سلك المؤلف في رسالته منهج الوصف، وربما ذكر درجة الحكم من واجب ومندوب وغيرهما أحيانا، فأراد بهذا الباب استدراك ما فاته من ذلك أَوَّلًا، وليذكر أمورا لم يعقد لها بابا مستقلا، فهو إذن باب جامع لا يختص بشيء من أبواب الفقه، ولهذا كثيرا ما يحيل عليه الشراح لمعرفة الحكم، والظاهر أن معرفة صفة العبادة خير من مجرد معرفة حكمها من واجب أو مستحب، إلا أن يقترن بذلك العلم بالكيفية، وقد ذكرت في مقدمة هذا الكتاب شيئا من هذا عند حديثي على خصائص هذه الرسالة.
وأضيف هنا أن مما يشهد لتقديم الوصف آية الوضوء التي في سورة المائدة، وهي من أواخر السور نزولا، ولم تنزل إلا بعد مدة من إيجاب الله الوضوء، وذلك حتى يكون حكما متلوا، وقد عرفه الصحابة بفعل النبي ﷺ ووصفه، وإنما يستند العلماء في معرفة حكم غسل أعضاء الوضوء إلى آيته، وكون فعله ﷺ بيانا لها، وقد جاء الأمر بالمضمضة والاستنثار.
قال أبو بكر بن العربي عن باب الجامع في الموطإ: «هذا كتاب اخترعه مالك ﵁ لفائدتين: إحداهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنفها أبوابا ورتبها، والأخرى أنه لحظ الشريعة وأنواعها، ورآها مقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عادة وعبادة، وإلى معاملات وجنايات، فنظمها أسلاكا، وربط كل نوع بجنسه، وشذت عنه من الشريعة معان مفردة، لم يتفق نظمها في سلك واحد لأنها متغايرة المعاني، ولا أمكن أن يجعل لكل منها بابا لصغره، فجمعها أشتاتا، وسمى نظامها كتاب الجامع»، انتهى.
ولمالك في الموطإ أبواب سماها جامعا بحسب الباب الأم، كجامع الوقوت، وجامع الوضوء، وجامع الحيضة، وقال أبو الحسن في آخر باب الفرائض من شرحه: «ثم
[ ٥ / ٥ ]
انتقل يتكلم على ما اختص به مذهب مالك -رحمه الله تعالى- لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب»، انتهى.
والجمل جمع جملة، والمراد ما يذكره من الأمور المحكوم عليها بالإيجاب والحرمة وغيرهما، فمثلا الوضوء للصلاة فريضة جملة، والسواك مستحب جملة وهكذا.
والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، وهي الواجب والمحتم واللازم، والسنن جمع سنة وهي في اللغة الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والمقصود هنا ما ليس بواجب.
وأراد بقوله الواجبة أي المؤكدة، وقيل هي الواجبة بالسنة، والرغائب جمع رغيبة هي ما دون السنة مما رغب فيه الشرع ولم يظهره النبي ﷺ في جماعة، فهي دون السنة وفوق المستحب، وهذا اصطلاح لأهل المذهب المغاربة، واعتبر المالكية البغداديون ما ليس بواجب في منزلة واحدة، والصواب إن شاء الله أن ما دون الواجب قد قام الدليل على تفاوته في المنزلة في الجملة، فإن الصلاة قبل المغرب ليست في منزلة الرواتب، ولا الرواتب النهارية في منزلة الوتر الذي ذهب بعض أهل العلم إلى أنه واجب، وقد قيل أيضا بإيجاب ركعتي الفجر وهي مما لم يتركه النبي ﷺ لا سفرا ولا حضرا، لكن أهل المذهب أكثروا من التفاصيل والاصطلاحات في هذا الأمر فلم ينضبط لهم ما راموه، قال زروق ﵀: «وقد اضطرب أهل المذهب بما يفهم منه أن ذلك راجع للاصطلاح، وهو لا يتقيد بغير قصد واضعه»، انتهى.
[ ٥ / ٦ ]
الوضوء للصلاة فريضة إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين
• قوله:
٠١ - «الوضوء للصلاة فريضة وهو مشتق من الوضاءة إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة».
الوضوء بضم الواو هو الطهارة المائية المعروفة، وبفتحها الماء المعد له، واشتقاقه من الوضاءة وهي البهاء والحسن، وأما كونه فريضة فلقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وقال النبي ﷺ: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»، رواه مسلم عن ابن عمر، وروى الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، ونفي القبول هنا نفي للصحة وللثواب.
وفرائض الوضوء في المذهب سبعة: غَسْلُ الأعضاء الأربعة المذكورة في الآية، والنية والدلك والموالاة (الفور)، ورواية المدنيين أن ترتيب الفرائض من الواجبات وما أحراه أن يكون كذلك، ما لم يصح فعل النبي ﷺ الوضوء عير مرتب، ولو مرة.
وقوله إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة»، بقي عليه ﵀ غسل اليدين إلى الكوعين، ورد مسح الرأس، أما الاستنثار فقد استغنى عنه بذكرالاستنشاق، وسابع السنن في المشهور ترتيب الفرائض.
وقد جاء في الأذنين قول النبي ﷺ: «الأذنان من الرأس»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي أمامة، ولم يقل النبي ﷺ ذلك ليبين الجانب الخَلقي، فإن الغرض بيان الشرع، وللشرع هنا ثلاثة أمور: أولها حكم المسح من إيجاب أو استحباب، ومسح الرأس واجب فيكون مسهما واجبا بالقرآن، والثاني الصفة وهي المسح أو الغسل، والرأس يمسح، والثالث تجديد الماء لهما وعدمه، فمن اكتفى بالاستدلال بالحديث على
[ ٥ / ٧ ]
عدم تجديد الماء فقد قصر العموم على بعض أفراده من غير دليل، بل الظاهر أنهما من الرأس في المسح وفي عدم التجديد، وفي الحكم، وقد جاء عن مالك ﵀ في المدونة باب ما جاء في مسح الرأس قال: «الأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء، وكذلك فعل ابن عمر»، انتهى، وفعل ابن عمر المذكور هو في الموطإ، فالظاهر من قوله أنه يريد أنهما يمسحان ولا يغسل ظاهرهما مع الوجه كما هو وارد عن بعض السلف.
فأما المضمضة وهي إدخال الماء في الفم وخضخضته ثم مجه أي رميه؛ فقد ثبتت من فعل النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، وجاءت أيضا من قوله في حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود: «إذا توضأت فمضمض»، وهذا أمر وهو عند أهل المذهب للإيجاب إذا لم تصرفه قرينة، وأما الاستنشاق والاستنثار فمثل المضمضة لقول النبي ﷺ: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، وجاء الأمر بالمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم في حديث لقيط بن صبرة قال: «قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء»، قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.
[ ٥ / ٨ ]
الأوقات التي يتأكد فيها الاستياك
• قوله:
٠٢ - «والسواك مستحب مرغب فيه».
السواك ككتاب جمعه سُوك ككتب، هو الآلة التي يستاك بها، وقيل يطلق عليها وعلى الفعل، والفعل هو المراد من كلام المؤلف، إذ لا تكليف إلا بفعل، ويقال استاك وتسوك، قال:
إذا هي لم تستك بعود أراكة … تنخل فاستاكت به عود إسحل»
ولم يذكر المؤلف وقت الاستياك لأنه مطلوب مرغوب مطلقا، لكن ذكرَه مقرونا بالوضوء يدل على مراده، والمشهور استحبابه، والظاهر أنه سنة على اصطلاحهم، لأن ما ذكروه في تعريفها موجود فيه، وقد قال النبي ﷺ: «أمرت بالسواك حتى خشيت على أسناني»، رواه الطبراني عن ابن عباس، وعند البزار عن أنس: «حتى خشيت أن أدرد»، والدرد سقوط الأسنان، وعن حذيفة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة، والشوص دلك الأسنان وتنقيتها، وعن شريح بن هانئ قال سألت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «بأي شيء يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته»؟، قالت: بالسواك»، رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، وقال ﷺ: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، رواه أحمد عن أبي بكر، وجعله في صحيح فقه السنة من مسند عائشة فانظره، ومطهرة بفتح الميم مصدر ميمي موضع التطهير بمعنى مطهر، ومرضاة للرب مرض له، ويدل على تأكده مع الصلاة والوضوء قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وليس في الموطإ عند كل صلاة، وصح أيضا مرفوعا بلفظ: «مع كل وضوء»، وهو في صحيح البخاري معلقا بلفظ نحوه، وفي الموطإ موقوفا، وفيه دليل على أن أصل دلالة الأمر الوجوب، وأن النبي ﷺ إذا ترك اشتراع شيء إشفاقا على أمته بَيَّنَهُ، كما
[ ٥ / ٩ ]
في تأخير صلاة العشاء مرة، وعدم خروجه مع كل سرية، وفي ذلك ولله الحمد سد لباب التقولات من نوع إنما ترك النبي ﷺ هذا إشفاقا على الأمة، ثم يفعلونه تحت هذا الاعتذار فتكثر البدع، وقد بينت هذا في كتابي درء الشكوك عن أحكام التروك.
وقد قال العلماء إن السواك مستحب في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابه في خمسة مواطن: عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم بمغير، كترك الأكل والشرب، وأكل ما له رائحة، وطول السكوت، وكثرة الكلام، وقد ذكر الخمسة الدسوقي في شرحه على مختصر خليل في مستحبات الوضوء، وذكرها النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب السواك، وقد روى أحمد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك».
واختلف هل يكون التسوك باليسرى لأنه من باب إزالة القذر وإماطة الأذى، أو باليمنى لكونه من باب التطيب، والظاهر الأول، ويبتدئ بالجانب الأيمن، ويكون عرضا في الأسنان، وطولا في اللسان، فإن لم يجد ما يتسوك به تسوك بإصبعه على المذهب، لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف، وقد قالوا إنه لا يتسوك بحضرة الناس، ولا في المسجد، ويرده ما سبق من مطلوبية الاستياك عند كل صلاة، وإلا لزم عدم البقاء في المسجد قبلها، أو الخروج من المسجد لأجله، ويدل على خلافه أيضا فعله ﷺ، ولا يلزم من ذلك البصاق في المسجد كما عللوا به.
[ ٥ / ١٠ ]
• قوله:
٠٣ - «والمسح على الخفين رخصة وتخفيف».
الرخصة خلاف العزيمة، وهي في اللغة السهولة، وعند العلماء هي حكم شرعي سهل انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي.
وأهل السنة على أن غسل الرجلين في الوضوء واجب متى كانتا عاريتين، فإن كانتا مغطاتين بخف أو جوارب فإنه يجوز الاكتفاء بالمسح عليهما يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وبهذا تفسر قراءتا النصب والجر في آية الوضوء مضموما إليهما قول النبي ﷺ وفعله.
والمذهب أن لا مسح على الجورب غير المجلد ظاهره وباطنه.
والصواب خلافه لحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وقد ضعفه فريق من أهل العلم لأن المعروف في حديث المغيرة هو المسح على الخفين، ورأى فريق آخر أن المسح على الجوربين غير المسح على الخفين، وقد ذكر أبو داود جماعة من الصحابة مسحوا على الجوربين منهم علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، والإسناد إلى بعضهم صحيح.
ومشهور المذهب عدم التوقيت في المسح، والرواية الأخرى عن ألإمام التوقيت المذكور، وهو الحق.
[ ٥ / ١١ ]
الغسل من الجنابة والحيض والنفاس
• قوله:
٠٤ - «والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة».
من موجبات الطهارة الكبرى الجنابة بمجاوزة الختان الختان مع الإنزال، أو بدونه، أو الإنزال فقط في اليقظة أو في المنام، وكذا انقطاع دم الحيض والنفاس بجفوف أو بخروج القصة، وموت المسلم غير شهيد المعركة والإسلام.
وصفة الغسل في جميعها واحدة وقد تقدمت، ودليل الغسل من الجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي ﷺ: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، وهو عند ابن ماجة من حديث عائشة وابن عمرو وفي الموطإ موقوفا على عائشة وعمر وعثمان، ومعناه في الصحيحين، والمراد من التقاء الختانين مغيب الحشفة في الفرج، بذلك يتحقق الالتقاء، وهو بمجرده جنابة في لغة العرب كما قاله الشافعي، ولأنه ملامسة وهي على أحد التفسيرين مراد بها الجماع، ودل على إيجاب الغسل من الحيض قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهكذا أمر النبي ﷺ من استفته من النساء بالاغتسال عند انقطاع الحيض بانتهاء وقته أو بتمييز أو بتحيض -أعني اعتبار المرأة نفسها حائضا-، والنفاس حيض، وقد حصل الإجماع على لزوم الغسل من الجنابة والحيض والنفاس كما في مراتب الإجماع لابن حزم.
[ ٥ / ١٢ ]
غسل الجمعة وغسل العيدين
• قوله:
٠٥ - «وغسل الجمعة سنة».
إنما شرع غسل الجمعة لأجل صلاة الجمعة، لا ليوم الجمعة كما هو ظاهر قول النبي ﷺ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه»، روى جملته الأولى مالك وأحمد والشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري، وكذلك حديث: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، فإن المراد من هذا خصوص يوم الجمعة، ومن الأول من كان معنيا بالجمعة، وعليه فلا يطالب بالغسل من لا يصليها، ويطالب به من يصليها ولو لم تجب عليه كالصبي والعبد والمسافر والمرأة على المذهب، ويظهر من هذا أنهم نظروا إلى العلة التي كانت وراء اشتراع هذا الغسل كما سيأتي.
وهذا الغسل سنة كما ذكر، وقد تقدم له أن قال «والغسل لها واجب»، أي واجب وجوب السنن، أو هو واجب بالسنة، ولا يجزئ قبل الفجر، وينبغي أن يكون متصلا بالرواح، أي الذهاب إلى المسجد، قال مالك في الموطإ: «من اغتسل يوم الجمعة أول نهاره وهو يريد بذلك غسل الجمعة فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغتسل لرواحه، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، انتهى، والحديث رواه مالك والشيخان والنسائي عن ابن عمر، أي إذا أراد أن يأتي الجمعة فليغتسل كما في رواية لمسلم، وقول مالك أحد أقوال ثلاثة في وقت الاغتسال هو أسعدها بالحديث الذي جعله مالك عمدته، وهو مع ذلك محتمل، قالوا وإنما يكون الغسل سنة إذا لم يكن بمن يريد الجمعة رائحة كريهة تمنع من حضورها وإلا وجب.
ويؤيد هذا ما قالته أم المؤمنين عائشة في أصل مشروعية الاغتسال للجمعة، قالت: «كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم»، رواه البخاري، وجاء نحوه عن ابن عباس، وكون الغسل هذا معللا لا يؤخذ منه
[ ٥ / ١٣ ]
أن انتفاء العلة ينتفي معه الحكم ولا بد، لأن ذلك يقال لو لم يدل الدليل على بقاء الحكم فيقال: كان أصل المشروعية معللا، ثم تدرج الشارع فشرعه مطلقا، وله نظائر، وأنا أميل إلى هذا التفصيل الذي ذكروه، والله أعلم.
فأما كون الغسل سنة فمنازع فيه، والأدلة التي مرت بك تدل على الوجوب، وما عارضها لم يَرْقَ إلى درجتها في الثبوت، ولا إلى قوتها في الدلالة، كي يصلح لصرف لفظ واجب، إلى أنه واجب في الأدب ونحو ذلك، وهكذا لفظ على كل محتلم، ومما جاء في ذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة غير أن ابن ماجة رواه عن أنس، وصححه الألباني غير زيادة يجزئ عنه الفريضة بعد جملة الوضوء، ومنها قوله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة.
[ ٥ / ١٤ ]
• قوله:
٠٦ - «وغسل العيدين مستحب».
روى ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى»، ورواه أيضا عن الفاكه بن سعد بزيادة يوم عرفة، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام»، وكلا الحديثين ضعيف الإسناد كما قال الحافظ في التلخيص الحبير، بل حكم الألباني على الثاني بالوضع، وقال الحافظ، قال البزار: «لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثا صحيحا»، وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى»، وتابع مالكا عليه موسى بن عقبة كما في مصنف عبد الرزاق، ثم روى عنه من طريق أيوب عن نافع قال: «ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد قط، كان يبيت في ليلة العيد في المسجد ثم يغدو منه إذا صلى الصبح، ولا يأتي منزله»، انتهى، وقد حمل بعض العلماء النفي على حالة المبيت في المسجد، والإثبات على غيرها، قال الباجي في المنتقى: «الغسل للعيدين مستحب عند جماعة علماء المدينة، وقد قال بذلك جماعة من أهل العراق والشام، وقال غيرهم: إن فعله فحسن، والطيب يجزئ منه»، انتهى، وتتقوى المطلوبية بكونه يوم عيد يجتمع فيه الناس، والتجمل فيه مطلوب، والاغتسال من جملة ذلك، والله أعلم.
[ ٥ / ١٥ ]
غسل من دخل في الإسلام
• قوله:
٠٧ - «والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب».
قوله لأنه جنب يظهر منه أن من لم يبلغ سن الحلم لا غسل عليه، وكذلك من لم يكن قد أجنب، وقال القاضي إسماعيل إن غسله مستحب على كل حال لأن الإسلام يجب ما قبله، وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر»، وروى أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة أن ثمامة أسلم فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل»، وهو في الصحيحين بلفظ الإخبار، وقد عورض الاستدلال بما ذكر بأن كثيرا من الناس أسلموا فلم يؤمروا فدل على عدم الوجوب.
والصواب أن أمر الواحد يكفي في قيام الحجة فيجب الغسل على الكافر إذا أسلم وكان بالغا، ولا يجزئه إن فعله قبل الإسلام وقبل العزم عليه كما قالوا.
[ ٥ / ١٦ ]
• قوله:
٠٨ - «وغسل الميت سنة».
هذا قول المغاربة، وقول العراقيين هو واجب على الكفاية، والمعتمد عند أهل المذهب أن تغسيل الميت فرض، وقد أشار إلى القولين خليل فقال: «فصل في وجوب غسل الميت بمطهر ولو بزمزم والصلاة عليه كدفنه وكفنه وسنيتهما خلاف»، انتهى، فالدفن والكفن بسكون الفاء واجبان، وقد أمر النبي ﷺ غاسلات ابنته زينب ﵅ بقوله: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من كافور،،، الحديث»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن أم عطية -رضي الله تعالى عنها-، وقال عن المُحرم الذي وَقَصَتْهُ ناقته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عباس ﵄، ودلالة هذا على الوجوب أقوى من دلالة ما قبله لكون المحرم لا يشرع له إزالة الدرن واستعمال المواد الحادة فتعارض الموجب والمانع فقدم الموجب ولم يمنع غير الطيب.
[ ٥ / ١٧ ]
حكمة تكرر الصلوات في اليوم والليلة
• قوله:
٠٩ - «والصلوات الخمس فريضة».
بل إن الصلوات الخمس ركن من أركان الإسلام، وقد جعلها الله مناجاة من العبد لربه إذ قال النبي ﷺ: «المصلي يناجي ربه»، وجعلها عروجا بروحه خمس مرات في اليوم، ولهذا فرضها الله تعالى ليلة المعراج بنبيه ﷺ، حتى يحصل لأمته بعض ما حصل له من السمو الروحي والرفعة المعنوية، فمن تركها عامدا غير متأول فلا حظ له في الإسلام كما قاله عمر ابن الخطاب ﵁، وهو في الموطإ، بل هو كافر خارج عن الملة عند فريق من العلماء.
قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار عند الآية (٤٣٥) مبينا الحكمة من تكرر الصلاة في اليوم والليلة: «رأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال، وإشرابها حقيقة الإخلاص، ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل المرء عن تدبره ويغيب عن الذهن تذكره بانهماك الناس في معايشهم، واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا، أو ما يلذ لهم من نعيمها، ولهذه الضروب من المكافحات، والفنون من التمتع باللذات، سلطان قاهر على النفس، وحاكم مسخر للعقل والحس، يتنكب بالمرء سبيل الهدى، حتى تتفرق به سبل الهوى، فمن ثَمَّ كان المكلف محتاجا في تهذيب شهواته الحيوانية إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية، التي هي كل حقيقته الإنسانية، وهذا المذكر هو الصلاة، فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها، وتوجهه إلى ربه جل وعلا، فتكثر له مراقبته، حتى تعلو بذلك همته، وتزكو نفسه، فتترفع عن البغي والعدوان، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان، ويحبب إليها العدل والإحسان، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان، فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود، وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود،
[ ٥ / ١٨ ]
ذلك أن الصلاة تنهى بإقامتها على وجهها عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر، فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، فقد استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين»، انتهى.
[ ٥ / ١٩ ]
تكبيرة الإحرام وباقي تكبير الصلاة
• قوله:
١٠ - «وتكبيرة الإحرام فريضة».
أي التكبيرة التي يدخل بها في الصلاة، فقول مريد الصلاة الله أكبر في بداية صلاته لا بد منه لدخولها، ويلزم من تركها ممن كان قادرا عليها عدم صحة صلاته، ولا يجزئ غير هذا اللفظ مما يعظم به الله تعالى، ولا يجزئ إن عرف بالألف واللام اتباعا لفعل النبي ﷺ ولقوله: «مفتاح الصلاة الطُّهُور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن علي ﵁، ومعنى أن الطُّهُور بضم الطاء مفتاح الصلاة أنه أول شيء يعمل من أعمال الصلاة فجعله جزءا منها لأنه شرط من شروطها، ومعنى تحريمها التكبير أي الدخول في حرماتها يكون بالتكبير لا بغيره من الأذكار، فمن لم يكبر لم يدخل الصلاة، وقد دل هذا الحديث على أن كل ما كان مفتتحا بالتكبير مختتما بالتسليم فلا بد فيه من الطهارة فتدخل صلاة الجنازة والإيتار بركعة وسجود السهو ويحتاج غيرها مما ليس كذلك إلى الدليل كسجود التلاوة والشكر وسجود الآيات، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٠ ]
• قوله:
١١ - «وباقي التكبير سنة».
ظاهر كلامه أن مجموع تكبيرات الصلاة سنة، وهو قول أشهب، وذهب ابن القاسم إلى أن كل تكبيرة سنة، ولا شك أن تكبيرات الانتقال وإن كانت تلتقي في المشروعية مع تكبيرة الإحرام إلا أن الأخيرة آكد لما تقدم، أما تكبيرات الانتقال وعددها في الركعة الواحدة ستة، وفي الأربعة ثنتان وعشرون جاءت فيما رواه البخاري عن عكرمة قال: «صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس إنه أحمق، فقال: «ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم»، وهذا له حكم الرفع عند جمهور أهل الحديث، وقد كان الخلاف قديما في مشروعية هذا التكبير ثم انقضى، وبقي الخلاف في حكمه أواجب هو أم مندوب، ومما يستدل به على الأول حديث ابن مسعود ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود»، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، ومعناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وابن عباس ﵃، ومما يقوي القول بذلك أن النبي ﷺ قال إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء يعني مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله ﷿ ويثني عليه ويقرأ بما تيسر من القرآن ثم يقول الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم يقول الله أكبر ثم يسجد،،، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته»، رواه أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه في قصة المخطئ في صلاته لا المسيء كما درج على وصفه بذلك عموم الناس، فما للجاهل غير المقصر ووصف الإساءة، مع أنه صحابي؟.
[ ٥ / ٢١ ]
الدخول في الصلاة بنية الفرض ورفع اليدين
• قوله:
١٢ - «والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة».
النية محلها القلب، والنطق باسم الصلاة المراد أداؤها بدعة، ويكفي المرء أن يكون عالما بأنه يصلي الصلاة المعينة من صبح أو ظهر أو غيرهما، ولو استحضر مع نية الصلاة الخاصة قصد التقرب إلى الله بها لكان خيرا له، فإن ذلك أحرى أن يزداد به خشوعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة: ٥]، وقال أهل المذهب إن وقت النية يكون ما بين النطق بالهمزة والراء من قول المصلي الله أكبر، فإن تأخرت عن ذلك فلا تجزئ، وكذا إن تقدمت بكثير، ولا يضر عزوب النية في أثناء الصلاة، ولا ريب أن استصحابها هو الكمال، قال بعض العلماء: ولهذا المعنى شرع التكبير في الانتقال وكذا التسميع والتحميد حتى يتذكر به المرء النية فيتجدد له الحضور والخشوع الذي هو لب الصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقد رد ابن العربي في أحكام القرآن على من ذهب إلى إجزاء النية إذا تقدمت على الصلاة قياسا على ما ذهب إليه بعض العلماء في الوضوء فقال بعد كلام: «ويا لله للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء، وقد اختلف فيها قول مالك، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع لأن أصلها قد لا يجب، فأما الصلاة فلم يختلف أحد فيها، وهي أصل مقصود، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه؟، هل هذا إلا غاية الغباوة؟، فلا تجزئ صلاة عند أحد من الأئمة حتى تكون النية فيها مقارنة للتكبير»، انتهى.
[ ٥ / ٢٢ ]
• قوله:
١٣ - «ورفع اليدين سنة».
لم يبين موضع الرفع اعتمادا على المشهور في الذهب وهو رفعهما عند تكبيرة الإحرام لا غير، وحكم هذا الرفع السنية، وهو غير معدود في السنن الثمانية التي يتعين السجود لتركها، ومشروعية الرفع عند الركوع والرفع منه إحدى روايات ثلاثة في المسألة عن مالك، ودليله حديث عبد الله بن عمر في الموطإ وغيره، وهو من المتواتر، بل الرفع عند القيام من اثنتين ثابت أيضا وإن كان دون السابق، والعلم قال الله قال رسوله، فارفعوا أيديكم ولا يستجرينكم الشيظان إلى التعصب، فإن ذلك زينة الصلاة وتجديد لاستسلامكم وتخليكم عن الدنيا في صلاتكم، فهل أنتم فاعلون؟
[ ٥ / ٢٣ ]
• قوله:
١٤ - «والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة».
جمعت فاتحة الكتاب مقاصد القرآن من توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته وإفراده بالعبادة والاستعانة وإثبات القضاء والقدر وإثبات النبوات وقصص الأبرار والفجار والأعمال الصالحات والجزاء عليها في الآخرة، فتصدرت لذلك سور القرآن في المصحف، وامتن الله بها على نبيه ﷺ فعطف عليها كتابه تنويها بشأنها فكانت في ترتيب المصحف كذلك، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحِجر: ٨٧]، وافتتحها ربنا بالحمد الذي لا يعدله لفظ الثناء ولا التمجيد ولا غيرهما من المدح والشكر، فكان خبرا وإنشاء، وأخبر رسول الله ﷺ عن ربه ﷿ أنه قسمها بينه وبين عبده نصفين، وأن عبده كلما قرأ آية منها ذكره ربه فقال حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، هذه بيني وبين عبدي، هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل، وقد رأيت بعضهم يقرأ الفاتحة في نَفَسٍ واحد، وبهذا الفضل الذي في هذا الحديث قوى أبو هريرة مذهبه في لزوم قراءتها لكل مصل، وأوجب الله تعالى حفظها على كل مسلم ليقرأها في كل صلاة يتذكر بها هذه الأصول التي لا إيمان بدونها، وأوجب عليه أن يدعوه بالهداية كيفما كان موقعه من العلم والعمل، وجاء البيان في قول النبي ﷺ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج، غير تمام»، رواه مالك ومسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت ﵁، والجمهور على أن الإمام يحملها عن المأموم وليس من اليسير التسليم بهذا.
[ ٥ / ٢٤ ]
القراءة بما زاد على الفاتحة في الصلاة
• قوله:
١٥ - «وما زاد عليها سنة واجبة».
روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا»، والعطف كما ترى يدل على لزوم الزيادة على أم القرآن ومشاركة هذا الزائد لأم القرآن في الحكم، فإن صح ما نقل من الإجماع على خلاف ذلك فبها ونعمت، وإلا كان الأمر ما دل عليه النص، وقد قال الشوكاني: «وهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن مع الفاتحة»، انتهى، ويقرب من القول بالوجوب مشهور المذهب أن من ترك قراءة السورة ولم يسجد للسهو بطلت صلاته، لكونها عندهم سنة مركبة من القيام والقراءة وكونها سرا أو جهرا، وأقل الزائد على الفاتحة عندهم آية لا بعضها إلا أن يكون لها بال قالوا كآية الدين، والأفضل قراءة سورة بتمامها، ويحذر مما دأب عليه معظم المعاصرين الذين جعلوا الاستثناء قاعدة، والقاعدة استثناء، وهو أن كثيرا منهم لا يكاد يقرأ سورة في الركعة متتبعين السياقات القرآنية لأغراض شتى، ويا ليتهم قرءوا سياقا واحدا في الركعتين، بل تراهم يقرءون من هذه السورة أولها ثم من أخرى وسطها أو آخرها، وهذا أمر يتبع في الاستدلال لا في التلاوة، وكثيرا ما لا يراعون الوقف والابتداء في هذه السياقات فيقتصرون على أحد المتقابلين، وقد يبدؤون بما لا يصح الابتداء به، أو يقفون على ما لا يصح الوقوف عليه، وقد يقرؤون آية فيها خبر عن مبتدإ قبلها كقول الله تعالى: «نصر من الله فتح قريب وبشر المؤمنين»، لكأنهم خطباء لا قراء فالله المستعان، قال الزين بن المنير كما في الفتح: «ذهب مالك إلى أن المصلي يقرأ في كل ركعة بسورة، كما قال ابن عمر لكل ركعة حظها من الركوع والسجود، ولا يقسم السورة في الركعتين، ولا يقتصر على بعضها ويترك الباقي ولا يقرأ بسورة قبل سورة تخالف ترتيب المصحف، فإن فعل ذلك كله خالف الأولى، وما ورد مما يخالف هذا لا يخالف ما قاله مالك، لأنه محمول على بيان الجواز، قال: والذي يظهر أن تكرير السورة أخف من قسمها
[ ٥ / ٢٥ ]
في ركعتين، قال الحافظ: وسبب ذلك أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإن قطع في وقف تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى، وفي قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم فلم يقطع صلاته، وقال: كنت في سورة فكرهت أن اقطعها، وأقره النبي ﷺ على ذلك»، انتهى.، يريد أن في هذا دليلا على ما قال.
[ ٥ / ٢٦ ]
القيام في الصلاة والركوع والسجود
• قوله:
١٦ - «والقيام والركوع والسجود فريضة».
القيام والركوع والسجود من ماهية الصلاة فلا تكون بدون واحد منها، إلا في حالة العجز عنها أو عن بعضها، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمر ربنا ﷿ بالقيام، وأمر بالركوع والسجود في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، وليس الواجب هو مطلق الركوع والسجود بل يجب ما هو أكثر من ذلك من الاعتدال والاطمئنان، كما قال النبي ﷺ: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»، رواه أبو داود عن أبي مسعود البدري، والقيام في المذهب مرتب بحسب قدرة المصلي، فيكون استقلالا ثم باستناد، ثم ينتقل إلى الجلوس بغير استناد ثم باستناد، غير أن الترتيب داخل القيام والجلوس مندوب، وبين القيام والجلوس وما دونه واجب.
والقيام الفرض هو أن يوقع تكبيرة الإحرام قائما وأن يقرأ الفاتحة كذلك، أما السورة فلا يجب القيام لها، وقد يؤخذ من هذا أنهم يرون أن القيام ليس واجبا لنفسه بل لما هو واجب، وفيه نظر، لعموم قوله تعالى الذي سبق، وكذا عموم قول النبي ﷺ: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، رواه البخاري عن عمران بن حصين.
وإنما يجب القيام في الصلاة المفروضة، وقيدوا الوجوب بغير المسبوق الذي يدرك الإمام راكعا، فإن أدركه كذلك فيه تأويلان في المذهب، فلا تشتغلن به، وأَنْهِ التكبير قائما ثم اركع، فإن أدركت الإمام لم يرفع بعد فقد أدركت الركعة عند من لا يوجب قراءة الفاتحة على المأموم، وإطالة الركوع لأجل الداخل إحسان، وهو مرغوب عنه في المذهب، وهو رأي قام دليل القياس الصحيح على خلافه.
[ ٥ / ٢٧ ]
جلسة الصلاة الأولى وجلستها الثانية
• قوله:
١٧ - «والجلسة الأولى سنة والثانية فريضة».
احتج على كونها سنة بما ثبت من قول النبي ﷺ وفعله أن من استتم قائما لا يرجع إليها، على أن يسجد لتركه قبل سلامه، ففي حديث عبد الله ابن بحينة أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم»، رواه البخاري ومسلم، ووجه الدلالة منه عدم رجوعه للجلوس والتشهد، وقد جاء أنهم سبحوا له، وليس هذه الدلالة بالبينة على عدم الوجوب لاسيما مع اشتراط استتمام القيام كما في قوله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإذا استتم قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو»، رواه أبو داود وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة، وتعليق عدم الرجوع للتشهد باستتمام القيام أو بالاستواء مشعر بأولوية ما شرع فيه على ما تركه فيكون من باب الترجيح، وليس كل ما شرع سجود السهو له ليس واجبا، فكيف إذا ضم إلى ذلك أنه ﷺ أمرنا أن نصلي كما كان يصلي، وأنه أمر المخطئ في صلاته بالتشهد، والمذهب أنه يرجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، وهو قريب من استتمام القيام، لكن الحديث نص، ومن رجع قبل استتمام القيام فلا سجود عليه بنص الحديث الذي فيه نفي السهو، والمراد نفي أثره، أما وجوب التشهد الثاني فإنه عندهم وإن شارك الأول في السنية فإن الجزء الذي يوقع فيه السلام فرض، والنبي ﷺ لم يسلم إلا جالسا، فهو واجب لإيقاع السلام فيه لا لنفسه، والمهم أنهم أعطوا الظرف حكم المظروف فجعلوا بعض الجلوس واجبا وبعضه سنة، وبعضه مندوبا وهو الزائد على قدر السلام.
[ ٥ / ٢٨ ]
السلام من الصلاة والتيامن به قليلا
• قوله:
١٨ - «والسلام فريضة».
السلام للخروج من الصلاة كيفما كانت واجب، وهذا متفق عليه في المذهب، ونسب لابن القاسم خلافه، وَرُدَّ بأن ما قاله يتعلق بمأموم أحدث إمامه قبل السلام فسلم المأموم فقال تصح صلاته، فلا يصح أن يؤخذ منه عدم وجوبه، ودليله قول النبي ﷺ عن الصلاة: «وتحليلها التسليم»، وقد تقدم، والتمسك بما في حديث عبد الله ابن بحينة المتقدم من قول الناس: «حتى إذا قضى صلاته، وانتظرنا تسليمه»، لإسقاط لزوم التسليم من الصلاة بعيد عن الحق مع قوله ﷺ: «وتحليلها التسليم»، فهو قريب من مسألة الحلق عند من جعله نسكا يفتدي من فعل قبله ما هو محظور عليه، والمذهب أن المشروع تسليمة واحدة، والظاهر أن التسليمة الواحدة وإن كانت كافية، لكنها إنما تفعل أحيانا، والسنة تسليمتان رواها عن النبي ﷺ جمع من الصحابة والاحتجاج بعمل أهل المدينة غير كاف هنا، وقد روى أبو داود عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وعن شماله: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ولينظر ما قاله أهل العلم في زيادة وبركاته فإن الخلاف فيها واسع، فليكتف بما لا خلاف فيه.، وقد كتب في ذلك الشيخ الهواري المجدوب رسالةً نافعة لم تطبع بعد، جزاه الله خيرًا.
[ ٥ / ٢٩ ]
• قوله:
١٩ - «والتيامن به قليلا سنة».
يفعل ذلك الإمام والمأموم والفذ فيبدأون به قبالة الوجه ويستتمونه عن أيمانهم، واشتط بعضهم فقال يتيامن عند النطق بالكاف والميم من عليكم، وقد روى مسلم والنسائي عن سعد قال رأيت النبي ﷺ سلم عن يمينه وعن شماله حتى كأني انظر إلى صفحة خده»، وفي رواية «حتى أرى بياض خده».
[ ٥ / ٣٠ ]
ترك الكلام في الصلاة واجب
• قوله:
٢٠ - «وترك الكلام في الصلاة فريضة».
الكلام المتعمد لغير إصلاح الصلاة مبطل لها لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقد كان الكلام مباحا في الصلاة وكان الواحد يسلم على المصلي فيرد عليه، ثم نسخ الله تعالى ذلك، وشرع الرد بالإشارة، وإنما نسخ الكلام في الصلاة لأن ذلك هو المناسب بكون المصلي يناجي ربه فلا يصح أن يكلم الناس، ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن معاوية بن الحكم السلمي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أما الكلام لأجل إصلاح الصلاة عند عدم كفاية التسبيح فلا يبطلها ما لم يكثر، ودليل ذلك عندهم حديث ذي اليدين فقد تكلم فيه النبي ﷺ وتكلم غيره ثم رجعوا إلى الصلاة وأتموها، وقد نوزع الاستدلال به بأن الجميع كانوا يعتقدون انتهاء الصلاة، فالنبي ﷺ كان يعتقد أن الصلاة قد انتهت، والصحابة كانوا يظنون تمامها لأنها قصرت، لكن جاء في بعض روايات الحديث ما يدل على أن ذا اليدين تكلم لإصلاح الصلاة بعد استيقانه عدم التمام، حيث نفى النبي ﷺ الأمرين النسيان والقصر، ولا يجوز عليه النسيان في التبليغ، فبقي السهو.
[ ٥ / ٣١ ]
حكم التشهدين في الصلاة
• قوله:
٢١ - «والتشهدان سنة».
سمي الذِّكْر الذي يقال في الجلسة الأولى والثانية من الصلاة تشهدا لاشتماله على الشهادتين وهما أفضل ما قيل، فسمي بأفضل ما اشتمل عليه، وقد تكلم المؤلف على حكم الجلوس وحده وعلى الذكر الذي يقال فيه وحده، وقد سبق الكلام على حكمه، وروى أبو مصعب عن مالك وجوب التشهد الأخير، وقريب منه رواية ابن القاسم أن من نسيه وكان مأموما حتى سلم إمامه أنه يأتي به وهو في النوادر من باب السهو عن تكبير الخفض والرفع،،، الخ، وقيل إنهما واجبان قال ابن ناجي في شرحه: قال ابن زرقون: «وهو ظاهر نقل أبي عمران وأبي عمر بن عبد البر عن أبي مصعب.
[ ٥ / ٣٢ ]
• قوله:
٢٢ - «والقنوت في الصبح حسن وليس بسنة».
لعله أشار بقوله وليس بسنة إلى رد ما جاء في رواية علي بن زياد عن مالك أنه سنة.
قلت: وليس بلازم أن تكون الروايتان مختلفتين، فإن المندوب أيضا سنة، وهذه اصطلاحات لم تكن ملتزمة عند المتقدمين، لكن يؤخذ من كونه ليس سنة على اصطلاحهم من قول الباجي كما في إحكام الأحكام إنه يفعل ويترك، ومن قولهم إنه لا يسجد له إذا ترك، وإذا سجد له بطلت الصلاة، وهذا وإن كان عجبا فإن الأعجب منه هذا الذي تراه من التشدد في إلزام الأئمة بالقنوت، ومعاقبتهم على تركه وفاء من فاعلي هذا لمذهب مالك الذي يجهلونه في أحسن أحوالهم، وإن كانوا يسعون في وأده بفعالهم وأقوالهم، ومالك لم يذكر من أحاديث القنوت في موطئه غير أثر لابن عمر أنه لم يكن يقنت في شيء من الصلوات، فلم اقتصر على ذكر هذا الأثر؟، وقد علمت أن مذهب يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطإ عن مالك المعتمَد على روايته قبل غيره في معظم أنحاء العالم إلى عهد قريب؛ كان ترك القنوت في صلاة الصبح وقد استمر مسجده بعد وفاته على هذا الترك، قال ابن ناجي: «وإنما قال يحيى ذلك لقول مالك في الموطإ كان ابن عمر لا يقنت»، انتهى، فليكن فهم أخيكم هذا لما في الموطإ موافقا لفهم يحيى بن يحيى الليثي راويه عن مالك.
[ ٥ / ٣٣ ]
استقبال القبلة في الصلاة فريضة
• قوله:
٢٣ - «واستقبال القبلة فريضة».
استقبال القبلة واجب في كل صلاة لا فرق بين ذات الركوع والسجود وغيرها كسجود التلاوة وقد اشترطوا فيه شروط الصلاة، ويستثنى من ذلك الفرض في شدة الخوف، والنافلة على الدابة في السفر، والمريض الذي لم يجد من يوجهه إلى القبلة أو لا يقدر على ذلك لمانع ما، وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي بعض روايات حديث المخطئ في صلاته عند مسلم قوله ﷺ: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر»، لكن ينبغي أن تعلم أن استقبال القبلة شرط صحة في المذهب مع الذكر والقدرة لا مجرد فرض، والفرق بينهما معلوم، وقد نقل ابن حزم في مراتب الإجماع الاتفاق على أن الاستقبال فرض على من يعاينها أو عرف دلائلها، ما لم يكن محاربا ولا خائفا.
[ ٥ / ٣٤ ]
• قوله:
٢٤ - «وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة».
كون صلاة الجمعة فرض عين على المكلف البالغ العاقل غير المسافر والمعذور مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف، وما قيل من أنها فرض كفاية مما لا يحسن الالتفات إليه، ولا أن يذكر إلا ليرد، وقد أمر الله تعالى بالسعي إليها كل من سمع النداء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، والمراد بذكر الله الخطبة كما جاء حديث الرواح إلى المسجد يوم الجمعة وهو قول النبي ﷺ: «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، وهو في الموطإ والصحيحين عن أبي هريرة، قال القرطبي: «فرض الله الجمعة على كل مسلم ردا على من يقول إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية، ونقل عن مالك من لم يحقق أنها سنة، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»، وهذه حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها،،، وفي سنن ابن ماجة عن الجعد الضمري وكانت له صحبة قال، قال رسول الله ﷺ: «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه»، إسناده صحيح»، انتهى ببعض حذف، والقول الذي نسبه للشافعية خرجه أيضا اللخمي كما في شرح ابن ناجي، أما أنها سنة فهو رواية ابن وهب كما في الشرح المذكور وغيره، وقال ابن ناجي: «فحملها بعضهم على ظاهرها ولم يرتضه ابن عبد السلام»، انتهى.
قلت: إن ثبت النقل عن مالك فهو حق لأن الجمعة سنة وكل الدين سنة وحملها على المعنى الاصطلاحي جهل أو تحريف.
[ ٥ / ٣٥ ]
الوتر سنة مؤكدة
• قوله:
٢٥ - «والوتر سنة واجبة».
المراد صلاة الوتر بفتح الواو وكسرها، وهو في المذهب ركعة ينبغي أن تتقدمه ركعتان يسلم منهما من غير فصل طويل، فهذا مراد المؤلف به، ولذلك فصله عن الحديث عن قيام الليل في رمضان وفي غيره كما ستراه، والوتر ما ليس بشفع ويؤدى على صور ركعة منفردة، وثلاث ركعات منفصلات بتسليم بعد ثنتين أو أكثر وغير ذلك من الصور الواردة من فعل النبي ﷺ، لكن ينبغي للإمام أن لا يفعل بالناس ما لا يعرفونه من تلك الصور إلا بعد التعليم والبيان، أو يكون ذلك في الجماعة الخاصة.
والمذهب أن من اقتدى بمن يصلي ثلاث ركعات متصلات يتابعه، ولم يروا بأسا بمخالفة نيته لفعله، ووجهه أن الركعات الثلاثة في حكم المتصلة عندهم، وفيه شيء.
وقد احتجوا لكون الوتر ليس واجبا بأنه يؤدى على الراحلة، كما جاء عن ابن عمر، والفرض ليس كذلك، وهو على كل حال أوكد النوافل، وللحديث بقية ستأتي.
[ ٥ / ٣٦ ]
• قوله:
٢٦ - «وكذلك صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء».
كل من صلاة الوتر والعيدين وكسوف الشمس وخسوف القمر والاستسقاء سنة مؤكدة في حق من تجب عليه الجمعة لأن النبي ﷺ فعلها في جماعة مع إظهارها والمداومة عليها، فانظبق عليها عندهم قيود السنة المؤكدة، أما ما لم يتكرر منها ككسوف الشمس على القول بذلك فلعدم تكرر سببه، فهو متكرر حكما، ولهذا كان المعتمد عندهم أن صلاة خسوف القمر مستحبة لا سنة، والظاهر اتحادهما في المطلوبية وفي الكيفية لأن النبي ﷺ تكلم عليهما في سياق واحد، وصح فعله لإحداهما على الوجه المعروف فتحمل الأخرى على ما عرف، وقد تقدم الكلام على ذلك.
[ ٥ / ٣٧ ]
• قوله:
٢٧ - «وصلاة الخوف واجبة أمر الله ﷾ بها وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة».
فيما شرعه الله تعالى من صلاة الخوف دليل قوي على وجوب صلاة الجماعة، وعلى اتحاد الجماعة وعدم تعددها ما أمكن، وإلا فإن في حالة الخوف من الموانع وأسباب الترخص ما يعتمد عليه لأن يصلي كل فرد لنفسه، أو يصلوا في أكثر من جماعة، وما قيل من أن صلاة الخوف خاصة بالنبي ﷺ لما في الائتمام به من الفضل؛ هو خلاف الأصل في الائتساء فلا يقبل من قائله إلا بالدليل، وظاهر كلام المؤلف وجوب أداء الصلاة في حالة الخوف جماعة، وقد يقال إذا لم تجب الجماعة في حالة الأمن كما هو مذهب الجمهور فأولى أن لا تجب في حالة الخوف، ولذلك تأولوا الوجوب في كلامه على التأكيد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢].
[ ٥ / ٣٨ ]
• قوله:
٢٨ - «والغسل لدخول مكة مستحب».
هذا الغسل فعله النبي ﷺ بذي طوى قرب مكة حيث بات هناك وهو لأجل الطواف بالبيت لا لمجرد دخول مكة، وقد رواه البخاري وغيره عن ابن عمر من فعله مع رفعه، وهو أحد أغسال الحج الثلاثة التي قالوا بها.
[ ٥ / ٣٩ ]
• قوله:
٢٩ - «والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله الخلفاء الراشدون».
المطر بقيده عذر في التخلف عن صلاة الجماعة لثبوت استبدال «ألا صلوا في رحالكم» بالحيعلتين في الأذان، رواه البخاري عن ابن عمر، لكن هذا لا يدل على جمع التقديم، وروى مالك في الموطإ عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم»، وفي مشروعية هذا الجمع دليل على حرص الشرع على أداء المكلف الصلاة في جماعة، بل وفي المسجد، فمن ثم جاء الترخيص في جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم لأجل المطر الذي هو عذر في التخلف عن الجماعة لما فيه من المشقة.
وقد قالوا إنه يشرع الجمع للمطر الواقع والمتوقع وللطين مع الظلمة، وإنما ذكر المؤلف أن الخلفاء الراشدين فعلوه ليدل على استمرار هذا الحكم، وأنه لم ينله نسخ، إِذْ يستبعد خفاء ذلك على مجموعهم مع كون فعلهم لا يخفى لمكانتهم، ولقول النبي ﷺ فيهم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ … الحديث، وكثيرا ما يورد مالك آثار الصحابة بعد المرفوع لهذا المعنى.
لكن مجرد فعل الخلفاء لهذا الأمر لا يدل على أن الجمع للمطر منصوص لاحتمال أخذهم ذلك بالأولى من كون النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، وفي رواية لمسلم وبعض أصحاب السنن وذكره سحنون في المدونة أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: «ما أراد»؟، قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، وفي بعضها ذكر السفر بدل المطر، قال الحافظ: «واعلم أنه لم يقع مجموعا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور من غير خوف ولا سفر»، انتهى، وقال مالك: أرى أن ذلك كان في مطر، وقد يؤخذ من قوله هذا في توجيه الحديث أنه يرى الجمع بين الظهر
[ ٥ / ٤٠ ]
الجمع من غير عذر أحيانا
والعصر للمطر، وهو مذهب الشافعي، بيد أنه لم ير العمل عليه في المدينة، فلم يقل به، وقد نفى ابن عبد البر في الاستذكار أن يكون مالك رأى هذا الجمع ولا أحد من أصحابه، وقيل إنه جعل ذلك خاصا بمسجد النبي ﷺ لكونه أفضل من غيره عنده، ولا دليل على الخصوصية.
وقد حمل بعض أهل العلم حديث ابن عباس على الجمع الصوري، ومنهم الشوكاني ﵀، وذكر فهم بعض رواة الحديث، منهم عمرو بن دينار وشيخه في الحديث السابق أبو الشعثاء، وفد رد الخطابي على من حمله على الجمع الصوري بأدلة عقلية متينة، وممن ذهب مذهبه محمد بن سيرين على أن لا يتخذ عادة، وقد كنت أميل إلى خلاف ما اعتمده الشوكاني كما هو مذكور في الجزء الأول، ثم وقفت على كلام للألباني ﵀ ذكره في الصحيحة في الجزء السادس القسم الثاني بعد أن أورد حديث عبد الله بن مسعود قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له، فقال: «صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي»، رواه الطبراني، ومضمونه ما تقدم في الجزء المذكور من أن ما جاء في حديث ابن عباس من قوله: «أراد أن لا يحرج أمته»، كاف في رد الجمع الصوري، لأن الحرج فيه أعظم، فلما جاء ذلك من كلام رسول الله ﷺ نفسه دل على صحة فهم ابن عباس، وأن الجمع لم يكن لعذر، وحكى الباجي وصاحب المقدمات عن أشهب إجازة الجمع لغير سبب اعتمادا على الحديث المتقدم، ولا يظهر أنه يريد بذلك الجمع الصوري كما نبه عليه محمد بن أحمد ميارة ﵀ في شرحه الكبير، وهذا الحديث مما يشنع به الروافض على أهل السنة يدعون عليهم مخالفة السنة، وهم المخالفون لها بالمداومة على هذا الجمع وبغير ذلك من المنكرات والأباطيل التي كشف المستور منها في هذا العصر كما لم يعرف من قبل خارج بطون كتبهم وصدورهم وخلواتهم.
[ ٥ / ٤١ ]
الجمع بين الظهرين والعشاءين في عرفة ومزدلفة
• قوله:
٣٠ - «والجمع بعرفة والمزدلفة سنة واجبة».
الجمع بعرفة جمع تقديم للعصر عند الظهر وبالمزدلفة جمع تأخير للمغرب عند العشاء بعد مغيب الشفق ثابت من حديث جابر في وصف حجة النبي ﷺ، وهو في المذهب سنة مؤكدة، وقد قال بهذين الجمعين من لم يقل بالجمع بين الصلاتين في غيرهما وهم الحنفية.
[ ٥ / ٤٢ ]
جمع المسافر الذي جد سيره
• قوله:
٣١ - «وجمع المسافر في جد السير رخصة».
قصروا السفر الذي يسوغ فيه الجمع على سفر البر وقوفا عند مجموع أوصاف الرخصة، بخلاف مسافر البحر فلا يجمع لأنه لا يحتاج إلى النزول، وعلى هذا فراكب الطائرة عندهم مثله، إلا أن يخاف خروج الوقت، وفي كل هذا نظر، ولا تكون رخصة الجمع في السفر المُحَرَّمِ ولا في السفر المكروه كقطع الطريق واللهو.
والتقييد بجد السير هو المشهور الذي في المدونة، والذي في المختصر عدم اشتراطه، وهو مقتضى السنة الفعلية كما في حديث معاذ الذي في الموطإ بلفظ أن النبي ﷺ «خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا»، وهذا لا يكون إلا وهو نازل، ولا يعارضه ما ثبت من فعله على خلاف ذلك، فإنها وقائع ذكرها رواتها كما حصلت، ومن ذلك ما ثبت عن ابن عمر أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جد به السير»، هذا لفظ الترمذي وصححه، وهو عند الشيخين وغيرهما بمعناه.
وقد لاحظت تساهلا كبيرا في مسألة الجمع هذه يقع فيه بعض إخواننا الذين يرتادون المصطافات ومواضع الاستراحات، فيقضون الساعات الطوال يلهون ويمرحون، وقد يدرسون، لكنهم لا يصلون الصلاة في وقتها، وكأن الجمع في السفر سنة لا يحق لأحد مخالفتها، ثم هم ينكرون على من خالفها!!، وقد يخلط بعضهم بين قصر الصلاة في السفر وهو واجب أو سنة مؤكدة، وبين الجمع الذي هو رخصة، فالمطلوب أن تنزل الأحكام الشرعية منازلها، وأن نبتعد عن الجفاء والغلو فيها، والنبي ﷺ لم يكن يجمع دائمًا، فإنه لم يجمع في منًى، مع أنه أقام فيها يوم التروية وأيام التشريق في حجّته يقصر الصلاة ولا يجمع.
[ ٥ / ٤٣ ]
جمع المريض الذي يخاف على عقله
• قوله:
٣٢ - «وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف وكذلك جمعه لعلة به فيكون ذلك أرفق به».
تجد معنى ما ذكره المؤلف في المدونة أول باب جمع المريض بين الصلاتين، والمراد جمع التقديم عند الصلاة الأولى التي هي الظهر أو المغرب إذا خاف أن يغلب على عقله في وقت الثانية، وقوله تخفيف أي رخصة وهو تفنن في العبارة، ورأوا أنه إن لم يحصل له ما توقعه أعاد الصلاة الثانية ندبا، وله أيضا أن يجمع جمعا صوريا في آخر وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق إذا لحقته مشقة بأدائه كل صلاة في وقتها، أو بالوضوء لكل صلاة، أو القيام لكل منهما ونحو ذلك، فله أن يجمع جمعا صوريا.
فإن قيل: فأين التخفيف وما ذكر يسوغ لغير المريض فعله؟، فالجواب: أن الترخيص بالنظر إلى فضيلة أول الوقت، والفرق موجود بين من فوتها مختارا ومن فوتها ملجأ، ودليل هذا الحكم في حق المريض حديث ابن عباس في جمع النبي ﷺ بالمدينة، وقد ذكره سحنون في المدونة محتجا به ومما قاله: «وإنما الجمع رخصة لتعب السفر ومؤنته إذا جد به السير، فالمريض أتعب من المسافر وأشد مؤنة، لشدة الوضوء عليه في البرد، ولما يخاف عليه منه لما يصيبه من بطن منخرق أو علة يشتد عليه بها التحرك والتحويل ولقلة من يكون له عونا على ذلك فهو أولى بالرخصة، وهي به أشبه من المسافر،،،»، انتهى، ومن ذلك أن المستحاضة جاء الجمع في شأنها، كما رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث حمنة بنت جحش، فإن عُدَّتْ مريضة فذاك، وإلا فالمريض أولى بالرخصة منها.
[ ٥ / ٤٤ ]
فطر المسافر في رمضان
• قوله:
٣٣ - «والفطر في السفر رخصة».
دلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والسفر الذي يباح فيه الفطر هو السفر الذي تقصر قيه الصلاة على ما تقدم، والمشهور أن الصوم أفضل، وفرقوا بينه وبين القصر بشغل الذمة في ترك الصوم، وعدم شغلها في قصر الصلاة، فإذا أراد المسافر أن يصوم فله ذلك، ما لم تلحقه مشقة غير فادحة، فمع المشقّة يترجح الفطر، ومع المشقّة الفادحة يجب.
[ ٥ / ٤٥ ]
قصر المسافر الصلاة الرباعية
• قوله:
٣٤ - «والإقصار فيه واجب».
يقال قصر الصلاة كنصر، وقصَّرها بالتشديد وأقصرها، والأول أكثر، ومن الثالث قول الشاعر:
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع … ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر
وحكم القصر في السفر ذي مسافة الأربعة برد غير العاصي صاحبه به أنه سنة مؤكدة، فلا يحرم الإتمام، وقال بوجوبه القاضي إسماعيل وابن سحنون كما في تبصرة اللخمي الذي اختار التخيير.
وقد اعتبروه أوكد من صلاة الجماعة، وظاهر قول مالك خلافه كما في التبصرة، كما كرهوا أن يأتم مقيم بمسافر أو مسافر بمقيم، فإن حصل الأول؛ فكل على سنته، وإن حصل الثاني أكمل المؤتم الصلاة، وكانت الكراهة أشد لمخالفة المسافر سنته.
والظاهر عدم الكراهة إذ لا دليل عليها إلا الرأي، فكيف إذا جاء ما يدل على خلافها وهو ما رواه أحمد عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: «إذا كنا معكم صلينا أربعا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ»، وهو في صحيح مسلم مختصرا.
أما الاحتجاج لسنية القصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]، فلم يسلم من مطعن، ولم يتم النبي ﷺ الصلاة الرباعية في السفر، وقد أمرنا أن نصلي كما كان يصلي، وجاء عن أم المؤمنين عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر»، رواه الشيخان وأبو داود.
وأذكر أني صليت في أحد مساجد بلدة عين الحجر العشاء فقصرت، وأشرت بعد
[ ٥ / ٤٦ ]
مسافة القصر العليا والدنيا في المذهب
السلام إلى المأمومين بالإتمام فأتموا، ولم يكن منهم إنكار لما فعلت، فقد تعلموا من إمامهم هذا الحكم، فجزاه الله خيرا، ثم إني صليت العصر في مسجد آخر فقصرت كذلك، فاستغرب بعضهم ذلك، فحصل بعض اللغط، فسئل بعض أئمة مساجد المدينة أو افتعل السؤال، فأجاب ببطلان الصلاة لأن المسافة بين معسكر وبين عين الحجر ليست مسافة قصر كما زعم، مع أنها تزيد على الثمانين كيلومترا، والرجل المذكور يعلم الخلاف الواسع بين أهل العلم في مسافة القصر، وأن الذين قالوا إنها أربعة بُرُد اختلفوا في مقدار البريد بالسير، هل هو يوم أو يومان أو ثلاثة أيام، ثم اختلفوا في مقدار الميل بالذراع على أقوال، قال ابن رشد في المقدمات: «وقد اختلف في حد ما تقصر فيه الصلاة اختلافا كثيرا من مسافة ثلاثة أميال وهو مذهب أهل الظاهر إلى مسيرة ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والذي ذهب إليه مالك ﵀ أن الصلاة لا تقصر في أقل من مسيرة اليوم التام، واختلف في حده، فقيل ثمانية وأربعون ميلا، وقيل خمسة وأربعون ميلا، وقيل أربعون ميلا، فإن قصر فيما دون الثمانية والأربعين ميلا فلا إعادة عليه فيما بينه وبين الأربعين ميلا، فإن قصر فيما دون الأربعين فقيل يعيد في الوقت، وقيل لا إعادة عليه فيما بينه وبين ستة وثلاثين ميلا، فإن قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت وبعده»، انتهى، والميل على الأصح من جملة أقوال هو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع فتكون مسافة الميل بالمتر ألفا وسبعمائة، وتكون أدنى المسافة التي يقصر فيها وتصح الصلاة على ما ذكره ابن رشد كما علمت هي ٢، ٦١ كلم، أما المسافة القصوى على ما ذكره فهي ٦، ٨١ كلم، فكيف إذا حسبنا المسافة على أساس أن الميل هو ألفا ذراع وهو المشهور كما صرح به الدردير؟، إن المسافة الدنيا تكون حينئذ هي (٣٦) كلم، وتكون القصوى هي (٤٨) كلم، وهذا كله متى تقيدنا بالأقوال التي في مذهب مالك ﵀، ومن أدرى هذا المفتي أن الذي أبطل صلاته من متعصبة المذاهب حتى يحاكمه إليها وهو جاهل بما فيها؟، وقد صح الحديث بالقصر في ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال على الشك؟، وأنا أدين بالقصر في أقصى ما في الحديث، وهو ثلاثة فراسخ، وهو نفسه لم يكن كذلك إلى أن تغيرت الألوان وتبدلت الوسائل إلى المصالح، وصارت لعاعة الدنيا طعما تستمال به الضمائر الضعيفة، وتتبدل به
[ ٥ / ٤٧ ]
المواقع، ومتاع الدنيا قليل، ففيم يترك الحق من أجله؟، ثم من أدراه أن الذي قصر آت من معسكر حتى يجعل المسافة هذه هي سفري؟، وقد قال في فتواه عن هذا العبد الضعيف إنه غريب، وبالفعل فإننا في هذه الأوضاع التي تمر بها بلادنا غرباء، ونحن في الدنيا كيفما كان الحال كالغرباء، والغرابة أيضا في قوله الغليظ وفتواه التي لم يراع فيها علما ولا أدبا، ولله في خلقه شؤون، وإنما فعلت ذلك لأن هذه السنة كادت تموت مع ما عليه فهوم كثير من الناس من كراهة ائتمام المسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، بما في مختصر خليل ﵀ من ذلك، وهو خلاف الصواب، ومن المستبعد جدا أن يكون هذا هو قول مالك، كيف وقد أثبت في موطئه آثارا عدة في ائتمام المقيم بالمسافر والعكس من فعل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومنها ما رواه عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْر»، وقد قصر النبي ﷺ الصلاة في فتح مكة وفي حجة الوداع وكان إمام الناس، أفتراه بأبي هو وأمي أقر الذين اقتدوا به على فعل المكروه؟، وثمة حديث ابن عباس في صحيح مسلم وقد ذكرته في هذا الشرح، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وفيه أن المسافر يؤم المقيمين، وهذا هو المستحب عند جماعة العلماء، لا خلاف علمته بينهم في أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم؛ قاموا فأتموا أربعا لأنفسهم أفرادا»، انتهى.
[ ٥ / ٤٨ ]
• قوله:
٣٥ - «وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن».
يطلقون الرغيبة التي هي مفرد رغائب على ما دون السنة وفوق المستحب، وهذا هو قول الأكثر، وهو لمالك، وعنه أنها سنة وعليه أشهب، وهو الأقرب لمواظبة النبي ﷺ عليها سفرا وحضرا، ولا أحسب أن بين الروايتين اختلافا لأنهما حملتا على الاصطلاح الحادث، وقد قال النبي ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة، وهي القائلة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر»، وهذا بظاهره يدل على أنها خير من الوتر لولا مجيء ما هو نص في أفضليته عليه، وهو قول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وقال النفراوي ﵀: «وينبني على السنية ندب فعلهما في المسجد، وعلى عدمها ندب فعلهما في البيت»، انتهى.
قلت: هذا الترتيب ليس صحيحا، فهما كغيرهما من الصلوات غير المفروضة تفعل في البيوت إلا لمانع أو عارض أو لِمَا كانت الجماعة فيه مشروعة، وقال في المختصر: «وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها»، أي فلا يكفي فيها نية مطلق الصلاة، ومثلها في هذا صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والوتر، مما هو من الصلاة مقيد بزمن أو بسبب، فمن أحرم ناويا الصلاة وأراد صرفها لواحد مما ذكر لم يجزه بخلاف نحو صلاة الضحى وتحية المسجد والتراويح، قال في المدونة: «إن صلاهما بعد الفجر لا ينوي بهما ركعتي الفجر لم يجزياه»، انتهى بالنقل عن حاشية التاج والإكليل.
[ ٥ / ٤٩ ]
صلاة الضحى نافلة وبيان وقتها
• قوله:
٣٦ - «وصلاة الضحى نافلة».
الضحوة ارتفاع النهار، والضحى بالقصر فويق ذلك، والضحاء بفتح الضاد والمد إذا امتد النهار وكَرَبَ أن ينتصف، والنافلة في اصطلاح أهل المذهب المغاربة ما دون السنة والرغيبة، وأقل صلاة الضحى ركعتان وأوسطها أربع، وأكثرها ثمانية، وقيل ثنتا عشرة، وقيل لا حد لها، وقد ثبت كون صلاة الضحى اثنتين وأربعًا وستًّا وثمانيا، ووقتها من حل النافلة بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال، وهي صلاة الإشراق، بل هي أولها، وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ [ص: ١٨]، بصلاة الضحى، رواه عنه ابن مردويه وغيره قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي؟، حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق»، ورواه ابن جرير والحاكم موقوفا عليه، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف وهو أصح.
وفي مختصر خليل أنها واجبة على النبي ﷺ قال: «خص النبي بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر بحضر»، انتهى، ولا دليل على هذا، قال الدردير في شرحه: «هو ضعيف، والجمهور على أنه مستحب عليه»، انتهى.
قلت: الخلاف قائم في صلاته إياها فكيف يقال بوجوبها عليه؟.
ومما جاء في صلاة الضحى حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»، رواه الشيخان، وفيه وفي الذي بعده دليل على أن الركعتين تكفيان، وجاء في حديث أبي ذر مرفوعا: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود، والسلامى بضم السين
[ ٥ / ٥٠ ]
عظام الأصابع، والمراد هنا عظام البدن وهي ستون وثلاثمائة كما في حديث عبد الله بن بريدة الذي رواه أحمد وأبو داود، فعلى المسلم أن يتصدق بصدقات بمقدار هذا العدد من المفاصل شكرا لله تعالى على نعمته عليه بها، وأيسر ذلك عليه ما ذكر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وقول الحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يقدر، أو حصل منه تقصير فلا يفرط في ركعتي الضحى، وكون الركعتين تجزيان عما ذكر يدل على عظم فضلهما، ويظهر أن غيرهما من النوافل في غير هذا الوقت لا يقوم مقامهما، وقال النبي ﷺ: «صلاة الأوابين حين ترمَض الفصال»، رواه أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم، والأوابون الرجاعون إلى الله بالتوبة، وترمَض بفتح الميم أي تصيبها الرمضاء وهي الرمل الحار فتحرق أخفافها لضعفها، والفصال جمع فصيل صغير الإبل إذا فصل عن الرضاع، وفيه فضيلة صلاة الضحى في هذا الوقت، وجاء في بيان وقتها ما يقابل بداية صلاة العصر من ارتفاع الشمس، وروى مالك ومن طريقه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمله الناس فيفرض عليهم»، ومعنى ربط الافتراض بعمل الناس أنهم يعتادونه بالفعل ويدخلونه في حياتهم فلا يشق عليهم، فيفرض، وليس معنى ذلك ربط علم الله تعالى أو مشيئته الكونية بفعلهم، وإنما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]، وعائشة لم تنف الوقوع وإنما نفت الرؤية، ولا يلزم من نفي الثاني نفي الأول، كيف وقد أثبت ذلك غيرها، وجاء عنها تقييد النفي بما عدا الرجوع من السفر، وجاء عنها الإثبات مطلقا، فلا أقل من أن يدل ذلك على ثبوت فعله ﷺ لها أحيانا، والله أعلم.
[ ٥ / ٥١ ]
قيام رمضان وما فيه من الفضل
• قوله:
٣٧ - «وكذلك قيام رمضان نافلة وفيه فضل كبير ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
الصلاة في رمضان تدعى صلاة التراويح جمع ترويحة لأنهم كانوا يطيلون القيام فيها ويستريحون بعد كل أربع ركعات، وهي نافلة، والجماعة فيها مستحبة، وهي مستثناة من كراهة النفل جماعة لمجيء السنة بها، ومثلها صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف، وهي مشروعة بقول النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، والقيام كناية عن الصلاة، لكن غيرها من قراءة القرآن وذكر الله من جملة القيام، وقد صلى النبي ﷺ بأصحابه عدة ليال، ثم لم يخرج إليهم خشية أن تفرض عليهم، وبموته ﷺ زال المانع وكتب الله تعالى أن تحيى هذه السنة فتصلى جماعة على يد عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس على قارئ واحد هو أُبَيُّ بن كعب ﵁، واستمر المسلمون على ذلك إلى اليوم، والمذهب أن فعلها في البيوت أفضل إن لم تتعطل المساجد جريا على الأصل في صلاة النافلة، وقد قال النبي ﷺ: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وهو في صحيح البخاري وغيره عن زيد بن ثابت، وقد جاء الحديث في سياق ذكر هذه الصلاة حين امتنع النبي ﷺ من الخروج، والسبب يدخل فيما ورد بشأنه دخولا أوليا، ولا يعارض هذه الأفضلية بشرطها قول النبي ﷺ: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود والترمذي، وسيأتي مزيد بحث في المسألة، أما قيد الإيمان والاحتساب في مغفرة الذنوب بقيام رمضان فيخرج به من صلى للعادة والتقليد وللرياء والسمعة، والله أعلم.
[ ٥ / ٥٢ ]
القيام من الليل في غير رمضان
• قوله:
٣٨ - «والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها».
يظهر أن المؤلف يفرق بين الوتر وقيام الليل، ولهذا تكلم على الوتر وحده فيما تقدم، وبعد أن ذكر التراويح تكلم على قيام الليل في رمضان وفي غيره لأن فضيلة قيامه لا تختص برمضان، وتسمى صلاة الليل وترا، ويدل على تأكدها قول النبي ﷺ: «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله يحب الوتر»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن علي ﵁، وأهل القرآن يحتمل أن يراد بهم عموم المسلمين، ويحتمل خصوص حفاظ القرآن، وقد قال النبي ﷺ: «إن لله أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس، قال الطيبي كما في عون المعبود: «يريد بالوتر قيام الليل، فإن الوتر يطلق عليه كما يفهم من الأحاديث، فلذلك خص الخطاب لأهل القرآن»، انتهى، وقد قال النبي ﷺ: «الوتر حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي أيوب ﵁، وروى مالك في الموطإ بلاغا ووصله أحمد أن رجلا سأل ابن عمر ﵁ أرأيت الوتر أسنة هو؟، قال: ما سنة؟، أوتر رسول الله ﷺ، وأوتر المسلمون، قال: لا، أسنة هو؟، قال: مه، أو تعقل؟، أوتر رسول الله ﷺ، وأوتر المسلمون»، قال ابن عبد الملك وهو في شرح الزرقاني على الموطإ: «خشي ابن عمر إن قال واجب أن يظن السائل وجوب الفرائص، وإن قال غير واجب يتهاون به ويتركه»، انتهى.
قلت: غرض ابن عمر أن يشتغل الناس بالاقتداء بالنبي ﷺ فيفعلون مثل فعله، وقد استفاض عنه ﷺ فعل الوتر، ونظير هذا ما سبق حيث سأله بعضهم عن الأضحية، ومن ذلك كلامه لمن راجعه في شأن تقبيل الحجر الأسود إن هو زوحم، ولا شك أن أفضل النوافل الوتر لكونه يدخل في صلاة الليل وقد قال النبي ﷺ فيها: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم
[ ٥ / ٥٣ ]
وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة.
ومما جاء في فضل صلاة الليل قول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وقال تعالى عن صالحي أهل الكتاب: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]، ومما جاء في التعاون عليها قول النبي ﷺ: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، وفيه التلطف في إلزام الغير بالخير ولو كان كارها له في الظاهر، وقال رسول الله ﷺ: «إذا أيقظ أحدكم أهله من الليل فصليا، أو صليا ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات»، رواه أبو داود عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄، وفي صحيح البخاري عن أم سلمة قوله ﵊: «أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»، وجاء في فضل من نام عن صلاة الليل التي اعتادها: «ما من امرئ يكون له صلاة بالليل، فيغلبه عليها النوم، إلا كتب الله تعالى له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة»، رواه مالك وأبو داود والنسائي عن عائشة، فانو الخير واعزم عليه تنل الأجر.
[ ٥ / ٥٤ ]
الصلاة على موتى المسلمين وتغسيلهم
• قوله:
٣٩ - «والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها وكذلك مواراتهم بالدفن».
الصلاة على المسلم البالغ غير شهيد المعركة مع الكفار فرض كفائي، وقيل سنة كفاية، وقد روى الدارقطني في سننه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من قال لا إله إلا الله»، لكنه حديث ضعيف، ويغني عنه أن النبي ﷺ أمر بها، فقد كان إذا أتي بالمتوفى سأل هل ترك لدينه فضلا؟، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وقال مثل ذلك عن الرجل الذي مات في خيبر وكان قد غل، كما رواه مالك في الموطإ وبعض أصحاب السنن عن زيد بن خالد الجهني، ولم يصل على الذي قتل نفسه بمشاقص، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن جابر بن سمرة، ففي هذه الأحاديث امتناع النبي ﷺ من الصلاة مع أمره بها، وقد كانوا لا يؤذنونه بذلك أحيانا لما يلحقه من المشقة، كما حصل في موت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، وقال الغماري في مسالك الدلالة: «وقد اتفق المسلمون على وجوب الصلاة على الميت وفرضيتها، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به من المالكية، ولم ينقل في حديث أن الصحابة لم يصلوا على ميت في زمن النبي ﷺ، ولا بعده»، انتهى.
والخلاف الذي أشار إليه الغماري هو الذي قال عنه خليل: «فصل في وجوب غسل الميت بمطهر ولو زمزم، والصلاة عليه كدفنه وكفنه وسنيهما خلاف، وتلازما»، فالخلاف إنما هو في الغسل والصلاة، أما الدفن والكفن فواجبان، ولهذا قال: «وكذلك مواراتهم بالدفن»، ونقل ابن حزم الإجماع على لزوم المواراة، وعلى لزوم الغسل والصلاة إن كان الميت بالغا ما لم يكن شهيدا أو مقتولا ظلما في قصاص.
[ ٥ / ٥٥ ]
لكن لا مفهوم للمسلمين في كلام المؤلف بخصوص الموراة، فإن الكافر ولو حربيا ينبغي مواراته أيضا.
أما الصلاة على من استهل صارخا إلى ما قبل البلوغ فمندوب كفائي فيما يظهر، ولا يصلى على السقط، وقيل يصلى عليه، والأول أقوى، وقد تقدم الكلام على ذلك في الجنائز.
والصلاة والغسل عندهم متلازمان، فمن لم يشرع الغسل أو بدله له وهو التيمم لا يصلى عليه، ودليل ذلك شهداء أحد حيث لم يغسلوا ولا صلي عليهم، وهو في الصحيح، وفي هذا الربط نظر، والظاهر أن الصلاة عليهم مخير فيها، والله أعلم.
[ ٥ / ٥٦ ]
• قوله:
٤٠ - «وغسلهم سنة واجبة».
قد تقدم هذا، ولو أخره ليذكره هنا مع الصلاة والدفن لكان خيرا، وهذا أحد قولين في حكم غسل الميت، وهو أنه سنة كفاية، وقد قام الدليل على خلافه، وانتقدوا على المؤلف أن يفرق في الحكم بين الصلاة والغسل مع أنهما متلازمان عندهم فمتى قيل بوجوب أحدهما قيل بوجوب الآخر، ولا ضير على الإمام في ذلك
[ ٥ / ٥٧ ]
حكم طلب العلم وما يلزم كل مسلم منه وما كان منه فرض كفاية
• قوله:
٤١ - «وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه».
من العلم ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو فرض عين، فأما الأول فهو ما لا بد للمسلم منه من معرفة ربه بتوحيده وعبادته، وصحة عقيدته، وكيفية القيام بما هو مفروض عليه مما يشترك المسلمون فيه، كالصلاة والصيام، أو مما يختص به بعضهم دون بعض، كالزكاة والحج والزواج والبيع، فمن احتاج إلى شيء من ذلك تعين عليه تعلمه قبل فعله، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦] ولقول رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، رواه ابن عدي والبيهقي عن الحسين بن علي ﵄، وابن عبد البر عن أنس بزيادة: «وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر»، وهو في صحيح الجامع الصغير، وبهذا صح أن يقال إن كل مسلم عالم، ولهذا أيضا كان واجبا على كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يعلمه من دينه، قال الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه: «فأما الأصول التي هي معرفة الله ﷾ وتوحيده وصفاته وصدق رسله فمما يجب على كل أحد معرفته، ولا يصح أن ينوب فيه بعض المسلمين عن بعض»، انتهى.
قلت: وينبغي للمسلم ولا بد أن يعرف معنى العبادة حتى لا يصرف شيئا منها لغير الله فيشرك به، لاتفاق الناس على أن العبادة خاصة بالله تعالى، وما أكثر الذين يصرفون صورة العبادة له سبحانه، ويصرفون لبها وروحها وهو التذلل والخضوع وكمال المحبة لغير الله بسبب جهلهم بمعناها.
وأما النوع الثاني فهو ما زاد على ذلك من التوسع فيما هو مفروض على كل المسلمين، أو فيما هو مفروض على من لابسه منهم، أو ما ليس من هذا ولا هذا، يستوي
[ ٥ / ٥٨ ]
في ذلك العلوم التي هي مقاصد أو آلات لفهم غيرها كحفظ القرآن والحديث والتفسير والعربية وأصول الفقه وغيرها قراءة وتأليفا.
قال الشيخ زروق في بيان فرض العين من العلم: «وفرض العين ما لا يؤمن الهلاك مع جهله دينا ودنيا، وفرض الكفاية ما لا تعلق له به في الحال، مع تعلق الغير به أو توقعه في المآل، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يقوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، ولا يلزمه التوسع إلا قدر ما تعلق به فقط»، انتهى، وقال القرافي في الفرق الثالث والتسعين بعد ذكر أن الشافعي حكى الإجماع المتقدم في رسالته، وكذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، قال ينظر لكون مالك اعتبر الجهل في الصلاة كالعمد لأنه عاص بترك طلب العلم بها: «فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض،،، إلى أن قال: «فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله طاعة، وعصاه معصية»، انتهى.
وذهب سحنون إلى أنه يجب على المرء أن يتوسع في العلم الذي له فيه قابلية زيادة على العلم الذي يلزمه للعمل، قال ابن ناجي في شرحه: «وظاهره أنه لا يجب عليه تعلم العلم الزائد على فرض العين، وإن كان فيه القابلية، وهو خلاف قول سحنون بوجوبه عليه، والنفس أميل إليه، وجعله شيخنا أبو مهدي المذهب، وقال لا أعلم خلافه»، انتهى، فرحم الله الإمام سحنون ما كان أفقهه.
والعلم ثلاثة: علم بالله، وعلم بأمر الله، وعلم بخلق الله، أعلاها الأول، وقد نال الأنبياء منه القدح المعلى، وقد قال رسول الله ﷺ: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا»، رواه البخاري عن عائشة، ومن لم يعرف ربه فهو الجاهل وإن علم كثيرا من غيره، بل إن العلم بالله هو جنة الدنيا، فمن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وبمقدار معرفة المرء ربه يسعى في معرفة ما يرضيه ويعمل به، وذلك هو العلم بأمره، أما العلم بخلقه فلحاجة الإنسان إلى ذلك في حياته وتسخير ما جعله الله مسخرا بمشيته، وبهذا العلم يزداد المرء اطمئنانا
[ ٥ / ٥٩ ]
وإيمانا، ولذلك جاء التعقيب على ذكر أنواع من علوم الحياة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨]، أي إنما يخاف الله من علم قدرته وسلطانه كما قال ابن عباس، ولا تظنن أن المراد بالعلماء هنا هم العلماء بالنبات والحيوان والتربة والأجناس البشرية فحسب، وإلا لكان الكفار وما أوسع علمهم بهذه الأمور وغيرها؛ أخشى من المؤمنين لله، وقد نفى الله عن أكثر الناس العلم، وإن أثبت لهم العلم ببعض ظاهر الحياة الدنيا كما في أوائل سورة الروم، فعلم الحياة يفيد في الخشية من الله بقيد أن يكون قد سبق للعالم به معرفة الله والإيمان به.
وقد جمعت هذه العلوم الثلاثة في قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]
والمرأة مثل الرجل فيما هو مطلوب منه من العلم العيني، فإن علمها زوجها فذاك، وإلا قضي لها بالخروج للتعلم، ويتأدى فرض الكفاية بتعلمها فيما يجوز لها مباشرته والعمل فيه، أما ما لا يجوز لها مباشرته والعمل فيه فعلمها لا يتأدى به الفرض الكفائي لأن وجودها فيه كالعدم في نظر الشرع.
[ ٥ / ٦٠ ]
الجهاد الذي هو فرض على الأعيان والذي هو فرض كفاية
• قوله:
٤٢ - «وفريضة الجهاد عامة يحملها من قام بها إلا أن يغشى العدو محلة قوم فيجب عليهم فرضا قتالهم إن كانوا مثلي عددهم».
ما كان من الجهاد لأجل رد من غزا بلدا مسلما فهو من فروض الأعيان على سكان البلد بخاصة، ومن جاورهم من المسلمين الأدنى فالأدنى بعامة، أما ما زاد على ذلك من تأمين سلطان الإسلام والدعوة إليه فهو من فروض الكفاية إلا أن من عينه الإمام تعين عليه الجهاد، أما ما ذكره من القيد بخصوص لزوم قتال الكفار إذا غشُوا أي غزوا محلة قوم فلقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]، والإخبار عن غلبة المائة الصابرة من المسلمين للمائتين يقتضي صمود هذا العدد وتحريم الفرار ويقتضي كذلك تحقيق مناط الصمود وهو التدرب وتعلم فنون القتال والتعود على الصبر والاحتمال، وبهذا أمر الله نبيّه ﷺ أن يحرض المؤمنين على القتال، ويقتضي كذلك عدم التعويل على كثرة العدد والاتجاه إلى تقوية نفس الفرد وإقناعه بما يقاتل من أجله وهو ابتغاء مرضاة الله، فإن كان الكفار أكثر من مثلي عدد المسلمين ساغ لهم الفرار، كذا قالوا، لكن لا يجوز لهم ذلك إن هم بلغوا اثني عشر ألفا، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة»، رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس، والمراد بالصحابة صحبة السفر، ولا يتنافى ذلك مع حديث: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة الركب»، رواه مالك وأحمد وابو داود والترمذي عن ابن عمرو، لأن ذلك أقل ما يخرج به عن المرغوب عنه، والذي نحن فيه فوقه، والسرية القطعة من الجيش تسري بالليل فهي بمعنى فاعلة، وفيه ما تقدم من ترك الاعتماد على العدد وحده، ولذلك أخبر أن غلبة غير المسلمين للمسلمين لا
[ ٥ / ٦١ ]
تكون إذا بلغوا اثني عشر ألفا بسبب قلة عددهم، فابحث عن الأسباب الأخرى غير العدد تلفها كثيرة في المسلمين اليوم، وفي الحديث إلماح إلى وضع العدة موضع الاعتبار أيضا، وأبرز أسباب عدم تحقق ما في الحديث أن كثيرا من المسلمين لا يقاتلون دفاعا عن الإسلام وأرضه، بل لغير ذلك من الأغراض، ومن ذلك أنهم لم يعدوا القوة التي أمرهم ربهم بإعدادها في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، ولذلك ترى ابتغاء وجه الله بالقتال يعوض المسلمين عن كثير من العناصر الأخرى، ولا يعوض هذا العنصر غيره في الغالب، واعتبر بانتصار المسلمين في غزوة بدر ولم يكونوا قد خرجوا لأجل القتال، فخرقت لهم السنن وأمدهم الله بألف من الملائكة مردفين، وهزموا أو كادوا في غزوة أحد إذ منعهم الله الإمداد بالملائكة وقد وعدوا به مشروطا بقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]، لكنهم لم يحصلوا الشرط بسبب مخالفة الرماة، وذاقوا مرارة الهزيمة في حنين لأنهم أعجبتهم كثرتهم مع استعدادهم وخروجهم لأجل القتال، ومهما يكن فإن انتكاستهم كان فيها خير لهم لاتعاظهم بها واعتبارهم، وما ذا تملك طالبان في أفغانستان من القوة بالمقارنة مع قوات الحلف الأطلسي؟.
[ ٥ / ٦٢ ]
الرباط في ثغور المسلمين وحراستها
• قوله:
٤٣ - «والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به».
الرباط والمرابطة هو المواظبة على الأمر، وهو هنا الإقامة في المواضع التي يخشى أن يدخل منها العدو إلى بلدان المسلمين، لأجل الدفاع عنها إذا هاجمها الأعداء، ووسيلتهم يومئذ الخيل، فما استجد الآن من الوسائل حل محلها، والثغور جمع ثغر هو الفرجة، سمي الموضع الذي يخشى دخول العدو منه بذلك تشبيها له بها لأنها يفضى منها إلى ما وراءها بسهولة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقد تقدم الكلام على الرباط في باب الجهاد، وقد اشترط مالك في اعتبار المرء مرابطا أن لا يكون ساكنا في الموضع الذي يرابط فيه، وقد أصبحت الحراسة اليوم عن طريق أجهزة التنصت والرصد، ولم يعد الغزو مقتصرا على تحرك الجيوش واختراق الحدود، بل صار الغزو في الغالب غزو القصف بالطيران والصواريخ بعيدة المدى، مصداقا لتفسير النبي ﷺ القوة التي أمر الله المسلمين بإعدادها بقوله: «ألا إن القوة الرمي»، فمن كان على هذه الأجهزة ساهرا مراقبا يرجى له أجر المرابط بفضل الله تعالى لأنه بدل عنه متى توفر الشرط وهي حراسة أرض المسلمين من الكفار، أما الذي عليه المسلمون اليوم فقتال بعضهم بعضا في الغالب.
وقد كان ابن عمر ﵄ يفضل الرباط على الغزو، وتقدم ما قاله وهو: «فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين»، انتهى، يريد سفك دماء المشركين إن لم يجنحوا إلى السلم، قال ابن رشد في المقدمات: «قيل إنما قال ذلك بعد ما دخل الجهاد ما دخله».
وقد جاء في فضل الرباط أحاديث عدة منها قول رسول الله ﷺ: «رباط يوم في
[ ٥ / ٦٣ ]
سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها»، رواه أحمد والبخاري والترمذي عن سهل بن سعد، وروى الترمذي عن سلمان مرفوعا: «رباط يوم في سبيل الله أفضل من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونما له عمله إلى يوم القيامة»، ولمسلم عن سلمان أيضا: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات مرابطا جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان».
[ ٥ / ٦٤ ]
صوم شهر رمضان والاعتكاف
• قوله:
٤٤ - «وصوم شهر رمضان فريضة».
صوم شهر رمضان من أركان الإسلام العظام بنص القرآن والسنة والإجماع، فمن جحد وجوبه كفر ولا كرامة، ومن ترك صومه من غير عذر حبس وعوقب، واختلف في كفره، وقد حكى زروق في شرحه للرسالة الخلاف في تكفير تارك الزكاة والصوم والحج، وإن كان المشهور عدم كفرهم، فتمسك بهذا ولتستثن تارك الصلاة، والخلاف فيه معروف، والنفس أميل إلى عدم تكفير غير الجاحد.
[ ٥ / ٦٥ ]
• قوله:
٤٥ - «والاعتكاف نافلة».
الاعتكاف هو ملازمة المسجد على وجه مخصوص وقتا ما للتفرغ لذكر الله وطاعته، وأقله يوم وليلة في المذهب، ويكون في المساجد عموما، وحديث قصره على المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا لها ضعيف، وكونه غير واجب مما لا أعلم فيه خلافا إلا أن ينذره المكلف، وقد نقل عن مالك تشبيهه بالوصال في الصوم، وذكر أنه ما زال يفكر في ترك الصحابة له مع أنهم أتبع الناس لرسول الله ﷺ، وذكر أنه ليس بحرام، وأنهم إنما تركوه لشدته، فركب بعض أهل المذهب على قوله ليس بحرام أنه مكروه، ورده ابن العربي بقوة، ومراد مالك بنفي الحرمة الخوف من أن يؤخذ من تشبيهه له بالوصال هذا الحكم فتنبه، والله أعلم.
[ ٥ / ٦٦ ]
التنفل بالصوم من غير قيد
• قوله:
٤٦ - «والتنفل بالصوم مرغب فيه».
مراده التطوع بالصوم من غير تحديد بيوم من الأسبوع ولا من الشهر، لقول رسول الله ﷺ: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»، رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد اختلف في المراد من لفظ سبيل الله، هل هو الجهاد، أو إخلاص العمل لله تعالى، والأول هو الظاهر، لأن الإخلاص غير مختص بالصوم في حصول الأجر، ولا ينافي ذلك أن الجهاد مظنة المشقة، فالفطر فيه ولو في رمضان قد يكون أولى، إذ يقال إن ذلك حيث لا مرجح للفطر، فيجمع المجاهد حينئذ بين الفضيلتين، أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح، وقوله سبعين خريفا أي عاما لأن الخريف يأتي مرة واحدة في العام، وقال النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله ﷿: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عنه فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك»، رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة.
ولا بأس أن أذكر شيئا عن صوم الجمعة وصوم الدهر وغيرهما هنا، والمذهب جواز إفراد يوم الجمعة بالصوم، وقد اعتمد مالك في ذلك على العمل، وصرح بأنه سمع بالحديث، قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: «قال ابن أبي أويس: سئل مالك عن صوم يوم السبت، فقال: إن هذا الشيء ما سمعت به قبل، وقد كنت سمعت في يوم الجمعة ببعض الكراهية، فأما يوم السبت فلا»، انتهى، فهذا يرد قول من اعتذر عن مالك في قوله بجواز صوم يوم الجمعة بأنه لم يبلغه الحديث، وقوله في الموطإ: «لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعضهم
[ ٥ / ٦٧ ]
يصومه وأراه كان يتحراه»، انتهى، ليس نصا في عدم علمه بالحديث، بخلاف النهي عن صوم يوم السبت فإنه ذكر أنه لم يسمعه، والصواب أن لا يفرد يوم الجمعة بالصوم لأنه عيد المسلمين والعيد لا يصام، لكن الجمعة يجوز صومها تبعا بأن يصوم يوما قبلها، أو يوما بعدها، ولا يلزم من كونها عيدا أن تكون مثل العيدين من كل وجه بدليل أنها تصام في رمضان وفي الكفارات، وفي نهيه ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من دون الليالي ويومها بصيام من دون الأيام عبرة لمن اعتبر، وهي أن مجرد كون الزمان فاضلا لا يلزم منه اختصاصه بعبادة، لأن كلا من الحكم بفضل الشيء على غيره، واختصاصه بفضل العبادة فيه؛ مفتقر إلى الدليل.
ويجوز صوم الدهر في مشهور المذهب، بل هو قول مالك كما في الموطإ قال: إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهي أيام منى، ويوم الفطر ويوم الأضحى فيما بلغني، وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك»، انتهى، وقد جاء في صوم الدهر قول النبي ﷺ: «لا صام من صام الأبد»، رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو، وعن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟، قال: «لا صام ولا أفطر، أو لم يصم، ولم يفطر»، رواه أحمد ومسلم، وقد حمل الجمهور النهي على من تلحقه بذلك الصوم مشقة، أو يفضي به إلى التفريط في الحقوق، أو على من صام الدهر ولم يفطر في الأيام التي يحرم صومها، وهذه التعليلات متفاوتة في الضعف، وأبعدها الأخير، لأن صوم العيدين ليس صوما شرعيا حتى يدخل في الصوم، فالأولى الترك، وخير الهدي هديه ﷺ، كيف وقد بين أن أفضل الصوم صوم يوم وإفطار يوم، وهو صوم داود ﵇، قال ابن العربي في حديث النهي عن صوم الدهر: «إن كان دعاء فيا ويح من دعا عليه النبي ﷺ، وإن كان خبرا فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ بأنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا فكيف يكتب له ثواب»؟، انتهى، قال خليل عن صوم التطوع المندوب: «وصوم عرفة إن لم يحج، وعشر ذي الحجة، وعاشوراء وتاسوعاء، والمحرم، ورجب وشعبان،،، إلى أن قال: وصوم ثلاثة من كل شهر، وقال عن
[ ٥ / ٦٨ ]
المكروه من الصيام: «وكره كونها البيض، كستة من شوال»، وقال عن الجائز من الصوم وقيل بل هو المندوب لأن العبادة لا تقع مباحة: «وصوم دهر وجمعة فقط»، انتهى
ومما يذكر هنا صوم ستة أيام من شوال، وفيها حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن، وقال ابن العربي في المسالك: «كره مالك الأخذ بهذا الحديث مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجاهلية والجفاء، ولو صام ستة أيام في المحرم لكان أفضل له، وليس لتعينها بشوال معنى غير أن فيه تحصيل العمل وقصر الأمل»، انتهى، ولعله أراد بقوله: «ليس لتعينها بشوال معنى»؛ أن مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لا يتوقف على هذا الحديث فإنه أمر متقرر بأدلة قرآنية وحديثية كثيرة، ثم وجدته صرح به في قوله في العارضة: «وصلة الصوم بأيام شوال مكروهة جدا، لأن الناس قد صاروا يقولون شيع رمضان، وكما لا يتقدم له لا يشيع، ومن صام رمضان وستة أيام من أيام الفطر له صوم الدهر قطعا بالقرآن، كان من شوال أو من غيره، وربما كان من غيره أفضل، أو من أوسطه أفضل من أوله، وهذا بين وهو أحوى للشريعة، وأذهب للبدعة، ورأى ابن المبارك والشافعي أنها في أول الشهر ولست أراه، ولو علمت من يصومها أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به، لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة وأمثالها غيروا دينهم وأبدوا رهبانيتهم»، انتهى ببعض اختصار، وفي كلامه ﵀ بعض المبالغة، فمالك لم يترك هذا الحديث لمجرد أن فيه التطوع بالصوم لأنه إذا كان صوم الدهر عنده مشروعا فكيف بجزء منه؟، بل إن مرد ما ذهب إليه ما أشار إليه ابن العربي من وصله بشوال، وهذا أمر نعيشه اليوم نسمع الناس يقولون فلان أنهى صيام الأيام (البيض)، وبعضهم يقول فلان عَيَّدَ، وبعضهم يعد الحلوى ليوم عيده، ويقولون لما ذا لم يصم فلان؟، وهكذا، والأمر الثاني أن المضاعفة المذكورة في الحديث عليها أدلة قرآنية وحديثية كثيرة فلا خصوصية لصوم لستة أيام من شوال، وعليه يكون صوم تلك الأيام في شوال وفي غيره سواء في الأجر، والثالث أن تلك المضاعفة يحتمل أنها خاصة بشوال بمعنى أن من فعل ذلك مرة في عمره كان كمن
[ ٥ / ٦٩ ]
صام حياته كلها، لا العام الذي صام فيه فحسب، فيكون الحديث مؤسسا لأمر خاص بهذه الأيام، فيكون المراد بالدهر عمر الإنسان، وهذا تأويل لم أعلم أحدا ذهب إليه فلينظر، ولا يمنع من هذا التأويل تفسير بعض الناس للحديث على القاعدة المعروفة التي لا تتقيد بزمان، ومهما يكن فالمطلوب إبقاء السنن على ظاهرها، واعتبار قيودها، مع تعليم الناس أن ينزلوا الأحكام منازلها، وأن يتركوا في هذه الأيام المجاهرة بصيامها، وإتباع الفريضة بالنافلة موجود في غير الصيام، ودين الله محفوظ.
[ ٥ / ٧٠ ]
صوم عاشوراء ورجب وشعبان وعرفة والجمعة
• قوله:
٤٧ - «وكذلك صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية».
لما ذكر التطوع بالصوم من غير تحديد ذكر بعض الأيام التي جاء الحث على صومها، منها عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرم، وقد كان المشركون يصومونه في الجاهلية، وصامه المسلمون أول ما قدم النبي ﷺ المدينة بأمره، فلما فرض رمضان في السنة الثانية كان من شاء صامه ومن شاء أفطره، فقيل كان واجبا ثم نسخ، وهو مدلول كثير من الأحاديث، وقيل كان مستحبا مؤكدا فخفف فيه، ولا يساعد عليه ظاهر الأحاديث، ولاسيما حديث سلمة بن الأكوع الذي فيه أن رسول الله ﷺ أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس: إن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء»، فالأمر بالإمساك بعد الأكل لا يناسب المندوب، فيكون حجّة على جزاء نية الصوم في النهار لمن لم يبلغه الخبر، ولم يكن قد أفطر، وليس عليه قضاء.
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه»، رواه مالك والشيخان، وجاء نحوه عن ابن عمر أيضا، وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر»، رواه الشيخان، وروى مسلم وأبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال: «فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ، وهذا فيه بعض المخالفة لكون علمه بتعظيمهم إياه كان قد علمه أول مقدمه المدينة، ووفاته متراخية نحو الثماني سنوات عن ذلك، وليس هذا بكلام الله ولا كلام رسوله ﷺ حتى نتعنى في البحث عن الجمع بين المتعارض منه، أعني الإخبار بوقت صومه ووقت قوله ما قال، والذي ينبغي أن يعلم أن شريعة هذا النبي الكريم
[ ٥ / ٧١ ]
المحكمة هي مخالفة الكفار والمشركين، فالأولى أن يصام التاسع مع العاشر، وقال العلماء صوم عاشوراء على ثلاث مراتب: صوم العاشر وحده، وخير منه صومه مع التاسع، وخير من ذلك صومهما مع الحادي عشر لقطع الصلة بمن كانوا يصومونه حتى يكون الناس على شريعة محمد ﷺ الباقية المحكمة، وهي المفاصلة بينهم وبين الكفار، وجاء في فضل صومه قول رسول الله ﷺ: «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي قتادة، وقد روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صُمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء»، ولينظر وجه التعليل بخشية الفوات، فهل له صلة بمعنى لفظ عاشوراء هل هو التاسع أو العاشر؟، قلت: هو مستبعد، بل هو عندي المسارعة إلى فعل البر خوف اخترام المنية المرء ولا ينافي ذلك القصد إلى مخالفة اليهود.
أما رجب فقد جاءت في صومه بخصوصه أحاديث لم تثبت، لكنه يدل على فضيلة الصوم فيه الأدلة العامة على التطوع بالصيام من غير تقييد بزمن، ولأنه من جملة الأشهر الحرم التي ورد فيها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «صم من الحُرُم واترك»، وهو في سنن أبي داود عن الباهلي، وهو في سن النسائي وابن ماجة، وفيه دليل على عدم إكمال الشهر صياما، ويدل على مشروعية الصوم في رجب أيضا التقرير الذي في قوله ﷺ عن شعبان: «ذاك شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه»، أشار إليه الشوكاني في نيل الأوطار، وموضع الاستدلال منه ذكر غفلة الناس عن شعبان واقتران رجب برمضان فيما لا يغفلون عنه، والذي لا يغفل عنه في رمضان الصيام فكذلك رجب، فالبيان المذكور ليس لتحديد موضع شعبان من السنة، وورد في المحرم بخصوصه قوله ﷺ: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة.
أما شعبان فقد صح أن النبي ﷺ كان يصومه كله، وإلا قليلا، روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أم سلمة أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصل به رمضان».
[ ٥ / ٧٢ ]
وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت «لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان، كان يصومه كله»، رواه الشيخان، وجاء عنها أيضا ما يخالف هذا وهو قولها: «ما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان»، وقولها: «كان يصومه إلا قليلا»، فالظاهر أنها تريد بقولها يصومه كله أكثره، فتجتمع الروايات مع إمكان الحكم بالظن الغالب منها ومن أم سلمة لأنهما قد لا تعرفان حاله على وجه الجزم في غير نوبتهما، والله أعلم، وقد جاء الحض على الإكثار من الصيام في شهر شعبان في حديث أسامة ﵁ قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، رواه أبو داود والنسائي، وجاء النهي عن الصيام فيه متى انتصف، كما في قول النبي ﷺ: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والظاهر حمله على من لم تجر له عادة بصوم أيام من الشهر أو من الأسبوع، ويتأيد هذا الحمل بفعله ﷺ وقد تقدم.
أما صوم يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة فإن كان مراد المؤلف خصوص اليوم كما هو الظاهر فذلك محتاج إلى دليل خاص، وإلا فإنه من جملة الأشهر الحرم التي تقدم الكلام عليها، فضلا عن كونه من عشر ذي الحجة التي جاء فيها قول رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بماله ونفسه، ثم لم يرجع من ذلك بشيء»، رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وهذه العشر هي أفضل أيام العام، بدليل تفضيل العمل الصالح فيها على غيرها، أما أفضل ليالي العام فإنها العشر الأواخر من رمضان، وفيها ليلة القدر، وهي المرادة بقول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢]، كما جاء ذلك عن ابن عباس، رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره، وفيه جمع بين الأدلة، وقيل هي عشر ذي الحجة، وعليه جمهور المفسرين، ورجحه ابن جرير الطبري.
[ ٥ / ٧٣ ]
• قوله:
٤٨ - «وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج».
تقدم ذِكْر فضل صوم يوم عرفة في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، وهو أنه يكفر ذنوب سنة قبله، وسنة بعده، وإنما كان كذلك لأنه يوم اجتمعت فيه فضيلتان فضيلة العشر، أعني عشر ذي الحجة، وفضيلة اليوم، ويجتمعان في كون كل منهما في الشهر الحرام، قاله زروق ﵀، وإنما كان صومه لمن هو بعرفة دون صومه لمن ليس كذلك لأن النبي ﷺ كان مفطرا في حجة الوداع، وخير الهدي هديه، روى الشيخان عن أم الفضل قالت: «شكوا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة»، وقد جاء النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة عند أحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة، ولم يصح، والظاهر من مجموع النصوص الواردة في صيام هذا اليوم أن لا يصومه من كان بعرفة ليقوى على أعمال الحج، ومنها الإكثار من ذكر الله وسرعة التأهب للنفر للمزدلفة، ويدل بفحواه على أن الوقوف بعرفة أجره عظيم بقطع النظر عن الأدلة التي جاءت نصا فيه، ووجهه أن الشرع جاء بترك صومه مع أنه يكفر سنتين، والشرع لا يفوت على المكلف مصلحة مثل هذه إلا لمصلحة أخرى راجحة، وهي ليست مجرد دفع المشقة، فإن الناس متفاوتون فيها فلو كانت كذلك لنص عليها، فثبت ما قلته، والله أعلم.
[ ٥ / ٧٤ ]
زكاة العين والحرث والماشية وزكاة الفطر
• قوله:
٤٩ - «وزكاة العين والحرث والماشية فريضة».
زكاة الثلاثة ثابتة بالإجماع على اختلاف في وجوب زكاة غير السائمة، والخيل، وفي مقدار النصاب في الحرث، والجمهور على لزوم زكاة عروض التجارة، وهو الصواب إن شاء الله.
[ ٥ / ٧٥ ]
• قوله:
٥٠ - «وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله ﷺ».
قال بعضهم يريد بقوله فرضها قدرها، أي عين قدرها وهو الصاع، حتى لا يكون في كلامه تضارب، والظاهر أنه يريد أنها واجبة بالسنة، فتكون الجملة الثانية تفسيرا للفظ السنة التي لا يقصد بها المعنى الحادث المصطلح عليه.
[ ٥ / ٧٦ ]
حج البيت فريضة والعمرة سنة واجبة
• قوله:
٥١ - «وحج البيت فريضة».
وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة في العمر مجمع عليه، فمن أنكره فليس بمسلم، ومن تركه من غير جحد مع عدم العذر فالله حسيبه، وحسبه من ذلك ما عقب به على افتراضه وهو قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال ابن عباس ﵄: «ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه»، انتهى، وهو في تفسير ابن كثير.
[ ٥ / ٧٧ ]
نية النسك والتلبية في الحج والعمرة
• قوله:
٥٢ - «والعمرة سنة واجبة».
هذا هو المشهور، وذهب ابن الجهم المالكي، وابن حبيب، وابن عبد الحكم إلى وجوبها، وفي الأحاديث ما يدل على ذلك، أما قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهو نص في لزوم الإتمام وهو إجماع ما لم يشترط، لا في لزوم الابتداء، والله أعلم.
[ ٥ / ٧٨ ]
• قوله:
٥٣ - «والتلبية سنة واجبة».
أي أن تلبية الحاج والمعتمر سنة، وتقدم له في الحج أنها واجبة، واعتبرها ابن حبيب في الإحرام بمثابة تكبيرة الإحرام في الصلاة، والمذهب كراهة الزيادة على اللفظ المأثور المعروف.
[ ٥ / ٧٩ ]
• قوله:
٥٤ - «والنية بالحج فريضة».
ولا خلاف في لزوم ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥]، وكيف يخلص من لم يعلم بالفعل ولم يقصد إليه.
[ ٥ / ٨٠ ]
• قوله:
٥٥ - «والطواف للإفاضة فريضة».
الطواف ثلاثة أنواع: طواف الإفاضة وهو الذي يكون بعد الوقوف بعرفة يوم العيد أو بعده، وهذا واجب، وهو في المذهب ركن لكونه لا يجبر بالهدي، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، والثاني والثالث طوافا القدوم والوداع وسيأتي ذكرهما.
[ ٥ / ٨١ ]
طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة
• قوله:
٥٦ - «والسعي بين الصفا والمروة فريضة».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقد روى أحمد والشيخان عن عروة قال قلت لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، قلت: فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما»، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ إن الصفا والمروة من شعائر الله،،، قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف»، وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا».
[ ٥ / ٨٢ ]
طواف القدوم
• قوله:
٥٧ - «والطواف المتصل به واجب وطواف الإفاضة آكد منه».
المراد طواف القدوم الذي يأتي به المحرم بحج مفردا ثم يسعى بعده، ولعله أشار بذلك إلى لزوم الاتصال بين هذا الطواف والسعي، وقد عدوه واجبا يجبر بالهدي، وتقدم الكلام عليه في الحج، فطواف القدوم واجب لأجل السعي إذ لا يكون إلا عقب طواف، هذا فهم الشيخ زروق لكلام المؤلف.
قلت: لو كان هذا هو الموجب لقيل فليؤخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة، ومما قد يستدل به على عدم الوجوب أن المحرم من مكة لا طواف عليه، وأن المعتمر إنما يأتي بطواف واحد يكفيه لعمرته وللقدوم، وأن المراهق وهو الذي يخاف فوات الحج بخروج وقت الوقوف بعرفة، وكذا الحائض فهذان لا طواف عليهما ولا هدي، هذا قول أهل المذهب، ولازمه ما ذكرت لك، وهو مخالف للمعتاد فيمن فاته شيء من واجبات الحج، ومع هذا فالذي ينبغي أن يقال إن النبي ﷺ قد أحرم مفردا أو قارنا، ومع ذلك طاف وسعى عقبه، ثم طاف طواف الإفاضة، وليس الواجب على المفرد أو القارن إلا طوافا واحدا لنسكه، فمن اقتدى به فقد أصاب الحق ولا بد، مع أنه أحال على أفعاله في الحج بقوله لتأخذوا عني مناسككم، وأضاف بعضهم إلى هذا أنه ﷺ قد أمر به في الجملة، فعن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ قال المشركون إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين»، قاله الغماري في مسالك الدلالة، وفي استدلاله بهذا على وجوب طواف القدوم ما لا يخفى، لأن الخلاف إنما هو قي طواف لم يكف عنه طواف العمرة، والحديث الذي ساقه فيه الطواف لأجل العمرة، فالعمدة فعل النبي ﷺ، مع كون أفعاله في الحج على الإيجاب حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والله أعلم.
[ ٥ / ٨٣ ]
طواف الوداع
• قوله:
٥٨ - «والطواف للوداع سنة».
احتجوا على عدم وجوبه بسقوطه عن الحائض مع عدم إيجاب شيء عليها كما هو المعتاد في ترك بعض أفعال النسكين، ولأنه عندهم لا يختص بنسك، أما دليل وجوبه عند من قال به فطوافه ﷺ ونهى الناس عن الخروج من مكة إلا بعد أن يكون آخر عهدهم بالبيت، يعني الطواف، وهو مستحب في المذهب في حق من خرج من مكة إلى موضع بعيد كالمواقيت لا فرق بين الحاج والمعتمر وغيرهما، والمكي وغيره، فإن خرج لموضع قريب كالتنعيم فلا يطالب به إلا أن يخرج ليقيم، ولا يطالب به المتردد على مكة ولو خرج إلى مكان بعيد، فطواف الوداع في المذهب غير مرتبط بالنسك من حج أو عمرة، وله من حيث النظر وجه قوي، لأنه لو كان مرتبطا بالنسكين أو بأحدهما لكان له أجل، ومن المتفق عليه عند من ربطه بالنسك أنه يأتي به ولو طالت إقامته بمكة إذا أراد الخروج، أو قل إنهم لم يذكروا أجلا يسقط فيه الطواف.
[ ٥ / ٨٤ ]
• قوله:
٥٩ - «والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة والجمع بعرفة واجب».
أي ليلة التاسع من ذي الحجة، وقد علل عدم الوجوب بأن المبيت ليس مرادا لذاته، بل هو محطة في الطريق إلى عرفة، وهذا ليس دليلا، بل فيه جعل المختلف فيه متفقا عليه، وذهب ابن العربي إلى أنه واجب يجبر بالدم، وهذا هو الأصل في أفعاله ﷺ ما لم يأت الدليل الصارف من نص أو إجماع، وقال ابن المنذر: «ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن ليلة التاسع شيئا»، انتهى، وقال النووي: «وهذا المبيت سنة، ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع»، انتهى بالنقل عن نيل الأوطار للشوكاني، وتقدم الكلام على الجمع بعرفة.
[ ٥ / ٨٥ ]
الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة
• قوله:
٦٠ - «والوقوف بعرفة فريضة».
وهذا أعظم أركان الحج باعتبار فوات الحج بفواته، وضيق وقته، ودنو الله من عباده، وفضل الدعاء فيه، وتحمل التبعات عن الواقفين به، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «الحج عرفة»، والوقوف يبتدئ من بعد الزوال، وينتهي بطلوع الفجر، والمذهب أن الركن منه هو ما كان بعد غروب الشمس فيقف الحاج بعدها هنيهة ولا يخرج حتى تغرب، فإن خرج من عرفة قبل الغروب فلا حج له في المذهب، أما الوقوف بعرفة نهارا فواجب يجبر بالهدي، لكن قد قام الدليل على كفاية الوقوف بعرفة أي ساعة من ليل أو نهار يوم التاسع وليلة العاشر، وذلك في حديث عروة بن مضرس عند أحمد والترمذي وابن ماجة، وفيه قول النبي ﷺ: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعد ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه»، وقد قال به ابن العربي ﵀، واستغرب عدم إيراد البخاري له في صحيحه.
[ ٥ / ٨٦ ]
• قوله:
٦١ - ومبيت المزدلفة سنة واجبة».
الواجب في المزدلفة النزول بقدر حط الرحال، فيجب الهدي بتركه، وقال بعضهم إنما لم يجب قياسا على المبيت بمنى، وهذا لا يمضي حتى ولو سلم أن المبيت بمنى غير مراد لنفسه، لأن المشعر الحرام من المزدلفة وقد أمرنا الله في كتابه أن نذكره عنده، والصواب إن شاء الله أن المبيت بها واجب، لفعل النبي ﷺ، ولأنه إنما رخص للضعفة بالسبق إلى منى بعد منتصف الليل، وقد قال بالوجوب من المالكية القاضي عبد الوهاب حيث رأى وجوب الهدي على من تركه.
[ ٥ / ٨٧ ]
• قوله:
٦٢ - «ووقوف المشعر الحرام مأمور به».
يريد أنه مستحب، وهو يشير إلى الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: إذا دفعتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وهو جبل المزدلفة المسمى قزح، وقيل هو المزدلفة، وذكر الله يكون بالتلبية والتكبير والصلاة فيه وكل ذلك فعله النبي ﷺ، وعنه نأخذ كيفية الحج كما أمرنا، وقال بعض أهل العلم إنما أمر الله بذكره لأنهم ربما تهاونوا فيه ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفا عندهم.
[ ٥ / ٨٨ ]
رمي الجمار والحلاق
• قوله:
٦٣ - «ورمي الجمار سنة واجبة».
المشهور أن رمي الجمار واجب يجبر بالهدي، ولو كان المتروك حصاة واحدة، وكذلك المبيت ثلاث ليال بمنى إلا أصحاب الأعذار المرخص لهم، وقد دل على ذلك فعل النبي ﷺ كما رواه أحمد وأبو داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة لا يقف عندها»، وروى الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له»، وعن عاصم بن عدي أنه ﷺ رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر»، رواه أحمد وأصحاب السنن، والأصل أن الترخيص لا يكون إلا من واجب، ويوم النفر هو اليوم الرابع إن لم يتعجلوا، وفيه دليل على أن أهل الأعذار يشملهم الترخيص ولا يختص بالعباس ولا بسقايته.
[ ٥ / ٨٩ ]
• قوله:
٦٤ - «وكذلك الحِلَاق».
يريد أنه سنّة مؤكدة، والمشهور أن الحلق أو التقصير للرجال، والتقصير للنساء واجب، والتقصير أن يأخذ من جميع شعر رأسه، ويترك قدر الأنملة، هذا هو المطلوب، لكن الواجب أن يأخذ قدر الأنملة، وتأخذ المرأة قدر الأنملة، فإن ترك الحلق وبدله أو أخره وطال لزمه هدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام قياسا على من لم يجد هدي التمتع كما في كتاب الله، وهذا بناء على أن الحلق نسك كما هو قول الجمهور، وقد دعا النبي ﷺ بالرحمة ثلاث مرات للمحلقين قبل أن يدعو للمقصرين في كل من التحلل من عمرة الحديبية وحجة الوداع عقب أمره أصحابه بالتحلل من العمرة، ولأنه لو كان كل من الحلق والتقصير مباحا فلا وجه للمفاضلة بينهما، والحلق أفضل لكل من المفرد والقارن، قال في الفتح: «ووجهه أنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يبقي على نفسه شيئا مما يتزين به، بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى»، انتهى
أما المتمتع فقد جاء تخييره بينهما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «لما قدم النبي ﷺ مكة أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحلوا ويحلقوا أو يقصروا»، رواه البخاري، وقد قيل إن هذا التخيير إن كان التحلل من العمرة بحيث يطلع شعره، فالأمر على الأصل من أفضلية الحلق عقب كل نسك، وإلا فليقصر ويترك الحلق ليقع عقب الحج فيكون الأفضل للأفضل.
[ ٥ / ٩٠ ]
تقبيل الحجر الأسود
• قوله:
٦٥ - «وتقبيل الركن سنة واجبة».
يريد أن تقبيل الحجر الأسود سنة، وهم يقيدون السنية ببداية الطواف، وهو في باقيها مستحب، فإن عجز عن تقبيله بفمه وضع يده عليه وقبلها، وإلا أشار إليه من بعيد وكبر، وليعلم أن تقبيل الحجر إنما يكون في الطواف لا استقلالا، وإن نسب لعبد الله بن الزبير ﵁، والله أعلم.
[ ٥ / ٩١ ]
الغسل للإحرام والركوع عنده وغسل عرفة
• قوله:
٦٦ - «والغسل للإحرام سنة».
هو كذلك لأنه ثبت من فعله ﷺ كما رواه الدارمي والترمذي وحسنه وصححه الألباني من حديث زيد بن ثابت، لكن هل هذا الفعل داخل في الحج والعمرة فيقال الأصل وجوبه؟، الظاهر أنه أمر خارج عنهما، فيكون المرجع الفعل من غير قيد كونه في حج، وأصل الفعل الاستحباب فيما ليس بسجية، وقد أمرالنبي ﷺ النفساء وهي أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء أن تغتسل كما هو في الموطإ مرسلا، وفي صحيح مسلم عن عائشة.
[ ٥ / ٩٢ ]
• قوله:
٦٧ - «والركوع عند الإحرام سنة».
المقصود أن الإحرام بعد الصلاة سنة، وليس في صلاة ركعتين خاصتين بالإحرام نص صحيح مرفوع خال من الاحتمال، نعم ثبت أن النبي ﷺ أحرم عقب الصلاة، وحملها على الفريضة هو الراجح كما تقدم في كتاب الحج، وقيل إن الصلاة خاصة بمن أحرم بوادي العقيق وهو ذو الحليفة، إذ أُمر النبي ﷺ بالصلاة فيه، وقد بَيَّنَ الحافظ ابن كثير في السيرة أنها صلاة مفروضة، والله أعلم.
[ ٥ / ٩٣ ]
• قوله:
٦٨ - «وغسل عرفة سنة والغسل لدخول مكة مستحب».
أما الغسل لدخول مكة فهو الثابت من فعل النبي ﷺ، فهو الأجدر أن يكون سنة، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ، وهو في الموطإ من فعله فحسب، أما غسل عرفة فهو من فعل ابن عمر كما في الموطإ كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة».
[ ٥ / ٩٤ ]
فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ
• قوله:
٦٩ - «والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»
دلّ على هذه الأفضلية حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، رواه مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي، والفذ بالذال المعجمة هو المنفرد، وصح أن المضاعفة خمس وعشرون عند مسلم من حديث أبي هريرة، وعند أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد، وعند البيهقي من حديث أُبَيّ، وكلها في صحيح الجامع الصغير للألباني ﵀، فتكون من قبيل ما زاده الله إياه من الفضل له ولأمته، فلا مفهوم للعدد، وهذه الأفضلية لا تختص بالمسجد وإن كانت له أفضلية من جهة أخرى، وما ذكره الحافظ في الفتح مما رآه مرجّحا لقصر الفضل على الجماعة في المسجد لا يسلم من النقص، وإثبات المفضولية لصلاة المنفرد يدل على صحتها عند الجمهور، ولا يصح حملها على حالة العذر، والمسألة طويلة الذيل، ومع هذا يقال إنه لا ينبغي للمؤمن أن يتهاون في أداء الصلاة في جماعة في المسجد إن تمكن أو خارجه إن تعذر.
ويذكر هنا ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة»، والفلاة جمع فَلى كحصى هي الأرض المتسعة التي لا ماء فيها، والضمير في قوله: «فإذا صلاها»؛ يحتمل أن يكون المراد منه أنه صلاها في جماعة ويحتمل أنه صلاها منفردا وهو الأولى لأن مرجع الضمير إلى مطلق الصلاة كما قال الشوكاني في نيل الأوطار، وعليه فإن المصلي في الفلاة بالقيد الذي في الحديث يحصل على ألف ومائتين وخمسين درجة، أو على ألف وثلاثمائة وخمسين درجة بحسب أصل مضاعفة الصلاة في جماعة، وقد روى مالك عن يحيى ابن سعيد أنه كان يقول: «من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام الصلاة صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال»، وهذا مرسل صحيح مع أن له حكم الرفع، والله أعلم.
[ ٥ / ٩٥ ]
فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ﵊
• قوله:
٧٠ - «والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد، واختلف في مقدار التضعيف بذلك بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊».
أقول: لا ينبغي أن يكون هذا حاملا لمن استطاع أن يحصل على الفضل المرتب على الصلاة في الجماعة أن يتركه ليصلي في المساجد الثلاثة منفردا، فإنه لو سلم ما سبق لبقي للجماعة حكمة أخرى غير حكمة مضاعفة الأجر، وحمل بعض أهل العلم الصلاة المضاعفة الأجر في المساجد الثلاثة على الصلاة المفروضة لأن النافلة شأها أن تؤدى في البيوت كما جاء في الحديث الصحيح، وهو الصواب إن شاء الله، وكيف يعدل النبي ﷺ عن ذلك ويرشد إليه أمته لو كان الأجر مضاعفا على النافلة في المساجد الثلاثة كما يضاعف على الفريضة؟، وقد دل على المضاعفة قول رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»، وهو حديث متواتر عن عدد كثير من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عمر وجابر وغيرهم ﵃، قال ابن يطال ﵀ كما في الفتح: «يجوز في هذا الاستثناء أن يكون المراد: فإنه مساو لمسجد المدينة أو فاضلا أو مفضولا، والأول أرجح لأنه لو كان فاضلا أو مفضولا لم يعلم مقدار ذلك إلا بدليل، بخلاف المساواة»، انتهى، قال الحافظ بعد ذكره: «وكأنه لم يقف على دليل الثاني (يريد كون المسجد النبوي مفضولا)، وقد أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال، قال رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه»، انتهى المراد منه، فقوله فيما سواه يشمل مسجد رسول الله ﷺ وغيره، وقد ذكر هذا الحديث الشيخ زروق، والرجل معروف بعنايته بالحديث، ثم قال: «وصححه ابن حبان إلا
[ ٥ / ٩٦ ]
أن تصحيحه معلوم بالتساهل فلا يكون حجة، والله أعلم»، انتهى، وقد حقق الشيخ ابن يوسف العمري رسالة للشيخ زروق في مصطلح الحديث فجزاه الله خيرا، ويفضل المسجد الأقصى رده الله على المسلمين غيره فهو يلي في الفضل مسجد رسول الله ﷺ، روى البزار وحسنه والطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة».
وقد أخذ بعض أهل العلم من الإشارة في قوله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا»؛ أن المضاعفة المذكورة تخص مساحة المسجد التي كانت على عهده ﷺ، ولا تشمل ما زيد فيه بعد ذلك في مختلف العصور، قال النووي ﵀: «ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ، دون ما زيد فيه من بعده، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وقد أكده بقوله هذا، بخلاف مسجد مكة، فإنه يشمل جميع مكة، قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: «بل صحح النووي أنه يشمل جميع الحرم»، انتهى.
قلت: دليل ما ذكر بخصوص الحرم عند من قال به أن النبي ﷺ كان في بيت أم هانئ ليلة أسري به ففقدته من الليل فقال إن جبريل أتاني، وهو عند الطبراني عنها، فلما قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، اعتبروا بيتها من جملة المسجد الحرام، وفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة أن نبي الله ﷺ حدثه عن ليلة أسري به قال: «بينا أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر مضطجعا،،» الحديث بطوله، وجاء أنه أسري به من شعب أبي طالب، وقد جمع الحافظ بين هذه الروايات ذات المخرج الواحد بما يجعل مبدأ الإسراء من المسجد، وفوق ذلك فقد ينازع الموسعون فيما ذهبوا إليه بأن كلمة المسجد إنما تعني موضع السجود، وليست مكة كلها موضع السجود بهذا المعنى، وإلا فإن الأرض كذلك في هذه الشريعة تفضيلا لهذه الأمة المرحومة، ولأن المسجد الحرام قبل البعثة وبعدها إلى عهد عمر ابن الخطاب لم يكن محاطا بجدار ولا محدد المساحة، فالمراد به ما حول الكعبة ولا أدري موقع بيت أم هانئ الآن.
[ ٥ / ٩٧ ]
واعلم أن لفظ المسجد الحرم الذي في كتاب الله على أقسام ثلاثة، منه ما هو شامل لمكة في حدود الحرم، ومنه ما هو خاص بالمسجد نفسه، ومنه ما هو محتمل، وما نحن فيه من الثاني، وقد بينت هذا في غير هذا الموضع، والله أعلم.
أما عن مسجد رسول الله ﷺ فإن الدلالة ليست بالواضحة على أن المزيد لا يعطى حكم المزيد عليه في الفضل، فإن المسجد منسوب إلى النبي ﷺ، وتوسعته من هديه، وهو مما شرعه الله لعباده، فكيف لا يعطى في الفضل حكم ما كان في وقته؟، أما الإشارة في قوله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا»؛ فيحتمل أن يكون المراد منها إخراج مسجد قباء مثلا، فإنه بناه قبل دخوله المدينة، حتى حمل بعض أهل العلم آية سورة التوبة عليه، أعني قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨]، وهذا هو الظاهر بمعية السياق كما قال ابن كثير، وقد بناه النبي ﷺ قبل استقراره بالمدينة، وكان النبي ﷺ يزوره كل أسبوع راكبا وماشيا، فيصلي فيه، وأخبر أن من أتاه وصلى فيه كان كعمرة، وجاء أن جبريل هو الذي عين له قبلته، وقال بعض أهل العلم بإلحاقه بشد الرحال بالمساجد الثلاثة، فلو قال ﵊ «صلاة في مسجدي»، واكتفى بذلك لاحتمل أن يدخل مسجد قباء لهذه الخصوصية التي كانت له، فإن المفرد المضاف يعم، والعموم أقله اثنان فيشملهما، فلا تضيقوا ماوسع الله من معنى مسجد النبي ﷺ، ولا توسعوا ما ضيق الله من معنى المسجد الحرام.
[ ٥ / ٩٨ ]
• قوله:
٧١ - «ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه سوى المسجد الحرام من المساجد وأهل المدينة يقولون إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف».
وهذا حق لأن المسجدين اشتركا في هذا العدد من التضعيف، والخلاف الذي ذهب إليه المالكية إنما هو فيما زاد على الألف أيهما يفضل فيه الآخر، وقد علمت النص عليه فيما رواه البزار والطبراني عن أبي الدرداء.
وقد أثبت ابن عبد البر في الاستذكار قول عبد الله بن نافع الزبيري صاحب مالك في معنى الحديث المتقدم وهو أن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة»، ثم قال معقبا: «وهذا التأويل على بعده ومخالفة أكثر أهل العلم له لا حظ له في اللسان العربي، لأنه لا يقوم في اللسان إلا بقرينة أو بيان»، انتهى، ثم صرح ابن عبد البر بقوله: «قد علمنا انه لم يحمل ابن نافع على ما تأوله من الحديث إلا ما كان يذهب إليه هو وشيخه مالك من تفضيل المدينة على مكة وتفضيل مسجد النبي ﷺ على المسجد الحرام»، انتهى بتصرف، قال علي العدوي في حاشيته: «ولا يخفى أنه من أئمتنا فهو قائل بقول الشافعي»، انتهى.
وهذا الذي قاله ابن عبد البر واعتبره سببا لتأويل الحديث عند كثير من أهل المذهب العمدة فيه هي قول النبي ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي»، رواه مالك وأحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة، وفي بعض نسخ الموطإ ما بين قبري ومنبري، كما في طبعة دار النفائس (١٤٠٤)، وكذا في طبعة دار المعرفة (١٤٠١) مع شرح الزرقاني، فيظهر أن ذلك متعمد، والله أعلم، وذكر عن ابن حبيب تفضيل
[ ٥ / ٩٩ ]
مكة، واختاره ابن عبد السلام، وتوقف فيه الباجي، وقال ابن عبد البر: «وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث، وركبوا عليه قوله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وهذا لا دليل فيه على شيء مما ذهبوا إليه، لأن قوله هذا أراد به ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، وإني لأعجب ممن يترك قول رسول الله ﷺ وقد وقف على الحزورة وقيل على الحجون، وقال «والله إني أعلم أنك خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»،،،، فكيف يترك مثل هذا النص الثابت ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه»، انتهى بتصرف.
ومما له صلة بهذا تفضيل موضع قبره ﷺ على غيره من المواضع، وشراح المصنفات كثيرا ما يذكرون أن التربة التي دفن فيها النبي ﷺ أفضل البقاع مطلقا، قال زروق بعد أن بين الاختلاف في تفضيل المدينة على مكة: «بعد إجماعهم على أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض»، انتهى، وقال أبو الحسن: «واستثنوا من الخلاف قبر سيدنا محمد ﷺ فإنه أفضل البقاع حتى على الكعبة بإجماع»، انتهى، ولعل من قال ذلك منهم اعتمد على ما ذهب إليه القاضي عياض ﵀ معتبرا إياه إجماعا، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «هو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه، ولا حجة عليه، بل بدن النبي ﷺ أفضل من المساجد، وأما ما منه خلق، أو ما فيه دفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل،،،»، انتهى المراد منه.
[ ٥ / ١٠٠ ]
صلاة النوافل في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد
صلاة التراويح في البيت أفضل بقيود
• قوله:
٧٢ - «وهذا كله في الفرائض وأما النوافل ففي البيوت أفضل»
دلّ على أفضلية التنفل في البيوت غالب فعل النبي ﷺ، لا سيما والصلاة في مسجده بألف صلاة، فكيف يترك هذا الفضل العظيم، ومما جاء في ذلك قوله ﷺ: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عمر، وقوله: «يا أيها الناس ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وهو في الصحيحين وغيرهما عن زيد بن ثابت، واللفظ لأبي داود، وجاء في تعليل الصلاة في البيوت قوله: «فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا». ولا يستثنى من ذلك إلا ما قام الدليل عليه بخصوصه كصلاة الاستسقاء والكسوف والعيدين، ولا يظهر أن صلاة التراويح مثل المذكورات لكوتها سبب ورود الحديث السابق، والسبب داخل دخولا أوليا في العموم بخلاف المذكورة فإنها ثابتة من فعله، أما قول النبي ﷺ: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، فلا يدل على خلاف ما سبق، إذ الغرض منه بمعية سياقه الاكتفاء بما صلاه الإمام، وبيان كونه يحصل به هذا الأجر، لأنه جاء جوابا على طلبهم زيادة الصلاة، ثم إنه جاء في صلاة التراويح أيضا كالسابق، وهو بعد كقوله في حديث أبي سعيد الخدري لأحد الرجلين اللذين لم يجدا الماء فتيمما وصليا ثم وجداه فقال له: «لك الأجر مرتين»، وقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، فهل الذي أصاب السنة يقل أجره عمن اجتهد فأخطأها؟، وقوله: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر»، في مقابل قول الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: «وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه»، ولا شك أن من اشتغل بقضاء المفروض خير ممن تنفل، وقوله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة»، في مقابل قوله: «والذي يقرأه ويتعتع به له أجران»، وهذا نظير ما تقدم، ومثله قول النبي: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين …» الحديث، ولكننا مغرمون بالأعداد والحساب، والله يعطي من يشاء بغير حساب، فالصحيح ما عليه مالك من أن فعل صلاة التراويح في البيوت أفضل بالقيود التي ذكرها أهل مذهبه.
[ ٥ / ١٠١ ]
التنفل بالركوع لأهل مكة أفضل من الطواف
• قوله:
٧٣ - «والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم».
هذا مبناه على أن أهل مكة بحضرة الكعبة، فيطوفون بها متى شاءوا، فتكون الصلاة خيرا لهم من الطواف مراعاة للأصل، بخلاف غيرهم من أهل الآفاق فإنهم لا يطوفون إلا إذا جاؤوها، فيكون الطواف خيرا في حقهم، وفي هذا التعليل نظر.
وقال القرطبي: «قال مالك الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل، وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد، والجمهور على أن الصلاة أفضل، ثم قال: «والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور»، انتهى، وقال الفاكهاني: «تعليله بقلة وجود ذلك للغرباء فيه نظر، لأن التنفل بالصلاة أفضل من التنفل بالطواف، ولذلك كانت الصلاة لأهل مكة أفضل من الطواف، وإذا كان ذلك فلا ينبغي أن يفرق بين الغرباء وأهل مكة، إذ المحافظة على الأفضل أولى من المحافظة على المفضول، ولاسيما على القول بمساواة النافلة للفريضة في الفضل»، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال اليوم إن الاكتفاء بالصلاة لترك المطاف للحجاج والمعتمرين في أوقات الزحام هو من التعاون على البر والتقوى، فيؤجر المرء على هذا القصد، أما الأصل فإن التنفل بالصلاة خير لأن الطهارة شرط فيها بالإجماع، والطواف مختلف في اشتراط ذلك فيه، ومنها حرمة الكلام فيها وبطلانها به، وجوازه في الطواف إذا كان خيرا.
واحتج بعضهم لتفضيل الطواف بما رواه لأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «يُنْزِلُ الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة: ستين للطائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين»، وتقديم الصلاة على الطواف مطلقا منقول عن عطاء وسعيد بن جبير والحسن كما في مصنف عبد الرزاق.
[ ٥ / ١٠٢ ]
• قوله:
٧٤ - «ومن الفرائض غض البصر عن المحارم».
انتقل هنا للكلام على الودائع وهي الجوارح: البصر والسمع واللسان واليدان والرجلان بعد كلامه على الشرائع، فهذه ينبغي أن تسخر فيما يرضي الله تعالى شكرا له على ما فيها من نعم، كما قال:
لو كل جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حسن
لكان ما زاد شكري إذ شكرت به … إليك أبلغ في الإحسان والمنن
وأعظم ما يعين على كفها عن محارم الله تعالى أداء الفرائض والاستزادة من النوافل، مما يورث محبة الله، فيؤثر المرء ما عنده على متاع الدنيا المباح، فكيف بالحرام؟، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه …».
والمقصود بالمحارم ما لا يجوز للمرء الاستمتاع به من النساء وهن ما عدا الزوجة والمملوكة، وما يجوز له النظر إليه من أجسام محارمه بنسب أو مصاهرة أو رضاع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]، وكما أمر الله المؤمنين بغض أبصارهم أمر المؤمنات مع دخولهن في الأمر السابق في الأصل، وأعقب ذلك بالأمر بحفظ الفروج لأن من أعظم أسباب ذلك غض البصر، والغض معناه النقصان من الطرف، وهو غير متأت بوجه كامل، لذلك جيء معه بمن التي تفيد التبعيض، ولم يذكر المغضوض عنه ليتعدى غض البصر النساء إلى غيرهن مما يتعين فيه أو يندب، ولم يبين ما تحفظ منه الفروج للعلم به، وليشمل عدم كشفها إلا لمن يجوز كشفها له، ومن ذلك حال الخلوة من غير حاجة، فإن الله أحق أن يستحيى منه.
[ ٥ / ١٠٣ ]
قال في التحرير والتنوير: «غض البصر مراتب، منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنزل بخلاف ما ليس كذلك …»، انتهى، وقال: «وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام، أو ما عسى أن يكلفها صبرا شديدا عليها، انتهى.
وقال القرطبي: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله … انتهى، ولذلك قيل:
فإنك مهما ترسل الطرف رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر … عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال الآخر:
ألم تر أن العين للقلب رائد … فما تألف العينان فالقلبُ آلفُ
وروى أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، وجاء أن «زنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، وزنا الفم القُبَلُ، وزنا الأذنين الاستماع»، ولينظر كتاب تحريم آلات الطرب للألباني ﵀، والحظ النصيب، وقال النبي ﷺ: «من يتوكل لي ما بين لحييه وما بين رجليه أتوكل له الجنة»، رواه أحمد والترمذي عن سهل بن سعد، وهو في الموطإ عن عطاء بن يسار مرسلا في قصة.
وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي قال سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك»، ومعنى نظر الفجأة النظر الذي يحصل من غير قصد، لا النظرة الأولى مطلقا، وهذا الذي سأل عنه جرير هو الذي قيده المؤلف بقوله:
[ ٥ / ١٠٤ ]
لا شيء في النظرة الأولى من غير تعمد
ما في غض البصر من المنافع
• قوله:
٧٥ - «وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج».
جاء في هذا أيضا حديث بريدة مرفوعا: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة»، رواه أبو داود، ومعنى لك الأولى أنك لا تؤاخذ عليها، بخلاف ما بعدها مما قصدته، وروى أحمد والطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة، ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها»، وفيه علي بن يزيد الألهاني ضعفه الحافظ في التقريب، وفيه أن ترك الحرام بقصد الطاعة عبادة، ولهذا يؤجر تارك المكروه والحرام امتثالا، لا اضطرارا أو عجزا، ولا ريب أن قامع شهوته عن الحرام يحدث له من السكينة والراحة النفسية ما يعوضه أضعافا مضاعفة تلك النزوة العابرة، والوطر المنقطع، ويشهد لحلاوة العبادة التي يجدها من غض بصره قول النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … الحديث.
وقال ابن تيمية ﵀ في الجزء الخامس عشر من مجموع الفتاوى: «ولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ثلاث فوائد جليلة القدر: أحدها حلاوة الإيمان التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه …».
«والفائدة الثانية في غض البصر هي نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحِجر: ٧٢]، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة وسكر القلب، بل جنونه كما قيل:
سكران: سكر الهوى وسكر مدامة … فمتى يفيق من به سكران؟
وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر …».
[ ٥ / ١٠٥ ]
وقال: الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، فإن في الأثر: «الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله»، ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه …»، انتهى بحذف واختصار.
وقد جاء في السنّة ارشاد من وقع في قلبه شهوة النساء أن يأتي زوجته وقد رواه أحمد عن أبي كبشة الأنماري، ومن لم تكن له زوجة فليستعفف ولْيَصُم كما جاء في الحديث أيضا.
[ ٥ / ١٠٦ ]
النظر إلى المتجالة وهي التي لا أرب للرجال فيها
• قوله:
٧٦ - «ولا في النظر إلى المتجالة».
قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ [النور: ٦٠]، ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ جمع القاعدة، وهي المرأة التي قعدت عن التصرف من السن، وتجاوزت وقت الولادة والمحيض، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن، قال ابن عباس في معنى وضعهن ثيابهن، هو الجلباب، وقيل إن الكبيرة التي أيست من النكاح إذا بدا شعرها فلا شيء فيه، وهذا بعيد.
قال القرطبي: «والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، أي أن عدم وضعهن ثيابهن وتحفظهن خير لهن.
والمتجالة في كلامه من قولهم تجالت المرأة إذا أسنت وكبرت، هكذا في اللسان، والمراد المرأة التي لا أرب للرجال فيها، ومن ثم فلا يُتلذذ بالنظر إليها، فلا يجب غض البصر عنها، وهذا كما ترى ليس بمطرد، فقد يحصل هذا لبعض الناس ولا يحصل لآخرين، ولهذا يقال إنه إذا حصل ذلك نزلت منزلة الشابة في التحريم، ويستدل لذلك في الجملة بزيارة النبي ﷺ ومعه أصحابه لبعض النساء، وهكذا فعل الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا وإن لم يكن نصا في جواز النظر إلا أن النظر يحصل غالبا في الزيارة مع ما يكون من التحدث إلى النساء والتسليم عليهن، وتقديمهن الطعام للزائرين، وغير ذلك.
أما زيارة النبي ﷺ وحده فلا يستقيم الاستدلال بها على الحكم لكونه مبرأ من خواطر السوء، كما في دخوله على أم حرام بنت ملحان وفليها رأسه، روى مسلم وغيره عن أنس قال: «انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن فانطلقت معه فناولته إناء فيه شراب، قال فلا أدري أصادفته صائما أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه»، وله أيضا عن أنس
[ ٥ / ١٠٧ ]
قال، قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟، ما عند الله خير لرسوله ﷺ»، قالت: «والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء»، فهيجتنا على البكاء، فجعلا يبكيان معها»، تصخب تصيح وترفع صوتها لإمساكه عن الشرب، وقوله تَذَمر بفتح التاء والذال وشد الميم تبدي الغضب والتبرم، وجاءها هذا -رضي الله تعالى عنها- من كونها ربت النبي ﷺ وحضنته، فهي تُدل عليه بذلك، ولا عتب عليها، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الخلق العظيم.
[ ٥ / ١٠٨ ]
النظر إلى المرأة للحاجة كالشهادة والخطبة
• قوله:
٧٧ - «ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه».
إذا احتيج إلى النظر إلى المرأة لإثبات حق كالشهادة لها أو عليها في نكاح أو بيع، وكنظر الطبيب والجراح لها لمداواتها أو لغير ذلك مع افتقاد المرأة، ومنه النظر إلى بطاقة تعريفها جاز، فإن النظر إنما منع لسد الذريعة فيباح للحاجة، وينظر إلى الوجه في الشهادة مثلا، وإلى موضع العلة في التداوي، ولو كان في العورة، لكن يشق على الموضع، ولا يكشف أكثر مما يحتاج إليه، ومنه نظر القابلة إلى الفرج.
قال الشيخ علي العدوي: «والمذهب جواز النظر إلى وجه الشابة وكفيها لغير عذر، بغير قصد التلذذ، حيث لم يخش منها الفتنة، وما ذكره الشيخ ليس هو المذهب»، انتهى، يريد ما ذكره من القيد الذي يجوز معه النظر وهو العذر، وما حكاه من المذهب ليس هو الظاهر من النصوص.
[ ٥ / ١٠٩ ]
• قوله:
٧٨ - «وقد أرخص في ذلك للخاطب».
هذا أيضا داخل في الحاجة، فكان من جملة ما استثني بالنص، وهو حديث المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي ﷺ: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقوله: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، أي أن النظر جدير أن يكون سببا في حصول المودة، فهو تعليل لمشروعية النظر، وقد امتثل المغيرة أمر النبي ﷺ، فذهب إلى ليراها قال: فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها، فقلت إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إليها فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر فقالت: «أحرج عليك إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر لما نظرت، وإن كان رسول الله ﷺ لم يأمرك أن تنظر فلا تنظر»، قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها فما وقعت امرأة عندي بمنزلتها، ولقد تزوجت سبعين، أو بضعا وسبعين امرأة»، وروى مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال: «كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ: «أنظرت إليها»؟، قال: «لا»، قال: «فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا»، وفيه حجة على أنه يجوز التراجع عن النكاح إذا ظهر في المرأة عيب، لأن الرجل المذكور كان قد عقد النكاح، وما فائدة نظره إلى المرأة إذا لم يكن له هذا الحق متى اكتشف عيبا؟، والله أعلم.
والمذهب أن الخاطب إنما يباح له بل يستحب له النظر إلى الوجه والكفين بخاصة، وأن يكون مراده معرفة صفتها، وأن يكون ذلك بعلمها، أو بعلم وليها، لا باستغفال، وأجاز ابن وهب ذلك - أعني الاستغفال- لحديث أبي حميد الذي سيذكر، قالوا: وله أن يوكل من تنظر إليها، ولو زائدا على الوجه والكفين، وذكر بعضهم جواز توكيل الرجل غيره في الرؤية فينظر إلى الوجه والكفين فحسب، ذكره الدردير في شرحه، وفيه نظر، فإن الدليل إنما جاء في مشروعية ذلك لمريد الزواج، قال خليل: «ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر
[ ٥ / ١١٠ ]
ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم،،،»، انتهى.
وقد دل على جواز النظر إلى أكثر من الوجه والكفين قول رسول الله ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن جابر، كما دل قوله ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم»، رواه أحمد والطبراني عن أبي حميد الساعدي، أقول دل الحديث على جواز فعل ذلك من غير علم المخطوبة ولا وليها، إذا كان النظر لأجل الخطبة، والمؤمن موكول إلى دينه في كثير من الأمور، أما ما علل به الدردير منع الاستغفال وهو أنه وسيلة إلى أن يفعله الفساق، فينظرون إلى محارم الناس، ثم يزعمون أنهم إنما أرادوا التزوج، فهذا رأي في مقابل النص، ولأن الفساق لا يغضون أبصارهم عن المحارم فلم يقحمون هنا ويعترض بهذا الاحتمال على المشروع بالنص؟.
[ ٥ / ١١١ ]
من الفرائض صون اللسان عن الكلام الباطل كله
• قوله:
٧٩ - «ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل كله قال الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقال ﵇: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
صون اللسان معناه حفظه بحيث لا يقع في شيء مما ذكر ولا في غيره مما هو محرم أو مكروه، والكذب هو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه، والصدق خلافه، وفي الحديث المرفوع: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود.
ويجوز الكذب في مواضع ذُكِرَتْ في قول النبي ﷺ: «لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»، رواه الترمذي عن أسماء بنت يزيد، وقال النبي ﷺ: «ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة، واختلف هل الكذب المستثنى على حقيقته وإنما رخص فيه لأنه لا مضرة فيه، بل فيه مصلحة، أو أنه التعريض ونحوه.
والزور في الأصل هو الميل عن الحق في القول أو في الفعل، ولذلك قال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، والمراد هنا شهادة الزور، وهو أن يشهد على ما لا يعلم ولو وافق الحق، والفحشاء ما عظم فحشه من
[ ٥ / ١١٢ ]
الأقوال والأفعال، والمراد هنا الأول، والغيبة بكسر الغين هي ذكرك أخاك بما يكره، بذلك فسرها رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة، وإنما تكون كذلك إذا كان المتكلم فيه غائبا، كما جاء ذلك في حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب مرفوعا: «الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه»، رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق كما في صحيح الجامع، ورواه مالك عنه أن رجلا سأل النبي ﷺ ما الغيبة؟، فقال رسول الله ﷺ: «أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع»، قال: «يا رسول الله، وإن كان حقا»؟، قال رسول الله ﷺ: «إذا قلت باطلا فذلك البهتان»، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (١٢)﴾ [الحُجُرات: ١٢]، أما أن يُجْبَهَ المسلم بالذم في حضرته فإنه السباب والشتم، وقد قال فيه رسول الله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، وزاد الطبراني: «وحرمة ماله كحرمة دمه».
والنميمة هي نقل الأخبار على وجه الإفساد بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١]، وقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات»، رواه الشيخان وغيرهما، والقتات هو النمام كما في بعض الروايات، والباطل أعم من ذلك كله كسب المسلم وشتمه والاستهزاء به، والسخرية منه، وقذفه، وقد روى مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه فقال له عمر: مه، فقال أبو بكر: «إن هذا أوردني الموارد»، وقال مالك: بلغني أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول: ألا تريحون الكُتَّابَ»؟، وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن معاوية بن حيدة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له».
وبعد فليعلم المؤمن أن كل ما ينطق به مدون مكتوب فلينظر في أمره، وليحتط لنفسه، وليجتهد في أن لا ينطق إلا بخير، وهو ما وجب عليه، أو استحب له، أو أبيح، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزُّخرُف: ٨٠]، وقال أيضا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ
[ ٥ / ١١٣ ]
لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١ - ١٢]، وقال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ [المجادلة: ٩]، والإثم هو اسم لكل فعل مبطئ عما فيه الثواب، وبهذا تظهر مقابلته للبر الذي هو التوسع في فعل الخير بالأمر به والنهي عن ضده في سورة المائدة، والعدوان هو الإخلال بالعدل، وبهذا يظهر وجه المقابلة بينه وبين التقوى التي تعني توقي المنهي عنه من غير فرق بين كونه ينال المسلم أو الكافر الذمي أو المستأمن كما يعلم ذلك من سياق قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقد استدل المؤلف على ما ذكره من الأحكام بحديثين أولهما هو قول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»، رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة، والحديث الثاني هو قول النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁، ورواه الترمذي وأحمد والطبراني عن الحسين بن علي ﵄، ورواه مالك عن علي بن الحسن مرسلا في باب ما جاء في حسن الخلق من موطئه، وهو من جوامع كلمه ﷺ، وما لا يعني المرء هو ما لا يحتاج إليه في دينه ولا في دنياه مما هو مشروع له، لا ما يتبع فيه هواه، وهو يشمل القول والفعل، لكن لا بد مع تركه ما لا يعنيه أن يكون مشتغلا بما يعنيه، فهو مسلم والإسلام عمل وإذعان لله تعالى، وقال الحافظ كما في الفتح الرباني للبنا ﵀: «وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث، فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود، وفيها البيتان المشهوران:
[ ٥ / ١١٤ ]
عمدة الدين عندنا كلمات … محكمات من قول خير البرية
اترك الشبهات وازهد ودع … ما ليس يعنيك وافعلن بنية
وسيأتي كلام المؤلف إن شاء الله على الأحاديث الأربعة التي رأى أن جماع الدين وآدابه تدور عليها، وقد نقل هذا عنه ابن الصلاح رحمهما الله.
[ ٥ / ١١٥ ]
حرمة دم المسلم وماله وعرضه وما يباح من ذلك
• قوله:
٨٠ - «وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها»
دلّ على ما ذكره قول رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، وقال النبي ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر، وهو من جملة ما خطب به ﷺ في حجة الوداع، وتحريم دماء المسلمين يعني تحريم قتلهم أو جرحهم بالفعل أو بالإعانة أو بالفتوى، وتحريم أموالهم يعني أخذها بغير وجه مشروع كالربا والقمار والسرقة والغصب والغش، والأعراض جمع عرض بكسر العين، وهو موضع المدح والذم من الشخص، فيشمل الكلام فيه وفي زوجته وسائر ما يلحقه بالكلام فيه نقص، أما قوله إلا بحقها فمعناه أن يقتل أحد غيره في الدفع عن نفسه أو عن ماله أو عرضه، فإن الصائل يرد بما أمكن، لكن لا يلجأ إلى قتله، وهو قادر على دفعه بما دونه، وهكذا لو أخذ مال المسلم المدين الملي المماطل، أو اشتكى من ظلمه فوصفه بذلك، فهذا من الحق الذي يجوز له به ما ذكر، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠].
وكما حرم الله دماء المسلمين وأموالهم حرم دماء الكفار من أهل الذمة، والمعاهدين، والمستأمنين، لكن القصاص لا يكون إلا إذا تكافأت الدماء.
[ ٥ / ١١٦ ]
• قوله:
٨١ - «ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين».
وقد جاء في هذا قول رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن مسعود، ومثله جاء عن عثمان، لكن لفظه بعد الاستثناء هو: «رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، والقَوَدُ القصاص، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، قاله ابن رجب، والنفس بالنفس ليس على عمومه كما تقدم في الحدود والدماء، فيستثنى الوالد لا يقتل بولده، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، ولا يقتل المسلم بالكافر، وفي قتل الحر بالعبد خلاف، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، والتارك لدينه المرتد عن الإسلام، وسماه مسلما باعتبار ما كان عليه قبل الردة، ويستتاب، فإن ترك الوصف الذي لأجله استحق القتل ترك، وكفر المرتد أغلظ من كفر غيره، أما الثيب الزاني والقاتل فقتلهما عقوبة فلا تنفع فيها التوبة، وينفع عفو الأولياء أو بعضهم في القتل، أما الزنا فهو حق الله تعالى فلا بد من إقامته، وقيل تنفع فيه التوبة.
[ ٥ / ١١٧ ]
كف اليد والرجل وغيرها من الجوارح عما لا يحل
• قوله:
٨٢ - «ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم».
ذكر حرمة الدم أَوَّلًا لعظم شأنه، ثم عَمَّ بذكر لزوم إمساك أداة البطش وهي اليد وغيرها مثلها عن كل محرم من مال الغير المحترم وهو المسلم والذمي، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس، إما بمعاوضة كالبيع والإجارة والشركة، أو بدونها كالهدية والصدقة، وليمسك يده عن لمس الجسد المحرم يتلذذ به، فإن زنا اليدين البطش كما تقدم في الحديث الصحيح، وقال النبي ﷺ: «لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يلمس امرأة لا تحل له»، رواه الطبراني عن معقل بن يسار، وليمسك يده عن الدم الحرام قتلا أو جرحا، أو إعانة.
[ ٥ / ١١٨ ]
• قوله:
٨٣ - «ولا تَسْعَ بقدميك فيما لا يحل لك».
تقدم أن زنا الرجلين المشي، أي أنهما وسيلة إلى ذلك، وهكذا كل سعي بالرجلين إلى ما لا يحل فعله كالسرقة والغصب وقطع الطريق وشرب الخمر والزنا، أو حضور مجالس اللهو والغناء، وما يسمى عندنا بالوعدة، وشد الرحال للقبور، ولغير المساجد الثلاثة مما تقصد فيه البقعة رجاء بركتها، كما يحرم السعي لقول الباطل وسب المسلم والشهادة له أو عليه بغير حق.
[ ٥ / ١١٩ ]
• قوله:
٨٤ - «ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك، قال الله سبحانه: «والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله: فأولئك هم العادون».
بعد ذكره النهي عن السعي إلى الحرام ذكر النهي عن أن يباشر بفرجه أو بشيء من جسده ما لا يحل له ولو من غير سعي، وقد نهى الله عن الاقتراب من الفواحش عموما إذ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونهي عن الاقتراب من حدوده فضلا عن تعديها في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]، وخص الزنا بالنهي عن الاقتراب منه فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن الاقتراب من حدود الله أبلغ لأنه ينبغي معه ترك ما يشتبه، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، كما أن النهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عنه لأنه يشمل الوسائل المؤدية إليه، ومن الوسائل إلى الزنا النظر والخلوة والدخول على المغيبة والكلام لغير حاجة والإفضاء والاختلاط المقصود واللمس والمصافحة والخضوع بالقول وإبداء الزينة وتعطر المرأة عند الخروج فكيف بالعري والسفور؟، وحفظ الفرج يشمل ستره وعدم فعل ما لا يحل له من وطء وما دونه أو إيلاج في دبر من تحل له، أو لواط أو سحاق، وترك الاستمناء، لما في الآية من الاستثناء، ولأن الله تعالى اعتبر من تجاوز ما ذكره من الحلال عاديا.
[ ٥ / ١٢٠ ]
تحريم الله تعالى الفواحش ما ظهر منها وما بطن
• قوله:
٨٥ - «وحرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن».
الفواحش جمع فاحشة ما عظم قبحه من قول أو فعل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠] وظاهر الفواحش ما كان بالجوارح، وباطنها ما كان بالقلب كالكبر والحسد والتفكير في طرق المكر والخداع والاحتيال، أو الظاهر ما فعل علنا، والباطن ما فعل سرا، والإثم قيل كل محرم، وقيل الخمر بخاصة، والعرب سمت الخمر إثما، لكنه هنا غير مراد لأن الخمر حرمت في المدينة وهذه السورة مكية، والبغي مجاوزة الحق، وقد يراد به الزيادة في الخير، لكن أكثر إطلاقه في المجاوزة إلى الباطل، ولذلك ذكر الإشراك بعده لأنه منتهى مجاوزة الحق، وذكر بعده القول على الله بغير علم لأن الإشراك فرد من أفراده.
[ ٥ / ١٢١ ]
تحريم قربان النساء في حيضهن أو نفاسهن
• قوله:
٨٦ - «وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن».
المصدر المسبوك من أن والفعل معطوف على الفواحش في الفقرة قبله، والمراد بقربان النساء الجماع فإن تحريمه مجمع عليه بين المسلمين، لكن اختلف في جواز ذلك بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، والصواب المنع، والمسلمة والكافرة في التحريم قبل الاغتسال سواء، ويجبرها الزوج عليه، ولا تحتاج الكتابية إلى النية، لأنها إنما تجب للغسل الذي هو شرط في العبادة، وهي ليست من أهلها، ودليل التحريم من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والنفاس مثل الحيض، ومن السنة قول النبي ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أنس، وقد دل الحديث على تحريم الجماع، أما غيره من اللمس والمباشرة وأنواع التلذذ المباح فيما فوق السرة وتحت الركبة فجائز باتفاق، وأما فيما بينهما في غير الفرج فالمشهور منعه، ولعله لسد الذريعة، وفيه أقوال لأهل العلم، قال خليل ذاكرا ممنوعات الحيض: «ومنع صحة صلاة وصوم ووجوبهما وطلاقا وبدء عدة ووطء فرج وتحت إزار،،،»، انتهى.
[ ٥ / ١٢٢ ]
• قوله:
٨٧ - «وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه».
يريد ما تقدم ذكره في باب النكاح من المحرمات بالنسب والرضاع والمصاهرة ومن الجمع بين الأختين والزائدة على أربع في النكاح والملاعنة والمدخول بها في العدة والتي تنكح بغير ولي أو بغير صداق والكافرة غير الكتابية والمرتدة والجمع بين الأختين، بنكاح أو يمين، والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
[ ٥ / ١٢٣ ]
لزوم أكل الطيب ولبس الطيب وركوب الطيب
• قوله:
٨٨ - «وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا ولا تلبس إلا طيبا ولا تركب إلا طيبا ولا تسكن إلا طيبا وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا».
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال النبي ﷺ: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»؟، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، فقوله ﷺ: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»، يشمل ذلك كله، فلا يقبل الله من الصدقات إلا ما كان من حلال، إذا لا يقبل صدقة من غلول، وإذا كان لا يقبل ما يعطى للغير من الحرام فأولى أن لا يقبل ما يأكله المرء أو يشربه أو يلبسه أو يركبه منه، وهذا وجه ذكر النبي ﷺ بعد ذلك أمره ﷾ المؤمنين وهو أكل الحلال والشكر لله بما أمر به المرسلين من أكل الحلال وعمل الصالحات، وشكر الله عمل صالح أيضا، ولكنه ذكر في جانب المؤمنين لأنه قيد للنعم ومن أسباب بقائها وزيادتها، وتمسك عموم الناس بالنعم عظيم، فدلوا على ما يثبتها، أما الرسل فيقينهم يكفيهم عن التشوف إلى ذلك، والمقصود أن في هذا الربط إشارة إلى أن قبول العمل الصالح متوقف على التزام الحلال في المآكل والمشارب والملابس، ولهذا جاء ذكر هذا الذي يدعو وظاهره على حال يظن أن دعاءه يقبل فهو قد أطال السفر،
[ ٥ / ١٢٤ ]
والمسافر يقبل دعاؤه، وهو أشعث أغبر، وذلك مظنة الضعف والانكسار، والضعيف المنكسر القلب أقرب إلى الإجابة، وفي الحديث: «ابغوني الضعفاء فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم»، لكن هذا الداعي استبعد قبول دعائه، وإنما ذكر حالة اجتماع الحرام على الأكل والشرب واللباس والتغذية لكونها أحاطت بكل شيء، ولا يعني ذلك أن يكون الحرام في بعضها يقبل معه الدعاء، وأكد خطورة الطعام لأنه الذي به يتحرك الجسم، وينطق اللسان، وترتفع اليدان، وقد خص بالذكر فيما روي من قوله ﷺ: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، ولهذا ذكر حرمة المطعم وأردفه بالتغذية وهي من جملته، ولعل المقصود بيان أن الطعام الذي هو حديث عهد به حرام كذلك، فكان ذلك أدعى إلى أن لا تقبل دعوته.
وقال أيضا: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟، قال: غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفقه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث»، رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود ﵁، ووافقه الذهبي، والبوائق واحدتها بائقة وقد فسرها النبي ﷺ، وهي في اللغة الغوائل والشرور.
[ ٥ / ١٢٥ ]
في ترك الشبهات سلامة الدين
• قوله:
٨٩ - «ومن وراء ذلك مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
جاء في هذا حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب»، رواه الشيخان وأصحاب السنن، والمشتبهات من الاشتباه هو الالتباس والاختلاط، فهي ما ليس حلالا محضا ولا حراما محضا عند من اشتبهت عليه، لا أنها كذلك في نفس الأمر، فإن ذلك لا يتساوى الناس فيه، فقد يشتبه الأمر على أحد ولا يشتبه على آخر، فمن اشتبهت عليه؛ فليبتعد عنها، كما ينبغي أن يبتعد عنها من تابعه ممن لا علم عنده، وهذا نظير المتشابه من الآيات فإنه أمر إضافي، قال السيوطي في شرحه لسنن النسائي: «قد تكون أصول الشرع المختلفة تتجاذب فرعا واحدا تجاذبا متساويا في حق بعض العلماء، ولا يمكنه تصوير ترجيح، ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه، ورده لبعضها يوجب حله، فلا شك أن الأحوط هنا تجنب هذا، ومن تجنبه وُصِفَ بالورع والتحفظ في الدين»، انتهى.
وقد اختلف في المراد من المشتبهات، فقيل هي ما تعارضت في حكمها الأدلة، وللتعارض قانون أصولي يرجع إليه، وقيل ما اختلف فيه أهل العلم، وهذا قد يلتقي مع الأول في بعض الصور، لأن من جملة أسباب الاختلاف التعارض، وقيل ما لا دليل على حله ولا على حرمته، وهذا يرجح بعضهم فيه الحل لأنه الأصل في الأشياء، ويرى بعضهم أنه حرام لظنه أنه الأصل، والأول هو الأقوى، وقيل إن المشتبهات هي المكروهات، وقيل
[ ٥ / ١٢٦ ]
المباحات، ومرادهم الاستكثار منها، وقوله لا يعلمهن كثير من الناس»، يدل على أن بعضهم القليل يعلمون من أي القسمين هي، قال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم: «،،، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أي القسمين هي،،،»، انتهى، وقوله: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، أي أن إقدام المرء على فعل ما يشتبه عليه من أي القسمين هو يجرئه على الارتقاء إلى ما فوقه مما هو خالص الحرمة فيقع فيه، تدل عليه رواية: «ومن يخالط الريبة يوشك أن يجسر»، أو أنه إذا أقدم على المشتبه فقد يكون حراما في نفس الأمر فيقع في الحرام، كما في رواية: «أوشك أن يخالط ما استبان»، قال نحوه ابن رجب، والحمى الموضع المحمي بحيث لا يدخله غير صاحبه، والمراد أن ما حرمه الله لا ينبغي أن يقترب منه المسلم بفعل ما اشتبه عليه من الأمور فيوقعه في الحرام المحض، ولذكر القلب هنا صلة بما قبله ياصاحبي، فإن فعل المشتبهات ناتج عن عدم سلامة القلب وصدقه في تطلب الحق، فلو كان كذلك لما أقدم صاحبه على ذلك، فإنه بمقدار صلاح القلب تصلح الأعمال مع العلم، وبمقدار فساده تفسد الأعمال ولو مع العلم، والعلم عند الله.
[ ٥ / ١٢٧ ]
حرمة أكل مال الناس بالباطل كالربا والقمار والغصب والغش
• قوله:
٩٠ - «وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرر والغش والخديعة والخلابة».
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]، نسبت الأموال إلى مجموع الأمة، لأن من أكل مال غيره بالباطل فقد فتح الباب لأن يؤكل ماله، أو لأن السكوت على ذلك ينتج ما ذكرنا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، ولأن الأمة متضامنة متعاضدة فيما هي عليه فينسب إلى المجموع ما ينسب إلى البعض، والنهي في الآية وإن كان عاما إلا أنه ألصق بما يترافع فيه الناس إلى الحكام فيقضون به للمبطل على المحق، فإن ذلك لا يخرجه عن أكل أموال الناس بالباطل، فإن حكم الحاكم على الظاهر ولو كان نبيا، وقد قال النبي ﷺ: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إِلَيَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي بقطعة من النار فليأخذها أو ليتركها»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السن عن أم سلمة، فحكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، وهكذا فتوى المفتي كما في قوله ﷺ: «البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»، رواه أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: «جئت تسأل عن البر»؟ فذكره، وهو في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي عن النواس بن سمعان نحوه، فإذا كان ما يقع في قلب المؤمن من الحرج في الشيء كافيا في اعتباره من الإثم لا من البر ولو أفتاه الناس، فكيف بما يعلم أنه حرام؟، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا ظاهر في
[ ٥ / ١٢٨ ]
النهي عن تعاطي الأسباب غير المشروعة في تحصيل الأموال بدلالة استثناء التجارة التي تكون بالتراضي، وقال النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، رواه أبو داود عن حنيفة الرقاشي، لكن هذا والله أعلم لا يراد عمومه، لأن من مال المسلم ما قد تطيب به نفسه في الظاهر للاضطرار أو غيره لكن الله حرمه فلا عبرة بطيب نفسه إن حصل، فإن ربه أعلم بمصلحته منه بها، وقد ذكر المؤلف أنواعا من أكل أموال الناس بالباطل، فالقمار قد تطيب فيه نفس المقامر بماله، ولكنه ينشر العداوة والبغضاء بين الناس، فأي طيب هذا؟، والربا كذلك ينقطع به التراحم بين الناس وهو استغلال حاجة الضعيف، أما باقي ما ذكره فلا طيب معه، وكلها مشمولة بالأدلة السابقة.
فالغصب أخذ الشيء ظلما، وقيل هو استيلاء يد عادية على مال الغير على وجه يمكن معه الغوث، أرادوا بذلك إخراج السرقة والاختلاس والحرابة، والتعدي مثلُ الغصب، غير أنه التصرف في ملك الغير من غير قصد أخذه، فهو غصب المنفعة لا الذات، وهذا اصطلاح فلا تقلق، كما يشمل مجاوزة القدر في استيفاء الحق كالزيادة على المسافة في كراء الدابة والسيارة، أو في مقدار الحمل، والخروج عن العارية فيما تستعمل فيه، ولفظ الخيانة يشمل الخيانة في المال وفي العرض والنفس، لكن المراد هنا المال كأن يجحد ما اؤتمن عليه من الودائع والعواري، والربا بأخذ الزيادة في الدين ابتداء، أو نظير التأخير بعد انعقاد الصفقة، وغير ذلك من صور ربا الفضل والنسيئة، والسحت هو ما خبث من المكاسب، كمهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة، وهي ما يعطى لإحقاق باطل أو إبطال حق، ويلحق به هدايا العمال، ومن السحت ما يؤخذ نظير الشهادة، ونظير بذل الجاه بالشفاعة الحسنة، أما الشفاعة السيئة فمحرمة لذاتها، وأخذ المال عليها حرام آخر، والضمان، فإنه هو والشفاعة والقرض لا يجوز أخذ العوض عنها، ومنه السؤال من غير حاجة، والقمارُ من قامرته وقمرته إذا غلبته، والمقصود أخذ مال الغير متى غلبه في لهو، أو هو كل لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، وهو الميسر في القرآن، وسيأتي في السبق بيان ما يجوز منه، والغرر ومنه أن يأخذ مال غيره نظير عوض مجهول، ولذلك منعت في البيع الجهالة في الثمن والمثمن والأجل، أما الغرر اليسير فمغتفر لعسر اجتنابه،
[ ٥ / ١٢٩ ]
وإلا عطلت معظم المعاملات، والغش هو خلط الجنس بغير جنسه، كاللبن بالماء لغير جمع السمن بالقدر اللازم كما يفعله بعض سكان البادية فيما أرى، فإن استغني عنه ترك، والغش أيضا خلط الجنس الجيد بالرديء من جنسه قصدا، ومنه رش الخضراوات بالماء لزيادة وزنها، والخديعة تكون بالكلام نحو امتداح السلعة بغير حق، ويرغب عن كثير ذلك ولو مع الصدق، أو بالفعل كإظهار جيدها في الواجهة وستر رديئها ثم إدخاله في الميزان والكيل ليتوصل بذلك إلى ترويج السلع، والخلابة هي الخديعة اختلف اللفظ وتقارب المعنى.
[ ٥ / ١٣٠ ]
تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
• قوله:
٩١ - «وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله».
هذا مما أجمعت عليه الأمة، وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (٣)﴾ [المائدة: ٣]، والمحرم من الدم إنما هو المسفوح لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأحل الله تعالى ميتة البحر بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]، وخصصت السنة أيضا عموم الدم والميتة بقوله ﷺ: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال»، رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عمر، فأما ما أهل لغير الله به فهو ما سمي عليه غير الله تعالى أو ما تقرب به إلى غيره، ومنه ما ذبح لتعظيم الجن، ومنه ما يذبح فيما سمى عندنا بالوعدات، وقد كانوا في وقت مضى يقولون هذه نعجة فلان لولي من الأولياء ثم يذبحونها في الطعام المنسوب إليه، وقد قل هذا اليوم ولكنه لم ينعدم.
[ ٥ / ١٣١ ]
الحيوان المحكوم بموته لا تنفع فيه الذكاة
• قوله:
٩٢ - «وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها والمنخنقة بحبل أو غيره إلا أن يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا ذكاة فيها».
هذا جاء في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فالميتة ما مات من الحيوان حتف أنفه، أعني من غير ذكاة وما يقوم مقامها، لا فرق بين أن يعلم سبب موته أو لا، وقد ذكر هنا أمثلة مما عرف سبب موته واعتبر ميتة في مشهور المذهب، ولو أدركت الحياة فيه متى نفذت مقاتله، أما إن لم تنفذ مقاتله ولو أيس من حياته فإن الذكاة تنفع فيه، ولهذا شبه ما نَفَذَت مقاتله بالميتة فقال كالميتة، وفسر مراده بقوله «إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده»، وقد سبق ذكر المقاتل في الجزء الثاني، والعلماء مختلفون في اعتبار ما نفذت مقاتله ميتة ولو أدركت الحياة فيه لاختلافهم في الاستثناء وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هل هو متصل وهو قول الجمهور، وعليه قول مالك في الموطإ، أو منفصل وهو عمدة مشهور المذهب، والظاهر أن الذكاة تنفع متى أدركت الحياة في الحيوان بتحريكه شيئا من بدنه لأن الأصل في الاستثناء الاتصال، وما ذكر من المحرمات قسمان منه المحرم لما فيه من الإضرار بالجسم، فخبثه حسي، وقف الناس على ذلك أو لم يقفوا عليه، ومنه ما حرم لإضراره بنفس المرء وروحه، ولأنه حماية للتوحيد، فخبثه معنوي، وهو ما أهل لغير الله به، أي سمي عليه غير الله، أو جمع مع اسمه اسم غيره، أو تقرب به لغير الله سبحانه، قال النووي في شرح حديث لعن الله من ذبح لغير الله في شرح صحيح مسلم: «فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له، وكان غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا»، انتهى، ونقل ابن عطية عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة عَمِلَتْ عرسا لِلُعَبِهَا فنحرت
[ ٥ / ١٣٢ ]
فيه جزورا فقال لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم»، ذكره القرطبي في تفسيره، فإذا كان الأمر هكذا في اللُّعَبِ فكيف بالجد فيما يسمى عندنا بالوعدات التي يصنع فيها الطعام وتذبح الذبائح باسم الموتى، وتشد الرحال إليهم، ويعمل ذلك استرضاء لهم كي ينزل المطر، فإذا لم يكن هذا شركا فما هو الشرك؟، ولما بَيَّنَ المؤلف استثناء المضطر من تحريم الميتة بَيَّنَ حدود ما يجوز له منها فقال:
[ ٥ / ١٣٣ ]
يجوز للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود
• قوله:
٩٣ - «ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها».
قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، والمضطر هو الذي بلغ الجوع به مبلغا يخاف معه على نفسه الهلاك، وظاهر ما ذكره المؤلف أن أكل الميتة وسائر النجاسات غير الآدمي والخمر إلا لغصة ممن صار إلى هذه الحال مباح فحسب، والظاهر أنه إذا صار إلى تلك الحال كان الأكل واجبا عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وأكل المضطر حتى الشبع وتزوده هو أحد القولين، والآخر إنما يأكل ما يسد به رمقه ويدعمه قاعدة الضرورة تقدر بقدرها، والظاهر أن من كان على يقين بأن الطعام أمامه فحكمه ما ذكر، وقد يقال إنه مع ذلك يتزود للاحتياط، ومن لم يكن كذلك فليفعل ما ذكره المؤلف، ويأكل االمضطر الميتة في السفر والحضر من غير فرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة، بخلاف قصر الصلاة والفطر في رمضان، وضابط ما ذكر عندهم أن كل رخصة جازت في الحضر كمسح الخف والتيمم وأكل الميتة تفعل في السفر وإن من عاص به، وكل رخصة مختصة بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان فلا تفعل إلا من غير العاصي بسفره، وانظر شرح الدردير على المختصر.
[ ٥ / ١٣٤ ]
الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ ولا يباع ولا يصلى عليه
• قوله:
٩٤ - «ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع».
جلد الميتة في مشهور المذهب ولو بعد دبغه ليس طاهرا، وإنما يجوز الانتفاع به باستعماله في اليابس والماء والجلوس عليه، لكن لا يصلى عليه، ولا يباع، ويستثنى من ذلك جلد الخنزير لقذارته وجلد الآدمي لشرفه، ولمالك قول آخر بطهارته وهو الذي عليه البغداديون من أصحابه، ويدل عليه عموم قول النبي ﷺ: «ايما إهاب دبغ فقد طهر»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس، وهو في صحيح مسلم عنه بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وروى أبو داود والنسائي عن سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربة معلقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: «دباغها طهورها»، وقد حمل بعض علماء المذهب الطهارة على اللغوية، وهو خلاف الأصل، فإن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، أما معارضة ما تقدم بما رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عكيم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة، وأنا غلام شاب: «أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، فلا تستقيم، بعد تجاوز ما قيل في الحديث من الإرسال والانقطاع والاضطراب، إذ المحكوم بطهارته هو الإهاب بعد دبغه، والذي منعه الحديث هنا هو الإهاب ذاته، ولو تجاوزنا هذا لم يصح لأهل المذهب الاحتجاج به لأنهم يرون جواز الانتفاع بالجلد بالقيود التي تقدم ذكرها، والله أعلم.
[ ٥ / ١٣٥ ]
• قوله:
٩٥ - «ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها».
السباع هنا كل ما له جراءة على الافتراس والعداء، وهذا من الأقوال الضعيفة في المذهب، وعمدتهم فيه أن السباع مكروهة كراهة تنزيه كما سيأتي، فإذا ذكيت ولو بقصد أخذ جلدها فقط طهرت بذلك فجاز بيعها والصلاة عليها، بل ويجوز عندهم أكلها ولو ذبحت لأجل جلودها على القول بعدم تبعض القصد، ومن حججهم على طهارة جلودها حتى على القول بالحرمة حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وهو في الموطإ وغيره، قال الباجي في المنتقى: «قال القاضي أبو إسحاق في مبسوطه أحسب أن مالكا حمل النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع على أكلها خاصة،،، فذهب إلى أن النهي مختص بالأكل، وأن التذكية طهر لغير الآكل، فقال لا بأس بجلود السباع المذكاة أن يصلى عليها»، انتهى. وحجتهم على عدم حرمة أكلها ما جاء في كتاب الله من حصر المحرمات في مكي السور ومدنيها في أربعة مواضع من سور الأنعام والنحل والبقرة والمائدة وهي من آخر السور نزولا، وقد احتج عبد الله بن عباس ﵄ على عدم تحريم الحمر الإنسية بقوله تعال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهو في صحيح البخاري من حديث جابر بن زيد، وقد ذكر ابن العربي في كتبه الثلاثة أحكام القرآن وشرحي الموطإ القبس والمسالك أن آية سورة الأنعام متأخرة، بل صرح أنها نزلت في حجة الوداع كما ذكره القرطبي في تفسيره، وهذا يخالف ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على أنها مكية إلا آيات ليست المذكورة منها، وهو الظاهر.
وحمل بعضهم قول النبي ﷺ: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وهو في الموطإ وغيره عن أبي ثعلبة الخشني على أن المصدر مضاف لفاعله لا إلى مفعوله، أي أن ما أكله السبع حرام، فهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهذا لا يمضي لعدة أوجه منها
[ ٥ / ١٣٦ ]
أن مالكا ترجم عليه بقوله (تحريم أكل كل ذي ناب من السباع)، ومنها أن اعتبار المصدر بمعنى المفعول خلاف الأصل، ومنها حديث أبي هريرة الذي رواه مالك بعد حديث أبي ثعلبة الخشني فإنه نص في التحريم، ومنها أن مالكا قال: «وهو الأمر عندنا»، فهل تحريم أكيلة السبع يحتاج فيه مالك إلى أن يحيل على عمل أهل المدينة وهو منصوص كتاب الله تعالى؟، ومنها أن المذهب حرمة الحمر الإنسية، وليست في تلك الآيات، بل هي محرمة بالسنة، وقد حاء تحريم أكل ذي الناب من السباع مقترنا بالحمر الإنسية، ومنها تحريم مالك أكل الخيل، وهي غير مذكورة في تلك الآيات، ومنها مجيء روايات غير تلك الرواية ترفع ما فيها من الاحتمال المرجوح، أقواها: «ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل ضاف قوما فلم يقروه فإن له أن يعقبهم بمثل قراه»، فلم يَقروه فلم يقدموا له القرى بكسر القاف أي الضيافة، يعقبهم رباعي يتبعهم.
[ ٥ / ١٣٧ ]
ينتفع بصوف الميتة وشعرها وما جز من الحيوان وهو حي
• قوله:
٩٦ - «وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة وأحب إلينا أن يغسل».
إذا جز الصوف والشعر والوبر من الحيوان سواء في حال حياته أو بعد موته فإنه يكون طاهرا، لأن الحياة لا تحله، ولا يعترض على ذلك بأنه ينمو بحياة الحيوان لأن النمو ليس دليلا على حلول الحياة فيه، بخلاف ما إذا نتف فإنه يكون نجسا لنجاسة ما اتصل منه بالجلد، وقد ذكر ذلك خليل في مختصره بقوله: «وشعر ولو من خنزير إن جزت»، أما قول رسول الله ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهو حية فهو ميتة»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي واقد الليثي، فإنه مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]، مع أن التعبير بالقطع يشير إلى هذا المعنى.
[ ٥ / ١٣٨ ]
لا ينتفع بريش الميتة ولا بقرنها ولا بأظلافها
• قوله:
٩٧ - «ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل».
الريش كالشعر متى جز كان طاهرا، والأظلاف جمع ظلف بكسر الظاء هو الخف، والمراد بالأنياب الأسنان مطلقا، وإنما منع ما ذكر لنجاسته، وأنياب الفيل يحرم الانتفاع بها على المعتمد، قال خليل: «وما أبين من حي وميت من قرن وعظم وظلف وعاج وظفر وقصبة ريش وجلد ولو دبغ» انتهى، ولما كان الانتفاع بأنياب الفيل فيه خلاف ذكر أنه مكروه يعني إذا لم يذك.
[ ٥ / ١٣٩ ]
كل شيء من الخنزير حرام ويجوز الانتفاع بشعره
• قوله:
٩٨ - «وكل شيء من الخنزير حرام وقد أرخص في الانتفاع بشعره».
الخنزير كله محرم لحمه وشحمه وعظمه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، والمذهب أن جلده لا ينتفع به ولو بعد الدبغ، كما لا ينتفع بشيء منه عدا شعره إن جز بناء على طهارته حيا، أما لو قيل بنجاسة عينه فلا يقال بطهارة شعره لا حيا ولا ميتا، قال خليل: «ورخص فيه إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء»، انتهى، والعموم الذي في حديث ابن عباس المتقدم يدل على تطهير الدباغ لكل جلد.
[ ٥ / ١٤٠ ]
يحرم بيع الخمر وكذا بيع ما يعلم أنه يصنع خمرا
• قوله:
٩٩ - «وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها، وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر، وبَيَّنَ الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام».
تحريم شرب الخمر مما علم من دين الإسلام بالضرورة، لا فرق بين القليل والكثير في التحريم، فقد قال النبي ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وقال أيضا: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام»، رواه أحمد عن عائشة، والفرق بفتح الراء ويجوز تسكينها مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز»، كذا في النهاية لابن الأثير، والمراد من ذكر الفرق الكثرة، فلا مفهوم له، وإنما ذكر ملء الكف لأنه الذي يشرب عادة بالاغتراف فلا مفهوم له أيضا، بل القطرة محرمة كذلك، والعموم الذي في قوله ﷺ «ما أسكر كثيره حجة على أن المحرم ليس خصوص ما تخمر من ماء العنب، بل يشمل كل ما كان كذلك، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، فإن علة تحريم الخمر الإسكار، ولازم مذهب الحنفية أن عصير العنب محرم لذاته، وغيره لسكره، ولذا لم يمنعوا إلا ما أسكر منه، والعجب أن يأتي هذا الموقف من الذين برزوا في القياس ﵏، وفضيخ التمر هو ما يهرس منه ويجعل في إناء ويصب عليه الماء ويترك حتى يتخمر، وإنما نص المؤلف على ذلك ليرد على من قصر الخمر على عصير العنب، أما غيره فما لا يسكر منه لا يكون محرما، ومن أين يعرف حد المسكر والناس فيه متفاوتون؟، وقد تقدم بحث ذلك في كتاب الحدود، لكن ينبغي أن يعلم أن شراب العرب لم يكن مقصورا على عصير العنب المتخمر بل زاد على ذلك، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس قال: «كنت أسقي أبا عبيدة وأُبَيَّ بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: «إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها،
[ ٥ / ١٤١ ]
فأهرقتها»، وروى مالك في الموطإ ومن طريقه الشيخان عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: «كل شراب أسكر حرام»، والبتع بكسر الباء هو الخمر من العسل، نعم إن عامة ما كان يصنع منه الخمر هوالتمر والعنب كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]، السكَر مصدر بمعنى السكر سمي به الخمر كالرشد بمعنى الرشد هكذا في تفسير القاسمي ﵀، وهذه أول إشارة إلى تحريم الخمر لأنها جاءت في مقابل الرزق الحسن، ونظيره عندي الإشارة إلى الربا في سورة الروم، وحملها على هدية الثواب فيه شيء.
[ ٥ / ١٤٢ ]
• قوله:
١٠٠ - «وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر».
قال في مقاييس اللغة: «الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر»، وقال: «ويقال خامره الداء إذا خالط جوفه»، انتهى، ومعنى مخامرة العقل مخالطته بالتأثير عليه، فيزول الإدراك الذي خلق الله عباده ليقوموا بحقوقه، قد يزول بعضه بإحداث خفة في العقل، وقد يزول كله، فتكون الخمر هنا مخمرة للعقل ومغطية، والتخمير التغطية، والمعنى الثالث أنها سميت كذلك لأنها تخمر أي تغطى حتى تشتد، ولا تنافي بينها فالكل موجود، وما ذكره المؤلف هو من كلام عمر، وهو من أهل اللغة قد جاء عنه في صحيح البخاري أنه خطب فقال: «ألا إن الخمر قد حرمت وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل، وثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا، قال: قلت يا أبا عمرو فشيء يصنع بالسند من الأرز؟، قال: ذاك لم يكن على عهد النبي ﷺ، أو قال على عهد عمر»، قال الحافظ: «في رواية الإسماعيلي: «ولو كان لنهى عنه، ألا ترى أنه قد عم فقال: «الخمر ما خامر العقل»، ونقل عن الإسماعيلي أن الكلام الأخير فيه دلالة على أن قوله: «الخمر ما خامر العقل من كلام النبي ﷺ»، انتهى.
[ ٥ / ١٤٣ ]
• قوله:
١٠١ - «وقال الرسول ﵇ إن الذي حرم شربها حرم بيعها».
روى مالك وأحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: «أهدى رجل إلى النبي ﷺ راوية خمر فقال له رسول الله ﷺ: «أما علمت أن الله حرمها»؟، قال: لا، فساره رجل إلى جنبه فقال رسول الله ﷺ: «بم ساررته»؟، فقال: «أمرته أن يبيعها»، فقال له رسول الله ﷺ: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما، والراوية مفرد روايا هي المزادة وعاء من الجلد، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة، وقد تقدم الحديث الوارد في ذلك في الحدود، وكما يحرم بيع الخمر يحرم بيع العنب ممن يعلم أنه يعصره خمرا، لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ويفسخ إذا وقع ويرد لبائعه، ومثل هذا كل ما يعلم أن المشتري يفعل به ما لا يحل له، لكن لا ينبغي أن يؤخذ من هذا أن كل ما منع أكله أو لبسه منع تملكه أو بيعه كالحرير وأواني الذهب واالحمير والبغال والخيل وكلب الصيد والماشية والزرع على أحد القولين في بيع الكلب.
[ ٥ / ١٤٤ ]
النهي عن الخليطين من الأشربة
• قوله:
١٠٢ - «ونهي عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ وعند الشرب».
أي نهى عن شربهما، وهذا النهي يقتضي عدم الخلط بينهما ولو من غير شرب، لأن فيه إضاعة للمال، وقيد الأشربة يخرج غيرها من المأكولات فإنه لا دليل على المنع من خلطها أو أكلها على تلك الصفة، فإن الأصل الحل، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقول: يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا»، وهو في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد روى مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة قال، قال سول الله ﷺ: «لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعا، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته»، وهو في الموطإ نحوه، وعن عطاء بن يسار مرسلا، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم والترمذي أن النبي ﷺ نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما، يعني في الانتباذ»، البسر بضم الباء التمر قبل أن يُرطب، من البسر بفتح الباء وهو الإعجال، والزهو البسر الملون فيه حمرة وصفرة، والانتباذ وضع التمر والزبيب ونحوهما في الإناء وصب الماء عليهما وتركه مدة يحلو خلالها الماء، ويقال لهذا الماء نبيذ، سواء أكان مسكرا أو غير مسكر، وقد جاء ما يدل على ترك شربه بعد ثلاثة أيام لكونه مظنة لأن يشتد فيكون مسكرا، ففي مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود عن ابن عباس قال: كان ينقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى الخادم أو يهراق»، وقد يختلف الأمر في ذلك بحسب درجة الحرارة، وإنما أمر أن يسقى الخادم ليبادر به قبل إدراك وقت تخمره واشتداده فيراق، لا أن الخادم يجوز له شرب ما لم يجز للنبي ﷺ، وقول المؤلف: «عند الانتباذ وعند الشرب»، أي أنه لا فرق أن ينبذ كل منهما على حدة ثم يخلطا عند الشرب، أو
[ ٥ / ١٤٥ ]
ينبذا معا ويشربا.
وقد اختلف أهل العلم في علة النهي عن شرب الخليطين، فقيل لأن الإسكار يسرع إلى الشيء بسبب الخلط، فيظن الشارب أنه ليس بمسكر مع أنه مسكر، قال المازري في شرح مسلم: «وهذا إذا كان الخليطان كل واحد منهما لو انفرد صار نبيذا، فأما إذا كان أحدهما لو انفرد لم يصر منه نبيذ فاضطرب المذهب في ذلك في مسائل ذكروها»، انتهى، وقال النفراوي: «ومحل النهي حيث طال زمن الانتباذ، لا إن قصر بحيث يقطع بعدم توقع الإسكار منهما، وإلا جاز»، انتهى، وعلى هذا فالذي لا يسكر لا بأس بخلطه كاللبن بالعسل، واللبن (الحليب) بالقهوة، وقيل إن العلة ما فيه من السرف، وعليه يعم النهي إلا ما كان مثل الماء باللبن لتخفيفه وإذهاب حرارته، وهذا بعيد لأنه إذا أبيح شربهما منفردين كان فيه سرف أيضا، وإباحة شربهما منفصلين لا خلاف فيها، وينقض بالجمع بين أكثر من طعام، ولا خلاف في جوازه، والسرف هنا أشد لو كان الأمر كما قالوا، وقيل إنه تعبدي، وهو مشهور المذهب، وهو الأقوى عندي، وقد حام ابن العربي حول هذا المعنى فانظر كلامه في كتابه المسالك (٣/ ٣٦٢).
لكن ليس معنى هذا أنه لا تعرف له علة أبدا فقد عرف الآن عن التفاعلات التي تجري بسبب الخلط ما لم يكن معروفا من قبل، فإذا وجدت قولا للقدماء عن شيء إنه تعبدي فليس معناه أن علته تظل سرا مكتما أبدا، وعلى هذا يدخل ما خيف إسكاره وغيره، وبعض الأشربة قد يحدث فيها شيء مضر بعد الخلط بسبب التفاعل الكيماوي بين مكوناتها، وقد ذكر بعض الأطباء عن خلط اللبن (الحليب) بالقهوة أنه يتعب الكبد، بخلاف ما لو شرب كل منهما على حدة، ولو حصل ذلك على الفور، والأصوليون يقولون إن العلة قد تكون مركبة، فعدم الخلط مطلقا هو الذي ترتاح إليه النفس، قال الخطابي في معالم السنن: «قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرا قولا بظاهر الحديث، ولمْ يجعلوه معلولا بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، وهو غالب مذهب الشافعي، وقالوا إن من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة
[ ٥ / ١٤٦ ]
واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثما من جهتين،،،»، انتهى، وأبعد الناس عن الحق في هذه المسألة من قالوا بجواز الخلط قائلين حيث جاز شربهما منفصلين جاز شربهما مجتمعين، وهو دفع في صدر الدليل بالهوى، مع أنه منقوض بالجمع بين الأختين.
واختلف في النهي هل هو للتحريم أو الكراهة، والأخير هو الذي في المختصر، قال خليل عاطفا على المكروهات: «وشراب خليطين»، انتهى، وقد نسب الخطابي لمالك خلاف هذا، وكراهة الخلط هذا عندهم إنما تكون إذا كان ذلك لأجل الشرب، فأما للتخليل فلا كراهة، وهو مفتقر إلى الدليل.
[ ٥ / ١٤٧ ]
النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما
• قوله:
١٠٣ - «ونهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت».
النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت جاء في حديث أبي هريرة عند مالك وأحمد ومسلم، وفي الموطإ عن ابن عمر، ولهذا اقتصر المؤلف على ذكرهما، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فسألوه عن النبيذ، فنهاهم أن ينبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم»، رواه الشيخان، والدباء بضم الدال والباء المشددة؛ هو القرع يجفف حتى يصلح لأن يكون وعاء وظرفا، والنقير فعيل بمعنى مفعول، هو أصل النخلة ينقر ويجعل إناء، والمزفت بصيغة اسم المفعول، المدهون باطنه بالزفت، ويقال له المقير لأنه مدهون بالقار وهو الزفت، وجاء لفظه عند مسلم في رواية لحديث أبي هريرة، والحنتم بفتح الحاء واحدته حنتمة جرار خضر مدهونة، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ولذلك جاء النهي عن الانتباذ فيها بخصوصها، ثم أطلق اللفظ على كل خزف لأنه مشارك للجرار الخضر في المعنى، والنهي إنما جاء عن الانتباذ في هذه الأوعية لأنها من الأواني التي كانت تستعمل في الخمر فمنعه الشرع الانتباذ فيها أولا قطعا للصلة والتشبه بما كان، أو لأن الشدة تسرع إلى ما يوضع فيها، فلما اشتهر تحريم الخمر نسخ الحكم، كما رواه مسلم عن بريدة عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن الشرب إلا في ظروف الأَدَمِ، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا»، والأدم بفتح الهمزة والدال، والقياس ضمهما جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، ومشهور مذهب مالك أن النهي عن الانتباذ في تلك الأوعية باق، وكلام المؤلف واضح الدلالة على ذلك.
[ ٥ / ١٤٨ ]
النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع
• قوله:
١٠٤ - «ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع».
الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب، والسبع هو المفترس من الحيوان، وذو الناب منه ما له ناب يتقوى به على الافتراس، قال بعضهم: «لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن»، انتهى، وقد ذكر الباجي أن في المسألة ثلاثة أقوال، الأول قول العراقيين أنها كلها عند مالك على الكراهية من غير تمييز ولا تفصيل، وهو ظاهر ما في المدونة، والثاني قول ابن كنانة وهو أن كل ما يفترس من السباع ويأكل اللحم فهو مما لا يؤكل، وما كان سوى ذلك من دواب الأرض مما يعيش من نبات الأرض فلم يأت فيه نهي، والثالث قول المدنيين أن عاديها كالأسد والنمر والفهد والذئب محرم، وغيره كالدب والثعلب والضبع والهر مطلقا مكروه، والمغاربة مثل العراقيين في هذا، ففي كتاب ابن المواز عن مالك السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة، والذئب والثعلب والهر مكروهة، وقد يوجد من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك كله على الكراهية مثل رواية العراقيين»، انتهى بتصرف واختصار.
والنهي عندهم في المشهور محمول على الكراهة التنزيهية، قال خليل: «والمكروه سبع وضبع وثعلب وذئب وهر وإن وحشيا»، انتهى، وهو يريد بالسبع خصوص الأسد والنمر، لعطفه الذئب والهر وهما سبعان، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة، وفي حمل النهي على الكراهة شيء، فإنه إن كان الحامل على ذلك التوفيق بين آية سورة الأنعام والحديث الذي جاء في النهي عن أكل ذوات الأنياب من السباع فإنه قد ورد بلفظ التحريم وهو نص، فلا يصح حمله على الكراهة، وقد تقدم أن بعضهم أوَّلَهُ على معنى أن المحرم مأكول السبع، لا السبع، وذكرت الجواب عنه، وما ذا يقال في الحديث الذي جمع فيه بين تحريم الحمر الإنسية وتحريم ذي الناب من السباع، وهو حديث جابر قال: «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير»، رواه أحمد والترمذي، وروى أحمد ومسلم وبعض أصحاب السنن عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ قال: «كل ذي ناب من
[ ٥ / ١٤٩ ]
السباع فأكله حرام»، أما آية سورة المائدة فتخصص بسياقها، وسياقها الرد على من كانوا يحرمون أشياء من بهيمة الأنعام وهي الأزواج الثمانية المذكورة قبلها، وقد يقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا حق، لكن التخصيص بالسياق حق أيضا، وقد قال به أهل العلم المحققون، وسبق ذكر شيء منه في باب الصوم، وفي البيوع عند ذكر اختلاف أهل العلم في علة الربا، يضاف إلى هذا أن الآية فيها عموم التحليل والنص على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وغيرهما مقدم عليه، ثم إن حديث التحريم متأخر عن آية سورة الأنعام، لأنها مكية بالإجماع، والسنة تنفرد بالتشريع، فما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله كما جاء في ذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن المقدام، وقد أشار مالك إلى ذلك في قوله الذي في كتاب ابن المواز وقد ذكرته من قبل: «السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة،،،»، انتهى، وقد حاول الباجي الجمع بين الآية والحديث بتأويله على أوجه، منها أنه لما كان قتل السباع غير محرم على المحرم بحج أو عمرة فربما ظن أنها يجوز أكلها فخصت بنهي المحرم عنها، ومنها حمل الحديث على الأغلب من أحوال هذه السباع وهو الميتة منها، لأنها في الغالب لا يتمكن منها إلا ميتة، وليس هذا إلا تعسفا في التأويل، لكنه ﵀ بعد كل هذا قال: «ورواية من روى عن مالك التحريم أظهر لحديث أبي هريرة، فإنه نص في التحريم، ف ﵀ وسائر علماء المسلمين الناصحين.
وعلى القول بالتحريم وهو الحق فإن الضبع مستثنى من ذلك لورود النص بحله، فقد روى الترمذي عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: «الضبع أصيد هي»؟، قال: «نعم»، قال: «قلت آكلها»؟، قال: «نعم»، قال: «قلت أقاله رسول الله ﷺ»؟، قال: «نعم»، ورواه ابن ماجة عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «في الضبع يصيبه المحرم كبش، وجعله من الصيد»، وهذا من المشكلات عندي، ولكن حيث ثبت النص لزم التسليم والأخذ به، فإن الذكر فوق الفكر، أما ذو المخلب من الطير فسيأتي الحديث عليه.
[ ٥ / ١٥٠ ]
النهي عن أكل الحمر الأهلية
• قوله:
١٠٥ - «وعن أكل لحوم الحمر الأهلية».
المراد بالحمر الأهلية الإنسية بكسر الهمزة نسبة إلى الإنس، أي المستأنسة، وقد صح نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية كما في حديث أبي ثعلبة الخشني عند الشيخين، وعن البراء بن عازب قال: نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيا»، رواه الشيخان، ورويا ذلك أيضا عن ابن عمر، والنضيج المطهو والني خلافه.
[ ٥ / ١٥١ ]
أكل لحوم الخيل والبغال
أكل الحمر الوحشية
• قوله:
١٠٦ - «ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: «لتركبوها وزينة، ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية».
يريد أن الخيل والبغال مثل الحمير في التحريم، فأما البغال فقد جاء في تحريمها حديث جابر عند أحمد والترمذي وقد تقدم، وهي متولدة من الأتن بعد نزو الخيل عليها، وفي الموطإ عن مالك أن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (٨)﴾ [النحل: ٨]، وقال ﵎ في الأنعام: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ [غافر: ٧٩]، وقال ﵎: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤]،،، إلى أن قال: «فذكر الله الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل»، انتهى، وهذا منه ﵀ احتجاج بأن الله تعالى ذكر ما خلق هذه الثلاثة له من المنافع، والأكل من أعظم المنافع ولم ينص عليه، لكن يقال إن التنصيص على بعض المنافع لا يدل على امتناع غيرها، واعتبر الباجي أن اللام في قوله تعالى ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ وهي لام كي بمعنى الحصر، فدل ذلك على أن ما ذكر هو جميع ما أباحه الله لنا منها، ولو كانت ثمة منفعة غيرها لذكرها»، انتهى، وهذا كما ترى ليس بشيء، فهل يقال إن البقر والإبل والخيل والبغال لا يحرث عليها لأن ذلك لم يذكر، أو ليست البغال أقدر على حمل الأثقال من بعض الأنعام ولم يذكر ذلك من منافعها؟، وقد أجاد ابن العربي ﵀ في المسالك الرد على هذا الاحتجاج فانظره، كما أجاد ذلك القرطبي في تفسيره وابن عبد البر الرد على من اعتمد على آية سورة الأنعام في القول بإباحة ما لم يذكر فيها، وفي المقابل جود الزرقاني في شرحه على الموطإ الاستدلال لمذهب مالك، فانظره في كتاب الصيد.
[ ٥ / ١٥٢ ]
واحتج بعضهم بذكر الخيل مقترنة بالحمير والبغال، وهما محرمان، وهذه دلالة اقتران وهي ضعيفة، ولو لم يوجد غيرها لأمكن الاعتماد عليها كما في قضاء الحامل والمرضع حيث قرنتا بالمسافر، أما هنا فقد جاء التنصيص على الحل، وهو حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه»، رواه الشيخان، والتفصي من الاستدلال به بالقول إنه واقعة عين فيمكن أن يكون ذلك عن ضرورة بعيد، فإن الأمر جرى بالمدينة، وكيف لا تذكر أسماء ما دفعهم إلى أكله لو كان حال ضرورة وذكره أولى من ذكر مجرد الأكل؟، فالظاهر أنها ذكرته مستدلة على الحل، وما يجري في بيت أبي بكر لا يخفى عن النبي ﷺ، بل الغالب أن يهدى له منه، فكيف إذا جاء في رواية أحمد لهذا الحديث أن أهل بيت النبي ﷺ أكلوا منه أيضا؟، وقد روى الترمذي عن جابر قال: «أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر»، وهو في صحيح مسلم نحوه.
وقول المصنف: «ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية»، يريد أن الذكاة في الخيل والبغال والحمير لا تنفع، فلا يحل بذلك أكلها، ولا تطهر بالذكاة جلودها، وقد تقدم قولهم بطهارة جلود السباع إذا ذكيت لذلك، وهذا بخلاف الحمر الوحشية فإنها إذا ذكيت حل أكلها وطهرت جلودها، فإن استؤنست مدة ثم عادت إلى التوحش كانت حلالا أيضا بالنظر إلى أصلها، والله أعلم.
[ ٥ / ١٥٣ ]
حكم أكل سباع الطير
• قوله:
١٠٧ - «ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها».
سباع الطير هي نفسها ذوات المخالب، ومفردها مخلب بكسر الميم وفتح اللام وهو للطير بمنزلة الظفر للإنسان، قال الباجي: «وأجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب، وما لم يكن له مخلب، قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره أكله»، انتهى، الصرد كرطب طائر فوق العصفور يصيد العصافير، أبقع ضخم الرأس، غذاؤه اللحم»، قاله الدميري في حياة الحيوان باخنصار، وقد تقدم الحديث الوارد في النهي عن ذوات المخالب من الطيور وقد جمعت مع ذوات الأنياب من السباع، والمناسبة بينهما واضحة، فما قيل في واحد منهما يقال في الآخر، وقد تقدم الكلام على احتجاجهم بآية سورة الأنعام، واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، قال الباجي بعد ذكره هذه الآية محتجا بما فيها من العموم على جواز أكل ذوات المخالب من الطيور: «ولم يفرق بين ذي مخلب وغيره، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طائر فلم يكن حراما كالدجاج والإوز» (؟؟)، وهو قياس كما ترى فاسد الاعتبار، والذي قبله عام وتخصيصه بالنهي عن ذوات المخالب لا إشكال فيه، هذا بعد التسليم أن المراد من الآية ما ذكره الباجي، وإلا فإن معنى قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ كما عليه جمهور المفسرين أن الله تعالى أحل لنا الطيبات وصيد ما علمنا من الجوارح التي نعلمها وندربها عليه.
[ ٥ / ١٥٤ ]
لزوم بر الوالدين وإن كانا فاسقين
• قوله:
١٠٨ - «ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف».
بر الوالدين هو الإحسان إليهما بالقول والفعل والسلوك، وقد أمر الله تعالى بذلك في مواضع من كتابه، وقرن برهما بتوحيده وعبادته، وأمر بالشكر له ولهما، فكان أصلا ثانيا من أصول الشريعة، تحفظ به العاطفة، ويستمسك به ويسلم المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]، بدأ بالإحسان إليهما ثم من بعدهم من الأقارب واليتامى والمساكين، ثم أمر بالإحسان إلى سائر الناس بالقول لأنه هو الممكن المتيسر، وقال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، وقضى ربك أي حكم وأوجب، وبالوالدين إحسانا، إي أحسنوا بهم إحسانا، وتقديم المتعلق يشير إلى الاهتمام بالمأمور به، والإحسان يعم كل مراحل عمر الوالدين، لكنه خص بالذكر حالة الكِبَر لما يكون فيها من العجز والضعف، وازدياد حاجة الوالد إلى البر، وقد يطرأ على الوالدين فيها سوء الخلق، فيكون ذلك مدعاة للتبرم والضجر، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وهو اسم فعل معناه أتضجر، والمقصود النهي عن كل أذى ولو كان قليلا في أوجز كلمة هي أف، ولو لم تكن موجهة إليهما، ثم نهى عن انتهارهما لأن المرء قد يفعل ذلك وهو لا يريد إلا الخير لهما بكفهما عما يبدو له من سوء
[ ٥ / ١٥٥ ]
خلقهما، ثم أرشد إلى ما يقال لهما في كل حال ولو حال إرادة الخير لهما، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ثم ذكر معاملتهما بالفعل بعد القول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي كن معهما متذللا كمن يكون مع من هو أقوى منه كالطائر الضعيف مع القوي، وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا إليه فيه على النفس شدة:
يا من أتى يسأل عن فاقتي … ما حال من يسأل من سائله؟
ما ذلة السلطان إلا إذا … أصبح محتاجا إلى عامله
ثم إن الإحسان إلى الوالدين لا ينبغي أن يكون مجرد مظهر يخالفه المخبر، فليصدر عن رحمة بهما، وإشفاق عليهما، فلهذا قيد خفض الجناح بقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ثم ختم بالأمر بالدعاء لهما بالرحمة وقرن به ذكر تربيتهما له صغيرا، والجزاء من جنس العمل، قال الزمخشري: «لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية»، انتهى.
وفي حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟، قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: «ثم أي»؟، قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: «ثم أي»؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني»، رواه الشيخان وغيرهما، وقد قال ابن عيينة في تفسيره: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما»، كذا في الفتح، وقد قال ﷺ: «أنت ومالُكَ لأبيك» وقيد ذلك بالحاجة في حديث آخر.
وقد قام الدليل على جواز الإحسان إلى الكافر غير الحربي، فالوالدان أولى أن يشرع الإحسان إليهما، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟، قال: «نعم، صِلِي أمك»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود، وأم أسماء هي قتيلة كما جاء ذلك في مسند أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: «قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب، وقرظ، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها،
[ ٥ / ١٥٦ ]
فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها»، والضباب جمع ضب وهو معروف، والقرظ بمفتوحتين ورق شجر السلم يدبغ به.
[ ٥ / ١٥٧ ]
لا يطاع الوالدان ولا غيرهما في معصية
• قوله:
١٠٩ - «ولا يطعهما في معصية كما قال الله ﷾».
قالوا لا يطيع الولد المؤمن والديه الكافرين إذا تعلقت المعصية به، أما إن كانت المعصية متعلقة بهما فلا، فإن الكافر يقر على معصيته، ومن هنا ذكر بعضهم جواز توفير الولد لوالده ما هو محرم في الإسلام، حتى ذكر بعضهم إيصاله إلى الكنيسة وشراء الخمر له، وهذا ليس على إطلاقه، لأن الكفار مكلفون بفروع الشريعة على الصحيح، والمصنف يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (١٥)﴾ [لقمان: ١٥]، فلم يستثن الله تعالى من طاعتهما إلا هذه الحال، لكن قال النبي ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، رواه أحمد والحاكم عن عمران، وقال أيضا: «لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف»، رواه الشيخان والنسائي عن علي، أما قوله ﷺ: «لا طاعة لمن لم يطع الله»، رواه أحمد عن أنس، فالمراد ليس منع الطاعة لمن لم يستكمل طاعة الله، بل المقصود من لم يكن فيما أمر به مطيعا لله بأن أمر بمعصية، فيلتقي في المعنى مع الحديث الذي قبله، ومعصية الله تكون بأن يأمراه بترك الواجب العيني أو فعل المحرم، ولذلك كان مطلوبا استئذان الوالدين في الجهاد الكفائي كما تقدم ولو كافرين، إلا إذا استيقن في حالة الكفر أنه ليس للإشفاق عليه، قالوا وكذلك يترك المستحب إذا طالباه بتركه، لكن هذا مع الوالدين المسلمين.
[ ٥ / ١٥٨ ]
يستغفر المؤمن لوالديه المؤمنين
لا يجوز الاستغفار للمشرك
• قوله:
١١٠ - «وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين».
من صفات المؤمن أن يستغفر لعموم المؤمنين اقتداء بالنبي ﷺ إذ قال الله تعالى له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وأخبر عن الملائكة بقوله ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]، وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (٥)﴾ [الشورى: ٥]، وهذا استغفار ينصرف لكل من الناس بما يليق به، وقال عن الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فكيف لا يستغفر المؤمن لوالديه؟، وقد صح أن الله تعالى يرفع درجة عبده في الجنة، فإذا سأل عن ذلك قيل باستغفار ولدك لك، وقال النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة.
وقيد المؤمنين في كلام المؤلف معتبر، فقد نهانا الله أن نستغفر للمشركين من غير فرق بين قريب منهم أو بعيد، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤]، فإبراهيم ﵇ إنما دفعه إلى الاستغفار لأبيه فرط رحمته به، وشدة عطفه عليه، أو أنه كان قد وعده بما أطمعه في إيمانه كما هو ظاهر القرآن، وقيل كان قد وعده بالاستغفار له، ومع هذا فلما تبين له كفر أبيه وعداوته لربه بموته تبرأ منه، وقد استثنى ربنا هذا الأمر من اقتدائنا بإبراهيم عليه
[ ٥ / ١٥٩ ]
الصلاة والسلام في كتابه.
وإبقاء المسلم على صلته بأقاربه الكفار لا تنافي براءته منهم، والصلة التي أبقى عليها الشرع لمعاملتهم لا تصل إلى الاستغفار لهم لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، وروى أحمد وهذا لفظه ومسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى، وبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»، قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ﵀: «ولعله لم يؤذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه لأنه فرع المؤاخذة على الذنب، ومن لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ على ذنبه، فلا حاجة إلى الاستغفار لها، لأن عدم الإذن بالاستغفار لا يستلزم أن تكون كافرة لجواز أن يكون الله تعالى منعه من الاستغفار لها لمعنى آخر كما كان النبي ﷺ ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دَيْنٌ لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له مع أنه من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره ﷺ مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل ثواب دعائه إلى منزله في الجنة وانتفع به فورا، والمدين محبوس عن مقامه الكريم حتى يقضى دينه، فقول من قال: إن عدم الإذن في الاستغفار لكفرها، والاستغفار للكافر لا يجوز غير سديد والله أعلم»، انتهى، وهو كلام طيب جزى الله قائله خيرا لولا ما جاء من النص على ذلك في صحيح مسلم، بحيث لا يتأتى تأويل الحديث، وقد أول بعضهم الأب فيه بالجد، وقد أدى هذا الأمر بالناس إلى أن يقولوا إن آزر ليس هو أبا إبراهيم ﵊، بل هو عمه، وما بي من رغبة في الخوض في هذه المسألة لولا أن لها تعلقا بما أشرحه، وقد امتحنت فيها منذ عقدين من الزمان فكان بعضهم يدس من يسألني عنها ليشيع في الناس أني أقول كذا وكذا، وليست الجنة ملكا لأحد حتى يدخل فيها من يشاء إدخاله، أو يمنع دخوله، ولو اتبع المرء عاطفته وهو يسعى في بيان الحق ما استقام شيء، ولوقف مع من اخترعوا أحاديث ينصرون بها ما ذهبوا إليه، وردوا أخرى صحيحة، أو امتنعوا من إثباتها فيما جمعوه، ليجتنبوا ما ظنوه حرجا، ومرد الأمر إلى صحة النقل وصحة الفهم عن الله ورسوله، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الفهم وأن يجنبنا الزيغان والوهم، قد قال ابن
[ ٥ / ١٦٠ ]
كثير ﵀ بعد أورد في تفسيره ما رواه الخطيب البغدادي بسند مجهول عن عائشة، وفيه أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت، وما رواه السهيلي في الروض بسند فيه مجهولون: «إن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به، واستبعاد من استبعد ذلك، قال: «وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه»، انتهى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
[ ٥ / ١٦١ ]
على المؤمن موالاة المؤمنين والنصيحة لهم
• قوله:
١١١ - «وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم».
الموالاة الواجبة للمؤمن لأخيه باطنة وظاهرة، فأما الباطنة فهي محبته ومواداته لإيمانه، وأما الظاهرة فنصرته وعونه وما إلى ذلك مما يجب له من الحقوق عليه، قال الراغب: الولاء والتوالي أن يحصل شيآن فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة،،،»، انتهى، وتعريفه ﵀ دقيق، فإن موالاة المؤمن للمؤمن ليس فيها ما ليس منهما، لأن الذي يجمع بينهما رابط الإيمان، والإيمان قول وفعل واعتقاد، فمحبة كل منهما للآخر إنما هي لأجل ذلك، وكذا لغيره مما لا يتنافى معه، وكذلك موالاة الكافر للكافر، فإنهما ليس فيهما ما ليس منهما، بخلاف موالاة المؤمن للكافر فإن بينهما تنافرا بسبب الكفر والإيمان، ومحبة المؤمن للكافر الراجعة إلى النسب من أبوة وأمومة وبنوة وزوجية لا تناقض البراء الواجب، ولا تنقض الولاء المطلوب، وكراهية المؤمن للمؤمن لشيء غير الإيمان لا تنافي الولاء القائم بينهما، لكن بعضها يشرع وبعضها لا يشرع، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وقوله: «والنصيحة لهم»، أي كما تجب موالاتهم تجب النصيحة لهم، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري، والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الدين النصيحة»، قلنا لمن يا رسول الله»؟، قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»، وقد قال أبو داود عن هذا الحديث إنه أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه، ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم.
وروى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم»، وأحاديث النصح للمسلم متواترة كما ذكر
[ ٥ / ١٦٢ ]
الإمام الشوكاني في بعض كتبه، قال الخطابي في معالم السنن: «النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع»، إلى أن قال: «والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم»، قال ابن الصلاح: «النصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه»، انتهى.
أقول إن النصيحة إما أن ترجع إلى الخلوص والصفاء والنقاء، وهذا المعنى هو اللائق بالنصح لله ولرسوله ولكتابه، فتدل على الإخلاص لله تعالى والاتباع والتسليم، وإما إلى أن ترجع إلى الإصلاح بالملاءمة وجبر الخلل وترك الغش وهو اللائق بأئمة المسلمين وعامتهم، فإن الناصح هو الخياط، والنِّصاح الخيط يخاط به.
وأولى الناس بأن ينصح غيره العالم بالشرع، وطالب علم الشرع، ينصح لعامة المسلمين، وينصح لأئمتهم، وينصح لمثله من أهل العلم، وينصح لطلاب العلم، ويتصل بهم، وينبههم إلى أخطائهم في تكتم ورفق، ويلتمس لهم العذر، ويحمل كلامهم على الخير، ولا يلزمهم بالآراء والاجتهادات منه أو من غيره.
وما أقل هذا اليوم عند الدعاة اليوم كاتب هذا الشرح لم يتصل به أحد ليناقشه مناقشة علمية، أو ينصحه في كل ما نسب إليه، ولو افترضنا أنه نصح، فإن الآخذ لذلك غير لازم، ومعظمه متقول مكذوب، وقليله آراء واجتهادات يصيب فيها الناس ويخطئون، وله في بعضها رسائل كان على المخالف أن يناقشها ويرد ما ذكره فيها بالحجة والبرهان، لا بالتقول والبهتان، ومع ذلك كثرت الشتائم والتقولات والدعاوى، تأتي من الرؤوس تارة، أو يوعز بها الكبار إلى الغوغاء من طرف خفي تارة أخرى، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد يحيل هذا على غيره بدعوى أنه لا يعرف المتكلم فيه، يحيله على من ليس في العير ولا في النفير، وربما سكت بعضهم عن السابين والشاتمين، حتى إذا لقوك تبرؤوا مما نُشِرَ وأعلن، وقد تفهم أن دافعهم إلى ترك التبرؤ علنا مما نسب إليهم حرصُهم
[ ٥ / ١٦٣ ]
على وحدة الجماعة، فهل يخرجون بذلك من التعاون على الإثم والعدوان؟، هذه القاعدة التي هي من أعظم قواعد دين المسلمين، إذ منع الله ذلك التعاون ولو على الكافرين، إن الذي نراه اليوم بين بعض الدعاة هو حرب خاسرة، والخاسرون هم كل المشاركين فيها، لكن منهم من خسر صدقه في الدعوة إلى جانب صده الناس عن الحق بسلوكه وتشويهه للدعوة السنية السلفية، وقد خسر الجميع صرف كثير من جهودهم في هذه الحرب الكلامية الضروس التي لا هدف لها ولا طائل من ورائها، والاشتغال بها ينبئ عن هوس وقلة اهتمام بحال المسلمين في حياتهم الناكبة عن الصراط المستقيم، إنه قتال كلامي مرير ساحاته الأوهام، وهو شبيه بقتال دونكشوت الإسباني الرجل الذي كان يحمل سيفه ليحارب به الظلام حتى يظهر شجاعته للأنام، وقد كان هذا في العرب، إذا فقدوا من يغيرون عليه من الأباعد هاجموا بَكْرًا أخاهم، فهل رد هؤلاء المتقاتلون على خصوم الحق على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وفرغوا منهم؟، وصف السلفية عظيم عندي، هواي مع ذلك الموكب العظيم:
ما لي أكتم حبا قد برى جسدي … وتدعي حب سيف الدولة الأمم؟
ولكني أنعى على إخواني هذه الحمأة التي ارتكسوا فيها بلوك الأعراض المحرمة، وتنفير الناس بذلك مما إليه يدعون، لا أُصَدِّقُ أن يختلف أصحاب الحق هذا الاختلاف الذي بلغ أن لا يجد من رأى نفسه مظلوما غير طلب المباهلة، لا بد أن أحد الأطراف ظالم، كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذ الله عليه الميثاق أن يصدق وينصر من يبعثه الله من أمثاله، وهل أهل العلم إلا ورثة لهم، وهم لهم قدوة، فكيف يحصل هذا بينهم؟، ألم يجدوا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسير الصالحين من سلفهم ما يفك اشتباكهم، وينهي نزاعهم؟، ألا يسع طرفا منهم أن يسكت عَلَّ في سكوته تقليلا للشر؟، ألا يكون صنيعهم هذا فتنة لضعاف الإيمان من المسلمين فيما يدعونهم إليه من الرد إلى الله ورسوله عند التنازع؟، كيف يكون هم المنسوب إلى الدعوة رصدَ النقائص وتتبعَ العثرات وتكبيرها، وتجاهل الحسنات والمبرات وتهوينها، واستباحة الأعراض من غير تثبت تحت غطاء حماية السنة، ومقاومة البدعة، وزعم تنقية الصفوف، من غير استغلال لما يسره الله في
[ ٥ / ١٦٤ ]
حرمة موالاة الكفار
هذا العصر من وسائل الاتصال، التي قرب الله بها البعيد، ويسر بها العسير، فَلِمَ تُجْعَلُ عَوْنًا لِنَشْرِ ما يُظَنُّ مثالب، والتشهير بالمخالف، ووجدت لها محاضن في بعض المواقع التي تلقى فيها نفايات النفوس، وأمراض القلوب، ويُنشر فيها هذا العفن الأخلاقي، ويتضح فيها الجهل العريض بمنهج السلف من أدعيائه وبعض أوصيائه، إن هذا الذي أشرت إلى بعضه لدليل على أن المتهوكين فيه أبعد الناس عن معنى حديث النصيحة الذي قد يكتب بعضهم له شرحا، أو يقدم فيه درسا، أو ينمق فيه خطبة، أو يذكر له تخريجا، ما فائدة
ذلك والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل؟، مما يخشى أن يقال لكثير ممن يفعل ذلك يوم القيامة: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، إن مرض النفوس وظلام القلوب، والتهافت على المكانة المزعومة، والمنزلة الموهومة، والزعامة البائسة، هو الذي أعمي بعض البصائر، وإن لم تعم الأبصار، فصار كثير منهم يقولون ما لا يفعلون، وقد يفعلون ما لا يؤمرون، أفلا تتقون يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟.
والنصيحة كما ترى يبتدئ المسلم أخاه بها، أما إن طلب نصحه فإن الأمر يكون أوكد، وينبغي أن تكون نصيحة المسلم لأخيه سرا قال الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير»، وإذا كان هذا مع عامة الناس فكيف بالسلطان؟، سئل ابن عباس عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر، فقال: «إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه»، قلت: هذا هو الأصل متى كان ذلك ممكنا كما كان عليه الأمر في العصور المفضلة، فإذا اختلف الوضع كما عليه أمر المسلمين اليوم فقد جد من الوسائل ما ينبغي استعماله لتحقيق هذا المطلب الذي يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز أن يتحول موقف الحريصين على سد أبواب الفتنة - وأخوكم منهم - إلى النقيض، وهو السكوت المطبق فلا أمر ولا نهي ولا نصح للحاكم، ولا كلام على ما يجري من المنكرات تحت هذا الزعم، فالحاكم يسكت على اجتهاده، وينصح في السر متى أسر المنكر، فإذا أعلن به وصار عاما فاشيا تعين نصحه سرا إن أمكن وإلا ففي العلن.
وكما تجب موالاة المؤمنين يجب البراء من الكافرين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
[ ٥ / ١٦٥ ]
الإشارة إلى أنواع الموالاة
كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣]، ومعنى إلا تفعلوه إلا توالوا المؤمنين، وتتركوا موالاة الكافرين، فمرجع الضمير مفهوم من الإخبار بمن يُوَالَى ومن لا يُوَالَى، فتبين بهذا أن موالاة المؤمنين لا تتم إلا بترك موالاة الكافرين، وأصل موالاة المؤمنين دينهم، فمن والى الكافرين لدينهم فذلك ناقض لموالاة المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]، وقيد ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه النهي عن موالاتهم التي تنافي ولاية المؤمنين، ودونها التي تضر بالمؤمنين، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣]، ولها نظير في سورة الحشر، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (١)﴾
[الممتحنة: ١].
وصلة المؤمن بالكافر أقسام بعضها كفر من غير خلاف، وبعضها معاص متفاوتة في الإثم، وقد وصل بها الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير إلى ثمانية، وعنه أخذت الأصل عنه وأدخلت عليه ما رأيته مناسبا من الحذف والزيادة، ومرد كل هذه الأقسام إلى حب الكفار لأجل دينهم، أو لغير ذلك، وعلى الثاني إما أن يترتب على هذا الحب والميل أذى للمسلمين أو لا:
وأول الأقسام: أن يتخذ المسلم الكفار أو طائفة منهم أولياء له في باطن أمره ميلا منه إلى كفرهم، لا فرق بين مناوأة أهل الإسلام أو عدمها، والمناوأة دليل ظاهر على ذلك وهذه حالة كفر بلا ريب، وهي عمل المنافقين.
قال السيد ابن المرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق نقلا عن غيره: «إن الموالاة
[ ٥ / ١٦٦ ]
المحرمة بالإجماع هي أن تحب الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته، لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضر أو خصلة خير فيه».
والثاني: أن يركن المسلم إلى الكفار ويظاهرهم لأجل تحصيل منفعة أو دفع ضرر عن نفسه أو عن أهله الذين يكونون بينهم من غير ميل إلى دينهم، مع كونهم مجاهرين بالعداوة للمسلمين ساعين في إيذائهم، مع أنه لم ينقطع عن محبة المسلمين وموالاتهم، وإثم هذا العمل عظيم، وإن كان لا يوجب كفر صاحبه، لكن من وقع فيه يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام نفسه.
ويذكر هنا ما حصل لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين أخبر المشركين بمقدم النبي ﷺ لفتح مكة، ومما قاله للنبي ﷺ بعد أن كشف أمره: «لا تعجل عَلَيَّ يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النبي ﷺ: «إنه قد صدقكم»، رواه البخاري عن علي.
والثالث: أن يميل إلى الكفار الذين لا يجاهرون بالعداوة للمسلمين ولا يؤذونهم من غير اضطرار إلى ذلك، وقد كان نصارى العرب على هذا لتحو عند ظهور الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢].
والرابع: وهو مثل السابق لكن مع الحاجة إلى الكفار، كما كان حال نصارى الحبشة وملكهم مع المؤمنين، إذ هاجر بعض المسلمين إلى أرضهم فرارا بدينهم، فآووهم ولم يستجيبوا لكفار قريش حين طالبوهم بطردهم، وهذه لا توجب كفرا، ولكن ينهى عنها إلا عند الاضطرار بحيث لم يجد بلدا مسلما يفر إليه، لأنها قد تجر إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكايدهم على المسلمين.
ويشبهها اليوم طلب اللجوء السياسي من بلدان الكفر والتمتع عندهم بالحقوق
[ ٥ / ١٦٧ ]
المزعومة، وأكبر من ذلك التجنس بجنسيتهم.
والخامس: هو إظهار الموالاة للكفار لأجل الإضرار بطائفة معينة من المسلمين بأن يستعين بهم عليهم في القتال، ويدخل في القسم الجاسوس الذي ينقل أخبار المسلمين للكفار، وقد اختلف الفقهاء في حكمه لكون الباعث له على ذلك قد يكون مصالح الدنيا والحصول على المال، وقد حصل هذا في عصور مختلفة من تاريخ المسلمين منها استعانة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمتونيين، وقد قيل إن فقهاء الأندلس أفتوا بكفره فاعتقله يوسف بن تاشفين ولم يقتله.
وحصلت هذه الاستعانة في هذا العصر مرات كاستعانة بعض الدول المسلمة بأمريكا وغيرها لمقاتلة صدام حسين ومحاصرته في العراق بعد غزوه للكويت، ثم استعانة المعارضين العراقيين ولاسيما الشيعة بالحلف الأطلسي وغيره على غزو العراق،
فتسبب ذلك في مفاسد على جميع الصعد لا تبلغ عشر معشار المفاسد التي نسبت لصدام حسين ﵀.
وقد اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه الاستعانة والصواب أنها معصية كبيرة، وقد ترتب عليها من المفاسد ما هو معروف، وشرها ما زال باقيا إلى اليوم، ومن هذا القسم هذه التي تسمى بالثورات وبالربيع العربي حتى إذا قمع الحاكم القائمين بها دعوا الدول الكافرة إلى إعانتهم، بل حصل هذا من بعض الهيآت كالجامعة العربية التي دعت الأمم المتحدة إلى التدخل في ليبيا، فقتل عشرات الآلاف في الجهاد المزعوم، ودمر البلد بحيث قدرت الخسائر التي لحقته بنحو مائتي مليار دولار على مختلف الصعد، والمستفيد الأول منها هو الغرب الكافر بشركاته، ولئن ذهب نظام مستبد ظالم فإنه لم يخلفه من يقيم الإسلام، وهل تُصَدِّقُ أن الحلف الأطلسي يقف إلى جانب من يقيم الشرع؟، وقد كنت أتوقع من الأيام الأولى لتلك الحرب أن تنقسم ليبيا فكان ما توقعته، فإنها يحكمها اليوم ثلاث حكومات، مما يسهل تعدد الولاءات فيها لدول الكفر كي تحقق مصالحها فيها ونفوذها، ولسنا ندري ما الذي ستسفر عنه الأحداث في سورية، وقد ينتهي نظام الأسد الظالم النصيري، لكن ما وجهة النظام الذي سيخلفه؟، وأي الجهات ستحتضنه؟.
[ ٥ / ١٦٨ ]
ومن هذا القسم هذا التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى بداعش، والدولة الإسلامية، التي أعلنت في بعض جهات العراق، وفي سورية، فإن الله قد أمر المسلمين أنفسهم بمقاتلة البغاة في قوله تعالى: «وإن طائقتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله …»، الآية، وهذا التحالف كيفما كانت مبرراته فإنه حرام، وهو مما يضعف الولاء بين المسلمين، ويعطي المشروعية للخارجين، ويمكن للكافرين في أرض المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإنه إذا كانت الاستعانة بالمشركين على المشركين منهيا عنها فمن باب أولى أن يكون النهي عن الاستعانة بالمشركين على المسلمين، ولا ينبغي هنا الاحتجاج بالأنظمة التي لا نختلف في كونها ظالمة جائرة أو كون بعض أفرادها كفارا، فإن القتال يجري في بلد مسلم، والقتلى مسلمون، وهذا لو كان من يستعين بهم يريد أن يقيم الشرع، فكيف والسابق لا يختلف عن اللاحق؟.
والسادس: أن يستعين المسلمون بالكفار الذين يظهرون محبتهم لهم ويعرضون عليهم نصرتهم يستعينون بهم على أعدائهم الكفار، وهذا أدنى مما قبله شرا، وقد اختلف فيه أهل العلم، والصواب منعه لما جاء في ذلك من النصوص، ولأنه وسيلة إلى تسلط الكفار على المسلمين ونهب خيرات بلدانهم وفرض أنظمتهم عليهم، لاسيما والأمر ليس مجرد استعانة بل الذي يتولى القيادة هم الكفار، وفي الغالب يدفع المسلمون الكلفة مباشرة أو بالطرق الخفية الملتوية.
والسابع: أن يتخذ واحد من المسلمين واحدا من المشركين أو أكثر وليا له لما هو عليه من حسن المعاملة أو لقرابة أو نحو ذلك، لا لكفره، من غير أن يترتب على ذلك إضرار بالمسلمين، فهذا لا شيء فيه، ويستدل له في الجملة بإحسان الولد إلى والديه الكافرين، وما سبق ذكره في الآيات من سورة الممتحنة، فقد أخبرنا ربنا أنه لم ينهنا عن بر غير من قاتلنا، والإقساط إليه، وقصة أسماء مع أمها.
والثامن: هو ما يرجع إلى معاملات الكفار المرتبطة بالمصالح الدنيوية كالبيوع
[ ٥ / ١٦٩ ]
يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه
والإجارات وعقود الهدنة ونحوها، ونكاح نسائهم الكتابيات، والأصل فيها الجواز وتفاصيلها في كتب الفقه.
والتاسع: هو إظهار الموالاة لهم اتقاء الضرر الذي يلحق المؤمن أو الجماعة أو الدولة بسبب تركه ذلك، وهي التي استثناها الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، والمراد ما تفعلونه من ذلك لتجنب المكروه، وهذا الذي رخص فيه ينبغي أن لا يتجاوز فيه ما لا حاجة إليه، ولذلك حذر الله تعالى بعده بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
والعاشر: هو التشبه بهم كالتحدث بلغتهم من غير حاجة، واصطناع لباسهم وأزيائهم، وإحياء الذكريات في المواليد والوفيات والمناسبات الأخرى كاليوم العالمي للمرأة والطفل والعمال ويوم العلم وغيرها، ونصب الصور والتماثيل للزعماء وذوات الأرواح، ووضع الزهور على القبور، وفيه تفصيل، وقد بلغ النهي عن التشبه بهم مبلغ التواتر المعنوي كالأمر بقص الشوارب وإعفاء اللحى، والنهي عن رد السلام بالإشارة من غير حاجة، وصوم النبي ﷺ يومي السبت والأحد لكونهما يومي عيد عند اليهود والنصارى، ونهيه عن صور من الجلوس لكونها جلسة المغضوب عليهم، ورغبته ﷺ في صوم التاسع من المحرم لمخالفتهم، والأمر بتغيير الشيب بالخضاب، وتغييره طريقة الامتشاط، وغير ذلك، وقد جمع الحافظ منها ما يزيد على ثلاثين حكما، ولابن تيمية كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فترك التشبه بهم أصل مقطوع به، لكنه متفاوت في الحكم، فمنه المكروه، ومنه المحرم، ومنه ما قد يرتد فاعله كما قال العلماء عن لبس الزُّنَّار.
[ ٥ / ١٧٠ ]
• قوله:
١١٢ - «ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه كذلك روي عن رسول الله ﵌».
المراد بحقيقة الإيمان كماله لا أصله، ومنه قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وكلام المؤلف قريب من لفظ حديث مرفوع: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير»، رواه أحمد عن أنس ولفظه في الصحيحين، وسنن الترمذي، والنسائي، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وكثير من أهل العلم لم يكونوا يراعون الصيغ في ذكر الحديث فلا يفرقون بين صيغة التمريض وغيرها، وكما يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه فإنه يكره له ما يكره لها، وهو لازم للأول، والأخ هنا هو المسلم، لكنه مستعمل في الغالب، فإن المسلم يحب للكافر أن يؤمن، ولهذا يقدم دعوته إلى الإسلام قبل قتاله ثم يدعوه إلى دفع الجزية، ويدخل فيما يحب المسلم للمسلم فعل الواجبات والمستحبات، والحصول على المباحات، وترك المحرمات والمكروهات، وقد قيل إن هذه المحبة عقلية لا تكليفية لأن الإنسان مجبول على حب الخير لنفسه، فلو كلف ما في الحديث ما كمل إيمان أحد إلا النادر، وقد رد هذا الأمر في فيض القدير بقوله: «المراد أن يحب حصول ذلك له من جهة لا يزاحمه فيها»، انتهى، ويدل على أن ذلك تكليف الإيثار الذي وصف الله تعالى به الأنصار فإنه أعلى درجة من أن يحب لغيره ما يحب لنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٩)﴾ [الحشر: ٩]، قال ابن كثير: «وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (٨)﴾ [الإنسان: ٨] وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة به، ولا ضرورة إليه، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما
[ ٥ / ١٧١ ]
أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصِّدِّيق بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ: «ما أبقيت لأهلك»؟، قال: «أبقيت لهم الله ورسوله»، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم»، انتهى.
[ ٥ / ١٧٢ ]
وجوب صلة الرحم على المؤمن
• قوله:
١١٣ - «وعليه أن يصل رحمه».
أي على المسلم أن يصل قرابته المؤمنين وإن بعدوا لا فرق بين من كان منهم وارثا، ومن لم يكن كذلك، ولا بين من كان من المحارم ومن ليس كذلك، مع مراعاة ما ينبغي مع غير المحارم بين الرجل والمرأة، وقيل الصلة مطلوبة نحو الوارثين منهم فحسب، والأول هو المشهور، والصلة مطلوبة، وصله رحمه أو قطعه كما قال النبي ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمرو، وقوله انقطعت يشمل ما إذا كان ذلك من غير قصد إلى القطع، وما إذا كان مقصودا، ولهذا الأمر وسائل بحسب الحال من الزيارة وتقديمهم في الصدقة، والإهداء، وبذل المال، والقول الحسن، والمكاتبة، والاتصال بالهاتف، والاستضافة، وسؤال الغير عنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وقال النبي ﷺ: «صلة القرابة مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل»، رواه الطبراني في الأوسط عن عمرو بن سهيل، ومعنى مثراة أنها تثري المال وتكثره، ومنسأة من النسء وهو التأخير، أي أن صلة الرحم مظنة للمد في الأجل، وجاء هذا المعنى في قوله ﷺ: «صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب»، وقال ﷺ: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار»، رواه أحمد عن عائشة، وقال أيضا: «من أحب أن يُبْسط له في رزقه ويُنْسَأ له في أجله فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وقال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله وقطيعة الرحم»، رواه أبو يعلى عن رجل
[ ٥ / ١٧٣ ]
من خثعم كما في صحيح الجامع للألباني.
قالوا ولا يشرع صلة غير المؤمنين من الأقارب فإن الله تعالى إنما أمر ببر الوالدين ولو كافرين، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]، قلت في هذا نظر فإن الظاهر من الآية المتقدمة نفي اجتماع الإيمان مع موادة من حاد الله ورسوله، والمحادة وإن كانت صادقة بمطلق الكفر إلا أن المراد بها هنا المحاربون لله ولرسوله المجاهرون بالعداوة والبغضاء بدليل النصوص الأخرى، أما أهل الذمة من الكفار فيختلفون عن ذلك، والله إنما نهانا عن صلة المحاربين ولم ينهنا عن البر والإقساط إلى من ليسوا كذلك من الكفار، وقد كان المسلمون جارين على اليسر والسهولة وحمل الأقوال على الصدق في معاملة غيرهم من الكفار، فأرشدهم الله تعالى إلى الحدود التي ينبغي أن يقفوا عندها حتى لا يضر ذلك بمصالح أمتهم وبَيَّنَ لهم الله تعالى موجب ذلك التحفظ من الصفات التي كان عليها أعداؤهم، ولهذا فإذا لم يوجد شيء من تلك الصفات التي جاءت كالتعليل للنهي فالأصل المعاملة بالحسنى، قال الله تعال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقد جوز الشرع الزواج من الكفار الكتابيات من غير فرق بين قريب وبعيد وشرع التعامل معهم، وعاد النبي ﷺ غلاما يهوديا وعرض عليه الإسلام فأسلم، فكيف بمن كان منهم من الأقارب؟، قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان: «وشرط عمر ﵁ ضيافة من مر بهم من المسلمين، وقال: أطعموهم مما تأكلون، وقد أحل الله ﷿ ذلك في كتابه، ولما قدم عمر ﵁ الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه فقال: «أين هو»؟، قالوا: «في الكنيسة»، فكره دخولها، وقال لعلي ﵁: «اذهب بالناس»، فذهب علي بالمسلمين، فدخلوا وأكلوا،
[ ٥ / ١٧٤ ]
وجعل علي ﵁ ينظر إلى الصورة وقال: «ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل»؟، انتهى، وقال ابن جرير الطبري يرد على من ذهب إلى أن آية سورة الممتحنة خاصة بأهل مكة غير المحاربين: «والصواب قول من قال إنه تعالى عنى جميع الأصناف والأديان، فإن الله ﷿ عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]، جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة ونسب غير محرم ولا منهي عنه إن لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح، وقد بَيَّنَ صحة ما قلناه الخبر في قصة أسماء وأمها»، انتهى.
[ ٥ / ١٧٥ ]
من حقوق المؤمن على أخيه
• قوله:
١١٤ - «ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية».
جاء معظم هذه الحقوق في قول رسول الله ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»، رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ﵁، وفي الصحيحين عنه مرفوعا: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
قال الراغب أصل التحية من الحياة، ثم جعل ذلك دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة، إما في الدنيا وإما في الآخرة،،،»، انتهى، وقال القاسمي في محاسن التأويل: «وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام وهي تحية الإسلام»، انتهى، والتسليم على المسلم مسنون مؤكد قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن البدء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وسيأتي الكلام على لفظ التسليم والرد وعيادة المريض وغيرها فإن المؤلف كثيرا ما يعود فيذكر الشيء ويكرره.
فأما اتباع جنازة المسلم وكذا الصلاة عليه فلأن الله تعالى إنما نهى عن الصلاة على غير المسلمين في قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فيكون المسلمون بخلافهم يصلى عليهم ويقام على قبورهم وتتبع جنائزهم.
[ ٥ / ١٧٦ ]
ولم يذكر المؤلف النصح لأنه ذكره مع الموالاة، كما لم يذكر إجابة الدعوة هنا، لكنه ذكر بعد ما يمنع لزومها، وقد قيل إن إجابتها واجبة، وقيل إن ذلك خاص بالنكاح، ومطلوبيتها على كل حال مقيدة بما إذا لم يكن ثمة منكر كالغناء والاختلاط ونحو ذلك، ولم يذهب لينهى عنه، وهو مقيد أيضا بما إذا لم يكن في الاستجابة ما يعرض المرء للابتذال كطول الانتظار وطول وقت الوليمة، ويدخل فيه في عصرنا الدعوة إلى ولائم النكاح فيما يسمى بقاعات الأفراح، وسيشير المؤلف في خاتمة باب الطعام والشراب إلى شيء من هذا.
وقوله «ويشمته إذا عطس» تشميت العاطس الدعاء له، يقال شمته بالشين المعجمة وبالمهملة أيضا مشددا، إذا دعا له أن لا يكون في حال يشمت به فيها، والتشميت والتسميت الدعاء بالخير والبركة، كذا في لسان العرب، وقال بعضهم معنى شمته بالشين دعا له بأن يبعد الله عنه الشماتة، وبالسين بأن يجعله الله على سمت حسن، وعطس من بابي ذهب ونصر، وقد قال لنا شيخنا هلالي الأزهري ﵀ وهو الذي كان يدرسنا الحديث بالمعهد الإسلامي ببلعباس: «العطاس اندفاع أبخرة فاسدة من الرأس»، فهو من وسائل خفة المرء ونشاطه، وهذه صفات محمودة مطلوبة، بخلاف التثاؤب فإنه ينبئ عن التثاقل والكسل والضعف وهي خصال مذمومة، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان»، رواه البخاري عن أبي هريرة.
ولا يشمت العاطس حتى يحمد الله تعالى بأن يقول الحمد لله، فإذا قال ذلك قال له يرحمك الله فيرد بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم»، جاء هذا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، فإذا قال فليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم»، رواه أحمد والبخاري وابن ماجة، وفي حديث آخر «فليقل الحمد لله رب العالمين»، وفي آخر «الحمد لله على كل حال»، وجاء أيضا: «يغفر الله لنا ولكم»؛ بدل «يهديكم الله ويصلح بالكم»،
[ ٥ / ١٧٧ ]
والتشميت فرض على الكفاية، وقيل على الأعيان وهو الظاهر، لقوله في الحديث المتقدم: «… كان حقا على كل مسلم …»، وفروض الكفاية وسننها إذا ضاق وقتها حملت على الأصل وهو فروض الأعيان، وسيأتي مزيد بيان.
وإذا لم يحمد العاطس الله فلا يشمته للشرط الذي في الحديث المتقدم، ولقول رسول الله ﷺ في حديث أبي موسى عند مسلم: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه»، لكن هل ينبه من ترك حمد الله برفق لأنه أمر بمعروف، فإذا حمد شمته، قد يقال هذا، لكن الظاهر خلافه، فليعلمه بعد ذلك، ثم وقفت على ما هو نص من فعل النبي ﷺ حيث لم يشمت من لم يحمد الله تعالى.
وينبغي أن يشمته ولو تكرر عطاسه ما لم يجاوز المرة الثالثة، فقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام»، وروى ذلك من فعل النبي ﷺ الترمذي وابن ماجة عن سلمة بن الأكوع، وجاء في حديث التخيير في التشميت بعد الثلاث وهو ضعيف.
وقوله: «ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية»، من حفظه في السر أن لا يسيء الظن به، ولا يحقد عليه، ولا يحسده، ومن حفظه في العلانية أن لا يغتابه ولا يستنقصه، وأن يدفع عن عرضه بنهي من اغتابه أو فعل غير ذلك مما يلحق به أذى، وقد قال النبي ﷺ: «من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار»، رواه أحمد والطبراني عن أسماء بنت يزيد، وقال ﵊ وعلى أله: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»، رواه أحمد والترمذي عن أبي الدرداء، ومنه أن يحفظ له ماله ويصلح ما فيه من خلل، ويكون ذلك عليه، قال الله تعالى: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان».
[ ٥ / ١٧٨ ]
الأصل أن لا يهجر المؤمن أخاه فوق ثلاث
• قوله:
١١٥ - «ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام».
لما ذكر ما للمسلم على أخيه من الحقوق ومنها التسليم عليه إذا لقيه ذكر هنا ما يجوز له من هجرانه مؤقتا، بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه، وبين أن السلام يخرجه من الهجران يعني إذا قصد به ذلك، وإلا كان نفاقا كما قال بعضهم، فإذا خرج من السلام بالهجران فلا ينبغي له ترك مكالمته بعد ذلك لأنه يشعر باستمراره على مقاطعته، فالخروج من الهجران يكون بحسب صلة الهاجر بالمهجور من قبل، وقد جوز الشرع هذا الهجران مراعاة لحال الناس وطبائعهم وإلا فإن من غالَب طبعه وقاومه فتركه أصلا كان خيرا له، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي أيوب، وهذا نص في التحريم بقيده، وقال ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار»، رواه أبو داود عن أبي هريرة، ومعناه أن من فعل ذلك ومات على تلك الحال استوجب النار، لكن لا يلزم منه دخولها بالفعل لما قد يحصل له مما يغفر به ذنبه من الابتلاء والشفاعة وغير ذلك من المكفرات التي تقدم ذكرها في قسم العقيدة، ومع ذلك فحسب الفاعل هذا وعيدا، وقال النبي ﷺ: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، رواه أبو داود عن أبي خراش السلمي، وجاء أنه إن سلم عليه ثلاث مرار ولم يرد عليه فقد باء بإثمه»، وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس، فيغفر في ذينك اليومين لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا من بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا».
[ ٥ / ١٧٩ ]
هجران ذي البدعة والمجاهر بالكبيرة
• قوله:
١١٦ - «والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها».
قال أبو داود بعد روايته حديث أبي هريرة المتقدم: «النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوما، وابن عمر هجر ابنه إلى أن مات، وقال: «إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا في شيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل»، انتهى، يريد ﵀ أن الهجران المؤقت بثلاثة أيام هو ما كان لحظ دنيوي، أما ما كان لحق الله تعالى فالأمر فيه مختلف، وقد بين المؤلف ما يشرع معه ذلك، لكونه يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شيآن: فعل البدعة والمجاهرة بالمعصية الكبيرة، ويبدو أن الإصرار على الصغيرة مع المجاهرة مسوغ للهجران، فهذا لا يتقيد بثلاثة أيام، لأن الهجران حينئذ وسيلة من وسائل إصلاح الفرد، والمحافظة على الفرائض والفضائل.
وقوله: «والهجران الجائز»، يعني المأذون فيه، فقد يكون واجبا، أو دونه، وقد ذكر هجران ذي البدعة، والبدعة هي أن يحدث في الدين ما ليس منه عينا أو وصفا، وقد تكون مكفرة فلا إشكال في هجران مرتكبها، وتكون محرمة فيجب هجرانه متى تحقق الشرط، وتكون مكروهة وقد اختلف في هجران مرتكبها.
والأمر الثاني المجاهرة بالمعصية الكبيرة كشرب الخمر والسرقة والزنا وشهادة الزور، ولما كان الهجران غير مراد لذاته، وإنما لإصلاح المهجور قيده بقيود هي أن لا يقدر على عقوبة المخالف، فإن كان حاكما أو نائبا عنه أو والدا عاقبه بما يستحق من حد أو تعزير، أو غير ذلك مما يناسب، وهكذا إذا أمكنه أن يبلغ عنه الحاكم، وأين الحاكم؟، فلا يكفي في هذه الحالة الهجران.
والكلام في المجاهر بما ذكر، فإن لم يكن كذلك وقدر على وعظه بأمره ونهيه
[ ٥ / ١٨٠ ]
الهجران وسيلة وليس غاية
وتخويفه من عقاب الله تعالى فلا يهجره، فإن لم يقدر على شيء من ذلك لشدة تجبره أو لخوفه منه اكتفى بهجرانه.
لقد علمت أن الهجران ليس مقصودا لذاته، وإنما يقدم عليه لمصلحة الهاجر أو المهجور أو غيرهما، أما مصلحة الهاجر فكأن يلحقه بمخالطة غيره في دينه أو دنياه ضرر، بأن يتأثر بالشبهات التي يلقيها عليه، أو يستميله بالشهوات التي يزينها له، وأما مصلحة المهجور فبأن يكون في الهجران زجر وتأديب له حتى يكف عما هو فيه، فإذا لم تتحقق هذه المصلحة بالهجران وتحققت بالاتصال كان هو المطلوب.
وأما مصبحة غير الهاجر والمهجور فلما في الهجران من التنبيه إلى عدم الوقوع في المحذور، ولأن مخالطة المطيع للعاصي يزول معها الفارق بين المحق والمبطل والبر والفاجر، ولاسيما إذا كان الذي يخالطه معروفا بالعلم وبالسنة، ولهذا كان مشروعا أن يترك الفاضل الصلاة على تاركها عند من لم يكفره، وعلى قاتل نفسه وعلى المحدود، ومنه ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية:
إذا ما تقضى الود إلا تكاشرا … فهجر جميل للفريقين صالح
قلت: الصواب أن الإبقاء على الصلة ولو بتكلف خير من الهجران وإن كان جميلا إذا لم تكن فيه مصلحة، فكثيرا ما يكون ذلك سببا في العودة إلى الأصل، وقد قال أبو الدرداء: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم»، ذكره البخاري بصيغة التمريض.
والهجران الذي ينفع هو الذي يكون من الزوج لزوجته، ومن الوالد لولده، ومن الشيخ لتلميذه، ومن ذي المكانة لغيره، أما هجران الصغير للكبير، والتلميذ للشيخ، والوضيع لذي المكانة فلا يراد به الإصلاح، ولا يتحقق به، فإن كان لمصلحة الهاجر فذاك، وإلا فلا يشرع.
[ ٥ / ١٨١ ]
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٦): «وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت مصلحة ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر والمهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين»، انتهى
وقال في الفتاوى (١٥/ ٢٨٦): «لهذا كان مستحقا الهجر إذا أعلن بدعة أو فجورا أو تهتكا أو مخالطة لمن هذا حاله بحيث لا يبالي بطعن الناس فيه، فإن هجره نوع تعزير له، فإذا أعلن السيآت أعلن هجره، وإذا أسر السيآت أسر هجره»، انتهى.
وقال عن هجران أهل الأهواء والفجور في أوائل الجزء الأول من كتابه منهاج السنة النبوية: «ومن هذا الباب ترك عيادتهم وتشييع جنائزهم كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه، وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع هو التأليف تارة، والهجران أخرى»، انتهى.
[ ٥ / ١٨٢ ]
ما يستثنى من النهي عن ذكر المؤمن بما يكره
• قوله:
١١٧ - «ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه».
الأصل في عرض المسلم الصيانة فلا يجوز الوقوع فيه لا بحضرته فيكون شتما ولا في غيابه فيكون غيبة، لا يجوز شيء من ذلك لا تصريحا ولا تلويحا، ولا يجوز استنقاصه ولا همزه ولا لمزه ولا السخرية منه ولا الاستهزاء به ولا نبزه بلقب، كل ذلك يدخل في تحريم عرضه، وقد شرع الله تعالى لبعض ما تقدم عقوبة القذف كما سبق في الحدود، واستثنى العلماء مما تقدم أمورا مردها إما للحفاظ على الدين بتغيير المنكر، أو صونه عن أن يدخله الباطل، وإما لاندراجه في النصيحة للمسلمين، وإما للتظلم ودفع الظلم والجور، وإما لكون الكلمة زال عنها وصف الذم، وهي أمور ستة:
- أولها: أن يذكر من ظلمه بوصفه للسلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه منه، وكذا القصد إلى مجرد كشف مظلمته واشتهارها بين الناس.
- وثانيها: أن يستعين بذكر ذلك على تغيير المنكر وعلى رد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر فلان يفعل كذا وكذا فازجره عنه، على أن يكون مقصوده تغيير المنكر.
- والثالثة: حالة الاستفتاء كأن يقول للمفتي فلان ظلمني بكذا وكذا، فهل هذا مشروع أو لا؟، وما ذا أفعل؟، والأحوط عدم تسمية الشخص الذي يتعلق به الاستفتاء، بل يقال ما حكم الشرع فيمن يفعل كذا وكذا؟
- والرابعة: المجاهر بفسقه أو ببدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به، لأنه نزع ستر الله عنه، ولو كان يكره أن يذكر به لما جاهر به، لكن يحرم ذكره بغيره
- والخامسة: التعريف بالشخص إذا توقف ذلك على كلمة تستعمل عادة في الذم
[ ٥ / ١٨٣ ]
كالأعمش والأعرج والأفطس والطويل وذي اليدين وذي الشمالين وقد استدل البخاري على جوازه بحديث ذي اليدين.
- والسادسة: ما يحتاج إليه لحفظ الشريعة ورعاية حقوق الناس ويدخل تحته جرح الرواة والمصنفين والشهود ونصح المستنصح، وقد أدخل بعضهم هذه الفروع تحت عنوان واحد هو التحذير من الشر.
وقد قيد الشوكاني ﵀ معظم هذه الاستثناءات بقيود وأبى أن تكون مطلقة في رسالة له سماها «رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة».
وقد جمع هذه الأمور بعضهم في قوله:
القدح ليس بغيبة في ستة … متظلم وَمُعَرِّفٍ ومُحَذِّر
ومجاهر فسقا ومستفت ومن … طلب الإعانة في إزالة منكر
وقال آخر:
ليست غيبة كرر وخذها … منظمة كأمثال الجواهر
تظلم واستغث واستفت حذر … وعرف واذكرن فسق المجاهر
وقد شاع في زماننا ما يسميه بعض المبتدئين المتعجلين، ومعظمهم من الرعاع الجاهلين، يسمونه جرحا، ثم يرتبون عليه الهجر، وما هو إلا الغيبة المحرمة التي) يترقون (منها إلى السباب والشتم، يتدثرون بدثار الجرح الذي سامه كل مفلس، يغطي به جهله، ومرض قلبه، ويخرج به ضغنه وحسده، ويرفع به خسيسته، ويستر به غرضه، وما أوكل إليه ممن يعرفه، وممن لا يعرفه.
ومن القرائن على ما أقول أنه لا اهتمام لهؤلاء إلا بمن يشتغل بالتعليم والدعوة والإصلاح بين الناس، هم موكلون منتدبون من الشيطان بتتبع أهل الخير والصلاح، مغرمون بصرف الناس عن طلب العلم والانتفاع بمن يعقدون حلقاته، يفرحهم أن يركن الناس إلى البطالة، والاشتغال بالقيل والقال، وكثرة السؤال، حتى يسهل احتواؤهم، ويتيسر اصطيادهم، فيستدرجون إلى هذه المتاهة، ويزينون لهم هذه السفاهة، ويتركون
[ ٥ / ١٨٤ ]
الحياة تزداد فسادا وتنكبا، فلا هم أهل لما تكلموا فيه، ولا تكلموا بالحق لو قدرنا أنهم أهل.
وقد كنت كتبت شيئا عن هذا في كتابي المخرج من تحريف المنهج غداة ظهور نابتة هذه التي أساءت إلى منهج السلف، وهو بريء مما أحدثوه فيه، نبهت على ذلك والأمر ما يزال في المهد، وصرحت فيه أن الذي نعيشه هو ملمح فرقة جديدة من الفرق، أما الآن فقد اتضحت معالمها، وارتفعت رايات فلولها، وجد أفرادها في محاربة السنة بدعوى الحفاظ عليها، وتفريق الأمة بزعم تنقية صفوفها، فوسموا كل من خالفهم من أهل السنة بما سموه بالتمييع، وصاروا يأمرون أتباعهم بهجران غيرهم ممن لم ينخرط في جماعتهم، ويعقد لها ولزعمائها الولاء من دوئ بقية المؤمنين، وينتدبون وكلاء عنهم يبلغونهم الأخبار، ويجمعون لهم والله الأسرار، ويأمرون بقطع المسافات الطوال، وصرف الأموال ليمنعوا الناس من حضور مجلس فلان، أو درس فلان، لأنه غير مزكى في زعمهم، أو لأنه من الجماعة الفلانية، أو لأنه مشارك في جمعية، أولا يأتي لزيارة فلان، أعطوا لأنفسهم منزلة فوق منزلة الحاكم، مع زعمهم أنهم يسلمون له، ولا يفتاتون عليه، يحرص بعضهم والله على وحدة الجماعة المتحزبة أكثر من حرصه على الحق، وأعظم من حرصه على جماعة المسلمين، يأخذون على غيرهم أن يؤسس جمعية لخدمة غرض مشروع، تمنعه الدولة إلا من هذا الطريق، بزعم أن ذلك حزبية، وهم والله حزب إلا أنه غير معتمد، ثم هم يمارسون هذا الغرض من غير إذن الحاكم، ومن غير جمعية، وقد يتسترون وراء جمعيات مشبوهة، فهم في أمر مريج، والله يرد كيدهم ويبطل مكرهم.
بلغ بهم الأمر أن لا يقولوا كلمة ينصحون بها، أو يبينون بها حقا في شأن الأمة، لا في كبير المنكر ولا في صغيره، يسكتون عما تتعرض له في دينها ولغتها وسائر مقومات شخصيتها، لا ينبسون ببنت شفة، حتى صارت هذه الأمور نهبا للمفسدين الماكرين، والعلمانيين المارقين، والمبتدعة الضالين، يسكتون عن هؤلاء أفرادا وهيآت، فلا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لهم ركزا، كل هذا يبرره زعم أن ذلك طريق إلى الخروج على الحاكم، عطلوا كل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جانبه، ولم يفرقوا بين
[ ٥ / ١٨٥ ]
من جاهر بالمنكر، ومن أسر به، ومن ارتكب منكرا في خاصة نفسه، ومن جعله شرعة للناس، ومن تيسرت مناصحته سرا ومن لم يمكن معه ذلك، لكنهم يثأرون ويثورون بشكل جماعي متى تعرض أحدهم لشيء يصدرون البيانات المستنكرة، وترتب على هذا أن تركوا الساحة للغوغاء والدهماء تسب وتشتم وترد على الفساد بفساد آخر يقوي منهج الخوارج ويدعمه، فهم يلتفون مع من خرج على الأمة بالسلاح في صفات عدة، وقد صار لهم اليوم رؤوس في هذا المنحى يقلدونهم ويعاملونهم كأنهم معصومون، وهو فعل المتصوفة بأشياخهم، والشيعة بأئمتهم، فالخلاف بينهم وبين غيرهم من المسلمين خلاف تضاد لا خلاف تنوع، بالغلو في الجرح، والمسارعة إلى التبديع، والطعن في الناس بما تابوا منه وأقلعوا عنه، وعدم قبول أي كلام من مخالفيهم، مما ينفي التهمة، أو يرد الظنة، لا حلم ولا وقار ولا تدرج ولا وموازنة بين المصالح والمفاسد، فتعذر والله أن يحكم للمختلفين بأنهم على الحق جميعا، فإما أنهم مبطلون جميعا فيما اختلفوا فيه، وإما أن طرفا منهم هو الظالم وأنا اجزم بأنهم هم الظالمون.
[ ٥ / ١٨٦ ]
العفو عمن ظلمك وإعطاء من حرمك ووصل من قطعك
• قوله:
١١٨ - «ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك»
الخصال الثلاثة رويت مرفوعة عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها قوله لعقبة بن عامر: «صِل مَنْ قطعك، وأعط مَنْ حرمك، واعفُ عمّن ظلمك» رواه أحمد، وهو في الصحيحة برقم (٨٩١).
وقد نظم هذه الأمور بعضهم فقال:
مكارم الأخلاق في ثلاثة … من كملت فيه فذلك الفتى
إعطاء من تحرمه ووصل من … تقطعه والعفو عمن اعتدى
وقال آخر:
خذ العفو وامر بعرف كما … أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولِنْ في الكلام لكل الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين
وقد دلّ على هذه الخلال ما في كتاب الله تعالى من الانتداب إلى العفو والصفح والصلة عموما وخصوصا، قال الله تعالى في بيان صفات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فذكر كظم الغيظ، لكن قد تبقى مع الكظم موجدة فأضاف إليه ما هو أعلى منه وهو العفو، ثم ذكر ما هو أعظم منهما بهذه الصيغة المميزة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقد روي أن بعض السلف أغاظه غلام له فَهَمَّ بِهِ، فقال له: «والكاظمين الغيظ»، فقال: «كظمتُ غيظي»، فقال له: «والعافين عن الناس»، فقال: «عفوتُ عنك»، فقال: «والله يحب المحسنين»، فقال: «أنت حر لوجه الله»، وروى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال، قال
[ ٥ / ١٨٧ ]
رسول الله ﷺ: «من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حَزَنٌ بربوة - ثلاثا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا».
وروى أحمد وابن ماجة عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ: «ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله»، وقال رسول الله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وهذه من أجمع الآيات في أصول الفضائل الأدبية، ومن أسس التشريع في هذه السمحة الحنيفية، جاءت عقب بيان التوحيد الذي هو أصل كل العقائد والمقدم عليها، فانتظم بها وبما قبلها الدين بمعالمه الثلاثة.
وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب: «هِيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل»، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين»، قال ابن عباس: «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله ﷿»، قال القرطبي: «هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة»، انتهى، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، ذكر ربنا مقام العدل والانتصار للنفس، ثم ثنى بمقام الإحسان وهو العفو عمن ظلم،
[ ٥ / ١٨٨ ]
وجعل أجر العافي على الله، وحسبك بذلك فضلا، وقال رسول الله ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ،،،»، الحديث، وقد تقدم، والمعنى أن الصلة التي يتشوف إليها الشرع ليست هذه المنزلة التي تظل في حيز التبادل والمكافأة، وفي المقابل فإن الشرع وإن أجاز رد الظلم فإنه ندب إلى العفو.
وقد كان مسطح بن أثاثة من الخائضين في حديث الإفك المفترى على أم المؤمنين فتغيظ عليه أبو بكر الصديق ﵁ وهو ابن خالته، فقطع عنه النفقة، فلما تاب مما بدر منه وأقيم الحد على من أقيم عليه، أنزل الله في ذلك قوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: «بلى والله، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا»، وعاد إلى ما كان عليه من نفعه.
وقد كتب ابن القاضي شرف الدين ابن المقري صاحب الروض إلى أبيه وقد قطع نفقته يحتج عليه برجوع أبي بكر الصديق للإنفاق على مسطح، فرد عليه أبوه بأن مسطحا قد تاب، ذكر هذه القصة القاسمي في تفسيره، وهذا ما تبادلاه من الأشعار:
لا تقطعن عادة بر ولا … تجعل عتاب المرء في رزقه
فإن أمر الإفك من مسطح … يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى … وعوتب الصديق في حقه
فأجابه أبوه شرف الدين بقوله:
قد يُمنع المضطر من ميتة … إذا عصى بالسير في طرقه
لأنه يقوى على توبة … توجب إيصالا إلى رزقه
لو لم يتب من ذنبه مسطح … ما عوتب الصديق في حقه
[ ٥ / ١٨٩ ]
الأحاديث التي فيها جماع الخير وأزمته عند المؤلف
• قوله:
١١٩ - «وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵇: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقوله ﵇: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله ﵇: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
جماع الخير بكسر الجيم معناه جملته وما يحيط به ويجمعه، والأزمة جمع زمام بكسر الزاي هو ما يقاد به البعير، والمقصود ما يضبط تصرفات المرء بحيث لا يخرج عن الجادة التي في التزامها الخير له ولغيره، وما في هذه الأحاديث خصال منها الظاهر والباطن، وتشمل القول والفعل والقصد، وفيها حرص المرء على صلاح نفسه، وحسن صلته بغيره، فهو في الكلام بين أن يقول خيرا أو يصمت، وقول الخير منه الواجب ومنه المندوب ومنه المباح، وهو فيما يفعله أو يقوله بين أمرين ما يهمه ويعنيه لتوقف مصلحته المشروعة عليه، وبين ما ليس كذلك فيفعل الأول ويترك الثاني، وهو في مزاجه بين غضب ورضا، فليجتهد أن لا يغضب لما في ذلك من الإضرار بجسمه وخروجه في كلامه وتصرفاته عن حال اعتداله، فقد يقول ما لا يريد، ويفعل ما لا يرضى، أما فيما يحصل عليه من المنافع فإنه يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، وبهذا يكون بعيدا عن الحسد والبغضاء والشحناء ويسلم له قلبه ويرضى بما قدر له، فيكون ذا نفس رضية حتى ترجع إلى الله وهي مرضية.
وهذه الخصال كما ترى يقترب فيها أو يلتقي الظاهر بالباطن، أما التلون بحسب الحال واختيار اللبوس المناسب لكل موقع فليس مما نحن فيه بسبيل، وهكذا التظاهر بالصلاح والورع والتخفي بالفساد والإفساد، وقد قال بعضهم عن امرأة تُدْعَى مَيَا ظاهرها
[ ٥ / ١٩٠ ]
غير باطنها فأحسن:
على وجه مي مَسحة من مَلاحة … وتحت الثياب الخزيُ لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخلف طعمه … وإن كان لون الماء أبيض صافيا؟
إذا ما أتاه وارد من ضرورة … تولى بأضعاف الذي جاء ضاميا
كذلك مي في الثياب إذا بدت … وأثوابها يخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشقي بدت له … مجردة يوما لما قال ذا ليا
أما ألأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ فأولها قول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»، رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة.
وثانيها: قول النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁.
قال الحميدي ﵀:
لقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الإكثار من قيل وقال
فقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ علم أو إصلاح حال
وثالثها: ما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ: «أوصني»، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا قال: «لا تغضب»، وروى مالك في الموطإ عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا ر سول الله علمني كليمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله ﷺ: «لا تغضب».
فإن غضب المؤمن كان مطالبا أن يجتهد في كفّ غضبه، وليتعوذ بالله، وإن كان قائما فليجلس، وإلا فليضطجع، وليسكت، وقد قال رسول الله ﷺ: «من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن خزن لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره»، رواه أبو يعلى في
[ ٥ / ١٩١ ]
مسنده والضياء في المختارة عن أنس، وهو في الصحيحة برقم (٢٣٦٠)، وعن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله، ما يمنعني من غضب الله تعالى؟، قال: «لا تغضب»، رواه ابن حبان وأحمد، وقال النبي ﷺ: «إذا غضب الرجل فقال: أعوذ بالله سكن غضبه»، وقال: «إذا غضبت أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»، وقال: «إذا غضب أحدكم فليسكت».
ورابعها: ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما … للغيظ تُبصر ما تقول وتَسمع
فكفى به شرفا تَصَبرُ ساعة … يَرضى بها عنك الإله وتُرفع
لن يبلغ المجدَ أقوام وإن شرفوا … حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويُشتموا فتَرى الألوانَ مشرقة … لا عفوَ ذل ولكن عفوُ إكرام
وإن سيادة الأقوام فاعلم … لها صعداء مطلبها طويل
أترجو أن تسود ولن تعنى … وكيف يسود ذو الدعة البخيل؟.
[ ٥ / ١٩٢ ]
يحرم تعمد سماع شيء من الباطل
• قوله:
١٢٠ - «ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله».
سماع الباطل جنس تحته أفراد سيشير المؤلف إلى بعضها، قال زروق ﵀ «والباطل كل ما لا يفيد أمرا دينيا ولا دنيويا ضروريا ولا حاجيا ولا تكميليا يرجع إلى المعروف، كالترهات والأباطيل والأضحوكات التي تحتها محرم وكذب يتوهم أنه حق وصدق»، انتهى.
والمؤمن إذا سمع الباطل عرضا وأمكنه النهي عنه فعل، وإلا ابتعد أو قام أو أعرض عنه بحسب ما يتيسر له، والمستمع شريك القائل إن أصغى إليه اختيارا، ومن سماع الباطل سماع اغتياب الناس واستنقاصهم والمكر بهم والكيد لهم وتدبير الغش والخيانة لهم ونحو ذلك، كل هذا لا يجوز لمؤمن أن يتعمد الاستماع إليه، وقد قال رسول الله ﷺ: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب، وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ»، رواه البخاري عن ابن عباس، وقوله من «تحلم بحلم» أي من ادعى أنه رأى حلما بضم الحاء وسكون اللام وهو الرؤيا، وقوله كلف أن يعقد بين شعيرتين المراد أنه يعذب ولا بد، والكذب في الرؤيا أعظم من الكذب في غيرها لأن الأول كذب على الله فإن الرؤيا جزء من الوحي، والآنك بالمد وضم النون هو الرصاص المذاب، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، واللغو من الكلام ما لا يعتد به وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور»، انتهى، قاله الراغب، وإذا كان اللغو الذي يمدح المعرض عنه هو ما لا يعتد به، فكيف بما يعتد به لكونه منهيا عنه فيتحمل قائله وسامعه المختار وزره؟، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، نهى الله
[ ٥ / ١٩٣ ]
تعالى عن القول بلا علم، وبين أن المرء سيسأل عما سمع وأبصر واعتقد، وروى أحمد والترمذي والحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله ﷿ حق الحياء»، قال قلنا: «إنا لنستحي من الله والحمد لله»، قال: «ليس ذلك، من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله ﷿ حق الحياء»، وقوله وما حوى أي ما اشتمل عليه من الحواس الظاهرة والباطنة من السمع والبصر والعقل، والبطن وما وعى أي ما جمعه من القلب والفرج، وما اتصل بهما من اليدين والرجلين، فلا تطعم إلا حلالا، ولا تستعمل شيئا من ذلك في غير المشروع، والبلى بكسر الباء مصدر بلي الثوب يبلى إذا خلق، والمعنى أن تذكر صيرورتك في القبر عظاما نخرة، ومن أحسن ما قيل في مقام الإعراض عن سماع الباطل مع سلامة الصدر على الناس والعفو عمن أساء والقناعة بالقليل:
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه … كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى … ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا
إذا شئت أن تدعى كريما مكرما … أديبا ظريفا عاقلا ماجدا حرا
إذا ما أتت من صاحب لك زلة … فكن أنت محتالا لزلته عذرا
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة … فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
[ ٥ / ١٩٤ ]
حرمة التلذذ بسماع كلام المرأة
• قوله:
١٢١ - «ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك».
وهذا من الباطل لأنه من جملة الاستمتاع، فيحرم كالنظر واللمس، وقد قال رسول الله ﷺ: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى، ويُصَدِّقُ ذلك الفَرْجُ ويُكَذِّبُهُ»، رواه مسلم عن أبي هريرة، والمنهي عنه كما ترى هو التلذذ بسماع الكلام لا مجرد السماع، ويفرق فيه بين الحاجة إليه وعدمها، وعند قيام الحاجة كالشهادة والاستفتاء ونحوهما ينبغي للسامع مقاومة نزوع نفسه إلى ما ذكر، ويتعين على المرأة في المخاطبة أن لا تخضع بالقول، ومعناه ترقيقه وتكسيره وترخيمه، قال الله تعالى لأزواج النبي ﷺ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والمؤمنون في مثل هذا موكولون إلى إيمانهم، والله يعلم ما في أنفسهم كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]
[ ٥ / ١٩٥ ]
تحريم سماع الملاهي والغناء
• قوله:
١٢٢ - «ولا سماع شيء من الملاهي والغناء».
يريد حرمة سماع آلات اللهو والغناء، فالملاهي كالعود والطنبور والمزمار وسائر أصوات آلات الموسيقى مسجلة كانت، أو مسموعة مباشرة من الفاعل، فالملاهي في كلام المؤلف هي المعازف، وسيأتي ذكرها بعد.
وقد استثني الدف - بضم الدال وفتحها - في النكاح، ويسمى الغربال للنص عليه، فقد روي في ذلك قول النبي ﷺ: «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف»، رواه الترمذي وابن ماجة عن عائشة، وسنده ضعيف، لكن إعلان النكاح ثابت مطلوب، فقد روى أحمد وابن حبان والحاكم الجملة الأولى عن عبد الله بن الزبير، وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن محمد ابن حاطب مرفوعا: «فصل ما بين الحرام والحلال ضرب الدف، والصوت في النكاح»، وروى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: «جاء النبي ﷺ يدخل حين بُنِيَ علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائي يوم بدر، ثم قالت إحداهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين»، يندبن؛ أي يذكرن محاسن الموتى ويثنين عليهم، دعي هذه، أي اتركي مدحي لما فيه من الإطراء المنهي عنه، لاسيما علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يُطلع عليه الله إلا من ارتضى من رسول.
فضرب الدف إنما يرخص فيه في النكاح، والغناء في العيد إن كان فهو للجواري وهن لسن مكلفات، فيجوز الضرب بالدف للنساء في النكاح لمصلحة إظهاره وإفشائه، ومشهور المذهب الضرب به في النكاح ولو من الرجال، قال خليل عاطفا على المكروهات بالنفي: «لا الغربال ولو لرجل، وفي الكَبَر والمزهر ثالثها يجوز في الكبر، ابن كنانة: وتجوز الزمارة والبوق»، انتهى، يعني لا يكره الضرب بالغربال وهو الدف المعروف بالطار، وهو المغشى
[ ٥ / ١٩٦ ]
ذكر بعض التفصيل في مسألة الغناء
بجلد من جهة واحدة، والكبر بمفتوحتين الطبل الكبير المربع المغشى من الجهتين، وقيل غير ذلك، وتجوز الزمارة والبوق عند ابن كنانة في النكاح يسيرا بغرض الإعلان، لا في غيره فحرام يسيرا كان أو كثيرا، قال الدسوقي: «والحاصل أن الطبل بجميع أنواعه يجوز في النكاح ما لم يكن فيه صراصر، أو ولو كان فيه على ما مر من الخلاف، وأما في غير النكاح فلا يجوز شيء منه اتفاقا في غير الدف، وعلى المشهور بالنسبة للدف».
قلت: والظاهر أنه إنما يجوز الضرب بالدف للنساء بخاصة، لضعف حديث عائشة المتقدم، وهو قول أصبغ، ولعموم النهي عن تشبه الرجال بالنساء كما قال الحافظ، وإليه ذهب أصبغ ﵀.
أما الغناء فلنحدد المراد منه قبل الكلام على حكمه، قال في لسان العرب: «الغناء من الصوت ما طرب به، قال حميد بن ثور:
عجبت لها أنى يكون غناؤها … فصيحا ولم تَفغَر بمنطقها فما؟
ويقال غنى بالشعر وتغنى به، قال:
تغن بالشعر إما كنت قائله … إن الغناء بهذا الشعر مضمار
وقال أبو الحسن شارح الرسالة: «الغناء بالمد هو مد ما يقصر، وقصر ما يمد لتحسين الصوت من كلام طيب مفهوم المعنى محركا للقلب طلبا للإطراب، سواء أكان بآلة أم بغيرها على المذهب»، انتهى، وقال النفراوي: «هو الصوت المتقطع الذي فيه ترنم لتحريك القلب، والمحرم سماعه ما كان بآلة، وممن يلتذ بصوته، وإلا كان مكروها»، انتهى.
قلت: تعليق التحريم على ما كان من الغناء بآلة لا يتجه، فإن المعازف جاء النص بتحريمها على انفراد، وفسر الصحابة بعض آي القرآن بأن المراد منها الغناء كما سيأتي، فلا وجه لتعليق التحريم على الجمع بينهما، ونظيره تعليق التحريم على جر الثوب للمخيلة، وقد دل الدليل على منع ذلك مطلقا، والمخيلة قدر زائد، وهكذا تعليق
[ ٥ / ١٩٧ ]
تحريم البناء على القبر بإرادة المباهاة، لا يستقيم شيء من هذا، فإنه تقييد لما أطلقه الشرع، وهكذا تعليق تحريم الغناء على من يُلتذ بصوته، فإنه مما لا دليل عليه، ولأن التلذذ بصوت غير من يباح التلذذ به حرام مستقل، وقد تقدم الكلام عليه، ولأن التفريق بين من يتلذذ بصوته ومن لا يتلذذ به لا ينضبط، فهو قيد نظري غير عملي لأن ما يثير الغريزة كما قال الألباني ﵀ يختلف باختلاف الأمزجة ذكورة وأنوثة، شيخوخة وفتوة، وحرارة وبرودة»، انتهى، فكيف يعلق الحكم على مثل هذا فيصير ممنوعا منه هذا حلالا للآخر، بل قد يكون ممنوعا على الشخص ذاته في وقت، وجائز له في وقت آخر، وهذا ليس شأن عموم الأحكام.
وإنما ذكرت معنى الغناء في لغة العرب لأن كثيرا من الناس يظنون أن الغناء الذي فيه بعض الخلاف بين أهل العلم يشمل ما يظنونه هم غناء، لا يفرقون بين ما كان منه محرما لذاته، وما كان جائزا باعتبار مضمونه، وإنما أتاه المنع من التطريب، وإخراج أدائه عن الوضع العربي، والأمر ليس كذلك، فإن الغناء الذي فيه الخلاف ليس إلا الكلام الذي لا ذكر فيه للباطل، ولا حض فيه على المعصية، ولا تمجيد فيه للمنكرات من الخمر والزنا والعري وغيرها، والغالب على الغناء اليوم هو هذا، والمختلف فيه إنما هو الكلام الصالح في نفسه لكنه يمطط ويطرب، أما إن كان الكلام في نفسه محرما فما فائدة الحديث عن كونه مطربا أو غير مطرب؟.
وقد جاء عن مالك النهي عن الغناء وعن استماعه، ومما يدل على ذلك قوله: «إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب»، فجعل كونها مغنية عيبا ترد به، مع أن لمالكها أن يمنعها من أن تغني لغيره، ولما كان الغناء فاشيا في المدينة فقد سئل عما يرخص فيه أهل المدينة منه، فقال: «إنما يفعله عندنا الفساق»، فهذا هو مذهبه ومذهب بقية الأئمة الأربعة.
وقال الفاكهاني: «لا أعلم في كتاب الله آية صريحة ولا في السنة حديثا صحيحا صريحا في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات توهم الحرمة لا أدلة قطعية»، انتهى، وقد نقل كلامه ابن ناجي في شرحه على الرسالة مؤيدا له، فإن كان مراده من قوله الملاهي؛ آلات اللهو فهو مردود كما سترى، وإن كان في الغناء من غير آلة فإن فيه تفصيلا ستقف عليه إن شاء الله، ومهما يكن ففي دعواه نظر، فقوله: «ظواهر وعمومات توهم
[ ٥ / ١٩٨ ]
الحرمة لا أدلة قطعية»، انتهى، ليس كما ينبغي لأوجه: منها أن أخبار الآحاد الصحيحة من الأدلة الظنية عند الجمهور، لكنهم أطبقوا على أخذ الأحكام منها، مع ذهاب بعض أهل العلم إلى إفادتها القطع، وجمهورهم على أن أخبار الصحيحين تفيد العلم لتلقي الأمة لهما بالقبول إلا ما انتقد عليهما، فإنه وإن نزل في الدرجة فهو أيضا مفيد للعلم، ثم يقال إن الغالب عند شارحي المصنفات والفاكهاني ﵀ منهم التقيد بالمذهب، وقد علمت ما ذهب إليه مالك ﵀ وبقية الأئمة.
فأما المعازف وهي آلات اللهو فقد جاء في تحريمها ما رواه البخاري في صحيحه من قول رسول الله ﷺ: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف،،، الحديث، والحر بكسر الحاء والراء المخففة هو الفَرْج، واعتبار المستحل من جملة الأمة قد يكون بحسب ما سبق الاستحلال، إن كان عالما يتحريمه، وهو من مباحث الأصول، وقد يكون المراد الاسترسال فيه والمداومة عليه، وهذا شأن المستحل في الظاهر، والمراد كثرة الزنا، والمعازف جمع معزفة ومعزف هي آلات الملاهي، وقد رواه البخاري في صورة التعليق عن شيخه هشام بن عمار فرده بذلك ابن حزم ﵁، ومن ثم أجاز المعازف، والصواب كما بَيَّنَ أهل الصناعة الحديثية أنه موصول عنه، لأنه شيخه، وقد لقيه وسمع منه، وإنما يتوقف في هذا ونحوه إذا جاء من مدلس، وأين البخاري ﵀ من التدليس؟، ولو سلمنا أنه معلق فإنه بصيغة الجزم، ثم إنه أودعه صحيحه محتجا به، على أنه قد وصله عن هشام بن عمار من أصحاب المستخرجات الإسماعيلي، كما رواه الطبراني في معجمه الكبير، وفي مسند الشاميين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح.
وقد تبع ابن حزم ﵀ على ما ذهب إليه كثير من الناس من المعاصرين وممن تقدمهم، وبعضهم يعلم أن من حكم بصحة الحديث أعظم حفظا وأكثر عددا من ابن حزم، وحسبك أن منهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية، والحافظ العسقلاني، وشيخه العراقي، وغيرهم.
ثم ليعلم أن المنع من الغناء ليس مقصورا على هذا الحديث، فقد روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «إن الله حرم عَلَيَّ أو حرم الخمر
[ ٥ / ١٩٩ ]
والميسر والكوبة وكل مسكر حرام»، والكوبة كما قال الخطابي في معالم السنن: «تفسر بالطبل، ويقال هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهي والغناء»، انتهى، وروى الترمذي عن عمران بن حصين قال، قال رسول الله ﷺ: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين يا رسول الله ومتى ذاك»؟، قال: «إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور»، قال الترمذي: «وهذا حديث غريب»، وحسنه الألباني وهو في الصحيحة، ومن الخسف الزلازل، ومن القذف البراكين، والمسخ تحويل الصورة، والقيْنات بفتح القاف جمع قينة، وتجمع على قِيان بكسر القاف، هن الإماء المغنيات، وقد عم استعمال المعازف والغناء والاستماع إليهما عموم المسلمين إلا من رحم الله، وغدونا نسمع التداوي بالموسيقى، وتهدئة الأعصاب بها، والاستماع إليها في عموم الفنادق والاستراحات، وهي زينة الولائم بمناسبات الأفراح والاجتماعات العامة، وهي شعار الفجار الذين يجوبون الشوارع يقتنصون الفرائس ويغرون النساء، وغزت أجهزة الهاتف المحمول وترى الشاب يستغرق وقتا طويلا في الاستماع عن طريق الأجهزة المحمولة، ونسمع بالأعراس التي تدعى إسلامية يحصرها الشبان المردان بألبسة خاصة ينشدون ويطربون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد ذهب الناس في الغناء مذاهب، منهم من رأى إباحته، ومنهم من رأى منعه، ومنهم من رأى التقرب به إلى الله تعالى، ومنهم من فصل فلم يمنع بإطلاق، ولا جوز بإطلاق، وهذا هو الحق للجمع بين الأدلة القولية والفعلية، فإن النبي ﷺ قال: «إن من الشعر حكمة»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أُبَيّ بن كعب، وقال النبي ﷺ لما سئل عن الشعر: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام»، رواه البخاري في الأدب المفرد والدارقطني عن عبد الله بن عمرو، وهو حديث ضعيف له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن كما في الصحيحة برقم (٤٤٧)، وقد تمثل النبي ﷺ ببعض الشعر أحيانا، ومما جاء في النكاح قوله ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن الأنصار أناس فيهم غزل، فما قلت»؟، قالت: «دعونا بالبركة»، قال: «أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
[ ٥ / ٢٠٠ ]
ولولا الذهب الأحمر … ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمرا ء … لم تسمن عذاريكم
وجاء أيضا في التقوي على الأعمال والتنشيط لها، فقد كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما حيينا أبدا
فيجيبهم النبي ﷺ بقوله:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة
وقال في غزوة حنين وهو على بغلته يقدم بها في نحور العدو:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
وكان بعض أصحابه ينشدون الشعر بحضرته ولم ينكر عليهم، ومنهم حسان ابن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم، ولما ذم الله تعالى الشعراء استثنى منهم المؤمنين فقال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]، أما قول الله تعالى عن نبينه محمد ﷺ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]، فإن المراد به أنه لم يكن شاعرا حتى يقال إنه جاء بهذا القرآن من عنده، ولأن الشعر يقصد نظمه، وما جاء اتفاقا من غير قصد لا يدعى شعرا، ونبينا ﷺ لم يتعلم الشعر ولا عرف أوزانه، وما قاله جاء اتفاقا أو هو قول غيره فأما قوله ﷺ: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا»، رواه أحمد والشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة، فإنه في غلبة الشعر على المرء بحيث يصير هجيراه وديدنه، فيصده عن قراءة القرآن وذكر الله، فكيف إذا كان الشعر ممنوعا لذاته؟، وقوله حتى يريه قال الجوهري: «ورى القيح جوفه يريه وريا أكله»، انتهى.
[ ٥ / ٢٠١ ]
وعرف في السنة الحُدَاء بضم الحاء وهو الإنشاد لدفع الإبل إلى الإسراع في السير، وقد كان له ﷺ حاد يقال له أنجشة فَتَعْنَقُ الإبل إذا حَدَا، فقال له: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير»، وهو في الصحيح عن أنس، وفيه أيضا أن الشاعر عامر بن الأكوع حدا بالقوم في سيرهم إلى غزوة تبوك بقوله:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا صمنا ولا صلينا
فألقين سكينة علينا … وثَبِّتِ الأقدام إن لاقينا
قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٣٨): «ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد»، انتهى.
ومما جاء فيه أيضا قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «دخل عَلَيَّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحَوَّلَ وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ»؟، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا»، رواه الشيخان، لم ينكر النبي ﷺ تسمية الغناء مزمار الشيطان، وإنما أقرهما لأنهما جاريتان ليستا مكلفتين، مع أنه أعرض عنهما، وكان اليوم يوم عيد، والكلام فيما جرى يوم بعاث، وهو موضع حصلت فيه آخر الحروب بين الأوس والخزرج، فهذه أمثلة تدل على الجواز وهي كما ترى محدودة صادرة في الغالب عن أفراد غالبا، مربوطة بأغراض معينة، فمن فعلها فلا حرج عليه.
وإنما تعتمد تلك القيود التي مرت بك؛ لما جاء مما يدل على المنع، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (٦٤)﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقد روى ابن جرير وغيره عن مجاهد قوله في تفسير الآية: «استنزل من استطعت منهم بالغناء والمزامير واللهو والباطل، ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: «كل راكب وماش في معاصي الله، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ كل مال أخذ بغير طاعة الله تعالى، وأنفق في غير حقه، والأولاد أولاد الزنا»، انتهى، قال القرطبي: «في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو لقوله:
[ ٥ / ٢٠٢ ]
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، على قول مجاهد، وما كان من صوت الشيطان وفعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه»، انتهى، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦]، وقد صح عن كل من ابن عباس وابن عمر وابن مسعود تفسير لهو الحديث في الآية بالغناء، وتفسير الصحابة للقرآن وإن اختلف في اعتباره مرفوعا فلا أقل من أن يقدم على تفسير غيرهم لكونهم كما قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان: «أعلم من غيرهم بمراد الله ﷿ من كتابه فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل»، انتهى، وقد جاء تفسير اللهو بالغناء في قول رسول الله ﷺ: «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، رواه أحمد والترمذي وهذا لفظه، قال ابن القيم بعد أن بين ضعف سنده: «إلا أن للحديث شواهد ومتابعات،،، ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء»، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٦١]، فسر بالإعراض وبالغفلة، وهما من مسببات الغناء، فإن السمود هو اللهو والغناء.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
لا تجوز قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء
• قوله:
١٢٣ - «ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك».
رحم الله ابن أبي زيد حيث جمع بين ذكر تحريم الغناء والملاهي، والمنع من قراءة القرآن باللحون المرجعة، ولا ريب أن من اشتغل بالغناء لم يشتغل بالقرآن، فإن الغناء يصد عن القرآن، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكيف يجتمع في قلب واحد داعي الرحمن، وداعي الشيطان، ولهذا جمع الله الكلام عليهما في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦ - ٧]، وقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]، أي فرحون بأنفسكم تتغنون بالأغاني لقلة الاكتراث بما تسمعون من القرآن.
فقراءة القرآن باللحون المرجعة وكذلك سماعه من المحرمات، واللحون والألحان جمع لحن؛ هو الصوت المطرب، قال في القاموس: «اللحن من الأصوات المصوغة الموضوعة، جمعه ألحان ولحون، ولَحَّن في قراءته طرب فيها»، انتهى، والترجيع الترديد في الصوت، وتكرير الحرف في النطق لتحسينه، قال في لسان العرب: «رجع الرجل وترجع؛ ردد صوته في قراءة أو أذان أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به»، انتهى، والترجيع الوارد في قراءة النبي ﷺ يوم الفتح قال عنه ابن الأثير ﵀: «وقد حكى عبد الله بن مغفل ترجيعه بمد الصوت في القراءة نحو آء آء آء، وهذا إنما حصل منه والله أعلم يوم الفتح لأنه
[ ٥ / ٢٠٤ ]
كان راكبا، فجعلت الناقة تحركه وتُنَزيه فحدث الترجيع في صوته»، انتهى.
وقول المؤلف: «كترجيع الغناء»، كأن فيه إشارة إلى الفرق بين الترجيع الذي جاء عن النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مغفل في صحيح البخاري، والذي أوله ابن الأثير بما رأيت، وترجيع الغناء المذموم، فالأول معناه قدر زائد على الترتيل، والثاني التمطيط والزيادة في الحرف وتكريره، قال ابن أبي جمرة: «معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة»، انتهى بالنقل عن فتح الباري.
وقوله: «وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار»، أي ينزهه أن يتلى في حالة غير مرضية كالاضطراب والاهتزاز حال تلاوته كما يفعل بعض الذين يحفظون، ومن ذلك تلاوته على من لا يستمع إليه كما يجري عندنا في الجنائز، وإن كانت قراءة القرآن فيها مخالفة أخرى، وأخذ الأجرة عليها مخالفة ثالثة، والاجتماع في الجنائز مخالفة رابعة، وقراءة القرآن جماعة مخالفة خامسة، ومن ذلك أن تذاع تلاوة القرآن بمكبرات الصوت من المساجد فتزول بذلك هيبته من النفوس إذ لا يتمكن الناس في أسواقهم وخلال معاملاتهم من الاستماع إليه فيفوت الغرض من قراءته، وقد قال الله تعالى عنها: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ويحصل به التشويش على المصلين، والحال أن المصلي يناجي ربه.
وقوله: «وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه»، هذا يستدعي ترك قراءة القرآن بالتطريب المختلف فيه لأن القارئ غير موقن بمشروعيته، وكذا قراءته على الأموات، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ من فعله، وخير الهدي هديه، وحديث قراءة يس على الموتى مختلف في صحته، ودلالته لا تتعدى وقت الاحتضار لو قيل بثبوته، ومن اللازم أن لا يقرأ القرآن إلا طاهرا من الحدث الأكبر، ويفضل تحصيل الطهارة الصغرى، واستقبال القبلة، وجمع الذهن وتفريغ البال للتفهم والتدبر والاتعاظ.
وقوله ﵀: «مع إحضار الفهم لذلك»، هذا هو المقصود من التلاوة وهو تدبر القارئ ما يقرأ وتمعنه فيه، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا
[ ٥ / ٢٠٥ ]
بعض التفصيل فيما يعرف بالمقامات وما أحدث في قراءة القرآن
فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وأثبت هنا بعض ما كتبته في مقدمة الطبعة الثالثة لرسالتي التي موضوعها القراءة جماعة لكون قراءة القرآن قد اعتني بها في هذه الأعوام عناية كبيرة فنحمد الله على ما هدى ووفق، لكن صحبها ما لا ينبغي السكوت عنه كما ستراه، فلعل فيما كتبته ما يجنب مريد الخير ما لا ينبغي له الوقوع فيه.
إن قراءة القرآن من خير ما يتقرب به العبد إلى ربه، أمر الله بذلك نبيه في قوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]، وأخبر عن أمر الله له في قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١]، وقال النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول (آلم) حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون»، رواه أبو جعفر النحاس في كتابه الوقف والابتداء، وهو في صحيح الجامع للألباني، وقال: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصاحبه،،،»، الحديث، رواه أحمد ومسلم عن أبي أمامة، وقال: «إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، رواه أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم عن أنس، خص حفظة القرآن العاملين به بنسبتهم لله تعالى كاختصاص الإنسان بأهله، فهم أولياؤه على الحقيقة، وقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، رواه البخاري والترمذي عن عثمان ﵁، وروى الترمذي عن جبير بن نفير مرفوعا: «إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني: القرآن، وهو مرسل.
لكن هذا إنما ينطبق على من التزم الشرع والسنة في تلاوة القرآن، فإن الله تعالى أمر بترتيله في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزَّمل: ٤]، وأخبر أنه أنزله مرتلا في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وكذلك كان يقرؤه رسول الله ﷺ، فعن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن
[ ٥ / ٢٠٦ ]
النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية، آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، رواه الترمذي والحاكم، وتقطيع القراءة عند أبي داود أيضا، وروى البخاري عن قتادة قال: «سألت أنسا عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: «كان يمد مدا، إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم»، انتهى.
والمرغوب شرعا أن يحسن القارئ صوته في القراءة من غير تكلف كما قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وقد اختلف في المراد بالتغني، فقيل إنه على ظاهره، يحسن به صوته، قالوا لأن التطريب به أوقع في النفوس، وأدعى للاستماع والإصغاء، وهو كالحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى أمكنة الداء، وكالأفاويه التي يطيب بها الطعام ليكون الطبع أدعى قبولا له، لكن شرطه أن لا يغير اللفظ، ولا يخل بالنظم، ولا يخفي حرفا، ولا يزيد حرفا، وإلا حرم إجماعا»، قاله في فيض القدير (٥/ ٣٨٧)، وبهذا تعلم تحريم طريقة قراءة القرآن التي تسمى في جهتنا بالشرقي متى كان ثقيلا كما يسميه أصحابه، فإن كان خفيفا فهو خلاف السنة لما فيه من ترك الوقف البتة مع المخالفات الأخرى.
وقيل إن معنى حديث ليس منا من يتغن بالقرآن ليس منا من لم يحسن صوته به، كما سيأتي في الحديث، وقد تأوله على هذا المعنى عبد الله بن أبي مليكة، قال عبد الجبار بن الورد سمعت ابن أبي مليكة، قال عبد الله بن أبي يزيد مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجل رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟، قال: «يحسنه ما استطاع»، قال القرطبي: «وإليه يرجع قول أبي موسى للنبي ﷺ: «إني لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن وزينته ورتلته»، وهذا يدل على أنه كان يهذ في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه، والتحبير التزيين والتحسين، فلو علم أن النبي ﷺ كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها، كما كان يقرأ على النبي ﷺ، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة، ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله ﷺ أنه يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى
[ ٥ / ٢٠٧ ]
ما يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه»، انتهى.
ومما فيل في معنى يتغنى به أنه يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، قال في النهاية: «أي لم يستغن به عن غيره، يقال تغنيت وتغانيت واستغنيت، كما قيل:
كلانا عني عن أخيه بنفسه … ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وقيل المراد أن من لم يجهر بالقرآن فليس منا، وقد جاء مفسرا في حديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به»، قيل إن قوله: يجهر به تفسير لقوله يتغنى به، وقال الشافعي: معناه تحسين القراءة وترقيقها، ويشهد له الحديث الآخر: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء.
قلت: قد ذكر صاحب الصحاح أن تغنى الرجل يكون بمعنى استغنى.
وقيل معناه يستغني به عما سواه من الأحاديث، وهو الذي مال إليه البخاري إذ ترجم على الحديث المتقدم بقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال النبي ﷺ: «زينوا القرآن بأصواتكم»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن البراء، ورواه أبو داود بلفظ: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»، وقد علمت ما قاله القرطبي ﵀ من استنكار ظاهره، وهو ما ذهب إليه الخطابي في معالم السنن وذكر من أهل العلم من كان ينهى عن التحديث به باللفظ المتقدم، ورواه بسنده بلفظ: «زينوا أصواتكم بالقرآن»، ومعناه أشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجوا بقراءته، واتخذوه شعارا وزينة»، انتهى، لكن قيل إن المراد زينوا القراءة، وأحسب أنه جاء مرفوعا بهذا اللفظ، ويدل عليه قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].
ومهما يكن فكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ينبغي أن يضم بعضه إلى بعض، وأن يؤخذ الحكم من مجموعه لا أن يضرب بعضه ببعض، فإنه لا اختلاف فيه، ومن ثم فلا يسوغ بحال أن يستدل بهذه الأحاديث على ما أحدث في هذا الزمان من التكلف في الأداء، والغلو في إخراج الحروف حتى بلغ الأمر أن المرء وهو يقرأ القرآن يتشوه خلقه، وتعوج شفته، وقد يضع يديه قريبا من أذنيه يتقوى بذلك على مد الصوت والتنغيم والترجيع، كما
[ ٥ / ٢٠٨ ]
لا يصح أن يبنى على القول بجواز التطريب الذي قال به بعض أهل العلم هذا الذي ذهب إليه فريق من الناس في هذا العصر، حيث أصبحنا نسمع بالمقامات التي ينبغي أن يتعلمها قارئ القرآن، ثم سميت هذه المقامات بأسماء يعرفها محدثوها، وأصبح القارئون يمتحنون فيها، وتجرى المسابقات على أساسها، بل غدونا نسمع من يترنم لتكون القراءة على وقع ترنمه، ويذكرون وهم يجرون في حلبة التكلف هذه دليلا على مشروعية ما يذهبون إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ [سبأ: ١٠]، وقد رأيت القوم لا يقرؤون الآية من أولها، بل يقتصرون على موضع الدليل منها كما يطنون، وقد أنصت إلى أحدهم يرددها أزيد من عشر مرات يقرؤها كل مرة بطبقة من صوته، والمستمعون إليه يتعجبون من ذلك، بل ويضحك بعضهم، ولا يخفى عنك أن تأويب الجبال مع داود ﵇ هو فضل خصه الله به، وقد اختلف العلماء في تحديده كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، قال القرطبي ﵀: «وكان داود ﵇ ذا صوت حسن ووجه حسن، وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله ﵎: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ (١)﴾ [فاطر: ١]، انتهى.
قلت: يدخل ذلك في الآية، لكنه ليس خاصا به لأنه وارد في سياق ما خلق الله عليه الملائكة، قال الزمخشري: «والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف»، انتهى.
ومما ذكروه قول النبي ﷺ عن أبي موسى: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود»، وكلمة مزمار مذمومة في أصلها شرعا، فلا يصح الترويج لها بهذا الحجم اعتمادا على وصف نبينا محمد ﷺ لصوت صاحبه، ولهذا لا يستقيم أن يطلق على من يحسنون أصواتهم مزامير القرآن، فإن هذا لا داعي له غير الترويج وجلب الأنظار واستهواء الناس بهذه الأمور الغريبة، فكيف إذا صحب ذلك أن يقرأ القرآن في جلسات يلتقي فيها الرجال
[ ٥ / ٢٠٩ ]
بالنساء ويتم التصفيق بعد انتهاء المتكلم من كلمته، والقارئ من قراءته، مع أن النبي ﷺ قد أمر أن يُبَادَرَ بالأعمال خصالا ستًّا، فذكر منها: ونشوا يتخذون القرآن مزاميرًا، يقدِّمون الرَّجُلَ ليسَ بأفقههم، ولا أعلَمهم، ما يقدِّمونه إلا ليُغَنِّيَهُم» رواه أحمد عن عابس الغفاري، وقد قيل لمالك بن أنس ليس في موطئك غريب، فقال: «سررتني»، وقال: «من الغريب نفر»، إن جلب الناس للحق ينبغي أن يكون بالحق، ومن الشعارات التي ترفعها بعض القنوات الفضائية التي تبذل جهدا مشكورا في الحض على حفظ القرآن الكريم بإجراء المسابقات، واكتشاف الكفاءات: «اطرب تؤجر»، وهذا موهم أن مجرد الطرب يؤجر عليه المرء، وخير لهم ولمن يستمع إليهم أن يقولوا «تدبر تؤجر»، أو «رتل تؤجر»، ومما يقولونه «اجمع تسد»، أي اجمع القراءات تسد الناس، ولا يصح أن نربط في أذهان الناس بين طلب العلم وابتغاء السيادة به، بل ينبغي أن نجتهد في دعوتهم إلى أن يطلبوا العلم ابتغاء مرضاة الله، فإن هم طلبوه لغيره فما الحيلة؟، على أنه كثيرا ما يرد طالبه إلى الله، وقد قال رسول الله ﷺ: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار»، رواه الترمذي عن كعب بن مالك، وجاء نحوه عن عبد الله بن عمر عند البيهقي، وقال النبي ﷺ: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عوضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»، روا هـ أحمد وأبو داود وغيرهما، فكيف ندفعهم إلى هذا الأمر المذموم وطباع الناس تتقاضاه وقل أن يخلو منه امرؤ، وقال الشوكاني ﵀:
وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس … كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس
لما رأيت منظري قناة الفجر قد اجترؤوا على كتاب الله هذه الجرأة التي انبهر الناس بها لما فيها من الشبهات والشهوات توقعت أن لا يقفوا عند حد لأن من اجترأ على أن يحدث في تلاوة كتاب الله هذا الحدث فلا يبعد أن يحدث غيره وقد كان الذي توقعته، إذ سايرت هذه القناة موجة الدعوة إلى الخروج على الحكام فانتهى أمرها وفرغ الناس منها، ولله عاقبة الأمور.
ومن ضاق ذرعا بهذا الذي التبس فيه واختلط الحق بشائبة من الباطل فلا ضير عليه
[ ٥ / ٢١٠ ]
إن شاء الله، وقد ضاق به من أئمة المسلمين أمثال مالك وغيره، وقال القرطبي ﵀ بعد أن حكى خلاف أهل العلم في مشروعية التطريب: «وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإذا زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله، بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم ومروقا عن سنة نبيهم، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فَهُمْ في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا له وإنا إليه راجعون، لكن قد أخبر الصادق أن ذلك يكون، فكان كما أخبر ﷺ»، انتهى.
ومن الأخبار التي جاءت في هذا المعنى قول النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه»، رواه أحمد وأبو داود، والقدح بكسر القاف هو السهم، وهو كناية عن العناية الشديدة بألفاظه وأدائه، وهذا أمر محمود إذا كان من غير تكلف، وأريد به وجه الله، أما الجمع بين المبالغة في العناية بألفاظه وبين ابتغاء مصلحة الدنيا فهذا أوغل في الذم، قال المناوي: «فمن أراد به الدنيا فهو متعجل، وإن ترسل في قراءته، ومن أراد به الآخرة فهو متأجل وإن أسرع في قراءته بعد إعطاء الحروف حقها»، انتهى، وقال النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن شبل، قال في النهاية: «أي تعاهدوه، ولا تبتعدوا عن تلاوته»، انتهى، والغلو التشدد ومجاوزة الحد، والنهي عن الغلو فيه يشمل التقعر في أداء ألفاظه كما نراه اليوم، وكذا تحميل لفظه ما لا يحتمله من المعاني ولو كانت صحيحة في نفسها، وجاء في هذا المعنى قول رسول الله ﷺ: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمرو، والباقرة هي البقرة، ومعناه كما قال في النهاية: «هو الذي يتشدق بالكلام ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ
[ ٥ / ٢١١ ]
بلسانها لفا»، انتهى، ومن الغلو فيه ختمه في غير المدة التي شرعها رسول الله ﷺ كما جاء في حديث ابن عمرو من قول النبي ﷺ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، رواه أبو داود والترمذي والبيهقي، وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة (النص: ٨٨) عن أبيه عن ابن عباس قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: «يا أمير المؤمنين قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا»، قال ابن عباس، فقلت: «والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا هذه المسارعة»، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي كئيبا حزينا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي، فقال: «ما الذي كرهتَ مما قال الرجل آنفا»؟، فقلت: «يا أمير المؤمنين متى تسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا»، قال: «لله أبوك، إن كنتُ لأكاتمها الناس حتى جئت بها»، انتهى، ومعنى الاحتقاق ادعاء كل منهم أن الحق معه، وقد لا يكون هذا الذي خشيه ابن عباس ومثله عمر ﵃ من المسارعة في حفظ القرآن الكريم متوقعا اليوم، لكن العبرة منه بينة لمن وفقه الله، وهي أن كثيرا من الأمور الظاهرة الصلاح لا تكون كذلك في حقيقة الحال، فكيف إذا صحبتها المخالفات المغمورة بالمظاهر التي تغطي عليها؟، وقد كان الواحد من الصحابة كابن عمر يعكف على حفظ سورة البقرة سنين، وعن عمران بن حصين قال، قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القرآن وسلوا الله به، قبل أن يأتي قوم يقرؤون القرآن فيسألون به الناس»، رواه أحمد والطبراني.
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية،،،»، الحديث، وفي الصحيح أيضا عن علي ﵁ قال، سمعت النبي ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم،،، الحديث، فانظر كيف جمع النبي ﷺ في وصفه لهؤلاء بين سفه العقل، وهو طيشه وخفته، وبين إحكام صورة
[ ٥ / ٢١٢ ]
الطاعة وإتقانها، والإتقان مطلوب على كل حال، لكنه ليس دليلا كما نرى على استقامة الحال، وإذا كان الخروج من الدين والمروق منه متوقعا بل واقعا كما أخبر الصادق مع ذلك الحرص؛ فكيف بما دونه من سوء الخلق وظلم العباد، ونشر الفساد تحت ستار خادع تعمد الفاعل ذلك أو جهله، فالتزام الطاعات عموما والعبادات خصوصا في الصورة لا يغني وحده إذا لم يترتب عليه أثره، وإن كنا ندعو إليه، ونحرص عليه، وهذا إذا كانت الصورة صحيحة لقوله ﷺ: «يحقر أحدكم،،، الخ، والمخاطبون خير من عرف صورة العبادة وجمع إليها مقصد الشارع منها، وهو لبها وروحها، فكيف إذا كانت الصورة فيها ما رأيت؟، ولهذا فلا تعجب إذا سمعت قول النبي ﷺ: «أكثر منافقي أمتي قراؤها»، رواه أحمد وغيره عن ابن عمرو، وقد روى أحمد والبزار وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها»، قال: «هي في النار»، قال: «يا رسول الله فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها»، قال: «هي في الجنة»، وهو في صحيح الترغيب للألباني ﵀، والأثوار هي قطع الأقط جمع ثور، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف هو اللبن المجفف، ولا ريب أن هذا في الصلاة والصيام والصدقة المتطوع بها، لا في المفروض منها، والمكثر من النوافل غالبا يحافظ على الفرائض، ومع ذلك ما أغنت عنه الكثرة في النجاة من العذاب.
وروى مالك عن يحي بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: «إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن وتُضَيَّعُ حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تُحفظ فيه حروف القرآن وتُضَيَّعُ حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم»، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٦٣): «قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة»، انتهى، وفيه كما ترى أن كثرة قارئي القرآن دليل على تغير الزمان، لكن لا ينبغي أن ندعو إلى خلاف ذلك، لأن هناك فرقا بين كون الشيء علامة على التغير
[ ٥ / ٢١٣ ]
وبين حكمه، ولكن الذي ينبغي الدعوة إليه هو الاهتمام بتدبر القرآن وإقامة معانيه وأحكامه، وفيه دليل على أن العناية ينبغي أن تنصرف أكثر إلى التفقه فيه، أما ما أخذه ابن عبد البر ﵀ من هذا الأثر وهو أن تضييع حروف القرآن ليس به بأس، فلا أحسبه مرادا لابن مسعود إن كان الأثر قد نقل بلفظه، بل المقصود أن عنايتهم كانت مصروفة إلى التفقه والعمل بالقرآن أكثر من صرفها إلى مجرد الحفظ كما عليه الأمر في هذا الزمان، قال ابن عبد البر: «قال مالك: قد يقرا القرآن من لا خير فيه، والعيان على صحة هذا الحديث كالبرهان»، انتهى.
وقال ابن حبيب: «كره مالك النبر والتحقيق في القراءة وغيرها، وقال: «ليس ذلك من شأن الفقهاء والفصحاء»، وفي المدونة (١/ ١٩٤): سئل مالك عن الألحان، فقال: لا يعجبني، وأعظم القول فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم»، انتهى، وفي المدونة أيضا (١/ ١٩٤): «سئل مالك عن القراءة في رمضان يقرأ كل رجل من موضع سوى موضع صاحبه فأنكر ذلك وقال: «لا يعجبني، لم يكن ذلك من عمل الناس، وإنما اتبع فيه هؤلاء ما خف عليهم ليوافق ذلك ألحان ما يريدون، وأصواتهم»، انتهى، وقد تطور هذا الأمر فأصبحت لا تكاد ترى من يقرأ سورة بتمامها في الصلاة، بل الغالب أن يقرأ سياقا لا يراعي فيه من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي، وأئمة الهدى يبصرهم الله تعالى ويهديهم إلى إنكار المخالفات ولما تزل في بداياتها بحيث لا يتفطن لها إلا أولو الأبصار، وما أقلهم في هذه الأعصار، وكثيرة هي الكبائر التي ابتدأت خفيفة يسيرة مقاربة للحق، ثم انتهت إلى ما انتهت إليه، لكن أهل العلم والإيمان يتفطنون لها في بداية ظهورها بما أعطاهم الله من الفراسة، فانظر كيف بدأ التشيع، وإلى أين انتهى، وانظر إلى التواجد والرقص عند المتصوفة فقد ابتدأ بالتغبير، وقد قال الشافعي عن فاعليه إنهم زنادقة يصرفون الناس عن الاستماع للقرآن، وما رأينا من أهل الأهواء من يدعو إلى الباطل المحض، واذكر قول النبيد لعثمان بن مظعون وقد فعل ما ظن أنه سنة: «أرغبت عن سنتي»؟، فقال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب».
ما زلت أعتقد أن مذهب مالك في القراءة الجماعية هو الحق، لكونها ليست من
[ ٥ / ٢١٤ ]
عمل السلف، وما زلت أقول بأن أئمة الهدى قد تبدو مواقفهم للمتعجلين فيها شيء من التشدد لكن بمرور الزمن نقف على ما وهبهم الله من النصح لدينه وما أكرمهم به من الفراسة التي تجاوزوا بها اللحظة التي كانوا فيها إلى ما يمكن أن تؤول إليه تلك الأمور التي تبتدئ سهلة مقاربة ثم تنتهي بعيدة عن الحق كبيرة، والحمد لله رب العالمين.
[ ٥ / ٢١٥ ]
من الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
• قوله:
١٢٤ - «ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه».
هذا من أفرض الفرائض في هذا الدين، ومن خصائص هذه الأمة المرحومة، وبدونه لا يستقيم لها حال، وهو يعم كل أفراد الأمة على الصحيح، كل بحسبه، وهو غير تغيير المنكر الذي سيأتي الكلام عليه، فإن هذا لم تشترط فيه الاستطاعة، لأن جميع المسلمين يستطيعونه كل بحسب ما يعلم من الدين، وجهل المعلوم من الدين بالضرورة ليس عذرا، فما علمه المسلم من دينه وجب أن يدعو إليه غيره، إن كان فعلا أمره به، وإن كان تركا نهاه عنه، ولم يستثن الله تعالى من جنس الإنسان الذي هو في خسر إلا المؤمنين العاملين للصالحات المتواصين بالحق المتواصين بالصبر، وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ومن فيه لبيان الجنس كقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ (٣٠)﴾، وتأمل كيف ابتدأ بالدعوة إلى الخير وهو أعم مما بعده، أما التفرغ للدعوة بما هو أوسع من هذا فهو فرض كفاية يقوم به المؤهلون، وعلى غيرهم إعانتهم
وقد ذكر المؤلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خصوص من بسطت يده، وهو الحاكم ومن دونه من ولاته ونوابه، فهؤلاء يأمرون بالقول ويهددون، وإلا ألزموا المخالف وعاقبوه العقاب المشروع، ولا ينتقل من منزلة إلى التي تليها إلا بعد عدم جدواها، وقوله: «وعلى كل من تصل يده إلى ذلك»، يريد كالأب مع أولاده، والزوج مع زوجته، والسيد مع مملوكه، وقوله: «فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه»، هذا يشمل
[ ٥ / ٢١٦ ]
الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين تغيير المنكر
عموم الناس لكن بحسب الاستطاعة، فإن المسلم إذا لم يقدر على تغيير المنكر بالفعل كما هو الحال اليوم غالبا، فليكتف بالقول، فإن عجز عن القول فبقلبه، كأن يحدث نفسه بأنه لو كان قادرا على ذلك لفعل، ويكره الفعل والفاعل، وقد أشار المؤلف بقوله هذا إلى قول رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري ﷺ، ومن لم ينكر بقلبه ورضي بما يعلم أنه منكر؛ فهو كافر لقوله ﷺ: «وذلك أضعف الإيمان»، قال في الاختيارات الفقهية: «والمرتد من أشرك بالله تعالى، أو كان مبغضا للرسول ﷺ، أو ترك إنكار المنكر بقلبه …»، انتهى.
ويشترط في الإنكار العلم بأنه منكر، وأن لا يؤدي تغييره إلى منكر أعظم منه، وهذان الشرطان لا بد منهما، وإلا كان التغيير محرما، والثالث أن يظن أن إنكاره مزيل له أو مخفف منه، أو مؤد إلى تحصيله، فإذا لم يتوفر هذا الشرط سقط الإيجاب، ويبقى ما دونه كما قال ابن شاس ﵀ في الجواهر، ولا يشترط ائتمار الآمر بما يأمر ولا انتهاؤه عما عنه ينهى، فإن العدالة إنما تشترط في نقل الأخبار والشهادات، ولأن المؤمن وإن عصى بترك المأمور أو بفعل المحظور فهو على إقراره بأن ما يصنعه معصية، إذ المستحل مرتد، وعن سعيد بن جبير قال: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، قال مالك وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء»؟، انتهى، وهو في تفسير القرطبي.
وقد بين الله ما استحق به بنو إسرائيل اللعن بقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]، لكن ائتمار الآمر وانتهاءه شرط كمال، ويشتد الأمر بالنسبة لمن انتصبوا للدعوة إلى الله تعالى، قال الله تعالى حكاية عن نبيه شعيب ﷺ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا
[ ٥ / ٢١٧ ]
تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر الذي هو جماع الخير، بل لعدم فعلهم ما يأمرون به، ولأن المرء قد لا يفعل شيئا لعدم توجه الخطاب إليه ومع ذلك يأمر به، وقد يفعل الشيء لعذر قام به، أو رخصة شرعت له، ومع ذلك ينهى عنه، وروى الشيخان عن أسامة بن زيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، فيقول: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه»، تندلق تخرج بسرعة، والأقتاب جمع قتب بكسر القاف هي الأمعاء، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى … كيما يصح به وأنت سقيم
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا … جهلا وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع إذ تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خُلُق وتأني مثله … عار عليك إذا فعلتَ عظيم
[ ٥ / ٢١٨ ]
لزوم الإخلاص لله تعالى في القول والعمل وكون الرياء هو الشرك الصغر
• قوله:
١٢٥ - «وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر».
الإخلاص من خلص الشيء يخلص خلوصا وخلاصا إذا كان قد نشب ثم نجا وسلم، وخلصه وأخلصه وأخلص لله دينه أمحضه، انتهى كذا في اللسان، فالإخلاص يدل على صفاء الشيء وعدم اختلاط غيره به، وهذا موجود في الإخلاص بمعنى التوحيد، لأنه يقتضي أن لا يشرك بالله غيره في إلهيته أو في ربوبيته، وهو في الإخلاص في العمل بحيث يريد الفاعل به وجه الله وحده، والإخلاص بمعنييه مناط اعتبار الأعمال وقبولها، وانتفاع أصحابها بها إذا أفضوا إلى ما قدموا، فإن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامنا ولا إلى صورنا لكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، قد يظهر من أعمال المرء الكثير الذي يملأ السجلات، ثم يكون خالي الوفاض إذا قَدِمَ على ربه يوم تبلى السرائر وتفضح الضمائر، قليل العمل مع الإخلاص يكفي، وكثيره مع انتفائه لا يغني، العمل المقبول هو ما حاز شرطين أن يكون صوابا وأن يكون خالصا، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، والصواب ما وافق السنة، والخالص ما ابتغي به وجه الله تعالى، وموافقة السنة تكون بالتعلم، لكن الإخلاص لا يكفي فيه التعلم، لا بد فيه من المجاهدة الدائمة للنفس، والمقاومة الطويلة للميول والرغبات في حب الظهور، وتطلب المحامد، وسماع الثناء، وذيوع الصيت، ومما أثر من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قوله: «اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا»، انتهى، والعلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته ويقينُ المرء بأنه يعلم سره ونجواه وأن المظاهر لا تنفعه لأنه واقف بين يديه معروضة أعماله عليه، كل هذا مما يقود إلى الإخلاص، فلا ينخدعن أحد بأن عمله قد استوفى كافة أركانه وشروطه متى لم يحقق فيه الإخلاص لربه،
[ ٥ / ٢١٩ ]
فإن القبول يراد به أحيانا صحة العمل في الظاهر، ولا يلزم منه أن صاحبه يؤجر عليه، ويراد به عدم الأجر عليه وإن كان مجزئا عند أهل الفقه، فنفي القبول في مثل قول النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، وقوله: «لا يقبل الله صلاة من غير طهور ولا صدقة من غلول»، وكذا ما جاء في شارب الخمر من أنه لا تقبل له صلاة أربعين صباحا،،، الحديث»، رواه أحمد والنسائي عن عبد الله بن عمرو، المراد منه ما ينبغي أن يتوفر في العمل في الظاهر مما يعرفه الناس، وما كل من صلى وقد ستر ما يلزم ستره، وصلى متطهرا، واستكمل ما ينبغي في صورة الصلاة بمأجور عليها، ولا كل من تصدق من ماله الحلال بمقبول عمله بحيث يؤجر عليه، واعتبر بقول النبي ﷺ الذي فيه أنه يؤتى بالمجاهد وقارئ القرآن وغيرهما فيدخلون النار لأنهم فعلوا ما فعلوا ليقال ذلك وقد قيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزُّمَر: ١١]، وقال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى …»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عمر ﵁.
قال أبو الحسن في شرحه: «فدخل في وجه الله الكريم مرتبتان: الكاملة، بأن لا يقصد جنة ولا نارا، والناقصة بالنسبة لها، بأن يقصد دخول الجنة، والبعد عن دخول النار»، انتهى، وبيس هذا بصحيح، فإن الأمرين غير متنافيين، وحول الجنة يدندن كل الناس حتى الأنبياء والمرسلون، والمؤمن عليه أن يوطن نفسه على طاعة الله، وأن يعتقد أن في ذلك مصلحته، علمها أو جهلها، وأن يتشوف إلى دخول الجنة بفضل الله، وأن يخاف دخول النار، فما قاله غير لازم وقد لا يمكن، وإن قالت رابعة العدوية رحمها الله فيما نسب لها:
كلهم يعبدون من خوف نار … ويرون النجاة حظا جزيلا
أو لأن يسكنوا الجنان فيحظوا … بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار حظ … أنا لا أبتغي سواك بديلا
ويقابل الإخلاص الرياء بالعمل والتسميع به، وهو أن يعمل ليراه الناس، أو
[ ٥ / ٢٢٠ ]
ليسمعوا به، وقد قال رسول الله ﷺ: «من سَمَّعَ؛ سَمَّعَ الله به، ومن راءى؛ راءى الله به»، رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس، ورواه أحمد والبخاري عن جندب بزيادة: «ومن شاق شق الله عليه يوم القيامة»، قال في النهاية ما معناه: سَمَّعَ فلان بعمله إذا أظهره ليسمع، وسمع الله به أراه ثوابه من غير أن يعطيه، أو أسمعه الناس، فكان ذلك ثوابه، انتهى، وهذا إن كان قد عمله، وإلا أظهر الله كذبه، وقس على ذلك الجملة الثانية.
وقوله: «والرياء الشرك الأصغر»، قالوا إذا كان العمل كله للناس فهو الرياء الخالص، وإن اجتمع فيه قصد التقرب لله مع مراعاة الناس فهو دونه، وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: «وما الشرك الأصغر»؟، قال: «الرياء، يقول الله ﷿ إذا جزى الناس بأعمالهم: إذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء»؟، رواه أحمد عن محمود بن لبيد ﵁، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وروى ابن ماجة عن أبي سعيد ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال»؟، قال: قلنا: «بلى»، فقال: «الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل».
[ ٥ / ٢٢١ ]
التوبة من كل ذنب فريضة
• قوله:
١٢٦ - «والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه».
التوبة في اللغة الرجوع، وفي الشرع الرجوع عن أمر مذموم إلى أمر محمود شرعا، والمرجوع عنه ثلاثة أقسام: كفر، والتوبة منه إلى الإيمان، ومعصية، والتوبة منها إلى الطاعة، وبدعة، والتوبة منها إلى السنة، والتوبة واجبة من كل ذنب كبيرا كان أو صغيرا، وهذا لا يتنافى مع كون صغائر الذنوب تغفر باجتناب كبائرها، بشرط أن لا يصر على الصغائر، فإنها تصير بذلك كبائر، وتكون التوبة من الذنب المعلوم تفصيلا، ومن المجهول إجمالا، ولا تصح إلا بالندم على ما بدر من المرء من المخالفة، بشرط الإقلاع، والعزم على عدم العود إليه، وفي الحديث: «الندم توبة»، وفي الحديث: «التوبة من الذنب: الندم والاستغفار»، أما قوله من غير إصرار، فلأن الإصرار وهو الاستمرار على المعصية ينافى التوبة منها، وهكذا إضمار العود إليها لا تتحقق معه ماهيتها، وقد جاء في المرفوع من حديث عبد الله بن عمرو: «وويل للمصرِّين الذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون» وهو في مسند أحمد، والأدب المفرد. والمقام على الذنب هو بضم الميم الإقامة عليه والاستمرار، قال سهل بن عبد الله: «الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا، وغدا لا يملكه»؟، انتهى، وقال صاحب المرشد المعين:
وتوبة من كل ذنب يجترم … تجب فورا مطلقا وهي الندم
بشرط الإقلاع ونفي الإصرار … في ظاهر وباطن ذا استغفار
وقد تكرم الله تعالى بقبول التوبة ولو تكرر الذنب، فإنه سبحانه هو التواب الرحيم، وهو يحب التوابين، ووصف سبحانه من لم يتب بالظالم، وعلق الفلاح سبحانه على
[ ٥ / ٢٢٢ ]
التوبة، وهي تقبل من العبد ما لم يغرغر، روى ذلك الترمذي عن عبد الله بن عمر، وهو في سنن ابن ماجة عن ابن عمرو، وقد نبه ابن كثير في تفسيره على أنه وهم.
وقوله: «ما لم يغرغر»، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، وهو أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع، قال نحوه في النهاية، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ومن تلك الآيات طلوع الشمس من مغربها كما هو عند الشيخين وأبي داود وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن كثير: «إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أي لا يقبل منها كسب عمل صالح، إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك»، انتهى، وقال الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن: «وتقبل توبة المؤمن ولو بعد الغرغرة، ولو بعد طلوع الشمس من مغربها، بخلاف الكافر فيهما إلا أن يكون معذورا لصباه، أو جنونه فيقبل منه إسلامه على ما ارتضاه علي الأجهوري»، انتهى، وقد أثبته النفراوي في شرحه أيضا وهو مردود بالأحاديث الواردة في قبولها بما قبل الغرغرة، وظاهر الآية المتقدمة، ونص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨]، وإنما لم تقبل حينئذ لأن الكافر يستيقن فيكون كالمكره على الإيمان، إذ لا اختيار له، وكذلك العاصي، فلا يعتد بأعمال هؤلاء، لأن زمان التكليف انقضى، وشرط صحة العمل الاختيار، أما القول بصحة من أكره على الإيمان إذا أذعن فيما بعد لقول النبي ﷺ: «عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة، فلأنه ممن يستقبلون الحياة فيكون لهم الاختيار بعد، وربما استثنيت بعض الذنوب من هذا الأصل، أعني قبول التوبة، كقاتل المؤمن متعمدا، وقد
[ ٥ / ٢٢٣ ]
تقدم في جزء العقيدة، وشارب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب؛ تاب الله عليه، وقال في الرابعة: «فإن عاد كان على الله حقا أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة: عصارة أهل النار»، جاء ذلك في حديث ابن عمرو عند أحمد وغيره، وقال الشيخ البنا في الفتح الرباني: «هذه مبالغة في الزجر والوعيد الشديد، وإلا فقد ورد: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»، رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق، انتهى.
قلت: الحديث استغربه الترمذي، وفيه أبو نصيرة مولى أبي بكر، وهو ضعيف، ولو صلح للاحتجاج لكان عاما فيبنى العام على الخاص، ولا يجوز أبدا أن يستحضر المرء وهو منهمك في المعاصي هذا الحديث لو صح لأن المراد منه أن من حصل ذلك منه فباب التوبة مفتوح أمامه، وما أعظم الفرق بين الأمرين، وقد روى الترمذي عن معاوية مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه»، والحكمة في ذلك والله أعلم أن حد الجلد لم يعد نافعا له في تكفير الذنب، لكن جمهور أهل العلم على أن هذا الحديث منسوخ لأن النبي ﷺ أُتِيَ بمن شرب الخمر في الرابعة فلم يقتله.
واعلم أيها المؤمن أن جعل الغرغرة حَدًّا لقبول التوبة لا يعني أنها مثل توبة من يتوب وهو صحيح شحيح، ولذلك أخبر الله تعالى أنه يتوب على من يتوب من قريب، أي قرب حصول التوبة من وقوع الذنب، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]، أما إن عاود الذنب واستمر عليه وأصر فإن نفسه تتسخ وتتدسى فيصعب أن تتطهر، ولهذا سكت عنه، أما من تأخرت توبته إلى حضور موته فقد دل كتاب الله تعالى على عدم قبولها، وجاء في حديث النبي ﷺ ما علمته، فينبغي وضع كل شيء في موضعه، بحيث يوسع ما وسعه الله ورسوله، ويضيق ما ضيقاه، ولا يذكر مثل حديث الغرغرة إلا ليبين به سعة فضل الله، ويستعمل في ميدان الدعوة إلى المبادرة بالتوبة، لأن المرء لا يدري متى يأتيه الموت، ولكل مقام مقال.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
• قوله:
١٢٧ - «ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود».
المظالم جمع مظلمة، يريد أن على التائب أن يرد إلى الناس ما أخذه منهم ظلما إن كان مالا، فإن مات المظلوم رده إلى وارثه، فإن لم يجد وارثه أو جهل المظلوم تصدق به عليه، وكذلك إذا كان المال المأخوذ من المال العام فإنه يتصدق به، إذ لا يتأتى رده، بخلاف مال نحو الجمعية والجماعة الخاصة، وإن كانت أعراضا كأن اغتاب أحدا أو قذفه أو شتمه أو كذب عليه أو فوت عليه حقه بشهادة زور استحله، فإن خشي من ذلك فتنة وضررا عظيما، أو لم يجده أو مات استغفر له، ولجأ إلى الله أن يرضيه حتى يسامحه، أما اجتناب المحارم أي المحرمات فقد تقدم أن من شرط التوبة الإقلاع عن الذنب المتوب منه، أما غيره من الذنوب فليس الإقلاع عنه شرطا، وإن كان واجبا
ولما كان رجوع المرء عن الذنب وتوبته منه قد تورثه زهوا واغترارا بما هو عليه من الطاعة واعتدادا بها، وكان قضاء ما فوته من الفرائض لا بد منه، وربما عسر عليه قياد نفسه إلى ما يريد من خير؛ ذكر هذه الجمل التي ينبغي للمرء أن يتمثلها وأن يحرص على اصطحاب معانيها فما أعظمها من كلمات.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
الاستغفار والجمع بين الخوف والرجاء
• قوله:
١٢٨ - «وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير».
ذكر هنا أمورا يتعين على التائب أن يلاحظها ويعمل على وفقها، بل ينبغي أن يراعيها كل مؤمن لأنه لا ينفك عن تقصير، وهي الاستغفار والرجاء والخوف وتذكر النعمة والشكر عليها بفعل الفرائض وترك المحرمات والتقرب إلى الله بنوافل الخير على اختلافها، الاستغفار هو طلب مغفرة الذنوب، أي سترها هذا أصله، والمراد عدم المؤاخذة عليها أو محوها والتجاوز عنها، وهو مما أمر الله به نبيه ﷺ فكيف بغيره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقد امتثل رسول الله ذلك فكان يقول: «اللهم اغفر لي خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»، رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال النبي ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، رواه البخاري عن أبي هريرة، ومن أدعيته في آخر صلاته: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت»، فهذا تعليم لنا وتوجيه، وعلى القول بأنه يجوز على الرسل صغائر الذنوب فلا إشكال في هذه النصوص، والصواب أنها لا تجوز عليهم، فإن أفعالهم الأصل فيها الاقتداء، فيلزم الاقتداء بهم في غير الحق، واللازم باطل فالملزوم مثله، وقد اختلف في معنى استغفاره وما نسب إليه من الذنب، والظاهر أنه من الفتور عن ذكر الله بالاشتغال بغيره من المباحات، ومن التقصير عما هو فوق ما كان عليه بالنظر إلى كثرة نعم
[ ٥ / ٢٢٦ ]
الله على العبد، والذنب أعم من أن يكون معصية، وقد قيل حسنات الأبرار سيآت المقربين، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ (٣)﴾ [هود: ٣]، وقال النبي ﷺ: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟، من يسألني فأعطيه؟، من يستغفرني فأغفر له»؟، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وألفاظهم متفاوتة، وقال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار»، رواه البيهقي، وقال النبي ﷺ: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري»، رواه أبو داود والترمذي عن علي.
والرجاء هو الطمع في رحمة الله من المطيع، أما المتمادي في المعصية فرجاؤه مذموم، لأنه يزداد به اطمئنانا إلى ما هو فيه، والخوف هو الألم الذي يحسه المرء لتوقع مكروه مستقبلا، ولا بد من الخوف والرجاء معا حتى يستقيم حال الإنسان، فبالخوف يكف عن المعاصي، وينقبض عن الشبهات، ويتقال العمل، ويخشى عدم القبول، وبالرجاء ينشط للعمل فتزداد رغبته فيه فيكثر من الطاعات وينتظر رحمة الله، فالخوف من الله في الدنيا نيل الأمن في الآخرة، وعكسه كذلك، فلا يجمع الله تعالى على عبده أمنين، ولا خوفين، قال الشاطبي ﵀: «الخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل»، انتهى، والمطلوب تقديم الخوف في حال الصحة، والرجاء في حال المرض والضعف، ولا يجمع الله تعالى على عبده خوفين، فمن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة، وقد جمع الله بينهما في كتابه قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقد جاء في كلام لأبي بكر الصديق قوله: «أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله ﷿ أثنى على زكريا
[ ٥ / ٢٢٧ ]
وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حكيم كما هو في تفسير ابن كثير، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحِجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال تعالى: «﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قال الحسن البصري: «المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا»، انتهى، وقال تعالى مخبرا عما يقوله أهل الجنة وهم يحدث بعضهم بعضا، ويذكرون أحوالهم في الدنيا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧ - ٢٦]، وأخبر عن غير المؤمنين أنهم يعصون ولا يبالون: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ [القيامة: ٣٣ - ٣١]، يتمطى يتمدد ويفتخر بذلك.
أما تذكر نعمة الله فلأنه سبحانه هو الموفق للتوبة، إذ لولاه سبحانه ما كان ذلك، ولأن ذكر النعمة يقود إلى الشكر، ويستقل العبد به عمله كيفما كان، والإنسان كثيرا ما ينسى النعمة إذا والاها الله عليه، ولم يعان حرمانها، حتى إذا فقدها تفطن إلى ما كان فيه، فتحسر وتأسف، ومما يعين على تذكرها أن ينظر المرء إلى سابق أمره إن كان متدنيا عما هو فيه، وأن ينظر إلى من دونه في الصحة والمال وغيرهما كما قال النبي ﷺ: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه»، رواه أحمد والشيخان عن أبي هريرة، فهذا من وسائل تذكر النعمة التي هو فيها كيفما كان قدرها مع أنه وسيلة إلى القناعة بما هو فيه أيضا، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث زيادة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، أي أن هذا الذي وجهتم إليه يقودكم إلى أن لا تتنقصوا نعمة الله عليكم كيفما كانت، وإذا ذكر النعمة قاده ذلك إلى مزيد الشكر قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]، هذا هو الغالب على الإنسان، لكن الله تعالى يغفر لعباده ما هم
[ ٥ / ٢٢٨ ]
عليه من التقصير في شكره على نعمه إن هم أنابوا وأصلحوا لأنهم عاجزون عن إحصائها، فمن أين لهم الوفاء بشكرها، والحمد لله الذي وعد بالغفران كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]، والله تعالى يقبل من عبده شكره ويغفر له، ومن ذا الذي يفي بشكر نعم الله؟، ولعله لذلك جاء وصفه الغفور في قوله تعالى: «كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور».
[ ٥ / ٢٢٩ ]
تدارك الفرائض المتروكة بالقضاء
• قوله:
١٢٩ - «وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه».
الأصل في ذلك قول النبي ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس، وهو في الموطإ نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، ولحديث ابن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى»، وهو عموم ليس فيه فرق بين منسي ومتروك، ويدخل فيما يقضيه زكاة المال وزكاة الفطر، والكفارات المختلفة، والصلوات التي نسيها، أو تركها عمدا عند الجمهور بناء على أن التارك غير كافر، وكذلك صيام رمضان، وهكذا من أخر الحج بناء على أنه واجب على الفور كما هو الحق، فليفعل ذلك كله ويتوب إلى الله من تأخيره أو تركه، فإن كان عاجزا عن الحج مثلا، أناب من يحج عنه، يقضي ذلك كله متى علم المتروك، فإن لم يستيقن عدده أو مقداره تحرى، وقد روي عن مالك أن تارك الصلوات عمدا لا يقضيها، وأنكره عياض، قال ابن ناجي: «وإنكار عياض لا ينفيه، لأن من حفظ مقدم على من لم يحفظ لقلة الناقلين، ولاطلاع بعضهم على ما لم يطلع عليه الآخر، قال سند: يتخرج على قول ابن حبيب لأنه مرتد تاب»، انتهى.
ومن الفرائض التي ينبغي أن يتداركها حقوق الناس كالذي أخذه على وجه الربا ورد الدين ولينب من المماطلة، وكذا ما سرقه أو غش فيه أو غصبه أو أخذه بالقمار وما إلى ذلك.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
يلجأ المؤمن بعد عمل ما يلزم إلى الله تعالى في قياد نفسه إلى الخير
• قوله:
١٣٠ - وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله».
روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: «أسلم عبدي واستسلم»، وقد شرع للعبد إذا قال المؤذن حي على الصلاة أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه هو الذي يقدره على أن يستجيب للنداء فيذهب إلى المسجد، فالمرء وإن كان مطلوبا منه الالتزام بما كلف به، ومؤاخذ على التفريط فيه؛ فإنه مفتقر إلى الله في كل حركة من حركاته، وكل تحول بمعنييه، وتقلبه في أمره كله، فافتقاره إلى الله قائم ودائم في كل شؤون حياته، إذ لا حول له ولا قوة إلا بالله، والحول الحركة وهي حسية ومعنوية، فلا تحول من معصية إلى طاعة، ولا من طاعة إلى معصية، ولا في تحصيل خير، أو دفع ضر، إلا بمشيئة الله وإقداره، فإنه هو الميسر، فلا سهل إلا ما جعله الله سهلا، وهو إذا شاء جعل الحزن سهلا، والعبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، رواه أحمد والترمذي عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، وقد فرض الله علينا الدعاء بالهداية في كل صلاة، بل في كل ركعة من ركعات الصلاة، لم يختر لنا دعاء غير هذا، ولم يستثن منه صالحا ولا وليا ولا نبيا، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢] فعلى العبد أن لا يفارق ذهنه هذا الأمر كيفما كان حاله من حسن أو من قبح، ولا ينبغي أن يمنعه الذنب من استحضار هذه المعاني شرط أن لا تقوده إلى التسويف والاحتجاج بها على الاستمرار على المعصية، ولا أن ييأس من روح
[ ٥ / ٢٣١ ]
الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، فيا ويح من وكله الله إلى نفسه، وقد علم النبي ﷺ فاطمة -رضي الله تعالى عنها- قولا تقوله إذا أمست وأصبحت، قال لها: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟، أن تقولي إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، رواه النسائي والحاكم عن أنس ﵁، بل جاء عنه ﷺ أنه كان إذا كربه أمر قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث»، رواه الترمذي عن أنس.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
• قوله:
١٣١ - «والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة».
الفكرة بمعنى التفكر هي عبادة بذاتها ومراده التفكر في مخلوقاته، ومنها نفس الإنسان بالنظر فيها نظر اعتبار وتأمل، وفيما هي عليه من بديع الصنع وجمال المظهر والإتقان والانتظام، كل ذلك يقود إلى العلم بأن لها خالقا ومدبرا حكيما كامل القدرة، نافذ المشيئة، هو المستحق وحده لأن يعبد، ويخص بالخضوع والإجلال، وطلب النفع، ودفع الضر، فيقبل المرء على عبادته، ويرغب في الازدياد منها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقد جاء مرفوعا: «ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها»، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]، وكذلك التفكر في انقضاء الحياة، والانتقال إلى عالم الأموات، والقبر وما فيه من الفتن، والبعث والنشور، والحساب والعرض، والصراط، والحوض، ونعيم الجنة، وعذاب النار، مع الجهل بموعد انقضاء الأجل، كل ذلك يقود إلى التخفف من الدنيا، والزهد فيها، وإيثار الآخرة عليها، وترك الأسى على ما يفوت من أعراضها، واليقين بعدل الله متى فات المرء أن ينصفه الناس فيها، وأن ينال ما نالوه منها، فيكون هذا مقويا له وحافزا على الصبر والاحتمال والمضي في طريق الخير، ليقينه أن شيئا من حقه لا يفوته الفوات المطلق، بل ما عند الله خير للأبرار.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
الاستعانة بذكر الموت وما بعده على إصلاح النفس
• قوله:
١٣٢ - «فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك».
أما ذكر الموت فقد أمر به النبي ﷺ إذ قال: «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت»، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، وعزاه في صحيح الجامع إلى ابن عمر سهوا، أو متابعة لما في الأصل كما في المتن الذي مع فيض القدير، وإن صححه الشارح، وفي رواية للبيهقي وابن حبان زيادة: «فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه»، وروى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعا: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، فإنه لا يكون في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا أجزله»، والهاذم القاطع، وقال النبي ﷺ: «اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته فحري أن يحسن صلاته، وصل صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاة غيرها، وإياك وكل أمر يعتذر منه»، رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس كما في الصحيحة للألباني ﵀، وقال النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا»، رواه الحاكم عن أنس، وروى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنه تذكر الموت»، والذي بعد الموت في كلام المؤلف هو عالم البرزخ ابتداء من سؤال منكر ونكير فضغطة القبر وفتنته وعذابه لمن كان مستحقا له، والتمتع أو العذاب برؤية المرء مقامه في الجنة أو في النار ثم الحشر والعرض والحساب وأخذ الصحف والصراط، ثم دخول الجنة للمؤمنين أو النار إما دواما للكفار وإما مؤقتا بحسب الجرم للموحدين إذا لم تُكَفَّرْ سيآتهم
[ ٥ / ٢٣٤ ]
بِمُكَفِّرْ.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وكونها في إنذار الكفار أن يموتوا على الكفر لا يمنع أن ينذر بها العصاة أن يموتوا على المعصية، وليحذر المرء أن يوالي الله تعالى عليه نعمه مع استمراره هو على المخالفة، فإنما هو استدراج، وقد جاء معناه مرفوعا.
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧]، قال قتادة: «اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر، قد نزلت هذه الآية وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة»، انتهى، وقد قيل النذير في الآية هو الشيب، والصواب أنه الرسول، لكن الشيب نذير أيضا، وقد قال رسول الله ﷺ: «أعذر الله إلى امرئ عمره حتى بلغه ستين سنة»، وقال الآخر:
فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت … من جهلها بنذير الشيب والهرم
وقال غيره وهو منسوب للبخاري، وقد قيل لم يقل شعرا غيرهما:
اغتنم في الفراغ فضل ركوع … فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح قد مات قبل سقيم … ذهبت نفسه النفيسة فلته
[ ٥ / ٢٣٥ ]