التدبير أن يقول الرجل لعبده أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر أو إذا من فأنت حر بالتدبير أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه قصد به إيجاب عتقه بموته مطلقًا على وجه الوصية، وأما إن قال إن من من هذا المرض أو هذا السفر فإن ذلك كالوصية يجوز له الرجوع فيه وإبطاله (^١).
فصل [١ - فيمن دبر عبده ولا دين عليه]:
ومن دبر عبده ولا دين عليه لم يجز له بيعه ولا هبته ولا نقض تدبيره بوجه ما دام حيًّا (^٢) خلافًا للشافعي (^٣)، ولقوله ﷿: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (^٤) ولقوله - ﷺ - "المدبر لا يباع ولا يوهب" (^٥)، ولأن عتقه معلق (^٦) بموت سيده على الإطلاق كأم الولد.
فصل [٢ - في حكم المدبر إذا مات السيد]:
إذا مات السيد نظر فإن لم يكن عليه دين وكان له مال يخرج من ثلثه عتق في الثلث وإنما وجب عتقه لوجود الصفة التي كان العتق معلقًا عليها وهي موت
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٠، المدونة: ٣/ ٣٧، التفريع: ٢/ ٩، الرسالة: ٢٢٣، الكافي: ٥١٧، المقدمات: ٣/ ١٨٧.
(٢) انظر المدونة: ٣/ ٣٧، التفريع: ٢/ ٩، الكافي: ٥١٧.
(٣) انظر مختصر المزني ٣٢٢، الإقناع: ٢٠٦.
(٤) سورة المائدة، الآية: ١.
(٥) أخرجه الدارقطني: ٤/ ١٣٨ من طريق عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ثم قال الدارقطني لم يسنده غير عبيدة وهو ضعيف وإنما هو عن ابن عمر موقوفًا من قوله لا يثبت مرفوعًا (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ٢١٥).
(٦) في م: يتعاين.
[ ٣ / ١٤٨١ ]
السيد كأم الولد (^١)، وإنما قلنا إنه يعتق في الثلث دون رأس المال خلافًا لداود (^٢)، لما رواه أبو قلابة (^٣) أن النبي - ﷺ -: قال "المدبر من الثلث" (^٤) ولأن كل عتق بعد الموت بالقول من الثلث كالموصي بعتقه، لأن المعتق (^٥) بتلافي المرض آكد (^٦) حرمة من المدبر ثم يعتق من الثلث فالمدبر أولى.
فصل [٣ - إذا لم يحمل الثلث المدبر]:
وإن لم يحمل الثلث عتق منه بقدر ما يحمله ورق باقيه وكذلك لو لم يترك غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه للورثة، ولا يجب عليه أن يسعى في فكاك رقبته خلافًا لأبي حنيفة لما بيناه في العتق.
فصل [٤ - إذا كان على السيد دين]:
وإن كان على السيد دين بيع جميعه إن أحاط الدين بماله وإلا فبقدر إحاطة الدين بماله وعتق ثلث ما بقي ورق ما بقي بعد عتق الثلث منه للورثة (^٧) وعند أبي حنيفة أنه لا يباع في الدين ولكن يسعى للغرماء فإذا أدى مالهم خرج حرًّا (^٨)
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨١١، المدونة: ٣/ ٣٩، التفريع: ٢/ ١٠، الرسالة: ٢٢٣، الكافي: ٥١٧.
(٢) انظر المحلى: ١٠/ ٤٧٥.
(٣) الحديث عن ابن عمر ولم أجده عن أبي قلابة وأبو قلابة: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي أبو قلابة البصري ثقه فاضل كثير الإرسال مات بالشام هاربًا من القضاء سنه أربع ومائة وقيل بعدها (تقريب التهذيب: ٣٠٤).
(٤) أخرجه ابن ماجه في العتق باب المدبر: ٢/ ٨٤٠، والدارقطني: ٤/ ١٣٨، والبيهقي: ١٠/ ٣١٤ والحفاظ يقفونه على ابن عمر وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال إنه باطل (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ٢١٥).
(٥) في م: العتق.
(٦) حرمه: سقطت من م.
(٧) انظر المدونة: ٣/ ٣٧، التفريع: ٢/ ٩، الكافي: ٥١٧.
(٨) انظر مختصر الطحاوي ٣٨١، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٣/ ١٢١.
[ ٣ / ١٤٨٢ ]
ودليلنا أن التدبير يجري مجرى الوصية والدين مقدم على الوصية فلو قدمنا عتق العبد على الدين لكان في ذلك أحد أمرين ممنوعين: إما تقديم الوصية على الدين ليتعجل العبد العتق (^١) ويحصل الغرماء على سعاية متأخرة أو انتزاع العبد من أيديهم وإحالتهم في سعاية لا يدري أتصح أم لا بغير رضاهم وإلزام العبد الاستسعاء بغير جناية كانت منه وكل ذلك باطل فلم يبق إلا ما قلناه.
فصل [٥ - في تدبير بعض العبد]:
وإذا دبر بعض عبده كمل عليه جميعه اعتبارًا بالعتق لأنه ضرب منه وإن دبر (^٢) بعض عبد بينه وبين شريكه بإذنه أو بغير إذنه تقاوماه فإن صار الذي دبر كمل عليه تدبيره وإن صار للآخر رق وإن شاء الذي لم يدبر أن يقوم نصيبه على الذي دبر كان له ذلك (^٣)، وإنما قلنا إنهما يتقاومانه ليمنع (^٤) التبعيض فيه وأجزنا إبطاله إن صار للذي لم يدبر لأن التدبير ليس مستقرا لا محالة لأنه قد يبطل باستغراق الدين التركة وقد قيل إنه لا يجوز إلا تقويم الحصة على الشريك (^٥) الذي يجبر عليه صاحبه إن كان المدبر موسرًا اعتبارًا بالعتق إلا أن يشاء الآخر أن يدبر فيكمل التدبير كما يختار الشريك في العتق أن يعتق فيكمل العتق.
فصل [٦ - في ولد المدبر]:
ولد المدبر من أمته بمنزلته (^٦) لأن كل ولد حدث عن ملك اليمين تبع أباه في الحرية والرق أصل ذلك إذا ابتاع الحر أمة فأولدها، ومن دبر أمة وهي حامل
_________________
(١) في ق: المعتق.
(٢) في ق: دبرت.
(٣) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٣، التفريع: ٢/ ١٠ - ١١، الكافي: ٥١٧.
(٤) في م: لمنع.
(٥) في م: المدبر.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٠، المدونة: ٣/ ٣٩، التفريع: ٢/ ٩، الكافي: ٥١٧.
[ ٣ / ١٤٨٣ ]
علم بحملها أو لم يعلم أو حملت بعد التدبير فولدها بمنزلتها، أما حملها إذا صادفها التدبير فلأنه داخل في العقد على رقبتها بالبيع والهبة والكتابة وسائر العقود على الرقبة فكذلك التدبير.
فأما إذا أحدثوا بعد التدبير فلأن كل ولد حدث من نكاح أو زنا فهو تابع لأمه في الحرية والرق اعتبارًا بولد العبد إذا تزوج الحرة أو بولد الحر إذا تزوج الأمة، ويقومون مع أمهم قيمة واحدة لا يقوم بعضهم على بعض لتساوي حرمتهم ولوجوب التدبير لهم وللرجل أن يطأ مدبرته لأن ذلك غير ناقص لتدبيرها بل هو مؤكد له لأنها قد تحمل فتكون أم ولد وذلك أقوى من التدبير، ويفارق المكاتبة لأن تلك تستعجل العتق بالأداء ففي كونها أم ولد تأخير عتقها.
فصل [٧ - في جواز استخدام المدبر وإجارته من صاحبه]:
للرجل استخدام مدبره وإجارته (^١) لأنه على الأصل في ملك تصرفه وإنما منع من نقض التدبير فقط وليس في ذلك نقض له والفرق بينه وبين أم الولد أنه ليس له من أم الولد إلا الوطء فقط وهي آكد حكمًا من المدبر لأنه لا يزول حكم الاستيلاد بدين ولا غيره بخلاف التدبير.
فصل [٨ - في جواز انتزاع مال المدبر، وإذا أسلم مدبر النصراني]:
وله انتزاع ماله لأن أحكامه (^٢) أحكام العبد إلا فيما يقتضي نقض التدبير وليس في انتزاع ماله نقض التدبير، ويستحسن في مرض السيد المخوف للسيد أن لا ينتزع ماله بقرب عتقه فإنه ينتزعه لغيره لا لنفسه (^٣).
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٤ - ٨١٥، التفريع: ٢/ ١٠، الكافي: ٥١٧.
(٢) في ق: أحكامها.
(٣) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٤، المدونة: ٣/ ٤٠، التفريع: ٢/ ٩، الرسالة: ٢٢٣، الكافي: ٥١٧.
[ ٣ / ١٤٨٤ ]
إذا أسلم مدبر النصراني خورج عليه فدفع إليه خراجه ولم يبع عليه، وإنما ينتظر موته فيعتق من ثلثه إن حمله أو حمل منه (^١)، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يجوز ثبوت ملك النصراني على المسلم ولا استخدامه بالرق ولا يجوز بيعه لما ثبت له من الحرية (^٢) في حياة سيده فوجب أن يؤجر عليه من مسلم ويدفع خراجه إلى سيده فإذا مات عتق من ثلثه (^٣) وكان ولاؤه للمسلمين ما دام السيد نصرانيًّا فإن أسلم عاد إليه الولاء، ويتخرج فيها رواية أخرى وهي: أنه يباع عليه ويدفع الثمن إلى النصراني (^٤) اعتبارًا ببيع أم ولده إذا أسلمت وحرمة الاستيلاد أقوى من حرمة التدبير.
فصل [٩ - فيما إذا قتل المدبر]:
إذا قتل المدبر فقيمته لسيده (^٥) لأن أحكامه أحكام العبد في حياة سيده، وكذلك له أرش جناية أعضائه فإذا أخذ ذلك فهو في ملك له في عمل به ما شاء ولا يلزمه أن يجعله في مدبر آخر لأن السيد لا صنع له في قتله فكان قتله كموته وكانت قيمته بمنزلة ماله الذي يتركه بعد موته أنه للسيد بالرق لا بالميراث.
فصل [١٠ - في جناية المدبر]:
جناية المدبر في خدمته دون رقبته (^٦) لأن بيعه غير جائز ولا يجوز إسلام رقبته إلى المجني عليه فلم يبق إلا إسلام خدمته، لأن ذلك هو الذي يملكه السيد منه والسيد مخير إن شاء أفتكه بأرش جنايته وإن شاء أسلم خدمته فإن أسلمها أختدمها المجني عليه لأنها ملك له بدلا من جنايته وأجره وأخذ أجرته.
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٥، المدونة: ٣/ ٤٦، التفريع: ٢/ ١٢، الكافي: ٥١٧.
(٢) في م: الحرمة.
(٣) في ق: ثلاثة.
(٤) في م: إليه.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٦، التفريع: ٢/ ١٠، الرسالة: ٢٢٣، الكافي: ٥١٨.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٨١٦ - ٨١٧، التفريع: ٣/ ١٠، الكافي: ٥١٨.
[ ٣ / ١٤٨٥ ]
وإن كان للمدبر مال تعلقت الجناية بخدمته وماله اعتبارًا بالحر في تعلق جنايته بذمته وماله فإن كان في المال وفاء بأرش الجناية استوفي منه وإن لم يكن فيه وفاء تعلق الفضل بخدمته وأخذ المجني عليه حقه منها فإذا استوفى أرش الجناية زال تعلقه منه، فإن كان السيد حيا عاد مدبرًا على حاله لأن السيد يملك باقي خدمته مدة حياته فإن مات السيد قبل أن يستوفي المجني عليه أرش جنايته بأن كان له مال يحمل ثلث المدبر عتق في الثلث لأنه لا شيء يمنع عتقه وما بقي من أرش الجناية دين عليه لأن الجناية لا تبطل أرشها لأنها إما أن تتعلق بالرقبة أو بالذمة، وتعلقها بالرقبة (^١) في هذا الموضع متعذر للحرمة التي له بالتدبير فلم يبق إلا تعلقها بالذمة ولأنه لما كانت جناية الجر متعلقة بذمته كذلك جناية المدبر (بعد حريته وعن مالك رواية أخرى أن ما بقي من الأرش يبطل بحرية المدبر) (^٢).
ووجه ذلك أن الأرش كان متعلقًا بخدمته دون رقبته فلما بطلت بحريته بطل الحق المتعلق بها ببطلانها كموته هذا كله إذا كان للسيد مال (يعتق فيه فإن لم يكن للسيد مال) (^٣) غيره عتق ثلثه فكان ثلثاه رقا للورثة ويلزم المدبر ثلث ما بقي من أرش الجناية دينا في ذمته على أظهر الروايتين.
وعلى الرواية الأخرى يبطل عنه ويخير (^٤) الورثة في افتكاك الثلثين بثلثي أرش الجناية أو إسلامه من رقبته إلى المجني عليه لأنه قد صار رقا وبطل التدبير في ما زاد على ثلثه فإن أسلموه كان مالكا للمجني عليه لأن المانع كان من إسلامه بثبوت التدبير وإذا بطل التدبير بضيق المال عنه وجب تعلق ما بقي من أرش الجناية برقبته.
_________________
(١) في ق: بالذمة.
(٢) ما بين قوسين سقط من م.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) في ق: ويجبر.
[ ٣ / ١٤٨٦ ]
فصل [١١ - في جواز مقاطعة السيد مدبره على مال يأخذه منه ويعجل عتقه]:
يجوز للسيد أن يقاطع مدبره على مال يأخذه منه ويعجل له العتق فإذا فعل ذلك وتعجل ثم مات السيد قبل أخذ المال لم يسقط عنه بموت سيده (^١) لأنه دين تعلق بذمته ولا يعتبر في ذلك خروجه من الثلث لأن الحرية قد سبقت له قبل موت السيد فينجز (^٢) عتقه بالعوض دون التدبير.
ويجوز أن يكاتبه كتابة منجمة فإن أداها قبل موت السيد عتق وإن مات السيد قبل أدائها عتق بالتدبير وسقط عنه باقيها أو جميعها إن كان لم يؤد (^٣) شيئًا منها فإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه كما لو لم يكن كاتبه وسقط عنه (ثلث الكتابة لأنه لو عتق لسقطت الكتابة عنه فإذا عتق بعضه) (^٤) سقط عنه بقدر ما عتق منه ويبقى ثلثاه مكاتبا بثلثي الكتابة فإن أداه عتق وإن عجز رق للورثه والله أعلم (^٥).
…
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨١١، التفريع: ٢/ ١١.
(٢) في ق: فيجوز.
(٣) في ق: لم يرد.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) والله أعلم: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٤٨٧ ]