اعْلَم أَن الْعَالم الْعلوِي والسفلي كُله مُحدث بعد الْعَدَم شَاهد على نَفسه بالحدوث ولخالقه بالقدم وَذَلِكَ لما يَبْدُو عَلَيْهِ من تَغْيِير الصِّفَات وتعاقب الحركات والسكنات وَغير ذَلِك من الْأُمُور الطارئات وكل مُحدث فَلَا بُد لَهُ من مُحدث أوجده وخالق خلقه إِذْ لَا بُد لكل فعل من فَاعل فَجَمِيع الموجودات من الأَرْض وَالسَّمَاوَات والحيوانات والجمادات من الْجبَال والبحار والأنهار وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار والأزهار والرياح والسحاب والأمطار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وكل صَغِير وكبير فِيهِ آثَار الصَّنْعَة ولطائف الْحِكْمَة وَالتَّدْبِير فَفِي كل شَيْء دَلِيل قَاطع وبرهان سَاطِع على وجود الصَّانِع وَهُوَ الله رب الْعَالمين وخالق الْخلق أَجْمَعِينَ الْملك الْحق الْمُبين الَّذِي احتجب عَن الْأَبْصَار بكبريائه وعلو شَأْنه وَظهر للبصائر بِقُوَّة سُلْطَانه ووضوح برهانه فَمَا أعظم برهَان الله وَمَا أَكثر الدَّلَائِل على الله «أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض» وحسبك الْفطْرَة الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَمَا يُوجد فِي النُّفُوس ضَرُورَة من افتقار الْعُبُودِيَّة وَمَعْرِفَة الربوبية «وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله»