وَزْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ خَمْسَ أَوَاقٍ فِضَّةً فَفِي ذَلِكَ رُبُعُ الْعُشْرِ يَوْمَ خُرُوجِهِ وَكَذَلِكَ فِيمَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِهِ وَإِنْ قَلَّ فَإِنْ انْقَطَعَ نَيْلُهُ بِيَدِهِ وَابْتَدَأَ غَيْرَهُ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ
وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمَجُوسِ وَمِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ
وَالْجِزْيَةُ عَلَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَا رَصَاصٍ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا زَكَاةَ فِي مَعَادِنِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالزَّرْنِيخِ وَاللُّؤْلُؤِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ، قَالَ فِي الْجَلَّابِ؛ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ قَدْرَ النِّصَابِ مِنْ الْمَعْدِنِ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا بَلَغَ): الْخَارِجُ مِنْهُ (وَزْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا): إنْ كَانَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ (أَوْ): بَلَغَ وَزْنَ (خَمْسِ أَوَاقٍ فِضَّةً): إنْ كَانَ مَعْدِنَ فِضَّةٍ، وَقَوْلُهُ: (فَفِي ذَلِكَ رُبْعُ الْعُشْرِ): جَوَابُ إذَا الشَّرْطِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ: إذَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنِ الْعَيْنِ النِّصَابُ فَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ لَا الْخُمُسُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمَّا كَانَ الْحَوْلُ لَا يُشْتَرَطُ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِنِ قَالَ: (يَوْمَ خُرُوجِهِ): وَقِيلَ: إنَّمَا تَجِبُ بِتَصْفِيَتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ تَصْفِيَتِهِ تَرَدُّدٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا رَفَعَ مِنْ الْمَعْدِنِ شَيْئًا وَلَمْ يَضَعْهُ إلَّا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ، فَمَنْ قَالَ: الْوُجُوبُ بِالتَّصْفِيَةِ يَقُولُ بِزَكَاتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَنْ قَالَ: الْوُجُوبُ بِخُرُوجِهِ كَالْمُصَنِّفِ يَقُولُ يُزَكِّيهِ مَرَّتَيْنِ، وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ أَنْفَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَقَبْلَ التَّصْفِيَةِ هَلْ يُحْسَبُ أَمْ لَا؟ (وَكَذَلِكَ): يَجِبُ رُبْعُ الْعُشْرِ (فِيمَا يَخْرُجُ): مِنْهُ (بَعْدَ ذَلِكَ): أَيْ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ حَيْثُ خَرَجَ (مُتَّصِلًا بِهِ): بِأَنْ كَانَ بَعْضَ الْخَارِجِ لِكَوْنِهِ مِنْ عِرْقِهِ (وَإِنْ قَلَّ): قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمُّ بَقِيَّةِ عِرْقِهِ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ زَكَاةُ الْخَارِجِ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّيْنِ يُزَكَّى الْمَقْبُوضُ مِنْهُ بَعْدَ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ انْقَطَعَ نِيلُهُ): أَيْ عِرْقُهُ الَّذِي فِي الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ النِّيلَ يُسَمَّى عِرْقًا بِأَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ (بِيَدِهِ وَابْتَدَأَ غَيْرُهُ لَمْ): يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ (يُخْرِجَ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ): الْخَارِجُ (مَا فِيهِ الزَّكَاةُ): بِأَنْ بَلَغَ نِصَابًا؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ عِرْقٍ لَا يُضَمُّ لِغَيْرِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا مَعَادِنَ وَلَا عِرْقَ لِآخَرَ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ عِرْقٍ عَلَى حِدَتِهِ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ، إحْدَاهَا: أَنْ يَتَّصِلَ الْعَمَلُ وَالنَّيْلُ وَيَخْرُجُ نِصَابٌ فَالزَّكَاةُ حَتَّى فِي الْخَارِجِ بَعْدَ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ. ثَانِيهَا: أَنْ يَنْقَطِعَ النَّيْلُ وَيَتَّصِلَ الْعَمَلُ فَالْمَذْهَبُ لَا زَكَاةَ فِي الثَّانِي حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا لَا أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَمُّ نِيلٌ لِغَيْرِهِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَنْقَطِعَا مَعًا فَلَا زَكَاةَ فِي الثَّانِي حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا اتِّفَاقًا.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَعْدِنِ النَّدْرَةُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا الْخُمُسُ لَا الزَّكَاةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي نَدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ، وَالنَّدْرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْقِطْعَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، وَيُدْفَعُ ذَلِكَ الْخُمُسُ لِلْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَإِلَّا فُرِّقَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَعْدِنِ يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ لِمَنْ شَاءَ.
(٣) الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ يُزَكَّى الْخَارِجُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْوَاجِدِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ يَكُون حُرًّا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ شَبِيهٌ بِالزَّرْعِ لَا يُزَكِّيهِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا عَبْدٌ. الثَّالِثُ: إذَا كَانَ الْمُخْرِجُ لِلْمَعْدِنِ جَمَاعَةٌ اُعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ، كَالشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ أَوْ فِي الْمَاشِيَةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ نِصَابًا.
(٤) الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْمَعَادِنِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْأَرَاضِي، وَالْحُكْمُ فِيهَا جَمِيعِهَا الْإِمَامُ يَقْطَعُهَا لِمَنْ يَشَاءُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ يَقْطَعُهُ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، إمَّا حَيَاةَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، أَوْ يُوَكِّلُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ لِلْإِمَامِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَاجِدُهُ لِمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْهَرَجِ وَالْفِتَنِ بَيْنَ النَّاسِ، فَالْوَاجِدُ لَهُ لَا يَتَصَرَّفُ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ الْإِمَامَ وَيُمَكِّنُهُ مِنْهُ وَيَحُوزُهُ؛ لِأَنَّ عَطَايَا الْإِمَامِ تَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ كَعَطِيَّةِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ الْمَمْلُوكَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحُكْمُهُ لِلْمُصَالِحِ أَوْ وَارِثِهِ لَا لِلْإِمَامِ. [الْجِزْيَةَ وَشُرُوطهَا] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ غَيْرِ الْمَاشِيَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِهَادِ لِتَسَبُّبِهَا عَنْهُ، وَيُقَدِّمُ الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالْفِطْرَةِ، وَتَنْقَسِمُ إلَى صُلْحِيَّةٍ وَعَنْوِيَّةٍ، فَالصُّلْحِيَّةُ مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ مَنْعَ نَفْسِهِ أَدَاءَهُ عَلَى إبْقَائِهِ بَلْدَةً تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ، وَالْعَنْوِيَّةُ مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لِأَمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ، وَالْجَزَاءُ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الْمَالَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَمَانِ، وَمُجَازَاةٌ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ سُكْنَى بِلَادِنَا، وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، وَقِيلَ التَّاسِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَمُدَّتُهَا مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِ عِيسَى - ﵇ -، وَبَعْدَ نُزُولِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا يُطَالِبُهُمْ - ﵇ - بِالْإِيمَانِ وَإِلَّا قَتَلَهُمْ وَحُكْمُ ضَرْبِهَا الْجَوَازُ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ضَرْبِهَا، وَأَشَارَ إلَى مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ): صُلْحِيَّةً أَوْ عَنْوِيَّةً (مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ): وَالْمُرَادُ بِهِمْ كُلُّ كَافِرٍ يَصِحُّ سَبْيُهُ وَلَوْ قُرَشِيًّا، وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالِفَةٌ لِمَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ): الْعُقَلَاءِ فَلَا
[ ١ / ٣٣٦ ]
[قدر الجزية العنوية]
أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَيُخَفَّفُ عَنْ الْفَقِيرِ
وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ تَجِرَ مِنْهُمْ مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِمَّنْ لَا يَصِحُّ سَبْيُهُ كَالْمُعَاهِدِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ عَهْدِهِ وَالْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ صِحَّةِ سَبْيِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لِأَهْلِ دِينِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُنْعَزِلِ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ كَالرُّهْبَانِ، وَلَا مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ كَافِرٍ أَعْتَقَهُ كَافِرٌ أَوْ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ شَرْطَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْجِزْيَةُ عَنْوِيَّةً أَوْ صُلْحِيَّةً: الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَصِحَّةُ سَبْيِهِ وَعَدَمُ عِتْقِ مُسْلِمٍ لَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَالْمُخَالَطَةُ لِأَهْلِ دِينِهِ وَلَوْ رَاهِبَ كَنِيسَةٍ، بِخِلَافِ رَاهِبِ الدَّيْرِ أَوْ الصَّوْمَعَةِ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمَا لِعَدَمِ مُخَالَطَتِهِمَا. قَالَ خَلِيلٌ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سَبْيُهُ حُرٍّ قَادِرٍ مُخَالِطٍ لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ سَكَنَ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَاتِ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْخَذُ): الْجِزْيَةُ (مِنْ نِسَائِهِمْ): أَيْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَ): لَا تُؤْخَذُ مِنْ (صِبْيَانِهِمْ وَ): لَا مِنْ (عَبِيدِهِمْ): وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ الْمُنْعَزِلِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَهُّبُهُمْ بَعْدَ ضَرْبِهَا فَلَا يُمْنَعُ لِاتِّهَامِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمَا سَرِيعًا كَمَا لَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِالْأَخْذِ مُرُورُ الْحَوْلِ. (وَتُؤْخَذُ): الْجِزْيَةُ (مِنْ الْمَجُوسِيِّ): نِسْبَةً إلَى مَحَلِّهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي شَأْنِهِمْ: «سُنُّوا لَهُمْ سُنَّةَ الْكِتَابِ» قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى ذَلِكَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ، فَعَلَى هَذَا لَمْ تَتَعَدَّ السُّنَّةُ إلَى ذَبَائِحِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ. (وَتُؤْخَذُ): الْجِزْيَةُ أَيْضًا (مِنْ رِجَالِ نَصَارَى الْعَرَبِ):؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ قُرَيْشٍ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْعَاقِدِ لَهَا مَعَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِأَنَّهُ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهَا مُسْلِمٌ غَيْرُ الْإِمَامِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْكَافِرِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ وَلَا أَسْرُهُ، وَيُفْعَلُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَسَكَتَ عَنْ مَحَلِّ إقَامَتِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ فَلَا يَجُوزُ سُكْنَاهُمْ فِيهَا وَلَا يُدْفَنُونَ بِهَا إنْ مَاتُوا وَإِنْ كَانَ يَمْضِي بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَّا الْمَيِّتَ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ دَفْنِهِ كَمَا قَالَهُ السَّنْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ لِخَبَرِ: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» نَعَمْ يَجُوزُ لَهُمْ الْمُرُورُ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ. الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَفْسَدَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً، فَكَيْفَ نُقِرُّهُمْ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ وُجُوبِ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ؟ وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ بَعْدَ اسْتِشْكَالِهِ الْمَسْأَلَةَ: بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا قُتِلَ انْسَدَّ بَابُ الْإِيمَانِ، فَشُرِعَتْ الْجِزْيَةُ لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ هُوَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ. الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: وَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى بَعْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ؟ وَبَيَّنَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ: السِّرُّ فِي ذَلِكَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْمَالِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى - ﵇ -،؛ لِأَنَّهُ يَفِيضُ وَيَكْثُرُ فِي أَيَّامِهِ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْكَافِرِ إذْ ذَاكَ إلَّا الْإِيمَانُ أَوْ يَقْتُلُهُ، وَأَجَابَ وَلِيُّ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ: بِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشُبْهَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لِتَعَلُّقِهِمْ بِزَعْمِهِمْ بِشَرْعٍ قَدِيمٍ، فَإِذَا نَزَلَ عِيسَى انْقَطَعَتْ شُبْهَتُهُمْ بِحُصُولِ مُعَايَنَتِهِ [قَدْرُ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ] ثُمَّ ذَكَرَ الْقَدْرَ الْمَأْخُوذَ بِقَوْلِهِ: (وَ): قَدْرُ (الْجِزْيَةِ): الْعَنْوِيَّةِ (عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ): فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (وَ): قَدْرُهَا (عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ): أَيْ الْفِضَّةِ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا): هَذَا هُوَ الْمُقَدَّرُ الَّذِي فَرَضَهُ عُمَرُ - ﵁ - بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلَّا الْمَوَاشِي فَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ، وَنَقَلَ بَعْضٌ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ عَلَيْهِمْ مَا أَرْضَاهُمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، وَقَصَرْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْعَنْوِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِمَّنْ فُتِحَتْ بَلَدُهُمْ قَهْرًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَهِيَ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّنْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَحَفِظُوهَا وَطَلَبُوا الْإِقَامَةَ بِأَمَاكِنِهِمْ فَلَا تَحْدِيدَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ مَا شَرَطُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَرَضِيَ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، إذْ لَهُ أَنْ لَا يَرْضَى وَيُقَاتِلَهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُمْ الْإِمَامُ وَأَطْلَقُوا لَهُ وَلَمْ يُسَمُّوا قَدْرًا حِينَ الصُّلْحِ فَيَلْزَمُهُمْ مَا يَلْزَمُ الْعَنْوِيَّ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ تُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ الْعَامِ أَوْ آخِرِهِ؟ وَبَيَّنَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ: لَا نَصَّ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ بِآخِرِ الْعَامِ كَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا صِفَةَ أَخْذِهَا وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: مَعَ الْإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا، وَلِذَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي دَفْعِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْسُطَ الْكَافِرُ كَفَّهُ بِهَا وَيَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُ مِنْ كَفِّهِ لِتَكُونَ يَدُ الْمُسْلِمِ هِيَ الْعُلْيَا، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ إنْ يَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَيُخَفَّفُ عَنْ الْفَقِيرِ): قَالَ خَلِيلٌ: وَنَقْصُ الْفَقِيرِ بِوُسْعِهِ وَلَا تُزَادُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى شَيْءٍ سَقَطَتْ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ صُلْحِيَّةً
[ ١ / ٣٣٧ ]
[ما يؤخذ من الحربيين]
عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَةِ مِرَارًا
وَإِنْ حَمَلُوا الطَّعَامَ خَاصَّةً إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ
وَيُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ الْعُشْرُ إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
وَفِي الرِّكَازِ وَهُوَ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ الْخُمُسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَوْ عَنْوِيَّةً، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُ التَّحَيُّلُ بِالْإِسْلَامِ عَلَى إسْقَاطِ مَا كَانَ مُنْكَسِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِتَرَهُّبِهِ فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ التَّحَيُّلَ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الرَّاهِبَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ مَنْ نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ. (خَاتِمَةٌ): يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِلُبْسِ عَلَامَةٍ تُمَيِّزُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَبِتَرْكِ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ، وَإِنَّمَا يَرْكَبُونَ الْحَمِيرَ عَلَى نَحْوِ الْبَرْذعَةِ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْمَشْيِ فِي جَنْبِ الطَّرِيقِ وَبِالتَّأَدُّبِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الذَّبُّ عَنْ أَذِيَّتِهِمْ لِعِصْمَتِهِمْ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يُنَافِي الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ عَزَّرَهُمْ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِمْ، كَقِتَالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ أَوْ إكْرَاهِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَيَجِبُ لَهَا مِنْ مَالِهِ الصَّدَاقُ وَوَلَدُهَا مِنْهُ عَلَى دِينِهَا لَا بِغَصْبِ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا بِغَصْبِ حُرَّةٍ ذِمِّيَّةٍ وَخَرَجَ بِالْإِكْرَاهِ الطَّوْعُ فَلَيْسَ نَقْضًا عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ، قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِصْمَتِهِمْ وَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ حَتَّى لِأَمْوَالِهِمْ عَدَمُ جَوَازِ أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ): يَجُوزُ أَنْ (يُؤْخَذَ مِمَّنْ تَجَرَ): بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ (مِنْهُمْ): أَيْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بَلْ بِمَعْنَى جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا. (مِنْ أُفُقٍ): بِضَمِّ الْفَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا أَيْ إقْلِيمٍ (إلَى أُفُقٍ): أَيْ إقْلِيمٍ آخَرَ، وَالْأَقَالِيمُ خَمْسَةٌ: مِصْرُ وَالشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَبَرُّ الْأَنْدَلُسِ وَبَرُّ الْمَغْرِبِ، وَالِاعْتِبَارُ بِهَذَا لَا بِالسَّلَاطِينِ إذْ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ السُّلْطَانِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَ تَنَائِي الْأَقْطَارِ، وَأَمَّا الْأُفُقُ فِي بَابِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجَوُّ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَفِي بَابِ الْحَجِّ الْمُرَادُ بِهِ الْبَلَدُ، فَالْأُفُقُ لَهُ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ. (عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ): مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ قُرَاهُمَا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا قَدِمُوا بِهِ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، فَإِذَا قَدِمُوا بِعَيْنٍ وَأَخَذُوا بَدَلَهَا عَرْضًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْعَرْضِ لَا عُشْرُ قِيمَتِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا مَا يَشْتَرُونَهُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ قِيمَتِهِ لَا عُشْرُ ثَمَنِهِ. قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حِينَ الشِّرَاءِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا بَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي إقْلِيمِهِ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الشِّرَاءِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا بَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حِينَ الشِّرَاءِ وَحِينَ الْبَيْعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعَ وَعُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَى، بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي إقْلِيمِهِ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ، وَبَقِيَ قِسْمَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتْجُرُ فِي إقْلِيمِهِ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ، وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فِي إقْلِيمِهِ، وَشَرْطُ أَخْذِ الْعُشْرِ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا انْتِقَالُهُ مِنْ أُفُقٍ إلَى آخَرَ وَالثَّانِي انْتِفَاعُهُ إمَّا بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، ثَانِيهِمَا أَنْ يَتْجُرَ فِي غَيْرِ إقْلِيمِهِ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ، فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ الشِّرَاءِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حِينَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ وَاشْتَرَى فِي إقْلِيمٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ اشْتَرَى بِعَيْنٍ قَدِمَ بِهَا سَلَمًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُهَا. (تَنْبِيهٌ): الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْعُشْرِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ. (وَإِنْ اخْتَلَفُوا): أَيْ كَرَّرُوا التِّجَارَةَ (فِي السَّنَةِ مِرَارًا): فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَ التَّكْرَارِ لِحُصُولِ النَّفْعِ لَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عُشْرُ ثَمَنِ إلَخْ أَنَّ الْغَلَّاتِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ كِرَاءِ الدَّوَابِّ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُهَا (وَإِنْ حَمَلُوا): أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا (الطَّعَامَ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً) وَأُلْحِقَ بِهِمَا الْقُرَى الْمُتَّصِلَةُ بِهِمَا (أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ) لَا جَمِيعُ الْعُشْرِ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْجَلْبِ إلَيْهِمَا لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا إلَى الطَّعَامِ، وَمَفْهُومُ الطَّعَامِ أَنَّ غَيْرَهُ يُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِهِ جَمِيعُ الْعُشْرِ كَالْعَرْضِ وَالْبُنِّ. (تَنْبِيهٌ): ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ جَمِيعُ الْمُقْتَاتِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ كَالْقَطَانِيِّ وَالْأَدْهَانِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ، وَمُقْتَضَى التَّعْيِينِ أَنَّ الْحَرْبِيِّينَ إذَا حَمَلُوا الطَّعَامَ إلَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ عُشْرِ الثَّمَنِ [مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ] وَلَمَّا قَدَّمَ بَيَانَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ): وَهُمْ الْقَادِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ (الْعُشْرُ): مِنْ نَفْسِ السِّلَعِ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لَمْ يَبِيعُوا. (إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ):
[ ١ / ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَيْ الْعُشْرِ فَإِنْ نَزَلُوا عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا اتَّجَرَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَدَمِ تَعْيِينِ جُزْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْإِمَامُ اجْتِهَادَهُ إلَى أَخْذِ أَقَلَّ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ مَوْكُولَانِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حَدَّ لِمَأْخُوذٍ مِنْهُمْ سَوَاءً كَانَ قَبْلَ النُّزُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ إذَا اشْتَرَوْا مِنْ أُفُقٍ وَبَاعُوا فِي أُفُقٍ آخَرَ، وَأَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْأَعْيَانِ لَا بِشَرْطِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، إلَّا فِي الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَكَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا يَكْمُلُ النَّفْعُ لَهُمْ إلَّا بِالِانْتِقَالِ مِنْ أُفُقٍ إلَى آخَرَ وَبَاعُوا بِالْفِعْلِ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ عَلَى الْحَرْبِ إلَّا حُكْمَ مَا قَدِمُوا بِهِ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ تَمَلُّكُهَا لَوْلَا الْأَمَانُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الْعَيْنِ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِيَشْتَرُوا بِهَا، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَقَيَّدْنَا بِاَلَّتِي يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ شَرْعًا كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ أَهْلُ ذِمَّةٍ يَشْتَرُونَهُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُتْرَكُونَ وَيُمَكَّنُونَ مِنْ الدُّخُولِ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِهِ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ يُرَدُّونَ بِهِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الدُّخُولِ بِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُمْ لِخَبَرِ: «إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ» وَحِينَئِذٍ فَمَا يُؤْخَذُ فِي زَمَانِنَا مِنْهُمْ عِنْدَ نُزُولِ قَوَافِلِ الْبُنِّ أَوْ الْقُمَاشِ فَهُوَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَ اسْتِحْلَالِ الْأَخْذِ فَكُفْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِحُرْمَتِهِ فَهُوَ عِصْيَانٌ يَسْتَحِقُّ آخِذُهُ التَّعْزِيرَ بَعْدَ الرُّجُوعِ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ كَالْغَاصِبِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ زِيَادَةً عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي الرِّكَازِ وَهُوَ): لُغَةً مَا يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِنْ الْقِطَعِ الْخَالِصَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ وَاصْطِلَاحًا (دِفْنُ): بِكَسْرِ الدَّالِ بِمَعْنَى مَدْفُونٍ (الْجَاهِلِيَّةُ): خَاصَّةً بِخِلَافِ الْكَنْزِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَدِفْنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقِيلَ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ الْجَاهِلِيَّةُ أَهْلُ الْفَتْرَةِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يُقَالُ لَهُمْ جَاهِلِيَّةٌ، وَهَذَا الثَّانِي كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ شَارِحِ الْمُدَوَّنَةِ. (الْخُمُسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ): أَيْ وَجَدَهُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَدِينًا، سَوَاءً كَانَ نِصَابًا أَوْ لَا، سَوَاءً عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، فَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ وَالْحَدِيدُ وَالرُّخَامُ يُسَمَّى رِكَازًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ دَفْنَ جَاهِلِيٍّ أَوْ شَكٍّ فِيهِ لِعَدَمِ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ كَوْنُهُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَشْعَرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ كَالْمَعْدِنِ بَلْ الْبَاقِي بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ لِوَاجِدِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا، كَمَوَاتِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ أَوْ فَيَافِي الْعَرَبِ الَّتِي لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً وَلَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ وَلَوْ جَيْشًا، وَتَعْبِيرُهُ بِدِفْنِ يُوهِمُ أَنَّ مَا وَجَدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَيْسَ مِنْ الرِّكَازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي مَالِ الْجَاهِلِيِّ الْخُمُسُ لِشَمْلِ الْمَدْفُونِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالِ جَاهِلِيٍّ أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ يُخَمَّسُ، وَأَمَّا مَا وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لُقَطَةٌ سَوَاءٌ وُجِدَ مَدْفُونًا أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَجِبُ عَلَى وَاجِدِهِ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَالَ الذِّمِّيّ كَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ يَأْخُذُ الْخُمُسَ، وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ يَصْرِفُهُ فِيهِ مَصَارِفِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِمَامُ الْعَدْلُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَاجِدِهِ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
(٣) الثَّانِي: مَحَلُّ تَخْمِيسِهِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِنَفَقَةٍ كَثِيرَةٍ وَإِلَّا فَيُزَكَّى. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي نَدْرَةِ الْمَعْدِنِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ وَهُوَ دِفْنٌ جَاهِلِيٌّ، وَإِنْ يَشُكُّ أَوْ قَلَّ أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ إلَّا كَبِيرَ نَفَقَةٍ أَوْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ فَالزَّكَاةُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْته مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الرِّكَازَ إنَّمَا هُوَ دِفْنٌ يُوجَدُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَمْ يُطْلَبْ بِمَالٍ، وَأَمَّا مَا طُلِبَ بِمَالٍ وَتَكَلَّفَ كَثِيرًا فَلَيْسَ بِرِكَازٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ وُجُودِ شُرُوطِ الزَّكَاةِ حَيْثُ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْعَمَلِ لَا إنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الرِّكَازِ: الثَّالِثُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الرِّكَازِ الَّذِي يُخَمَّسُ مَا وُجِدَ مَدْفُونًا فِي أَرْضِ الصُّلْحِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ دَفْنِهِمْ أَوْ مِنْ دَفْنِ غَيْرِهِمْ، فَهَذَا لَا يُخَمَّسُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ الصُّلْحِ جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يَجِدَهُ رَبُّ دَارٍ مِنْهُمْ بِهَا فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَهُوَ لَهُمْ:
(٤) الرَّابِعُ: مَا طَرَحَهُ الْبَحْرُ فِي جَوَانِبِهِ مِنْ نَحْوِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَكُلِّ نَفِيسٍ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ. قَالَ خَلِيلٌ:
[ ١ / ٣٣٩ ]