الْبَيَاضُ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ.
وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ.
أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَاكْتَرَيَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (وَهُوَ) أَيْ إلْغَاؤُهُ (أَحَلُّهُ) أَيْ أَحَلُّ لَهُ مَنْ اشْتَرَطَ إدْخَالِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ لِمَا فِي إلْغَائِهِ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، «وَلِأَنَّهُ - ﵊ - إنَّمَا سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى النَّخْلِ خَاصَّةً، وَتَرَكَ لَهُمْ بَيَاضَ النَّخْلِ» فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ هَذَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُلْغِيَ لِلْعَامِلِ إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ. قَالَ شُرَّاحُهُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ يَسِيرًا، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ كَثِيرًا) بِحَيْثُ يَكُونُ كِرَاؤُهُ مُنْفَرِدًا فَوْقَ ثُلُثِ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي) عَقْدِ (مُسَاقَاةِ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْبَيَاضُ لَا بِقَيْدِهِ السَّابِقِ (قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ) حَتَّى يَصِيرَ تَابِعًا فَيَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِلْعَامِلِ كَمَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ لِنَفْسِهِ مَعَ سَقْيِ الْعَامِلِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ، وَيَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِاشْتِرَاطِ رَبِّهِ لَهُ إنْ كَانَ يَنَالُهُ سَقْيُ الْعَامِلِ، كَمَا يَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِإِدْخَالِ الْكَثِيرِ أَوْ اشْتِرَاطِهِ لِلْعَامِلِ أَوْ إلْغَائِهِ لَهُ بَلْ يَبْقَى لِرَبِّهِ.
(٢) (تَتِمَّاتٌ) . الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ قَصَّرَ الْعَامِلُ وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شُرِطَ حُطَّ مِنْ الْجُزْءِ بِنِسْبَتِهِ. مِثَالُهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ السَّقْيَ أَوْ الْحَرْثَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَحَرَثَ أَوْ سَقَى مَرَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَحُطُّ مِنْ الْجُزْءِ ثُلُثَهُ. وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ نَزَلَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ اسْتَغْنَى الْحَائِطُ عَنْ السَّقْيِ فَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ وَيَأْخُذُ الْجُزْءَ جَمِيعَهُ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى سَقِيَّاتٍ فَيَحْصُلُ الْغَيْثُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْحَائِطِ حَتَّى اسْتَغْنَى فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ.
(٣) الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِعَامِلِ الْمُسَاقَاةِ مُسَاقَاةُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً مِنْهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى ضِدِّ الْأَمَانَةِ فَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ مُوجِبَ فِعْلِ الثَّانِي إنْ حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ الضَّمَانِ، بِخِلَافِ وَرَثَةِ الْعَامِلِ فَإِنَّهُمْ مَحْمُولُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ، بِخِلَافِ وَرَثَةِ عَامِلِ الْقِرَاضِ فَإِنَّهُمْ مَحْمُولُونَ عَلَى عَدَمِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ يُمْكِنُ عَدُّهَا وَضَبْطُهَا. الثَّالِثَةُ: إنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً وَجَبَ فَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى فَسَادِهَا إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَيُفْسَخُ أَيْضًا فِي بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ بِسَبَبِ زِيَادَةِ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ فَتَمْضِي بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ فَسَادُهَا لِحُصُولِ غَرَرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَفْسُدُ وَلَا يُخْرِجُهَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ، كَمُسَاقَاةِ حَائِطٍ حَلَّ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ أَوْ حَائِطٍ بَلَغَ، أَوْ أَنَّ الْإِثْمَارَ مَعَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، وَلَا تَبَعِيَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ. [بَاب الْمُزَارَعَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْمُسَاقَاةِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنَّمَا اجْتَزْنَا بِالشُّرُوطِ رِفْقًا بِالْأُمَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْمُزَارَعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ عَلَى عِلَاجِ الزَّرْعِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِعِلَاجِهِ عَمَلُهُ وَبِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِالْآلَةِ فَقَالَ: (وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ) وَفِي الزَّرْعِ ثَوَابٌ جَسِيمٌ، فَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» وَلَعَلَّ الضَّمِيرَ فِي كَانَتْ لِلْأُكَلَةِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَصَدَقَةً بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَتْ، وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى صَارَتْ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَهَذَا عَلَى رِوَايَةٍ كَانَتْ بِالتَّاءِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةٍ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ فَتَكُونُ صَدَقَةٌ مَرْفُوعَةً عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ وَعَقْدُهَا لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْبَذْرِ. قَالَ خَلِيلٌ: لِكُلٍّ فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ إنْ لَمْ يُبْذَرْ، وَإِنَّمَا كَانَ عَقْدُهَا مُنْحَلًّا كَشَرِكَةِ التَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِمَنْعِهَا مُطْلَقًا فَإِنْ حَصَلَ بَذْرٌ لَزِمَتْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ لَمْ يُبْذَرْ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ لُزُومُهَا بِالْبُذُورِ، وَلَوْ لَمْ يَنْضَمَّ لِلْبَذْرِ حَرْثٌ، وَأَمَّا الْحَرْثُ بِدُونِ الْبَذْرِ فَلَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ.
(٤) وَشَرْطُ عَاقِدِهَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاشْتِرَاكِ فِي التِّجَارَةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، فَلَا تَصِحُّ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ وَلَا سَفِيهَيْنِ، وَلَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَرَشِيدٍ.
(٥) وَشَرْطُ صِحَّتِهَا سَلَامَةُ الْأَرْضِ مِنْ كِرَائِهَا بِمَا يُمْنَعُ كِرَاؤُهَا بِهِ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا تُنْبِتُهُ، خَلَا الْخَشَبَ وَالْحَشِيشَ وَالصَّنْدَلَ وَالْعُودَ وَجَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّتْ إنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ وَقَابَلَهَا عَمَلُ بَقَرٍ أَوْ وَعَمَلُ يَدٍ لَا شَيْءَ مِنْ الْبَذْرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: (إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ مِنْهَا جَمِيعًا وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا) عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ (كَانَتْ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ) أَيْ عَمَلُ الْبَقَرِ، وَهُوَ الْحَرْثُ الْمُقَابِلُ لِلْأَرْضِ (عَلَى الْآخَرِ)، وَهَذِهِ لَا شَكَّ فِي جَوَازِهَا، وَقَوْلُنَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فِيهِمَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَفَاضَلَا فِي الزَّرِيعَةِ بِأَنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَيْهَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الثُّلُثَيْنِ فَالْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْعَمَلِ يُقَابِلُ ثُلُثًا مِمَّا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ، وَالْعَمَلُ يُقَابِلُ الْأَرْضَ وَالثُّلُثَ الثَّانِيَ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ صَاحِبُ الْعَمَلِ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ
[ ٢ / ١٢٧ ]
[الصور الممنوعة في المزارعة]
الْأَرْضَ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ.
أَوْ عَلَيْهِمَا، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَا اكْتَرَيَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ، وَعَلَى الْآخَرِ الْعَمَلُ جَازَ إذَا تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ.
وَلَا يُنْقَدُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا عَلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرِيعَةِ، فَالْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلُ مُقَابِلٌ لِلْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فَالْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ يُقَابِلُ الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ الْآخَرُ مَعَ الْعَمَلِ مُقَابِلَانِ لِلْأَرْضِ وَذَلِكَ حَرَامٌ لِوُقُوعِ جُزْءٍ مِنْ الْبَذْرِ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ مِنْهُمَا مِنْ الْبَذْرِ مُتَّفِقَ النَّوْعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا وَالْآخَرُ شَعِيرًا أَوْ فُولًا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي نَوْعِ الْبَذْرِ شَرْطٌ عِنْدَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَ بَذْرُهُمَا لَمْ تَكُنْ مُزَارَعَةً وَلِكُلٍّ مَا خَرَجَ مِنْ بَذْرِهِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ. وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي فِي نَوْعِ الْبَذْرِ. وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ أَيْ بِشَرْطِ مُسَاوَاتِهِ لِأُجْرَةِ الْأَرْضِ فِي الْقِيمَةِ أَوْ مُقَارَبَتِهِ لَهَا، كَأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْعَمَلِ عِشْرُونَ أَوْ عَكْسُهُ، وَأَمَّا لَوْ تَبَاعَدَتْ فَلَا جَوَازَ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرْعِ قَدْرَ مَا أَخْرَجَ، فَالْجَوَازُ. مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً، وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ خَمْسِينَ وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ وَلِرَبِّ الْبَقَرِ وَعَمَلِ الْيَدِ الثُّلُثَ جَازَ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَسَدَ عَقْدُهَا لِأَنَّهُ سَلَفٌ. وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ خَمْسِينَ وَالْبَقَرِ وَعَمَلِ الْيَدِ وَدَخَلَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَسَدَتْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: الْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُسَاوِيًا لِلْمُخْرَجِ، فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخْرَجَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُسَاوَاةِ الْمُنَاصَفَةَ، وَهَذِهِ أَوَّلُ الصُّوَرِ الْجَائِزَةِ. وَالثَّانِيَةُ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا الزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مَا أَخْرَجَ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُمَا قَدْ (اكْتَرَيَا الْأَرْضَ) مِنْ الْغَيْرِ (أَوْ كَانَتْ) أَيْ الْأَرْضُ مُشْتَرَكَةً (بَيْنَهُمَا) إمَّا بِمِلْكٍ أَوْ مَنْفَعَتِهَا وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزَّرِيعَةَ مِنْهُمَا وَالْعَمَلَ مِنْهُمَا، وَالْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْجَوَازُ. [الصُّوَر الْمَمْنُوعَة فِي الْمُزَارَعَة] وَأَشَارَ إلَى الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ بِقَوْلِهِ: (أَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ، وَ) جُعِلَ (الْعَمَلُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ فَلَّاحِي مِصْرَ بِالْمُشَاطَرَةِ. وَوَجْهُ عَدَمِ جَوَازِهَا وُقُوعُ بَعْضِ الْبَذْرِ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَرْضِ، وَيَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ عَلَيْهِ لِمُخْرَجِ الْبَذْرِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَخْرَجَ الْبَذْرَ وَالْعَمَلَ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ فَقَطْ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَعَ الْعَمَلِ مُقَابِلَانِ لِلْأَرْضِ، فَلَمْ تَسْلَمْ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، فَهِيَ صُورَةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ. وَثَالِثُهَا أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (عَلَيْهِمَا) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ (، وَ) الْحَالُ أَنَّ (الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ (لَمْ يَجُزْ) الِاشْتِرَاكُ، وَهَذَا جَوَابُ أَمَّا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عَدَمُ سَلَامَةِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْمُصَنِّفُ حَذَفَ لَمْ يَجُزْ مِمَّا تَقَدَّمَ لِدَلَالَةِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مِنْ صُوَرِ الْجَوَازِ صُورَةٌ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهَا مَعَ صُوَرِ الْجَوَازِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِتَصِيرَ مَسَائِلُ الْجَوَازِ مُجْتَمِعَةً وَصُوَرُ الْمَنْعِ مُجْتَمِعَةً، وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَا اكْتَرَيَا الْأَرْضَ) مِنْ الْغَيْرِ أَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَأَكْرَى شَرِيكُهُ نِصْفَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا. (وَ) دَخَلَا عَلَى أَنَّ (الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ وَعَلَى) الشَّرِيكِ (الْآخَرِ الْعَمَلُ جَازَ ذَلِكَ) الْعَقْدُ (إذَا) تَسَاوَتْ أَوْ (تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مَعَ بَذْرٍ وَعَمَلٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِثَالُ التَّقَارُبِ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبَذْرِ أَوْ الْعَمَلِ أَحَدَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْآخَرِ عَشَرَةً، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ. وَأَمَّا لَوْ دَخَلَا عَلَى التَّفَاوُتِ بِأَنْ جُعِلَ لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْعُولُ لَهُ الثُّلُثَانِ صَاحِبَ الْعَمَلِ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَاحِبَ الْبَذْرِ فَقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مُكَرَّرَةً مَعَ الصُّوَرِ الْجَائِزَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّرِيعَةَ فِي هَذِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا، بِخِلَافِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ السَّلَامَةُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ وَأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْخَارِجِ وَالْمُخْرَجِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي الْمُنَاصَفَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ خَلْطُ الْبَذْرِ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِمَا، وَيَكْفِي خَلْطُهُ، وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَخْلِطَاهُ حَتَّى يَصِلَا إلَى الْفَدَّانِ، وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بَذْرَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ بَذْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ تَمَيَّزَ بِأَنْ بَذَرَ كُلٌّ فِي نَاحِيَةٍ فَلَا تَصِحُّ وَلِكُلٍّ مَا نَبَتَهُ حَبُّهُ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ مُوَافِقٌ
[ ٢ / ١٢٨ ]
فِي كِرَاءِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْمُونَةٍ قَبْلَ أَنْ تُرْوَى.
وَمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَأُجِيحَ بِبَرْدٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَمَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ.
وَلَا جَائِحَةَ فِي.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ سَحْنُونٍ اتِّفَاقُ الْبَذْرَيْنِ فِي النَّوْعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقَعَ عَقْدُهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا إنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا تُفْسَخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْعَمَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِهَا بِالْعَمَلِ فَأَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ فَسَدَتْ وَتَكَافَآ عَمَلًا فَبَيْنَهُمَا وَتَرَادَّا غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ الْعَمَلِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِمِثْلِ نِصْفِ بَذْرِهِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ بِأُجْرَةِ نِصْفِ أَرْضِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَافُؤِ فِي الْعَمَلِ وُقُوعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي قَدْرِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا إذَا انْضَمَّ لِعَمَلِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ بَذْرٍ أَوْ عَمَلِ بَقَرٍ وَبَعْضِ ذَلِكَ. وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْعَمَلُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَقَطْ فَالزَّرْعُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ عَمَلِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، فَشَرْطُ اخْتِصَاصِ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ بِالزَّرْعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ عَمَلِهِ إمَّا بَذْرٌ أَوْ أَرْضٌ، أَوْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْهُمَا وَالْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَنْضَمَّ إلَى عَمَلِ يَدِهِ آلَةٌ مِنْ بَقَرٍ أَوْ مِحْرَاثٍ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا اكْتَرَى شَخْصٌ قِطْعَةَ أَرْضٍ قَبْلَ رَيِّهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى أَنْ (يَنْقُدَ) الْأَجْرَ (فِي كِرَاءِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْمُونَةِ) الرَّيِّ (قَبْلَ أَنْ تُرْوَى) بِالْفِعْلِ كَأَرْضِ الْمَطَرِ وَأَرْضِ الْعَيْنِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُودَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ. وَأَمَّا النَّقْدُ تَطَوُّعًا فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَمَفْهُومُ غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ أَنَّ الْمَأْمُونَةَ كَأَرْضِ النِّيلِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْبَحْرِ الشَّدِيدَةِ الِانْخِفَاضِ، وَكَأَرْضِ الْمَطَرِ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ يَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا عَلَى النَّقْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّرْطِ، كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ كِرَائِهَا، وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا الَّتِي رُوِيَتْ بِالْفِعْلِ أَوْ تَحَقَّقَ رَيُّهَا وَتَمَكَّنَ الْمُكْتَرِي مِنْ زَرْعِهَا فَيَجِبُ نَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ. قَالَ شُرَّاحُهُ: الْمُرَادُ تَحَقُّقُ رَيِّهَا، وَإِنْ لَمْ تُرْوَ بِالْفِعْلِ وَتَمَكَّنَ مِنْ زَرْعِهَا؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالتَّمَكُّنِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ نَقْدِ الْكِرَاءِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطَا تَأْجِيلَ الْكِرَاءِ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ.
(٢) (تَنْبِيهٌ) . بَقِيَ لَنَا مَسْأَلَتَانِ مُتَعَلِّقَتَانِ بِكِرَاءِ الْأَرْضِ، إحْدَاهُمَا: الْأَرْضُ الْمَغْمُورَةُ بِالْمَاءِ وَيَنْدُرُ انْكِشَافُهَا، وَحُكْمُ هَذِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اكْتِرَاؤُهَا عَلَى تَقْدِيرِ انْكِشَافِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا وَلَوْ تَطَوُّعًا. وَثَانِيَتُهُمَا: الْمَغْمُورَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْكِشَافُ الْمَاءِ عَنْهَا عَادَةً لَا يَجُوزُ عَقْدُ كِرَائِهَا حَتَّى تَنْكَشِفَ بِالْفِعْلِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَائِحِ جَمْعُ جَائِحَةٍ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَوْحِ، وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَالْهَلَاكُ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ: الْجَائِحَةُ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ، فَقَوْلُهُ: مِنْ مَعْجُوزٍ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَقَدْرًا مَفْعُولُ أَتْلَفَ وَأَطْلَقَ فِي الْقَدْرِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ شَامِلٌ لِلثِّمَارِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الثُّلُثُ فِي الثِّمَارِ بِخِلَافِ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَالْبُقُولِ فَتُوضَعُ مُطْلَقًا وَلِوَضْعِهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِنْ عَرِيَتْهُ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ مَهْرٍ وَلَا مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ؛ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا فَإِنْ تَنَاهَتْ، وَمَضَى مَا تَقَعُ فِيهِ عَادَةً فَلَا تُوضَعُ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ اُشْتُرِيَتْ مُفْرَدَةً عَنْ أَصْلِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَصْلِهَا ثُمَّ اشْتَرَى أَصْلَهَا قَبْلَهَا أَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا، وَأَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ فِي الثِّمَارِ. فَقَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ) سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ الشِّرَاءُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ تَنَاهِي طِيبِهَا، أَوْ بِيعَتْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ. (فَأُجِيحَ) مَا ذَكَرَ مِنْ الثَّمَرَةِ (بِبَرَدٍ)، وَهُوَ الْحَجَرُ النَّازِلُ مَعَ الْمَطَرِ، وَهُوَ مُحَرَّكُ الرَّاءِ. (أَوْ) أُجِيحَ بِأَكْلِ (جَرَادٍ) جَمْعُ جَرَادَةٍ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَالْبَقَرَةِ، سُمِّيَ جَرَادًا؛ لِأَنَّهُ يَجْرُدُ الْأَرْضَ بِأَكْلِ مَا عَلَيْهَا. (وَ) أُجِيحَ بِسَبَبِ حُلُولِ (جَلِيدٍ)، وَهُوَ النَّدَا السَّاقِطُ مِنْ السَّمَاءِ فَيَجْمُدُ عَلَى الْأَرْضِ. (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ مِنْ رِيحٍ أَوْ دُودٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ سُمُومٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ هِيَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ أَوْ سَارِقٍ خِلَافُ مَحَلِّهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ السَّارِقُ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَتْبَعُهُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ مُعْدَمًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْأَظْهَرُ فِي عَدَمِهِ غَيْرُ مَرْجُوِّ يُسْرِهِ عَنْ قُرْبِ أَنَّهُ جَائِحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَأَشَارَ إلَى شَرْطِ الْوَضْعِ فِي الثَّمَرَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ) أَيْ ثُلُثُ مَكِيلِ الثَّمَرَةِ (فَأَكْثَرَ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ) مَا يَخُصُّ (ذَلِكَ) الْمُجَاحَ (مِنْ الثَّمَنِ) الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ الثَّمَرَةُ وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ مُلَفَّقًا مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ،
[ ٢ / ١٢٩ ]
[حكم شراء العرايا]
الزَّرْعِ وَلَا فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ.
وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الْبُقُولِ، وَإِنْ قَلَّتْ وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَّا قَدْرُ الثُّلُثِ.
وَمَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَقَيَّدْنَا بِتِلْكَ الْمَكِيلَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمَكِيلَةُ لَا الْقِيمَةُ، فَإِذَا كَانَ الْمُجَاحُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الْأَقَلِّ نِصْفَ الثَّمَنِ أَوْ جَمِيعَهُ. وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي، وَإِنْ قَلَّ، بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ قَدْ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ وَقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَوَائِحَ لِتَكَرُّرِهَا يُعَدُّ الْمُشْتَرِي كَالدَّاخِلِ عَلَى ذَلِكَ وَلِنُدُورِ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ. (وَ) مَفْهُومُ قَدْرِ الثُّلُثِ أَنَّ (مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ) أَيْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مُجَوِّزٌ لِذَهَابِ مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ بِأَكْلِ طَيْرٍ أَوْ سُقُوطِ بَعْضِ الثَّمَرَةِ بِرِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ وَالْمَقَاثِي، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ، وَمِنْ عَرِيَّةٍ لَا مَهْرٍ إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ الْمَكِيلَةِ، وَلَوْ مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ وَبَقِيَتْ؛ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا، وَأُفْرِدَتْ أَوْ أُلْحِقَ أَصْلُهَا لَا عَكْسُهُ أَوْ مَعَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ مَا فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» وَفِيهِ أَيْضًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك تَمْرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ تَأْخُذَ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ» وَرُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُصِيبَ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الْوَضْعِيَّةُ» فَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُقَيِّدٌ لِإِطْلَاقِ الَّتِي قَبْلَهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِالثُّلُثِ فِي غَيْرِ مَا ذَهَبَ بِسَبَبِ الْعَطَشِ، وَإِلَّا وُضِعَتْ مُطْلَقًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ بِسَبَبِ الْعَطَشِ، وَإِنْ قَلَّتْ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ لَمَّا كَانَ عَلَى الْبَائِعِ أَشْبَهَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ. الثَّانِي: مِثْلُ ذَهَابِ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ ذَهَابُ ثُلُثِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَتْ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعْيِينُهَا كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّشْبِيهَ فِي مُطْلَقِ الذَّهَابِ لَا بِقَيْدِ الْمَكِيلَةِ، فَإِنْ أَذْهَبَ التَّعْيِيبُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي ثُلُثُ الثَّمَنِ. وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْوَضْعِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَقِيَتْ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا قَالَ: (وَلَا جَائِحَةَ فِي الزَّرْعِ) كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ إلَّا بَعْدَ يُبْسِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، فَتَأْخِيرُهُ مَحْضُ تَفْرِيطٍ مَعَ الْمُشْتَرِي فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ. (وَلَا فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ) وَتَنَاهَى طِيبُهُ وَفَاتَ أَوَانُ قَطْعِهِ عَلَى الْمُعْتَادِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَنَاهَتْ الثَّمَرَةُ فَلَا جَائِحَةَ كَالْقَصَبِ الْحُلْوِ وَيَابِسِ الْحَبِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ زَمَانِ قَطْعِهِ عَلَى الْعَادَةِ مَحْضُ تَفْرِيطٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَلَوْ أَذْهَبَتْ الْجَائِحَةُ جَمِيعَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ لَحُطَّتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ تَأْخِيرِهَا لِتَنَاهِي طِيبِهَا. (تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحُبُوبِ فِي الْأَنْدَرِ لَكِنْ عَلَى تَفْصِيلٍ مُحَصَّلُهُ: إنْ وَقَعَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا صُبْرَةً فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْجَوَازِ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْكَيْلِ أَوْ الْجُزَافِ بِشُرُوطِهِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ نَقْشِهِ وَقَبْلَ دَرْسِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ، وَأَمَّا بَعْدَ دَرْسِهِ وَقَبْلَ تَذْرِيَتِهِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بَيْعُ حِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتِبْنٍ، وَإِنْ بِكَيْلِ وَقْتٍ جُزَافًا لَا مَنْفُوشًا، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي جَوَازِ بَيْعِ الزَّرْعِ قَائِمًا لَكِنْ بِشُرُوطِ الْجُزَافِ، وَيَجُوزُ الْمُبْتَغَى مِنْهُ مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ كَالْبِرْسِيمِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت. وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ التَّحْدِيدِ بِالثُّلُثِ مُخْتَصًّا بِالثِّمَارِ قَالَ: (وَتُوضَعُ) عَنْ الْمُشْتَرِي (جَائِحَةُ الْبُقُولِ، وَإِنْ قَلَّتْ) وَنَقَصَتْ عَنْ الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَاحُ شَيْئًا قَلِيلًا جِدًّا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتُوضَعُ مِنْ الْعَطَشِ، وَإِنْ قَلَّتْ كَالْبُقُولِ تَشْبِيهٌ فِي الْوَضْعِ، وَإِنْ قَلَّتْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْعَطَشِ، وَالْمُرَادُ بِالْبُقُولِ مَا لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَالسَّلْقِ وَالْكُزْبَرَةِ وَالْهُنْدُبَا وَالزَّعْفَرَانِ وَالرِّيحَانِ وَالْقَرَظِ وَوَرَقِ التُّوتِ وَالْبَصَلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُوضَعُ مِنْهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ الثُّلُثِ لِعُسْرِ مَعْرِفَةِ ثُلُثِهَا؛ لِأَنَّهَا تُقْطَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا. (وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَّا قَدْرُ الثُّلُثِ) قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَضْعِهَا مُطْلَقًا وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَكَى هَذَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. (تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ بَيْعِ مَغِيبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُقُولِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَالِ بَيْعِهَا أَنْ يُقْلَعَ مِنْهَا شَيْءٌ وَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِهَا، وَلَكِنْ ذَكَرَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي جَوَازِ بَيْعِ مَغِيبِ الْأَصْلِ رُؤْيَةُ ظَاهِرِهِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ وَرَقِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ. (خَاتِمَةٌ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ) . مِمَّا هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْجَائِحَةِ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، مِنْ ذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ وَرَقَ تُوتٍ لِيُطْعِمَهُ لِدُودِ الْحَرِيرِ فَيَمُوتَ الدُّودُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا لَوْ اكْتَرَى حَمَّامًا أَوْ فُنْدُقًا فِي بَلَدٍ فَخُلِّيَ الْبَلَدُ وَلَوْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّمُ أَوْ يَسْكُنُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لِيَبِيعَهَا فِي بَلَدٍ فَخَرِبَ الْبَلَدُ، أَوْ اشْتَرَى عَلَفًا لِيَبِيعَهُ لِقَافِلَةٍ تَأْتِي مِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ فَعَدَلَتْ عَنْهُ، وَوَجْهُ تَنَزُّلِ مَا ذُكِرَ مَنْزِلَةَ الْجَائِحَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ الْفَسْخُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ أَوْ الْكِرَاءُ. [حُكْمِ شِرَاءِ الْعَرَايَا] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إطْعَامِ الْجَائِحَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ شِرَاءِ الْعَرَايَا جَمْعُ عَرِيَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ
[ ٢ / ١٣٠ ]
أَعْرَى ثَمَرَ نَخَلَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ جِنَانِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إذَا أَزْهَتْ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يُعْطِيهِ ذَلِكَ عِنْدَ الْجِذَاذِ إنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إلَّا بِالْعَيْنِ وَالْعَرْضِ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَرَوْتُهُ أَعْرُوهُ إذَا طَلَبْتُ مَعْرُوفَهُ، فَعَرِيَّةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ بَعْضٌ: هِبَةُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ لِشَخْصٍ يَأْكُلُهَا هُوَ أَوْ عِيَالُهُ فِي عَامٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ثَمَرِ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْرَى) أَيْ وَهَبَ (ثَمَرَ نَخَلَاتٍ) أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا تَيْبَسُ ثَمَرَتُهُ بِالْفِعْلِ إذَا تُرِكَتْ، وَلَا يَكْفِي يُبْسُ نَوْعِهَا وَذَلِكَ كَثَمَرِ نَخْلٍ غَيْرِ مِصْرَ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ، كَذَلِكَ لَا ثَمَرَ مَا ذُكِرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَلَا فِي مَوْزٍ وَلَا رُمَّانٍ وَلَا تُفَّاحٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَيْبَسُ (لِرَجُلٍ) الْمُرَادُ لِشَخْصٍ وَلَوْ امْرَأَةً (مِنْ جِنَانِهِ) أَيْ الْمُعْرِي. وَأَمَّا لَوْ أَعْرَى رَجُلًا ثَمَرَ نَخْلٍ آخَرَ لَكَانَتْ عَرِيَّتُهُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْإِنْسَانِ بِمِلْكِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَجَازَ الْغَيْرُ كَانَ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِإِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، وَلَا يُحْتَرَزُ بِقَوْلِ مِنْ جِنَانِهِ عَنْ عَرِيَّةِ جَمِيعِ ثَمَرِ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَمِنْ شَرْطِيَّةٍ، وَأَعْرَى فِعْلُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا) أَيْ يَجُوزُ لِمُعْرِيهَا شِرَاؤُهَا (بِخِرْصِهَا) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ بِكَيْلِهَا (تَمْرًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ اشْتِرَاءَ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ كَلَوْزٍ لَا كَمَوْزٍ، وَتِلْكَ الرُّخْصَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ رِبَا الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِنَوْعِهَا وَخِرْصِهَا مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ وَرِبَا النَّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ بِخِرْصِهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ عِنْدَ الْجِذَاذِ. وَالْمُزَابَنَةُ، وَهِيَ بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ مِنْ نَوْعِهِ وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْأَخِيرِ الْكَرَاهَةَ، وَمَعْنَى رُخِّصَ أُبِيحَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا جَائِزَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخِرْصِهَا مِنْ الثَّمَرِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي، وَحَدِيثِ سَهْلٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ» إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا، وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (إذَا أَزْهَتْ) أَيْ بَدَا صَلَاحُهَا فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْعَرِيَّةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لِكَوْنِ شِرَائِهَا رُخْصَةً حَتَّى قَالَ الْبَاجِيُّ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَفَسَّرْنَا الزُّهُوَّ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْبَلَحِ الْمُخْتَصِّ بِالزُّهُوِّ الَّذِي هُوَ الِاحْمِرَارُ أَوْ الِاصْفِرَارُ. وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِخِرْصِهَا أَيْ بِكَيْلِهَا بِأَنْ يَقُولَ الْخَارِصُ أَيْ الْحَازِرُ الْعَارِفُ: إذَا جَفَّتْ تَصِيرُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ، فَيُعْطَى الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ مَكِيلَةَ ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْجِذَاذِ، وَإِذَا جُذَّتْ فَوُجِدَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ فِي الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ فِي الثَّانِي، وَقِيلَ إنَّهُ حُكْمٌ مَضَى. وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ خِرْصُهَا مِنْ نَوْعِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الصَّيْحَانِيِّ عَنْ الْبَرْنِيِّ وَلَا الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ، وَأَوْلَى فِي الْمَنْعِ بَيْعُهَا بِعَرَضٍ أَوْ دِرْهَمٍ،، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ (يُعْطِيَهُ) أَيْ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ لِلْمُعْرَى بِالْفَتْحِ (ذَلِكَ) الْخِرْصَ (عِنْدَ الْجِذَاذِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَطْعِ الثَّمَرَةِ. وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ) وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُعْرِي بِالْكَسْرِ (شِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إلَّا بِالْعَيْنِ وَالْعَرَضِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلُّ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْأَكْثَرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِخِرْصِهَا وَالزَّائِدُ يَشْتَرِيهِ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ، وَمَعَهُ لِلْقَدْرِ الْمُرَخَّصِ فِي شِرَائِهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِعَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَرِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْرَاهُ عَرَايَا فِي حَوَائِطَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا إنْ كَانَتْ الْعَرَايَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَكَعَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَشْتَرِي مِنْهَا إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ تَعَدُّدِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ وَاتِّحَادِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ (تَنْبِيهٌ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الْعَرِيَّةِ. وَإِنَّمَا اسْتَوْفَاهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ اشْتِرَاءَ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ إنْ لَفْظَ بِالْعَرِيَّةِ وَبَدَا صَلَاحُهَا وَكَانَ بِخِرْصِهَا وَنَوْعِهَا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَا عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِهَا بَلْ دَخَلَا عَلَى الْوَفَاءِ عِنْدَ الْجِذَاذِ أَوْ سَكَتَا وَلَوْ عَجَّلَ الْخِرْصَ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ لَوْ شَرَطَا التَّعْجِيلَ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ جَذَّهَا رُطَبًا رَدَّ الْمِثْلَ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ، وَأَنْ يَكُونَ الِاشْتِرَاءُ إمَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِدُخُولِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ حَائِطَ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ، أَوْ لِلْمَعْرُوفِ رِفْقًا بِالْمُعْرَى بِالْفَتْحِ بِكِفَايَتِهِ الْحِرَاسَةَ وَالْمُؤْنَةَ. وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُرَخَّصُ فِي شِرَائِهَا، كَمَا لَا يُرَخَّصُ لِغَيْرِ الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ لِمَا عَلِمْت مِنْ اسْتِثْنَائِهَا مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ الْقُرَبِ فَقَالَ.
[ ٢ / ١٣١ ]