فَإِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَشَرَةٌ فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشَرَةً وَيَدْفَعُ الْعَشَرَةَ الْأُخْرَى لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ دَفَعَ لَهُ عَشَرَةً وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَسْأَلَتَانِ الْعُهْدَةُ فِيهِمَا لَيْسَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي بَلْ عَلَى الْبَائِعِ، إحْدَاهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ عَامِلُ الْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا هُوَ شَفِيعُهُ. وَثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا وَرَبُّ الْمَالِ هُوَ شَفِيعُهُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ فِي هَاتَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا لَضَاعَ الثَّمَنُ عَلَى دَافِعِهِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْحَاضِرِ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ عَلَى شُفْعَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إيقَافُ الشَّفِيعِ وَطَلَبُهُ لِيَأْخُذَ أَوْ يُسْقِطَ حَقَّهُ قَالَ: (وَيُوقِفُ) الْمُشْتَرِي (الشَّفِيعَ) مَفْعُولُ يُوقِفُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ (فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ تَرَكَ) فَإِنْ أَخَذَ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَلَوْ دَيْنًا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا بِرَهْنِهِ وَضَامِنِهِ وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَعَقْدِ شِرَاءٍ وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ فِي كَخَلْعٍ وَصُلْحِ عَمْدٍ وَجُزَافِ نَقْدٍ، وَقَوْلُنَا: بَعْدَ وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِسْقَاطُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَطُولِبَ بِالْأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لَا قَبْلَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْعِتْقِ وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ أَنَّهُ يُوقِفُهُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوقِفُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَهُ عِنْدَ سُكُوتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ، وَإِذَا اخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي قَدْ وَهَبَ الشِّقْصَ أَوْ حَبَسَهُ فَإِنَّ لَهُ نَقْضَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَلَوْ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَتُجْعَلُ الْأَنْقَاضُ فِي حَبْسٍ آخَرَ، وَثَمَنُ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ شَفِيعًا. الثَّانِي: إذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الْمُهْلَةَ عِنْدَ إيقَافِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَعْجَلَ إنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي إلَّا كَسَاعَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِيقَافِ. وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكُ التَّصَرُّفِ حَتَّى يَعْلَمَ الشَّفِيعُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَرْكُ الْبَيْعِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ خِلَافًا لِفَتْوَى ابْنِ رِزْقٍ. وَفِي شَرْحِ الْأُجْهُورِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ قَبْلَ إيقَافِ الشَّفِيعِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُوهَبَ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ يَهَبَ أَوْ يَبِيعَ الشِّقْصَ الَّذِي لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لِلْمُشْتَرِي فَتَجُوزُ الْهِبَةُ دُونَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَا قَبْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَلَكِنْ لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهَا لِشَخْصٍ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. (وَ) إذَا تَعَدَّدَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْحِصَّةَ الْمَأْخُوذَةَ بِالشُّفْعَةِ (تُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِوَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَلِآخَرَ ثُلُثُهَا، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ ثُلُثَهُ لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَاعًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الرُّبُعُ الْبَاقِي، وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْصِبَاءُ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَمَعْصَرَةٍ وَفُرْنٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُنَا: لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الشُّرَكَاءِ لَتَرَكَ لَهُ حِصَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا. قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ عَلَى الْأَنْصِبَاءِ وَتَرَكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّةً، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لِأَحَدِهِمْ الرُّبُعُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ أَيْضًا وَلِآخَرَ النِّصْفُ فَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ فَإِنَّ لِصَاحِبَيْ الثُّمُنَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ نِصْفَ الْمَبِيعِ وَبَاقِيهِ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا. (تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الشُّرَكَاءِ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ الْمُشَارِكُ لِلْبَائِعِ فِي سَهْمِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ وَإِنْ كَانَ لِأَبٍ أَخَذَتْ سُدُسًا، وَإِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ زَوْجَاتٌ وَأَخَوَاتٌ مَثَلًا فَبَاعَتْ إحْدَى الزَّوْجَاتِ فَحِصَّتُهَا بَيْنَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ وَلَا دُخُولَ لِغَيْرِهِنَّ مِنْ الْأَخَوَاتِ إلَّا إذَا أَسْقَطَ الْمُشَارِكُ فِي السَّهْمِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهِبَةِ وَقَدَّمَ تَعْرِيفَهَا فَقَالَ: (وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ) لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ لِقَصْدِ الثَّوَابِ فِي الدُّنْيَا. (وَلَا صَدَقَةٌ) وَهِيَ الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ لَهُ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ. (وَلَا حُبُسٌ) وَهُوَ مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَارِيَّةِ وَلَا الْعُمْرَى بَلْ عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِيَّةِ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْهَا، وَحَقِيقَتُهَا فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطَى فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطِي أَوْ نَائِبِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْحَوْزِ فِي الْحُبُسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرَّهْنِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا، فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ لَمْ تَنْفَعْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَى الْقَبْضِ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ شَرْطٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:
[ ٢ / ١٥٣ ]
مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ.
وَالْهِبَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْقَبُولُ وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ إلَّا أَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ وَالْحِيَازَةُ شَرْطٌ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ خَوْفًا مِنْ قَوْلِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فِي مَرَضِهِ: ادْفَعُوا لِفُلَانٍ كَذَا فَإِنِّي كُنْت وَهَبْت لَهُ قَبْلَ مَرَضِي فَيُحْرَمُ الْوَارِثُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلُنَا: قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ وَالْفَلَسُ وَالْجُنُونُ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ احْتِرَازًا عَنْ عَطِيَّةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ عَلَى يَتِيمٍ. قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا شَهِدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ فَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ، وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُعْطِي إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حَيْثُ وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ تَصْوِيرِهَا لِلطَّالِبِ وَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نَحْوِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحُكْمُ النَّدْبُ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّتْ عَلَى نَدْبِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . وَقَوْلُهُ - ﵊ - أَيْضًا: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَدْبِهَا، وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهَا عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَكَوْنُهَا مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا لِأَرْكَانِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى لَهُ وَالشَّيْءُ الْمُعْطَى وَالصِّيغَةُ، فَأَمَّا الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ، فَدَخَلَ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ، وَيَخْرُجُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَهُمَا فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، وَأَمَّا الْمُعْطَى لَهُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ تَمَلُّكُ الْعَطِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ مِلْكُهُ فَتَدْخُلُ عَطِيَّةُ الرَّقِيقِ لِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمُعْطَى فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّقْلَ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَشْمَلُ كَلْبَ الصَّيْدِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَشْيَاءَ الْمَجْهُولَةِ، وَيَخْرُجُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَالْحُبُسِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُعْطَى لَهُ وَلَوْ فِعْلًا، كَدَفْعِ دِينَارٍ لِفَقِيرٍ، وَكَنِحْلَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ. الرَّابِعُ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ تَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي عَلَى الْفَاعِلِ بِدَفْعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهَا، وَلِلْمُعْطَى لَهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ وَإِنَّمَا لَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا لِأَنَّهَا كَالْبَيْعِ وَقَعَتْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» حَيْثُ شَبَّهَ الرَّاجِعَ فِيهَا بِالْكَلْبِ وَالْمَرْجُوعَ فِيهِ بِالْقَيْءِ، وَذَلِكَ غَايَةُ التَّنْفِيرِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ. الْخَامِسُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ يُوهِمُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِثْلُهَا بَقِيَّةُ الْعَطَايَا كَالنِّحْلَةِ وَالْمِنْحَةِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِسْكَانِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِرْفَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِخْدَامِ وَالصِّلَةِ وَالرَّهْنِ وَالْعُمْرَى وَالْإِحْبَاءِ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَضَعَتْ الْعَرَبُ لِأَنْوَاعِ الْإِرْفَاقِ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً، فَالْعَارِيَّةُ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِعِوَضِ إجَارَةٍ، وَالرُّقْبَى إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ لِمُدَّةٍ أَقْصَرُهُمَا عُمْرًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ، وَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَهُمَا أَخَصُّ مِنْ الْعَارِيَّةِ، وَالْإِفْقَارُ عَارِيَّةُ الظَّهْرِ الْمَرْكُوبِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَقَارِهِ وَهُوَ عِظَامُ سِلْسِلَتِهِ، أَوْ لِإِسْكَانِ هِبَةِ مَنَافِعِ الدَّارِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَالْمِنْحَةُ هِبَةُ لَبَنِ الشَّاةِ، وَالْعَرِيَّةُ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَنْحُ وَالْعَطَاءُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ، انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ. وَالنِّحْلَةُ مَصْدَرُ نَحَلْته أَعْطَيْته فَهِيَ الْعَطِيَّةُ، وَالْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا وَالْمِهْدَى بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُهْدَى فِيهِ كَالطَّبَقِ وَنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَلَا يُسَمَّى مِهْدَى إلَّا وَفِيهِ مَا يُهْدَى، وَالْإِرْفَاقُ النَّفْعُ يُقَالُ أَرْفَقْته نَفَعْته، وَالْمُرْفَقُ مِنْ الْإِرْفَاقِ مَا ارْتَفَقْت بِهِ أَيْ انْتَفَعْت بِهِ، وَالْعِدَةُ جَمْعُهَا عِدَاتٌ مَصْدَرُ وَعَدَ فَهِيَ الْوَعْدُ فَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنْ الْوَاوِ، وَالْإِخْدَامُ إعْطَاءُ خَادِمٍ غُلَامٍ أَوْ جَارِيَةٍ، وَالصِّلَةُ الْعَطِيَّةُ، وَالْحِبَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْمَدِّ الْعَطَاءُ، وَالرَّهْنُ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ قَصْدًا لِنَفْعِ الطَّالِبِ لِعِزَّةِ بَيَانِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْحَوْزِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ) الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ الْمُحْبِسُ أَوْ الْمُعْمِرُ بِالْكَسْرِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ عَطِيَّةٌ (قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ) تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ سِوَى عَطِيَّةِ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ. (فَهِيَ مِيرَاثٌ) لِبُطْلَانِهَا بِالْمَوْتِ قَبْلَ تَمَامِهَا بِالْحَوْزِ، وَمِثْلُ مَوْتِ الْوَاهِبِ أَوْ الْوَاقِفِ إحَاطَةُ الدُّيُونِ بِمَالِهِ أَوْ جُنُونُهُ أَوْ
[ ٢ / ١٥٤ ]
لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِفَقِيرِ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهَا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
وَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ مَا لَمْ يُنْكِحْ لِذَلِكَ أَوْ يُدَايَنْ أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا.
وَالْأُمُّ تَعْتَصِرُ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ لَمْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ أَوْ وُهِبَتْ لِثَانٍ وَجَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ، وَلَا قِيمَةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ الْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ بُطْلَانُ الْهِبَةِ وَمَا مَعَهَا بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ وَلَوْ وُجِدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ مَا عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ إنْ جَدَّ وَسَارَعَ فِي حَوْزِهَا فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَفْظُهُ: وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى أَوْجَدَ فِي الْقَبْضِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِ الْهِبَةِ عِنْدَ إنْكَارِ الْوَاهِبِ فَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَلِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ فَلَا تَبْطُلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالْمُفْلِسِ إذَا خَاصَمَهُ الرَّجُلُ فِي عَيْنِ سِلْعَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُفْلِسُ أَنَّ رَبَّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لَهُ إيقَافُهَا إلَّا فِي الْبَيِّنَةِ الْقَرِيبَةِ مِثْلُ السَّاعَةِ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الْبَعِيدَةُ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا إلَّا مَعَ شَاهِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ الْمَذْكُورَاتِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْحَوْزِ فِي غَيْرِ الْوَاقِعِ مِنْهَا فِي حَالِ الْمَرَضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْهِبَةِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا صَدَرَ مِنْ الْمُعْطِي (فِي) حَالِ (الْمَرَضِ) الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ (فَذَلِكَ) التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْحُبُسِ فِي حَالِ الْمَرَضِ (نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ وَهِيَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَتَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) الْإِعْطَاءُ (لِغَيْرِ وَارِثٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ بِالثُّلُثِ كَبُطْلَانِهَا لِغَيْرِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْبَاطِلَةَ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ كَانَتْ لِوَارِثٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَا دَيْنٍ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ صَحِيحًا رَشِيدًا لَهُ التَّبَرُّعُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحَبَّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَطِيَّةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَمَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) وَهُوَ مَنْ يُحَرَّمُ نِكَاحُهُ وَلَوْ غَنِيًّا. (أَوْ لِفَقِيرٍ) أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَتِيمٍ (كَالصَّدَقَةِ) فِي أَنَّهَا (لَا رُجُوعَ فِيهَا) لِأَنَّهَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّحِمِ، بَلْ كُلُّ مَا يَكُونُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ وَلَوْ مِنْ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الرَّحِمَ لِتَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّهُمْ أَوْلَى بِفِعْلِ الْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» أَيْ يُعْطِيهِمْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِلْفَقِيرِ بِأَنْ تَكُونَ لِأَجْنَبِيٍّ غَنِيٍّ لَا تَكُونُ كَالصَّدَقَةِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَيُقْضَى بِهَا وَلَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ فِيهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» كَمَا يَأْتِي ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلِذَا كَانَ الْأَوْلَى الْإِتْيَانَ بِالْفَاءِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) فِيمَا تَصَدَّقَ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا إلَّا لِشَرْطٍ. وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ لِلْأَبِ دَنِيَّةً (أَنْ يَعْتَصِرَ) أَيْ يَأْخُذَ قَهْرًا (مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ) لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِفَقْرِهِ وَلَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بَلْ وَهَبَهُ لِوَجْهِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْتَصِرُ الْأَبَوَانِ مَا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى وَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهُ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَمَّا الْحُبُسُ فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيَعْمَلُ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْحُبُسِ، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةً لِإِخْرَاجِ الْجَدِّ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ (مَا لَمْ يُنْكِحْ) الْوَلَدَ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ (أَوْ يُدَانُ) أَيْ يُعْطِي دَيْنًا لِأَجْلِهَا. (أَوْ يَحْدُثْ فِي الْهِبَةِ حَدَثٌ) أَيْ حَادِثٌ يُنْقِصُهَا فِي ذَاتِهَا أَوْ يَزِيدُهَا فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اعْتِصَارُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ فَقَطْ، إلَى أَنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ، وَلَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايَنْ لَهَا أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا أَوْ يَمْرَضْ كَوَاهِبٍ إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ أَوْ النَّقْصُ أَوْ يَرْجِعَ الزَّبَدُ فَإِنَّهُ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْصِ بَيْنَ الْحِسِّيِّ كَهُزَالِ الْحَيَوَانِ الَّذِي كَانَ سَمِينًا، وَالْمَعْنَوِيِّ كَنِسْيَانِ الْعَبْدِ صَنْعَتَهُ، وَكَذَا تَفُوتُ الْهِبَةُ الْمِثْلِيَّةُ بِخَلْطِهَا بِمِثْلِهَا. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لِذَلِكَ أَنَّ التَّدَايُنَ وَالْإِنْكَاحَ إنَّمَا يَكُونَانِ مُفَوِّتَيْنِ لِلِاعْتِصَارِ عِنْدَ قَصْدِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، وَصَاحِبُ الْمَالِ فِي الدَّيْنِ أَنَّ النِّكَاحَ وَالدَّيْنَ لِخُصُوصِهَا، لَا إنْ لَمْ يَقْصِدَا ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا يَنْكِحُ وَلَا يُدَايَنُ الشَّخْصُ لِأَجْلِهَا فَلَا يُفَوِّتَانِ الِاعْتِصَارَ، وَلَا إنْ قَصَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِعَقْدِ نِكَاحِهِ أَوْ تَدَايُنِهِ تَفْوِيتَهَا دُونَ قَصْدِ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ. (وَالْأُمُّ) دَنِيَّةٌ كَالْأَبِ لَهَا أَنْ (تَعْتَصِرَ) مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الَّذِي لَهُ أَبٌ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. (مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا) وَلَوْ مَجْنُونًا زَمَنَ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِهِبَتِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ أَوْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، أَوْ يَكُونَ فَقِيرًا
[ ٢ / ١٥٥ ]
تَعْتَصِرْ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَالَيْتُمْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ.
وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَسْكُنْ ذَلِكَ أَوْ يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ.
وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَائِنًا عَنْ أَبِيهِ فَلَا تَعْتَصِرُهَا، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَعْتَصِرُ كَالْجَدِّ كَمَا قَدَّمْنَا. (فَإِذَا مَاتَ) الْأَبُ (لَمْ تَعْتَصِرْ) الْأُمُّ مَا وَهَبَتْهُ وَلَوْ كَانَ وَلَدُهَا غَنِيًّا لِأَنَّهُ صَارَ يَتِيمًا. (وَ) الْأُمُّ (لَا تَعْتَصِرُ مِنْ يَتِيمٍ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ وَقَعَتْ الْهِبَةُ قَبْلَ يُتْمِهِ أَوْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا تَعْتَصِرُ مِنْ ذَوِي الْأَبِ وَلَوْ تَيَتَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ وَهَبَتْ لِكَبِيرٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي وَهَبَتْهُ أُمُّهُ إنْ كَانَ بَالِغًا حِينَ الْهِبَةِ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ مَا دَامَ أَبُوهُ حَيًّا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ وَلَا أَبَ لَهُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا وَلَوْ بَلَغَ قَبْلَ الِاعْتِصَارِ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ الصَّغِيرَ ذَا الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَالصَّبِيُّ صَغِيرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَهَا الِاعْتِصَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ. ثُمَّ بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَلَدُ يَتِيمًا بِقَوْلِهِ: (وَالْيُتْمُ) فِي الْآدَمِيِّ (مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةِ فَقْدِ (الْأَبِ) فَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا يَصِيرُ يَتِيمًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَلَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَطْ فَلَا يُقَالُ لَهُ يَتِيمٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ مِنْ الطَّيْرِ فَهُوَ مَنْ فَقَدَهُمَا مَعًا، وَأَمَّا فِي نَحْوِ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا فَمِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَقَطْ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَنَّ الْآدَمِيَّ إنَّمَا يُضَيَّعُ بِفَقْدِ أَبِيهِ غَالِبًا. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْهِبَةَ وَمَا مَعَهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ، بَيَّنَ هُنَا أَنَّ مَا سَبَقَ فِي غَيْرِ هِبَةِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا وَهَبَهُ) الْأَبُ الرَّشِيدُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ السَّفِيهِ (فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ) مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْأَبِ إلَى أَنْ فَلِسَ أَوْ مَاتَ، لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لِمَحْجُورِهِ، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِالرَّشِيدِ لِأَنَّ الْأَبَ السَّفِيهَ لَا يَحُوزُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحُوزُ وَلِيُّهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِيَازَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ لَهُ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهُ، وَثَانِي الشُّرُوطِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَسْكُنْ) الْأَبُ (ذَلِكَ) الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ إنْ كَانَ مِمَّا يُسْكَنُ كَدَارٍ أَوْ حَانُوتٍ. (أَوْ) إذَا لَمْ (يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا) أَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ دَارَ سُكْنَاهُ وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ اسْتَمَرَّ لَابِسًا لِمَا وَهَبَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُلْبَسُ حَتَّى حَصَلَ الْمَنَافِعُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَصِحُّ حَوْزُهُ لَهُ: وَدَارُ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرَى لَهُ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَ دَارَ سُكْنَاهُ لِكِبَارِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا سَكَنَهُ فَقَطْ، وَيَصِحُّ مَا جَازَهُ الْوَلَدُ كَانَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، وَالْوَقْفُ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي ذَلِكَ. وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَحُوزُ) الْأَبُ (لَهُ) أَيْ لِمَحْجُورِهِ (مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) كَدَارٍ أَوْ دَابَّةٍ، فَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَالًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَحَازَهَا حَتَّى حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فَلَسٍ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِهَا، بِخِلَافِ لَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا أَوْ وَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا تَبْطُلُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ إلَّا مَا لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَحْجُورٍ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي، وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ أَجْوَدُ لِشُمُولِهَا الْأَبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَحْجُورَ الصَّبِيَّ وَغَيْرَهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ إلَخْ أَنَّ حِيَازَةَ الْأُمِّ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ لَا تَصِحُّ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةَ الْوَلَدِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ فَيَصِحُّ حَوْزُهَا لَهُ حِينَئِذٍ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ حِيَازَةِ الْأَبِ لِمَحْجُورِهِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْ غَلَّةَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْوَقْفِ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الْغُبْرِينِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا تَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ يَصْرِفُ غَلَّةَ الْمَوْهُوبِ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَخَلِيلٌ فِي دَارِ السُّكْنَى مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ حَوْزِهَا مِنْ كِرَائِهَا بِاسْمِ الْمَحْجُورِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ صَرْفِ الْغَلَّةِ وَعَقْدِ الْكِرَاءِ. الثَّالِثُ: كَمَا لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ بِبَقَائِهَا تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، كَذَلِكَ هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْهِبَةُ: وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ يَدَهُ عَنْ هِبَتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُ هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ هِبَةُ السَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ الْإِشْهَادُ عَلَى الْهِبَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِبَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ وَأَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ خَلَا دَارِ السُّكْنَى أَوْ دَارِ سُكْنَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَالسَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا حِيَازَةٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا لَا يُنَافِي تَمَامَهُ مِنْ الْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ١٥٦ ]
إلَّا بِالْمِيرَاثِ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَلَا يَشْتَرِي مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (وَأَمَّا) مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ (الْكَبِيرِ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ) وَإِنَّمَا يَحُوزُ لِنَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ كَالصَّغِيرِ يَحُوزُ لَهُ أَبُوهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ حَائِزًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ رَشِيدًا وَلَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَائِزًا لَهُ، وَاخْتُلِفَ لَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَجَهِلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ أَبُوهُ حَائِزًا حَتَّى مَاتَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ عَلَى الرُّشْدِ فَتَبْطُلُ؟ لِعَدَمِ حِيَازَتِهِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَوْلَانِ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَيَحُوزُهُ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا وَلَا تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَإِنَّهُ يَحُوزُهُ لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَيُؤْنِسُ مِنْهَا الرُّشْدَ. (لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُتَصَدِّقُ (فِي صَدَقَتِهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. (وَلَا) يَنْبَغِي أَنْ (تَرْجِعَ إلَيْهِ إلَّا بِالْمِيرَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَمَفْهُومُ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْهِبَةَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَالتَّسَبُّبُ فِي تَمَلُّكِهَا مُنَافٍ لِقَصْدِ الْفَاعِلِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ «قَوْلُهُ - ﷺ - لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَحَمَلْنَا الرُّجُوعَ عَلَى اسْتِحْدَاثِ مِلْكِهَا بِسَبَبِ إشَارَةٍ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ إبْطَالَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ لِلُزُومِ سَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى الْوَصِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ إبْطَالُهَا إلَّا عَطِيَّةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ كَمَا مَرَّ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ شَرَطَ فِي عَقْدِ صَدَقَتِهِ الرُّجُوعَ وَإِلَّا عَمِلَ بِشَرْطِهِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مَعَ أَجْنَبِيٍّ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ إنْ شَاءَ فَإِنَّ لَهُ بَيْعَهُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. (تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَجَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِحَمْلِ كَلَامِ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى مَا إذَا أَخْرَجَهَا لِمُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وَحَمْلُ كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى إخْرَاجِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي يَأْخُذُهَا، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ) الْمُتَصَدِّقُ (مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ) مِنْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ شُرْبَ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ رُجُوعٌ فِي صَدَقَتِهِ وَقَدْ قَالَ أَوَّلًا: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا بِمِيرَاثٍ، وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ بِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ، عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَلَوْ مَعَ رِضَاهُ أَوْ الرَّشِيدِ مَعَ عَدَمِ رِضَاهُ، وَحَمْلِ قَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ بِرِضَاهُ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ. " مُحَمَّدٌ " وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ قَوْلَهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ إلَخْ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ وَنَحْوُهُ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ ثَمَنُهُ تَافِهًا أَوْ كَثِيرًا وَرَضِيَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ كَثِيرًا وَلَمْ يَرْضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ بِأَخْذِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ هَذَا مَا لَمْ يَفْتَقِرْ الْأَبُ وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا يَصَّدَّقُ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، كَمَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ صَدَقَتِهِ وَإِنْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ مِمَّا تَصَدَّقَتْ بِهِ عَلَيْهِ. الثَّانِي: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَعَلَيْهِ ابْنُ نَاجِي أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يَشْتَرِي) الْمُتَصَدِّقُ (مَا تَصَدَّقَ بِهِ) فَهُوَ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْدِثَ مِلْكَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ اخْتِيَارًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِالْمِيرَاثِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الرُّجُوعِ. (تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ اخْتِيَارًا أَشْيَاءُ مِنْهَا: الْعَرِيَّةُ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْمُعْرِي شِرَاؤُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ إلَخْ، وَمِنْهَا مَنْ أَعْمَرَ شَخْصًا دَارِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعَمِّرِ بِالْكَسْرِ شِرَاؤُهَا، وَمِنْهَا مَنْ سَبَّلَ مَاءً عَلَى غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِدْهُ
[ ٢ / ١٥٧ ]
رَدَّ الْهِبَةَ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
وَذَلِكَ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَمِنْهَا مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِأَمَةٍ فَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيَسْتَقْصِي، بِخِلَافِ مَا تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِوَجْهِ الْمُعْطِي شَرَعَ فِي الْهِبَةِ لِثَوَابِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ فَقَالَ: (وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ) الْمُخَيَّرُ (إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْقَبْضِ فَيَلْزَمُ قَبُولُهَا. (أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ) لِوَاهِبِهَا وَهَذَا التَّخْيِيرُ مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ. (فَإِنْ فَاتَتْ) بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) جَبْرًا عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ وَاهِبُهَا لَا الْمَوْهُوبُ الْقِيمَةَ إلَّا لِفَوَاتٍ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ. ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ اسْتِحْقَاقِ الْوَاهِبِ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ لُزُومُ الْقِيمَةِ لِلْوَاهِبِ بَعْدَ فَوَاتِ الْهِبَةِ مَشْرُوطٌ بِمَا (إذَا كَانَ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ (يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُظَنُّ (أَنَّهُ أَرَادَ) أَيْ قَصَدَ الْهِبَةَ لِأَجْلِ (الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ (مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَفَقِيرٍ يَدْفَعُ شَيْئًا لِغَنِيٍّ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ فِي هِبَتِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إذَا كَانَ يُرَى إلَخْ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ عَامٌّ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِأَجْلِ عُرْسٍ أَوْ عِنْدَ قُدُومٍ مِنْ حَجٍّ، وَلِوَاهِبِ الثَّوَابِ طَلَبُ الثَّوَابِ وَلَوْ مُعَجَّلًا وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عُرْسٌ إلَّا لِعَادَةٍ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الْوَاهِبَ بِمَا أَكَلَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ إحْضَارِ الْهِبَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحُمُولَةِ، وَالتَّصْدِيقُ فِي إرَادَةِ الثَّوَابِ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا، وَقِيلَ الْيَمِينُ عِنْدَ إشْكَالِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ فَقَطْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالثَّوَابِ يُعْمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَسْكُوكًا أَوْ كَانَ الْوَاهِبُ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَمَا فِي خَلِيلٍ حَيْثُ لَا عَادَةَ وَإِلَّا عَمِلَ بِهَا لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالشَّرْطِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ هِبَةِ الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ لَا مَنْدُوبَةٌ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّبَا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ عَطِيَّةً لِيُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَذَلِكَ أَنْ يُهْدِيَ هَدِيَّةً لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ وَأَبَاحَهُ اللَّهُ لِسَائِرِ النَّاسِ، وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ إنَّمَا تَجُوزُ لِأُمَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَا لَهُ لِآيَةِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ جَوَازِ قَبُولِهَا وَدَفْعِهَا بَلْ لَكُمْ حُكْمٌ. الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ جَوَازِ الْهِبَةِ لِقَصْدِ الثَّوَابِ جَوَازُ دَفْعِهَا مَعَ شَرْطِ الثَّوَابِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ حَيْثُ رَضِيَ بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ التَّعْيِينُ، وَقَوْلُهُمْ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَفُتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْوَاهِبُ الْقِيمَةَ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُعَيِّنْ الثَّوَابَ وَيَرْضَى بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعْيِينٌ وَإِلَّا صَارَ عَقْدُهَا لَازِمًا، وَقُضِيَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِهِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ هِبَةُ الثَّوَابِ مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِ الْعِوَضِ مَعَ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَهُوَ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا مِنْهُ الثَّوَابُ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ، فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا عَنْ غَيْرِ نَوْعِ الْمَوْهُوبِ، وَيُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَلَا عَكْسَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا عَنْ الْعَيْنِ مِنْ صِنْفِهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَجَّرِ، وَلَا عَنْ الْحَيَوَانِ لَحْمًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسَهُ لِحُرْمَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ وَقَضَائِهِ عَنْهُ، وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرْضًا أَوْ دَنَانِيرَ لَا طَعَامًا وَلَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رِبَا النِّسَاءِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ بَيْنَ الْعَامَّةِ مِنْ رَدِّ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ فَحَرَامٌ، وَمِثْلُهُ قَضَاءُ الدَّرَاهِمِ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ الذَّهَبِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقَعَ قَضَاءُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا بَلْ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ. الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ دَفْعَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبُ قَبُولَ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا طَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُهُ وَأَبَى الْوَاهِبُ مِنْ أَخْذِ أَزِيدَ مِنْ قِيمَةِ هِبَتِهِ، فَأَفْتَى الْقَابِسِيُّ بِجَبْرِ الْوَاهِبِ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَرَادَ صَاحِبُهُ لَقُضِيَ بِتَحْنِيثِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَاتِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا
[ ٢ / ١٥٨ ]
[هبة الوالد جميع ماله لبعض أولاده]
[مبطلات الهبة]
كُلَّهُ.
وَأَمَّا الشَّيْءُ مِنْهُ فَذَلِكَ سَائِغٌ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ أَوْ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْضُهَا.
وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا عَلَى الْوَاهِبِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَابِسِيِّ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى قَبُولِ الزَّائِدِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ مَا يَتَوَقَّعُ الْمَنَّ بِهِ. الْخَامِسُ: هِبَةُ الثَّوَابِ شَبِيهَةٌ بِالْبَيْعِ، وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ قَبْلَ حِيَازَةِ الْهِبَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَوْ مَرَضِ أَوْ فَلَسِ وَاهِبِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا فَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا الَّتِي تَبْطُلُ بِعَدَمِ حِيَازَتِهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ. [هِبَة الْوَالِد جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ هِبَةِ الْوَالِدِ جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِلشَّخْصِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ (أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا (مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَضَى بِشَرْطِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضِ الْوَاهِبِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاقِي الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِمْ مَخَافَةَ مُطَالَبَتِهِمْ بِنَفَقَةٍ وَإِلَّا رُدَّتْ، وَمِثْلُ الْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْكَرَاهَةِ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانُوا ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إنَاثًا فَقَطْ فَلَا كَرَاهَةَ، كَمَا لَا يُكْرَهُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَمِثْلُهَا لَوْ وَقَعَتْ فِي صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ. (وَأَمَّا) هِبَةُ (الشَّيْءِ) الْقَلِيلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَتَتِمُّ بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْأَبِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى هِبَةِ الثَّوَابِ كَمَا مَرَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا وَرَدَ: «أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ نَحَلَهُ أَبُوهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَشْهَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ» وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ لِلْمَشْهُورِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ كَمَالِهَا، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَقَالَ - ﵊ - إنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ كُلُّ مَالِهِ أَوْ جُلُّهُ لِبَعْضِ الْأَوْلَادِ يُؤَدِّي إلَى عُقُوقِ الْبَاقِينَ وَحِرْمَانِهِمْ وَيُؤَدِّي إلَى تَبَاغُضِهِمْ، وَالْمَطْلُوبُ الْحِرْصُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُوَادَّةِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، وَلِذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» . وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الشَّخْصَ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْبَارِّ وَالْعَاقِّ. وَلَمَّا كَانَ عِلَّةُ كَرَاهَةِ هِبَةِ جَمِيعِ أَوْ جُلِّ الْمَالِ مُنْتَفِيَةً فِي الْأَجَانِبِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ (عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ ابْتِغَاءً لِلثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَعَيِّنَ أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَلِأَنَّ الصِّدِّيقَ - ﵁ - تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ - ﵊ -، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - ﵃ -. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ طَيِّبَ النَّفْسِ بَعْدَ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْدَمُ عَلَى الْبَقَاءِ بِلَا مَالٍ، وَأَنَّ مَا يَرْجُوهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمَاثِلًا لِمَا تَصَدَّقَ بِهِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُنْدَبُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْدَبْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إنْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةَ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُكْرَهُ إنْ تَيَقَّنَ الْحَاجَةَ إلَيْهِ لِمَنْ يُنْدَبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ كَحَوَاشِيهِ، لِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَاقِلِ الرَّشِيدِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ إحَاطَةِ دَيْنٍ. الثَّالِثُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ يَمِينٍ وَلَا نَذْرٍ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا سِوَى مَا يَرُدُّهُ دَيْنٌ، بِخِلَافِ مَنْ الْتَزَمَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِهِ بِنَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ حَنِثَ فِيهِ فَيُجْزِيهِ ثُلُثُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَمِثْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ. [مُبْطِلَات الْهِبَة] ثُمَّ شَرَعَ فِي مُبْطِلَاتِ الْهِبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً) لِغَيْرِ ثَوَابِ الدُّنْيَا بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ أَوْ لِلْآخِرَةِ أَوْ لَهُمَا (فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) بَلْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْوَاهِبِ وَلَمْ يَجِدَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا (حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ) أَوْ جُنَّ وَاتَّصَلَ كُلٌّ بِمَوْتِهِ (أَوْ) حَتَّى (أَفْلَسَ) وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدُّيُونِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ حُصُولِ الْمَرَضِ أَوْ الْفَلَسِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُمَا (قَبْضُهَا) لِبُطْلَانِهَا بَعْدَ حَوْزِهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِلَمْ يَجِدَّ فِي الْحَوْزِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ بُطْلَانِهَا بِعَدَمِ الْحَوْزِ مَعَ الْجِدِّ فِي الْحَوْزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهَا بِالْمَرَضِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - نَحَلَ ابْنَتَهُ عَائِشَةَ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ
[ ٢ / ١٥٩ ]