قال عبد الله: "وليس على الرجل أَن يكاتب عبده إِذا ما سأله، وليس ذلك فرضًا عليه إِنَّما توسعة من الله تعالى على عباده وليس فرضًا عليهم، قال الله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وقال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وإِنَّما هذه توسعة من الله ﷿ على عباده وليس فرضًا عليهم أَن يفعلوه" (^٢).
قال الشَّافِعِي ﵁: إِذا جمع المكاتب الأمانة مع الاكتساب فأحب لسيده ألا يمنعه من الكتابة إِذا سأله ذلك (^٣).
قال عبد الله: "ولا بأس أَن يكاتب الرجل عبده بما شاء من الكتابة يُنَجِّمُهَا (^٤) عليه على ما اصطلحوا عليه، وهوعبد ما بقي عليه من كتابته درهم إِن أداها عتق، وإِن عجز عنها رق (^٥)، ويستحب لمن كاتب أَن يضع
_________________
(١) المكاتب: بضم الميم وفتح التاء اسم مفعول من كاتب، والكتابة والمكاتبة لغة: مأخوذة من كَتَبَ بمعنى أوجب، وألزم. وشرعًا: هو الرقيق الَّذي تم عقد بينه وبين سيده على أَن يدفع له مبلغا من المال نجومًا ليصير حرًّا. معجم لغة الفقهاء ٢/ ٥٣.
(٢) التفريع ٢/ ١٣، المعونة ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٣) الأم ٨/ ٥٣.
(٤) ينجمها: تَنْجيم المكاتَب ونُجوم الكتابة، وهو أَن يقدر عطاؤه في أوقات معلومة مشاهرة. قال ابن الأثير: وأصلُه أَن العرب كانت تَجْعل مَطالِع مَنازل القمر ومَساقِطَها مواقيتَ لِحُلول دُيونِها وغيرها فتقول: إِذا طَلَع النَّجمُ حلَّ عليَك مالي: أي الثُّريَّا وكذلك باقي المنازِل النهاية ٥/ ٥٥.
(٥) البيان والتحصيل ٧/ ٢٧٥.
[ ٣١٧ ]
من آخر كتابته مكاتبة (^١)، وذكر بعض أهل العلم أنَّه تأويل قول الله ﷿: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] (^٢) ".
قال الشَّافِعِي: فإِن لم يضع سيده من الكتابة شيئًا حتَّى مات وقد قبضها من المكاتب حاص المكاتب أهل الدين والوصايا بما له (^٣).
قال عبد الله بن عبد الحكم: "وإِذا كاتب الرجل عبده تبعه ماله ولم يتبعه ولده (^٤)، وأمَّا ولده في كتابته من أمته فهو بمنزلته (^٥) يعتق بعتقه ويرق برقه" (^٦).
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ولا بأس بشراء كتابة المكاتب إِن كانت ذهبًا أو فضة بعوض معجل، فإِذا أعتق، وكان ولاؤه للذي عقد كتابته. وإِن عجز أو مات فهو وماله للذي اشترى كتابته" (^٧).
قال أبو حنيفة: لا يَجُوز شراء كتابة المكاتب (^٨).
وقال الشَّافِعِي مثل قول أبي حنيفة: لا يَجُوز شراء كتابة المكاتب (^٩).
قال عبد الله: "ولا بأس أَن يشترط الرجل على مكاتبه سفرًا أو خدمة
_________________
(١) أي أَن يضع عن المكاتب شيئًا من آخر مكاتبه على قدر ما تطيب به نفسه.
(٢) المعونة ٢/ ٣٨١.
(٣) الحاوي ١٨/ ١٩٠، الإِقناع ١/ ٢٠٨.
(٤) أي: أولاده قبل المكاتبة إِلَّا أَن يشترط ذلك.
(٥) أي الولد غير الأم.
(٦) الموطأ ٢/ ٧٧٥ - ٧٨٨، التفريع ٢/ ١٤، المعونة ٢/ ٣٨٢.
(٧) التفريع ٢/ ١٤، البيان والتحصيل ١٥/ ٢١٠.
(٨) مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٠٧.
(٩) الأم ٨/ ٦٥.
[ ٣١٨ ]
يؤدي ذلك إِليه مع كتابته" (^١).
قال أبو حنيفة: الشرط باطل (^٢).
قال عبد الله: "وإِذا هلك المكاتب وترك ولدًا معه في كتابته وفضل عن كتابته أدِّيتْ كتابته، وكان ما بقي بعد ذلك ميراثًا على فرائض الله (^٣)، ولا شيء للولد إِن كان حرًّا من ميراثه" (^٤).
قال أبو حنيفة: ويرث الولد المكاتب أباهم كما يتوارث الأحرار (^٥).
قال الشَّافِعِي: إِذا مات المكاتب قبل أَن يؤدي نجومه فهو مملوك، وماله لسيده ترك مالًا وولدًا أو لم يترك فهو مملوك (^٦).
قال عبد الله: "ولا يَجُوز لأحد أَن يتحمل الرجل بكتابة عبده (^٧)،
_________________
(١) نقله ابن عبد البر بحروفه، وصرح بذكر ابن عبد الحكم وكتابه المختصر الصغير، وهذه من الفوائد العزيزة، والطريقة الوثيقة في إِثبات نسبة الكتاب لمؤلفه. واللهُ أعلم. انظر: الاستذكار ٧/ ٤٢٠، الكافي ٢/ ٩٨٩.
(٢) مجمع الأنهر ٤/ ٩.
(٣) أي: للذكر مثل حظ الأنثيين.
(٤) الموطأ ٢/ ٧٨٧، المدونة ٢/ ٥٠٦، التفريع ٢/ ١٥، الاستذكار ٧/ ٣٧٧، الذخيرة ١١/ ٣٥٨، شرح الزرقاني ٤/ ١٢٨.
(٥) المبسوط للشيباني ٣/ ٤٥٢، الاختيار لتعليل المختار ٤/ ٤٣، تبيين الحقائق ٥/ ١٧٢، بدائع الصنائع، ٤/ ١٥٥.
(٦) الأم ٨/ ٨٤.
(٧) قال مالك في الموطأ ٢/ ٧٩١: الأمر المجتمع عليه عندنا أَن العبد إِذا كاتبه سيده لم ينبغ لسيده أَن يتحمل له بكتابة عبده أحد إِن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة المسلمين، وذلك أنَّه إِن تحمل رجل لسيد المكاتب بما عليه من كتابته ثمَّ اتبع ذلك سيد المكاتب قبل الَّذي تحمل له أخذ ماله باطلًا لا هو ابتاع المكاتب فيكون ما أخذ منه من ثمن شيء هو له، ولا المكاتب عتق فيكون في ثمن حرمة ثبتت.
[ ٣١٩ ]
وإِذا مات المكاتب وترك ولدًا سعوا في كتابته، ولا يوضع عنهم شيء لموته، فإِن أدوا عتقوا وإِن عجزوا رقوا (^١)، وليس للمكاتب أَن يعتق عبدًا، ولا يتصدق بماله ما دام في حال رقه، وليس لسيده أَن يأخذ من ماله شيئًا ما دام على كتابته (^٢)، ولا بأس بمقاطعة المكاتب سيده يعجله بعض ما كاتبه عليه ويضع عنه بعضه. وإِذا عتق المكاتب فولاؤه لذكور ولد الَّذي كاتبه من الرجال ليس لبناته من ذلك شيء، وليس للمكاتب أَن ينكح، ولا يسافر إِلَّا بإِذن سيده، ومن أوصى لمكاتبه ببعض ما عليه من كتابته وكان ذلك يخرج من ثلثه جاز وذلك موضع في رقبته فيعتق منه بقدر ما خرج ممَّا أوصى له به، وإِذا خرجت الكتابة عتق ذلك، فإِن خرج نصفها عتق نصفها، والمكاتب في جميع أحواله في جراحه وحدوده حال عبد ما بقس عليه من كتابته درهم واحد، وإِن كاتب أمة فولدت بعد كتابتها فولدها بمنزلتها، ولا يطأ الرجل مكاتبته إِلَّا أَن تعجز فتصير أمة (^٣) ".
قال أحمد بن حَنْبَل: لا يطأ الرجل مكاتبته إِلَّا أَن يكون شرط ذلك عليها، فإِن وطئها بغير شرط أدب، ولها عليه العَقْرُ صداق مثلها (^٤).
قال إِسحاق مثل ذلك في المعتق (^٥).
_________________
(١) التفريع ٢/ ١٥ - ١٦، المعونة ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٢) الموطأ ٢/ ٧٨٢، شرح الزرقاني ٤/ ١٢٢.
(٣) المدونة ٢/ ٤٧٦، التلقين ٢/ ٢٠٧، الاستذكار ٧/ ٣٨٨، المنتقى ٤/ ١١٥، شرح الزرقاني ٤/ ١٣١.
(٤) مسائل الإِمام أحمد وإِسحاق المسألة رقم ٣١٦٧، ورقم ٣١٨٦، المغني ١٢/ ٣٨٨.
(٥) مسائل الإِمام أحمد وإِسحاق المسألة رقم ٣١٦٧.
[ ٣٢٠ ]