مسألة [١ - وجوب حد السرقة]:
قال القاضي أبو محمد (^٣): ويجب القطع على من يسرق من العقلاء البالغين ربع دينار من الذهب على اختلاف صفاته وأنواعه من جودة أو رداءة أو معمل أو مهمل (^٤)، أو ثلاثة دراهم من الورق على اختلاف أنواعها لا يقوم أحد الصنفين بالآخر، أو عرض يساوي أحدهما بحيث يكون الغالب من نقده إذا أخرجه من حرزه الذي هو حرز مثله على ما نبينه من بعد، حرا كان السارق أو عبد، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى، منفردًا أو مشاركًا بربع دينار فما زاد عليه، إذا كان المسروق مما يحتاج إلى التعاون في سرقته مثل الجذع أو العدل (^٥) الذي لا يمكن الانفراد بسرقته، فإن كان مما يمكن الواحد كالكيس (^٦)
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) يقصد كتاب القطع في السرقة: والسرقة: في اللغة أخذ الشيء في خفاء وستر (معجم مقاييس اللغة: ٣/ ١٥٤) وفي الاصطلاح، أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره ومالًا محترمًا لغيره أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه (حدود ابن عرفة: ٥٠٤).
(٣) قال القاضي أبو محمد: سقطت من ق.
(٤) في م: أو إهمال.
(٥) الجذع: أي الخشبه الكبيرة، والعدل -بكسر العين- الوزن الكبير (المصباح المنير ٣٩٦).
(٦) في م: كالكبش.
[ ٣ / ١٤١٣ ]
وشبه فأخرجه الجماعة من حرز فالقطع على واحد منهم عند مالك، ومن متأخري أصحابنا من سوى بين الأمرين فأوجب في الموضعين القطع واعتبره بما يحتاج إلى التعاون (^١).
فصل [٢ - في أدلة وجوب القطع بالسرقة]:
وإنما أوجبنا القطع بالسرقة في الجملة لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢) الآية، ولأنه - ﷺ - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (^٣)، وقطع سارق رداء صفوان وقال لما قال له لم أرد هذا هو عليه صدقة (هلا قبل أن تأتيني به) (^٤)، ولأن ذلك إجماع (^٥).
فصل [٣ - اشتراط البلوغ والعقل في وجوب القطع]:
وإنما شرطنا البلوغ والعقل في وجوب القطع لقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (^٦) وذلك لا يكون إلا بمكلف، ومن شرط التكليف البلوغ والعقل، ولقوله - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: الموطأ: ٢/ ٨٣١، المدونة: ٤/ ٤١٢ التفريع: ٢/ ٢٢٧، الرسالة: ٢٤٣، الكافي: ٥٧٨، المقدمات: ٣/ ٢٠٧.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
(٣) أخرجه البخاري في الحدود باب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾: ٨/ ١٧، ومسلم في الحدود باب حد السرقة ونصابها: ٣/ ١٣١٣.
(٤) أخرجه أبو داود في الحدود باب من سرق من حرز: ٤/ ٥٥٣، والنسائي في قطع السارق باب ما يكون حرزا وما لا يكون: ٨/ ٦٩، وابن ماجة في الحدود باب من سرق من الحرز: ٢/ ٨٦٥، وأحمد: ٢/ ٤٠، والحاكم: ٤/ ٣٨٠، والبيهقي: ٨/ ٢٦٥، وصححه الحفاظ.
(٥) انظر الإجماع: ١٣٩، المحلي: ١٣/ ٣٤٠، المغني: ٨/ ٢٤٠، شرح مسلم- للنووي-: ٧/ ٢٠٠.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
[ ٣ / ١٤١٤ ]
حتى يفيق" (^١)، ولأن ذلك حد من الحدود فلم يتوجه إلا على بالغ عاقل كحد الشرب والقذف.
فصل [٤ - في اشتراط النصاب في وجوب القطع]:
وإنما شرطنا النصاب خلافًا لمن أوجب القطع في سرقة القليل (^٢) والكثير (^٣) لما روي أنه - ﷺ - كان لا يقطع في التافه (^٤) وروي (القطع في ربع دينار فصاعدا) (^٥).
فصل [٥ - في نصاب السرقة]:
وإنما قلنا إن النصاب من الذهب ربع دنيار، ومن الورق ثلاثة دراهم خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه لا يقطع في أقل من عشرة دراهم (^٦)، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٧) فعم، ولأنه - ﷺ - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (^٨)، وقالت عائشة كان النبي - ﷺ - يقطع في ربع دينار فصاعدا (^٩)، (وروي القطع في ربع دينار (^١٠» (^١١) وهذا نص.
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ٢٦.
(٢) والكثير: سقطت من ق.
(٣) فإن الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوراج قالوا يقطع في القليل والكثير (المغني: ٨/ ٢٤٢).
(٤) سبق تخريج الحديث ١٢٤٧ ص.
(٥) أخرجه البخاري في الحدود باب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ٨/ ١٧، ومسلم في الحدود باب حد السرقة ونصابها: ٣/ ١٣١٣.
(٦) وانظر مختصر الطحاوي: ٢٦٩، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٠.
(٧) سورة المائدة. الآية: ٣٨.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٩) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(١٠) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(١١) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٤١٥ ]
فصل [٦ - في نصاب السرقة من الورق]:
وإنما قلنا إن النصاب من الورق ثلاثة دراهم كانت قيمتها ربع دينار أو أقل لأنه لا يقوم الذهب بالفضة ولا الفضة بالذهب، خلافًا للشافعي في قوله إنه لا نصاب للفضة وأن الاعتبار بربع دينار أو قيمته من الفضة أو العروض (^١)، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢)، فالظاهر يعم من سرق ثلاثة دراهم قيمتها دون الربع، ويرى أنه - ﷺ - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (^٣)، وهذا يفيد الاعتبار بالدراهم إذا بلغت هذا القدر، ولأنه أصل مال يعتبر في الأثمان وقيم المتلفات فوجب أن تكون سرقته معتبرة بمقداره في نفسه دون الاعتبار بغيره أصله الذهب، ولأن كل حكم تعلق على الذهب والورق اعتبر فيه نصاب من الذهب وجب أن يعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة (^٤).
فصل [٧ - في نصاب السرقة من العروض]:
فأما العروض فإنها مقومة بالدراهم دون الذهب فإن ساوى ما سرق منها (^٥) ثلاثة دراهم قطع سارقه، وكان شيخنا أبو بكر يقول هذا إذا كان الغالب من نقد ذلك الموضع الفضه (^٦) فإذا كان غالب نقدهم الذهب قومت بالذهب.
فصل [٨ - في التسوية بين أنواع الجنس في نصاب السرقة]:
وإنما سوينا بين أنواع الجنس لعموم الظواهر، ولأن كل حكم تعلق بالذهب والفضة اعتبر فيه نصاب يتساوى فيه سائر أنواعه كالزكاة.
_________________
(١) انظر الأم: ٦/ ١٣٠، مختصر المزني: ٢٦٣، الإقناع: ١٧١.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) في م: كالزكاة.
(٥) في م: منه.
(٦) في م: إذا كان غالب نقدهم الدراهم.
[ ٣ / ١٤١٦ ]
فصل [٩ - في اعتبار الحرز في حد القطع]:
وإنما اعتبرنا أن يسرق من الحرز خلافًا، لمن حكي عنه أن الحرز غير معتبر (^١)، لقوله - ﷺ -: "لا قطع في تمر معلق ولا في حريسة جبل (^٢)، فإذا أواه المراح والجرين (^٣) فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (^٤) ففرق بين أن تكون محرزة بإيوائها (^٥) إلى المراح وبين أن تبقى على أصلها في باب القطع فدل على اعتبار الحرز، وقوله "ليس على المنتهب قطع ولا على مختلس ولا على خائن ولا على من أخذ وديعة عنده أو مال قراض فلا قطع عليه) (^٦) لأنه لم يمنع منه بحرز (^٧) فكذلك من أخذ في دار غير مقفلة (^٨) ولا ممنوعة عنه ولا عن غيره.
فصل [١٠ - في مراعاة إخراج المال من الحرز في اعتبار الحد]:
وإنما راعينا إخراجه من الحرز لأنه ما دام في الحرز فلم (تتم السرقة لأن هتك الحرز لا يتم إلا) (^٩) بإخراج المسروق منه.
_________________
(١) حكي هذا القول عن عائشة والحسن والنخعي وداود (المغني: ٨/ ٢٤٨).
(٢) ثمر معلق: بالنخل والشجر وحريسه: أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع (النهاية: ١/ ١٣٦٧).
(٣) المراح: هو موضع مبيت الغنم، والجرين: هو موضع يجفف فيه الثمار والجمع جرن (النهاية: ١/ ٢٦٣).
(٤) أخرجه أبو داود باب ما لا يقطع فيه: ٤/ ٥٤٩، والنسائي في قطع السارق باب الثمر يسرق: ٨/ ٧٨، وابن ماجه في الحدود باب من سرق من الحرز: ٢/ ٨٦٥، والحاكم: ٤/ ٣٨١، والبيهقي: ٨/ ٢٦٣، وأخرجه مالك في موطئه مرسلًا: ٢/ ٨٣١.
(٥) في م: بأنواعها.
(٦) أخرجه أبو داود في الحدود باب القطع في الخلسة: ٢/ ٥٥٢، والنسائي في قطع السارق باب ما لا قطع فيه: ٨/ ٨١، وابن ماجه في الحدود باب الخائن والمنتهب: ٢/ ٨٦٤، والترمذي في حدود باب ما جاء في الخائن … وقال حسن صحيح: ٤/ ٤٢.
(٧) في ق: يجوز.
(٨) في م ور متعلقة.
(٩) ما بين القوسين سقط من (ق).
[ ٣ / ١٤١٧ ]
فصل [١١ - في التسوية بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر في حد القطع]:
وإنما سوينا بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر لعموم الظواهر (^١)، ولأن القطع شرع لحفظ الأموال وصيانتها ولم يعتبر فيه تكافؤ الدماء بين السارق والمسروق منه فوجب اعتبار عمومه لأنه ضرب من حد الحرابة بدليل أن المسلم إذا سرق من الكافر وإن كان لا يقاد به إذا قتله في الحرابة وإن كان لا يقاد به وإنه لا عفو فيه كما لا عفو للولي في قتل الحرابة قبل التوبة.
فصل [١٢ - في كون الاشتراك في سرقة نصاب لا يسقط القطع]:
وإنما قلنا إن الاشتراك في سرقة النصاب لا يسقط القطع خلافًا لأبي حنيقة والشافعي (^٢)، لعموم الظواهر والخبر، ولأن القطع شرع لصيانة الأموال لئلا تهتك ويجترأ عليها كالقصاص المشروع لحفظ النفوس ثم كان الاشتراك في القتل لا يمنع القود لأن في منعه إبطال الغرض الذي وضع له كذلك الاشتراك، ولأن الجناية (^٣) التي تستحق بها تناول الأعضاء يجب (^٤) على الجماعة إذا اشتركوا فيها ما يجب على المنفرد أصله الجماعة إذا قطعت يد رجل أو عضوا من غير اليد، ولأن اشتراكهم في إخراج المسروق من الحرز يقتضي قطع الجميع بدليل أنهم لو سرقوا متاعًا فجعلوه على دابة إلى خارج الحرز لقطعوا.
_________________
(١) من الآيات والأحاديث الواردة في حد القطع.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٠، الإقناع- للماوردي: ١٧٢.
(٣) في م ور: الجنايات.
(٤) يجب: سقطت من م.
[ ٣ / ١٤١٨ ]
فصل [١٣ - في التفريق بين ما لا يمكن إخراجه إلا بمعاونة وبين الثوب وغيره]:
وإنما فرقنا بين ما لا يمكن إخراجه إلا بمعاونة وبين الثوب وغيره مما لا يحتاج إلى معاونة لأن نسبته السرقة إلى الجميع فيقتضي أن يكون لكل واحد منهم قسط فيها وذلك لا يحصل إلا بالتعاون الذي لولاه لم يخرج المسروق من الحرز، ووجه التسوية في إخراجه من الحرز حاصل منهم كالذي يحتاج إلى معاونة.
فصل [١٤ - في الاعتبار بقيمة العرض المسروق وقت إخراجه]:
والاعتبار بقيمة العرض المسروق وقت إخراجه من الحرز لا وقت القطع (^١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن الاعتبار بكمال النصاب وقت القطع (^٢) لعموم الظاهر (^٣)، ولأن النقص الحادث بعد انفصال المسررق من الحرز لا يؤثر في سقوط الحرز أصله نقصان العين مثل أن يسرق ثوبا فيتلف بعضه (^٤) في القطع فرجع إلى ما دون النصاب، ولأنه سارق لنصاب من حرز مثله لا شبهة فيه أصله إذا لم ينقص القيمة، والاعتبار في الحدرد حال الوجوب دون حال الاستيفاء، كالعبد إذا زنى فلم يحد حتى أعتق والبكر إذا زنى فلم يحد حتى أحصن.
فصل [١٥ - في عدم قطع من سرق عبدا كبيرًا فصيحا]:
إذا سرق عبدا كبيرًا فصيحا لم يقطع (^٥) لأن سرقة هذا لا تصح فإن كان
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٤١٢، التفريع: ٢/ ٢٢٧، الكافي: ٥٨١.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٣، تحفة الفقهاء: ٣/ ١٥٠.
(٣) في م: الظواهر.
(٤) في نصفه.
(٥) انظر التفريع: ٢/ ٢٢٨، الكافي: ٥٨٠.
[ ٣ / ١٤١٩ ]
كبيرًا أعجميًّا أو كان صغيرا قطع لأن هذا في حكم البهيمة وأدون حالا من الصغير الذي لا اختيار له ولا تمييز.
فصل [١٦ - في قطع من سرق حرا صغيرا]:
إذا سرق حرا صغيرا قطع عند مالك وقالا عبد الملك لا قطع عليه (^١) وهو قول أبي حنيفة والشافعي (^٢) ودليلنا ما روي أنه - ﷺ - ذكر له أن رجلًا يسرق الصبيان فأمر بقطعه (^٣)، ولأنه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله يجب بذله عند الإتلاف كالبهيمة.
فصل [١٧ - في قطع من سرق طعاما رطبا ويابسًا أو مصحفًا وغيره من المتمولات]:
ويقطع في سرقة الطعام الرطب واليابس من الفواكه والبطيخ وغيره كالقثاء، والتفاح واللحم (^٤) مطبوخًا ونيئا (^٥) خلافًا لأبي حنيفة في إسقاطه القطع بسرقة رطب الطعام (^٦)، للظاهر والخبر، وقوله: (لا قطع في تمر معلق فإذا أواه الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (^٧)، ولأنه مال (^٨) متملك كاليابس، ولأن القطع يراد للردع والزجر والرطب أحوج إلى هذا من اليابس.
ويقطع في سرقة المصحف (^٩) خلافًا لأبي حنيفة (^١٠)، للظاهر والخبر،
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨٣٨، الكافي: ٥٨٠.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٣، مختصر المزني: ٢٦٤.
(٣) أخرجه ابن حزم في المحلي: ١٣/ ٣٦٩ والبيهقي في سننه: ٨/ ٢٦٨.
(٤) في م: دون اللحم.
(٥) انظر المدونة: ٤/ ٤١٨، التفريع: ٢/ ٢٢٨، الكافي: ٥٧٩.
(٦) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٢، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٣.
(٧) سبق تخريج الحديث ص ١٤١٧.
(٨) مال: سقطت من ق.
(٩) انظر المدونة: ٤/ ٤١٨.
(١٠) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٢، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٣.
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
ولأن كل ما جاز بيعه (وأخذ العوض عليه جاز أن يقطع في سرقته كسائر الأموال، ويقطع في سرقة جميع المتمولات التي يجوز بيعها) (^١) وأخذ العوض عليها: كان أصلها مباحًا كالماء والصيد والتراب والحشيش، أو محظورًا غير مباح كالثياب والعقار ونحوه (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن كل ما أصله مباحًا فلا قطع في سرقته (^٣)، للظاهر والخبر، ولأنه نوع من مال يتمول في العادة كالثياب، ولأن أصله مباحًا (^٤) لا يمنع القطع في سرقته كالعبيد أصلهم الإباحة لأنهم مباح لمن شاء أن يسرقهم من دار الحرب ويسترقهم (^٥).
فصل [١٨ - في قطع النباش]:
يقطع النباش (^٦) إذا سرق من القبر كفنا يساوي نصابًا (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨) للظاهر والخبر، ولأنه سارق للنصاب من مال لا شبهة له فيه من حرز مثله فيلزمه (^٩) القطع كسائر السراق، ولأن سقوط القطع لا يخلو أن يكون لعدم الملك أو الحرز أو لعدم الخصومة، ولا يجوز أن يكون لعدم الملك لأن الملك ثابت على الكفن إما للميت أو لورثته، ولا لعدم الحرز لأن القبر حرز للميت ولكفنه، ولأن حرز كل شيء ما جرت العادة به ومن دفن ميتًا بكفنه
_________________
(١) ما بين قوسين سقطت من ق.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٤١٨.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٢، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٣.
(٤) في ق: كون الأبوحة.
(٥) في م: ويسرقهم.
(٦) النباش: سمي كذلك لأنه ينبش القبر ليسرق كفن الميت.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٨٣٨، التفريع: ٢/ ٢٢٨، الكافي: ٥٨٠.
(٨) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٣، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٥.
(٩) في م: فلزمه.
[ ٣ / ١٤٢١ ]
وسد القبر لم ينسبه أحد إلى إضاعة الكفن ولا (^١) إلى تفريط فيه، ولا لعدم الخصومة (لأنها واجبة للورثة أو الإمام إذا لم تبق جهة لسقوط القطع فثبت وجوبه) (^٢).
فصل [١٩ - في قطع من سرق من المغنم ومن بيت المال]:
ويقطع من سرق عن المغنم ومن بيت المال خلافًا لعبد الملك في قوله إنه من سرق زيادة على قدر نصيبه بربع دينار قطع وإلا فلا قطع عليه (^٣)، ووجه إيجاب القطع الظاهر والخبر، ولأنه سرق مالا من حرز لا شبهة له في عينه كغير المغنم، ولأن كل مال تقبل شهادته فيه جاز أن يقطع في السرقة منه كمال الأجنبي، ووجه إسقاطه حصول الشبهة له فيه كالأب يسرق من مال ابنه.
فصل [٢٠ - في عدم القطع في ثمر معلق ولا نخل ولا شجر ولا حريسة جبل]:
لا قطع في ثمر معلق ولا نخل ولا شجر ولا حريسة جبل إلا إذا أواه الجرين أو المراح قطع في سرقته (^٤)، والأصل فيه قوله - ﷺ -: "لا يقطع في ثمر ولا كثر" (^٥) والكثر الجمار (^٦) معناه في رؤوس النخل والشجر لأنه لم يضعه فيه كمن يقصد إلى إحرازه فيه وإنما هو بوضع الله تعالى، فإذا أواه إلى الجرين ففيه القطع لأنه أحرزه في حرز مثله، والغنم في الرعي كذلك أيضًا لا قطع فيها لأنها منتشرة (^٧) في غير حرز فإذا أواها المراح حصلت حينئذ محرزة.
_________________
(١) لا: سقطت من ق.
(٢) ما بين قوسين سقط من م.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٢٨، الرسالة: ٢٤٤، الكافي: ٥٧٩.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٢٨، الرسالة: ٢٤٤، الكافي: ٥٧٩.
(٥) أخرجه أبو داود في الحدود باب ما لا قطع فيه: ٤/ ٥٤٩، والنسائي في قطع السارق باب ما لا قطع فيه: ٨/ ٧٨، وابن ماجه في الحدود باب لا يقطع في ثمر ولا كثر: ٢/ ٨٦٥، والترمذي في الحدود باب لا قطع في ثمر وقال حديث حسن: ٤/ ٥٢.
(٦) والكثر الجمار: سقط من م ومن ر.
(٧) في م: متسيرة.
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
فصل [٢١ - من سرق دارًا فيها منازل متفرقة]:
ومن دخل دارًا فيها منازل متفرقة لقوم منزل كل واحد مغلق عن منزل الآخر فسرق من بعضها شيئًا وأخرجه إلى ساحة الدار فعليه القطع (^١) لأنه قد أخرجه من حرزه ولأن من حرزه البيت الذي هو فيه ويغلق بابه عليه (^٢) دون ساحة الدار فإن كانت الدار لواحد فلا قطع عليه حتى يخرج به من جميعها لأن جملتها حرزًا لما يكون فيها، فإذا أخرجه إلى ساحتها كان (^٣) كمن نقله من موضع من الحرز (^٤) إلى موضع منه آخر فلا قطع عليه.
فصل [٢٢ - المراعاة في القطع إخراج الشيء المسروق من الحرز]:
المراعاة (^٥) في القطع إخراج الشيء المسروق من الحرز فمن باشر ذلك قطع كان هو خارج الحرز أو داخله، فلو اجتمع سارقان أحدهما خارج الحرز والآخر داخله فقرب الداخل المتاع إلى موضع النقب داخل الحرز فإن أدخل الخارج يده فأخرجه فعلى الخارج القطع لأنه هو المخرج له دون الداخل، وقد قيل (^٦) لا قطع عليه لأنه لم يكن منه إخراج في الحقيقة لأنه كان في حكم المخرج بتقريبه إلى باب النقب (^٧) فصار كالمخرج من غير حرز، فإذا لم يجب عليه (^٨) لم يجب على الداخل لأنه في الحقيقة لم يخرجه (^٩) من الحرز وإنما عرضه
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٤١٥، التفريع: ٢/ ٢٢٩، الرسالة: ٢٤٣، الكافي: ٥٨١.
(٢) في م: وتعلق بأنه عليه.
(٣) كان: سقطت من م.
(٤) من الحرز: سقطت من ق.
(٥) في م: المراعي.
(٦) في م ور: قال.
(٧) في م: الثقب.
(٨) لم يجب عليه: سقطت من ق.
(٩) في ق: لم خرج به.
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
للإتلاف والإخراج، والقياس أن القطع على الخارج لأنه باشر إخراج المسروق من الحرز.
وإن أخرج الداخل المتاع بيده أو برميه إلى خارج الحرز فعليه القطع لأن الخارج لم يكن له صنع في إخراجه من الحرز، وقال شيخنا أبو القاسم ﵀ والداخل إذا قرب المتاع إلى النقب (^١) ولم يخرجه يحتمل أن لا يقطع لأنه نقل المتاع من موضع الحرز إلى موضع آخر ولم يباشر إخراجه من جملة الحرز (^٢)، ويحتمل أن يقطع لأن الخارج لم يتمكن بإخراج السرقة إلا بتقريب الداخل لها إليه فوجب أن يقطعا جميعا لأنهما اشتركا في إخراج السرقة من حرزها (^٣).
فصل [٢٣ - اليد التي تقطع في أول السرقة]:
ويقطع في أول السرقة اليد اليمنى من الكوع ويحسم بالنار فتكوى، ثم في الثانية الرجل اليسرى من الكعب، ثم في الثالثة اليد اليسرى من الكوع، ثم في الرابعة الرجل اليمنى ثم فيما بعد ذلك الضرب والحبس، واختلف فيه إذا لم يكن له يمين أو كانت شلاء: قيل يقطع رجله اليسرى وقيل بل يده اليسرى، وإذا ذهبت أصابع من اليد فإن كان الباقي أكثر قطعت، وإن لم يبق إلا أصبع أو أصبعان عدل إلى الرجل (^٤).
فصل [٢٤ - في كون القطع من الكوع]:
وإنما أوجبنا القطع من الكوع خلافًا لمن يقول من الأصابع أو الإبط (^٥) لقوله تعالى: ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٦) والأخذ بأوائل الأسماء واجب، ومن
_________________
(١) في م: الثقب.
(٢) جمبة الحرز: سقطت من م.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٤١٤، التفريع: ٢/ ٢٢٩، الرسالة: ٢٤٣، الكافي: ٥٨١.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٢٧، الرسالة: ٢٤٣، الكافي: ٥٨١ - ٥٨٣.
(٥) قالت الخوارج قطع اليد من المرفق أو المنكب (انظر المحلى: ١٣/ ٤٠٤).
(٦) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
قطع من الكوع سمى مقطوع اليد ولا يسمى بذلك من قطعت أصابعه، ولأن النبي - ﷺ - فعل ذلك هو والسلف بعده.
فصل [٢٥ - في كون القطع في الثانية يسرى]:
وإنما قلنا يقطع في الثانية يسرى رجليه لقوله - ﷺ -: "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (^١) وهذ نص وروي أنه - ﷺ -: "أوتي بسارق فقطع يده ثم أوتي به ثانية فقطع رجله (^٢)، ولأن ذلك مروي عن أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم (^٣).
فصل [٢٦ - ويقطع الثالثة والرابعة]:
وإنما يقطع الثالثة والرابعة خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقطع (^٤) لقول الله ﷿ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٥) ولم يخص يمنى من شمال، وقد قال - ﷺ -: "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (^٦) ولأن كل يد تؤخذ قصاصها فلها مدخل في قطع السرقة كاليمنى، ولأنه سرقة مع وجود بعض (^٧) الأطراف جاز أن يجب القطع فيها كالأولى والثانية، وفعله أبو بكر ﵁ (^٨) ولا مخالف له.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني: ٣/ ١٨١، وفي إسناده الواقدي (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ١٦٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق: ١٠/ ٢٣٩، وابن أبي شيبة: ٩/ ٥١١، والبيهقي: ٨/ ٢٣٧ وقال: هو مرسل بإسناد صحيح.
(٣) انظر البيهقي: ٨/ ٣٧٤، عبد الرزاق: ١٠/ ١٨٦، المحلى: ١١/ ٣٥٥.
(٤) مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٨.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٧) في م: نقص.
(٨) انظر البيهقي: ٨/ ٣٨٤، عبد الرزاق: ١٠/ ١٨٦.
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
فصل [٢٧ - في ضرب وحبس من سرق في الخامسة]:
وإنما قلنا في الخامسة إنه يضرب ويحبس لأن الشرع لم يرد بقطع شيء في السرقة سوى الأطراف الأربعة فلم يبق إلا تأديبه بالضرب والحبس ولا يجوز قتله خلافًا لمن حكي عنه ذلك (^١)، لأن السارق لا يجب قتله كسارق الأولى والثانية.
فصل [٢٨ - في حسم اليد المقطوعة]:
وإنما قلنا تحسم بالنار وتكوى لأنها إن تركت تعدى ضررها إلى المرفق وربما أتت على النفس وليس الغرض إلا إبانتها فقط فوجب أن يقتصر على ذلك.
فصل [٢٩ - في وجه أنه يقطع اليسرى إن عدم اليمنى ..]:
ووجه القول بأنه إذا لم يكن له يمنى أنه يقطع الرجل اليسرى إن عدم اليمنى من اليدين يوجب قطع اليسرى من الرجلين أصله إذا قطعت في السرقة، ووجه الأخرى أن اليد باليد أشبه بها من (^٢) الرجل وأولى أن تقوم مقامها ويؤخذ بها والأول أقيس.
فصل [٣٠ - في عدم قطع اليد الشلاء]:
وإنما قلنا إن الشلاء لا تقطع لأن الغرض بالقطع إبانة منفعتها والشلاء معدومة المنفعة، ولأنه قطع واجب في طرف يراد به تفويت (^٣) منفعته فلا يؤخذ إذا لم يكن فيه منفعة كالقصاص.
فصل [٣١ - في ذهاب الأصبع من اليد]:
وإنما قلنا في ذهاب الأصبع ما قلناه لأن بقاء أكثر يبقى معه أكثر المنافع فكان كذهاب الجميع.
_________________
(١) حكى هذا القول عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز (المغني: ٨/ ٢٦٤).
(٢) لها من: سقطت من ق.
(٣) في ق: ترفية.
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
فصل [٣٢ - في عدم قطع الأب إذا سرق الأبوان من مال الولد]:
إذا سرق الأبوان من مال الولد لم يقطعا لأن لهما شبهة في ماله (^١) بدليل قوله - ﷺ - "أنت ومالك لأبيك" (^٢)، ولأنه لا يحد إذا زنى بأمته ولا يجوز له نكاحها، ولوجوب النفقة عليه في إعساره، وحكم الأجداد والجدات حكم الأبوين دنيا (^٣) لقوة أمر الولادة.
فصل [٣٣ - في قطع الولد إذا سرق من مال الأبوين]:
وإذا سرق الولد من مالهم قطع خلافًا للشافعي (^٤) للظاهر والخبر ولأنه لا شبهة له في مال أبيه وأمه كالأجنبي بدليل عكس ما ذكرناه.
فصل [٣٤ - في قطع من سرق من الأخوة والعمومة والأخوال وغيرهم]:
ومن عدى عمود النسب الأعلى من الولادة يقطع في سرقته من مال نسبه (^٥) كالأخوة والعمومة والأخوال وغيرهم (^٦)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقطع في السرقة من ذي رحم محرم (^٧)، للظاهر والخبر، ولأنها قرابة لا يقتضي شبهة للسارق في مال المسروق منه كبني العمومة.
فصل [٣٥ - في كون الزوجية لا تمنع القطع في السرقة]:
الزوجية لا تمنع القطع في سرقة أحدهما من الآخر خلافًا لأبي حنيفة وأحد
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨٣٧ - ٨٣٨، الكافي: ٥٧٨.
(٢) سبق تخريج الحديث ص ٨٠١.
(٣) دنيا: سقطت من م.
(٤) انظر الأم: ٦/ ١٥١، مختصر المزني: ٢٦٥، الإقناع: ١٧٢.
(٥) في م: نسيبه.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٨٣٨، الكافي ٥٧٨.
(٧) انظر مختصر الطحاوي: ٢٧٠، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٥.
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
قولي الشافعي (^١) للظاهر والخبر، ولأن الزوجية لا تقتضي شبهة في مال ولا شركة فيه لأنه عقد على المنافع كالأجير.
فصل [٣٦ - إذا سرق متاعا كان قد قطع في سرقته أولا]:
إذا سرق متاعا فقطع فيه ثم سرقه ثانية قطع أيضًا خلافًا لأبي حنيفة (^٢) لأنه حد يجب بإيقاع فعل في عين فجاز أن يتكرر بتكرار الفعل بها أصله إذا زنى حد ثم زنى بها ثانية.
فصل [٣٧ - إذا أقر بسرقة ثم رجع إلى شبهة]:
إذا أقر السرقة ثم رجع إلى شبهة سقط عنه القطع ولزمه الغرم (^٣) لأن القطع حق لله يلزم (^٤) بالثبوت على الإقرار به ويسقط بالرجوع عنه، والغرم حق لآدمي لا يسقط بالرجوع عنه، وإن أكذب نفسه فعلى روايتان وقد ذكرناه في الزنا، وهذا في القطع وأما الغرم فلا يسقط على أي وجه رجع.
فصل [٣٨ - إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده]:
إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده لزمه رده إلى مالكه (^٥) لأنه باق على ملكه لم يخرج عنه بقطع سارقه، ولأن القطع ليس ببدل من العين المسروقة ولا بعوض منها وإنما هو لانتهاك حرمة الحرز.
فصل [٣٩ - إذا تلف المسروق وله مال غرمه]:
وإن تلفت عنده وله مال غرمها، وإن لم يكن له مال لم يتبع بها (^٦)، وقال
_________________
(١) انظر مختصر القدروي مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٥، الأم: ٦/ ١٥١.
(٢) مختصر الطحاوي: ٢٧١، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٩.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٤٢٦، ٤٢٨، التفريع: ٢/ ٢٣٠، الكافي: ٥٨٠.
(٤) في م: يلزمه.
(٥) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٠، الرسالة: ٢٤٤، الكافي: ٥٨٢.
(٦) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٠، الرسالة: ٢٤٤، الكافي: ٥٨٢.
[ ٣ / ١٤٢٨ ]
الشافعي يتبع بها دينا في ذمته كالغصب (^١)، وقال أبو حنيفة المالك بالخيار إن شاء قطع ولم يتبعه بالغرم وإن شاء غرمه (^٢) ولم يقطعه، ولا يستحق على السارق الجمع بين القطع والغرم (^٣) فدليلنا على الشافعي في أنه لا يتبع في اعتباره (^٤) قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٥) ولم يوجب سوى ذلك، وروى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله - ﷺ -: "وإذا أقيم على السارق الحد لا غرم عليه" (^٦)، ولأن إتلاف المال لا يجب به عقوبتان، والقطع عقوبة فلا تجب عليه عقوبة أخرى.
فصل [٤٠ - في الدليل على أبي حنيفة في وجوب القطع مع اليسار]:
ودليلنا على أبي حنيفة في وجوب القطع مع اليسار أن السبب الموجب للقطع غير السبب الموجب للغرم لأن القيمة تجب لأجل الإتلاف والقطع لحق الله تعالى وهو إخراج المال المسروق، وإذا كان كذلك لم يتنافيا وكان كالمحرم يتلف صيدا مملوكا فيلزمه الجزاء والقيمة، وقال بعض شيوخنا إن أخذ القيمة مع القطع استحسان والقياس ألا يلزم شيئًا لأنه لو لزمه غرمها مع اليسار لزمه ذلك في ذمته مع الإعسار، وإنما استحسنوا ذلك لجواز أن يكون قد أخذ لها بدلا وثمنا فاختلط بماله.
_________________
(١) انظر الأم: ٦/ ١٥١، المزني: ٢٦٤، الإقناع: ١٧٢.
(٢) في م: ابتعه.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ٢٦٩ - ٢٧٠، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ٢٠٩.
(٤) في م: الإعسار.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
(٦) أخرجه النسائي في قطع السارق باب تعليق يد السارق في عنقه: ٨/ ٨٥، وهو حديث مضعف عند أهل الحديث لأنه مقطوع وقد وصله بعضهم وقال النسائي هذا مرسل وليس بثابت: ٨/ ٨٥.
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
(قال القاضي أبو محمد ﵁) (^١) والفرق بين هذا وبين قول (^٢) أبي حنيفة أن عند أبي حنيفة يسقط القطع إذا اختار المالك إغرامه وعندنا لا يسقط بوجه، وهذا كله إذا كان المسروق نصابا يقطع فيه فأما إن كان دونه فالغرم واجب مع العسر واليسر لأنه ليس فيه قطع ولا اجتماع عقوبتين (^٣).
فصل [٤١ - فيمن سرق من حلي الكعبة ومن قناديل المسجد]:
ومن سرق من حلي الكعبة فلا قطع عليه وكذلك من قناديل المسجد وآلته لأن ذلك غير محرز فيه (^٤) لأن دخوله مباح مأذون فيه، ومن أصحابنا من يقول إن كان ذلك (^٥) نهارًا فلا قطع وإن كان ليلًا وقد أغلقت أبواب (^٦) المسجد قطع لأن بإغلاق المسجد يصير ما فيه محرزًا فسارقه سارق من حرز فيلزمه القطع.
فصل [٤٢ - إذا سرق حليا من صبي]:
إذا سرق حليا من صبي: فإن كان معه من يحفظه قطع لأن حفظ الحافظ له حرز للحلي ولما عليه، وإن كان مخلى فلا قطع عليه (^٧) لأن الصبي ليس بحرز لما معه، وإن كابره فلا قطع عليه كان معه حافظ أولا لأن ذلك غصب وليس بسرقة.
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) قول: سقطت من ق.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٠، الرسالة: ٢٤٣، الكافي: ٥٨٠.
(٤) في م: عنه.
(٥) ذلك: سقطت من م.
(٦) أبواب: سقطت من م.
(٧) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٠، الكافي: ٥٨٠.
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
فصل [٤٣ - في قطع الآبق بسرقته]:
ويقطع الآبق إذا سرق من غير سيده (^١) خلافًا لبعضهم (^٢)، للظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق نصابًا من حرز مثله لا شبهة له فيه كغير الآبق.
فصل [٤٤ - في عدم قطع العبد إذا سرق من مال سيده]:
ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، وكذلك المدبر والمكاتب وأم الولد (^٣) لأن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه عبد سرق من مال سيده فقال عبدكم سرق متاعكم لا قطع عليه (^٤)، ولأن القطع معلق بالضمان فلما لم يضمن العبد ما استهلك من مال سيده لم يقطع في سرقته، ولأن القطع شرع صيانة للأموال وحفظًا لها فلو قطعنا العبد في سرقته من مال سيده كنا قد أتلفنا ماله وذلك ضد حفظه.
فصل [٤٥ - إذا سرق عبد رجل من مال زوجة سيده أو عبد امرأة من مال زوجها]:
وإن سرق عبد رجل من مال زوجة سيده أو عبد امرأة من مال زوجها من موضع قد أحرز عنه ولم يؤذن له في دخوله فعليه القطع (^٥) لأن حكم عبيدهم حكم ساداتهم فلما كان أحد الزوجين يقطع فيما سرقه من مال (^٦) الآخر من موضع قد أحرز عنه وأغلق دونه فكذلك يجب قطع عبده إذا سرق منه، ولأن كل ما يقطع فيه الإنسان يقطع يد عبده فيه وكل ما لا قطع للإنسان فيه فلا يقطع عبده فيه.
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤.
(٢) قال مروان وسعيد بن العاصي وأبو حنيفة لا يقطع (المغني: ٨/ ٢٦٨).
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٠، الكافي: ٥٧٨.
(٤) البيهقي: ٨/ ٢٨٢، الموطأ: ٢/ ٨٤٨، الخراج لأبي يوسف: ٢٠٥.
(٥) انظر التفريع: ٢/ ٢٣١، الكافي: ٥٧٨.
(٦) مال: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٤٣١ ]
فصل [٤٦ - إذا أتلف السارق المال في الحرز]:
وإذا أتلف السارق المال في الحرز قبل أن يخرج به أو خرج به بعد إتلافه وهو لا يساوي نصابا فعليه الغرم ولا قطع عليه (^١) لأن الإتلاف إذا لم يتم السرقة فلا قطع فيه ويصير كالغصب والاعتداء من غير سرقة، والمراعى إخراجه بحاله من الحرز أو بلوغ قيمته نصابًا بعد الإتلاف (^٢) حال إخراجه من الحرز.
…
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٤١٥، الكافي: ٥٨٢.
(٢) في م: الاختلاف.
[ ٣ / ١٤٣٢ ]