قال عبد الله بن عبد الحكم: "وكلما كان من ثَمَر (^١) وعنب، أو زيتون، أو حب مما يدخر الناسُ ويأكلونه؛ ففيه الزكاة، فإذا بلغ خمسة أوسق فصاعدًا ففيه العُشْر، إن كان مما تسقيه السماء، أو كان بَعْلًا (^٢)، أو تسقيه العيون، وما كان يسقى بالنضح ففيه نصف العشر" (^٣).
قال الشافعي: ليس في الزيتون زكاة (^٤).
قال عبد الله: "والوسق ستون صاعًا (^٥) بصاع النبي ﷺ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٦).
_________________
(١) الثمر هو: التمر والزبيب والزيتون.
(٢) والبَعْلُ: هو ما شرب بعروقه من الأرض ولم يحتج إلى سقي سماء ولا آلة، وهذا هو المعبر عنه في حديث ابن عمر بقوله أو كان عَثَرِيًّا فقد فسره الخطابي بأنه الذي يمثرب بعروقه من غير سقي. انظر: شرح الزرقاني ٢/ ١٧٢.
(٣) الموطأ ١/ ٢٧٢، التفريع ١/ ٢٩٠، المعونة ١/ ٢٤٦، والأصل في ذلك ما رواه البخاري ١٤١٢ من حديث عبد الله بن عمر ﵄: عن النبي ﷺ قال: فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر.
(٤) كان الشافعي يقول بالعراق: في الزيتون الزكاة، ثم قال بمصر: لا أعلم أن الزكاة تجب في الزيتون، ويقول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: اجتمع على هذه المسألة ثلاثة أنا أخالفهم مالك وابن القاسم وأشهب يقولون إن في الزيت الزكاة، ما اجتمع الناس على حبه فكيف على زيته. انظر: التمهيد ٢٠/ ١٥٣، الحاوي. في فقه الشافعي ٣/ ٢٣٥، المجموع ٥/ ٤٥٢.
(٥) والصاع أربعة أمداد. فيكون خمسة أوسق في الجملة: بمقدار ثلاث مائة صاع، وألف ومائتا مد.
(٦) متفق عليه: وقد تقدم لفظه كاملًا، وهو الذي عليه الجمهور قال به مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
[ ٢٢٦ ]
قال أبو حنيفه: ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير من البقول والخضر وغيرها ففيه العشر إن كان مما تسقيه السماء، فإن كان مما تسقيه الرجال على الأعناق فنصف العشر (^١)، وهو قول معاذ بن جبل بعثه النبي ﷺ إلى اليمن (^٢).
قال عبد الله: "والحبوب التي تجب فيها الزكاة القمح والشعير، والسُّلْت (^٣)، والذره، والدخن، والأرز، والعدس، والجُلْبَان (^٤)، واللوبيا، والجُلْجُلَان (^٥)، وما أشبه ذلك من الحبوب، يؤخذ منه الزكاة بعد أن يحصد ويصير حبًّا، والناس مصدقون فيما دفعوا" (^٦).
قال الشافعي: ليس في الجُلْجُلَان زكاة (^٧).
قال عبد الله: "والترمس والفول والبسيلة بتلك المنزلة" (^٨).
قال الشافعي: ليس في الترمس والبسيلة زكاة (^٩).
قال عبد الله: "والتمر كله صنف واحد والزبيب كله صنف واحد
_________________
(١) الحجة على أهل المدينة ١/ ٤٩٧.
(٢) لم أقف على من نسب هذا القول لمعاذ ﵁.
(٣) السلت: نوع من الشعير أبيض لا قشرة له.
(٤) حب من القطاني.
(٥) السمسم في قشره قبل أن يحصد وقيل: نوع من السمسم وهو الأسود.
(٦) موطأ ١/ ٢٧٢ نقله المصنف من كلام مالك.
(٧) الحاوي ٣/ ٢٤٣.
(٨) التلقين ١/ ٦٦، الكافي ١/ ٣٥٨، الذخيرة ٣/ ٨٠.
(٩) الأم ٢/ ٢٦، المجموع ٥/ ٤٩٨.
[ ٢٢٧ ]
والقِطْنِيَّة (^١) كلها صنف واحد" (^٢).
قال الشافعي: القِطْنِية أصناف كل صنف على حدة، ولا يصير بعضها إلى بعض، ولا شيء فيها حتى يصير في كل صنف منها خمسة أوسق ففيه حينئذ الزكاة (^٣).
قال عبد الله: "والقمح والشعير والسلت صنف، والأرز والجُلْجُلان صنف (^٤). ولا يؤخذ في صدقة الثمر البردي (^٥)، ولا مُصْرَان (^٦)، ولا عَذْق ابن حُنَيْق (^٧)، ويؤخذ وسط العجوة وما أشبهها" (^٨).
قال الشافعي: في الثمر إذا كانت مختلفة فليأخذ من صنف ما يجب عليه (^٩).
قال عبد الله: "ولا تخرص (^١٠) من الثمار إلا النخل والعنب ويخرص
_________________
(١) القطنية: هي القطاني كالعدس والحمص واللوبيا.
(٢) الموطأ ١/ ٢٧٥.
(٣) الأم ٢/ ٢٦، الحاوي ٣/ ٢٤٢، المجموع ٥/ ٥١٢.
(٤) التمهيد ٢٠/ ١٤٩، الكافي ٢/ ٦٥٠، القوانين الفقهية ص ٧٢.
(٥) البردي: نوع من أجود التمور.
(٦) مصران: نوع رديء من التمر.
(٧) نوع رديء من التمر.
(٨) التمهيد ٦/ ٨٨ و٢/ ٣١.
(٩) الأم ٣/ ٦١.
(١٠) الخرص: من خَرَص النخلة والكَرْمة يَخْرُصها خَرْصًا: إذا حَزَرَ ما عليها من الرُّطب تَمْرًا ومن العنب زبيبا فهو من الخَرْص: الظنُّ؛ لأن الحَزْر إنما هو تقدير بظنٍّ والاسم الخِرْص بالكسر، يقال كم خِرْصُ أرضِك؟ وفاعل ذلك الخارِصُ. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٢.
[ ٢٢٨ ]
عليهم حين يطيب، ثم يخلى بينه وبينهم، فإن أصابت الثمرة جائحة (^١) بعد الخرص فلا ضمان عليهم، فإن بقي خمسة أوسق فصاعدًا ففيه الزكاة" (^٢).
قال أبو حنيفة: إنما يحسب تؤخذ الزكاة بعد الجِذَاذ (^٣)، ولا تحسب الجائحة، والجائحة على المشتري (^٤).
قال عبد الله: "فإذا كان الزرع والثمر بين شركاء فلا زكاة على من لم (^٥) تبلغ حصته منهم خمسة أوسق" (^٦).
قال الشافعي: في الخلطاء في الزرع والثمر هم بمنزلة الخلطاء في الماشية، عليهم الزكاة وكذلك الذهب والورق، ولا زكاة في الفاكهة رطبها ويابسها، ولا في البقول، ولا في قصب السكر، ولا جوز، ولا تين، ولا لوز، ولا جِلُّوز، ولا ما أشبهه (^٧).
قال أبو حنيفه الزكاة في ذلك كله في الخضر وغير ذلك (^٨).
قال عبد الله: "ويخرج زكاة الزيتون والجُلْجُلَان وحب الفجل من زيته إذا عصر وما بيع فأرجو أن يكون ذلك من ثمنه واسعًا" (^٩).
_________________
(١) الْجَائِحَة: وهي الآفَةُ التي تُهْلِك الثِّمار والأمْوال وتَسْتَأصِلُها وكلُّ مُصِيبَة عظيمة وفِتْنَة مُبِيرَة: جائحة والجَمْع جوائح. انظر: النهاية ١/ ٨٣٤.
(٢) التفريع ١/ ٢٩٣، الاستذكار ٣/ ٢٢٦، المنتقى ٢/ ١٢١.
(٣) أَيْ بعد الْقَطْع.
(٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٣٥.
(٥) سقط في الأصل حرف "لم".
(٦) المدونة ١/ ٣٨٠، الاستذكار ٣/ ٢٣٢.
(٧) الأم ٢/ ٣٠ الحاوي ٣/ ٢١٣.
(٨) بدائع الصنائع ٢/ ٥٨، الهداية ١/ ١١٠، شرح فتح القدير ٢/ ٢٤٦.
(٩) الموطأ ١/ ٢٧٢، المدونة ١/ ٣٨٤، البيان والتحصيل ١٧/ ٣٠٢، الذخيرة =
[ ٢٢٩ ]
قال الشافعي: ليس في الزيتون، ولا الجُلْجُلَان، ولا حب الفجل زكاة (^١).
قال عبد الله: "وزكاة الفطر (^٢) صاع بصاع النبي ﷺ من الحنطة وغيرها (^٣) عن كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين" (^٤).
قال أبو حنيفة: في زكاة الفطر نصف صاع (^٥).
قال عبد الله: "ويستحب أن يخرجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر، ويخرج إذا طلع الفجر البدوي والقروي" (^٦).
_________________
(١) = ٣/ ٧٥ الفواكه الدواني ٢/ ٧٤٤. وقد سبقت المسألة قريبا.
(٢) الحاوي في فقه الشافعي ٣/ ٢٣٥ - ٣/ ٢٤٣، المجموع ٥/ ٤٩٩، روضة الطالبين ٢/ ٢٣٢.
(٣) وزكاة الفطر هي زكاة الأبدان أو زكاة الرقاب كما سماها العلماء، قال ابن جزي المالكي: وهي فرض في المشهور وفاقًا للشافعي، وقيل: سنة، وقال أبو حنيفة: واجب غير فرض على اصطلاحه. انظر: القوانين الفقهية ص ٧٥. والأصل في زكاة الفطر؛ حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. أخرجه البخاري ١٤٣٢، ومسلم ٩٨٤.
(٤) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب. أخرجه البخاري ١٤٣٥، ومسلم ٩٨٥.
(٥) الاستذكار ٣/ ٢٦٨، الكافي ١/ ٣٢٢، وهو مذهب الشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
(٦) الاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣١، المبسوط ٣/ ٢٠٤.
(٧) الموطأ ١/ ٢٨٣، المدونة ١/ ٣٨٥.
[ ٢٣٠ ]
قال الشافعي: لا بأس أن يخرج زكاة الفطر قبل وقتها (^١)، واحتج في ذلك بابن عمر ﵁: أنه كان يخرج زكاة الفطر قبل ذلك بثلاثة أيام (^٢).
قال عبد الله: "ويؤدي الرجل الحنطة إذا كان يأكل منها، ويؤدي القمح والشعير والتمر والأرز والذرة من كان يأكل منه، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل من يضمن نفقته ويخرج عن مكاتبه ومملوكه غائبهم وحاضرهم إذا كانوا مسلمين" (^٣).
قال أبو حنيفة: ويخرج الرجل الزكاة عن نفسه وعن مماليكه النصارى والمسلمين وعن ولده الصغار، ولا يخرج عن امرأته، ولا عن ولده الكبير يخرجون أولئك عن أنفسهم (^٤).
قال الشافعي: لا يخرج عن مكاتبه، ولا يخرجوا هم عن أنفسهم شيء (^٥).
قال أحمد بن حنبل: لا يخرج عن المكاتب (^٦).
_________________
(١) الحاوي ٣/ ١٦٢، المجموع ٦/ ١٢٧.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٣٤٣ رواية محمد قال: أخبرنا مالك حدثنا نافع أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال محمد ﵀: وبهذا نأخذ، يعجبنا تعجيل زكاة الفطر قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى وهو قول أبي حنيفة ﵀.
(٣) الموطأ ١/ ٢٨٣، المدونة ١/ ٣٨٥، البيان والتحصيل ٢/ ٤٨٥.
(٤) الحجة ١/ ٥١٩ - ٥٢٤، المبسوط ٣/ ١٩٠ - ١٩٩.
(٥) الأم ٢/ ٦٦، الحاوي ٣/ ٣٥٢.
(٦) مسائل الإمام أحمد ص ١٦٨ رواية ابنه عبد الله قال: سألت أبي عن المكاتب الذي لا يزكى عنه مولاه زكاة الفطر قال: هو يزكي عن نفسه، وجاء في مختصر الخرقي ص ٤٨ ما لفظه: وليس عليه في مكاتبه زكاة وعلى المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر.
[ ٢٣١ ]
قال إسحاق: يخرج عنه إذا كان في عياله (^١).
قال عبد الله بن عبد الحكم: "والجزية على رجال أهل الذمة وليس على نسائهم، ولا صبيانهم، ولا عبيدهم، ولا زكاة عليهم في شيء من أموالهم، ولا كرومهم، ولا مواشيهم، ولا شيء من أموالهم" (^٢).
قال أبو حنيفة في النصارى: عليهم الزكاة في أموالهم (^٣) إذا مرَّ بهم العاسر (^٤).
قال أحمد بن حنبل: ليس على نساء أهل الذمة، ولا على صبيانهم في زرعهم وكرومهم ومواشيهم ونخيلهم زكاة، إلا على مواشي أهل تغلب فإنه يضاعف عليهم الصدقة (^٥).
قال عبد الله: "ولا يؤخذ منهم شيء من تجاراتهم ما تجروا في أراضيهم إلا الجزية التي تؤخذ منهم، وإن تجروا من بلد إلى بلد أخذ منهم العشر بعد أن يبيعوا إلا في مكة والمدينة فإنه يخفف عليهم فيهما خاصة بما حملوا من الزيت والحنطة، فيؤخذ منهم نصف العشر إرادة المرفق بالناس، وأن يكثر الحمل إليهم؛ يؤخذ منهم كلما اختلفوا وإن اختلفوا في السنة مرارًا" (^٦).
قال أبو حنيفة: لا يؤخذ منهم إلا في كل حول مرة (^٧).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، المسألة رقم ٦٤٧.
(٢) الموطأ ١/ ٢٧٩، متن الرسالة ص ٦٨، المعونة ١/ ٢٧٣.
(٣) اللباب في شرح الكتاب ١/ ٤٠٤.
(٤) كذا بالأصل.
(٥) مسائل الإمام أحمد لإسحاق الكوسجي ٣/ ١٠٢١.
(٦) الكافي ١/ ٤٨١، الذخيرة ٣/ ٤٥٦، القونين الفقهية ص ٦٧.
(٧) الحجة ١/ ٥٥٠.
[ ٢٣٢ ]
قال عبد الله: "وتجار أهل الحرب يؤخذ منهم العشر كلما قدموا، ولا يزاد عليهم (^١)، وليس قسم الصدقات أثمانًا، وإنما قسمها على وجه الاجتهاد من الولي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة قوية [أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي] (^٢). ويعطى عاملها منها بقدر ما يرى الإمام، وليس الثُمُنِ له فريضة" (^٣).
قال الشافعي: يقسم على ستة أصناف ويطرح الصنفين وهما المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها (^٤).
* * *
_________________
(١) المدونة ١/ ٣٣٢، البيان والتحصيل ٤/ ١٧٨، المعونة ١/ ٢٧٤.
(٢) الموطأ ١/ ٢٦٨.
(٣) الموطأ ١/ ٢٦٨، المعونة ١/ ٢٦٨، التمهيد ١٧/ ٣٨٦. ومما يدل على عدم فرضية إعطاء الثمن لجميع الأصناف المذكورة بالسوية، وأن الأمر متروك للإمام؛ قول حذيفة وابن عباس ﵁: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك. قال أبو عمر ابن عبد البر: لا أعلم لهم مخالفًا من الصحابة، وأجمعوا على أن العامل لا يستحق منها وإنما له بقدر عمالته، فدل على أنها ليست مقسومة على الأصناف بالسوية. انظر: الاستذكار ٣/ ٢٠٧، شرح صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٥٤٧، وشرح الزرقاني على موطأ مالك ٢/ ١٦٩.
(٤) الأم ٢/ ٨٠. قال الشافعي: إذا تولى الرجل قسم الصدقة قسمها على ستة أسهم أسقط منها سهم المؤلفة قلوبهم إلا أن يجدهم في الحال التي وصفت يشخصون لمعونة على أخذ الصدقة فيعطيهم ولا سهم العاملين. وقال في ٢/ ٦٩: وإذا تولاها الرجل فقسمها قسمها على ستة أسهم؛ لأن سهم العاملين والمؤلفة قلوبهم ساقطان ويقسمها على الفقراء والمساكين وفي الرقاب وهم المكاتبون، والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، فأي صنف من هؤلاء لم يعطه وهو يجده فعليه ضمان حقه.
[ ٢٣٣ ]