الربا (^٢) في المبيعات يكون من وجهين وهما التفاضل والنساء (^٣).
فأما التفاضل فالذي ورد النص به وانعقد الإجماع عليه (^٤): هو في الجنس الواحد من الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح والأصل فيه قوله ﷺ: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" (^٥)، وقوله: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" (^٦)، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا (^٧) بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض" (^٨)، وقال ابن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم (^٩)، وما روي عن ابن عباس في ذلك فقد ثبت رجوعه عنه (^١٠).
_________________
(١) البيع لغة: هو الإخراج، واصطلاحًا قال ابن عرفة: البيع الأعم: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة (انظر: حدود ابن عرفة ص ٢٣٢، والفواكه الدواني: ٢/ ٧٧).
(٢) الربا لغة: هو الزيادة والنماء والعلو (معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤٨٣).
(٣) التفاضل: وهو الزيادة، والنساء: وهو التأخير (الفواكه الدواني: ٢/ ٧٨).
(٤) انظر: المجموع: ٩/ ٤٤٢، نيل الأوطار: ٥/ ١٨٩.
(٥) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا: ٣/ ١٢١٢.
(٦) أخرجه أحمد: ٢/ ٣٧٩، وعزاه الهيثمي إلى الطبراني (مجمع الزوائد: ٤/ ١٠٥).
(٧) تشفهوا: أي تزيدوا، وقد تستعمل في النقص أيضًا (المصباح المنير ص ٣١٧).
(٨) أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الفضة بالفضة: ٣/ ٣٠، ومسلم في المساقاة، باب: الربا: ٣/ ١٢٠٩.
(٩) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٧٩.
(١٠) وقد نقل أنه اختلف في رجوعه (انظر عبد الرزاق: ٨/ ١١٨).
[ ٢ / ٩٥٥ ]
فصل [١ - منع بيع كل جنس بشيء من جنسه]:
وموضوع كل جنس عن ذلك لا يجوز بيعه بشيء من جنسه إلا مثلًا بمثل (^١) خلافًا لمن أجاز أن يستفضل بينهما قيمة الصياغة (^٢)، للظواهر التي ذكرناها، وروي في هذا: أن صائغًا سأل ابن عمر فقال: أصوغ الذهب ثم أبيعه بأكثر من وزنه واستفضل فيه قدر عمل يدي، فنهاه ابن عمر عن ذلك، وقال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وعهدنا إليكم (^٣)، ونحو هذا ما جرى بين أبي الدرداء (^٤) ومعاوية في سقاية الذهب أو الورق (^٥)، وكتاب عمر ﵁ إلى معاوية ﵀: لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل وزنًا بوزن (^٦)، ولأنه ذهب بذهب فأشبه المضروب والمصُوغ بالمصوغ.
فصل [٢ - تحريم التفاضل في المسميات]:
وأما الأربعة المسميات فالأصل فيه (^٧) حديث عبادة (^٨) وغيره أنه ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٩٩ - ١٠٠، التفريع: ٢/ ١٢٥، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) أجازه الحنابلة (انظر: المغني: ٤/ ١١).
(٣) سبق تخريج هذا الخبر قريبًا.
(٤) أبو الدرداء: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، صحابي جليل، أول مشاهده أُحُد، وكان عابدًا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك (تقريب التهذيب ص ٤٣٤).
(٥) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٨٠.
(٦) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٩٢.
(٧) في (م): فيها.
(٨) عبادة بن الصامت: بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار (تقريب التهذيب ص ٢٩٢).
[ ٢ / ٩٥٦ ]
ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (^١)، (ولا خلاف (^٢) في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات) (^٣)، وفي طريق آخر: "البر بالبر مدًّا بمد والشعير بالشعير مدًّا بمد والملح بالملح مدًّا بمد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (^٤) ولا خلاف في تحريم التفاضل في الجنس من هذه المسميات (^٥).
فصل [٣ - في كون التحريم متعلق بمعاني هذه المسميات دون أسمائها]:
التحريم متعلق بمعاني (^٦) هذه المسميات دون أسمائها (^٧) خلافًا لداود ونفاة القياس في قصرهم ذلك عليها دون تعديه إلى الفروع (^٨)، فيتصور الخلاف معهم في الأرز والذرة والدخن والزبيب وغير ذلك مما لم يتناوله النص باسمه: فعندنا فيه الربا وعندهم لا ربا فيه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٩)، والربا الزيادة في اللغة (^١٠)، ونهيه ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل (^١١) فعم، وقوله: "إذا اختلف الجنسان
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: الربا: ٣/ ١٢١٠.
(٢) انظر: الإجماع ص ١١٨، المجموع: ٩/ ٤٤٤، المحلي: ٩/ ٥٠٢، المغني: ٤/ ٤.
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٩١ بإسناد جيد (إرواء الغليل: ٥/ ١٩٦).
(٥) انظر: المراجع التي سبق ذكرها قريبًا.
(٦) معاني: سقطت من (ق).
(٧) انظر في هذا المدونة: ٣/ ٩٩، ١٧٣، التفريع: ٢/ ١٢٥ - ١٢٦، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣٠٣.
(٨) انظر: المحلي: ٩/ ٥٨٨.
(٩) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(١٠) كما سبق تعريفنا له.
(١١) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل: ٣/ ١٢١٤.
[ ٢ / ٩٥٧ ]
فبيعوا كيف شئتم" (^١)، فدل أن اتفاقهما مانع من التفاضل، وفي حديث عبادة أنه ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب .. إلى أن قال: حتى الملح بالملح" (^٢)، فجعل غاية لما ابتدأ به وهو الذهب والفضة والبر، فدل على أن ما بينهما في حكمها، ولأن ذلك مبني على صحة القياس وثبوت التعليل.
فصل [٤ - ثبوت تعليل هذه المسميات وحصر هذه العِلَّة]:
إذا ثبت أن هذه المسميات معللة وأن التحريم يتعلق بمعانيها، فالعِلَّة فيها (^٣) عندنا: أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا هذا حصر أوصاف العلة، ومن أصحابنا من يعبر عنها بالقوت وما يصلحه والمعنى واحد (^٤)، وقال أبو حنيفة العلة الكيل والوزن مع الجنس (^٥)، وقال الشافعي: العلة كونه مطعومًا جنسًا (^٦).
فدلينا: أنه قد ثبت أن نصه ﷺ على البر وما ذكر معه ليفيد به معنى لا يعلم مع عدمه ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الأكل على ما يقوله الشافعي لاكتفى بالنص على واحد منها (^٧)، إذ الأكل متساو في جميعها وليس يختلف عنده، فكان يذكر أصنافه لينبه (^٨) على صنف بما ينص عليه منه، وكذلك لو أراد الكيل بمجرده لكان يكتفي أن ينص على واحد منها (^٩) إذ الكيل متساو في جميعها، وعلى قولنا: لا يعرى نصه على كل واحد منها من فائدة فنصه على البر لينبه به على كل مقتات تعم الحاجة إليه وتقوم الأبدان بتناوله،
_________________
(١) هو جزء من الحديث السابق.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) فيها سقطت من (م).
(٤) انظر: المراجع التي ذكرناها في أول الفصل السابق.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٥، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٣٧.
(٦) انظر: الأم: ٣/ ١٥ - ١٨، مختصر المزني ص ٧٧، الإقناع ص ٩٥.
(٧) في (م): منهما.
(٨) لينبه: سقطت من (م).
(٩) في (م): منهما.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
ونصه على الشعير ليبين مشاركته للبر في ذلك، وإن انفرد بصفة بكونه علفًا وإنه يكون قوتًا حال الاضطرار فنبه على الذرة والدخن وغيرهما، ونصه على التمر (^١) لينبه به على كل حلاوة مدخرة غالبًا لأصل المعاش كالعسل والزبيب والسكر وما في معناه، ونصه على الملح تنبيهًا (^٢) على أن ما يصلح المقتات من المأكولات في حكمها كالأبازير (^٣) وما في معناها فبان صحة ما اخترناه، لأن تنبيهه ﷺ على العلل من أقوى ما يستدل به عليها، ولأنه قال: "حتى الملح"، فجعله غاية بينه وبين ما نص عليه، وإنما هو غاية لأدناه وليس يضاف بالدناءة إلى الأقوات فقط، ولأن الطعم مراعى عندنا (وغير مراعي عندهم، وقد قال النبي - ﷺ -: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (^٤) فوجب اعتبار الطعام ولأن التفاضل يحرم) (^٥) عندنا في قليل المنصوص عليه وكثيره وعندهم لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله فيجوز عندهم الكف من الحنطة بالكفين والعموم يمنعه، وربما سلك في ذلك طريق القياس فقيل: لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، ولأن علتهم فاسدة لأنها ترفع الأصل الذي انتزعت منه وهو عموم الخبر في معنى التفاضل، والعلة إذا عادت لمخالفة أصلها وجب فسادها، ولأن الشيء الواحد إذا كان علمًا على حكم لم يجز أن يكون علمًا على ضده والكيل علم (^٦) على التحليل فلم يكن علة للتحريم، ولأن علتنا أرجح لأن الربا إنما حرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فكان في أغلى المكيلات كما كان في أغلى الموزونات وهو الذهب والفضة.
_________________
(١) في (ق): الثمن.
(٢) في (م): ينبه.
(٣) الأبازير: مفردها بزر وهو كل حب يبذر، وقال ابن فارس: هو شيء من الحبوب (معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٤٦).
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٥) ما بين قوسين سقط من (م).
(٦) في (م): علمًا.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
فصل [٥ - في علة الذهب والفضة]:
فأما علة الذهب والفضة فكونهما أصول الأثمان وقيم المتلفات، وهذه العلة عندنا مقصورة والتعليل بها سائغ؛ لأن قصد التعدي في العلة ليس فيه أكثر من تعذر القياس وذلك لأن يخرجها عن أن تكون علة كما لو نص على كونها علة وعلى منع القياس، ولأن قصرها لا يفيد منع الحمل للفرع عليها، وذلك مستفاد بالتعليل كالتعدي، ولأنه ﷺ لما نص على الذهب والفضة ولم ينص على ما سواهما دل على أنهما مختصان بذلك؛ لأنه ليس مشارك لهما في وضعهما الأخص، ونفرض الكلام في أن الرصاص والنحاس لا ربا فيه فتقول: كل جنس جاز (^١) التفاضل بين مهمله ومعموله، فلا ربا فيه أصله التراب والقصب.
فصل [٦ - ما شارك في علة هذه المسميات يأخذ حكمها]:
إذا ثبت أن العلة في المسميات الأربعة ما ذكرناه، فكل ما شاركها في علتها مشارك لها في حكمهما كالأرز والذرة والدخن والقطنية (^٢) واللحوم والألبان والخلول الأباير وسائر الفواكه المدخرة للقوت والتمر والزبيب والزيتون وسائر ما في معناها، وكذلك العسل والسكر، ولا ربا في تفاح ولا في بطيخ ولا خيار ولا قثاء ولا ما لا يدخر (^٣).
فصل [٧ - تحريم التفاضل في الجنس الواحد دون الجنسين]:
والتفاضل يحرم في الجنس دون الجنسين لقوله ﷺ: "البر
_________________
(١) جاز: سقطت من (ق).
(٢) القطنية: هي كل ما له غلاف كالفول والعدس والحمص وغيرها (الفواكه الدواني: ١/ ٣٣٦).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ١٧٧ - ١٧٩، التفريع: ٢/ ١٢٦، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣١٢.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
بالبر والشعير بالشعير (^١) والتمر بالتمر والملح بالملح" (^٢)، فقصر التحريم على الجنس بجنسه، وقال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (^٣) وهذا نص.
فصل [٨ - الربا في الجنس الواحد]:
والحنطة والشعير والسلت في حكم الواحد لا يجوز التفاضل في بيع بعضها ببعض (^٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنها أجناس (^٥)، لقوله: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (^٦)، ولأنهما متقاربة في المنبت والمحصد وأن أحدهما لا يكاد ينفك، فكان كالعلس (^٧) مع الحنطة.
فصل [٩ - ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد]:
وكل ما تجمع أنواعه في الزكاة فإنه صنف واحد في البيوع، فالتمر وألوانه صنف، وكذلك الزبيب وأنواعه، والقشمش وأنواعه، وقد بينا الاختلاف في القطنية في الزكاة، وأما الأرز والدخن والذرة فكل واحد صنف على حدته.
فصل [١٠ - الربا في اللحم]:
اللحم منه الربا لأنه مقتات، واللحوم على ثلاثة أنواع فلحوم الأنعام
_________________
(١) بالشعير: سقطت من (م).
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ١٧٧ - ١٧٨، التفريع: ٢/ ١٢٦، الرسالة ص ٢١٠ - ٢١١، الكافي ص ٣٠٩ - ٣١٠.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٦، مختصر المزني ص ٧٧.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٧) العَلَس -بفتحتين-: ضرب من الحنطة يكون في القشرة منه حبتان، وقد تكون واحدة أو ثلاث، وقال بعضهم: هو حبة سوداء تؤكل في الجدب، وقيل: هو مثل البر إلا أنه عسر الاستنقاء، وقيل: هو العدس (المصباح المنير ص ٤٢٥).
[ ٢ / ٩٦١ ]
والوحش صنف، ولحوم الطير صنف وحشيّه وإنسيّه، ولحوم دواب الماء صنف، وقال بعض أصحابنا: والجراد صنف رابع (^١)، وقال أبو حنيفة: هي أجناس مختلفة باختلاف الحيوان (^٢)، وقال الشافعي في بعض أقاويله: إنها صنف واحد (^٣)، فالخلاف مع أبي حنيفة في بيع لحم البقر بلحم الغنم متفاضلًا فمنعناه وجوزه.
ودليلنا قوله ﷺ: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (^٤)، ولأنه لحم حيوان من بهيمة الأنعام، فلم يجز بيعه بلحم شيء من الحيوان المشارك له في هذا الوصف متفاضلًا أصله إذا كان من نوعه لحم الغنم بلحم الغنم متفاضلًا، ولأن الأغراض متقاربة فيهما وتؤكل على حد متقارب غير متباين.
فصل [١١ - وجه جواز التفاضل بين لحم البقر ولحم الطير والسمك]:
والخلاف مع الشافعي في جواز لحم البقر بلحم الطير والسمك متفاضلًا فجوزناه ومنعه (^٥)، ودليلنا قوله ﷺ: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (^٦)، والجنسية ها هنا المراد بها الأغراض والمنافع وقد ثبت أن لحم السمك ليس من جنس لحم الإبل؛ لأنهما لا يتفقان في منفعة ولا في غرض ولا يؤكل كل واحد منهما (^٧) على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، ولأن السمك طعام لا يحتاج إلى ذكاة، فجاز بيعه بلحم الطير متفاضلًا أصله اللبن.
_________________
(١) انظر: المدونة: ٢/ ١٧٨، التفريع: ٢/ ١٢٦ - ١٢٧، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٦، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ١/ ٤١.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ٢٥ - ٢٦، مختصر المزني ص ٧٨.
(٤) سبق تخريج هذا الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٥) في (م): منعوا.
(٦) سبق تخريج هذا الحديث في الصفحة (٩٥٧).
(٧) في (م): أحدهما.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
فصل [١٢ - في بيع الشحم والكبد والفؤاد والطحال وغيرها بشيء من اللحم]:
والشحم والكبد والفؤاد والطحال والحلقوم والخصي وما جرى مجرى ذلك له حكم اللحم فلا يجوز بيع شيء منه بلحم متفاضل (^١) خلافًا لمن أجازه في بعض ذلك وفي جميعه (^٢) لأنه نوع مأكول من جسد الشاة كاللحم، ولأن جميع جسد الشاة قد أجري مجرى واحدًا ولم يخرجه اختلاف أسمائه وأحواله من كونه لحمًا لاتفاقهم على منع التفاضل بين الكرش والكبد واللحم، فكذلك الشحم وغيره.
فصل [١٣ - في بيع الماء بالطعام]:
والماء لا ربا فيه على ظاهر المذهب، وروى ابن نافع عن مالك: منع بيعه الطعام إلى أجل، قال أصحابنا: يجيء على هذا أن يحرم بيعه قبل قبضه، وإنما (^٣) يحرم التفاضل في جنسه (^٤)، فوجه نفي الربا عنه أن التفاضل إنما يحرم حراسة للأموال وحفظًا لها، فلذلك قضي على ما تمس الحاجة إليه من المأكولات دون غيره والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافيًا لموضوع المقصود بالربا، ووجه إثباته أنه في معنى القوت لأن الحاجة إليه أمس منها إلى الخبز إذ غير الخبز يقوم مقامه والماء لا يقوم غيره مقامه، فكان تحريم التفاضل فيه أولى.
…
_________________
(١) في (م): متفاضلًا.
(٢) جوزه الحنابلة (المغني: ٤/ ٣٤).
(٣) في (ق): إن.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٥.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
باب: [في بيع المزانبة]
بيع المزابنة (^١) ممنوع (^٢) لنهيه ﷺ عن بيع المزابنة (^٣)، وحصر هذا الباب (^٤): بيع معلوم بمجهول من جنسه أو مجهول بمجهول من جنسه، فمن المعلوم بالمجهول من جنسه بيع التمر بالرطب والزبيب بالعنب واللحم بالحي المأكول من جنسه لا يصلح إلا للحم كالمعلوف والكسير والمشوي بالطري النيئ، والمالح والقديد بالطري من الحيتان وغيرها، الجنس بجنسه والحنطة المبلولة باليابسة وبالمبلولة إلا أن يكون البلل واحدًا، ومنع بيع الدقيق بالعجين والحنطة بالعجين، ولا بأس الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب (^٥) متماثلًا عند مالك ومنعه عبد الملك وكذلك التمر العتيق بالحديث، واختلفه في الحنطة بالدقيق ولا بأس بالحنطة بالسويق والدقيق بالخبز متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك العجين بالخبز، ولا بأس باللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا ومتماثلًا، وكذلك التمر والرطب (^٦) بخلهما ولا بأس: اللبن باللبن حال رطوبتهما (^٧).
_________________
(١) المزابنة: أصل المزابنة المدافعة يقال: زابنه إذا دافعه (غرر المقالة ص ٢٢٠).
(٢) انظر: التفريع: ٢/ ١٦٥، الرسالة ص ٢١٥، الكافي ص ٣١٣ - ٣١٤.
(٣) أخرجه البخاري في المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر: ٣/ ٨١، ومسلم في البيوع، باب: النهي عن المحاقلة والمزابنة: ٣/ ١١٧٤.
(٤) في (م): حصرها.
(٥) في (ق): ولا بأس الدقق بالدقيق ولا بأس الرطب بالرطب.
(٦) في (م): والرطب بالتمر.
(٧) انظر في جملة هذه الأحكام المدونة: ٣/ ١٧٣ - ١٧٩، التفريع: ٢/ ١٢٦، ١٢٩، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣٠٩ - ٣١٤.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
فصل [١ - دليل منع بيع الرطب بالتمر]:
وإنما منعنا بيع الرطب بالتمر خلافًا لأبي حنيفة (^١) لقوله ﷺ وسئل عن ذلك فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم، قال: "فلا إذا" (^٢)، وروي: "فنهى عنه"، وروي: "لا تبايعوا الرطب بالرطب" (^٣) وروي ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ -: "نهى عن المزابنة" (^٤)، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ولأنه جنس فيه الربا بيع منه مجهول بمعلوم فلم يجز أصله بيع الشيرج (^٥) بالسمسم والزيتون بالزيت، ولأن المماثلة شرط في هذا الموضع وهي معدومة لأن التمر والرطب غير متناه، وذلك يمنع التماثل وإذا ثبت المنع من ذلك فكل ما ذكرنا من بابه، فحكمه في المنع مثله (^٦) من الحي بالميت والمشوي بالطري والمبلول باليابس وسائر ما في بابه.
فصل [٢ - في بيع الرطب بالرطب]:
وأما الرطب بالرطب فإنما أجزناه خلافًا للشافعي (^٧) وعبد الملك لقوله ﷺ: "لا تبايعوا التمر بالتمر حتى يبدوا صلاحها" (^٨) وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال يتساويان فيها، فجاز في ذلك أصله التمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافها جاز حال رطوبتها كاللبن باللبن.
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٤٠.
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في التمر بالتمر: ٣/ ٦٥٤، والترمذي في البيوع، باب: ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة: ٣/ ٥٢٨، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٩٦.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) الشيرج: دهن السمسم (المصباح المنير ص ٣٠٨).
(٦) مثله: سقطت من (م).
(٧) انظر: الأم: ٥/ ١٩، مختصر المزني ص ٧٧، الإقناع ص ٩٥.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
فصل [٣ - في بيع الحنطة بالدقيق]:
فأما الحنطة بالدقيق، فاختلف أصحابنا في تخريجه على المذهب: فمنهم من يقول: إن المسألة على روايتين، ومنهم من يقول: ليس بخلاف قول، وإنما هو اختلاف حالين، فإن كان كيلًا بكيل فلا يجوز وإن كان وزنًا بوزن جاز (^١)، فوجه الجواز أنه ليس في طحن الحنطة أكثر من تفريق أجزائها، وذلك لا يمنع الكيل ولا ينافي (^٢) المماثلة، ووجه المنع أن المماثلة ممتنعة فيها (^٣) لأنه إن كان كيلًا بكيل أدى إلى التفاضل وإن الحب إذا طحن تفرقت أجزاؤه ولم تجتمع بعد ذلك اجتماع الحب بخلقته في الأصل فيجيء من صاع بر أكثر من صاع الدقيق، وإن كان وزنًا بوزن امتنع لأن طريق التماثل في ذلك الكيل فلا يجوز غيره.
فصل [٤ - بيع الدقيق بالدقيق]:
وإنما أجزنا بيع الدقيق بالدقيق متماثلًا خلافًا للشافعي (^٤) لأن التساوي فيه موجود في الحال كالحنطة بالحنطة.
فصل [٥ - جواز بيع الحنطة والدقيق متفاضلًا]:
فأما تجويزنا التفاضل بين الحنطة والدقيق بخبزهما وسويقهما خلافًا للشافعي (^٥) فالنكتة فيه وفي جواز اللحم النيئ بالمطبوخ متفاضلًا والرطب والتمر (^٦) بخلهما واحدة في جميع هذا الباب وهي: أن الصنعة تغير ما تدخله من الجنس حتى تجعله في حكم الجنس المفرد لأنه لا يصلح لما كان يصلح له أولًا، وتختلف الأغراض فيه إذ لا يقول أحد أن منفعة التمر تقارب منفعة الخل، وكذلك الحنطة والسويق والخبر والدقيق لأن تأثير النار في الطبخ والخبز من تباين المنافع وتغيير
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ١٧٧، التفريع: ٢/ ١٢٨، الكافي ص ٣١٣.
(٢) في (م): لا يأتي.
(٣) فيها: سقطت من (ق).
(٤) و(^٥) انظر: الأم: ٥/ ١٩ - ٢١، مختصر المزني ص ٧٧، الإقناع ص ٩٥.
(٥) في (م): بالتمر.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
الصنعة ما ينفى التقارب ويوجب التفاوت والتباين، وإذا ثبت ذلك جاز التفاضل فيه بمثل ما له جاز في الجنسين المتباينين، وأما جواز بيع التين بالتين (^١) رطبين متماثلين فللتساوي في المنافع (^٢) والحال، فقد سلما من الربا والمزابنة.
فصل [٦ - في بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة]:
وما ذكرنا من أن بيع رطب من ثمره بيابس مزابنة، فإنما ذلك في الجنس لأن التفاضل في الجنسين غير ممنوع، فيجوز بيع التمر بالعنب والرطب بالزبيب وجميع ما في هذا المعنى، وهذا فيما يحرم التفاضل في جنسه إذا بيع بعضه ببعض، فأما ما لا ربا فيه كالخوخ والمشمش وغيرهما فيجوز بيع الرطب باليابس إذا تحقق التفاضل ويمنع مع الاحتمال والشك ليخرج عن المخاطرة.
فصل [٧ - في بيع المجهول بالمجهول]:
وأما بيع المجهول بالمجهول من جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه فغير جائز، وهو من باب المزابنة وذلك كالصبرة بالصبرة وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى؛ لأن عدم التماثل يقوم في المنع مقام تحقق (^٣) التفاضل لأن التماثل إذا لم يوجد فشرط جواز البيع غير حاصل.
فصل [٨ - في قسمة وبيع اللحم على التحري]:
يجوز قسمة اللحم على التحري وكذلك بيعه، ومن أصحابنا من يطلق ذلك ومنهم من يشترط (^٤) فيه تعذر الموازين، وكذلك البيض بالبيض والخبز بالخبز والرطب بالرطب واليابس باليابس (^٥)، وعند أبي حنيفة والشافعي أن ذلك غير جائز (^٦).
_________________
(١) في (م): اللبن باللبن.
(٢) في (ق): في المبلغ.
(٣) في (م): تحقيق.
(٤) في (م): يشرط.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ١٧٨، التفريع: ٢/ ١٢٦، الرسالة ص ٢١٥، الكافي ص ٣١٣.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٦ - ٧٧، الأم: ٥/ ٢٣ - ٢٦.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
وإنما قلنا ذلك للعمل المستفيض من الصحابة في الأسفار أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري، والقسمة بيع كل واحد من المقتسمين حظه بحظ صاحبه، ولأن الحذر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع فيما شرط فيه الكيل والوزن، وسببًا لمعرفة المقدار فيما يعرفان به عند (^١) تعذرهما، ألا ترى أنا نجيز ذلك في الزكاة والعرايا، فجاز أن يكون التحري في مسألتنا طريقًا إلى معرفة التماثل للضرورة، ووجهها أن الموازين في الأسفار قد تعدم وتتعذر فلو قلنا: أنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق ذلك (^٢)، وأدى إلى ضياعه وفوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة قسمه وبيعه.
فصل [٩ - في بيع الطعام بالطعام]:
لا يجوز بيع طعام بطعام إلا نقدًا ولا يجوز فيه تأخير بوجه كان من جنسه أو من غير جنسه كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه بيع متفاضلًا أو متماثلًا، ومن شرطه التقابض في المجلس (^٣)، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يفترقا من غير قبض إلا أن يكون المبيع جزءًا مشاعًا (^٤)، ودليلنا قوله ﷺ: "إنما الربا في النسيئة" (^٥)، وقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا التمر بالتمر ولا الشعير بالشعير … إلى أن قال: إلا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد" (^٦)، ولأن كل شيئين لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر مع جواز السلم فيه فلا يجوز بيعه به إلا يدًا بيد أصله الذهب والفضة أو الذهب في الحلي، ولأنه بيع عين بعين يفسده دخول الأجل، فكان التقابض شرطًا فيه أصله إذا باع جزءًا مشاعًا من صبرة.
_________________
(١) في (م): بعد.
(٢) ذلك: سقطت من (م).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١٧٩ - ١٨٠، التفريع: ٢/ ١٣١، الرسالة ص ٢٢١، الكافي ص ٣١٠ - ٣١١.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٦ - ٧٧، تحفة الفقهاء: ١/ ٢٦ - ٢٧.
(٥) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل: ٣/ ١٢١٧، والبخاري في البيوع، باب: بيع الدينار بالدينار نساء: ٣/ ٣١.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٧).
[ ٢ / ٩٦٨ ]
باب: [في بيع الطعام قبل قبضه]
المبيعات على ضربين: طعام وغير طعام، فالطعام يباع على وجهين: أحدهما على وجه يلزم فيه حق التوفية، وذلك بأن يكون على كيل أو وزن أو عدد، والآخر جزافًا مصبرًا، فالقسم الأول لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان معينًا (^١) أو في الذِّمَّة (^٢)، والأصل نهيه ﷺ بقوله: "من ابتاع طعامًا فليس يجوز له (^٣) أن يبيعه قبل قبضه" (^٤)، وروي: "قبل أن يستوفيه"، وإذا ثبت ذلك، فكل أنواع الطعام داخله في المنع من الإدام والقوت والفواكه مما يدخر وما لا يدخر ما فيه الربا وما لا ربا فيه وكذلك الأشربة، وذكر ابن وهب عن مالك أن (^٥) ما لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه لأنه أخفض رتبة من المقتات (^٦) بدليل إباحة التفاضل فيه وسقوط الزكاة منه (^٧)، والأولى أصح للعموم، ولأن النهي لأجل العينة وأن يعلم أن الشراء لم يكن لها وهذا يستوي فيه المقتات وغيره (ولأن انخفاض حرمته عن المقتات في حكم من الأحكام لا يقتضي انخفاضها عنه في سائرها ألا ترى أنه لا يجوز بيع بعضه إلى أجل من حيث كان طعامًا) (^٨)، والأدوية والبذور التي تبذر للزرع لا تدخل في هذا
_________________
(١) في (ق): متعينًا.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٥ - ١٦٦، التفريع: ٢/ ١٣١ - ١٣٢، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣١٩.
(٣) فليس يجوز له: سقطت من (م).
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك: ٣/ ٢٣، ومسلم في البيوع، باب: بطلاق بيع المبيع قبل القبض (٣/ ١١٦٠).
(٥) إن: سقطت من (م).
(٦) المقتات: سقطت من (م).
(٧) وسقوط الزكاة منه: سقطت من (م).
(٨) ما بين قوسين: سقط من (م).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
لأنها ليست بطعام، وإنما تتناول للحاجة وليس اسم الطعام لكل ما يتطعم لأنه لو كان كذلك لكان الجص والسم طعامًا لأن له طعما ولكنه اسم لما جرت العادة بأكله على وجه يؤكل عليه الطعام في العادة من الاقتيات أو الائتدام أو التفكه أو التحلي وليس التداوي من هذا، فلم يدخل فيه.
فصل [١ - دخول ما ملك بعقد معاوضة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه]:
إذا ثبت ما ذكرناه فكل طعام ملك بعقد معاوضة مشارك لما ملك بشراء في منع بيعه قبل قبضه: من ذلك ما يملك أجرة في إجارة أو قضاء دين أو مهر أو خلع أو صلح عن دم عمد أو مثلًا لمتلف أو أرش جناية في مال مضمون (^١) كان أو معينا، وكل ما يملك بغير معاوضة، فجائز لمن ملكه بيعه قبل قبضه كالميراث والهبة والصدقة وغير ذلك والمقترض يجوز لمقرضه ولمقترضه بيعه قبل قبضه لأنه ليس بمبتاع ولا في معنى المبتاع.
فصل [٢ - جواز هبة وقرض الطعام المبتاع الممنوع من بيعه قبل قبضه]:
لمبتاع الطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه أن يهبه ويقرضه ويتصدق به أو يخرجه عن ملكه على غير وجه المبايعة قبل قبضه، ولكن لا يجوز لمن صار إليه ذلك ببعض هذه الوجوه أن يبيعه قبل أن يقبضه (^٢)؛ لأنه قائم مقام البائع وعقد هذا الباب: إن كل طعام ابتيع فلم يقبض فلا يجوز أن يقع عليه عقدة بيع حتى يقبض سواء كان ذلك من مبتاعه أو ممن صار إليه عن مبتاعه.
فصل [٣ - إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا]:
إذا باع تمرًا واستثنى منه كيلًا معلومًا، ففيه روايتان (^٣): إحداهما أن له بيعه قبل أن يجزه، والأخرى أنه ليس له ذلك، فوجه الجواز أنه لم يبع ما استثناه،
_________________
(١) في (م): إن كان مضمونًا.
(٢) انظر: التفريع: ٢/ ١٣٣، الرسالة ص ٢١١ - ٢١٢، الكافي ص ٣٢٠.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٧ - ١٤٨، الكافي ص ٣٣٢.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
وإنما أبقاه على ملكه، ووجه المنع أنه صار شريكًا للمشتري بمقداره من الكيل والأول أصح.
فصل [٤ - الإقالة والتولية والشركة في الطعام قبل قبضه]:
إذا ثبت منع بيع الطعام للمشتري بكيل أو وزن أو عدد قبل استيفائه، فيجوز منه الإقالة والتولية والشركة قبل القبض، وإن كانت بيوعًا (^١) لما روي: أنه ﷺ: "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الإقالة والشركة" (^٢) وهذا نص، ولأن المقصود منها لما كان المعروف دون المتاجرة والمغابنة جاز للرفق واستثنى من أصل البيع كما استثنيت العرية من بيع الرطب بالتمر للرفق، والحوالة من بيع الدين بالدين لأنه لم يقصد فيها ذلك (^٣)، وهذا إذا وقع العقد الثاني على الوجه الذي وقع عليه العقد الأول بمثل المال لا زيادة فيه ولا نقصان ولا مخالفة في تعجيل أو تأجيل: فيعلم بذلك أن الفاعل له لم يقصد المتاجرة والتربح (^٤)، وإنما آثر على نفسه وقصد فعل الجميل والرفق بمن فعل ذلك معه، ومتى وقع على خلاف ذلك من زيادة أو نقصان أو مرفق بتأخير أو تعجيل على أنهما لم يريدا الوجه الذي له وقعت الرخصة، وإنما أراد الوجه الممنوع من بيع الطعام قبل قبضه فمنعنا منه.
فصل [٥ - في بيع الجزاف أو الصبرة قبل نقله]:
ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا: وأما ما ابتيع من الطعام جزافًا (^٥) أو
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٣، التفريع: ٢/ ١٣٣، الرسالة ص ٢١٢، الكافي ص ٣٢٠.
(٢) الحديث أخرجه الشيخان من غير: وأرخص في الإقالة والشركة، وهذه الزيادة الواردة في هذا الحديث ذكرها مالك في المدونة عن سعيد بن المسيب وباقي رجال السند ثقات إلا أنه مرسل (انظر: تخريج أحاديث المدونة - للدكتور الدرديري: ٣/ ١٠٩٤).
(٣) في (ق): ذلك.
(٤) في (ق): الربح.
(٥) الجزاف: الشيء الذي لا يعلم كيله ولا وزنه (المصباح المنير ص ٩٩)، وعرف ابن عرفة بيع الجزاف بقوله: هو بيع ما يمكن علم قدره دونه (حدود ابن عرفة ص ٢٤٠).
[ ٢ / ٩٧١ ]
مصبرًا (^١) فيجوز بيعه قبل نقله إذا خلَّى البائع بينه وبينه (^٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٣) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٤)، وروى ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ -: "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه" (^٥) فدل أن الجزاف بخلافه، ولأن الجزاف ليس فيه توفية، فإذا وجدت التخلية لم يبق وراءها توفية تطلب، فجاز بيعه كالمكيل إذا قبض، وقد استحب مالك ﵀ أن يباع بعد نقله ليخرج من الخلاف ويحتاط للعقد.
فصل [٦ - فيما يجوز بيعه قبل قبضه]:
وما عدى الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال أو يوزن وما لا يكال ولا يوزن كان عينًا معينة أو سلمًا مضمونًا في الذِّمَّة فبيعه قبل قبضه جائز في الجملة بخلاف الطعام ما لم يعرض في العقد ما يمنع منه من كونه دينًا بدين أو ذريعة إلى بيع وسلف أو بعض الأشياء الممنوعة (^٦)، خلافًا لأبي حنيفة في منعه بيع ما ينقل ويحول (^٧)، والشافعي في منع بيع كل مبيع قبل قبضه من بائعه (^٨)، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٩)، وقوله ﷺ: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" (^١٠)، فدل أن ما عداه بخلافه، ولأنه
_________________
(١) الصبرة: أي بلا كيل ولا وزن (المصباح المنير ص ٣٣١).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ١٦٦، التفريع: ٢/ ١٣٠، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣٢٦.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٩، مختصر المزني ص ٨٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٥) أخرجه مسلم في البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض: ٣/ ١١٦٢.
(٦) انظر: التفريع: ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، الرسالة ص ٢١١ - ٢١٢، الكافي ص ٣١٩.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٩، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٣٤.
(٨) انظر: الأم: ٣/ ٦٩ - ٧٤، مختصر المزني ص ٨٢، الإقناع ص ٩٢.
(٩) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(١٠) سبق تخريج الحديث ٩٦٩.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
إزالة ملك فجاز قبل القبض كالعتق، ولأنه أحد نوعي المبيعات فعدم القبض لا يمنع بيعه أصله المنافع في الإجارة، ولأن الشراء نوع يملك به، فجاز أن يباع ما ملك به قبل القبض كالميراث والوصية ومع أبي حنيفة قياسًا على العقار.
فصل [٧ - اشتراط القبض في البيع]:
عقود البياعات كلها تقع بالقول وليس القبض شرطًا في انعقادها ولا في لزومها، غير أن في بعضها إن تأخر القبض عن العقد تأخرًا شديدًا أو افترقا قبل بطل العقد، وذلك كالصرف وبيع الطعام بالطعام، فأما سائر العروض التي يجوز بيع بعضها ببيع نقدًا أو نساء، فإن تأخر القبض لا يبطل العقد فإن تلفت (^١) نظر، فإن كان في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عدد فضمانه من البائع (^٢) إلا أن يكون كاله أو وزنه للمشتري فتركه المشتري عنده فيكون حينئذ تلفه من المشتري، وأما ما ليس فيه حق توفية مثل البيع بعينه أو الجزاف فتلفه من المشتري قبل القبض وبعده دفع المشتري الثمن أو لم يدفعه طالبه بالقبض أو لم يطالبه إلا أن يكون البائع حبسه عنده ليقبض الثمن، فيكون حكمه حكم الرهن، أو منعه ابتداء ظلمًا فيكون غاصبا، فأما مع (^٣) السلامة من ذلك كله فضمانه إن تلف من المشتري (^٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥) في قولهما: أن ضمانه من البائع قبل قبض المشتري إياه، وإن العقد ينفسخ بتلفه، لقوله ﷺ: "الخراج بالضمان" (^٦)، فجعل الضمان ممن يكون له الخراج، وقد
_________________
(١) في (ق): تلف.
(٢) في (م): البيع.
(٣) في (م): بيع.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣١٩ - ٣٢٠.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٩، الأم: ٣/ ٧٢.
(٦) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: فيمن اشترى عبدًا فاستعمله (٣/ ٧٧٧)، والنسائي في البيوع، باب: الخراج بالضمان (٢/ ٢٤٣)، وابن ماجه في التجارات، باب: الخراج بالضمان (٢/ ٧٥٤)، والترمذي فيمن اشترى العبد واستغله (٣/ ٥٨١)، =
[ ٢ / ٩٧٣ ]
ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض ليكون للمشتري، فكان ضمانه منه، ولأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق، فذلك يوجب أن يكون التلف من المشتري كما بعد القبض أو أن لا يستقر إلا بمعنى زائد عليه وهو القبض فالقبض فرع على الملك وتابع له؛ لأن البائع يجبر على إقباضه للمشتري ولولا استقرار الملك لم يجبر عليه، وإذا كان البيع لمستقر فالتلف ممن حصل الملك له وامتنع الفسخ عليه، ولأن إعتاق المشتري في العبد نافذ قبل القبض، وذلك ممتنع فيما لم يكن يستقر كبيع الخيار، ولأنه عوض مستحق بعقد معاوضة، فإذا كان معينًا (^١) وتلف قبل القبض لم يتلف من المستحق عليه أصله المهر.
فصل [٨ - في بيع الجزاف]:
يجوز بيع الطعام جزافًا في الغرائر (^٢) وصبرًا على الأرض، وكذلك غيره من العروض المكيلة أو المعدودة التي لا خطر لها، وإنما الغرض مبلغها كالجص والنورة والقطن وغير ذلك، ولا يجوز بيع شيء له بال وخطر تكثر قيمته ويعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب جزافًا.
وقاعدة هذا الباب: أن من المبيع ما يقصد مبلغه دون أعيان آحاده، وذلك كالحنطة والشعير والثمرة والزبيب والجوز واللوز وسائر الفواكه والبقول، فما هذه سبيله يجوز بيعه جزافًا لأنه ليس المقصد إلى عين كل واحد من آحاده لأن أحدًا لا يقصد عين كل (^٣) جوزة وبذنجانة، وإنما القصد جملته ومبلغه، فإذا علم ذلك بالحزر عند مشاهدته جاز بيعه كما يجوز (^٤) بيع الشيء بالخرص فيتعلق
_________________
(١) = وأحمد: ٦/ ٤٩، والدارقطني: ٣/ ٥٣، البيهقي: ٥/ ٣٢١، والحاكم: ٢/ ١٥، وصححه ابن القطان (تلخيص الحبير: ٣/ ٢٢).
(٢) في (م): متعينًا.
(٣) في (ق): العرايا.
(٤) في (م): كيل.
(٥) في (م): يحرز.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
به أحكام الكيل والوزن، ولأن القصد المبلغ ليس في جزافه خطر أو غرر فينسب ترك تحقيقه بالكيل أو الوزن إلى قصده، وإما المقصد التخفيف والرفق والراحة من التعب ومؤنة الكيل والوزن من المبيع ما يقصر أعيانه وآحاد جماعات كل عين في نفسها كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر؛ لأن كيل واحد من جماعاتها يحتاج إلى اختيار في نفسه والعلم بسلامته من العيوب وليس الغرض المبلغ دون العين، فما هذه سبيله يعظم الخطر فيه ويكثر به الغرر بالمجازفة فيه فلا يجوز بيعه جزافًا (^١).
فصل [٩ - عدم جواز بيع ما يعلم كيله ووزنه جزافًا]:
ما علم بائعه كيله أو وزنه فلا يجوز له بيعه إلا بعد أن يعلم (^٢) المشتري بمبلغه (^٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤)، لقوله ﷺ: "من غشنا فليس منا" (^٥)، وهذا غش (^٦) لأن المبتاع يدخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع، وروي: أنه ﷺ قال: "من علم كيل طعام فلا يبيعه جزافًا حتى يبين" (^٧) وهذا نص، ولأنه باع جزافًا ما يعلم قدر كيله فلم يجز أصله إذا قال: قد بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم ما تسع.
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: التفريع: ٢/ ١٣٠، الرسالة ص ٢١١، الكافي ص ٣١٤، ٣٢٠، ٣٢٦.
(٢) في (م): إعلام.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢١٩، التفريع: ٣/ ١٣٠، الكافي ص ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٤) انظر: مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٧ - ٨، الأم: ٣/ ٦٣ - ٦٤.
(٥) أخرجه مسلم في الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ -: "من غشنا فليس منا" (١/ ٩٩).
(٦) في (ق): أغش.
(٧) أخرجه البخاري في البيوع، باب: من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا أن لا يبيعه (٣/ ٢٣)، ومسلم في البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض: ٣/ ١٦١.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
فصل [١٠ - خيار المشتري إذا علم كيل أو وزن ما اشتراه جزافًا]:
إذا ثبت منع ذلك فمتى وقع فالمشتري بالخيار لأنه متعدى عليه لأنه إنما رضي بالمجازفة ودخل على أن البائع بمثابته في الجهل بقدر الكيل (^١)، فإذا كتمه ذلك كان تدليسًا (^٢) عليه، فثبت له الخيار كالعيب إذا كتمه وإن بين (^٣) له فقال أنا أعلم كيلها ولست أعلمك، فإن أردت أن تبتاع على هذا وإلا لم أبعك فرَضِيَ المشتري فذلك غير جائز؛ لأنه رضي بالمخاطرة والغرر وقصد إلى ذلك مع الاستغناء عليه، وذلك مفسد للعقد المبني عليه.
فصل [١١ - إذا أخبره بكيله فصدقه وقبضه بغير كيل]:
إذا أخبره (^٤) البائع بكيله فصدقه المشتري عليه وقبضه بغير كيل، فإن كان البيع نقدًا جاز، وإن كان إلى أجل فلا يجوز واختلف أصحابنا في تأويله (^٥)، فمنهم من يحمله على المنع، ومنهم من يحمله على الكراهية (^٦)، وإنما قلنا: إنه إذا كان نقدًا جاز لأنه ليس فيه تهمة لأنه لا يخاف منه إن لم يصدقه أن يفوته غرض (^٧) ويقع لو صدقه لأدركه ولم يفته، والنسيئة بخلاف ذلك لأنه يجوز أن يكون دون ما أخبره (^٨)، فإن لم يصدقه لم يرض ببيعه منه نسيئة، وإنما غرض البائع في إنسائه أن ينتفع بالنقصان الذي يحتسب له به فيكون من أكل المال بالباطل.
_________________
(١) في (م): المكيل.
(٢) في (م): مدلسًا.
(٣) في (م): ولم يبين.
(٤) في (م): أخبرنا.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٣١، الرسالة ص ٢١٢ - ٢١٣، الكافي ص ٣٢٦.
(٦) في (م): الكراهة.
(٧) في (م): أن يفوته منه غرض.
(٨) في (م): ما أجبره.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
فصل [١٢ - إذا صدقه بالكيل في النقد ثم ادعى نقصانه]:
إذا صدقه بالكيل في النقد (^١) ثم ادعى المبتاع نقصانه عما أخبره أو زيادة، فإن كان مما يكون مثله في اختلاف الكيل ويريد رده فلا يرده به؛ لأن ذلك معفو عنه في العرف كالتغيير الذي يكون في أسفله والتراب الذي يعلم أنه لا ينفك منه، فإن كان زائدًا على ذلك خارجًا عما جرى العرف به فله المحاسبة به لأن البائع لم يوفه ما عقد عليه البيع والقدر الفائت لم يوجد له عوض، وذلك إذا صدقه البائع أو كاله بحضرته أو قامت له بيِّنة به قبل أن يغيب عليه، وإن لم يكن له إلا دعواه فلا يقبل ويحلف البائع.
…
_________________
(١) في (م): في الكيل بالنقد.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
باب: [في أضرب المبيع]
المبيع على ثلاثة أضرب: عين حاضرة، وغائبة عن العقد، وسلم في الذمة غير معين.
فأما بيع العين الحاضرة المرئية مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب أو العبد أو الدابة وهو يراه، فذلك جائز إذا أبصره وخبره ولا خلاف في هذا النوع (^١).
فصل [١ - بيع الشيء الغائب]:
وأما الأعيان الغائبة عن العقد (^٢) فيجوز بيعها على الصفة أو على ما تقدم رؤيته (^٣) خلافًا للشافعي في منعه بيعها على الصفة (^٤) لقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٥)، ولأنه مبيع معلوم لهما مقدور على تسليمه غالبًا كالمرئي، ولأن ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم.
فصل [٢ - البيع على غير صفة ولا رؤية]:
ولا يجوز بيعه بغير صفة ولا رؤية ولا مع شرط خيار الرؤية وذكر في المدونة جواز ذلك إذا اشترطت فيه خيار الرؤية (^٦)، وكان شيخنا أبو بكر وأصحابنا يقولون: إنه خارج عن الأصول (^٧)، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع ما لم ير ولم
_________________
(١) انظر: المحلي: ٩/ ٢٧٠، مراتب الإجماع ص ٨٤، بداية المجتهد: ٧/ ٢٧٠.
(٢) عن العقد: سقطت من (م).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٥٥، التفريع: ٢/ ١٧٠، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ٣٢٩.
(٤) انظر: الأم: ٣/ ٢٠، مختصر المزني ٧٥، الإقناع ٩٦ - ٩٧.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٦) المدونة: ٣/ ٢٥٥.
(٧) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٠ - ١٧١، الكافي ٣٢٩.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
يوصف ويكون للمبتاع خيار الرؤية بنفس العقد (^١)، ودليلنا على منعه: "نهيه ﷺ عن بيع (^٢) الغرر" (^٣) وهذا منه، ولأنه مجهول واشتراط خيار الرؤية لا ينفع (^٤)، كما لا ينفع في بيع الآبق والشارد، ولأن تأخر معرفة المبيع عن العقد يؤذن (^٥) ببطلانه كالسلم إذا لم يصفه حال العقد.
فصل [٣ - معيار الصفة المطلوبة في بيع الشيء الغائب]:
إذا ثبت جواز بيع الغائب بالصفة، فالذي يحتاج إليه من ذلك كل صفة مقصودة تختلف الأغراض باختلافها وتتفاوت الأثمان لأجلها وتقل الرغبة في العين وتكثر بحسب وجودها وعدمها ولا يكتفي (^٦) في ذلك بذكر الجنس والعين (^٧) فقط؛ لأن بيع الملامسة لا يعرى من مشاهدة العين ومعرفة الجنس وهو مع ذلك غير جائز ولا يضره الإخلال بما لا يؤثر فيها (^٨).
فصل [٤ - إذا جاء المبيع على الصفة المشترطة أو على أعلى أو أدون منها]:
وإن جاء المبيع على الصفة المشترطة لزم المبتاع ولم يكن له خيار الرؤية إلا أن يشترطه في العقد فيثبت له بالشرط، وإنما قلنا: لا خيار له لأنه مبيع موصوف قبض على صفته فلم يكن له خيار الرؤية كالسلم، وإن جاء على خلافها، فإن كان أعلى فلا خيار له، لأنه إذا لم يثبت له الخيار مع الموافقة (^٩) فمع الزيادة
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٤، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ١٥ - ١٧.
(٢) في (ق): نهى عن الغرر.
(٣) أخرجه مسلم في البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه الغرر: ٣/ ١١٥٣.
(٤) في (ق): لا ينفعها.
(٥) في (ق): يؤدي.
(٦) في (م): يكفي.
(٧) في (م): والبيع.
(٨) في (م): منها.
(٩) في (ق): مع الرؤية.
[ ٢ / ٩٧٩ ]
أولى، ولأن الخيار إنما يثبت للنقص لا للزيادة وإن كان أدون فالمبتاع بالخيار في الإمضاء والفسخ لأن المبيع لم يسلم له على الوجه الذي دخل عليه كما لو وجد عيبًا.
فصل [٥ - إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة]:
إذا تلفت السلعة المبيعة على الصفة بعد العقد وقبل القبض ففيها ثلاث روايات (^١): إحداها أن التلف من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، والثانية أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، والثالثة أن ضمان الحيوان المأكول وما ليس بمأمون على البائع والدور والعقار من المشتري.
فوجه الأولى: أن على البائع توفية المشتري ما اشتراه، فما لم يوفه لم (^٢) يستحق عليه العوض والتلف منه؛ لأن المشتري لم يقبضه ولم تثبت عليه يد.
ووجه الثانية: أن الأصل السلامة مع كونه متميزًا عن ملك البائع لا يتعلق به حق توفية، فكان ضمانه من المشتري وذلك إذا علم أن الصفقة صادفته حيًّا سليمًا ثم تلفت (^٣) من بعد.
فأما وجه تفريقه بين المأمون وغير المأمون على ظاهر السلامة، فيجب أن يكون ضمانه من المشتري اعتبارًا بالحاضر (^٤)، ولأن النقد لا جاز اشتراطه في المأمون ولم يجز في غيره دل على افتراق حكمهما.
فصل [٦ - النقد في بيع الشيء الغائب]:
إن تبرع المشتري في بيع الغائب بنقد الثمن أو بعضه قبل مجيء المبيع جاز،
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٥٥، والتفريع: ٢/ ١٧٠، وفيه: "ففيها روايتان: إحداهما أنها من البائع إلا أن يشترط ضمانها على المبتاع، والأخرى ألا أن يشترط أن ضمانها قبل القبض من بائعها" اهـ، والكافي ص ٣٢٠، وفيه حكاية القولين فقط، ولعل الأقوال الثلاثة من تفصيل المصنف.
(٢) في (م): فلا.
(٣) في (م): تلف.
(٤) في (م): بالحاضرة.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
فأما إن اشترط البائع عليه النقد فيجوز في المأمون لعدم (^١) تغيره وأمنه (^٢) في الغائب كالعقار والدور ولا يجوز في الحيوان والمأكول وما لا يؤمن تغيره، والفرق أن المأمون يقبل الغرر فيه وغير المأمون يكثر الغرر فيه، فاشتراط النقد فيه غرر، ولأنه يدخله سلف وبيع لأن النقد يتردد بينهما لأن المبيع إن سلم كان نقدًا وإن لم يسلم كان البائع قد انتفع بالثمن ثم رده إلى المشتري.
فصل [٧ - في بيع البرنامج]:
يجوز عندنا بيع الأعدال على البرنامج (^٣) وهو أن يبيعها على الصفة التي يتضمنها برنامجه من ذكر الجنس والنوع والزرع والعدد والسعر، فإن وافق الصفقة لزم البيع، وإن خالف كان كما ذكرناه وليس للمبتاع إذا وافقت الصفة، وقال: هي مخالفة (^٤) أن يرد خلافًا للشافعي في قوله (^٥): لا يجوز (^٦)، ودليلنا الظاهر وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٧)، ولأن أكثر ما فيه أنه باع عينًا يتعذر رؤيتها بصفة تحصرها، وقد دللنا على جواز ذلك.
فصل [٨ - في بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة]:
يجوز بيع السلعة الغائبة على رؤية متقدمة إذا كان من وقت الرؤية إلى وقت العقد من المدة ما لا تتغير في مثله والاعتبار في ذلك بالعرف في مثل تلك السلعة مما يعلم أنها تتغير وتحول عن الصفة التي كانت (^٨) عليها في مثلها، فإن كان بين الوقتين بقدر ذلك لم يجز البيع إلا برؤية مستأنفة أو صفة.
_________________
(١) لعدم: سقطت من (م).
(٢) أمنه: سقطت من (م).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٥٧، الموطأ: ٢/ ٦٧٠، التفريع: ٢/ ١٧١.
(٤) في (م): وهي غالبة.
(٥) في قوله: سقطت من (م).
(٦) انظر: الأم: ٣/ ٢٠، مختصر المزني ٧٥، الإقناع ٩٦ - ٩٧.
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٨) في (ق): طالت.
[ ٢ / ٩٨١ ]
نوع آخر: [في السلم]
وأما السلم (^١) في الذِّمَّة فإنه جائز في كل ما تضبطه الصفة والأصل في جواز ذلك (^٢) قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٣)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (^٤)، فدل ذلك على أن من التجارات ما لا يكون حاضرًا، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٥)، قال ابن عباس: ذلك في السلم (^٦)، وروي: أنه ﷺ نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم (^٧)، وروي: أنه ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمر السنتين والثلاثة فقال:
_________________
(١) السلم: يعني السلف، وإنما سمي سلمًا لأنه يسلم إليه دراهمه ويتركها عنده من قولهم: أسلمته مائة، أي تركتها (غرر المقالة ص ٢١٦)، وفي الاصطلاح عرفه ابن عرفة بقوله: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (حدود ابن عرفة ص ٢٩١).
(٢) في (م): جوازه.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٦.
(٧) الجزء الأول من الحديث أخرجه أبو داود في البيوع، باب: بيع الرجل ما ليس عنده: ٣/ ٧٦٩، والنسائي في البيوع، باب: بيع ما ليس عند البائع: ٧/ ٣٥٤، وابن ماجه في التجارات، باب: النهي عن بيع ما ليس عندك: ٢/ ٧٣٧، والترمذي في البيوع باب: ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك: ٣/ ٥٣٤، وقال: حسن صحيح، أما الجزء الأخير قوله: وأرخص في السلم، فلم أعثر عليه.
[ ٢ / ٩٨٢ ]
"من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (^١)، وهذا نص في جوازه، ولا خلاف فيه (^٢).
فصل [١ - في شروط بيع السلم]:
وله ثمانية شروط (^٣):
أحدها: أن يكون في الذمة مطلقًا لا في عين (^٤) معينة.
والثاني: أن يكون موصوفًا بما يمكن حصره به من الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض والأسواق باختلافها.
والثالث: أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد أو ذرع أو غير ذلك من المقادير التي تعتبر في ذلك النوع.
والرابع: أن يكون رأس المال معلومًا مقدرًا.
والخامس: أن يكون نقدًا لا مؤجلًا.
والسادس: أن يكون المسلم فيه مؤجلًا لا يجوز أن يكون حالًا، واختلف في حد الأجل، فعنه فيه روايتان: إحداهما أجل مطلق أي أجل كان، والآخر أجل يختلف في مثله الأسواق (^٥) وتتغير معه الأسعار.
والسابع: أن يكون الأجل (^٦) (محدودًا بمدة معلومة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في السلم، باب: السلم في كيل معلوم: ٣/ ٤٣، ومسلم في المساقاة، باب: السلم: ٣/ ١٢٢٦.
(٢) انظر: شرح مسلم: ٧/ ٤١، فتح الباري: ٤/ ٣٣٩، نيل الأوطار: ٥/ ٢٢٦.
(٣) في شروط السلم انظر: المدونة: ٣/ ١١٧ - ١٤٠، التفريع: ٢/ ١٣٤ - ١٣٨، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٣٧ - ٣٤٠.
(٤) في (م): غير.
(٥) الأسواق: سقطت من (ق).
(٦) في (م): السلم.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
والثامن: أن يكون المسلم فيه) (^١) موجودًا عند المحل وليس من شرطه أن يكون موجودًا في حال العقد ولا متصل الوجود في حال العقد ولا متصل الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل، والأولى أن يسمى موضع القبض، فإن أطلق ولم يعين جاز ولزم في الموضع الذي وقع العقد عليه في سوق تلك السلعة والموضع الذي جرى عرف أهل ذلك الموضع بقبض ما يسمى فيه بأن يقبضونه فيه.
فصل [٢ - في عدم كون السلم عينًا]:
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون عينًا (^٢) لأن الأعيان لا تثبت في الذمم لأن من حق ما يثبت في الذمة (^٣) أن يكون مطلقًا غير معين، ولأن السلم في العين غرر لا يحتاج إليه لأنه إن أريد ضمانها في الذمة إلى الأجل المضروب حتى إذا تلفت لزمت (^٤) المسلم إليه بدلها أو قيمتها، فذلك غير جائز لأن المعين (^٥) ينفسخ العقد بتلفه ولا يلزم رد مثله، ولأنه إذا كانت العين مما لا يكال ولا يوزن لزم رد قيمتها لا مثلها، فإن إثبات العين في الذمة إن أُريد به تبقيتها إلى وقت الأجل فذلك غير مقدور عليه لإمكان أن يتلف، وإن أريد به ضمان مثلها فقد أفسدناه.
فصل [٣ - حصر المسلم بأكثر مما يمكن من الصفات]:
وإنما قلنا: يجب حصره بأكثر مما يمكن من الصفات، وقد دخل في ذلك الجنس والنوع لأنه مقدم على ما يتبعه (^٦) من الصفات؛ لأنه مضمنة به ليكون
_________________
(١) ما بين قوسين: سقط من (م).
(٢) في (م): معينًا.
(٣) في (م): الذمم.
(٤) في (م): لزم.
(٥) في (ق): العين.
(٦) في (م): يبيعه.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
المسلم فيه معلومًا ويخرج عن حيز الجهل (^١) ولا يكون كذلك إلا بالمشاهدة وبالصفة والمشاهدة لا تتصور إلا على معنى الصفة بأن يريد عينًا بصفة النوع الذي يسلم فيه، وإذا تعذرت المشاهدة لم يبق إلا الصفة ومتى عري العقد منهما كان مجهولًا وغررًا، وليس يلزم أن يذكر جميع الصفات حتى لا يخرج منها لشيء لأن ذلك لا يمكن ولا يحتاج إليه، وإنما المحتاج إليه ما يتعلق به الغرض ويقف عليه المقصد ويزداد في الثمن لأجله ويرغب في إسلافه (^٢) لمكانه، فإذا حصل كفى (^٣) عن زيادة عليه وذلك يختلف في أنواع المبيعات بما يعرفه أهل كل نوع من وصفه عندهم مما يقصد من صفاته، فإذا ثبت هذا فحصر الباب: أن كل سلعة جاز أن تباع مشاهدة وتحصرها الصفة إذا غابت عن العين، فإن السلم فيها (^٤) جائز من سائر العروض والحيوان والأطعمة وغيرها فيستغنى بذلك عن التكثير بأعيان المسائل وتفصيلها (^٥) إلا مواضع يختلف فيها.
فصل [٤ - السلم في الرقيق والحيوان]:
يجوز السلم في الرقيق وسائر الحيوان (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧)، لما روى أنه ﷺ أرخص في السلم (^٨)، وفي حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يجهز جيشًا فنفذت الإبل فأمره أن يأخذ على قلاص (^٩) الصدقة،
_________________
(١) في (م): المجهول.
(٢) في (م): إسلامه.
(٣) في (ق): كما.
(٤) في (م): نوعها.
(٥) في (ق): ونقصانها.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ١٨٥ - ١٨٨، التفريع: ٢/ ١٣٤، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٣٨.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٤٢.
(٨) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٩٨٢.
(٩) قلاص: جمع قلوص وهي الشابة من الإبل (انظر الصحاح: ٣/ ١٠٥٤).
[ ٢ / ٩٨٥ ]
فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة (^١)، ولأن الحيوان يثبت في الذمة إما سلمًا وإما قرضًا لأنه ﷺ استقرض بكرًا ورد رباعيًّا (^٢)، ولأنهم يوافقونا في تعلق (^٣) الحيوان بالذمة مهرًا وخلعًا وكتابة وصلحًا، فنقول: لأن الحيوان يتعلق بالذمة مهرًا، فجاز أن يتعلق بها سلمًا وقرضًا اعتبارًا بالثياب، ولأنه عقد معاوضة فجاز أن يكون الحيوان فيه عوضًا (^٤) في الذمة أصله النكاح ولأن الحيوان يضبط بالصفة، وكذلك قال رسول الله - ﷺ -: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها" (^٥)، وكذلك دية العمد والخطأ بالصفة، والعبيد يضبطون بالصفة في الجنس واللون والسن والهيئة.
فصل [٥ - السلم في الدنانير والدراهم]:
السلم في الدنانير والدراهم جائز (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧) لقوله ﷺ: " .. فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم" (^٨) فعم، ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنًا جاز أن يكون مثمونًا (^٩) أصله الثياب، ولأنه
_________________
(١) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في الرخصة في الحيوان بالحيوان نيئة (٣/ ٦٥٢) والدارقطني: ٣/ ٦٩، والبيهقي: ٥/ ٣٨٧، وفي إسناده ابن إسحاق، وقد اختلف عليه فيه (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ٨).
(٢) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضي خيرًا منه: ٣/ ١٢٢٤.
(٣) في (ق): يوافقنا في تعليق.
(٤) في (م): معاوضة.
(٥) أخرجه الإِمام أحمد: ١/ ٣٨٠، و٤٦٠، وقال الهيثمي: وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: ٨/ ١٠٥).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ١٢٨، الكافي ص ٣٣٨.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦ - ٨٧، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٤٢ - ٤٤.
(٨) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٨٩٢).
(٩) في (م): مثمنًا.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
يمكن ضبطها بالصفة فيذكر جنس فضتها وسكتها وخفتها وثقلها ووزنها (^١)، وكونها صحاحًا وجيادًا فجاز السلم فيها.
فصل [٦ - جواز السلم في اللحم]:
يجوز السلم في اللحم بصفة معلومة (^٢) خلافًا لأبي حنيفة (^٣)؛ لأنه يضبط بالصفة فيقال: لحم ضأن معلوف من كبش أو من خروف أو لحم معز، وإن اختلفت الأغراض في مواضعه من الشاة من صدر أو فخذ أو جنب ذكر.
فصل [٧ - جواز السلم في الرؤوس والأكارع]:
يجوز السلم في الرؤوس والأكارع (^٤) خلافًا لأبي حنيفة ولأحد وجهي الشافعي (^٥) لأنه يصح ضبطها بالصفة من السمانة والجنس وفروع هذا الباب كثيرة وجُمَلها قد ذكرناها.
فصل [٨ - في كون المسلم فيه مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو غيره]:
وإنما قلنا: يجب أن يكون مقدرًا بكيل معلوم أو وزن أو عدد أو غيره من المقادير على حسب المسلم فيه وما يعرف به مقداره عند أهله لينتفي عنه الغرر بالجهل ويحصل العلم لكل واحد للبائع بما اشتغلت به ذمته وللمسلم بما يطالب به وما عاوض عليه، وراعينا عادة أهل كل بلد في معرفة مقادير السلم عندهم لأنهم إن حملوا على خلافه دخلت الجهالة لأن قصدهم من معرفة المبلغ الوجه الذي ألفوه بينهم.
فصل [٩ - وجوب كون رأس المال معلومًا]:
وإنما قلنا: يجب أن يكون رأس المال معلومًا بمثل ماله وجب ذلك له في الطرف الآخر؛ لأنه أحد الطرفين في السلم اعتبارًا بسائر البياعات.
_________________
(١) ووزنها: سقطت من (ق).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٢٥، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٣٨.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٤٢.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ١٢٥، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٣٨.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، مختصر المزني ص ٩٢.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
فصل [١٠ - اشتراط كون رأس المال نقدًا]:
وإنما شرطنا أن يكون رأس المال نقدًا لأنه متى كان مؤجلًا دخله الدين بالدين، وإنما قلنا: إن قبضه في مجلس العقد ليس بشرط وأنه يجوز تأخيره اليوم واليومين بغير شرط التأجيل لأن ذلك لا يخرجه إلى الدين بالدين، إذ لا بد من استثناء مدة يمكن فيها وزن (^١) المال ونقده، وجرى العادة بتراخي الوزن والإقباض عن وقت الإيجاب والقبول، ولأن من ابتاع ثوبًا بنقد فتأخر قبض الثمن يومًا أو يومين لم يخرجه ذلك عن النقد ولم يدخل في حيز (^٢) الأجل.
فصل [١١ - اشتراط الأجل في السلم]:
وإنما قلنا: إن الأجل شرط في السلم وأنه لا يجوز أن يكون حالًا خلافًا للشافعي (^٣)، لقوله ﷺ: "فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم" (^٤)، ولأن السلم إنما جُوِّز ارتفاقًا للمتعاقدين لأن المسلم (^٥) يقدم الارتخاص والمسلم إليه يرغب في إرخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به، وفي الصبر والتأخير، فوجب أن ما أخرج ذلك عن بابه ممنوع لأنه إذا كان حالًا زال هذا الرفق.
فصل [١٢ - في اعتبار الأجل القريب والبعيد في السلم]:
ووجه قوله: أنه يجوز إلى الأجل القريب والبعيد قوله ﷺ: "إلى أجل معلوم" (^٦) فعم، واعتبارًا بالأجل البعيد، ولأنه معنى يشترط في السلم، فجاز قليله وكثيره أصله مقدار المسلم فيه، ووجه قوله: أنه لا يجوز إلا
_________________
(١) في (م): زوال.
(٢) في (م): خبر.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ٩٧، مختصر المزني ص ٩٠، الإقناع ص ٩٥.
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٨٢).
(٥) في (م): السلم.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٨٢).
[ ٢ / ٩٨٨ ]
إلى أجل تختلف في مثله الأسواق أن المقصود من السلم الارتفاق من انتفاع البائع بتقديم المال والمسلم (^١) بما يرتخصه ليحصل له من تغير الأسواق واختلافها ما يريده، وإذا أضربا أجلًا لا يوجد فيه هذا المعنى لم يحصل الرفق المقصود فكان في معنى الحال.
فصل [١٣ - في كون الأجل معلومًا]:
وإنما قلنا: إن الأجل يكون معلومًا لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٢)، قال ابن عباس: هو السلم، وقوله ﷺ: "إلى أجل معلوم" (^٣)، ولأن الجهل بمدة السلم غرر كالآجال في الديون.
فصل [١٤ - السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج]:
ويجوز السلم إلى الحصاد والجداد وقدوم الحاج (^٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥)، لأنه وقت يعرف في العادة لا يتفاوت اختلافه كقولك إلى شهر كذا وكذا أو إلى النيروز أو المهرجان (^٦).
فصل [١٥ - وجود المسلم فيه عند الأجل]:
وإنما قلنا: إن شرطه أن يوجد المسلم فيه عند الأجل (^٧) لأن الغرض بالسلم
_________________
(١) في (م): السلم.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٨٢).
(٤) انظر: الكافي ص ٣٣٨.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، الأم: ٣/ ٩٩.
(٦) النيروز: معرب وهو أول السنة لكنه عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل وعند القبط أول توت (المصباح المنير ص ٥٩٩)، والمهرجان عيد للفرس وهي كلمتان: مهر، جان، ومعناها: محبة الروح، وفي بعض التواريخ كان المهرجان يوافق أول الشتاء (المصباح المنير ص ٥٨٣).
(٧) في (م): المحل.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
حصول المسلم فيه بإزاء العوض (^١) المبذول (^٢) في مقابله، فإذا لم يوجد عند المحل كان غررًا وعائدًا بالجهل لأنه إما أن يفسخ العقد فيرجع المسلم بالثمن على غرر أو يصبر (^٣) إلى وقت وجوده، وذلك انتقال من أجل إلى أجل ويصير كمن عقد على عين الغير والبائع لا يقدر (^٤) على تسليمها، وكل ذلك غير جائز.
فصل [١٦ - عدم اشتراط وجود المسلم فيه حال العقد]:
وإنما لم يجعل وجوده عند العقد شرطًا في صحة العقد خلافًا لأبي حنيفة (^٥) لقوله ﷺ: "في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (^٦) فعم، ولأنه وقت لا يجب التسليم فيه فلم يضر فقده فيه أساسًا بين العقد والأجل (^٧).
فصل [١٧ - ذكر الموضع الذي يسلم فيه]:
وإنما قلنا: إن الأولى أن يذكر الموضع الذي يسلم فيه ليزول التخاصم بين المتبايعين ويكونا قد دخلا على معرفة بذلك، وقلنا: إن تركا ذكره لم يضر لأن الأمر يحمل على العرف في مثل ذلك فيصير العرف كالمشترط.
فصل [١٨ - جواز المسامحة في بعض شروط السلم من أحد العاقدين للآخر]:
إذا عقد السلم على الشروط التي ذكرناها صح وجازت المسامحة بعد ذلك من أحدهما للآخر ما لم يعد ينقض أصله أو بذريعة إلى فعل محظور من بيع وسلف
_________________
(١) في (م): العرض.
(٢) في (ق): الجهل.
(٣) في (ق): يسفر.
(٤) لا يقدر: سقطت من (ق).
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٤٣ - ٤٤.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٨٢).
(٧) في (م): أصله بعد الأجل.
[ ٢ / ٩٩٠ ]
أو وضع وتعجيل أو معاوضة على إسقاط ضمان (أو بيع طعام قبل قبضه) (^١) أو بيع طعام بطعام متأخرٍ أو ما أشبه ذلك من الوجوه الممنوعة، فمتى أدت (^٢) المسامحة إلى شيء من ذلك لم يجز وإن سلمت منها فهي جائزة ونحن نبين من ذلك ما ينكشف به ما ذكرناه فيه.
فصل [١٩ - إذا أسلم في شيء موصوف ثم إذا حل الأجل أراد أخذ صنف آخر]:
وإذا أسلم في حنطه موصوفة (^٣) إلى الأجل، فلما حل أراد أن يأخذ بمكيلتها صنفًا أعلى منها أو أدون أو شعيرًا أو سلتًا فلا بأس بذلك، فإن كان ذلك قبل المحل فلا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الأجل إذا لم يحل فأخذ الدون وضع وتعجيل (^٤)؛ لأن التقديم غير مستحق له، فإنما رضي بدون شرطه لتعجله وأخذ الزيادة في مقابلة إسقاط الثمن عند البائع لأنه يخاف إن بقي في ذمته إلى وقت أجله (^٥) ارتفاع أسواقه وغلاء ثمنه وتلزمه كلفة إلى ذلك الوقت في حفظه وتعهده ويعلم أنه لا يلزم المسلم قبوله قبل الأجل، فتكون الزيادة في مقابلة جميع هذا، وإذا حل الأجل أمن من ذلك كله لأنه إن كان (^٦) أخذ الدون فذلك مسامحة لأنه ليس بمتعجل شيئًا لا يستحقه لأن الأجل قد حل وإن أخذ الأعلى فذلك مسامحة من المسلم إليه؛ لأنه لا يستحق عليه ببقية السلم (^٧) في ذمته زيادة على الأجل فيحمل ذلك عليه، فبان الفرق بينهما وإن كان ذلك في غير الجنس
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٢) في (م): آلت.
(٣) في (ق): معرفة.
(٤) في (ق): تعجل.
(٥) في (م): الأجل.
(٦) إن كان: سقطت من (م).
(٧) في (ق): المسلم.
[ ٢ / ٩٩١ ]
أو النوع امتنع في الطعام وجاز في غيره لأنه إذا أسلم إليه في كر (^١) حنطة، فلما حل الأجل أعطاه مكانه عدسًا أو أرزًا أو حمصًا أو غير ذلك من أنواع الطعام أو العروض أو الحيوان لم يجز شيء من ذلك لأنه بيع الطعام قبل قبضه وقصد المتاجرة والمغابنة وخروج عن المعروف والمسامحة.
وأما في غير الطعام فيجوز كأنه أسلم إليه في عشرة أثواب قصب بصفة معلومة وغزل معروف، فلما حل الأجل رجع إليه عنها شيئًا من غير جنسها مثل الطعام أو الحيوان، فإنه يجوز لأنه بيع الثياب المسلم فيها قبل قبضها وذلك جائز بخلاف الطعام، وهذا إذا قبض الشيء الذي ينتقل إليه فإن لم يقبضه وكان في ذمة المسلم إليه لم يجز لأنه يصير دينًا بدين، فأما إن دفع إليه (^٢) قبل حلول الأجل مثل طعامه في الكيل والصفة فله أن يقبله وله أن لا يقبله (^٣) خلافًا للشافعي في قوله: إنه يلزمه أن يقبل العروض (^٤) وكل ما سوى الحيوان؛ لأن الأجل في السلم حق لهما، فلما كان المسلم لو طالب به قبل حلول أجله لم يلزم المسلم إليه دفعه لأنه في ذلك إسقاط حقه من تبقيته في ذمة المسلم إليه وضمانه وأن يسقط عنه حفظه ومراعاته، فإذا ثبت ذلك وتراضيا على أخذه قبل الأجل جاز لأنه مسامحة من أحدهما للآخر.
فأما الذهب والفضة فيلزم من تدفع إليه قبل محلها أخذها بخلاف غيرها من الطعام والعروض لأنه لا يرجى فيها من تغير الأسواق واختلاف الأسعار ما يرجى في سائر المثمنات ولا يحتاج إلى حفظ ولا مراعاة ولا تلزم عليها مؤونة ولا يخاف عليه فساد، فكان الأجل فيها حقًّا ينفرد به من هي عليه والله أعلم، وهذا الذي ذكرناه في الذهب والفضة يستوي فيه البيع والقرض، فأما ما عداه فالأجل
_________________
(١) الكر: كيل معروف وهو ستون قفيزًا أو اثنا عشر وسقا (المصباح المنير ص ٥٣٠).
(٢) إليه: سقطت من (ق).
(٣) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ٣/ ١٣٥، التفريع: ٢/ ١٣٦، الرسالة ٢١٦ - ٢١٧، الكافي ٣٣٩.
(٤) انظر: الأم: ٣/ ١٣٢ - ١٣٣، مختصر المزني ٩٢، الإقناع ٩٧ - ٩٨.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
في المعاوضة (^١) حق لهما لا يلزم أحدهما قبول ما يتعجل منه إلا برضاه، وفي القرض حق المستقرض وحده، فإن عجله لزم المالك قبوله.
فصل [٢٠ - إذا حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي]:
وإذا أسلم (^٢) في طعام أو عرض إلى أجل ودفع الثمن فلما حل الأجل أخذ البعض وأقال من الباقي فلا يجوز ذلك لأنه ذريعة إلى البيع والسلف، وذلك أن التهمة تقوى في أنهما تواطئا على البيع والسلف وسمياه بيعًا ليتطرق بذلك إلى جوازه كأنه قال له بعني عشرة أكرار بمائة دينار، فقال: لا أفعل إلا أن تسلفني مائة دينار (فقال: أن البيع والسلف لا يجوز ولكن يجعل السلم في عشرين كرًا بمائتي دينار) (^٣)، فإذا حل الأجل أقلتك من عشرة أكرار وأخذت عشرة فينتفع البائع بثمن العشرة ثم يرد بدله فيصير بيعًا وسلفًا، ولا يجوز إلا أن يكون الإقالة في الشيء اليسير الذي لا يخاف منه ذلك ولا تقوى التهمة لأجله مثل: أن يسلفه في عشرين كرًا فيقيله من كر ونصف كر أو الأمر الخفيف، فهذا لا يقوى التهمة إلا أن يكونا قصدا بيع عشرين كرًا بمائتي دينار لينتفع بدينار أو بخمسة، وكذلك لو أقاله من النصف وكان رأس المال معيبًا فرده بعينه، فيعلم أنه لم ينتفع به بأن ذلك جائز غير ممنوع لأن الإقالة تصرف إلى الرفق وإعواز الإتمام أو غيره من الأعذار (^٤).
فصل [٢١ - شرط أخذ طعام بدل طعام في السلم عند الأجل]:
فإذا باع شيئًا من الطعام كله -أي طعام كان مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه- بثمن إلى أجل فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده طعامًا لا
_________________
(١) في المعاوضة: سقطت من (ق).
(٢) في (م): إذا أسلف.
(٣) ما بين قوسين سقطت من (م).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، التفريع: ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، الكافي ٣٣٨ - ٣٣٩.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
من جنسه ولا من غير جنسه إلا أن يكون من جنس ما باعه (^١) بعينه بمثل مكيلته وعلى صفته فيجوز (^٢).
وإنما قلنا ذلك لأنه يكون ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام متأخرًا وتسمية الثمن لغوًا، وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصفة جاز لأن الأمر لا يحمل (^٣) على طعام بطعام متأخرًا (^٤) قصدًا للنساء إذ لا فائدة فيه فيتهمان أنهما قصدانها، وإنما يُنَزَّل على القرض أو الإقالة.
فصل [٢٢ - السلم في طعام قرية بعينها أو حائط بعينه]:
السلم في الطعام من قرية بعينها أو ثمرة حائط (^٥) بعينه على ضربين (^٦): إن كان مما يخلف ولا يؤمن تلفه فلا يجوز لأن ذلك غرر، وكالسلم في العين وذلك غير جائز، فإن كان مما لا يخلف في العادة ولا بد أن يسلم أو أكثره، وإن جاز تلف بعضه فلا بأس مثل أن يسلم في عشرة أكرار تمر برني من أعمالك البصرة فيجوز لأن التعيين ليس يفيد أكثر من التعريف ووصف النوع (^٧) المسلم فيه، كما لو قال: أسلفتك في عشرة أكرار حنطة بصفة كذا من حنطة الشام أو المشرق لجاز للعادة الجارية لأن (^٨) الأقليم الذي أضافه إليه لا يختلف.
_________________
(١) في (م): إلا أن يكون من غير حسن.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، التفريع: ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، الرسالة ٢٠٦ - ٢١٧، الكافي ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٣) في (ق): لا يحصل.
(٤) متأخرًا: سقطت من (ق).
(٥) في (م): قداح.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ١١٩ - ١٢١، التفريع: ٢/ ١٣٨، الكافي ٣٣٨.
(٧) في (م): العين.
(٨) في (ق): فإن.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
فصل [٢٣ - التفاضل في المبيعات]:
والتفاضل في المبيعات كلها (^١) على ضربين: منها ما يحرم نقدًا أو نساء وهو الفوت وما في معناه والأثمان فقط، ومنه ما يحرم نساء ولا يحرم نقدًا (^٢)، وعلة ذلك عندنا الجنس بمجرده فلا يجوز في شيء من الأشياء اثنان بواحد من نوعه إلى أجل على وجه والجنسية المعتبرة في ذلك (^٣): اتفاق الأغراض والمنافع واختلافهما (^٤)، فمتى اتفقت لم يجز بيع اثنين بواحد من النوع الذي اتفقت فيه إلى أجل على وجه وما اختلفت جاز، وإن كان جنس الخلقة والنسبة يجمعهما كالغنم التي جنسها واحد وبعضها يراد للحم وبعضها يراد للبن، فإن كان الغرض فيهما واحدًا لم يجز التفاضل مع النساء، وكذلك العبيد يجوز العبد الرومي الذي يراد للحرث والزراعة بالعبدين من جنسه يرادان لغير ما يراد له من المنافع ومثله البازل (^٥) من الإبل الذي يراد (^٦) للحمولة والراحلة باثنتين من القلاص المرادة للحم، وكذلك سائر الحيوان والعروض.
وقال أبو حنيفة: الجنس بمجرده علة منع بيع بعضه ببعض نساء (^٧).
وقال الشافعي: كل ما لا ربا في نقده جائز بيع بعضه ببعض نساء جنسًا كان أو جنسين (^٨).
_________________
(١) كلها: سقطت من (ق).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٧١ - ١٨١، التفريع: ٢/ ١٢٥ - ١٢٩، الرسالة ص ٢١١ - ٢١٥، الكافي ٣١٠ - ٣١١.
(٣) في ذلك: سقطت من (ق).
(٤) واختلافهما: سقطت من (م).
(٥) البازل: هو البعير فطر نابه بدخوله في السنة التاسعة ويستوي فيه الذكر والأنثى (المصباح المنير ص ٤٨).
(٦) يراد: سقطت من (م).
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٥ - ٧٦، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٨) انظر: الأم: ٣/ ١٤، ١٧، مختصر المزني ص ٧٦ - ٧٧، الإقناع ص ٩٤ - ٩٥.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
فالخلاف مع أبي حنيفة في جواز بيع الواحد من جنسه ونوعه إلى أجل، فدليلنا على جوازه قوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^١)، وحديث عبد الله ابن عمر أنه: "ﷺ أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة" (^٢)، وروي ذلك عن عليّ (^٣)، وابن عمر (^٤)، ولا مخالف لهما، ولأن كل عينين لا يحرم التفاضل في نقد (^٥) أحدهما وهما على ضروب (^٦) من اختلاف الصفات تختلف معها منافعها وتتباين (^٧) الأغراض فيهما، فإن أسلم أحدهما في الأخرى جاز أصله الجنسان لأن الثور الذي يصلح للحرث والدراس يراد لقوته وعمله وذلك غير الغرض الذي يراد له الثور المعلوف الذي لا يراد إلا للسمانة واللحم وذلك بيِّن فيما قلناه.
فصل [٢٤ - منع الذرائع المؤدية إلى الربا]:
ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٨) والربا الزيادة، ونهيه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (^٩)، وهذه المسألة (^١٠) من الذرائع وهي ممنوعة عندنا ومعناها أن يمنع الشيء الجائز إذا قويت
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٢) سبق تخريج الحديث ٩٨٦.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٥٢.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٥٢.
(٥) نقد: سقطت من (م).
(٦) في (م): ضرب.
(٧) في (م): سائر.
(٨) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٩) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في الحيوان بالحيوان نسيئة: ٣/ ٦٥٢، والنسائي في البيوع، باب: الحيوان بالحيوان نسيئة: ٧/ ٢٩٢، وابن ماجه في التجارات، باب: الحيوان نسيئه: ٢/ ٧٦٣، والترمذي في البيوع، باب: كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئه، وقال: حسن صحيح: ٣/ ٥٣٨.
(١٠) في (ق): المسلمة.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
التهمة في التطرق به والتذرع إلى الأمر المحظور، وقد وافقونا في ذلك على مسائل منها قرض الجواري وغيرها، ووجه الذريعة في هذا الموضع (^١) أنه يكون قرضًا يجر نفعًا كأن أحد الرجلين يقول للآخر: أقرضني فرسًا أو ثوبًا من صفته كذا وأرد عليك ثوبين مثله إلى شهر فيقول: إن هذا قرضًا يجر نفعًا وذلك ممنوع ولكن أبيعك ثوبًا (^٢) بثوبين فيحصل من ذلك استعمال القرض في الباطن بلفظ البيع فمتى أجزناه حصل منه ذريعة إلى الممنوع لقوة التهمة فيه.
…
_________________
(١) في (ق): الممنوع.
(٢) في (ق): ثوبان.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
باب: [في القرض]
القرض (^١) جائز (^٢) لأنه فيه خير وبر ولأنه ﷺ اقترض (^٣) وندب إلى القرض وقال: "كل معروف صدقة" (^٤).
فصل [١ - فيما يجوز قرضه]:
ويجوز إقراض الذهب والورق والعروض والحيوان كله سوى الإماء، وإنما قلنا ذلك لأن القرض لا يؤدي إلى محظور في هذه الأشياء، فجاز فعله وأجزناه في سائر الحيوان خلافًا لأبي حنيفة (^٥) لأنه (^٦) ﷺ استقرض بكرًا فقضى رباعيًّا (^٧)، ومنعناه في الإماء خلافًا لداود (^٨) وغيره، لأنه ذريعة استباحة فرج بغير نكاح ولا ملك فكان في معنى العارية لأن المقترض يطأ الأمَة ثم يردها فيلزم المالك قبولها ويصير مبيحًا لوطئها، ولأنها منفعة لا تستباح بالعارية فلم تستبح بالقرض كوطء الزوجات.
_________________
(١) القرض لغة: السلف، واصطلاحًا: دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلًا (انظر غرر المقالة ص ٢١٢، حدود ابن عرفة ص ٢٩٧).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٠، التفريع: ٢/ ١٣٨ - ١٤٠، الرسالة ص ٢١٢ - ٢١٣، الكافي ص ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٣) فعن أبي رافع: "أنه ﷺ استلف من رجل بكرًا … " أخرجه مسلم في المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه (٣/ ١٢٤٤).
(٤) أخرجه الحاكم: ٢/ ٥٠، وقال: حديث صحيح الإسناد.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٤.
(٦) في (ق): لقوله.
(٧) سبق ذكر الحديث وتخريجه قريبًا.
(٨) انظر: المحلي: ٨/ ٦٤٢، ٤٧١.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
فصل [٢ - فيمن اقترض أمَة]:
وإذا ثبت ذلك فإن اقترض أمة ردها ما لم يطأها اعتبارًا بسائر ما يقترض لأن قبول رده حق للمستقرض فيلزم المقرض قبوله، فإن وطئها لم يجز له ردها لأنه متى ردها حصل منه إباحة فرج بغير نكاح ولا ملك ولزمته قيمتها لربها لأنه وطء بشبهة أسقطت عنه الحد فوجب تقويمها عليه لتتكامل الشبهة في ردء الحد عنه (^١) اعتبارًا بوطء بينه وبين غيره.
فصل [٣ - القرض يجر نفعًا]:
القرض الجار للنفع حرام (^٢) لنهيه ﷺ عنه (^٣)، فإن تطوع المقترض من غير شرط ولا عادة بزيادة في صفة أو عدد جاز لأنه ﷺ اقترض بكرًا فقضى رباعيًّا وقال: "خياركم أحسنكم قضاء" (^٤)، وروي أن ابن عمر اقترض من رجل دراهم فرد عليه خيرًا منها فامتنع من أخذها وقال: هذه خير من دراهمي، قال ابن عمر: فإن نفسي طيبة بها (^٥).
فصل [٤ - السفاتج بالدنانير والدراهم]:
وأما السفاتج (^٦) فمنعها مالك وأجازه غيره (^٧) فينظر: فإن كان ذلك لنفع
_________________
(١) في (ق): عنها.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٠، التفريع: ٢/ ١٣٨، الرسالة ص ٢١٣، الكافي ص ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٣) أخرجه الحارث بن أبي أسامة وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، وأخرجه البيهقي مرفوعًا (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ٤٣، ونصب الراية: ٤/ ٦٠).
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) في قصة غريبة له انظر عبد الرازق: ٨/ ١٤٧.
(٦) السفاتج: جمع السفتجة -بفتح السين وضمها- وهي: كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالًا قرضًا يأمن به من خطر الطريق (المصباح المنير ص ٢٧٨).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٠، التفريع: ٢/ ١٣٦، الكافي ص ٣٥٩.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
الآخذ فلا بأس مثل أن يقرض رجل رجلًا دنانير ببغداد والمقترض بلده البصرة فيقول المُعطي: أنا أقرضك هذه الدراهم ها هنا ببغداد وتدفعها إلى وكيلي بالبصرة أو أجيء أنا البصرة فآخذها منك حتى لا تحتاج إلى تكلف السفر بها، فهذا جائز لأنه جميل ولا نفع للمعطي، فإن كان النفع فيه للمعطي مثل أن تكون عليه دراهم بالبصرة ويريد أن ينقدها إلى هناك دراهم فيخاف غرر الطريق فيقرضها لمن يدفعها (^١) إلى غريمه بالبصرة فيربح هو نفقة الطريق والغرر، فلا يجوز لأنه قرض يجر نفعًا ومن أجازها علله بأنه ليس لها حمل ولا مؤنة.
فصل [٥ - في موضع قضاء القرض]:
إذا لم يشترط بالقضاء موضعًا لزم المقترض القضاء في الموضع الذي أقرض فيه لأن غيره من المواضع تكليف للمقترض ومؤونه وخسران والتزام وغرر، وكذلك للمقترض (^٢) إن كان القرض نفعًا [المقترض] (*)، وذلك غير جائز فإن لقيه في موضع آخر فأخذه به لم يلزمه ذلك ولكن يخرج معه إلى الموضع الذي اقترض منه فيه أو يوكل من يقضيه في ذلك الموضع، فإن اتفقا على القضاء في بلد آخر، فإن كان بعد محل الأجل جاز لأن ذلك رفق من الباذل والقابل، وإن كان قبله لم يجز لأنه في مقابلة التعجيل (^٣).
فصل [٦ - في مطالبته بالقرض قبل الأجل]:
وإذا أقرضه إلى أجل لم يكن له مطالبته قبل (^٤) الأجل (^٥) خلافًا للشافعي (^٦)
_________________
(١) في (ق): من يدفعها.
(٢) في (م): المقترض.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٠، التفريع: ٢/ ١٣٩، الرسالة ص ٢١٣، الكافي ص ٣٥٩.
(٤) في (م): قبله.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٣٦ - ١٤٠، الرسالة ص ٢١٣ - ٢١٤، الكافي ص ٣٥٨.
(٦) انظر: مختصر المزني ص ٩٠ - ٩١، المهذب: ١/ ٣٠٣. (*) كذا ولعل الصواب [للمقترض] مصححه.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
لقوله ﷺ: "كل معروف صدقة" (^١)، وقوله ﷺ: "الراجع في هبته كالراجع في قيئه" (^٢)، ولأن الأجل قد صار حقًّا للمقترض فأشبه الأجل في السلم.
…
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٩٨).
(٢) أخرجه البخاري في الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها: ٣/ ١٣٤، ومسلم في الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة: ٣/ ١٢٤١.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
باب: [في بيع السلم قبل قبضه]
وإذا أسلم في عرض ثمنًا معلومًا ثم أراد بيعه من المسلم إليه قبل قبضه، فإن باعه بمثل ثمنه أو أقل منه جاز وإن كان بأكثر لم يجز (^١).
وإنما قلنا ذلك لأنه لا تهمة في أن بيعه بمثل الثمن أو أقل منه لأنه يزن (^٢) درهمًا ويأخذه بعد مدة لأن ذلك الدرهم لا زيادة عليه أو دونه وكأنه أقاله أو ندم فباعه بنقصان، وإذا باعه بالزيادة أتهم أن يكون أقرضه دراهم بأكثر منها إلى أجل وتسمية القرض الذي سمياه لغوًا لم يتحصل وذلك ذريعة إلى الربا (^٣).
فصل [١ - جواز بيع السلعة من غير بائعها بمثل أو أقل أو أكثر]:
ويجوز أن يبيعها من غير بائعه بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر يدًا بيد لأن غير البائع لا تهمة بينه وبينه، ولا يجوز أن يؤخر الثمن عليه لئلا يكون دينًا بدين.
فصل [٢ - فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد شراءها من الذي باعها إياه]:
إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أراد أن يشتريها من الذي باعها إياه فلا يخلو أن يشتريها نقدًا أو إلى أجلها أو إلى أجل (^٤) أبعد من أجلها، ثم لا يخلو أن يشتريها بمثل ثمنها أو بأقل أو بأكثر، فهذه سبعة أقسام: يمنع منها قسمان فقط ويجوز باقيها والذي يحفظ منه أن يؤول أمره إلى أن يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، التفريع: ٢/ ١٣٦، الرسالة ص ٢١٢، ٣٤٠.
(٢) في (ق): عون.
(٣) في (م): الزيادة.
(٤) أجل: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
أكثر منه، فهذا القدر هو الممنوع وهو أن يبيعها بمائة إلى شهر فيبتاعها نقدًا أو إلى دون الشهر بثمانين (^١) أو إلى شهرين بمائة وعشرين، ففي هذين الموضعين يمنع لأنه إذا ابتاعها نقدًا بثمانين حصل منه أنه وزن ثمانين وأخذ بعد مدة مائة وتسمية الثمن والبيع لغوًا، وكذلك إذا ابتاعها إلى شهرين بمائة وعشرين حصل منه أنه يأخذ من المشتري بمائة ويعطيه بعد مدة مائة وعشرين وذلك ذريعة إلى الربا فيجب منعه (^٢)، خلافًا للشافعي في قوله أنه جائز (^٣)، وذلك لو جاز لأبيح التذرع إلى الربا والعينة، وهي أن يقول الرجل للرجل: ابتع لي هذه السلعة بعشرة دنانير وأنا أربحك دينارًا، فيفعل ذلك فيحصل منه قرض عشرة بأحد عشر من غير حاجة البائع إلى السلعة، وإنما تذرع بها إلى قرض الذهب بأكثر منها، وإذا وجدنا فعلًا من الأفعال يقع على وجه واحد لا يختلف إلا بالنية من فاعله وظاهره واحد ولم يكن لنا طريق إلى تمييز مقاصد الناس ولا إلى تفصل أغراضهم وجب حسم الباب وقطع التطرق إليه، فهذا وجه بنائها على الذريعة، ولأن الصحابة سلكوا هذه الطريقة في منع البيع في هذه المسألة: لأن ابن عباس سئل عن رجل باع سلعة بمائة ثم اشتراها بخمسين، فقال: الدراهم بالدراهم متفاضلة، والسلعة دخلت بينهما (^٤)، وهذا نص قولنا، ونكتة المسألة حديث زيد بن أرقم (^٥): أن أم ولده باعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشترتها بعد ذلك بست مائة فقالت لها عائشة ﵂: بئس ما اشتريت (^٦) وبئس
_________________
(١) في (ق): بمائتين.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٥ - ١٩٣، التفريع: ٢/ ١٦٣، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣٢٤.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ٧٨ - ٨٠، مختصر المزني ص ٨٥.
(٤) المحلي: ٩/ ١٠٦، عبد الرزاق: ٨/ ١٨٧.
(٥) زيد بن أرقم: بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، مات سنة ثمان وستين (تقريب التهذيب ص ٢٢٢).
(٦) في (ق): ما شريت.
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
ما اشتريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب فقالت: فما أصنع؟ قالت عائشة ﵂: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (^١)، واشتهرت هذه القصة والإنكار من الصحابة (^٢) ولم يختلف عليها (^٣) أحد فيه، وإذا ثبت منع ذلك فقد ذكرنا أن هذه (^٤) الأقسام سوى هذين القسمين لا تمنع فيها، أما شراؤه إياها بمثل الثمن ولا تهمة فيه سواء كان نقدًا أو إلى أجل أو إلى ما بعده لأنه وزن درهمًا وأخذ مثله أو أخذ درهمًا ورد مثله، وكذلك شراؤها إلى الأجل بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر لأنه لا تهمة فيه (ولأنه لم يزن درهمًا ويلقى بعد مرة أكثر منه فيتهم والنقد لا تهمة فيه) (^٥)، وإنما التهمة في التأخير أن يكون ينتفع بالقليل الذي لم يأخذه طول المدة ثم يزن بعد المدة أكثر منه، فأما في الحال فلها تهمة فيه، وشراؤها نقدًا بأكثر من الثمن أو إلى أجل بعد الأجل بأقل منه لا تهمة فيه، لأنه يزن درهمًا ويأخذ بعد مدة أقل منه أو يأخذ درهمًا ويرد بعد مدة أقل منه والله أعلم (^٦).
فصل [٣ - في العينة]:
والعينة ممنوعة (^٧) لأنها ذريعة إلى الربا وقرض دراهم بأكثر منها وصفتها: أن يسأل الرجل أن يبتاع له سلعة ليست عنده فيقول له: اشترها لي من مالك بعشرة دنانير نقدًا وهي لي باثنى عشر إلى شهر كذا فهذا ذريعة إلى الربا على ما ذكرناه.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٢) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٣٠، وعبد الرزاق: ٨/ ١٨٤.
(٣) في (م): ولم يخالف عليها أحد.
(٤) في (م): سائر.
(٥) ما بين قوسين: سقطت من (ق).
(٦) والله أعلم: سقطت من (م).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ١٩٣، التفريع: ٢/ ١٦٣، الرسالة ص ٢١٢ - ٢١٣، الكافي ص ٣٢٥.
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
باب: [في بيع الثمار]
بيع الثمار يقع على وجهين: أحدهما قبل بدء الصلاح فيها، والآخر بعده، فأما قبله فلا يخلو أن يقع على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يقع بشرط (^١) القطع أو بشرط التبقية أو مطلقًا، فأما بيعها بشرط القطع فجائز من غير خلاف (^٢) لانتفاء الغرر فيها، ولأنه باع شيئًا قبل قبض المشتري عقيب العقد من غير مراعاة لأمر يخافه مع التبقية.
فصل [١ - في بيع الثمار بشرط التبقية]:
وأما بيعها بشرط التبقية فباطل من غير خلاف (^٣)، والأصل فيه نهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها نهي البائع والمشتري (^٤)، وروي أنه ﷺ: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى: حتى تحمر أو تصفر" (^٥)، وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" (^٦)، ولأن الغرر يكثر فيها والانتفاع يقل بها، والآفات والعاهات لا تؤمن عليها في تبقيتها، وهذه فائدة قوله ﷺ: "أرأيت إن منع
_________________
(١) في (م): على شرط.
(٢) و(^٣) انظر: بداية المجتهد: ٧/ ٢٥٣، المغني: ٣/ ٩٢ - ٩٤، فتح الباري: ٤/ ٢٦٧ - ٣١٣، نيل الأوطار: ٥/ ١٧٤.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها: ٣/ ٤٣، ومسلم في البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: ٣/ ١١٦٥.
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب: إذا باع الثمار قبل أن يبدوا صلاحها: ٣/ ٣٤، ومسلم في البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: ٣/ ١١٦٥.
(٥) هو جزء من الحديث السابق.
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
الله الثمرة فبم (^١) يأخذ أحدكم مال أخيه" (^٢)، فإذا تتابع طيبها أمنت (^٣) الآفات عليها في الغالب وقيل الغرر فيها، فجاز بيعها.
فصل [٢ - في بيع الثمرة مطلقًا]:
وأما بيعها مطلقًا فغير جائز (^٤) خلافًا لأبي حنيفة (^٥)، "لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدوا صلاحها" (^٦) فعم، وروي: "أنه ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يَسْودَّ والحب حتى يَشْتَد" (^٧)، والنهي يدل على فساد المنهى عنه، وتعليق الحكم بغاية يفيد مخالفة ما قبل الغاية لما بعدها، ولأنه عقد على ثمرة مقدرة قبل بدو الصلاح (^٨)، من غير شرط القطع فلم يصح أصله إذا كان يشترط التبقية.
فصل [٣ - بيع الثمرة بعد بدو صلاحها]:
فأما بيعها بعد بدو الصلاح فإنه أيضًا لابد وأن يقطع على أحد الثلاثة [الأوجه] (*): فإن بيعت بشرط القطع فجائز من غير خلاف، لأنه إذا جاز ذلك قبل بدو الصلاح فبعده أولى، وإن بيعت بشرط التبقية جاز (^٩) أيضًا خلافًا لأبي
_________________
(١) في (م): فبماذا.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) في (ق): أومنت.
(٤) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٨ - ٦١٩، التفريع: ٢/ ١٤١ - ١٤٣، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨ - ٧٩، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٠ - ١١.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٧) أخرجه مسلم في البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: ٣/ ١١٦٦.
(٨) في (م): صلاحها.
(٩) في (م): فجائز. (*) كذا بالأصل ولعل الصواب (أوجه).
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
حنيفة (^١)، لقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٢)، ولنهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل (^٣) أن يبدو صلاحها فأطلق، ولأن الإطلاق جائز باتفاق وهو مقتضي للتبقية فاشتراطها تأكيد لمقتضى الإطلاق.
فصل [٤ - في بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على الإطلاق]:
فإن بيعت على الإطلاق فجاز أيضًا من غير خلاف، والإطلاق يقتضي التبقية ولذلك منعناه قبل بدو صلاحها خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يقتضي القطع، لقوله ﷺ: "أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه" (^٤) ومنع الثمرة ذهابها بجائحة أو آفة من السماء، وذلك إنما يخاف (^٥) على ثمرة تبقى ويستدام تبقيتها ويؤمن فيما يشترط فيه القطع، ولأن الإطلاق في العقود (^٦) محمول على العرف فيكون كالمشترط بدليل وجود ذلك في النقد والسير والحمولة وغيرها وفي نقل ما ينقل من المبيعات والعرف في الثمار إذا بيعت تبقيتها إلى وقت الجداد والإدراك فوجب حمل الإطلاق على ذلك.
فصل [٥ - في وصف بدء الصلاح في الثمار]:
بدو الصلاح في الثمار يختلف بحسب اختلاف الغراس، ففي النخل بأن يحمَّر أو يصفر البسر وفي العنب أن يسود إن كان مما يسود أو تدور الحلاوة فيه إن كان أبيضًا، والتين والبطيخ وغيرهما إدراكه وبلوغ أكله، والبقول تمام نباتها وأن ينتفع بها إذا قطعت في العادة، وقد وردت السنة بأن بدو الصلاح في الثمار
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨ - ٧٩، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ١٠ - ١١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٣) في (م): حتى.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) في (ق): يخلف.
(٦) في (ق): في المعهود.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
الزهو وهو في النخل أن يصفر أو يحمر (^١) وفي العنب حتى يسود (^٢)، وروي: "أنه ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم" (^٣).
فصل [٦ - إذا بدى الصلاح في نخلة من بستان]:
إذا بدا الصلاح في نخله من بستان جاز بيع جميع نخل ذلك البستان، وكذلك إذا بدا في نوع من الثمار كان ذلك كبدوه في جميع ذلك النوع، وهذا إذا كان طيبًا متتابعًا ولم يكن مبكرًا والمراعى (^٤) فيه بلوغ الزمان الذي تؤمن فيه العاهة على الثمرة غالبًا، لأن لو لم يُجَوَّز ذلك إلا بأن يعم الصلاح الحائط لحق فيه ضررًا عظيمًا (^٥) ومشقة شديدة، ولا يكاد يلحق الآخر إلا بفساد الأول، فأما الطيب المبكر فلا اعتبار به (^٦) لأنه لا يحصل معه الأمن من الآفة لسبقه الزمان الذي يؤمن ذلك فيه، ولأنه ﷺ قال: "حتى يبدو صلاحها" (^٧) أراد الصلاح المأمون المعتاد.
_________________
(١) أو يحمر: سقطت من (م).
(٢) كما جاء في الحديث الذي سبق تخريجه في الصفحة (١٠٠٦): "أنه ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد".
(٣) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (٣/ ٦٦٧) بلفظ: "حتى تشقح"، وأحمد: ٣/ ٣٦٠، والبيهقي: ٥/ ٣٠٩، وهو في الصحيحين بلفظ: "حتى تطيب" في البخاري في البيوع، باب: بيع الثمر على رؤوس النخل: ٣/ ٩٩، وفي مسلم في البيوع، باب: المنهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها: ٣/ ١١٦٧.
(٤) في (م): المراعاة.
(٥) في (ق) و(م): ضرورة عظيمة.
(٦) انظر في هذا: الموطأ: ٢/ ٦١٩، التفريع: ٢/ ١٤٣، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٣٣.
(٧) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٠٥).
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
فصل [٧ - جواز بيع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه]:
يجوز أن يباع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه (^١) خلافًا للشافعي (^٢)؛ لأنه إذا جاز بيع ما في المراح بطيب بعضه جاز بيع ما حوله بطيبه لأنه لا فضل في ذلك إلا قيام الجدران بدليل أنها لو قلعت لارتفع المنع وذلك لا يؤثر، ولأن الزمان الذي تؤمن فيه الآفة غالبًا حاصل.
فصل [٨ - في عدم جواز بيع صنف من الثمار بطيب غيره]:
لا يجوز بيع صنف من الثمار بطيب غيره كالرطب والعنب (^٣) لأنها متفاوتة في الإدراك والتلاحق تفاوتًا (^٤) شديدًا، فلم يكن طيب بعضها دالًا على تلاحق (^٥) غيره وتخلصه (^٦) من الآفة.
فصل [٩ - في بيع المقاثي والمباطخ]:
يجوز بيع المقاثي والمباطخ (^٧) إذا بدا صلاح أولها وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيَّبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك (^٨)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٩)، لقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^١٠)، ولأن الغرر إذا دعت الحاجة إليه وكان قليلًا جاز البيع معه ولو
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٣، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٣٢.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ٤٨ - ٥٠، مختصر المزني ص ٨٠.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ / ١٤٣، الكافي ص ٣٣٣.
(٤) في (ق): تهاوتًا.
(٥) في (م): تخلص.
(٦) وتخلصه: سقطت من (م).
(٧) المقاثي: يشمل البطيخ والخيار والقثاء والقرع والباذنجان ونحوه والمباطخ، وهو ما لا يمكن أكله إلا بالطبخ.
(٨) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٣، الكافي ص ٣٣٣.
(٩) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨، مختصر المزني ص ٨٠.
(١٠) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
لم يجز في مسألتنا البيع لجملة المقثات والمبطخة حتى يظهر (^١) إلى أحد أمرين: إما أن تفرد (^٢) الموجود بالبيع (^٣)، وهو إنما يؤخذ أولًا فأول، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر، لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ (^٤) الأول إلا وقد خرج بدله ويشق التميز بين الثمرين أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأن قد اتفقنا على جواز بيع ما لم يبد صلاحه (^٥) من الثمار تبعًا لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تابعًا لما قد خلق.
فصل [١٠ - في بيع الورد والياسمين والموز والقرظ والقصب والكتان]:
والورد والياسمين جائز بيعه إذا حان قطافه والانتفاع به ويكون ما بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبَّانه كما ذكرنا في المقاثي والمباطخ، وأما الموز فلا بد فيه من ضرب أجل لأنه يبقى سنين عدة فيحتاج إلى ضرب أجل ليعلم مقدار المبيع منه وكذلك القرظ (^٦) والقصب لا يجوز بيعه حتى يفنى، لأن مدة بقائه مجهولة، ويجوز بيعه عدة جزات، ولا يجوز أن يشترى الكتان ويستثنى حبته ولا القرظ ويستثنى برسيمه إذا كان ذلك قبل جفاف الحب واستغنائه عن الماء، لأن ذلك بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، ويجوز ذلك إذا كان قد استغنى عن الماء ويبس (^٧)، ولأنه موجود مشاهدة (^٨).
_________________
(١) أي: يظهر نباته على الأرض.
(٢) في (م): يعود.
(٣) بالبيع: سقطت من (ق).
(٤) في (م): يوجد.
(٥) في (ق): صلاحها.
(٦) القرظ: هو حب معروف يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاء (انظر المصباح المنير ص ٤٩٩).
(٧) في (م): يتبين.
(٨) في جملة هذه الأحكام انظر: التفريع: ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، الكافي ص ٣٣٣.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
فصل [١١ - في بيع الحنطة في سنبلها]:
بيع الحنطة في سنبلها مفردة (^١) عن السنبل غير جائز بالإجماع، وأما بيع السنبل (^٢) إذا يبس واستغنى عن الماء فجائز (^٣) خلافًا للشافعي (^٤) لما روي أنه ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض (^٥)، (وروي: "عن بيع الزرع حتى تبيض" (^٦» (^٧)، ولأنه مأكول دونه حائل من أصل الخلقة هي كالباقلاء في قشرته السفلى.
فصل [١٢ - في بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره]:
يجوز بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى وبه (^٨)، قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز (^٩)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^١٠)، ولأنه مأكول في أكمام من أصل الخلقة فجاز بيعه كالرمان والموز، ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك لأن بالناس حاجة إلى بيعه رطبًا لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته وفي نزع قشرته إفساد له فلم يبق إلا جواز البيع.
فصل [١٣ - بيع الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة]:
وإذا ابتاع أصل نخل وفيها ثمر، فإن كان قد أبر (^١١) فهو للبائع إلا أن
_________________
(١) في (ق): المنفردة.
(٢) وأما بيع السنبل: سقطت من (ق).
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، الكافي ص ٣٣٣.
(٤) انظر: الأم: ٣/ ٤٠ - ٤١، مختصر المزني ص ٨٠، الإقناع ص ٩٢.
(٥) أخرجه مسلم في البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع: ٣/ ١١٦٥ - ١١٦٦.
(٦) لم أعثر على تخريج لهذا الخبر.
(٧) ما بين قوسين سقط من (م).
(٨) في (ق): وتبدأ.
(٩) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨، مختصر المزني ص ٨٠.
(١٠) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(١١) التأبير: هو التلقيح أبرت النخل يعني لقحت (غرر المقالة ص ٢١٧).
[ ٢ / ١٠١١ ]
يشترطه المبتاع، وإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع من غير شرط وإن استثناه البائع لم يجز (^١)، وقال الشافعي: يجوز (^٢)، وقال أبو حنيفة: والثمرة في الحالين للبائع قبل الإبار وبعده ولا يكون للمبتاع إلا بشرط، ودليلنا قوله ﷺ: "ومن ابتاع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (^٣) فشرط في كونه للبائع أن يؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل الخلقة فوجب أن يتبعه (^٤) في البيع (بمقتضى العقد كالحمل في البطن واللبن في الضرع) (^٥)، وإنما قلنا: أن البائع إن استثناها لم يجز لأنها قبل الأبار كامنة غير ظاهرة، فهي كالجنين في بطن أمِّه واستثناء الجنين إذا بيعت الأم غير جائز.
فصل [١٤ - إذا أبر بعض الأرض وبعضها لم يؤبر]:
إذا أبر بعضها ولم يؤبر البعض، فإن كانا متساويين كان ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيهما روايتان (^٦):
إحداهما: أن الأقل تبع للأكثر، والأخرى: أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري.
فوجه الأولى: أن الأصول موضوعة على الغالب على أن القليل تابع للكثير فوجب حمل هذا الموضع عليها (^٧)، ووجه الثانية عموم الخبر واعتبارًا بالعراجين.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٦، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٣٥.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ٤١، مختصر المزني ص ٨٠، الإقناع ص ٩٢.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع، باب: قبض من باع نخلًا قد أبرت: ٣/ ٣٥، ومسلم في البيوع، باب: من باع نخلًا عليها تمر: ٣/ ١٧٣.
(٤) في (م): يبيعه.
(٥) ما بين قوسين سقط من (م).
(٦) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٦، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣٣٥.
(٧) في (ق): على هذا.
[ ٢ / ١٠١٢ ]
وإنما قلنا: إنهما إذا كانا متساويين لم يتبع أحدهما (^١) الآخر لأنه ليس لأحدهما مزية على الآخر بكثرة فيتبعه.
فصل [١٥ - علامة التأبير في الأشجار غير النخل]:
ما عدا النخل من سائر الأشجار فعلامة التأبير فيها أن تورد الشجر ثم ينعقد الورد ثمرًا، فيثبت البعض ويسقط البعض مما لم ينعقد فيها (^٢)، فيكون ذلك كالإبار في النخل.
فصل [١٦ - إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير ولم يبد صلاحه]:
إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير لم يظهر ولم يبد صلاحه ولم يذكره في عقده ففيها روايتان: إحداهما أنه للبائع، والأخرى أنه للمبتاع، فإذا قيل: للمبتاع (^٣) فاعتبارًا بالثمرة، وإذا قيل: إنه للبائع فلأنه عين وضعت في الأرض على غير التأبيد بل على النقل والاسترجاع كالمال المدفون (^٤) في الأرض.
مسألة [١٧ - بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا]:
يجوز بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا (^٥) لأنها مشاهدة وتسرى وتحرز ولا يجوز بيعها (^٦) بالخرص لأنه غرر لا حاجة تدعو إليه واعتبارًا ببيع الصبرة، ويجوز بيع جزء منها مثل نصفها أو ثلثها وربعها للضرورة إلى بيعها في رؤوس النخل على ما هي عليه، ولأن البيع معلوم والمستثنى المبقى على الملك معلوم، ويجوز أن يستثنى منها جزءًا معلومًا، كما يجوز أن يبتدأ في بيع ذلك
_________________
(١) في (ق): إحداهما.
(٢) وفيها: سقط من (م).
(٣) فإذا قيل للمبتاع: سقطت من (م).
(٤) في (ق): المرهون.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٧، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٢٦.
(٦) في (م): ولا يجوز بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
الجزء المبقى باسمه من غير استثناء إذا لعوض معلوم، ولو (^١) قال: بعتك هذه الثمرة إلا ربعها فهو كقولك (^٢): بعتك ثلاث أرباع الثمرة (^٣) فيصح (^٤)، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير إلا قبح اللفظ، وذلك غير مؤثر، وأما استثناء الكيل فيجوز عندنا مما بينه وبين الثلث فقط، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥) في منعهما ذلك في الكيل (^٦) في القليل والكثير، فإن ذلك عمل متصل بالمدينة (^٧) مستفيض بين الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلونه إذا باعوا حوائطهم، ولأنه استثناء قدر معلوم، فصح البيع معه أصله استثناء الجزء ولا تدخل عليه الزيادة على الثلث لأن التعليل لإلحاق أحد النوعين بالآخر.
فصل [١٨ - في تعليل الفصل بين ما زاد على ثلث الكيل وبين ما قصر عنه]:
وإنما فصلنا بين ما زاد على الثلث، وبين ما قصر منه لأن ما قصر عنه في حيز القليل فلا يُبطل غرض المشتري، ولأنه لا يؤدي إلى الجهل بالمبيع ومقداره.
فصل [١٩ - إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه]:
إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه، فذلك على وجهين: أحدهما أن يعين ما استثناه، والآخر أن لا يعينه: فإن عيَّن ما استثنى فذلك جائز لا يختلف المذهب فيه لأن البيع يتناول ما عدى تلك بالأعيان المستثناة، وإن لم يعين وكان ذلك معلقًا على الاختيار، فلا يخلو أن يشترط الخيار للبائع أو للمشترى، فإن كان للبائع جاز إن كان (^٨) بقدر ثلث الثمرة، مما يجوز له أن يستثنيه كيلًا،
_________________
(١) في (م): وإذا.
(٢) في (م): كقوله.
(٣) في (م): أرباعها.
(٤) في (ق): فلا يصح.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨، مختصر المزني ص ٦٠.
(٦) في الكيل: سقطت من (م).
(٧) حكى عمل أهل المدينة القاضي عبد الوهاب أيضًا في كتابة الأشراف: ١/ ٢٦٥.
(٨) في (م): كانت.
[ ٢ / ١٠١٤ ]
وإن كان للمشتري فلا يجوز لأن غرض المشتري لا يحصل له ويصير المبيع مجهولًا (^١).
فصل [٢٠ - في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة]:
اختلفت الروايات عن مالك في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة (^٢):
فروي عنه منعه على الإطلاق، وروي عنه: إجازته في السفر دون الحضر، وقال المحققون من أصحابنا: إن هذا كله اختلاف أحوال وليس باختلاف قول، والمذهب أن الأسقاط إذا كانت لها قيمة وبال يأخذ قسطًا كبيرًا من الثمن فإن استثناها فهو غير جائز (^٣) في سفر ولا حضر لأن استثناء الكثير تعرض الصفقة للغرر واستثناء اليسير لا يوجب ذلك، وإذا كانت يسيرة القيمة لا خطب لها فإن استثناءها جائز لقلة الغرر، والمنع والإباحة يتبع هذا المعنى، وإما نص على الحصر بالمنع، وعلى السفر بالإباحة ليجري العادة بكثرة القيمة في الحضر وقلتها ودناءتها (^٤) في السفر.
فصل [٢١ - دليل جواز الاستثناء]:
وإنما قلنا: إن استثناءها جائز في الجملة لأنه (^٥) ﷺ لما هاجر ومعه أبو بكر ﵄ مروا براع فاشتروا منه شاة وشرطوا له رأسها وإسقاطها (^٦)، وروي ذلك عن زيد بن ثابت (^٧) وجماعة من
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٧، الرسالة ص ٢٢٢، الكافي ص ٣٣١.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢، الكافي ص ٣٣١.
(٣) في (ق): جائز.
(٤) في (م): دنى خطبها.
(٥) في (م): لما روى.
(٦) في (م): سواقطها، وأخرج الحديث أبو داود في مراسيله عن عروة بن الزبير وذكر الحديث في المدونة ورواته ثقات إلا موسى بن شيبة الحضرمي، فإنه مقبول والحديث مرسل (انظر: تخريج أحاديث المدونة: ٣/ ١١٣٨).
(٧) زيد بن ثابت: بن الضحاك بن لوذان الأنصاري البخاري، صحابي مشهور، =
[ ٢ / ١٠١٥ ]
الصحابة (^١) ﵃، ويجوز استثناء اليسير من لحمها كالأرطال اليسيرة ولا يجوز زيادة على ذلك لأنه يؤدي إلى الجهل بالمبيع كالثمرة ولا يستثنى منها فخذًا ولا يدًا، لأن ذلك يكثر الغرر فيه بخلاف السواقط.
فصل [٢٢ - في شراء ثمر مكيل من حائط بعينه]:
يجوز أن يشترى الرجل ثمرًا مكيلًا من حائط بعينه، وقد بدا صلاحه بثمن معجل أو مؤجل معلوم (^٢)، فإن فنى استيفائه ما ابتاعه منه أخذ بقيمة رأس ماله أو غيره مما يتراضيان عليه في الحال ولا يؤخراه (^٣).
وإنما قلنا ذلك لأنه بيع عين وليس بسلم لأنه يتعلق بالذمة فجاز في الحائط المعين بالثمن المعجل والمؤجل.
وإنما قلنا: يأخذ بقيمة (^٤) رأس ماله، لأن العين إذا تعذرت التوفية بها (^٥) بطل العقد فيها ولا يلزم (^٦) أن يدفع إليه بقيته لأن العقد لم يتناول شيئًا في الذمة.
وإنما قلنا: إن لهما أن يتراضيا على شيء يفسخه فيه؛ لأن ذلك ليس ببيع الطعام قبل قبضه لأنه إذا لم يبق له ما يأخذه تبيَّنا أنه لم يملك ما لم يبق له فانفسخ العقد فيما بقي، وقلنا: لا يؤخره لئلا يكون دينًا بدين.
…
_________________
(١) = كتب الوحي، كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعون، وقيل: بعد الخمسين (تقريب التهذيب ص ٢٢٢).
(٢) وروي عن عليّ بن أبي طالب وشريح الكندي (انظر عبد الرزاق: ٨/ ٢٧، المغني: ٤/ ١١٦).
(٣) معلوم: سقطت من (م).
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٤٨، الكافي ص ٣٣٢.
(٥) في (ق): بقدر.
(٦) في (م): فيها.
(٧) في (م): يلزمه.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
باب: [في العرية]
العرية (^١) جائزة (^٢) وهي: أن يهب الرجل ثمرة نخله أو نخلات أو شجرة له من رجل، ولا يجوز لمن أعريها أن يبيعها حتى يبدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز له بيعها من كل أحد بالذهب والفضة والعروض، ومن مُعريها خاصة بخرصها ثمرًا يدفعه إليه عند الجِذاذ في خمسة أوسق فدونها ولا يجوز ذلك في زيادة عليها في حق كل واحد مما عري، بأن كان الجميع يزيد على خمس (^٣) وسق بعد أن لا تزيد عرية كل واحد على ذلك.
وإنما قلنا: إن العرية هبة ثمر النخل أو الشجر لأن العرية في اللغة: الهبة، قال أهل اللغة: العرية والمنحة والعطية بمعنى واحد، تقول: عروّ الرجل أَعْرُوه إذا أتيته تلتمس ثمرة، وقيل أيضًا (^٤): أنها مأخوذة من تخل الإنسان عن ملكه وعُرُوُه منه كأنه عري منه، ومنه قوله ﷿: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (^٥) بالموضع الخال المنكشف (^٦)، وعند أبي حنيفة أنها الهبة على ما قلناه إلا أنه قال: يجوز أن يعطيه بها ثمرًا (^٧) لأنها لم تجب لعدم القبض، فله أن يأخذها منه ويعطيه
_________________
(١) العرية: قال ابن عرفة: هي ما منح من ثمر ييبس، وقال المازري: هي هبة الثمرة، وقال عياض: منح ثمر النخل عامًا، وقال الباجي: هي النخلة الموهوب ثمرها (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ٢٨٧).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٨، التفريع: ٢/ ١٤٩ - ١٥١، الرسالة ص ٢٢٢، الكافي ص ٣١٥ - ٣١٦.
(٣) في (ق): مائة.
(٤) أيضًا: سقطت من (م).
(٥) سورة الصافات، الآية: ١٤٥.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ١٠١.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٢٠٣.
[ ٢ / ١٠١٧ ]
الثمر (^١) ابتداء، وعند الشافعي: أن العرية بيع الرطب في رؤوس النخل بثمن يتعجله (^٢).
فصل [١ - تعليل أحكام العرية]:
وإنما قلنا: إنها ليست ببيع لما قدمناه من الأدلة على أن معناها الهبة في اللغة، وإنما قلنا: أنه لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (^٣)، فعم الثمرة الموهوبة (^٤) وغيرها، وإنما قلنا: إنه يبيعها بما شاء من الثمن سوى الطعام بسائر الثمار المملوكة بالشراء أو بأصل الملك أو بميراث أو غير ذلك، وإنما قلنا: أنه يجوز بيعها من معريها خاصة بالثمر لأن النبي - ﷺ - أرخص في العرايا بأن تباع بخرصها تمرًا (^٥)، وإنما جاز ذلك في المعري خاصة لأنه يريد قطع تطرق المعري (^٦) عليه في دخوله إلى حائطه، فيجوز ذلك للرفق به، وهذا لا يوجد في غيره، وإنما قلنا: لا يجوز أن يقال: وإنما ابتداء بيع الرطب (في رؤوس النخل بالتمر لنهيه ﷺ عن بيع الرطب) (^٧) بالتمر، ولأن العرية اسم للهبة على ما بيناه دون البيع.
وإنما قلنا: يأخذه عند الجذاذ لأن الحديث بذلك ورد، ولأن القصد منها الرفق دون المغابنة والمتاجرة، ولا يجوز تعجله لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة فيها واستثناءها من بابها، وإنما يكون على وجه كفاية المعري القيام بسقيها وتعهدها (^٨)
_________________
(١) في (م): الثمن.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ٥٣، ٥٦، مختصر المزني ص ٨١.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٠٥).
(٤) في (م): فعم الثمر الموهوب.
(٥) أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الزبيب بالزبيب: ٣/ ٣٠، ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا: ٣/ ١١٦٩.
(٦) في (ق): العرايا.
(٧) ما بين قوسين سقط من (م).
(٨) تعهدها: سقطت من (ق).
[ ٢ / ١٠١٨ ]
ومؤونتها، فإذا كان وقت الجذاذ يدفعها (^١) إليه، فيكون قد زاد في إحسانه إليه بذلك.
وإنما قصرناها على الخمسة الأوسق فدونها اتباعًا للحديث، ولأنها لما كانت مخصوصة ومستثناة من بابها وجب أن يحد بقدر لا يكون ذريعة إلى اختلاطها بالأصل الممنوع لأن هذا حكم كل بعض مستثنى من جملة.
وإنما قلنا: أنه لا بأس بالزيادة على ذلك في حق الجماعة المُعْرِينَ؛ لأن عرية كل واحد قائمة بنفسها لا تتعلق بعرية غيره، فجاز في كل واحد ما جاز في الآخر.
مسألة [٢ - الجوائح في الثمار]:
إذا ابتاع (^٢) ثمرًا فأجيحت (^٣) بآفة من السماء من برد أو ريح أو ثلج أو جراد أو عفن أو غير ذلك فأصيبت ثلث مكيلتها فصاعدًا وضع عنه من ثمنها بقدر المحتاج منها فمصيبتها فيما دون الثلث من المشتري، وذلك ما دامت مجتاحة إلى تبقيتها في رؤوس النخل (^٤)، والأصل في وجوب وضع الجوائح -خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥) - ما روي أنه ﷺ أمر بوضع الجوائح (^٦)، وقال ﷺ: "من ابتاع من أخيه ثمرة فأصابتها جائحة فلا يأخذ من ثمنها شيئًا فبم يأخذ مال أخيه بغير حق" (^٧)، وهذا نص، ولأن بيع الثمار على رؤوس النخل في معنى الإجارة لأنها تؤخذ أولًا فأولًا كالمنافع التي تستوفي أولًا فأول، فقد ثبت أن المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المكري
_________________
(١) في (م): دفعها.
(٢) في (ق): باع.
(٣) الجائحة: يعني الآفة (غرر المقالة ص ٢٢٢).
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٥١ - ١٥٢، الرسالة ص ٢٢٢، الكافي ص ٤٣٤.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٨ - ٧٩، مختصر المزني ص ٨٠ - ٨١.
(٦) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: وضع الجوائح: ٣/ ١١٩١.
(٧) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: وضع الجوائح: ٣/ ١١٩٠.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
كذلك الثمار، ولأن التخلية بمجردها لا يكون قبضًا في الثمار بدليل أن تلف الثمرة بعطش يكون من البائع، ولأن البائع ليس له المطالبة بنقلها إلى الجذاذ، فعلم أنها غير مقبوضة وإن وجدت التخلية، ولأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل، فإذا تلفت بآفة سماوية كانت من بائعها كالتلف العطش.
فصل [٣ - مراعاة الجائحة في ثلث الثمرة]:
وإنما راعينا ثلث الثمرة دون ما قصر عنه لأن المشتري دخل على أنه لا بد من تلف يسير بأكل العافي والمجتاز وسقوط اليسير وأكل الطير (^١)، وغير ذلك مما يعلم بضرورة العادة أن المشتري لم يدخل على سلامتها منه، ولأنه ﷺ لما أمر بوضع الجوائح، وكانت الجائحة اسمًا لما أتلف جل الشيء أو ماله خطر وبال منه دون اليسير الذي لا يطلق على (^٢) المال التالف منه أنه جائحة فيه صح ما قلناه، فإذا ثبت ذلك احتيج في الفصل بين القليل والكثير إلى (^٣) حد يفصل به بينهما، فكان الثلث أولى لأمرين: أحدهما أنه إذا ثبت وجوب الفصل فلا حد سواه يصير إليه قائل، والآخر أنه قد اعتبر في الفصل بين القلة والكثرة في غير موضع من الشرع منها: الوصية والمحاقلة وحمل (^٤) العاقلة والحجر على المرأة في مالها لحق زوجها وغير ذلك، فكذلك (^٥) ها هنا.
فصل [٤ - مراعاة تلف الثلث من المكيلة]:
وإنما راعينا تلف الثلث من المكيلة -خلافًا لأشهب- في مراعاة تلف ثلث القيمة لأن كل مصيبة في مبيع وجب بها (^٦) الرجوع على البائع في الثمن فالاعتبار بقدرها من المبيع أصله تلف المبيع المشاع قبل القبض، ووجه قول أشهب
_________________
(١) في (م): الطائر.
(٢) في (ق): لا يبطل عاد.
(٣) في (م): الذي.
(٤) في (م): والعاقلة وحملها.
(٥) في (م): فكان.
(٦) في (ق): لبها.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
أن وضع الجائحة لئلا يستبد البائع بالثمن من غير عوض يحصل للمشتري، فإذا أصيب ما قيمته أكثر من ثلث الثمن، فذلك أخذ مال المشتري بغير عوض.
فصل [٥ - اشتراط حاجتها إلى بقائها على النخل]:
وإنما اشترطنا حاجتها إلى بقائها على النخل لأن وضع الجائحة في الحال (^١) التي تبقى للمبتاع فيها حق توفية على البائع، وذلك حال حاجتها إلى بقائها على النخل، فإذا استغنت سقط حق التوفية فلم تبق على المبتاع (^٢) عهده يجب بها الرجوع.
فصل [٦ - وضع الجوائح في البقول]:
وفي البقول ثلاث روايات (^٣): إحداها أنها كالثمر ووجهها اعتبارها بالثمار، والثانية أن يوضع قليلها وكثيرها ووجهها عموم الخبر وافتراقها عن الثمار للعادة وجريها بذهاب يسير الثمرة وانتفاعها في البقول، والثالثة أنه لا يوضع لها شيء لأنها تخرج غير محتاجة إلى تبقية في موضعها، والأول هو القياس والله أعلم.
…
_________________
(١) في (ق): المال.
(٢) في (م): البائع.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ١٥٣، الرسالة ص ٢٢٢، الكافي ص ٣٣٤.
[ ٢ / ١٠٢١ ]
باب: [في منع التفاضل في بيع الذهب بالذهب] الصرف
والتفاضل ممنوع في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة على أي صفة كانا أو أحدهما (^١) من نقار (^٢) أو مضروب أو مصوغ (^٣) أو مكسور أو جيِّد أو رديء، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل ووزنًا بوزن، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم.
فصل [١ - في بيع الحلي المكسور جزافًا]:
يجوز بيع الحلي المكسور جزافًا ولا يجوز بيع الدنانير والدراهم جزافًا (^٤)، لأن أصل الجزاف غرر، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر (^٥)، إلا أنه في الحلي تدعو الضرورة إليه ويخف أمره ويكثر في المضروب للتشاح فيه، ولأن السكة الخفيفة أنقق عن الناس عن الثقيلة، فكان القصد فيه إلى الغرر.
فصل [٢ - في عدم تأخر القبض عن عقد الصرف]:
ولا يجوز في الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا في أحد الجنسين بالآخر أن يتأخر القبض عن العقد بحال ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة لقوله ﷺ: "إلا ها وها يدًا بيد" (^٦)، (وإن طال بينهما
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٩٨، ١١٥، التفريع: ٢/ ١٥٣، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) نقار: جمع نقرة وهي السبيكة أو القطعة المذابة من الذهب أو الفضة (المصباح المنير ص ٦٢١).
(٣) في (ق): مصنوع.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ١٠٥، التفريع: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، الرسالة ص ٢١٧.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٧٩).
(٦) سبق تخريج الحديث في أول كتاب البيوع في الصفحة (٩٥٥).
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
المجلس من غير تقابض بطل العقد (^١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن العقد لا يبطل بترك التقابض ما لم يفترقا (^٢) بقوله: "ها وها يدًا بيد" (^٣» (^٤) وهذا لم يوجد، ولأن القبض قد تراخا عن العقد فأشبه إذا افترقا.
فصل [٣ - في اقتضاء الذهب والورق أحدهما من الآخر]:
يجوز في الذهب والورق اقتضاء أحدهما من الآخر إذا حلا لحديث ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة الذهب، فسألنا رسول الله - ﷺ -: "لا بأس إذا كان بسعر يومه" (^٥)، ولأن الحالَّ الذي حكم الحاضر، فجاز ذلك فيه ولا يجوز قبل حلوله لأنه يكون ذهبًا متأخرًا.
فصل [٤ - في تطارح ما للرجل إذا كان لكل منهما ذهب حالَّة]:
ولو كان لرجل على رجل ذهب حالَّة وللآخر عليه مثلها جاز، أن يتطارحاها (^٦) صرفًا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٧)، لقوله ﷺ: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (^٨)، ولأن الحال كالمقبوض فكان كالعين بالعين سواء.
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٨٩ - ٩٠، التفريع: ٢/ ١٥٣ - ٥٥٥، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣٠٣ - ٣٠٥.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٥، مختصر المزني ص ٧٧ - ٧٨.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٩٥٥).
(٤) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٥) أخرجه أبو داود في البيوع في اقتضاء الذهب من الورق: ٣/ ٦٥١، والنسائي في البيوع، باب: بيع الفضة بالذهب: ٧/ ٢٤٨، وابن ماجه في التجارات، باب: اقتضاء الذهب من الورق: ٢/ ٧٦، والترمذي في البيوع، باب: ما جاء في الصرف: ٣/ ٥٤٤، وأحمد: ٢/ ١٣٦، وصححه الحاكم: ٢/ ٤٤، وقال: على شرط مسلم.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٩٤، التفريع: ٢/ ١٥٤.
(٧) مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٣٩، ٤٧، الأم: ٣/ ٣٣ - ٣٥.
(٨) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا: ٣/ ١٢١١.
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
فصل [٥ - إذا وجد في أحد الثمنين في الصرف نقصانًا]:
وإذا وجد في أحد الثمنين نقصانًا، لأن رضي به جاز لأن الثمن يكون بقدر ما حصل معه، وإن طلب التمام انتقض الصرف لأن القبض يكون متأخرًا عن العقد، وكذلك إن وجد زائفًا أو رديئًا، فإن رضي به وإلا بطل الصرف ثم ينظر فإن كان (سمَّيا لكل دينار سعرًا معلومًا انتقض صرف دينار واحد لأن كل دينار معقود عليه بنفسه عقدًا يستغنى به عن ضم غيره إليه وإن كان) (^١) سمَّى للجملة ثمنًا لم تسقط التسمية على حساب كل دينار انتقض جميع الصرف لأن العقد واحد للجميع (^٢).
فصل [٦ - في تبديل السكة]:
إذا اقترض دراهم أو دنانير أو فلوسًا أو باع بها بيعًا ثم غيرت سكتها (^٣) وصار النقد غيرها فله مثل ما اقترض أو باع وليس له النقد الجديد لأن النقد إذا تقرر (^٤) وانبرم لم يبطل بالتعامل بغيره، ولأن أكثر ما في ذلك أن يرخص ذلك النقد أو يغلى، وذلك غير مؤثر كما لو رخص أو غلا والنقد باق في التعامل به (^٥).
فصل [٧ - من اقترض ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم نسبها إلى قيمتها من الذهب]:
ومن اقترض من صيرفي أو غيره ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم ونسبها إلى قيمتها من الذهب (^٦)، فليس له عليه إلا ما قبض (لأن ذلك
_________________
(١) ما بين قوسين: سقط من (م).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١١٠، ١١٥، التفريع: ٢/ ١٥٥ - ١٥٦، الكافي ص ٣٠٤.
(٣) السكة: هي ضرب النقود (المعجم الوسيط: ١/ ٤٤٠).
(٤) في (م): تعذر.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ١٠٢، التفريع: ٢/ ١٥٨، الكافي ص ٣٠٩.
(٦) في (م): بالذهب.
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
هو الذي يستحق عليه) (^١) دون القيمة، ولأنا لو طالباه بالقيمة لصار صرفًا بنسيئة.
فصل [٨ - جواز التسامح للرفق]:
بدل الدينار الناقص بالوازن أو الدرهم الناقص بالوازن (^٢) على وجه الرفق والمعروف جائز يدًا بيد لأن كسر السكة غير جائز، والمعروف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره، وهذا إذا لم يعرض ما يمنع منه من اختلاف الفضتين والغرض بهما وأن يخاف كون غرضهما التبايع لا المعروف.
فصل [٩ - في عدم جواز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر]:
لا يجوز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر، وعقد هذا الباب: أن كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين (^٣) غيره ولا معهما جميعًا وسواء كان الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه (^٤).
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع صاع تمر وثوب بصاعي تمر، فيكون أحد الصاعين في مقابلة الصاع والثوب في مقابلة الصاع الآخر، وكذلك دينار وثوب (^٥) بدينارين (^٦).
وإنما منعنا ذلك لحديث فضالة بن عبيد (^٧) قال: أُتِيَ النبي - ﷺ - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال ﷺ:
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م) ومن (ر).
(٢) الوازن: سقطت من (م).
(٣) في (م): في أحد الجنس.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٩٧ - ٩٩، التفريع: ٢/ ١٥٥ - ١٥٧، الكافي ص ٣٠٧.
(٥) في (م): درهم.
(٦) انظر: مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٤٠ - ٤١.
(٧) فضالة بن عبيد: بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أول ما شهد أُحُدًا، ثم نزل دمشق وولي قضاءها، ومات سنة ثمان وخمسين (تقريب التهذيب ٤٤٥).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
"لا حتى تميز بينهما"، قال: إنما أردت الحجارة، فقال: "لا حتى تميز بينهما" (^١) وهذا نص، ولأن مقابلة (^٢) جنس آخر لأحدهما أو لهما يمنع المماثلة لأن الذهب المنفردة ليس في مقابلتها ذهب مثلها وإنما في مقابلتها ذهب وعرض، وهذا ضد المماثلة، ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء كانت جملة (الثمن في مقابلة الجميع) (^٣) منقسطة على المبلغ والقيمة، فإذا تبايعا دينار أو ثوبًا بدينارين حصلت جملة الدينار والثوب في مقابلة الدينارين، ولا نأمن أن تكون قيمة الثوب دينارًا (^٤) أو أكثر من دينار فيؤدي ذلك إلى أن يكون دينار في مقابلة أقل من دينار وذلك ربا لأن الجهل بالتماثل بمعنى تحقق التفاضل ..
فصل [١٠ - في صرف الذهب الجيد بالرديء]:
لا يجوز دينار ذهب جيِّد ودينارين من ذهب رديء بدينارين دون الجيِّد وفوق الرديء (^٥)، وكذلك في التمر لا يجوز صاع معقلي (^٦) وصاع دقلى (^٧) بصاعين من برني (^٨) خلافًا لأبي حنيفة (^٩)؛ لأن التفاضل في القيمة في المماثلة يمنعها ويصير كالتفاضل في الوزن، لأن هذا إنما رضي أن يزن الدينار المتوسط ويأخذ الدون لمكان الجيِّد الذي معه ولولا ذلك لم يفعل، وكذلك إنما رضي بأخذ الدقلي بدلًا من البرني (^١٠) لأجل ما معه من المعقلي، والآخر إنما رضي
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساقاة، باب: بيع القلادة منها خرز وذهب: ٣/ ١٢١٣.
(٢) في (ق): مقارنة.
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) في (م): دينارين.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ١١٥ - ١١٦، التفريع: ٢/ ١٥٥، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣٠٧.
(٦) المعقلي: نوع من الرطب (الصحاح: ٥/ ١٧٦٩).
(٧) الدقلي: أردأ التمر (المعجم الوسيط: ١/ ٢٩٠).
(٨) برني: نوع جيِّد من التمر مدور أحمر مشرب بصفرة (المعجم الوسيط: ١/ ٥٢).
(٩) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٣٨.
(١٠) في (م): بدل الدقلي برنيًا.
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
بأخذ البرني بدل المعقلي لأنه يأخذ صاحبه معه دقلًا وكل ذلك تخاطر (^١) وقصد للمغابنة، ولأن الثمن ينقسط على الجملة فتمتنع المماثلة، وأما إن كانت الرديئة في جهة والجيِّدة في جهة فيجوز لأن القصد من ذلك المعروف والرفق لا المتاجرة.
فصل [١١ - في المراطلة]:
المراطلة (^٢) بالذهب جائزة (^٣)، وهي أن يوضع أحد الذهبين في كفة والآخر في كفة بغير صنجة (^٤)، فإذا استوى لسان الميزان بينهما أخذ كل واحد منهما ذهب صاحبه بدلًا من ذهب نفسه لأن التماثل يحصل بهما كما لو كان بصنجة ولا يراعى في ذلك إلا الوزن دون العدد، فإن كان إحدى الذهبين أكثر عددًا أو أقل وهمًا (^٥) متساويان في الوزن فلا بأس.
فصل [١٢ - في عدم جواز انضمام عقد البيع إلى الصرف]:
ولا يجوز (^٦) أن ينضم إلى الصرف عقد بيع إلا أن يكون يسيرًا على وجه التبع (^٧) لأن الصرف ضيِّق بابه وغُلِّظ فيه واختص بأحكام لا يوجد في غيره، فإذا انضم إليه غيره فاحتيج إلى اعتباره به، وذلك غير جائز فإن كان يسيرًا جاز لأن الضرورة تدعو إليه مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضًا بقيمته أو يزيد الدينار والدرهم وكسره غير جائز فهاهنا يجوز للضرورة لأنه يعلم أن البيع غير مقصود.
_________________
(١) في (ق): لخاطر.
(٢) المراطلة: لغة هي الوزن، واصطلاحًا: بيع ذهب به وزنًا أو فضة كذلك (المصباح المنير ص ٢٣٠، مع حدود ابن عرفة ص ٢٤٥).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١١٣، الموطأ: ٢/ ٦٣٨، الكافي ص ٣٠٥.
(٤) الصنجة: هو ما يتخذ مدورًا على كفتي الميزان (المعجم الوسيط: ١/ ٥٢٧).
(٥) في (م): مما.
(٦) في (ق): ولا يحق.
(٧) انظر: التفريع: ٢/ ١٥٩، الكافي ص ٣٠٤ و٣٠٧.
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
فصل [١٣ - في شراء تراب الذهب والفضة]:
يجوز شراء المعادن من الذهب والفضة الجنس منهما بخلافه ولا يحق بجنسه (^١) خلافًا للشافعي في منعه أصل البيع (^٢) لقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ (^٣)، ولأنه مرئي (^٤) محزور ومعلوم بالعادة مقدر في غالب الحال فجاز بيعه وإن لم يعلم حقيقة وزنه كالجزاف.
فصل [١٤ - في عدم جواز شراء تراب الصاغة]:
ولا يجوز شراء تراب الصاغة خلافًا لمن أجازه (^٥) لأنه غرر إذ لا يعلم هل فيه شيء أم لا ولو علم أن فيها شيئًا لم يظهر ولم يعلم قدره ولا حزره، وذلك غرر مجهول (^٦).
…
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٥٩، الكافي ص ٣٠٦ - ٣٠٩.
(٢) انظر: المهذب: ١/ ٢٧٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٤) في (م): مروي.
(٥) قال ابن أبي موسى في "الإرشاد " بجواز ذلك وهو قول مالك؟ وروي عن الحسن والنخعي وربيعة والليث (المغني: ٤/ ٦٥).
(٦) وذلك غرر مجهول: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
باب: [بيع الغرر]
بيع الغرر (^١) غير جائز (^٢) لنهيه ﷺ عنه (^٣)، والغرر يكون بوجوه: منها الجهل بجنس المبيع كقولك: بعتك ما في كمي أو صندوقي أو كفي (^٤)، ويجوز أن يكون في كمه جوزة أو لوزة (^٥) أو بيضة، ويجوز أن يكون فيه درة أو ياقوتة، ومنها الجهل بصفة المبيع وإن عرف جنسه مثل أن يسلم إليه في عبد أو ثوب ولا يذكر نوعه ولا صفته، ومن هذا الباب بيع الساج (^٦) في جرابه والثوب المطوي، فإذا عرف جنسه ووصفته جاز وخرج عن الغرر، ومنه بيع الملامسة والمنابذة التي (^٧) نهى رسول الله - ﷺ - عنه (^٨) وبيع الحصاة (^٩)، والملامسة أن يجب البيع بلمس الرجل الثوب وإن لم يبينه ولا عرف ما فيه، والمنابذة أن ينبذ الرجل ثوبه إلى الآخر (^١٠) وينبذ الآخر ثوبه إليه، فيجب البيع
_________________
(١) بيع الغرر: أصل الغرر النقصان من قول العرب غارت الناقة إذا نقص لبنها، واصطلاحًا قال ابن عرفة: الغرر ما تردد بين السلامة والعطب (انظر غرر المقالة ص ٢١٢، حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ٢٥٣).
(٢) انظر: الموطأ: ٢/ ٢٥٣، التفريع: ٢/ ١٦٥، الرسالة ص ٢١٢، الكافي ص ٣٣٠ - ٣٣١.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصحة (٩٧٨).
(٤) أو صندوقي أو كفي: سقطت من (م).
(٥) أو لوزة: سقطت من (ق).
(٦) الساج: الطيلسان المقور الضخم الغليظ (المصباح المنير ص ٢٩٣).
(٧) في (م): الذي.
(٨) أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الملامسة: ٣/ ٢٥، ومسلم في البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة: ٣/ ١١٥١.
(٩) أخرجه مسلم في البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة: ٣/ ١١٥٣.
(١٠) في (ق): ثوبا الآخر.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
بينهما بذلك من غير أن ينشر الثوبين ويقفا (^١) على ذرعهما وكذلك بيع الحصاة كانوا في الجاهلية إذا أعجب الرجل الثوب ترك عليه حصاة فيجب البيع بذلك ولا يكون له رد سواء وجده (^٢) صحيحًا أو معيبًا، وقيل: كان الرجل يسوم بالثوب وبيده حصاة فيقول لصاحبه: إذا سقطت هذه الحصاة من يدي فقد وجب البيع، هذه البيوع من بيوع الجاهلية.
ومن بيع الغرر المزابنة: وهو بيع معلوم بمجهول من جنس أو مجهول بمجهول (^٣) من جنس وقد بيناها، فإن كان ذلك مما فيه الربا حرم لأجل التفاضل وإن كان مما لا ربا فيه كان خطرًا أو قمارًا إلا أن يتبين (^٤) الفضل، فيجوز لأنه يخرج حينئذ عن التخاطر (^٥)، ومن الخطر أن يبيعه جزافًا يعلم كيله ولا يعلمه به فيدخل المبتاع على ذلك.
ومن أنواع الغرر ما لا يقدر على تسليمه كالآبق (^٦) والضالة والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء وكل هذا لا يجوز بيعه لأنه لا يقدر على تسليمه ثم لا يخلو أن تكون صفة البيع معلومة لهما أو مجهولة، فإن كانت معلومة والغرر من وجه واحد وهو العجز عن التسليم إلا أن يباع الآبق والضالة ممن قد (^٧) وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغصوب من غاصبه ولم يبعد عداهما عن مالكها أو يثبت عنده بقاؤهما (^٨) على صفاتها أو عرف ما انتقلا إليه فيجوز حينئذ بيعه لهما وإن كانت صفاتهما غير معلومة للمالك دخل بيعهما الغرر من وجهين الجهل والعجز عن التسليم.
_________________
(١) في (م): أو بنيا.
(٢) في (م): أصابه.
(٣) بمجهول: سقطت من (ق).
(٤) في (م): يتيقن.
(٥) في (ق): المخاطر.
(٦) الآبق: الهارب (غرر المقالة ص ٢١٨).
(٧) قد: سقطت من (ق).
(٨) بقاؤهما: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
ومن هذا الباب بيع الأجنة واستثناؤها وبيع حبل (^١) الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة والمضامين وهو ما في ظهور الفحول، فهذا يجمع الأمرين الجهل بالمبيع والعجز عن التسليم.
ومنه أيضًا السلم إلى أجل لا يوجد فيه المسلم فيه فيعجز المسلم إليه عن تسليمه.
ومن وجوه الغرر الجهل بالثمن، أما في جنسه أو في مقداره (^٢) أو أجله، وكذلك في المثمون (^٣)، فأما في الجنس فمثل أن يبيعه بما يحكم به زيد أو يسميه عمرو أو يقع في يده (^٤) من رقاع يكتب فيها عدة أثمان أو يخرج به السهم في قرعة، أو ما أشبه ذلك في المقدار مثل ما يخرج به سعر اليوم وما يبيع به فلان متاعه، وفي الأجل نحو قدوم زيد وزفاف (^٥) عمرو وموت فلان وما أشبه ذلك.
ومن هذا الباب بيعتان في بيعة: وصفته أن يبيعه هذا الثوب إما بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أنه قد وجب بأحد الثمنين، فأما إن كان (^٦) على أنه إن رضي أجاز (^٧) وإن لم يرض رد ولم يجب (^٨)، فذلك جائز لأن العقد لم يجب فلا يحصل غرر، وقد يقع على وجوه أُخَرْ، ومن الغرر بيع اللحم في جلده والحنطة في تبنها (^٩)، وما أشبه ذلك ومن وجوه الغرر ما لا ترجى سلامته
_________________
(١) حبل: سقطت من (م).
(٢) في (ق): إما جنسه أو مقداره.
(٣) في (م): المثمن.
(٤) في (ق): أو برقاع، وفي (ر): أو ما يضع.
(٥) في (ق): وفاة.
(٦) إن كان: سقطت من (م).
(٧) في (م): جاز.
(٨) ولم يجب: سقطت من (م).
(٩) في (م): في بيتها.
[ ٢ / ١٠٣١ ]
كالمريض في سياقه وما لا يدري هل يسلم أم يتلف ولا أمارة على ذلك تغلب على الظن معها سلامته مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأبواب الغرر كثيرة وقد نبهنا بقدر ما ذكرناه منها على ما أهملناه، ولا خلاف أن يسيره لا يمنع صحة البيع وإن ما تدعوا الحاجة إليه منه معفو عنه وأن (^١) الذي يمنع ما زاد على ذلك.
فصل [١ - في بيع الأعمى وشرائه]:
يجوز بيع الأعمى وشراؤه (^٢) خلافًا للشافعي (^٣)، وذلك إذا كان يعرف ما يوصف له وسواء كان بصيرًا فعمي أو ولد أعمى لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٤)، وقياسًا على البصير بعلل (^٥) إما لأن كل من جاز تسليمه (^٦) جاز بيعه للأعيان أو لأن كل من صح (^٧) أن يؤكل في البيع صح أن يليه بنفسه.
فصل [٢ - في منع بيع الإنسان على بيع أخيه]:
لا يجوز بيع الإنسان على بيع أخيه، وذلك إذا أركن إليه وقرب اتفاقهما على تقدير (^٨) الثمن ولم يبق إلا العقد أو قريب منه، فأما إن كان في أول الغرض وابتداء السوم قبل التقدير والركون فلا بأس والقول فيه (^٩)، وفي فسخه إن وقع كالقول في النكاح وقد بيناه.
_________________
(١) في (ق): ولأن.
(٢) انظر: الكافي ص ٣٦٠.
(٣) انظر: مختصر المزني ص ٨٨، الإقناع ص ٩٨.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٥) بعلل: سقطت من (ق).
(٦) في (م): سلمه.
(٧) في (م): جاز.
(٨) في (ق): تقرير.
(٩) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٨٤، التفريغ: ٢/ ١٦٦، الرسالة ص ٢١٨.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
فصل [٣ - في بيع النجش]:
بيع النجش غير جائز (^١) وصفته: أن يزيد التاجر في الثمن لا لنفسه بك ليغر غيره فينزل (^٢) على مزايدته، فهذا لا يجوز لنهيه ﷺ عنه (^٣)، وإن وقع فسخ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤)، لأن النهي يقتضي على الفساد، ولأن فيه مضرة على الناس وإفساد لمعايشهم لأن من عادة الناس أن يركنوا إلى زيادة التاجر ويعتقدوا أنها تساوي ما يبذلونه فيها وذلك فساد وضرر فوجب فسخه.
فصل [٤ - في تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي]:
ولا يجوز تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق (^٥) لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك (^٦)، وفائدته ألا يستبد الأقوياء بها دون الضعفاء ومن لا قدرة له على مشاركتهم، وإذا ثبت المنع منه فمن فعل ذلك خُيِّر بقية أهل الأسواق في أن يشاركوه فيما اشتراه أو يتركوه له، ولا يبيع حاضر لباد (^٧) لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (^٨)، وفائدة ذلك أن فيه إضرارًا بالناس
_________________
(١) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٨٤، التفريع: ٢/ ١٦٧، الكافي ص ٣٦٥.
(٢) في (ق): فيزيد.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع، باب: لا يبع على بيع أخيه: ٣/ ٢٤، ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للباد: ٣/ ١١٥٥.
(٤) انظر: مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٢٩ - ٣٠، مختصر المزني ص ٨٨.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٦٧، الكافي ص ٣٦٧.
(٦) هذا جزء من حديث نهيه ﷺ عن النجش الذي سبق تخريجه قريبًا.
(٧) انظر: التفريع: ٢/ ١٦٧، الكافي ص ٣٦٧.
(٨) أخرجه البخاري في البيوع، باب: لا يبع على بيع أخيه: ٣/ ٢٤، ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للباد: ٣/ ١١٥٧.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
لأن أهل (^١) البادية لا يعرفون الأسعار ويضر بهم بيع ما يجلبونه بالرخص كما يضر بأهل الحضر شراؤه بالغلاء لأن أهل الحضر لا يصلون إليه إلا بعوض وأموال أهل البدو (^٢) جلها من المباح الذي يؤخذ بغير عوض فيجب أن يقدم النظر لأهل الحضر عليهم، فإذا باع لهم السماسرة والتجار باعوا بالأسعار الغالية والأثمان المستوفاة فأضر ذلك بالحاضرة (^٣).
وإذا ثبت منع ذلك فقيل: يفسخ إن وقع، وقيل: لا يفسخ، فوجه الفسخ عقوبة لفاعله للنظر العام، ولأن قصده قطع أرزاق الناس، ووجه الإمضاء فلأن الفساد منتف عنه من جهة العقد أو المعقود عليه، وإنما هو لحق الآدميين على وجه الرفق والإعانة، فأما أن يكون قطع حق آدمي متعين فلا، وإما الشراء لهم فقال: مالك لا بأس به اعتبارًا بالشراء لغيرهم لأن الحاضر يعرف ثمن ما يبيعه فلا يستضر بمن يشتري منه الحاضر للبادي بخلاف البيع لهم، وقال بعض أصحابه: لا يشتري لهم وهو والبيع سواء، ووجه هذا أنهم لا يعرفون الأسعار فيبذلون فيما يشترونه أكثر مما يبذلونه إذا تولى لهم التجار فيضر بالحاضرة كالبيع لهم.
فصل [٥ - في التسعير]:
التسعير (^٤) على أهل الأسواق غير جائز (^٥) لأن الناس مالكون لأموالهم والتصرف فيها فلا يجبرون على بيعها إلا بما يخترونه، ولأن النبي - ﷺ - امتنع من التسعير لما سئل فيه فقيل له: لو سعرت لنا، فقال: "إن الله هو القابض
_________________
(١) أهل: سقطت من (م).
(٢) في (م): البادية.
(٣) في (م): بالحاضر.
(٤) التسعير عرفه ابن عرفة بقوله: "تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه قدرًا للمبيع بدرهم معلوم" (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ٢٥٨).
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٥١، التفريع: ٢/ ١٦٨، الكافي ص ٣٦٠.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
والباسط والمغلي والمرخص وإني لأرجو أن ألقي الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال" (^١).
فإذا ثبت ذلك فالذي يخاف ضرره بعقد التسعير هو الزيادة فيه وهذا يمكن حسمه بأن يقال لمن يحط السعر: إما أن تلحق بالناس، وإما أن تنصرف ومثاله أن يكون بيع الناس مثلًا للخبز عشرة أرطال بدرهم فيبتديء هو البيع على ثمانية فيقال له: إنا لا نسعر عليك ولا يلزمك البيع بما لا تختار، ولكن نأمرك بأن لا تضر بالناس تغلى (^٢) الأثمان زيادة على بيع غيرك لئلا يقتدى الباقون بك فيضر ذلك بالناس، فأما بعه على بيعهم وإلا أزلنا الأضرار عن الناس (^٣) بصرفك عنهم، وقد روي: أن عمر ﵁ قال لحاطب بن أبي بلتعة مثل ذلك (^٤).
فصل [٦ - في الحكرة]:
الحكرة (^٥) إذا أشرف بأهل البلد ممنوعة في كل ما بهم حاجة إليه وضرورة إلى شرائه وكثرته، سواء كان طعامًا أو ثيابًا أو أي شيء كان من أنواع الأموال (^٦)، والأصل في منعها قوله ﷺ: "لا يحتكر إلا خاطيء" (^٧)، وروي: "المتربصون بالطعام هم الآثمون" (^٨)، وروي: أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الإجازة، باب: التسعير: ٣/ ٧٣١، وابن ماجه في التجارات باب: من كره أن يسعر: ٢/ ٧٤١، والترمذي في البيوع، باب: بعد ما جاء في المحابرة: ٣/ ٦٠٦، وقال: حسن صحيح.
(٢) في (م): بأن تقل.
(٣) في (ق): بالناس.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٥١، وعبد الرزاق: ٨/ ٢٠٧.
(٥) الحكرة: هو رصد الأسواق أي انتظار الأسواق، أي انتظار ارتفاع الأثمان (انظر مواهب الجليل: ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
(٦) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٥١، التفريع: ٢/ ١٦٨، الكافي ص ٣٦٠.
(٧) أخرجه مسلم في البيوع، باب: تحريم الاحتكار في الأقوات: ٣٠/ ١٢٢٧.
(٨) أخرجه عبد الرزاق: ٨/ ٢٠٤، بلفظ قريب منه وهو: "لا يحتكر إلا الخوانون أي الخاطئون الآثمون".
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
عمر ﵁ خرج إلى المسجد فرأى طعامًا منشورًا فقال: ما هذا؟ قالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قالوا: إنه قد احتكره فلان وفلان فدعاهما فقالا له: نشتري بأموالنا ونبيع، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بإفلاس أو جذام" (^١)، وهذا هو في البلدان الصغار الذين يَضُرُّ بهم الاحتكار، فأما البلدان (^٢) الكبار والأمصار الواسعة التي يكثر إليها الجلب ويتسع الحمل والتجهيز فلا بأس، لأن ذلك غير مضر بهم غالبًا إلا أن يتفق (^٣) في بعض الأوقات غلاء أو شدة ويؤدي ذلك إلى الإضرار بالناس فيمنع حينئذ.
فصل [٧ - في عدم التعرض لمن جلب طعامًا وعدم جبره على بيعه …]:
لا يعرض لمن جلب طعامًا أو غيره إلى بلد ولا يجبر على بيعه ولا يمنع من اختزانه (^٤) وحكرته لأنه لم يضر بالناس ولا على عليهم سعرًا ولا استبد بشيء كان يجب أن يساويهم فيه، بل في منعه من ذلك إضرار به وافتيات عليه لأنه إنما تكلف جلبه وسافر في تخليصه (^٥) ليبقيه لنفسه، فليس لأحد اعتراض عليه فيه، وقد روى عن عمر (^٦) أنه قال: من جلب طعامًا على عمود ظهره، فذلك ضيف عمر يبيعه كيف شاء ويذهب به حيث شاء (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب: الحكرة والجلب: ٢/ ٧٢٩، وإسناده صحيح ورجاله موثقون (مجمع الزوائد).
(٢) البلدان: سقطت من (م).
(٣) في (م): ينفق.
(٤) في (م): من حابه.
(٥) في (م): تحصيله.
(٦) في (ق): ابن عمر.
(٧) أخرجه عبد الرازق: ٨/ ٢٠٦.
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
فصل [٨ - بيع العربان]:
بيع العربان منهي عنه إذا وقع على صفة دون صفته، وصفته الممنوعة أن يشتري الرجل السلعة بثمن معلوم أو يكتري دابة بكراء معلوم وينقد من ذلك شيئًا ليسكن البائع أو المكرى إليه على أنه إن رضي إمضاء (^١) البيع أو الكراء وينقد بقيته وإن كره لم يرجع بما نقده (^٢).
وإنما قلنا: إنه ممنوع لنهيه ﷺ عن بيع العربان (^٣) ولأنه من أكل المال بالباطل لأنه يذهب بغير عوض ولا على وجه الهبة والصدقة، وإنما هو ضرب من القمار، ووقوعه على الصفة الجائزة (^٤)، فهو أن يجعل العربان على يد غير البائع وعلى يده مختوما لئلا ينتفع به ثم يرده إن كره المشتري فيكون بيعًا وسلفًا، فإذا ختم عليه زال ما يخاف (^٥) من ذلك ثم ينظر: فإن اختار الإمضاء احتسب به من الثمن أو الأجرة إن كان كراء، وإن كره استرجعه، فهذا جائز لأنه ليس فيه ما يقتضي المنع.
فصل [٩ - بيع الدين بالدين]:
الدين بالدين (^٦) ممنوع (^٧) لنهيه ﷺ عن الكاليء بالكاليء (^٨) وهو الدين بالدين، وذلك إذا كان من الطرفين مثل أن يحل له
_________________
(١) في (م): أمضى.
(٢) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠، التفريع: ٢/ ١٦٨، الكافي ص ٣٦٦.
(٣) أخرجه مالك: ٢/ ٦٠٩، وأبو داود في البيوع، باب: العربان: ٣/ ٢٨٣، وابن ماجه في التجارات، باب: بيع العربان: ٢/ ٧٣٨، وأحمد: ٢/ ١٨٣.
(٤) الجائزة: سقطت من (ق).
(٥) في (م): يخافه.
(٦) قال ابن عرفة: هو بيع شيء في ذمة بشيء في ذمة أخرى غير سابق تقرر أحدهما على الآخر (الرصاع على ابن عرفة ص ٢٥٢).
(٧) انظر: التفريع: ٢/ ٦٩، الرسالة ص ٢١٧، الكافي ص ٣١٤.
(٨) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٧١، والحاكم: ٢/ ٥٧، وقال: صحيح على شرط =
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
سلف من عروض على رجل فيجعلها ثمنًا لشيء آخر من سلم ينتقل إليه أو أن يسلم إليه في شئ بثمن معلوم يكون دينًا في ذمة المسلم للمسلم إليه، فهذا كله ممنوع، فأما فسخ الدين إذا حلَّ في عين بتأخر قبضها وتكون مضمونة على بائعها فمنعه مالك وابن القاسم وأجازه أشهب وغيره وذلك كثمرة يجتنيها أو سلعة غائبة أو دار يسكنها مدة أو ما أشبه ذلك، فوجه المنع أنه مفسوخ فيما لا يتنجز وما هو في ضمان الغريم، فأشبه أن يفسخ شيء في الذمة، ووجه الجواز أنه فسخ دين في عين كالمقبوض.
فصل [١٠ - فيما لا يجوز في الدين إلى أجل وهو ما يعرف بضع وتعجل]:
الوضع على التعجيل ممنوع منه (^١)، وصفته أن يكون على رجل دين لم يحل (^٢) فيقول لصاحبه: تأخذ بعضه معجلًا وتبرئني من الباقي، فهذا غير جائز لأمرين: أحدهما أنه يدخله الربا إن كان في ذهب أو فضة أو طعام أو ما يحرم التفاضل فيه، والآخر أنه قرض يجر نفعًا (^٣)، وروي ذلك عن ابن عمر وزيد ابن ثابت (^٤)، وهو إجماع الصحابة وكذلك إذا عجل له بعضه قبل الأجل على إن أخره بالباقي زيادة على الأجل الأول لأنه ترك ذلك الأجل للتعجيل (^٥).
فصل [١١ - في تصرف الفضولي]:
إذا باع ملك غيره بغير إذنه انعقد البيع ووقف على إجازة المالك أو رده (^٦)،
_________________
(١) = مسلم، غير أن الحافظ ابن حجر نبه على خطأ الحاكم في ذلك، وقال: وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو متروك (الدراية: ٢/ ١٥٧) كما أخرج الحديث البيهقي: ٥/ ٢٩٠، والبزار وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهم.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٩٠ - ١٩٤، التفريع: ٢/ ١٦٩، الرسالة ص ٢١٣، الكافي ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٣) أي: لم يحن وقت سداد الدين.
(٤) في (م): منفعة.
(٥) انظر: المغني: ٤/ ٥٧.
(٦) في (م): للتعجل.
(٧) أورده: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
وكذلك إذا اشترى له بغير إذنه (^١)، وفرق أبو حنيفة بينهما فأجاز في البيع ومنعه في الشراء (^٢)، ومنعه الشافعي (^٣) في الموضعين (^٤)، فدليلنا على الشافعي حديث حكيم بن حزام (^٥) وعروة البارقي (^٦): أن النبي - ﷺ - دفع إليه دينارًا ليبتاع له شاة، فابتاع شاة ثم باعها بدينارين فابتاع بأحدهما شاة وجاء بالدينار الآخر إلى النبي - ﷺ - فأخذه وبارك له في صفقته (^٧)، ولأنه عقد تمليك يفتقر إلى الإجازة، فجاز أن يقع موقوفًا عليها كالوصية، ولأنه تمليك لملك الغير بغير إذنه (^٨) كالتصدق باللقطة، ودليلنا على أبي حنيفة: أن القبول أحد طرفي العقد فجاز أن يقف العقد (^٩) على إمضائه كالإيجاب.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ٣١٨، الكافي ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٢ - ٨٣، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٨.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ١٥ - ١٦، الإقناع ص ٩١ - ٩٢.
(٤) في (م): الوجهين.
(٥) حكيم بن حزام: بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، الأسدي، أبو خالد المكي ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح وصحب، كان عالمًا بالنسب، مات سنة أربع وخمسين أو بعدها (تقريب التهذيب ص ١٧٦).
(٦) عروة البارقي: بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد، وقيل: اسم أبيه عياض، صحابي، سكن الكوفة، وهو أول قاضي بها (تقريب التهذيب ص ٣٨٩).
(٧) أما حديث عروة، فقد أخرجه البخاري في المناقب، باب: ٢٨، ٤/ ١٨٧، وحديث حكيم فقد أخرجه أبو داود في البيوع في المضارب يخالف: ٣/ ٦٧٩، وابن ماجه في الصدقات، باب: الأمين يتجر فيربح: ٢/ ٨٠٣، والترمذي في البيوع، باب: ٣٤، ٣/ ٥٥٠، وفي إسناده سعيد بن زيد أخو حماد مختلف فيه (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ٥).
(٨) بغير إذنه: سقطت من (ق).
(٩) العقد: سقطت من (ق).
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
فصل [١٢ - فيمن اشترى عبدًا نصرانيًّا]:
إذا اشترى عبدًا نصرانيًّا جاز أن يبيعه من نصراني لأنه مساوٍ له في الدين كبيع المسلم من المسلم.
فصل [١٣ - إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا]:
إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا ففيها روايتان (^١): إحداهما أنه لا يصح ويفسخ والأخرى أن العقد يقع ويجبر على بيعه.
فوجه الأولى: أن كل معنى إذا طرأ على ما يملكه النصراني قطع استدامته في حق المسلم، فإذا وجد ابتداء منع العقد أصله النكاح لأنها إذا أسلمت تحته منع ذلك استدامة نكاحه (^٢)، وكذلك وجود الإِسلام يمنع ابتداء عقده (^٣) عليها كذلك العقد على الرقبة.
ووجه الثانية: أنه قد ثبت له عليه ملك بوجه وهو أن يسلم في ملكه فيباع عليه، وإذا كان كذلك لم يفسخ عقده عليه وبيع عليه أصله إسلامه في ملكه.
فصل [١٤ - في بيع الكلاب]:
اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم (^٤).
ووجه الجواز ما روي: أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية (^٥)، ولأنه جارح يصاد به كالبازي.
_________________
(١) انظر:
(٢) في (م): استدامته نكاح.
(٣) في (ق): العقد.
(٤) انظر: الرسالة ص ٢١٥، الكافي ص ٣٢٧.
(٥) أخرجه البخاري في البيوع ثمن الكلب: ٣/ ٤٣، ومسلم في المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب: ٣/ ١١٨٩، وفيهما من غير الاستثناء، أما اللفظ الذي أورده المصنف فقد أخرجه الترمذي في البيوع، باب: ما جاء في ثمن الكلب: ٣/ ٥٧٨ عن أبي المهزم وهو متكلم فيه.
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
ووجه الحظر نهيه ﷺ عن ثمن الكلب، ولأنه حيوان منهي عن اتخاذه إلا للضرورة كالسباع، وعلى من قتله قيمته لصاحبه خلافًا (للشافعي لأنه حيوان يصح الانتفاع به والوصية به كالخيل والبغال ولأنه بهيمة يجوز الاصطياد به كالبازي) (^١).
فصل [١٥ - في عدم جواز بيع الزيت النجس والعذرة]:
لا يجوز بيع الزيت النجس ولا العذرة (^٢) للتزبيل (^٣) لأنها عين نجسة كالدم.
…
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
(٢) انظر: الكافي ص ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٣) التزبيل: هو تصليح الأرض بالزبل ونحوه حتى تجود الزراعة (المصباح المنير ص ٢٥١).
[ ٢ / ١٠٤١ ]
باب: [في الخيار]
البيع جائز بشرط الخيار (^١) (لقوله ﷺ في حديث حبان: "واشترط الخيار ثلاثًا" (^٢» (^٣)، وقوله ﷺ: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار" (^٤)، ولأن الإنسان يحتاج إلى تأمل ما يبتاعه واختياره فجاز ذلك.
فصل [١ - في جواز اشتراط الخيار من البائع والمشتري]:
يجوز أن يشترطه البائع والمشتري لقوله ﷺ: "واشترط (^٥) الخيار ثلاثًا" (^٦) ولم يفرق، ولأن الخيار وضع للتأمل والاختبار وكل واحد منهما محتاج من ذلك إلى مثل ما يحتاج إليه الآخر، فجاز اشتراط كل واحد منهما له.
فصل [٢ - انفراد من اشترط الخيار بالفسخ دون الآخر]:
فإن اشترطه أحدهما انفرد بالفسخ ولم يكن للآخر مقال معه، وإن اشترطاه معا، فقد تعلق الحق بهما فلا يسقط حق أحدهما إلا بإسقاطه له، ولا يثبت
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢٣، التفريع: ٢/ ١٧١، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٤٣.
(٢) أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: الحجر على من يفسد ما له: ٢/ ٧٨٩، وسنده حسن، وفي إسناده محمَّد بن إسحاق وهو مدلس.
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب: كم يجوز الخيار: ٣/ ١٧، ومسلم في البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس: ٣/ ١١٦٣.
(٥) في (م): والمشتري.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
البيع إلا باجتماعهما على إجازة أو رد، فإن اتفقا على إمضاء أو فسخ كان لهما وإن اختلفا فاختار أحدهما الرد والآخر الإمضاء، فالقول قول (^١) المختار للرد لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه من الفسخ وبقي حق الآخر ولا يسقط بإسقاط غيره له.
فصل [٣ - في خيار المجلس]:
خيار المجلس غير ثابت والعقد بالقول لازم (^٢) خلافًا للشافعي (^٣) لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٤)، ولأنه عقد معاوضة كالنكاح، ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق، فليس من مقتضى العقد كالخيار في إغلاء (^٥) الثمن ورخص، ولأنه لو كان ثابتًا بمقتضى العقد لم يصح وقوع العقد على وجه لا يتصور فيه، فكان لا يصح للأب أن يشتري لابنه من نفسه لأن مفارقة (^٦) الإنسان من نفسه لا تصح.
فصل [٤ - في وضع الخيار لتمام البيع واستقراره]:
الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا للفسخ، فإن اختار من له الخيار الإمضاء تَمَّ البيع وانبرم، وإن اختار الفسخ تبيّنَا أن الملك لم ينتقل إليه (^٧)، وإنه لم يزل على ملك البائع، وفي الحالتين فهو في الحكم على ملك البائع وتلفه منه ما لم يتقرر من المشتري إمضاء خلافًا لمن يقول: إنه وضع للفسخ (^٨)
_________________
(١) قول: سقطت من (م).
(٢) انظر: التفريع: ٢/ ١٧١، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٣٤٣.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ٤ - ٥، الإقناع ص ٩١.
(٤) سورة المائدة، الآية: ١.
(٥) في (م): غلاء.
(٦) في (ق): مفاوضة.
(٧) إليه سقطت من (ق).
(٨) يقول بذلك الحنابلة (انظر: مختصر الخرقي ص ٦٤، المغني: ٣/ ٥٧٣).
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
وأن الملك قد انتقل بنفس العقد لأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التجريد أصله إذا وجب ولم يقل للمشتري: قبلت، ولأن الإيجاب مع شرط الخيار غير محقق (^١) لأنه متعلق بشيء يقع في المستأنف، فالمشتري يقبل إيجابًا غير محقق فلم ينتقل به الملك.
فصل [٥ - في تصرف المالك في ملكه]:
كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج إليه في اختيار (^٢) المبيع، فإنه يعد رضا ممن له الخيار ويكون من البائع فسخًا، ومن المشتري إمضاء وذلك كالوطء والتقبيل واللمس للذة وكالهبة والصدقة بالمبيع والإعتاق والتدبير والكتابة، واختلف في الإجارة والرهن والتسوم (^٣) بالسلعة (^٤): فعند ابن القاسم أنه اختيار لأنه تصرف من المالك لا يحتاج إليه في اختيار المبيع وليس باختيار عند أشهب لأنه قد يفعل نيابة عن الغير، وتزويج الأمة اختيار وتزويج العبد وإسلامه في صنعه اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عن أشهب، وجناية الخطأ ليست باختيار وجناية العمد اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عند أشهب، والنظر في هذا كله مع ابن القاسم والاستخدام ليس باختيار لأنه اختبار.
فصل [٦ - في مدة الخيار]:
مدة الخيار متعلقة بما يمكن اختيار (^٥) المشتري المبيع في مثله (^٦)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قصرها ذلك على ثلاثة أيام (^٧) (لقوله صلى الله عليه
_________________
(١) في (ق): مستحق، وفي (ر): متحقق.
(٢) في (ر): اختبار.
(٣) في (م): السوم.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٧١ - ١٧٣، الكافي ص ٣٤٣، المقدمات: ٢/ ٩٢.
(٥) اختيار: سقطت من (م).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٨، التفريع: ٢/ ١٧٢، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٤٣.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٥، الإقناع ص ٩١.
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
وسلم: "لكل مسلم شرطه" (^١)، وقوله - ﷺ -: "إلا بيع الخيار" (^٢) فأطلق، ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يكون أكثر من ثلاثة أيام) (^٣) كالآجال لأنها مدة يحتاج فيها إلى اختبار المبيع كالثلاثة، ولأن الخيار موضوع لتأمل المبيع واختياره والمبيعات مختلفة في ذلك وفي قصرها على مدة محصورة إبطال لفائدته.
فصل [٧ - إذا مات مشترط الخيار]:
إذا مات مشترط الخيار من المتبايعين قام ورثته مقامه (^٤) خلافًا لأبي حنيفة (^٥)، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (^٦) فعم، ولقوله ﷺ: "من ترك ملكًا وحقًّا فلورثته" (^٧)، ولأنه خيار ثابت في عقد بيع كالخيار بالعيب، ولأن من ورث شيئًا ورثه بحقوقه كالدين بالرهن وخيار التعيين (^٨) والرد بالعيب، ولا يلزم عليه الوطء لأن ذلك لا يتصور فيه على وجه.
فصل [٨ - في اختلاف الورثة بين الإمضاء والفسخ]:
إذا اختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء وبعضهم الفسخ: فإما رضوا جميعًا أو فسخوا لأنهم يقومون مقام موروثهم ولم يكن له تبعيض الصفقة.
فصل [٩ - في وراثة خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب]:
(لا فصل بين خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب في أن ذلك كله موروث) (^٩).
_________________
(١) لم أعثر على تخريج لهذا الخبر؟ ولعله يريد حديث: "المسلمون عند شروطهم".
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٧١، الكافي ص ٣٤٤.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٥، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ١٤.
(٦) سورة النساء، الآية: ١٢.
(٧) أخرجه البخاري في الفرائض، باب: قول النبي - ﷺ - من ترك مالًا فلأهله: ٨/ ٥، ومسلم في الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته (٣/ ١٢٣٤).
(٨) في (م): خيار التعمير.
(٩) سقط هذا الفصل كاملًا من (م).
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
فصل [١٠ - حكم التبايع على خيار رضا فلان]:
يجوز أن يتبايعا ويشترطا أو أحدهما رضا فلان أو اختياره يومًا أو أيامًا (^١) خلافًا لأصحاب الشافعي (^٢) لقوله ﷺ: "واشترط الخيار ثلاثًا" (^٣) ولم يفرق، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك فيشترطه لغيره ليُعرِّفه إياه.
فصل [١١ - إذا ثبت الخيار لغير المتبايعين فهل يثبت مع ذلك لهما]:
إذا ثبت (^٤) الخيار ويكون لمن اشترط له فهل يثبت (مع ذلك لمشترطه من المتبايعين أم لا؟ فيه خلاف (^٥) قال ابن القاسم: يثبت) (^٦) الخيار للأجنبي وللبائع إن كان هو الذي اشترطه (^٧)، فإن اختار الأجنبي ردًّا أو إجازة وأباه البائع فالقول للبائع، وإن كان المشتري هو الذي شرط للأجنبي الخيار لم يثبت إلا للأجنبي فقط ولم يكن للمشتري أن يخالف (^٨) عليه، وروي عنه أيضًا: أن لهما المخالفة عليه وهو قول ابن حبيب.
وإنما قلنا: إن شرط الخيار للأجنبي لا يلزم البائع لأنه لم يشترط له على وجه التمليك، ولكن على وجه تنبيهه (^٩) وإرساله، ولأن الخيار للأجنبي فرع على ثبوته للبائع فيمتنع أن يثبت الفرع وينتفي به أصله.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٢، الكافي ص ٣٤٣، المقدمات: ٢/ ٨٩.
(٢) انظر: المهذب: ١/ ٢٥٨.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٤٢).
(٤) في (م): ثبت أن.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٢، الكافي ص ٣٤٣، المقدمات: ٢/ ٩٠ - ٩١.
(٦) ما بين قوسين سقط من (م).
(٧) في (م): شرطه.
(٨) في (م): يحلف.
(٩) في (م): شبهة.
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
ووجه التفريق بين البائع والمشتري أن حال المشتري (^١) أضعف، لأن الإيجاب لا يتعلق بصفة والقبول يتعلق بها، فجعل أمره على التمليك والنظر التسوية بينهما لأنهما متساويان في العقد وحقوقه، لا يختلف أصحابنا أن شرط مشاورة الأجنبي جائزة ولا يلزم المتبايعين لأنه اشترطها لنفسه لا لغيره.
فصل [١٢ - عدم اشتراط حضور العاقد الآخر عند الإمضاء أو الفسخ]:
إذا اختار مشترط الخيار أن يختار (^٢) أو يفسخ فله حضر الآخر أم غاب (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في اشتراطه حضور صاحبه (^٤)، لقوله ﷺ في المصراة (^٥): "فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها" (^٦) ولم يفرق، ولأنه مختار (^٧) للفسخ مع بقاء مدة الخيار كما لو حضر صاحبه، ولأنه معنى ينقطع به خياره فلم يفتقر إلى رضا الآخر كالإجارة.
فصل [١٣ - الخيار المطلق]:
إذا اشترط الخيار ولم يضربا له مدة صح العقد وضرب للسلعة مدة تختبر (^٨)
_________________
(١) أن حال المشتري: سقطت من (ق).
(٢) في (م): أن يخير.
(٣) انظر: الكافي ص ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٤ - ٧٥، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٤.
(٥) المصراة: التصرية حقن باللبن في الثدي أيامًا حتى يوهم ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير (انظر بداية المجتهد: ٦/ ٣٣٢، ومواهب الجليل مع حاشية المواق: ٤/ ٤٣٧ - ٤٣٩).
(٦) أخرجه البخاري في البيوع، باب: النهي للبائع أن يحفل الإبل: ٣/ ٢٥، ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه: ٣/ ١١٥٥.
(٧) في (م): محتاج.
(٨) في (م): كثيرة.
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
في مثلها (^١) خلافًا لمن قال: إن البيع فاسد (^٢)؛ لأن الإطلاق محمول على العرف فيصير كالمشترط في البيع كالحمولة والنقد.
فصل [١٤ - عدم جواز اشتراط النقد في بيع الخيار]:
لا يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار لا إلى أجل قريب ولا بعيد (^٣) لأن ذلك يضارع البيع والسلف، فيكون مرة ثمنًا إن اختار المشتري الإمضاء ومرة سلفًا إن اختار الرد، فإذا ثبت منعه فاشتراطه يفسد البيع لأنه شرط ينافي موجب العقد كما لو شرط ألا يملكه وإن لم يشترط وتبرع المشتري بالنقد جاز (^٤).
فصل [١٥ - تلف المبيع في أيام الخيار]:
تلف المبيع في أيام الخيار من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما (^٥) لأنه على ملكه لم يدخل في ضمان المشتري، فإن تلف في يد المشتري فتلفه منه، وإن كان مما يغاب عليه لأنه قبضه لمنفعة نفسه وعلى وجه المبايعة دون مجرد الأمانة، ولا يضمنه إن كان مما لا يغاب عليه لأن الظاهر أن هلاكه بغير صنعه، وأنه غير متعد بقبضه كالرهن (^٦).
فصل [١٦ - اختلاط الثوبين الذين اشتراهما بالخيار]:
إذا ابتاع من رجلين ثوبين بشرط الخيار فاختلطا ولم يتميز ألزمه البيع ولا خيار له (^٧) لأنه لا يصل إلى رد ملك أحدهما عليه، فكان كالتالف (^٨).
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤١، التفريع: ٢/ ١٧٢، الكافي ص ٣٤٣.
(٢) في أحد قولي الإِمام أحمد (المغني: ٣/ ٥٨٩).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩، الرسالة ص ٢١٤، الكافي ص ٣٤٣.
(٤) في (م): جائز.
(٥) في (م) و(ر): غيره.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٣، التفريع: ٢/ ١٧١ - ٢٧٢، الكافي ص ٣٤٤.
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٣، التفريع: ٢/ ١٧٣، الكافي ص ٣٤٤.
(٨) في (م): كالمتلف.
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
فصل [١٧ - خيار الغبن]:
اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله مثل أن يشتري أو يبيع مما يساوي ألف بمائة، فمنهم من نفى أن يثبت الخيار لمغبون (^١) منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كانا من أهل الرشاد والبصر بتلك السلع، وإن كان أو أحدهما بخلاف ذلك فللمغبون الخيار (^٢).
فإذا قلنا: لا خيار له فلأنه نقص في عين المعقود عليه كالقليل، ولأن المغبون مفرط لأنه كان يجب أن يوكل من يشتري له أو يبيع.
وإذا قلنا: له الخيار فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٣) وقوله ﷺ: "إذا بعت فقل لا خلابة" (^٤)، ونهيه عن إضاعة المال (^٥)، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (^٦)، ولأنه نوع من الغبن في الأثمان فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان، ولأنه نقص بثمن المبيع (^٧) والغبن فكان مؤثرًا في الخيار كالعيب.
…
_________________
(١) المغبون: هو المنقوص في الثمن.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢، الكافي ص ٣٦١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٨.
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب: ما يكره من الخداع في البيع: ٣/ ١٩، ومسلم في البيوع، باب: من يخدع في البيع: ٣/ ١١٦٥.
(٥) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى: ٢/ ١٣٩، ومسلم في الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل: ٣/ ١٣٤٠.
(٦) أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر جاره: ٢/ ٧٨٣، ومالك مرسلًا: ٢/ ٧٤٥، وأحمد: ١/ ٣١٣، ٥/ ٣٢.
(٧) المبيع: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
باب: [في الغش والتدليس في البيوع]
ومن أراد بيع سلعة له معيبة فعليه أن يبين ذلك ويُعلم المشتري به (^١) لأنه إن كتمه ذلك فقد غشه والغش ممنوع في الدين.
وإنما قلنا: أنه غش لأن المشتري يدخل على مبيع سليم والبائع يعلم أنه لا يعلم بالعيب، وإنه لا يدري إذا علم به هل يرضى أم لا، فإذا كتمه فقد غشه (ولقوله ﷺ: "ولا تصروا الإبل والغنم" (^٢)، فنهى عن التصرية لأنها غش وتدليس لأن المشتري يظن أن ذلك قدر حلابها، وروي أن رسول الله) (^٣) ﷺ مر برجل يبيع طعامًا فسأله كيف يبيع فأخبره فأومأ إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول فقال ﷺ: "ليس منا من غش" (^٤).
فصل [١ - صحة البيع الذي فيه غش]:
إذا ثبت أن ذلك ممنوع فلا يمنع صحة البيع (^٥) خلافًا لمن ذهب إلى ذلك (^٦) لحديث المصراة، وقوله: "من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢١، التفريع: ٢/ ١٧٣، الرسالة ص ٢١٢، الكافي ص ٣٤٦.
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٤٧).
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ - "من غشنا فليس منا" (١/ ٩٩).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢١، التفريع: ٢/ ١٧٣، الرسالة ص ٢١٢ - ٢١٣، الكافي ص ٣٤٦.
(٦) وحكى عن أبي بكر عبد العزيز: أن البيع باطل؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد (المغني: ٤/ ١٥٩).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (^١)، فأثبت له الخيار فدل أن العقد صحيح، ولأن العيب ليس فيه إلا أنه نقص من المبيع، وذلك لا يوجب الفساد كما لو اشترى رزمة على أن فيها عشرة أثواب فكانت تسعة.
فصل [٢ - في أن العيب يثبت الخيار للمشتري]:
إذا ثبت أن العيب لا يفسد العقد وإنه يوجب الخيار للمشتري في أن يردّ ويرجع بالثمن أو يمسك ولا شيء له ما دام (^٢) المبيع قائمًا بحاله لم يفت ولم يتغير لقوله في حديث المصراة: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين" (^٣) فأثبت له الخيار، ولأن المشتري إنما بذل الثمن ليحصل له المبيع سليمًا، فإذا أصابه معيبًا فلم يرض ببذل الثمن في معيب، فكان له رده، وإن اختار رد البيع والرجوع بالثمن، فذلك له إن اختار إمساكه والرجوع بأرش العيب حتى يحصل السلعة المعيبة (^٤) ببعض الثمن فليس ذلك له إلا برضى البائع.
وإنما قلنا ذلك لأن البائع دخل على أن يحصل له الثمن كله وتحصل السلعة للمشتري فلم يجبر على أن يحصل له بعض الثمن، ولأن المشتري لا يستحق الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه، (وفي حديث المصراة "إن رضيها أمسكها (^٥) وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (^٦) ولم يجعل له إمساكها مع أخذ الأرش.
فصل [٣ - إذا بذل البائع الأرش على ألا يرد]:
وإذا بذل البائع الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه لقوله ﷺ: "فهو بخير النظرين" (^٧)، فأثبت له الخيار وذلك ينفي الإجبار
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٤٧).
(٢) في (ق): فإذا.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٤٧).
(٤) المعيبة: سقطت من (ق).
(٥) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٦) و(^٧) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١٠٤٧).
[ ٢ / ١٠٥١ ]
على أحدهما، ولأنه يقول: إنما بذلت الثمن لتحصل لي سلعة سليمة كما أن البائع دخل علي أن له كل الثمن.
فصل [٤ - سقوط الخيار إلى مال]:
وإنما قلنا: إن ذلك جائز مع تراضيهما خلافًا لمن منعه (^١) لأن هذا الخيار (^٢) قد سقط إلى مال لأن المبيع لو فات لكان للمبتاع الأرش فجاز إسقاطه الآن إلى مال كخيار القصاص، ولأن الجزء الفائت لما لم يعاوض عليه وجب له الرجوع بما قابله، فإذا تراضيا بذلك جاز، وكيفية الرجوع بالأرش أن ينظر إلى قيمة السلعة سليمة من العيب، فيقال: عشرون دينارًا فيقال: وكم تساوي مع العيب فيقال: ستة عشرة فيعلم أن العيب قد نقصها خمس قيمتها فيرجع على البائع بخمس الثمن، لأن ذلك في مقابلة الجزاء الفائت ولا يرجع بمقدار ما نقص من القيمة لأن المعاوضة إنما (^٣) كانت بالثمن لا بالقيمة، وهذا كله إذا كان المبيع قائمًا بعينه لم يفت ببعض وجوه الفوت، فأما إن فات فليس له إلا أخذ الأرش لأن رده مع الفوت غير ممكن لأنه يوجب ألا يستبد المشتري بأخذ الثمن وألا يرجع المبيع إلى البائع وذلك غير جائز ونحن نذكر وجوه الفوت.
فصل [٥ - إذا تصرف في المعيب بعد العلم بعيبه]:
وهذا كله إذا لم يتصرف فيه بعد علمه بعيبه ولم يظهر منه بتركه، فإن تصرف فيه بعد العلم بالعيب مختارًا، فذلك رضا منه بعيبه فليس له رد ولا أرش.
فصل [٦ - في التصرف المضطر إليه في المعيب]:
وإن تصرف مضطرًا مثل أن يشتري دابة معيبة ولم يظهر على عيبها إلا بعد أن
_________________
(١) قال أبو حنيفة والشافعي: ليس له إلا الإمساك أو الرد (انظر بدائع الصنائع: ٧/ ٢٣٠٣، المهذب: ١/ ٢٨٣).
(٢) في (ر): عند مالك.
(٣) في (ق): إذا.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
يسافر بها، فلما علم عيبها لم يرض وأراد ردها ولم يجد بُدًّا من ركوبها أو حمل متاعه عليها فعل ذلك مضطرًا ففيها روايتان (^١):
إحداهما: أن ذلك مسقط لرده، والأخرى: أنه لا يسقطه، فوجه الأولى أنه تصرف مع العلم بالعيب كالتصرف مع الاختيار، ولأن ضرورته لا تمنع سقوط ردها إذا تعلق بذلك حق غيره لأنه إنما تصرف لحظ نفسه، ووجه الثانية أن المضطر في حكم المكره ولو تصرف مكرهًا لم يسقط خياره، فكذلك مع الاضطرار.
فصل [٧ - إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا]:
إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا، فإن اتفقا على رد أو إمساك فذلك لهما، وإن أراد أحدهما الرد، والآخر: الإمساك، ففيها روايتان (^٢):
إحداهما: أن لمن شاء منهما أن يرد وهو قول ابن القاسم، والأخرى: أنه لا يجب الرد مع اختلافهما وليس لهما تبعيض الصفقة على البائع وهو قول أشهب.
ووجه ثبوت الرد أنه بيع اجتمع (^٣) في أحد طرفيه عاقدان فلم يتعلق رد المعيب في حق أحدهما برده فوجب (^٤) في حق الآخر أصله إذا كان البائعان رجلين والمشتري واحدًا، ولأنه مبتاع وجد بما ابتاعه عيبًا فلم يرض به ولم يفت، فكان له رده من غير اعتبار بغيره (^٥) أصله إذا انفرد به، ولأن هذا العقد في حكم الصفقتين بدليل أن جملة الثمن معلومة في الجملة، وإن لم يعلم في حق كل واحد منهما ولو كان في حكم الصفقة الواحدة لم يصح.
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩٤ - ٣٠٠، التفريع: ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، الكافي ص ٣٤٨.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣١٤.
(٣) في (م): اجتماع.
(٤) فوجب: سقط من (م).
(٥) في (م): من غير.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
ووجه سقوط الرد أن فيه تفريق الصفقة على البائع، وذلك إضرار به وخلاف لما دخل عليه، ولأنه رد لمبيع (^١) وجب لجماعة عن عقد بيع، فوجب أن لا يملك أحدهم رد ما يخصه إلا برد الباقين أصله إذا ابتاع بالخيار شيئًا، فمات فليس لورثته أن ينفرد أحدهم بالرد دون الآخرين.
فصل [٨ - ادعاء أن بالمبيع عيبًا]:
إذا ادعى المبتاع أن بالمبيع عيبًا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعلم بالمشاهدة كالقطع وغيره من النقص في البدن، أو أن لا يعلم بالمشاهدة كالسرقة والإباق والتزويج في العبد والأمَة وما أشبه ذلك، فإن كان مما يعلم بالمشاهدة لزمه إيقاف البائع عليه ثم ينظر، فإن كان مثله لا يحدث عند المشتري ولا يكون إلا متقدمًا على وقت الشراء فله الرد ولا مقال للبائع لأنه قد ثبت صدقه، فإن ادعى البائع عليه الرضا فله أن يحلفه على ذلك إن لم يقم له بينة به، إن حلف المشتري ثبت له الرد وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن حلف سقط عنه الرد، فإن نكل ثبت للمشتري وإن لم يدَّع البائع على المشتري الرضا لم يكن له إحلافه ولزمه رد (^٢) الثمن (^٣).
فصل [٩ - إذا كان العيب حادثًا]:
فإن كان مثله حادثًا مما يعلم أنه لم يكن في ملك البائع وأنه لم يحدث إلا بعد البيع، فالقول قول البائع لأنه قد ثبت صدقه وكذب المشتري، فإن كان مما يمكن حدوثه (^٤) عند البائع وحدوثه عند المشتري فالقول قول البائع مع يمينه لأن الأصل السلامة ولزم البيع والمشتري يدعى ثبوت خيار واستحقاق فلا يقبل ذلك
_________________
(١) في (م): يمتنع.
(٢) رد: سقطت من (ق).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠٧، ٣١٣، التفريع: ٢/ ١٧٣ - ١٧٧، الكافي ص ٣٥٠.
(٤) في (م): وجوده.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
منه إلا ببينة (^١) وإلا حلف وسقط عنه الحكم، فإن نكل حلف (^٢) المشتري، ووجب له الردّ، فإن نكل فلا شيء له وإن حلف رده على البائع هذا إذا كان العيب مشاهدًا والأيمان ها هنا على البت دون العلم لأنه يوصل إلى اليقين فيه.
فصل [١٠ - إذا كان العيب لا يُعلم بالمشاهدة]:
وأما إن كان مما لا يُعلم بالمشاهدة كالإباق والرقيق وغيره، فلا يقبل من المشتري إلا ببينة وإلا حلف البائع ثم كان الحكم على ما قدمناه.
فصل [١١ - إذا حدث عند المشتري عيب ثم ظهر عيبًا كان عند البائع]:
فإن لم يظهر المشتري على العيب حتى تصرف في البيع تصرفًا ينقص منه أو حدث به عنده عيب آخر، فإن البائع لا يخلو أن يكون دلس أو لم يدلس: فإن كان دلس للمشتري أن يطالبه بالأرش ويتمسك (^٣) بالسلعة أو يرد ويرجع بالثمن ولا شيء عليه فيما تصرف فيه أو حدث به عنده إلا أن يكون في حكم ذلك المتلف فيكون ذلك فوتًا وذلك مثل أن يشتري ثوبًا معيبًا (^٤)، فلا يعلم به حتى يقطعه قميصًا أو سراويلًا أو غير ذلك مما يستعمل في مثله فله أن يرده ولا شيء عليه ولو مزقه أو أتلفه بتصرف الناس بمثله لم يكن له الرد وكان له الأرش، وإن كان المبيع عبدًا فتلف من ذلك العيب فللمبتاع الرجوع بالثمن ولا شيء عليه (^٥) من تلفه، فأما إن كان البائع لم يدلس فالمبتاع بالخيار إن شاء أن يأخذ الأرش وإن شاء أن يرد وما نقص (^٦).
_________________
(١) في (م): بعينه.
(٢) في (م): أحلف.
(٣) في (م): يمسك.
(٤) معيبًا: سقطت من (ق).
(٥) عليه: سقطت من (ق).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩٤، التفريع: ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، الكافي ص ٣٥٠ - ٣٥١.
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
فصل [١٢ - دليل أن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد]:
وإنما قلنا: إن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^١)؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد من سلامة المبيع، فكان له الرد إذا لم يرض بالإمساك أصله إذا لم يحدث عنده عيب، ولأن الرد أحد نوعي الخيار الواجب للمشتري بالعقد فلم يمنعه حدوث العيب عنده كالإمساك وأخذ الأرش، ولأنه نقص حدث بالمبيع فلم يمنع رده مع أخذ أرشه أصله حُلْبُ المصراة.
فصل [١٣ - في دليل أنه يمسك ويرجع بالأرش]:
وإنما قلنا: إن له أن يمسك ويرجع بالأرش خلافًا لمن قال: ليس له إلا أن يرد (^٢)؛ لأن الرد حق له والأرش حق له فلم يجبر (^٣) على أحدهما.
وإنما قلنا في التدليس: إن المشتري مخير إذا تصرف في المبيع تصرفًا يجوز مثله رده ولم يلزمه أرش لأن ذلك رضا من البائع لأنه لمَّا كتم العيب وهو يعلم أن المشتري يتصرف في المبيع، ولا يعد ذلك منه رضا لأنه تصرف عن غير علم بالعيب، كان راضيًا به لأنه هو الذي سلطه عليه فلم يلزم المشتري أرش.
فصل [١٤ - الرد يكون مع النقص]:
وإنما قلنا: إنه إذا قطعه بما لا يقطع مثله لم يكن له رده إلا مع النقص لأن البائع لم يسلطه على ذلك لأنه دخل على أن يتصرف فيه تصرف مثله المعهود، فإن تصرف فيه المشتري بمثل ما يتصرف في مثله فلا شيء عليه، لأن البائع سلطه عليه فإن خرج عن العادة لم يكن له رده إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على ذلك ولا رضي به.
_________________
(١) مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٢١، الأم: ٣/ ٦٨.
(٢) قاله أبو حنيفة والشافعي (انظر مختصر الطحاوي ص ٧٧، ٨٠، والمهذب: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤، المغني: ٤/ ١٦٢).
(٣) في (ر): فلا يجبر.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
فصل [١٥ - إذا مات العبد من ذلك العيب]:
(وإنما قلنا: إن العبد إذا مات من ذلك العيب فلا شيء على المشتري، فلأن البائع قصد أخذ مال المشتري بغير حق لأنه لم يوفه المبيع سليمًا بل دفع إليه ما لم يعاوض عليه، فإذا لم يرضه لم يلزمه تلفه لأنه على ملك البائع حتى يعلم رضا المشتري.
فصل [١٦ - ليس للمبتاع رد المبيع إذا لم يدلس البائع]:
وإنما قلنا: إن البائع إذا لم يدلس فليس للمبتاع رد المبيع إذا تصرف فيه إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على التصرف) (^١) ولا رضي به فلم يلزمه قبوله إلا مع الأرش، وسواء في ذلك إذا كان لم يعلم بالعيب أو كان علم به وأنسيه.
فصل [١٧ - إذا وجد بالمبيع عيبان]:
وإذا وجد بالمبيع عيبان: أحدهما يعلم أنه قبل البيع، والآخر يمكن (^٢) فيه الأمرين، فالرد للمشتري بالأول واليمين عليه لأن الآخر لم يحدث عنده لأنه لم يكن (^٣) مدعى عليه استحقاق الأرش.
فصل [١٨ - الفوت الذي يصيب العبد من موت وزمانه وهرم غيره]:
موت العبد وزمانته وهرمه الذي لا يبقى معه انتفاع به وعتقه وتدبيره وكتابته واستيلاد الأمة على ذلك فوت والأصل فيه أن كل ما يتعذر معه الرد فوت وكل هذا إتلاف منه مشاهدة ومنه من طريق الحكم، فأما البيع (^٤)، ففيه ثلاث (^٥) روايات:
_________________
(١) ما بين قوسين: سقط من (ق).
(٢) في (م): ممكن.
(٣) في (م): يكون.
(٤) في (م): المبيع.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩٧، ٣٠٠، التفريع: ٢/ ١٧٤، ١٧٦، الكافي ص ٣٤٨، المقدمات: ٢/ ١٠٩.
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
إحداها (^١) أنه فوت ويرجع بالأرش على البائع وإن كان المشتري لم ينقص في الثمن كان له الأرش، فإن كان قد نقص فالبائع الأول بالخيار إذا اختار أن يعطيه الأرش أو يكمل له رأس ماله.
والثانية: أنه لا شيء له إلا أن يرده (^٢)، والثاني: أو يرجع إليه بشراء أو هبة أو غير ذلك وما لم يرجع إليه أو يرده الثاني فلا شيء له على الأول.
والثالثة: أنه إن كان نقص لأجل العيب رجع بقدر ما (^٣) نقص على البائع، وإن لم ينقص فلا شيء له إلا أن يرجع إليه.
فوجه الأولى: أن المبيع إخراج له عن الملك، فكان فوتًا كالعتق والصدقة، وإما قلنا: أنه إن كان قد نقص فالبائع الأول مخير بين إعطائه الأرش وتكميل رأس المال؛ لأن ردَّه غير ممكن، والذي يلزم البائع تخليصه من العيب بأي الأمرين شاء ورجحنا في التخيير لأن جنبته أقوى بتعذر الرد.
ووجه الثانية: وهي أنه لا شيء له إلا أن يرد عليه أو يرجع إليه أن الرد غير ميئوس منه، فلم يكن فوتًا كالرهن والعارية، فإن عاد إليه كان له ردُّه لإمكان الرد بعد عوده.
ووجه الثالثة أنه إذا لم ينقص فلإطلاقه بينه وبين البائع ولا سيما (^٤) مع تعذر الرد، والأقيس (^٥) من هذا كله أن يكون له الأرش لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد بالجزء (^٦) الفائت عنده.
_________________
(١) في (م): أحدها.
(٢) في (ق): يزده.
(٣) في (ق): بما.
(٤) في (م): وسيما.
(٥) في (ق): وإلا فليس.
(٦) في (م): بالجزاء.
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
فصل [١٩ - في حكم الإباق]:
الإباق فوت (^١) خلافًا للشافعي (^٢)؛ لأن رده يتعذر معه ويجعله في حكم الميئوس منه، ولأن الإباق يوجب له القيمة في العيب وكذلك يجب أن يكون له الأرش في العيب.
فصل [٢٠ - في وطء المشتري للثيب]:
وطء المشتري للثيب لا يمنع الرد ولا يوجب عوضًا (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يمنع الرد (^٤) لأن الفوت هو تلف المبيع أو تغير بدنه أو عينه (^٥) أو أن يعقد عليه عقدًا يخرجه عن الملك لا سبيل إلى رده وكل هذا معدوم لأنه استمتاع كالقُبْلة والوطء فيما دون الفرج، ولأنها وطئت في ملك المبتاع كوطء الزوج والإكراه، وخلافًا لابن أبي ليلى في قوله: إنه يردها ومعها مهر المثل (^٦)؛ لأنه وطء ملك فلم يستحق عليه عوض به أصله إذا فاتت، ولأنه لم ينقص شيئًا منها كالاستخدام.
فصل [٢١ - في وطء المشتري للبكر]:
وطء البكر لا يمنع الرد خلافًا للشافعي (^٧)، لما بيناه أن حدوث العيب لا يمنع الرد وليس الافتضاض بأكثر من قطع بعض الأعضاء، وإذا ثبت أن له أن يرد، فإنه يردها وما نقصها كسائر العيوب.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، الكافي ص ٣٤٧ - ٣٦٣، المقدمات: ٢/ ٧٥.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ٨٧، الإقناع ص ٩١ - ٩٢.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، الكافي ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٠.
(٥) في (م): أو عيبته.
(٦) انظر: المغني: ٤/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٧) انظر: الأم: ٣/ ٦٨، مختصر المزني ص ٨٣.
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
فصل [٢٢ - وجوب الرد للمشتري إذا كان المبيع على حاله]:
قد بينا أن الرد واجب (^١) للمشتري إذا كان المبيع على حاله (^٢) لم ينم في يد المشتري ولا نقص ولا تغير عن (^٣) صفته، وسواء دلس به البائع أو نسيه، وبينا أنه إذا حدث به عيب عنده، فإن ذلك لا يمنع الرد ويرد معه ما نقصه العيب، فأما إذا نمى فإنه لا يخلو النماء أن يكون منفعة أو عيبًا، فإن كان المنفعة مثل استخدام العبد وسكنى الدار أو إجارتها أو ركوب الدابة وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يمنع الرد بالعيب ولا شيء على المشتري فيما استعمل أو استعان ولا يلزمه رد شيء لأجله لأن هذا خراج والخراج به الضمان.
والأصل فيه ما روى ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف (^٤) أنه ابتاع غلامًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا فقضى له عمر بن عبد العزيز برده وغلته، فأخبره عروة عن عائشة أن النبي - ﷺ - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان (^٥)، فرد (^٦) عمر قضاه وقضى لمخلد بردِّه الخراج إليه ولا خلاف في ذلك أعلمه.
فصل [٢٣ - الرد إذا كان النماء عينًا]:
فأما إن كان النماء عينًا فإنه يختلف، أما ولادة الأَمَة ونتاج الماشية، فإنما ترد مع الأمهات وثمرة النخل بخلاف ذلك يرد أصل النخل ولا يرد الثمرة، (وقال أبو حنيفة: الولادة والنتاج والثمرة يبطل الرد ويوجب الأرش (^٧)؛ لأن هذه
_________________
(١) في (ق): أوجب.
(٢) في (م): حال.
(٣) عن: سقطت من (ق).
(٤) مخلد بن خفاف بن إيماء بن رخصة الغفاري، لأبيه وجده صحبة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن وضاح: مخلد مدني ثقة (تقريب التهذيب: ١٠/ ٧٤ - ٧٥).
(٥) سبق تخريج الحديث.
(٦) في (ق): مودة.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٠ - ٨١، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٢١.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
الأشياء عنده عيوب وحدوث العيب يمنع على أصله الرد) (^١)، وقال الشافعي: يرد الأصل وحده في ذلك كله ولا يرد الفرع (^٢).
فدليلنا على أبي حنيفة: أنه نماء يحدث في يد المشتري بعد العقد، فلم يمنع الرد بالعيب أصله الغلة والكسب، ولأن أكثر ما فيه أن يكون عيبًا وقد بينا أن العيب (^٣) لا يمنع الرد، ولأنهم قد وافقونا أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالًا (^٤) بهبة أو التقاط أو ركاز، فإن ذلك لا يمنع الرد بعيب إذا وجد به، وكذلك ولادة الأمَة لأنه لو كان منفعة لم يمنع الرد، فكذلك إذا كان عيبًا كنماء العبد.
ودليلنا على الشافعي في قوله: إن الولد لا يرد أن الأصول موضوعة على كل حكم لزم في رقبة الأم، فإن الولد يتبعها فيه كولد أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل وقد ثبت أن حكم الرد لازم في رقبة هذه الأم المبيعة من وقت البيع، فيجب أن يكون ما يحدث من ولد وحكمه حكمها فيه لأنه حدث بعد استقرار وجوب الرد، ولا يشبه الثمرة إذا حدثت عنده لأنها خراج وغلة لأنها ليست كخلق الأصل، والولد ليس بخراج فإن كانت الثمرة في النخل وقت الشراء ردها مع الأصل.
فصل [٢٤ - في بيع الأصول وفيها الثمر، وبيع العبد له مال]:
إذا ابتاع أصل النخل وفيها ثمر، فإن كان لم تؤبر فهو للمبتاع، وإذا أراد رد الأصل كان حكمه حكم ما حدث عنده، فإن كان قد أبر لزمه أن يرده مع الأصل عند ابن القاسم لأنه إذا أبر فليس بيع (^٥) بل كان واجبًا للبائع إلا أنه جعل للمبتاع اشتراطه رفقًا به فسقط حق الثمر (^٦).
_________________
(١) ما بين قوسين: سقط من هنا، ثم ورد بعد قول الشافعي في (م).
(٢) انظر: مختصر المزني ص ٨٦ - ٨٧، الإقناع ص ٩٤.
(٣) في (م): أنه.
(٤) مالًا: سقطت من (م).
(٥) في (ق): يبيع.
(٦) في (م): الثمن.
[ ٢ / ١٠٦١ ]
وعند أشهب لا ترد الثمرة مع الأصل أبرت أو لم تؤبر لأنّه بيع (^١) وغلة، فإن كان المشتري قد سقاها وأنفق عليها لزم البائع أن يعطيه ذلك كما لو سقاها أجنبي هذا إذا كانت الثمرة (^٢) قائمة، فأما إن كانت الثمرة (^٣) قد فاتت نظر، فإن كان بغير فعل منه فله أن يرد الأصل ولا شيء عليه كولد الأَمة الحادث بعد العقد إذا مات، ومال العبد مشترط معه إذا تلف أن له أن يرد الأَمة والعبد ولا شيء عليه، وإن أتلفها هو بأكل أو بيع فإنه يرد مثل مكيلتها عند مالك لأنها قد أخذت قسطها (^٤) من الثمن، وله أجر السقي والعلاج لأنها كملت بسقيه، وعند أشهب أنها غلة لا ترجع (^٥) مع الأصل اعتبارًا بما لم يؤبر، فأما إذا ابتاع غنمًا فجزَّ أصوافها فينظر: فإن كان حين ابتاعها كان (^٦) عليها صوف تام فجزَّه فإنه يرده معها لأنه قد دخل في البيع، وإن كان حدث عنده فليس عليه أن يرده معها سواء كان بيده أو قد فات هذا كله على قول ابن القاسم.
فأما أشهب فإنه يقول: لا يرد ذلك سواء كان موجودًا يوم الصفقة أو حدث بعدها لأنه تبع (^٧) ولغو، فأما الألبان والسمون فإنها للمبتاع لأنها غلة فإن كان موجودًا يوم العقد لم يلزم شيء إذا رد عند ابن القاسم وأشهب لأنه بيع غير مقصود (^٨) بالبيع، وإذا ابتاع عبدًا وشرط ماله رده معه في العيب وليس له انتزاعه لأنه ليس بغلة ولا خراج، وإن تلف عنده فلا شيء عليه وحكم ما أفاد من مال عند المشتري ما كان معه يوم العقد (^٩).
_________________
(١) في (م): بيع.
(٢) الثمرة: سقطت من (ق).
(٣) الثمرة: سقطت من (م).
(٤) في (م): قسطًا.
(٥) في (م): لا ترد.
(٦) كان: سقطت من (م).
(٧) في (م): بيع.
(٨) في (م): معقود.
(٩) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ٣/ ٢٦٥، التفريغ: ٢/ ١٤٦ و٢١٧، ٢١٨، الكافي ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
فصل [٢٥ - العيوب التي توجب الرد]:
الذي يوجب الرد من العيوب: كل عيب ينقص الثمن ويؤثر نقصًا في المبيع أو يخاف عاقبته، وذلك كالجنون والجذام والبرص والعنين والخصاء والإفضاء (^١) والدفر (^٢) وبياض الشعر والبخر (^٣) والإباق والزنا والسرقة وما أشبه ذلك (^٤)، ومنه ما يختص بالرائعة والمرادة للوطء كالحمل وغيره مما ذكرناه، ومنه ما يعم كالجنون وغيره بحسب ما يعلم من العادة فيما تراد له الجارية أنه يؤثر فيه وينقص الثمن لأجله أم لا، فأما عدم الخفاض فعيب في رقيق العرب لأن العادة أنهم يخفضون وليس بعيب في رقيق العجم لأنه يعلم أنهم لا يفعلونه وهذا مما يخص (^٥).
فصل [٢٦ - إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري]:
إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري نظر: فإن كان مما تتقي عاقبته فله رد العبد به، وذلك كالزوجة في العبد والزوج في الأمَة، فإن الطلاق لا يسقط الرد فيهما، وكذلك ما أشبهه مما لا يؤمن عوده أو ضرره، وأما ما يؤمن ذلك فيه، فإذا زال فلا رد له كالدين إذا قضاه ولم يكن في [سفه] (^٦).
…
_________________
(١) الإفضاء: هو أن يكون مسلك البول والحيض واحد (انظر الصحاح: ٦/ ٢٤٥٥).
(٢) الدفر -بالدال المهملة-: نتن الإبط وكذا الأنف (المعجم الوسيط: ١/ ٢١٨).
(٣) البخر: نتن الفم (المعجم الوسيط: ١/ ٤٠).
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٦، الكافي ص ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٥) في (ق): يختص.
(٦) طمس في (ق) و(م).
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
باب: [في عهدة الرقيق (^١)]
إذا اشترى عبدًا أو أمة فعهدته ثلاثة أيام بلياليها، فما أصابه فيها من حدث فمن البائع وإن شاء المشتري أخذه (^٢) بعيبه بجميع الثمن له ذلك ثم له عهدة السنة بعد عهدة الثلاث من ثلاثة أدواء وهي: الجنون والجذام والبرص، فما حدث به من ذلك في السنة فالخيار للمشتري (^٣) في إمساكه أو رده فإن تلف منها كان من البائع (^٤)، وهذا لما كان أهل المدينة يجرون أمرهم عليه واشترطوها في إبلهم ثم يبيتوا عليه (^٥)، ولذلك قال مالك: لا يحمل عليها أهل الأمصار إلا أن يشترطوها (^٦)، والكلام فيها إنما هو على تقدير بقاء ذلك اليوم بالمدينة ولو كان العرف جاريًا به في بلادنا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: كل عيب حدث بعد قبض المشتري، أي عيب كان فهو منه (^٧)، ودليلنا ما روى الحسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام" (^٨)، وروي قتادة عن الحسن عن
_________________
(١) عهدة الرقيق: هي بيع الرقيق على أن ضمانه في الثلاث من بائعه ولو بالسماوي (الفواكه الدواني ص ٩١).
(٢) في (م): أجازه.
(٣) في (م): لمشتريه.
(٤) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٢، المدونة: ٣/ ٣٣٣، التفريع: ٢/ ١٧٧، الرسالة ص ٢١٦، الكافي ص ٣٥٢.
(٥) حكى عمل أهل المدينة: المنتقى: ٤/ ١٧٣، البيان والتحصيل: ٨/ ٣٤٨، ترتيب المدارك: ١/ ٢٨.
(٦) الموطأ: ٢/ ٦١٢.
(٧) انظر: المبسوط: ١٣/ ٩٣، المهذب: ١/ ٢٥٨.
(٨) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في عهدة الرقيق: ٣/ ٧٧٦، وابن ماجه في =
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
النبي - ﷺ -: "لا عهدة بعد أربع" (^١)، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة نقلًا لأن عمر بن الخطاب ﵁ حكم في العهدة فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل النبي (^٢) - ﷺ - لحبان بن منقذ، فإنه جعل له عهدة ثلاثة أيام فيما اشترى إن رضي أخذه وإن سخط ترك (^٣).
وقال محمَّد بن يحيى بن حبان (^٤): ما جعل ابن الزبير عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا لقول رسول الله - ﷺ - لمنقذ بن عمر (^٥): "وأنت بالخيار ثلاثًا" (^٦)، وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر (^٧): أن إبان بن عثمان (^٨)، وهشام بن إسماعيل (^٩) كان يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الثلاثة الأيام من حين
_________________
(١) = التجارات، باب: عهد الرقيق: ٤/ ٧٥٤، وأحمد: ٤/ ١٥٢، والحاكم: ٢/ ٢١، والحديث رواه الحسن واختلف عليه فيه، فمرة قال عن سمرة ومرة قال عن عقبة (مجمع الزوائد: ٣/ ١١٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب: عهد الرقيق: ٢/ ٧٥٤، وأبو داود في البيوع، باب: في عهد الرقيق: ٣/ ٧٧٦، والبيهقي: ٥/ ٣٢٣، وأحمد: ٤/ ١٥٢، والحديث مختلف فيه أيضًا (مجمع الزوائد: ٤/ ١١٠).
(٣) في (م): رسول الله.
(٤) أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٧٤، وتفرد بهذا الخبر ابن لهيعة.
(٥) محمَّد بن يحيى بن حبان: بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ الأنصاري، المدني، ثقة، فقيه من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة (تقريب التهذيب ص ٥١٢).
(٦) والحديث ورد في: حبان بن منقذ وليس منقذ بن عمرو كما جاء في متن الكتاب.
(٧) أخرجه الحاكم: ٢/ ٢٢، والبيهقي في المعرفة، والدارقطني: ٣/ ٥٤.
(٨) عبد الله بن أبي بكر: بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، ثقة من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة (تقريب التهذيب ص ٢٩٧).
(٩) إبان بن عثمان بن عفان الأموي، أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الله مدني، ثقة من الثالثة، مات سنة خمس ومائة (تقريب التهذيب ص ٨٧).
(١٠) هشام بن إسماعيل الدمشقي: العطار، أبو عبد الله، الزاهد، القدوة، ثقة، توفي سنة سبع عشر ومائتين (العبر: ١/ ٣٧٢).
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
يشتري العبد أو الوليدة (^١)، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد (^٢)، والزهري ورووه عن المشيخة السبعة (^٣)، فأما عهدة السنة من الأدواء الثلاثة، وإنها تكمن في البدن فتظهر في السنة، فإذا ظهرت قبل كمال السنة علم أن أصلها كان عند البائع، وإذا حدثت بعده علم أنها حدثت في ملك المشتري.
فصل [١ - البيع بشرط البراءة]:
اختلف قول مالك في البيع بشرط البراءة (^٤) فعنه فيه ثلاث روايات (^٥).
إحداها: أنه جائز ويبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما عليه وكتمه واشترط البراءة منه، وهذا في الرقيق دون غيره من الحيوان والعروض، وهذه الرواية هي المعتبرة وعليها النظر.
والثانية: أن ذلك جائز في الرقيق وسائر الحيوان.
والثالثة: أن بيع البراءة غير نافع ولا يبرأ إلا مما (^٦) يقف المشتري عليه ويريه إياه.
_________________
(١) الموطأ: ٢/ ٦١٢.
(٢) أبو الزناد: عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن، المدني، المعروف بأبي الزناد، ثقة، فقيه من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها (تقريب التهذيب ص ٣٠٢).
(٣) يريد بذلك الفقهاء السبعة وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير والقاسم بن محمَّد، وخارجة بن زيد، وعبيد الله، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة (انظر: الجواهر المضية: ٤/ ٥٤٨).
(٤) البيع بشرط البراءة: عرفها ابن عرفة بقوله: ترك القيام بعيب قديم، وقال ابن أبي زمنين: ترك القيام بكل عيب (انظر: حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع: ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٣، المدونة: ٣٣٥ - ٣٣٧، التفريع: ٢/ ١٧٩، الكافي ص ٣٤٩.
(٦) في (ق): أن.
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
فوجه القول بأن شرط البراءة جائز قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١)، ولأن ابن عمر باع غلامًا له بثمان مائة درهم بالبراءة فقال المبتاع: به عيب لم تسمه، فقال ابن عمر: "بعت بالبراءة فاختصما إلى عثمان فقضى عليه أن يحلف لقد باعه العبد وما به داء يعلمه (^٢) " موضع الدليل (^٣) أن ابن عمر باع بالبراءة ولم ينكر عليه عثمان، وإنما رأى البراءة مع العلم بالعيب لا ينفع (^٤) ولم يخالف عليه أحد، ولأنه شرط البراءة من عيب لم يدلس به ولا كتمه فأشبه إذا أراه إياه، ولا يدخل عليه العروض لأنا اعتللنا للجواز في الجملة.
فصل [٢ - في عدم البراءة مما علم من العيوب]:
ودليلنا على أنه لا يبرأ مما علم خلافًا لأبي حنيفة (^٥)، لقوله ﷺ: "إذا بعت فقل لا خلابة" (^٦) وهذا موجود في مسألتنا، وما رويناه من حديث عثمان وابن عمر، ولأنه عيب وجد بالمبيع لم يوجد رضا به ولا إبراء لبائعه على أنه عالم به، فلم يلزم المشتري أصله إذا لم يشترط البراءة منه.
فصل [٣ - وجه التفرقة بين الرقيق وغيره]:
ووجه التفرقة بين الرقيق وغيره من الحيوان: أن الرقيق يقدرون على إخفاء ما بهم من العيوب وكتمانه، فلا يصل المالك إلى علم ذلك فجُوِّز له البيع بالبراءة للأمارة الدالة على صدقه في عدم علمه بعيب إن كان به وسائر الحيوان بخلافهم لأنه لا قدرة فيها (^٧) على كتم عيوبها، فالبائع والمشتري يتساويان في ذلك، فلم يجز له البيع بالبراءة إلا ما يسميه له.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١.
(٢) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٣.
(٣) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٤) في (م): لا تقع.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨١، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٢٠ - ٢١.
(٦) سبق تخريج الحديث ص ١٠٤٩.
(٧) في (م) فيهم.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
ووجه التسوية بينهما: أن العيب قد يخفي ويستتر في الحيوان، فلا يكاد يقف عليه إلا أهل الطب والبياطرة، فجاز للمالك بيع البهيمة بشرط البراءة كجوازه في الرقيق.
ووجه قوله: أن شرط البراءة لا يبرأ مما يوجد فيها بعد نهيه ﷺ عن بيع الغرر (^١) وهذا منه، ولأنه شرط البراءة معنى يرتفق به أحد المتعاقدين فلا يصح مع الجهالة وإمكان التحرز في الغالب أصله الأجل، ولأن منع ذلك حسم للباب، ولأنه إذا وجد بالمبيع عيب أمكن أن يكون عالِمًا به فيجحد فيصير ذلك طريقًا إلى نفوذ حكم التدليس على المشتري وإلزامه إياه والأول أصح.
فصل [٤ - في اشتراط البراءة من الحمل]:
شرط البراءة من الحمل جائز عندنا في الوخش (^٢) والتي لا تراد للوطء وغير جائز في المرتفعات (^٣) إلا في الحمل الظاهر (^٤)، والفرق أن ذلك في المرتفعات غرر، لأن الأمة المرتفعة المتخذة للتسري المرغوب فيها للحسن والجمال ينقص الحمل ثمنها ويضعها وضعًا بينًا وربما أتى على معظم قيمتها، فإذا لم يكن ظاهرًا فإن البائع والمشتري يدخلان على غرر ظاهر (^٥) لأنها إن لم تكن حاملًا فقد وضع البائع حقه خيفة (^٦) أن تكون حاملًا، وإن كانت حاملًا فالمشتري قد دفع الثمن رجاء أن لا تكون حاملًا وكل ذلك غرر، ولأن السنة مع الجواز (^٧) على المواضعة، وعليه مضى السلف: إذا ظهر الحمل زال الغرر ودخل كل
_________________
(١) سبق تخريج الحديث.
(٢) الوخش: هي الدنية وصغار ورذالة الرقيق (انظر المصباح المنير ص ٦٥٢).
(٣) المرتفعة: هي الجارية التي تراد للنكاح.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٣٣٦، الكافي ص ٣٤٩.
(٥) ظاهر: سقطت من (م).
(٦) خيفة: سقطت من (م).
(٧) في (ق): بيع الجواري وهو خطأ.
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
واحد على بصيرة وعلم ما يزيده في الثمن وينقصه، ولأنه لا موضع حينئذ للمواضعة، فأما الوخش فإن الحمل لا يضع منهن ولا يبطل شيئًا من أثمانهن بل لعله يزيد فيها، فجاز شرطه البراءة منه لقلة الغرر فيه.
فصل [٥ - في كون العبد يملك]:
العبد يملك عندنا (^١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٢)، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣)، والفقر والغنى من صفات المالكين لأن من لا يصح عليه الملك لا يصح وصفه بالغنى ولا بالفقر (^٤)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (^٥)، فالمقصد من هذا التنبيه على الصانع تعالى وعمومه الحر والعبد كما أن التنبيه عام فيهما، وقوله ﷺ: "من باع عبدًا وله مال" (^٦)، وهذه لام التمليك، فهي محمولة على حقيقتها، ولأنه آدمي حي كالحر، ولأن الرق حال من أحوال الآدمي الحي فصح أن يملك معها كالحرية، ولأن المملوكات ضربان: أعيان، ومنافع، وقد ثبت أن العبد يملك المنافع كوطء زوجته وغير ذلك، فكذلك الأعيان، ولأن من صح أن يملك في حال صح أن يملك في كل حال اعتبارًا بالحر عكسه البهائم لما لم يصح أن تملك في حال لم يصح أن تملك في كل حال.
فصل [٦ - في أن ملك العبد ناقص غير تام]:
إذا ثبت أنه يملك فإن ملكه ناقص غير تام ولا مستقر ليس له أن يتصرف فيه إلا
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٧٩، الكافي ص ٣٣٦.
(٢) انظر: المهذب: ١/ ٢٦٧.
(٣) سورة النور، الآية: ٣٢.
(٤) في (م): والفقر.
(٥) سورة يس، الآية: ٧١.
(٦) أخرجه البخاري في المساقاة والشرب، باب: الرجل يكون له مصر: ٣/ ٨١، ومسلم في البيوع، باب: من باع نخلًا عليها ثمر: ٣/ ١١٧٣.
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
بإذن سيده، ولسيده انتزاعه منه ما لم يتعلق به حق للغير على ما نذكره في باب المأذون، فإن باعه السيد وله مال: فإن شرطه المبتاع لكان للعبد بالشرط، وإن سكت عن ذكره فهو للبائع (^١) لقوله ﷺ: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (^٢)، وسواء كان عينًا أو عرضًا، ثم يكون المشتري فيها كالبائع إن شاء أقره في يده وإن شاء انتزعه، وله أن يطأ بملك اليمين إذا وهبه السيد أمة أو أذن له في ابتياعها.
فصل [٧ - مال العبد المعتق]:
ومال العبد تابع له في العتق (^٣) إلا أن يشترطه المالك لقوله ﷺ: "من أعتق عبدًا فماله له إلا أن يستثنيه سيده" (^٤)، فاختلف عنه في الوصية والهبة فعنه فيه روايتان (^٥):
إحداهما: أنه للواهب، والأخرى: أنه تابع للعبد، وإنما اختلف ذلك لاختلاف التعليل في البيع والعتق: فمن أصحابنا من علل البيع بأنه عقد معاوضة، فلذلك كان مالك العبد لمن خرج عن ملكه وعلل العتق بأنه إخراج الملك عن غير عوض، فلذلك كان مال العبد تابعًا له، فعلى هذا يجب أن يكون في الوصية والهبة المال للعبد دون الموصي والواهب؛ لأنه خروج مالك من غير عوض كالعتق، ومنهم من علل البيع بأنه خروج ملك إلى مالك (والعتق بأنه خروج ملك إلى غير مالك) (^٦)، فعلى هذا لا يكون في الهبة والوصية تابعًا للعبد لأنه خروج ملك إلى مالك.
_________________
(١) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١١، التفريع: ٢/ ١٧٩، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٣٣٦.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) في (م): بالعتق.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٢، الرسالة ص ١٨.
(٦) ما بين قوسين سقط من (م).
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
باب: [التفرقة في البيع بين الأَمَة وولدها]
لا يجوز التفرقة بين الأَمَة (^١) وولدها في البيع، ويفسخ ذلك إن وقع (^٢) خلافًا لأبي حنيفة (^٣)، لقوله ﷺ: "لا توله والدة عن ولدها" (^٤)، وقوله ﷺ: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته (^٥) يوم القيامة" (^٦)، ولأنه بيع منع منه لحق الله تعالى في أحكام المبيع، فكان باطلًا أصله بيع الخمر.
فصل [١ - في وقت جواز التفرقة بين الأمَة وولدها]:
فإن أجاب المشتري إلى الجمع بينهما فلا يجوز البيع أيضًا لأن المنع من ذلك لحق الله تعالى فلا يسقط بإسقاط الآدمي، وفي حد التفرقة روايتان: الإثغار (^٧) لأنه يستقل عن ذلك بنفسه ولا يستضر بفراق أمه كالاحتلام، والأخرى البلوغ لأنها حال صغر اعتبارًا بما قبل الإثغار.
_________________
(١) في (ق): الأم.
(٢) انظر: الموطأ: ٢/ ٦١٦، التفريع: ٢/ ١٧٩.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٥، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٣٠ - ٣١.
(٤) أخرجه البيهقي: ٨/ ٥، حديث أبي بكر بسند ضعيف، وأبو عبيد في غريب الحديث من مرسل الزهريّ، ورواية عنه ضعيف والطبراني، وابن عدي (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ١٥).
(٥) في (ق): من أحبه.
(٦) أخرجه الترمذي في البيوع، باب: في كراهية الفرق بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع: ٣/ ٥٨٠، وأحمد: ٥/ ٤١٣، والدارقطني: ٣/ ٦٧، والحاكم: ٢/ ٥٥، وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٧) الأثغار: هو إنبات الأسنان (لسان العرب: ٤/ ١٠٣).
[ ٢ / ١٠٧١ ]
فصل [٢ - في التفرقة بين الأب وولده]:
ويفرق بينه وبين الأب لأنه لا يستضر الطفل بمفارقة الأب كاستضراره بمفارقة الأم، ولأن الأم أولى بذلك لأن حق الحضانة يثبت لها دون الأب.
فصل [٣ - في عدم التفريق بين الأمَة المسبية وبين ولدها]:
لا يفرق بين الأمَة المسبية وبين ولدها لعموم الأخبار، ولأن المعنى في المسبية وغيرها سواء، ويقبل قولها في أنه ولدها لأنه لا ضرر عليها في ذلك إلا في التوارث فلا يقبل.
***
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
باب: [التصرية]
التصرية عيب وتدليس إذا قصد به البائع التدليس، والمصراة هي: الشاة أو الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ليعظم (^١) فيظن المشتري إذا حلبها أن ذلك قدر حلابها، والتصرية في اللغة الجمع، يقال: صريت الماء في الحوض إذا جمعته (^٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ في صَرَّةٍ﴾ (^٣)، قيل: جمع من النساء (^٤)، فمن ابتاع مصراة ثم علم بذلك بحلابها فهو بالخيار إن شاء أمسكها بعيبها وإن شاء ردها ورد صاعًا من تمر للبن الذي حلبه منها (^٥)، وقال أبو حنيفة: ليست التصرية بعيب ولا يثبت بها حق رد واللبن الذي في الضرع لا قسط له من الثمن (^٦).
ودليلنا أنها عيب قوله ﷺ: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو خير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (^٧)، ففيه أدلة: أحدها أنه نهى عنه، فدل على أنها تدليس، والثاني: أنه أثبت للمبتاع الخيار، والثالث: أنه أوجب عليه إذا ردها صاعًا من تمر وعندهم لا يجب، وفيه دليل على أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن، ولأن قيمة الشاة التي تحلب عشرة أرطال أكثر من قيمة الشاة التي تحلب خمسة
_________________
(١) ليعظم: سقطت من (ق).
(٢) قال ابن فارس: الصاد والراء والحرف المعتل أصل واحد صحيح يدل على الجمع، يقال: صرى الماء يصريه إذا جمعه (معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٣٤٦).
(٣) سورة الذاريات، الآية: ٢٩.
(٤) انظر: أحكام القرآن - القرطبي: ١٧/ ٤٦.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٧، المقدمات: ٢/ ١٠٢، الكافي ص ٣٤٦.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٩.
(٧) سبق تخريج الحديث ص ١٠٤٧.
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
أرطال والرغبة في إحداهما أزيد فصارت التصرية تدليسًا (^١) بالعيب، فكان للمشتري أن يرد، ولم يمنعه الحلب من الرد كما لو ابتاع ثوبًا، وقد دلس البائع فيه فلم يعلم حتى قطعه لكان له الرد.
فصل [١ - في البيع الفاسد]:
إذا ابتاع شيئًا بيعًا فاسدًا فسخ البيع ورد الثمن على المبتاع: فإن تلف في البائع فتلفه منه لأنه على ملكه لم ينتقل عنه، فإن قبضه المبتاع وتلف في يده فضمانه منه لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه لشبهة العقد فضمنه، فإن كان مما له مثل ضمنه بمثله، وإن كان مما لا مثل له ضمنه بقيمة يوم القبض لا يوم العقد لأنه لم يضمنه بالعقد فيعتبر يوم العقد، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون عقده صحيحًا لا فاسدًا، وإن كان المبتاع استغله (^٢) واستخدمه لم يلزمه شيء لذلك، لأن الضمان منه فكان الخراج له، والعتق فوت لأنه لا يمكن رده معه لأنه ينفذ في شبهة العقد كنفوذه في العقد الصحيح لقوته وتغليبه، وحوالة الأسواق فوت لأن فيه ضررًا على البائع أن تؤخذ السلعة منه وهي تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، والعيوب في البدن فوت أيضًا.
وقد اختلف أيضًا (^٣) عنه هل هذا حكم جميع المبيعات الفاسدة أو حكم نوع منها، فعنه في ذلك روايتان (^٤):
إحداهما: أنه حكم جميعها وهي رواية ابن نافع، والأخرى أنه ما اتفق على فساده وتحريمه كالربا والغرر وغير ذلك، فأما ما اختلف في تحريمه فإنه إذا مات أمضى بالثمن.
_________________
(١) في (م): عيبًا.
(٢) في (ق): استعمله.
(٣) أيضًا: سقطت من (م).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٢٠٦ - ٢٠٩، التفريع: ٢/ ١٨٠، الرسالة ص ٢١٥، الكافي ص ٣٥٤ - ٣٥٧، المقدمات: ٢/ ٦١ - ٦٥.
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
فوجه الأولى: أنه مبيع فاسد كالربا، لأن الاتفاق لا مزية له على الاختلاف في الحكم بفساد العقد ما لم يفارق الاختلاف حكم الحاكم.
ووجه الثانية: أن الاختلاف يقتضي شبهة للقابض، فكان الثمن أولى من القيمة لأن الثمن متفق عليه مع الشبهة التي ذكرناها، وكان الفوت مشبهًا بحكم الحاكم بصحته والأول أقيس.
فصل [٢ - في تقسيم البيع الجائز إلى مساومة ومرابحة]:
البيع جائز مساومة ومرابحة، فالمساومة: ألا يخبر برأس ماله بل يبيع السلعة بما يسوم بها ويوافقه المبتاع عليه من مقدار الثمن، والمرابحة: أن يخبر برأس ماله (^١)، ويلتمس الربح على حساب معلوم مثل أن يقول: رأس مالها مائة ويبيعها (^٢) بربح كل عشرة واحدًا أو اثنين أو غير ذلك مما يلتمسه، وكل جائز (^٣) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٤)، ولأن الغرض أن يكون الثمن معلومًا، فعلى أي وجه أوقعه جاز، وإذا ثبت هذا فقد ينفرد رأس المال من شيء يتبعه وقد ينضم إليه شيء يتبعه كالقصارة والخياطة والسبغ والطي والشد والسمسرة والكراء وغير ذلك، فإن انفرد رأس المال عن شيء يتبعه (^٥) لم يلزم سواء وما قدر من الربح له، وإن انضم إليه شيء من ذلك لم يخل من أحد أمرين:
إما أن يخبر البائع (^٦) برأس المال وما لزمه ويشترط ضمه إلى رأس المال
_________________
(١) في (ق): برأس المال.
(٢) في (ق): وأن يبيعها.
(٣) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩، المدونة: ٣/ ٢٤٤ - ٢٥٠، التفريع: ٢/ ١٨١، الكافي ص ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٥) عن شيء يتبعه: سقطت من (ق).
(٦) البائع: سقطت من (ق).
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
وطلب الربح للكل، فهذا يكون له ما اشترطه، لأن المشتري قد رضي بذلك، وكأن البائع قال ابتداء: لا أبيعها إلا بكذا فرضي المبتاع فيجوز.
وأما أن يطلق العقد ويسكت عن اشتراط ضم هذه التوابع إلى رأس المال وعن اشتراط ربح لها، فهذا ينظر فيه: فيضم إلى رأس المال كل ما له عين قائمة في المبتاع مثل القصارة والخياطة والصبغ والطرز، ويحسب لها بقسطها من الربح لأنها جارية مجرى أصل المبتاع، وما عدى ذلك من شدٍ وطي وسمسرة، فلا يضم إلى رأس المال فلا يحسب له ربح لأنه ليس بمؤثر في المبتاع ولا المبتاع مضطر إليه حتى يمكن حصوله إلا به لأن التاجر يفعله ترفيهًا لنفسه عن التعب، فليس له أن يلزم بذلك المبتاع مؤنة زائدة إلا أن يعلم أن شراء ذلك المتاع لا يمكن أن يتولاه من يشتريه إلا بوسيط وسمسار، والعادة جارية بذلك فيحسب في رأس المال ولا يحسب له ربح لأنه ليست له عين قائمة مؤثرة في المتاع، ويحسب نقل المتاع من بلد إلى بلد، فأما كراء المنزل (^١)، فإن كان التاجر اكتراه ليسكنه ويأوى فيه إلى وقت انصرافه فالمتاع تبع (^٢)، فلا يحسب النَّفقة على نفسه طول مقامه، وإن كان اكتراه ليحرز المتاع فيه ولولا ذلك لم يحتج إليه، فإنه يحسب بغير ربح يضرب له على ما ذكرناه.
…
_________________
(١) فأما كراء المنزل: سقط من (م).
(٢) في (م): بيع.
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
باب: [إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن]
إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن: ففيها ثلاث روايات (^١):
إحداها: أن التحالف والتفاسخ واجب بينهما على أي وجه كان سواء كانت السلعة في يد البائع أو المشتري باقية أو تالفة إلا أن يرضى المشتري أخذها بما يدعيه البائع وهو قول أشهب والشافعي (^٢).
والثانية: أنه إن كانت السلعة لم تقبض تحالفًا تفاسخًا، وإن كانت قد قبضت فالقول قول المشتري مع يمينه وهي رواية ابن وهب.
والثالثة: أن السلعة إن كانت باقية لم تفت ولا تغيرت في بدن ولا سوق وإن كانت قد قبضت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن تلفت أو تغيرت بما ذكرناه، فالقول قول المشتري مع يمينه، وهذه رواية ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة (^٣).
فوجه قوله: إنهما يتحالفان ويتفاسخان على كل وجه قوله ﷺ: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويتردان" (^٤)، وروي: "يتحالفان ويتفاسخان" (^٥) فعم ولم يخص، ولأن الاختلاف في ثمن المبيع
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤٥، التفريع: ٢/ ١٨٢، الكافي ص ٣٤٥.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ٨٦ - ٨٧.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٢، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٣٢ - ٣٣.
(٤) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: إذا اختلف البيعان: ٣/ ٧٨٣، والنسائي في البيوع، باب: خلاف المتبايعان في الثمن: ٧/ ٢٦٦، وابن ماجه في التجارات، باب: البيعان يختلفان: ٢/ ٧٣٧، والترمذي في البيوع، باب: ما جاء إذا اختلف البيعان: ٣/ ٥٧٠، وأخرجه الحاكم: ٢/ ٤٥، وقال: صحيح الإسناد.
(٥) في (م): تحالفا وتفاسخا.
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
يوجب التحالف أصله قبل القبض، ولأنه لما كان القول قول المالك في أصل البيع إذا قال بعتكها، وقال الآخر: وهبتنيها، كان القول قوله أيضًا في صفة ذلك الشيء ما أمكن.
ووجه اعتبار القبض دون الفوات أن الأصول موضوعة على أن اليمين في جنبة أقوى المتداعيين سببًا، والمشتري بعد القبض أقوى سببًا لما دفع إليه السلعة وائتمنه عليها إذا لَمْ يُشهد عليه ويتوثق منه وجب أن يكون القول قوله كما كان للذي الشيء في يده من المتداعيين القول مع يمينه.
ووجه اعتبار الفوات والتغيير قوله ﷺ: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، فإن استهلكت، فالقول قول المشتري"، وروي: "والسلعة قائمة تحلفًا وترادًا" (^١)، ولأن التحالف سبب يثبت به فسخ البيع فسقط بتلف المبيع كالإقالة، ولأنا لو أوجبنا التحالف في هذا الموضع لكنا قد أوجبنا على المشتري القيمة، وربما كانت أضعاف ما يدعيه البائع من الثمن فيكون قد ألزمناه ما لم يدعه عليه خصمه.
فصل [١ - صفة المسألة السابقة]:
إذا ثبت هذا فصفة المسألة على الروايات (^٢) الثلاث: أن الاختلاف لا يخلو أن يكون قبل القبض أو بعده: فإن كان قبله فإنه يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين فيحلف أنه لم يبع السلعة إلا بما ادعاه، فإن حلف قيل (^٣) للمشتري: إما أن تحلف على ما أدعيت ويفسخ البيع بينكما وإلا ألزمناكما بما حلف البائع عليه: فإن حلف سقط عنه ما ادعاه البائع وفسخ العقد، فإن نكل لزمه البيع
_________________
(١) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٢١، لكن فيه من لا يعرف، وانظر تخريج الأحاديث السابقة، وقال الحافظ ابن حجر: أن رواية التحالف لا ذكر لها في شيء من كتب الحديث (تلخيص الحبير: ٣/ ٣١).
(٢) في (م): على الصفات.
(٣) في (م): قبل.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
بيمين البائع ويكون له بما يدعيه البائع نكل البائع أولًا نقلت اليمين إلى المشتري، فإن حلف وجبت له ما يدعيه، فإن نكل فاختلف فيه: فقيل: يترادان، وقيل: يكون القول قول البائع.
فوجه التراد أنهما قد استويا في الحال كما لو حلفا لأنه ليس أحدهما أرجح من الآخر.
ووجه ترجيح البائع أنه أقوى سببًا من المشتري لأن المشتري قد أضعف نفسه بنكوله هذا كله إذا كانت السلعة لم تقبض، فأما إذا قبضت فعلى رواية اعتبار القبض تعرض على المشتري، فإن حلف وجبت له حلف باليمين وقوة السبب، وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن حلف ثبت له ما يدعيه بنكول المشتري ويمينه، وإن نكل فقد ذكر الخلاف وترتيب الرواية الأخرى على مثل هذا.
فصل [٢ - إذا كان الاختلاف في البيع]:
وإن كان الاختلاف في البيع فادعى البائع أنه حال وادعى المشتري التأجيل فينظر (^١): فإن كان العرف جاريًا في موضعهما بأن ذلك النوع لا يباع إلا نقدًا لا نساء فاليمين على مدعي العرف لقوة سببه والقبض غير مؤثر، فإن كانا لم يفترقا: فقيل: القول قول البائع (لأن العرف لا يثبت حال التبايع لأن تقدم النقد على العقد وتأخره على وجه واحد، وقيل: القول قول المشتري) (^٢)، لأن العرف في الجملة شاهد له، فأما إن لم يكن لذلك (^٣) النوع المبيع عرف من تعجيل أو غيره وادعى المشتري أجلًا بشبهه، فقيل القول قول المشتري مع يمينه بعد القبض كالاختلاف في المقدار، وهذه رواية ابن وهب، وقيل: القول قول
_________________
(١) في (ق): فانظر.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
(٣) في (م): في ذلك.
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
البائع كهو قبل القبض، وإن تصادقا في الأجل واختلفا في مدته فالقول في الاختلاف في مقدار الثمن سواء، فأما الاختلاف في عين الثمن وجنسه فإنهما يتحالفان ويترادان والقبض لا يؤثر لأن (^١) عين الثمن لا يقع فيها ائتمان وفيه نظر، وفروع هذا الباب تطول (^٢).
…
_________________
(١) لا يؤثر القبض لأن: سقطت من (م).
(٢) انظر: الكافي ص ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
باب: [في الاستبراء]
ومن وطيء أَمَة ثم أراد بيعها فعليه أن يستبرئها (^١) قبل البيع، وعلى المشتري أن يستبرئها قبل أن يطأها (^٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي: الاستبراء على المشتري ويستحب للبائع (^٣)، وحكي عن عثمان البتي (^٤) أنه يلزم البائع ولا يلزم المشتري (^٥)، ودليلنا على وجوبه على البائع أنه إذا وطئها جاز أن تكون حاملًا من ذلك الوطء فيكون بائعًا لولده ومدخلًا للشبهة في النسب لأن المشتري قد يبادرها فيطأها قبل الاستبراء (^٦)، ولأنه أحد المتبايعين فلزمه كالمشتري، ولأن المشتري إنما لزمه الاستبراء لحفظ مائه لِئَلا يدخل ماء على ماء غيره، فالبائع يلزمه من حفظ مائه ما يلزم المشتري.
فصل [١ - دليل وجوب الاستبراء]:
ودليلنا على وجوبه على المشتري خلافًا للبتي قول النبي - ﷺ -: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" (^٧)، وقوله ﷺ:
_________________
(١) الاستبراء في اللغة: الاستقصاء والبحث عن كل أمر غامض، وشرعًا: الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب (الفواكه الدواني: ٢/ ٦١).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦، التفريع: ٢/ ١٧٨، الرسالة ص ٢٠٧ - ٢٠٧، الكافي ص ٣٠٠.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٩٠، مختصر المزني ص ٢٢٥.
(٤) عثمان البتي: هو أبو عمر وعثمان بن مسلم البتي، فقيه البصرة، حدث عن أنس ابن مالك والشعبي، عابوا عليه الإفتاء بالرأي، (ت ١٤٣ هـ) (سير أعلام النبلاء: ٦/ ١٤٨، تقريب التهذيب ص ٣٨٦).
(٥) انظر: المغني: ٧/ ٥٠٩.
(٦) في (م): أن تستبرئ.
(٧) سبق تخريج الحديث ٩٤٤.
[ ٢ / ١٠٨١ ]
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره" (^١)، ولأنه لا يأمن أن تكون حاملًا فيكون بوطئه مدخلًا للشبهة في النسب فلزمه الاستبراء، وكذلك لا يحل له توابع الوطء من اللمس للذة والقبلة لأن حالها مترددة بين أن تكون مملوكة له وهو أن لا يظهر بها حمل وبين أن تكون أم ولد لغيره.
فصل [٢ - بم يكون الاستبراء؟]:
والاستبراء حيضة لقوله ﷺ: "حتى تحيض" (^٢) فأطلق، ولأن الغرض براءة الرحم، وذلك يحصل بالمرة، وتفارق الحرة لأن الزيادة لحرمة الحرية، فإن اتفقا على استبراء واحد جاز لأن الغرض يحصل، ويستحب أن توضع على يدي امرأة من عدول النساء لأن ذلك أصْوَن لها وأحفظ، ويكره أن تكون عند المشتري لئلا يتعجل بوطئها.
فصل [٣ - إذا وطئت الأَمَة المبيعة قبل أن تستبرأ]:
إذا وطيء الأَمَة سيدها ثم باعها قبل أن يستبرئها فوطئها المشتري قبل أن يستبرئها (^٣) فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الأول أو الثاني نظر إليه القافة، فبأيهما ألحقوه لحق فإن ألحقوه ببائعها انفسخ بيعها، وإن ألحقوه بمشتريها لم يبعها، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر لوطء (^٤) الثاني وهو لستة أشهر من وطء الأول فهو للأول دون الثاني (^٥).
وأما ولد الزوجة فالظاهر من قول مالك أنه لا يحكم فيه بالقافة، وذكر الشيخ أبو بكر الأبهري عن أبي يعقوب الراوي أن ابن وهب روى عن مالك أنه
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ٩٤٤.
(٢) سبق تخريج الحديث ص ٩٤٤.
(٣) في (م): يشتري.
(٤) في (م): من وطء.
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٧٣٩ - ٧٤٠، المدونة: ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٩، التفريع: ٢/ ١٧٨، الكافي ص ٣٠٠.
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
يحكم فيه بالقافة كولد الأَمَة (^١)، وقد بينا أن الحكم بالقافة إنما هو في وطء الرجلين الأمة في طهر واحد إذا أتت به لما يتشبه أن يكون منهما (^٢)، وعند أبي حنيفة أن الحاكم بالقافة باطل ولا يراعى الشبه، قال: فإذا تنازع الولد رجلان لحق بهما وكان ابنًا لهما يرثانه ويرثهما وكذلك عشرون وثلاثون رجلًا لو ادعوه إن أمكن ذلك (^٣).
وقال الشافعي: يحكم القافة في ولد الأَمَة والحرة (^٤)، ودليلنا على وجوب الحكم بالقافة ما روي عن عائشة أنها قالت: دخل رسول الله - ﷺ - تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم ترى إلى مجزز المدلجي (^٥)، نظر إلى أسامة وزيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (^٦).
فوجه الدلالة (^٧): أن المشركين كانوا يطعنون في نسب أسامة لأنه كان أسود وكان زيد أبيض، وكان ذلك يشق على رسول الله - ﷺ - فسُرَّ بقول مجزز لكونه فائفًا عارفًا بالأنساب، ولو كان ذلك ظنًّا وتخمينًا (^٨) لا يتعلق به حكم لم يسر به، ولأنكْرَ على مجزز إخباره به كما ينكر (^٩) كما يذكر من أمر الجاهلية
_________________
(١) انظر: المدونة: ٢/ ٣٥٨.
(٢) في (م): منها.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٤١، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٢٥.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ٣١٧ - ٣١٨، المهذب: ٢/ ١٢١.
(٥) مجزز المدلجي: هو والد علقمة بن مجزز، وسمي مجززًا لأنه كان إذا أخذ أسيرًا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه، وكان عارفًا بالقيافة وكان فيمن شهد فتح مصر (فتح الباري: ١٢/ ٥٧).
(٦) أخرجه البخاري في الفرائض، باب: القائف: ٨/ ١٢، ومسلم في الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد: ٢/ ١٠٨١.
(٧) في (م): موضع الدليل.
(٨) في (م): وحدسًا.
(٩) كان ينكر.
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
وأحكامها مما ليس في شرعه إقراره، ويدل على أن اعتبار الشبه في اضطراب النسب واجب حديث سعد (^١) وعبد بن زمعة (^٢) لما تنازعا الولد فادعاه سعد لأخيه وادعاه سعد بن زمعة لأبيه، فحكم النبي - ﷺ - به لصاحب الفراش وهو زمعة، ثم قال لسودة (^٣): "احتجبي منه" (^٤) لما رأى من شدة شبهه بعينه مع ثبوت الأخوة بينهما وبين هذا الولد، وكذلك قوله ﷺ في قصة هلال بن أمية: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك"، فجاءت به على النعت المكروه، فقال: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (^٥) فدل على أن الشبه معتبر في إلحاق النسب ونفيه، وروي عن عمر وأنس الحكم بالقافة (^٦)، وهو عمل أهل المدينة المنتشر بينهم، ولأن حقيقة النسب من الأب لا يعلمها إلا الله تعالى أو من أطلعه الله عليه، وإنما يثبت بالاستدلال والفراش من جهة الظاهر، ووجدنا القافة لهم اختصاص بهذا العلم من طريق معرفة الشبه لا يدفع أحد ذلك، فجاز أن يكون لهم مدخل فيه كما جاز أن يكون للتجار مدخل في السلع المتلفات، ولأهل الحرز مدخل في الخرض في الزكوات وغيرها.
_________________
(١) سعد بن أبي وقاص: مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهر بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين وهو آخر العشرة وفاة (تقريب التهذيب ص ٢٣٢).
(٢) عبد بن زمعة: ابن الأسود بن عبد المطلب بن أسد القرشي، صحابي، مشهور، استشهد يوم الدار مع عثمان (تقريب التهذيب ص ٣٠٣).
(٣) سودة: بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد خديجة وهو بمكة، وماتت سنة خمس وخمسين على الصحيح (تقريب التهذيب ص ٧٤٨).
(٤) أخرجه البخاري في البيوع، باب: تفسير المشبهات: ٣/ ٥، ومسلم في الرضاع، باب: الولد للفراش وتوقي الشبهات: ٢/ ١٠٨٠.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ٨٩٨.
(٦) عبد الرزاق: ٧/ ٣٦٠، وابن أبي شيبة: ٢/ ١٨٧.
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
فصل [٤ - في الدليل على أن الولد لا يكون لأكثر من أب واحد]:
ودليلنا على أن الولد لا يكون لأكثر من أب واحد قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (^٣)، ولأن استحالة ذلك في الشرع جار مجرى استحالة الأمر من طريق المشاهدة.
فصل [٥ - في منع الحكم بالقافة في ولد الحرة]:
فأما منع ذلك في ولد الحرة فلأن الحكم بالقافة لا يثبت بالقياس ولم يرد في الحرة شرع، ولأن الحرة لا يتساوى فيها الوطئان في الفراش لأنها لا بد أن تكون فراشًا لأحدهما دون الآخر إذ لا يجوز أن يكون فراشًا لهما جميعًا، فيلحق الولد لصاحب الفراش، وليس كذلك الأَمَة لأنه قد يستوي حكم الواطئين من جهة الملك لأنها إذا كانت بين شريكين فهما يتساويان (^٤) في الملك ويشتريها واحد بعد واحد، فيقع العقد صحيحًا، فلذلك احتجنا إلى الترجيح، واعتباره من الطريق الذي يعتبر منه وبالله التوفيق.
…
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١.
(٢) سورة لقمان، الآية: ١٤.
(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٨.
(٤) في (م): متساويان.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]