الشركة (^٢) على ضربين بمال وبدن، فأما شركة الأموال فعلى ضربين: شركة عنان (^٣)، وشركة مفاوضة، والعنان هي أن يخرج كل واحد منهما رأس مال مثل ما يخرج صاحبه أو أكثر أو أقل ويخلطاه ويكون في حكم المختلط وإن لم تكن عينه مخالطة للآخر مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما عليه ويكون العمل عليهما بحسب رؤوس أموالهما والربح بينهما على مثل ذلك، فهذا نوع (^٤) جائز من الشركة، ولا يجور أن يشترط العمل أو الردح بخلاف رؤوس الأموال، فإن عقدا لشركة على ذلك وعملًا فالشركة فاسدة ويكون الربح والخسران بينهما على قدر المالين ويرجع من قل رأس ماله على صاحبه بأجرة المثل في نصف الزيادة، والمفاوضة أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف والبيع والشراء حضر الآخر أو غاب وتكون يده كيده، ولا يكونان شريكين إلا بقدر ما يعقدان الشركة عليه دون ما ينفرد أحدهما بملكه مما لم يدخله في رأس
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
(٢) الشركة لغة: الاختلاط، وفي الاصطلاح: تقرير متمول بين مالكين فأكثر ملكًا فقط هذا بالمعنى الأعم، أما بالمعنى الأخص، فهي بيع مالك كل بعضه ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع (حدود ابن عرفة ص ٣٢٢).
(٣) شركة العنان -بكسر العين- وقد اختلف في تفسيرها، فقيل: الشريك المخصوص، وقيل: الشركة في شيء معين، وقيل: هذا على أنه لا يبيع أحدهما إلا بإذن الآخر (حدود ابن عرفة ص ٣٢١).
(٤) نوع: سقطت من (م).
[ ٢ / ١١٤٣ ]
مال الشركة ويجوز فيها تساوي رؤوس الأموال وتفاضلها إذا كان العمل والربح بقدرة الله.
وشركة الوجوه (^١) باطلة، فأما شركة الأبدان (^٢) فتجوز بشرطين: أحدهما (^٣) اتفاق الصناعتين كالاشتراك في الخياطة والقصارة والنجارة وغير ذلك من الصناعات، وتجوز عندنا في الاصطياد والاحتطاب، ولا تجوز مع اختلاف الصناعتين كقصار وحداد وصبّاغ وصواغ، والثاني أن يكونا في موضع واحد، فإن افترقت الأمكنة لم تجز الشركة اتفقت الصناعات (^٤) أو اختلفت، وإن افترقت الصناعتان لم يجز افترقت الأمكنة أو اتفقت، وتجوز الشركة بالعروض على القيمة (^٥).
فصل [١ - وجه جواز شركة العنان]:
وجواز الشركة في المال (^٦) على الشرط الذي قدمناه مجمع عليه، وإنما الخلاف في انخرام بعض أوصافها على ما سنذكره، وذكر بعض أصحاب مالك عنه أنه سئل عن شركة العنان فقال: لا أعرفها (^٧)، ومن سمّاها بذلك فسرها على وجوه من الاشتقاق: قيل: معناها تساوي الشريكين (^٨) في التصرف والمال
_________________
(١) شركة الوجوه: هي أن يشتركا على الذمم دون مال ولا صنعة على أن ما اشترياه يكون في ذمتهما وربحه بينهما، وقيل: هي أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه (حدود ابن عرفة ص ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) شركة الأبدان: هي أن يشترك الاثنان أو أكثر على أن يعملا معًا ويقتسمان أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة والمكان متحد كذلك (أسهل المدارك: ٢/ ٣٥٨).
(٣) شرطين أحدهما: سقطت من (م).
(٤) في (ق): الصناعتان.
(٥) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ٤/ ٢٢، وما بعدها، التفريع: ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦، الرسالة ص ٢١٩ - ٢٢٠، الكافي ص ٣٩٠ - ٣٩٣.
(٦) في (ق): وجواره في المال.
(٧) انظر الذخيرة.
(٨) في (م): المشتركين.
[ ٢ / ١١٤٤ ]
في الكثير والقليل كتساوي الفارسين في السير، وقيل: لأنها شركة ظاهرة مأخوذة من عناني الشيء إذا أخطر ببالك فأظهرته، وقيل: إنها معروفة في اللغة كقول الشاعر (^١):
وشركنا قريشًا في علاها … وفي أحسابها شرك العنان
وفي الجملة فمن أي شيء ثبت أنّها أخذت إذا كانت على الصفة التي ذكرناها فإنها (^٢) جائزة، وإنما شرطنا أن تكون أيديهما على المالين بخلط أو جعله في صندوق أو غيره خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن الشركة تصح وإن كان مال كل واحد منهما في يده إذا عيناه واحصراه (^٣)؛ لأن الشركة تقتضي تساويهما في الاشتراك بالمال، فإذا انفرد أحدهما بثبوت يده عليه لم توجد حقيقة الشركة (لأنهما على ما كانا عليه من انفراد المالين فلم يحصل منهما إلا القول، ومجرد القول لا يأتي له بدليل: أنهما لو تعاقدا إلى الشركة) (^٤) على مال ولم يعيناه فإنها لا تنعقد لأن الشركة لا تحصل على مال لم تثبت أيديهما عليه، ولأن كل واحد من المالين يثبت على ملك صاحبه فلم تثبت به شركة أصله سائر أمواله عكسه إذا خلطاه أو كانت أيديهما عليه.
وإنما شرطنا (^٥) خلطهما حتى لا يتميزا إذا كانا بحيث ينالهما أيديهما بالتصرف (^٦) خلافًا للشافعي في قوله: إن الشركة لا تنعقد إلا بخلط المالين (^٧) لأن أيديهما ثابتة على المالين كما لو خلطاهما (^٨).
_________________
(١) البيت الشعري قاله النابغة الجعدي (انظر الصحاح: ٦/ ٢١٦٦).
(٢) في (م): فهي.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٠٧، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٤) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٥) في (م): لم يشرط.
(٦) في (م): تصرفهما.
(٧) انظر: مختصر المزني ص ١٠٩، الإقناع ص ١٠٧.
(٨) في (ق): خلطاه.
[ ٢ / ١١٤٥ ]
وإنما شرطنا أن يكون العمل والربح على قدر رؤوس الأموال خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن يخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفين ويعملا بالمال على أن الربح بينهما نصفين (^١)، لأنَّه قد ثبت أن عقد الشركة يوجب في جهة (^٢) كل واحد من الشركين قسطًا من الربح والخسران ثم اتفقا على أن أحدهما لو شرط على الآخر جزءًا من الخسران أن ينفرد به كان ذلك غير جائز كذلك إذا شرط جزءًا من الربح بعلة أنهما ثمرتا مال الشركة، فوجب تساويهما فيه بقدر المال، ولأن الربح ثمنه المال والمال أصله، فوجب أن يتقسط بين الشريكين على قدر الملك كأجرة العقار.
فصل [٢ - وجوب التساوي في العمل على قدر رؤوس الأموال]:
وإنما قلنا في العمل: إنه يجب التساوي فيه على قدر رؤوس الأموال كالربح لما ذكرناه في الربح، ولأن اشتراط الزيادة استئجار من مشترطها للآخر بفضل ربح ماله وذلك غرر، ولأن كل واحد ترك العمل (يستحق عليه بحق الشركة بما بذله من فضل ربح ماله كما لو شرط العمل) (^٣) على صاحب الألفين والربح بينهما نصفين، أو شرط أكثر الربح للذي لا يعمل وأقله للذي يعمل.
وإنما قلنا: شركة المفاوضة جائزة خلافًا للشافعي (^٤)، لأن تقدير الشركة أنهما أخرجا المالين ثم وكل كل واحد منهما الآخر في التصرف فيه على الإطلاق وذلك جائز (^٥)، ولأن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة وتعلق الوكالة بها كتعلقها بالعنان لكن (^٦) تزيد المفاوضة بالكفالة فيما يثبت لأحدهما قبل
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٠٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٢٥.
(٢) في (م): وجب في وجهه.
(٣) ما بين قوسين سقط من (م).
(٤) انظر: مختصر المزني ص ١٠٩، الإقناع ص ١٠٨.
(٥) في (م): غير جائز.
(٦) في (ق): كما.
[ ٢ / ١١٤٦ ]
صاحبه من الحقوق والضمان يصح في الذمة لمجهول، كمن استهلك شيئًا لمن لا يعرفه.
وإنما قلنا: إنه يجوز أن ينفرد أحدهما بمال لا يدخله في الشركة وإن تفاضل رؤوس الأموال، خلافًا لأبي حنيفة في منعه كل ذلك (^١)، وقوله: إن موضوع (^٢) المفاوضة يقتضي التساوي؛ لأن كل شركة جازت مع تساوي رؤوس الأموال جازت مع اختلافهما كالعنان، ولأنها شركة بمال في مكسب مباح فوجب أن يستوي في الجواز استواء المالين واختلافهما كالعنان، ولأن عقد (^٣) الشركة هو بيع نصيب (^٤) أحدهما بقسطه من نصيب الآخر وتوكيل أحدهما الآخر في التصرف وذلك لا يفتقر إلى تساوي المالين.
وإنما قلنا: إن شركة الوجوه باطلة وهو أن يشتركا بغير مال بل بالذمم (^٥) مثل أن يشتريا شيئًا في ذممهما (^٦) على أن يبيعان ويقتسما ربحه (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)؛ لأنها شركة بغير مال ولا صناعة فلم تصح أصله إذا قال: بع عبدك وأنا شريكك في ثمنه أو ابتع ما تبتاعه ولي نصف ربحه، ولأنه كل واحد يستعير وجه صاحبه ووجهه (^٩) أو مستأجر له بشرط ضمان النقصان ورجاء الربح وذلك من الغرر وأكل المال بالباطل، ولأن كل واحد يصير بائعًا لنصف ما يشتري الآخر ونصف ربحه وذلك غرر ومجهول.
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٠٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٢٢.
(٢) في (ق): أن موضع.
(٣) في (م): بيع.
(٤) نصيب: سقطت من (م).
(٥) في (م): بالدرهم.
(٦) في (م): في ذمتهما.
(٧) في (ق): يقتسماه.
(٨) انظر: المراجع السابقة.
(٩) في (م): وجاهة.
[ ٢ / ١١٤٧ ]
وإنما قلنا: إن (^١) شركة الأبدان في الجملة جائزة -خلافًا للشافعي (^٢) لأن العمل مما يجوز المضاربة عليه فجازت الشركة عليه من جهتهما كالمال، ولأنه أحد أصلي عقد القراض كالمال، ولأن المقصود من شركة المال هو العمل بدليل أن نماء المال واستحقاق الربح يكون على العمل وأنهما لو شرطا (^٣) العمل على أحدهما لم يجز، ولو شرطا المال من عند أحدهما والعمل من الآخر لجاز ولكان مضاربة، وإذا صح هذا وجب متى اشتركا في عمل البدن أن يصح لإيقاعهما العقد على الوجه الذي له يقصد وهو الأصل فيه، ولأن العمل نوع من الشركة فصح أن يكون من جهة (^٤) أحد الشريكين ويستحق به الربح بدليل المضاربة، وكل ما جاز أن يستفاد به الربح في حق أحدهما جاز أن يشتركا عليه كالمال.
وإنما أجزناها -في الاصطياد والاحتطاب خلافًا لأبي حنيفة (^٥)؛ لأنه عمل مباح يكسبه فجازت الشركة فيه كالخياطة، ولأن الحاجة داعية إلى التعاون على ذلك كسائر الصنائع (^٦).
فصل [٣ - اشتراط الاتفاق في الصنعة المشتركة]:
وإنما شرطنا الاتفاق في الصنعة المشتركة خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه شركة القصار والدباغ (^٧)؛ لأن أحدهما لا وفق (^٨) له في مشاركة الآخر فلا حاجة به
_________________
(١) في (م): وأما.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ١٠٧، الإقناع ص ١٠٨.
(٣) في (م): وأننا لو شرطنا.
(٤) جهة: سقطت من (م).
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٠٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٢٩.
(٦) في (م): كسائر الاشتراك.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٠٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٨) في (ق): لا وفق له.
[ ٢ / ١١٤٨ ]
إلى معاونته ولا تعلق لكسبه بعمله، فإنما قصد الغرر والقمار فقط فلأن كل واحد منهما يشارك الآخر فيما ينفرد بكسبه ليشاركه الآخر في مثل ذلك فلم يصح، أصله إذا قال: اعتبر في مالك لنفسك واتجر أنا في مالي لنفسي فما ربحت ذلك نصفه وما ربحت أنت فلي نصفه، وإنما شرطنا أن يكونا في موضع واحد لأن التساوي في العمل لما كان معتبرًا وكان لا يمكن الرفق والمعاونة إلا على هذا الوجه وجب اعتباره.
وإنما أجزنا الشركة بالعروض وصفتها: أن يخرج أحدهما ثوبًا والآخر ثوبًا أو عرضا (^١) غيره، ويعقدا الشركة بينهما على أن يكون الربح بقدر رأس المال فيصح عندنا وإن لم يذكر أثمانًا ولا قالا: أن ثمن هذا الثوب كذا وثمن هذا الآخر كذا، وإذا سكتا عن ذلك انعقدت الشركة بينهما على قيمة العروض فيكون رأس مال كل واحد قيمة عرضه وسواء كانت العروض مما يتميز أعيانها الثياب والدراهم السود مع البيض، أو مما لا يتميز كالحنطة والعسل، وقال الشافعي: إن كانت الشركة على أثمان العروض صحت (^٢) مثل أتى يقول أحدهما: ثمن عرضي مائة، ويقول الآخر: ثمن عرضي مائتان فيعقدا الشركة على ذلك ويكون رأس المال ثمن العرضين، فأما إن سكتا فينظر: إن كان العرضان لا يعرفان بأعيانها ولا يتميزان بالخلطة، فإن الشركة تصح بينهما، وإن كانت مما يتميز كالثياب وغيرها فلا تصح مع سكوتهما، ودليلنا على جواز الشركة بالعروض على الوجه الذي قدرناه (^٣) قوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (^٤) ولأن العروض أعيان أموال، فجازت الشركة فيها وإن لم يسميا أثمانها اعتبارًا بما لا يتميز.
…
_________________
(١) في (ق): أو عوضا.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ١٠٩، الإقناع ص ١٠٧.
(٣) في (ق): جوزناه.
(٤) سورة المائدة، الآية: ١.
[ ٢ / ١١٤٩ ]
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (^١)