اعْلَم أَن (الْمَلَائِكَة) عباد الله مكرمون عِنْده يعبدونه ويسبحونه ويطيعونه وَلَا يعصونه وَلَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ فَمنهمْ حَملَة الْعَرْش وسكان السَّمَوَات وحفظة على بني آدم وموكلون بالأمطار والنبات والنطف والأرحام والتماس مجَالِس الذّكر وَلَا يُحِيط بعددهم إِلَّا الله وَإِن الله بعث الْأَنْبِيَاء وَأرْسل الرُّسُل مبشرين ومنذرين وَمِنْهُم من سَمَّاهُ الله فِي الْقُرْآن وَمِنْهُم من لم يسمه وأولهم آدم أَبُو الْبشر وَآخرهمْ سيدهم (مُحَمَّد) ﷺ النَّبِي الْأُمِّي خَاتم النَّبِيين وَإِن الله أنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل الْأمين بِالْقُرْآنِ الْمُبين كَمَا أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَأنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى وَأنزل الزبُور على دَاوُود وَأنزل صحفا على غَيرهم من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَقَالَ تَعَالَى «قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ» وَأَن الله أوجب على جَمِيع الْأُمَم بِالدُّخُولِ فِي دين الْإِسْلَام «وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين» وَأَن الله آتى كل نَبِي من الْآيَات مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر وَلما كَانَت رِسَالَة نَبينَا ﷺ أَعم وشريعته ناسخة لما تقدم اقْتضى ذَلِك أَن تكون براهينه أظهر وآياته أبهر وَدَلَائِل صدقه أكبر وَأكْثر مُبَالغَة فِي إِقَامَة الْحجَّة وإيضاحا لسلوك المحجة فَلَقَد أيده الله بأنواع من الْآيَات الباهرة والعلامات الظَّاهِرَة فِيهَا عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب وَمَا أَحْوَاله وأقواله وأفعاله إِلَّا الْعجب العجاب وَلَقَد أحصى لَهُ عُلَمَاؤُنَا رضوَان الله عَلَيْهِم ألف معْجزَة وَهِي ترجع إِلَى خَمْسَة أَنْوَاع (أَحدهَا) الْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أعجز الْإِنْس وَالْجِنّ على الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا وتضمن من الْعُلُوم الالهية وَالْحكم
[ ١٣ ]
الربانية والأسرار الَّتِي كَانَت محجوبة عَنْهَا عقول الْبَريَّة مَا يدل قطعا على أَنه تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم (وَالثَّانِي) مَا ظهر على يَدَيْهِ ﷺ من المعجزات الخوارق للعادات وَهِي كَثِيرَة جدا (وَالثَّالِث) مَا سبق قبله من الْإِعْلَام بِهِ والمبشرات (الرَّابِع) مَا ظهر لسَائِر أمته من الكرامات فَإِنَّهَا دَلِيل على صِحَة دينهم وَصدق متبوعهم ﷺ وَانْظُر ظُهُور دينه فِي الْمَشَارِق والمغارب وَحفظه من التَّغْيِير والتبديل مُنْذُ أَزِيد من سَبْعمِائة عَام يظْهر لَك أَن ذَلِك بِأَمْر سماوي واعتقاد رباني (وَالْخَامِس) مَا وهبه الله من الْأَخْلَاق الْعَظِيمَة وَالشَّمَائِل الْكَرِيمَة الَّتِي لَا يجمعها الله إِلَّا لأحب عباده وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ وحسبك قَوْله سُبْحَانَهُ «وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم» وَاعْلَم أَن معجزاته ﷺ بِالنّظرِ إِلَى نقلهَا تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام (الأول) مَا نقطع بِصِحَّتِهِ فتقوم بِهِ الْحجَّة وَإِن كَانَ وَاحِدًا على انْفِرَاده كالقرآن الْعَظِيم وكانشقاق الْقَمَر لوروده فِي الْقُرْآن وكنبع المَاء من بَين أَصَابِعه ﷺ وتكثير الطَّعَام الْقَلِيل لاشتهار ذَلِك وانتشاره وعدول رُوَاته ووقوعه فِي مشَاهد عَظِيمَة ومحافل كَثِيرَة (الثَّانِي) مَا نقطع بِصِحَّة نَوعه لِكَثْرَة وُقُوعه وَإِن لم نقطع بِصِحَّة آحاده كالأخبار بالغيوب وَإجَابَة الدَّعْوَات فَإِن ذَلِك كثر مِنْهُ ﷺ حَتَّى صَار مَجْمُوعَة مَقْطُوعًا بِهِ (الثَّالِث) مَا نقل نَوعه وأشخاصه نقل الْآحَاد وَلَكِن إِذا جمع إِلَى غَيره أَفَادَ الْقطع بِوُقُوع المعجزات