه الشيخان (خ/ ٦٨٣٧) عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄، والضفير الحبل من شعر كما جاء مفسرا في بعض الروايات، وقوله ﷺ: «إذا زنت فاجلدوها»، قال الحافظ: «قيل أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له، وأن موجب الحد في الأَمَة مطلق الزنا»، انتهى، أما تنصيف الحد على العبد فبالقياس على الأَمَة لعدم الفارق بينهما، ولذلك كان مفضلا أن لو ذكر المؤلف حد الأَمَة لأنه هو المنصوص المقيس عليه قبل حد العبد لأنه مقيس.
[ ٤ / ٣١٣ ]
لا تغريب على المملوك ولا على المرأة
• قوله:
٩٣ - «ولا تغريب عليهما ولا على امرأة».
هذا هو النوع الثالث من حد الزاني وهو الجلد من غير نفي، فالمرأة لا تنفى، لما في ذلك من تعريضها لما هو محرم عليها من السفر من غير محرم، وكذا ما يتوقع من الفساد في السجن، فإن فرض على محرمها أو زوجها السفر لمرافقتها كان فيه عقاب لغير المستحق، حتى ولو كانت النفقة في مالها، أو في بيت المال، وكذلك لا نفي على المملوك لما في ذلك من تفويت مصلحة السيد فيه، ولأن الشرع قد وضع عنه الحج والجمعة، ومع هذا فليس في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الذي بين فيه النبي ﷺ حد الأَمَة ذكر للتغريب، والله أعلم.
[ ٤ / ٣١٤ ]
إثبات الزنا بأحد أمور ثلاثة
الاعتراف بالزنا يوجب الحد
• قوله:
٩٤ - «ولا يحد الزاني إلا باعتراف».
هذا بيان لما يثبت به الزنا حتى يقام على مرتكبه الحد، وهو أحد أمور ثلاثة سبق ذكر قول عمر ﵁ عنها: «والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، ولكل من هذه الثلاثة دليله.
فأما الاعتراف فهو أن يقر على نفسه بالزنا، ولو مرة واحدة، وأن يستمر على الإقرار، ولا بد أن يكون ممن يصح منه الاعتراف بأن يكون بالغا عاقلا غير مكره ولا سكران، ودليله حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم وفيه قول النبي ﷺ: «واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: «يا رسول الله إني زنيت»، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: «يا رسول الله إني زنيت»، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: «أبك جنون»؟، قال: «لا»، قال: «فهل أحصنت»؟، قال: «نعم»؟، فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به فارجموه»، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: «لعلك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت»، قال: «لا، يا رسول الله»، قال: «أنكتها»؟، - لا يكني - قال: «نعم»، فعند ذلك أمر برجمه»، الغمز هنا هو الجس باليد، ويطلق على الرمز بالعين والحاجب، والظاهر من هذا أن على الحاكم أن لا يكتفي في الاعتراف بقول المقر زنيت، لإمكان اعتقاده أن الزنا يطلق على ما هو أعم من الإيلاج، فيبين ذلك له، ويستفصله في الأمور التي يجب فيها الحد حتى يصل به إلى اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة كما فعل النبي ﷺ مع ماعز، بل يستحب تلقين المقر ما يسقط عنه الحد، فإن في بعض روايات قصة ماعز قوله ﷺ: «أشربت خمرا»؟، قال: «لا»، وهو حجة على عدم اعتبار إقرار السكران كما هو المذهب، لكنهم استثنوا من ذلك
[ ٤ / ٣١٥ ]
من اشتهر بانتهاك الحرمات، قال مالك: «وذلك أن الحد الذي هو لله لا يؤخذ إلا بأحد وجهين: إما ببينة عادلة تثبت على صاحبها، وإما باعتراف يقيم عليه حتى يقام عليه الحد، فإن أقام على اعترافه أقيم عليه الحد».
وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن بريدة عن النبي ﷺ قال: «استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم».
[ ٤ / ٣١٦ ]
حمل من ليس لها زوج
• قوله:
٩٥ - «أو بحمل يظهر».
هذا هو الأمر الثاني مما يثبت به الزنا، وهو الحمل ممن لم يكن لها زوج، ولا سيد قد أقر بوطئها، ومثلهما ذات الزوج والسيد الذي لا يولد له كالصبي، ومن ولدت بعد الزواج ولدا كاملا في مدة لا يلحق الولد فيها بالزوج، وهو ما قل عن ستة أشهر، لكونها أقل مدة الحمل، لقول الله تعالى في مدة الرضاع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى في مدة الحمل والرضاع: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقد أثر ذلك عن علي وابن عباس ﵃ كما في مصنف عبد الرزاق، وأثر علي في الموطإ (١٥٠٢)، وقد جاء ما يدل على الحد بالحمل، وهو حديث ابن عباس الطويل عند البخاري وفيه قول عمر ﵁: «والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف،،،»، انتهى، وعمر قاله على المنبر ولا مخالف له، ومما يحتمل الاستدلال به على الرجم بالحبل حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر»، وقد تقدم، وهذا لفظ مسلم، وقوله «فتبين زناها»، من أفراده الحمل من غير ذوات الأزواج والسيد المقر بالوطء، لكن الحد بالحبل يمتنع بأمور سيذكرها المؤلف، والله أعلم
[ ٤ / ٣١٧ ]
شهادة أربعة رجال عدول
• قوله:
٩٦ - «أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه كالمرود في المكحلة ويشهدون في وقت واحد».
هذا هو الأمر الثالث مما يثبت به حد الزنا، والمرود هو المِيل وهما بكسر الميم ما يكتحل به، والمُكحُلة بضم الميم وسكون الكاف وضم الحاء الوعاء الذي يوضع فيه الكحل، وهذا اللفظ مما ذكره النبي ﷺ لماعز للتثبت من كونه زنى، فقد قال له: «أنكتها؟، قال: «نعم»، قال: «كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر»؟، قال: «نعم»، والرشاء هو الحبل.
وقد شدد الشرع في ثبوت الزنى وإقامة حده ما لم يشدد في غيره لعظم الجرم، ولما يترتب على ثبوته من المفاسد والمضار في الأعراض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]، سمى الله الزنا فاحشة، وهي الفعل القبيح المفرط القبح، ومن المعلوم أن الحقوق تثبت بالشاهدين وبالشاهد واليمين، وينوب عن الرجل امرأتان في الأموال عند الجمهور، وتجوز شهادة النساء حيث يتعذر غيرها، بل وشهادة الصبيان بعضهم على بعض، وشهادة غير المسلمين على الوصية في السفر، وفي بعض هذه الأنواع اختلاف، لكن الزنى انفرد عن غيره بأنه لا يثبت إلا بأربعة شهداء بإجماع المسلمين، ولقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١٥)﴾ [النساء: ١٥]، ولثبوت حد القذف إذا لم يشهد أربعة كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، أي أنهم كاذبون في حكم الله تعالى، وفي ظاهر الأمر لا في باطنه، فإن الحدود مرتبة على حكم الله الذي شرعه، لا على علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه قاله القرطبي في تفسيره، وبهذا تنحل أمامك عقدة أمر
[ ٤ / ٣١٨ ]
ما يشترط في شهادة العدول كي يقام بها الحد
عمر أبا بكرة ﵄ أن يكذب نفسه كي تقبل شهادته لأن ذلك كان مذهبه، وإباء أبي بكرة ذلك لكونه كان مستيقنا لما شهد به.
ويشترط في الشهود الأربعة أن يكونوا رجالا أحرارا عدولا وأن يروا ذكر الزاني في فرج المرأة كالمرود في المكحلة، وأن يشهدوا في وقت واحد، فأما كونهم رجالا فلأن النص جاء بأربعة شهداء، وجعل المرأتين بدل الرجل يجعلهم ستة أو ثمانية، وهو خلاف النص، وقد جاء تعويض الرجل بامرأتين في الأموال فيقتصر عليه، وعن الزهري قال: «مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود»، وهذا وإن قاله تابعي فليس موقوفا، بل له حكم الرفع غير أنه مرسل، وانظر من رواه وقد ذكره صاحب نفسير المنار، واحتجوا على كونهم أحرارا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا العبيد ليسوا من رجالنا وفيه نظر، فإن اللفظ يتناولهم، لكن المانعين غلبوا نقص الرق، والمجيزين غلبوا اللفظ، وهذا هو الحق، واحتج القرطبي بأن الآية في الذين تصح منهم المداينة والعبيد لا يستقلون بذلك، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، والعبيد مستغرقون في خدمة السادة فأنى لهم إباء الاستجابة لأداء الشهادة؟، فيؤدي ذلك إلى ضياع الحقوق، وأما أنه يشترط أن يروا الفعلة كما تقدم وصفها فلأن النبي ﷺ لم يكتف من ماعز بالإقرار بالزنى حتى ذكر الإيلاج نفسه، فإنه إذا كان هذا في إقرار المرء على نفسه فكيف بشهادة غيره عليه؟، وأما اشتراط شهادتهم في وقت واحد، فمعناه أن يتحد وقت أدائهم الشهادة ووقت رؤيتهم الفعلة، وينبغي أن يتحد مكان الرؤية وأن تتحد شهادتهم على مطاوعة المرأة أو كونها مكرهة، وينبغي أن يفرقوا عند أداء الشهادة، ومما قالوه هنا أنه يجوز لكل واحد من شهود الزنى أن ينظر إلى العورة قصدا ليعلم كيف تؤدى الشهادة، وهذا يدخل فيما يعرف عند المعاصرين بتمثيل الجريمة لكنه في مثل ما نحن فيه لا حاجة إليه، ومتى علم كذب المقر أو الشهود لم يعمل عليهما، ومثلوا له بما إذا كانت المقرة أو المشهود عليها عذراء، وهي التي لم تفتض بكارتها، وأنا أعلم امرأة حملت ولم تفتض بكارتها، أو رتقاء، وهي التي التصق ختانها فلا يحصل الإيلاج فيها، ومن ذلك أن يكون الرجل المشهود عليه مجبوبا والله أعلم.
[ ٤ / ٣١٩ ]
إذا لم يتم أحد الشهود الوصف المطلوب حد الثلاثة حد القذف
• قوله:
٩٧ - «وإن لم يتم أحدهم الصفة حُدَّ الثلاثة الذين أتموها».
يعني أنه إذا قال بعض الشهود رأيناه يفعل على الوصف المتقدم، وقال بعضهم رأيناه بين فخذيها مَثَلًا حُدَّ الذين ذكروا الوصف اللازم لإقامة حد الزنى حد القذف، لأن العدد حينئذ لم يكتمل، فلو شهد بالوصف اللازم ثلاثة، وقال الرابع بخلافهم حُدُّوا حُدَّ القذف دونه، لكنهم قالوا إن من لم يحد يعاقب باجتهاد الإمام، وهذا يبين لك ما أحاط الشرع به ثبوت الزنى على المرء من القيود حتى لا يكاد يثبت بغير الإقرار والحمل.
ولنذكر هنا القصة المعروفة عن عمر بن الخطاب ﵁ في الشهادة على المغيرة بن شعبة ﵁ بالزنا، فقد شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالوصف المطلوب لإقامة الحد عليه، وهم أبو بكرة، ونافع بن الحارث بن كلدة، وشبل بن معبد، ولم يشهد زياد كما شهدوا، رآه عمر قال: «أرى شابا حسنا، وأرجو أن لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد ﷺ»، فقال: «يا أمير المؤمنين رأيت استا تنبو، ونَفَسا يعلو، ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك»، فقال عمر: «الله أكبر»، وأمر بالثلاثة فَحُدُّوا، رواه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم، وقد أكذب كل من نافع ابن الحارث وشبل بن معبد أنفسهما فكانت شهادتهما تقبل، وأبى أبو بكرة ﵁ أن يكذب نفسه فيما رآه، فقال له عمر: «تب تقبل شهادتك»، فقال له: «إنما تسلبني لتقبل شهادتي»، قال: «أجل»، قال: «لا جرم، إني لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا»، ومذهب عمر ﵁ أن من لم يكذب نفسه لا تقبل شهادته، ومذهب مالك وبعض أهل العلم أن التوبة هنا كغيرها هي الصلاح وحسن الحال، وإن لم يرجع على نفسه بالتكذيب، وهذا هو الحق، فإن في تكذيب المرء نفسه إشكالا من حيث الظاهر، لأن قوله بعد لم أر وهو يعلم أنه رأى كذب، وقد استُوفي حق
[ ٤ / ٣٢٠ ]
المقذوف بالجلد، وإن كان فيه مزيد دفع الريبة عن المقذوف، فلا نقص على أبي بكرة ﵁ فيما قاله مما رآه، ولا في امتناعه من تكذيب نفسه، وقد قيل إنه ما زال على ذلك حتى كتب الأمر في وصيته، ولا ضير على عمر فيما اجتهد فيه، ولينظر هنا الإصابة في أسماء الصحابة، والاستيعاب لابن عبد البر، وتفسير القرطبي، وانظر الخبر بتمامه في كتاب أحكام القرآن لابن العربي ﵀ في سورة النور.
[ ٤ / ٣٢١ ]
• قوله:
٩٨ - «ولا حد على من لم يحتلم».
دلّ على ذلك حديث علي ﵁ عند أبي داود والترمذي في الثلاثة الذين رفع عنهم القلم، فإن منهم الصبي حتى يحتلم، ولأن الأحكام التكليفية منوطة بالبلوغ، ولم يسو الله تعالى بين الأطفال وغيرهم في الاستئذان إلا إذا بلغوا، فغير الاستئذان من الأحكام مثله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (٥٩)﴾ [النور: ٥٩]، وقال تعالى فيمن استثنوا من إبداء النساء زينتهن لهم: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، فقيد جواز إبداء النساء زينتهن للأطفال بعدم ظهورهم على عورات النساء سدا للذريعة، وظهورهم على عورات النساء إما قدرتهم على الوطء، من ظهر على الشيء إذا قدر عليه، وإما من الاطلاع، أي لا يعرفون ما العورة لأنهم لا يفرقون بينها وبين غيرها هذا معنى ما قاله الزمخشري، وهذا مبكر جدا، والظاهر أن المراد خلو بال الطفل من الميل إلى اشتهاء النساء، وذلك قبل سن المراهقة، لأن من بلغ أربع سنوات بل أقل منها كثيرا ما يدرك الفرق ويتحفظ ويستحيي، لكن عدم إقامة الحد على غير البالغ لا يعني عدم تأديبه، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
يحد واطئ أمة والده ولا حد على واطئ أمة ولده
• قوله:
٩٩ - «ويحد واطئ أَمَةِ والده ولا يحد واطئ أَمَةِ ولده، وتُقَوَّمُ عليه وإن لم تحمل».
لا شبهة للولد في مال والده، ولذلك يحد إذا سرقه، فمن زنى بأَمَةِ أبيه أو أمه أقيم عليه الحد، ولا تُقَوَّمُ عليه، ولأبيه وطؤها بعد استبرائها، لأن الحرام لا يحرم الحلال، وإذا ولدت كان الولد رقيقا، أعني أنه لا يعتق على الوالد لأنه ليس ولدا لابنه، أما عكس هذا وهو أن يزني الأب بمملوكة ولده فإنه لا يُحَدُّ بذلك للشبهة التي له في مال ولده، ولذلك لا يُحَدّ إذا سرقه، ولا يقاد به، وتصير الأمة مملوكة للأب بوطئها، فَتُقَوَّمُ عليه لحرمتها على ابنه، ويجب عليه مع ذلك أن يستبرئها إذا أراد الاستمرار على الاستمتاع بها ليفرق بين ماء الشبهة وماء الملك، وهذا ما لم يكن الابن قد وطئها، وإلا حرمت عليهما معا، ويغرم الوالد قيمتها للابن لأنه أتلفها عليه، قال خليل: «وحرمت عليهما إن وطئاها»، انتهى.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
تأديب الشريك في الأمة إذا وطئها
• قوله:
١٠٠ - «ويؤدب الشريك في الأَمَةِ يطؤها ويضمن قيمتها إن كان له مال، فإن لم تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تُقَوَّمَ عليه».
إنما اقتصر على تأديب الشريك إذا وطئ الأمة التي له فيها شرك لأن له فيها شبهة الملك، والحدود تدرأ بالشبهات، لكنه ارتكب محرما فكان مطلوبا أن يؤدب، ولو أذن له شريكه في ذلك إلا أن يهبه شقصه منها، ثم إن الأَمَةَ المشتركة الموطوءة إما أن تحمل أو لا، فإن حملت فإنها تُقَوَّمُ عليه ويعطي قيمة الشقص لشريكه على وجه الإلزام، ويكون الولد لاحقا بأبيه أعني حرا، فإن لم تحمل فالشريك بالخيار بين أمرين أولهما أن يتمسك بنصيبه فيها، ولا شيء له من أرش النقص ولا الصداق لتنازله عن أخذ القيمة، والثاني مطالبة الواطئ بدفع قيمة شقصه منها، فإن لم يكن له مال فله جبره على بيعها لكونها لم تحمل، قال خليل: «وإن وطئ جارية للشركة بإذنه وبغيره وحملت قُوِّمَتْ، وإلا فللآخر إبقاؤها ومفاداتها»، وقال الغماري في مسالك الدلالة معللا ضمان قيمة الأمَة من الشريك إذا وطئها: «لتفويتها على الشريك حيث حرم بيعها لأنها صارت أم ولد للواطئ»، انتهى، وليس هذا بصحيح، فإن الأَمَة لا تصير أم ولد بالوطء، بل بالحمل كما تقدم، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
لا تصدق من ادعت الاستكراه على الزنا من غير قيد
• قوله:
١٠١ - «وإن قالت امرأة بها حمل استكرهتُ لَمْ تُصَدَّقْ وَحُدَّتْ إلا أن تَعرف بينة أنها احتُمِلَتْ حتى غاب عليها أو جاءت مستغيثة عند النازلة أو جاءت تدمي».
إذا ظهر حمل من المرأة يوجب إقامة الحد عليها، وادعت أنها قد استُكْرِهَتْ على الزنا فإنها لا تصدق، بل يقام عليها الحد لأن الأصل الطوع، والإكراه لا يثبت إلا بدليل، ولأنه لا تشاء امرأة أن تزني إلا زنت وادعت الإكراه، لكن الحد يسقط عنها إن قامت بينة على اختطافها وأخذها قهرا، وقد قيل إن البينة هي الشاهدان، وقيل يكفي الواحد لأنه من باب الإخبار، ومما يدرأ عنها الحد أن تأتي مستغيثة بعد الغصب، أو تأتي وهي تدمي متعلقة بمن ادعت عليه الاغتصاب، أما مجرد ادعائها الاغتصاب على غير من يليق به ذلك من غير أن تكون متعلقة به فإنها تحد للزنا، فإن تعلقت به حدت للقذف لا للزنا، وانظر الموطأ باب «ما جاء في المغتصبة».
[ ٤ / ٣٢٥ ]
يقتل الذمي إذا غصب المسلمة على الزنا
• قوله:
١٠٢ - «والنصراني إذا غصب المسلمة في الزنا قُتِلَ».
إذا غصب الذمي يهوديا كان أو نصرانيا أو غيرهما امرأة مسلمة اعتبر ذلك نقضا لعهده وقُتِلَ، فإن حملت منه فالولد لاحق بأمه، فإن طاوعته حُدَّتْ هي، وأُدِّبَ هو، وقالوا إنه إن اغتصب الأَمَة المسلمة فلا يقتل، بل يؤدب وعليه ما نقص من ثمنها لأنها مال، ولا قتل بالجناية على المال، وفي هذا نظر.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
يقال المقر بالزنا إذا رجع عن الاعتراف
• قوله:
١٠٣ - «وإن رجع المقر بالزنا أُقِيلَ وتُرِكَ».
لو ذكر المؤلف هذا عقب الإقرار المذكور في الفقرة الرابعة والتسعين لكان أفضل، ومهما يكن فإن من شرط الحد بالإقرار عدم الرجوع عنه سواء أكان ذلك بعد الاعتراف وقبل الشروع في إقامة الحد، أو أثناء إقامته، وعن مالك في الرجوع اختلاف كما في بداية المجتهد.
ففي الموطإ (١٥٠٥) ما يؤخذ منه اشتراط وجود الشبهة في قبول الرجوع عن الإقرار، وعنه مع فقد الشبهة روايتان عدم القبول وعكسه وهو المشهور الراجح، يدل عليه ما جاء في قصة رجم ماعز فإنه لما أذلقته الحجارة قال: «ردوني إلى رسول الله ﷺ» وفر، بيد أنهم لم يفعلوا ورجموه حتى مات، فقال رسول الله ﷺ: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه»، أما الرجوع قبل الشروع في الحد فقد سبق أن النبي ﷺ لقن ماعزا ما يتمسك به للرجوع عن الإقرار.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
يقيم المرء على أمته وعبده حد الزنا متى قامت البينة
• قوله:
١٠٤ - «ويقيم الرجل على أَمَتِهِ وعبده حد الزنا إذا ظهر حمل أو قامت بينه غيره أربعة شهداء أو كان إقرار».
الذي يقيم الحد إنما هو الإمام أو نائبه، وعند فقده تقيمه جماعة المسلمين، والخطاب الموجه إلى المؤمنين قاطبة في الأحكام ومنها إقامة الحدود ليس مجيزا لخلاف هذا، وإنما المراد منه ما للمسلمين من الصلة بإقامة الدين، ومنه الحدود، ولأن حكم الله يطالب به كل المؤمنين فيشتركون في بعض ما يتعلق به، وينفرد بعضهم بشيء منه، فعلى الجميع اعتقاد وجوبه وغير الوجوب من الأحكام، وعليهم العمل على وفقه، وعليهم الدعوة إليه، وحب ملتزمه، وكراهة مخالفه، وعلى الحاكم إقامته، ومن ذلك الحدود، ولذلك لا يجوز لأحد أن يقيم الحد على نفسه كأن يقطع يده إذا سرق، بل ذلك من المحرمات بالإجماع.
ويرى كاتب هذا الشرح أن جماعة المسلمين في هذا العصر الذي تخلى فيه الحكام عن إقامة الحدود وغيرها من أحكام الله يمكن أن تقوم في صورة هيآت وجمعيات يوافق عليها الحكام ويكون نظامها الأساس مشتملا على هذا الأمر، أو غيره من الأمور التي تركت، بل إني أرى أن هذا من أعظم ما تخدم به شريعة نبينا محمد ﷺ به عمليا في هذا العصر، وأولى ما يصرف فيه اجتهاد المجتهدين، وتجديد المجددين البحث عن وسائل التمكين لها أو لشيء منها في الحياة، ينبغي أن يكون هذا الأمر هاجس العلماء الأكبر بعد أن أنفقوا من الجهود في التعليم والبيان ما تعظم به أجورهم، وترفع به منازلهم، فإن العلم الذي يبثونه منه ما يرجع امتثاله وإقامته إلى المكلف ذاته، ومنه ما لا سبيل له إلى إقامته، بل إن فروض الأعيان أصبحت مُزَاحَمَةً من الحياة العامة الناكبة عن الصراط المستقيم، فما هي جهود أهل العلم الربانيين في ميدان التمكين لشريعة رب العالمين؟، إن التعليم
[ ٤ / ٣٢٨ ]
والكتابة في غالب الأحيان لا يخرجان عن حيز النظر والتجريد، ولا يقدمان شيئا عمليا لإقامة هذا الذي نتعلمه في الحياة العامة، ولك أن تقول إن البحوث قد بلغت حدا من التعمق والترف يأباه الشرع ولا سيما الجامعية منها، وقد كان السلف يقولون «العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل».
وقال مالك ﵀: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، ولكن يعجبهم العمل»، وإن ربنا سبحانه إنما أنزل كتبه وأرسل رسله لِمَا بَيَّنَهُ في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]، وإقامة الدين لا تكون إلا بالعلم والحكم، وإذا تخلى الحكام عن واجباتهم فإن أهل العلم لا يُعْفَوْنَ مما هو مطلوب منهم.
بل قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٧٦): «وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: «الأمر إلى الحاكم»، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضيّعًا لأموال اليتامى، أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه، مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه»، انتهى.
قال كاتبه: الجمعيات في هذا العصر من وسائل إحياء الكثير من أحكام الله تعالى من غير افتيات على الحاكم، بل بموافقته على نظام الجمعيات الأساس الذي هو المرجع في تحديد أعمالها وليس يمتنع أن يكون من بين ذلك هذا الذي نحن بصدده، فيلجأ إليه من المسلمين من أراد، وقد بينت شيئا من هذا في رسالتي المسماة الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله، ولعل الله سبحانه ييسر كتابة شيء يتضح به المقام كما ينبغي، والله الهادي.
ولنرجع إلى ما نحن فيه، فإن بعض أهل العلم استثنى من إقامة الحاكم للحدود إقامة حد الزنا على المملوك، ودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من
[ ٤ / ٣٢٩ ]
شعر»، وهذا لفظ مسلم، وقد تقدم، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، رواه أبو داود عن علي ﵁، وهو عند مسلم موقوف عليه، وهو أعم من الأول لشموله العبيد والإماء، وقول المؤلف «ويقيم الرجل على أمته وعبده حد الزنا»، لا مفهوم في المذهب للزنا بل يقيم عليه حد القذف وشرب الخمر، لكن لا يقيم عليه حد السرقة، وعللوا ذلك بسد الذريعة أمام السادة حتى لا يمثلوا بمملوكيهم ثم يَدَّعُونَ أنهم سرقوا، وهذا لعمر الله نظر صائب واحتياط عظيم لولا صحة الدليل وما فيه من عموم.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
لا يقيم مالك الأمة الحد عليها إذا كان زوجها حرا أو عبدا لغيره
• قوله:
١٠٥ - «ولكن إن كان للأَمَةِ زوج حر أو عبد لغيره فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان».
معنى هذا أن السيد إنما يقيم الحد على مملوكته في حالتين: أولاهما أن تكون خالية من زوج، والثانية أن تكون متزوجة من مملوكه، ومقابله أن تكون متزوجة من حر، أو من عبد مملوك لغيره فلا يقيم الحد عليها إلا الإمام، وعللوا ذلك بأن للزوج حقا في الفراش، وما يحدث فيه من ولد، فلا يقبل أن يفسده عليه مالك زوجته، أو يدخل عليه ضررا فيحتاط لذلك بتعليق الحد على حكم الحاكم، وهذا متجه قوي فإنه إذا كان الشارع إنما رام بإقامة السادة الحدود على مملوكيهم التيسير والتجويز، لا الإلزام؛ فليس ببعيد أن يستثنى ما ذكر متى وجد المخصص، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٣١ ]
من عمل عمل قوم لوط رجم الفاعل والمفعول به المطاوع
• قوله:
١٠٦ - «ومن عَمل عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أَحْصَنَا أو لم يُحْصِنَا».
عمل قوم لوط هو إتيان الذكور في أدبارهم، وإنما نسبت هذه الفاحشة إليهم لأنها لم تعرف فيمن سبقهم، فكان أن أرسل الله تعالى إليهم لوطا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله ويحارب هذه الرذيلة الشنيعة فيهم، قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ [العنكبوت: ٢٨]، وقد عاقبهم الله تعالى بعد الإعذار إليهم والإنذار بما ذكره في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣]، واللواط أقبح من الزنا لأن إتيان الذكور لا يباح بوجه من الوجوه، حتى في النساء اللائي هن زوجات، وقد ذكر الله قول لوط لقومه ووصف الطهر لا يلتقي مع غير محل الحرث: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨].
أما حد هذه الفاحشة فقد جاء منصوصا فيما رواه أصحاب السنن الأربعة عن
ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»، ولم يأت عن النبي ﷺ أنه حد في اللواط لأن العرب لم يكونوا يعرفون هذه الفاحشة.
وإنما يُقْتَلُ الفاعل والمفعول إذا كانا بالغين، ويؤدب غير المكلفين، لا فرق بين محصن وغيره، ولا بين حر وغيره، ولو كان المفعول به عبدا للفاعل، لكن بشرط عدم الإكراه في المفعول به، أما إكراه الفاعل ففيه نزاع، ولهذا فقد يقتل الفاعل دون المفعول به، أو المفعول به دون الفاعل، وقول المؤلف «بذكر بالغ»، يفيد أن من فعل ذلك بأنثى فإنه لا
[ ٤ / ٣٣٢ ]
يكون لواطا، وهو كذلك، لكن المذهب أنها إن كانت أجنبية حد للزنا، وإن كانت زوجة أدب.
ولم يذكر المؤلف السحاق، وهو استمتاع المرأة بالأخرى بتدالكهما، وهو محرم، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد ﵁، والنهي عن الإفضاء الذي هو مجرد المماسة يستلزم النهي عما فوقه مما هو ذريعة إليه، والمذهب أن السحاق لا حد فيه، وإنما فيه التعزير، والرواية الأخرى أن فيه الحد على كل من المرأتين، ذكره الشيخ أبو مالك في كتابه صحيح فقه السنة، ومعتمده كما قال ما روي أن النبي ﷺ قال: «إذا أتت المرأة المرأَة فهما زانيتان»، رواه البيهقي عن أبي موسى، وهو حديث ضعيف.
قلت: وروى الطبراني عن واثلة بن الأسقع قال، قال رسول الله ﷺ: «السحاق بين النساء زنا بينهن»، ورواه أبو يعلى (ح/ ٨٣٦)، ولفظه قال رسول الله ﷺ: «سحاق النساء بينهن زنا»، قال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، قال كاتبه: لو صح لما كان فيه حجة على أنهما تُحَدَّانِ، فقد حكم النبي ﷺ على من تعطرت من النساء وخرجت بأنها زانية، وعلى العبد الذي يتزوج من غير إذن سيده بأنه عاهر، وعلى من تزوجت بغير وليها كذلك، ثم إني لم أقف على نسبة القول إلى مالك من كونهما تحدان فلينظر من أين استقاه الشيخ جزاه الله خيرا، والذي علمته أنه قول ابن شهاب كما في مصنف عبد الرزاق في باب السحاقة قال: «أدركت علماءنا يقولون في المرأة تأتي المرأة بالرفغة وأشباهها يجلدان مائة مائة الفاعلة والمفعولة بها»، انتهى، والرفغة ماحول الفرج، والله أعلم.
ومن ذلك من أتى بهيمة، فإن المذهب أنه لا حد فيه كسابقه، وقد جاء فيه قول النبي ﷺ: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه»، رواه أصحاب السنن الأربعة غير النسائي (د/ ٤٤٦٤) عن ابن عباس، وفي سنن الترمذي قيل لابن عباس: «ما شأن البهيمة»؟، قال: «ما سمعت من رسول الله ﷺ من ذلك شيئا، ولكن أرى رسول الله كره أن يؤكل من لحمها
[ ٤ / ٣٣٣ ]
أو ينتفع بها، وقد عمل بها ذلك العمل»، انتهى، وقد ضعف أبو داود حديث قتل من أتى البهيمة بما رواه عن ابن عباس من قوله: «ليس على الذي يأتي البهيمة حد»، وهذا غير سديد لأن العبرة بما روى الراوي، لا بما رآه، ولأن إتيان البهيمة في المعنى يشارك اللواط لكونه لا يباح بحال، وعذر أهل المذهب عدم انتهاض الحديث عندهم للاحتجاج، فمن صححه أو اتبع من صححه لزمه القول به، بل لزمه اعتقاده حسب كسائر الأحكام المعطلة.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
تعريف القذف
القذف بالزنا وبنفي النسب
حد القذف ثمانون جلدة
ما يشترط في القاذف والمقذوف كي يقام الحد
• قوله:
١٠٧ - «وعلى القاذف الحر الحد ثمانون، وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزنا، والكافر يحد في القذف ثمانين».
القذف في اللغة هو الرمي، ويستعمل مجازا في الرمي بالمكاره، ويسمى فرية، وهو من الكبائر، وقد ذكره رسول الله ﷺ في جملة الموبقات السبع إذ قال: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، وإنما شرع هذا الحد لحماية الأعراض، لكن بقيد التهمة بالزنا، أو بنفي النسب، تصريحا أو تلويحا، أما القذف بغير ذلك فهو محرم لعموم تحريم الأعراض، وليس فيه غير التعزير، وقد شرع الله حدّ القذف عقب ما رُمِيَتْ به أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (٤)﴾ [النور: ٤]، ومن وقع في عرض أم المؤمنين فهو كافر لتكذيبه ما جاء في كتاب الله من تبرئتها، وقد تقدم في حد الردة، والمحصنات في الآية هن العفيفات، ولا مفهوم للتأنيث فإن قذف الذكور مثل قذف الإناث، والمقصود أن القاذف يجلد ثمانين جلدة إن كان حرا، ونصف العدد إن كان مملوكا قياسا على تنصيف الحد على الأَمَةِ في الزنا، والعبد مقيس عليها بعدم الفارق، وقد روى مالك (١٥٠٩) عن أبي الزناد أنه قال: جلد عمر بن العزيز عبدا في فرية ثمانين قال أبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، والخلفاء هلم جرا، فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين»، انتهى.
الكلام هنا على ثلاثة أمور: القاذف والمقذوف وما يقذف به.
وإنما يحد القاذف إذا كان مكلفا أعني بالغا عاقلا، ولو سكر سكرا حراما، فإن الجنايات تلزمه في المذهب، ولا فرق بين المسلم والكافر الذمي، وكذلك الحربي في بلاد
[ ٤ / ٣٣٥ ]
الإسلام، ولذلك نص عليه بقوله «والكافر يحد في القذف ثمانين»، فهذان شرطان في القاذف.
أما المقذوف فيشترط فيه العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة ووجود آلة الوطء، ويعنون بالعفة أن لا يكون قد حد في الزنا، أو زنى بعد القذف، وقبل إقامة الحد عليه، أو قذفه وثبت عليه ذلك، بخلاف قذفه بنفي النسب، واحتجوا على شرط العفة بوصف الإحصان في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فإن المراد العفائف، قال ابن كثير هي الحرة البالغة العفيفة، وقد رد الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ٣٤٢) الاستدلال بهذه الآية على عدم إقامة الحد على قاذف غير العفيف لأن من معاني الإحصان الحرية والإسلام والتزوج، ثم هذا الذي ليس بعفيف داخل في العصمة الإسلامية لا يخرج منها بمجرد ارتكابه بعض معاصي الله سبحانه، إلى أن قال: «وقد أقام عمر بن الخطاب حد القذف على من شهد على المغيرة بالزنا مع اشتهار عدم عفته، وكان ذلك بمحضر من الصحابة»، انتهى.
قال كاتبه: الإحصان في الآية لا يحمل على التزوج إذ لا قائل بعدم إقامة الحد على قاذف غير المتزوج، ولا يصح أن يحمل على الإسلام لأن عرض الكافر غير معصوم، فهذان غير مرادين في الآية فلم يبق إلا حمله على الحرية والعفة كما حددت من قبل، وهم لا يعنون بها عدم ارتكاب المعاصي كما هو ظاهر كلامه، بل خصوص العفة من الزنى فتنبه، وحرمة عرض العبد المسلم العفيف ثابتة فلا تستثنى إلا بالدليل، ويعنون بوجود الآلة أن لا يكون مجبوبا، فلا حد على من قذفه بالزنا، والمذهب أن الوالد يجلد في قذفه ولده، غير أنه إن لم يعف عنه تسقط عدالته لمخالفته نهي الله تعالى في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقد علمت أنه لا يقاد الوالد من ولده إلا في الغيلة، والظاهر أن الأدلة المانعة من القَوَد صالحة لمنع إقامة الحد عليه في القذف، وفي الموطإ (١٥١٠) عن زريق الأيلي أن رجلا يقال له مصباح استعان ابنا له فكأنه استبطأه، فلما جاء قال له يا زاني، قال زريق فاستعداني عليه، فلما أردت أن أجلده قال ابنه: والله لئن جلدته لأبوأن على نفسي بالزنا، فلما قال ذلك أشكل علي أمره، فكتبت فيه إلى
[ ٤ / ٣٣٦ ]
عمر بن عبد العزيز وهو الوالي يومئذ أذكر له ذلك فكتب إلي عمر: أن أجز عفوه،،،»، انتهى المراد منه، وقوله استعداني عليه أي طلب نصرتي وعوني، وقوله لأبوأن أي لأرجعن، يريد لأُقرن وأعترفن بالزنى، وفيه جواز عفو المقذوف عن القاذف، والخلاف فيه مبني على الخلاف في حد القذف: هل هو حق الله كالزنى فلا عفو فيه، أو حق الآدمي كالقتل فيجوز فيه العفو، وقيده مالك ﵀ كما في الموطإ بما إذا كان المقذوف يخاف إن كشف ذلك منه أن تقوم عليه بينة، فإذا كان على ما وصفت فعفا جاز عفوه»، انتهى.
فأما ما يقذف به فهو أحد شيئين: أولهما أن يقذف بوطء يلزم به الحد، وهو أمران الزنا واللواط، وثانيهما نفي نسبه عن أبيه أو جده لا عمه.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
لا يحد قاذف العبد والكافر
• قوله:
١٠٨ - «ولا حد على قاذف عبد أو كافر».
سبق في ذكر شروط إقامة الحد أن يكون المقذوف حرا مسلما، فمن قذف الكافر بنفي نسبه فلا حد عليه إذ لا حرمة لعرضه، لكن لا يلزم من نفي الحد نفي الأدب، وقد احتج بعضهم لهذا بذكر وصف الإيمان في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، فأما العبد فقد قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما، ولقوله ﵊: «من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال»، انتهى.
قلت: الحديث رواه الشيخان (خ/ ٦٨٥٨)، فلو كان الحد يقام عليه في الدنيا لما توعد بإقامة الحد عليه يوم القيامة، وإلا لكان قاذف الحر مثله، وقد تقرر أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت الذي تقدم في أوائل الحدود: «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له»، لكن ينبغي أن تتنبه إلى أن الدليل الذي ساقوه حجة على عدم إقامة الحد على قاذف العبد أخص من الدعوى، فإنه في قذف السيد عبده، وكلامنا في قذف العبد عموما، فأما الاعتلال بأنه لا حرمة لعرضه ففيه كلام، كيف وهو مسلم وأعراض المسلمين محرمة بنص الحديث، وفي قوله ﷺ «إلا أن يكون كما قال»، تقرير لما هو معلوم من أن أمور الآخرة لا تجري على الظاهر كأمور الدنيا، فإن الحد في الدنيا يقام على القاذف ولو كان الأمر كما قال ما لم يشهد أربعة شهداء، وفيه أيضا دليل على أنه لا إثم على من شهد بما علم، وإن أقيم عليه الحد، لكن لا يسوغ له أن يعرض نفسه لذلك، وإنما الشأن فيمن وقع منه ذلك من غير قصد إلى تعريض نفسه للعقاب، كما حصل لأبي بكرة ﵁، وقد نقل بعضهم الإجماع على عدم إقامة الحد على الحر إذا قذف عبدا، لكن أخرج عبد الرزاق عن نافع سئل ابن عمر عمن قذف أم ولد لآخر فقال: «يضرب الحد صاغرا»، وهذا بسند صحيح كما في التعليق المغني على الدار قطني لأبي الطيب محمد آبادي، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
يحد قاذف الصبية إن كانت مطيقة لا قاذف الصبي
• قوله:
١٠٩ - «ويحد قاذف الصبية بالزنا إن كان مثلها يوطأ ولا يحد قاذف الصبي».
قاذف الصبية التي يوطأ مثلها يحد في المذهب، وقد عللوا ذلك بلحوق العار بها، بخلاف ما إذا كانت دون السن التي تطيق فيها ذلك للقطع بكذب القاذف، وقيل لا حد في قذفها لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها، قال ابن العربي: «والمسألة مشكلة، لكن مالكا طلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية عرض القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد»، انتهى، ولهذا المعنى قالوا لا يحد قاذف الصبي بالزنا ما لم يدرك سن البلوغ، أما لو قذفه بأنه مفعول فيه فإنه يحد متى كان مطيقا.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
لا حد على غير البالغ في القذف ولا في الوطء
• قوله:
١١٠ - «ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا وطء».
مر معك مكررا حديث علي ﵁ في الثلاثة الذين رفع عنهم القلم، والصبي من جملتهم، فلا حد عليه في وطء ولا قذف ولا في شرب خمر وهكذا سائر الحدود، ولا حد على موطوئه ولو كان بالغا، وإنما عليه الأدب، وعلى ولي الصبي أن يؤدبه استصلاحا لحاله، لا لكونه ارتكب حراما.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
لزوم الحد لمن نفى نسب أحد
• قوله:
١١١ - «ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد».
بَيَّنَ هنا أن القذف كما يكون بقول المرء لأحد أنت زان أو مفعول فيه أو تعمل عمل قوم لوط، يكون بنفي نسبه، لأن في ذلك قذفا لأمه بالزنى، وذلك كأن يقول للمسلم الحر المعلوم النسب أبوك ليس فلانا، أو جدك ليس فلانا عن جده لأبيه، لا فرق بين أن يكون المقذوف ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا، قالوا ولو كان أبواه رقيقين أو كافرين.
[ ٤ / ٣٤١ ]
يلزم الحد في التعريض بالزنا أو بنفي النسب
• قوله:
١١٢ - «وفي التعريض الحد، ومن قال لرجل يا لوطي حد».
كما يكون القذف بالتصريح يكون بالتعريض متى فهم منه القذف لأنه مع القرينة يصير كالصريح على غرار الكنايات في الطلاق واليمين، ومن ذلك أن يقول له: أنا لست زانيا أو أنا عفيف الفرج، أو أبي معروف، أو يا رومي، قال مالك: «لا حد عندنا إلا في نفي أو قذف أو تعريض يرى أن قائله إنما أراد بذلك نفيا أو قذفا»، وقال القرطبي: «والدليل لما قاله مالك أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفا كالتصريح، والمعول على الفهم، وقد قال تعالى مخبرا عن شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]، أي السفيه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات،،، وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال حكاية عن مريم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨]، فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك،،،»، انتهى ببعض اختصار.
وفي الموطإ (١٥١٢) عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: «والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية»، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: «مدح أباه وأمه»، وقال آخرون: «قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد»، فجلده عمر الحد ثمانين»، انتهى، وقد استدل بعضهم على عدم الحد في التعريض بجواز التعريض في العدة، ورد بالفارق بين تشوف الشرع إلى ربط الصلات، وحرصه على وقاية الأعراض وحمايتها فافترقا، والمسألة محل نظر.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
لا يجب إلا حد واحد على من كرر موجبه قبل أن يقام عليه
• قوله:
١١٣ - «ومن قذف جماعة فَحَدٌّ وَاحِدٌ يلزمه لمن قام به منهم ثم لا شيء عليه».
إذا قال شخص لجماعة أنتم زناة مثلا، أو قذف كلا منهم بمفرده بمجلس أو مجالس، ثم قاموا عليه جميعا، أو قام بعضهم فإنه يجلد حد القذف مرة واحدة، ويكفي ذلك عن الجميع، وهذا مبني على أن حد القذف حق لله تعالى، ومما يدل عليه أن هلال بن أمية العجلاني لما رمى امرأته بشريك بن سحماء لاعن النبي ﷺ بينهما ولم يحد هلالا لأجل من رماها به، (في صحيح فقه السنة ولم يحد شريكا)، بل قال له النبي ﷺ: «البينة أَوْ حَدٌّ في ظهرك»، رواه البخاري وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس ﵄، والاستدلال على هذا الحكم بلفظ حد في ظهرك لكونه مفردا فيه نظر، وقد جلد عمر الشهود الثلاثة حدا واحدا، وقد قذفوا المغيرة ومن اتهم بها، وقد يعترض على هذا الاستدلال بأن المتهمة لم تعرف، وفي الموطإ عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال في رجل قذف قوما جماعة أنه ليس عليه إلا حد واحد»، قال مالك: «وإن تفرقوا ليس عليه إلا حد واحد»، انتهى.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
يحد حدا واحدا من قذف جماعة
• قوله:
١١٤ - «ومن كرر شرب الخمر والزنا فحد وَاحِدٌ في ذلك كله وكذلك من قذف جماعة».
من كرر موجب حد بعينه بعد أن أقيم عليه فلا خلاف في لزوم إقامة الحد عليه من جديد، وهذا نطير من حلف على شيء ثم حنث، ثم عاد فحلف عليه، فإن الكفارة تتعدد بتعدد حنثه، بخلاف ما لو كرر الحلف على الشيء ذاته قبل أن يحنث فإن الكفارة لا تعدد، وفيه تفصيل عندهم، وقد روى أبو داود (٤٤٨٤) وابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه»، ولا يراد بالسكر هنا حقيقته، بل المقصود الشرب كما هو لفظ حديث معاوية عند أبي داود وغيره، أما من تكرر ذلك منه قبل أن يقام عليه الحد، فإنه لا يكرر عليه بعدد المرات التي واقع فيها موجبه، لأن الحد لا يجب بمجرد الفعل، بل بثبوته عند من يقيمه من حاكم أو غيره، ولأن الفعل يصدق على المرة وغيرها، وهو لا يدل على المرة على الصحيح، وإن كانت من لوازمه، ونظيره كثرة الأحداث فإنها يجزئ عنها طهارة واحدة، وقوله: «وكذلك من قذف جماعة»، أعاده ليجمع بين النظائر، أو يحمل هنا على قذفهم متفرقين، وفيما تقدم على قذفهم مجتمعين.
والكلام هنا فيمن كرر موجب حد واحد، أما من ارتكب ما يستوجب حدودا شتى فقال عنه:
[ ٤ / ٣٤٤ ]
يجزئ القتل من لزمته جملة من الحدود إلا القاذف فإنه يحد قبل القتل
• قوله:
١١٥ - «ومن لزمته حدود وقتل فالقتل يجزئ عن ذلك كله إلا في القذف فليحد قبل أن يقتل».
من لزمه أكثر من حد فإما أن يكون من بينها القتل أو لا، فإن لم يكن من بينها القتل فلا بد من إقامتها عليه كمن سرق وزنى وهو بكر، وقذف، فهذا تقطع يده، ويجلد مائة ويغرب، ويجلد ثمانين، أما إن كان القتل أحد تلك الحدود كمن سرق وزنى وهو ثيب، فإن كان من بين الحدود القذف جلد أولا، ثم رجم، وإن لم يكن من بينها القذف اكتفى برجمه، لا فرق بين أن يتقدم موجب القتل أو يتأخر، وقد سبق ما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ من قول النبي ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سَنَة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وهو نص في الجمع بين الجلد والرجم، وجمهور العلماء على خلاف ذلك متمسكين بأن النبي ﷺ لم يجلد ماعزا ولا الغامدية ولا تلك التي زنى بها العسيف، ولا اليهوديين، لكن الظاهر أن هذا لا يصح الاستدلال به على ما نحن فيه لأنه في موجب واحد تعددت عقوبته، وكلامنا في حدود شتى، وإنما استثنوا حد القذف لكونه لدفع المعرة عن المقذوف، والقتل لا يدفعها، وقد روى سعيد بن منصور في سننه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك»، وضعفه الألباني في الإرواء (ح/ ٢٣٣٦).
[ ٤ / ٣٤٥ ]
يجلد ثمانين جلدة من شرب خمرا أو نبيذا سكر أو لم يسكر
• قوله:
١١٦ - «ومن شرب خمرا أو نبيذا مسكرا حد ثمانين سكر أو لم يسكر، ولا سجن عليه».
الخمر من المحرمات القطعية المجمع على تحريمها، وقد مرت بمراحل نظرا لكثرة شاربيها عند العرب، فقال تعالى معرضا بما فيها من ضرر بدليل المقابلة بين السكَر والرزق الحسن وشراب العسل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]، ثم بَيَّنَ الله تعالى أن ضررها أكثر من نفعها فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهذا كاف في المنع من شربها، وقد كان بعض العرب امتنع من شربها قبل الإسلام منهم أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مضعون، وأمية بن ابي الصلت، وعبيد الله بن جدعان ومنهم قيس بن عاصم المنقري، كف عنها بسبب حادثة وقعت منه تجاه بنته وهو سكران فقال:
رأيت الخمر صالحة وفيها … خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا … ولا أُشفَى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها أبدا حياتي … ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها … وتجنيهم بها الأمر العظيما
ثم نهى الله المسلمين أن يُصَلُّوا وهم في حالة السكر فَقَلَّتِ الأوقات التي يشربونها فيها في النهار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم حرمها الله تعالى بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال عنها رسول الله
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ﷺ: «الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية»، رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد جاءت الإشارة إلى معنى كونها أم الخبائث في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه، وخالته وعمته»، وقال رسول الله ﷺ: «لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها»، رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر، وقد كان العرب يسمونها الإثم جاء ذلك عنهم في أشعارهم منها قول القائل:
شربت الإثم حتى ضل عقلي … كذاك الإثم تفعل بالعقول
وقد حرمها الشرع لما في شربها من المضار الكثيرة على الإنسان وقد بَيَّنَ الأطباء وغيرهم من العلماء ذلك، وأكبر ما فيها فقد العقل الذي هو مناط التكليف، وهو إحدى الكليات التي جاءت الديانات بالمحافظة عليها، فالسكران يذهب عقله ويغدو كالحيوان، وقد يفعل ذلك بعض الناس ليفروا من واقعهم كما قال بعض العرب:
ولقد شربت من المدا … مة بالصغير وبالكبير
فإذا سكرت فإنني … رب الخَوَرنق والسدير!!
وإذا صحوت فإنني … رب الشويهة والبعير!!
والخورنق والسدير قصران فارسيان، والشويهة تصغير الشاة، وقد قيل للعباس بن مرداس في الجاهلية: «ألا تشرب الخمر، فإنها تزيد في حرارتك»؟، فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم، وأمسي سفيههم».
وقد نقل الإجماع على حد شارب الخمر، لكن اختلف في عدد الجلدات، والمذهب أنها ثمانون متى كان مسلما مكلفا حرا مختارا غير مضطر، والمضطر من به غصة ولم يجد ماء، ولا فرق بين من أسكره الشرب، ومن لم يسكره، ولو كان جاهلا بالحد أو بالحرمة لكونه حديث عهد بالإسلام، فلم يعذروه بذلك في شرب الخمر لشدة ضرره كما قالوا، وعذروه في الزنا وفيه نظر، ولا فرق بين القليل والكثير، وقد دل على أن حد الشرب
[ ٤ / ٣٤٧ ]
بيان أن النبيذ خمر لعلة الإسكار
ثمانون جلدة ما في حديث أنس ﵁ من أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين»، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وروي أن النبي ﷺ جلد في الخمر ثمانين»، وعن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر فنقوم إليه فنضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان صدرا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين»، رواه أحمد والبخاري، ومن نظر في أدلة المخالفين ترجح عنده أن الحد إما أربعون جلدة، أو ثمانون، وأن الزيادة على الأربعين موكولة إلى اجتهاد الإمام بحسب حال الشارب، فهذا هو الأقوى، والله أعلم، وقد جاء ما يدل على أن شارب الخمر متى حد، فإنه يقتل في الرابعة، والحديث رواه أبو داود وابن ماجة عن معاوية ﵁، ولا دليل على نسخه.
وقد ذكر المؤلف الخمر والنبيذ فلا بد من بيان الفرق بينهما، أما الخمر وهي مؤنثة ومذكرة، يقال هذا خمر وهذه خمر وخمرة، قال المعري:
أيأتي نبي يجعل الخمر طلقة … فتُذهب بعضا من همومي وأحزاني؟
وهيهات لو حلت لما كنت شاربا … مخففة في الحلم كفة ميزاني
يقول الناس إن الخمر تودي … بما في الصدر من هم قديم
ولولا أنها بالعقل تودي … لكنت أخا المدامة والنديم
وهي كما في القاموس المحيط «ما أسكر من عصير العنب، أو هو عام، والعموم أصح، لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر»، انتهى، والبُسر هو التمر قبل أن يرطب لغضاضته كذا في لسان العرب، وفيه «الخمر ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل»، انتهى.
قلت: ولا يختلف تعريفه عن سابقه لأن التعليل دال على شمول الخمر كل مسكر، والذي اعتبره صاحب القاموس أصح هو الصواب لأن الخمر تغطي العقل، وتستره
[ ٤ / ٣٤٨ ]
وتخامره كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «الخمر ما خامر العقل»، وهو عند الشيخين، وقد قال بعضهم:
لنا خمر وليست خمر كرم … ولكن من نتاج الباسقات
كرام في السماء ذهبن طولا … وفات ثمارها أيدي الجناة
ولو قدرنا أن اسم الخمر لا يطلق إلا على ما كان من العِنَب فقد جاءت النصوص الكثيرة تدل على أنه حقيقة شرعية في عموم ما يسكر.
أما النبيذ عند من فرقوا بينه وبين الخمر فهو ما كان من غير عصير العنب، فهذا عندهم لا يسمى خمرا فلا يحرم منه إلا القدر الذي يسكر، وإنما ذكره المؤلف ليرد على من لم ير حرمة غير القدر المسكر منه وهم الحنفية وبعض الشافعية ولهم في ذلك تفصيل متمسكين بقصر الخمر على ما كان من عصير العنب، ومما يدل على أن الخمر يشمل كل مسكر قول النبي ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقوله ﷺ: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرَق فملء الكف منه حرام»، رواه أبو داود والترمذي، والفرَق مكيال يسع ستة عشر رطلا، وقوله ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وهو قاض على ما في سابقه من قوله فملء الكف منه حرام، فإنه لا يؤخذ بمفهومه، بل القطرة من الخمر محرمة يقام الحد على من شربها سدا للذريعة، وروى مالك في الموطإ ومن طريقه البخاري ومسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: «كل شراب أسكر حرام»، والبتع هو الخمر من العسل، بل في هذه النصوص دلالة على أن كل ما أسكر من المائعات والجامدات والنباتات كالأفيون والحشيشة والمخدرات هو خمر لتوفر العلة التي هي مناط التحريم، أما ما لا يسكر بل يفتر فالمذهب أنه يؤدب فاعله، ولذلك فلا مفهوم لقول النبي ﷺ: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة»، رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، ولعل المراد هو غالب ما كانت تصنع منه الخمر، ولو سلم ما ذهب إليه
[ ٤ / ٣٤٩ ]
الذين قصروا الخمر على ماء العنب، ولم تكن هناك نصوص تعتبر كل مسكر خمرا فكيف يحدون المقدار الذي يسكر من غيره وهو متفاوت بتفاوت الناس، ومدى اعتيادهم الشرب، والنصوص كما رأيت قاطعة برد هذا المذهب، وقياس كل مسكر على ما كان من ماء العنب من أجلى القياس فكيف تركه قادة القياس؟.
ومما يذكر أن أحد الشعراء قال يرد على وكيع بن الجراح ﵀ وقد كان يرى جواز شرب نبيذ الكوفة وكثيره مسكر، وكان متأولا في ذلك، قال:
فأشربها وأزعمها حراما … وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالا … وتلك على الشقي خطيئتان
وما قاله من وصفه بالشقي وزعمه أن عليه خطيئتين يعني خطيئة الشرب وخطيئة الاستحلال ليس بصحيح لأن من اجتهد ولم يصب الحق فله أجر واحد، فإن أصاب فله أجران، لكن لا اجتهاد مع النص عند من بلغه متى بلغه، وخير مما قاله هذا الشاعر قول الآخر:
تركت النبيذ لأهل النبيذ … وصرت حليفا لمن عابه
شراب يدنس عرض الفتى … ويفتح للشر أبوابه
[ ٤ / ٣٥٠ ]
تجريد المحدود مما يقيه ألم الضرب ولا تجرد المرأة ويجلدان قاعدين
• قوله:
١١٧ - «ويجرد المحدود ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب ويجلدان قاعدين».
هذه كيفية الحد إذا كان جلدا، فالذكر يجرد من كل ثيابه إلا ما يستر عورته، وهي من السرة إلى الركبة، والمرأة لا تجرد لأنها كلها عورة، فإن كان عليها ما يمنع تألمها بالضرب كالفرو ألقي عنها كي تحس بالألم وتنزجر عما ارتكبته، ويحدان قاعدين غير مربوطين، ليتمكن الضارب منهما، ومحل ضربهما الظَّهْرُ والكتفان فلا يضربان في الوجه ولا في الرأس ولا في البطن، ودليلهم على الاقتصار على ضرب الظَّهْرِ قوله ﷺ: «البينة وإلا فحد في ظهرك»، وليس هذا بالبين، ولا يكون الضرب شديدا يبضع أو يكسر، ويجلدان في وقت معتدل فلا يقصد وقت البرد الشديد ولا الحر الشديد، ويكون الجلد بسوط من جلد ذي رأس واحد لين، ويوالى بين الضرب، ولا يفرق على الأيام إلا إذا خشي هلاك المجلود بذلك.
[ ٤ / ٣٥١ ]
لا تحد الحامل حتى تضع ولا يحد المريض حتى يبرأ في غير حد القتل
• قوله:
١١٨ - «ولا تحد حامل حتى تضع ولا مريض مثقل حتى يبرأ».
إنما يؤخر حد الحامل حتى تضع لأن جلدها قد يتأثر به حملها فضلا عن رجمها، ولا يجني أحد على غيره، وكذلك المريض، فإن حده إذا كان جلدا أو قطعا ربما أدى إلى زيادة مرضه أو موته، وليس ذلك بمقصود من الحد، بخلاف ما إذا كان الحد قتلا فإنه لا يؤخر، وقد دل على تأجيل حد الحامل حتى تضع حديث بريدة أن النبي ﷺ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: «يا رسول الله طهرني»، فقال: «ويحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه»، فقالت: «أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك»، قال: «وما ذاك»؟، قالت: «إنها حبلى من الزنا»، قال: «أنت»، قالت: «نعم»، فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: «قد وضعت الغامدية»، قال: «إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه»، فقام رجل من الأنصار فقال: «إلي رضاعه يا نبي الله»، قال: «فرجمها»، رواه مسلم، فأما ترك المريض حتى يبرأ فَلِمَا رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن علي ﵁ أن أَمَةً للنبي ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت، اتركها حتى تماثل»، يقال تماثل المريض إذا قارب البرء.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
واطئ البهيمة يعاقب ولا يقتل
• قوله:
١١٩ - «ولا يقتل واطئ البهيمة وليعاقب».
واطئ البهيمة مرتكب لمنكر لأنه أتى ما لم يحله الله له، وهو معتد بنص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فلما لم يثبت عندهم حديث ابن عباس «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه»، رواه أصحاب السنن الأربعة غير النسائي (د/ ٤٤٦٤)، وقد قيل إن مالكا أنكره، كان الواجب معاقبته وتعزيره، ولهذا نص المؤلف عليه.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
لا قطع إلا في السرقة
شروط القطع في السرقة
• قوله:
١٢٠ - «ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو زِنَة ثلاثة دراهم فضة قطع إذا سرق من حرز».
أخذ مال الغير ظلما باعتبار كيفية الأخذ له صور هي الغصب والحرابة والخُلسة والانتهاب والخيانة والجحد والسرقة، ولا قطع إلا في السرقة، أو في الحرابة على التخيير وقد مر، وقد حد ابن عرفة السرقة بقوله: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه»، انتهى.
وللقطع في السرقة شروط في السارق والمسروق:
فالتي في السارق العقل والبلوغ وعدم مملوكيته للمسروق منه، يعنون بذلك أن العبد لا يقطع إذا سرق مال سيده، وهو في إجماعات ابن المنذر، وكونه لا ولادة له على السارق، فلا يقطع الوالد إذا سرق مال ولده، لأن له فيه شبهة، وأن لا يكون مضطرا للسرقة بسبب الجوع الشديد، فقد روى أحمد وغيره عن عمير مولى أبي اللحم ما يدل على جواز ذلك مع غرمه، قال عمير: «أقبلت مع سادتي نريد الهجرة، حتى دنونا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة، وخلفوني في ظهرهم، قال فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا لي: لو دخلت المدينة فأصبت من ثمر حوائطها، فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط، فأتى بي إلى رسول الله ﷺ، وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: «أيهما أفضل»؟، فأشرت له إلى أحدهما، فقال: «خذه»، وأعطى صاحب الحائط الآخر وخلى سبيلي»، وهو في الصحيحة برقم (٢٥٨٠)، ولينظر أيضا حديث عبادة ابن شرحبيل عند أبي داود وابن ماجة.
والتي في المسروق أن يكون مما ينتفع به انتفاعا شرعيا، فلا قطع على من سرق ما لا يؤكل كالحمار إذا أشرف على الموت، ولا على من سرق عصافير أو بلابل لأجل إجابته،
[ ٤ / ٣٥٤ ]
حد السرقة
الحد الأدنى المسروق الذي يجب فيه القطع
لأن ذلك لا يشرع، وفيه نظر، وأن يكون نصابا، وسيأتي بيانه، وأن يكون مملوكا لغيره، بخلاف من سرق ملكه المرهون أو المستأجر أو المودع، وأن يكون ملك الغير تاما، فيخرج الشريك إذا سرق من مال شريكه، إلا أن يُحجب عن مال الشركة، ويسرق نصابا زيادة على حصته، وأن يكون محترما، بخلاف سرقة الخمر والخنزير أو آلة اللهو نحو الطنبور، فإنه لا يقطع، لا فرق بين أن تكون لمسلم أو ذمي، غير أنه يضمن القيمة للذمي إن تلفت العين، وإلا ردها، وأن يأخذه من حرزه، واكتفى المؤلف بذكر بعض ذلك وهو النصاب والحرز لأن بعض ما ذكر من الشروط غير مختص بالسرقة، وبعضها معروف.
وحد السرقة هو قطع اليد اليمنى من الكوع، وقد جاء هذا الحد في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]، وحد القطع في الآية مجمل، ولهذا اختلف فيه، والعمدة الاكتفاء في الدماء بأقل ما قيل فيها احتياطا، وإلا فاليد في اللغة صالحة لأن يراد بحدها الكوع والمرفق والمنكب، وقد يقال إن اليد متى أطلقت كان حدها الكوع، ولذلك قيدت في الوضوء بالمرفقين، وجاءت السنة الصحيحة العملية حيث أطلقت في التيمم بأن حدها الكوعان.
أما النصاب وهو الحد الأدنى الذي يجب فيه القطع، فقد بينته السنة، إذ روى مالك (١٥١٤) والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر أن النبي ﷺ قطع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم»، وعند بعض قيمته ثلاثة دراهم، ورويا هما وأصحاب السنن عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا»، وهو في الموطإ (١٥١٧) عنها بلفظ: «ما طال علي وما نسيت: «القطع في ربع دينار فصاعدا»، ومقدمته تدل على أنها تقصد رفعه إلى النبي ﷺ.
والنصاب في المذهب ثلاثة أشياء: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما يوم السرقة، لا يوم الحكم، لأن الأول هو وقت التعلق بالذمة، ومعنى هذا أنه يراعى في نصاب سرقة العروض قيمتها بالدرهم لا بالدينار، والظاهر في هذا العصر اعتبار القيمة بالدينار للتدنّي الكبير في الفضة، ولما فيه من الاحتياط للدماء، وربع الدينار هو ٣٠، ١ غ، ووزن الدراهم الثلاثة نحو ٩ غ، وقد ترى اختلافا بين ما هنا وما
[ ٤ / ٣٥٥ ]
لا قطع إلا إذا سرق من الحرز
سبق من ترجيح اعتبار الفضة في الزكاة، وليس الأمر كذلك، فما تقدم فيه احتياط لحق المساكين وهذا درء للحد بالشبهة، والله أعلم.
وقد هال بعض الناس هذا الفرق الكبير بين الذي تقطع فيه اليد وهو ربع دينار، والذي تودى به وهو خمسمائة دينار، ومن هؤلاء فيما ذكروا أبو العلاء المعري الذي أورد حيرته في صورة إشكال دل على جهله وقلة عقله كما قال ابن كثير في تفسيره:
يد بخمس مئين عسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تناقض ما لنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء - يوم كانت لهم صولة - فهرب منهم، وقد أجابوا عن شبهته ومنهم القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ الذي قال: «لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت»، وقيل في الجواب:
يد بخمس مئين عسجد وديت … لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها، وأرخصها … خيانة المال فانظر حكمة الباري
وقد يدل تنصيص المؤلف على النصاب الذي يقطع فيه السارق الرد على من ذهب إلى القطع في أكثر من ذلك أو أقل، واستدل القائلون بالقطع من غير تحديد بقول النبي ﷺ: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل قتقطع يده»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، والظاهر حمله على التنفير من السرقة، لأن قليلها الذي لا قطع فيه كثيرا ما يؤدي إلى ما فيه القطع.
وقوله إذا سرق من حرز قيد في القطع، إذ لا يقطع من سرق من غير الحرز، وليس للحرز ضابط شرعي قَارُّ، بل هو كل ما يعتبر من لم يَضَعِ الشيءَ فيه مُضَيِّعًا له، فَحِرْزُ كُلّ شيء بِحَسَبِه، ولهذا يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأزمنة والأعراف، ومن ذلك أن يكون الشيء مع صاحبه على المذهب كما في حديث صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي، فَسُرِقَتْ فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ، فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله: «أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: «فهلا
[ ٤ / ٣٥٦ ]
كان قبل أن تأتيني به»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، والخميصة كساء، وفيه حجة لأهل المذهب على أن الشيء إذا كان في حضرة صاحبه فذلك حرز له.
ودليل عدم القطع على من سرق من غير الحرز حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غيرَ متخذ خُبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمنَ المجن فعليه القطع»، رواه أبو داود (٤٣٩٠) والنسائي وابن ماجة، وحسنه الألباني، والمراد بالخبنة بضم الخاء وسكون الباء أن يحمل المرء شيئا في ثوبه، أصله خبن الثوب يخبنه خبنا إذا عطفه ليقصر، وفي القاموس والجُرن بالضم وكأمير ومنبر البيدر، وفي النهاية هو موضع تجفيف التمر.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
• قوله:
١٢١ - «ولا قطع في الخلسة».
الخلسة بضم الخاء وسكون اللام من الخلس وهو السلب، وهو الاختلاس أيضا، والمراد أخذ المال ظاهرا غفلة، فلا قطع فيها لأنها ليست سرقة، ويدل عليه حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي حسن صحيح، وفي الموطإ (١٥٢٨) عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم أُتي بإنسان قد اختلس متاعا فأراد قطع يده، فأرسل إلى زيد بن ثابت فقال زيد بن ثابت: «ليس في الخلسة قطع»، انتهى، والمنتهب الآخذ علانية قهرا، والخائن الآخذ خفية، كأن يأتمنه المالك فيأذن له في دخول داره فيأخذ الشيء، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم قطع المختلس ولم يخالف إلا إياس بن معاوية.
فإن قلت: ما وجه التفريق في القطع بين السرقة والخلسة والخيانة والانتهاب وغيرها؟، فالجواب: أن الدليل إنما دل على القطع في السرقة، ومعناها معروف عند العرب، والقرآن نزل بلغتهم، وهذا يكفينا، فإن اهتدينا إلى شيء من الحكمة في هذا التفريق فذاك وإلا سلمنا وسكتنا، ونفي القطع لا ينفي التأديب والتعزير كما علمت، وقد قال القاضي عياض ﵀: «شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غيرها كالاختلاس والانتهاب والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهل إقامة البينة عليه بخلافها فيعظم أمرها، واشتدت عقوبتها ليكون ذلك أبلغ في الزجر عنها»، انتهى بالنقل عن عون المعبود (١٢/ ٣٩).
[ ٤ / ٣٥٨ ]
ماذا يفعل بمن كرر السرقة بعد أن أقيم عليه الحد
• قوله:
١٢٢ - «ويقطع في ذلك يد الرَّجُلِ والمرأة والعبد، ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف، ثم إن سرق فيده، ثم إن سرق فَرِجْلُهُ، ثم إن سرق جلد وسجن».
أما أن القطع على الرجال والنساء والعبيد فبنص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولأن الأصل التساوي في التكليف، ولأن النبي ﷺ قطع يد المخزومية، وقال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، ولأن حد القطع لا يتبعض حتى يقاس ذلك على تنصيف حد الزنا المنصوص عليه بالنسبة للمملوك.
أما الترتيب الذي ذكره في القطع منى تكرر موجبه، فإن الذي في كتاب الله تعالى هو قطع الأيدي، وهذا يصدق على اليمنى واليسرى، وقراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهما، وهي لم تصح قرآنا فلتكن تفسيرا، ومن الحكمة في ذلك كما قال في تفسير المنار: «إيقاع العذاب على العضو المباشر للجريمة لأن التناول يكون باليمين غالبا»، انتهى بتصرف، أما القول بأن الإطلاق لو كان مرادا والامتثال للأمر في الآية يحصل بقطع اليمين أو الشمال لما قطع النبي ﷺ إلا اليسار، على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن، جريا على ما اعتاده في أنه: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما»، انتهى، فهو حق لو ثبت أنه ﷺ قطع اليمين، والمُعَوّلُ تفسير ابن مسعود، مع فعل الصحابة وهم يعلمون اختياره ﷺ لأيسر الأمور ما لم تكن إثما، وهم أدرى بسنته من غيرهم، ولا ريب أن قطع اليمين فيه حرمان السارق من أن يأكل بها أو يصافح أو يتناول بها الأشياء كما هي السُّنَّةُ، فقطعها من جملة النكال المعلل به حد السرقة في الآية المتقدمة، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن اليمنى هي التي تقطع أَوَّلًا.
والترتيب المذكور جاء فيما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٤ / ٣٥٩ ]
«إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رِجْلَهُ فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاده فاقطعوا رِجْلَهُ»، صححه في الإرواء (ح/ ٢٤٣٤)، والانتقال في المرة الثانية إلى الرِّجْلِ مناسب لحاجة المرء إلى اليد أكثر من حاجته إلى الرِّجْلِ، وقد جاء بيان ما يقطع في حديث عبد الله بن زيد الجهني عند أبي نعيم وهو ضعيف.
فإن قلت: روي عن مالك القول بقتله في المرة الخامسة، فالجواب: أنه قد قيل إنه رجع عن ذلك واستقر مذهبه على الاكتفاء بتعزيره، لكن دليل ما روي عنه موجود وهو ما أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي عن جابر مرفوعا، وفيه قول جابر: «فأتي به في الخامسة فقال: اقتلوه، قال: فانطلقنا به فاجتررناه، فالقينا به في بئر، ورمينا عليه الحجارة»، وانظر الإرواء.
وقد روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرِّجْلِ قَدِمَ، فنزل على أبي بكر الصديق فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق»، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرَّجُلُ يطوف معهم ويقول: «اللهم عليك بمن بَيَّتَ أهل هذا البيت الصالح»، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: «والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته»، قال ابن عبد البر: «حصل اتفاق جمهور السلف والخلف على جواز قطع الرِّجْلِ بعد اليد، من قال بقول الحجازيين، ومن قال بقول العراقيين وهم عامة العلماء قالوا بذلك وهم يقرؤون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وهذه مسألة تشبه المسح على الخفين، وهم يقرؤون غسل الرجلين أو مسحهما، وتشبه الجزاء في الصيد في الخطإ، وهم يقرؤون: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، والجمهور لا يجوز عليه تحريف الكتاب، ولا الخطأ في تأويله، وإنما قالوا ذلك بالسنة المسنونة لهم والأمر المتبع»، انتهى.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
حكم من أقر بالسرقة ثم رجع
• قوله:
١٢٣ - «ومن أقر بسرقة قطع، وإن رجع أقيل وغرم السرقة إن كانت معه، وإلا اتبع بها».
هذا بيان أعظم ما ثتبت به السرقة وهو الإقرار، ولا يشترط تكريره، بل تكفي المرة الواحدة منه ما لم يكن المقر مكرها، فإن رجع عنه لم يقطع، من غير فرق بين أن يرجع معللا بالشبهة أو من دونها، لكنه يلزمه رد المسروق أو مثله، أو غرم قيمته، وإلا كان في ذمته، لأن الإقرار بحقوق الناس لا رجوع فيه، والدليل إنما جاء بقبول الرجوع فيما يترتب عليه إقامة الحد الذي هو حق لله، وسيأتي مزيد بيان لهذا، كما تثبت السرقة بالشاهدين العدلين، وهل تثبت بالشاهد الواحد والمرأتين؟، الجمهور على أن ذلك خاص بالأموال، وورودها في سياق كتابة الدَّيْنِ لا يكفي لجعل الحكم خاصا به، ما لم يأت ما يعارض ذلك نصا كما في الشهادة على الزنا والله أعلم.
[ ٤ / ٣٦١ ]
من لم يخرج المسروق من حرزه لا يقطع
حكم النباش إذا لم يخرج الكفن من القبر
• قوله:
١٢٤ - «ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر»
معنى هذا أن يأخذ السارق شيئا لكنه لا يخرجه من الحرز، كأن يمسك بشاة من الحظيرة لكنه لا يخرجها منها، أو يأخذ بعض أثاث البيت، فيدرك قبل أن يخرجه منه، فلا قطع عليه، وقد عللوا ذلك بأنه لا يثبت له حكم السرقة حينئذ، كما لا يثبت حكم الزنا لمن جلس بين شعب المرأة الأربع، ولم يولج، ولا حكم الشرب لمن أحضر الخمر ولم يشرب، ولا القصاص لمن شرع فيه ولم يقتل، وقد ذكر المؤلف القبر وهو من أفراد الحرز، فإن النباش يقطع إذا سرق نصابا، وأخرجه من القبر الذي هو حرز لما فيه، لا فرق بين أن يكون القبر قريبا من العمران أو بعيدا بل لو سرق كفن ميت رمي في البحر لكان عليه القطع لأن البحر حرز له، وشرط القطع في سرقة الكفن أن يكون معتادا ولو مندوبا، أما ما زاد على ذلك فلا قطع فيه، وقد روى مالك في كتاب الجنائز عن عائشة عن أبي الرجال عن أمه عمرة قالت: لعن رسول الله ﷺ المختفي والمختفية»، يعني نباش القبور، وقد روي مسندا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- من حديث مالك، كما في السنن للبيهقي.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
حكم من سرق من بيت أذن له في دخوله
• قوله:
١٢٥ - «ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع، ولا يقطع المختلس».
إذا أذن المرء لأحد بدخول بيته أو حانوته أو مكتبه، فأخذ شيئا هو نصاب القطع فلا حد عليه، لأنه خائن، وقد تقدم بيان معنى الخيانة، وهكذا إذا أخذ الشيء خلسة، وقد كرر المؤلف هذه المسألة مع قرب العهد بها لكنه غَيَّرَ العبارة، وقد سقطت في بعض النسخ، وتقدم دليل الحكم، ويذكر هنا أن الزوج إذا سرق من مال زوجه لا قطع عليه إلا إذا كان الموضع محجورا عليه دخوله.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
• قوله:
١٢٦ - «وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه، وما كان في رقبته فلا إقرار له».
الأصل أن إقرار العبد كالحر يترتب عليه حكمه، لكنهم قالوا إن أقر بما فيه عقوبة في بدنه كالقذف والسرقة والزنا وشرب الخمر لزمه ما اعترف به، لأنه جناية على نفسه وإضرار بها، فلا يتهم في اعترافه، بخلاف ما لو أقر بما يرجع إلى حق يتعلق برقبته كأن يعترف بقطع يد حر خطأ، وسائر ما يمكن أن تؤخذ رقبته فيه فلا يترتب على اعترافه حكم لأنّه يُتَّهَمُ في ذلك كأن يكون راغبا في الانتقال من عند سيده أو إلحاق ضرر به، أو نفع المعترف له، ولهذا إن صدقه السيد في ذلك مضى اعترافه، وقد فرق مالك بين الأمرين في الموطإ (باب ما لا قطع فيه).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
لا قطع في ثمر معلق ولا في الغنم الراعية
• قوله:
١٢٧ - «ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجُمّارِ ولا في النخل ولا في الغنم الراعية حتى تسرق من مراحها، وكذلك التمر في الأندر».
بَيَّنَ هنا مالا قطع فيه لكونه لم يؤخذ من الحرز ومنه الثمر المعلق في شجره على أصل خلقته، لكن اختلف فيما كان عليه باب مغلق في البساتين، فقيل يقطع، وقيل لا يقطع، أما ما كان في الدور فإنه يقطع لأنه في حرزه، قال خليل عاطفا على ما لا قطع فيه: «أو ثمر معلق إلا بغلق فقولان»، انتهى، والجُمَّار بضم الجيم وشد الميم هو ثمر النخل قبل أن يبرز من كُمه، فهذا لا قطع فيه لأنه كالمتقدم، وقد روى أحمد والأربعة عن رافع بن خديج ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر»، وهو في الموطإ (١٥٢٦) ومعه قصة، والكَثَر بمفتوحتين هو الجمار، والظاهر حمل عدم القطع على ما إذا كان في أصله في البساتين، ولعل ذلك لجواز الأكل منه من غير اتحاذ خبنة كما سبق، ومن ذلك الغنم في حال رعيها، فإن من أخذ منها لا قطع عليه على المشهور سواء أكان معها راعيها أَمْ لا، وقد استثنوها من قاعدة أن كل شيء بحضرة صاحبه فهو في حرزه، وعلل بعضهم هذا الاستثناء أن الغنم في حال رعيها تكون متفرقة بخلاف وقت سوقها ووجودها في مُرَاحها (بضم الميم) وهو موضع مقيلها ورقادها فإنها تكون مجتمعة، والأندر هو الجرين، والجرين موضع تجفيف التمر كما في النهاية وهو حرز لما فيه، ومثله البيدر للقمح، وكل موضع معد لجمع الحبوب وسائر ما يوضع فيه من الثمار قرب من البلد أو بعد.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
لا تجوز الشفاعة متى بلغ الخبر الإمام
• قوله:
١٢٨ - «ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف».
الشفاعة أمر مرغوب فيه كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]، وقد قال مجاهد إنها نزلت في شفاعات الناس بعضهم لبعض»، ومن ذلك الشفاعة للمتهم عند الرافع له إلى الحاكم قبل بلوغ الخبر للحاكم، وذلك لأن الحد لا يثبت بمجرد الفعل، فإن بلغ الأمر الحاكم فلا يجوز العفو ولا ينفع، بل إن النبي ﷺ قد حض على ذلك بقوله: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب»، رواه أبو داوود والنسائي عن ابن عمرو، وقوله تعافوا أي ليعف بعضكم عن بعض، ويدل على ذلك أيضا حديث صفوان بن أمية قال: «كنت نائما في المسجد على خميصة لي، فَسُرِقَتْ فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ، فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله: «أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما؟، أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: «فهلا كان قبل أن تأتيني به»، رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، وروى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: «لا، حتى أبلغ به السلطان»، فقال الزبير: «إذا بَلَغْتَ به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع»، قال ابن عبد البر: «هذا منقطع ويتصل من وجه صحيح»، انتهى، وقال النبي ﷺ: «اشفعوا تؤجروا فإني لأريد الأمر فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا» رواه أبو داود والنسائي عن معاوية ﵁، والمشفع هو الذي يقبل الشفاعة، فالشفاعة بعد بلوغ الخبر للسلطان هي من الشفاعة السيئة، وإنما ورد النهي عنها لأن ترك إقامة الحد حينئذ يجرئ على محارم الله، ويؤدي إلى إقامة الحد على بعض الجناة وعدم إقامته على بعضهم، وقد يقتصر الأمر على
[ ٤ / ٣٦٦ ]
الضعيف الذي لا يجد من يشفع له، ولذلك قال النبي ﷺ لِحِبِّهِ أسامة بن زيد ﵄ لما شفع لديه في المخزومية: «أتشفع في حد من حدود الله»؟، ثم قام فخطب، فقال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، رواه الشيخان (خ/ ٦٧٨٨) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ولا فرق في لزوم إقامة الحد على الجاني بين أن يكون قد تاب قبل القدرة عليه أولا.
قلت: الأدلة قوية على أن التوبة قبل القدرة على الجاني تنفعه في درء الحد عنه ما لم يطالب هو به، وقد نص عليها في حد الحرابة كما تقدم، وتعضد هذا المذهب عمومات من الكتاب والسنة، ووقع الخلاف في عفو المقذوف بعد بلوغ الأمر للإمام، فقيل يجوز العفو بناء على أن القذف حق للمقذوف، وقيل لا يجوز بناء على أنه حق لله تعالى، ما لم يرد المقذوف الستر على نفسه فيجوز اتفاقا، ويؤيد عدم جواز العفو بعد بلوغ الخبر للإمام عمومات النهي عن الشفاعة حينئذ، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
• قوله:
١٢٩ - «ومن سرق من الكم قطع، ومن سرق من الهُرِي وبيت المال والمغنم فليقطع، وقيل إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع».
ذكر هنا أمثلة لما فيه القطع، ولو ذكرت أمثلة لما هو حرز لكان أفضل، والكم معروف، ومثله العمامة والحزام لأن المرء حرز لما معه سواء أكان مالكا له أو حافظا، كبيرا أو صغيرا يتأتى منه الحفظ، ولو كان نائما، أما لو سرق الشيء وصاحبَه كما لو سرق الدابة وراكبها فإنه لا يقطع، والهُرِي بضم الهاء وكسر الراء بيت يجعله السلطان للمتاع والطعام، وبيت المال للنقدين الذهب والفضة، فهذان حرز لما فيهما، أما قطع من سرق من المغنم فلضعف الشبهة، وهي أن له فيه حقا لكونه من الغانمين فهو قريب الشبه ممن سرق من مال الشركة، والقول الآخر أنه لا يقطع إلا إذا سرق أكثر مما ينوبه بثلاثة دراهم، لأن ما ينوبه حق له، وإنما أخذه بدون علم الإمام، وهو قول عبد الملك، والأول لابن القاسم.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
يتبع السارق بقيمة ما فات من السرقة متى كان غنيا
• قوله:
١٣٠ - «ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه، ولا يتبع في عدمه، ويتبع في عدمه بما لا يقطع فيه من السرقة».
إقامة الحد على السارق لا يعفيه من إرجاع المسروق لصاحبه إن كان قائما لأن الحد حق الله تعالى بانتهاك الحرز، والمال لصاحبه، ولا مانع من اجتماعهما، بل له نظير وهو اجتماع الجزاء في الصيد المملوك في الحرم مع ضمان قيمته لمالكه، فإن تلف المسروق أو بعضه ضمن قيمة التالف إن كان مليا مستمر الملاء من يوم السرقة إلى يوم القطع، فإن أعسر جزءا من الزمن بَيْنَ سرقته وقطعه فلا يتبع، لئلا تجتمع عليه عقوبتان: القطع وشغل الذمة، وقد استحسن ابن القيم تفريق المالكية بين الموسر والمعسر، فقال: «وهذا استحسان حسن جدا، وما أقربه من محاسن الشرع، وأولاه بالقبول،،،»، انتهى، لكن إن سرق دون النصاب أو رجع عن إقراره ضمن من غير فرق بين موسر ومعسر، هكذا قالوا، والله أعلم، وقد روى النسائي والحاكم عن أُسيد بن حضير عن النبي ﷺ في السرقة قوله: «إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخبر سيدها، فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنها، وإن شاء اتبع سارقه».
وقد انتهى بهذا باب الدماء والحدود، فلله الحمد والمنة.
[ ٤ / ٣٦٩ ]