التعالج هو المزاولة والممارسة والمراد هنا التداوي، والرقى جمع رقية بضم الراء وسكون القاف، وفعلها رقى يرقي كرمى يرمي، وهي معالجة المرض بقراءة القرآن والأذكار والتعاويذ والأدعية، والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وزن عنبة، هي عمل المرء على ما يسمعه أو يراه بحيث يتطير به، أي يجعله دليلا على شر لم يتضح له، فيمتنع من شيء يريد فعله أو سفر أو غير ذلك، والنجوم جمع نجم، والمراد بيان حكم تعلم ما يتعلق بها، والخصاء بكسر الخاء قطع بيضتي الحيوان، مما يجعله لا يتناسل، والوسم هو كي الحيوان ليتميز لمالكه، أو لغير ذلك، والمراد بالكلاب ما يجوز اتخاذه منها، والمملوك هو الرقيق لا يسمى غيره بذلك في العرف، لكون الإنسان في الأصل حرا لا يملكه إلا الله تعالى، فهذه ثمانية أبواب جمعها المؤلف اختصارا وذكر معها ما لم يترجم له فجزاه الله خيرا
[ ٥ / ٣٧٨ ]
لا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها وشرب الدواء والفصد والكي
• قوله:
٠١ - «ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها والتعوذ والتعالج وشرب الدواء والفصد والكي».
الاسترقاء هو طلب الرقية، ولعل المؤلف أراد به ما هو أعم من طلبها وفعلها، والعين معناها أن يصاب المرء بعين، من عانه يعينه إذا نظر إليه مستحسنا متعجبا أو حاسدا مستكثرا فأصابه بذلك شيء، وفاعل ذلك عائن، فإن كثرت إصابته فهو معيان وعيون، والمصاب معيون وقياسه معين، والتعوذ التحصن والاحتماء، والمراد هنا التعوذ بالقول، ولا يكون إلا بالله تعالى، والتعالج التداوي، وهو أعم من شرب الدواء، والفصد شق العرق لإخراج الدم الذي يؤذي الجسد، ويكون لأعماق البدن، بخلاف الحجامة فإنها لتنقية سطح البدن، والكي حرق بعض الجسد بشيء مُحمى كالحديد وغيره.
وترك الاسترقاء أولى لقول النبي ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، رواه البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن أبي هريرة وعمران بن حصين ﵃، وجاء في بعض الروايات «ولا يرقون»، وأنكرها الإمام ابن تيمية ﵀، محتجا برقية جبريل للنبي ﷺ، وبرقية النبي ﷺ لغيره، واعتبرها الألباني شاذة، وأجاب عن ذلك الحافظ في الفتح بما تراه فيه، وسأشير إليه بعد.
وقوله ﷺ: «وعلى ربهم يتوكلون»، هذه الصفة هي المرادة من وراء ترك ما سبقها من الأمور الثلاثة، لأن في ذلك الترك حسما لما يؤدي إلى الخدش فيها، ولا ريب أن حصول التنافي في الاسترقاء أكثر منه فيما لو رقى المرء غيره دون طلب، وقد صح رقية جبريل ﵇ للنبي ﷺ، إذ روى أحمد ومسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل قال: «بسم الله يُبريك، من داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين»، ويبريك رباعي من أبرأه سهلت همزته فصارت ياء، وسيأتي ذكر رقية
[ ٥ / ٣٧٩ ]
الاستشفاء بالقرآن
خروج الناس بالرقية عن حدها الشرعي
النبي ﷺ لغيره، وهذا لا يتنافى مع إثبات تلك الرواية أعني زيادة «ولا يرقون»، عند من رأى الأخذ بها، لأن هذا مقام التعليم والتشريع كما لو فعل النبي ﷺ المكروه.
فما أجدر الدعاة وأهل العلم بأن يشرحوا معنى هذا الحديث حتى يكفكفوا من الغلو في أمر الرقية التي خرج الناس بها عن حد الاعتدال، لا فرق بين الرقاة والمسترقين، فليرشدوا الناس إلى أن يرقوا أنفسهم وأقاربهم، وأن لا يربطوا الرقية بفلان يعتقدون أن فيه البركة، ونحن لا ننكر تفاوت الناس في هذا، فإن السلاح يختلف أثره باختلاف حامله، ولكن الأمر كثيرا ما يتطور إلى غير المشروع، وقد اشتكى عثمان بن أبي العاص الثقفي إلى النبي ﷺ وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، وهو في الموطإ، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وفي سنن أبي داود: «ففعلت ذلك، فأذهب الله ﷿ ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم».
إذا تبين هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، ومن في الآية لبيان الجنس، أي أن القرآن كله شفاء ورحمة لمؤمنين، والشفاء هو زوال الداء والمرض، والقرآن جاء لمداواة ما في النفوس من النقائص التي تدسيها، فتحول بينها وبين ما ينبغي أن تكون عليه من الكمال الإنساني الإيماني بسبب العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق السيئة، ففي القرآن شفاء من كل ذلك، بما فيه من أوامر ونواه ومواعظ وقصص وأمثال ووعد ووعيد، هذا هو الذي نزل القرآن من أجله كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]، قال بعض المفسرين: «شفاء لجميع ما في القلوب من أدواء الشرك والكفر والنفاق وسائر الأمراض النفسية التي يشعر صاحبها ذو الضمير الحي بضيق الصدر من شك في الإيمان، ومخالفة للوجدان، وإضمار للحقد والحسد والبغي، والعدوان، وحب للباطل والظلم والشر، وبغض للحق والعدل والخير»، انتهى، وهذا لا يمنع أن يكون في آية سورة الإسراء دليل على أن في القرآن شفاء للأمراض الحسية كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وقال النبي ﷺ عن فاتحة الكتاب:
[ ٥ / ٣٨٠ ]
«وما أدراك أنها رقية»؟، وعن عوف بن مالك قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟، فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك»، رواه مسلم وأبو داود، وفيه جواز الرقية، وأن النهي الوارد عنها منصرف إلى ما كان فيه مخالفة، وعليه يجمل قوله ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن مسعود، والتولة بكسر التاء والواو الساكنة ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، فالرقية تكون بكتاب الله وبالأذكار الواردة في السنة، وبالأدعية، وبكل كلام مفهوم مشروع، وروى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، وفيه أن النهي يدل على التحريم، وأن الأصل أن ينظر العالم في الرقية هل تجوز أو لا تجوز بخلاف ما عليه الناس اليوم من التوسع واتباع الآراء، أما العين فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]، وعن أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين»، رواه الشيخان، ورويا عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ دخل عليها فوجد عندها جارية بوجهها سفعة، فقال استرقوا لها، فإن بها النظرة»، والسفعة الشحوب مع تغير اللون نحو السواد، والنظرة العين.
أما التعوذ فهو طلب العوذ أي الحماية من الله تعالى بالاستعاذة به، وقد روى الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها أعظم بركة من يدي»، وفي موطإ مالك عن عائشة أن رسول ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها»، وهو في صحيح مسلم نحوه، والنفث شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، والمعوذات هي سور الإخلاص، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وهذه السور هي التي ما تعوذ متعوذ بمثلها كما رواه النسائي في سننه عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في طريق مكة،
[ ٥ / ٣٨١ ]
فأصبت خلوة من رسول الله ﷺ فدنوت منه، فقال: «قل»، فقلت: «ما أقول»؟، قال: «قل»، قلت: «ما أقول»؟، قال: «قل أعوذ برب الفلق» حتى ختمها، ثم قال: «قل أعوذ برب الناس» حتى ختمها، ثم قال: «ما تعوذ الناس بأفضل منهما»، أمره أن يقول وكرره عليه حتى يتشوف لما يلقى إليه، وفي رواية للنسائي ذكر سورة الإخلاص معهما، وفي سنن أبي داود والنسائي عن عقبة بن عامر الجهني قال: «بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ ب (أعوذ برب الفلق)، و(أعوذ برب الناس)، ويقول: «يا عقبة تعوذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما»، قال: «وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة»، لفظ أبي داود، وفي رواية: «فلم يرني سررت بهما جدا، فلما نزل صلى بهما صلاة الصبح للناس، فلما فرغ من الصلاة التفت إلي فقال: «يا عقبة كيف رأيت»؟، وقد صدر النسائي ﵀ كتاب الاستعاذة بأحاديث الاستعاذة بالمعوذات ثم عقبها بأدعية أخرى في الاستعاذة للإشارة إلى أولوية المعوذات على غيرها.
وجاء في مشروعية التداوي حديث أسامة بن شريك قال، قال رسول الله ﷺ: «تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، والهرم بمفتوحتين كبر السن، اعتبر داء لأنه يعقبه الموت مثل الداء، وروى أحمد عنه قال: جاء أعرابي فقال: «يا رسول الله أنتداوى»؟، قال: «نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله»، وللحاكم من حديث أبي سعيد مرفوعا: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلا السام وهو الموت»، وهذا الحديث يفتح آفاقا واسعة للوصول إلى مداواة كل داء يظهر، والإنسانية تصل إلى ذلك بحسب تقدمها في البحث ومعرفة أسرار الخلق، والله هو الذي سخر ذلك للناس وهداهم إليه، لكن ذلك كما ترى يتواكب مع كثرة ظهور الأمراض والأوجاع التي لم تكن فيمن مضى كما جاء في الحديث عقابا من الله تعالى للناكبين عن سبيله.
[ ٥ / ٣٨٢ ]
• قوله:
٠٢ - «والحجامة حسنة».
إنما نص المؤلف على استحبابها لعدم الاختلاف فيها، وقال عن الاسترقاء لا بأس به للخلاف الذي فيه كما تقدم، قال ابن القيم في زاد المعاد: «والتحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان والأمكنة والبلدان والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصد»، انتهى ببعض حذف.
وجاء في الحجامة ما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شَرْطَةِ محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار توافق داء، وما أُحِبُّ أن أكتوي»، المحجم وزن منبر الآلة التي يحتجم بها، واللذعة المرة من اللذع، وهو الخفيف من إحراق النار، أما اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة فعض ذوات السموم، واللسع للعقرب لأنها تضرب بمؤخرها.
وروى أبو داود وابن ماجة عن أبي كبشة الأنماري أن النبي ﷺ كان يحتجم على هامته وبين كتفيه، وهو يقول: «من أهراق من هذه الدماء فلا يضره أن لا يتداوى بشيء لشيء»، وروى أحمد والطبراني والحاكم عن سلمى امرأة أبي رافع أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى أحد رأسه قال: «اذهب فاحتجم،»، وإذا اشتكى أحد رجله قال: «اذهب فاخضبها بالحناء»، والاختضاب بالحناء من زينة النساء، لكن هذا تداو فلا ينبغي أن يكون على شكل الزينة يشمل أسفل الرجل وأطرافها من الظاهر كما تفعل النساء، ولا يجوز أن تزين بها كف العروس أعني الزوج كما يفعل بعضهم، والحجامة على الريق أمثل كما في حديث ابن عمر عند ابن ماجة، وقد حسنه الألباني.
وجاء في الأيام التي يحتجم فيها أنها الإثنين والثلاثاء والخميس، وهو ما رواه ابن
[ ٥ / ٣٨٣ ]
ماجة عن نافع أن ابن عمر قال له: يا نافع قد تبيغ بي الدم، فالتمس لي حجاما، واجعله رفيقا إن استطعت، ولا تجعله شيخا كبيرا، ولا صبيا صغيرا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة على الريق أمثل، وفيه شفاء وبركة، وتزيد في العقل، وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة، والسبت ويوم الأحد تحريا، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، فإنه اليوم الذي عافى الله فيه أيوب من البلاء، وضربه بالبلاء يوم الأربعاء، فإنه لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء أو ليلة الأربعاء»، ولفظ الحديث ليس عليه المعهود من نور النبوة، وقد قال الألباني في صحيحته برقم (٧٦٦) بعد دراسة أسانيده، وذكر ما عثر عليه من المتابعات له: «وبالجملة فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الروايات، والله أعلم».
وفي قوله النبي ﷺ: «وما أحب أن أكتوي» دليل على أن الاكتواء خلاف الأولى كما تقدم، لما فيه من التعذيب والضرر والحرق بالنار الذي لا يجوز أن يلجأ إليه إلا عند استنفاذ ما قبله مما يناسب المرض كالاستفراغ بشرب العسل، أو تنقية الدم بالاحتجام والفصد وغيرها، ولا يتداوى بما فيه ضرر أشد، إذا أمكن أن يتداوى بما فيه ضرر أقل، يدل على ذلك قوله ﷺ: «أو لذعة بنار توافق داء»، أي يعلم أنها علاج له، وروى أبو داود وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: نهى النبي ﷺ عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحن ولا أنجحن»، نون الإناث إن صحت الرواية يحتمل عودتها للكيات المفهومة من الكي، قال كاتبه: الظاهر أن الكي نوعان: كي لأجل العلاج، وهذا هو الذي لم يحبه النبي ﷺ، وفيه ما تقدم من التفصيل، وكي لأجل إيقاف الدم عند قطع العرق ونحوه حيث لم يتوفر ما يوقف به الدم كما كان عليه الأمر عند المتقدمين، فهذا وسيلة إلى إنقاذ المجروح من الهلاك بسبب النزيف، ثم وقفت على كلام ابن قتيبة الذي نقله عنه الحافظ وفيه أنه أضاف إلى النوع الثاني كي الجرح إذا نغل، أي فسد وعفن بالتقيح ونحوه.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
الكحل زينة النساء وهو لتداوي الرجال جائز
مشروعية الكحل للرجال لمن تحمل ما يترتب على فعله
• قوله:
٠٣ - «والكحل للتداوي للرجال جائز، وهو من زينة النساء».
قصر اكتحال الرجال على التداوي واعتبار الكحل من زينة النساء فيحرم لكونه تشبها بهن؛ لا يسلم لقائله، فإنه تقييد لفعل النبي ﷺ ولقوله بما لم يدل عليه دليل، فالظاهر أن الاكتحال من الزينة التي يشترك فيها الرجال والنساء، فمن اكتحل فلا حرج عليه، فإن خشي أن يتهم فإنما يمسك عنه لهذا لا لكون ذلك ليس مشروعا، وما كل مباح يفعل، بل قد يترك المستحب أحيانا للمصلحة، وقد اكتحل النبي ﷺ وأمر أمته بالاكتحال، من ذلك قوله فيما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: «اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر»، وهذا لفظ الأول، ولابن ماجة: «خير أكحالكم الإثمد يجلو … الحديث، وجاءت هذه الفقرة من جملة حديث ابن عباس عند أبي داود، ولابن ماجة من حديث ابن عمر: عليكم بالإثمد … الحديث، وله من حديث جابر: «عليكم بالإثمد عند النوم … الحديث، وجاء في الاكتحال أنه مذهبة للقذى مصفاة للبصر، والإثمد بكسرالهمزة والثاء والميم المكسورة حجر أسود ترى فيه حمرة يباع اليوم بأرض الحجاز.
وقد دلت هذه الأحاديث بما فيها من التعليل للأمر بالاكتحال بأنه يحلو البصر، أي يصفيه، ويذهب القذى أي الرمص، وينبت الشعر، أي شعر الأجفان، ينتفي معه قصره على التداوي، ولو كان غالبا فيه، ومع هذا فقد جاء أنه ﷺ كان يكتحل.
ولمالك فيه روايتان، إحداهما المنع كما يؤخذ من تقييد المؤلف، والأخرى الجواز، وهو قول الشافعي، وذكر بعضهم أن المنع إنما يكون فيما إذا اكتحل الرجل بالإثمد، فأما إن اكتحل بغيره من الأنواع الأخرى فهو جائز مطلقا، ولعل هذا من قائله توزيع للروايتين على ذلك.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
لا يجوز التعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بشيء مما حرم الله
الاضطرار إلى التداوي بشيء من السموم
• قوله:
٠٤ - «ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ﷾».
كل من الخمر والنجاسة والميتة محرم وبعضها متفق على نجاسته والخمر مختلف في نجاسته، فلا يجوز التداوي بشيء من ذلك، وقال النبي ﷺ: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام»، وهو في سنن أبي داود عن أبي الدرداء، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الدواء الخبيث، يعني السم»، ولا شك أن الحرام خبيث، وأن النجس خبيث، والسم فرد من العموم، لكن لفظه مدرج، وروى مسلم وأبو داود أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال: «يا نبي الله إنها دواء»، قال النبي ﷺ: «لا، ولكنها داء».
وقد رأى بعض أهل العلم أن أحاديث النهي عن التداوي بالمحرمات تقصر على المسكر فقط، ودافعهم إلى ذلك ما جاء في التداوي بأبوال الإبل كما في قصة العرنيين، حيث أمرهم النبي ﷺ بالشرب من أبوالها، وبعد التسليم بأن أبوال الإبل نجسة، فإن المطلوب بناء العام على الخاص.
والصواب أن أبوالها ليست نجسة، ومثلها ما كان حلال الأكل، وحمل بعضهم المنع على ما إذا وجد الدواء الطاهر غير المحرم فإن لم يوجد جاز، والحديث ليس فيه هذا التفصيل.
وفصل بعضهم في حكم أكل السم والتداوي به، فبين أن ما يقتل الكثير والقليل منه لا يجوز التداوي به فضلا عن أكله، وكذلك ما يقتل الكثير منه في الأغلب، أما ما يقتل الكثير منه لا القليل فيجوز التداوي به ولا يجوز أكله، وما كان منها لا يقتل كثيره في
[ ٥ / ٣٨٦ ]
الأغلب فهو محل نظر، ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن البنا في شرحه على المسند المسمى بالفتح الرباني.
ويمكن انتزاع جواز التداوي في حالة الاضطرار من جواز أكل الميتة للمضطر، قال الراغب: واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسد غيره مسده، والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلة المذكورة، يعني إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناول ما ذكر له للجوع»، أثبته القاسمي في تفسيره.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
يجوز الاكتواء والرقى بكتاب الله وبالأدعية المشروعة
• قوله:
٠٥ - «ولا بأس بالاكتواء والرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب»
سبق الحديث عن الكي، ولعله إنما أعاد ذكره بصيغة أخرى ليفيد جواز طلب ذلك كما يجوز فعله بالغير، ومما جاء فيه حديث جابر قال: «بعث رسول الله ﷺ طبيبا إلى أُبَيِّ بن كعب فقطع منه عرقا ثم كواه»، رواه أحمد ومسلم، وقد يكون هذا الكي لإيقاف الدم كما سبق، ومن الرقية بالقرآن الرقية بالفاتحة، وذكر أبو الحسن في شرحه أن الرقية بها تنتهي إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، لأن ما بعدها دعاء، وإنما يرقى بالمناسب، وقال الشيخ علي العدوي: «ليس المراد بكل جزء من أجزائه، بل بما يناسب ذلك، فخرج نحو آية الدين»، وقد سبقه إلى ذلك الشيخ النفراوي في شرحه، وقد ذكر النفراوي وغيره أن مما يرقى به كثيرا آيات الشفاء الستة، يقصد الآيات التي ذكر فيها لفظ الشفاء أو الفعل منه، وهي في سور: التوبة، ويونس، والنحل، والإسراء، والشعراء، وفصلت، ولم أقف على ما يقيد الرقية بهذا، فهو محض رأي، فأما أن الرقية بفاتحة الكتاب يوقف بها قبل الدعاء فهو رأي كذلك، والوارد في الحديث الرقية بها كلها، كما في حديث أبي سعيد الخدري أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: «هل فيكم من راق»؟، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب»؟، فقال رجل منهم: «نعم»، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ الرجل فأعطي قطيعا من غنم، فقبِلها ولكن أبي تملكها والانتفاع بها، وقال: «حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: «والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب»، فتبسم وقال: «وما أدراك أنها رقية»؟، ثم قال: «خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم»، ورقية الرجل بفاتحة الكتاب من غير علم مسبق له بذلك تدل على أنهم لم يكونوا يفرقون بين سور القرآن في الرقية، وقول النبي ﷺ: «وما أدراك أنها رقية»، هو تعجب من وقوفه على أنها رقية، ولعله أخذ ذلك من كونها تقرأ في كل ركعة، فعرف أن لها مزية وبخاصة أن كل مسلم ينبغي له حفظها، فيتمكن كل أحد من ذلك، وقد جاء في رواية الدارقطني في جواب الرجل: «شيء وقع في روعي»، وهو بضم الراء أي في نفسي، لكن ذلك لا ينفي أن يرقى بغيرها، وقال
[ ٥ / ٣٨٨ ]
الأبي: «ويظهر أنها كلها رقية، إذ لم يبين أن فيها رقية»، انتهى.
ويؤخذ من تتبع الروايات في هذا الحديث أن المرقي كان غير مسلم فيستدل به على جواز رقية غير المسلم بالقرآن، والله أعلم.
وقوله: «وبالكلام الطيب»، هذا من جملة ما يرقى به وهو الكلام العربي المفهوم مما فيه ثناء على الله تعالى وسؤاله ودعاؤه، وفي البيان والتحصيل: «سئل مالك أيرقى الرجل ويسترقي»؟، قال: «لا بأس بذلك بالكلام الطيب»، انتهى، وقال الشيخ على العدوي في بيان معنى الكلام المفهوم: «معناه المحتوي على ذكر الله ورسوله والصالحين من عباده»، انتهى، وهو أيضا عند الشيخ زروق.
قلت: إن كان المراد من ذكر رسول الله ﷺ الصلاة عليه بين يدي الدعاء فنعما ونعمة عين، فإن كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد ﷺ، وصلى الله وسلم على جميع الأنبياء، وإن كان المراد التوسل إلى الله تعالى باتباع الراقي إياه وطاعته له أن يشفي المريض فكذلك، أما إن كان المراد سؤال الله تعالى بجاهه فلا، أما الصالحون فما وجه ذكرهم هنا؟، نسأل الله تعالى أن يدخلنا برحمته فيهم، ويعصمنا من الزلل.
وقال ابن وهب: سألت مالكا عن المرأة ترقي بالجريدة والملح وعن الذي يكتب الكتب للإنسان، ليعلقه عليه من الوجع، ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب خاتم سليمان في الكتاب، فكره مالك ذلك كله، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، وكان للعقد في ذلك أشد كراهية، وكان يكره العقد جدا»، أورده ابن عبد البر في الاستذكار.
والذي كان النبي ﷺ يفعله ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: كان إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: «أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن مسعود، والذي عند ابن ماجة هو عن عائشة في موضعين من سننه، فيصحح ما في الجامع الصغير من جعله من رواية ابن مسعود، والله أعلم، ومعنى لا يغادر سقما لا يترك مرضا إلا ذهب به.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
تعليق المعاذة التي فيها القرآن
• قوله:
٠٦ - «ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن».
المعاذة بفتح الميم ما يتعوذ به مما يعلق على الإنسان، والمراد هنا خصوص ما كتب فيه شيء من القرآن أو الأدعية المشروعة وخرز فيما يكنه، فهذا هو الذي يجوز تعليقه على الإنسان، قيل: والحيوان لا فرق بين طاهر وجنب وحائض وصغير وكبير، ولا يجوز شيء من ذلك بالكلام المبهم ولا بالجداول التي فيها الأرقام، والرموز، فضلا عن كتابة أسماء الجن والاستنجاد بهم، فإن هذا شرك، ومما يؤسف له أن بعض من يؤمون الناس يعملونه وتسكت عليهم الجهة الوصية لأن ولاءهم لها، وقد قال مالك عن الأسماء العجمية: «وما يدريك لعلها كفر»؟، والتمائم المنهي عن تعليقها هي غير هذا.
قلت: قد تقدم في الفقرة قبل هذه كلام مالك في عدم مشروعية ما يكتب للمرء ليعلق عليه من الوجع، فليقارن بهذا، مع ما ورد من النهي عن تعليق التمائم عموما والدعاء على من علقها، ففي مسند أحمد وغيره عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»، وروى عنه أيضا مرفوعا: «من علق تميمة فقد أشرك»، فقد يحمل ما جاء عن مالك من المنع على ما كان بالودع ونحوه، أو ما كان بغير كلام الله والثناء عليه، والأدعية المأثورة، والكلام الطيب عموما، لكن الذي يجوز عنده إنما يكون بعد نزول البلاء لا قبله، دل على ذلك ما رواه في موطئه عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، قال: فأرسل رسول الله ﷺ رسولا، قال عبد الله بن أبي بكر: حسبت والناس في مقيلهم: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت»، وهو في الصحيحين من طريق مالك به، وقد ترجم عليه بقوله: «ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العنق»، وفي بعض النسخ من العين، أي إذا
[ ٥ / ٣٩٠ ]
كان القصد دفع العين، وهذا أنسب، وقد جاءت الأحاديث بالنهي عن تعليق التمائم، والأول أخص، وللناس من السلف والخلف في هذه المسألة ثلاثة مذاهب، المنع مطلقا والجواز مطلقا، والجواز بعد حصول الداعي لا قبله، لكني إلى المنع أميل، مع ما عليه حال الناس من فساد العقائد، ولما في منعه من سد الذرائع، والله أعلم.
[ ٥ / ٣٩١ ]
النهي عن الخروج من البلد الذي فيه الطاعون
• قوله:
٠٧ - «وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه».
الوباء هو الطاعون أي المرض العام الذي ينتقل ويعدي بمشيئة الله تعالى، ويسرع الموت بسببه، وما ذكره العلماء من تحديده بفرد معين من الادواء وصفوه، فهذا بحسب علمهم، وقد ظهر في العصر الحديث أنواع منه لكل منها اسم كوباء الكوليرا، والسيدا وغيرها، ومنها الأوبئة التي تنتقل في الحيوان كأنفلوانزا الطيور، وأنفلوانزا الخنازير، والقرائن قائمة على أن بعض الجهات قد تنشر هذه الأمراض لتروج لدواء أو لقاح تجني من ورائه أموالا طائلة، وما هذا بمستغرب على الكفار الذين سخروا العلم الذي توصلوا إليه لإفساد الخلق، كما يفعلون بالنباتات والحبوب التي يعقمونها حتى لا تنتج، فيشتري الناس الحبوب للأكل، ولا يتمكنون من بذرها، كي يظلوا في تبعية اقتصادية، وهكذا رميهم بعض المحاصيل وغيرها وإحراقها حتى يحافظوا على ارتفاع الأسعار.
وقد جاء في الطاعون حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه»، رواه مالك والشيخان، وهو حديث طويل جاء في سفر عمر بن الخطاب إلى الشام فلما بلغه حدوث طاعون عمواس استشار المسلمين، فاختلفوا، ورأى المهاجرون أن يرجع، فلما عزم على ذلك قال له أبو عبيدة: «أفرارا من قدر الله»؟، قال: «لو غيرك يا أبا عبيدة قالها، نفر من قدر الله إلى قدر الله»، فأخبره عبد الرحمن بن عوف بهذا الحديث، ومعنى ما قاله عمر؛ أننا مهما اتخذنا من الأسباب، فإننا لا نخرج عما قدره الله وشاءه، والأسباب من جملة ذلك.
قال ابن عبد البر في الاستذكار مبينا وجه اختلاف الصحابة في المسألة قبل أن يبلغهم
[ ٥ / ٣٩٢ ]
الحديث: «وأما اختلاف المهاجرين والأنصار في القدوم على الوباء فلكل واحد منهم معنى صحيح في أصول السنن، المجتمع عليها من الكتاب والسنة، وملاك ذلك كله الإيمان بالقدر، وأن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، مع إباحة الأخذ بالحذر والحزم، والفرار من المهلكة الظاهرة»، انتهى.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
معنى كون الشؤم في المسكن والمرأة والفرس
• قوله:
٠٨ - «وقال ﵊ في الشؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس».
لو جمع المؤلف ﵀ الكلام على الطيرة والشؤم والفأل لكان أحسن، لقرب ما بين هذه الأمور الثلاثة، أو وقوع بعضها في مقابل بعض، والحديث الذي ذكره رواه مالك عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا بلفظ: «إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن»، وهو عند أحمد والبخاري، ورواه مالك أيضا عن ابن عمر بلفظ: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس»، فقطع في الحديث الأخير بوجود الشؤم في الثلاثة، لكنه لا يدل على وجوده فيها ولا بد، بل إمكان وجوده، يرشد إلى ذلك ما في الحديث الأول حيث جاء بأداة الشرط الدالة على الندور والقلة بل والافتراض.
ولما كان النهي قد صح عن الطيرة، والشؤم هو الطيرة، فقد اختلف العلماء في معنى إثبات الشؤم في هذه الثلاثة، والذي ينبغي أن يجزم به عموم قدر الله، وأن شيئا لا يحصل إلا بإذنه، وأن الابتعاد عن التشاؤم هو المطلوب، والحديث إما أن يكون قد جاء على ما عليه طبائع الناس، لأن الأمور الثلاثة من أكثر الأشياء التصاقا بهم، وقد يتشاءمون بها، فجاء الحديث على هذا المعنى، لكن ليس فيه إقرار مشروعية التشاؤم، فإذا حصل للمرء شيء من ذلك فاء إلى الحق، لكن إن خرج عن هذه الأمور الثلاثة بتركها لنفرة نفسه منها، ولكي يصون قلبه عن خواطر السوء فلا حرج عليه، بل ربما تعين عليه ذلك حتى لا تتضرر عقيدته كما في حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: دار سكناها والعدد كثير، والمال وافر، فقل العدد، وذهب المال، فقال رسول الله ﷺ: «دعوها ذميمة»، وقد رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود عن أنس نحوه، وهو في الصحيحة برقم (٧٩٠)، وقد ترجم مالك على الحديث بقوله: «ما يتقى من الشؤم»، يريد
[ ٥ / ٣٩٤ ]
أن المرء يبتعد عن أسبابه، فيترك ما تفر منه نفسه، وقد أرشدهم النبي ﷺ إلى ترك الدار، أي «دعوها وأنتم لها ذامون كارهون لما وقع في نفوسكم من شؤمها»، هكذا قال ابن عبد البر.
ومما يقوي هذا المعنى الذي ذكرته لإثبات التشاؤم بالثلاثة، ما رواه الترمذي عن حكيم بن معاوية مرفوعا: «لا شؤم، وقد يكون اليمن في الدار والمرأة والفرس»، ورواه ابن ماجة عن حكيم بن معاوية عن عمه مخمر بن معاوية نحوه، وقد ضعفه الحافظ معتبرا إياه مخالفا للأحاديث الصحيحة، وصححه الألباني، وإذا صح فلا أرى فيه معارضة، بل إنه قد تبين به أن الشؤم المثبت فيما سبق غير الشؤم المنفي هنا.
وما يحصل في النفس من تشاؤم بهذه الثلاثة سببه في الغالب ما تكون عليه من عدم الملاءمة للطبع كما يدل عليه قول النبي ﷺ: «من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة: من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»، رواه أحمد عن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده، وعزاه الشيخ عبد الرحمن البنا للترمذي ولم أقف عليه عنده، وفي رواية ابن حبان: «… المرأة الصالحة، والمركب الهني، والمسكن الواسع»، فانتظمت - ولله الحمد - النصوص التي تبدو متعارضة.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
كراهة سيء الأسماء ومحبة الفأل الحسن
من هدي النبي ﷺ تغيير الأسماء السيئة
• قوله:
٠٩ - «وكان ﵇ يكره سيء الأسماء، ويحب الفأل الحسن».
سيء الأسماء كمُرَّة وحنظلة وحرب وحزن وكلب وجذام، ومما ينبغي أن يجتنب اختصار الاسم بحيث يصبح محرفا كما يقال حميمد وحمو وحمي ومحند وعليلو،
وعبدَ قَّ.
وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد مرسلا أن رسول الله ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل فقال رسول الله ﷺ: «ما اسمك»؟، فقال له الرجل: «مرة»، فقال رسول الله ﷺ: «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال له: «ما اسمك»؟، قال: «حرب»، قال: «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال رسول الله ﷺ: «ما اسمك»؟، فقال: «يعيش»، فقال له: احلب»، ورواه الطبراني موصولا من حديث يعيش نفسه وقال الهيثمي إسناده حسن، و«اللقحة بكسر اللام وفتحها الناقة قريبة العهد بالنتاج، والجمع لقح»، كذا في النهاية.
وتغيير الأسماء القبيحة أو التي فيها تزكية أو تجبر وتكبر ثابت عن النبي ﷺ في وقائع عدة فهو من المتواتر المعنوي عنه، يدل عليه قول أم المؤمنين عائشة: «كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن»، رواه الترمذي، وهو في الصحيحة للألباني برقم (٢٠٧).
ومن ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عنه أنه ﷺ غير اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة».
وسأل أبا أسيد عن اسم ابن له جاء به إليه فقال: فلان، فقال: «ولكن اسمه المنذر، وهو في صحيح البخاري عن سهل.
وقدم عليه جد سعيد بن المسيب، فقال: «ما اسمك»؟، قال: «اسمي حزن»، قال: «بل أنت سهل»، قال: «ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي»، وفي رواية: «السهل يوطأ»، قال ابن
[ ٥ / ٣٩٦ ]
المسيب: «فما زالت الحزونة فينا بعد»، رواه البخاري.
وكان اسم كل من زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبته برة، فغيره النبي ﷺ لما في برة من التزكية.
ووفد عليه جماعة فسأل أحدهم عن اسمه، فقال: أصرم»، فقال رسول الله ﷺ: «بل أنت زرعة»، رواه أبو داود عن أسامة بن أخدرى.
وغير اسم رجل يدعى أبا الحكم، إلى أبي شريح، وقال: «إن الله هو الحكم».
وقال: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.
وقال ﷺ: «أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة من تسمى بملك الملوك، لا مالك إلا الله»، رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
وقال ابن الحاج في المدخل بالنقل عن شرح زروق: «إن إبليس أتى أهل المشرق فوجدهم أهل نفخة وكبر فأحدث لهم فلان الدين، وشمس الدين، وشهاب الدين، وبرهان الدين، فتركوا بها الأسماء المعظمة من محمد وأحمد وإبراهيم وغير ذلك من الأسماء التي لها شرف شرعا، وجاء أن من تسمى بها شفع له النبي ﷺ المسمى بها، وصاروا يتبرؤون حتى إن أحدهم لو دعوته باسمه كانت مصيبة لا انتعاش لها، وهذا أمر عظيم أعاذنا الله منه، وجاء إلى المغاربة فوجدهم أهل مسكنة فأبدلهم من أسمائهم ما يناسب حالهم، فقالوا لمحمد حمو، ولأحمد حدو، ولعبد الله عبو، ولعبد الرحمن رحو، ولعبد الصمد عصو، ولعبد الكريم عكو، إلى غير ذلك مما يكره لفظا، وربما حرم بعضه، نسال الله العافية بمنه وكرمه»، انتهى.
وما قاله عن تلك الأسماء كثير في المغاربة، وهو خلاف الصواب، وقد غلب اليوم على فئة من الناس ترك الأسماء إلى الكنى، وصفات الكبر والفخر مذمومة مهما كانت الجهة التي ظهرت فيها، وما أحسب أنها مقصورة على المشارقة، ولا التواضع مقصور على المغاربة.
والفأل مهموز وجمعه فؤول وأفؤل، وفي الدارج عندنا الفال بالمد، وهو مما أولع
[ ٥ / ٣٩٧ ]
الناس به تخفيفا كما في لسان العرب، وجعله في النهاية لما يسر ويسوء، وفيه نظر.
فأما قوله ﷺ: «لا طيرة وخيرها الفأل: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم»، رواه أحمد مسلم عن أبي هريرة، وهكذا قوله: «العين حق، وأصدق الطيرة الفأل»، فإنه لا يدل على ذلك، قال الطيبي بالنقل عن فتح الباري: «قد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهذا مبني على زعمهم، وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم، حتى لا يشمئز عن التفكر فيه، فإذا تفكر فأنصف من نفسه قبل الحق، فقوله: «خيرها الفأل»، إطماع للسامع في الاستماع والقبول …»، انتهى، أقول المقصود من الربط بينهما أن المذموم أن يعلق المرء فعله أو تركه على التطير فيحجم أو يقدم، فأما الفأل فبخلاف ذلك فهذا وجه الجمع بينهما، وفي اللسان الفأل ضد الطيرة، فهذا هو الصواب.
وقد قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح الكلمة الحسنة»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس، فنفى كلا من العدوى والطيرة، فلا يصح أن يعتقد المرء أن العدوى تعمل بنفسها، من غير تقدير الله ذلك، لكن هذا لا يمنع من أخذ الأسباب والابتعاد عن مخالطة المصاب بما يعدي، كما تقدم في حديث عبد الرحمن بن عوف في النهي عن دخول الأرض التي بها الطاعون، وكما في نهيه ﷺ أن يورد ممرض على مصح، وأمره بالفرار من المجذوم، وكذلك الطيرة؛ لا يجوز للمؤمن أن يتطير، فإن حصل له ذلك فعليه أن يمضي، فدواء الظن أن لا يحقق ودواء التطير المضي، ودواء الحسد الاستغفار.
ومثل هذا ما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي رواه مسلم وأبو داود، وفيه قوله يسأل النبي ﷺ: «ومنا رجال يتطيرون»؟، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم»، أما إن سمع كلاما طيبا فتفاءل فلا بأس، لكن لا يتعمد فعل شيء لأجل التفاؤل، فقد عده بعضهم من الاستقسام بالأزلام، قال أبو الحسن: مثاله إذا خرج لسفر او عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم، أو يا سالم، أما إن قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام»، انتهى، وقال علي العدوي: «وفي معنى هذا مما لا يجوز فعله استخراج الفأل من المصحف، فإنه نوع من الاستقسام بالأزلام، ولأنه قد
[ ٥ / ٣٩٨ ]
نفي النبي ﷺ العدوى والهامة والغول
يخرج له ما لا يريد فيؤدي ذلك إلى التشاؤم بالقرآن»، انتهى.
ومما نفاه النبي ﷺ ما في قوله «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»، رواه البخاري معلقا مرفوعا عن أبي هريرة، ونحوه في الموطإ بلاغا عن ابن عطية مرسلا، وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا: «لا عدوى، ولا صفر، ولا غول»، فأبطل بهذا جملة مما كانت العرب تعتقده، والصفر ما كانت العرب تزعمه من وجود حية في البطن يقال لها الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وقيل ذلك إبطال لما كانت عليه العرب من النسيء فتجعل شهر صفر شهرا حراما، تستبدله بالمحرم، ومن ذلك أنهم كانوا يعتقدون وجود الغول جمعه غيلان، يزعمون أنها في الفلوات تتغول أي تتلون وتتبدل كما قال كعب بن زهير عن سعاد: «كما تلون في أثوابها الغول»، فنفى النبي ﷺ وجودها، وقيل إنما نفى أن تكون لها القدرة على إضلال الناس، ومما يؤسف له أن بعض الناس يخوفون أطفالهم إلى اليوم بالغول كي يسكتوا أو يكفوا عن مطالبتهم بشيء ما، وقد زعم بعض العرب أنه لقي الغول فقتله ليبرهن على شجاعته فقال:
فمن ينكر وجود الغول إني … أُخَبر عن يقين بل عيان
بأني قد لقيت الغول تهوي … بسَهب كالصحيفة صَحصحان
فأَضربها بلا دهَش فخرت … صريعا لليدين وللجران
[ ٥ / ٣٩٩ ]
العائن مطالب بالاغتسال وكيفية ذلك
• قوله:
١٠ - «والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين».
الموضع المناسب لهذا هو ما سبق من الكلام على العين، وقد قال النبي ﷺ: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق»، رواه ابن عدي والطبراني والحاكم عن عامر بن ربيعة كما في صحيح الجامع، وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا: «العين حق تستنزل الحالق»، والحالق هو الأمر المهلك، فالعين سبب فيه، وجاء الأمر بالاغتسال فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال النبي ﷺ: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا»، ومعنى أن العين حق أنها شيء موجود، وأن نظر الناظر إلى الشيء قد يتسبب في إلحاق الضرر به، ومعنى ولو كان شيء سابق القدر … أن العين من جملة القدر، فالمقصود المبالغة في بيان الضرر الذي يُلحقه العائن بالمعين، فإذا كانت هي لا تسبق القدر فغيرها أولى أن لا يسبقه، ويترتب على ذلك أن يلجأ المرء إلى ما يحصنه مما شرعه الله تعالى، وأن يلتزم العائن الشرع فيقول: تبارك الله، فإن عان غيره وطلب منه أن يغتسل فعل.
وكيفية اغتسال العائن التي ذكرها المؤلف جاءت في حديث سهل بن حنيف الذي رواه مالك وأحمد أن النبي ﷺ خرج وسار معه نحو مكة، وفيه أن سهلا اغتسل، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة!!، فلبط سهل، فقيل له يا رسول الله: «هل لك في سهل؟، والله ما يرفع رأسه»، فقال: «هل تتهمون فيه من أحد»؟ قالوا: «نظر إليه عامر بن ربيعة»، فدعاه رسول الله ﷺ فتغيظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت»؟، ثم قال: «اغتسل له»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه، يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس».
وداخلة الإزار يحتمل أن تكون كناية عن الفرج، ويحتمل أن يكون المراد بها ما يلي الجسد منه، وهذا هو المناسب، والله أعلم، وفيه إثبات العين، وأنها قد تصل إلى أن تكون سببا في القتل، وأن قول العائن تبارك الله مانع من ضررها، وفيه مشروعية الاغتسال متى طلب من العائن ذلك، ولا يبعد أن يقال بمطلوبيته إذا لم يعلم به وقد قيل إنه واجب، وهو مشهور المذهب، ويجبر عليه العائن إن خشي على المعيون الهلاك، وهو ظاهر الأمر، وقيل إنه مستحب، وقال ابن العربي عن الكيفية: «إن توقف فيه متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة، وصدقته المعاينة»، انتهى.
وقال ابن القيم: «هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شك فيها، ولا من فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما يفعل بالخاصة، فما الذي ينكر جهلتهم من الخواص الشرعية؟، هذا مع أن المعالجة بالاغتسال مناسبة، لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن، فكأن أثر تلك العين شعلة نار وقعت على جسد المعيون، ففي الاغتسال إطفاء لتلك العلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شيء أرق من العين، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما للأرواح الشيطانية في تلك المواضع»، انتهى.
[ ٥ / ٤٠١ ]
لا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة ونحوها
• قوله:
١١ - «ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك».
المراد بالنظر في النجوم المنهي عنه الخوض فيما يستدل به من حركاتها ومواقعها على حصول أمور غيبية، ومنه ما ينشر في بعض الصحف من البروج مع ذكر أمور من الكهانة تحت كل برج يزعم أنه يحصل لمن كان منتميا لذلك البرج، وقد كان ينشر في بعض الجرائد عندنا ثم سعى بعض أهل الخير من الدعاة فحذف من تلك الصحف جزاهم الله خيرا، أما ما تعلق بالنجوم من العلم بمواقعها وحركاتها التي تتوقف عليه معرفة جهة القبلة فإنه لما كان التوجه إلى القبلة واجبا في الصلاة فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب على الكفاية، ومن ذلك ما يعرف المرء به أجزاء الليل ليضبط وقت خروج العشاء مثلا عند نصف الليل أو ثلثه، وهكذا وقت طلوع الفجر لأجل الصلاة والإمساك عن المفطرات، قبل أن تكون وسائل ضبط الوقت المعاصرة، ومن ذلك ما يهتدى به منها في السير كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٩٧)﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]، وإنما نبه المؤلف على ذلك لأن النظر في النجوم لمعرفة البخوت والحظوظ من جملة العرافة المحرمة، وهو الذي يحمل عليه قول النبي ﷺ: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا»، رواه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عدي عنه وعن ثوبان، كما في صحيح الجامع الصغير للألباني، فليس المراد الإمساك العام عن كل ما يتعلق بالأمور الثلاثة، فإننا إذا ذكر أصحاب النبي ﷺ إنما نمسك عما شجر بينهم من الخلاف حتى لا تتغيظ قلوبنا على بعضهم فنقع في كراهيتهم، أعاذنا الله من ذلك، وكذلك القدر نثبته ونؤمن به، ونمسك
[ ٥ / ٤٠٢ ]
عن الخوض في صلة مشيئة ربنا الكونية العامة التي لا يخرج عنها شيء من أفعال المخلوقات بمشيئة المخلوقات التي بمقتضاها كان التكليف، وكذلك النجوم لا نمسك عن كل العلوم المتعلقة بها، بل بخصوص ما يرجع منها إلى استعمالها في معرفة الغيب، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد»، قال الخطابي في معالم السنن: «علم النجوم المنهي عنه هو ما يدل عليه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث، التي لم تقع كمجيء الأمطار وتغيير الأسعار، وأما ما يعلم به أوقات الصلاة، وجهة القبلة فغير داخل فيما نهي عنه»، انتهى.
قلت: قد تغير الأمر بالنسبة لنزول الأمطار فإن علم المناخ قد تقدم كثيرا، وصارت الصور الجوية التي تلتقطها الأقمار السابحة في الفضاء يعرف به اتجاه الرياح، ودرجة الضغط الجوي مما يتمكن معه الخبراء من توقع نزول المطر في وقت ما، فهذا العلم يستند إلى أمور حسية معرفية لا غيبية، وإلا فإن علم النجوم مما وراء ذلك من علوم الحياة التي يتعين على المسلمين امتلاك ناصيتها للاستفادة منها، وقال البغوي في شرح السنة: «المنهي من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع وربما تقع في مستقبل الزمان، مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح، ومجيء ماء المطر، ووقوع الثلج، وظهور الحر والبرد وتغيير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره،،،»، انتهى، والأمثلة التي ذكرها مما كان يستند في معرفته إلى النجوم صار يستند في معرفته إلى علوم كونية دقيقة، فلا ضير في الإخبار بها، لوجود الوسائل إلى معرفتها في الجملة، وقد تتخلف، ومن ذلك ما ذكره علي العدوي من الاعتماد على حركة النجوم لمعرفة وقت الكسوف والخسوف، ووجود الهلال في الأفق بعد الغروب، ونحو ذلك، فإن إثبات شيء من ذلك أو نفيه ليس من علم الغيب الممنوع وقصارى الأمر أن نقول إننا لا نصوم ولا نفطر بالاعتماد على ذلك بل نعتمد على الرؤية، أو نكمل الشهر ثلاثين، وكذلك معرفة وقت نزول المطر في الجملة بالوسائل العلمية لا تنافي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
[ ٥ / ٤٠٣ ]
الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
قال ابن كثير ﵀: «قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه، أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في الظلمات البر والبحر»، انتهى.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
لا يجوز اتخاذ الكلب إلا للماشية والزرع والصيد المباح
• قوله:
١٢ - «ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو».
حرمة اتخاذ الكلب لغير الزرع والماشية والصيد مأخوذة من قول النبي ﷺ: «من اتخذ كلبا، إلا كلب زرع أو كلب صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، ونقص أجر المتخذ للكلب قد يكون مما عمله، كما يكون بحصول وزر له، وفيه دلالة على تحريم اتخاذ الكلب لغير ما ذكر، لأن حبوط الأجر على الأعمال الصالحة، وترتب العقاب بلحوق السيآت لا يكون على المكروهات في الأصل، وفي مسند أحمد والصحيحين عن سفيان بن أبي زهير مرفوعا: «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط»، ومعنى لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا أنه لم يتخذه لحراسة زرعه ولا لحراسة ماشيته، وهل ذلك مخصوص بذات الضرع أو هو تعبير بالأغلب لأنها هي التي تحتاج إلى الحراسة غالبا؟، قال بعضهم يقاس غيرها عليها متى احتاج إلى ذلك، وعن ابن عمر عند أحمد والشيخين والترمذي والنسائي: «من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضاريا نقص من عمله كل يوم قيراطان»، قوله ضاريا أي مدربا معلما لأجل الصيد، والصيد الذي يجوز معه اتخاذ الكلب هو ما كان لتحصيل الرزق لا لمجرد اللهو، وذكر القيراطين هنا لا يعارض ما تقدم من ذكر القيراط لأن هذا فيه زيادة علم، أو لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، ومنها الأذى الذي قد يلحق الجار والصاحب ودخول الكلب للدار فلا تدخلها الملائكة، وغير ذلك.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
يجوز خصاء الغنم ولا يجوز خصاء الخيل
• قوله:
١٣ - ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها ونهي عن خصاء الخيل».
صحّ عن النبي ﷺ أنه ضحى بكبشين موجوءين، أي مخصيين، ومعلوم أن لحم المخصي أطيب من لحم الفحيل، وتقييد الجواز بصلاح اللحم يدل على أن الحكم بخلافه إذا لم يكن كذلك، كما يدل على أن غير الغنم وهو البقر والإبل مثلهما في حكم الخصاء.
أما النهي عن خصاء الخيل فلما فيه من ضعفها وتقليل نسلها، وهي إنما تراد للركوب، وقد كانت من أعظم وسائل الجهاد كما ذكر ذلك ربنا في كتابه، إذ أمر بإعداد القوة المستطاعة، وخص منها بالذكر رباط الخيل، وقد روى أحمد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن خصاء الخيل والبهائم»، وفيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد، بيد أنه في صحيح الجامع الصغير للألباني، وروى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عن صبر ذي الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا، وهو للبيهقي أيضا دون ذكر المفعول المطلق كما في صحيح الجامع، والنهي عن خصاء البهائم عام فيحمل على الخاص عند وجود الداعي، وقد ذكروا أن خصاء نحو البغال والحمير جائز، لكن ينبغي أن يقيد بالحاجة لا أن يكون مجرد عبث، أما خصاء الآدمي فمحرم بالاتفاق، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٠٦ ]
كراهة وسم الحيوان في الوجه وجوازه في غيره
• قوله:
١٤ - «ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير ذلك».
الوسم بالسين وفي نسخة بالشين المعجمة، هو أن يحمى الحديد ونحوه ويوضع على الحيوان ليعلم به وقد يكون ذلك بالشرط، أي بأن يشق بعض جلده، فإن كان في الوجه فهو حرام لما جاء من لعن فاعله، والوجه مجمع المحاسن يبدو فيه أقل عيب، ولذلك جاء النهي عن الضرب عليه، وإن كان في غير الوجه للحاجة فهو جائز، وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه»، وعن جابر أيضا أن النبي ﷺ مُر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: «أما بلغكم أني قد لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها فنهى عن ذلك، رواه مسلم وأبو داود واللفظ له.
فأما جواز ذلك في غير الوجه فلما رواه الشيخان وأبو داود عن أنس قال: «غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده ميسم يسم إبل الصدقة»، لفظ البخاري، والميسم بكسر الميم آلة الوسم، أصله موسم، فلما كان أوله مكسورا قلبت الواو ياء لمناسبتها للكسرة، وهذا الوسم الجائز للحاجة؛ يكون في الأذن، وقد جاء التصريح بذلك مرفوعا في بعض روايات الحديث المتقدم.
وينبغي الاقتصار على القدر الذي يتم به المقصود، ومن استغنى عنه بشيء آخر كالخاتم يوضع على العنق أو على الظهر فهو خير، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
الرفق بالمملوك وعدم تكليفه ما لا يطيق
• قوله:
١٥ - «ويترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق».
دل على هذا الحكم حديث أبي ذر ﵁ وهو من أوائل الأحاديث التي حفظتها، دون القصة التي معه، فعن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني سببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله قنية تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة، خولكم الخول بمفتوحتين حشم الرجل وأتباعه، جمع خائل، ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل، هكذا في النهاية بتصرف، والقنية بضم القاف وكسرها الملك، وتطلق عند الفقهاء على العرض الذي يراد للتجارة.
وروى مالك بلاغا وهو عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
[ ٥ / ٤٠٨ ]