قال القاضي: الحبس والوقف (^١) صحيح لازم لا يفتقر لزومه إلى حاكم به (^٢) وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزم الوقف ولا يزول (^٣) عن ملك الواقف قبض أو لم يقبض وله الرجوع عنه بالبيع والهبة، ويورث عنه إن مات إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلث (^٤).
فدليلنا فعل رسول الله - ﷺ - (^٥)، وإجماع الصحابة بعده من غير خلاف منهم الأئمة الأربعة وطلحة (^٦) والزبير (^٧) وزيد بن ثابت وعائشة وأبو رافع (^٨)
_________________
(١) الحبس: قال الرصاع: الفقهاء بعضهم يعبر بالحبس وبعضهم يعبر بالوقف، والوقف عندهم أقوى في التحبيس وهما في اللغة لفظان مترادفان يطلق على الإعطاء، وفي الاصطلاح: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا (شرح الرصاع على ابن عرفه: ٤١٠، ٤١١).
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٣، التفريع: ٢/ ٣٠٧، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٦.
(٣) انظر الأم: ٤/ ٥٨، مختصر المزني: ١٣٣، الإقناع: ١١٩.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٧ - ١٣٨، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ١٨٠.
(٥) في قصة عمر بن الخطاب التي سيأتي ذكرها قريبًا.
(٦) طلحة: بن عبد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة اليمني أبو محمَّد المدني، أحد العشرة مشهور استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين وهو ابن ثلاث وستين (تقريب التهذيب: ٢٨٢).
(٧) الزبير: سقط من ق.
(٨) أبو رافع: القبطي مولى رسول الله - ﷺ - اسمه إبراهيم وقيل أسلم أو ثابت أو هرمز مات في أول خلافة عليّ على الصحيح (تقريب التهذيب: ٦٣٩).
[ ٣ / ١٥٩١ ]
وخالد بن الوليد (^١) وابن عمر وغيرهم. (^٢) رضوان الله عليهم، وكذلك قال مالك: هذه صدقات رسول الله - ﷺ - وأصحابه والخلفاء (^٣) معروفة عندنا (^٤)، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال للنبي - ﷺ - إني أصبت أرضا بخيبر وهي من أنفس مال أصبته وإني أريد أن أتصدق بها فقال له - ﷺ -: "حبسن الأرض وسبل الثمرة" (^٥) وفي طريق آخر فتصدق به عمر وكتب هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، على الفقراء وذوي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (^٦)، ففيه أدلة: أحدها قوله - ﷺ - "حبس الأرض" وذلك يقتضي التأبيد وانتفاء الرجوع فيه، والثاني أن عمر استشار رسول الله - ﷺ - في ذلك فأشار عليه به فدل على أنه يلزم وإلا لم يكن قد دله على مراده، والثالث أنه كتب لا يباع ولا يوهب ولا يورث بعد إذنه - ﷺ - فيه لأنه تحبيس أصل على وجه القربة فلم يفتقر إلى حكم حاكم أصله المسجد.
وقولنا أصل (^٧) احترازا من الحيوان والعروض على إحدى الروايتين، ولأنه ضرب من العطية يلزم بعد الوفاة بالوصية فوجب أن يلزم بفعله حال الحياة أصله
_________________
(١) خالد بن الوليد: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي سيف الله، أبو سليمان من كبار الصحابة كان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها من الفتوح إلى أن سنة إحدى أو اثنين وعشرين (تقريب التهذيب: ١٩١).
(٢) انظر البيهقي: ١٠/ ١٦٠١ - ١٦٣، عبد الرزاق: ١٠/ ٣٧٧، كنز العمال: ٦/ ٦٥، المحلي: ٩/ ١٨٠.
(٣) والخلفاء: سقطت من ق.
(٤) ذكره هذا النص الباجي في المنتقي: ٦/ ١٢٢، وابن رشد في المقدمات: ٤١٨٢.
(٥) أخرجه البخاري في الشروط في الوقف: ٣/ ١٨٥، ومسلم في الوصية: ٣/ ١٢٥٥.
(٦) هذا تتمة للحديث السابق.
(٧) في م: أصلًا.
[ ٣ / ١٥٩٢ ]
الهبة والصدقة، ولأنه إزالة ملك على وجه القربة فلم يفتقر إلى حكم حاكم أصله العتق ويزيد (^١) في الفرع إزالة ملك عن منافع الرقبة المحبسة.
فصل [١ - جوز الحبس في المحوز والمشاع]:
ويجوز ذلك في المحوز والمشاع خلافًا لأبي يوسف (^٢) ومحمد (^٣)، لحديث عمر أنه أصاب مائة سهم وذلك يقتضي أنه مشاع، ولأنها عرصة يجوز بيعها فجاز وقفها كالمحوز.
وعنه في حبس غير العقار من الحيوان روايتان (^٤): إحداهما المنع، والأخرى الجواز، ومن أصحابنا من يقول إن حبس الخيل جائز، وإنما الخلاف في غيرها: فوجه المنع أن الأخبار إنما وردت في العقار دون غيره فلم يجز تعديه، ولأن الحبس والوقف إنما يراد للتأبيد والدوام وذلك لا يمكن إلا في العقار فلم يجز في غيره مما يتغير ولا يدوم ألا ترى أن الشفعة لما استحقت لإزالة الضرر على وجه الدوام اختصت بالعقار دون غيره لأن الدوام لا يوجد في غيره غالبًا لسرعة تغيره، ووجه الجواز قوله - ﷺ - "إنكم تظلمون خالدا أنه حبس أذرعه وأعبده في سبيل الله" (^٥) والأذرع الخيل وروي أن أبا معقل (^٦) وقف بعيرًا له فقيل
_________________
(١) في م: نريد.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٦ - ١٣٧، ومختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ١٨١، وفيه أن "وقف المشاع جائز عند أبي يوسف وقال محمَّد لا يجوز.
(٣) محمَّد بن الحسن: ابن فرقد أبو عبد الله الشيباني صاحب أبي حنيفة وناشر فققه، أحد علماء وقضاة الإسلام، ولد بواسط ونشأ بالكوفة ولاه الرشيد القضاء بالرقة ت ١٨٩ هـ (شذرات الذهب: ١/ ٣٢١ وفيات الأعيان: ٤/ ١٨٤).
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٢، التفريع: ٢/ ٣٠٨ - ٣١٠، الكافي: ٥٣٦.
(٥) أخرجه البخاري في الزكاة باب قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب ..﴾: ٢/ ١٤٨. ومسلم في الزكاة باب في تقديم الزكاة ومنعهما: ٢/ ٦٧٦.
(٦) أبو معقل: الأبيدي الأنصاري يقال اسمه الهيثم، صاحبي وهو والد معقل وزوج أم معقل (تقريب التهذيب: ٦٧٤).
[ ٣ / ١٥٩٣ ]
لرسول الله - ﷺ - فلم ينكر وإن أم معقل قالت: يا رسول الله أريد الحج وإنه وقف السبيل فأركبه فقال: "اركبيه، فإن الحج من سبيل الله" (^١)، ولأنه أصل يبقى ويصح الانتفاع به كالعقار.
فصل [٢ - في عدم جواز البيع واستبدال الربع المحبس]:
الربع الموقف أو المحبس حبسا محرمًا لا يجوز بيعه إذا خرب ولا الاستبدال به بوجه (^٢) لأن في بيعه إبطال شرط الواقف وحلا لما عقده وذلك غير جائز، واعتبارًا به إذا لم يخرب، ولأن العمارة تنتقل من مكان إلى مكان فلم يكن في تبقيته إتلاف له لجواز عودة العمارة إليه، ولأن في بيعه إبطالًا لحق من جعل له فيه حق بعد هذا البطن (^٣) ولا سبيل إلى ذلك وجوار بيعه محكي عن ربيعة (^٤) وأظن بعض أصحابنا يذهب إليه ولست أحققه (^٥) في هذا الوقت (^٦).
فصل [٣ - في الفرس المحبس وغيره إذا هرم أو كلب]:
وأما الفرس أو غيره إذا كلب أو حطم أو هرم وخيف عليه العطب فيجوز بيعه عند ابن القاسم ولا يجوز بيعه عند عبد الملك، فوجه قول ابن القاسم إنه إذا لم يبق فيه منفعة في الحال ولا في المترقب في الوجه الذي حبس عليه لم يكن في تبقيته فائدة إلا تعريضه للتلف وذلك غير جائز لأن إضاعة المال منهي عنها
_________________
(١) أخرجه أبو داود في المناسك باب العمرة: ٢/ ٥٠٤، وأخرجه النسائي مختصرًا: ١/ ٣٠٠. وأخرجه ابن ماجه مختصرًا أيضًا في الحج باب العمرة في رمضان: ٢/ ٩٩٦، والحاكم: ١/ ١٨٣، وصححه الألباني في إروائه: ٦/ ٣٣.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٢، التفريع: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨، الكافي: ٤١.
(٣) في م: النظر.
(٤) انظر الكافي: ٥٤١.
(٥) في ق: ونسيت تحققه وفي ر: ولست أتحققه.
(٦) قاله عبد الملك وطائفة من المالكيين (الكافي: ٥٤١).
[ ٣ / ١٥٩٤ ]
ومتى بيع هذا الفرس الذي قد كلب أو دخل العيب قوائمه لم يكن القتال عليه أمكن أن ينتفع به مشتريه في غير ذلك الوجه بأن يطحن (^١) عليه أو يعمل عليه وابتيع بثمنه غيره فكان ذلك أولى من إضاعته، ولأن في تبقيته ومنع بيعه إنما يراد لئلا يبطل شرط الواقف متى بيع وتبقيته تؤول إلى ذلك من غير نفع فكان إبطال الشرط بما يقوم مقامه ويسد بعض (^٢) مسده أولى.
ووجه قول عبد الملك اعتباره بالرباع بعلة أنها عين أبد حبسها فلم يجز بيعها، فإذا ثبت هذا وبيعت على قول مالك وابن القاسم جعل ثمنها في مثلها إن بلغ وإلا أعين به في مثله وانتفع في ذلك الوجه الذي حبس الأصل فيه لأن بدل الشيء يقوم مقامه وهذا كله على قول (^٣) أن حبس الحيوان جائز فأما إذا قال أن حبسه لا يصح فلا معنى لهذا الفرع ويجوز على الإطلاق.
فصل [٤ - الألفاظ التي ينعقد بها الوقف]:
الألفاظ التي ينعقد بها الوقف هي أن يقول وقفت وحبست وتصدقت وما أشبه ذلك مما يفيد معناه (^٤) فأما لفظ الوقف فإنه صريح في التأبيد فإذا قال وقفت هذ الدار وقال هذه الدار وقف كان هذا القدر كافيا في تأبيد (^٥) تحريمها فلا يرجع ملكا أبدًا وإن ضم إلى ذلك أن يقول وقف لا تباع ولا توهب ولا تورث فذلك تأكيد والاقتصار على لفظ الوقف كاف.
وإنما قلنا ذلك لأن مفهوم هذه اللفظة في العرف أنه يقصد بها السبيل وتأبيد حبسها وتمليك منفعتها على الدوام فوجب الحكم بذلك فيها، فأما لفظ الحبس
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٢، التفريع: ٢/ ٣١٠، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٤١.
(٢) بعض: سقطت من م.
(٣) في م قوله.
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٣، التفريع: ٢/ ٣٠٨، الكافي: ٥٣٦، المقدمات: ٢/ ٤١٩.
(٥) في م: تأثير.
[ ٣ / ١٥٩٥ ]
فهو أن يقول داري هذه حبس في وجه كذا أو لا يقول، لكن (^١) إن قال حبس فقط أو قال قد حبستها فإنها تكون حبسًا (^٢) في الوجه الذي جعله فيه وإن لم يذكر له وجهًا بل قال: حبس فقط صرف في وجوه البر والخير، فأما الحكم في تأبيده فينظر فإن لم ينضم إلى ذلك أن يقول: وقف لا تباع ولا توهب أو غير ذلك مما يفيد التأبيد وكانت على معين أو جماعة بأعيانهم غير مجهولين ولا موصوفين مثل أن يقول: حبس على فلان لرجل بعينه أو على قوم بأعيانهم ولم يذكر عقبا ولا نسلًا فقد اختلف قوله في ذلك هل يتأبد أم لا ففي روايتان: (^٣) إحداهما أنه لا يتأبد ويصرف أولًا في الوجه الذي جعله فيه (فإذا زال عاد ملكا له إن كان باقيا أو لورثته إن كان ميتًا، والأخرى أنه يتأبد فيصرف أولا في الوجه الذي جعله) (^٤) فيه فإذا انقرض عاد حبسًا إلى أقرب الناس بالمحبس عليه، فإن لم يكن له قرابة عاد إلى الفقراء والمساكين، فأما إن انضم إلى لفظ الحبس في المعنيين (^٥) بعض ألفاظ (^٦) التأبيد مثل أن يقول حبس وقف أو محرم أو مؤبد أو لا تباع ولا توهب أو جعل إطلاق لفظه في مجهولين أو موصوفين كالفقراء والعلماء أو بني تميم (^٧) أو فلان وعقيبه أو على ولدي وعقبهم ولم يعين ولا ذكر مرجعا فلا يختلف المذهب في هذين الوجهين أنهما يفيدان التأبيد والتحريم، فأما لفظ الصدقة وهو أن يقول هذه الدار صدقه على فلان فإنه على وجهين: أحدهما أن يريد تمليكه الرقبة والآخر أن يريد الحبس فإن أراد المتصدق
_________________
(١) في م: إلا أن كان.
(٢) في ق: حبسها.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٣، التفريع: ٢/ ٣٠٨، الكافي: ٥٣٧ - ٥٣٨.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق وأكمل النقص من ر.
(٥) في ق: في الهيئتين.
(٦) في ق: لفظ.
(٧) بني تميم: سقطت من م.
[ ٣ / ١٥٩٦ ]
تمليك الرقبه جاز وكون ملكا للمتصدق عليه كالهبة، وإن أراد به معنى التحبيس فذلك على وجهين إنك كان على رجل معين أو قوم معينين غير مجهولين ولم يذكر عقبى ففيها روايتان على ما بيناه في لفظ الحبس:
إحداهما أنه لا يتأبد فيصرف أولًا فيمن نص عليه فإذا انقرض ذلك الوجه عادت ملكا، والأخرى أنها تتأبد فتصرف في الوجه الذي جعلت فيه فإذا انقرض عادت إلى الفقراء والمساكين، وأما إن جعلها في قوم مجهولين أو موجودين لا يحاط بعددهم كبني تميم (^١) وبني تغلب (^٢) أو على موصوفين كالعلماء والفقراء أو شرط في المعنيين أعقابهم فإنها تتأبد ولا تكون ملكا وكذلك ذكر ابن عبد الحكم (^٣) عن بعض أصحابنا في هذا إذا قال صدقة على فلان وعقبه ما عاشوا ولم يقل حبسا أنها تكون ملكا لآخر عقيب من رجل أو امرأة ويتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره قال وأكثر أصحابنا يرونة حبسا وهذا الذي قاله ليس بشيء والصحيح أنها تكون حبسا، وأما إذا أطلق لفظ الصدقة ولم يضم إليه ما يقتضي معنى الحبس لا من لفظ التأبيد ولا من صفات المتصدق عليهم فلا يكون معنى الحبس لأنه ظاهر الصدقة تقتضي تمليك الرقبة، وإنما ينصرف إلى الحبس بقرينة تنضم إليه، فأما إن جمع بين لفظ الحبس والصدقة فقال هذه الدار حبس صدقة أو قال حبس فإن ضم إلى ذلك لا تباع ولا توهب أو قال محرمة أو مؤبدة أو وقف فلا يختلف المذهب إنما تتأبد بذلك، وإن لم يقل إلا حبسا
_________________
(١) بنو تميم: نسبة إلى تميم والمنتسب إليها جماعة من الصحابة والتابعين إلى زماننا وهو تميم بن مرة بن ادبن بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (الأنساب للسمعاني: ٣/ ٧٧).
(٢) بنو تغلب: نسبة إلى تغلب وهي قبيلة معروفة وهي تغلب بن وائل بن قاسط ابن ابن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الأنساب للسمعاني: ٣/ ٥٧).
(٣) في م ابن عبدوس والصحيح ما في ق تبعًا لما جاء في المقدمات: ٢/ ٤٢٠.
[ ٣ / ١٥٩٧ ]
صدقة أو صدقة حبسا ولا ذكر مجهولين ولا عقبى فاختلف أصحابنا في تخريج قول مالك فيها: فمنهم من قال إنها على روايتين كقوله حبسا فقط ومنهم من قال على رواية واحدة إنها ترجع حبسا ولا تعود ملكا هذه جملة مما ذكره أصحابنا في ألفاظ الحبس والوقف ونحن نتكلم على تفصيلها.
فصل [٥ - في أن لفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم والتأبيد]:
قد بينا أن لفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم والتأبيد، ووجه قوله في الحبس المطلق على المعنيين أنه يرجع ملكا هو أن مجرد لفظ التحبيس لا يقتضي التأبيد والتحريم لامن لفظه ولا من معناه لأن لفظه مجرد على التحريم ومعناه أن (^١) المنفعة لمن جعلت فقط حبس عليهم لا تخرج عنهم فأما تحريمها بعد انقراضهم لأنه مما لا يستفاد به فإذا كان كذلك وجب عودها ملكا للمحبس (لأنها على أصل ملكه لزوال الحق الذي يتعلق بها فإذا وصفت بالتأبيد والتحريم) (^٢) فقد انضم إلى لفظه ما دل على المراد به فلذلك قلنا أنه مؤبد وكذلك إذا جعل على مجهولين أو موصوفين فإنه يقوم مقام التأبيد والتحريم ويدل على أن المحبس أراد ألا يرجع ملكا لأنه ملك منفعتها لمجهولين لا يحاط بعددهم ولا يعلم انقراضهم وكذلك الموصوفين بصفة لأن ذلك ينتظم الموجودين والمعدومين فدل هذا على أنه قصد بذلك التحريم.
ووجه قوله أنها تكون حبسا محرمة قوله - ﷺ - لعمر ﵁ "حبس الأصل وسبل الثمرة" (^٣) وموضع التعلق منه أن عمر أراد أن يتصدق بالأصل صدقة تبتدأ وهي تمليك رقبته فأشار عليه بأن يحبس أصله ويسبل الثمرة، فدل على أن الأصل يتأبد تحريمه ولو لم يكن كذلك لم يكن الغرض حاصلًا لأنه كان
_________________
(١) في ق لان.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٥٩٢.
[ ٣ / ١٥٩٨ ]
يعود إلى ملكه فيبطل غرضه في التصدق به، ولأن إطلاق القول أن هذا حبس منافعه على التأبيد مستحقه لأنه لم يقيد ذلك بوقت دون وقت فكان الإطلاق مقتضيًا للتأبيد وليس يخرجه عن ذلك بيانه لمن حبست عليه أن يقول حبس على فلان لأن ذلك لا يفيد تقييد الحبس (^١) وإنما يفيد التبدئة فقط، ولأنه لفظ يقتضي التحبيس فوجب أن يستحق التأبيد بإطلاقه أصله لفظ الوقف، ولأن لفظ حبس مطلق فوجب أن يقتضي التحريم أصل إذا كان على مجهولين.
فصل [٦ - في المراد من لفظ الصدقة]:
وأما لفظ الصدقة فإن أراد به وجه الحبس (فقد بينا أن الاختلاف فيه كهو في لفظ الحبس) (^٢) فوجه القول بأنه لا يتأبد أن إيجابه التصدق بالمنفعة (^٣) على زيد أو ولده المعينين أو في وجه كذا لا يوجب التحريم لا من لفظه ولا من معناه وإنما يقتضى تبقيته ما دام الوجه صرف فيه باقيًا فإذا زال عاد إلى ملكه بالأصل، ووجه القول بأنه يوجب التأبيد أن إطلاق لفظ التصدق به يفيد التخلي منه فكان كالوقف.
فصل [٧ - إذا جمع بين اللفظين في الوقف]:
فأما إذا جمع بين اللفظين (^٤) فوجه القول بأنه لا يتأبد أن ذلك مبني علي أن كل واحد بانفراده غير متأبد، فإذا جمعهما لم يتم جمعه بهما التأبيد لأن الجمع بين اللفظين لا يجعل لهما حكمًا يخالف حكم الانفراد، ووجه القول بالتأبيد أن فائدة التأبيد تحريم المحبس وتأبيده كقوله: لا يباع ولا يوهب.
فصل [٨ - إذا جعل الوقف في قوم مجهولين أو موصوفين]:
وإنما قلنا إنه إذا جعله في قوم مجهولين أو موصوفين أن ذلك يكون على
_________________
(١) في ق: الحق.
(٢) ما بين قوسين سقط من م.
(٣) في ق: بالنصف.
(٤) في م: الوصفين.
[ ٣ / ١٥٩٩ ]
التأبيد فلأن غير المحرم إنما يعود إلى المحبس بشرط انقراض المحبس عليهم فإذا صرفه إلى المجهولين علمنا أنه أراد التأبيد بأنه لا يعلم انقراضهم وكذلك الموصوفون لأن ذلك ينتظم المعدوم والموجود وذلك يقتضي تعلق حقهم به ما أمكن وجودهم وكذلك (^١) العقب يقتضى التأبيد إلا أن يكون أصله معينا فإنه بتعيين أصله.
وإنما قلنا إنه إذا قال هذه الدار حبس ولم يعين الوجه الذي تصرف فيه فإنها تصرف في وجوه الخير والبر لأن الحبس والوقف يراد به وجه الله تعالى والقربة إليه وذلك يتعين بتعيينه فإذا لم يعينه كان مطلقا فيها ولم يجز إبطاله لأنه لو صرح بذلك لكان هذا حكمه.
ومن شرط الحبس والوقف أن يخرج من يده في صحته فإن أقام في يده حياته أو إلى مرضه الذي مات فيه فإنه يبطل ويكون ميراثًا إلا أن يكون أخرجه عن يده مدة يسيرة (^٢) فيها ثم أعاده إلى نظره فكان يصرف غلاته في وجوهها ويقوم بها فإن ذلك لا يبطل الحبس.
وإنما قلنا ذلك لحديث أبي بكر ﵁ أنه كان نحل عائشة ﵂ جذاذ عشرين وسقا فلم يقبضه حتى مرض مرضه الذي مات منه فقال لها: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث (^٣)، ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع الإنسان بماله في حياته ويخرجه عن ورثته بعد موته فلا ينفع الحجر عليه شيئًا فأما إن عاد إليه فكان يليه ويصرف غلاته في وجوهها وسلبها (^٤) فإنه لا يبطل لأن التهمة تزول عنه إذا كان أخرجه عنه مدة بينة وأشهر (^٥) أمره،
_________________
(١) في م: ذلك.
(٢) في ق: لأبيهم.
(٣) أخرجه البيهقي: ٦/ ١٧٨.
(٤) في م: ويسبلها.
(٥) في ق: وأشهد.
[ ٣ / ١٦٠٠ ]
ولا حد لهذه المدة إلا ما يعلم في مثله أنه لم يقصد انتفاعه بالمال (^١) حياته وأدوا ورثته عنه، وابن القاسم يحد فيه سنة لأنها مدة وضعت للاختيار كإقامة البكر عند الزوج والعنين وعهدة السنة، وكان شيخنا أبو بكر ﵀ (^٢) يقول: القياس ألا يصح رجوعه إلى يده طالت المده أو قصرت.
وإنما قلنا إنه كان المحبس (^٣) عليه من هو في ولايته فإن قبضه له قبض وكذلك الهبة لأنه ليس من أهل القبض لنفسه والنظر لها فكان قبض وليه قبضا له فلا يجوز أن يمكن ما وقفه على ولده الصغير لأن ذلك ذريعة إلى أن ينتفع بماله حياته ثم يخرجه عن ورثته بعد موته فوحب حسم الباب بمنعه.
فصل [٩ - حكم الحبس المتأبد بانقراض الوجه الذي جعل فيه]:
وإنما قلنا إن المحبس المتأبد إذا انقرض الوجه الذي جعل فيه عاد إلى أقرب الناس بالمحبس لأن الصدقة على الأقارب أولى منها على الأباعد، وقد قال - ﷺ - "لا يقبل الله صدقه وذو رحم محتاج" (^٤)، وقال لأبي طلحة: "اجعلها في الأقربين" (^٥)، وقال - ﷺ - "خير الصدفة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول" (^٦).
فصل [١٠ - الوقف في الصحة وفي المرض]
الوقف في الصحة من رأس المال وفي المرض أو الوصية من الثلث (^٧) لأن
_________________
(١) في م: بالملك.
(٢) ﵀ سقطت من م.
(٣) في ق: الحبس.
(٤) لم أعثر على تخريج هذا الحديث.
(٥) أخرجه البخاري في باب الزكاة على الأقارب: ٢/ ١٢٦، ومسلم في الزكاة باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين: ٢/ ٦٩٤.
(٦) أخرجه البخاري في الوصايا باب تأويل قوله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ ٣/ ١٨٩ مسلم في الزكاة، باب اليد العليا خير من السفلى ٢/ ٧١٧.
(٧) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٤، ٣٤٦، التفريع: ٢/ ٣٠٨، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٧.
[ ٣ / ١٦٠١ ]
الصحيح لا يتعلق عليه حجر (^١) لأحد في ماله ولا الوارث ولا غيره فكانت عطاياه وهباته من رأس المال، والمريض محجور عليه من أجل ورثته فما يفعله موقوف على الثلث بعد موته لأنه ليس له أن يخرج عنهم زيادة على الثلث بعد موته لأن ذلك تقدير ما جعل له، وإنما لم يحكم بتنجيزه من الثلث في الحال لجواز أن يتلف الثلثان الباقيان ويموت هو عن هذا المقدار فقط لأن الاعتبار ما يتركه بعد الموت لا قبله فيؤدي إلى أن يكون الوصايا قد نفذت قبل حصول الثلثين للورثة وذلك غير جائز.
فصل [١١ - في عدم جواز وقف الإنسان على نفسه]:
ووقف الإنسان على نفسه لا يصح (^٢) خلافًا لما يحكى عن أبي يوسف (^٣) لأنه إذا ملك شيئًا بضرب من ضروب الملك لم يملك نقله إلى نفسه بغير ذلك الوجه أصله إذا وهب لنفسه شيئًا من ماله.
فصل [١٢ - حكم من وقف وقفا في مرضه أو وصيته]:
وإن وقف في مرضه أو وصيته شيئًا على ورثته خاصة دون غيرهم لم يصح ذلك وكان ملكا للورثة (^٤) لأن ذلك يجري مجرى الوقف على نفسه ولأنه يوقف (^٥) عليهم ملكهم ويمنع التصرف فيه وذلك غير جائز فيه، وإن وقف على بعضهم لم يجز أيضًا، فإن دخل معهم أجانب نفذ (^٦) الوقف من الثلث وقسم
_________________
(١) في م: حجه.
(٢) انظر مواهب الجليل: ٦/ ٢٤ - ٢٥، حاشية الدسوقي: ٤/ ٨٠.
(٣) انظر مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٤، التفريع: ٢/ ٣٠٨، الكافي: ٥٣٧.
(٥) في متى: ولا يوقف.
(٦) في ق: يعد.
[ ٣ / ١٦٠٢ ]
نصيب الورثة على الشرط الذي شرطه وأخذ الأجانب حقوقهم، وإنما يصح الوقف إذا دخل فيه الأجانب لأنه قد وقفه على من يصح الوقف عليه ولم يرد تفضيل بعض الورثة على بعض.
وإذا وقف على بعض ورثته وعلى أجانب كان ما يصيب الوارث بينه وبين باقي الورثة، ومن مات من الورثة، الذين لم يدخلهم في الوقف قام وارثهم مقامهم لأنه لا يرث عنه جميع حقوق المال التي كانت له فإذا مات الوارث الموقوف له انقطع حق باقي الورثة فيما كان يصيبه خاصة فإذا مات جميع الورثة الموقوف (^١) عليهم انقطع حق باقي الورثة جملة وحصلت بغير الورثة.
فصل [١٣ - إذا حبس على جماعة شيئًا ثم جعله في وجه آخر بعد انقراضهم]:
إذا حبس على جماعة شيئًا ثم جعله في وجه آخر بعد انقراضهم فمات بعضهم: فإن كان ذلك الشيء مما يتجزأ أو ينقسم كالغلة والثمرة وما أشبه ذلك فإن حصة الميت تكون في الوجه الذي جعل فيه بعد انقراضهم ولا يرجع على من بقي من أهل الحبس وإن كان مما لا ينقسم كالعبد يُختدم والدابة تركب ففيها روايتان: إحداهما أنه كالذي ينقسم (ترجع حصة الميت إلى الوجه الذي نفذه) (^٢)، والأخرى أنه ترجع حصة من مات من أهل الوقف على من بقي منهم فإذا انقرض جميعهم صارت إلى الوجه الذي بعدهم (^٣).
وإنما قلنا إنه إذا كان مما يتجزأ وينقسم فإن حصة الميت لا تعود إلى من بقي من أهل الحبس لأن كل واحد منفرد عن حق الآخر لا تعلق به وكان موته في وجوب
_________________
(١) في م: الموقف.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨، التفريع: ٣/ ٣٠٩، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٧ - ٥٣٨.
[ ٣ / ١٦٠٣ ]
عود نصيبه إلى من بعده كموت الجميع، ولأن الحبس لا يورث بالشركة فلو قلنا إن حصة الميت تعود إلى من بقي من غير شرط المحبس لذلك لكان كالميراث، ووجه قوله فيما لم ينقسم أن حصة الميت لا تعود إلا من دمعه (^١) منهم اعتبارًا بما يقسم، وووجه قوله (^٢) إنها تعود إلى من كان معه في الحبس أن الضرر يحصل في ذلك لسوء المشاركة بخلاف المتميز والأول أقيس.
وإن كان الحبس مسكنًا فإنه على وجهين إن حبس عليهم للغلة فعلى ما ذكرناه من المتميز المنقسم وإن كان للسكنى فعلى الخلاف.
إذا أسكن إنسانًا داره إلى مدة معلومة فقد ملك المسكن الانتفاع بتمليك المدة وليس للمالك الرجوع فيه فإن مات (الرجل المحبس عليه فبقيت السكنى إلى المدة لورثته لأنه مات) (^٣) عن حق له يصح الإرث في نوعه فورثه وورثته كما لو كان على معارضة، وتقييده بالنوع احترازا من الوطء، وإن دفع صاحب الدار إليه شيئًا على أن يدع السكنى جاز لأن ذلك ليس بمعاوضة وإنما انتقال من هبه إلى هبه ولأن الأصل الإسكان قربة والقربة قد سومح فيها عما غلظ في المعاوضة كجواز الشركة والتولية في بيع الطعام قبل القبض وكذلك القرض والهبة وبيع المكاتب كتابته بما لا يجوز بيعها من الأجنبي وما أشبه ذلك لحرمة العتاقة وأنه ليس القصد محض المعاوضة وإنما القصد كمال الحرية والرفق بالعبد كذلك ها هنا.
فصل [١٤ - في إطلاق الحبس]:
وإذا أطلق الحبس ولم يشترط تقديما ولا تبدية فإنه يؤثر في الإسكان والقيمة (^٤)
_________________
(١) في ق: بقي.
(٢) ووجه قوله: سقط من م.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م ور: القسمة.
[ ٣ / ١٦٠٤ ]
أهل الحاجة لأن أصل الحبس إنما يقصد به القربة والثواب لسد الخلة ودفع الحاجة لأصل الحبس فيجب أن يكون من اشتد حاجته أدخل في الاستحقاق ممن قل عنه، ولا يخرج من سكن لحدوث من هو أحوج منه لأن الأول سكن بحق فكان أحق بالحيازة والسبق فإن شرط للحبس تقديما أو تبدية كان ما شرطه.
فصل [١٥ - فيمن حبس دارا فسكن بيتا أو شيئًا يسيرًا منها]:
إذا حبس دارا فسكن بيتا صغيرا أو شيئًا يسيرا منها أو دورًا عدة فسكن دارًا منها يسيرة فيما بقي جاز الحبس كله ما يسكن وما لم يسكنه (وإن سكن شيئًا كثيرًا بطل الحبس ما سكنه وما لم يسكنه) (^١)، وقال ابن القاسم يجوز ما لم يسكنه ويبطل ما سكنه ولم يفرق في الموضعين بين القليل والكثير وقيل يبطل الجميع (^٢).
فوجه القول بأنه لا يبطل إذا كان سكنًا يسيرًا هو أن ذلك لا تهمة فيه أن يكون أراد الانتفاع بماله حياته وصرفه عن ورثته بعد موته لأن القدر الذي ينتفع به يسير الخطب كاللبن يشربه من غنم يحبسها أو التمر اليسير يأكله من حائط يحبسه، ولأن سكناه في الغالب لمراعاته وحفظه والنظر في مصالحه.
ووجه القول بأنه ينفذ ما لم يسكن ويبطل ما سكن لأن ما سكن لم يحز عليه فلم ينفذ حبسه عليه، وما لم يسكنه فقد حيز عليه فزالت التهمة فيه فوجب نفوذ الحبس فيه، ووجه منع الجميع أن الحبس إذا كان واحدا بطل جميعه ببطلان بعضه لأن حكمه واحد غير متبعض.
فصل [١٦ - في العمرى]:
العمري (^٣): هبة منافع الدار عمر الرجل مدفوعة إليه وليست بتمليك الرقبة،
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) انظر التفريع: ٣/ ٣١١، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٩.
(٣) العمري: يقال: أعمرته دارا أو أرضا إذا أعطيته إياها وقلت له هي لك عمري أو عمرك فإذا من رجعت إلى (غرر المقالة: ٢٣٠). وعرفها ابن عرفه بقوله: تمليك منفعة حياة المعطي بغير عوض إنشاء (حدود ابن عرفة: ٤١٩).
[ ٣ / ١٦٠٥ ]
وصفتها: أن يقول رجل لرجل: أعمرتك هذه الدار أو أسكنتكها حياتك أو عمرك أو مدة بقائك أو منحتكها أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يفهم منها تمليكه المنافع عمره، وهذا لم يملكه رقبة الشيء وإنما ملكه المنافع فما دام المعطي حيا فالمنافع له بقي المالك أو مات، وإن مات المعطي عادت إلى المالك إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا ميراثا كسائر تركاته وعند الشافعي أن المعمر يملك رقبة الدار إذا (^١) أعمرها.
وإنما قلنا ذلك لأن المعمر لما شرط للمعطي أن تكون له عمره علمنا أنه أراد تمليك الانتفاع لأن تمليك الرقبة لا يصح إلا على التأبيد دون اشتراط العمر لأنه لو قال ملكته هذه الدار عمرك أو حياتك أو ما دمت حيا لم يصح ذلك ولم يملكها فعلم بتوقيته إياها بالمدة أنه أراد السكنى دون الرقبة وهذا إذا قال أعمرتك ولم يذكر العقب، فأما إن قال لك ولعقبك فإنها تكون للمعمر حياته فإذا مات كانت لورثته أبدا ما بقي من عقبه إنسان فإذا انقرض عقبه ولم يبق منهم أحد عادت إلى المالك إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان قد مات على ما بيناه (^٢).
* * *
_________________
(١) في ق: إلى.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٧٥٦، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٤١ - ٥٤٢.
[ ٣ / ١٦٠٦ ]
باب [- في صحة ولزوم عقد الصدقة والهبة من غير قبض]
عقد الصدقة والهبة يصح ويلزم من غير قبض، لكن القبض شرط في نفوذه وتمامه، فإن قال تصدقت عليك بهذا الثوب أو العبد أو الدار أو غير ذلك من الأملاك، أو وهبته لك ولم يرد بالهبة عوض الثواب فقال قد قبلت منك فقد انعقد وليس للواهب ولا للمتصدق الرجوع فيه ويلزمه إقباضه (^١) للموهوب له أو التصدق عليه إذا طالبه ويجبر على ذلك إن امتنع منه، ولا يبطل العقد بتأخير الإقباض فإن مات (^٢) المقبوض له أو المتصدق عليه وهو على المطالبة بالإقباض غير متراخ في ذلك ولا راض بتبقيتها في يد الواهب أو المتصدق لم يبطل بموته ولورثته من المطالبه مثل ما كان له وإن تراخى الموهوب أو المتصدق عليه في المطالبة بالإقباض أو أمكنة قبضها فلم يقبضها حتى مات الواهب أو مرض بطل ولم يكن له شيء (^٣)، وقال أبو حنيفة والشافعي (^٤) لا ينعقد إلا بالقبض وما لم تقبض تكون جائزة غير لازمة (^٥).
وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٦)، وقوله - ﷺ -: "الراجع في
_________________
(١) في م: اقتضاه.
(٢) فإن مات: سقطت من ق وفي ر: وإن مات الموهوب له.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٨ - والتفريع: ٢/ ٣١١، الكافي: ٥٣٢.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٨، الإقناع- للماوردي: ١٢٠.
(٥) في م: تكون جائزا غير لازم.
(٦) سورة المائدة، الآية: ١.
[ ٣ / ١٦٠٧ ]
هبته كالراجع في قيئه" (^١) ولم يفرق بين الرجوع قبل الإقباض أو بعده، ولأنه عقد من العقود فلم يفتقر انعقاده إلى قبض المعقود عليه أصله سائر العقود، ولأنها عطية فلم يفتقر انعقادها إلى قبض كالوصية.
فصل [١ - في حيازة الأب ما وهبه لولده]:
إذا تصدق على ولده الصغير أو وهب له فحيازته له جائزة إذا كان قد ميز الصدقة أو الهبة وأشهد عليها لأنه هو القابض له إذ الصغير ليس ممن يصح قبضه ولا بد من قابض له (^٢)، وإنما شرطنا أن يميز ذلك ويشهد عليه لتثبت له الصدقة أو الهبة بغير قول الأب وإلا تطرق منه الوصية للوارث، وهذا إذا كان مما يمكن أن تعينه والإشهاد عليه، فأما ما لا يمكن ذلك فيه ما لا يتعين كالذهب والفضة والطعام وسائر المكيل والموزون فلا يصح قبض الأب له لأنه لا يمكن الإشهاد على عينه لأنه لا يتميز للشاهد وقت إقامة الشهادة لإمكان أن يكون ما شهد به غير الذي أشهد عليه فإن جعلها على يد أجنبي يكون قابضًا لهم جاز.
قال شيخنا أبو بكر ويجوز أن تكون بيد الأب إذا جعلها في شيء وختم عليها وأشهد عليها لأنها تتميز ويمكن الشهادة عليها فيكون كالعبد والثوب وما يتميز عينه (^٣).
_________________
(١) بهذا اللفظ أخرجه النسائي في الهبة باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده: ٦/ ٢٢٢، وابن ماجه في الهبات باب الرجوع في الهبة: ٢/ ٧٨٧، وهو في الصحيحين بلفظ: "العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه، وقد سبق تخريج هذا الحديث.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٩، التفريع: ٢/ ٣١٢، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٢.
(٣) في ق: به.
[ ٣ / ١٦٠٨ ]
فصل [٢ - في صحة هبة المشاع]:
تصح هبة المشاع كما تصح هبة المقسوم وتجوز من الشريك وغيره فيما تتأتى قيمته وفيما لا تتأتى (^١) (خلافًا لأبي حنيفة (^٢) في قوله إن المشاع الذي يمكن فيه قسمة لا تصح هبته) (^٣) على وجه، ولأن كل مشاع جاز (^٤) بيعه جازت هبته كالمقسوم، ولأن كل عقد صح في المشاع الذي لا ينقسم (صح في الذي ينقسم) (^٥) كالبيع.
فصل [٣ - إذا تصدق على ولده الصغير بجزء مشاع]:
إذا تصدق على ولده الصغير بجزء مشاع من أرض أو دار وأشهد عليه ففيه روايتان: (^٦) إحداهما جواز الصدقة والأخرى بطلانها والهبة مثل الصدقة فوجه الجواز أن العين الموهوب بعضهما مما يتعلق ويمكن الإشهاد عليها فالمشاع منها في حكم المقسوم، ووجه المنع أن نفس الموهوب غير متميز ولا معين فأشبه المنفرد الذي لا يتعين والأول أصح.
فصل [٤ - في أقسام الهبة]:
الهبة (^٧) على ضربين: ضرب منها يقصد بها الثواب والآخر لا يقصد بها الثواب بل يكون على وجه المودة والمحبة وصلة الرحم، فأما الضرب الأول
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٣١٢.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٧٢.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م: كل ما جاز.
(٥) بين قوسين سقط من ق.
(٦) انظر التفريع: ٢/ ٣١٢، الرسالة: ٢٢٩، الكافي: ٥٣٤.
(٧) الهبة: قال ابن عرفه: الهبة لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطي بغير عوض (حدود ابن عرفة: ٤٢١).
[ ٣ / ١٦٠٩ ]
الذي يقصد به المكافأة والعوض فحكمه حكم المعاوضات ويراعى فيه ما يراعى في البيع ولا يفارقه إلا في وجه واحد وهو السكوت عن البدل فيه وعن مقداره فأما ما عدى ذلك من أحكامه فإنه يجري مجرى سائر المعاوضات (^١).
وإنما قلنا إنها جائزة على هذا الوجه لأنها تفعل على وجه المودة، وإيثار المكارمة والمواصلة وإن كان المقصود به المكافآت ففعلها على هذا الوجه له تأثير في التودد والتحبب فكانت في معنى نكاح التفويض في المسامحة بترك ذكر العوض ومقداره، وروي أن النبي - ﷺ - أثاب على اللقحة (^٢) وطلب صاحبها الثواب فلم ينكر (^٣) عليه بل أنكر سخطة الثواب وكان زائدا على القيمة (^٤)، فأما الضرب الآخر الذي لا يقصد به الثواب فلا يستحق عليه ثواب ولا مكافآت لأن الواهب لم يرد ذلك وإنما أراد التمليك بغير عوض.
فصل [٥ - الاختلاف في غرض الهبة]:
فإن اختلفا فادعى الواهب أنه وهب للثواب وقال الموهوب له بل لغيره الثواب فالمرجع في ذلك إلى أحد أمرين: إما إلى شرط إن كان بينهما فإن اعترف به الموهوب له لزمه وإن أنكره فالقول قول الواهب إذا أشكل وتحاكما فيه إن كان يشبه، وإن كان لا يشبه، فالقول قول مدعي الأشبه منهما (^٥).
والقسم الآخر الذي يرجع فيه إليه وهو العرف فينتظر: فإن كانت العادة والعرف أن الواهب يرى أنه يريد الثواب وأن مثله إنما يهب مثل ذلك الموهوب
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٣١٨، ٣٢٧، التفريع: ٢/ ٣١٢، الرسالة: ٢٢٨، الكافي: ٥٢٨.
(٢) اللقحة: بالكسر- الناقة ذات اللبن، وجمعها لقح (المصباح المنير ٥٥٦).
(٣) في ق: فلم يطلب.
(٤) أخرجه الترمذي في المناقب باب مناقب بني ثقيف وبني حنيفة: ٥/ ٦٨٦ وأحمد: ١/ ٢٦٥، وابن حبان والحاكم: ٢/ ٦٢، وقال على شرط مسلم.
(٥) منهما: سقط من م.
[ ٣ / ١٦١٠ ]
لعوض (^١) يناله منه أو مكافئة (^٢) فالقول قوله وذلك مثل هبة الفقير للسلطان والغني (^٣) وما أشبه ذلك فالعادة في هذا أنه يريد منه المكافآت، وأما هبة الغني للفقير والسلطان لأتباعه والرجل يهدي إلى العالم والصالح فالعرف في مثل هذا أنه للمودة لا للثواب.
وأما النظر أو الأمثال فعلى حسب ما يعلم من دلائل الحال وعلى قدر الهبه (^٤) هل يقصد به الثواب أم هي مما يقبح في العرف طلب الثواب في مثلها، وعنه في هبة أحد الزوجين للآخر روايتان: إحداهما أنها تقتضي الثواب لتميز الملكين وإن المعاوضة مطلوبة بينهما، والأخرى أنها لا تقتضي الثواب لأن العرف جار بأن كل واحد يتقرب إلى الآخر بالهدية والهبة ويحب التودد إليه وإحراز الحظوة عند (^٥).
فصل [٦ - في خيار الموهوب له هبة للثواب]:
إذا ثبت ما ذكرناه فمن وهب له شيء للثواب فهو بالخيار إذا قبل الهبة إن شاء أثاب فيها فما زاد وإن شاء ردها، فإن أثاب قيمتها أو زيادة عليها لزم واهبها قبول ذلك ولا مقال له وإن قال: لا أرضى بقيمتها، وإن أثاب دون القيمة فالواهب بالخيار إن شاء قبل الثواب وإن شاء رده وارتجع هبته، فإن فاتت عند الموهوب منه لزمه قيمتها، والفوت مثل الحمل والموت أو العتق أو نقص في البدن، وقد اختلف عنه في زيادة الجسم أو السوق، فعنه فيه
_________________
(١) في م: بغرض.
(٢) في ق: مكافآت.
(٣) في م: الأغنياء.
(٤) في ق: الهدية.
(٥) انظر المدونة: ٤/ ٣٢٤، التفريع: ٢/ ٣١٤، الرسالة: ٢٢٩، الكافي: ٥٣٢.
[ ٣ / ١٦١١ ]
روايتان (^١): إحداهما أنه فوت والأخرى أنه ليس بفوت، ولا تفتقر هبة الثواب إلى حيازة.
فصل [٧ - في دليل أن الموهوب غير بين الإثابة أو الرد]:
وإنما قلنا إن الموهوب غير بين الإثابة أو الرد لأنها معاوضة فلا يلزمه إلا باختياره إذا لم يتعلق بها حق الغير كسائر المعاوضات، وإنما قلنا أنه إذا قبلها لزمه الثواب فلأن الواهب ملكه إياها بشرط العوض إما لفظا أو عرفا فلزمه ما دخل عليه كالبيع، وإنما قلنا إن الثواب ما يتراضيان به اعتبارًا بنكاح التفويض لأنه عقد يشترك فيه العوض وطلب المودة والمواصلة فسومح (^٢) فيه بترك تسمية العوض فكذلك الهبة إذا سكتا عن ذكر العوض فوقف على تراضيهما، وإنما قلنا أنهما إذا لم يتراضيا فالموهوب غير إن شاء أثاب عنها القيمة وإن شاء ردها، وأنه إذا أثاب القيمة لزم الواهب قبولها، اعتبارًا بنكاح التفويض (في تخيير الزوج إذا لم يتراضيا على قرض ببذل صداق مثل الذي هو قيمة البضع أو الطلاق وكذلك في الهبة، وإنما قلنا أنه لا يلزمه إرضاؤه بما يزيد على القيمة اعتبارًا بالتفويض على ما بيناه) (^٣).
وإنما قلنا إنه لا يراعى عرف في مكافآت مثل تلك الهبة خلافًا للشافعي في بعض أقواله (^٤)؛ لأنه لا مدخل للعرف في المكافآت إذ ليس فيها حد يرجع إليه لأن الملك العظيم قد يثيب علي هدية تساوي مائة ألف وقد يثيب عشرة آلاف، وما بينهما وقد كان يخلو الموهوب في نفسه فيزيد في المكافآت عليه وكذلك غيره
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٠، التفريع: ٢/ ٣١٤، الرسالة: ٢٢٩، الكافي: ٥٣٢.
(٢) في م: فسوغ.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) انظر الإقناع: ١٢٠، المهذب: ١/ ٤٥٥.
[ ٣ / ١٦١٢ ]
ممن يكافيء تختلف مكافآته بحسب حلاوة الموهوب في نفسه ومحبته بنفع مهديه (^١) إليه فبطل اعتبار العرف في ذلك.
وإنما قلنا لا يكفي أقل مما يقع عليه الاسم خلافًا للشافعي أيضًا، لأن العرف أن المهدي (^٢) إذا دخل على زيادة على القيمة أو على مقدارها أو يرتجى المواصلة والمكارمة فإن ثاب على هدية قيمتها ألف بعشرة (^٣) دراهم فإنه خلاف العرف الذي عليه دخل فلا يلزمه، وإنما قلنا إنه إذا فاتت لزمته قيمتها لأنه إذا كان ذلك هو الواجب عليه مع بقائها فكذلك فواتها وتأثير الفوت منع ردها فقط، وإنما كان العتق فوتًا لأنه لا يمكن ردها معه ولا فسخه والحمل ينقص قيمتها والموت عدمها.
ووجه قوله في زيادة البدن والسوق أنها فوت واعتباره لتغير النقصان ووجه قوله أنها ليست بفوت أن ردها ممكن من غير ضرر يلحق أحدهما، إنما قلنا: إنها لا تفتقر إلى حيازة لأنها معاوضة كالبيع، ولأن التهمة لا مدخل فيها كدخولها في هبة غير الثواب.
فصل [٨ - في الهبة التي لا يقصد بها ثواب]:
فأما الهبة التي لا يقصد بها ثواب ولا مكافآت فعلى ضربين:
ضرب يراد به المودة والمحبة، وضرب يراد به وجه الله تعالى من صلة الرحم وذلك كهبة الغني للفقير واليتيم فهذا الضرب صدقة فحكمه حكم الصدقة فلا يجوز الرجوع فيه بوجه لا من أب ولا من غيره (^٤)، وإنما قلنا ذلك لأنه أخرجها عن ملكه على وجه القربة إلى الله تعالى وابتغاء وجهه لا لغرض دنيا
_________________
(١) في م: عهدته.
(٢) في ق: الموهوب.
(٣) بعشره: سقطت من ق.
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٣٤٠، التفريع: ٢/ ٣١٣، الرسالة: ٢٢٨، الكافي: ٥٣٢.
[ ٣ / ١٦١٣ ]
فلم يجز له الرجوع فيه، وعلى ذلك دل قوله - ﷺ - لعمر ﵁ لما سأله عن الفرس الذي حمل عليه في سبيل ثم رآه يباع "لا تبتعه ولو باعكه بدرهم ولا تعد في صدقتك" (^١)، وقوله - ﷺ - "إنما الصدقة ليومها" (^٢) يريد يوم القيامة، ومن هذا هبة الغني للفقير والهبة لصلة الرحم وما كان بمثابة ذلك.
وإذا ثبت منع الرجوع فكذلك الانتفاع به لأنه ضرب من الرجوع إلا أن يشرب من ألبان الغنم يسيرًا أو يركب الفرس الذي في سبيل الله أو ما أشبه ذلك مما يقل خطره.
فأما الضرب الآخر وهو الهبة للمودة والمحبة فليس لأحد فيها رجعة إلا للوالدين فيما وهباه لولدهما فلهما اعتصاره ما لم يداين أو يتزوج أو يطأها إن كانت جارية أو يكاتبه إن كان عبدًا أو ينفقه إذا كان مالا أو يختلط بمثله إذا كان دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن أو يبعه فلا يكون للوالد سبيل إلى الارتجاع، وإذا كان الولد أيتامًا فلا عصرة للأم فيما وهبته، وليس لأحد رجوع في هبته إلا للوالدين لامن قريب ولا من أجنبي لا جد ولا غيره من الأقارب (^٣).
فصل [٩ - في منع الواهب من الرجوع في هبته]:
وإنما قلنا إنه ليس للواهب سوى الوالدين الرجوع في هبته خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن لهم ذلك (^٤)، لقوله - ﷺ - " لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها
_________________
(١) أخرجه البخاري في الهبة باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته: ٢/ ١٤٢، ومسلم في الهبات باب كراهية شراء الإنسان ما تصدق به: ٣/ ١٢٣٩.
(٢) لم أعثر عليه
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٣٣٧، التفريع: ٣/ ٣١٣، الرسالة: ٢٢٨.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٨، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٧٥.
[ ٣ / ١٦١٤ ]
كمثل الكلب أكل حتى (^١) شبع قاء ثم عاد في قيئه" (^٢)، ولأنه لا يلي على ماله إلا بتولية، ويحد في وطئه أمته فلا رجوع له في هبته أصله الابن إذا وهب للأب.
فصل [١٠ - جواز رجوع الأب فيما وهب لابنه]:
وإنما قلنا إن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه خلافًا لأبي حنيفة في منعه الرجوع (^٣)، للحديث الذي رويناه، ولحديث النعمان بن بشير أن أباه نحله نحلا وجاء إلى النبي - ﷺ - يشهده فقال: إني نحلت ابني هذا فقال: "أكل ولدك نحلته" قال: لا، قال: "فارجعه" (^٤)، فدل ذلك على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه، ولأنها هبة لمن أضيف هو وماله إلى الواهب في الشرع إضافة الملك فكان له الرجوع فيها بوجه، أصله هبة السيد لعبده، ولأن الأب يختص مع الولد بما لا يوجد في غيره، وله شبهة في ماله ففارق الأجنبي.
وإنما قلنا إن للأم أن تعتصر (^٥) لمشاركتها في قرب الولادة ومباشرتها وإنما منعنا ذلك إذا كان الولد أيتاما لأن الهبة للأيتام يراد بها وجه الله ﷿ كالصدقة، وإنما منعنا الاعتصار بعد التصرف لتعلق حقوق الغير بها، أما إذا داين الولد فإن الغرماء داينوه على المال الذي معه، فلو أجزنا للأب أخذه لكان
_________________
(١) في ق: إذا.
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع باب الرجوع في الهبة: ٢/ ٨٠٩، وابن ماجه في الأحكام باب من أعطى ولده ثم رجع فيه: ٢/ ٧٩٥، والنسائي في الهبة باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده: ٦/ ٢٢٢، والترمذي في البيوع باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة: ٤/ ٣٨٤ وقال حديث حسن صحيح، وأحمد: ٣/ ٢٧ والحاكم: ٢/ ٤٦.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ١٣٩، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ١٧٥.
(٤) أخرجه البخاري في الهبة باب الهبة للولد: ٢/ ١٣٣، ومسلم في الهبات باب كراهية تفضيل بعض الأولاد: ٣/ ١٢٤١.
(٥) الاعتصار: هو الرجوع في الهبة وأخذها قهرًا (الفواكه الدواني: ٢/ ١٧٠).
[ ٣ / ١٦١٥ ]
غرورًا لهم، وكذلك إذا تزوجت الابنة لأن للزوج حق في تبقية مالها بيدها لقوله - ﷺ -: "تنكح المرأة لدينها ومالها" (^١)، وللاتفاق على أنه لا رجوع له في البيع والعتق وكذلك سائر التصرف، فأما اختلاطه بما لا يتميز فجار مجرى إتلافه (^٢) فبطل الرجوع فيه.
فصل [١١ - في كراهة ارتجاع الصدقة بعوض أو هبة]:
يكره أن يبتاع الرجل صدقته ويرتجعها بعوض أو هبة لأنه ضرب من العود فيها (^٣)، ولأن الموهوب له والمتصدق عليه قد يستحيي منه فيسامحه في ثمنها أو يحط عنه ما لا يحط لغيره فيكون رجوعا في ذلك القدر، وفي حديث عمر أنه وجد فرسًا حمل عليه في سبيل الله (^٤) يباع فأراد أن يشتريه فنهاه رسول الله - ﷺ - وقال: "لا تبتعه لو باعكه بدرهم ولا تعد في صدقتك (^٥)، فأما إن مات المتصدق عليه فورثها المتصدق منه فلا بأس لأن ذلك ليس برجوع فيها ولا يتهم بأنه احتال فيه لأن الميراث يدخل في ملكه بغير صنعه، وفي الحديث أن امرأة وهبت لأمها وليدة فماتت الأم فورثتها الأبنه فسألت النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: "أجرت في صدقتك ورد عليك الميراث وليدتك" (^٦)، وإذا ثبت أنه لا يجوز الرجوع في الصدقه فالانتفاع بها ممنوع أيضًا على ما قدمناه (^٧).
فصل [١٢ - في التسوية بين الأولاد في الهبة]:
ويستحب للإنسان أن يساوي بين ولده في الهبة، وأن لا يخص بعضهم بشيء
_________________
(١) سبق تخريج الحديث.
(٢) إتلافه سقطت من م.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٣١٤، الرسالة: ٢٢٩، الكافي: ٥٣٣.
(٤) في م: في السبيل.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبا.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٧٦٠.
(٧) في م: على بيناه.
[ ٣ / ١٦١٦ ]
يفرده عن الآخر إلا ويكون مثله لغيره، فإن أعطي بعضهم سيئًا من ماله جاز وإن أعطاه كل ماله كره ذلك ولم يبطل (^١).
وإنما استحببنا في الجملة أن يسوي بينهم في العطية لقوله - ﷺ - في حديث النعمان بن بشير لما نحله أبوه شيئًا وأراد الشهادة عليه فقال - ﷺ - " أكل ولدك نحلته مثل ما نحلت هذا" قال لا، "فارجعه"، وفي الحديث "أتحب أن يكونوا لك في البر سواء" (^٢) ولأن ذلك يؤدى إلى العقوق وترك البر ويورث الحسد والضغن فوجب كراهيته لذلك، وهذا وهب كل ماله فإذا وهب البعض منه أو الشيء اليسير (^٣) بعينه فذلك جائز لأن أبا بكر الصديق ﵁ وهب لعائشة ﵂ من ماله (^٤)، والفرق بين البعض والكل أن في البعض لا تتولد العدواة والبغضاء لأنه قد ما يصير للولد الباقين إذا كان الموهوب يسيرًا، لا يكون جل ماله ولا قطعة مؤثرة فيه فيجري حينئذ مجرى هبة الكل.
وإنما قلنا إن وهب جميعه نفذ وإن كان مكروها خلافًا لأحمد بن حنبل وغيره في منعه نفوذه (^٥)، لحديث أبي بكر ﵁ واعتبارًا بالأجانب.
فصل [١٣ - جواز التصدق بكل ماله في صحته]:
يجوز أن يتصدق بماله كله في صحته وأن يهبه للظواهر والأخبار والترغيب في الصدقة، ولأن جماعة من الصحابة قد انخلعوا (^٦) من أموالهم (^٧)، وهذا إذا
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٧٥١، التفريع: ٢/ ٤١٥، الرسالة: ٢٣٠، الكافي: ٥٣٠.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) اليسير: سقطت من ق.
(٤) سبق تخريج الأثر.
(٥) انظر مختصر الخرقي: ٧٩، المغني: ٥/ ٦٦٤.
(٦) في م: انخلوا.
(٧) كما تصدق أبو بكر الصديق بجميع ماله.
[ ٣ / ١٦١٧ ]
كان المتصدق له مال يرجع إليه من صناعة أو حرفة فيخلف منها ما لا يرده على نفسه، فأما إن كان لا يرجع إلى ما يقوته أو يقوت عياله إن كان ذا عيال فلا ينبغي له أن يمنع نفسه وعياله، وقد منع - ﷺ - سعدا أن يوصي بماله كله (^١) إبقاء على ورثته، فإبقاء الإنسان على نفسه أولى، وقال تعالى ﴿لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (^٢).
فصل [١٤ - في جواز إخدام عبده لرجل حياته]:
من أخدم رجلا حياته عبده جاز ذلك، وقد اختلف عنه في نفقته على من تكون فعنه فيه روايتان (^٣): إحداهما أنها على مالك رقبته، والأخرى أنها على من جعلت له خدمته، فوجه الأولى من أن النفقة على المالك بالرق وتعلق حق الغير بمنافعه لا يوجب عليه نفقته كما لو أجره، ووجه الثانية أنه يملك منافعه دون سيده فكانت النفقة عليه كالزوجة لما ملك الاستمتاع بها ملك منافعها ولا يلزم عليه الإجارة لأن العوض عنها قد أخد منه والله أعلم.
…
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائر باب رثي - ﷺ - سعد: ٢/ ٨٢، ومسلم في الوصية باب الوصية بالثلث: ٣/ ١٢٥٠.
(٢) سورة القصص الآية: ٧٧.
(٣) انظر المدونة: ٤٣/ ٣٠٤.
[ ٣ / ١٦١٨ ]