الأصل في جواز الرهن (^٢) قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (^٣)، وقوله ﷺ: "لا يغلق الرهن" (^٤) وقوله: "الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه" (^٥)، وقوله: "الرهن محلوب ومركوب" (^٦)، ولأنه ﷺ رهن درعه على شعير أخذه لأهله (^٧)، ولأنه وثيقة بالحق كالكفالة، ولأن الحق يتعلق تارة بالذمة وتارة بعين المال (^٨)، فوجب أن يكون التوثيق منه بمنزلته في تعلقه بالأمرين.
_________________
(١) ما بين قوسين سقطت من (م).
(٢) الرهن في اللغة: قال ابن فارس: الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره (معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤٥٢)، وفي الاصطلاح قال ابن عرفة: الرهن مال قبضه توثق به في دين (الرصاع على ابن عرفة ص ٣٠٤).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٤) و(^٥) أخرجه ابن ماجه في الرهون، باب: لا يغلق الرهن: ٢/ ٨١٦، وفي إسناده محمَّد بن حميد الرازي مختلف فيه، كما أخرجه الدارقطني: ٣/ ٣٢، والبيهقي: ٦/ ٣٩، وابن حبان والحاكم: ٢/ ٥١، وقال: حديث صحيح (انظر نصب الراية: ٤/ ٣٢٠).
(٥) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٣٤، وابن عدي في الكامل: ١/ ٢٧٢، والبيهقي: ٦/ ٣٨، والصحيح أنه مرفوع وأعله بعضهم بالوقف وأخرجه الحاكم: ٢/ ٥٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين (انظر: تلخيص الحبير: ٣/ ٣٦).
(٦) أخرجه البخاري في الرهن، باب: من رهن درعه: ٣/ ١١٥.
(٧) في (ق): وتارة بالمال.
[ ٢ / ١١٥١ ]
مسألة [١ - جواز الرهن في الحضر والسفر]:
الرهن جائز في الحضر والسفر (^١) خلافًا لمن قصره على السفر (^٢)، لما روي أنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على شعير أخذه لأهله (^٣)، وهذا رهن في الحضر واعتبارًا بالسفر لأن الحاجة تدعو إليه في الموضعين، ولأن كل وثيقة جاز أن يستوثق بها في السفر جاز أن يستوثق بها في الحضر كالضمين (^٤).
مسألة [٢ - الدين الذي يجوز أخذ الرهن به]:
كل دين لازم أمكن استيفاؤه من ثمن الرهن فإن أخذ الرهن به جائز خلافًا لمن حكي عنه أنه لا يجوز إلا في السلم (^٥)، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (^٦)، وروي أنه ﷺ رهن درعه عند يهودي على شعير اقترضه (^٧)، ولأنه دين لازم تمكن أخذه ثمن الرهن كالسلم.
فصل [٣ - وجوب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه]:
إذا ثبت فيجب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه من ذلك الأثمان في البياعات إلا الصرف والسلم المتعلق بالذمة، فإن الصرف من شرطه التقابض عقيب العقد ورأس المال في السلم لا يجوز أن يكون دينًا لأنه يكون دينا بدين، فأما
_________________
(١) في الرهن انظر: الموطأ: ٢/ ٧٢٨ - ٧٢٣، المدونة: ٤/ ١٥١ وما بعدها، التفريع: ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٧، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٠ - ٤١٢.
(٢) قال مجاهد: ليس الرهن إلا في السفر (المغني: ٤/ ٣٦٢).
(٣) أخرجه البخاري في الرهن، باب: الرهن عند اليهود وغيرهم: ٣/ ١١٦، ومسلم في المساقاة، باب: الرهن في الحضر والسفر: ٣/ ١٢٢٦.
(٤) في (ق): كالتضمين.
(٥) قاله زفر.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٧) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ٢ / ١١٥٢ ]
المسلم فيه (^١) المتعلق بالذمة إلى الأمل فيجوز أخذ الرهن به، وكذلك القرض والغصب وقيم السلع المتلفات وأروش الجنايات في الأموال (^٢)، وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة، فأما قبل العمد والجراح التي لا يقاد منها فعلى قول مالك أنه ليس فيها إلا القود لا يجوز أخذ الرهن بها لأن الحق لا يمكن استيفاؤه منه، وعلى قوله: أن الواجب به التخيير بين القود والدية، فإذا لزمت الدية جاز أخذ الرهن بها، ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن تتعين الدية (^٣) عليه من العاقلة وذلك بعد الحول ويجوز في العارية التي يضمن أخذ الرهن فيها (^٤) ويجوز فيما لا يضمن منها، ويجوز أخذ الرهن في الأجرة على الإجارة كالثمن في البياعات وفي المنافع المستأجرة عليها المضمونة في الذمة دون الأعيان، وكذلك الجعل بعد العمل لأنه قد لزم ولا يجوز قبله، ويجوز الرهن في المهر، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة.
مسألة [٤ - في صحة عقد الرهن من غير قبض]:
يصح عقد الرهن من غير قبض لكن القبض شرط في صحته، فإذا عقد الرهن صح ولزم الإقباض، فإن امتنع الراهن منه أجبر على ذلك، ولا يبطل العقد بتأخير القبض ما لم يكن من المرتهن تراخ في المطالبة به ورضا بتركه في يد الراهن (^٥)، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا عقداه من غير قبض فهو جائز وليس بلازم، فإن شاء الراهن قبضه ولزم وإلا فله ألا يقبضه ولا يلزم (^٦)، ودليلنا قوله: ﴿فرهانٌ مقبوضة﴾ (^٧) وليس يخلو أن يكون شرطًا أو أمرًا وأيًّا
_________________
(١) في (ق): فأما السلم.
(٢) في (م): المال.
(٣) الدية: سقطت من (م).
(٤) فيها: سقطت من (ق).
(٥) انظر: المدونة: ٤/ ١٥١، التفريع: ٢/ ٢٦٣، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٠.
(٦) انظر: مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٥٥، الإقناع ص ١٠١.
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
[ ٢ / ١١٥٣ ]
كان ذلك فالعقد حاصل وإن لم يوجد وكذلك الاسم، ولأنه عقد من العقود فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه أصله سائر العقود، ولأنه عقد لازم فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع.
فصل [٥ - إذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه رهن شيئًا لبعضهم]:
وإذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه كان رهن شيئًا من ماله لبعضهم وأقر أنه أقبضه إياه فلا يقبل إلا ببينة تشهد بمعاينة القبض (^١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكفي التقارر في ذلك (^٢)، لأن إقرار المقرر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره ويمكن أن يكونا قد تراضيا على الإقرار بذلك ليسقط حق باقي الغرماء فلم يقبل إلا بشهادة البينة عليه.
فصل [٦ - اشتراط استدامة القبض في صحة الرهن]:
استدامة القبض شرط في صحة الرهن فمتى حصل مقبوضًا ثم عاد إلى يد الراهن برضا من المرتهن باستخدام أو بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من الرهن (^٣) خلافًا للشافعي (^٤)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (^٥)، فعم سائر أحوالها، ولأنها حال من أحوال الرهن فكانت (^٦) تبقيته في يد الراهن باختيار المرتهن مخرجه له عن الرهن أصله الابتداء.
فصل [٧ - في عقد الرهن قبل وجوب الحق]:
يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنًا به بذلك العقد ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان، وكذلك يصح تقدم الضمان على الحق
_________________
(١) انظر: المدونة: ٤/ ١٥٧ - ١٥٨، التفريع: ٢/ ٢٦٤، الكافي ص ٤١٥.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ١٧٦ - ١٧٨، مختصر المزني ص ٩٥ - ٩٧ - ٩٨.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٣، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٠.
(٤) انظر: الأم: ٣/ ١٣٩ - ١٤١، مختصر المزني ص ٩٣ - ٩٤.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٦) في (م): فكان.
[ ٢ / ١١٥٤ ]
المضمون (^١)، وقال الشافعي: لا يصح (^٢)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (^٣) فعم، ولأنه أذن له في قبضه على وجه الأمانة والضمان فصح كالوديعة والقضاء إذا قال له اقبض ما يجيئك به فلان من متاعي وديعة لي عندك أو خذ هذا الكيس فاقبض منه حقك.
فصل [٨ - وضع الرهن عند أمين]:
يجوز أن يتفقا على أن يكون الرهن عند أمين يتراضيان به وإن لم يقبضه (^٤) المرتهن (^٥)، خلافًا لمن قال: لا يصح إلا إذا قبضه المرتهن بنفسه (^٦)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (^٧) معناه من الراهن وهذا موجود، ولأنه مقبوض من الراهن بحق (^٨) برضا المرتهن فأشبه أن يقبضه بنفسه.
فصل [٩ - في جواز رهن المشاع]:
يصح رهن المشاع (^٩) خلافًا لأبي حنيفة (^١٠)؛ لأنهم إن سلموا أن قبضه يصح فالظاهر يتناوله لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (^١١)، وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية لا تختلف باختلاف ما يوجبه من كونه بيعًا أو رهنًا،
_________________
(١) انظر: الكافي ص ٤١٠.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ١٤٥، مختصر المزني ص ٩٣.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٤) في (م): يقبضا.
(٥) انظر: المدونة: ٤/ ١٥٢، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٠.
(٦) قاله الحكم والحارث العكلي وقتادة وابن أبي ليلى (انظر المغني: ٤/ ٢٨٨).
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٨) في (م): نحو.
(٩) انظر: المدونة: ٤/ ١٥١، ١٥٣، التفريع: ٢/ ٢٦٢، الكافي ص ٤١٠.
(١٠) انظر: مختصر الطحاوي ص ٩٢، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ٥٦.
(١١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
[ ٢ / ١١٥٥ ]
وقد ثبت أن بيع المشاع جائز وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح وصح إن كان (^١) قبضه (^٢) ممكن، ولأنه (^٣) مما يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم، ولأن الإشاعة (^٤) لا تمنع صحة الرهن كما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد.
فصل [١٠ - في باقي المشاع المرهون]:
إذا ثبت أن رهن المشاع جائز ولا يخلو باقيه أن يكون له أو لغيره، فإن كان للراهن لم يصح الرهن إلا أن يقبضه الكل لأنه ما لم يقبضه فيد الراهن باقيه عليه، وإن كان للمرتهن أو لأجنبي صح إذا خرجت يد الراهن عنه.
فصل [١١ - إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن]:
إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن أو أفلس بطل الرهن (^٥) لأن حق جميع الغرماء يتعلق بالتركة فلا يجوز أن يختص بها بعضهم دون بعض، وإنما يكون المرتهن أحق بتقدم (^٦) الحيازة قبل موت الراهن وتعلق حقوق الغرماء كلهم بالمال، وهذا متي أمكن الإقبال فلم يفعل، فأما إذا لم يمكنه بأن لم يزل يطالبه بالإقباض والراهن ويوافقه إلى أن مات أو أفلس، فإن حق الراهن ثابت للمرتهن.
مسألة [١٢ - ضمان الأشياء المرهونة]:
الأشياء المرهونة: منها ما يظهر هلاكه ولا يخفى كالعقار والحيوان، فهذا الضرب لا يكون مضمونًا على المرتهن ويكون تلفه من المالك ما لم يكن من المرتهن تعد فيه، ومنها ما يخفى هلاكه وهو مما يغاب عليه ويبطن كالذهب
_________________
(١) كان: سقطت من (ق).
(٢) في (م): بعضه.
(٣) في (م): ولكنه.
(٤) في (م): الأمر جاز.
(٥) انظر: المدونة: ٤/ ١٥٨، الكافي ص ٤١٠ - ٤١١.
(٦) في (ق): بتقديم.
[ ٢ / ١١٥٦ ]
والفضة والحلي والعروض، فهذا عندنا مضمون على المرتهن إذا قبضه فادعى تلفه يقاص به من حقه، إلا أن تقوم بينة أو يعلم الراهن أنه تلف بغير صنعة ففيها روايتان: إحداهما سقوط الضمان، والأخرى ثبوته عليه وإن شرط فيما يضمن ألا ضمان عليه لم ينفعه، وإن شرط فيما لا يضمن أن عليه ضمانه لم يلزمه، وإذا كان الرهن على يد أمين لم يضمن المرتهن هلاكه وكان هلاكه من ربه (^١).
فصل [١٣ - وجه التفريق بين ما يخفى هلاكه وبين ما يظهر]:
وإنما فرقنا بين ما يخفى هلاكه وبين ما يظهر خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان في الجميع (^٢)، (وخلافًا للشافعي في إسقاط الضمان في الجميع (^٣» (^٤) وقوله: إنه أمانة كالوديعة؛ لأن الرهن ليس بجارٍ مجرى الأمانات المحضة ولا مجرى المضمون المحض لأنه قد أخذ شبهًا من الأمرين فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد، وذلك أن الأمانة المحضة هي ما لا نفع فيه لقابضه بل النفع كله للمالك كالوديعة، والمضمون المحض هو ما يكون نفعه كله لقابضه كالمشتري أو بتعد أو جناية (^٥)، وما خرج عن هذا وأخذ شبهًا من الأمرين ترجح الأمر فيه ولم يكن له حكم المحض منهما، وفي مسألتنا فلم (^٦) يكن تعد ولا جنابة (^٧) فيضمن، ولا مما ينفرد المالك بالمنفعة به فيسقط الضمان عن المرتهن بل المنفعة لهما: للمالك بأن حصل له ما ابتاعه أو ملك وبقي (^٨) الدين في ذمة لأجل الرهن
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: الموطأ: ٢/ ٧٣١ - ٧٣٢، المدونة: ٤/ ١٥٥، التفريع: ٢/ ٢٥٩، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٩٤ - ٩٥، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ٥٦ - ٥٧.
(٣) انظر: الأم: ٣/ ١٦٧، ١٧٦، مختصر المزني ص ١٠١، الإقناع ص ١٠١.
(٤) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٥) في (م): خيانة.
(٦) في (م): خا لم.
(٧) في (م): خيانة.
(٨) في (ق): هي.
[ ٢ / ١١٥٧ ]
ولولاه لم يملكه فقد انتفع له وللمرتهن بحصول التوثق به فلم بقبضه لمالكه، كالوديعة وإنما قبضه ليكون على وثيقة بحقه، وإذا أخذ شبهًا من الأمرين لم يجز أن ينفرد بحكم أحدهما على التحديد (^١) فيجب الفصل بينه وبينها وفي ذلك ثبوت ما قلناه (^٢) لأن أحدًا لم يفصل بينهما بما سواه.
ووجه قوله: إنه إذا قامت بينة بهلاكه أو علم بأنه من غير صنعة (^٣) فلا ضمان عليه إذ سبب الضمان معدوم لأنه إنما يضمن لئلا يكون قد أتلفه وادعى أنه تلف بغير صنعة (^٤)، فإذا علم صدقه فلا ضمان ألا ترى أن العرف لما كان يشهد له فيما يظهر تلفه قبل قوله ولم يضمنه، ووجه إيجاب الضمان أن أصله مقبوض على ذلك فلا ينتفي عنه حسمًا للباب، والأول أصح.
فصل [١٤ - الضمان بقيمة الرهن والمقاصة به]:
وإنما قلنا: يضمن بقيمته ويقاص به من دينه لأن الضمان يتعلق بما حصل في قبضه، فإن جاء به وإلا فعليه بدله وهو القيمة، وإذا قلنا: يقاص به من دينه لأن رب الرهن قد استحق في ذمة المرتهن حقًّا فلم يكن لأحدهما مطالبة الآخر بما يستحقه إلا ويتوجه للآخر عليه مثل ذلك، فوجب القصاص وترادا الفضل بينهما، فإن كان فيه فضل عن الحق غرمه المرتهن، وإن كان أقل منه لزم (^٥) الراهن بقية الحق، وإن كان بقدره كان قِصاصًا.
فصل [١٥ - إذا شرط في الرهن خلاف موجبه]:
وإنما قلنا: إذا شرط (في نوع منه خلاف موجبه لم ينفعه لأنّه شرط) (^٦)
_________________
(١) في (ق): التجريد.
(٢) في (م): ما قلنا به.
(٣) في (م): صيغته.
(٤) في (م): صيغة.
(٥) في (م): وإن إقامته لرهن الراهن.
(٦) ما بين قوسين سقط من (م).
[ ٢ / ١١٥٨ ]
ينافي حكم أصل العقد فلم يثبت، أصله إذا شرط في الوديعة أنه ضامن أو شرط (في القرض أنه غير ضامن، ولأن ما يلزم العقد ويكون هو أصل في) (^١) قبضه إذا شرط فيه انتفاؤه لم يصح كما لو شرط في النكاح أنه لا يطأ وفي البيع أنه لا يتصرف في المبيع.
فصل [١٦ - تلف الرهن على يد أمين]:
وإنما قلنا: أن الرهن إذا كان على يد أمين: فإن تلفه من ربه لأن المرتهن إنما يضمنه بالقبض والحوز وهذا معدوم، والأمين هو في يده أمانة لأنه قبضه لمنفعة غيره لا لمنفعة نفسه فلم يضمنه، ولأن ربه لم يرض بأمانة المرتهن فلم يكن له عليه سبيل.
فصل [١٧ - في تلف الرهن المضمون في يد المرتهن]:
إذا ثبت ما ذكرناه فتلف الرهن المضمون في يد المرتهن: فإن اتفقا على قيمته وقدر الدين فلا كلام، وإن اختلفا لم يخلو اختلافهما أن يكون في قدر الحق أو في قيمة الرهن أو فيهما: فإن كان في قيمة الرهن وصفة المرتهن وقوّم على صفته فإن وافقه الراهن على صفته قوّم على تلك الصفة، فإن خالفه فالقول قول المرتهن مع يمينه في ذلك لأنه غارم، والأصول موضوعة على أن القول قول الغارم مع يمينه، فإذا قومه أهل الخبرة على الصفة التي حلف عليها المرتهن حط مقدار دينه من القيمة وأخذ فضلًا إن بقي له أو رجع عليه بفضل إن بقي عليه، فإن امتنع المرتهن أن يحلف على الصفة التي ادعاها ثم ردت اليمين على الراهن فحلف على ما يدعيه من الصفة ثم قُوِّم الرهن على صفته، وإن جهلت صفته حلف المرتهن على قيمته فقط لأنه لا يوصل إلى أكثر من ذلك، ومن ادعى منهما في الصفة ما يكذبه العرف لم يتلفت إلى دعواه، فأما إن اتفقا على صفته واختلفا في قدر الحق الذي رهن به: فإن المرتهن يحلف على ما يدعيه ثم يثبت
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
[ ٢ / ١١٥٩ ]
له منه قدر قيمة الرهن (^١)، ويقال للراهن: إما أن تحلف على ما يدعيه ويسقط عنك قدر ما زاد على قيمة الرهن، وإلا لزمك ما حلف عليه المرتهن، وكذلك لو كان الرهن قائمًا بحاله.
وإنما قلنا ذلك لأن المرتهن إذا قبض الرهن وحازه صار شاهدًا له بقدر ما يدعيه لأن العادة جارية بأن الناس إنما يرتهنون ما يساوي ديونهم أو يقاربها لا ما لا يفي (^٢) بها، فإذا ادعى أحدهما ما يصدقه العرف وادعى الآخر ما يكذبه العرف كانت اليمين في جنبة (^٣) ما يصدقه العرف، ولأن أحدًا لا يرتهن على ألف درهم ما يساوي عشرين درهمًا ولا على عشرين درهمًا (^٤) ما يساوي مائتين (^٥).
وإنما شرطنا أن يكون في يد المرتهن لأنه إذا كان في يد أمين سواه، فإذا الراهن لم يرد ائتمانه عليه ولا أن يكون الرهن شاهدًا له بدعواه، فكان القول قول المدعي عليه منهما (^٦) مع يمينه، فأما إذا كان الخلاف في أصل هلاك الرهن فادعى المرتهن هلاكه وكذبه الراهن فزعم أنه غيبه وأنه باق بحاله: فإن المرتهن يحلف على أنه قد هلك ثم يكون الحكم في الصفة والتقويم على ما وصفناه.
فصل [١٨ - إذا اختلفا على عين رهن]:
إذا اختلفا على عين رهن (^٧): فقال الراهن: ليس هذا رهن، وقال المرتهن هذا الذي رهنته عندي، فالقول قول المرتهن لأن المرتهن مؤتمن على عين الرهن، فالراهن يريد تضمينه وإثبات دعوى (^٨) عليه لا يعترف بها، ولأنه لما
_________________
(١) في (م): الراهن.
(٢) في (م): لا ما بقي.
(٣) في (م): في جنبه.
(٤) درهمًا: سقطت من (ق).
(٥) في (م): مائتي درهم.
(٦) منهما: سقطت من (م).
(٧) في (م): الراهن.
(٨) في (م): دعواه.
[ ٢ / ١١٦٠ ]
رضي بأمانته وأن يكون الرهن في قبضته ولم يتوثق منه بالإشهاد على عينه وجب أن يكون القول قوله في ذلك (^١).
فصل [١٩ - من أقر لرجل بسلعة في يده وادعى أنه رهنها]:
ومن أقر (^٢) لرجل بسلعة في يده وادعى أنه رهنها منه على حق له عليه وأنكر ربها أن يكون رهنها منه وأنكر الدين (^٣)، فالقول قول رب السلعة مع يمينه (^٤) لأن الذي هي في يده معترفًا له بها ويدعى تعلق من له بعينها فلا يقبل منه إلا ببينة، ولا يكفي في ذلك كونها بيده لأن ذلك لا يوجب تعلق حقه بها.
مسألة [٢٠ - في نماء الرهن]:
نماء الرهن على ضربين: أعيان وغير أعيان، فغير الأعيان لا يدخل مع الرهن في كونه رهنًا مع أصله، وذلك مثل الأجرة والغلة وما أشبه ذلك.
والأعيان ضربان: منها ما ينفصل ويتميز عن الأصل، ومنها ما لا يتميز، فالذي لا يتميز هو مثل كبر الصغير وسمن المهزول هذا لا خلاف أن حكمه حكم العين المرهونة، والمتميز نوعان: نوع منه نسل أو ما يجري مجرى النسل في الحكم فهذا يكون رهنًا مع الأصل كولد الأَمَة والدابة وفسيل النخل (^٥) وفراخ الشجر، والنوع الآخر لا يوصف بذلك فلا يكون رهنًا مع أصله كثمار النخل والشجر وألبان الماشية وأصوافها وما أشبه ذلك (^٦).
وإنما قلنا: إن الأجرة والغلة لا يكونان رهنًا لأنهما أعيان منفصلة عن الرهن لا
_________________
(١) انظر: المدونة: ٤/ ١٦٧، التفريع: ٢/ ٢٦٤، الكافي ص ٤١٣ - ٤١٤.
(٢) في (م): أقره.
(٣) في (م): وأنكر الدين واعترف به.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٤، الكافي ص ٤١٥.
(٥) فسيل النخل: صغار النخل (المصباح المنير ص ٤٧٣).
(٦) انظر: المدونة: ٤/ ١٥٤، ١٥٥، التفريع: ٢/ ٢٦٠، الرسالة ص ٣٣١، الكافي ص ٤١٢.
[ ٢ / ١١٦١ ]
يكون حكمها حكم الأصل فيما يعقد عليه من عقود المنافع والإجارات فلم يدخل معه في الرهن لأن ذلك غلة وخراج والرهن تناول العين دون المنافع، ولقوله - ﷺ -: "الرهن ممن رهنه له غنمه" (^١)، وذلك يفيد أنه منفرد به لا يتعلق لغيره حق فيه.
فصل [٢١ - في حكم النماء الذي لا يتميز]:
وإنما قلنا: أن ما لا يتميز مثل السمن والكبر حكمه حكم الأصل لأنه نفس العين ليس بعين زائدة عليها، ولأنه لو نقص من العين لم يكن له حكم فكذلك إذا طرأ دون منافعها، فإنه يسري إلى ولدها أصله ولد أم ولد (وولد المدبرة، ولأن الأصول موضوعة على أن كل حكم يثبت في الأمهات فإن الولد يتبع أمه فيه من ذلك الزكاة وولد أم الولد) (^٢)، والمعتق نصفه وإلى أجل والمدبرة والمكاتبة، فكذلك حكم الرهن، ولأنه نماء من جنس الرهن ومن خلقته وصورته كنماء المتصل به، وإنما قلنا: إن الثمن وغيره من خراجه ليس برهن معه خلافًا لأبي حنفية (^٣) لقوله - ﷺ -: "الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه" (^٤) وهذه الإضافة تفيد إفراده ونفي الشركة عنه، ولقوله: "الرهن محلوب وركوب" (^٥)، وفائده ذلك استحقاق الراهن لما يحلب (^٦) منه ولأجرة ركوبه، ولأنه نماء مميز (^٧) عن الأصل مخالف له بالخلق والصورة كالكسب أو لأنه نماء من غير جنسه كالأجرة.
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١١٥١).
(٢) ما سبق قوسين سقط من (م)
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٩٤، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٦٢.
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١١٥١).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١١٥١).
(٦) في (م): يجلب منه.
(٧) في (م): مميز.
[ ٢ / ١١٦٢ ]
فصل [٢٢ - نفقة الرهن]:
نفقة الرهن على راهنه (^١) لأن الذي للمرتهن فيه حق التوثيق وذلك لا يستحق به نفقة عليه كالكفارة، ومنافعته وخراجه له دون مرتهنه لأنه على ملكه وإنما للمرتهن منه حق التوثق وهو أخذ دينه ثمنه عند تعذر أدائه.
فصل [٢٣ - إذا غصب عينًا ثم رهنها مالكها منه]:
إذا غصب عينًا فهي مضمونة عليه بالغصب، ويصح أن يرهنها مالكها منه وهي في يده قبل أن يقبضها من الغاصب، فإذا رهنها منه صارت مضمونة عليه بالرهن إن كانت مما يضمن بالرهن وزال (^٢) ضمان الغصب (^٣) خلافًا للشافعي في قوله: أنه لا يزول ضمان (^٤) الغصب (^٥) وإن كان رهنًا؛ لأنه عقد يقتضي إمساك العين بإذن المالك فوجب أن ينتفي حكم الغصب حال حصوله كالوديعة، ولأن ابتداء إمساك العين بإذن مالكها يمنع أن تكون مضمونة ضمان الغصب أصله إذا ابتدأ إرهان شيء عنده ابتداء، وإذا أقبضه منه ثم أعاده إليه، ولأن الرهن عقد يتعلق به الضمان، فإذا طرأ على الغصب سقط به ضمان الغصب أصله البيع.
فصل [٢٤ - في تعلق الرهن بجملة الحق وأبعاضه]:
الرهن يتعلق بجملة الحق وأبعاضه، وفائدة ذلك أن يرهنه عبدين على ألف درهم فيقبض منها تسعمائة: فإن العبدين يبقيان رهنًا بالمائة الباقية ولا يستحق على المرتهن (^٦) بتسليمهما ولا تسليم واحد منهما، وكذلك لو أقبضه العبدين فتلف أحدهما كان الباقي رهنًا بجميع الدين، وكذلك لو كان الرهن مما ينقسم
_________________
(١) انظر: المدونة: ٤/ ١٦١، التفريع: ٢/ ٢٦٠، الكافي ص ٤١٢.
(٢) في (ق): زوال.
(٣) انظر: المدونة: ٤/ ١٧٤، الكافي ص ٤١١ - ٤١٢.
(٤) ضمان: سقطت من (ق).
(٥) انظر: الأم: ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٦، مختصر المزني ص ١٠١، ١٠٨، الإقناع ص ١٠١.
(٦) في (م): الراهن.
[ ٢ / ١١٦٣ ]
مثل أن يرهنه كرين من حنطة على مائة درهم فيقبض خمسين درهمًا فلا يستحق عليه أن يرد من الرهن بقدر ما في مقابلة الحق (^١) خلافًا لمن ذهب إلى أنه يستحق رد ما أدى بقدره (^٢)، ولأن الرهن مال محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسا بكل حق منه أصله لو مات وعليه دين وخلف تركة، فإن بيعها محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسًا بكل حق منه أصله لو مات وعليه دين وخلف تركة، فإن بيعها محبوس على الدين، (ولا يستحق الورثة منها شيئًا إلا بأداء جميع الدين) (^٣)، ولأنه وثيقة بحق فوجب أن يكون وثيقة به وكل جزء منه أصله الضمان.
فصل [٢٥ - فيمن أراد أخذ زيادة على حقه ويكون على حقه ويكون الرهن بها]:
إذا رهنه رهنًا بحق له (^٤) ثم أراد أن يأخذ زيادة على ذلك الحق ويكون الرهن رهنًا بها جميعًا جاز (^٥) خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (^٦) أنه يكون رهنًا بالحق الأول دون الثاني؛ لأنه وثيقة بالحق، فإذا اشتغلت بحق جاز أن يشتغل بحق آخر مع بقاء شغلها بالحق الأول كالضمين (^٧)، ولأنها زيادة في التراهن (^٨) في حق المتراضين كالزيادة في الرهن لأنه حق تعلق بعين (^٩) يستوفي
_________________
(١) انظر: المدونة: ٤/ ١٥٩، التفريع: ٢/ ٢٦٦، الكافي ص ٤١٤.
(٢) لم أقف على من قال بذلك، بل كلام صاحب المغني يفيد الإجماع عليها (انظر: المغني: ٤/ ٣٩٩).
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) في (م): يحق له عليه.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، الكافي ص ٤١٤ - ٤١٦.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٩٣، الأم: ٣/ ١٦١.
(٧) في (م): دون الثاني لأنه وثيقة كالضمين.
(٨) في (ق): الرهن.
(٩) في (ق): بدين.
[ ٢ / ١١٦٤ ]
من ثمنها فجاز أن يزاحمه في التعلق بها حق آخر أصله أرش الجناية إذا طرأت عليه جناية أخرى.
فصل [٢٦ - في الرهن يرهن فضله من دائن ثان]:
إذا رهن رهنًا على مقدار قيمته أو أقل، فأراد أن يرهن فضله من آخر فليس له ذلك إلا بإذن مرتهنه: فإن رضي جاز وإن لم يرض نظر، فإن كان الحق بقدر الرهن (^١) أو قيمته أقل من قدر الحق لم يجز له ذلك، وإن كانت قيمة الرهن زيادة على قدر الحق، فأراد أن يرهن فضله فاختلف فيه: فقيل: أنه يجوز وإن لم يرض، وقيل: لا يجوز إلا بإذنه (^٢).
وإنما قلنا: أنه لا يجوز إذا كان بقيمة الحق إلا بإذن مرتهنه لأن في ذلك رجوعًا عن الرهن، كما لو رهن عبدين ثم أراد انتزاع أحدهما وذلك لأن المرتهن الثاني يزاحم الأول في الرهن بعد تعلق حق الأول به وانفراده باستحقاقه فلم يجز إلا برضاه، وإنما قلنا: أنه يجوز بإذن المرتهن الأول على كل وجه لأن المنع من ذلك لحقه، فإذا رضي بإسقاطه لم يبق ما يمنع لأجله، ولأنه إن كان بقدر الحق فقد رضي بأن يزاحمه غيره كالمرتهن عنده عبدين، فأراد أن يرجع في أحدهما أو يرهنه من آخر: فإن المرتهن إذا رضي بذلك جاز، فإن كان بأكثر من قدر الحق كان أولى بالجواز لأن الضرر مأمون فيه ووجه القول بأنه إن رضي جاز ولا يجوز بغير إذنه لأن في ذلك إضراره ومشاركة لغيره في حقه، وذلك رجوع في الرهن، ولأنه رضي بحق، فإذا زوحم فيه لم يجز إلا بإذن من تعلق حقه به أصله إذا كان بقدر الحق، ووجه القول بأنه جائز وإن لم يأذن فلأنه لا ضرر عليه في ذلك لأن حقه تقدم على حق الآخر إنما يستحق ما فضل عن قدر حقه وليس له حق فيما زاد على قدر حقه.
فصل [٢٧ - إذا رهن عبدًا ثم أعتقه]:
إذا رهن عبدًا ثم أعتقه فلا يخلو أن يكون موسرًا، فإن كان
_________________
(١) في (م): القيمة.
(٢) انظر: المدونة: ٤/ ١٦١، التفريع: ٢/ ٢٦٦، الكافي ص ٤١٤.
[ ٢ / ١١٦٥ ]
موسرًا نفذ (^١) عتقه وعجل (^٢) المرتهن حقه، وإنما قلنا ذلك لأن العتق مبني على التغليب (وفي إيقاع الراهن له رضا بتعجيل الحق لأن الرجوع في الرهن غير جائز، ولا يجوز الرجوع في العتق لقوته وإنه مبني على التغليب) (^٣)، فلو لم نقل أن الحق يتعجل لكان فيه رجوع الراهن عن الرهن وذلك غير جائز، فإن أراد أن يعطيه رهنًا غيره، فقيل: يجوز إلى أجل الدين قاله شيخنا أبو بكر ويشبه أن يكون برضاه، وقال ابن القاسم: ليس له ذلك وهو الصحيح لأنّه ليس له أن يتلف حقه من الوثيقة إلا بأداء الدين وإن ذلك إن جُوِّز له جاز أن يبذل الرهن بغير رضاه وذلك غير جائز، فأما إن كان الراهن معسرًا، فإن العتق لا ينفذ ويبقى دهنًا، فإن أفاد ما لا قبل الأجل نفذ العتق وعجل حق المرتهن على ما ذكرناه، وإن بقي على إعساره بيع العبد عند حلول الأجل، وقال أبو حنيفة: نفد عتقه موسرًا كان أو معسرًا (^٤).
فدليلنا على أنه لا ينفذ مع (^٥) الإعسار قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (^٦)، ولأنه معنى يبطل حق الوثيقة من الرهن فلم ينفذ مع الإعسار كالبيع، ودليلنا على نفوذه مع اليسار (^٧) لأنّه لا يبطل حق المرتهن من التوثق لأنه إما أن يعجل له حقه فذلك مقدم على التوثق أو أن يوضع له رهن مكانه، فحق التوثق باق لهذا فارق الإعسار. (^٨).
وإنما قلنا في الإعسار أنه إذا أفاد مالًا قبل الأجل نفذ العتق وعجل المرتهن حقه
_________________
(١) في (ق): بعد.
(٢) في (م): وإن كان.
(٣) بين قوسين سقط من (م).
(٤) مختصر الطحاوي ص ٩٣، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ٥٨ - ٥٩.
(٥) على أنه لا ينفذ: سقطت من (م).
(٦) سورة المائدة، الآية: ١.
(٧) في (ق): الإيسار.
(٨) في (م): الاعتبار.
[ ٢ / ١١٦٦ ]
لأن المنع (^١) من نفوذه إنما كان لحق المرتهن، فإذا زال هذا المعنى لم يبق ما يمنع العتق لأجله كاليسار، وإنما قلنا: يعجل له حقه لما بيناه من أن إعتاقه رضا بتعجيل (^٢) الحق، وإنما قلنا: إن بقي على إعساره بيع عند الأجل (^٣) لأنه باق على الرق لأن العتق لم ينفذ فحق التوثق متعلق به.
فصل [٢٨ - عدم جواز وطء الأمة بعد رهنها]:
إذا رهن أمته لم يجز له وطؤها (^٤) لأن في ذلك إعادتها إلى قبضه (^٥) وتعريضًا لبطلان حق المرتهن منها لأنها قد تحمل فتكون أم ولده فلا يجوز رهنها، فإن فعل نُظر، فإن كان بإذن المرتهن بطل الرهن لأن إذنه له في التصرف رضا منه بإعادته إلى قبض الراهن، فقد بينا أن استدامة القبض من شرط صحة الرهن، وإن كان بغير إذنه فإن لم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وله مال كانت أم ولده وعجل للمرتهن حقه اعتبارًا بالعتق، وإن لم يكن له مال بيعت وقضى الحق من ثمنها اعتبارًا بالعتق المنجز، فإن كان ثمنها أقل من الحق ابتعه بالباقي في ذمته، وإن كان ثمنها أكثر بيع منها بمقدار (^٦) الحق وكان ما بقي بحساب أم الولد لأن الزيادة لا حق للمرتهن فيها، ولا يباع الولد بحال لأنه واطيء لأمته داخل على حرية ولده، وإن كان فيه شبهة على ما ذكرناه، فإن وطئها المرتهن فهو زان والحد لازم له والولد لا يلحق هو يكون معها رهنًا يباع ببيعها، وإنما قلنا: إنه زان لأن الوطء لا يستباح إلا بنكاح أو ملك وكل ذلك معدوم وليس بواطيء شبهة، فلذلك يلزمه ما يلزم الزاني، وقلنا: إن الولد
_________________
(١) في (م): المبيع.
(٢) في (ق): بتعجل.
(٣) في (م): على الإعسار بيع العبد للأجل.
(٤) انظر: المدونة: ٤/ ١٧٥، التفريع: ٢/ ٢٦١، الكافي ص ٤٠٥.
(٥) في (ق): ضبطه.
(٦) في (م): بقدر.
[ ٢ / ١١٦٧ ]
رهن (^١) معها اعتبارًا بزناها بغيره، وإن وطئها بإذن الراهن وإحلالها (فذاك شبهة إن كان يظن أن مثل هذا يحيى الوطء وتلزمه قيمتها للراهن) (^٢) لتكامل أم ولد، وتكون أم ولده (^٣) إن حملت ولا تلزمه قيمة الولد لأن السيد لما أباحه وطأها صار منتفعًا بها بإذنه ودخل على أن ولده حر.
فصل [٢٩ - في غلق الرهن]:
نهى النبي - ﷺ - عن غلق الرهن (^٤)، ووصفه أن يرهن منه رهنًا على أنه إن جاءه بحقه عند أجله وإلا فالرهن له، ومتى شرط ذلك لم يصح والرهن على ملك راهنه (^٥)، وإنما قلنا ذلك لنهيه ﷺ عن غلق الرهن والنهي يقتضي الفساد، ولأنه بيع غرر ومجهول لأنه لا يعلم كيف يكون الرهن وقت أخذه ولا صفته، ولأنه تعليق بيع بصفة وعقود المعاوضة لا تقف على الصفات كقوله إذا قدم زيد بعتك سلعتي هذه.
فصل [٣٠ - منع بيع الرهن بغير إذن المرتهن]:
إذا باع الراهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه (^٦) لأن في ذلك إبطال حق الوثيقة، وإن باعه بإذنه جاز ولم يلزمه تعجيل الحق إلا بعد يمين المرتهن له أنه ما أذن له في ذلك إلا ليتعجل (^٧) حقه.
فصل [٣١ - جواز توكيل الراهن المرتهن في بيع الرهن]:
يصح توكيل الراهن للمرتهن في بيع الرهن وأخذ ثمنه عند حلول الأجل
_________________
(١) في (م): يرتهن.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
(٣) وتكون أم ولده سقطت من (م).
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١١٥١).
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩، المدونة: ٤/ ١٦٤.
(٦) انظر: المدونة: ٤/ ١٧٢، التفريع: ٢/ ٢٦٥، الكافي ص ٤١٤.
(٧) في (ق): ليعجل.
[ ٢ / ١١٦٨ ]
وتعذر أداء الحق ويكون له بيعه (^١) خلافاًّ للشافعي (^٢) اعتبارًا بتوكيل الأجنبي فإذا ثبت جوازها فإنها تكره عند مالك فيما له خطر وبال، ويجوز عند أشهب وإنما كرهت لأن بيعه عند الحاكم أحوط لهما وأحسم لدعوى الراهن محاباة المرتهن نفسه بترك الاستقصاء، وليكون أسلم للمرتهن.
فصل [٣٢ - عدم جواز فسخ وكالة الوكيل في الرهن]:
فإن أراد الراهن فسخ وكالة الوكيل لم يكن له ذلك، وقال إسماعيل بن إسحاق له ذلك (^٣)، وهو قول الشافعي (^٤)، ودليلنا أن هذه الوكالة قد تعلق بها حق المرتهن وهو تولي بيع الرهن ليصل المرتهن إلى أخذ (^٥) حقه، وفي فسخها إبطال هذا المعنى، واعتبرها إسماعيل بسائر الوكالات وبأنها من العقود الجائزة.
فصل [٣٣ - في مال العبد المرهون]:
مال العبد ليس برهن معه (^٦) لأنه ملك له دون السيد ما لم ينزعه السيد منه، ورهن العبد ليس بانتزاع لما له بخلاف البيع.
…
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٥، الكافي ص ٤١٦.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ١٧٠، مختصر المزني ص ٩٤ - ٩٥، المهذب: ١/ ٣١٠.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٥، الكافي ص ٤١٦.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ٩٤، المهذب: ١/ ٣١٠.
(٥) أخذ: سقطت من (م).
(٦) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦١، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤١٢.
[ ٢ / ١١٦٩ ]
باب
(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (^١)