قال ابن الأثير: الفَطر الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجلسة والركبة، وقال عن الفطرة في الحديث: «أي من السنة، يعني سنن الأنبياء ﵈ التي أمرنا أن نقتدي بهم فيها»، انتهى، وقد يقال لم خصت هذه باسم الفطرة مع أن كل الأحكام الشرعية تشاركها في مطلوبية الاقتداء؟، فيقال إنها مختصة بأن الطباع السليمة تميل إليها وتقتضيها، فيكمل بها الإنسان ويتطهر ويتنظف، وبعد كتابة هذا عثرت على كلام البيضاوي الذي قال فيه: «هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها»، انتهى بالنقل عن الفتح، وقال الحافظ: «ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى إلى انبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس»، انتهى كلامه ﵀، وقال ابن العربي في كتابه القبس عن حكم خصال الفطرة العشرة بعد بيان اختلاف العلماء فيه: «والذي عندي أن جميعها واجب، وأن من تركها لم يكن من جملة الآدميين، فكيف بجماعة المسلمين»؟، انتهى، وهي بهذا المعنى يدخل فيها الختان وستر العورة وغيرهما مما ذكره لكن المؤلف عم ثم خص في الترجمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، والكلمات هنا هي الأوامر والنواهي، وقد روي عن ابن عباس أن الله تعالى ابتلاه بالطهارة
[ ٥ / ٢٣٦ ]
خمس في الرأس وخمس في الجسد، وهي نحو مما في حديث أم المؤمنين عائشة الآتي، وعن ابن عباس أيضا أنه قال ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم»، انتهى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]، ولا يستخفن أحد بهذه الخصال، فإن إبراهيم ﷺ قد قام بهذا كما أطاع ربه في ذبح ابنه، وألقي في النار فصبر على الأذى، فاستحق الإمامة، وكان أهلا لأن يوصف بالوفاء حيث لم تشغله عظائم التكاليف عما دونها من المبار.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان
• قوله:
٠١ - «ومن الفطرة خمس: قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم وقص الأظفار ونتف الجناحين وحلق العانة ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد، والختان للرجال سنة والخفاض للنساء مكرمة».
روى أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خمس من الفطرة: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان»، ورواه مالك في الموطإ موقوفا، وفي رواية: «الفطرة خمس»، وهو مشعر بالحصر، والرواية المتقدمة أولى، أو أن الحصر غير مراد لكون أفراد الفطرة لا تنحصر فيما ذكر، ولينظر كلام ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر في ذلك، والاستحداد هو حلق شعر العانة كما جاء مفسرا في حديث عائشة الآتي، سمي كذلك لاستعمال الحديدة في إزالته، وقال بعضهم إن العانة هو الشعر النابت حول حلقة الدبر، ولهذا قال النووي: «فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما»، انتهى.
قلت: وقيل بيس ذلك سنة لعدم الدليل؛ قاله الشوكاني في النيل، ومهما يكن فعدم الدليل بعد التسيلم لا ينقل الفعل إلى حيز المنع إن احتيج إليه للنظافة، إذ لا أقل من أن يكون من جملة شعر الجسد الذي تباح إزالته، وروى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»، قال: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة»، والبراجم جمع بُرجمة بضم الباء موضع الثني في الأصابع، يجتمع فيها الوسخ، ولا يصل الماء إليها بسهولة كبقية أجزاء الأصابع، وانتقاص الماء هو الاستنجاء به لأنه يلزم من استعماله
[ ٥ / ٢٣٨ ]
نقصه، وقد تقدم الكلام على السواك غير مرة، وآخرها أوائل الباب الذي قبل هذا، فأما قص الشارب فقد بين المؤلف أن المراد به إزالة «طرف الشعر المستدير على الشفة»، يعني العليا، والإطار هو ما يحدق بالشيء أي يحيط به، فإذا فعل ذلك ظهر شيء من طرف الشفة، وقد فسر بعضهم الإحفاء بمعنى الاستئصال بهذا، وقد جاء الأمر بقص الشارب كما سيأتي عند الكلام على إعفاء اللحية فيكون واجبا، لاسيما وقد قال النبي ﷺ: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن زيد ابن أرقم ﵁، وفيه تقوية لمذهب من رأى أن الشارب لا يستأصل كما هو مذهب مالك وسيأتي، وهكذا ما جاء من ربط ذلك بمخالفة أهل الكتاب والمجوس والمشركين، والظاهر أنه لا يشرع استئصال الشارب اعتمادا على ما جاء من الأمر بالإحفاء، فهذا وإن كان محتملا إذا نظر إلى اللفظ بمفرده؛ فإن الصواب هو الجمع بين الألفاظ الواردة في الأحاديث ورد بعضها إلى بعض، كما يجمع بين الأدلة المتعارضة، لاسيما إذا كان مخرج الحديث واحدا، وقد جاءت فيه ألفاظ مختلفة منها أنهكوا وأحفوا عن ابن عمر، وقصوا وجزوا عن أبي هريرة، وستراه في الفقرة الآتية، فتحمل على التقليل من الشوارب على الصفة المتقدمة، والجز والإنهاك قابلان للمعنى الذي تجتمع عليه هذه الألفاظ، فإن الجز هو قص الشعر والصوف، والإنهاك هو الإجهاد، ثلاثيه نهك، يقال نهكته الحمى جهدته وأضنته ونقصت لحمه، هذا معنى ما في لسان العرب، والإحفاء وإن كان معناه الاستئصال، فإن من معناه أيضا الانتقاص على وجه المبالغة، قال ابن الأثير: «ومنه الحديث أمر أن تحفى الشوارب أي يبالغ في قصها»، انتهى، ولأن حلق الشوارب يؤدي إلى اتساع المساحة التي يغطيها الشعر، فإن الزغب إذا حلق اشتد واسود، ومالك وهو راوي الحديث الذي فيه الإحفاء لم يفهم منه الحلق، وهذا هو الذي ينبغي عمله مع جميع النصوص التي جاءت بألفاظ مختلفة، فلا يصح أن يتعلق كل فريق بلفظ منها ويأخذ منه الحكم، ومن ذلك لفظا الإتمام والقضاء فيما على المسبوق أن يفعله بعد سلام إمامه، قال مالك: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه»، انتهى، وقد قال ابن القاسم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويقول تفسير حديث النبي ﷺ إحفاء
[ ٥ / ٢٣٩ ]
الشارب إنما هو الإطار»، انتهى.
قلت: هذا بناء على أن الإحفاء ليس من معانيه المبالغة في القص، وقال أشهب عن مالك في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربا من فعله»، انتهى، وهي في الاستذكار من كتاب الشعَر، ومن المصلحة الصحية في ذلك أن لا يطول الشعر، فيعوق المرء عن إدخال الطعام إلى فمه، مع ما في ذلك من تلويث الشعر بالطعام، ولأنه تحت المنخرين فيجري عليه ما قد ينزل من الأنف من المخاط والرطوبات.
فأما قص الأظفار فلأن اليدين يتناول بهما المرء أغراضه، بل إنهما أكثر الجوارح استعمالا، فيجتمع تحت الأظفار الأوساخ، وربما ظهر ذلك للناس فيتقذرون، زيادة على ما فيها من الضرر، وبستحب البدء باليمنى ثم اليسرى، فأما الجناحان فالمراد بهما الإبطان وهما من الأرفاغ أي المواضع الخفية في الجسد فيسرع إليهما النتن بسبب العرق، ووجود الشعر يزيد به ذلك، فشرع نتفهما لأن شعرهما خفيف لا يتضرر المرء بنتفه، والنتف لا تتسع به المساحة المكسوة بالشعر كما هو الشأن في الحلق، بخلاف العانة التي هي الشعر الواقع بمحاذاة الفرج من الذكر والأنثى فإن حلقها أولى لأن النتف يسبب ألما، وقد يؤذي الفرج ويرخيه، وبقاء الشعر بها يتسبب في تجمع الأوساخ والروائح لكونها بإزاء مخرج البول، وقد يسهل بذلك حصول الأمراض أو انتقالها عند الوقاع، قال ابن العربي: «وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو من التنميص ويرخى المحل ويؤذيه ويبطل كثيرا من منافعه»، انتهى، أما حلق بقية شعر الجسد من المرأة فإنه مشروع إن احتيج إليه لدفع الأذى إلا رأسها فلا يشرع حلقه لأنه مثلة، أما الرجل فقد اختلف في حلقه رأسه في غير الحج والعمرة، والظاهر أن حلقه لغير الحاجة مرغوب عنه، ولاسيما ممن لا يتعمم أما حديث لا توضع اللمم إلا في حج أو عمرة فلم يصح، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا أن حبس الشعر إلى الأذنين وتفريقه في الجبهة حسن …»، انتهى، قلت: تبرجت النساء في هذه الزمن وهن يقصرن شعورهن أو يرسلنها ويلبسن لباس الرجال وتشبه كل من الجنسين بالآخر محرم فلا يجوز أن يطال الشعر من غير علامة تميز، كما هو الحاصل أحيانا.
أما الختان فالظاهر تدني حكم خفاض النساء عن ختان الرجال كما نص عليه
[ ٥ / ٢٤٠ ]
التوقيت في قص الشارب ونتف الإبط وغيرهما
المؤلف، وقد نقل عن مالك المساواة بينهما في الحكم كما هو في الكافي لابن عبد البر، والمنتقى للباجي.
وقد جاء في السنة ما يدل على أن المطلوب أن لا يتجاوز في قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظافر أربعين يوما، وهذه هي المدة القصوى، وفعل ذلك في أقل منها لا بأس به، لكنه غير لازم، روى مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين يوما»، وقوله «وُقِّت لنا»، بالبناء للمجهول؛ هو من المرفوع حكما لأن الذي له التوقيت هو رسول الله ﷺ، وهو ما جاء مصرحا به في رواية بعض من ذكروا: «وقت لنا رسول الله ﷺ»، لكن فيها صدقة الدقيقي، ويمكن اعتبار رواية مسلم شاهدا لها على قول الجمهور في معناها، ومهما يكن فإنها مستغنى عنها.
[ ٥ / ٢٤١ ]
إعفاء اللحية وتوفيرها والأخذ من طولها إذا طالت كثيرا
• قوله:
٠٢ - «وأمر النبي أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص قال مالك: «ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين».
روى مالك في الموطإ عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى»، وإعفاء اللحى ترك التعرض لها بالقص منها، وقد جاء هذا في أحاديث عدة، منها قول النبي ﷺ: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى»، رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁، وقوله: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»، رواه مسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵁، وقوله: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»، رواه مسلم عن أبي هريرة، وقوله: «أعفوا اللحى، وجزوا الشوارب، وغيروا شيبكم، ولا تشبهوا باليهود والنصارى»، رواه أحمد عن أبي هريرة، وروى البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»، وقال النبي ﷺ: «إنهم يوفرون سِبَالهم، ويحلقون لحاهم فخالِفوهم» أخرجه ابن حبان والبيهقي عن ابن عمر، والسِبال مفرده السَّبَلة، وهي الشارب، قال الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير: «يحرم على الرجل حلق لحيته أو شاربه ويؤدب فاعل ذلك، ويجب على المرأة حلقهما على المعتمد، وحلق الرأس لا ينبغي تركه الآن لمن عادتهم الحلق»، انتهى، وفي كلامه ما يتعقب في خصوص حلق الرجل رأسه، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تحوز»، انتهى، وإنما أثبت كلام الدسوقي في شأن حلق اللحية وإن كان الاحتكام في هذه الأمور إنما يكون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين، لأن فريقا من الناس عندنا إذا ذكرت لهم شيئا لم يألفوه وصفوه بأنه وافد، وقد مر علينا زمان صار فيه توفير اللحية علامة على الانتماء إلى الجماعة الفلانية، أو هو قرينة على أن فاعله يساند الخارجين على الدولة، وهكذا لبس القميص، وتقصير الثوب، بل والبدء بإلقاء السلام في
[ ٥ / ٢٤٢ ]
الهاتف، حتى قال أحد رؤساء الحكومات وهو المسمى مقداد سيفي منذ أزيد من عقدين غلب البرنس القميص!!، وصدر بذلك تقنين ضيق على الناس بموجبه من قِبَلِ من يتبجحون بانتصارهم لحرية الناس في أزيائهم وما يتقلدون من الأفكار والميول، وأن الناس كما يعلنون يتساوون بمقتضى وصف المواطنة، ثم صاروا يشترطون حلق اللحية وتعرية المرأة رأسها في الحصول على جواز السفر، والبطاقة الشخصية، في الوقت الذي يعم السفور والعري شوارعنا ومدارسنا وإداراتنا، فكل الناس أحرار فيما يفعلون إلا من أراد أن يتسنن أو من أرادت أن تتستر، ومع ذلك يقال إن وصف المواطنة هو الذي يخول للمرء حقوقه من غير التفات إلى غيره، وإن كنا لا نقر أن هذا الوصف هو الذي يرجع إليه في مثل هذه الأمور، فالله حسبنا وهو ولينا وناصرنا ولا حول ولا قوة إلا به.
وقوله عن اللحية: قال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا»، جاء في ذلك ما رواه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها»، قال الترمذي غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل أو قال ينفرد به إلا هذا الحديث»، انتهى، وقال في التقريب عن عمربن هارون متروك»، انتهى.
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه»، وفي صحيح البخاري معلقا: «وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه»، لكن تفصيل الأمر هو ما رواه مالك عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه، ولا من لحيته شيئا، حتى يحج، فهذا يدل على أنه كان يأخذ من لحيته في غير نهاية الحج، وظاهر الأول أنه كان خاصا بحالة الحج والعمرة.
قال الحافظ: «الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه»، انتهى، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية، وهو الذي روى عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى،
[ ٥ / ٢٤٣ ]
وهو أعلم بما روى»، انتهى، وهذا فيه شيء من حيث الأصل فإن العبرة بالرواية لا برأي الراوي أو فعله، ويبدو لي والله أعلم أن حالة التشوه ينبغي أن تدفع.
وقد روى أبو داود عن جابر قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة»، والسبال بكسر السين جمع سَبَلة بمفتوحتين ما طال من شعر اللحية.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
كراهية صبغ الشعر بالسواد وجوازه بالحناء والكتم
• قوله:
٠٣ - «ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس به بالحناء والكتم».
روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ﷺ: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد»، الثغامة واحدة الثغام، قال في النهاية: «هو نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به الشيب، وقيل هي شجرة تبيض كأنها الثلج.
وقد تعقب الاستدلال بهذا الحديث على المنع بأنه واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، فلا عموم فيها، فيقال: قد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يَريحون رائحة الجنة»، يقال خضب الشيء يخضبه إذا غير لونه بحمرة أو صفرة، والحواصل مفردها حوصلة، وهي للطائر بمثابة المعدة للإنسان، والمراد صدورها لأنها غالبا سوداء، فهي من التعبير بالحال عن المحل كما يقول أصحاب البلاغة، وقوله ﷺ لا يريحون هو ثلاثي، أي لا يشمون ولا يجدون رائحة الجنة، وهو تهديد شديد لا يكون على المكروه.
وقال مالك في الموطإ عن صبغ الشعر بالسواد: «لم أسمع في ذلك شيئا معلوما، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله …»، انتهى.
قال كاتبه: وحيث جاء النهي من النبي ﷺ عن الصبغ بالسواد، فمالك يأخذ به، والأصل في النهي الدلالة على التحريم عنده مع ما رأيت من الوعيد بعدم دخول الجنة ابتداء على الصبغ بالسواد، إلا أن يقال إن الكلام في الحديث عن جماعة معينة التقى فيها هذا الوصف مع غيره من المخالفات التي لم تذكر، فالصبغ من سماتها كما قيل عن
[ ٥ / ٢٤٥ ]
الخوارج يحلقون رؤوسهم، وليس كل ما يوصف به من ذمه الشرع يكون ممنوعا، فإن ثبت هذا الذي قلته فذاك، وإلا فدلالة الحديث على التحريم بينة، وهو الذي أراه.
وقد ذهب النووي ﵀ إلى التحريم، بعد أن أورد كلاما لأهل العلم ممن يرى خلاف ذلك، وتعقبه الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (٩/ ٢٦١) فقال: «إن هذا الإصرار من النووي -رحمه الله تعالى- على تصحيح مذهب أصحابه، وجعله أوفق للسنة من غريب تعصبه لهم، بعد العلم بعمل بعض عظماء الصحابة والتابعين بخلافه، وسائر ما نقله عن القاضي وغيره في المسألة، ومنه قول الإمام الطبري من أن الأمر في هذه المسألة - وكذا أمثالها - ليس للوجوب، والنهي ليس للتحريم، لأنها من أمور العادات والزينة والتجمل بين الناس، وما نقله عنه وعن غيره من كونها تختلف باختلاف السن، وباختلاف العادة والأحوال بين الناس، ويعبر فيها الذوق في الزينة هو الصواب كما قال الطبري، وأي مدخل للتحريم في مثل هذا، ولا محرم في الشريعة السمحة إلا ما كان ضارا؟.
قلت قوله: «وأي مدخل للتحريم في مثل هذا لأنها من أمور العادات والزينة … الخ، من الكلام العجيب الغريب من هذا العالم، فمتى كانت العادات محظورا على الشرع أن يمنع منها ما يشاء؟، وهل خفيت عليه الأمور التي هي كذلك، ولا يختلف الناس في تدخل الشرع فيها؟، أما أنه لا محرم في الشريعة السمحة إلا ما كان ضارا؛ فنعم، لكن هل أحطنا نحن بكل ما يضرنا؟، مع أن المناسبة واضحة في هذا المنع وهي التلبيس بظهور المرء على غير صفته، وإلا فإن من أعظم من الضر أن نخالف ما نهينا عنه عرفنا ضره أو لم تعرف، ويقوي الحديث ما سيأتي من النهي عن نتف الشيب فإنه قريب من النهي عن الصبغ بالسواد.
أما الاحتجاج بأن الصحابة مختلفون في هذا الأمر، وأن بعض كبارهم قد صبغوا بالسواد فليس بحجة، وإلا لكان كل ما اختلفوا فيه كذلك، ومن لم يبلغه النهي فلا حرج عليه.
ثم قال عن حديث ابن عباس السابق إنه: «ضعيف متنا وسندا، بل قال ابن الجوزي إنه موضوع، ويؤيده أن من آيات الوضع في متنه الوعيد بالحرمان من رائحة الجنة على أمر
[ ٥ / ٢٤٦ ]
من العادات، ولا يحرم من الجنة إلا الكافر بالمعنى الأخص، دع مخالفته لحديث الصحيحين، وفي سنده عبد الكريم غير منسوب، والظاهر أنه ابن أبي المخارق، وهو ضعيف، فإن قيل: يحتمل أنه الجزري الذي روى عنه الشيخان قلنا: التصحيح لا يثبت بالاحتمال، ولا سيما في أمر مخالف لأصول الشرع كهذا الوعيد، وإن ابن حبان منع من الاحتجاج بما ينفرد به عبد الكريم الجزري كهذا الحديث»، انتهى.
قلت: رد المنذري وابن حجر على ابن الجوزي اعتبار حديث ابن عباس موضوعا، وبيَّنَا أن عبد الكريم هذا هو ابن مالك الجزري، وهو ثقة.
أما أن الحديث مخالف لأصول الشرع باعتبار هذا الوعيد العظيم على هذا الأمر الذي يعتبره هو خفيفا؛ فجوابه أن الكلام فيمن بلغه النهي، ثم اقتحمه، ولم يتب منه، ومات مصرا عليه، ولم يغفره الله له، ولم يكفر ذنبه بالمكفرات الكثيرة، ففيم الاستغراب؟، وقد تكرر ما يشبه هذا الأمر من هذا العالم في تفسيره الذي لم يكتب مثله، ومع هذا قل انتفاع الناس به، ومن اجتنب هذا الذي أشرت إليه يرجى له خير كثير من هذا التفسير.
ويذكر للمناسبة أن هشيما كان يخضب بالسواد فأتاه رجل فسأله عن قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧]، فقال: «قد قيل إنه الشيب»، فقال له السائل: «فما تقول فيمن جاءه نذير من ربه فسود وجهه»؟، فترك هشيم الخضاب بالسواد»، انتهى.
وقد روى الترمذي وحسنه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن نتف الشيب، وقال: «إنه نور المسلم» وهو في شعب الإيمان للبيهقي بأزيد منه، قال ابن العربي في العارضة: «الصحيح أن الشيب وقار، وإنه لنور في المعنى، لكن لم يصح لفظا، وصحته من جهة المعنى أنه ينذره بالفناء فيبصر العاقبة وينظر لها،،، إلى أن قال وإنما يحمله على النتف حبه للنساء، ورغبته في الدنيا، فإن بياض الشعر سواد في أعين الغواني، وقد أنشدني بعض أصحابنا في المذاكرة في المسجد الأقصى:
ورائدة للشيب لاحت بمفرقي … فعاجلتها بالنتف خوفا من الحتف
فقالت على ضعفي استطلتَ وقلتي … رويدك للجيش الذي جاء من خلفي
[ ٥ / ٢٤٧ ]
قلت: في الأصل (مرفقي)، والصواب المفرق، وقوله عن الحديث لكن لم يصح لفظا وهو كثير عنده في مثله دليل على أنه لا يأخذ بالحديث الحسن لغيره كما نسبه إليه بعض أهل العلم، أو لكونه من حديث عمرو بن شعيب، وروى أبو داود عن ابن عمرو مرفوعا: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة»، وهو في صحيح الجامع من مسند ابن عمر.
أما قوله: «ولا بأس به بالحناء والكتم»، يريد تغيير شيب الرأس واللحية بهما، أما استعمالهما في اليدين والرجلين فلا يجوز لما في ذلك من التشبه بالنساء، وقد جاء فيه قول النبي ﷺ: «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي ذر ﵁، والكتم بمفتوحتين، ورق السلم قاله في المصباح كذا في شرح أبي الحسن، وهو نبات يَمَنِيّ يخرج صبغا بين السواد والحمرة، وهو موجود في الجهة الغربية من بلدنا، وظاهر كلام المصنف أن هذا التغيير مباح، والصواب أنه مندوب للأمر به، وقد ذهب مالك إلى أن النبي ﷺ لم يصبغ، واستدل على ذلك بأن عائشة أرسلت إلى عبد الرحمن بن الأسود تحثه على ذلك وذكرت له صبغ أبي بكر، قال مالك: «في هذا الحديث بيان أن رسول الله ﷺ لم يكن يصبغ، ولو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود»، انتهى، وهذا ليس بلازم، فقد تكون نسيت، ولأن الشيب الذي كان في أبي بكر أكثر من الذي كان في النبي ﷺ، حتى عدوا شعراته البيضاء، ولم يكن مالك يخضب، فعن عبد الملك بن عبد العزيز ابن الماجشون قال، قال بعض ولاة المدينة لمالك بن أنس: «ألا تخضب يا أبا عبد الله»؟، فقال له مالك: «لم يبق عليك من العدل إلا أن أخضب»، انتهى، واعتبر الزين العراقي في شرح الترمذي عدم اختضاب النبي ﷺ صارفا للأمر بالاختضاب إلى الندب، ذكره عنه في فيض القدير، ثم قال: وفيه نظر، فما كان يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به»، انتهى.
قلت: ما قاله المناوي هو الأصل، وقد يخالف، وقد روى النسائي عن عبيد قال: رأيت عبد الله بن عمر يصفر لحيته، فقلت له في ذلك، فقال: «رأيت النبي ﷺ يصفر لحيته»، وهو في سنن أبي داوود عنه بلفظ أن النبي ﷺ كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته
[ ٥ / ٢٤٨ ]
بالورس والزعفران»، وروى أبو داود عن أبي رمثة قال: «انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ، فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء، وعليه بردان أخضران»، الوفرة شعر الرأس إذا بلغ شحمة الأذن، وردع حناء أي لطخ حناء، والعراقي ﵀ حافظ محدث لعله رجح ما في الصحيحين وغيرهما عن أنس أنه ﷺ لم يخضب، وإنما خضب أبو بكر وعمر، والمثبت مقدم على النافي، ومما يتعلق بالحناء ما رواه أحمد عن أيوب بن حسن عن جدَّتِه سلمى خادم النبي ﷺ قالت: ما اشتكى أحد إلى رسول الله ﷺ وجعًا في رأسه إلا قال: «احتجم» ولا أشتكي أحد وجعًا في رجليه إلا قال: «اِخصب رِجْليك».
[ ٥ / ٢٤٩ ]
تحريم لبس الرجال الحرير وتختمهم بالذهب
• قوله:
٠٤ - «ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد».
أما لبس الحرير والتختم بالذهب فالنهي عنهما خاص بالرجال، وأما التختم بالحديد فيعم الجنسين، ولهذا سيشير إليه المؤلف بعد، وقد قال النبي ﷺ: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري، وهو عند ابن ماجة عن علي، وقال النبي ﷺ: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، وهو في الصحيح عن ابن الزبير، وروى مالك في الموطإ في (باب العمل في القراءة) عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن لُبس القَسي، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع»، وهو في صحيح مسلم عن يحيى عن مالك بسنده، والنهي عن لبس القسي في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب، والقسي بفتح القاف والسين المكسورة المشددة ثياب من كتان مخلوط بحرير نسبة إلى القس قرية قيل هي بمصر، فلبس الحرير حرام على الرجال خالصا كان أو مخلوطا بغيره، كما لا يجوز اتخاذه فراشا لأنه لبس، وقد جاء ذلك في الحصير وهو إنما يفرش، وقاله عبيدة بن عمرو السلماني وهو في البخاري، وفي الصحيح عن حذيفة قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة»، والديباج ما غلظ من ثياب الحرير، يقال دبج إذا زين ونقش.
ولا يجوز للرجل استعمال ما منع منه تبعا لاستعمال امرأته، وقيل يستعمله لأنه يجوز لها ذلك وهي فراشه، فلو منع منه لكان فيه حرج، قال خليل: «وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير»، انتهى.
والمشهور أن لبس الحرير ممنوع على الذكور ولو لعذر كحكة أو جهاد، وقد روى
[ ٥ / ٢٥٠ ]
التختم بخاتم الحديد
مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص لعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام في القُمُص الحرير في السفر من حكة كانت فيهما، أو وجع كان بهما»، والظاهر أن هذا ليس خاصل بهما، فإن حكم الشرع على الواحد حكم على غيره.
وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، وفيه تغيير المنكر باليد لمن قدر عليه، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن بريدة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه، فقال له: «ما لي أجد منك ريح الأصنام»؟، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار»؟، فطرحه، فقال: «يا رسول الله، من أي شيء اتخذه»؟، قال: «اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا»، وهو ضعيف، والشبه بفتح الشين والباء النحاس الأصفر، سمي كذلك لأنه يشبه الذهب في اللون، قال الحافظ بعد أن أورد بعض كلام أهل العلم في سنده: «فإن كان محفوظا حمل المنع على ما كان حديدا صرفا»، انتهى.
أما الاستدلال على جواز لبس خاتم الحديد بقول النبي ﷺ الذي في الصحيح: «التمس ولو خاتما من حديد» فغير مقبول، لأنه لا يلزم من جواز الاتحاذ جواز اللبس، وله أمثلة في السنة منها الحلة السيراء التي وهبها النبي ﷺ لعلي، وكذلك عمر، ومع ذلك منعهما من لبسها، ومنها أن النبي ﷺ أهدي له ثوب حرير فقبله وهو لا يلبسه، وهو في الصحيح، ومنها إعطاؤه مخرمة قَبَاء من ديباج مزررا بالذهب، وهو في الصحيح أيضا، ومنها أن العلماء اختلفوا في أواني الذهب والفضة هل تمتلك؟، وإن كان استعمالها ممنوعا، والامتلاك للانتفاع وهو أعم من اللبس.
وقال في المدونة في باب الإحداد: «لا تلبس حليا ولا قرطا ولا خاتم حديد»، انتهى، فرأى بعضهم أن ظاهرها جواز لبس خاتم الحديد، أخذه من ذكر منع المعتدة منه، والمعتمد عندهم كراهة التختم به، وقد روى البيهقي في الشُّعَب عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وخاتم الحديد».
قال الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن عن التختم بالحديد:
[ ٥ / ٢٥١ ]
«والمعتمد الكراهة ككراهة التختم بالنحاس إلا لمن به ضرر الصفراء بالنسبة لخاتم النحاس، وإلا لخوف الجن بالنسبة لخاتم الحديد، فإنه نافع فتدبر»، انتهى، وزاد الشيخ النفراوي في شرحه فيظهر أن العدوي كعادته أخذ عنه ما سبق: «كما ينفع تعليق الأترج في البيت من الجن أيضا»، انتهى.
وما قالاه مفتقر إلى الدليل، وخوف الجن لا يدفع بتعليق الأترج في البيت، ولا بلبس خاتم الحديد، فما للناس يتركون قراءة القرآن وذكر الله والتعاويذ المشروعة ويلجأون إلى ما يظنونه تجربة، وما هي كذلك ولا هذا موضعها، وهكذا معالجة الصفراء بتعليق النحاس، وعندنا من يعالجون عرق النسا بثقب الأذن وتعليق الأقراط عليها، أو وضعها في أرجلهم!!!.
وتحريم لبس الذهب في حق الكبير، أما الصغير فيمنعه، والخطاب لوليه، لأنه إن لبسه اعتاده، وقيل هو مكروه للقاعدة التي أصلوها، وهي أن الصبي مكلف بغير الواجب والمحرم كما سبق.
واعتبر بهذا أيها القارئ الكريم فإن الطفل إذا اعتاد شيئا في صغره استمر عليه في كبره، كلبس الجارية السراويلات وتعويد الأطفال على الاستماع إلى الموسيقى والغناء والتفرج على الأفلام ونحو ذلك، قال مالك: «وأنا أكره أن يلبس الغلمان شيئا من الذهب، لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ نهى عن تختم الذهب، فأنا أكرهه للرجال الكبير منهم والصغير»، انتهى، وانتبه إلى أن الكراهة في قول مالك ليست هي الاصطلاحية ولا بد، وقد نبهت على ذلك في غير موضع، قال ابن عبد البر: «ولما كان على الآباء فرضا منعُ أبنائهم مما حرم الله عليهم من أكل الخنزير والخمر والدم فكذلك سائر المحرمات، وسائر المكروهات»، انتهى.
وقد توصل باحثون في اليابان إلى أن الذهب يرسل أشعة ضارة وأن تلك الأشعة تتجمع في رحم المرأة ثم تنزل مع دم الحيض كلما حاضت، وطاعتنا لله لازمة علمنا هذا أو لم نعلمه.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
ما يجوز من الفضة في الخاتم والسيف والمصحف
• قوله:
٠٥ - «ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم والسيف والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك ويتختم النساء بالذهب ونهي عن التختم بالحديد».
أي يجوز أن تكون الفضة في الخاتم المتخذ مما عدا الحديد والنحاس كالخشب والأحجار الكريمة، أو أن مراده اتخاذ الخاتم كله من الفضة، ولا يجوز تعدده ولا يجوز ما بعضه ذهب ولو قل، وقيل بالكراهة مع القلة.
ولا يجوز أن يتعدى وزن الخاتم درهمين، وهو نحو ست غرامات، ولعل معتمدهم حديث بريدة عند أبي داود والترمذي والنسائي المتقدم وهو ضعيف، مع أنه معارض بقول النبي ﷺ: «من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها»، رواه أبو داود وأحمد والبيهقي عن أبي هريرة.
والمقصود بقوله «حبيبه أي محبوبه، قيل خصوص الذكور، بمعية أدلة جواز الذهب للنساء، وقيل يعم الزوجة والولد وغيرهما لا فرق بين ذكر وأنثى، لأن وزن فعيل يشترك فيه هذا وهذا، فيقال رجل قتيل وامرأة فتيل، وهو من أدلة القائلين بمنع الذهب المحلق كالسوار والخاتم والقرط، والجمع أولى.
وقد جاء في كون الخاتم كله فضة حديث أنس عند مسلم قال: «كان خاتم النبي ﷺ من ورق، وكان فصه حبشيا»، وفي صحيح البخاري: «وفصه منه»، وقد روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر
[ ٥ / ٢٥٣ ]
أريس، ونقشه محمد رسول الله، ورواه النسائي وابن ماجة من حديث أنس ﵁ مختصرا.
وأما تحلية السيف بالفضة أو بالذهب فلا فرق بين أن تكون في غمده، أو في قبضته، وذكروا أن ذلك فيه إرهاب لعدو، وهو أيضا خاص بسيف الرجل، لأن الأصل أن المرأة لا تقاتل، ولا يجوز في شيء من آلات الحرب، سواء أكانت مما يلبس كالمنطقة، أو يتقى بها كالترس، أو يقاتل بها كالرمح والسكين، أو يستعان بها على الركوب كالسرج واللجام، وإنما اقتصر على السيف لأنه أقوى آلات القتال، ولوجود الدليل عليه كما هو عند أبي داود والترمذي عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة»، والقبيعة كما في النهاية هي التي تكون على رأس قائم السيف، وهو موضع إمساكه.
أما تحلية المصحف فجائزة لتعظيمه كذا قالوا، وهو مفتقر إلى الدليل، فكيف إذا جاء ما يدلُّ على التنفير منه، وهو قول النبي ﷺ: «إذا زوّقتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم، فالدّمار عليكم» رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن أبي سعيد، كذا هو في الصحيحة برقم (١٣٥١).
ومما لم يذكره المؤلف ربط السن، وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قُطِعَ أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب»، وقد قال خليل: «وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب إلا المصحف والسيف والأنف وربط سن مطلقا، وخاتم الفضة لا ما بعضه ذهب، لو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة»، انتهى، وقد ذكر المؤلف ما لا يجوز أن يكون من فضة ولا من ذهب وهو السرج والسكين ومثله المنطقة بكسر الميم وفتح الطاء وهي ما يشد به الوسط، وتسمى أيضا المنطَق بكسر الميم والنطاق.
ولا بد من الإشارة إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في مشروعية التختم لغير ذي السلطان، فإنه هو الذي يحتاج إلى الخاتم ليمهر ما يكتبه لغيره، فليس المراد بالتختم على هذا التزينَ، وإن كان جمهور أهل العلم على جواز التزين به، ومرد الخلاف إلى أن الأصل كان لذلك المعنى، قال الخطابي: «لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الملوك اتخذ الخاتم واتخذه من ذهب، ثم رجع عنه لما فيه من الزينة،
[ ٥ / ٢٥٤ ]
ولما يخشى من الفتنة، وجعل فصه مما يلي باطن كفه، ليكون أبعد من التزين»، انتهى، ومن حجة المانعين حديث أبي ريحانه عند أبي داود والترمذي والنسائي، وفيه: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان»، سكت عليه الحافظ في الفتح، وحمله المجيزون على أن المراد لبس الخاتم المنقوش عليه ما كان في خاتم النبي ﷺ وهو، وهو جمع حسن لو احتيج إليه بصحة الحديث.
قلت: فيكون النهي لحفظ الوثائق من التزوير وحصول الالتباس بتعدد الخواتم وانتحال المرء صفة غيره، كما هو شأن الخواتم اليوم، قال الحافظ: «والذي يظهر أن لبسه لغير ذي السلطان خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، واللائق بالرجال خلافه، وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة عن التحريم …، إلى أن قال: «ويمكن أن يكون المراد بذي السلطان من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السلطان الأكبر، خاصة والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثا، وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل في النهي …»، انتهى.
قلت: هذه العلة لم تعد قائمة في الغالب، فقد غدت الأختام مفصولة تمثل الهيآت لا الأفراد إلا في القليل النادر عند بعض الشيوخ، وقد نقل الحافظ أن مالكا سئل عن حديث أبي ريحانة المذكور قبل فضعفه، وقال: «سأل صدقة بن يسار سعيد بن المسيب فقال: اِلبس الخاتم، وأخبر الناس أني قد أفتيتك»، انتهى، قال الدردير: «فيجوز بل يندب إن لبسه للسنة، لا لعُجْب»، انتهى.
[ ٥ / ٢٥٥ ]
ترجيح المصنف التختم في اليسار
• قوله:
٠٦ - «والاختيار مما روي في التختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره».
هذا هو الذي ذكره بعضهم معتمدا على أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، كما في حاشية الدسوقي، وإثبات هذا عسير، ومما ورد في تختم النبي ﷺ في اليمين حديث عبد الله بن عمر عند البخاري والترمذي، وعند مسلم والنسائي عن أنس، وجاء أنه كان يتختم في اليسار عن أنس عند مسلم، وعن ابن عمر عند أبي داود، قال الحافظ بعد تقصيه الأحاديث الواردة في هذه المسألة: «ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم في اليمين مطلقا لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول»، انتهى.
قلت: وعليه فالتختم اليوم في اليمين أولى، وهذا مخالف لما رجحه المصنف، لكون كلامه في التزين بالخاتم لا من أجل الختم به، ولهذا فلا يظهر أن الحافظ أخذ هذا الأمر عنه كما ادعاه عليه الغماري حيث قال في مسالك الدلالة: «فمن أجل هذا أشار المؤلف إلى طريقه في الترجيح، ووافقه على ذلك الحافظ، وإن لم يعزه إليه»، انتهى.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
الخلاف في جواز لبس الخز وعلم الحرير في الثوب
• قوله:
٠٧ - «واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق».
الخز هو ما كان سداه صوفا أو قطنا أو كتانا ولحمته حريرا، والسدى ما مد طولا في النسج، واللحمة ما مد عرضا فيه، فهو ليس حريرا خالصا، وقال الباجي في المنتقى: «الخَز بز يتخذ من الثياب»، انتهى، وهذا لا يحصل به تعريفه، فإن البز هو الثياب، أو هو ضرب منها، وبنى على ذلك أنه لم يختلف في جواز لبسه، نقله عن ابن حبيب، وقال بعضهم هو ما كان من وبر الأرنب، ويسمى ذكره الخز.
قلت: في الدارج عندنا إطلاق لفظ الخُز على ذكر الأرنب، لكنهم يضمون الخاء، والراجح عند أهل المذهب كراهة لبس الخز، وهو الذي استظهره ابن رشد والباجي، وذهب ابن العربي إلى الجواز، وقد روى أبو داود عن عبد الله بن سعد عن أبيه قال: «رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء، فقال كسانيها رسول الله ﷺ»، وهذا لو ثبت لما دل على الجواز لما علمت من أن الإهداء لا يلزم منه جواز الاستعمال، وعن ابن عباس ﵄ قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من حرير»، وقال: «أما السدى والعَلَم فلا نرى به بأسا»، رواه أحمد وأبو داود، وفيه ضعيف، وقد صححه الألباني، والمصمت هو الذي يكون جميعه من حرير، ليس معه غيره، وقد تقدم بيان معنى السدى واللحمة، وروى مالك في الموطإ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كست عبد الله ابن الزبير مطرف خز كانت تلبسه»، وقال أبو داود: وعشرون من أصحاب رسول الله ﷺ أو أكثر لبسوا الخز، منهم أنس، والبراء بن عازب»، انتهى، ورجح القرافي التحريم لما في حديث عبد الله بن عمر أن عمر رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد الحديث، وفيه قول النبي ﷺ: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، وقد رواه مالك وأحمد والشيخان،
[ ٥ / ٢٥٧ ]
وهذا مبني على اعتقاده أن السيراء هي ما كان من حرير مع غيره، وقد بين الحافظ أنها يراد بها هذا، ويراد بها ما كان من الحرير خالصا، فرجع الأمر في الخز إلى أن ما كان منه من الحرير الخالص ممنوع، ويدل عليه ما جاء في حديث «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف …، وقد تقدم، وقد اختلف في كلمة الحر فوردت بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة مع الزاي، والصواب الأول في الرواية، أما ما كان مخلوطا بغيره فهو الذي فيه الخلاف، فيكون ترك ما خالطه الحرير أولى من لبسه، وقد وجدت صاحب النهاية يذكر هذا الذي كان يقع لي في لبس الخز، قال: «الخز المعروف ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها للتشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام، لأن جميعه معمول من الإبريسم»، انتهى، وبهذا يجتمع العمل بالأخبار جميعها، والله أعلم.
وقوله: «وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق»، يعني أن هذا مما اختلف في حكمه، فقيل مكروه، وقيل جائز، ما لم يَقِلْ جدا فيكون كالخيط الرقيق لتفاهته، وهذه العبارة جاءت في كلام ابن القاسم في المجموعة قال: «ولم يجز مالك من عَلَم الحرير في الثوب إلا الخيط الرقيق»، انتهى، وبهذا يعرف ما في كلام الغماري في المسالك عن هذه العبارة، فمالك تمسك في هذه الرواية بعموم المنع في الحديث المتقدم، ولهذا ذكر المؤلف العَلَم في جملة ما اختلف فيه، لكن جاء ما يخصص العموم، فيجوز الشيء اليسير من الحرير في الثوب من تطريف وتطريز، وهو ما لا يتجاوز قدر أربعة أصابع كما في حديث مسلم عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب خطب فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة»، وجاء في صحيح البخاري عنه قدر أصبعين، وفي رواية أبي داود مثل ما في صحيح مسلم، ولا تنافي بين هذه الروايات، فإن الأمر تقريب لا تحديد، فيكون الاحتياط في الاقتصار على الأقل، وتمتنع الزيادة على الأكثر، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
لا تلبس المرأة رقيق الثياب الذي يصف الجسم
• قوله:
٠٨ - «ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن».
هذا من اللباس المحرم على النساء من غير خلاف، وهو محرم على الرجال كذلك إذا كان على موضع العورة منهم، ووصف الجسم قد يترتب على شفوف اللباس وعن ضيقه وهو المحدد، وقد روى أبو داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن أسماء بنت أبي بكر الصديق دخلت على رسول الله ﷺ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وهو منقطع، لكن لا ريب في صحة الحكم الذي فيه، فإنه أقل ما اتفق عليه المسلمون مما يجوز للمرأة كشفه لغير زوجها ومحرمها، والثوب الرقيق في حكم العدم فلابسته كالعارية، وقد قال النبي ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»، رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وهو في الموطإ من كتاب الجامع موقوف على أبي هريرة مختصرا، وفيه أن المسافة خمسمائة عام، وفي الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق، فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا»، ولو لم يكن ذلك ممنوعا لم أفسدت الخمار، لأن إضاعة المال حرام، وقد يسلك هذا ضمن الأدلة على جواز العقوبات المالية، وقد جاء فيها أكثر من حديث، والناس مختلفون فيها، وفيه تغيير المنكر باليد، وفي الحديث: «ويل للنساء من الأحمرين: الذَّهَب والمعصفر»، رواه ابن حبان والبيهقي في الشُّعَب عن أبي هريرة ﵁، وفيه دليل على أن ترك النساء لبس هذين خير لهن.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
ثوب الرجل إلى الكعبين
• قوله:
٠٩ - «ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه».
تطويل الثوب مراتب أربعة: أن ينزل عن الكعب، أو يجر اختيالا، وهذان محرمان، والثالث أن يكون من الكعب فما فوق، وهذا واجب، والرابع أن يكون إلى نصف الساق، وهذا مندوب، وقد روى مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن إزاري يسترخى إلا أن أتعاهده، فقال رسول الله ﷺ: «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، وهو في الموطإ أيضا عن أبي هريرة، وفيه دليل على أن جر الثوب للمخيلة من الكبائر لأن عدم نظر الله تعالى إلى فاعله يدل على غضبه عليه، وذلك من علاماتها، والأحاديث في هذا الأمر كثيرة لا يشك المطلع عليها أن ذلك كبيرة، فإن فيها نفي تزكية الله للفاعل، أي عدم تطهيره من الذنوب فيستوجب النار، وفيها عدم تكليمه، وغير ذلك.
فأما أن الثوب ينبغي أن يكون إلى الكعبين فلقول النبي ﷺ: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»، رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، ورواه مالك من جملة حديث لأبي سعيد، ورواه أحمد عن الأول، والنسائي من حديث حذيفة، والمقصود أن الموضع المغطى بما تحت الكعبين في النار، وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل، كما في لفظ الغائط، وقيل غير ذلك، ويحتمل أن يكون على ظاهره فيدل بفحواه على أن اللابس أولى أن يكون معذبا بالنار، فليتبين امرؤ هذا المعنى، وليربأ بنفسه عن أن يكون معترضا على كلام نبي الله ﷺ بمحض رأيه، ومهما يكن ففيه دلالة على تحريم نزول الثوب عن الكعب من العالم بالحكم ولو من غير اختيال، وروى أحمد عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ: «الإزار إلى نصف الساق، فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال: «إلى الكعبين لا خير
[ ٥ / ٢٦٠ ]
فيما أسفلُ من ذلك»، ولا ريب أن تقصير الثوب ينجم عنه أن يكون إلى النظافة أقرب بخلاف تطويله، وإنما جاز للمرأة إرخاؤه لتعارض مفسدتين: مفسدة التكشف ومفسدة التلوث، فشرع ارتكاب أخفهما لدفع أعظمهما، وتسومح فيما قد يلحق ثوب المرأة جراء ذلك ما لم تستيقن النجاسة، واعتبر ما بعده مطهرا له، فعن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت حين ذكر الإزار: «فالمرأة يا رسول الله»؟، قال: «ترخيه شبرا»، قالت أم سلمة: «إذن ينكشف عنها»، قال: «فذراعا لا تزيد عليه»، رواه مالك، فيجتمع للرجل في تقصير ثوبه كما قال المؤلف مصلحتان: رضا ربه ونظافة ثوبه، وهو إشارة منه ﵀ إلى ما رواه أحمد والترمذي في الشمائل من حديث الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها قال، قال رسول الله ﷺ: «ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك»، وسنده ضعيف، وقد حصلت المرأة على مصلحتين أيضا مصلحة الستر ومصلحة التخفيف في التطهر.
[ ٥ / ٢٦١ ]
النهي عن اشتمال الصماء
• قوله:
١٠ - «وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب».
فسر في النهاية اشتمال الصماء بأن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا، وإنما سميت صماء لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته»، انتهى.
وكلام المؤلف كما ترى على التفسير الثاني، ويظهر أن العلة مختلفة فيهما، فهي في الأول أن المرء يكون كالمكتوف، فإذا حصل له شيء لم يقدر على دفعه بيده، وهكذا إذا سقط، وعلة الثاني التعري، ولذلك اشترطوا فيها أن لا يكون تحت الثوب الذي يشتمل به غيره، أما قوله واختلف فيه على ثوب، فكأن القائل بدخول هذه الحالة في النهي راعى التفسير الأول.
وقد جاء النهي عن التحاف الصماء فيما رواه مسلم وأبو داود عن جابر عن النبي ﷺ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله عند الكلام على المشي في النعل الواحدة.
[ ٥ / ٢٦٢ ]
لزوم ستر العورة
• قوله:
١١ - «ويؤمر بستر العورة».
العورة جمعها عورات فيها هي سوأة الإنسان وكل ما يستحيا منه، فيها معنى الخلل والنقص والعيب، وتكون في الثغر بحيث يتمكن العدو من الدخول منه لفجوة فيه، أو في حراسته، وقال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهي السوأة لأن ظهورها من الإنسان يسوؤه، أو يسوء غيره، وقد ربط بروزها من الإنسان بأول معصية ارتكبها، وتفطن المرء لسترها كان بداية عمارة الأرض، ومن مظاهر خراب هذا العالم كشفها، وهذا حال العصر الذي نحن فيه، فقد كثر فيه العري، ولاسيما عري النساء الكاسيات العاريات.
والأمر بستر العورة للإيجاب مع الناس غير الزوجة، وخير للمرء أن لا ترى امرأته منه ولا يرى منها، فقد جاء ذلك عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وكذا في الصلاة ولو خاليا من غير خلاف، والظاهر أن سترها لازم في غير الصلاة أيضا إن لم تدع لذلك حاجة في حال خلو المرء بنفسه كما في حديث بهز بن حكيم الآتي، والمشهور في المذهب استحباب ذلك.
وقد قال زروق ﵀: «ولا خلاف أن السوأتين عورة يجب سترهما، ويحرم النظر إليهما، وما فوقهما وما تحتهما حريم لهما إلى السرة والركبة»، انتهى، وعورة الرجل من ركبته إلى سرته، وهذا خارج الصلاة، وعورة المرأة ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، أما خارج الصلاة مع غير زوجها ومحرمها فقيل جميع جسدها، وقيل كالصلاة، أما مع المحارم والنساء فما عدا الرأس والأطراف.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال، قلت يا رسول الله: «عوراتنا ما نأتي منها وما نذر»؟، قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك»، قلت: «فإذا كان القوم بعضهم في بعض»؟، قال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها»، قلت: «فإذا كان أحدنا خاليا»؟، قال: «فالله أحق أن يستحيى منه»، وقوله:
[ ٥ / ٢٦٣ ]
«فإذا كان أحدنا خاليا»، يعني وحده، وفي قوله «فالله أحق أن يستحيى منه»؛ دليل على المنع من التعري في الخلاء، وروي عن النبي ﷺ: «أنه قال: «إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم»، رواه الترمذي عن ابن عمر، قال الترمذي غريب، يعني ضعيفا، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
• قوله:
١٢ - «وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه».
الإزرة بكسر الهمزة اسم للهيئة التي يكون عليها المؤتزر، والإزار هو الذي يغطي الجزء الأسفل من الجسم، والرداء للأعلى منه، والحلة مجموعهما من لون واحد، وما ذكره المؤلف هو نص حديث رواه مالك في الموطإ عن أبي سعيد، ورواه النسائي عنه وعن أبي هريرة وابن عمر، ولفظ مالك: «عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار، فقال: أنا أخبرك بِعِلْمٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا».
قال ابن عبد البر في التمهيد: «تكميش الإزار إلى نصف الساق كانت العرب تمدح فاعله، ثم جاء الله بالإسلام فسنه النبي ﷺ، قال دريد بن الصمة يرثي أخاه ويمدحه: قليل
قلبل التشكي للمصيبات حافظ … مع اليوم أدبار الأحاديث في غد
كميش الإزار خارج نصف ساقه … صبور على الضراء طلاع أنجد
صبا ما صبا حتى إذا شاب رأسه … وأحدث حلما قال للباطل ابعد
ونقل ابن عبد البر قول إسحاق بن سويد يرد على المتقدمين من المنكرين لتقصير الثوب، ولهم في المعاصرين خلف، ويَسمُهم بأنهم من أهل النفاق الذين يعادون أهل الورع، ويحبون أهل السكر، قال:
إن المنافق لا تصفو خليقته … فيها مع الهمز إيماض وإيماء
عابوا على من يرى تشمير أزرهم … وخطة العائب التشميرَ حمقاء
عدوهم كل قار مؤمن ورع … وهم لمن كان شريبا أخلاء
[ ٥ / ٢٦٥ ]
حملة الجهال على تقصير الثياب
وقد جهل الناس هذا الأمر عندنا لاعتيادهم جر أثوابهم، وعدم نهي أهل العلم لهم لتساهلهم في هذا الأمر فلما رأوا فريقا من الناس يفعلونه استنكروه واعتبروه وافدا كشأنهم مع كثير من السنن التي لا يعلمونها، وهي شنشنة معروفة من أخزم، حتى قال مسؤول كبير في الدولة كيف يصرف الجزائريين عما هم عليه ثلاثة عشر شخصا يشمرون ثيابهم، كذب المسكين بما لم يحط بعلمه، والحديث كما علمت في الموطإ، وجر الثوب خيلاء من الكبائر فصار ذلك التقصير من شأن الأفغان، وما عيب الأفغان سوى أنهم قاتلوا الكفار دفاعا عن بلدهم؟، ومع هذا كنت أقول للناس منذ عقدين من الزمن اتركوا فضيلة التشمير، واكتفوا برفع الثوب عن الكعب لهذا الذي أشرت إلى طرف منه، ومن جهل شيئا عاداه، لكن الناس والمسؤولين منهم تقبلوا بسهولة هذه السراويلات التي لبسها الرجال والنساء وقد شمرت إلى ما فوق الركب، فالمرفوض هو أن يطيع المرء ربه، أما أن يقلد الكفار فيما يبتكرون، ولو تعرى فلا حرج عليه عندهم.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
الفخذ عورة مخففة
• قوله:
١٣ - «والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها».
هذا نص حديث رواه الترمذي وحسنه عن جرهد وعن ابن عباس، ﵃، وقال البخاري في صحيحه: «باب ما يذكر في الفخذ، وروي عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ: «الفخذ عورة»، قال أنس: «حسر النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط حتى نخرج من اختلافهم»، انتهى، وقال النبي ﷺ: «ما بين السرة والركبة عورة»، رواه الحاكم عن عبد الله بن جعفر.
أما أن الفخذ ليس كالعورة نفسها فللاختلاف الذي في ثبوته، ولكشفه ﷺ فخذه مع أبي بكر ومع عمر وسترها حين دخل عثمان ﵃، ولأن من العورة ما هو مغلط وهو السوأتان حتى قيل إنهما العورة، ومنها المخفف، وقد قال بعضهم إنه يجوز كشفه مع الخواص دون غيرهم أخذا بالذي تقدم عن النبي ﷺ، والله أعلم.
ومما يدل على لزوم ستر الفخذ في الصلاة من باب أولى عند قوم حديث «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، لكن فيل إن ذلك لتجنب الاشتغال بإمساكه عن الصلاة ولخوف التكشف، وإن كان الجزء الأعلى ليس بعورة.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
لا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر ولا المرأة إلا من علة
• قوله:
١٤ - «ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر ولا تدخله المرأة إلا من علة».
الرجل لا يدخل الحمام إلا بمئزر صفيق لا تظهر منه العورة، فإن بعض الثياب إذا وقع عليها الماء صارت شفافة، ولو كانت في أصلها ليست كذلك، على أن يستر جسمه من السرة إلى الركبة، وقال ابن القاسم: ترك دخوله أحسن يعني لاحتمال الانكشاف، واحتمال وقوع بصره على عورة غيره، وقد ذكر ابن العربي عن مالك في العارضة أنه إذا كان الرجال لا يستترون في الحمام فلا تقبل شهادة من دخله، وقد توفر في هذا العصر الحمامات الفردية فلتؤثر على غيرها عند الحاجة، ومن تمكن من إعداد حمام في منزله لزمه لأجل نفسه وأهله، وعن جابر قال، قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس إلى مائدة يدار عليها الخمر»، رواه الترمذي والحاكم وحسنه الأول، وجملته الأولى عند النسائي، وترجم عليه بقوله: «الرخصة في دخول الحمام»، وقوله ﷺ: «فلا يدخل حليلته الحمام»، يصدق ذلك بما إذا أدخلها بنفسه أو أذن لها من غير موجب، وقول المؤلف: «ولا تدخله المرأة إلا من علة»، حملوا منع المرأة على الكراهة، والظاهر من الحديث خلافه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنها ستفتح عليكم أرض العجم وفيها بيوت يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجال إلا بإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء»، رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄، لكنه ضعيف، بيد أن فقرة دخول الرجال الحمام يشهد لها الحديث الذي قبله، لكن ضعف الحديث لا يعني أن ما استثني لا دليل عليه كما رأيت بعض الناس يقولون ويفعلون، وخروج النساء للحمام من غير علة وبدون حاجة مع تبرجهن وإبدائهن لزينتهن الظاهرة والباطنة لا ينبغي أن يقود إلى منع ما رخص فيه الشرع لمن كانت في حاجة إليه.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «ومن المعلوم أن من الأغسال ما هو واجب
[ ٥ / ٢٦٨ ]
كغسل الجنابة والحيض والنفاس ومنها ما هو مؤكد قد تنوزع في وجوبه، كغسل الجمعة، ومنها ما هو مستحب، وهذه الأغسال لا تمكن في البلاد الباردة إلا في حمام، وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت، أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ»، انتهى.
وأذكر أن مجلسا جمعني ببعض إخواني بمدينة عين الحجر فجرى الكلام فيه على ذهاب المرأة للحمام فذكرت الحديث المتقدم، وما رأيته من جواز ذهابها للضرورة مع التحفظ واختيار الوقت المناسب والحمامات الفردية الخاصة بالنساء، وعين الحجر يومئذ لم يكن الغاز قد أدخل إليها مع برودتها في فصل الشتاء، وقد علمت أن بعض النساء مرضن وعانين من ظهورهن، فذكر بعض إخواني الذين أحبهم خلاف ما قلت، فقلت له: وما تفعل بالصلاة؟، قال: تتيمم، فقلت ممازحا: هب أنها جاز لها أن تتيمم فما تفعل في دفع النتن عن نفسها وإزالة الدرن الذي قد يكون سببا في إذاية الغير وفي نفرة زوجها منها؟، فأمسك عن الكلام.
ومما قاله ابن تيمية في هذا المعنى في مجموع الفتاوى: «الرجل إذا شعث رأسه وقمل وتوسخ بدنه كان ذلك مؤذيا له ومضرا حتى قد جعل الله هذا مما يبيح للمحرم أن يحلق شعره ويفتدي …، وقد تكون إزالة هذا الأذى والضرر في غير الحمام إما متعذرة، وإما متعسرة، فالحمام لمثل هذا مشروع مؤكد، وقد يكون فيه من المرض ما ينفعه فيه الحمام، واستعمال مثل ذلك إما واجب وإما مستحب وإما جائز، وقد يوجب الحمام له من الراحة ما يستعين به على ما أمر به من الواجبات والمستحبات، ودخولها حينئذ بهذه النية يكون من جنس الاستعانة بسائر ما يستريح به كالمنام والطعام كما قال معاذ لأبي موسى: «إني أنام وأقوم، وأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي»، انتهى ببعض تصرف.
والذي ذكرته في مسألة ذهاب المرأة إلى الحمام هو أخي وصديقي معمر بالشارف حفظه الله، وهو واحد من الذين دأبوا على نشر السنة والدعوة إلى التوحيد مع الصبر على الأذى في مدينة عين الحجر، وقد تأثر في هذا الشأن بسلفه في العمل الدعوي السني في هذه المدينة الشيخ الفاضل عبد القادر بوزيان، لقد سبق إلى هذا الأمر منذ أزيد من ثلاثة عقود وعانى من التضييق والأذى ما عانى، تداولت على أذاه أطراف مختلفة، لا يجمعها إلا
[ ٥ / ٢٦٩ ]
الجهل أو تعمد نصرة الباطل، ثم أقام في فرنسا داعيا إلى الله، وكان ينتاب عين الحجر أحيانا لينفع، ثم قامت الفتنة فتعرض للتهديد فترك ما كان فيه وعاد إلى فرنسا ثم سافر إلى أرض الحرمين، ثم أوذي مرة أخرى من قِبَلِ الدولة التي كان شيخي عز الدين يسميها أم الفجور، وصاحبة المفاتن والعطور، يقصد فرنسا، فأُخْرِجَ منها بأمر إداري من غير التفات إلى القضاء الذي يزعمون أنهم قد فصلوه عن السلطة التنفيذية، فكان في هذا خير له إن شاء الله، ومن ثمراته تفرغه للكتابة والتأليف، ثم من الله عليه بالإقامة في المدينة التي ملك حبها عليه قلبه فهو يلازم الدروس العلمية في مسجد رسول الله ﷺ.
لكن خلفه في هذه المدينة بعضهم فبذل جهدا مشكورا، ثم شاء الله أن ينكص على عقبيه، يسر الله تعالى لنا وله الهداية والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين، على أن العمل الدعوي المتين تجدد بعين الحجر على يد أخينا عبد القادر قصباوي وغيره جزى الله الجميع خيرا وهدانا وإياهم سبل الرشاد.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
لا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في ثوب واحد
• قوله:
١٥ - «ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد».
وهذا من سد الذرائع إلى الفساد، فيحرم التلاصق بين الرجلين والمرأتين في اللحاف الواحد إذا كانا بالغين غير مستوري العورة، والظاهر من النهي المنع مع ستر العورة، ويؤخذ هذا الحكم بطريق الأولى من قول النبي ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»، رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو، فإذا كان الأولاد في هذا السن يفرق بينهم في المراقد دفعا لتنبيه الغريزة قبل أوانها؛ فكيف بالكبار والغريزة فيهم قائمة؟، وسد الذرائع إلى الفساد قاعدة شرعية متفق عليها، ومع هذا فقد قال رسول الله ﷺ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد، وروى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها»، فما ذا يقول الذين ينشرون وسائل الفساد ثم يزعمون أنهم يحاربونه فيكونون كمن يقطع ذنب الأفعى زاعما أنه يقتلها.
[ ٥ / ٢٧١ ]
يجوز أن تخرج المرأة متسترة فيما لا بد لها منه
• قوله:
١٦ - «ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها».
قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قال القرطبي: «معنى هذه الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ، فقد دخل فيه غيرهن بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج إلا من ضرورة …»، انتهى.
ومن الأحاديث التي جاءت في هذا الأمر قول النبي ﷺ: «المرأة عورة، وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها»، رواه الطبراني عن ابن عمر، ورواه الترمذي عدا الجملة الأخيرة عن ابن مسعود، وقال حسن صحيح، ومعنى أنها عورة أنها ينبغي أن تستر بملازمة بيتها، وقوله «استشرفها الشيطان» أي تطلع إليها برفع بصره إليها ليغويها، ويغوي بها، وقال القرطبي: «فإذا مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام»، انتهى.
ومما يتعين أن تجتنبه في خروجها المشروع الطِّيب، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن تخرج في طرفي النهار، أو في الوقت الذي يخف فيه وجود الرجال، وأن تجتنب الأماكن المزدحمة، وإذا كان خروجها إلى المسجد يكون وهي تفلة، فكيف بخروجها لغيره؟، أما ما تخرج له فليست النساء بمتساويات في ذلك، فقد كانت المرأة تخرج لجذاذ نخلها ولسياسة فرس زوجها وقد تحتاج إلى البيع والشراء والتطبب وسبق ذكر الحاجة إلى الحَمَّام، ومنها زيارة والديها وإخوتها وأعمامها وحضور جنائزهم، ومن ذلك طلب العلم الشرعي الذي لا بد لها منه إذا كان زوجها أو وليها لا يُعَلِّمها، وليس منه والله - التعليم المدرسي الآن عند مناهزة الاحتلام في الأوضاع التي نعيشها.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وأين جهود الدعاة في تأسيس المدارس والمعاهد العلمية التي تقل فيها المخالفات ويبرز بها النموذج الشرعي الملائم، وهكذا الوظائف التي تتولاها المرأة في الغالب، إما لأنها غير جائز لها توليها، وإما لحصول المنكر في ممارستها لها، وأين المصلحة للمجتمع في تولي المرأة وظيفة الشرطي غير مجاراة الكفار، والبرهنة لهم على أننا نعطي للمرأة حقوقها المزعومة؟.
والحاصل أن كل حاجة لا تجد المرأة من يقوم بها من أوليائها أو زوجها يجوز لها الخروج لها بالشرط المتقدم، وقد استثنوا المرأة المتجالة وقد تقدم الكلام على معناها فهذه تخرج لكل شيء، كذا قالوا، وفيه نظر، أما غير المتجالة فقد قالوا إن كانت مخشية الفتنة لم تخرج أصلا، ولا يقضى على زوجها بخروجها لصلاة الفرض، وفيه نظر لمصادمته للحديث الناهي عن منع النساء من الذهاب للمساجد، وأمر النبي ﷺ بإخراج ذوات الخدور والحيض لصلاة العيد، وهي سنة عند أهل المذهب، أما إن كانت الشابة ليست مخشية الفتنة فإنها تخرج لصلاة الفرض ولحاجتها التي لا بد لها منها.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
لا تحضر المرأة جنازة فيها نوح ولا عرس فيه مزمار ونحوه
• قوله:
١٧ - «ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر».
يريد أن المرأة وقد شرع لها أن تخرج من دارها لحاجتها على الوجه المتقدم فلا يجوز لها أن تحضر جنازة والديها أو أقاربها وفيها نوح النائحة، فتجلس راضية له أو مشجعة، فإن أنكرت بما تقدر عليه فذلك لها، وقد قال النبي ﷺ: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه أحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة»، رواه أبو داود، ومعلوم أن مجرد الاجتماع عند أهل الميت فيه شيء فقد قال جابر: «كنا نَعُدُّ الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة»، رواه ابن ماجة، كما لا يصح لها أن تحضر العرس ونحوه من المناسبات السارة وفيه من آلات اللهو التي تقدم الكلام عليها، وكذا الغناء، وقد سبق أن ضرب الدف في النكاح وحده مشروع للإعلان، ومشهور المذهب أنه لا يضرب في غير النكاح كالختان والولادة والأعياد وغيرها من المناسبات، وتقدم الكلام على حكم الضرب بالكَبَر أيضا، والرجل في هذا مثل المرأة، بل أمره أشد لأنه يجوز لها ضرب الدف في النكاح، أما هو فقد اختلف فيه، فقيل في المذهب إنما يكره لذي المروءة بخاصة، وقيل يجوز له ذلك فإنه متى شرع جواز حضوره كان فعله تبعا لذلك، واحتجوا بإقرار النبي ﷺ ضرب الدف بحضوره، وما جاز فعله جاز سماعه، وفي الاحتجاج بالحديث المشار إليه على هذا الحكم نظر، فيتمسك بالأصل.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
تحريم خلوة الرجل بالمرأة غير المحرم
• قوله:
١٨ - «ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها في كل حال».
يقال خلا فلان بفلان إذا اجتمع به في خلوة أي انفرد به في موضع خال من الناس بحيث لا يراهما أحد، محجورا كان أو غير محجور، فهذا منهي عنه بين المرأة والرجل غير الزوج والمحرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة لأنه ذريعة إلى الفساد، فإن حصل استوجبا العقوبة ولو ادعيا الزوجية ما لم يثبتاها، ومن مكنهما من ذلك مع علمه كأرباب الفنادق والاستراحات ونحوها فهو معين على الإثم والعدوان، وقد قال النبي ﷺ: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم»، وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس، وقال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان»، رواه أحمد عن جابر، ومن عرف بالفجور فلا يجوز للمرأة أن تخلو به ولو كان محرما لها، ومعنى أن الشيطان ثالثهما قوة خواطر السوء في الخلوة مع افتقاد المانع من الإقدام على ما يدعو إليه الطبع، وشأن الشيطان تزيين الفواحش، لكنها تظل كامنة في النفس بخلاف الأمر في الخلوة.
وقد روى البخاري عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي ﷺ فخلا بها، فقال: «والله إنكم لأحب الناس إلي»، وهذه الخلوة ليست هي المنهي عنها، بل هي التي تكون بمعزل عن الناس بحيث لا يسمعون كلامهما، وهي جائزة للحاجة كالسؤال عن العلم ونحوه متى أمنت الفتنة، ولذا ترجم البخاري على الحديث بقوله: «ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس»، انتهى.
أما قول المؤلف: «ولا بأس أن يراها لعذر … الخ، يريد من غير خلوة، وذلك
[ ٥ / ٢٧٥ ]
كالتحقق من كونها الشاهدة، وهذا يكتفى فيه بالوجه، والتطبب عند الحاجة إليه، مع أنه ينبغي الاجتهاد في المعالجة عند المرأة قبل الرجل، وكون ذلك محتاجا إليه، لا مجرد زيارة الطبيب التي رتب الناس لها مددا من غير ضرورة، وهنا يقتصر على ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك الرؤية لأجل الخطبة، والتأكد من العيب المدعى من الزوج، وتنظره النساء إذا كان في غير الوجه والكفين، وقال بعضهم إن النظر إلى الوجه والكفين يجوز مطلقا ما لم تخش الفتنة، وهذا لا دليل عليه، فإن خشية الفتنة أمر نسبي يتفاوت الناس فيه، بل يتفاوت فيه الشخص الواحد بحسب الأوقات والأحوال فلا تناط به الأحكام، والشارع أمر بالغض من غير قيد، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
تحريم وصل الشعر والوشم والنمص
• قوله:
١٩ - «وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم».
النهي عن وصل الشعر وعن الوشم لا يختص بالنساء، وإنما خصهن بالذكر لأن الغالب أن يكون منهن عند قصر شعرهن أو قلته، أو عند ظهور الشيب، وقال العدوي والنفراوي إن النهي عن الوصل يقتضي أنها لو وضعت شعرا على رأسها من غير وصل جاز، ونسباه للقاضي عياض، وليس بصحيح، فإن الذي قاله في الإكمال غير هذا، بل هو ربط خيوط الحرير ونحوه مما لا يشبه الشعر لأجل التزين، فهذا ليس من الوصل، نقله عنه النووي في شرحه وابن ناجي كذلك، وقال القاضي عبد الوهاب عن الوصل: «والمعنى فيه أن فيه غرورا وتدليسا».
قلت: هي علة مستنبطة مناسبة، فتكون جزء علة للنص على أن فيه تغييرا لخلق الله.
وروى أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة»، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: «لُعِنَت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء» صحّحه الألباني، وجاء في حديث عبد الله بن مسعود الصحيح «والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله».
قال في النهاية: «الواصلة التي تصل شعر رأسها بشعر آخر زور، والمستوصلة التي تأمر من يفعل بها ذاك»، انتهى، وقد أخرج أحمد عن معاوية ﵁ مرفوعا: «أيّما امرأة أدخلت في شَعْرِها من شَعْرِ غيرها فإنما تدخله زورًا». ويقال في الواشمة والمستوشمة مثل ما تقدم، والوشم أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر»، كذا في النهاية، ولم يذكر المؤلف النمص، وهو في اللغة نتف الشعر، والمقصود هنا ما كان من الوجه، ولاسيما الحاجبان، والمتفلجات اللاتي تفصلن بين الأسنان المتلاصقة، وهو إنما يفعل بالرباعيات والثنايا، ويدعى الوشر أيضا، وقوله للحسن قيد في المنع، فإن فعلنه لدفع
[ ٥ / ٢٧٧ ]
ضرر فلا شيء فيه، والقيد الذي في حديث ابن مسعود من غير داء إن كان مرفوعا ينظر فيه، وقد قيل إنه يرجع إلى الوشم، وقيل إلى الجميع، والظاهر رجوعه لما يصلح له كالنمص إذا كثر الشعر وأصبح منفرا، كالتي تفعله جاهلةَ أو يفعل بها ثم تعرف الحكم فتتأذى وينفر منها زوجها، والله أعلم.
وقد حدث في هذا العصر ما هو أعظم وأخطر، فإن الأمر لم يعد مقتصرا على ترقيق الحواجب بالنمص، بل غدت بعض النساء تصبغن الحواجب بواسطة الليزر كي ترتاح من الاشتغال بها بالنمص، وأقبلت كثير من النساء على نفخ الشفاه وتضخيمها عن طريق حقنها، مع تزيين أطرافها بالكي بالليزر باللون المرغوب، بل أصبح لون العيون تحت الطلب أيضا، فمن رغبت في لون ركبت لها عدسة على وفقه، وكل ذلك محرم من غير شك:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها … مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية … وفي البداوة حسن غير مجلوب
[ ٥ / ٢٧٨ ]
يبدأ في لبس النعل باليمين وفي الخلع بالشمال
• قوله:
٢٠ - «ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله».
وهذا لعموم قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله»، رواه البخاري، ولقول النبي ﷺ: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، ولينزع بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
يقال انتعل إذا لبس النعل، وقوله: «ولتكن اليمنى … هو توكيد لما قبله، ويطرد البدء باليمين فيما كان من باب التكريم والتزين، كاللبس ودخول المسجد وحلق الرأس وقص الشارب ونتف الإبط، والبدء بالشمال في خلافه كالخروج من المسجد ودخول الخلاء وخلع الثياب.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
لا بأس بالانتعال من قيام
• قوله:
٢١ - «ولا بأس بالانتعال قائما».
رأيت بعضهم وهو يلبس نعله يكاد يسقط، وربما مشى بعضهم ولما ينته من لبس نعله فيعثر ويقع، والشرع لم يهمل هذا الأمر الذي قد يستقله بعض الناس، والنبي ﷺ بمثابة الوالد للمؤمنين يربيهم بصغار العلم وكباره، ولذلك لا تعجب إذا علمت أن النهي عن لبس النعل قائما جاء من رواية أربعة من الأصحاب، فروى أبو داود عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائما»، ورواه الترمذي عن أنس، وأبي هريرة، ورواه ابن ماجة عنه، وعن ابن عمر، وليس للرَّجُل مفهوم، فالمرأة مثله لأنه لقب، ولأن المفسدة في المرأة أشد، وقال المناوي في فيض القدير: «إن النهي في الحديث للإرشاد لأن لبس النعل قاعدا أسهل وأمكن»، انتهى.
وليعلم أن من النعال ما لا يحتاج في لبسه إلى أكثر من إيلاج الرجل فيه كالقبقاب، ومنها ما يحتاج لبسه إلى معالجة كالخفاف والأحذية الضيقة، فالأرفق بالمرء أن يلبسها من جلوس متى أمكن، لكن ينبغي أن يتنحى الفاعل من طُرُق الناس كما هو الشأن في المساجد والمواضع التي يكثرون فيها حتى لا يُضَيِّقَ عليهم المرور.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
كراهة المشي في نعل واحدة
• قوله:
٢٢ - «ويكره المشي في نعل واحدة».
سبحان الله، هذه الشريعة السمحة جاءت بالعدل في كل شيء، فإن في لبس نعل واحدة عدم الانسجام، وقد يؤدي إلى عدم انتظام المشي، أو فساد قوام الجسم واعتداله بطول هذا الفعل، ثم وجدت صاحب النهاية يقول: «وإنما نهي عن المشي في نعل واحدة لئلا تكون إحدى الرجلين أرفع من الأخرى ويكون سببا في العثار، ويقبح في المنظر، ويعاب فاعله»، انتهى.
وروى مالك والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، ولا خف واحد، لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمش في خف واحدة، ولا يأكل بشماله، ولا يحتب في الثوب الواحد، ولا يلتحف الصماء»، وهو عند النسائي عن أبي هريرة، والشسع بكسر الشين هو أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، هكذا في النهاية، والاحتباء أن يجمع المرء رجليه إلى بطنه وظهره بثوبه، وقد يكون ذلك الجمع باليدين، قال في النهاية: «وإنما نهي عنه لأنه إن لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدو عورته»، انتهى، والتحاف الصماء - ويقال اشتمال الصماء - وأن يدير المرء الثوب على جسمه من غير أن تكون يداه خارجتين عنه، ولعل علة النهي ما يخشى عليه من الأذى إن هو سقط لعدم تمكنه من استعمال يديه فإنه كالمربوط، وقيل في تفسيره غير ذلك، وقد تقدم، وقد نفّر النبي ﷺ أمّته من المشي في النعل الواحدة، فأخبر أنّه من فعل الشيطان، وأمر بالاستكثار من النعال، فعن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فقال: «أكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
[ ٥ / ٢٨١ ]
كراهة التماثيل في القباب والأسرة والجدران
تزيين الحكام مداخل المدن والساحات بالتماثيل المحرمة بالإجماع
• قوله:
٢٣ - «وتكره التماثيل في الأَسِرَّةِ والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن».
الأسرة جمع سرير ما يجلس عليه أو ينام عليه، والقباب جمع قبة، وهي معروفة، ومنها ما يجعل على الهودج الذي هو مركب النساء عند العرب، والجدران جمع جدار هي الحيطان، والخاتم بفتح الخاء وكسرها وفيه لغات أخرى، كل هذه الأمور وغيرها يكره عمل التماثيل أي الصور عليها، جمع تمثال بكسر التاء، وهو الذي يصنع على هيئة الشيء أيا كان، لكن المراد هنا ما كان على صورة ذوات الأرواح كالإنسان وسائر الحيوانات، فإن كان له ظل فهو محرم بالإجماع، إلا ما كان من لعب البنات للنص على ذلك، مع أنّ الناس قد بالغوا فيه إذ أنشئت له تجارة متخصصة، وهذا غير مشروع مع ما شمله من أنواع الحيوانات.
ومن العجب أن يضيق الواسع المباح أمام الحكام في بلدان المسلمين فلا يجدون ما يزينون به مداخل المدن والساحات والحدائق غير صور الجندي المجهول كما يصنع الكفار، وتماثيل الكلاب، ويأمر بعضهم بعمل تماثيل لهم ليخلدوا بها ذكراهم كما يزعمون، ولا يهتدون إلى ما يجوز من ذلك من الجرار والشموع والسنابل وأغصان الزيتون والنخيل ومجسمات الجبال وغير ذلك، أما إن كان التمثال مجرد صورة دون ظل فصنعه محرم كذلك، وكذا وضعه على ما تقدم، لا أنه مكروه كما ذكر المؤلف، بخلاف غير ذي الروح من الجمادات ومن الأشجار وسائر النباتات، وذهب بعضهم إلى منع ما كان منها مثمرا، ولا دليل عليه فيما أعلم، وما لم تكن شعار الكفار كالصلبان والنجمة التي يقال إنها نجمة داود ﵇ فتكون محرمة، والمذهب أن لبس الزنار موجب للردة، والصليب مثله بل أشد، أما ما كان كرموز الشركات والفرق الرياضية والجماعات الحزبية
[ ٥ / ٢٨٢ ]
ونحو ذلك فهذه أمرها مختلف، واجتناب ذلك كله هو الصواب.
وإنك لتعجب ممن يلبسون هذه الثياب وعليها هذه الأرقام كأنها لوحات ترقيم السيارات ويتزينون بها إذا جاءوا إلى المساجد وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل، وقوله: «وليس الرقم في الثوب من ذلك»، أي أنه لا يكره الرقم في الثوب أي الصورة فيه لأنها تمتهن فلا يخشى منه ما يخشى في حالة عدم الامتهان، وإن كان تركه أولى.
قلت: الثوب إذا كان ملبوسا فليس فيه امتهان، وقد أخذ بعضهم من هذا التعليل أن ما ذكر من الصور على الأَسِرَّةِ ونحوها إذا كان ممتهنا لم يكره.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل، أو تصاوير»، وروى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي طلحة قال، قال رسول الله ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة إلا رقم في ثوب»، والرقم النقش والوشي، وأصله الكتابة، والمراد هنا الصورة، قال الخطابي في المعالم في كتاب اللباس: «أما الصورة فهي كل ما تصور من الحيوان سواء في ذلك الصورة المنصوبة القائمة التي لها إشخاص، وما لا شخص له من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص بعض العلماء فيما كان منها في الأنماط التي توطأ وتداس بالرجل»، انتهى، وقال أيضا كما نقله عنه الحافظ: «والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن»، انتهى، فالحاصل أن صور ذوات الأرواح التي لا ظل لها إذا كانت كاملة لا يجوز أن تكون منصوبة سواء أكانت معلقة أو مصورة على الجدار أو على شيء كسي به الجدار، فإن قطعت أو كانت بحيث تمتهن؛ فهذه لا بأس بها، قال ابن العربي في العارضة: «إن الصور محرمة إن كانت أجسادا بالإجماع، فإن كانت رقما ففيها أربعة أقوال …»، وقد ذكر تلك الأقوال، وهي الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل فتمنع إذا كانت الصورة متصلة الهيئة قائمة الشكل، وتجوز إذا هتكت أو قطعت أو تفرقت أجزاؤها، والرابع الجواز إذا كانت ممتهنة، وقد اختار ابن العربي القول الثالث منها.
قال كاتبه عفا الله عنه: الكلام هنا يجري فيما كان من الصور موجودا مصنوعا، فلا
[ ٥ / ٢٨٣ ]
يتلف ما كانت الصورة فيه متى أمكن الاستفادة منه كأن يكون ثوبا أو قراما مثلا، لأنه مال، وقد نهينا عن إضاعة المال، إلا أن تعظم المفسدة، وليس حكم الاستعمال براجع على أصل صنع الصورة بالجواز، لأن الصنع يدخل في عموم الوعيد على التصوير، والظاهر أنه يصدق على ما كان غير ذي ظل فضلا عما كان ذا ظل، ومن حمل الوعيد الذي جاء في شأن التصوير على ما كان ذا ظل فقد أخطأ، وقد ذهب إلى هذا النفراوي ﵀، يدل على ما قلت ما رواه البخاري عن القاسم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: «أتوب إلى الله ما ذا أذنبت»؟، فقال: «ما هذه النمرقة»؟، قلت: «لتجلس عليها وتوسدها»، قال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة»، النمرقة بكسر النون والراء وضمهما جمعها نمارق هي الوسادة، ولا شك أن الصور هنا ليست ذات الظل، وهناك التصوير الذي هو حبس الظل، فهذا والله أعلم لا يدخل في الوعيد، لكن المخالفة فيه قد تأتي من الشيء الذي يصور، والغرض الذي لأجله يكون التصوير، أما تعليق الصور من هذا النوع فلا يختلف في كونه ممنوعا للعموم الذي مر بك، وقد شاع استعمال صور ذوات الأرواح في الثياب حتى إنك لا تكاد تعثر على ثوب تشتريه للطفل خال من ذلك وهو ينبئ عن فساد الذوق العام وعن الجهل بأحكام الله تعالى، وإلا فأين الحسن في لحاف أو ثوب يشترى لطفل عليه صورة كلب أو قرد أو دب، بل ما فائدة قبول أذواقنا لوجود صور للاعبي كرة القدم على صدورنا مع الشك في صحة صلواتنا إن صلينا بها؟، ولا ريب أن أذواقنا لو كانت سليمة لكف الصانعون عن ذلك لأنهم إنما يبيعون ما يروج وينفق، فهم إن كانوا مسلمين يجهلون أحكام الله أو يصنعون ما يحقق لهم الأرباح ولو علموا منعه، والتاجر الصادق يربي الأذواق، كما أن المشتري يمكنه أن يُعَدِّلَ من تصرف التاجر والله الموفق وهو الهادي.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى عما سخره لسليمان ﷺ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، فالجواب: أنه إما أن يكون المراد من التماثيل ما لم يكن من ذوات الأرواح،
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وإما أن هذا من الأمور التي كانت جائزة في شرعهم ثم نسخت في شرعنا، والأول أقوى، لما في كلام النبي ﷺ من لعن من فعل ذلك منهم كما في حديث عائشة أن أم سلمة ﵄ ذكرت للنبي ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله»، رواه البخاري، ومن كلام النبي ﷺ المناسب ذِكْرُه في هذا الباب قوله: «أما إن كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مالا، إلا مالا»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وقال العراقي في تخريج الإحياء: إسناده جيد، وضعفه الألباني، وقوله: «إن الرَّجُلَ يؤجر في نفقته كلّها إلا في هذا التراب»، عزاه في الصحيحة برقم (٢٨٣١) لهناد بن السرى في الزهد عن خباب، وجاء عنه أنه نهى أن تستر الجدارن، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٨٥ ]