إذا أعتق شركًا له في عبد عتق (^١) عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا غائبا كان الشريك أو حاضرا أذن في ذلك أو لم يأذن فدفعت القيمة وعتق عليه وكان له الولاء، وليس لشريكه أن يأبى ويتمسك بحصته إلا أن يقول: إما أعتق بحصتي ولا (^٢) أقومها فيكون ذلك له، ويكون الولاء بينهما إذا أعتقه منجزًا لا مؤجلًا، فإن أعتق إلى أجل كان كمن لا يعتق ودفعت إليه وينجز العتق.
وقال عبد الملك يقع العتق منجزًا ولا يعتق بالسراية في أظهر الروايتين بل بالتقدم ودفع القيمة إلى الشريك، ولا يلتفت إلى قول العبد: لا اختار تكميل عتقي به، وإن كان المعتق معسرا لم يقوم عليه وكانت حصة الشريك وفاء بحالها إلا إن اختار الشريك إعتاق نصيبه (^٣) ابتداء فيكون ذلك له، ولا يلزم العبد السعي في قيمة نصيب الشريك منه ويبقى رقا بحاله، وإن لم يكن له من المال من يفي بقيمة نصيب الشريك قوم عليه بقدر ما معه وعتق عليه وكان الباقي وفاء سواء كان العبد نصرانيًّا أو مسلمًا كان لمسلمين أو لمسلم واحد (^٤) ونصراني أعتقه المسلم أو النصراني فالحكم فيه على ما ذكرناه إلا أن يكون بين نصرانيين فلا يعرض لهما إذا كان العبد نصرانيًّا وإن كان مسلمًا لزم فيه ما يلزم بين المسلمين.
_________________
(١) العتق: في اللغة: الجمال والكرم والحرية (المصباح: ٤/ ١٥٢٠) وفي الاصطلاح: رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي، (الرصاع على ابن عرفة: ٥١٣).
(٢) في م: إلا.
(٣) في م: حصته.
(٤) واحد: سقطت من م.
[ ٣ / ١٤٣٣ ]
وقال في المختصر الكبير (^١): لا قيمة على المعتق فإن مات العبد قبل تقويمه فلا شيء على المعتق، وإن كان معسرًا فرفع إلى الحاكم فحكم بسقوط التقويم عليه (ثم أيسر بعد ذلك فلا قيمة عليه، وإن لم يرفع حتى أيسر ففيها روايتان: إحداهما وجوب التقويم عليه) (^٢)، والأخرى سقوطه عنه، ومن أعتق من بقية الشركاء حصته بعد إعتاق المعسر حصته فلا قيمة عليه لشركائه، والعبد بين الشركاء مختلفة أنصابهم منه:
إذا أعتق اثنان حصتهما قوم نصيب شريكهما الباقي عليهما بقدر أنصبائهما، وقيل على عدد رؤوسهما بخلاف الشفعة، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرا قوم على الموسر وسقط عن المعسر، وكل (^٣) من بعض العتق باختياره لزم تكميله عليه مثل أن يشتري بعض عبد ممن يعتق عليه كاتبه ابنه (^٤) أو أن يهب له (^٥) أو يتصدق به عليه أو أن يوصي له به فيقبله أو يأخذه صلحًا على أرش الجناية أو عن دعوى على إقرار أو إنكار أو يشتريه وكيل له وهو لا يعلم أو تصدقه امرأة في نكاح عالمة به أو ما أشبه ذلك، فأما إن ورثه فلا يلزمه تكميله ولو كان ببعض ما تقدم ذكره بعد عتق ما ملكه بالميراث لم يقوم عليه باقيه، ولو تأخر تقويم أمه (^٦) عتق بعضها حتى ولدت كان ولدها بمنزلتها يقوم (^٧) معها، والاعتبار في القيمة يوم الحكم دون يوم العتق، هذا الحكم فيه إذا كان بينه وبين غيره، فأما إن كان العبد كله له فأعتق بعضه فإن الباقي يكمل عليه: وقد اختلف عنه في تكميله هل يكون بالسراية أو بالحكم فعنه في ذلك روايتان:
_________________
(١) من الكتب المهمة في المذهب ألفه ابن عبد الحكم.
(٢) ما بين قوسين: سقط من م.
(٣) في م: كان.
(٤) ابنه: سقطت من م.
(٥) في ق: يذهب له.
(٦) في ق: متى.
(٧) في م: مقومين.
[ ٣ / ١٤٣٤ ]
إحداهما بالسراية، والأخرى بالحكم، ومن أعتق بعض عبده وهو مريض كمل عليه الباقي في ثلثه، ولو وصى بإعتاق بعض عبده أو بحصته من عبد ففي تكميله روايتان: إحداهما وجوبه، والأخرى سقوطه (^١).
فصل [١ - في عتق حصته من العبد]:
وإنما قلنا إنه يعتق عليه حصته من العبد لقوله - ﷺ - "لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم" (^٢) وهذا يملكه كله (^٣)، وقوله - ﷺ -: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه حصه شركائه" (^٤)، ولأنه أعتق ملكا له ليس لأحد حق فيه فوجب نفوذه كالمنفرد به.
فصل [٢ - في تكميل نصيب الشريك]:
(وإنما قلنا إنه يكمل عليه نصيب الشريك إذا كان موسرًا لقوله - ﷺ - "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن المعتق قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاء حصصهم" (^٥)، ولأن تبعيض العتق جناية فيلزمه غرم ما أذهبه بجنايته، ولأن العتق مغلب ومبني على السراية فوجود نقصه يؤدي إلى تكميله.
فصل [٣ - في اشتراط كون المعتق موسرًا]:
وإنما شرطنا أن يكون موسرًا لقوله - ﷺ -: " … وكان له مال يبلغ ثمن
_________________
(١) في جملة أحكام العتق هذه انظر: الموطأ: ٢/ ٧٧٢، المدونة: ٢/ ٣٦٠، التفريع: ٢/ ٢١، الكافي: ٥٠٣، المقدمات: ٣/ ١٥٣.
(٢) أخرجه أبو داود في الطلاق باب في الطلاق قبل النكاح: ٢/ ٦٤٠، وابن ماجه في الطلاق باب لا طلاق قبل النكاح: ١/ ٦٦٠، والترمذي في الطلاق واللعان باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح: ٣/ ٤٨٦، وقال حديث حسن صحيح.
(٣) في م: ملكه.
(٤) سبق تخريج الحديث ١٢١٣.
(٥) سبق تخريج الحديث ١٢١٣.
[ ٣ / ١٤٣٥ ]
العبد قوم عليه وإلا فقد عتق منه ما أعتق" (^١) وهذا نص ولأن في تقويم حصة الشريك عليه وهو معسر إضرارا به وبالشريك، وإنما لم نفرق بين الغائب والحاضر لعموم الخبر، ولأن الغائب يحكم عليه عندنا في الحقوق كلها ويستحب التوقف عليه إن كان قريب الغيبة لجواز أن يختار إعتاق نصيبه.
فصل [٤ - في عدم التفريق بين إذنه وعدم إذنه]:
وإنما لم نفرق بين إذنه وبين عدم إذنه لعموم الخبر، ولأن تكميل العتق يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للعبد، وحق للشريك، فليس له إسقاط حق غيره ولا يصح أيضًا إسقاط حق نفسه قبل وجوبه.
فصل [٥ - اعتبار حصة الشريك بعد أخذ القيمة]:
وإنما شرطنا في اعتبار حصة الشريك أن يكون بعد أخذ القيمة خلافًا للشافعي في قوله إنه يعتق بالسراية (^٢) لقوله - ﷺ - "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه" (^٣) فشرط في عتقه أن يقوم عليه العبد وأن يدفع إلى الشريك، ولأن تصرف الإنسان في ملكه لا يسرى إلى ملك غيره كالبيع، ولأنه تقويم لإزالة الضرر عن الشريك كالشفعة وقد ثبت أن ملك المشتري لا يزول عن الشقص إلا بعد قبض الثمن فكذلك في [العتق] (^٤).
فصل [٦ - في كون الولاء لمن أكمل عليه العتق]:
وإنما قلنا إن الولاء كله لمن أكمل عليه العتق لأن عتق جميع العبد من جهته فكان الولاء له لقوله - ﷺ - "الولاء لمن أعتق" (^٥).
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ١٢١٣.
(٢) انظر مختصر المزني: ٣١٩، الإقناع: ٢٠٥.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٢١٣.
(٤) مطموسة في ق وم.
(٥) أخرجه البخاري في الفرائض باب ما يرث النساء من الولاء: ٨/ ١١، ومسلم في العتق باب إنما الولاء لمن أعتق: ٢/ ١١٤١.
[ ٣ / ١٤٣٦ ]
فصل [٧ - ليس للشريك أن يأتي تكميل العتق]:
وإنما قلنا إنه ليس لشريكه أن يأتي ذلك إذا لم يعتق من حصته لعموم الخبر، ولأن في ذلك إسقاط حق الله تعالى وحق العبد من تكميل العتق فلا يترك ومراده.
فصل [٨ - إذا اختار إعتاق نصيبه]:
وإنما قلنا إنه إذا اختار إعتاق نصيبه فذلك له لأن الغرض تكميل العتق بينهما فمن أي الشريكين حصل جاز.
فصل [٩ - الولاء يكون بينهما]:
وإنما قلنا إن الولاء يكون بينهما حينئذ لأن العتق حاصل منهما فلهما الولاء بقدر أنصبائهما.
فصل [١٠ - في عدم صحته إعتاقه مؤجلًا]:
ووجه قول مالك إنه لا يصح إعتاقه مؤجلًا لأنه باق على الرق إلى أن يحل الأجل، وإن مات قبل الأجل فعلى الرق ويبطل الغرض بتعجيل التكميل، ووجه قول عبد الملك أنه خدمة استثناء من لا يجوز له استخدامه فوجب بتخيير عتقه وسقوط استثنائه.
فصل [١١ - في عدم الالتفات إلى قول العبد لا أختار تكميل العتق]:
وإنما قلنا لا يلتف إلى قول العبد لا أختار تكميل عتقي لعموم الخبر، ولأن في ذلك إسقاط حق الله تعالى وحق الشريك فلم يجز) (^١).
فصل [١٢ - إذا كان المعتق معسرًا لم يلزم العبد السعي في قيمة نصيبه]:
وإنما قلنا إن المعتق إن كان معسرًا لم يلزم العبد السعي في قيمة نصيبه منه خلافًا لأبي حنيفة (^٢)، لقوله - ﷺ - "من أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن
_________________
(١) ما بين قوسين كله ساقط من م.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٣٦٧، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ١١٤.
[ ٣ / ١٤٣٧ ]
العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق" (^١) ولأنه عتق من غير جهة من كانت من الجناية فلم يكن واجبًا كالمكاتب (^٢)، ولأن العبد لم تكن منه جناية ولا إتلاف وكذلك الشريك الذي لم يعتق وسبب الإتلاف هو من المعتق فإذا لم يلزمه تقويمه فالعبد أولى.
فصل [١٣ - إذا كانت مع الشريك قيمة بعض النصيب]:
وإنما قلنا إنه إذا كان معه قيمة بعض النصيب أخذت منه وعتق بقدرها من العبد لأن وجود المال لما كان شرطا في وجوب التقويم على الشريك وجب أن يكون كل جزء من العبد مقابلًا لجزء من المال، فإذا وجد من المال ما يعتق به بعضه عتق منه بقدره.
فصل [١٤ - في التسوية بين العبد المعتق بعضهم مسلمًا أو نصرانيًّا]:
وإنما سوينا بين العبد المعتق بعضه مسلمًا أو نصرانيًّا لعموم الخبر، ولأن ذلك حكم بين مسلمين فوجب أن يحكم فيه بحكم الإِسلام.
فصل [١٥ - في التسوية بين كون السيد المعتق مسلمًا أو نصرانيًّا]:
وإنما سوينا بين كون السيد المعتق مسلمًا أو نصرانيًّا لما قدمناه، ولأنه حكم بين مسلم ونصراني فوجب أن يعتبر فيه حكم الإِسلام اعتبارًا بسائر الأحكام.
فصل [١٦ - في العبد المسلم بين نصرانيين يعتق أحدهما]:
ووجه قوله في العبد المسلم بين نصرانيين يعتق أحدهما نصيبه منه إنه لا يقوم عليه حصة شريكه (^٣) أن تكميل العتق من حقوق الله تعالى (^٤) وليس من
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ١٢١٣.
(٢) في م: كالكتابة.
(٣) في ق: حصته الشريك.
(٤) في م: ﷿.
[ ٣ / ١٤٣٨ ]
حقوق الآدميين والكفار لا يؤخذون بحقوق الله تعالى ووجه إيجاب التقويم أن في تكميل العتق ثلاثة حقوق، أحدها لله تعالى، والآخر للشريك والآخر للعبد فيجب على هذا أن يكمل على النصراني المعتق نصيبه من العبد المسلم لأنه حكم بين نصراني ومسلم قاله شيخنا أبو القاسم ﵀.
فصل [١٧ - إذا مات العبد قبل التقويم]:
وإنما قلنا إن العبد إذا مات قبل التقويم فلا قيمة على من أعتق حصته منه لأن القيمة تجب بالحكم فإذا مات تعذر التقويم فلم يلزم الشريك شيء لأنه لم يتلف على شريكه شيئًا.
فصل [١٨ - إذا أيسر الشريك بعد الحكم بسقوط القيمة عنه]:
وإنما قلنا إنه إذا أيسر بعد الحكم بسقوط القيمة عنه لم يقوم عليه لأن الحكم بذلك قد نفذ فلا ينتقض بتغير الحال من بعد، فأما إذا لم يحكم بذلك حتى أيسر فوجه قوله بوجوب (^١) التقويم عموم الخبر، واعتبارًا بيساره وقت الإعتاق، ووجه سقوطه أن العتق ضرب من الجناية والإتلاف فكان من شرط الغرم (^٢) فيه اعتبار اليسر وقت الفعل دون وقت الحكم اعتبارا بغيره من الجنايات.
فصل [١٩ - عدم غرم الشريك الثاني القيمة إذا أعتق نصيبه لشريكه الثالث]:
وإنما قلنا إن الشريك الآخر إذا أعتق فلا قيمة عليه لشريكه الباقي لأن الجناية بتبعيض العتق سابقة لإعتاقه، والقيمة إنما تلزم بالجناية.
_________________
(١) في ق: يوجب.
(٢) في م: العدم.
[ ٣ / ١٤٣٩ ]
فصل [فصل ٢٠ - هل توزع القيمة بين الشركاء على قدر أنصبائهم أم على عدد رؤوسهم]:
ووجه قوله إن القيمة بين الشركاء (المعتقين على قدر أنصبائهم أنه حق لله تعالى تتعلق بالمال لإزالة الضرر عن الشركاء) (^١) فكان على قدر الأنصباء اعتبارًا بالشفعة، ووجه قوله إنها على عدد (^٢) الرؤوس تساويهم في الجناية بالتبعيض والضرر لا يختلف لكثرة التبعيض وقلته، وإنما قلنا يقوم على الموسر ويسقط عن المعسر لأن الموسر إذا انفرد بإعتاق نصيبه يلزمه قيمة نصيب شريكه والقيمة لا تلزم المعسر فكان انضمامه إلى الموسر غير مؤثر في القيمة عنه إذا كان وجوده كعدمه، وقال عبد الملك يقوم على الموسر بقدر ما كان نصيبه إن كان شريكه المعسر موسرًا، ووجه ذلك أنه لم ينفرد تبعيض العتق وإدخال الضرر بل شاركه غيره في ذلك فإذا سقط حق الذي لم يعتق على المعسر لم ينتقل إلى الموسر.
فصل [٢١ - فيمن ملك جزءًا ممن يعتق عليه بالنسب]:
وإنما قلنا إن من ملك جزءًا ممن يعتق عليه بالنسب بشراء أو غير ذلك من اختيار التمليك فإن الباقي يقوم عليه فلأن تملكه (^٣) باختياره قصد منه إلى إعتاق ما يملك منه فكان كمبتديء العتق في حصته من عبد مشترك بينه وبين غيره فلزمه تمليكه، وفرقنا بين ذلك وبين أن يرثه لأنه لا صنع له في الميراث فلا ينسب تبعيض العتق إليه.
فصل [٢٢ - فيمن ورث بعضه ثم عتق عليه]:
وإنما قلنا إنه إن ورث بعضه فعتق عليه ثم اشترى منه جزءا آخر أو قبل هبته منه
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من ق.
(٢) في م: على قدر.
(٣) في م: تمليكه.
[ ٣ / ١٤٤٠ ]
عتق عليه ولم يقوم باقيه لأن ابتداء تبعيض العتق لم يكن من جهته، فما يتجرد منه بعد ذلك ليس بجناية توجب عليه التقويم كالشريك الثاني يعتق بعد إعتاق الأول فلا يقوم عليه نصيب الثالث.
فصل [٢٣ - في تقويم الأمة بولدها]:
وإنما قلنا إن الأمة تقوم بولدها إذا تأخر تقويمها لأن العتق قد تعذر فيها وقد ثبت لها وكان حكم ولدها حكمها، وسواء كانت حاملًا يوم العتق للجزء منها أو حملت بعد ذلك لأنه داخل في حكمها ومقوم على معتق سهمه منها.
فصل [٢٤ - الاعتبار بالقيمة في العبد يوم الحكم دون يوم العتق]:
وإنما قلنا إن الاعتبار في القيمة يوم الحكم دون يوم (^١) العتق لأن القيمة يتقدر وجوبها (^٢) بالحكم لا بنفس الإعتاق، ألا ترى أن الشريك لو اختار إعتاق حصته لكان له ذلك، فما لم يحكم بها لا يجب، وإذا كان كذلك كان الاعتبار بها يوم الحكم دون يوم العتق.
فصل [٢٥ - إذا أعتق جزءًا من عبد يملك جميعه]:
وإنما قلنا إنه إذا أعتق جزءًا من عبد يملك جميعه عتق عليه الباقي لأنه مبتدئ تبعيض العتق فوجب أن يكمل عليه (^٣) باقيه أصله العبد المشترك، ولأن الحكم عليه في حصته أقوى من الحكم في حصة غيره فلما كان التكميل (^٤) واجبًا عليه في حصة غيره كان في حصة نفسه أولى.
_________________
(١) يوم: سقطت من م ومن ر.
(٢) في م: يتعذر.
(٣) في م: استتمامه.
(٤) في ق ور: التمليك.
[ ٣ / ١٤٤١ ]
فصل [٢٦ - في وجه الرواية أنه يعتق الباقي بالحكم]:
ووجه الرواية الظاهرة أنه يعتق الباقي بالحكم اعتباره (^١) بالعبد بين الشريكين، ووجه السراية أنه مبني على التغليب فهذا بعض في حق نفسه لم يبعض وسرى إلى الجميع، كان لو قال يدك حرة أو رجلك، ويفارق ذلك العبد المشترك لأن تكميل العتق هناك جهة غير جهته (^٢) يمكن فيهما، بخلاف المنفرد به.
فصل [٢٧ - في ابتداء العتق في المرض]:
وإنما قلنا إنه إذا ابتدأ ذلك في مرضه قوم عليه الباقي في ثلثه لأن التصرف على غير وجه المعارضة لا يجوز في المرض إلا في الثلث كالهبة والصدقة.
فصل [٢٨ - في وصيته بإعتاق بعض عبده أو بشرك له]:
ووجه قوله في الوصية بإعتاق بعض عبده أو بشرك له فيه (^٣) فإنه يكمل عليه بقيته عموم الخبر، والمعتق في وصيته معتق، ولأنه مختار للتبعيض (^٤) فأشبه مباشرة الإعتاق في الحياة (وإذا وجب التكميل فهو في الثلث لأن حكم الثلث بعد الوفاة حكم جميع المال في الحياة) (^٥)، ولأنه لا يملك بعد موته إلا الثلث، ووجه نفي التكميل أن ملكه قد انتقل إلى ورثته وليس له إلا ما تصرف فيه من ثلثه وما لم يتصرف فيه في وصيته فهو للورثة ولم يكن من الورثة جناية توجب تكميل العتق عليهم فلا يجب التكميل (^٦) في حقوقهم.
…
_________________
(١) في م: اعتبارًا.
(٢) غير جهته: سقطت من ق.
(٣) في م: منه.
(٤) في م: لتبعيض العتق.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
(٦) في م: التقويم.
[ ٣ / ١٤٤٢ ]
باب [- حكم المعتقين عند موت سيدهم]
ومن أعتق في مرضه سته أعبد لا مال له غيرهم وما من ذلك المرض أقرع بينهم فأعتق الثلث ممن خرج عليه السهم منهم ورق الباقي ولا يعتق من كل واحد ثلثه (^١) وقال أبو حنيفة لا مدخل للقرعه في العتق أصلًا ولكن يعتق من كل واحد ثلثه (^٢) ويستسعى في قيمة بقيته فإذا أداها إلى الورثة عتق (^٣).
ودليلنا حديث عمران بن الحصين أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (^٤) ففيه أدلة: (أحدها أنه - ﷺ - أقرع، وعند المخالف أنه لا يقرع) (^٥)، والثاني أنه أعتق اثنين كاملين وعندهم لا يعتق رأس كامل، والثالث أنه نقل الحكم والسبب فلم ينقل الاستسعاء فدل على أنه غير واجب ولأن المريض ممنوع من جميع ماله فلم يكن له أن يعتق كل عبيده إذا كان لا يملك غيرهم فهذا فعل ذلك عتق منه الثلث الذي كان يملك التصرف فيه ورق الباقي ولم يكن بعضهم أولى من بعض إذن لا مزية لبعضهم واحتيج إلى تمييز من يعتق من نصيب الورثة فلم يكن إلى ذلك طريق إلا الإقراع.
فصل [١ - فيمن قال ثلث رقيقي أحرار]:
ولو قال ثلث رقيقي أحرار أسهم بينهم لأنه لم يعين فوجب الإقراع لتمييز
_________________
(١) انظر المدونة: ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤، ٤٠٠، التفريع: ٢/ ٢٣، الرسالة: ٢٢٥، الكافي: ٥٠٦.
(٢) ثلثه: سقطت من ق.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي: ٣٧٤، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٣/ ١١٦ - ١١٧.
(٤) أخرجه مسلم في الأيمان باب من أعتق شركا له عبد: ٣/ ١٢٨٨.
(٥) ما بين قوسين سقط من م.
[ ٣ / ١٤٤٣ ]
نصيب العتق (^١) من نصيب الرق اعتبارًا بعتق جميعهم ولو قال ثلث كل واحد منهم حر لم يقرع بينهم لأنه قد يتميز نصيب العتق (^٢) من نصيب الرق وقصد إلى إعتاق ثلث كل واحد منهم فنفذ العتق فيه ولم ينقل إلى غيره، وإذا أعتق الثلث شائعًا فلم يقصد عتق عبد بعينه ولا ميزه من غيره ولذلك وجب الإقراع (^٣).
فصل [٢ - في المعتق بعضه]:
والمعتق بعضه يكون له من نفسه بقدر ما فيه من العتق يقاسم سيده الخدمه كالعبد بين شريكين (^٤) وماله موقوف بيده ليس للسيد (^٥) انتزاعه كالمشترك أنه ليس لأحد الشريكين أخذ ماله بغير إذن الآخر، وحاله في جراحه وحدوده حال عبد في أنه لا يقتص له من حر ولا يحد الأحرار (^٦) ولا يكون محصنًا ولا تقبل شهادته (^٧) لأن أحكام الرق أغلب عليه (^٨) من أحكام الحرية، كذلك إن مات ورثه من يملك بعضه كالعبد لأن الرق مقدم على الحرية، ولأن المواريث (^٩) طريقها الفضيلة ولم يبلغ منزلة الفضيلة فيرث أو يورث ولا شيء لمن أعتق نصيبه منه لأنه لا حكم لبعض الولاء مع الرق.
_________________
(١) في ق: المعتق.
(٢) في ق: المعتق.
(٣) انظر المدونة: ٢/ ٣٧٤، التفريع: ٢/ ٢٣، الرسالة: ٢٢٥، الكافي: ٥٠٧.
(٤) في م: بين رجلين شريكين.
(٥) في م: لسيده.
(٦) في م: الحر.
(٧) انظر التفريع: ٢/ ٢٢، الرسالة: ٢٢٥، الكافي: ٥٠٤ - ٥٠٥.
(٨) عليه: سقطت من ق.
(٩) في م: الموارثة.
[ ٣ / ١٤٤٤ ]
فصل [٣ - حكم المثلة بالرق]:
ومن مثل بعبده فقطع بعض أطرافه أو أعضائه أو سجل أسنانه أو فقأ عينه قاصدًا لذلك لزمه إعتاقه (^١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله - ﷺ - "من مثل بعبده عتق عليه" وروي "فهو حر عليه" (^٢) ولأن ذلك عقوبته لئلا يعود إلى مثله فعوقب بعتقه كعقوبة القاتل عمدا بمنع الميراث، وإذا أراد أدبه فأصابه من ذلك ما لم يرده فلا يعتق عليه لأن الخطأ لا يستحق عليه به عقوبة لأنه غير مقصود ولا إثم فيه.
وإذا أعتق عليه فولاؤه له لأنه هو المعتق له وإن كان معتقه مستحقًا عليه كالعتق في الكفارة ومن يعتق عليه من نفسه، وعنه في كيفية عتقه روايتان:
إحداهما أنه يعتق عليه (^٣) بنفس المثلة (^٤) دون الحكم، والأخرى دون نفس المثلة، فوجه الأولى قوله - ﷺ -: "من مثل بعبده عتق عليه"، وروى "فهو حر عليه" (^٥) وظاهره يفيد بنفس الفعل، ووجه الثانية أنه فعل من جهته في العبد استحق به إعتاقه بالشرع فوجب أن يفتقر إلى الحكم (^٦) كتبعيض العتق.
فصل [٤ - في مال العبد المعتق]:
ومن أعتق عبدًا (^٧) تبعه ماله إلا أن يشترطه السيد، وكذلك إذا أوصى بعتقه (^٨)، لقوله - ﷺ - "من عتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده" (^٩)،
_________________
(١) انظر المدونة: ٢/ ٣٩٧، التفريع: ٢/ ٢٤، الرسالة: ٢٢٥.
(٢) أخرجه الحاكم ٤/ ٣٦٨، وأصله في الصحيحين بلفظ "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه" …
(٣) يعتق عليه: سقطت من م.
(٤) في م: بالمثله.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) في م: حاكم.
(٧) في م: عبده.
(٨) انظر التفريع: ٢/ ٢٣، الرسالة: ٢٢٤، الكافي: ٥١١.
(٩) سبق تخريج الحديث.
[ ٣ / ١٤٤٥ ]
وكذلك حكم إعتاقه المباشر في الوصية واحد، ولهذه المسألة فروع مبنية على أصلين يختلف قول مالك فيهما وهما: بيع العبد وعتقه لم يختلف قوله في أن البيع يكون المال للبائع إلا أن يشترطه المشتري وفي العتق يكون تابعًا للعبد إلا أن يستثنيه السيد.
واختلف عنه في الوصية به وهبته بغير عوض والتصدق به وإسلامه في الجناية فعنه فيها روايتان: إحداهما أن ماله يتبعه، والأخرى أن ماله لسيده الأول، وإنما يختلف في ذلك لاختلاف تعليل الأصلين فالبيع والعتق معللان بإحدى علتين: إحداهما أن البيع خروج ملك بعوض فلذلك لم يتبع العبد ماله، والعتق خروج ملك بغير عوض (فلذلك تبعه ماله فعلى هذا الإعتلال يكون ماله في الوصية والصدقة والهبة تابعًا له لأن كل ذلك خروج ملك بلا عوض) (^١)، وفي أرش الجناية لا يتبعه لأنه خروج ملك بعوض والأخرى أن علة البيع أنه خروج ملك إلى (^٢) ملك فلذلك لم يكن تابعا له، والعلة في العتق أنه خروج ملك إلى غير (^٣) مالك لذلك يتبعه ماله وعلى هذا يكون في الوصية والهبة والصدقة ماله لسيده الأول لا يتبعه لأنه خروج ملك إلى مالك كالبيع.
فصل [٥ - في ولد العبد المعتق]:
ولا يتبعه ولده لأن ولده ملك لسيده فلا يتبعه كسائر أملاك (^٤) سيده.
فصل [٦ - في عتق الجنين مع الحامل إذا اعتقت]:
ومن أعتق حاملًا عتق جنينها معها لأن كل ولد حدث من تزويج أو زنا
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من ق.
(٢) إلى: سقطت من م.
(٣) في ق: بغير.
(٤) في م: أموال.
[ ٣ / ١٤٤٦ ]
فهو تابع لأمه في الحرية والرق (^١)، وكل عقد في الرقبه لا سبيل إلى حله اعتبارًا بالأمة تزوج، ولأنه لا يوجد في الأصول حرة حامل (^٢) بعبد.
فصل [٧ - في عتاقة المديان]:
عتاقة المديان الذي أحاط الدين بماله لا تجوز إلا بإجازة الغرماء (^٣) لأن حقوق الغرماء متعلقة بماله وذمته ولهم التسلط على انتزاع ماله من يده في حقوقهم ففي إعتاقه إتلاف أموالهم فلا ينفد إلا بإجازتهم.
فصل [٨ - في عتاقة المولى عليه]:
عتاقة المولى عليه غير جائزة (^٤) لأن الحجر عليه يمنعه من التصرف في ماله فيما (ليس بحظ له وجواز ذلك إتلاف) (^٥) ماله وزوال فائدة الحجر.
فصل [٩ - في عتاقة الغلام والجارية قبل بلوغهما]:
عتاقة الغلام والجارية قبل بلوغهما غير جائز (^٦) لأنه قبل البلوغ لا حكم لقوله ولا لعقوده ولأنه ممنوع من التصرف في ماله بالحجر الثابت عليه، ولأن البالغ المولى عليه لا ينفذ (^٧) عتقه فالصغير أولى.
فصل [١٠ - إذا وطيء المديان أمة لا يملك غيرها]:
إذا وطء المديان أمة لا يملك غيرها وحملت فإنها تكون أم ولد ويتعلق حقوق الغرماء بذمته ولا تباع في الدين (^٨)، والفرق بين ذلك وبين أن يعتقها بالقول
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٣، الرسالة: ٢٢٥، الكافي: ٥١١.
(٢) في ق: حاملة.
(٣) انظر المدونة: ٢/ ٣٧٦، التفريع: ٢/ ٢٤، الرسالة: ٢٢٥، الكافي.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٤، الرسالة: ٢٢٦.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
(٦) انظر المدونة: ٢/ ٣٩١، التفريع: ٢/ ٢٤، الرسالة: ٢٢٦.
(٧) في ق: لا ينعقد.
(٨) انظر التفريع: ٢/ ٢٤.
[ ٣ / ١٤٤٧ ]
فلا ينفذ إلا بإذن الغرماء: أن الفعل إذا وقع لا يمكن إزالته وقد استقر عقد العتق فتعذر إبطاله ألا ترى أن المريض لا ينفذ عتقه بالقول فلو وطء أمة فحملت لكانت أم ولد.
فصل [١١ - الذين يعتقون على ملاكهم بالقرابة]:
الذين يعتقون على مُلاكهم بالقرابة عمودي النسب الأعلى والأسفل كالوالدين والأجداد والجدات من قبل الأب والأم قربوا أو بعدوا والوارثين وغير الوارثين وأولادهم الذكور والإناث منهم والإخوة والأخوات من أي قبيل كانوا هم أنفسهم لا يتعدى ذلك إلى أولادهم ولا يعتق من سواهم من عم أو عمة أو خال أو خالة لا من يحرم منهم ولا من لا يحرم (^١).
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها وجوب العتق في عمودي النسب خلافًا لداود في قوله لا يعتق أب ولا ابن إلا أن يبتدئ المشتري بإعتاقه (^٢)، والثاني في الأخوة خلافًا للشافعي في قوله إنهم لا يعتقون (^٣) والثالث مع أبي حنيفة في قوله أن كل ذي رحم يعتق بالملك (^٤).
فدليلنا على داود قوله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) إلى قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (^٥) فنفى عن نفسه اتخاذ الولد وعلل ذلك بأن الكل عبيد له وذلك ينفي كون الولد عبدا، وقوله - ﷺ -: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (^٦) ولأن المخالف لا يخلو أن يقول إن الإنسان
_________________
(١) انظر المدونة: ٢/ ٣٨٥، التفريع: ٢/ ٢٥، الرسالة: ٢٢٦، الكافي: ٥٠٩.
(٢) انظر المحلى: ١٠/ ٢٢٠.
(٣) انظر الإقناع: ٢٠٥، المهذب: ٢/ ٥.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ٣٩٢، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٣/ ١١٤.
(٥) سورة مريم الآيات: ٨٩ - ٩٣.
(٦) أخرجه أبو داود في العتق باب من ملك ذا رحم محرم: ٤/ ٢٥٩، وابن ماجه في العتق باب من ملك ذا رحم: ٢/ ٨٤٣، والترمذي في الأحكام باب من ملك ذا رحم محرم: ٣/ ٦٤٦، والحديث تفرد به ضمرة، والحديث صحيح إذا أسنده ثقه (نصب الراية: ٣/ ٢٧٩).
[ ٣ / ١٤٤٨ ]
إذا ملك أباه وابنه فإنه يعتق عليه بنفس الملك فذلك قولنا أو يقول لا يعتق (^١) عليه بل يؤمر بإعتاقه ويلزم ذلك، وكل هذا خلاف الأصول لأن الإنسان لا يستحق عليه إيقاع حرية في ملكه بغير سبب كان من جهته كالنذر والكفارة.
فصل [١٢ - في الدليل على الشافعي في قوله إنهم لا يعتقون]:
ودليلنا على الشافعي عموم الخبر، ولأن الأخوة نسب يحجب الأم عن الثلث إلى السدس كالولادة، ولأن التعصيب تكون من ذكورهم لإناثهم (^٢) كالولد.
فصل [١٣ - في الدليل على أبي حنيفة في قوله أن كل ذي رحم رحم يعتق بالملك]:
ودليلنا على أبي حنيفة في العم والخال لأن كل من حلَّت لإنسان (^٣) بنته بعقد نكاح أو بملك يمين لم يعتق عليه بالملك كذلك (^٤) العم لأن ابنته تحل لابن عمها، ولأن كل جنس يرث ذكورهم دون أبنائهم فلا يعتقون بالملك كبني العم.
فصل [١٤ - في عدم الحاجة إلى حكم الحاكم في الذين يعتقون على ملاكهم بالقرابة]:
ولا يحتاج في ذلك إلى حكم حاكم بل يعتقون به بنفس الملك (^٥) لقوله - ﷺ - "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (^٦)، ولأن الحاكم إنما يراد فيما يجوز تبقيته بوجه فأما سوى ذلك فلا حاجه بالحاكم إليه (^٧).
_________________
(١) في م: ألا.
(٢) في م: من ذكرهم لأبنائهم.
(٣) في ق: من حله الإنسان.
(٤) في م: أصله.
(٥) في ق: المالك.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٧) في م: بالحكم فيه.
[ ٣ / ١٤٤٩ ]
ومن أعتق عبده أو أمته إلى أجل لم يعتق إلا بعد حلوله بخلاف الطلاق إلى أجل لأن الوطء لا يتوقف فلما اعترض هذا المعنى في الطلاق أنجزناه ولم يعترض مثله في العتق فتركناه على موجب عقده ولم يجزله وطء الأمة المعتقة إلى أجل لأن المعنى فيها وفي الزوجة (واحد: وهو منع توقيت الوطء إلا أن في الأمة لم يتنجز الحرية لأنه يجوز أن يبقى ملكه على من لا يجوز له وطؤها، وفي الزوجة لا يجوز أن يبقى عقده على من) (^١) لا يجوز له وطؤها لأنه ليس منها إلا الوطء فإذا حرم ذلك (^٢) زال العقد.
فصل [١٥ - إذا أعتق عبده وله أمة حامل تبعته أمته ولم يتبعه ولده]:
إذا أعتق عبده وله أمة حامل تبعته أمته ولم يتبعه ولده لأن أمته ماله ومال العبد في العتق تابع له وولده ملك لسيده لأنه لا يملك ولد نفسه.
ولو أعتق العبد الأمة وهي حامل لم ينفذ عتقها وهي حامل حتى تضع (^٣) لأن في نفوذ عتقها أحد أمرين ممنوعين: إما إن يعتق الأمة دون الحمل فذلك غير جائز لأن استثناء حمل الأم في العتق غير جائز، أو أن تعتق هي وحملها فيؤدي ذلك إلى أن يعتق على غير ملكه بغير اختياره ولا جناية كانت منه، فلما كان مؤديًا إلى ما ذكرناه من المنع وجب وقفه إلى أن تضع وتعتق الأمة (ويكون الولد للسيد والله أعلم) (^٤).
…
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) ذلك: سقط من م.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣، الرسالة: ٢٢٥.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٤٥٠ ]
باب: (^١) الولاء (^٢)
لا يحل بيع الولاء ولا هبته (^٣)، والأصل فيه نهيه - ﷺ - عن بيع الولاء وعن هبته، وقوله - ﷺ - "الولاء لحمة كلحمة النسب (لا يباع ولا يوهب" (^٤)، والولاء لمن أعتق لقوله - ﷺ - الولاء لمن أعتق" (^٥) وليس للعبد صرفه إلى غيره معتقه لقوله: "الولاء لحمة كلمة النسب) (^٦) ومن ادعى إلى غير أبيه أو توالى غير مواليه فعليه لعنة الله" (^٧).
فصل [١ - في عدم إرث النساء من الولاء شيئًا]:
لا يرث النساء من الولاء شيئًا وإذا ترك المعتق ولدا ذكورا وإناثًا فالولاء للذكور من ولده دون الإناث (^٨) وهذا إجماع الصحابة رضوان الله عليهم (^٩)
_________________
(١) في م: كتاب.
(٢) الولاء: بفتح الواو والمد - من الولاية والولي وهو القرب، واصطلاحًا: صفة حكمية توجب لموصفها حكم العصوبة عند عدهما كائن (الفواكه الدواني: ٢/ ١٦١).
(٣) انظر الموطأ: ٧٨٠، المدونة: ٣/ ٦٤، التفريع: ٢/ ٢٦، الرسالة: ٢/ ٢٢٦، الكافي: ٥١٢.
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة: ص ١٤٣٦.
(٥) أخرجه البخاري باب ما يرث النساء من الولاء: ٨/ ١١، ومسلم في العتق باب إنما الولاء لمن أعتق: ٢/ ١١٤١.
(٦) ما بين قوسين سقط من ق.
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن عطية قال الذهبي لا أعلم من روى عنه (مجمع الزوائد: ٤/ ٢٣٥).
(٨) انظر التفريع: ٢/ ٢٦، الرسالة: ٢٢٦، الكافي: ٥١٢.
(٩) انظر البيهقي: ١٠/ ٣٠٦، وعبد الرزاق: ٩/ ٣٣.
[ ٣ / ١٤٥١ ]
والأصل فيه أن الولاء يورث بالتعصيب المحض والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن بالولاء وإنما قلنا إنه يورث بالتعصيب لأن الميراث يكون بثلاثة أوجه: إما برحم كالولاده وما تعلق به من النسب أو بالنعمة (^١) أو بالتعصيب وهو الولاء ولأنه ليس في العتق أكثر من النعمة التي حصلت من جهة المعتق فجعلته عصبة، وإذا كان كذلك لم يرث منه النساء لأنهن لا يرثن إلا بالرحم، ولأن النسب أقوى في التوريث له من الولاء بدليل أنه لا يورث بالولاء وهناك نسب ما يورث به فإذا ثبت ذلك لم يكن للنساء مدخل في التوريث مما تراضى من النسب، كان بأن لا يكون لهن مدخل في الولاء أولى (^٢).
فصل [٢ - أولى العصبة بإرث الولاء]:
وأولى العصبة بإرث الولاء (^٣) الابن ثم ابن الابن ثم الأب ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم الجد ثم العمومة (^٤)، ثم ابن العمومة (^٥) وإنما قلنا إن الابن أولى لما قدمناه (^٦) من أن الولاء مستحق بالتعصيب المحض دون الرحم ويختص به من قوي تعصيبه على غيره، وتعصيب البنوة أقوى من التعصيب بالأبوة والجدودة لأن تعصيب الجدودة والأبوة يشوبها الرحم والولادة وتعصيب البنوة محض لا يشوبه شيء فكان البنون (^٧) أولى من كل أحد.
_________________
(١) في م: من الرحم أو بالصهر.
(٢) أولى: سقطت من م.
(٣) في م: الولي.
(٤) في ق: العم.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٤، المدونة: ٣/ ٨١ - ٨٢، التفريع: ٢/ ٢٦، الرسالة: ٢٢٦، الكافي: ٥١٢.
(٦) في م: بيناه.
(٧) البنون: سقطت من م.
[ ٣ / ١٤٥٢ ]
وإنما قلنا إن ابن الابن وإن سفل أولى من الأب وغيره للاتفاق على أن ابن الابن قائم مقام الابن عند عدمه في كل الأحكام وكذلك في الولاء.
وإنما قدمنا الأب على الجد والأخوة لأنهم يدلون به فكان مقدم على من يدلى به ألا ترى أن الجد يقول أنا أبو أبي الميت والإخوة يقولون نحن بني أبيه فكلهم يدلون (^١) بقربهم من الأب فوجب أن يكون الأب مقدما على من يدلي به ويستفيد القرب من جهته.
وإنما قلنا إن الأخوة وبنيهم في ميراث الولاء مقدمون (^٢) على الجد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٣) في قولهما إن الجد أولى لأن تعصيب (الأخوة أقوى من تعصيب) (^٤) الجدود وأقرب إلى الميت لأن الجد يدلي بأبوة الأب والإخوة يدلون ببنوة الأب والإدلاء بالبنوة أقوى من الإدلاء بالأبوة: ألا ترى أن الأب يصير مع الابن بمنزلة الأم يأخذ بالفرض ويسقط تعصيبه فكان الأخ مقدما على الجد في ذلك، وإنما قلنا إن بني الأخوة كالإخوة لأن الإدلاء بالبنوة موجود فيهم والنزول لا يؤثر في ذلك ألا ترى أن ابن الابن وإن سفل مقدم على الأب وعلى الجد.
وإنما قلنا إن الجد مقدم على العم لأن العم يدلي بالجد فكان الجد مقدما على من يدلي به فكذلك العمومة مقدمون على بنيهم لهذا المعنى.
_________________
(١) في م: يدلي.
(٢) في ق: مقدم.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ٣٩٩ - ٤٠٠، مختصر المزني: ٣٢١ - ٣٢٢.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٤٥٣ ]
فصل [٣ - في استحقاق الولاء بالكبر]:
الولاء يستحق بالكبر فلا يستحق البطن الثاني منه شيئًا ما بقي من البطن الأعلى موجود وبيان ذلك: أن يموت رجل ويترك ولاء وثلاثة بنين فيرث البنون بالسوية ثم يموت إثنان ويتركا ابنين ويموت المولى فيكون ميراثه للابن الباقي دون بني إخوته (^١).
وإنما قلنا ذلك لأن الولاء مع اختصاصه بالتعصيب يختص بمن قوى تعصيبه وقرب دون من بعد عنه، وليس هو من باب ميراث المال بسبيل بدليل أن الميت لو ترك ابنا واحدا لم يستحق الجد شيئًا، وإنما هو من باب الولاية (^٢) فهو للأقرب فالأقرب يبين ذلك أن من يستحق العصبة شيئان: ميراث وولاية، إما في نكاح أو قصاص وبأيهما اعتبرت الولاء وجدته لا يدخل أبناء مع وجود آبائهم أو عمومتهم. فلذلك قلنا إن البطن الأول مقدم على البطن الثاني.
فصل [٤ - في كون الولاء للمعتق عنه]:
ومن أعتق عبدًا عن رجل بإذنه أو بغير إذنه فالولاء للمعتق عنه (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤) حين قالا: أن الولاء للمعتق إن كان أعتق عنه بغير إذنه لأنه إذا أعتق عبده عن غيره فقد ملكه إياه بشرط العتق عنه فكان كالوكيل إنه إذا أعتق عبد غيره عن مالكه فالولاء للمعتق عنه، ولأن الولاء جار مجرى النسب فلا يفتقر حصوله لمن يحصل له إلى إذن منه، ألا ترى أن الأخوة والعمومة تحصل للإنسان شاء أم أبى بوطء قريبه الذي يولد له منه فيثمر هذه الأنساب فكذلك الولاء يعتق زيد عبده فيثبت ولاؤه لعصبته شاءوا أو أبوا، وإذا صح ذلك جاز أن يكون الولاء للمعتق وإن لم يكن منه إذن أعتقه فكان الولاء لمن أعتق عنه كما لو كان بإذنه.
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٥، المدونة: ٣/ ٨١، الرسالة: ٢٢٦، الكافي: ٥١٢.
(٢) في م: الولايات، وفي ر: الولاء.
(٣) انظر المدونة: ٣/ ٦٤، التفريع: ٢/ ٢٧، الكافي: ٥١٣.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ٣٩٨، المهذب: ٢/ ٢١.
[ ٣ / ١٤٥٤ ]
فصل [٥ - في السائبة]:
السائبة هو الذي يعتق (^١) عن المسلمين فولاؤه للمسلمين لا لمن أعتقه للمعنى الذي قدمناه (^٢) وإنما سمي سائبة لأن المعتق رفع يده عنه من كل وجه من جهة الملك والولاء فصار الولاء لغير مالك (^٣) بعده (^٤) بعينه بل لجماعة المسلمين كالجمل المسيب الذي لا يعرض له (^٥) على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، وكذلك ما أعتقه الإنسان عن زكاته أو أعتقه الإمام من أموال الزكاة فهو لجماعة المسلمين (لأنه معتق عن المسلمين أعتقه الإمام) (^٦) أو المزكى وذلك بخلاف المعتق في الكفارات لأن المكفر أعتقه من نفسه فكان الولاء له وفي الزكاة إنما أعتقه عن المسلمين لأنه من أموال المسلمين فكان كالمعتق عبدا عن غيره من مال ذلك الغير أن الولاء للمعتق عنه.
فصل [٦ - ولاء المنبوذ]:
وولاء المنبوذ للمسلمين دون ملتقطه هكذا أطلقه أصحابنا ومرادهم أنه لا ولاء عليه لأحد وأن ميراثه لا يختص به ملتقطه لأنه حر بالأصل وإنما يطرأ الرق بالسبي لبعض الأحرار فكان كل موجود من الناس حرًّا إلا أن يطرأ عليه ما ينقله إلى الرق (^٧).
_________________
(١) عن: سقطت من م.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٥، التفريع: ٢/ ٢٧، الرسالة: ٢٢٦، الكافي: ٥١٣
(٣) في م: ماله.
(٤) بعده: سقطت من م ومن ر.
(٥) في ق: كالجمل المسيب الذي لا يفرضوا له.
(٦) ما بين قوسين سقط من ق ومن ر.
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٧٦، التفريع: ٢/ ٢٧، الكافي: ٥١٣.٥٥
[ ٣ / ١٤٥٥ ]
فصل [٧ - في مولى الموالات]:
مولى الموالات لا يرث وصفته: أن يكون رجلان ولا نسب بينهما يوالي أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقلا فهذا عندنا لا يصح ولا يلزم (^١)، وعند أبي حنيفة يصح ويتوارثان ويتعاقلان ولهما أن يفسخا الموالات ما لم يعقل أحدهما عن الآخر (^٢). فدليلنا قوله - ﷺ -: "وإنما الولاء لمن أعتق" (^٣) فانتفى أن يكون ولاء لغيره معتق، ولأن الموالات (^٤) سبب لا يورث به مع وجود النسب فكذلك مع فقده أصله إذا أسلم الرجل على يد رجل عكسه الزوجية، ولأن المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له نقل ميراثه عنهم بالموالات كالمتناسبين.
ومن أسلم على يد رجل فلا ولاء له عليه (خلافًا لمن يقول أن الولاء له (^٥» (^٦) للخبر، ولأن الولاء بالإنعام بالعتق وهذا معدوم فيمن أسلم (على يده.
إذا أعتق المسلم نصرانيًّا فالولاء مراعى فإن أسلم) (^٧) كان ميراثه للمسلم إن مات، وإن مات النصراني قبل أن يسلم فلا ولاء للمسلم عليه، وقال الشافعي يثبت له الولاء عليه ويرثه (^٨).
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٦.
(٢) انظر الطحاوي: ٣٩٩ - ٤٠٠، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٣٩.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٤٥١.
(٤) في م: الولاء.
(٥) قاله أحمد وإسحق (المغني: ٦/ ٣٨٠).
(٦) ما بين قوسين سقط من م.
(٧) ما بين قوسين سقط من ق.
(٨) انظر المهذب: ٢/ ٢١.
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
فدليلنا أن الإرث بالنسب مقدم على الإرث بالولاء وآكد منه لأن الولاء شبه به وقد ثبت أنه لا توارث بين المسلم والكافر بالنسب، وكذلك بالولاء ويفارق ذلك ميراثه من عبده النصراني إذا مات لأن رقبته كانت ملكًا له فكان حكم ماله حكم رقبته إلا أنه ميراث على الحقيقة، ولأن المباينة بالملة تمنع الإرث بالنسب والولاء دون الرق.
فصل [٨ - إذا أسلم النصراني ثم مات]:
وإذا ثبت أنه لا يرثه إذا مات، فإن أسلم النصراني ثم مات ورثه مولاه المسلم لأن الإنعام عليه ثابت له، وإنما كان يمنعه ميراثه مباينته له في ملته فإذا أسلم زال المنع كالنسب.
فصل [٩ - إذا مات النصراني المعتق]:
وإذا مات النصراني المعتق وترك مولاه المسلم الذي أعتقه وورثته من أهل دينه، فعنه في ذلك ثلاث روايات (^١): إحداهما أنه لا يرثه سيده الذي أعتقه ولا أحد من قرابته ويكون ماله فيئا لجماعة المسلمين، والثانية أنه يرثه ولده دون غيرهم من أقاربه، والثالثة يرثه جميع ورثته.
فوجه الأولى أن سيده إنما لم (^٢) يرثه لمباينته له في الملة (^٣) والميراث موضوع على تساوي الحرم فلم يجز أن يرثه ورثته من أهل دينه لأن حرمته أعلى من حرمتهم لثبوت ولاء المسلمين عليه (^٤).
ووجه الثانية أن ولدهم (^٥) هو موالي سيده الذي أعتقهم فكان حكمهم حكمه في كونهم على ملته وعلى مثل حرمته وثبوت الولاء عليهم لسيده فلذلك
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٥، المدونة: ٣/ ٧٥، الكافي: ٥١٣.
(٢) في م: أيضًا.
(٣) في م: مثله.
(٤) في ق: المسلم عليهم.
(٥) في م: والده.
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
اختصوا بميراثه دون سائر أقاربه، ووجه الثالثة أن جميع ورثته بمنزلته في الحرمة والدين فورثوه اعتبارا بسائر أهل ملته، وعنه رواية أخرى أنه يرثه ولده ووالده خاصة لأنه ليس في القرابة ما يوازي الأبوة والبنوه والثالثة أصح.
فصل [١٠ - إذا أذن السيد لعبده في أن يعتق عبدا له فالولاء للسيد]:
إذا أذن السيد لعبده في أن يعتق عبدا له فالولاء للسيد فإن أعتق العبد لم يرجع الولاء له، وكذلك المدبر، وأم الولد إذا أعتقا بإذن سيده، وإذا أذن لمكاتبه أن يعتق فأعتق فالولاء للسيد ما دام المكاتب لم يعتق فإن أعتق عاد الولاء إليه (^١) والفرق بين المسألتين أن لسيد العبد انتزاع ماله فإذا أذن له أعتق، وليس هو من أهل الولاء في تلك الحال كان السيد كأنه هو الذي أعتق فيكون الولاء له، وإذا ثبت الولاء في جهة الحر (^٢) لم يجز انتقاله بعد ثبوته إلى جهة أخرى.
وأما المكاتب فسيده ممنوع من انتزاع ماله لما ثبت له من عقد الحرية فإذا أذن له في العتق كان عتقه مراعى فإن مات أو عجز تقرر الولاء لسيده، فإذا أدى وعتق ثبت أن الولاء ثابت له وكذلك لو أعتق بغير إذن السيد فلم يعلم السيد حتى أدى المكاتب وعتق فإن الولاء للمكاتب لأنه إنما كان ممنوعا من الإعتاق لحق السيد فإذا زال حق السيد عنه بعد عتقه وتقرر الولاء له فإن علم السيد قبل أن يعتق المكاتب بالأداء فله أن يرد عتقه فإن رده بطل وعاد العبد رقا ولم يلزم المكاتب إذا أعتق أن يعتقه بعد ذلك.
فصل [١١ - في جر الولاء]:
جر الولاء ثابت عند كافة أهل العلم (^٣) لا خلاف فيه (^٤)، إلا ما يحكى عن رافع بن خديج، وصفته أن يتزوج عبد معتقة فيولدها فإن ولاء ولدها منه
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٣، المدونة: ٣/ ٧١، التفريع: ٢/ ٢٧، الكافي: ٥١٣.
(٢) في ق: الحرم.
(٣) في م: العلماء.
(٤) انظر المغني: ٦/ ٣٦١، فتح الباري: ١٢/ ٣٧.
[ ٣ / ١٤٥٨ ]
لمواليها الذين أعتقوها فإن أعتق العبد جر ولاء ولده إلى مواليه الذين أعتقوه ولو تزوج حرة لا ولاء عليها كان بقية ميراث الولد بعد حصة أمه للمسلمين وإذا أعتق العبد رجع (^١) إلى مواليه وكذلك الجد فيجر الولاء أيضًا بجر الولاء ما دام الأب عبدًا فإذا أعتق العبد عاد الولاء إليه.
والأصل في جر الولاء الإجماع لما روى أن الزبير بن العوام مر بفتيه فسأل عنهم فقيل هم موالى رافع بن خديج وأبوهم عبد للحرة فاشترى الزبير أباهم فأعتقه وقال لهم انشبوا إلي فأنا مولاكم فقال رافع: بل هم موالى أنا أعتقت أمهم فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى بالولاء للزبير، (^٢)، ولم يخالف عليه أحد، ولأن انتساب الولد إلى قبيلة أمه، ووجهها (^٣) أنها لعدم إمكان ذلك من جهة الأب بدليل أنه لو أمكن ذلك في الابتداء لم ينسب إلى الأم، ولأنه إذا عاد إمكانه في ولد الملاعنه عاد الانتساب إلى الأب وإذا ثبت ذلك ثم كان غير ممكن في هذا الموضع لرق الأب فيجب إذا زال المعنى المانع أن يزول ما امتنع لأجله، ويعود النسب إلى الأب.
فصل [١٢ - الجد كالأب في جر النسب]:
وإنما قلنا إن الجد كالأب في ذلك لأن النسب يرجع إليه فصح جره للنسب كالأب وبذلك فارق الأخوة والعمومة وسائر العصبات.
فصل [١٣ - في ولاء ولد الملاعنة المعتقة]:
وولد الملاعنة المعتقة ولاؤه لموالي أمه فإن اعترف به الأب عاد إليه أو إلى مواليه إن كان معتقا على ما بيناه (^٤).
_________________
(١) في م عاد.
(٢) الموطأ: ٢/ ٧٨٣.
(٣) في م: ووجهتها.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٢، التفريع: ٢/ ٢٧، الكافي: ٥١٢.
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
فصل [١٤ - عدم ثبوت جر الولاء فيمن مسه رق]:
ولا يثبت جر الولاء فيمن مسه رق مثل أن يتزوج عبد أمه فتحمل ثم تعتق فإن الولد يكون حرًّا بحرية أمه وهو حر (^١) وولاؤه لموالي أمه وهم مواليه (^٢) لأن عتقه ثبت من جهتهم فإن أعتق العبد لم يجر ولاء الولد لأن ولاءه قد تقرر (^٣) وثبت لمن أعتق أمه فلا يجوز نقله كالنسب والولاء، هاهنا مباشر ليس طريقه الجر فلم يجز نقله.
فصل [١٥ - في الولاء الذي ترثه النساء]:
قد بينا أن النساء لا يرثن ولاء ما أعتقه غيرهن لأنه لا تعصيب فيهن فإذا ثبت ذلك فالولاء الذي يرثنه هو المباشر أو ما كان في حكم المباشر ولا يكون ذلك إلا في ثلاث مواضع.
أحدهما أن تعتق عبدا فيموت ولا وارث له فيكون ولاؤه لها ميراثًا.
والثاني أن يترك هذا العبد أولادا من أمة أو معتقة فيكون الولاء لمعتقه إما ابتداء (^٤) وإما جرا.
والثالث أن يعتق هذا العبد عبدا إما في حال رقه بإذنها فيكون الولاء لها ابتداء أو بعد عتقه فيموت العبد الأول المعتق ويبقي الثاني فيرث معتقه الأول ولاء هذا العبد الثاني (^٥).
_________________
(١) في ق: حمل.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٣، التفريع: ٢/ ٢٦، الكافي: ٥١٢.
(٣) في م: قد تقدم.
(٤) في ق: أو.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٧٨٤، المدونة: ٣/ ٨٢، التفريع: ٢/ ٢٦، الكافي: ٥١٢.
[ ٣ / ١٤٦٠ ]
فصل [١٦ - في أن المرأة ترث ولاء ما باشرت عتقه]:
وإنما قلنا إنها ترث ولاء ما باشرت عتقه، لقوله - ﷺ - "الولاء لمن أعتق (^١) " وهذا عام، ولأنه شخص حر معتق عن نفسه فكان الولاء له كالرجل.
فصل [١٧ - في أن المرأة تجر ولاء ولد أو عبد إن أعتقها عبدها الذي أعتقته]:
وإنما قلنا إنها تجر ولاء ولد أو عبد إن أعتقه عبدها الذي أعتقته لأن ذلك يرجع إلى إعتاقها وإنما يمتنع أن ترث ما أعتقه غيرها (^٢) ولأن كل من ورث ولاء ما أعتق مباشرة ورث ما حدث عنه كالرجل والله أعلم.
…
_________________
(١) سبق تخريج الحديث.
(٢) في م: ولكن.
[ ٣ / ١٤٦١ ]