أي باب في ذكر بعض آداب الطعام والشراب، وهما دليل على أن الإنسان فقير محتاج، وأنه لا يستحق أن يعبد، ولذلك قال الله تعالى يرد على من أله عيسى وأمه ﵉: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال تعالى يرد على من رأوا أكل الطعام والمشي في الأسواق غير لائق بالنبي ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾
[عبس: ٢٤].
وقد ذكر ربنا في كتابه ما يشترك الإنسان والأنعام وغيرهما من الحيوان في أصله، وطوى ذكر ما يختص بالإنسان من الصنع والتحويل والتعديل، فمن كان همه الأكل فقط من غير شكر من أطعمه وسقاه بتوحيده وعبادته كان كالحيوان، بل كان أضل منه، وقد جمع الله تعالى بين الصنفين في سياق واحد في سور طه والسجدة والنازعات وعبس، ليمتن على عباده بما أخرج لهم من الأرض من النبات الذي هو معظم طعامهم، وللاستدلال بذلك على إحيائه خلقه وبعثهم، قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾، وقال: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]، وتأمل خاتمة هذا الدعاء الذي روي أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قاله: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»، رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد، وعزاه الغماري للترمذي، أما الإله الواحد الأحد الفرد الصمد فإنه هو الذي يرزق عباده ويطعمهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧].
[ ٥ / ٢٨٦ ]
الإشارة إلى آداب الأكل القبلية والبعدية والمقارنة
وآداب الأكل أقسام ثلاثة: متقدمة عليه، ومقارنة له، ومتأخرة عنه، فمن الأول غسل اليد عند الحاجة إليه، والاجتماع على الطعام، وأن يسمي الله، ومن الثاني ارك الدل في آنيتي الذهب والفضة، وفعل ذلك باليمين، وترك الاتكاء، وترك الأكل من رأس الصحفة، والاقتصاد في الأكل والشرب، والأكل مما يليه، وعدم التنفس في الإناء والنفخ فيه، ومص الماء لا عبه، ولوك الطعام وتنعيمه، وترك القران في التمر ونحوه، وعدم جعل النوى مع التمر ونحوه، والأكل مما يليه، ومن الثالث لعق الأصابع قبل مسحها أو غسلها، وسلت الصحفة، وأكل ما سقط من الطعام، وحمد الله تعالى، والدعاء لصاحبه، وتنظيف الفم وغسل اليد، وقد ذكر المؤلف معظم هذه الأمور فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
يقول الآكل بسم الله ويأكل بيمينه ويحمد الله عند الانتهاء
• قوله:
٠١ - «وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل الحمد لله».
ذكر هنا التسمية والتناول باليمين، وحمد الله تعالى، وقوله إذا أكلت،،، أي إذا أردت الأكل، وله أمثلة عديدة قي القرآن كما في الأمر بالاستعاذة وآية الوضوء وأول سورة الطلاق، وقوله «فواجب عليك»، أي على كل آكل، فهو مطلوب عينا، والظاهر أن الجهر به مطلوب في الجماعة، لأنه تذكير لمن نسي، وتعاون على البر، بخلاف الحمد لما قد يسببه من الحرج لمريد الزيادة، وحملوا قوله فواجب عليك في الأمور الثلاثة على أنه واجب وجوب السنن كما تقدم مرارا، والظاهر أن التسمية واجبة يأثم تاركها المتعمد، للأمر بها، وللأمر بتداركها ممن نسيها، ولكون الشيطان يأكل من الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه، وإطعام الشيطان لا يجوز، كما أن إتلاف الطعام لا يجوز، واختلف في زيادة الرحمن الرحيم، والاقتصار على ما يصدق عليه مسمى البسملة أولى، لكن ما رد به بعضهم تلك الزيادة من أنها تنافي الأكل لأنه عذاب واستهلاك كالذبح؛ لا يقبل، بل هو شنيع، فإن قول الآكل بسم الله مفرد مضاف، فيعم كل أسمائه سبحانه، وكل معانيها صالحة مناسبة هنا، إذ يستشعر رحمة الله وفضله بما رزقه، وانتقامه إن هو أكل ما لا يحل له، أو استعان به على غير مشروع له، وقدرته لأنه هو الذي يقدره، إذ لا حول له ولا قوة إلا به، وهكذا، أما الأكل باليمين؛ فلا يختلف حكمه عن البسملة فيما يظهر لما تقدم فيها، وسيأتي المزيد
ومما جاء في التسمية قول النبي ﷺ: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله، فإن نسي فليقل بسم الله على أوله وآخره»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وهو حجة في الاقتصار على لفظ بسم الله كما ترى، وفيه تدارك التسمية ممن فاتته، وهذا من لطف الله ورحمته بعبده، وآخر الطعام هو ما بقي منه، وأوله ما مضى قبل التذكر،
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وجاء ما يدلّ على تكرير التسمية على الشراب الذي يقطعه المرء في أنفاس ثلاث مرات، وروى أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإن لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء»، وذكر الله هنا مجمل قد بين في غير هذا الحديث، ويحتمل أن يدخل فيه حمد الله بعد الأكل فيكون مانعا من أكل الشيطان، والله أعلم، ومن ذلك حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: كنت غلاما في حجر النبي ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك»، رواه أحمد والشيخان، قوله تطيش، أي تجول في نواحي الصحفة، وهي بالصاد والحاء وزن القصعة غير أنها أكبر منها.
أما حمد الله تعالى بعد الأكل فقد روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها»، والأكلة والشربة بفتح الأول فيهما هي الواحدة منهما، وبضمهما ما يؤكل ويشرب، والظاهر أنه إن قال الحمد لله فقط كفاه، والأولى له أن يتجاوز الحمد المطلق إلى المقيد أعني الذي فيه وصف الله بما وصفه به نبيه في هذا المقام، ومن ذلك أنه ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا»، رواه البخاري عن أبي أمامة، غير مكفي، غير محتاج لأحد، بل هو الصمد المحتاج إليه، ولا مودع، ولا متروك الطاعة، ومما يقوله قبل ذلك، ويحتمل أن يكون على ظاهره بحيث يقوله بعد الأكل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم باركنا لنا فيه، وأبدلنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا»، وسوغه سهل مروره إلى المعدة، وجعل له مخرجا لأن خروجه يندفع به الأذى
[ ٥ / ٢٨٩ ]
عن الإنسان، كما في الدعاء عند الخروج من بيت الخلاء: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، رواه ابن ماجة عن انس وهو ضعيف.
وقال بعضهم إن من آداب الأكل أن يعقبه بالصلاة على النبي ﷺ نسبه على العدوي إلى الأقفهسي، ولا شك أن الصلاة على النبي ﷺ من خير الأعمال وفيها فضل عظيم، ولكن جعلها مما يقال بعد الأكل مفتقر إلى الدليل، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
لعق الآكل أصابعه قبل مسحها
• قوله:
٠٢ - «وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها»
ومن الحكمة في اللعق أن فيه تواضعا، وفيه حرص على عدم إضاعة المال، ولو قليلا، ولجهل البركة في الطعام أين تكون؟، ومن الحرص على عدم إضاعة المال الأمرُ بأكل اللقمة إذا سقطت بعد إماطة الأذى عنها وعدم تركها للشيطان، وقوله حسن أن تلعق،،، حسن خبر مقدم، والمبتدأ هو المصدر المنسبك من أن المصدرية ومدخولها، يريد أنه يستحب لعق الأصابع من إطلاق البعض على الكل، وإنما تلعق الثلاثة التي يؤكل بها، وهي الإبهام والسبابة والوسطى، ويترك الأكل بأكثر منها إلا عند الحاجة ككون الطعام لا يعالج إلا بما زاد، وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان»، وأمرنا أن نسلت الصحفة، وقال: «إن أحدكم لا يدري في أي طعامه يبارك له»، هذا لفظ أبي داود، وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلعقها، أو يُلعقها»، أي يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك كالزوجة والولد وغيرهم متى علم ذلك منهم.
[ ٥ / ٢٩١ ]
جعل الآكل ثلث بطنه للطعام ومثله للشراب وللنفس
• قوله:
٠٣ - «ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنَّفَسِ».
كأن هذا التقسيم الثلاثي أقصى ما ينبغي أن يصل إليه الآكل الذي يريد أن ينتفع بالأكل، ومن وقف دونه فهو خير له، وقد جاء في هذا قول النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صُلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ»، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه عن المقدام بن معديكرب، وإنما جعل الثلث للنفس، لأن المعدة إذا امتلأت ضاق تنفس المرء لضغطها على الحجاب الحاجز بين البطن والرئتين، ولو عمل الناس بهذا الهدي الرباني لوفروا كثيرا من الغذاء، ولاستغنوا عن معظم الدواء، ولقل وقتهم الضائع، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يربط الحَجَرَ على بطنه من الغَرَث» وهو في الصحيحة برقم (١٦١٥) معزوا لابن الأعرابي في معجمه عن أبي هريرة، والغرث: الجوع.
[ ٥ / ٢٩٢ ]
أكل المرء مما يليه إذا كان مع غيره
• قوله:
٠٤ - «وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك».
سبق دليل هذا، وهو حديث عمر بن أبي سلمة، وفيه «وكل مما يليك»، وقيده المؤلف بما إذا كان مع المرء غيره، وذلك لما فيه من الدلالة على الشراهة وسوء الخلق، وقد يتقذر الناس ذلك وينفرون، وقد يترتب عليه أخذ نصيب غيره، وزاد بعض الشراح قيدا آخر وهو أن لا يكون مع زوجه وأولاده، فإن كان في الصحفة أصناف من الأكل كل على حدة وأخذ نصيبه مما يشتهي من غير تجاوز فلا بأس، والظاهر أن يأكل المرء مما يليه ولو كان وحده، أو كان في أهله، للإطلاق الذي في الدليل، وليتعود على ذلك، فإن الخير عادة والشر لجاجة، وقد قيل:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد
[ ٥ / ٢٩٣ ]
التأني في الأكل ومقاومة الشره
• قوله:
٠٥ - «ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ من الأخرى».
وهذا مطلوب ولو كان الآكل وحده لما فيه من الضرر الناشئ عن التفريط في إجادة المضغ، والتأني في الابتلاع، وتوالي اللقم قد يسبب الشرق، وأثبت المختصون أن إشارات الدماغ بالشبع مع السرعة في الأكل لا تنتظم، أما إن كان مع غيره فينضم إليه الافتيات على حقه، بل إنه إن كانت عادته الإسراع في التناول والعجلة في المضغ تعين عليه أن يسير بقدر غيره فيستأني، إلا في حقه المعين كأن يوزع اللحم أو غيره أجزاء لكل أحد نصيبه.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
النهي عن التنفس في الإناء وعب الماء
• قوله:
٠٦ - «ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولْتُبِنِ القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا».
جاء النهي عن التنفس في الإناء، وعن النفخ فيه، والتنفس ينشأ من عدم تقطيع الشرب ممن يحتاج إلى الكثير، والنفخ قد يحصل بغرض إبعاد شيء في الإناء يتقذر أو يؤذي، أو بغرض تبريد ما هو ساخن، وقد أثبت العلم أن الهواء حين يخرج من جوف المرء يكون محملا بثاني أوكسد الكربون، وفيه سموم فهو ضار وهذا موجود في التنفس والنفخ، وفي الأخير زيادة احتمال وصول شيء مما في فم المرء إلى الإناء، مع أنه إن فعل بحضرة الناس يتقذرونه، وقد ينقل إليهم مرضا، وحسبنا نهي نبينا ﷺ إذ قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، رواه الشيخان والترمذي عن أبي قتادة، وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه»، وروى مسلم والترمذي وابن ماجة عن أنس أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا، ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، لفظ مسلم، فذكر هذه الفوائد الثلاثة، فتقطيع الشرب يروى معه الشارب أكثر مما يروى بالشرب دفعة، وأبرأ فهو أبعد عن أن يضر به إذا نزل إلى المعدة بقوة، وكثيرا ما يشرق به، ولأنه قد يكون شديد البرودة أو لغير ذلك، وأمرأ أي أن عاقبته سليمة، فإن الأكل والشرب قد يسلتذ ويستطاب أول الأمر ويكون في النهاية مضرا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وليس المراد من الحديث أنه ﷺ كان يتنفس داخل الإناء، بل معناه أنه كان يشرب شربا متقطعا ثلاث مرات ليتنفس، وقد ترجم عليه ابن ماجة بقوله: «الشرب بثلاثة أنفاس»، والمطلوب حينئذ أن يبين القدح عن فمه، وقد جاء ذلك مبينا أتم بيان في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: «القداة أراها في
[ ٥ / ٢٩٥ ]
الإناء»؟، قال: «اهرقها»، قال: «فإني لا أروى من نَفَسٍ واحد»؟، قال: «فَأَبِنِ القدح عن فيك»، رواه مالك في الموطإ، وعنه أحمد والترمذي والحاكم، وقوله أبن القدح عن فيك، أي أبعده لتتنفس، ثم عاود الشرب، ومن الآداب أن لا يرجع إلى الإناء بعض ما رفعه إلى فمه سواء أكان ذلك بيده أو بملعقة لأن مجالسه قد يؤذيه ذلك.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية»، رواه البخاري ومسلم، والاختناث أن تكسر أفواهها فيشرب منها، قال في النهاية: «خنثت السقاء إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه، وقبعته إذا ثنيته إلى داخل، وإنما نهى عنه لأنه ينتنها، فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها، وقيل لا يؤمن أن يكون فيها هامة، وقيل لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء».
وروى أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب»، قال في النهاية هو: «موضع الكسر منه، وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، وقد جاء في لفظ الحديث «إنه مقعد الشيطان» ولعله أراد به عدم النظافة.
وقوله: «ولا تعب الماء عبا، فسر العب في النهاية بأنه الشرب بلا تنفس، وفسر بأنه الشرب بلا مص، وهذا هو اللائق بمراد المؤلف، لجعله مقابلا للمص، والعب تفعله الدواب في شربها، ومعناه أن يجذب الماء إلى داخل فمه بالنفس، ومقابله أن يمصه من غير استعمال النفس، فيكون المطلوب في الشرب ثلاثة أمور: أن لا يتنفس في الإناء، وأن لا يشرب في نَفَس واحد، وأن لا يعب الماء بل يمصه، وقد قيل إن العب يورث الكباد وهو داء يصيب الكبد عافانا الله وإياكم منه، وقد جاء في النهي عن العب والأمر بالمص آثار مرسلة.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
لوك الطعام وتنعيمه قبل ابتلاعه
• قوله:
٠٧ - «وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه».
من الطعام ما ليس مفتقرا إلى اللوك والمضغ كالخزيرة والتلبينة والحريرة عندنا، ومنه ما يحتاج إلى معالجة خفيفة كالكسكس والثريد، ومنه ما يكون محتاجا إلى عناية خاصة باللوك والمضغ والتنعيم كاللحوم والخضر والفواكه اليابسة فلا ينبغي للمرء أن يتهاون في العناية بمضغه وتنعيمه لما يلزم عليه من تسهيل عمل المعدة وتجنيبها الإرهاق، ولما فيه لك من الاستفادة من الأكل بتذوقه وقصر المدة المستغرقة في تحوله إلى طاقة، ولهذا خلق الله تعالى لنا الأسنان أصنافا منها ما نقطع به ومنها ما نمضغ به، ومن منافع التأني في المضغ كفكفة شدة الرغبة في الأكل، والتخفيف من النهم.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
تنظيف الفم وغسل اليد من اللبن والغمر وتخليل الأسنان
• قوله:
٠٨ - «وتنظف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن».
يشرع غسل الفم بالمضمضة متى شرب المرء لبنا ونحوه مما فيه دسم، وقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس أن النبي ﷺ شرب لبنا، ثم دعا بماء، فمضمض وقال «إن له دسما»، وجاء من قوله ﷺ أيضا، وفيه إشعار بعلة المضمضة وهي الدسومة، فيسن غسل الفم مما كانت فيه، قال الحافظ: «ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف، انتهى.
قلت: لكن تتأكد مطلوبية غسل اليدين بعد الطعام متى كان بهما دسم أو ودك إذا أراد المرء النوم لما رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا نام أحدكم وفي يده غَمَرٌ فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، الغَمر بفتح الغين والميم هو الدسم والزهومة من اللحم كالوضر من السمن»، قاله في النهاية، وفي الحديث دليل على تأكد ذلك عند إرادة النوم، لأن الدسم مجلبة للهوام والحشرات فتقترب من المرء وهو غافل لشمها رائحة الطعام، وقد تلسعه وتعضه، وقد تجول يده فتصيب عينَه فيتأذى أيضا، فضلا عما يخلفه ذلك من الرائحة المنتنة، وهذه تربية عظيمة على التنظف يغفل عنها كثير من الناس.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
• قوله:
٠٩ - «وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام».
إذا كان ما يبقى من الطعام بين الأسنان يزول بالاستياك أو بمجرد المضمضة فإنه يكفي، وإلا أزال ذلك بغيره لأنه من تمام تنظيف الفم، وقد تقدم ذكر مشروعية المضمضة من الدسم، وإزالة ما بين الأسنان مشمولة بذلك، وقد روى أحمد ﵀ عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: «حبذا المتخللون»، قيل: «وما المتخللون»؟، قال: «في الوضوء والطعام»، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «حبذا المتخللون من أمتي»، قالوا: «وما المتخللون يا رسول الله»؟، قال: «المتخللون بالوضوء، والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء؛ فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، وأما تخليل الطعام فمن الطعام، فإنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما شيئا من الطعام وهو قائم يصلي»، قال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن عزا الحديث لأحمد والطبراني في الكبير: «وفي إسنادهما واصل الرقاشي، وهو ضعيف»، انتهى، وعن أنس مرفوعا: «حبذا المتخللون من أمتي»، رواه ابن عساكر، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني، وانظر إرواء الغليل له أيضا الحديث رقم (١٩٧٥)، فما أعظم ما خدم هذا الرجل السنة ﵀.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
النهي عن الأكل والشرب بالشمال
• قوله:
١٠ - «ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال».
يشير إلى قول النبي ﷺ: «لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، فكيف يتشبه المؤمن بالشيطان ويترك التشبه بأهل الإيمان، وقد تقدم أمره لعمر بن أبي سلمة بذلك، والظاهر وجوب الأكل باليمين للقادر عليه، وقال بعضهم باستحبابه فحسب، وقد أمر النبي ﷺ رجلا رآه يأكل بشماله بقوله: «كل بيمينك»، فقال: «لا أستطيع»، فقال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه»، رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، والظاهر أنه كان منافقا، وبعضهم يمكنه الأكل بيمينه لكن يعسر عليه كسر ما تعوده كما هو مشاهد عند بعض الناس، فهذا عليه أن يقاوم ذلك حتى يعتاد، أما من كان به جرح أو شلل أو ضعف يمنعه من التناول فإن قواعد الشريعة قاضية بأن الإثم مرفوع عنه.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
مناولة الشارب من على يمينه لا فرق بين صغير وكبير
• قوله:
١١ - «وَتنَاوِلُ إذا شربتَ مَنْ على يمينك».
لا فرق في هذا الحكم بين صغير وكبير، بل ولا بين كافر ومؤمن في الظاهر، فمن كان على اليمين فهو أحق، وقد روى مالك في الموطإ والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قد أوتي بلبن قد شيب بماء من البئر، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن»، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: أوتي رسول الله ﷺ بلبن، وعن يمينه ابن عباس، وعن يساره خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ لابن عباس: «أتأذن لي أن أسقي خالدا»؟، فقال ابن عباس: «ما أحب أن أوثر بسؤر رسول الله ﷺ على نفسي أحدا»، فأخذ ابن عباس فشرب، وشرب خالد»، فابن عباس كان عالما بحكم رسول الله ﷺ في المسألة وانضم إلى ذلك ما رغب فيه من التبرك بسؤره، والنبي ﷺ استأذنه أن يتنازل عن حقه، فتمسك به، كما فعلت بريرة بعد أن علمت أن النبي ﷺ لا يأمرها بالبقاء تحت مغيث، وإنما هو شافع.
أما في غير السقي كالكلام فإنه يقدم الكبير، لقول النبي ﷺ: «كبر كبر»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن سهل بن أبي حثمة في قصة القسامة، وجاء أيضا «البركة مع أكابركم»، رواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس، ومن ذلك قوله ﵊ وعلى آله في حديث ابن عمر: «أمرني جبريل أن أقدم الأكابر»، وهو في الصحيحة برقم (١٥٥٥).
[ ٥ / ٣٠١ ]
النهي عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب
• قوله:
١٢ - «وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب».
تقدّم الكلام على النفخ في الطعام والشراب، وقد قالوا إن النفخ في الطعام أشد، لأن الماء يدفع عن نفسه، ولا فرق بين ما كان من الطعام حارا وغيره فلا يشرع النفخ فيه لتبريده إن كان حارا أو لتسخينه إن كان باردا، فليعتمد على غير هذه الوسيلة للوصول إلى المبتغى في الحالين، كما تقدم في القذاة إذ قال النبي ﷺ فليرقها».
ومن السنّة أن يترك الطعام الحار حتى بذهب فوره، فقد روى الدارمي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه أعظم للبركة».
أما النفخ في الكتاب فلا فرق بين كتاب العلم وما يكتبه المرء من المراسلات لغيره، وترك النفخ في كتب العلم المقصود منه أن لا يبزق أو ينفث على إصبعه ليتمكن من قلب الورقة إذ تلتصق بالأخرى فلا تنفصل عنها إلا بذلك، فهذا إن حصل فيه إفساد لورق الكتاب إذا توالى ذلك عليه، وقد يؤدي إلى تلويثه، ومحو بعض ما فيه، ولا ريب إن لكتب العلم حرمة تنافي هذا الصنيع، فإن كان قرآنا فالمفسدة أعظم.
أما المراسلات فما أدري ما وجه النفخ فيها حتى ينهى عنه؟، ولعل المقصود هو مقابل ما جاء من الأمر بتتريب الكتاب كما في سنن الترمذي عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه، فإنه أنجح للحاجة»، قال الترمذي منكر، والتتريب أن يجعل التراب على الشيء، ومنه ترب وجهك، أي صل على التراب، لكن اختلف في معنى التتريب في الحديث على فرض ثبوته، فقيل هو كناية عما ينبغي أن يكون عليه كاتبه من المبالغة في التواضع في مخاطبة المرسل إليه، وقيل معناه أن يجفف المداد بالتراب لئلا تنطمس الحروف، وهذا هو الصحيح، فيحمل النهي الذي في كلام المؤلف عن النفخ في المراسلات على تجفيفها بالنفخ، أما ما قاله بعضهم من أنه قد شاع: «ما خاب كتاب
[ ٥ / ٣٠٢ ]
ترب»، فما أدري وجهه، وأغلب ظني أنه من الخزعبلات التي يتداولها بعض الشراح دون فحص ولا تدبر، والله الهادي.
وقد ذكر بعض الشراح كما أشار إليه الغماري أن النهي عن تتريب الكتاب جاء مرفوعا في حديث رواه البزار، ونقل بعضهم ذلك عن بعض، منهم أحمد زروق، والتتائي، والنفراوي، وأبو الحسن، لكن نقل العدوي في حاشيته عن القرافي والفاكهاني أن البزار إنما روى النهي عن النفخ في الطعام والشراب، وهو الذي قاله ابن ناجي، وقريب منه قول القلشاني، فهؤلاء تحروا ورجعوا إلى أهل الاختصاص، وقد قال يوسف ابن عمر في شرحه عن النهي في النفخ في الكتاب إن هذا مما انفرد به ابن أبي زيد، لعله يريد انفراده بذكره دون غيره من أهل المذهب، وقد علمت أنه لم يُرْوَ أيضا.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة
• قوله:
١٣ - «وعن الشرب في آنية الذهب والفضة».
يريد أنه جاء النهي عن ذلك، والمنع يتناول الأكل والشرب والاقتناء، لأنه ذريعة إليهما، أو لأنها كنز، وخرج الباجي جواز اقتنائها من جواز بيعها كما في المدونة في غير موضع، قال خليل: «وحرم استعمال إناء نقد واقتناؤه»، انتهى.
وقد دل على المنع من الأكل والشرب فيها قول النبي ﷺ: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، ولا تلبسوا الحرير ولا الديباج، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن حذيفة، وقال النبي ﷺ: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، رواه مالك والبخاري ومسلم - وهذا لفظه - عن أم سلمة، يجرجر يحدر فيها نار جهنم، فجعل الشرب والجرع جرجرة، وهي صوت وقوع الماء في الجوف،،،»، كذا في النهاية، والنهي لترك التشبه بغير المسلمين، ولأنها قيم المتلفات، وهي أيضا من خاص نعيم أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ (٣١)﴾ [الكهف: ٣١].
[ ٥ / ٣٠٤ ]
الشرب في حال القيام
• قوله:
١٤ - «ولا بأس بالشرب قائما».
مما جاء في الشرب قائما حديث أنس قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يشرب الرجل قائما»، قال قتادة: «فقلنا: «فالأكل»؟، فقال: «ذاك شر وأخبث»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وجاء بلفظ: «زجر عن الشرب قائما»، وروى مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ»، وروى أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يشرب قائما فقال: «قه»، قال: «لمه»؟، قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر»؟، قال: «لا»، قال: «قد شرب معك من هو شر منه الشيطان»، وأمره بالاستقاء، وإخباره أن الشيطان شرب معه يشعر بمنع الشرب قائما، وما قيل من أنه لم يختلف في أن من شرب قائما ليس عليه الاستقاء دفع في وجه الدليل من غير تثبت، قال النووي: «وكيف تترك هذه السنة الصحيحة بالتوهمات الباطلة»، انتهى، ومما جاء من فعله ﵊ ما رواه أحمد والشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: «شرب النبي ﷺ من زمزم قائما»، وروى أحمد والبخاري عن علي أنه شرب وهو في رحبة الكوفة قائما، وقال: «إن أناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت»، والجمع بين طرفي الأدلة هو المقدم، فيكون الشرب في حال القيام من غير عذر مكروها كراهة شديدة، وفعل النبي ﷺ ذلك إما للعذر، وإما لبيان الجواز، ولا يكون فعله حينذاك مكروها، لأن الله تعالى أوكل إليه بيان الدين للناس، ويتأيد كون الشرب في حال القيام ليس محرما ما رواه مالك في الموطإ بلاغا من أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياما، وما رواه عن جعفر القاري أنه رأى عبد الله بن عمر يشرب قائما، وعن ابن شهاب أن عائشة وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بالشرب قائما بأسا، وروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان يشرب قائما»، فالحاصل
[ ٥ / ٣٠٥ ]
أن الشرب قائما مكروه، لكن من فعل ذلك عامدا من غير عذر فعليه أن يستقيء، وهذا تأديب للفاعل حتى لا يتعمد ترك ما أمر به من غير داع، وإذا علل الشرب قائما بما فيه من المضار الجسمية، وقيل بمجرد الكراهة لزم القائل به أن يكون المكروه المعلل بمصالح البدن عنده أقوى منعا من المكروه التعبدي، والله أعلم
[ ٥ / ٣٠٦ ]
لا يدخل المسجد من أكل الثوم والبصل والكراث
• قوله:
١٥ - «ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل أن يدخل المسجد»
تواتر عن النبي ﷺ نهي من أكل الثوم عن دخول المسجد، وقد روى مالك عن سعيد المسيب أن النبي ﷺ قال: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم»، وروى الشيخان من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، لفظ مسلم، وفي رواية: «وليقعد في بيته»، والثوم بضم الثاء بقل معروف، والكراث بضم الكاف والراء المشددة بقلة شبيهة بالبصل، والتعليل بتأذي الملائكة لا يمنع أن تكون العلة تأذي بني آدم، وقد يستنبط منه أنه لا يأتي إلى المسجد ولو لم يكن فيه أحد لوجود الملائكة فيه، ولا يعترض عليه بوجود الملكين مع كل امرئ، لما للمسجد من الحرمة ولكثرتهم.
أكل ما ذكر مباح، لكن من أكله لا يدخل المسجد ما دامت الرائحة فيه، فإن احتال بأكلها كيلا يذهب فهو آثم، وإنما منع من دخول المسجد لما يلحق الناس من الأذى بسبب الرائحة، فإن أكل مطبوخا فلا حرج فيه، ولهذا المعنى كان أكل ما ذكر محرما على النبي ﷺ لمناجاته الملك، وقد قال لبعض أصحابه «كل فإني أناجي من لا تناجي»، والعبرة هنا أن الثوم والبصل والكراث ونحوها حلال، ومع ذلك منع آكلها من دخول المسجد، فكيف بما كان محرما لضرره وخبث رائحته كالدخان، أليس هو أحرى أن لا يجوز لفاعله دخول المسجد، مع أنه يتكرر، فيقال له اختر بين الاستمرار على التدخين مع تركك الصلاة في المسجد، وبين الإقلاع عن هذا الداء الضار لك ولغيرك، وبعض أهل العلم قال بعدم دخول آكل الثوم ونحوه السوق واعتبره نقص مروءة، واعتمد في ذلك على قول النبي ﷺ: «وليقعد في بيته»، والظاهر أن الأسواق لا حرمة لها، ولأن من بها يتمكن من الابتعاد عن الأذى بخلاف المساجد ومجالس العلم وصلاة العيد والجنازة والولائم، وألحق بعضهم بما ذكر من بفمه بخر أو فيه جرح منتن، واذكر في زمانك هذا الجوارب التي يفرط فيها
[ ٥ / ٣٠٧ ]
أصحابها حتى تصير منتنة، وقد يضع المرء الذي يصلي خلف صاحبها أنفه في سجوده عندها، ومن المطلوب أن يتحفظ المصلي حين جشائه فيكفه ولاسيما إذا كان به رائحة كريهة، وقد قال النبي ﷺ: «كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة»، رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر، والجشاء بضم الجيم تنفس المعدة عند الامتلاء وغيره.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
يكره أن يأكل المرء متكئا
• قوله:
١٦ - «ويكره أن يأكل متكئا».
روى البغوي في شرح السنة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت، قلت: يا رسول الله كل، جعلني الله فداك متكئا، فإنه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، وقال: «بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد»، وهو في الصحيحة برقم (٥٤٤)، وهذا التعليل يمنع اعتبار ترك الأكل متكئا من الخصائص كما ذهب إليه بعضهم، وسيأتي له نظير.
وروى البخاري عن أبي جحيفة قال، قال رسول الله ﷺ: «إني لا آكل وأنا متكئ»، وقال النبي ﷺ وقد جثا: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدًا، رواه أبو داود، وسيذكر بتمامه بعد، وقال النبي ﷺ من جملة حديث: «ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معديكرب.
قال في النهاية: «المتكئ في العربية كل من استوى على وطاء قاعدا متمكنا، والعامة لا تعرف المتكي إلا من مال في قعوده على أحد شقيه، والتاء فيه بدل من الواو وأصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، ومعنى الحديث أني إذا أكلت لم أقعد متمكنا فعل من يريد الاستكثار منه، ولكن آكل بلغة»، انتهى، وقال الخطابي ﵀ في المعالم مثله مختصرا، وقال الشيخ أبو الحسن في شرحه: «وصفة الاتكاء أن يميل على مرفقه الأيسر»، وقال علي العدوي: «وفي الاتكاء قولان آخران: التربع وهو للخطابي، ثانيهما أن يكون مستندا من غير ميل لشق، والاتكاء بالأوجه الثلاث يحرم عليه ﷺ، وكذا ينهى عن الجلوس على الركبتين كابا رأسه على الطعام»، انتهى.
قلت: هذه الصفة الأخيرة فعلها رسول الله ﷺ، وقال عنها ما ستقف عليه، وهي أن
[ ٥ / ٣٠٩ ]
يجلس المرء على ركبتيه، وصدور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى، ويجلس على اليسرى، أما ما ذكره من معنى الاتكاء فقد علمت معناه في اللغة وعلة امتناعه منه ﷺ، أما غيره فقد قال عنه في النهاية: «ومن حمل الاتكاء على الميل على أحد الشقين؛ تأوله على مذهب الطب، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا يسيغه هنيئا، وربما تأذى به».
[ ٥ / ٣١٠ ]
يكره أن يأكل من رأس الثريد
• قوله:
١٧ - «ويكره الأكل من رأس الثريد».
لا خصوصية للثريد وإنما عبر به لذكره في بعض الحديث، أو لأنه غالب طعام الناس، ثم هو مثال لما يستمسك من الطعام فيكون له رأس، وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها»، وعن عبد الله بن بسر قال: كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجدوا الضحا أتي بتلك القصعة - يعني وقد ثرد فيها - فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ، فقال أعرابي: «ما هذه الجلسة»؟، قال النبي ﷺ: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عئيدا، ثم قال رسول الله ﷺ: «كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها»، رواه أبو داود، ومن عادة الناس عندنا أن يضعوا اللحم والخضراوات في أعلى الصحفة فيأكل منه الناس، ولو أنهم وزعوه على أطرافها لكان خيرا حتى لا تخالف هذه السنة، وحتى يأكل المرء مما يليه، ولا يفتات المرء على حق غيره كما هو حال أهل الشره.
[ ٥ / ٣١١ ]
النهي عن القران في التمر ونحوه
• قوله:
١٨ - «ونهي عن القِرَان في التمر وقيل إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه، ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم».
القران أن يجمع بين تمرتين في الأكل، وما كان مثل التمر أعطي حكمه، والعلة ما في ذلك من الافتيات على الناس بأخذ حقهم، ولدلالته على الشره، وإذا كانوا شركاء في الأكل بشراء أو إهداء كان ذلك محرما، وقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن القِرَان في التمر حتى يستأذن أصحابه»، ولعل تعليق النبي ﷺ الجواز بالاستئذان توكيد للنهي، حيث علقه على أمر يصعب على ذي المروءة أن يقدم عليه، فمن ذا الذي يستسيغ أن يقول لمن معه: أستأذنك أن آكل أكثر منك، أو أن أجمع بين تمرتين؟، وهذا التعليق يشير أيضا إلى علة المنع، وقد اختلف في هذه الجملة هل هي من كلام النبي ﷺ أو هي مدرجة من قول ابن عمر، والأصل عدم الإدراج إلا لدليل، ويظهر أن هذا الحكم ينبغي أن يلتزم منفردا كان المرء أو مخالطا، لأن اعتياده يعسر معه الانفكاك عنه، وإن كانت مساوئه تتفاوت بحسب الحال، وتعليل مشروعية القران مع الأهل بأنه لا يلزمه التأدب معهم ولأنه ماله فيه شيء، وهكذا القول في شأن الذين يطعمهم لكونه طعامه فهذا لا يسلم لقائله، وقال مالك: «ليس لجميل أن يأكل لأكثر من رفقنه» (٣/ ٨٥)، والله أعلم.
[ ٥ / ٣١٢ ]
يجوز للمرء أن يأكل من غير ما يليه في بعض الأحوال
• قوله:
١٩ - «ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه».
إذا كان الطعام في إناء واحد وقد فصلت أنواعه بعضها عن بعض، كما يفعل الناس اليوم فيما يسمى بالمقبلات التي يقدمونها بين يدي الأكل الرئيس، أو كان الطعام تمرا أو زبيبا فيه الرديء والجيد، أو لحما مقطعا فلا بأس أن يأخذ المرء ما يرغب دون أن يستبد بحق غيره، أو يتجاوز ما له فيه، والأولى أن ينظم ذلك ويوزع قبل الشروع في الأكل، وقد روى الترمذي وابن ماجة عن عكراش بن ذؤيب قال: أتي النبي ﷺ بجفنة كثيرة الثريد والوذر، فأقبلنا نأكل منها، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: «يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد»، ثم أتينا بطبق فيه ألوان من الرطب فجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: «يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد»، قال الترمذي غريب، يعني ضعيفا، والوذر بسكون الذال وفتحها جمع وذرة بالسكون وهي القطعة الصغيرة من اللحم، وفي مسالك الدلالة «كثيرة الثريد والودك»، فلينظر.
[ ٥ / ٣١٣ ]
غسل اليد قبل الطعام
• قوله:
٢٠ - «وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى، وليغسل يده وفاه بعد الطعام ومن الغمر وليمضمض فاه من اللبن».
غسل البد قبل الطعام مكروه في مشهور المذهب إذا جعل سنة يداوم عليها من غير حاجة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده» رواه أبو داود والترمذي عن سلمان، وضعفاه، فلا حجة فيه، والمراد بالوضوء اللغوي منه، وهو غسل اليد، وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: «ألا نأتيك بوضوء»؟، فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة»، لكن إن كان ثمة ما يدعو لغسل اليد بأن كان فيها قذر؛ فإنه يكون مطلوبا، لدفع الأذى عن نفسه وعن مؤاكله، وقد يكون واجبا إذا كان بيده نجاسة لأن إزالتها واجبة، ولأن أكلها حرام، وقد تقدم شرح بقية كلامه، وفي سنن النسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل غسل يديه»، وهو في الصحيحة برقم (٣٩٠)، ولا تعارض بين هذا وما سبق من حديث ابن عباس لأن الغسل هذا ليس بلازم.
[ ٥ / ٣١٤ ]
غسل اليد بالطعام والنخالة ونحوه
• قوله:
٢١ - «وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك».
لا ريب أن هذا الفعل مذموم، إذ كيف يستعمل الطعام في تجفيف اليد مما علق بها من الإدام والودك ونحوهما؟، والقول بأن ذلك مكروه تنزيها غير سديد، بل الظاهر أنه محرم، لأنه استعمال للطعام في غير ما وضع له، وقد يكون منبئا عن الاستهانة به، خلاف ما أمر به النبي ﷺ إذ قال: «أكرموا الخبز»، رواه الحاكم والبيهقي في الشعب عن عائشة، وما ذكروه من التداوي به، وهو منقول عن مالك ليس هو كمسح اليد به، وهكذا الاستدلال بتمندل الصحابة ومسح أيديهم من الودك والإدام بأخفافهم وأرجلهم، ومنهم عمر بن الخطاب رضي عنهم لا يعطي هذا الحكم، نعم إن نخالة الشعير إذا استعملت فلا حرج فيها لأنها ليست طعاما وإنما قشور، بخلاف نخالة القمح فإنها من أجود الطعام، ولعل من هذا القبيل دلك اليد بالليمون لإزالة الودك، والله أعلم.
[ ٥ / ٣١٥ ]
إجابة الدعوة إلى الوليمة
• قوله:
٢٢ - «ولْتُجبِ إذا دعيت إلى وليمة المعرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بَيِّنٌ وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها».
هذا مما تبرع به المؤلف، والموضع المناسب لذكره باب النكاح.
والمُعرس اسم فاعل من أعرس الرجل بأهله إذا بنى بها، أي اتخذ عروسا، وهو هكذا في النسخ، ومعظم الشراح يذكرونه بلفظ العُرس وهو النكاح.
والوليمة طعام العرس، قال في مقاييس اللغة: «ويقال: الولم كل خيط شددت به شيئا، وليس يبعد أن يكون اشتقاق الوليمة من هذا، لأنه يكون عند عقد النكاح، وأهل اللغة يقولون: طعام العرس وليمة»، انتهى.
قلت: وقيل إن معنى الوليمة أعم، ويحتمل أن تقرأ الكلمة عُرس، وينبني على ذلك الاختلاف في وقت الوليمة هل تكون عند العقد أو بعد الدخول؟، والظاهر أنها بعد البناء.
وروى أحمد والنسائي عن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «لا بد للعرس من وليمة»، وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، رواه مالك والشيخان وأحمد والأربعة.
وإجابة الدعوة من جملة حقوق المسلم على أخيه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»، وروى الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها»، وقال النبي ﷺ: «أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين»، رواه أحمد عن ابن مسعود.
[ ٥ / ٣١٦ ]
وإجابة هذه الدعوة واجب وهو المعتمد في المذهب، وقيل مندوب، وإنما تجب إذا دعي المرء بعينه دعاه صاحب الوليمة أو وكل من يدعوه، أو أرسل إليه رسالة باسمه، أو دعا جماعة محصورين، لا إن دعاهم بوصف، كطلاب العلم أو المسافرين، والظاهر أنه لا يلزم إجابة الدعوة إذا كانت الوليمة تصنع في قاعات الحفلات ولو لم يكن ثمة ما يخالف الشرع، لما في ذلك من الابتذال الذي لا يليق بأهل المروءة، فكيف إذا صحب ذلك أن يكون في القاعة الواحدة أكثر من وليمة مع المخالفات التي لا تخفى على أحد، وطول الانتظار وقد رأينا في بعضها أن النساء يتولين تقديم الطعام وخدمة المدعوين، وهذا لا يشك في عدم لزوم الإجابة معه، ويمنع الحضور إذا كان ثمة لهو بآلات الطرب أو الغناء، أو اختلاط الرجال بالنساء، أو وجود الصور المحرمة، بخلاف ضرب الدف كما تقدم، ومما نقل عن مالك أنه يباح التخلف عن الدعوة إذا كان هناك زحام بكثرة المدعوين، لما فيه من المشقة، واعتبر بعضهم حضور من يتأذى به المرء مبيحا للتخلف، والصوم ليس بعذر في التخلف، وإذا كان المدعو صائما فلا يلزمه الأكل، لأن الداعي قد ينتفع بحضور المرء لا بأكله، لكن إن كان في ذلك تطييب لخاطره ترجح له أن يأكل لقول النبي ﷺ: «أخوك تكلف لك»، وأهل المذهب يرون لزوم المضي في الصوم النفل بالشروع كما تقدم.
وحكم الوليمة الندب على الزوج على قدر حاله، لا على أهل الزوجة كما هو الشائع اليوم، حيث تُعْمَلُ وليمتان، ولا يشترط في وليمة النكاح الذبح، كما قد يؤخذ من كلام الشوكاني في نيل الأوطار أثناء كلامه على السن الذي ينبغي أن تكون عليها النسيكة في العقيقة، وقد بينت ما فيه هناك، والله أعلم.
[ ٥ / ٣١٧ ]