يُصَامُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَاب فِي الصِّيَام] ِ) وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ وَالصَّمْتُ وَلِوُقُوفِ الْفَرَسِ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتِي الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَكَسْرُهَا وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَتَنْبِيهُ الْعَبْدِ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ وَبَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُطِيقٍ لَهُ غَيْرِ مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، إلَى قَوْلِهِ: «وَصَوْمِ رَمَضَانَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، فَمَنْ جَحَدَهُ قُتِلَ كُفْرًا إلَّا أَنْ يَتُوبَ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، وَمَنْ اعْتَرَفَ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ عِنَادًا أَوْ كَسَلًا فَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ بَعْدَ تَأْخِيرِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا يُوقِعُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَحِين فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ الشَّخْصُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، ثُمَّ نُسِخَ التَّخْيِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَوَجَبَ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ، وَأُبِيحَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ نَوْمُ أَحَدِهِمَا فَيَحْرُمُ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَاخْتَارَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زَوْجَتَهُ وَكَذَّبَهَا فِي أَنَّهَا نَامَتْ وَوَطِئَهَا فَنَزَلَ " عَلِمَ اللَّهُ " إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَفِي الذَّخِيرَةِ: اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ فِي الْإِسْلَامِ فَقِيلَ عَاشُورَاءُ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ» كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ غَيْرِ مُضَافٍ لِلشَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الشَّهْرِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ، وَسُمِّيَ هَذَا الشَّهْرُ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَرْمَدُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرُقُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ صَوْمِ رَمَضَانَ شَرَعَ فِي بَيَانِ [مَا يَثْبُتُ بِهِ شَهْر رَمَضَان] مَا يَثْبُتُ بِهِ بِقَوْلِهِ: (يُصَامُ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ (لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) حَيْثُ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ أَيْ الْكَثِيرَةُ الَّذِينَ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّ خَبَرَهُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ زَمَنِ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْوَاحِدُ الْمَوْثُوقُ بِخَبَرِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَحَلُّ لَا يَعْتَنِي فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فِي حَقِّ أَهْلِ الرَّأْيِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ فِي حَقِّ أَهْلِهِ وَلَوْ صَدَّقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بَعِيدٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ، وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ وَالرَّاجِحُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَبُولِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَبِّرٌ بِدُخُولِ وَقْتٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَسْتَنِدُ فِي إخْبَارِهِ إلَى أَمْرٍ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ أَخْطَأَ لَنَبَّهَهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْهِلَالِ وَلَا سِيَّمَا جَمِيعُ النَّاسِ حَرَصَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَهُمْ كَالْمُعَارِضِينَ لِمُدَّعِي الرُّؤْيَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِرُؤْيَةٍ أَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَكِنْ لَا يُرَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا يُعَوِّلُ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْوُجُودِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. (تَنْبِيهٌ): سُمِّيَ الْهِلَالُ هِلَالًا لِرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَيُسَمَّى بِذَلِكَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ بَعْدُ يُسَمَّى قَمَرًا، وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ. (وَ) كَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (يُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ) أَيْ هِلَالِ شَوَّالٍ فَالضَّمِيرُ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هِلَالُ رَمَضَانَ وَالثَّانِي هِلَالُ شَوَّالٍ وَسَوَاءٌ (كَانَ) رَمَضَانُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ يَأْتِي كَامِلًا
[ ١ / ٣٠٣ ]
[شروط الصوم]
فَيُعَدُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ثُمَّ يُصَامُ وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ
وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ فِي أَوَّلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ فِي بَقِيَّتِهِ، وَيُتِمُّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ
وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَإِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ
وَلَا يُصَامُ يَوْمُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَنَاقِصًا. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵀ -: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مَا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ»، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ) أَيْ هِلَالُ رَمَضَانَ بِأَنْ كَثُرَ الْغَيْمُ مَكَانَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مَعَ رُؤْيَةِ هِلَالِ شَعْبَانَ (فَيَعُدُّ) الْمُكَلَّفُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ) أَيْ أَوَّلِ الشَّهْرِ (الَّذِي قَبْلَهُ) وَهُوَ شَعْبَانُ (ثُمَّ) بَعْدَ إتْمَامِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، يَوْمًا (يَصُومُ) أَيْ يَثْبُتُ صَوْمُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ غُرَّةِ شَعْبَانَ، وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا فَفِي الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ: «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلَوْ تَوَالَى ثَلَاثَةٌ عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَمَالُ الشُّهُورِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ لَا يَتَوَالَى أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ عَلَى التَّمَامِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عَلَى النُّقْصَانِ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبَا أَوْ مُسْتَفِيضَةً وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي كُذِّبَا لِلْعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهُمَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرَ أَيْ بِغَيْرِ الْعَدْلَيْنِ الَّذِينَ ادَّعَيَا رُؤْيَتَهُ وَصَامَتْ النَّاسُ بِشَهَادَتِهِمَا وَمَعَ تَكْذِيبِهِمَا صَوْمُ النَّاسِ بِرُؤْيَتِهِمَا مُعْتَدٌّ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِيمَا إذَا رَأَى شَخْصٌ الْهِلَالَ وَصَامَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُرَ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ صَحْوًا فَهَلْ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ أَوْ يَعْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِهِ؟ وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَهُمْ الَّذِينَ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ فَلَا يُحْكَمُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِإِسْلَامِ جَمِيعِهِمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ بِرُؤْيَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ بِكَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ بِمَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ يَثْبُتُ بِنَقْلِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ عَنْ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فَيُكْتَفَى وَلَوْ بِوَاحِدٍ وَلَوْ فِي مَحَلٍّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، وَكَذَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْمَنَائِرِ مَوْقُودَةً حَيْثُ كَانَتْ لَا تُوقَدُ إلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ الشَّرْعِيِّ كَمَا عِنْدَنَا بِمِصْرَ، وَمِثْلُهَا سَمَاعُ الْمَدَافِعِ فَإِنَّهَا لَا تُضْرَبُ عِنْدَ الْغُرُوبِ إلَّا لِثُبُوتِ الشَّهْرِ. الثَّانِي: وُجُوبُ الصَّوْمِ عِنْدَنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ حَكَمَ مُخَالِفٌ بِثُبُوتِهِ بِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ يَعْتَنِي أَهْلُهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَفِي لُزُومِهِ لِلْمَالِكِيِّ وَعَدَمِ لُزُومِهِ تَرَدُّدٌ، وَلَوْ أَخْبَرَ الْحَاكِمُ شَخْصًا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَنْ أَخْبَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْمَذْهَبِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ، فَإِنْ وُجِدَ الثُّبُوتُ بِشَاهِدَيْنِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَبِوَاحِدٍ جَرَى الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَوْ ادَّعَى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي الرُّؤْيَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ رُؤْيَةِ الْوَاحِدِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَلَوْ صَدَّقْنَاهُ لَا يَلْزَمُنَا الصَّوْمُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ. الثَّالِثُ: لَوْ رَأَى شَخْصٌ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ بِالصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ الرَّائِيَ وَلَا غَيْرَهُ إجْمَاعًا لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ النَّائِمِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ - ﷺ -، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا. (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ لِإِتْمَامِ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَفْعَلُ (فِي الْفِطْرِ) فَيَجِبُ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ لِهِلَالِ شَوَّالٍ أَوْ لِإِتْمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَا بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إلَّا بِمُبِيحٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، وَلَكِنْ يُفْطِرُ بِالنِّيَّةِ لِحُرْمَةِ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ، وَلَا فِي مَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ. [شُرُوطِ الصَّوْمِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ شُرُوطِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ) أَيْ يَنْوِي الصَّوْمَ وُجُوبًا (فِي أَوَّلِهِ) بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ أَوْ مَعَ الْفَجْرِ، وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَرُؤْيَةٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا بِنِيَّةٍ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِغْرَاقِ النَّهَارِ فِي كُلِّ أَيَّامِهِ بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا يُفْطِرُ، وَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ سَنَةِ رَمَضَانَ كَالْيَوْمِ لِلصَّلَاةِ، فَالْمُرَادُ بِالتَّبْيِيتِ نِيَّةُ الصَّوْمِ لَيْلًا الَّذِي أَوَّلُهُ الْغُرُوبُ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّبْيِيتِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ» إنَّمَا صَحَّتْ مَعَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ تَقَدُّمُهَا فِي الصَّوْمِ لِمَشَقَّةِ تَحَرِّي الْفَجْرِ. (وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ) كُلَّ لَيْلَةٍ (فِي بَقِيَّتِهِ) وَكَذَلِكَ كُلُّ صَوْمٍ يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي النِّيَّةُ
[ ١ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْوَاحِدَةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَتْ نِيَّةُ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَالْمَنْفِيُّ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَبْيِيتُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَقُولَانِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ صَوْمُ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ إنْ تَمَادَيَا عَلَى الصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي حَقِّهِمَا وَعِنْدَ صِحَّةِ الْمَرِيضِ، وَقُدُومِ الْمُسَافِرِ يَكْفِيهِمَا نِيَّةٌ لِمَا بَقِيَ كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ. (وَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَامَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَنْ (يُتِمَّ الصِّيَامَ إلَى) تَحَقُّقِ دُخُولِ (اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ، وَقَوْلُهُ: إلَى تَحَقُّقِ دُخُولِ اللَّيْلِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِ الْغَايَةِ، وَإِلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْطِرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَكْلَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا قَضَاءَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: إلَى اللَّيْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الْوِصَالُ لِخَبَرِ: «لَا تُوَاصِلُوا» وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ - ﷺ - الْوِصَالُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شُرُوطَ الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ وَهُوَ اثْنَانِ: الْبُلُوغُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ. وَثَانِيهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ وَهُوَ أَرْبَعٌ: الْإِسْلَامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَالنِّيَّةُ الْمُبَيَّتَةُ وَالزَّمَنُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ. ثَالِثُهَا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّوْمِ فِيمَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَرَمَضَانَ . ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّائِمِ أَوْ مَرِيدِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ بِغُرُوبِ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ لِمَنْ يَنْظُرُهُ أَوْ دُخُولِ الظُّلْمَةِ، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْغُرُوبِ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ قُرْصَ الشَّمْسِ، كَمَحْبُوسٍ بِحُفْرَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَا مُخْبِرَ لَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ، وَأَمَّا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِعَارِضٍ أَوْ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الصَّوْمَ قَدْ انْتَهَى بِالْغُرُوبِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ حُلْوٍ فَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَثَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» وَالْحَسَوَاتُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحَلْوَيَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَا زَاغَ مِنْ الْبَصَرِ بِالصَّوْمِ، وَيَقُولُ نَدْبًا عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت، ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً قِيلَ هِيَ بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ. (وَ) مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا (تَأْخِيرُ السُّحُورِ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ لِلْفِعْلِ، وَبِفَتْحِهَا الْمَأْكُولُ فِي السَّحَرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ» وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ مِثْلُهُ فِي الْقُرْطِيَّةِ وَالْجَوَاهِرِ لَكِنْ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَاَلَّذِي فِي خَلِيلٍ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَلَفْظُهُ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: وَقَدْرُ التَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْقَارِئُ الْمُتَمَهِّلُ فِي قِرَاءَتِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ فِعْلِهِ، وَهَذَا النَّدْبُ لِخَبَرِ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ السُّحُورَ بَرَكَةٌ»؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّي عَلَى الصِّيَامِ وَيُنَشِّطُ ". الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ نَدْبِ أَوْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ رُطَبَاتٍ مِنْ كُلِّ مَا خَفَّ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، هَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ فِعْلِهِ - ﷺ -، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا قَالَاهُ عَلَى الْفِطْرِ بِغَيْرِ الْفِطْرِ عَلَى الرُّطَبِ أَوْ الْمَاءِ فَلَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ جَوَازُ فِعْلِهِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْوَقْتِ قَالَ: (وَإِنْ شَكَّ) مَرِيدُ السُّحُورِ (فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ) وَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَمِثْلُ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ الشَّكُّ فِي الْغُرُوبِ، وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ وَاتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ وَفِي الثَّانِي بَقَاءُ النَّهَارِ، وَأَيْضًا اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ غَايَةَ الصَّوْمِ اللَّيْلَ لَا الشَّكَّ فِيهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ الْقَضَاءُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَكْلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ
[ ١ / ٣٠٥ ]
الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ
وَمَنْ أَصْبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّتِهِ وَيَقْضِيهِ
وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ نَهَارًا فَلَهُمَا الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا
وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا أَوْ سَافَرَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ الْمُنْتَهِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَمِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ مَنْ أَكَلَ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ أَوْ الْغُرُوبِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ. الثَّانِي: لَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِطْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إلْقَاءُ مَا فِي فَمِهِ وَنَزْعُ فَرْجِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا مُتَعَمِّدًا لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا قَضَاءَ فِي نَزْعِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ. الثَّالِثُ: لَوْ غَرَّهُ شَخْصٌ وَقَالَ لَهُ كُلْ مَثَلًا فَإِنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَأَكَلَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَعَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، وَفِي لُزُومِهَا لِلْغَارِّ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ شَخْصًا عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ لَلَزِمَ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ الْقَضَاءُ وَيَلْزَمُ الْمُكْرِهَ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى جِمَاعِ امْرَأَةٍ لَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِانْتِشَارَ مَعَهُ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى الْجِمَاعِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، لِأَنَّ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ مَشْرُوطٌ بِالتَّعَمُّدِ. (وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا صَامَهُ (لِيَحْتَاطَ) أَيْ يَحْتَسِبَ (بِهِ مِنْ رَمَضَانَ) وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَزْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِخَبَرِ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ -» وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الشَّكِّ صَبِيحَةُ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ حَيْثُ تَكُونُ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَيَشِيعُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْا الْهِلَالَ لَا صَبِيحَةَ الْغَيْمِ، وَمَالَ إلَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَئِمَّتِنَا قَائِلًا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّنَا لَيْلَةَ الْغَيْمِ مَأْمُورُونَ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِخَبَرِ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ أَوْ فَاقْدُرُوا لَهُ» فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّ تَفْسِيرَ يَوْمِ الشَّكِّ بِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى النَّفْسِ أَمْيَلُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِيَحْتَاطَ بِهِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ لَا يُنْهَى عَنْهُ بَلْ مَنْدُوبٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إمْسَاكٌ لِيَتَحَقَّقَ. (وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ (لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ. (وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ) خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ قَوْلِ شَيْخِهِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ وَجَازِمٌ بِنِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الصَّائِمِ احْتِيَاطًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ شَاكًّا فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ الْكَمَالُ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي حَالِ شَكِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مُخْتَصًّا بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ (وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وَقَضَاءً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لَا احْتِيَاطًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ صَادَفَ لِمَا عَرَفْت مِنْ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ صَامَهُ احْتِيَاطًا. (وَمَنْ أَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ يَوْمَ الشَّكِّ (فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ) فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ (أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ تَبْيِيتِهِ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ. (وَلْيُمْسِكْ) وُجُوبًا (عَنْ الْأَكْلِ) وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ (فِي بَقِيَّتِهِ وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَهُ) لِفَسَادِ صَوْمِهِ وَالتَّمَادِي فِيهِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ وَإِلَّا كَفَّرَ إنْ انْتَهَكَ بِأَنْ أَفْطَرَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَحُرْمَةِ الْفِطْرِ، وَمِثْلُهُ الْمُفْطِرُ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ إنْ انْتَهَكَ كُلَّ بِأَنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ زَوَالِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، بِخِلَافِ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ كَالْمُضْطَرِّ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ التَّادَلِيُّ: عِبَادَتَانِ يَلْزَمُ التَّمَادِي فِيهِمَا بَعْدَ فَسَادِهِمَا كَمَا يَجِبُ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَهُمَا: الصَّوْمُ وَالْحَجُّ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ قَطْعُ الْفَاسِدِ مِنْهَا وَيَحْرُمُ التَّمَادِي عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ فَسَادُهُمَا فِي الْغَالِبِ بِشَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَشِدَّةِ مَيْلِ النَّفْسِ، فَأَمَرَ الشَّخْصَ بِالتَّمَادِي فِيهِمَا زَجْرًا لِلنَّفْسِ وَإِنْ وَجَبَ قَضَاؤُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا لَا مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ) مِنْ سَفَرِهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ) أَوْ النُّفَسَاءُ (نَهَارًا) ظَرْفٌ لَقَدِمَ وَطَهُرَتْ (فَلَهُمَا) أَيْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّمَادِي عَلَى نَحْوٍ (الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا) وَكَالْمُفْطِرِ لِضَرُورَةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، وَالْمُرْضِعِ يَمُوتُ وَلَدُهَا نَهَارًا، وَالْمَرِيضِ يَقْوَى، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَلَمْ يَكُنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ أَوْ بَيَّتَهُ وَأَفْطَرَ عَمْدًا قَبْلَ بُلُوغِهِ
[ ١ / ٣٠٦ ]
فِيهِ فَأَفْطَرَ لِسَفَرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ أَفْطَرَ سَاهِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ
وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ فِي جَمِيعِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ وَيَسْتَمِرُّ صَائِمًا حَتَّى بَلَغَ أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَأَمْسَكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ غَيْرِ إكْرَاهٍ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَأُخْرَى مِنْ ذِي الْعُذْرِ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ، بِخِلَافِ مَنْ يُبَاحُ لَهُ لَا مَعَ الْعِلْمِ كَالنَّاسِي أَوْ لِعُذْرِ إكْرَاهٍ وَأُلْحِقَ بِهِمَا الشَّاكُّ فِي الْيَوْمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَضَابِطُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ مَخْدُوشٌ مَنْطُوقًا بِالْمُكْرَهِ وَمَفْهُومًا بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ لِمَا قَدَّمْته لَك مِنْ حُكْمِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى جَوَازِ اسْتِمْرَارِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَمَنْ مَعَهُ جَوَازُ وَطْءِ كُلٍّ زَوْجَتَهُ الَّتِي طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا يَوْمَ قُدُومِهِ وَيَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً أَوْ صَائِمَةً حَيْثُ لَا يُفْسِدُ الْوَطْءُ صَوْمَهَا فِي دِينِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهَا فِي دِينِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ خِنْزِيرٍ. الثَّانِي: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ خِطَابِهِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الْإِمْسَاكُ كَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ نَهَارًا، وَإِنْ قُلْنَا بِخِطَابِهِ نُدِبَ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لِيَظْهَرَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ بِسُرْعَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْإِسْلَامِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ التَّطَوُّعَاتُ تَصِيرُ عِنْدَنَا وَاجِبَةَ الْإِتْمَامِ بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَيَحْرُمُ تَعَمُّدُ فَسَادِهَا قَالَ: (وَمَنْ أَفْطَرَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا) عَمْدًا حَرَامًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي يَتَعَمَّدُ إفْسَادَهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَضَاءٌ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا فَإِنَّهُمَا إنْ أَمَرَاهُ بِالْفِطْرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يُطِيعَهُمَا وَيُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا وَلَا حُرْمَةَ وَلَا قَضَاءَ، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ، وَالْمُرَادُ الْوَالِدَانِ دَنِيَّةً لَا الْجَدُّ وَلَا الْجَدَّةُ، وَأَمَّا الْفِطْرُ لِنَحْوِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ غَيْرُ حَرَامٍ. (أَوْ سَافَرَ) عَطْفٌ عَلَى أَفْطَرَ (فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ تَطَوُّعِهِ بِالصَّوْمِ (فَأَفْطَرَ) فِيهِ عَمْدًا لَا لِعُذْرٍ بَلْ (لِسَفَرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِحُرْمَةِ فِطْرِ الْمُتَطَوِّعِ اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ مُخْتَصٌّ بِرَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، فَقَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ رَاجِعٌ لِمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا وَلِمَنْ أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ، فَحَذَفَهُ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حَدِيثُ: «الصَّائِمُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ لِلْمُتَطَوِّعِ وَعَدَمَ لُزُومِ الْقَضَاءِ فَمَا الْجَوَابُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ مَقَالًا فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ إمَّا فِي أَوَّلِهِ وَإِمَّا فِي آخِرِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّائِمِ فِيهِ إمَّا مَرِيدُ الصَّوْمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ صَامَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّائِمِ الْمُتَلَبِّسِ بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ الصَّائِمُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ صَامَ مَعْنَاهُ اسْتَمَرَّ عَلَى صَوْمِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَارْتِكَابُ الْمَجَازِ فِي أَوَّلِهِ يُعَيِّنُهُ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] هَكَذَا أَجَابَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ، وَرُبَّمَا يُعَيِّنُ فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا كُنْت صَائِمَةً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» فَلَعَلَّ الصَّوَابَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَلِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ - ﵄ - أَصْبَحَتَا مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» فَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ مُبَاحًا لَمْ يَلْزَمْهُمَا الْقَضَاءُ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا قُلْنَا، أَلَا تَرَى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ يَلْعَبُ بِصِيَامِهِ؟ وَأَيْضًا جَاءَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلِيَدْعُ إلَى أَهْلِ الطَّعَامِ، وَوَرَدَ صَرِيحًا «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْكُلْ» وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ مَعَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومٍ عَامِدًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَفْطَرَ) فِي تَطَوُّعِهِ حَالَ كَوْنِهِ (سَاهِيًا) أَوْ مُكْرَهًا (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَعَمُّدِهِ وَلَكِنْ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَدْبِ قَضَائِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِثْلُ النَّاسِي الْمُفْطِرُ لِضَرُورَةٍ كَجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ لِوَجْهٍ كَأَمْرِ شَيْخِهِ أَوْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالْمُرَادُ شَيْخُهُ فِي الْعِلْمِ أَوْ الطَّرِيقَةِ، وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ فِي الْفِطْرِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ مُخْتَصًّا بِالتَّطَوُّعِ قَالَ: (بِخِلَافِ) صَوْمِ (الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَلَوْ بِفِطْرِ النِّسْيَانِ، وَسَوَاءٌ رَمَضَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ نَحْوِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ إلَّا الْمُعَيَّنَ يَفُوتُ صَوْمُهُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
نَهَارِهِ
وَلَا تُكْرَهُ لَهُ الْحِجَامَةُ إلَّا خِيفَةَ التَّغْرِيرِ
وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فِي رَمَضَانَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَقَاءَ فَعَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي حُكْمِ الِاسْتِيَاكِ فِي حَقِّ الصَّائِمِ، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ حُكْمِهِ فِي الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ) أَيْ الِاسْتِيَاكِ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ (لِلصَّائِمِ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ، فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْإِذْنِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ الْوُضُوءِ وَلَكِنْ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَالْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَوَقَّفَ زَوَالُ مَا يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ رَائِحَةِ بَصَلٍ أَوْ ثُومٍ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْجَوْزَاءِ وَلَوْ فِي حَقِّ الصَّائِمِ بِغَيْرِ رَمَضَانَ بَلْ وَلَوْ لِغَيْرِ صَائِمٍ، لِتَعْلِيلِ حُرْمَةِ الِاسْتِيَاكِ بِهَا بِأَنَّهَا مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُحَمِّرُ الْفَمَ وَحَرَّرَهُ وَقَدْ يُكْرَهُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِيَاكِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ لِلرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي كَرَاهَتِهِ عِنْدَهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَدَلِيلُنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَيْ لَأَوْجَبْته عَلَيْهِمْ، وَهَذَا يَعُمُّ الصَّائِمَ وَغَيْرَهُ، وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا لَا أُحْصِي وَلَا أَعُدُّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ -: «كَانَ يَسْتَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ صَائِمٌ» وَلَا دَلَالَةَ لِلْإِمَامَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلُوفَ لَا يَنْقَطِعُ مَا دَامَتْ الْمَعِدَةُ مَوْجُودَةً، فَإِنْ قِيلَ: الْخُلُوفُ أَثَرُ عِبَادَةٍ فَلَا يُزَالُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي التَّطَوُّعَاتِ الْإِخْفَاءُ مَخَافَةَ الرِّيَاءِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِإِبْقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَطِيبُ رَائِحَةِ فَمِهِ بِخِلَافِ الشَّهِيدِ، وَأَيْضًا لِلشَّارِعِ غَرَضٌ فِي بَقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ لِيَشْهَدَ لَهُ عَلَى الْخَصْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِفِعْلِهِ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ تَكُونُ الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ حِسًّا أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا مُنْتِنَةٌ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْحَسَنِ الشَّرْعِيِّ بِالْعُرْفِيِّ، أَيْ أَنَّ هَذَا الْمُنْتِنَ عِنْدَنَا فِي الْحُسْنِ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ فِي الشَّرْعِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَ الطَّبْعِ لِصَبْرِ الصَّائِمِ عَلَيْهِ وَالصَّبْرُ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِطِيبِهِ اسْتِلْذَاذَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِطِيبِهِ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الصَّائِمِ بِسَبَبِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَوْنِ الْخُلُوفِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ هَلْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ؟ ذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: «أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَقُولُ: لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ الْآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ. الثَّانِي: الْخُلُوفُ رِيحٌ مُتَغَيِّرٌ كَرِيهُ الشَّمِّ يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَحَكَى عِيَاضٌ فَتْحَهَا وَهُوَ خَطَأٌ (وَلَا تُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (الْحِجَامَةُ) وَلَا الْفَصَادَةُ (إلَّا خِيفَةَ التَّغْرِيرِ) لِأَدَائِهَا إلَى الْفِطْرِ، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ قَوْلُهُ خِيفَةَ التَّغْرِيرِ بِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: يُكْرَهُ ذَوْقُ مِلْحٍ وَعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ وَمُدَاوَاةُ حَفْرِ زَمَنِهِ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ وَنَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا تُكْرَهُ لَهُ إلَّا إذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ وَعَدَمِهَا، وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ أَنَّ الْحِجَامَةَ وَالْفَصَادَةَ يَحْرُمَانِ عِنْدَ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ حَتَّى عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُكْرَهَانِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي السَّلَامَةِ وَلَوْ لِلصَّحِيحِ، وَأَمَّا عِنْدَ اعْتِقَادِ السَّلَامَةِ فَالْكَرَاهَةُ لِلْمَرِيضِ وَعَدَمُهَا لِلصَّحِيحِ وَجْهُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجَزْمُ بِالسَّلَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرِيضِ مَنْ قَامَ بِهِ الْمَرَضُ وَمِثْلُهُ ضَعِيفُ الْبِنْيَةِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَضَعْفُ بِنْيَةِ الصَّحِيحِ وَشَيْخُوخَتِهِ كَالْمَرِيضِ. (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى خُصُوصِ الْحِجَامَةِ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ بِنَفْسِهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﷺ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اطَّلَعَ عَلَى فِطْرِهِمَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ» وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِي الْجَوَابِ أَنَّ حَدِيثَ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» لَمْ يَصِحَّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ مَعَ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ لَهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَحْكُمْ أَحَدٌ بِتَصْحِيحِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ مَنْسُوخًا كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ ذَرَعَهُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خَرَجَ مِنْهُ غَلَبَةً (الْقَيْءُ فِي) صِيَامِ (رَمَضَانَ) وَأَوْلَى غَيْرُهُ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا وَلَوْ خَرَجَ مُتَغَيِّرًا، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْجِعَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَلْقِهِ كَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا قَضَى وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي الْوُصُولِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالْقَلْسُ كَالْقَيْءِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْمَعِدَةِ عِنْدَ امْتِلَائِهَا فَإِنْ بَلَغَ إلَى فِيهِ وَأَمْكَنَهُ طَرْحُهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَالَ مَالِكٌ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ
[ ١ / ٣٠٨ ]
[أسباب تبيح الفطر]
الْقَضَاءُ
وَإِذَا خَافَتْ الْحَامِلُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَفْطَرَتْ وَلَمْ تُطْعِمْ وَقِيلَ تُطْعِمُ وَلِلْمُرْضِعِ إنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَلَمْ تَجِدْ مَنْ تَسْتَأْجِرُهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا أَنْ تُفْطِرَ وَتُطْعِمَ وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ إذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِمَ وَالْإِطْعَامُ فِي هَذَا كُلِّهِ مُدٌّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ وَكَذَلِكَ يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ
وَلَا صِيَامَ عَلَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْبَلْغَمُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَيَبْلَعُهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِثْلُهُ النُّخَامَةُ وَلَوْ وَصَلَتْ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَتَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ فِي إيجَابِهِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ بِالْأَوْلَى الرِّيقُ يَتَعَمَّدُ جَمْعَهُ فِي فِيهِ وَيَبْلَعُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَأَظُنُّهُ الرَّاجِحُ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ مَا غَلَبَ مِنْ ذُبَابٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ أَوْ بَائِعِهِ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ يَغْلِبُ الصَّائِمَ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ الْحُقْنَةُ مِنْ الْإِحْلِيلِ وَهُوَ غَيْرُ الذَّكَرِ وَلَوْ بِمَائِعٍ، وَأَمَّا مِنْ الدُّبُرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَفِيهَا الْقَضَاءُ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ أَيْضًا الْجَائِفَةُ حَيْثُ لَمْ تَصِلْ إلَى مَحَلِّ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ، وَكَذَا الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ الْمُسْتَنْكَحَانِ، وَلَا فِي نَزْعِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَيْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْفَجْرُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ ذَرَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ اسْتَقَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ اسْتَدْعَى خُرُوجَ الْقَيْءِ (فَقَاءَ) أَيْ خَرَجَ مِنْهُ الْقَيْءُ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَيَقَّنَ عَدَمَ رُجُوعِ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى حَلْقِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَضَعَّفَهُ الْبَغَوِيّ [أَسْبَابٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ] . ثُمَّ شَرَعَ فِي أَسْبَابٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا خَافَتْ الْحَامِلُ) عَلَى نَفْسِهَا أَوْ (عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَفْطَرَتْ) وُجُوبًا وَلَوْ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ حَيْثُ خَافَتْ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَنَدْبًا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. (وَلَمْ تُطْعِمُ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا تَقْضِي فَقَطْ فِي نَظَرِ رَمَضَانَ وَإِنَّمَا لَمْ تُطْعِمْ؛ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ تُطْعِمُ) وَمِثْلُ الْحَامِلِ الْمَرِيضُ. قَالَ خَلِيلٌ عَطْفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَلِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ أَوْ تَمَادِيهِ وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى كَحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهُمَا اسْتِئْجَارٌ أَوْ غَيْرُهُ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا شَمَّتْ الْحَامِلُ شَيْئًا وَتَخْشَى إنْ لَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ سَرِيعًا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَأَمَّا الصَّحِيحُ يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِدَوَامِ صَوْمِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوْ حُدُوثِ الْمَرَضِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْخَوْفُ الْمُجَوِّزُ لِلْفِطْرِ هُوَ الْمُسْتَنِدُ صَاحِبُهُ إلَى قَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ حَاذِقٍ، أَوْ لِتَجْرِبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ لِإِخْبَارٍ مِمَّنْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الْمِزَاجِ كَمَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ. الثَّانِي: اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ مَا فِي قَوْلِهِ: مَا فِي بَطْنِهَا إمَّا عَلَى الْقَلِيلِ أَوْ نَظَرًا إلَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْعَاقِلِ. (وَ) يُؤْذَنُ (لِلْمُرْضِعِ إنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا) الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ بِإِدَامَةِ الصَّوْمِ (وَلَمْ تَجِدْ مَنْ تَسْتَأْجِرُهُ لَهُ أَوْ) وَجَدَتْهُ وَلَكِنْ (لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا) أَوْ قَبِلَ لَكِنْ لَمْ تَجِدْ أُجْرَةً لِمَنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِهَا (أَنْ تُفْطِرَ) وُجُوبًا إنْ خَافَتْ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ أَوْ شَدِيدَةَ الْأَذَى، وَنَدْبًا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قُلْنَا يُؤْذَنُ لِيَشْمَلَ. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تُطْعِمَ) بَعْدَ أَكْلِ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْحَامِلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَامِلَ مُلْحَقَةٌ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلرَّضَاعِ حَيْثُ احْتَاجَتْ لِلْأُجْرَةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْوَلَدِ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا كَمَا قَالَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَبَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَنَظِيرُهَا الْحَصَّادُ الَّذِي يَخْرُجُ لِلْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى فِطْرِهِ حَيْثُ يَضْطَرُّ إلَى الْأُجْرَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ تَبْيِيتِ الصَّوْمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالْفِعْلِ إلَّا عِنْدَ حُصُولِ الْمَشَقَّةِ فَلَيْسَ كَالْمُسَافِرِ، وَمِثْلُهُ صَاحِبُ الزَّرْعِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْخَوْفِ عَلَى زَرْعِهِ فَافْهَمْ. (تَنْبِيهٌ) إذَا اسْتُئْجِرَتْ الْمُرْضِعُ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَكُونُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهَا كَالنَّفَقَةِ، وَالْأَبُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ مَالٍ لَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأُمِّ، هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ مُقَيَّدًا لِتَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ، وَالْخِلَافُ فِي مَالِ الْأُمِّ الَّتِي يَلْزَمُهَا الرَّضَاعُ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى تَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ، وَكُلُّ مَنْ قِيلَ بِأَنَّهُ يُطْعِمُ فَالْإِطْعَامُ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ إلَّا فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ إذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِمَ) مُدًّا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِمَامِ إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ جُمْلَةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ الْمَاءِ لِشِدَّةِ الْعَطَشِ فِي جَمِيعِ الزَّمَنِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَفِدْيَةٌ لِهَرَمٍ وَعَطَشٍ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّوْمَ، وَمُرَادُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي النَّدْبَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَشَقَّةٍ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، إلَّا مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّوْمُ لِكِبَرٍ أَوْ عَطَشٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا الْحَامِلُ وَالْمُفَرِّطُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، وَبَيَّنَ قَدْرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِطْعَامُ فِي هَذَا) الْمَذْكُورِ (كُلِّهِ) أَيْ الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ (مُدٌّ) بِمُدِّهِ
[ ١ / ٣٠٩ ]
الصِّبْيَانِ حَتَّى يَحْتَلِمَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ وَبِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ أَعْمَالُ الْأَبْدَانِ فَرِيضَةً قَالَ اللَّهُ ﷾ ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]
_________________
(١) [الفواكه الدواني] - ﵊ - «عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ» إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَا يَرِدُ الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَالْعَطِشُ فَإِنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلَا يَقْضِيَانِ لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُمَا لِعَدَمِ إطَاقَتِهِمَا الْمَشْرُوطَةِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ، وَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَيَجِبُ أَنْ يَدْفَعَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا، فَلَا يَصِحُّ إعْطَاءُ الْمُدِّ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا إعْطَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ لِوَاحِدٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالزَّائِدِ. (وَكَذَلِكَ) يَجِبُ أَنْ (يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْوَاجِبِ: وَإِطْعَامُ مُدٍّ بِمُدِّهِ - ﵊ - لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ، وَلَا يُعْتَدُّ بِالزَّائِدِ إنْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهُ لِشَعْبَانَ لَا إنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا شُرِعَ فِي الْكَفَّارَةِ الصُّغْرَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِإِخْرَاجِ مُدٍّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ يَدْفَعُهُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُدَّ لِاثْنَيْنِ كَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَإِنْ أَعْطَى مُدَّيْنِ لِوَاحِدٍ انْتَزَعَ وَاحِدًا إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَرَّطَ أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي آخِرِ شَعْبَانَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَمَرِضَ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَاضَتْ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ لَمْ يَلْزَمْ كَفَّارَةٌ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ نَاسِيًا حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ لَكَانَ مُفَرِّطًا. قَالَهُ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الْكُبْرَى إذَا كَانَتْ لَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْجَهْلِ فَأَحْرَى الصُّغْرَى، وَمِنْ الْعُذْرِ تَأْخِيرُ الْحَامِلِ الْقَضَاءَ لِتَأْخِيرِ وَضْعِهَا حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانَ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّفْرِيطَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ لِشَعْبَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ خَاصَّةً، فَمَنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِرَمَضَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ وَفَرَّطَ فِي الْعَامِ الثَّانِي حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ الْمُدُّ بِتَعَدُّدِ السِّنِينَ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مُدٌّ إذَا فَرَّطَ فِي الْقَضَاءِ فِي شَعْبَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ زَمَنَ الْقَضَاءِ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا، فَلَا يَقْضِي فِي رَابِعِ النَّحْرِ وَلَا فِي سَابِقَيْهِ وَلَا فِيمَا وَجَبَ صَوْمُهُ وَلَوْ بِنَذْرٍ، وَيَصِحُّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يُصَامُ تَطَوُّعًا وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ طَلَبُ الصِّبْيَانِ بِالصَّوْمِ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ قَالَ: (وَلَا صِيَامَ عَلَى الصِّبْيَانِ) لَا وُجُوبًا لَا نَدْبًا (حَتَّى يَحْتَلِمَ الْغُلَامُ) أَوْ يَرَى عَلَامَةً لِلْبُلُوغِ سَوَاءً. (وَ) حَتَّى (تَحِيضَ الْجَارِيَةُ) أَوْ تَرَى عَلَامَةً سِوَى الْحَيْضِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالصَّبِيُّ لِبُلُوغِهِ بِثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ الْحُلُمِ أَوْ الْحَيْضِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْإِنْبَاتِ، وَمَفْهُومُ الصِّيَامِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُنْدَبُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهِ وَيُنْدَبُ لَهُمْ فِعْلُهُ وَيُكْتَبُ لَهُمْ ثَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَنَحْوِ الصَّلَاةِ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا تَكْرَارُ الصَّلَاةِ فَنَاسَبَ أَمْرَهُمْ بِهَا لِيَتَمَرَّنُوا عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِي صِيَامِ الصِّبْيَانِ لِعَدَمِ أَمْرِهِمْ بِهِ، وَالثَّوَابُ إنَّمَا يَكُونُ فِي فِعْلِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْفَاعِلُ، وَيُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ: «أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» أَنَّهُ يُنْدَبُ حَجُّ الصَّغِيرِ وَتَلِفَتْ النَّفْسُ لِلْفَرْقِ، ا. هـ. كَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْفَرْقَ مَا مَرَّ مِنْ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ دُونَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَإِنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ إنَّمَا هِيَ لِغَيْرِ الصَّبِيِّ، وَأَمَّا هُوَ فَيَحْمِلُهُ الْوَلِيُّ فِيمَا لَا يُطِيقُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَمْلُ مُطِيقٍ وَرَمْيٍ إلَخْ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «أَنَّ لَهُ حَجًّا وَلِمَنْ أَحَجَّهُ أَجْرًا» أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً كَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْوَلِيِّ إحْجَاجُ الصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَخَذَ الصَّغِيرَ مَعَهُ إلَى الْحَجِّ يَأْمُرُهُ بِالْإِحْرَامِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ يَنْوِي إدْخَالَهُ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ إنْ كَانَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَعَدَمِ جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ لِغَيْرِ الْمُصْطَفَى - ﷺ -، وَمَنْ اُسْتُثْنِيَ مِمَّنْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ وَحَرَّرَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ حَتَّى يَحْتَلِمَ بِقَوْلِهِ: (وَبِالْبُلُوغِ) وَهُوَ قُوَّةٌ تَحْدُثُ فِي الصَّغِيرِ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ حَالِ الطُّفُولِيَّةِ إلَى حَالِ الرُّجُولِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَلَامَاتِهِ (لَزِمَتْهُمْ) أَيْ فُرِضَتْ وَتَحَتَّمَتْ عَلَيْهِمْ (أَعْمَالُ الْأَبَدَانِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْمَأْمُورَاتِ وَشُرُوطِهَا وَجَمِيعِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِأَعْمَالِ الْأَبَدَانِ بَلْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالنِّيَّةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَقِدَاتِ الْوَاجِبَةِ الِاعْتِقَادِ، وَلَا يَرِدُ لُزُومُ الْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ لِلصَّغِيرَةِ وَلُزُومُ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْوَلِيُّ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَعْمَالِ الْأَبَدَانِ خُصُوصُ الصِّيَامِ وَمَا أَشْبَهَ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبُلُوغِ فَلَا تَرِدُ الْمَذْكُورَاتُ، وَقَوْلُهُ: (فَرِيضَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ لِعَامِلِهَا؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ وَالْفَرِيضَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَالَ اللَّهُ
[ ١ / ٣١٠ ]
وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَلَمْ يَتَطَهَّرْ أَوْ امْرَأَةٌ حَائِضٌ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَمْ يَغْتَسِلَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمُ النَّحْرِ
وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ وَيَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ أَوْ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] ﷾: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وَهُمْ الْكِبَارُ، فَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ بِالْبُلُوغِ عَلَامَةٌ عَلَى لُزُومِ سَائِرِ الْفَرَائِضِ، إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، لَكِنْ يُشْكِلُ الِاسْتِدْلَال بِتِلْكَ الْآيَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ الْمُطَابِقَةُ لِلْمَدْلُولِ أَوْ كَوْنُهُ أَعَمَّ، وَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ أَخَصُّ مِنْ الْمَدْلُولِ الَّذِي هُوَ سَائِرُ الْفَرَائِضِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مُطَابِقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُطَابِقٌ لِلدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ أَخَصَّ فَهُوَ مِنْ بَابِ يُؤْخَذُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يَعُمُّهُ، وَسَبَبُ نُزُولِ تِلْكَ الْآيَةِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْسَلَ يَتِيمًا إلَى عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَكْشُوفٌ فَتَغَيَّظَ مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَذَهَبَ إلَى الْمُصْطَفَى يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَوَجَدَهَا قَدْ نَزَلَتْ» وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ إلَخْ، أَنَّ لُزُومَ الْأَعْمَالِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، فَلَا تَرِدُ عَدَمُ لُزُومِ الصَّوْمِ إذَا بَلَغَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِفَوَاتِ وَقْتِ النِّيَّةِ الَّتِي شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً فَلَا يَلْزَمُهُ إمْسَاكٌ وَلَا قَضَاءٌ. الثَّانِي: إذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ بِأُنْثَى فِي أَوَّلِ الْحِجَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثِ أَشْهُرٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا بَلَغَتْ مِنْ ابْتِدَاءِ رَمَضَانَ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ فِي نِصْفِ الْحِجَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ نِصْفِهِ. (وَمَنْ أَصْبَحَ) أَيْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ (جُنُبًا) فِي زَمَنِ صَوْمِهِ (وَلَمْ يَتَطَهَّرْ أَوْ) أَصْبَحَتْ (امْرَأَةٌ حَائِضٌ طَهُرَتْ) أَيْ طَاهِرَةٌ لِرُؤْيَتِهَا عَلَامَةَ الطُّهْرِ وَلْيُتِمَّا الصَّوْمَ (قَبْلَ الْفَجْرِ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُمَا (لَمْ يَغْتَسِلَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) لِوُقُوعِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَا يَضُرُّ الْإِصْبَاحُ بِلَا غُسْلٍ وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْجَنَابَةِ وَانْقِطَاعِ الْحَيْضِ لَيْلًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ، وَالْجَوَازُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَفْضَلِ الِاغْتِسَالَ لَيْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ خَبَرُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ» وَأَمَّا صِحَّةُ صَوْمِ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا فِي زَمَنٍ يَسَعُ الْغُسْلَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ بِحَيْثُ تُدْرِكُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَإِذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْقَضَاءُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا بَعْدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهَا إذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا أَوْ بَعْدَهُ؟ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَقَضَاءَهَا، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ أَدَاءَهُ لَا قَضَاءَهُ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي أَيَّامَ الْحَيْضِ الْمُحَقَّقِ فَأَيَّامُ الشَّكِّ فِيهِ أَحْرَى، فَإِنْ قِيلَ: الْحَيْضُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَوُجُوبَهُمَا، فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ قَضَاءَ الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (وَلَا يَجُوزُ) لِأَحَدٍ بَلْ وَلَا يَصِحُّ (صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا النَّحْرِ) لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - ﵊ - عَنْ صَوْمِهِمَا وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِهِمَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمَنْعُ لِلتَّعَبُّدِ أَوْ مُعَلَّلٌ بِضِيَافَةِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا قَضَاءَ عَلَى نَاذِرِهِمَا، وَعَلَى الثَّانِي وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): إنَّمَا قُلْنَا: وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ هُنَا عَنْ ذَاتِ الْعِبَادَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَمِثْلُهَا الْمَنْهِيُّ عَنْهَا لِذَاتِ الْمَكَانِ كَالْفَرِيضَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ لَا لِذَاتِ زَمَانِهَا وَلَا لِذَاتِ مَكَانِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَحَلِّ الْغَيْرِ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ؟ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ (يُصَامَ الْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا) أَنْ يَصُومَهُمَا (الْمُتَمَتِّعُ) أَوْ الْقَارِنُ (الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا) وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ فِي حَجٍّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَعَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ فِي حَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تُجْزِ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، وَالْأَصْلُ فِي حُرْمَةِ صَوْمِهِمَا لِغَيْرِ نَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وَفِي الصَّوْمِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ تَحْرِيمُ صَوْمِهِمَا لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي نَاذِرِ صَوْمِهَا، فَعَلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى نَاذِرِهِمَا
[ ١ / ٣١١ ]
[أفطر في نهار رمضان حال كونه ناسيا]
قَبْلَ ذَلِكَ
وَمَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ
وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ لِضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ وَمَنْ سَافَرَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] قَضَاؤُهُمَا وَعَلَى التَّعَبُّدِ لَا قَضَاءَ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ رَفْعِنَا يَوْمَانِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ فَاعِلِ يُصَامُ وَرُفِعَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْفَاعِلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ اسْتِقَامَةُ الْكَلَامِ وَصِحَّةُ الْإِعْرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ - ﵀ - بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ يُخَالِفُ قَاعِدَةَ النَّحْوِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَ إلَّا مَعَ التَّفْرِيغِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ إعْرَابُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَا قَبْلَهَا لَوْ كَانَتْ إلَّا مَحْذُوفَةً مُشَارٌ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَأَنْ يُفَرَّغُ سَابِقٌ إلَّا لِمَا بَعْدَ يَكُنْ كَمَا لَوْ إلَّا عُدِمَا وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الصَّوَابُ بِنَاءُ يَصُومُ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبُ الْيَوْمَيْنِ وَصِفَتِهِمَا وَرَفْعُ الْمُتَمَتِّعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِيَصُومُ، وَمَا فِي الْمُصَنِّفِ زَلَّةُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْمُصَنِّفِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ تَجْرِيحِهِ عَلَى رَفْعِ رِجَالٍ عَلَى قِرَاءَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَرَفْعُ رِجَالٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لَا يَصِحُّ هُنَا لِوُجُودِ إلَّا قَبْلَ الْمَرْفُوعِ وَتَفْرِيغِ الْعَامِلِ، وَهَذَا تَوْضِيحٌ لِتَصْوِيبِ سَيِّدِي يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ (وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ) لِيَوْمِ النَّحْرِ (لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ) أَيْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّابِعِ وَسَابِقَيْهِ أَنَّ التَّعْجِيلَ يُسْقِطُ رَمْيَهُ فَهُوَ أَضْعَفُ رُتْبَةً مِنْهُمَا. (وَ) إنَّمَا (يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ) وَلَوْ قَصْدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرِهِ وَإِنْ تَعْيِينًا، وَإِنَّمَا لَزِمَ النَّاذِرَ صَوْمُهُ مَعَ كَرَاهَتِهِ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْدُوبًا أَوْ مَسْنُونًا قَبْلَ النَّذْرِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ نَظَرًا إلَى كَوْنِهِ مُطْلَقَ عِبَادَةٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ قَصْدًا لُزُومُهُ فِي ضِمْنِ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَنْذُورَةٍ بِالْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ سَنَةً مُبْهَمَةً أَوْ شَهْرًا مُبْهَمًا فَلَا يَصُومُهُ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَصُومُهُ (مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ) غَيْرِ مَنْذُورٍ لَكِنْ (مُتَتَابِعٍ) وُجُوبًا (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّابِعِ، كَمَنْ صَامَ شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ صَحَّ فِي لَيْلَةِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ صَوْمِهِ لِنَاذِرِهِ جَوَازُ صَوْمِهِ لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْأَوْلَى عَنْ سَابِقَيْهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الرَّابِعَ يُكْرَهُ صَوْمُهُ وَيَصِحُّ لِنَاذِرِهِ وَلِنَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرِ مَنْذُورٍ لِتَقَدُّمِ الْمَنْذُورَةِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ صِيَامَ السَّنَةِ عَلَى أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَرَامٌ كَيَوْمَيْ الْعِيدِ، وَمَكْرُوهٌ كَأَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهَا غَيْرَ مَنْدُوبَةٍ، وَجَائِزٌ لِنَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ كَثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثِهِ، وَجَائِزٌ لِثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ: النَّاذِرِ وَالْمُتَمَتِّعِ وَالصَّائِمِ لِأَيَّامٍ وَاجِبَةِ التَّتَابُعِ اتَّصَلَ بِهَا وَهُوَ رُبَاعُ النَّحْرِ، وَمَا رَغِبَ الشَّارِعُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ كَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ، وَمَا يُصَامُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ كَيَوْمِ الشَّكِّ، وَمَا رَغِبَ فِيهِ الشَّارِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ كَصِيَامِ بَعْضِ أَيَّامٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ أَوْ الدَّهْرِ. [أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَالَ كَوْنِهِ نَاسِيًا] (وَمَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) حَالَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا) الصَّوْمَ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِ الْقَضَاءِ كَالشَّافِعِيِّ، وَخِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَلِذَلِكَ رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ فَقَطْ: وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الزَّمَنِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا لَوْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ مُتَأَوِّلًا بِأَنْ ظَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ لِمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وَالْمَرْفُوعُ الْإِثْمُ، فَلِذَا ارْتَفَعَتْ الْكَفَّارَةُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَنْ الْفِطْرِ فِي قَضَائِهِ، فَفِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ فَيَلْزَمُهُ يَوْمَانِ وَعَدَمُ لُزُومِهِ فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ فَقَطْ خِلَافٌ، وَعَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يُمْسِكُ وُجُوبًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ الزَّمَنُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ يُفْطِرُ فِيهِ نَاسِيًا عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ، أَوْ يَفُوتُ صِيَامُهُ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ لِمَرَضٍ، الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَسَيَأْتِي مَفْهُومُ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَهُوَ الْمُتَعَمَّدُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ (مَنْ أَفْطَرَ عَلَيْهِ) أَيْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (لِضَرُورَةٍ) يَشُقُّ مَعَهَا الصَّوْمُ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ مَرَضٍ) يُخْشَى بِالصَّوْمِ زِيَادَتُهُ أَوْ تَأْخِيرُ بُرْئِهِ، وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِتَجْرِبَةٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ أَوْ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمِزَاجِ، وَحُكْمُ الْفِطْرِ الْوُجُوبُ إنْ خَافَ الْهَلَاكَ أَوْ شَدِيدَ الْأَذَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخْشَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَهُ الْفِطْرُ وَيَقْضِي أَوْ يُمْسِكُ، وَأَمَّا الْمَرَضُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ فَيَحْرُمُ لِأَجْلِهِ الْفِطْرُ، فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ مَعَ الْقَضَاءِ، وَمَفْهُومٌ لِضَرُورَةٍ أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّوْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ بِحَيْثُ يَخْشَى الْهَلَاكَ، أَوْ شَدِيدَ الْأَذَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَعَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الصَّائِمَ تَطَوُّعًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ اخْتِيَارًا وَكَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِصَائِمِ رَمَضَانَ بِالْأَوْلَى رَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَافَرَ) أَيْ أَنْشَأَ السَّفَرَ
[ ١ / ٣١٢ ]
سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ ضَرُورَةٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَمَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ لَهُ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَهُوَ مُسَافِرٌ (سَفَرًا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) بِأَنْ كَانَ مُبَاحًا وَمَسَافَتُهُ أَرْبَعُ بُرُدٍ ذَهَابًا بِأَنْ قُصِدَتْ دَفْعَةً (فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ) أَيْ تَلْحَقُهُ (ضَرُورَةٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (وَ) لَكِنَّ (الصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَفِطْرُهُ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ أَفْضَلِيَّةُ قَصْرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِتْمَامِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ مَعَ الْقَصْرِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ لَا بَرَاءَةَ مَعَهُ فَفَضْلُ الصِّيَامِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَحَبُّ إلَيْنَا إلَى الرَّدِّ عَلَى ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْأَفْضَلَ الْفِطْرُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَأَجَابَ أَصْحَابُ الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ أَوَّلَتْ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيَتَضَرَّرُ بِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِنَحْوِ الْقِتَالِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ - ﷺ -: «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ» وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ وَإِلَّا قَضَى وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرِهِ، وَمَعْنَى الشُّرُوعِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَعْنَى الْفِطْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْفَجْرَ يَطْلُعُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ بَدْئِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ وَإِنْ بَيَّتَهُ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا، وَكَأَنَّ جَوَازَ تَبْيِيتِ الْفِطْرِ مَشْرُوطٌ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُجَاوِزُ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَالْحَاضِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ يَصِلُ إلَّا مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ يَجُوزُ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ، فَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْيِيتِ الصَّوْمِ، فَإِنْ أَفْطَرَ اخْتِيَارًا كَفَّرَ، وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَّا إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، فَإِنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ كَفَّرَ وَلَوْ كَانَ مُتَأَوِّلًا لِأَنَّهُ رَفَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ نَهَارًا، وَأَمَّا لَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ عَمَلًا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ إنْ أَفْطَرَ قَبْلَ عَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ وَلَوْ تَأَوَّلَ، وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ عَزْمِهِ وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا كَفَّرَ وَإِلَّا فَلَا إنْ سَافَرَ مِنْ يَوْمِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يَقْطَعُ جَوَازَ الْفِطْرِ مَا يَقْطَعُ جَوَازَ قَصْرِ الصَّلَاةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَقَطَعَهُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَلَوْ بِخِلَالِهِ إلَّا لِعَسْكَرٍ بِدَارِ الْحَرْبِ. الثَّانِي: مَنْ أَرَادَ إدَامَةَ الصَّوْمِ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِانْقِطَاعِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ بِسَفَرِ الْقَصْرِ. الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَائِلًا: لَوْ تَعَمَّدَ السَّفَرَ لِأَجْلِ الْإِفْطَارِ كَمَنْ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ لِحَيْضٍ فَحَاضَتْ أَوْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ لِيُسْقِطَ عَنْهُ الْحَجَّ أَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ لِيُصَلِّيَهَا مَقْصُورَةً فِي السَّفَرِ، اللَّخْمِيُّ: وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ مَأْثُومٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَلَا يُصَلِّي أَرْبَعًا وَلَا تَقْضِي الْحَائِضُ، لَكِنْ يُنَاقِضُ ذَلِكَ مَنْ أَبْدَلَ إبِلًا بِذَهَبٍ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ فِي الْخَلْطَةِ فِرَارًا، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ الْفَاسِدِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَفِطْرُ هَذَا لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَصْرِ جَوَازِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ عَلَى سَفَرِ الْقَصْرِ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ لِمَنْ أَفْطَرَ فِي غَيْرِهِ مُطْلَقًا قَالَ: (وَمَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ) مَسَافَةِ (أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ لَهُ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ انْتِهَاكِهِ بَلْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ صَاحِبُهُ لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ (وَ) إنَّمَا (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ (وَ) مِثْلُهُ (كُلُّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا) تَأْوِيلًا قَرِيبًا (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) وَمَثَّلَ خَلِيلٌ لِأَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بِقَوْلِهِ: لَا إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ أَوْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا فَظَنَّ الْإِبَاحَةَ، بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ كَرًّا وَلَمْ يَقْبَلْ أَوْ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ أَوْ الْحَيْضِ ثُمَّ حَصَلَ أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَكَذَا مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَرْفَعْ شَهَادَتَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا مَنْ أَكَلَ بَعْدَ ثُبُوتِ الصَّوْمِ نَهَارًا مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مِمَّنْ ذَكَرَ الْكَفَّارَةَ وَلَوْ أَفْطَرَ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ، إلَّا مَنْ حَجَمَ أَوْ احْتَجَمَ وَأَفْطَرَ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ
[ ١ / ٣١٣ ]
[موجب الكفارة على الصائم في رمضان]
عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ مَعَ الْقَضَاءِ
وَالْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ - فَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ فِي مَشْيِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ وَأَفْطَرَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَنْ تَسَحَّرَ فِي الْفَجْرِ وَيُفْطِرُ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ صَاحِبَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّأْوِيلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ . (وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ) وَاجِبَةٌ (عَلَى مَنْ أَفْطَرَ) فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ (مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ) أَوْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا بَعِيدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ وَجَهِلَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ جِمَاعًا أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا بِفَمٍ فَقَطْ، أَوْ رَفَعَ نِيَّةً نَهَارًا، أَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِاسْتِيَاكٍ بِجَوْزَاءَ، أَوْ تَعَمَّدَ إخْرَاجَ مَنِيٍّ وَإِنْ بِإِدَامَةِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْكَفَّارَةِ خَمْسٌ: الْعَمْدُ وَالِاخْتِيَارُ وَالِانْتِهَاكُ لِلْحُرْمَةِ وَالْعِلْمُ بِحُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ جَهْلِ رَمَضَانَ فَيُسْقِطُهَا اتِّفَاقًا، وَخَامِسُ الشُّرُوطِ كَوْنُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَحَيْثُ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْ الْمُكَفِّرِ فَتَجِبُ. (مَعَ الْقَضَاءِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ مَعَهَا الْقَضَاءُ إنْ كَانَتْ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ عَلَيْهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُقَيِّدْ الْأَكْلَ بِالْفَمِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إنَّمَا يَكُونَانِ بِالْفَمِ، وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ بِمَا وَصَلَ مِنْ أَنْفِهٍ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ رَأْسِهِ كَدَهْنِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا نَهَارًا بِمَا يَصِلُ إلَى حَلْقِهَا لَوَجَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ وُصُولُ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ إلَى الْجَوْفِ فَلَا كَفَّارَةَ بِمَا يَصِلُ إلَى الْحَلْقِ، وَرَدَّهُ وَإِنْ لَزِمَ الْقَضَاءُ بِوُصُولِ الْمُنْحَلِ إلَى الْحَلْقِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْحَلِ نَحْوِ الدِّرْهَمِ يَصِلُ إلَى حَلْقِهِ وَيَرُدُّهُ فَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجِمَاعِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ كَوْنُهُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ عَلَى الْفَاعِلِ، لَا إنْ وَطِئَ الصَّائِمُ الْبَالِغُ غَيْرَ الْمُطِيقَةِ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى كَبِيرَةٍ وَطِئَهَا صَبِيٌّ وَلَمْ تُنْزِلْ وَمَعَ الْمَذْيِ الْقَضَاءُ. الثَّانِي: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ لَك مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، عَلِمْت أَنْ حَصْرَ الْمُصَنِّفِ الْكَفَّارَةَ فِي تَعَمُّدِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْغَالِبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا قَدْ تَجِبُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَهُ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ مَا إذَا تَعَدَّدَ مِنْهُ مُوجِبُ الْكَفَّارَةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَكَلَاتِ أَوْ الْوَطَآتِ، وَلَا بِأَكْلٍ وَوَطْءٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ أَخْرَجَ لِلْأَوَّلِ كَفَّارَةً قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا حُكْمُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِهِ فَتَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ بِتَعَدُّدِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ. الرَّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَّارَةِ الِانْتِهَاكُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِالظَّاهِرِ، وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، أَوْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَائِضٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، خِلَافًا لِحَمْدِيسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَفْطَرَتْ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ يَأْتِيهَا بَعْدَ فِطْرِهَا الْحَيْضُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ. الْخَامِسُ: صَرِيحُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ عَزَمَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الْجِمَاعِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَا الْقَضَاءُ، كَمَنْ عَزَمَ عَلَى نَقْضِ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ النَّاقِضُ بِالْفِعْلِ وَلَا يُعَدُّ قَصْدُهُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ رَفْضًا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. [مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الصَّائِم فِي رَمَضَان] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّارَةُ) الْكُبْرَى (فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَكْلِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِي حَقِّ الْحُرِّ الرَّشِيدِ وَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إطْعَامُ) أَيْ تَمْلِيكُ (سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْمِسْكِينِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَثَانِي مَفْعُولَيْ إطْعَامُ (هَذَا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ -) فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، كَمَا لَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ وَلَا لِأَكْثَرَ، وَيَسْتَرْجِعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا زَادَ عَلَى الْمُدِّ إنْ كَانَ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ وَبَقِيَ بِيَدِهِ وَكَمَّلَ السِّتِّينَ، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ يَدِهِ فَلَا يُتْبَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسَلِّطُ لَهُ فِي إتْلَافِهِ، وَيُكْمِلُ لِمَنْ أَخَذَ النَّاقِصَ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمِقْدَارُ الْمُدِّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَهُوَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَيْنِ، وَهَلْ تَكُونُ مِنْ عَيْشِ الْمُكَفِّرِ أَوْ مِنْ غَالِبِ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُجْزِئُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِهَا الْإِطْعَامُ. فَلِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ وَقَالَ: (فَذَلِكَ) أَيْ الْإِطْعَامُ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مُعْظَمِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَالْمُصَنِّفِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِطْعَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ نَفْعًا وَأَفْضَلِيَّةً فِي حَقِّ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ وَجَهِلَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ جِمَاعًا أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا بِفَمٍ فَقَطْ، بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مُدٍّ.
[ ١ / ٣١٤ ]
مُتَعَمِّدًا كَفَّارَةٌ
وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا فَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا يَقْضِي مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ
وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ
وَيُعَظِّمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ ﷾
وَلَا يَقْرَبُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَهُوَ الْأَفْضَلُ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا أَجَابَ بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حِينَ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ وَطْئِهِ جَارِيَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِنْ لُزُومِ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ، وَسَكَتَ الْحَاضِرُونَ ثُمَّ سَأَلُوهُ: لِمَ لَمْ تُخَيِّرْهُ؟ فَقَالَ: لَوْ خَيَّرْته لَوَطِئَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ الْكَفَّارَاتِ شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ، وَالْمُلُوكُ لَا تَنْزَجِرُ بِالْإِعْتَاقِ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ فَتَعَيَّنَ مَا هُوَ زَاجِرٌ لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَلَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلتَّخْيِيرِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ التَّخْيِيرِ عَلَى فَقْدِ الْمُعَيِّنِ لِنَوْعٍ مِنْهَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِي أَنْوَاعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ الْحُرِّ الرَّشِيدِ (أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ وَمُحَرَّرَةٍ لِخُصُوصِ الْكَفَّارَةِ، وَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَةَ الْإِطْعَامِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْغَيْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَنْوَاعِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) يُكَفِّرُ بِ (صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ الرَّشِيدِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، إلَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْهُ أَوْ يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ لِإِضْرَارِهِ بِخِدْمَتِهِ فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ، وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ السَّفِيهِ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَأْمُرُهُ بِالصَّوْمِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَوْ أَبَى كَفَّرَ عَنْهُ بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ أَيْ قِيمَةِ الْإِطْعَامِ أَوْ الرَّقَبَةِ، وَهَذَا فِي تَكْفِيرِ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمُكَفَّرُ عَنْهُ حُرًّا، أَوْ بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ إنْ كَانَ رَقِيقًا، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. (تَنْبِيهٌ) كَمَا يَلْزَمُ الْمُعْتَمَدَ لِلْفِطْرِ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ أَيْضًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُدِّبَ الْمُفْطِرُ عَمْدًا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ تَائِبًا. قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْمَالِ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ، وَعُقُوبَةُ الْبَدَنِ وَهِيَ الْحَدُّ، وَالْأَدَبُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ الْأَدَبُ فَقَطْ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ، كَمَا يَسْقُطُ الْأَدَبُ إنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى عَدَمِ الِاسْتِفْتَاءِ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يُؤَدِّبْ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُخْتَصَّةً بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ شَرَعَ فِي مُحْتَرِزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا كَفَّارَةٌ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ الْقَائِلِ: بِوُجُوبِهَا، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ سَبَبُهَا انْتِهَاكُ حُرْمَةِ رَمَضَانَ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ فِيهِ وَالْوَقْتُ الْحَاضِرُ لَهُ حُرْمَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ خِلَافٌ فِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلَافٌ، فَعَلَى اللُّزُومِ يَلْزَمُهُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لِلْأَصْلِ وَيَوْمٌ لِلْمُفْسِدِ، وَقِيلَ: يَوْمٌ فَقَطْ، وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي الْفِطْرِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ السَّنْهُورِيُّ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ، وَمِثْلُ قَضَاءِ رَمَضَانَ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُفْسِدِ وَلَمَّا كَانَ الْإِغْمَاءُ مُسْقِطًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِشَرْطِيَّةِ الْعَقْلِ فِيهَا وَكَانَ يُتَوَهَّمُ سُقُوطُ قَضَائِهِ كَالصَّلَاةِ قَالَ: (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (فَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَلَوْ يَسِيرًا (فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ النِّيَّةِ الَّذِي هُوَ اللَّيْلُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الصَّائِمَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَزَالَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمُقَارَنَةِ الْإِغْمَاءِ لِوَقْتِ النِّيَّةِ، زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا اسْتَمَرَّ الْإِغْمَاءُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ جُلَّ الْيَوْمِ وَلَوْ سَلِمَ أَوَّلُهُ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُلِّ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلُهُ بَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُلِّ وَسَلِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ اسْتَمَرَّ سَالِمًا نَاوِيًا الصَّوْمَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ إلَخْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ سَلِمَ أَوَّلُهُ وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَهُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إلَخْ أَنَّ مَنْ سَكِرَ بِحَرَامٍ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى سُكْرِهِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِتَسَبُّبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْفِطْرِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ فَكَالْمَجْنُونِ، وَالْمَجْنُونُ فِي التَّفْصِيلِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا النَّائِمُ يَمْضِي عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَهُوَ نَائِمٌ بَعْدَ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ صَوْمِهِ وَبَقَاءِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنَّمَا السَّاقِطُ عَنْ النَّائِمِ الْإِثْمُ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وَنَامَ جَمِيعَهُ صَحَّ صَوْمُهُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَلَيْسَ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ كَالنَّائِمِ بَلْ كَالْمَجْنُونِ كَمَا عَلِمْت، فَمَا شَرَحَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّهُ كَالنَّائِمِ زَلَّةُ قَلَمٍ. (وَلَا يَقْضِي) أَيْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (مِنْ الصَّلَوَاتِ) فَرْضًا (إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) وَلَوْ الضَّرُورِيَّ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مُخَالَفَةِ الصَّوْمِ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الصَّلَاةُ دُونَ الصَّوْمِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ يَقْضِيَانِهِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ (تَنْبِيهٌ): كَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَلَا يُطَالَبُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمَا خَرَجَ وَقْتُهُ، وَمَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ . ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّائِمِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ مُبْتَدِئًا بِالْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ) أَيْ
[ ١ / ٣١٥ ]
الصَّائِمُ النِّسَاءَ بِوَطْءٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ لِلَذَّةٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي لَيْلِهِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا مِنْ الْوَطْءِ
وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يُطْلَبُ مِنْهُ (أَنْ يَحْفَظَ) أَيْ يَصُونَ (لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ) عَمَّا لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ، وَعَطْفُ الْجَوَارِحِ عَلَى اللِّسَانِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ اقْتِصَارِ خَلِيلٍ عَلَى اللِّسَانِ حَيْثُ قَالَ: وَكَفُّ لِسَانٍ، وَفَسَّرْنَا يَنْبَغِي بِيُطْلَبُ؛ لِأَنَّ مَا لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبُ التَّرْكِ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَمِنْهُ مَا تَرْكُهُ مَنْدُوبٌ وَهُوَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَوْ مُبَاحًا لِغَيْرِ الصَّائِمِ كَتَرْكِ الْإِكْثَارِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَإِنَّمَا خُصَّ رَمَضَانُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيهِ أَشَدُّ، إذْ الْمَعَاصِي تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَمَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الْحَرَمِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّنْ عَصَاهُ خَارِجًا عَنْهُ، وَمَنْ عَصَاهُ فِي مَكَّةَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّنْ عَصَاهُ فِي خَارِجِهَا، وَالْجَوَارِحُ سَبْعَةٌ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ وَاللِّسَانُ بَعْضُهَا، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ مَعَ دُخُولِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا آفَةً، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَيْت قَسَاوَةً فِي قَلْبِك وَوَهَنًا فِي بَدَنِك وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِك فَاعْلَمْ أَنَّك تَكَلَّمْت فِيمَا لَا يَعْنِيك، فَبِالْجُمْلَةِ اللِّسَانُ شَرُّ الْجَوَارِحِ، فَإِنْ اسْتَقَامَ اسْتَقَامَتْ الْجَوَارِحُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ كَمُلَ نِصْفُ الدِّينِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» قِيلَ: النِّصْفُ الْبَاقِي اللِّسَانُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ أَنْ يُقِلُّوا الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّائِمِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُحْشُ مِنْ الْقَوْلِ وَكَلَامُ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَقَوْلُهُ: «فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ» أَيْ بِلِسَانِ حَالِهِ لَا بِلِسَانِ مَقَالِهِ. (وَ) مِمَّا يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَيْضًا أَنْ (يُعَظِّمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ ﷾) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ؛ " مِنْ " زَائِدَةٌ " وَمَا " مَوْصُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَظِّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ ﷾ إذْ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ وَأَنْزَلَ فِيهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَعْظِيمِهِ، وَخَصَّهُ بِإِيجَابِ الصَّوْمِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَتَعْظِيمُ الصَّائِمِ لَهُ بِتَمْيِيزِهِ بِفِعْلِ الْمَبَرَّاتِ وَكَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِادِّعَاءِ أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي وَهَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُعَظِّمُ، وَالْمَعْنَى: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَظِّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ، وَتَعْظِيمُهَا بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُكْرَهُ تَعْظِيمُهُ بِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ كَكَثْرَةٍ وَقَيْدِ النَّارِ فِي الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقِهَا بِبَعْضِ فُرُشٍ نَفِيسَةٍ (وَ) يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ وَلَوْ غَيْرَ رَمَضَانَ أَنْ (لَا يَقْرَبَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ (الصَّائِمُ النِّسَاءَ بِوَطْءٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ لِلَذَّةٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) لِأَنَّ قُرْبَ النِّسَاءِ ذَرِيعَةٌ إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ عَيْنُ الْحُكْمِ وَمُحَصِّلُهُ: إنَّ قُرْبَهُنَّ بِوَطْءٍ حَرَامٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَمَكْرُوهٌ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ وَحَرَامٌ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهَا. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ. (وَ) مَفْهُومٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنَّهُ (لَا يَحْرُمُ) وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ (ذَلِكَ) أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهِ (عَلَيْهِ فِي لَيْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا أَوْ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا فِي كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَلَا يَطَأُ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلًا. (تَنْبِيهٌ) اعْتَرَضَ ابْنُ الْفَخَّارِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَيَّدَ الْقُبْلَةَ بِكَوْنِهَا اللَّذَّةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إبَاحَتَهَا بِدُونِ اللَّذَّةِ، مَعَ أَنَّ اللَّذَّةَ قَدْ تَحْدُثُ عِنْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ بِقَصْدِهَا فَالصَّوَابُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا عِنْدَ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ، وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ عِلْمِ السَّلَامَةِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ النَّهْيُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِكُلِّ صَائِمٍ وَلَوْ نَقْلًا لِحُرْمَةِ إبْطَالِ التَّطَوُّعَاتِ عِنْدَنَا اخْتِيَارًا، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِمُ شَابًّا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ التَّفَكُّرَ أَوْ النَّظَرَ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَالْقُبْلَةِ وَخَلِيلٌ أَيْضًا، وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ النَّظَرَ الْمُسْتَدَامَ كَالْقُبْلَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ ابْنِ الْفَخَّارِ بِتَصَرُّفٍ وَإِيضَاحٍ، وَأَقُولُ: كَلَامُ ابْنِ الْفَخَّارِ الْمُتَضَمِّنُ عَدَمَ جَوَازِ الْقُبْلَةِ وَلَوْ لِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ خَلِيلٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الشَّاذِلِيُّ فَتَمَحَّلَ لِلْمُصَنِّفِ جَوَابًا وَقَالَ: كَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلَذَّةٍ عِنْدَ الْقُبْلَةِ لِلْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ مِمَّا لَا الْتِذَاذَ بِهِ عَادَةً، وَارْتَضَى تَقْيِيدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فَلَا يُنَافِي عَدَمَ جَوَازِهَا لِغَيْرِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْبِحَ) الصَّائِمُ (جُنُبًا مِنْ الْوَطْءِ) وَأَوْلَى مِنْ الِاحْتِلَامِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ وَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ وَبِالْجَوَازِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ
[ ١ / ٣١٦ ]
[حكم التراويح في رمضان]
الْكَفَّارَةُ
وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنْ قُمْت فِيهِ بِمَا تَيَسَّرَ فَذَلِكَ مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ
وَالْقِيَامُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِإِمَامٍ وَمَنْ شَاءَ قَامَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ لِمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ وَحْدَهُ
وَكَانَ السَّلَفُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَلَمَّا قَدَّمَ الصَّائِمَ يُنْهَى عَنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ وَلَوْ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ) وَلَوْ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ كَرِجْلِهِ (أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَلَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ لَا قَضَاءَ عَلَى النَّاسِي، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْذِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَنْعَظَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِنْعَاظِ، وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ الصَّوْمِ، وَلَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَاعِدَةُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ مَا رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِهَا وَمِثْلُ الْإِمْذَاءِ بِالْمُبَاشَرَةِ الْإِمْذَاءُ بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَلَوْ لَمْ يُدِمْهُمَا عَلَى مَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَفِي الْأُجْهُورِيِّ هُنَا، فَإِنْ كَانَ عَنْ فِكْرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامٍ أَوْ نَظَرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامٍ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ. قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَأَقُولُ ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ لُزُومُ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْقُبْلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ أَمَذَى قَضَى مِنْ غَيْرِ شَرْطِ اسْتِدَامَةٍ. (وَ) مَفْهُومُ أَمَذَى أَنَّهُ (إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ (حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) مَعَ الْقَضَاءِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَتَعْبِيرُهُ بِحَتَّى يُوهِمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بِمُجَرَّدِ الْقُبْلَةِ أَوْ الْمُبَاشَرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُعْتَمَدُ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَمُّدِ إخْرَاجِ الْمَنِيِّ بِالْقُبْلَةِ أَوْ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ الْمُلَاعَبَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ عَادَةٍ وَلَا اسْتِدَامَةٍ، وَأَمَّا تَعَمُّدُ إخْرَاجِهِ بِنَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ مِمَّنْ عَادَتُهُ الْإِنْزَالُ بِهِمَا أَوْ اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّلَامَةُ مَعَ إدَامَتِهِمَا فَتَخَلَّفَتْ وَأَمْنَى فَقَوْلَانِ اسْتَظْهَرَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُمَا عَدَمَ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَ بَعْضَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَامًّا فِي جَمِيعِ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَأَمَّا مَنْ أَمْنَى بِتَعَمُّدِ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ لِلْقَابِسِيِّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ عَادَتُهُ الْإِمْنَاءُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَعَ بَيَانِ الرَّاجِحِ [حُكْمِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ] . ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ التَّرَاوِيحِ الْمَعْرُوفَةِ بِقِيَامِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ صَلَّى فِيهِ التَّرَاوِيحَ وَيُقَالُ لَهَا الْقِيَامُ (إيمَانًا) أَيْ مُصَدِّقًا بِالْأَجْرِ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ مُخْلِصًا فِي فِعْلِهِ وَمُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَفْعَلْهُ لِرِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) هَذَا جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَالْمُرَادُ ذُنُوبُهُ الصَّغَائِرُ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ، وَأَمَّا تَبِعَاتُ الْعِبَادِ فَلَا يُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِ أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا يُقَالُ لَهَا ذُنُوبٌ إنَّمَا الذَّنْبُ إثْمُ الْجُرْأَةِ، فَهَذَا يُكَفَّرُ بِالتَّوْبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ الْحَجِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، لَكِنَّ حَمْلَ الذُّنُوبِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لِأَنَّهَا الَّتِي تُكَفَّرُ بِالْقِيَامِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّغَائِرَ تُغْفَرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ بِالْوُضُوءِ وَبِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا مِمَّا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ، فَأَيْنَ الصَّغَائِرُ الَّتِي يُكَفِّرُهَا الْقِيَامُ؟ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْإِشْكَالُ بِعَيْنِهِ فِي بَحْثِ الْعَقِيدَةِ، وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنْ يُقَالَ: الذُّنُوبُ كَالْأَمْرَاضِ وَالْمُكَفِّرَاتُ كَالْأَدْوِيَةِ لَهَا، فَمِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الْوُضُوءُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الصَّوْمُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الْقِيَامُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْجَوَابِ حَدِيثُ: «إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ الصَّوْمُ وَلَا الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا يُكَفِّرُهُ السَّعْيُ عَلَى الْعِيَالِ» وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الذُّنُوبِ يُرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَحُكْمُ الْقِيَامِ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ النَّدْبُ وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي رَمَضَانَ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ حُكْمَهُ السُّنِّيَّةُ، وَلَكِنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ النَّدْبُ حَيْثُ قَالَ: وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْوِتْرِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ، فَلَا يُصَلَّى قَبْلَ الْعِشَاءِ وَلَا بَعْدَ عِشَاءٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَى مَحَلِّهَا الضَّرُورِيِّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ أَوْ مُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَفِعْلُهُ مُسْتَحَبٌّ قَوْلَانِ وَلَمَّا شَاعَ فِي الْأَمْصَارِ تَحْدِيدُهُ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرِ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ حُصُولِ ذَلِكَ الثَّوَابِ بِأَقَلَّ مِنْهَا دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُمْت فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (بِمَا تَيَسَّرَ) مِنْ الصَّلَاةِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ رَكْعَةً (فَذَلِكَ) الَّذِي تَيَسَّرَ لَك (مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ) أَيْ ثَوَابُهُ لِاشْتِمَالِ كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى قِيَامٍ وَسُجُودٍ وَقِرَاءَةٍ: وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) وَرَجَاءُ الْفَضْلِ مِنْ الْقِيَامِ الْقَلِيلِ لَا يُنَافِي أَنَّ الْكَثِيرَ أَكْثَرُ ثَوَابًا (وَ) مَرْجُوٌّ (تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ: مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَلَمْ يَجْزِمْ بِحُصُولِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِثَابَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا، إذْ الْإِثَابَةُ عَلَيْهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالْقَبُولِ، وَلِذَلِكَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ
[ ١ / ٣١٧ ]
الصَّالِحُ يَقُومُونَ فِيهِ فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ ثُمَّ صَلَّوْا بَعْدَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْعَاقِلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ وَغَيْرَ بَالِغِ دَرَجَةِ الْكَمَالِ، لَعَلَّ الْبَارِيَ ﷾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ وَالْإِحْسَانِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يُنْدَبُ فِعْلُ الْقِيَامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ (الْقِيَامِ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (فِي) سَائِرِ (مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ) وَإِنْ كَانَتْ مَسَاجِدَ خُطَبٍ وَيَجُوزُ فِعْلُهُ (بِإِمَامٍ) فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَمْعُ كَثِيرٍ لِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ عَلَى الْجَمْعِ فِيهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لِاسْتِحْبَابِ خَتْمِهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ جَمِيعَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَمَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ قَالَ: (وَمَنْ شَاءَ قَامَ) أَيْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ (فِي بَيْتِهِ وَلَوْ بِإِمَامٍ وَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ (لِمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ وَحْدَهُ) وَمَعْنَى قَوِيَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَشَاطٌ فِي فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ الْمُتَأَكَّدِ: وَتَرَاوِيحُ وَانْفِرَادٌ فِيهَا إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ. قَالَ شُرَّاحُهُ: وَنُدِبَ الِانْفِرَادُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَنْشَطُ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ، وَبِعَدَمِ تَعْطِيلِ الْمَسْجِدِ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَبِأَنْ لَا يَكُونَ آفَاقِيًّا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ مَعَ الْقُيُودِ أَفْضَلَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَلْوَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْخَلْوَةِ، وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ فِي الثَّالِثَةِ وَقِيلَ فِي الرَّابِعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ ازْدِحَامُهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» كَمَا أَشَارَ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ قَدْ صَلَّى نَبِيُّ الرَّحْمَهْ قِيَامَهُ بِلَيْلَتَيْنِ فَاعْلَمْهُ أَوْ بِثَلَاثٍ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ثَمَّةَ كَانَ الْجَمْعُ فِيهِ مِنْ عُمَرْ لَمَّا وَعَاهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ خَبَرْ مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْلَاكٌ كِرَامْ بِرَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ لِلْقِيَامْ فَمَنْ لَهُمْ قَدْ مَسَّ أَوْ مَسُّوهُ يَسْعَدُ وَالشِّقْوَةُ لَا تَعْرُوهُ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَوْلُ عُمَرَ فِيهَا: نِعْمَةُ الْبِدْعَةِ هَذِهِ لَيْسَ رَاجِعًا لِأَصْلِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ جَمْعُهُمْ عَلَى إمَامٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ امْتَنَعَ الْمُصْطَفَى - ﷺ - مِنْ الْخُرُوجِ صَارُوا يُصَلُّونَهَا فُرَادَى فِي بُيُوتِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَتَيْنِ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ خَشْيَةِ فَرْضِيَّتِهَا لِعَدَمِ تَجْدِيدِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُصْطَفَى - ﵊ - أَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفِعْلِهَا جَمَاعَةً، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إشْهَارَهَا وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا وَإِحْيَاءَ الْمَسَاجِدِ بِفِعْلِهَا؛ لِأَنَّ إخْفَاءَهَا ذَرِيعَةٌ لِإِهْمَالِهَا وَتَضْيِيعِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ الرَّسُولُ - ﵊ -: «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ» مَعَ مَا فِي الْحَدِيثِ حِينَ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: " هُنَّ خَمْسٌ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ إلَخْ " فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَمَفْرُوضَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ - ﷺ -: «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ خَشْيَةُ فَرْضِهَا» يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصْطَفَى - ﵊ - قَدْ يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِلتَّشْرِيعِ، فَفِعْلُهُ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْوَاجِبِ - ﵊ -، وَخِلَافُ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا الْمُصْطَفَى وَوَاظَبَ عَلَيْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (يَقُومُونَ فِيهِ) فِي زَمَنِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَبِأَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ الْآنَ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. (ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشْرِينَ (يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ) مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْأَشْرَفِ لَا أَنَّ الثَّلَاثَ وِتْرٌ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا مَرَّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ) اسْتِحْبَابًا وَيُكْرَهُ الْوَصْلُ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا، وَخُيِّرَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا. (ثُمَّ) بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ بِالْمَدِينَةِ (صَلَّوْا) أَيْ السَّلَفُ غَيْرَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُنَا مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (بَعْدَ ذَلِكَ) الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ
[ ١ / ٣١٨ ]
ذَلِكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ) وَاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِصَلَاتِهَا كَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵁ - لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّآمَةِ وَالْمَلَلِ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ، وَالسُّلْطَانُ إذَا نَهَجَ مَنْهَجًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَلَا سِيَّمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵁ -، وَهَذَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ الْأَوَّلَ الَّذِي جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ. (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْعَدَدِ مِنْ الْعِشْرِينَ أَوْ السِّتَّةِ وَالثَّلَاثِينَ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهَذَا غَيْرُ ضَرُورِيِّ الذِّكْرِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السَّلَامِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ الْأَفْضَلُ لَهُ السَّلَامُ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمَّا بَيَّنَ قَدْرَ مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُصْطَفَى - ﷺ - فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ - ﷺ -، فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنْهَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ، وَرَوَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ «أَنَّهُ رَجَعَ إلَى تِسْعٍ ثُمَّ إلَى سَبْعٍ»، وَلَيْسَ اخْتِلَافًا حَقِيقِيًّا بَلْ اخْتِلَافٌ بِحَسَبِ اعْتِبَارَاتٍ، فَإِنَّهُ - ﷺ - كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ افْتَتَحَ وِرْدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ لِيَنْشَطَ، وَإِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتَارَةً عَدَّهَا بِفِعْلِهِ فِي لَيْلِهِ وَهُوَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَتَارَةً أَسْقَطَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَعَدَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ كَثِيرٍ مِمَّا وَرَدَ. (خَاتِمَةٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ: هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي تَقُومُهُ النَّاسُ بِرَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يُوقِعُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ بِرَمَضَانَ لِكَيْ يَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ فَضْلُ الْقِيَامِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَ رَبِّهِمْ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ اهـ، وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ: وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذِهِ الْفَائِدَةَ أَنْكَرَهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ حَتَّى أَوْقَفْنَاهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَابْنِ الْحَاجِّ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الصِّيَامِ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الصِّيَامِ فَقَالَ:
[ ١ / ٣١٩ ]