بَابٌ فِي التَّعَالُجِ وَذِكْرِ الرُّقَى وَالطِّيَرَةِ وَالنُّجُومِ وَالْخِصَاءِ وَالْوَسْمِ وَالْكِلَابِ وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا
وَالتَّعَوُّذِ
وَالتَّعَالُجِ
وَشُرْبِ الدَّوَاءِ وَالْفَصْدِ وَالْكَيِّ
وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي حُكْم التَّعَالُجِ] (بَابٌ فِي) حُكْمِ (التَّعَالُجِ) (بَابٌ فِي) حُكْمِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرَضِ بِالدَّوَاءِ (وَ) فِي (ذِكْرِ الرُّقَى) مِنْ الْعَيْنِ أَوْ اللَّدْغَةِ، وَالرُّقَى جَمْعُ رُقْيَةٍ كَالدُّمَى جَمْعُ دُمْيَةٍ وَفِي بَيَانِ مَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ وَمُعَالَجَةُ الْمَرَضِ بِهِ. (وَ) فِي حُكْمِ (الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى وَزْنِ الْعِنَبَةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهَا، وَحَقِيقَتُهَا الْعَمَلُ عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَرَاهُ أَوْ يَتَطَيَّرُ مِنْهُ. (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ مِنْ (النُّجُومِ وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِصَاءِ) أَيْ الَّذِي يَجُوزُ خِصَاؤُهُ (وَ) فِي حُكْمِ (الْوَسْمِ) وَهِيَ الْكَيُّ بِالنَّارِ. (وَ) فِي ذِكْرِ مَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ (الْكِلَابِ) وَمَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْهَا. (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ) أَيْ الرَّقِيقِ إذْ لَا يُسَمَّى عُرْفًا بِالْمَمْلُوكِ إلَّا الرَّقِيقُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَرْجَمَةٍ ثُمَّ بَيَّنَ أَحْكَامَهَا مُفَصَّلَةً وَإِنْ لَمْ يُرَاعِ التَّرْتِيبَ لِتَصْدِيرِهِ بِغَيْرِ مَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ) ضَرَرِ (الْعَيْنِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ سُمٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ إذَا تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَلَفُّظٌ بِتَعَجُّبٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِكْ فِيمَا تَعَجَّبَ مِنْهُ وَيَصِلُ إلَى الْمَنْظُورِ فَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ سَرِيعًا، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: إنَّ الْعَائِنَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ، وَأَمَّا لَوْ بَارَكَ عِنْدَ نَظَرِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِلْعَائِنِ: «هَلَّا بَارَكْت» فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يُبَارِكَ لِيَأْمَنَ مِنْ الْمَحْذُورِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِرْقَاءِ قَوْلُ عَائِشَةَ - ﵂ -: «كَانَ - ﷺ - إذَا اشْتَكَى رَقَاهُ جِبْرِيلُ - ﵊ - فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيك مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ» . وَعَنْهَا أَيْضًا: «كَانَ - ﷺ - إذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، قَالَ فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي مِنْ الْأَلَمِ فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» . (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ (غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرُ الْعَيْنِ كَالرَّمَدِ وَالصُّدَاعِ وَاللَّدْغَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِيهِ الشِّفَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَمِنْ أَسْمَاءِ الْفَاتِحَةِ الشَّافِيَةُ. (تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِلَا بَأْسَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَحْسَنَ عَدَمُ الِاسْتِرْقَاءِ وَتُسَلِّمُ الْأَمْرَ إلَى اللَّهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» . فَفِي هَذَا ذَمُّ الِاسْتِرْقَاءِ. وَحَدِيثُ: «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَرْقِي النَّبِيَّ - ﷺ -» يَقْتَضِي مَدْحَ الِاسْتِرْقَاءِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ أَحْسَنُ مِنْ تَرْكِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الَّذِي يَحْسُنُ تَرْكُهُ الِاسْتِرْقَاءُ بِكَلَامِ الْكُفَّارِ أَوْ الْأَلْفَاظِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا كَالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ، وَالِاسْتِرْقَاءُ الْحَسَنُ مَا كَانَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوْ الْأَسْمَاءِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَعَانِي. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الْمُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْمَرَضِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ قِيلَ لِلصِّدِّيقِ: نَدْعُو لَك طَبِيبًا، فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، وَالْمُسْتَحْسَنُ فِعْلُهُ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ، وَلَا يَكُونُ الِاسْتِرْقَاءُ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْخِلَافِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَالْكُحْلُ لِلتَّدَاوِي لِلرِّجَالِ جَائِزٌ وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ
وَلَا يُتَعَالَجُ بِالْخَمْرِ وَلَا بِالنَّجَاسَةِ وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي الِاكْتِسَابِ وَالتَّوَكُّلِ اُخْتُلِفَ وَالرَّاجِحُ التَّفْصِيلُ حَسْبَ مَا عُرِفْ لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ التَّوَكُّلِ وَكَانَ يَسْتَعِدُّ لِلْحَرْبِ، وَقَالَ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» . (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ (التَّعَوُّذِ) أَوْ التَّحَصُّنِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَفْهُومَةِ الْمَعْنَى مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَكَانَ - ﵊ - إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فِي يَدِهِ وَيَمْسَحُ بِهَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ. (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِارْتِكَابِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرَضِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» فَإِنْزَالُ الدَّوَاءِ أَمَارَةُ جَوَازِ التَّدَاوِي، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْعَالِمِ بِأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ، وَمَا يُنَاسِبُ كُلَّ مَرَضٍ لِئَلَّا يَكُونَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: إنْ عَالَجَ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ الْمَرِيضَ وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ أَوْ الْمُقَصِّرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا نَشَأَ عَنْ فِعْلِهِ، وَيَجُوزُ التَّعَالُجُ بِكُلِّ مَا يَرَاهُ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ نَافِعًا وَمُنَاسِبًا لِصَاحِبِ الْمَرَضِ مِنْ الْأَسْمَاءِ. (وَشُرْبُ الدَّوَاءِ) بِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا. (وَ) بِنَحْوِ (الْفَصْدِ) وَهُوَ قَطْعُ بَعْضِ الْعُرُوقِ لِخُرُوجِ الدَّمِ الْفَاسِدِ. (وَالْكَيِّ) الَّذِي هُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ فَقَدْ كَوَى - ﷺ - بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حِينَ أَصَابَتْهُ اللُّوَقَةُ وَاكْتَوَى بَعْدَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِهَا كَمَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى التَّعَالُجِ بِهَا مَعَ جَوَازِهِ بِغَيْرِهَا أَيْضًا لِمَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ، فَلَا بَأْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ بِخِلَافِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِرْقَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فَإِنَّهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ وَالتَّعَوُّذَ مُسْتَحَبَّانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ. (وَالْحِجَامَةُ) وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ (حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - «احْتَجَمَ وَأَمَرَ بِدَفْعِ الْأَجْرِ لِلْحَاجِمِ» . وَقَالَ أَيْضًا - ﵊ -: «شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا شَرْطَةَ مِحْجَمٍ، وَتَجُوزُ فِي كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ حَتَّى السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ، بَلْ كَانَ مَالِكٌ يَتَعَمَّدُ الْحِجَامَةَ فِيهَا، وَلَا يَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْحِجَامَةِ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَالِكٍ - ﵁ -، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى حُسْنِ الْحِجَامَةِ مَعَ إيهَامِهِ عَدَمَ اسْتِحْسَانِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالتَّعَوُّذِ مَعَ أَنَّهُمَا كَذَلِكَ، دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهَا كَالْكَيِّ وَالْفَصْدِ فِي الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي لِوُقُوعِهَا بَعْدَهُمَا، وَأَفْضَلُ مَا يُتَعَالَجُ بِهِ الْحَمِيَّةُ، فَقَدْ ذَكَرَ رَجُلٌ عِنْدَ هَارُونَ الرَّشِيدِ حِينَ سَأَلَهُ نَصْرَانِيٌّ: هَلْ تَرَكَ نَبِيُّكُمْ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْأَبَدَانِ؟ وَهَلْ فِي كِتَابِكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: فِي كِتَابِنَا شَطْرُ آيَةٍ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وَمِنْ كَلَامِ نَبِيِّنَا كَلِمَاتٌ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبُرْدَةُ» قَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا تَرَكَ كِتَابُكُمْ وَلَا نَبِيُّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا. (فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْحِجَامَةِ) مِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْحِجَامَةَ أَنْ لَا يَقْرَبَ النِّسَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ الْحِجَامَةِ فِي ذَلِكَ الْفَصَادَةُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْحِجَامَةَ فِي الْغَدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَعَشَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ الْعَصْرِ، وَإِذَا كَانَ بِهِ مِرَّةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَلْيَذُقْ شَيْئًا قَبْلَ حِجَامَتِهِ خِيفَةَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى عَقْلِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ مَالِحًا إثْرَ الْحِجَامَةِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْقُرُوحُ وَالْجَرَبُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إثْرَهَا الْحُلْوُ لِيَسْكُنَ مَا بِهِ ثُمَّ يَحْسُو شَيْئًا مِنْ الْمَرَقَةِ وَيَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ الْحُلْوِ إنْ قَدَرَ، وَيَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ اللَّبَنِ بِسَائِرِ أَصْنَافِهِ وَلَوْ رَائِبًا، وَيُقَلِّلُ شُرْبَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِ. وَمِنْهَا: اجْتِنَابُ الْحِجَامَةِ فِي نَقْرَةِ الْقَفَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا تُوَرِّثُ النِّسْيَانَ، وَالنَّافِعَةُ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ نَافِعَةٌ مِنْ وَجَعِ الرَّأْسِ وَالْأَضْرَاسِ وَالنُّعَاسِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ» وَلَا تَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَضُرُّ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْحِجَامَةِ فِي زَمَنِ شِدَّةِ الْحُرِّ فِي الصَّيْفِ، وَمِثْلُهُ شِدَّةُ الْبَرْدِ فِي الشِّتَاءِ، وَأَحْسَنُ زَمَانِهَا الرَّبِيعُ، وَخَيْرُ أَوْقَاتِهَا مِنْ الشَّهْرِ عِنْدَ أَخْذِهِ فِي النُّقْصَانِ قَبْلَ انْتِهَاءِ آخِرِهِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِاسْتِعْمَالِ (الْكُحْلِ) الْإِثْمِدِ (لِلتَّدَاوِي) مِنْ مَرَضِ الْعَيْنِ (لِلرِّجَالِ) وَيَحْتَمِلُ رَفْعُ الْكُحْلِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالْكُلُّ بِمَعْنَى الِاكْتِحَالِ لِلتَّدَاوِي حَسَنٌ لِلرِّجَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ، وَمَفْهُومٌ لِلتَّدَاوِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ فِعْلُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ جَوَازُهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - «كَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ» وَعَلَّلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ (مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ) فَيَجُوزُ لَهُنَّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ اسْتِعْمَالُ مَا هُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا
[ ٢ / ٣٣٩ ]
[التداوي بالكي]
حَرَّمَ اللَّهُ ﷾
وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ
وَالرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ
وَلَا بَأْسَ بِالْمَعَاذَةِ تُعَلَّقُ وَفِيهَا الْقُرْآنُ
وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ فَلَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ
«وَقَالَ الرَّسُولُ - ﵇ - فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الِاكْتِحَالُ بِغَيْرِ الْإِثْمِدِ فَيَجُوزُ وَلَوْ لِلرِّجَالِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَوْ نَهَارًا. وَلَمَّا كَانَ التَّدَاوِي لَا يَجُوزُ بِالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُتَعَالَجَ بِالْخَمْرِ) أَيْ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا دَوَاءَ وَلَا طِلَاءَ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ بِالْخَمْرِ غُصَّةً أَوْ عَطَشًا عَلَى قَوْلٍ وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْغُصَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ مَنَافِعِ الْخَمْرِ فَقَدْ ارْتَفَعَ بِتَحْرِيمِهَا. (وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِالْخَمْرِ (وَلَا) يَجُوزُ (بِالنَّجَاسَةِ) غَيْرِ الْخَمْرِ (وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ - ﷾ -) وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُ حُرْمَةِ التَّدَاوِي بِالنَّجَسِ وَلَوْ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَلَوْ غَيْرُ خَمْرٍ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَمَفْهُومُ التَّعَالُجِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا ذُكِرَ لِغَيْرِ التَّدَاوِي لَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٌ إلَّا لِغُصَّةٍ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَيَنْتَفِعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجِسٍ. [التَّدَاوِي بِالْكَيِّ] وَلَمَّا وَقَعَ خِلَافٌ فِي جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْكَيِّ كَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ) أَيْ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ اسْتِعْمَالُ الْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَهُ، وَمِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّدَاوِي بِهِ الِاكْتِحَالُ بِالْعَذِرَةِ لِلرَّمَدِ، وَظَوَاهِرُ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ جَوَازُ كَفِّ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْحُقْنَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهَا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الدَّوَاءِ وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ - ﷺ - التَّدَاوِيَ وَأَذِنَ فِيهِ فَقَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ» وَتُحْمَلُ النُّقُولُ الْمُخَالِفَةُ لِهَذَا عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْجَوَازُ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ. [الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُرْقَى بِهِ فَقَالَ: (وَ) لَا بَأْسَ بِ (الرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ (بِكِتَابِ اللَّهِ) وَلَوْ آيَةٌ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَيُرْقَى بِالْفَاتِحَةِ وَآخِرُ مَا يُرْقَى بِهِ مِنْهَا وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَمِمَّا يُرْقَى بِهِ كَثِيرًا آيَاتُ الشِّفَاءِ السِّتِّ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْبَرَكَةِ: مِنْ كَتَبَ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ وَقَرَأَ عَلَيْهَا آيَاتِ الشِّفَاءِ وَمَحَاهُ بِمَاءِ النِّيلِ وَسَقَاهُ لِمَنْ بِهِ مَرَضٌ مُثْقِلٌ فَإِنْ قُدِّرَ لَهُ الْحَيَاةُ شَفَاهُ اللَّهُ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ وَإِنْ قُدِّرَ لَهُ الْمَوْتُ سَكَنَ أَلَمُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَقَدْ جُرِّبَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً فَصَحَّ. وَآيَاتُ الشِّفَاءِ سِتٌّ الْأُولَى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] الثَّانِيَةُ: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] الثَّالِثَةُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] الرَّابِعَةُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . الْخَامِسَةُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . السَّادِسَةُ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِالرُّقْيَةِ (الْكَلَامِ الطَّيِّبِ) مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَ عَرَبِيًّا، وَمَفْهُومَ الْمَعْنَى كَالْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالطِّبِّ لَا الْحَلَالُ لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ، وَأَمَّا مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْعَجَمِيَّةِ قَالَ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا كُفْرٌ؟ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِلَ مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَوْ جُرِّبَ وَصَحَّ، وَكَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ: إنْ تَكَرَّرَ النَّفْعُ بِهِ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحَقُّقَ النَّفْعِ بِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُعْمَلُ لِحَلِّ الْمَرْبُوطِ وَلِتَسْكِينِ عَقْلِ الْمَصْرُوعِ وَإِخْرَاجِ الْجَانِّ أَوْ إزَالَةِ النَّزِيفِ وَلَوْ حَدِيدًا كَخَاتَمِ سُلَيْمَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَسْمَاءٍ، وَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ مَالِكٍ عَلَى مَا لَمْ يُتَحَقَّقْ النَّفْعُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الرُّقْيَةِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ الرَّهْطِ الْمَشْهُورَةِ فِي بَابِ الْجُعْلِ حِينَ لُدِغَ كَبِيرُهُمْ وَرَقَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ - ﵊ -. (وَلَا بَأْسَ بِالْمَعَاذَةِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ التَّمِيمَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحَرَزَةِ (تُعَلَّقُ) فِي عُنُقِ الشَّخْصِ أَوْ ذِرَاعِهِ. (وَفِيهَا) بَعْضُ أَسْمَاءٍ وَشَيْءٌ مِنْ (الْقُرْآنِ) وَرُبَّمَا تُعَلَّقُ عَلَى
[ ٢ / ٣٤٠ ]
[الكلام على الطيرة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَيَجُوزُ حَمْلُهَا وَلَوْ كَانَ الْحَامِلُ لَهَا حَائِضًا أَوْ جُنُبًا وَلَوْ كَثِيرٌ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتْ مَسْتُورَةً، وَأَمَّا بِغَيْرِ سَاتِرٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ حَيْثُ كَانَتْ بِسَاتِرٍ يَقِيهَا مِنْ وُصُولِ الْأَذَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَحِرْزٌ بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً، وَلَا يَنْبَغِي تَعْلِيقُهَا مِنْ غَيْرِ سَاتِرٍ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا قَدَّمْنَا وَكَانَ الْحَامِلُ لَهَا مُسْلِمًا. وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ مَا يُفْعَلُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُضِرَّةِ لِطَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ سَلَامَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ) بِالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهُوَ كُلُّ مَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَالسُّعَالِ وَالرِّيحِ لَا خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ الْآتِيَةِ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالطَّاعُونِ وَهُوَ بَثْرَةٌ مِنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ أَيْ قُرُوحٌ تَحْصُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَعَ لَهَبٍ وَاسْوِدَادٍ حَوْلَهَا مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ يَحْدُثُ مِنْهَا وَرَمٌ فِي الْغَالِبِ وَقَيْءٌ وَخَفَقَانٌ فِي الْقَلْبِ، تَحْدُثُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ كَتَحْتِ الْإِبْطِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ، وَالطَّاعُونُ خِلَافُ الْكُبَّةِ لِأَنَّهَا الظَّاهِرَةُ وَالطَّاعُونُ أَشَدُّ مِنْهَا. (بِأَرْضِ قَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِوَقَعَ (فَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَرْضِهِمْ أَنْ (يَقْدُمَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْوَبَاءُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (فَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (فِرَارًا مِنْهُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» وَالنَّهْيُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَمَفْهُومُ فِرَارًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَلَا يُنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِمَّا حَصَلَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مُطْلَقًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْقُدُومِ رُبَّمَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ الْقُدُومِ، وَفِي حَالِ الْخُرُوجِ مَخَافَةَ أَنْ تَتْبَعَ النَّاسُ بَعْضَهَا فِي الْخُرُوجِ فَيَتَزَلْزَلُ اعْتِقَادُ مَنْ نَجَا وَيَضِيعُ مَنْ كَانَ مَرِيضًا وَعَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ بِفَقْدِ مَنْ يَعُودُهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت أَنَّ النَّهْيَ عَنْ دُخُولِ بَلَدِ الْوَبَاءِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْفِرَارِ، ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ النَّهْيِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ الطَّاعُونَ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بِهِ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» وَقَدْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا عَامَ ثَمَانِ عَشْرَةَ. الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ كَالْحَدِيثِ عَلَى حُكْمِ الْخُرُوجِ أَوْ الدُّخُولِ إلَى مَحَلِّ الْوَبَاءِ، وَسَكَتَ عَنْ الدُّخُولِ أَوْ الْخُرُوجِ فِي مَحَلِّ الْوَخْمِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَرَضُ كَالْأَرْيَاحِ الْمُتَغَيِّرَةِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْجَوَازُ. قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ السَّفَرِ: وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فِيهِ وَخْمٌ نُدِبَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْوَبَاءِ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ لِحُكْمِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَهُوَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ هَلْ يَجُوزُ؟ وَأَفْتَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهَا، وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا لِذَلِكَ أَدْعِيَةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَلَفْظُ دُعَاءِ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَلَفْظُ دُعَاءِ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةَ صَدْمَةِ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتِ بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك، وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا أُخِذَ مِنْ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِسَبَبِ دُعَاءِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمَوْتِ بِالطَّاعُونِ شَهَادَةً حَتَّى دَعَا الرَّسُولُ - ﵊ - بِهَا لِأُمَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» وَالشَّهَادَةُ لَا يَطْلُبُ رَفْعُهَا. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَهَادَةٍ يُطْلَبُ حُصُولُهَا، إذْ قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْغُوبًا عَنْهَا كَمَا وَرَدَ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» وَمَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمُ الشَّهَادَةَ غَالِبًا.
(٢) (فَائِدَةٌ) مِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ وَمِنْ وَخْزِ الْجِنِّ أَنْ يُكْتَبَ فِي حِرْزٍ آيَاتٌ غَيْرُ مَطْمُوسَةِ الْحُرُوفِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] سَبْعَ مَرَّاتٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَمِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا كِتَابَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي حِرْزٍ وَيُعَلَّقُ أَوْ فِي إنَاءٍ وَتُمْحَى وَيُشْرَبُ مَاؤُهَا. [الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى التَّعَالُجِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَانِي مَا فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ الطِّيَرَةِ
[ ٢ / ٣٤١ ]
[صفة الرقية من العين]
الشُّؤْمِ إنْ كَانَ فَفِي الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ»
وَكَانَ - ﵇ - يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ
وَيُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ
وَالْغَسْلُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ الرَّسُولُ - ﵊ - فِي) بَيَانِ (الشُّومِ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَوْ بِهِ (إنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (فَفِي الْمَسْكَنِ) أَيْ فَيَكُونُ فِي الْمَسْكَنِ. (وَ) يَكُونُ فِي (الْمَرْأَةِ، وَ) يَكُونُ فِي (الْفَرَسِ) وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ مَذْكُورٍ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ الشَّكِّ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْجَزْمِ: «الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالْفَرَسِ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّ الدَّارَ يَجْعَلُ اللَّهُ سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوْ لِلْهَلَاكِ، وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْخَادِمِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ هُوَ مِنْ مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ: الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوْ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ أَوْ خَادِمٌ فَلْيُفَارِقْ الْجَمِيعَ، الدَّارَ وَالْفَرَسَ وَالْخَادِمَ بِالْبَيْعِ، وَالْمَرْأَةَ بِالطَّلَاقِ، فَشُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا، وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ قِلَّةُ نَسْلِهَا، وَقِيلَ سُوءُ خُلُقِهَا وَقِيلَ كَثْرَةُ مَهْرِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ تَرْكُ الْغَزْوِ عَلَيْهَا، وَيُمْنُ الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ضِدُّ مَا ذُكِرَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكْرَهُ بَعْضَ أَشْيَاءَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ لِحُصُولِ ضَرَرٍ مِنْهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَشَاءَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهَا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ نَحْوِ الدَّارِ مِمَّا يَتَشَاءَمُ بِهِ يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ، وَبَيْنَ أَرْضِ الْوَبَاءِ يُنْهَى عَنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا؟ فَالْجَوَابُ الْمُسْتَحْسَنُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ: أَنَّ مَا عَدَا تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ يُعْهَدْ التَّشَاؤُمُ بِهِ، وَأَيْضًا الْوَبَاءُ الْمَوْتُ بِهِ شَهَادَةٌ لَا يُتَشَاءَمُ بِهَا، وَإِنَّمَا نُهَى عَنْ دُخُولِ أَرْضِهِ مِنْ الْخَارِجِ عَنْهَا خِيفَةَ اعْتِقَادِ مَا لَا يَحِلُّ اعْتِقَادُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (تَنْبِيهٌ) حَدِيثُ الشُّؤْمِ الْمَذْكُورُ عَلَى جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ أَوْ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صُفْرَ»، وَوَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ حَدِيثَ لَا عَدْوَى إلَخْ فِيهِ نَفْيُ الشُّؤْمِ وَالْحَدِيثَانِ أَثْبَتَاهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ دَفَعَ التَّعَارُضَ بِأَنَّ مَا أَثْبَتَهُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ الَّذِي نَفَاهُ الْآخَرُ، إذْ قَدْ نَفَى أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَدْوَى وَتَأْثِيرٌ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَأَثْبَتَ فِي الْآخَرِ مَا نَفَاهُ فِي الْآخَرِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي أَنْ يُسَبِّبَ اللَّهُ ضَرَرًا بِسُكْنَى دَارٍ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ قَطْعِ نَسْلٍ لِبَعْضِ النَّاسِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ الشُّؤْمِ لِأَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - نَفَتْهُ، وَقَالَتْ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١] وَقَوْلُهُ: «لَا هَامَةَ وَلَا صُفْرَ» . قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ لَا يُتَطَيَّرُ بِالْهَامِّ، خِلَافًا لِلْعَرَبِ كَانَتْ تَقُولُ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ، وَكَانَتْ تَقُولُ: الصُّفْرُ دَاءٌ فِي الْفَرْجِ يَقْتُلُ صَاحِبَهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (وَكَانَ - ﵊ - يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ) كَحَرْبٍ وَمُرَّةَ وَيُحِبُّ حَسَنَ الْأَسْمَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّهُ - ﵊ - «قَالَ لِلَّقْحَةِ تُحْلَبُ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: مُرَّةُ، قَالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْلُبُهَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: يَعِيشُ، فَقَالَ لَهُ: احْلِبْ» وَغَيَّرَ أَسْمَاءَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ - ﷺ - حِينَ أَسْلَمُوا، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَحْوِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ لِأَنَّ كُلًّا يَهُمُّ وَيَحْرُثُ فِي الدُّنْيَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الطِّيَرَةِ أَنَّ الطِّيَرَةَ لَيْسَ فِي لَفْظِهَا مَا يُتَطَيَّرُ بِهِ وَلَا فِي مَعْنَاهَا مَا يُكْرَهُ، بَلْ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَنْعُ فِي الْأَسْمَاءِ لِلْقُبْحِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ الدِّين، كَمَا كَرِهَ بَرَّةَ اسْمَ امْرَأَةٍ «فَقَالَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَيْنَبَ» . (وَ) كَانَ - ﵇ - (يُحِبُّ الْفَأْلَ) بِالْهَمْزَةِ يُجْمَعُ عَلَى فُؤُولٍ (الْحَسَنَ) وَهُوَ مَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ كَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَفِي الصَّحِيحِ: «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» مِثَالُهُ: إذَا خَرَجَ لِسَفَرٍ أَوْ إلَى عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَسَمِعَ يَا سَالِمُ يَا غَانِمُ أَوْ يَا عَافِيَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ، وَأَمَّا إذَا قَصَدَ سَمَاعَ الْفَأْلِ لِيَعْمَلَ عَلَى مَا يَسْمَعُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُهَا الْجَاهِلِيَّةُ وَهِيَ قِدَاحٌ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا افْعَلْ وَفِي بَعْضِهَا لَا تَفْعَلْ وَالثَّالِثُ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ مَشَى، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلْ رَجَعَ، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الِاسْتِقْسَامَ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ اسْتِخْرَاجُ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مَا لَا يُرِيدُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّشَاؤُمِ بِالْقُرْآنِ، فَمَنْ أَرَادَ أَمْرًا وَسَمِعَ مَا يَسُوءُ لَا يَرْجِعُ عَنْ أَمْرِهِ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إلَّا أَنْتَ، وَلَا يَأْتِي بِالشَّرِّ أَوْ لَا يَدْفَعُ الشَّرَّ إلَّا أَنْتَ. [صِفَةِ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ] ثُمَّ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
لِلْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَى الْمَعِينِ
وَلَا يُنْظَرُ فِي النُّجُومِ إلَّا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَيُتْرَكُ مَا سِوَى ذَلِكَ
وَلَا يُتَّخَذُ كَلْبٌ فِي الدُّورِ فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] شَرَعَ فِي صِفَةِ الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ إذَا عُرِفَ الْعَائِنُ. (وَ) صِفَةُ (الْغَسْلِ مِنْ الْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ) أَيْ النَّاظِرُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ) الْمُرَادُ بِالْإِزَارِ هُنَا الْمِئْزَرُ، وَالْمُرَادُ بِدَاخِلَتِهِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَوْضِعُهُ مِنْ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَكْثَرُهُ، كَمَا يُقَالُ عَفِيفُ الْإِزَارِ أَيْ الْفَرْجُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَرِكُهُ وَيَكُونُ غَسْلُ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ (فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ) ذَلِكَ الْمَاءَ الْمَغْسُولَ فِيهِ (عَلَى الْعَيْنِ) أَيْ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ وَهُوَ السُّمُّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ وَيُصِيبُ الْمَنْظُورَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَعَدَمِ مُبَارَكَةِ النَّاظِرِ فَيَمُوتُ أَوْ يَمْرَضُ لِوَقْتِهِ، وَلِذَا قَالَ - ﵊ -: «الْعَيْنُ حَقٌّ» وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَالْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا وَرَدَ: «أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ رَأَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَتَعَجَّبَ مِنْ بَيَاضِهِ وَحُسْنِهِ قَائِلًا: جِلْدُهُ جِلْدُ عَذْرَاءَ مُخَبَّأَةً فَمَرِضَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ لِوَقْتِهِ، فَأَخْبَرُوا بِهِ الرَّسُولَ - ﵊ - فَقَالَ لِأَهْلِهِ: تَتَّهِمُونَ بِهِ؟ قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَأَحْضَرَهُ الرَّسُولُ - ﵊ - وَزَجَرَهُ وَوَبَّخَهُ وَقَالَ: أَلَا بَارَكْت اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَضُوءَ شِفَاءُ الْعَيْنِ وَوَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ ذَلِكَ الْوُضُوءِ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ مَا تَقَدَّمَ، وَصِفَةُ صَبِّ الْقَدَحِ عَلَى الْمَعِينِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيُقْلَبَ الْقَدَحُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْتَغْفِلُهُ بِذَلِكَ، فَهَذِهِ صِفَةُ رُقْيَةِ مَنْ أُصِيبَ بِالْعَيْنِ، وَيُجْبَرُ الْعَائِنُ عَلَى الْغُسْلِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِين الْهَلَاكُ وَلَمْ يُمْكِنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إلَّا بِهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مِعْيَانُ وَأَنَّهُ كُلَّمَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ يُصِيبُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَتْلَفَهُ بِعَدَمِ التَّقَدُّمِ إمَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ عَلَى حَالِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْجُنَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ سِجْنُهُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَظِيرُ مَنْ عُرِفَ بِأَنَّهُ يَقْتُلُ بِالْحَالِ مَنْ تَعَمَّدَ مِنْهُمْ قَتْلَ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ.
(٢) (تَنْبِيهٌ) مِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ مِنْ النَّظْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ تَقْرَأَ أَوْ تَحْمِلَ تِلْكَ الْآيَاتِ وَهِيَ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٢ - ٣٨] . وَشَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِهَا أَنْ يَقْرَأَهَا أَوْ يَحْمِلَهَا مَعَ حُضُورِ قَلْبِهِ وَصِدْقِ نِيَّتِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْشَدَ إلَى التَّحَصُّنِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَةِ وَعَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ الْعَائِنِ الْمُسَمَّى بِالْحَسُودِ وَهُوَ خَاسِرٌ وَفِي الدُّنْيَا لَا يَسُودُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النُّجُومِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) وَالنَّهْيُ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَيَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: (فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى) مَعْرِفَةِ (الْقِبْلَةِ) إذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى النَّظَرِ فِيهَا فَإِنَّ نَظَرَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ، وَلِذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسَافِرَ إلَّا مَعَ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي بَيَانِ صِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ: أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِكَ الْقُطْبَ ثُمَّ تَجْعَلَهُ عَلَى يَسَارِك فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: قِبْلَةُ الْمَغْرِبِ مَا بَيْنَ السُّنْبُلَةِ إلَى التَّوْأَمَيْنِ، وَقِيلَ: قِبْلَةُ الْمَغْرِبِ مِنْ تُونُسَ إلَى طَنْجَةَ الثَّوْرُ وَالتَّوْأَمَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قِبْلَتُنَا فِي قُرْطُبَةَ مَطْلَعُ الْقُطْبِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ عَلَى رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. (وَ) ثَانِيَتُهَا النَّظَرُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَعْرِفَةِ (أَجْزَاءِ) جَمْعُ جُزْءٍ (اللَّيْلِ) لِيَظْهَرَ لَهُ مَا أَمْضَى مِنْهُ وَمَا بَقِيَ لِأَجْلِ نِيَّةِ الصَّوْمِ
[ ٢ / ٣٤٣ ]